الباب الأول شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل.
الفصل الثاني: في التعريف بأصل الكتاب وصاحبه، ومنهج ابن رجب فيه ومصادره في العلل.
الفصل الثالث: دراسة حول علم العلل، من خلال كتاب ابن رجب.
الفصل الرابع: دراسة في مصطلح الحديث، من خلال كتاب شرح علل الترمذي.
[ ١٥ ]
الفصل الأول مقدمة في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: العلة في اللغة والاصطلاح، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العلة في اللغة.
المطلب الثاني: العلة في الاصطلاح.
المبحث الثاني: ميدان علم العلل، وغايته وأشهر علمائه ومصنفاته:
تمهيد،
المطلب الأول: ميدان علم العلل وغايته.
المطلب الثاني: أهميته واتساعه.
المطلب الثالث: أشهر العلماء المشتغلين بالعلل.
[ ١٦ ]
والثالث: العلة المرض، وصاحبها معتل، قال ابن الأعرابي: "عل المريض يعل فهو عليل".
وقال في القاموس: "اعتله وأعله الله - تعالى - فهو معل وعليل، ولا تقل: معلول والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج". وقال في اللسان: إنما هو أعله الله فهو معل، إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسلول، من أنه جاء على جننته وسللته.
والمحدثون يطلقون على الحديث الذي في عله "معلول"، (وكذا وقع في كلام البخاري والترمذي الدارقطني والحاكم وغيرهم) . وقد أنكر بعض العلماء هذا، كما سبق في اعتراضهم على المتكلمين، (وقال إن المعلول في اللغة اسم مفعول من عله إذا سقاه السقية الثانية، وتعقبهم آخرون فقالوا: قد ذكر في بعض كتب اللغة: عل الشيء إذا أصابته علة فيكون لفظ معلول هنا مأخوذا منه.
قال ابن القوطية: (عل الإنسان: مرض، والشيء أصابته العلة فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال ابن هشام في شرح بانت سعاد:
(تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنها منهل بالراح معلول»
والراجح في هذه المسألة أن "معلول" موفق للغة ومنسجم مع قواعدها إذا
[ ٢٠ ]
كان مشتقا من عله بمعنى سقاه الشربة الثانية، وهو معنى "معلول" في الشاهد الذي ذكره ابن القوطية وليس كما أراده شاهدا للعلة بمعنى المرض، لأن "معلول" في البيت مرتبط بمنهل، والمنهل هو المورود في المرة الأولى، والمعلول هو المورود في المرة الثانية.
ولما كان من معاني "عل" في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه، لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة.
وكما يقال "معلول" بهذا المعنى فإنه يقال "معل" لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال "معلل" فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقا من "علله" بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى "الحديث المعلل": هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به.
المطلب الثاني العلة في اصطلاح المحدثين
تقاربت عبارات أهل المصطلح في تعريفهم العلة في الحديث. وأول كتاب ذكر تعريفا للعلة هو "معرفة علوم الحديث" للحاكم، وقد قال فيه: "وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل". ويقول الحاكم أيضا: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل".
وهذا من الحاكم محاولة أولى لتحديد مفهوم عام للعلة، ولا يمكن أن نسميه حدا بما يحمله الحد من الضوابط. كما يلاحظ في كلام الحاكم قصر العلة على ما لا مدخل للجرح والتعديل فيه، وهو مخالف لمنهج كتب العلل التي احتوت على علل سببها جرح الراوي، وسيأتي الكلام على هذا.
[ ٢١ ]
وجاءت عبارة أبي عمرو بن الصلاح أكثر تحديدا من عبارة الحاكم فقال: "المعلول هو الذي أطلع فيه على عله تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر"، وفي هذا التعريف دور لأنه أدخل "العلة" في تعريف المعلول إلى جانب أنه ذكر علة الإسناد، ولم يشمل هذا التعريف علة المتن، التي لا تقل أهمية عن علة الإسناد.
وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤هـ) فقد عرف العلة بقوله: "العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته". ويلاحظ على هذا التعريف تكرار الألفاظ فيه، وقوله "طرأت" يشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا، وليس ذلك بلازم، إذ قد تدخل العلة على الحديث الصحيح، وقد يكون الحديث من أصله معلولا، كأن يظهر بعد البحث أن الحديث لا أصل له، وإنما أدخل على الثقة فرواه.
وقد نقل برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥هـ) في نكتة على ألفية العراقي، كلاما آخر للعراقي، جاء فيه: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح " وأما الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) فقد ذكر في تعريف المعلل أثناء كلامه على أنواع الضعيف فقال "ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فهو المعلل"، ولا يصلح هذا لأن يكون حدا للعلة، إذ هو بيان لطرق الكشف عن العلة.
وما نختاره من هذه التعاريف هو ما نقله البقاعي عن العراقي: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح". وهو تعريف جامع مانع.
[ ٢٢ ]
وفيما يلي بيان لعناصر هذا التعريف يوضح أسباب اختياره:
(أ) في قوله "خبر" ذكر لعلة السند وعلة المتن لأن الخبر يشمل السند والمتن.
(ب) وفي قوله "ظاهرة السلامة" بيان أن العلة تكون في الحديث الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.
(ج) قوله "اطلع فيه بعد التفتيش" دليل على خفاء القادح، وعلى إمعان النظر ولا يكون ذلك إلا من الناقد الفهم العارف.
(د) وقوله "على قادح" تعميم لأسباب العلل لتشمل العلل التي مدارها الحرج، وتلك الناشئة عن أوهام الثقات وما يلتبس عليهم ضبطه من الأخبار. وبذلك يكون هذا التعريف مطابقا لواقع كتب العلل التي اشتملت على أحاديث كثيرة أعلت بجرح راو من رواتها.
[ ٢٣ ]
ينتهي بكلمة أو سطر أو صفحة، أو مجموعة من الأقوال، في الرجل موضع الجرح أو التعديل، وأما هذا الذي معنا فإنه يواكب الثقة في حلة وترحاله، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه، ومتى ضبط، ومتى نسي، وكيف تحمل، وكيف أدى. ولذلك نجد علي بن المديني يخرج علل ابن عيينة في ثلاثة عشر جزءا، وسفيان بن عيينة ثقة ثبت، ولكن هذا لا يعني سلامة أحاديثه كلها فهو بشر يخطئ ويصيب، وإن كان خطؤه نادرا، ولكن كم يكون حجم هذا النادر من بين ألوف الأحاديث التي يرويها؟
وهذا النوع من النقد أفرده الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) في كتاب سماه "التمييز"، وقال في مقدمته: " فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم، إذا قال: هذا حديث خطأ، وهذا حديث صحيح، وفلان يخطئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت انهم استعظموا ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضيين، حتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ رواياتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدح علم غيب لا يوصل إليه"
ويمضي الإمام مسلم فيقول:
"وبعد، فإن الناس متباينون في حفظهم لما يحفظون، وفي نقلهم لما ينقلون، فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقي لما يلزمه توقيه فيه، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أو تلقين يلقنه من غيره، ومنهم من همته حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها فيتهاون في حفظ الآثار يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدى إليه عنهم".
وأكثر من هذا فإن الإمام مسلما لا يبرئ أحدا من هذا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا: "ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم
[ ٢٦ ]
فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل - إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله".
وهكذا فإن الإمام مسلما يكشف لنا بجلاء ووضوح عن مجال هذا النوع من النقد فمجاله أحاديث الثقات وهدفه تنقيتها من الأوهام والأخطاء، وعلى لوحات كتابه نجد تطبيقات كثيرة لهذا النقد، وسنختار مثالا منها يدور حول وهم رجل من أكابر المحدثين الثقات الأثبات وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ) قال الإمام مسلم: "حدثنا الحسن الحلواني (ثنا) يعقوب بن إبراهيم (ثنا) أبي عن صالح عن ابن شهاب: أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه أن النبي - ﷺ - صلى ركعتين ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله - ﷺ - "لم تقصر الصلاة، ولم أنس" قال ذو الشمالين: فقد كان ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، وقال: أصدق ذو اليدين قالوا: نعم، فقام رسول الله - ﷺ - فأتم ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان إذا شك الرجل في صلاته.
قال ابن شهاب: "وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلما يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين. وهم غير محفوظ، لظاهر الأخبار الصحاح عن النبي - ﷺ - في هذا".
حدثنا أبو كريب (ثنا) أبو أسامة (ثنا) عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ثنا) إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن
[ ٢٧ ]
أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمر، وأن كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله - ﷺ - حين سها في صلاته، يوم ذي اليدين، سجد سجدتين بعد إذ أتم الصلاة.
المطلب الثاني أهميته واتساعه
بالرغم من أن علم العلل قسم من أقسام علم الحديث دراية، إلا أن العلماء ركزوا عليه وأعطوه الأهمية القصوى حتى قال الحاكم: "معرفة علل الحديث. وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل".
وحقا إن هذا العلم رأس علوم الحديث وأوسعها وأخفاها وأدقها وأهمها ولولاه لاختلط الصحيح بالسقيم لأن الأصل في أحاديث الثقات الاحتجاج بها والالتزام بقبولها وما يدخل عن طريق الثقات والحفاظ لا يدخل عن طريق الضعفاء والمجروحين، لأنه كما يقول الحاكم أبو عبد الله: "فإن حديث المجروحين ساقط واه وعلة الحديث تكثر في حديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا".
وأما اتساع هذا العلم فسنرى - بعون الله ومشيئته - في مباحث أنواع العلل أن معظم علوم الحديث يدخل في العلل، فقد يعلل الحديث بالانقطاع أو الإرسال أو الأعضال أو الإدراج أو القلب، أو الاضطراب، ولكن الذي يميز علم العلل عن هذه الفروع، هو ما تتضمنه العلة من الخفاء إذ يقع الإرسال أو الانقطاع أو الإدراج في حديث الثقات ويصعب تمييزه والحكم عليه، وينطلي على أكثر المحدثين، حتى يتنبه جهابذتهم ونقادهم إلى هذا القادح الذي يتصف بالخفاء.
وخلاصة القول أن القادح منه الخفي ومنه الجلي، ومنه ما كان في حديث الثقات، ومنه ما كان في حديث المجروحين والضعفاء. فما كان خفيا وفي حديث
[ ٢٨ ]
الثقات فهو داخل في علم العلل، ولا أنسى أن أقول: إن معيار خفائه سؤال الحفاظ عنه، ووروده في كتب العلل.
وأما ما نجده في كتب العلل من أحاديث أعلت بالجرح كأن يقال في أحد رواتها: متروك أو منكر الحديث، أو ضعيف، فيمكن حمل هذه القوادح على علم العلل وإلحاقها به إذا وردت في أحاديث الثقات، كرواية الزهري عن سليمان بن أرقم، ورواية مالك عن عبد الكريم أبي أمية، ورواية الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، فرواية هؤلاء الأئمة الجهابذة عن هؤلاء الضعفاء توقع كثيرين في العلة اعتمادا على تثبت هؤلاء الأئمة، ومكانة الزهري ومالك والشافعي تخفي أمر هؤلاء المتروكين والضعفاء.
وقد يلتبس أمر راو ما على أحد الحفاظ النقاد، فيروي عنه، ويكون الحديث معلولا بجهالة أمر هذا الراوي أو بنكارته، ولا تدرك هذه الجهالة والنكارة إلا بمعرفة كبار النقاد.
وهذا تخريج لوجود مثل هذه القوادح التي ذكرت في كتب العلل.
وقد ذكر أكثر المصنفين في علوم الحديث أن العلة قد تطلق على أنواع من الجرح، وذلك بعدما ذكروا أن غالب العلل في أحاديث الثقات، ولذلك نجد ابن الصلاح يقول: "وقد يعلون بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وسوء الحفظ وفسق الراوي، وذلك موجود في كتب علل الحديث"، وهذا ما ذكره ابن كثير والعراقي، ولكنهم لم يحاولوا تخريج وجود هذه الأنواع في كتب العلل. أما السخاوي فقد تنبه لهذا فقال: ولكن ذلك منهم - أي أصحاب كتب العلل الذي يعلون بالجرح - بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر ليخبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده.
[ ٢٩ ]
المطلب الثالث أشهر علماء هذا الفن
لقد قيض الله تعالى لميدان علم الحديث والعلل أعلاما عبدوا مساربه. فكان شعبة بن الحجاج أبو بسطام (المتوفى سنة ١٦٠هـ) من رواده الأوائل وشعبة هذا قال عنه الإمام الشافعي - ﵀ -: "لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو حاتم الرازي: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم بأنه ثقة. وقال يحيى بن سعيد: كان شعبة أعلم الناس بالحديث".
قال ابن رجب في معرض ترجمته لشعبة بن الحجاج: "وهو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم".
وقال السمعاني صاحب كتاب اٍلأنساب: "هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين". وهذه العبارة تكفي لأن نعرف من هو شعبة. وفي كتب العلل والرجال يتردد اسمه في كل صفحة، وكافة النقاد بعده يتسابقون في نقل عباراته والبحث عن نظراته في الرجال والعلل. وخلاصة القول في شأن هذا الرجل أن الحديث أصبح صناعة وفنا على يديه.
ومن فرسان هذا الميدان وأفذاذه يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة ١٩٨هـ) خليفة شعبة والقائم بعده مقامه، وعنه تلقاه أئمة هذا الشأن
[ ٣٠ ]
كأحمد وعلي ويحيى بن معين، وقد كان شعبة يحكمه على نفسه في هذا العلم، هذا قول ابن رجب فيه - ﵀ -.
قال أحمد: لم يكن في زمان يحيى القطان مثله كان تعلم من شعبة وقال ابن معين: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى بعينيك مثل يحيى بن سعيد القطان. وقد ترجم له ابن رجب ترجمة تليق بمقامه، وترفع شأنه، وقد ذكر ابن رجب أن ليحيى القطان كتابا في العلل فيكون بذلك أول من صنف في هذا العلم. وقد وصفه ابن الأثير بوصف جامع أوقفني على عظمة هذا الرجل، وشدني إلى مزيد من التعرف عليه فقال: "وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الرجال". وقد صحب يحيى القطان شعبة مدة عشرين عاما فاكتسب منه مهارة فائقة ظهرت آثارها فيما نقل عنه، وفي التلاميذ الذين تلقوا عنه كيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وقل أن يجد الباحث قضية في العلل والرجال خلت من رأي ليحيى بن سعيد، وقد بلغ من علو كعبه في النقد أن قبله شيخه شعبة حكما بينه وبين مخالفيه، قال عبد الرحمن بن مهدي:
اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا اجعل بيننا وبينك حكما. فقال: قد رضيت بالأحول، يعني يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال له شعبة: ومن يطيق مثل نقدك يا أحول؟ " ويعلق ابن أبي حاتم على هذه القصة، فيقول: "هذه غاية المنزلة إذا اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من دالته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة".
[ ٣١ ]
ومن رجال هذا الفن الحاذقين فيه عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة ١٩٨هـ)، وهو الذي قال عنه علي بن المديني: "لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أنني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيما أثبت عندك عبد الرحمن بن مهدي أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توق حسن".
وأما يحيى بن معين بن عون المري أبو زكريا (المتوفى سنة ٢٣٣هـ) فإليه انتهى علم العلل حتى قال عنه الإمام أحمد: "ههنا رجل خلقه الله لهذا الشان". ومن آثاره التي وصلتنا "التاريخ والعلل" وفيه علم غزير ومعرفة واسعة في علم الرجال والعلل، ولم يكتب هو بيده شيئا وإنما جمع عدد من تلاميذه أخباره ومسائله في العلل كعثمان الدارمي، وعباس الدوري، وابن الجنيد، ومضر بن محمد، وابن محرز، وخالد بن الهيثم. وقل أن نجد رجلا لم يتكلم ابن معين فيه جرحا أو تعديلا، ولقد عرف أهل زمانه مكانته به بالمدينة والمنادي ينادي: هذا الذي ذب الكذب عن أحاديث رسول الله - ﷺ -.
ومن كبار النقاد ورجال العلل أبو الحسن علي بن جعفر المديني (المتوفى سنة ٢٣٤هـ) شيخ البخاري، قال عنه أو حاتم الرازي: "كان علي بن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل". وقد ترجم له ابن رجب في شرح
[ ٣٢ ]
علل الترمذي وذكر له قائمة من الكتب زادت على الثلاثين كتابا. معظمها في العلل - مثل:
- علل المسند في ثلاثين جزءا.
- العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا.
- علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا.
- الوهم والخطأ في خمسة أجزاء.
- من حدث ثم رجع عنه جزء.
- اختلاف الحديث، خمسة أجزاء.
- العلل المتفرقة ثلاثون جزءا.
ومن هؤلاء الأفذاذ الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة ٢٤١هـ) وباعه في الحديث عامة، وفي العلل خاصة طويل.
ولقد كتب عنه تلاميذه مئات الأجزاء في العلل وفي سائر فنون الحديث. ومن هذه الأجزاء ما كتبه ابنه عبد الله عنه وقد بلغ كتابه" العلل ومعرفة الرجال" اثني عشر جزءا مخطوطا. وقد ترجم له ابن رجب - ﵀ - ترجمة تليق بمقامه.
وأما الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦هـ) فقد وصفه تلميذه مسلم بن الحجاج بقوله: "أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله".
وله كتاب في العلل ذكره ابن حجر في المعجم المفهرس له، وابن خير في فهرسته.
[ ٣٣ ]
الأول: "العلل الصغير"، وهو ملحق بكتابه الجامع.
والثاني: العلل الكبير ومعظمه منتزع من كتاب الجامع.
وممن صنف في العلل أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر الدمشقي (المتوفى سنة ٢٨٠هـ) وله في ذلك كتاب التاريخ وعلل الرجال".
وللحافظ أبي بكر أحمد عمرو بن عبد الخالق المعروف بالبزار، (المتوفى سنة ٢٩٢هـ) كتاب مهم هو "المسند الكبير المعلل".
وقد هذبه ابن حجر، وتوجد منه نسخة في مكتبة مراد ملا.
وممن صنف في العلل أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي، (المتوفى سنة ٣٠٧هـ) وقد ترجم له الذهبي في تذكرته، وقال: له كتاب في علل الحديث يدل على تبحره، وذكره ابن خير في فهرسته.
وصنف الحافظ البارع أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرجسي النيسابوري (المتوفى سنة ٣٦٥هـ) كتابا في العلل. وهو مسند كبير مهذب معلل في ألف جزء وثلاثمائة جزء - وقد نقل الذهبي عن الحاكم قوله: هو سفينة عصره في كثرة الكتابة، وقال: وعلى التخمين يكون مسنده في خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فعندي أنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه، وكان مسند أبي بكر الصديق بخطه في بضعة عشر جزءا بعلله وشواهده، فكتبه النساخ في نيف وستين جزءا.
وقد تلقي عنه هذا الفن محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري
[ ٣٥ ]
وللحاكم أبي عبد الله محمد بن البيع كتاب في العلل، وقد أفرد للعلل مبحثا في كتابه "معرفة علوم الحديث".
وللحسن بن محمد البغدادي المعروف بالخلال (المتوفى سنة ٤٣٩هـ) كتاب في العلل.
ولابن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى سنة ٥٩٧هـ)، كتاب العلل المتناهية".
وأما عبد الرحمن بن أحمد بن رجب (المتوفى سنة ٧٩٥هـ) فقد شرح كتاب الترمذي الجامع ثم شرح كتاب العلل الصغير الملحق بالجامع وأضاف عليه إضافات مهمة في علم العلل، وهذا الجهد كله منصب على هذا الكتاب لخدمته وإظهاره إن شاء الله.
وقد صنف أحمد بن علي بن حجر (المتوفى سنة ٨٥٢هـ) كتابا سماه الزهر المطلول في الخبر المعلول".
وكثير من هذه الكتب طوته يد الحدثان وبقي بعضهما رهين دور المخطوطات، ولم يطبع منها سوى مجلد من علل الإمام أحمد، وعلل ابن أبي حاتم، وجزء من علل ابن المديني
[ ٣٧ ]
الفصل الثاني في التعريف بأصل كتاب شرح علل الترمذي ومنهج ابن رجب فيه وأشهر مصادره في العلل
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف بأصل الكتاب وصاحبه.
المبحث الثاني: نظرة في مناهج كتب العلل المتقدمة.
المبحث الثالث: منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي.
المبحث الرابع: دراسة لأشهر مصادر ابن رجب في العلل.
[ ٣٩ ]
المبحث الأول التعريف بأصل الكتاب وصاحبه
تمهيد
لما كان منطلق هذه الدراسة كتاب "شرح علل الترمذي" فإنه منطق البحث يلزمنا أن نعرف بأصل الكتاب وصاحبه. وسيكون هذا - إن شاء الله - على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن الأصل الذي هو "العلل الصغير" مبثوث في شرح ابن رجب، وقد تكلم عليه فأجاد وأفاد. وأما صاحبه فهو الإمام الترمذي وهو غني عن التعريف والبيان.
وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين اثنين:
المطلب الأول التعريف بكتاب العلل الصغير
صنف الإمام الترمذي كتابه المسمى بـ "الجامع" على الأبواب المعللة، ثم ختم كتابه بكتاب صغير في العلل، بين فيه مقاصده، ومصادره ورجاله ومصطلحاته.
ومع أن هذا الكتاب مسبوق بجهود متفرقة في علم الدراية، كما هو مسبوق بمقدمة صحيح مسلم، التي حددت مقاصد مسلم ورجاله، وبعض آرائه، رغم كل هذا فإن كتاب العلل الصغير للترمذي جاء أتم وأكمل، وجاز لنا أن نعتبره أول مصنف في علوم الحديث، وموضوعاته أشمل وأدق من موضوعات "المحدث الفاصل" للرامهرمزي الذي قيل فيه: أنه أول مصنف في علوم الحديث.
[ ٤١ ]
ولما كنت سأكل الكلام عن هذا الكتاب لشارحه فسأقتصر هنا على ذكر مقاصد الكتاب. وهي كما يلي:
١ - بين الترمذي أن الأحاديث المذكورة في كتابه معمول بها كلها ما عدا اثنين ذكرهما.
٢ - حدد الترمذي أسانيده إلى الفقهاء الذين ذكر مذاهبهم في كتابه.
٣ - بين الترمذي فيه مقصده العام من كتابه "الجامع"، وأنه كتاب معلل.
٤ - ساق فيه الترمذي أدلة كثيرة على جواز الكلام في الرجال والعلل، بل على وجوبه.
٥ - قسم الرواة فيه إلى أربعة أقسام:
(أ) قوم من الثقات الحفاظ الذين يندر الخطأ في حديثهم.
(ب) قوم من الثقات الذين يكثر الغلط والخطأ في حديثهم.
(ج) قوم من جلة أهل العلم غلب عليهم الخطأ والوهم فلا يحتج بحديثهم إذا انفردوا.
(د) قوم من المهتمين وأصحاب الغفلة، وهؤلاء لا يحتج بهم.
وفي الكلام عن الرواة ركز الترمذي على تفاوت الحفاظ في الضبط، وأثر ذلك على رواياتهم. وهذا لب علم العلل كما سنرى فيما بعد - إن شاء الله -.
٦ - تكلم الترمذي على الرواية بالمعنى واللفظ، ووضع شروطا لجواز الرواية بالمعنى.
٧ - فصل الكلام في أنواع التحمل.
٨ - تكلم عن الاختلاف في توثيق الرواة وتضعيفهم. وفي هذه إشارة منه إلى أن صاحب الكتاب قد يأخذ عن رجل ضعيف عند غيره، ولكنه ثقة عنده.
[ ٤٢ ]
٩ - تكلم الترمذي عن المرسل وحكمه واختلاف العلماء في قبول المراسيل.
١٠ - تكلم عن اصطلاح "الحسن" في كتابه وحدد مفهومه له، وكذلك ما اشتق منه.
١١ - تكلم عن الغريب وأنواعه، وتكلم عن زيادة الثقة في المتن والإسناد.
هذه هي مقاصد الترمذي في كتابه العلل. وعند كل مقصد من هذه المقاصد يذكر الترمذي جملة من الأخبار المسندة.
وهذه المقاصد تخدم حديث الثقات وتلقي ضوءا باهرا على كتاب الترمذي المعلل، فكانت بهذا داخلة في علم العلل، وهي بلا شك البواكير النظرية لهذا العلم.
المطلب الثاني التعريف بالإمام الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩هـ)
هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى السلمي نسبة إلى بني سليم، الضرير، الترمذي، البوغي، نسبة إلى بوغ، قرية من قرى ترمذ.
ولد هذا الإمام سنة تسع ومائتين على أرجح الأقوال وكان ذلك بترمذ، وتلقى العلم في صباه على شيوخ بلدته والقادمين إليها وإلى ما جاورها. وكان من أوائل شيوخه إسحاق بن راهويه. ثم رحل إلى الآفاق يتلمس العلم رواية ودراية، فتتلمذ على مشاهير عصره، كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستاني، وكان البخاري أكثر الشيوخ تأثيرا فيه، وعنه أخذ الترمذي علم العلل.
[ ٤٣ ]
أما تلاميذه: فقد روى عنه واستفاد منه كثير من علماء عصره منهم مكحول بن الفضل، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو العباس المحبوبي، والحسين بن يوسف الفربري وقد تلقى عنه هؤلاء كتابه "الجامع" وكتاب "الشمائل" وكتاب "العلل الكبير" وقد ذكر في العلل الصغير أن له كتابا آخر جعله للآثار الموقوفة.
وقد امتاز الإمام الترمذي بحافظة قوية حتى كان يضرب المثل بحفظه وضبطه. وكان مع هذا على جانب من الورع والاحتياط في الدين والزهد في الدنيا، وأما علمه بالحديث رواية ودراية فكتابه الجامع شاهد على طول باعه، وحسن تصنيفه، وبراعته في العلل والرجال.
وثناء العلماء عليه كثير، حتى قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: "الحافظ العلم، أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع ثقة مجمع عليه. ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم في الفرائض انه مجهول فإنه ما عرف ولا درى بوجود الجامع ولا العلل التي له".
وقد توفي - ﵀ - بعد ما كف بصره، وكانت وفاته في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. ***
المبحث الثاني نظرة في مناهج كتب العلل المتقدمة
تعرضنا في الفصل الأول من هذا الباب لمفهوم العلة والجهود التي بذلها علماء العلل، وذكرنا أكثر الكتب التي صنفت في هذا المضمار، كل ذلك على طريقة المسح الزمني. أما من حيث المناهج التي سارت عليها هذه المصنفات فقد تنوعت إلى مناهج عدة:
أولًا: فمنها ما كان على طريقة المسائل المتفرقة، والمعارف غير المبوبة، وذلك بأن يجيب إمام من أئمة هذه الصنعة على أسئلة تلاميذه، ثم ينشط واحد من هؤلاء التلاميذ فيجمع هذه المسائل المنثورة المتفرقة في كتاب. وذلك كما فعل عباس الدوري في أجوبه يحيى بن معين وأقواله حيث جمعها في كتاب "التاريخ والعلل" وكذلك فعل عثمان الدارمي، وابن الجنيد، وابن محرز، فكل واحد من هؤلاء أسهم بجمع هذه المسائل المتفرقة.
وكما نقلت مسائل يحيى بن معين فقد نقلت مسائل أحمد وأقواله في العلل، إذ قام عدد من تلاميذه يجمعون هذا النوع من المعارف الحديثية، منهم عبد الله بن أحمد الذي جمع مسائل والده في "العلل ومعرفة الرجال" وكذلك فعل صالح بن الإمام أحمد، والميموني، وابن هانئ، والأثرم، كل واحد من هؤلاء له كتاب جمع فيه مسائل في العلل عن الإمام أحمد.
ثانيا: ومنها ما كان على طريقة المسانيد المعللة، وذلك بان يصنف إمام معتبر علل الحديث على مسانيد الصحابة، فيذكر حديث الصحابي الواحد، ثم
[ ٤٤ ]
يذكر علة كل حديث بعد الفراغ منه، وذلك كما فعل يعقوب بن شيبة في "المسند المعلل" وأبو بكر البذار في "المسند الكبير المعلل" والدارقطني في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية".
ثالثا: ومنها ما كان على "طريقة الأبواب المعللة" وذلك بأن يصنف الحديث على الأبواب الفقهية، ثم تذكر علل كل باب بعد الفراغ منه أو علة كل حديث بعده، وذلك كما فعل أبو عيسى الترمذي في كتابه "الجامع" المشهور "بسنن الترمذي" وكما فعل عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه "علل الحديث".
رابعا: ومنها ما كان على طريقة جمع الحديث المعلل لشيخ واحد، وذلك كما فعل علي بن المديني عندما صنف في علل الحديث ابن عيينة. وهذه الطريقة مفيدة في معرفة نسبة العلل في حديث هذا الشيخ.
خامسا: ومنها ما كان على طريقة التراجم المعللة، وقد تكون هذه التراجم إما على الطبقات أو على الترتيب الهجائي، وفيها يعمد المصنف إلى الرواة فيذكرهم ويذكر بعض العلل التي عرف بها المترجم. وذلك ككتاب العقيلي "الضعفاء" الذي احتوى على تراجم مرتبة ترتيبا هجائيا، و"الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث" لابن عدي، كذلك.
سادسا: أما كتب مصطلح الحديث "كمعرفة علوم الحديث" للحاكم، و"مقدمة ابن الصلاح" ومن تابعهما من المصنفين في المصطلح فقد جعلوا الحديث المعلل نوعا من الأنواع التي تعرضوا لها، وذكروا شيئا من تعريف العلة وأنواعها، ولكنه على غاية من الاختصار، وهذا يناسب موضوع كتب المصطلح والهدف منها، وهو التعريف بعلوم الحديث عامة.
وهذه هي الرمز المنهجية لكتب العلل، وأما كتاب ابن رجب ففي المطلب الثاني تفصيل لمنهجه وبيان لمزاياه، ان شاء الله تعالى
[ ٤٦ ]
المبحث الثالث منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي
تمهيد:
يتألف شرح علل الترمذي من قسمين رئيسين أطلقنا على كل قسم اصطلاح "باب". ولاحظنا أن لكل قسم من هذين القسمين سمات منهجية خاصة، كما أن للكتاب كله سمات منهجية عامة. وبهذا يكون مبحث المنهج في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهج ابن رجب في الباب الأول "شرح علل الترمذي".
المطلب الثاني: منهج ابن رجب في الباب الثاني "القواعد والفوائد".
المطلب الثالث: ملاحظات عامة على منهج ابن رجب في الكتاب. ***
المطلب الأول "شرح علل الترمذي"
منهج ابن رجب في الباب الأول:
تناول ابن رجب كلام الترمذي في "العلل الصغير" بالشرح والتوضيح، والاستدراك والنقد، والتكميل والتمثيل. وقد استقرأت منهج ابن رجب في هذا القسم فوجدت ما يلي:
[ ٤٧ ]
أولا - من حيث طريقة ابن رجب في عرض كلام الترمذي:
امتاز عصر ابن رجب والعصور التي تلته بالاتجاه إلى شرح الكتب السابقة أو اختصارها، وذلك في ميادين العلوم المختلفة وخاصة علوم العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والأصول.
وكان لهذه الشروح طريقتها التقليدية التي تتلخص ببث كلام الأصل بين عبارات الشرح، ثم يكون الشرح حلا لألفاظ الأصل وتراكيبه. وأحيانا كثيرة تختلط عبارة الأصل بعبارة الشرح فيقع القارئ في اللبس علاوة على ما في هذا المنهج من الاضطراب في الأسلوب، وعدم الانسجام.
والجدير بالذكر أن هذا الانسجام المفقود هو من السمات البارزة في هذه الشروح حتى ولو كان صاحب الأصل هو صاحب الشرح، فالعراقي الذي يعتبر من مشاهير عصر ابن رجب صنف ألفيته المنظومة في المصطلح، ثم فك كلماتها وعباراتها في شرح سماه "فتح المغيث"، وبالرغم من أن المؤصل هو نفس الشارح، إلا أن تنافر الأسلوب ملحوظ.
أما ابن رجب فقد شرح علل الترمذي بطريقة أخرى فانتهج ذكر كلام الترمذي أولا في الموضوع الواحد، ثم يعقب على كلام الترمذي بالشرح والإيضاح التمثيل، دون أن يلجأ إلى حل الألفاظ والتراكيب، وإنما يكتفي بالإشارة إلى أصل الموضوع ومعناه عند الترمذي، فيكون ابن رجب قد استقل استقلالا تاما في عبارته وأسلوبه، فكانت ثمرة هذا المنهج سهولة العبارة وانسجام التراكيب ووحدة الأسلوب. وفي ظل هذا المنهج يصبح كلام الترمذي كأنه ترجمة للباب. أو رأس موضوع له. أو مدخل مناسب.
ثانيا - من حيث وقوف ابن رجب عند كلام الترمذي:
وابن رجب خير من يشرح كلام الترمذي، ويفصله، ويرفع عنه الإبهام، إلا انه لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى طرق الموضوع من جميع جوانبه، ويضيف إلى قول الترمذي أقوال خلفه من العلماء.
[ ٤٨ ]
وسبب هذا التوسع، عند ابن رجب، إنما يرجع إلى أن كتاب "العلل الصغير" يعتبر من أوائل كتب المصطلح في ذلك الوقت المبكر، الذي لم يكن فيه التصنيف في هذا الفن قد بلغ رشده بعد، ثم توالت التصانيف بعد الترمذي وجمعت أقوال العلماء في هذا العلم، فكان على ابن رجب أن يضم اللاحق إلى السابق.
وكذلك فإن مكانة الترمذي وإمامته لم تمنع ابن رجب من أن يستدرك عليه، وهي استدراكات قيمة تظهر علم ابن رجب وفضله، وسنرى في الكلام عن "شرح الترمذي" استدراكات ابن رجب الهامة كأن يقول: وفي الباب مما لم يخرجه الترمذي، أما في شرح العلل فإنه يكثر من الاستدراكات، كما في المثال الآتي:
قال الترمذي:
"جميع ما في هذا الكتاب معمول به، وقد أخذ به بعض العلماء، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس - رضي الله عن هما - أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في المدينة، من غير خوف ولا سفر".
وحديث النبي - ﷺ -: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقال ابن رجب:
"وكان مراد الترمذي - ﵀ - أحاديث الأحكام. وقد روى في كتاب الحج حديث جابر في "التلبية عن النساء"، ثم ذكر أن الإجماع أن لا يلبى عن النساء، فهذا ينبغي أن يكون حديثا ثالثا مما لم يؤخذ به عند الترمذي".
(وقد وردت أحاديث أخر، ذكر بعضهم أنه لم يعمل بها أيضا، فمنها ما أخرجه الترمذي، وأكثرها لم يخرجه. فمنها حديث: "من غسل ميتا
[ ٤٩ ]
فيغتسل، ومن حمله فليتوضأ" وقد قال الخطابي: لا أعلم أحدا من العلماء قال بوجوب ذلك ولكن القائل باستحبابه يحمله على الندب، وذلك عمل به.
ومنها، حديث: "أنه - ﷺ - توضأ ثلاثا، ويقال: ومن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم". ومنها حديث: "التيمم إلى المناكب والآباط"، ومنها حديث: "التيمم إلى نصف الذراعين"، ومنها حديث: "الأكل في الصيام بعد الفجر" ومنها حديث أنس "في أكل البرد للصائم") .
وهكذا فإن ابن رجب يستمر في استدراكه على الترمذي فيذكر أحاديث صحت أسانيدها، ولكن العمل على خلافها.
ثالثا - الاعتراض على كلام الترمذي أحيانا:
وكما أن ابن رجب يشرح عبارة الترمذي، ويضيف إليها ويستدرك عليها فإنه كذلك ينقد ويعترض حيث يجد مبررا لذلك.
وفيما يلي مثال لهذه الاعتراضات:
"قال الترمذي: وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء، فما كان من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا محمد بن عثمان الكوفي، (ثنا) عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري. ومنه ما حدثنا مكتوم أبو الفضل بن العباس الترمذي، (ثنا) محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان.
وما كان فيه من قول مالك بن أنس فأكثره ما حدثني به إسحاق بن موسى الأنصاري، (ثنا) معن بن عيسى القزاز، عن مالك ".
وهكذا فإن الترمذي يذكر أسانيد أقوال الفقهاء، ولكن ابن رجب لم يكتف بأسانيد الترمذي المجملة سيرا على قواعد المحدثين في قبول الإسناد ولذلك فإنه سجل اعتراضه على هذا المنهج، فقال:
[ ٥٠ ]
"أعلم أن أبا عيسى - ﵀ - ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين كسفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وذكر فيه كثيرا من العلل والتواريخ والتراجم، ولم يذكر أسانيد أكثر من ذلك، فذكر ههنا أسانيد مجملة، وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيده، حيث ذكر أن بعضه عن فلان، وبعضه عن فلان، ولم يبين ذلك البعض".
رابعا - الكلام على منهج الترمذي في الجامع:
تكلم الترمذي في العلل الصغير عن منهجه في الجامع، وجاء ابن رجب ففضل الكلام عن هذا المنهج. وأصبح من الضروري للباحث في سنن الترمذي أن يطلع على شرح علل الترمذي، بل إن هذا الكتاب احتوى على مقارنة ضافية بين مناهج عدد من كتب السنة كالسنن الثلاثة، ومسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم. وأستطيع أن أقول: إن كتاب شرح علل الترمذي لكتاب الترمذي - يشابه "هدى الساري" الذي قدم به ابن حجر لفتح الباري، وتكلم فيه عن منهج البخاري في صحيحه، وهذان الكتابان: شرح العلل، وهدى الساري يستحقان اهتمام الباحثين في السنة، وفيها المقدمة الضرورية التي على ضوئها تكون الفائدة المرجوة من كتب السنة كبيرة.
ولما كان موضوعنا هذا يتناول كلام ابن رجب عن منهج الترمذي في الجامع فسنذكر بعض الأمثلة من شرح العلل على هذا، ولعل من أهم هذه الأمثلة ما يكون منصبا على مقارنة منهج الترمذي بغيره، ولنستمع لابن رجب يحدثنا عن مثل هذا:
قال ابن رجب - ﵀ -: "والذين صنفوا منهم من أفراد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين. ومنهم من لم يشترط الصحة وجمع الصحيح وما قاربه، وما فيه بعض العلل والضعف، وأكثرهم لم يكتبوا ذلك ولم يتكلموا على الصحيح
[ ٥١ ]
والضعيف. وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي، وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إليه، وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة.
وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدا سبق الترمذي إليها، وزاد الترمذي ذكر كلام الفقهاء. وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ، وسفيان في الجامع".
وفي مكان آخر يقول ابن رجب: وقد اعترض على الترمذي - ﵀ - بأنه في غالب الأبواب يبدأ في الأحاديث الغريبة الإسناد، وليس ذلك بعيب فإنه - ﵀ - يبين ما فيها من العلل ثم يبين الصحيح من الإسناد. وكان مقصده - ﵀ - ذكر العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له.
وأما أبو داود - ﵀ - فكان عنايته بالمتون، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض. فكانت عنايته في الحديث أكثر من عنايته في الإسناد.
المطلب الثاني القواعد والفوائد
منهج ابن رجب في الباب الثاني من الكتاب:
يتألف الباب الثاني من الكتاب من مجموعة قواعد وفوائد في علم العلل، وما يتصل به من أحوال الرواة. وكان غرض ابن رجب في هذا النصف الأخير من الكتاب تقريب علم العلل على من ينظر فيه، وقد بدأه بمقدمة، قال فيها:
"ولما انتهى الكلام على ما ذكره أبو عيسى الترمذي - ﵀ - في كتاب الجامع، وآخره كتاب العلل، أحببت أن أتبع كتاب العلل بفوائد آخر مهمة
[ ٥٢ ]
وقواعد كلية، تكون للكتاب تتمة، وأردت بذلك تقريب علم العلل على من ينظر فيه، فإنه علم قد هجر في هذا الزمان".
وفي هذا القسم يجد الباحث نفسه أمام منهج فريد في التصنيف لم يشارك فيه ابن رجب أحد من السابقين، كما سيجد الباحث في هذه القواعد متعة ما بعدها متعة، وتضعه أمام منهج تطبيقي حي.
وفيما يلي عرض للسمات الأساسية لمنهج ابن رجب في هذا الجزء من الكتاب:
أولا - حسن التقسيم ودقته:
وهي سمة أساسية في هذا الجزء من الكتاب تحدد معالم مادته، وتيسر فهمه وإدراكه، ورغم ما في علم العلل من الصعوبة والاتساع إلا أن حسن التقسيم ودقته تجاوزت الصعوبة المعهودة إلى سهولة غير معهودة في كتب العلل السابقة على ابن رجب.
وقد بدأ ابن رجب هذا التقسيم ببيان مكان علم العلل من علوم الحديث، أو على الأخص، من علوم التصحيح والتضعيف، فقال:
"أعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجالهم وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين، لأن الثقات الضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف.
والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على علل الحديث".
[ ٥٣ ]
وبعد أن حدد ابن رجب - ﵀ - مكان علم العلل من علم التصحيح والتضعيف دخل إلى علم العلل فقسمه إلى قسمين رئيسيين:
"القسم الأول: في معرفة مراتب كثير من أعيان الثقات وتفاوتهم، وحكم اختلافهم وقول من يرجع منهم عند الاختلاف.
والقسم الثاني: في معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن أو في بعض الأزمان، أو بعض الشيوخ".
ثانيا - التقعيد:
عرف التصنيف على طريقة القواعد الكلية في علوم العقيدة، والتفسير، والفقه، والأصول، منذ زمن بعيد قبل ابن رجب، الذي لم يكن كتابه القواعد بدعا في هذا اللون من التصنيف رغم ما وصفه به صاحب كشف الظنون فقال"وهو كتاب نافع من عجائب الدهر، حتى أنه استكثر عليه، وزعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان - ﵀ - فوق ذلك، كذا قيل".
وأما قواعد ابن رجب في العلل، والتي نحن بصدد التعليق عليها، فهي ولا شك بدع في موضوعها، وأسلوب جديد في عرض علوم الحديث. وهو وإن لم يأتي بجديد في هذه القواعد إلا أنه جمع قواعد مبددة، ولم شعث فروع متشابهه فكان بهذا أول من علمناه صنف كتابا أفرد فيه قواعد العلل في الحديث. ويكون بهذا قد لفت نظر الباحثين إلى اتجاه جديد في دراسة علوم الحديث ينصب على التقعيد، وممن سار على مثل هذا النهج العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي في كتابه "قواعد في علوم الحديث" وعبد الحي اللكنوي في كتابه
[ ٥٤ ]
"الرفع والتكميل".
وفيما يلي أمثلة من القواعد التي أودعها ابن رجب كتابه هذا:
"قاعدة: الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط.
قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث.
قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثا بإسناد واحد، وانفراد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد منهم ثقة حافظًا فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد والمتون".
قاعدة: قتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - هذه السلسلة لم يثبت منها حديث أصلا من رواية الثقات".
قاعدة: "يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - لم يصح منها شيء مسندا".
قاعدة: "كل شيء روى عبيدة السلماني، سوى رأيه فهو عن علي".
قاعدة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان".
[ ٥٥ ]
المطلب الثالث ملاحظات عامة على منهج ابن رجب في الكتاب
سبق أن عرضنا بعض ملاحظاتنا الخاصة بكل قسم من أقسام الكتاب، وفيما يلي عرض للملاحظات العامة على منهج ابن رجب في كتاب شرح علل الترمذي كله:
أولا: منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي منهج نظري تطبيقي، ونقصد بالنظري أنه يذكر جوانب الموضوع الواحد المتكامل في بناء نظري ضمن تقسيمات علمية دقيقة، ثم لا يترك هذا البناء بعيدا عن التطبيق العملي بل يزوده بالأمثلة المتنوعة معتمدا في ذلك على حشد هائل من مراجع السنة سواء الصحيح منها أو ما كتب في العلل، ولا يترك ابن رجب - ﵀ - قضية نظرية إلا ويؤيدها بشاهد عملي، ففي موضوع مراتب الرواة جعلهم ابن رجب أربع مراتب:
١ - الثقات الحفاظ الذين يندر الغلط في حديثهم.
٢ - الثقات الذين يكثر في حديثهم الوهم والغلط.
٣ - الرواة الذين يغلب عليهم الوهم والغلط.
٤ - المتهمون بالغفلة وكثرة الغلط أو الكذب.
ومع كل زمرة من هذه الزمر نماذج من الرواة وبيان شاف كاف لأحوال ورواياتهم.
وهذا كله في القسم الأول، وكذلك الحال في القسم الثاني الذي هو تعقيبات لابن رجب على الكتاب. ففي موضوع مراتب الثقات، ومعرفة قول من منهم يقدم عند الاختلاف، يذكر مراتب هؤلاء، ثم يعرض حشدا من الأسانيد التي وقع الخلاف بين العلماء في ترجيح بعضها على بعض.
[ ٥٦ ]
وكذلك إذا ذكر القاعدة النظرية فإنه يبتعها بالعديد من الأمثلة التي تجلي هذه القاعدة وتوضحها.
وكل باحث في شرح الترمذي سيجد أن الفرق واسع بينه وبين كتب المصطلح السابقة وذلك في حدود المواضيع التي تناولها، وسيلاحظ أن الكتب السابقة تجنح إلى الجانب النظري أكثر من الجانب العملي، وأما كتاب ابن رجب ففيه توازن بديع بين هذين الجانبين.
ثانيا: وبالرغم من ميل ابن رجب إلى الناحية التطبيقية إلا أنه يورد الأحاديث والأسانيد على درجة بالغة في الاختصار والإيجاز، فيوعر طريق الباحث ويجهده في الوصول إليها. وقل أن نجد حديثا واضحا بإسناده ومتنه يمكنك من سرعة الوصول إليه، بل تجده يقول: "ومنها حديث التيمم إلى نصف الذراعين"، أو يقول: ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم، أو يقول: "حديث ابن عمر في الصلاة" ولا يزيد على هذا. وقد بذلت جهدي لتخريج هذه الأحاديث والأسانيد، فأكملت عمل ابن رجب في هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة.
ثالثا: وابن رجب يغترف مادته وأمثلته من مجموعة كبيرة من المصادر الأصلية ولا يذكر شيئا من كتاب معاصريه أو سابقيه من رجال قرنه. حتى ابن تيمية والذهبي والمزي وابن القيم، حتى هؤلاء لا يوجد لهم ذكر في كتابه. وأكثر اعتماده على رجال القرون الأربعة الأولى. وقد أخذ من كتب العلل السابقة بنصب وافر، وأكثر اعتماده على مسائل الإمام أحمد.
وأما اعتماده على كتب التواريخ والرجال فكبير جدا. ومن مصادره الأساسية تواريخ البخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والضعفاء للعقيلي وأمثال هذه الكتب.
[ ٥٧ ]
وقد لاحظت أثناء تخريج نقول ابن رجب من هذه الكتب دقة الرجل في النقل وأمانته العلمية في نسبة كل قول إلى قائله.
ولما كانت كتب العلل من أهم مصادر ابن رجب، ولأهميتها في هذه الدراسة ولصلتها المباشرة بشرح علل الترمذي فقد أفردت الحديث عنها مبحث مطول
[ ٥٨ ]
المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل
تمهيد
تنوعت مصادر ابن رجب في شتى فنون الحديث حتى أصبح من المتعذر دراسة هذه المصادر ومعرفة مأخذ ابن رجب من كل منها إلا في رسالة مستقلة في مصادر الكتاب.
والجدير بالذكر أن المصادر التي استمد منها ابن رجب هي مصادر أصلية ترجع في غالبها إلى ما قبل القرن الخامس.
ولما كانت هذه الدراسة مخصصة في معظمها للكشف عن العلل، فقد رأيت أن أعقد هذا المبحث لدراسة أشهر كتب العلل التي اعتمد عليها ابن رجب، ومن خلال هذه الدراسة تتبين لنا مناهج متنوعة في العلل، كما سنتبين الفرق بين منهج ابن رجب ومنهج من سبقه من المصنفين في العلل.
وقد جعلت هذا المبحث في ستة مطالب:
المطلب الأول: العلل، لعلي بن المديني.
المطلب الثاني: التاريخ والعلل، ليحيى بن معين.
المطلب الثالث: علل الإمام أحمد بن حنبل.
المطلب الرابع: علل الترمذي الكبير.
المطلب الخامس: علل الحديث، لعبد الرحمن بن أبي حاتم.
المطلب السادس: العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني.
[ ٥٩ ]
المطلب الأول العلل، لعلي بن المديني
لا نكاد نجد صفحة من صفحات "شرح علل الترمذي" إلا وفيها قول لعلي بن المديني أو أكثر، وهذه الأقوال استمدها ابن رجب من كتب العلل التي صنفها هذا الإمام الكبير. وقد ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب نبذة عن الرجل وما صنفه في العلل، وذكرت طائفة من كتبه مثل:
- علل المسند في ثلاثين جزءا.
- العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا.
- علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا.
- الوهم والخطأ في خمسة أجزاء.
- اختلاف الحديث، خمسة أجزاء.
- العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا.
ولم تذكر فهارس المخطوطات سوى كتاب بعنوان "علل الحديث ومعرفة الرجال". ويبدو أن كتب ابن المديني الأخرى قد فقدت. أما هذا الجزء المحفوظ فهو ورقات من كتاب في العلل، يغلب على ظني أنه جزء من كتابه "العلل المتفرقة". وقد نشر هذا الجزء بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
وهذا الكتاب يمثل صورة للزمرة المنهجية الأولى في العلل التي ذكرناها في المبحث الثاني من هذا الفصل، فهو مسائل متفرقة وأجوبة غير مرتبة تنتقل فجأة من موضوع إلى موضوع، ولكن الكتاب بمجموعه يتناول العلل في أربعة أقسام.
القسم الأول:
تكلم فيه ابن المديني عن مقدمات عامة في العلل وعلم الرجال، بين فيها
[ ٦٠ ]
طبقات الرواة في مختلف الأمصار، مع ذكر أول من صنف في الحديث. وفي هذه المقدمات ذكر للمكثرين من الرواة، وإلقاء الضوء على من دار عليه الإسناد منهم من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى زمن ابن المديني. وفيما يلي نص من كلامه:
"قال علي: لم يكن من أصحاب النبي - ﷺ - أحد له أصحاب يفتون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وكان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله ويفتون الناس. وكان أصحاب عبد الله الذين يقرأون بقراءته، ويفتون بقوله، ويذهبون مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، ستة هؤلاء عدهم إبراهيم النخعي، وكان أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله وطريقتهم ومذاهبهم إبراهيم والشعبي، إلا أن الشعبي كان يذهب مذهب مسروق، يأخذ من علي وأهل المدينة وغيرهم، وكان إبراهيم يذهب مذهب أصحابه، أصحاب عبد الله هؤلاء.
وكان أبو إسحاق وسليمان الأعمش أعلم أهل الكوفة بمذهب عبد الله وطريقته، والحكم بعد هذين، وكان سفيان بن سعيد أعلم الناس بهذين وبحديثهم وطريقهم، ولا يقدم عليهم أحدا".
إنها كلمات معدودة يتابع من خلالها ابن المديني الحركة العلمية - الحديث منها خاصة - خلال مئة وخمسين عاما، في الكوفة، بدأها بابن مسعود - رضي الله عن هـ - وانتهى بسفيان الثوري.
وانتهج هذا الأسلوب في مدرسة المدينة بدءا بزيد بن ثابت، وفي مدرسة مكة بدءا بابن عباس وانتهاء بابن جريح، كما تعرض للرواة في الشام والبصرة وواسط.
وبهذا الأسلوب القائم على استقصاء طبقات الرواة يكون علي بن المديني
[ ٦١ ]
قد أرسى أحد الأسس لعلم العلل خاصة وعلم الرجال عامة، ومن خلال كلمات علي بن المديني يصل القارئ إلى التصور الصادق لطرق الرواية وبيان خطوطها عبر الأجيال افتراقا واتفاقا.
أما القسم الثاني:
ففيه عملية استقصاء للرواية عن بعض الرواة، وجاء هذا بعد أن ذكر مسارات الرواية في البلدان. وفي هذا القسم يتابع الرواية عن شخص واحد، فيذكر من سمع منه، ومن لم يسمع. وقد بدأ بالصحابي الجليل زيد بن ثابت، فذكر من روى عنه من أهل المدينة، ثم من روى عنه من أهل الكوفة، ثم من روى عنه ولم يثبت سماعه منه. ثم ذكر بعض الأحاديث كنماذج تطبيقية.
وقد عقد في هذا القسم فصلا عن الحسن البصري، فجاء كلاما ضافيا وافيا أظهر فيه قدرة علمية فائقة فكشف حركة الحديث عن الحسن صحة وعلة. ولعل ابن المديني هو أول من نقل الحديث إلى ميدان الدراسة التحليلية الشاملة المستقصية. ولا بأس أن ننتقل إلى عبارته فلعلها تعطي القارئ مزيد إيضاح وبيان "قال علي: سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلام، ومن عثمان بن أبي العاص ومن أبي بكر، ولم يسمع من عمران بن حصين شيئا، وليس بصحيح، لم يصح عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح ثابت.
قلت: سمع الحسن من جابر؟ قال: لا.
قلت: سمع الحسن من أبي سعيد الخدري؟ قال: لا.
كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي، وخرج إلى صفين. وقال في حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة، إنما
[ ٦٢ ]
هو كقول ثابت، قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع".
ولا يفوتني أن أنبه وأنا أتناول هذا القسم بالعرض، إلى أن الباحثين في الحديث قد يقعون في الوهم والخطأ إذا اعتمدوا على كتب التراجم المشهورة وتركوا كتب العلل، فإن أشخاصا كثيرين يذكر لهم السماع وحقيقة الأمر غير ذلك.
والمقارنة بين ما ذكره علي بن المديني هنا عن الحسن البصري، وبين ما ذكره صاحب تهذيب التهذيب تبين للباحث دقة ابن المديني، وتعميم غيره وتوسعه كأن يقول صاحب التهذيب:
"روي عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان لم يسمع منهم، وعن عثمان وعلي وأبي موسى وعمران بن حصين وجندب البجلي وابن عمرو وابن عباس وابن عمر ومعاوية ومعقل بن يسار وجابر وخلق".
وفي هذه العبارة سمى قوما، وقال: لم يدركهم، وسمى آخرين، وقال: ولم يسمع منهم. وسمى فئة ثالثة، ولم يذكر نفي الإدراك أو السماع. بينما جاء النفي القاطع بعدم سماع الحسن من بعضهم كعمران بن حصين، وابن عباس، وجابر.
القسم الثالث:
وهذا القسم ذكر فيه ابن المديني مجموعة من الأحاديث، وبين علة كل واحد منها، وعرض طرقه عرضا مستفيضا سيرا على أسلوبه الذي سبق وأن أشرت إليه، وفيما يلي مثال من هذا القسم: "قال علي: وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله".
قال: رواه صالح، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
ورواه عقيل، فخالفه صالح في إسناد، فرواه عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.
ورواه ابن عيينة عن أبي هريرة مرسلا.
ورواه معمر عن الزهري عن عبيد الله مرسلا.
ورواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة
ورواه عمران القطان فخالفهم جميعا فرواه عن معمر عن الزهري عن أنس عن أبي بكر، والحديث حديث عبد الله".
القسم الرابع:
وفي هذا القسم تعرض لعدد من الرجال، من حيث العدالة والضعف، وثبوت الرواية عنهم أو انقطاعها كما أن فيه البيان لكثير من الوفيات والكنى:
قال علي: إسرائيل ضعيف.
قال علي: عنبسة البصري الذي يروي عن الحسن، روى عنه عبد الوهاب الثقفي: ضعيف.
قال علي: غاضرة بن عروة الفقيمي شيخ مجهول، لم يرو عن غير عاصم بن هلال.
وبعد هذه الجولة في كتاب العلل لابن المديني، أقول: إن هذه المعرفة أساسية لرجل العلل، ومن يستوعبها ويتقنها فلا بد أن يصبح من رجال هذا الفن. وكلام علي هذا مبثوث في الكتب التي جاءت بعده، ككتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
[ ٦٣ ]
المطلب الثاني التاريخ والعلل، ليحيى بن معين
أقول ابن معين التي اعتمد عليها ابن رجب كثيرة جدا، وهي من كتب عديدة لتلاميذ يحيى الذين سجلوا أقواله وأجوبته على أسئلتهم. وأكثر هذه الأقوال من كتاب "التاريخ والعلل" رواية العباس بن محمد الدوري (المتوفى سنة ٢٧١هـ) وهو أكمل الكتب التي جمعت أقوال يحيى، وقد وصل إلينا سليما من كل أذى، ولله الحمد.
ومادة هذا الكتاب مجموعة كبيرة من آراء يحيى وأجوبته في ميدان الرجال والعلل. ويبدأ كل قول بكلام لعباس الدوري يقول فيه: سألت يحيى، أو سمعت يحيى. وأما كلام عباس الدوري الخاص به فقليل جدا، ويذكر أحيانا إذا لزم التعقيب على كلام الشيخ لتصحيح رواية أو لتفسير غريب.
وكما رأينا في علل ابن المديني فإن كتاب يحيى هذا يسير على نفس الطريقة، ومادته غير منظمة والموضوعات المختلفة متداخلة فيه، فهو يتكلم عن الطبقات، والوفيات والجرح والتعديل، والكنى المتشابهة، والأحاديث المسلسلة.
وفيما يلي نص من هذا الكتاب يكشف لنا منهجه: "سمعت يحيى يقول: عمر بن محمد بن زيد صالح الحديث، وكان ينزل عسقلان مرابطا. سألت يحيى عن حديث يحدث به ابن أبي ذئب عن ابن حسنة الجهني فقال يحيى: هو كذا ابن أبي ذئب عن ابن حسنة عن أبي هريرة. سمعت يحيى يقول: لم يسمع محمد بن إسحاق من طلحة بن نافع شيئا، ولم يسمع حديث ابن عباس في البكر، هو حديث ليس له أصل. سمعت يحيى يقول: حديث هشام بن عروة عن أبيه أن بلالا سمع أمية بن خلف يوم بدر، وهو على بعير له وهو يقول: (يا حدراها)، (ياحدراها)، قال يحيى: قال أبو عبيدة البصري: يريد: هل أحد رأى مثل هذا. هل أحد رأى مثل هذا. سمعت يحيى يقول:
[ ٦٥ ]
أبو مسلمة بن محمد ليس حديثة بشيء".
وقد دخلت مادة هذا الكتاب في جميع كتب الرجال التي جاءت من بعده. إذ هو من المراجع الأصلية في موضوعه، ولكن هذه المادة دخلت في الكتب الأخرى مبوبة منظمة، فما يتعلق بالضعفاء دخل في كتب الضعفاء وما كان عن الثقات دخل في كتب الثقات.
والحصول على المراد من هذا الكتاب صعب وعسير إلا بقراءته كله، والبحث عن نص واحد فيه يلزم منه قراءة مائة وسبع وستين لوحة، وقد لا تجد ما تريد إذا كان النص من رواية غير العباس الدوري كعثمان الدارمي أو ابن محرز، أو ابن الجنيد.
وكتاب التاريخ والعلل يقع في أحد عشر جزءا استغرقت مائة وسبعا وستين ورقة، وبالرغم من اختلاط المادة فيه وعدم تبويبها إلا أن الكتاب يقع في أربعة أقسام رئيسية:
١ - قسم عام: تناول فيه قضايا متفرقة لمختلف البلدان. ويهتم في هذا القسم بالصحابة.
٢ - أهل الكوفة: وقد أعطى يحيى بن معين أهل الكوفة النصيب الوافر من اهتمامه فزادت اللوحات التي تناولت أهل الكوفة عن مائة، وأخبارهم تعق بين لوحة ٤٣/أ - ١٤٦/أوبهذا تكون الكوفة قد أخذت ثلثي الكتاب، فهو بحق موسوعة كوفية، وهو عمدة لكل من يدرس أسانيد الكوفة والحديث فيها.
٣ - تسمية أهل واسط والسواد وأهل المدائن وبغداد من لوحة ٤٦/أ - ١٥٢/أ.
[ ٦٦ ]
٤ - تسمية الشاميين وأهل البصرة والجزيرة إلى نهاية الكتاب لوحة ١٦٧.
وقد ذكر ابن معين رسالة الليث إلى مالك، ورسالة مالك إلى الليث.
وإلى جانب ما ذكرناه عن مادة هذا الكتاب وأنها مسائل متنوعة في مختلف علوم الحديث وعلله، فإنه يمتاز باحتوائه على مجموعة من الآراء الفقهية المستمدة من السنة، ومن خلالها يظهر مذهب أهل الكوفة الفقهي، وفيما يلي بعضها:
"قال يحيى: زكاة الفطر لا بأس أن تعطى فضة.
سمعت يحيى يقول: لا بأس بالصلاة على الجنازة بعدما يصلى عليها، ولا بأس بالصلاة على القبر".
ومن ذلك: "سمعت يحيى يقول، وسألته عن هذه المسائل: قلت له: كم يصلى بعد الجمعة؟ قال: أربع لا أفصل بينهن بسلام. سألت يحيى عن القراءة خلف الإمام، قال: لا أقرأ خلفه إن جهر، ولا إن خافت. وإن قرأ إنسان فليس به بأس".
قلت ليحيى: ما تقول في التكبير بالعيدين السبع والخمس؟ قال: لا أرى أن أرفع يدي في كل تكبيرة".
ومع أن هذه هي مجموعة من الآراء الفقهية إلا أنها ذات ارتباط وثيق بعلم العلل، لصدورها من رجل كيحيى بن معين، إذ أنه بمثابة التصحيح والتضعيف لمجموعة من الأحاديث الواردة في هذه الأبواب.
علل أحاديث من التاريخ والعلل:
وقد اشتمل هذا الكتاب على عدد كبير من الأحاديث المعلة، وبعضها علل في الإسناد والبعض الآخر علل في المتن، ونختار منها بعض الأمثلة:
[ ٦٧ ]
(أ) (سمعت يحيى يقول: حديث هشام عن أبيه عن عائشة: "كان النبي ﷺ يقبل الهدية"، إنما هو عن هشام عن أبيه فقط) وبهذا يكون يحيى قد كشف علة الحديث. فهو مرسل، وليس بمتصل، لأن التابعي وهو عروة بن الزبير، يقول: كان رسول الله ﷺ.
(ب) (سمعت يحيى يقول: كان محمد بن عبيد الطنافسي يصحف في هذا الحديث، عن عبد الملك، عن عطاء: "من قرأ جزءا من القرآن" وإنما يريد من قرأ حرفا من القرآن) .
(ج) "سمعت يحيى يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرا، قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. وقال يحيى: ابن ثماني سنين يحفظ شيئا! ثم قال: ههنا قوم يقولون: إنه أصلح بين علي وعثمان. وهذا باطل".
والكتاب مليء بالأسانيد المعلة التي يناقشها يحيى بأسلوب الحوار مع تلميذه، أو جوابا على سؤاله، وفي كل مرة يكشف عن الخطأ ويبين الصواب.
الجرح والتعديل في التاريخ والعلل:
يعتبر هذا الكتاب من المصادر الرئيسة في الجرح والتعديل، وقل أن تجد رجلا لم يعط يحيى بن معين رأيا فيه وقد تنوعت في هذا الكتاب أسباب الجرح وأنواعه وألقابه وكذلك التعديل. وقل مبتدع لا تجد له ذكرا في هذا الكتاب. وقد ظهر رأي ابن معين جليا في هذا النص: "قلت ليحيى: هكذا نقول في كل داعية يكتب حديثه إن كان قدريا أو رافضيا، أو غير ذلك من أهل الأهواء، من هو داعية؟ قال: لا يكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذاك، ولا يدعوا
[ ٦٨ ]
إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر، ولا يدعو إليه".
أما الألفاظ التي يستعملها في التعديل والتجريح فكثيرة منها ثقة: "سألت يحيى عن مسلم بن خالد الزنجي، فقال: ثقة ثقة ولكن ليس بحجة. محمد بن إسحاق ثقة، ولكنه ليس بحجة".
"ليس به بأس: وإنما كان فيه شيء، زعموا أنه كان طفيليا".
صدوق: "محمد بن أسباط الذي كان بالشام رجل صدوق".
وأما ألفاظ التجريح فمنها: ليس بثقة، ليس بشيء، ولا يسوى فلسا، ولا يكتب عنه، لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء، بين يدي عدل.
اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل عند يحيى:
يلاحظ من يقرأ كتاب ابن معين أنه يعطي عدة أحكام على الرجل الواحد، فقد جاء في هذا الكتاب قولان مختلفان في الحارث الأعور:
"سمعت يحيى يقول: الحارث الأعور، هو الحارث بن عبد الله، ليس به بأس"، فإننا نراه يقول في موضع آخر: حدثنا جرير عن حمزة الزيات، قال: سمع قرة الهمذاني من الحارث الأعور شيئا، فقال له: اقعد حتى أخرج إليك، فدخل مرة الهمذاني واشتمل على سيفه، وأحس الحارث بالشر فذهب". كما ضعف يحيى أسامة بن زيد بن أسلم أكثر من مرة، ثم قال عنه: ثقة.
[ ٦٩ ]
ومع أن هذه الدراسة ليست موجهة للجرح والتعديل، إلا أن الكلام عن منهج الكتاب لا يكتمل إلا بهذا، بالإضافة إلى أن من العلل ما يرتبط بالجرح، كأن يروي الثقة عن ضعيف أو مجهول وغير ذلك.
المطلب الثالث علل الإمام أحمد بن حنبل
اعتمد ابن رجب اعتمادا كبيرا على أقوال الإمام أحمد في العلل، وهذا أمر لا بد منه لأن الإمام أحمد يعتبر بحق أستاذ فن العلل، وقد شاعت أقواله فيه وذاعت حتى استعصت على الإحاطة والحصر، ومرجع ذلك علمه الوفير، وشخصيته الفذة يضاف إليه ما امتاز به الإمام أحمد إذ أقبل عليه كثرة من التلاميذ الأوفياء الأذكياء العلماء، فسألوا الكثير، وكتبوا عنه الكثير. وقد كان بعض هؤلاء التلاميذ ممن يشار إليه بالفضل والفقه قبل التحاقه بصحبة الإمام أحمد. وقد اشتهر من هؤلاء عدد تناقل الناس مسائلهم، وجاء ذكرهم كثيرا في "شرح علل الترمذي" لابن رجب، منهم:
- مهنا بن يحيى الشامي، كتب عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل، ولزمه ثلاثا وأربعين سنة، وأول لقيه له في مجلس سفيان بن عيينة.
- عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، صحب الإمام أحمد من (سنة ٢٠٢ - ٢٢٧هـ) وكان في أحمد مثل ابن جريح في عطاء لكثرة مسائله.
- أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروزي (ت ٢٧٥هـ) .
- أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم، نقل عن الإمام أحمد مسائل وصنفها ورتبها أبوابا.
- أبو طالب، أحمد بن حميد، المتخصص بصحبة الإمام أحمد ومسائله (ت ٢٤٤هـ) .
[ ٧٠ ]
- الحربي أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق (ت ٢٨٥هـ) .
- حنبل بن هاني (ت ٢٦٥هـ) .
- إسماعيل بن سعيد الشالنجي، وله مسائل كثيرة عن أحمد.
- أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، روى عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل.
- صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، ومسائله كثيرة ومشهورة، (ت ٢٦٦هـ) .
- عبد الله بن الإمام أحمد، ومسائله مشهورة، وأكثرها وصل إلينا (ت ٢٩٠هـ) .
- أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، (ت ٢٦٥هـ) وهو الإمام المشهور.
وأما ما وصلنا من هذه المسائل فقليل، وما وصل لم يسلم منه إلا أجزاء يسيرة، فيما عدا كتاب العلل ومعرفة الرجال، وكتاب مسائل الإمام أحمد فقد وصلا كاملين. وأما المسائل الأخرى فقد سلم منها:
(أ) جزء من مسائل الميموني.
(ب) جزء من مسائل صالح بن الإمام أحمد.
(ج) جزء من مسائل المروزي، في العلل.
(د) جزء من مسائل الأثرم في العلل.
والجدير بالذكر أن هذه الكتب متشابهة في طريقة العرض، وهي غير مرتبة ولا مبوبة بينما نجد المسائل الفقهية قد دخل عليها التبويب والترتيب كمسائل
[ ٧١ ]
المروذي في الفقه والجزء الأول من مسائل أحمد، لأبي داود السجستاني. ولمعرفة محتويات هذه الكتب وبيان منهج الإمام أحمد فيها نختار منها كتابا كاملا هو "العلل ومعرفة الرجال". وهو نموذج يمثل كل ما ورد عن الإمام أحمد في العلل.
وهذا الكتاب يرويه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة أيا صوفيا تحت (رقم ٣٣٨٠)، وهذه النسخة يرويها أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف (ت ٣٥٩هـ) عن عبد الله بن الإمام أحمد، وقد قام الدكتور طلعت فوج بيكيت والدكتور إسماعيل جراح أوغلي بتحقيق الجزء الأول من هذا الكتاب، وقد وجدت في خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الثاني عشر من العلل ومعرفة الرجال، ولكنه من رواية أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم عن عبد الله، وعلى هذا الجزء سماع ابن أبي يعلى الفراء.
وفي هذا الكتاب أسئلة وسماعات يقول فيها عبد الله: سألت أبي، وسمعت أبي وحدثني أبي، ومادة الكتاب عرضت بلا ترتيب ولا تصنيف. وحتى الخطوط الرئيسة والأقسام الكبيرة، التي رأيناها في علل ابن معين وابن المديني، حتى هذه معدومة في كتاب "العلل ومعرفة الرجال"، ولكن هذا ليس عيبا في الكتاب لأنه إجابات وأخبار عن القضايا اليومية التي تعترض الإمام وتلاميذه، وغزارة المادة والانشغال بالمتابعة والسماع يجعل مهمة التصنيف والترتيب عسيرة.
وقد استفاد كل من جاء بعد الإمام أحمد من هذا الكتاب، وكل أخذ منه
[ ٧٢ ]
ما يدخل في اهتمامه، ومن أكثر الكتب اعتمادا عليه: "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم وكتاب "الضعفاء" للعقيلي.
أما موضوعات الكتاب فإنها متنوعة، وأستطيع أن أجزم بأن مادته اشتملت على كل أبواب علوم الحديث، ففيه الكلام عن الثقات والرواة عنهم، والضعفاء، والمبتدعة، والمتروكين والمجاهيل، وفيه أخبار المدلسين، والكلام عمن أرسل الحديث، وكثير من تراجم رجال الأخبار فيذكر وفياتهم ومواطنهم، والقسم الأعظم والأكبر هو الكلام عن الأسانيد والمتون المعلة. ولهذا حق لنا أن نقول: إن كتب العلل هي الكتب الأولى لعلوم الحديث.
وكما سبق القول، فإن القسم الأعظم من هذا الكتاب يتعلق بروايات الثقات، سواء بذكر علل حديثهم، أو بذكر مراتب الرواة عنهم، أو ما يتعلق بتراجمهم مما له علاقة بحديثهم من رحلة أو اختلاط أو تدليس أو إرسال. والجدير بالذكر أنه يسوق مجموعة كبيرة من الأخبار محورها أحاديث شيخ واحد ويطيل في ذلك فهو يذكر علل أحاديث هشيم بن بشير، شيخه، في قرابة العشرين صفحة من صفحات الكتاب وفيها يلي بعض هذه الأحاديث التي ذكر علتها.
قال عبد الله:
"حدثني أبي قال: حدثنا هشيم، عن سيار عن أبي وائل، قال: "لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض".
قال أبي: لم يسمعه هشيم من سيار.
"سمعت أبي يقول: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور، يعني ابن زاذان عن نافع أن امرأة صبحت قوما في سفر.. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا".
[ ٧٣ ]
"حدثني أبي: قال، حدثنا هشيم عن مغيرة عن سماك - يعني ابن سلمة - قال: "رأيت ابن عمرو وابن عباس يتربعان في الصلاة" سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من مغيرة".
وهكذا فإن الإمام أحمد يستعرض الكثير من حديث هشيم ويكشف عن انقطاع أو تدليس فيه، وقد يثبت السماع النادر له، كأن يقول: هذان الحديثان سمعهما هشيم من جابر الجعفي، وكل شيء حدث عن جابر مدلس إلا هذين: عن أبي جعفر عن ابن عباس "أن النبي ﷺ مر بقدر يغلي فأخذ منها عرقا أو كتفا فأكله، ثم صلى ولم يتوضأ". وذكر حديثا آخر.
وفي موضع آخر نجد ذكرا مستفيضا لحصين بن عبد الرحمن المديني ويميزه عن حصين بن عبد الرحمن الحارثي الكوفي. وفي موضع ثالث نجده يستعرض حديث وكيع بن الجراح، من ذلك:
"حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن أبي كثير، عن أبي المنهال عن ابن عباس، قال أبي: كذا قال وكيع، وهو خطأ: إنما هو عبد الله بن كثير".
ثم نجده يعود فيتكلم عن حديث وكيع، رواية ونقدا، في موضع آخر ويفيض في ذلك.
ولو قدر لهذا الكتاب أن ترتب مادته، بحيث يجمع ما يتعلق بوكيع، وما يتعلق بشعبة، وما يتعلق بهشيم وغيرهم، لو قدر له ذلك، لكان على غاية من الفائدة لما يذكره من دقائق المعارف عن هؤلاء، وما يعالجه من أحاديثهم رواية ونقدا. وهو ما لا يوجد في كتاب من كتب التراجم المعروفة.
[ ٧٤ ]
ومن القضايا المهمة في هذا الكتاب حصر الرواة عن شيخ ما، كأن يقول:
"هذه تسمية من روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عن هـ - من أهل مكة، روى عن عمر بن الخطاب من أهل مكة: يعلى بن أمية، وعبد الله بن الزبير، وأبو الطفيل، وعبد الله بن صفوان، وعبيد بن عمير. وأملى علي أبي: ومن أهل المدينة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر " ويذكر عشرات الأسماء.
وخلال ذكره لهذه الأسماء يقف عند من اختلفت الأقوال في سماعه عن عمر، فيقول مثلا: وحميد روى عن عمر فلا أدري سمع منه أم لا، وقال ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد: رأيت عمر.
ثم يواصل ذكر الرواة عن عمر - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن علي - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن عثمان من أهل المدينة، ثم من روى عن عمر من أهل الكوفة.
وهذا اللون من فنون الحديث نجده عند الإمام أحمد في علله يرتقي إلى أسلوب يدل على معرفته الواسعة، فهو يقول:
"هؤلاء الرجال من روى عنهم مسعر من أهل الكوفة وغيرهم، لم يسمع منهم شعبة: عمير بن سعد، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو بكر بن عمرو بن عتبة " وهكذا.
وفي موضع آخر يقول:
"وهؤلاء من روى عنهم شعبة، ولم يسمع منهم سفيان: المنهال بن عمرو، وطلحة بن مصرف، والحكم بن عتبة وأبو عمرو يحيى بن عبيد " وهكذا.
[ ٧٥ ]
وفي موضع ثالث يقول:
حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو عن شعبة قال:
رأيت محمد بن المنتشر، وحبيب بن سالم والحسن بن أبي الحسن البصري ويذكر ما يزيد على المائتين.
وفي موضع رابع يقول:
"هؤلاء من روى عنهم سفيان ولم يحدث عنه شعبة " ويذكر ما يزيد على المائة.
وأما الجزء الثاني عشر الذي وجدته في الظاهرية بدمشق فهو من رواية القاضي أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم البزاز عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل.
ومادة هذا الجزء تشبه مادة النسخة الأولى، فهي مسائل وسماعات متفرقة غير منتظمة بترتيب معين. وتجمع بين التضعيف والتوثيق وذكر العلل، والكنى.
وفيما يلي مثال من هذا الجزء يدور حول علة حديث:
قال أبي كنا عند سليمان بن حرب، فذكرنا المسح على الخفين، فذكرنا أحاديث، فجعل سليمان يقول: ذا لا يحتمل، وذا ما أدري. قلنا إيش عندك؟ قال: خالد عن أبي عثمان عن عمر، قال: "يمسح حتى يأوي إلى فراشه". قلنا: قال بعض الناس خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئا، يقول ذلك بعض الناس، "ويروي عن النبي ﷺ أنه كان يوقت". ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك".
ونلاحظ في هذا النص النقد الذي وجهه الإمام أحمد لرواية سليمان بن حرب هذه، وسليمان بن حرب من الثقات الحفاظ.
[ ٧٦ ]
المطلب الرابع علل الترمذي الكبير
اشتهر الترمذي - ﵀ - ونبغ في هذا الفن من فنون الحديث حتى جاء كتابه الجامع كتابا معللا، فكانت ميزة خاصة له دون سائر كتب السنة، وقد ربط الإمام الكبير ربطا محكما بين الحديث وعلله فجعل لجامعه ملحقا سماه "العلل" وضمنه الكلام عن منهجه في الرواية والدراية، سندا ومتنا، وقد رأيت في هذا الكتاب - الصغير في حجمه، الكبير في أهدافه ومعارفه - فلسفة كاملة "للجامع" أولا وللحديث ثانيا، وفيه كشف الترمذي أسانيده وخطته ومصطلحاته ومذهبه في النقد والتعليل، وكما يصلح هذا الكتاب لجامع الترمذي فإنه يصدق في أكثر جوانبه على كتب الحديث الأخرى. وقد تكلمنا عن منهجه ومقاصده في المباحث السابقة.
على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن "العلل الصغير" من خلال شرح ابن رجب، هو موضوع رسالتي هذه، فسأترك الكلام عليه لمن هو أهله، وكفى بابن رجب أهلا لذلك، وسنلتقي به - إن شاء الله - في ستمائة صفحة بعد هذه الدراسة. وأما العلل الكبير، فصفته الكبير تشير إلى أنه أكبر من سابقه وأشمل. وقد كان يظن إلى عهد قريب أنه مفقود، وجاء ذلك في كتاب الدكتور نور الدين العتر "الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين" والذي نال به درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين، جاء في هذا الكتاب قوله: "لكن يد الحدثان
[ ٧٧ ]
طوت عنا هذا الكتاب، حتى لا نجد منه إلا النقول عنه، ولولا وفرة هذه النقول لما أمكن أن نكتب هذا البحث".
ولقد قادت هذه النقول الأستاذ الفاضل إلى القول: "وهذا كتاب صنفه أبو عيسى على الأبواب - فيما يبدو لنا".
وبحمد الله وجدت هذا الكتاب باسم:
"كتاب فيه علل الترمذي الكبير، رتبه على أبواب الجامع أبو طالب القاضي" وهو من مخطوطات مكتبة أحمد الثالث بتركيا وتحت رقم (٥٣٠) .
وجاء في مقدمة هذا الكتاب: "قال الفقيه القاضي أبو طالب وفقه الله:
هذا كتاب قصدت فيه ترتيب كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي - ﵀ - على نسق كتاب الجامع له حتى يسهل فيه طلب الحديث، إذ الأحاديث فيه مفرقة منثورة، فلا تضبطها أبواب. فنظرت فيها فرددت أحاديث كتاب العلل إلى ما يليق بها من كتب الجامع، فجعلت الطهارة في كتاب الطهارة، وهكذا إلى آخر الجامع. إلا أن يكون كتاب لم يكن فيه في كتاب العلل حديث فأني أسقطه، وأدخلت أحاديث هذه الكتب تحت أبوابها التي هي تبويب الترمذي على ما أذكره، وذلك إما أن يكون الحديث المذكور في العلل مذكورا بعينه في ذلك الباب من كتاب الجامع، وإما بأن ينبه عليه أبو عيسى بأن يقول: في الباب عن فلان من الصحابة، ويكون الحديث في العلل مخرجا عن ذلك الصحابي، وإما أن يكون مطابقا للحديث الذي تضمنه الباب، وفي معناه فعلى هذا النحو جعلت الأحاديث تحت الأبواب وأسقطت من تراجم الأبواب ما لم يكن في كتاب العلل فيه أحاديث.
[ ٧٨ ]
وقد تجيء في كتاب العلل أحاديث لا يذكرها أبو عيسى في الجامع ولا يبوب فيه بابا يقتضي أن تجعل فيه، فأفردت لما كان من هذا النوع فصولا في أواخر الكتب التي تكون تلك الأحاديث منها. ونبهت على أنها ليست في الجامع إذ تبين من مطالعة الكتابين ما زاد كتاب العلل على كتاب الجامع. وذلك هو الأقل. وما كان فيه من كلام على رجال جرى ذكرهم في سند حديث فإني سقته حيث سقت الحديث. وما كان من الكلام على رجال لم يقع ذكرهم في حديث، وإنما جاء ذلك منثورا في أثناء الكلام، فإني ذكرت ذلك في آخر الكتاب، في باب الجامع يأتي ذكره هنالك إن شاء الله.
ولقد كان يتجه أن يسقط من كتاب العلل ما كان مذكورا في الجامع، حتى لا يذكر فيه إلا ما ليس في الجامع، غير أنا كرهنا أن نسقط منه شيئا فتركناه على ما هو عليه فربما يجيء الباب ويكون فيه الحديث الذي في ذلك الباب من الجامع بنحو الكلام الذي تكلم عليه في الجامع بلا مزيد على ذلك".
وفي نهاية هذه المقدمة التفصيلية، التي بين فيها عمله ومنهجه، ذكر إسناد كتاب العلل إلى الترمذي والجدير بالذكر أنه رواه عن شيخه أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال٠
ومن هذه المقدمة الوافية الضافية تبين لنا ما يلي:
١ - إن الترمذي لم يرتب كتابه "العلل الكبير" على الأبواب، بل ترك مادته منثورة مفترقة.
٢ - إن الذي رتبه على الأبواب هو القاضي أبو طالب، وذلك ليسهل الرجوع إلى الحديث فيه.
٣ - إنه رتب كتاب العلل تماما على أبواب كتاب الجامع الصحيح، واحتفظ بعناوين الأبواب عند الترمذي كما هي في الجامع. فإذا كان باب من أبواب الجامع لا مادة فيه في كتاب العلل، فإنه يسقط الباب ولا يذكره.
وفيما يلي تمثيل لعمله من باب الطهارة مقارنا بجامع الترمذي:
[ ٧٩ ]
رقم الباب أبواب جامع الترمذي/ أبواب علل الترمذي الكبير رقم الباب (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) باب / لا تقبل صلاة بغير طهور باب / فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء باب / ما يقول إذا خرج من الخلاء باب / النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول باب / الرخصة في ذلك باب / النهي عن البول قائما باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة باب / كراهة الاستنجاء باليمين - باب / ما جاء في فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء - باب / الرخصة في استقبال القبلة - باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة - (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦)
ومن هذه المقارنة يظهر الترتيب الذي سار عليه أبو طالب القاضي، والذي وافق ترتيب الجامع، مع إسقاط الباب الذي لم يذكر عنه شيء في كتاب العلل.
٤ - أما الأسس التي اعتمد عليها أبو طالب في إلحاق مادة العلل بالأبواب فهي ما يلي:
(أ) إذا كان الحديث المذكور في العلل مذكورا في كتاب الجامع فإنه يضعه تحت نفس العنوان.
(ب) إذا كان الحديث المذكور في الجامع قد أشار إليه الترمذي إشارة في الباب بقوله: وفي الباب عن فلان من الصحابة، وقد جاء هذا الحديث مفصلا في العلل فإنه يلحقه في الباب الذي أشار إليه.
[ ٨٠ ]
(ج) إذا كان الحديث غير مذكور في الجامع ولكنه مطابق لباب من أبوابه فإنه يضعه تحت ذلك الباب.
٥ - أما الأحاديث التي ذكرت في "العلل" ولم ترد في "الجامع" فإن أبا طالب قد جعلها في فصول آخر الكتاب.
٦ - وأما الكلام عن الرجال فترتيبه على ضربين:
(أ) إذا كان ذكر هؤلاء الرجال متعلقا بحديث ما، فإنه يساق مع هذا الحديث في بابه.
(ب) وإذا كان الكلام عن الرجال عاما لا يرتبط بحديث معين موجود، فإنه يذكره في آخر الكتاب في باب جامع في الرجال.
ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب أكثر من مرة بحثا عن النصوص التي أوردها ابن رجب عنه، وجدت فيه نموذجا يحتذى لمن يعزم على ترتيب بقية كتب العلل، والتي لا تجنى الفائدة الكاملة منها إلا بترتيبها، وأي كتاب سيكون علل أحمد لو قدر له أن يرتب بمثل هذا الترتيب، وبذلك تجتمع مئات الأحاديث المعلة في أبواب منظمة، وتفهرس أسماء الرجال الواردة فيه فتشكل مصدرا من أهم مصادر البحث في الرجال والتراجم، وبذلك يضاف إلى إمامة صاحبه سهولة تناوله.
[ ٨١ ]
لقد سبقت الإشارة إلى أن الدكتور العتر بحث عن نصوص من كتاب العلل فوجد نقولا في بعض الكتب، وكانت هذه النقول الأساس الذي بني عليه دراسته لهذا الكتاب.
وقد قابلت هذه النقول بمادة الأصل فوجدتها مطابقة تماما، مما يشهد للنسخة المخطوطة بالسلامة والدقة. ومن هذه النقول ما أخذه من "نصب الراية" وهو حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا. قال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فضعفه وقال: لا أعلم رواه غير ابن لهيعة.
وجاء هذا النص في العلل تحت عنوان "في التكبير في العيدين" وفيه: وسألته عن حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات". ورواه بعضهم عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة، فضعف هذا الحديث، قلت له: رواه غير ابن لهيعة، قال: لا أعلمه.
أما مادة هذا الكتاب فأكثرها أحاديث ذكرت عللها، ومعظم هذه المادة موجود في كتاب الجامع، ويبدو أن الترمذي أراد من علله الكبير إفراد العلل بالتصنيف المستقل، ليكون نموذجا للبحث التطبيقي المتخصص في العلل. وقد اكتسبت هذه المادة أهمية كبيرة وذلك لأمور:
١ - أنها في أكثرها آراء للبخاري في العلل ومعرفة الرجال حتى كأن الكتاب للبخاري وليس للترمذي، إذ لا يكاد يخلو حديث من قول الترمذي: وسألت محمدا عن هذا الحديث".
[ ٨٢ ]
٢ - أن الذي يسأل البخاري هو من أرباب هذا الشأن العارف بمواطن الأوهام واللبس إذ هو ممن دار عليهم هذا العلم في زمنه إلا أنه الترمذي.
٣ - أن الأحاديث المعلة هنا هي في غالبها من الأحاديث المشهورة المتداولة بين الناس. وقد استعرضنا نماذج كثيرة من هذا الكتاب في أسباب العلل وأنواعها.
وفيما يلي نموذج من مادة الكتاب:
١ - "حدثنا محمد بن بشار (نا) يحيى بن سعيد، عن أسامة بن زيد عن سالم بن خربوذ أبي النعمان، عن أم حبيبة، قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد" وهكذا روى أبو أسامة وغير واحد عن أسامة بن زيد. وقال وكيع: عن أسامة بن زيد، عن النعمان بن خربوذ قال: سمعت أم حبيبة: ربما اختلفت يدي. فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: وهم وكيع، والصحيح: عن أسامة بن زيد، عن سالم بن خربوذ، أبي النعمان.
قلت لمحمد: روى هذا الحديث قبيصة، عن سفيان عن أسامة، فقال عن أم حبيبة - فقال: أخطأ فيه قبيصة".
وفي هذا المثال نرى العلة في حديث رجلين من الثقات وكيع بن الجراح وقبيصة بن ذؤيب. أما الأول فقد وهم في تغيير اسم الراوي، وأما الثاني فقد أعل سنده بالانقطاع.
٢ - وفيما يلي نموذج من آخر الكتاب مما يتعلق بالرجال: "قال أبو عيسى: رأيت محمدا يثني على الأفريقي خيرا، يعني عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، ويقوي أمره، وسألت محمدا عن صالح المري، فقال: هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث، قال أبو عيسى: صالح المري رجل صالح ثقة تفرد بأحاديث عن الثقات يخاف عليه الغلط.
[ ٨٣ ]
قال محمد: "محمد بن الفضل بن عطية ذاهب الحديث".
هذا نموذج من علل الترمذي في الرجال، ويلاحظ فيه رأي الترمذي في مقابل كلام البخاري.
أما استمداد ابن رجب من هذا الكتاب، فأمر ملحوظ في شرح العلل حتى انه يعتبر من أبرز مصادره في العلل.
المطلب الخامس علل الحديث: لعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧هـ)
إذا كان القرن الثالث هو عصر السنة الذهبي، فإن النصف الثاني منه هو ثمرته وخلاصته، حيث امتد النقد الحديثي واتسع على يد رجلين من الري هما: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، ومحمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي. وقد قيض الله تعالى لهما تلميذا عالما عارفا يجني علمهما ويلم شتاته، فجاء هذا العلم في كتابين مهمين: الأول: كتاب الجرح والتعديل، والثاني: كتاب "علل الحديث وبيان ما وقع من الخطأ والخلل في بعض طرق الأحاديث المروية في السنن النبوية".
وقد نشر هذا الكتاب الأستاذ محب الدين الخطيب - ﵀ - في المطبعة السلفية سنة ١٣٤٣هـ، وقدم له الأستاذ محب الدين الخطيب ولم تخل مقدمته من أوهام، فقد قال: وأول من ألف فيه - على ما نعلم - الإمام مسلم بن الحجاج القشيري - المتوفى عام (٢٦١هـ)، ثم جاء بعده الحافظ الكبير عبد الرحمن بن أبي حاتم.
وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري المتوفى
[ ٨٤ ]
سنة ٤٠٥هـ، والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فقد وهم بقوله: أول من ألف فيه مسلم، مع العلم أن مسلما مسبوق بهذا، إذ ألف فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري، وكلهم من طبقة شيوخ مسلم.
وأما قوله: وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فهو خطأ بين إذ الأمام الدارقطني شيخ الحاكم وقد توفي سنة ٣٨٥هـ. ويبدو أن الناشر قد تابع كشف الظنون، الذي ذكر هذه العبارة بهذا الترتيب:
وفي التحقيق سقط كثير، وأخطاء في الضبط، ونقص في المقابلة بين النسخ، مما يجعل إعادة تحقيق هذا الكتاب واجبا على ذوي الاختصاص، لا سيما وأن نسخه كثيرة وكاملة.
أما مادة هذا الكتاب: فهي أسئلة عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة، أو سماعاته منهما، وكلها تدور على الأحاديث المعلة والأسانيد التي يعتريها الخلل والخطأ. وعبارته تأتي بأحد الأشكال الآتية: سالت أبي، سألت أبا زرعة، سألت أبي وأبا زرعة، سمعت أبي، سمعت أبا زرعة وقولهما قد يسبق بعبارة: "قالا" أو يذكر رأي أحدهما ثم رأي الآخر، والجدير بالذكر أن اتفاقهما هو السائد والغالب في هذه الأجوبة. وهذا يشهد لهذا العلم بوحدة منطقة ومنهجية.
أما طريقة عرض هذه المادة:
فهذا الكتاب أول كتاب في العلل لقي عناية كبيرة من المصنف فرتبه على أبواب الفقه، بدءا بباب الطهارة، ثم الصلاة، وانتهاء بباب النذر، ولكن رغم هذا الترتيب إلا أن اتساع أبوابه تجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى المطلوب منه ولا بد من تقسيم أبوابه إلى فروع تسهل على الباحثين الرجوع إلى الأحاديث، أو أن تفهرس مادة هذا الكتاب فهرسة مستقلة في آخره ترشد إلى الأحاديث فيه، وفي هذا الكتاب ثلاثة آلاف حديث ذكرت عللها، وهذه العلل
[ ٨٥ ]
متنوعة وكثيرة، فمنها العلل الخفية كاكتشاف الإرسال والانقطاع، وأخرى بالقوادح الظاهرة كالمنكر والموضوع الضعيف. وأما مادة الرجال فهي مبثوثة خلال الكلام عن الأحاديث والأسانيد.
أهمية هذا الكتاب:
وترجع أهمية هذا الكتاب إلى مادته الغزيرة في العلل والرجال، وإلى إمامة الرجلين العظيمين، أبي زرعة وأبي حاتم، وإلى تبويبه الذي يجعل الحصول على المبتغى منه أقرب من غيره من كتب العلل الأخرى.
وقد اعتمد ابن رجب في كتابه "شرح علل الترمذي" كثيرا على هذا الكتاب، فكان من أهم مصادره.
المطلب السادس العلل الواردة في الأحاديث النبوية
صنف الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) مصنفات كثيرة في مختلف فنون الحديث إلا أن مصنفه في العلل هو أشهرها وأهمها، وهذا الكتاب يشهد لعلم الدارقطني وتبحره في الحديث وطرقه، ولقد استحق بسببه عظيم الثناء من العلماء. قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث، وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل الكتب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، ف ﵀ وأكرم مثواه".
[ ٨٦ ]
وبحق فإن الكتاب موسوعة حديثية، وقد جمع من طرق الحديث وعلله ما يدهش المرء، ويعجزه عن الملاحقة، والاطلاع، فكيف بالابتداء والتصنيف.
والكتاب يقع في خمسة مجلدات مخطوطة كبيرة، قدر لي أن أطلع عليها - الحمد لله - بعد جهد جهيد وصبر، إذ لم أوفق بالاطلاع على بعض أجزائه إلا بعد وقت طويل من البحث، وذلك بسبب ضياع بعض هذه الأجزاء، حتى إن فهارس المخطوطات المتخصصة لم تشر إليها، وكم كانت فرحتي عظيمة يوم أن علمت بوجود ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب في دار الكتب بالقاهرة.
وبعد الاستعراض السريع لهذا الكتاب للتعرف على مادته ومنهجه ظهر لي أنه كتاب اعتمد أسلوب العلل على الأسانيد خلافا لعلل ابن أبي حاتم الذي اعتمد أسلوب العلل على الأبواب فكتاب الدارقطني هذا هو من كتب العلل الفريدة التي اعتمدت منهجا موحدا، لا كما هو الحال في علل أحمد وابن المديني وابن معين وأصل الترمذي قبل ترتيبه.
والمنهج الذي سلكه الدارقطني أنه يذكر الصحابي ومن روى عنه ويذكر العلل في حديث هذا الصحابي من هذه الطريق، ثم ينتقل إلى الصحابي الآخر بعد أن يستوفي الرواة عن الصحابي الأول. ففي الجزء الأول: بدأ بأبي بكر الصديق - رضي الله عن هـ -. وقال: حديث عمر عن أبي بكر، ثم حديث عثمان عن أبي بكر، ثم حديث علي عن أبي بكر.. وفي كل مرة يذكر العلل في هذه الطرق.
وأما الجزء الثاني فقد أتم الكلام في أوله عن عبد الله بن مسعود، فعرض حديث عتبة عنه ثم حديث مسروق عنه وهكذا.. ثم ذكر مسند
[ ٨٧ ]
أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ثم مسند أبي بردة، ثم مسند معاذ بن جبل، وهكذا وفي كل مسند يتناول الرواة عنهم، فيذكر عللهم. وآخره بعض مسند أبي هريرة.
أما الجزء الثالث: فأوله بقية مسند أبي هريرة فبدأ بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ثم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم المقرونات من حديث أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة.
وكذلك فإن الجزء الرابع احتوى بقية مسانيد الصحابة، وهو في جميع هذه الأجزاء يرتب المسانيد حسب الأكثر ثم الأقل فيما عدا مسانيد الخلفاء الراشدين فإنه يبدأ بها، ولو كانت قليلة.
وأما الجزء الخامس فقد تضمن مسند النساء الصحابيات بدءا بعائشة - رضي الله عن ها - ثم أم حبيبة وهكذا حتى ينتهي بقوله آخر مسند النساء من كتاب العلل.
وقد جاءت عبارة الكتاب على شكل مسائل يقال فيها: وسئل عن حديث فلان عن فلان ورغم ما فيه من منهجية على المسانيد إلا أنه صعب التناول فلا بد من معرفة إسناد الحديث للبحث عن علته ثم نقلب صفحات الكتاب لنهتدي إلى مكان هذا الصحابي فيه ثم الرواة عنه حتى نصل إلى المطلوب، ولو رتب الكتاب ترتيبا أبجديا أو على أبواب الفقه لكانت الفائدة منه أكبر وأعم، وفي هذا يقول ابن كثير: "ولكنه يعوزه شيء لا بد منه وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله للطلاب، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبة على أبواب المعجم ليسهل الأخذ منه فإنه مبدد جدا، لا يكاد الإنسان يهتدي إلى مطلوبه منه بسهولة".
نماذج من كتاب العلل للدارقطني:
ومن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "وسئل عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة أن النبي
[ ٨٨ ]
ﷺ حض على صدقة رمضان، فقال: على المرء صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من قمح". فقال: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده، وفي لفظه، فرواه بكر بن الأسود، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا وهو الصواب.
وأما في لفظه فإن بكر بن الأسود ذكر في صدقه الفطر، أمر بصاع، وخالفه إسحاق، فقال: "على كل نفس مدان من قمح" وهو المحفوظ عن الزهري وكذلك قال عقيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومحمد بن أبي حفصة عن ابن المسيب مرسلا.
وكذلك رواه زهرة بن معبد، ويزيد بن قسيط، عن ابن المسيب.
وعند ابن عدي فيه أقاويل من هذا.
ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وقيل عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة.
وقال النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه.
وقال يحيى بن خارجة: عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن سليمان بن أرقم، عن أبي هناد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
والمحفوظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقبل عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ.
وسليمان بن أرقم متروك".
ونلاحظ في هذا الحديث عللا في الإسناد من حيث الوصل والقطع، كما نلاحظ في بعض رواياته علة القوادح الظاهرية، وهي الرواية عن المتروك من الرواة.
[ ٨٩ ]
كما نلاحظ العلم الغزير الذي يفيض به الدارقطني على سائله، ويعرض من الطرق والأسانيد، واختلاف الرواة ما يصلح تعريفا كاملا بأبعاد علم العلل ومهمة عالم العلل.
وقد استفاد ابن رجب من هذا الكتاب وأحال عليه في كثير من مواضع كتابه.
[ ٩٠ ]
الفصل الثالث دراسة حول علم العلل من خلال كتاب ابن رجب "شرح علل الترمذي"
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب.
المبحث الثاني: في معرفة العلة والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب.
المبحث الثالث: في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب.
المبحث الرابع: في الأشباه في العلل من خلال كتاب ابن رجب.
[ ٩١ ]
المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب
تمهيد
لقد حاولت من خلال استقراء "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وغيره من كتب العلل أن أحدد أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العلة، إذ الكلام عن هذه الأسباب، منظما مجتمعا، لم يقع لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل، ومع أن كتاب ابن رجب هو كتاب العلل الوحيد الذي تكلم على العلل كعلم له قواعده وأقسامه إلا أنه لم يفصل أسباب العلل في مبحث مستقل، وإنما عرض لها في مواضع متفرقة. ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل.
وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها، مع ذكر كلام ابن رجب في كل منها:
السبب العام:
هو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل، إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله ﷺ وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون، ويتذكرون وينسون، وينشطون ويغفلون، على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر مقل.
ودخول الوهم والخطأ على الصحابة والتابعين والأئمة المتقدمين شيء معروف عند العامة والخاصة، وقد أشار الترمذي في "علله آخر الجامع" إلى
[ ٩٣ ]
هذا في القسم الرابع من الرواة عنده، وهم الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط في حديثهم، وهؤلاء هم الطبقة العليا من الرواة، فهو لم يصفهم بالضبط التام الكامل، بل قال: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة. فالضبط التام الكامل هو ضبط نسبي يدخل فيه الوهم والخطأ القليل النادر. وهذا احتراز ينبغي أن يدخل صراحة في شرط رجال الصحيح، وإن كان قد تناوله تعريف الحديث الصحيح بصورة غير مباشرة، عند ذكرهم سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة.
وقد تناول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي هذا القسم الرابع الذي ذكره الترمذي بالشرح وذكر أقوال العلماء في أخطاء الثقات وأوهامهم فقال:
"وذكر الترمذي ههنا حكم القسم الرابع، وهم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطؤهم، وذكر أنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من الأئمة، على حفظهم.
وقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب.
وقال أيضا: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.
وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم وقد جمع بعضهم جزءا في ذلك.
ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم".
وذكر ابن رجب في ذلك كلاما لأبي الحسن الدارقطني بعد ذكر بعض الأوهام في روايات الصحابة، وقول الدارقطني: مثل هذا في الصحابة، أي الوهم والخطأ.
[ ٩٤ ]
وأما أوهام كبار أئمة الحديث، فقد ذكر ابن رجب أقوالا فيها:
قال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ.
وقال البرذعي: شهدت أبا زرعة، وذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء، ثم ذكر عدة أسماء صحفها. وهذه الأسماء ورد النص بها في كتاب البرذعي وهي: قول ابن مهدي: شهاب بن شريفة، وإنما هو شهاب بن شرنقة. وقال: عن هشام عن الحجاج عن عائذ بن بطة وإنما هو ابن نضلة.
وقال: قيس بن جبير، وإنما هو قيس بن حبتر (وزن جعفر) التميمي.
وفيما يلي عرض لأحاديث وهم فيها كبار الثقات:
منهم شعبة بن الحجاج: وثناء العلماء على شعبة جزيل طويل، فهو أمير المؤمنين في الحديث، ورجل روى عنه شعبة لا يسأل عنه، وكان الثوري يقول: أستاذنا شعبة. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. ولكن لشعبة أوهاما، وفي حديثه علل، وإن كانت قليلة، وقد وقف النقاد عليها:
مثال:
أخرج الترمذي في العلل الكبير قال:
حدثنا محمود بن غيلان، قال (أنا) أبو داود، قال: (أنا) شعبة، قال: (أنا) عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث بن المطلب، أن رسول الله ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، تشهد في ركعتين، وتبؤس، وتمسكن، وتقنع وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج".
وقال الليث: (أنا) عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن ٩٦
عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس.
سمعت محمد بن إسماعيل يقول: رواية الليث بن سعد أصح من حديث شعبة.
وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضيع:
- فقال: عن أنس بن أبي أنس، وإنما هو عمران بن أبي أنس.
- وقال: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو عن عبد الله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث.
- وربيعة بن الحارث هو ابن المطلب، فقال: هو: عن المطلب.
- ولم يذكر فيه: عن الفضل بن العباس.
هذه أوهام لشعبة ذكرها البخاري جوابا على سؤال الترمذي له، وفيها بيان جلي لأخطاء الثقات ولو كانوا بمنزلة شعبة، وقد ذكر ابن أبي حاتم كلاما للإمام أحمد في أوهام شعبة، فقال:
(قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال.
وقال أحمد: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئا قليلا، وربما وهم في الشيء)، وفي العبارة الأخيرة كشف عن مصدر الوهم والخطأ عند هذا الإمام الفذ.
ورجل آخر شارك شعبة في الفضل والعصر، ولا يقل عنه إن لم يزد في الحفظ والعلم، وهو إمام دار الهجرة مالك بن أنس. وقد ترجم له ابن رجب ترجمة ضافية وافية جمع شتاتها ودورها من كثير من المراجع في التواريخ والرجال، ولكن هذا الفضل لم يمنع أن يسجل النقاد على مالك مآخذ وعللا في بعض رواياته:
[ ٩٥ ]
فقد أخذ عليه الجماهير روايته عن عبد الكريم أبي أمية وهو متهم بالكذب.
وأما مثال العلة في حديثه، فمما ذكره ابن أبي حاتم في علله.
سألت أبي عن حديث رواه مالك، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز عن البراء، عن النبي ﷺ في الضحايا" فقال أبي: نقص مالك من هذا الإسناد، إنما هو سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن عبيد بن فيروز، عن البراء، عن النبي ﷺ.
واستيفاء لهذا الموضوع نذكر رجلا ثالثا لا يقل عن سابقيه في الإمامة والفضل وهو الليث بن سعد إمام أهل مصر، ومع علو رتبته في الحفظ والضبط إلا أن النقاد سجلوا عليه عللا في حديثه، مثال ذلك، ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال:
سمعت أبا زرعة، وحدثنا عن يحيى بن بكير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، أصحاب الحمر، قال: "لم ينزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) إلى آخر السورة. قال أبو زرعة: وهم فيه الليث، إنما هو زيد بن
[ ٩٧ ]
أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
ونختم هذا السبب العام، الذي لا يكاد يخرج من تأثيره أحد من الحفاظ، بما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وهو نص يؤكد وقوع بعض الأوهام في روايات الحفاظ، ويكشف عن القدر من الخطأ الذي يبقى معه الحافظ، الضابط الإمام، على رتبته في الإمامة والضبط:
(أنا) أبي، أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: اكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين قال: نعم. قلت: فثلاثين؟ قال: نعم. قلت: فخمسين؟ قال: نعم.
وهكذا، فإنه يمكننا أن نرجع قسما، لا بأس به، من علل الحديث لأخطاء مثل هؤلاء الجهابذة، ويعتبر كشف هذه العلل من أعلى مراتب هذا العلم، وذلك لخفائها واستتارها بمنزلتهم في الحفظ والضبط.
وفي هذا درس بالغ لأعداء السنة، والطاغين فيها، ليعلموا أية حراسة حرس الله بها سنة نبيه ﷺ وليدركوا أنه ما دامت منزلة كبار الأئمة لم تمنع من تتبع رواياتهم ونقدها وتمحيصها، وبيان الخطأ فيها، فمن باب أولى أن يكشف وهم غيرهم، وعبث العابثين مهما كانت غايتهم، ومهما استخدموا من أساليب التزوير والكذب.
السبب الثاني:
هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط، وكثرة الوهم، مع بقاء عدالتهم. وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع) بقوله: أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهن في حديثهم كثيرا.
وعلى أسلوب ابن رجب في توليد الموضوعات من الكلمات، فقد شرح عبارة الترمذي وحشد لها عيون الشواهد من كلام أرباب هذه الصنعة، فقال:
[ ٩٨ ]
(وهم أيضا أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، ولكن ليس هو الغالب عليهم، وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا. وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة.
وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث، والمصنفين منهم في السنن والصحاح، كمسلم بن الحجاج وغيره فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث، أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط.
وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين:
أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش.
والثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان، وشملهم اسم الصدق والستر، وتعاطى العلم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم) .
من كل هذا نعلم أن حديث هؤلاء الذين كثر غلطهم، مقبول عند جماهير علماء الحديث، ولا يعين قبول حديثهم أن يؤخذ دونما تمييز بين الصواب والخطأ بل استطاع النقاد أن يحصوا ما لهم من أوهام ويسجلوا شوارد أخبارهم شواذها، فكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرا. وكثيرا ما نقرأ الحديث في هذه الكتب ثم تذكر علته، ويقال بعد ذلك، أخطأ فيه شريك، وهم فيه عطاء الخراساني وهكذا.
وقد ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي عددا من هؤلاء الثقات الذين يكثر الخطأ في حديثهم، مع ترجمة قصيرة لكل منهم، فأنار سبيل سالك هذا الدرب بمعرفتهم، وأتاح لدارسي الكتاب فرصة كشف كثير من العلل.
[ ٩٩ ]
فذكر من هذا الصنف، محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة المدني، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبا بكر بن عياش المقرئ الكوفي، والربيع بن صبيح، ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
وسيرا على المنهج التطبيقي الذي التزمته في هذه الدراسة، فسأمثل لحديث هؤلاء الرواة، وأذكر عللا سجلها النقاد في مصنفاتهم عليهم:
ومثال ذلك ما ذكره الترمذي في علله قال
(حدثنا علي بن نصر الجهضمي، (نا) بشر بن عمر، (نا) شعيب بن زريق أبو شيبة، قال: حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: شعيب بن زريق مقارب الحديث، ولكن الشأن في عطاء الخراساني، ما أعرف لمالك بن أنس رجلا يروي عنه مالك يستحق أن يترك غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة.
ثم ذكر البخاري أمثلة لهذه الأحاديث المقلوبة التي يرويها عطاء الخراساني. روى عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب أن رجلا أتى النبي ﷺ وأفطر في رمضان، وبعض أصحاب سعيد بن المسيب يقولون سألت سعيدا عن هذا الحديث، فقال: "كذب على عطاء لم أحدث هكذا".
[ ١٠٠ ]
وروى عطاء، عن أبي سلمة، عن عثمان وزيد بن ثابت في الإيلاء: إذا أمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة. وروى حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن عثمان: أنه قال في المولي يوقف) .
وعطاء الخراساني، بالرغم من أن البخاري جعل عامة أحاديثه مقلوبة ونعته بالضعف، إلا أن بقية العلماء احتجوا بحديثة الخالي من الوهم والخطأ، وروى عنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، (وقد وثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ثقة صدوق، قلت يحتج به، قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه) . وتوثيق هذا العدد الغفير له يدفع رأي البخاري فيه، ومع هذا الدفع تبقى لعطاء أوهامه وعلله.
ويشابه عطاء الخراساني في مرتبته وأوهامه شريك بن عبد الله النخعي، فيما يلي مثال على العلة في حديثه: قال الترمذي في علله الكبير: "حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، (نا) يزيد بن هارون عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه".
قال يزيد: لم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد.
قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى، عن شقيق، عن عاصم بن كليب شيئا من هذا مرسلا، لم يذكر فيه، عن وائل بن حجر، وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم.
وشريك هذا الذي وهم في هذا الحديث كما وهم في غيره، قال عنه ابن معين: ثقة ثقة، وقال عنه العجلي: كوفي ثقة، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وسألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي" والغالب على حديثة الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكرة إنما أتى به من سوء حفظه، والغالب في من يوثق شريكا أنه يذكر خفة ضبطه وكثرة أوهامه ولكنه مع كل هذا يبقى من أهل الصدق والستر ولا تزول عنه رتبة الاحتجاج بحديثه.
ولقد وصف بعض الحفاظ الثقات بكثرة الوهم، ولا شك أنهم يقلون في أوهامهم عن مثل شريك وعطاء بن السائب، وهؤلاء مثل عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد الصنعانيين، قال ابن أبي حاتم في علله:
سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق عن صلة، عن عمار، عن النبي ﷺ.
"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: الإنفاق من الاقتار الحديث".
فقالا: هذا خطأ: هذا خطأ. رواه الثوري وشعبة وإسرائيل وجماعة يقولون: عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار، قوله. لا يرفعه أحد منهم.
والصحيح موقوف عن عمار. قلت لهما: الخطأ ممن؟ قال أبي: أرى من عبد الرزاق، أو معمر فإنهما جيعا كثيرو الخطأ".
السبب الثالث - الاختلاط أو الآفة العقلية:
وقد تكلم ابن رجب عن هذا السبب أثناء الكلام عن اختلاط المشاهير من الثقات. وقد جعل هذا نوعا من القسم الثاني من أقسام علم العلل، وبيان ذلك: أنه قسم علم العلل إلى قسمين:
القسم الأول: في معرفة مراتب الثقات، قول من يقدم منهم عند الاختلاف.
[ ١٠١ ]
القسم الثاني: ذكر قوم من الثقات، لا يذكر أكثرهم غالبا في كتب الجرح، وقد ضعف حديثهم - أما في بعض الأوقات، وهم المختلطون.
أو في بعض الأماكن.
أو عن بعض الشيوخ.
فيكون ابن رجب قد ذكر هذا السبب في صورة طائفة من مشاهير الثقات، ففصل حالة كل منهم، ذاكرا زمان الاختلاط ومكانه، ومن روى عنه في الاختلاط، ومن روى عنه قبله، وضابط اختلاطه، وخلال الكلام عنه يشير إلى أحاديث رويت عنه في الاختلاط.
مفهوم الاختلاط:
والاختلاط آفه عقلية تورث فسادا في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث ما، كفقد عزيز، أو ضياع مال، ومن تصيبه هذه الآفة لكبر سنة يقال فيه: اختلط بأخرة.
ورغم أن كثيرا من الناس يختلطون إلا أن الاختلاط إذا أطلق انصرف إلى فئة قليلة منهم، وهي فئة المحدثين، وذلك لما في اختلاط المحدث من أثر على روايته، لا سيما وأنه الثقة العدل، المحتج به.
الكشف عن الاختلاط
والكشف عن الاختلاط يلقي على الناقد، رجل العلل، مهمة عسيرة وشاقة، إلى جانب أنها دقيقة وخطيرة، فهي لا تقتصر على متابعة المحدث في فترة دون فترة، أو مكان دون آخر أو عن شيخ دون سواه، بل تمتد مهمة رجل العلل حتى وفاة الرجل موضع النقد والعلة، ولمعرفة طريقة النقاد في الكشف عن الاختلاط، وتحديد زمنه يحسن بنا أن نستشهد بما ذكره البرذعي في مسائله لأبي زرعة الرازي، قال:
[ ١٠٣ ]
قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغير. فقال: نعم، كنا أنكرناه بأخرة، غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه، ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمت؟ قال: أتيته ذات يوم وأبو حاتم، فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا فإذا ابنته قد لحقت، وقالت: يا أبت، إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يغلطوك أو أن يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم، حتى يجيء أخي، تعني علي بن قرة، فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك، فقالت: لست أدعك تخرج إليهم فإني لا آمنهم عليك. فما زال قرة يجتهد، ويحتج عليها في الخروج، وهي تمنعه، وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه، ولم تدعه.
قال أبو زرعة: فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي.
قال أبو زرعة: "فجعلت اعجب من صرامتها، وصياتنها أباها".
هذه القصة تسلط ضوءا باهرا على قضية الاختلاط، سواء من جانب النقاد الذين يكشفون على الرواة كما يكشف الطبيب على مرضاه، أو من جانب أهل المختلط وذويه الذين لا يذرون صاحبهم دونما رقابة ومتابعة. وإنما هم خير عون للناقد على مهمته، إما بمنع المختلط من الرواية، أو صيانة كتبه وإلزامه التحديث منها، مع الرعاية والإشراف.
وأحيانا كان الناقد يدخل على المختلط يخضعه لاختبار دقيق فيقلب عليه الأسانيد والمتون. ويلقنه ما ليس من روايته، فإن لم يتنبه الشيخ لما يراد به فإنه يتأكد اختلاطه ويحذر الناس من الرواية عنه:
روى أبو محمد الرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد، قال:
"قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث، مليح بن وكيع. وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد التيمي، قلنا: نأتي ابن عجلان نقلب على هذا الشيخ ننظر فهمه. قال: فقلبوا، فجعلوا ما كان
[ ١٠٤ ]
عن سعيد عن أبيه، وما كان عن أبيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل وجلست معه، ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح، فسألوه فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد العرض، فعرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي، فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد، فقد حدثني به أبي".
ولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دورا أنهم أخذوها عن الثقة، ولكن في اختلاطه.
وهكذا تدخل العلة من هذا الطريق، الذي هو طريق الاختلاط، ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية، يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم.
وفيما يلي مثال على حديث علته اختلاط راويه:
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه زكريا بن أبي زائدة وزهير، فقال أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله عن النبي ﷺ: أنه كان يتعوذ من خمس: من البخل والجبن، وسوء العمر، وفتنة الصدر. روى هذا الحديث الثوري، فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن النبي ﷺ يتعوذ، مرسل. والثوري أحفظهم. وقال أبي: أبو إسحاق كبر، وساء حفظه بأخرة، فسماع الثوري منه قديم، قال أبو زرعة: تأخر سماع زهير وزكريا من أبي إسحاق".
[ ١٠٥ ]
أشهر الرواة الذين اختلطوا:
وقد ذكر ابن رجب طائفة من مشاهير المختلطين، وفصل أحوالهم، وما يتعلق باختلاطهم، وهم: عطاء بن السائب الثقفي، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وأبان بن صمعة، وسفيان بن عيينة، وأبو قلابة الرقاشي، ومحمد بن الفضل السدوسي.
وتناول ابن رجب للمختلطين تناول فريد بين الكتب التي تعرضت لهم، وقد حرص ابن رجب على ما يلي:
١ - ذكر اسم المختلط ونسبه وكنيته وموطنه.
٢ - بيان أقسام الرواة عنه، وجعلهم على أقسام:
- الذين رووا عنه قبل اختلاطه.
- الذين رووا عنه بعد اختلاطه.
- الذين رووا عنه قبل الاختلاط وبعده ولم يميزوا هذا من هذا.
- الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا.
٣ - ذكر ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده.
وقد فصل ابن رجب في هذا الأمر الثالث، وجمع أقوال العلماء التي تصلح ضابطا للتمييز بين الرواية عنه قبل الاختلاط وبعده. ونرى مثل هذا في كلامه على اختلاط عطاء بن السائب، فقال:
وقد اختلفوا في ضابط من سمع منه قديما، ومن سمع منه بأخرة.
- فمنهم من قال: من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح ومن سمع منه بالبصرة، فسماعه ضعيف.
- ومنهم من قال: دخل عطاء البصرة مرتين، فمن سمع منه في المرة الأولى فسماعه صحيح ومنهم الحمادان والدستوائي، ومن سمع منه في المقدمة الثانية فسماعه ضعيف، منهم وهيب وإسماعيل بن علية.
[ ١٠٦ ]
- ومنهم من قال: إن حدث عطاء عن رجل واحد فحديثه جيد، وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف. وهو ضابط التمييز عند شعبة بالنسبة لروايات عطاء.
- ومنهم من قال حديث شعبة وسفيان عنه صحيح لأنه قبل الاختلاط.
كل هذا يدلنا على الجهد الذي بذله علماؤنا في تتبع هذا السبب من أسباب العلة، وبالرجوع إلى قسم التحقيق نطلع على مزيد في هذا، فجزى الله ابن رجب عنا خير الجزاء.
السبب الرابع - خفة الضبط بالأسباب العارضة:
ونقصد بالأسباب العارضة أمورا تعرض للمحدث، تؤثر في ضبطه، دون أن تؤثر في إدراكه، وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط، ولا أرى ضمها إلى الاختلاط كما فعل السخاوي في كتابه "فتح المغيث". وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية، فإذا ضاع الكتاب أو احترق، أو أضر الراوي، أو لم يصطحب كتابه معه إذا رحل، في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي، ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث.
وقد تعرض ابن رجب - ﵀ - لهذه الأسباب من العوارض في أكثر من مكان من كتابه الذي نحن بصدده، فأطال في ذكر من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط، وكان هذا هو الضرب الأول من النوع الثاني الذي هو من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، كما تعرض ابن رجب للمحدث الذي كان كل اعتماده على كتبه
[ ١٠٧ ]
فأضر فخف ضبطه لذلك، ونجد هذا في آخر كلام ابن رجب عن المختلطين تحت عنوان: "من يلتحق بالمختلطين ممن أضر في آخر عمره".
وقبل الكلام عن هذه العوارض نرى ضرورة التنبيه إلى أن من لا يحفظ إذا روى من كتابه فروايته جائزة، إذا كان صادقا ضابطا للكتاب، وهذا معروف في شرط الحديث الصحيح، وهو أن يكون راويه ضابطا لما في صدره أو لما في كتابه وقد تعرض ابن رجب لهذا أثناء كلامه عن الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا، وهما بمنزلة من ليس له كتاب في هذه الحالة. ونقل ابن رجب قول أحمد فيهما وخلاصته أنه لا يجوز أن يحدثا إلا بما سمعا.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في كفايته كلاما أسنده إلى مروان بن محمد، قال: "لا غنى لصاحب الحديث عن ثلاث: صدق وحفظ، وصحة كتاب، فإن كانت فيه ثنتان وأخطأته واحدة لم يضره: إن كان صدق، وصحة كتب ولم يحفظ ورجع إلى كتب صحيحة"، وروى الخطيب كذلك، بسنده إلى يحيى بن معين قوله: "ينبغي للمحدث أن يتزر بالصدق، ويرتدي بالكتب". ودفعا لما قد يدخل على الكتاب من زيادة أو نقص فقد وضع المحدثون مبادىء لا بد من التزامها أثناء الكتاب وقد طول الخطيب في الكلام على هذه المبادىء في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"
ولكن ضبط الكتاب لا يغني، وبالتالي يقع المحذور، في حالة بعد الكتاب أو فقده وفقد آلة النظر في الكتاب. ومن هنا دخلت العلة في أحاديث بعض الثقات فكان لا بد من دخول الناقد، رجل العلل، في دائرة أحاديث هؤلاء الثقات لتمييز سقيمها معلولها من صحيحها ومستقيمها.
[ ١٠٨ ]
وممن خف ضبطه لبعده عن كتبه معمر بن راشد، وهذا الرجل عده علي بن المديني ممن دار الإسناد عليهم، وثناء العلماء عليه عظيم، ولكن ذلك لم يمنع من أن يقال فيه: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخفه، إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد قوله: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر فيها، يعني في اليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة، كما ذكر ابن رجب مثالا من الأحاديث المعلولة التي تكشف عن أمر معمر بالعراق، وذلك أن معمرا روى حديثا وهو: "أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة".
رواه باليمن عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل مرسلا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس، والصواب المرسل.
وأما عبد الله بن لهيعة، قاضي مصر، فهو ممن أجمع العلماء على خفة ضبطه قبل موته بسنين، والأكثر على أن هذا راجع إلى احتراق كتبه، روى العقيلي من طريق البخاري عن أبي بكير، قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وقال ابن خراش كان يكتب حديثه، احترقت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه حتى لو وضع أحد حديثا وجاء به إليه قرأه ليه، قال الخطيب فمن ثم كثرت المناكير في روايته لتساهله، وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءا سمعوه من ابن لهيعة فنظرت فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم.
[ ١٠٩ ]
وقد فصل ابن رجب في الكلام عن ابن لهيعة، وذكر أقوال العلماء في تضعيفه من قبل حفظه، وساق بعض أحاديث رواها فوهم فيها.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه. عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة، قال: "مات رسول الله ﷺ من ذات الجنب" وهذا مما يقطع ببطلانه لما ثبت في الصحيح أنه قال لما لدوه: "لما فعلتم هذا"؟ قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: "ما كان الله ليسلطها علي". وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة.
ومن الحفاظ من خف ضبطه، لضياع كتبه فدخلت الأوهام على حديثه، فمنهم علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل، ولي قضاءها للمهدي (سنة ١٦٦هـ)، وكان ثقة صالح الكتاب قبل ذهاب كتبه.
نقل ابن رجب عن الإمام أحمد - من رواية الأثرم - أنه أنكر حديثا، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد.
ومن أسباب خفة الضبط - وبالتالي دخول الوهم والعلل - الانشغال عن العلم حفظا وكتابة وضبطا، وقد ذكر هذا السبب في علل من تولوا القضاء كشريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث. فإما شريك فقد ولي قضاء واسط (سنة ١٥٥هـ) (وقال عنه العجلي: - بعد ما ذكر أنه ثقة - وكان صحيح القضاء، ومن سمع منه قديما فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعدما ولي القضاء ففي سماعه بعض الاختلاط، وقال صالح جزرة: صدوق، لما ولي القضاء
[ ١١٠ ]
اضطرب حفظه) . ونقل ابن رجب قولا لأحمد - من رواية الأثرم - ذكر فيه سماع أبي نعيم من شريك، فقال: سماع قديم، وجعل يصححه، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: قال لي حجاج بن محمد: كتبت عن شريك نحوا من خمسين حديثا عن سالم قبل القضاء. وقد سبق أن مثلت لأحاديث أعلها النقاد من وراية شريك، وكان معرض ذكرها خفة الضبط كسبب عام ويشمل روايات المحدث كلها، وأما ما نحن فيه فهو الكلام عن حالة خاصة تعتري المحدث. وحديث شريك قبل القضاء الغالب عليه القبول، وأما بعد القضاء فالغالب عليه الرد ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم في علله قال: (سألت أبي عن حديث رواه شريك عن عاصم الأحول، عن الشعبي عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم". فقال: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، وروى جماعة هذا الحديث، ولم يذكروا صائما محرما، إنما قالوا: احتجم وأعطى الحجام أجره فحدث شريك هذا الحديث من حفظه بأخرة، وكان قد ساء حفظه فغلط فيه) .
وأما حفص بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي، فقد ولي القضاء في الكوفة وبغداد، وللعلماء كلام كثير في الثناء عليه وتوثيقه، ولكنه "لما ولي القضاء جفا كتبه"، قال عنه أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي.
ومما أنكر على حفص حديثه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "كنا نأكل ونحن نمشي".
قال ابن معين: تفرد وما أظنه إلا وهم فيه، وقال أحمد: ما أدري ماذا، كالمنكر له، وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده.
[ ١١١ ]
ومن الثقات من فقد بصره، وكان يعتمد على كتبه، فخف ضبطه ووهم فيما حدث به بعد ذلك، وهؤلاء كثيرون، منهم عبد الرزاق بن همام، فبالرغم من أنه أحد الأئمة المشهورين، وإليه كانت الرحلة في زمانه في الحديث، حتى قيل أنه لم يرحل إلى أحد بعد رسول الله ﷺ ما رحل إلى عبد الرزاق، هذا ما قاله ابن رجب معبرا عن توثيق العلماء لهذا العلم، بالرغم من كل هذا إلا أن حديثه ضعيف بعد فقد بصره، وهذا ما قرره الإمام أحمد بقوله: عبد الرزاق لا يعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يلقن أحاديث باطلة وقد حدث عن الزهري بأحاديث كتبناها من أصل كتابه جاء بخلافها.
وعلى هذا فآفة عبد الرزاق انه كان يتلقن ولم يوفق بمحدث واحد ثقة يلقنه.
روى الخطيب بإسناده عن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: كان أصحاب الحديث يلقنون عبد الرزاق من كتبهم فيختلفون في الشيء فيقول لي: كيف في كتابك؟ فإذا أخبرته صار إليه لما يعرف أنني كنت أتعب في تصحيحها. وهذه القصة وما قبلها فيهما دلالة واضحة على أن عبد الرزاق ابتلي بمن يلقنه الباطل أو الضعيف من الحديث، وعليه يحمل تكذيب من كذبه، وما روى من الفضائل عنه حتى اتهم بالتشيع.
ومما أدخل على عبد الرزاق ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال: "سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين، عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تطرقوا الطير في أوكارها فإن الليل أمان لها".
[ ١١٢ ]
قال أبي: يقال إن هذا الحديث مما ادخل على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع".
وقد ذكر ابن رجب ضابطا لرواية الضرير والأمي فقال: وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليها من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد - في رواية عبد الله - في الضرير والأمي لا يجوز أن يحدثا إلا بما حفظا، وقال: كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى أنه لا يحفظه، يقول: في كتابي كذا وكذا.
ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن.
قال ابن رجب: "وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام: حافظ متقن، يحدث من حفظه فهذا لا كلام فيه، وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع إليه حفظه، الذي كان نسيه، وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ، ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه.
السبب الخامس - قصر الصحبة للشيخ، وقلة الممارسة لحديثه:
أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة فرجحوا - من أجل ذلك - أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل.
١١٤ -
واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول صحبة والأقصر، والأقل ممارسة والأكثر، وممن اعتنى اعتناء فائقا باختيار أكثر رجاله من بين الأوثق والأطول صحبة، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، في كتابه الصحيح، وفي هذا يقول الإمام ابن رجب - في شرحه لعلل الترمذي - وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه ونذكر لذلك مثالا، وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات.
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس، وعقيل وشعيب وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
الطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان ولكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقانه دون الأولى، كالأوزاعي والليث، وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم مثل إسحاق بن أبي فروة، وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب.
ورجال البخاري - كما دل عليه الاستقراء - هم في معظمهم من الطبقة الأولى، طبقات الثقات ذات الصحبة والممارسة.
وهكذا نرى أن درجة الثقة وحدها لا تكفي لقبول الحديث، بل لا بد من
[ ١١٣ ]
معرفة سياق السند ومعرفة ممارسة كل رجل من رجاله لحديث شيخه، ومعرفة هذه الممارسة تجعل نظرة المحدث تختلف - عما قبل المعرفة - وهو يرى حديث الأوزاعي عن الزهري، وحديث معمر عن الزهري، فمما لا شك فيه أن الأوزاعي أكبر وأجل، ولكن إسناد معمر أصح وأدق. إذ أن معمر عن الزهري من الطبقة الأولى، والأوزاعي عن الزهري من الطبقة الثانية لقصر صحبته وقلة ممارسته.
ومن أجل هذه الممارسة كان بعض المحدثين لا يرضى أن يسمع الحديث من الشيخ مرة واحدة. قال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة، يعاود صاحبه مرارا.
وتظهر هذه الممارسة في عبارات القوم وهم يقولون: ليس هذا الحديث من حديث فلان أو يقولون: هذا الحديث أشبه بفلان، إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على خبرة واسعة بعلاقة الرواة، بعضهم ببعض.
والجدير بالذكر أن هذه الممارسة قد ترفع الراوي من رتبة الصدوق إلى رتبة الثقة، أو إلى رتبة أوثق الناس في هذا الشيخ، ومثاله حماد بن سلمة، فق اتفق النقاد أنه أوثق الناس في ثابت، بالرغم من أن حمادا بشكل عام كثير الوهم والخطأ.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في علله: "وسئل أبو زرعة عن حديث رواه القعنبي عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أبي موسى عن النبي ﷺ: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان" ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس عن النبي ﷺ فقال أبو زرعة حماد أحفظ".
[ ١١٥ ]
وقال أبو حاتم في علة حديث ذكره: المسعودي أفهم بحديث عون وأشبه.
وقال أبو زرعة: محمد بن يزيد عن أشبه لأنه أفهم لحديث أبيه.
وهذا كله في مجال تقديم إسناد على آخر إذ يتقدم الأفهم والأكثر ممارسة على غيره.
السبب السادس - اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:
رأى الجمهور على أن الرواية بالمعنى جائزة وقد دلل ابن رجب على جوازها بأقوال بعض الصحابة والتابعين، وعلماء الحديث المتقدمين، وبأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها، وقد قيد العلماء هذا الجواز فاشترطوا فيمن يروي الحديث بالمعنى أن يكون عارفا بمواقع الألفاظ، بصيرا بدلالاتها، حتى لا يحيل الحلال حراما، أو يضع الدليل في غير مكانه. وفي شرح علل الترمذي تفصيل لهذا الموضوع، وعرض لأقوال العلماء فيه وأن الرواية بالمعنى، إن لم يلتزم راويها بشرطها الذي يضمن عدم الإحالة، فإن هذه الرواية تكون سببا في دخول العلة على الحديث.
وقد مثل ابن رجب لروايات بالمعنى أحال الرواة معناها، لاضطراب في المقدرة اللغوية، وعدم معرفتهم بلغة العرب، أو عدم إدراك المراد من الحديث وسببه الذي قيل فيه.
وفي هذا يقول ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى: مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي" وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر أحمد ذلك على من
[ ١١٦ ]
فعله، لأن يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام.
وروى بعضهم حديث "إذا قرأ" يعني الإمام "فأنصتوا" بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام " (ولا الضالين) فأنصتوا، فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها.
وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ يريد زكاة الفطر، فصحف نؤديه، فقال نورثه، ثم فسره من عنده فقال الجد.
كل هذا تصرف سيئ لا يجوز مثله".
وقد يدخل هذا الوهم على كبار الثقات رغم يقظتهم، وذلك إما لانشغالهم أثناء التحديث، وإما لحضورهم بعض الحديث دون بعضه الآخر، ومثال ذلك:
ما رواه أبو داود في سننه "عن زيد بن ثابت قوله في كراء المزارع: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا - الله - أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان، - قال مسدد: من الأنصار اتفقا، ثم اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ:
"إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" زاد مسدد: فسمع قوله: لا تكروا المزارع"، فروى رافع ما سمعه من الحديث، علما بأن المنع مقيد بما إذا اقتتلوا فأخطأ في روايته.
ونقل مثل هذا عن عائشة - رضي الله عن ها - في إنكارها على ابن عمر روايته "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه".
فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي
[ ١١٧ ]
أو أخطأ، إن رسول الله ﷺ مر على يهودية يبكى عليها، فقال: "إنهم يبكون، وإنها تعذب في قبرها".
وقد ذكر الحاكم هذا الحديث وقول عائشة - رضي الله عن ها - في ردها على ابن عمر في موضوع معرفة الناسخ والمنسوخ وهو النوع الحادي والعشرون من كتابه. وأرى أن ذكر هذا الحديث ليس مناسبا في هذا النوع، وإنما هو إلى الرواية بالمعنى أقرب منه إلى النسخ، علما بأن ابن قتيبة في كتابه مختلف الحديث رد قول القائلين بوهم ابن عمر - رضي الله عن هما - مؤيدا قوله بروايات عدد من الصحابة لهذا الحديث.
السبب السابع - تدليس الثقات:
وقد يكون سبب العلة تدليسا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإسناد أو رواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته. وغالبا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو هشيم بن بشير أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريح ناشئة عن التدليس.
والتدليس إما أن يكون تدليسا للإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ولم يسمع منه أو عمن عاصره ولم يلقه، أو عمن سمع منه شيئا ولم يسمع موضوع الرواية وفي كل هذا يوهم أنه سمع.
وتدليس الشيوخ: هو أن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف وقد أفرد ابن رجب الكلام عن التدليس بمبحث ذكر فيه أقوال العلماء، وشروطهم لقبول رواية المدلس.
السبب الثامن - الرواية عن المجروحين والضعفاء:
وقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي، فكان هذا
[ ١١٨ ]
الجرح سببا في العلة، وقد سبق وأن اشترطنا لدخول هذا الفرع في العلل أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام، كأن يروي مالك عن عبد الكريم أبي أمية والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى. والأمثلة على هذا السبب من أسباب الجرح كثيرة سنذكر بعضها في هذه الدراسة، وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات، حتى الرواية عن المجروحين كثيرا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث. ***
وفي جعل الجرح سببا من أسباب العلة يقول ابن الصلاح:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح"
[ ١١٩ ]
المبحث الثاني معرفة العلل والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معرفة العلة.
المطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة. ***
المطلب الأول معرفة العلة
ذكر ابن رجب في شرح علل الترمذي أن مجال العلة - في الأغلب والأكثر - حديث الثقات، وذلك لأن رواية الثقة للحديث تكسبه في الأصل صفة الصحة الظاهرة، والسلامة التي تجعله مقبولا محتجا به، ولكن ليس عجيبا أن يفاجئنا رجل العلل بما لديه من الوسائل العلمية والمعرفة الحديثية بكشف ما يقدح في هذه السلامة الظاهرة، وإذا بالحديث بعد الصحة معلولا، وبعد القبول والاحتجاج به شاذا لا يستند عليه ولا يحتج به. وإذا كان الأمر كذلك، فهل لنا أن نتعرف على وسائل النقاد وجوانب معرفتهم الحديثية التي مكنتهم من ارتياد هذا المجال؟
وقبل الشروع في الكلام عن وسائل الناقد رجل العلل في كشف العلة وتبينها، لا بد من عقد مناقشة لما شاع على ألسنة كبار النقاد أثناء وصفهم لهذا العلم بأنه أقرب إلى الكهانة والعرافة لغموض أسبابه وخفاء طرائقه، وكأنه معرفة
[ ١٢١ ]
نفسية أو وجدانية أكثر منه معرفة عقلية علمية، وفي هذا يقول إمام من أئمة هذا الفن، وهو عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة الحديث الهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة".
ونقل عن أبي حاتم ما يشبه هذا، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي - ﵀ - يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت في بعضها هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح، فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وهذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في هذا حديث كذا؟
فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعى الغيب؟ قال: قلت: ما هذا ادعاء الغيب، قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغذ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل، قال أبو زرعة: إنه كذب، قلت: والكذب والباطل واحد، وما قلت إنه كذب، قال أبو زرعة باطل، وما قلت: إنه منكر، قال: هو منكر، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح، فقال: ما أعجب هذا، تتفقان في غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: إنا لم نجازف وإنما قلنا بعلم ومعرفة قد أوتينا. والدليل على صحة ما نقوله: بأن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هذا جيد فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال:
[ ١٢٢ ]
لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه: إني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت. كذلك نحن رزقنا معرفة ذلك".
وقد فهم السخاوي من كلام العلماء حول التعليل أنه أمر يهجم على القلب أو هيئة نفسانية لا تدفع، فهو يقول: "والتعليل أمر يهجم على قلوب هؤلاء لا يمكنهم رده وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة".
وأرى أن كلام السخاوي هذا - في جعل معرفة العلة هيئة نفسانية وخواطر وجدانية - لا يستفاد من مجموع كلام النقاد، ولا يشهد له هذا العلم، بل يشهد عليه، وهو مرفوض بمنطق مئات الأمثلة والشواهد التي احتوتها هذه الرسالة.
ولابن رجب في شرح العلل عبارة تنقض قوله: قال: "وقد قال أبو عبد الله بن منذة الحافظ: إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفر يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث، فإما سائر من يدعي كثرة كتابه الحديث، أو متفقهه في علم الشافعي وأبي حنيفة، أو متبع لكلام الحارث المحاسبي، والجنيد، وذي النون، وأهل الخواطر فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذه عن أهله، وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته".
أما كلام النقاد - كابن مهدي وأبي زرعة - فإنه يحمل على أن من يجهل هذا العلم لا يمكنه الإحاطة بطرائقه ومعارفه وعناصره، وعرض الدليل
[ ١٢٣ ]
والبرهان يلزم منه وجود من يدركهما لأنهما ثمرة هذه المعارف المتنوعة الشاملة وغير ذوي الاختصاص يكفيهم الحكم المتضمن صحة أو ضعفا أو بطلانا. فإن حرصوا على المزيد فعليهم أن يسلكوا مسلك النقاد في إعداد الرصيد الكافي، فهذا أبو زرعة يقول: "نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر ما أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له. وعلى القارئ أن يقدر الرصيد الذي يحتفظ به أبو زرعة خلف هذه الكلمات، فقد حفظ لرجل واحد هذا العدد ثم عرض هذا العدد على الأصول، ثم أصدر حكمه بقوله: "ما أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له". ومن لا يحيط بهذا العلم قد يشك في الخبر، فإذا ثبتت له صحته فإنه يقول متى حفظها؟ وكيف عرفها؟ وعلام عرضها؟ وهل عرض كل حديث عند ابن وهب على مئات مثل هذا الحديث عند غيره؟ وأسئلة غير هذه تلح على معرفة الدليل والحجة، ولكن ذلك بعيد المنال على من لا يعرف هذا الفن.
هذا الذي يحمل عليه كلام النقاد عندما يمتنعون عن الاحتجاج لقولهم ويظهر هذا جليا في قول أبي حاتم في بداية قصته التي أوردتها وفيها: "جاءني رجل من أهل الرأي" واهتمامات رجل الرأي غيرها عند رجل العلل الناقد، فإذا كان رجل الرأي لا يدرك الحجة في العلة، فإنه لا يعني خلوها من الحجة والدليل:
ولقد عبر ابن مهدي عن هذا المعنى تعبيرا دقيقا عندما قال: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة" وهو ما أبرزه ابن كثير أثناء تعريفه للعلل بقوله: وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل".
[ ١٢٤ ]
وعلى هذا يمكن تخريج كلام النقاد، إذ أن كل علم هو كالعرافة والسحر بالنسبة لمن يجهله، وكلام أبي حاتم وهو يشبه معرفة الناقد للعلة بمعرفة الصائغ للدرهم الزائف من الجيد إنما يعني به أن الحديث صناعة وفن كالصياغة التي هي صناعة وفن، ولكل منها مبادئه وطرائقه وقوانينه..
وإلى جانب ما سبق، أقول: إن كتب العلل في أكثر ما أسئلة وأجوبة، وهذه الأجوبة في معظمها يحمل الحجة والدليل، ولا غرابة في هذا إذا عرفنا أن السائل هو من أهل هذا الفن والمختصين به، فالترمذي يسأل البخاري، وعبد الله بن أحمد يسأل أباه وابن أبي حاتم يسأل أباه وأبا زرعة، والبرذعي يسأل أبا زرعة، والبرقاني والسهمي يسألان الدارقطني، وهكذا. وفي مباحث أنواع العلل وأسبابها أمثلة كثيرة فيها بيان كاف للعلة ونوعها وسببها والدليل عليها.
وبعد كل هذا فإننا نخرج بنتيجة هي أن الناس أمام هذا العلم عالم خبير به، أو جاهل منكر له. وأكبر دليل على منهجية هذا العلم وحدة منطقه، الذي يظهر باتفاق النقاد عليه، كما رأينا في إحالة أبي حاتم على أبي زرعة، ثم تشابه قوليهما في كل مسألة، فعلم العلل علم قائم على أصول وطرائق متداولة بين أصحابه، وقد ترتقي هذه الأصول والطرائق بلغتها حتى لا يعود من السهل كشف غموضها عن غير أهلها.
ويضاف إلى كل ما سبق، أن منهج علماء الحديث هو جزء من المنهج الإسلامي العام القائم على (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) والمنهج الإسلامي هو أول منهج أخرج الإنسان من سلطان الطلاسم والفيوض الوجدانية، وحرره من تحكم الأهواء والأوهام والخواطر.
وإن كنت قد أطلت في مناقشة هذه القضية، فلخطورتها وأهميتها حتى إنها تقف أمام كل باحث في العلل لتشعره باستحالة البحث والوصول إلى نتائج جديدة.
[ ١٢٥ ]
وأما كلام العلماء عن مبادئ هذا العلم وظهور حجته عند أهله فكثير، يقول الحاكم أبو عبد الله: "والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير". فالعلة عند الحاكم لا تدعى إلا بالحجة، ولكنها حجة الحافظ الفهم العارف يدركها الحافظ الفهم العارف، ولاحظ قوله: "عندنا" وكأنها تختلف في نظر غيره، ولاحظ قوله: "لا غير".
وقال في موضع آخر من كتابه: "وليس لهذا العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث". وفي هذه العبارة يؤكد الحاكم دور الفهم والمعرفة لما فيهما من المعاني الزائدة على العلم، قال تعالى: (ففهمناها سليمان) .
وابن رجب يؤكد في كتابه أن هذا العلم معرفة وممارسة، ومذاكرة، فيقول: "والوجه الثاني في معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك، وهذا الذي يحصل من معرفته، وإتقانه، وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علم العلل، ونحن نذكر - إن شاء الله تعالى - من هذا العلم كلمات جامعة مختصرة يسهل بها معرفته وفهمه، لمن أراد الله - تعالى - به ذلك، ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكر به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه وفقهت نفسه فيه وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلح له أن يتكلم فيه".
ومن كل هذا نستفيد أن الكشف عن العلة يحتاج إلى علم غزير بالأسانيد والطرق وأساليب التعبير، كما يحتاج إلى مزيد فهم ومعرفة وحدة ذكاء وسرعة
[ ١٢٦ ]
بديهة، وإن شئت فقل هو فن القلة من الناس، وحتى هؤلاء القلة فإنهم متفاوتون في القدرة عليه.
يقول ابن كثير في اختصار علوم الحديث: وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة، النقاد، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، فمنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول ﷺ التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس، فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة. ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة يدركها البصير من أهل هذه الصناعة".
ويقول ابن الصلاح في هذا: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي أو بمخالفته غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن".
أما الخطيب البغدادي فإنه يقول: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان".
وإن نظرة سريعة يلقيها الباحث في كتب العلل تظهر له أي علم يحتاجه صاحب هذا الفن، وأية معرفة يفتقر إليها، حتى يصبح من أهل هذه الصنعة. إنه يحتاج ملكة علمية متعددة الجوانب، كثيرة العناصر، تمتاز بالشمول والتكامل. لأننا بعد التحقق نستطيع أن نقول: إن كل جزئية من جزيئات علوم الحديث داخلة في علم العلل، إما دخولا مباشرا، أو غير مباشر كخادم لأصول هذا العلم وضروراته.
المطلب الثاني وسائل الكشف عن العلة
دفعنا فيما سبق توهم إدراك العلة بالخواطر والتأملات الباطنية، وذكرنا كلام ابن رجب - ﵀ - في هذا، وأثبتنا أن كشف العلة لا يكون إلا بعلم ومعرفة وفهم، والدليل على كل علة لا بد من قيامه، وظهور لأهل هذا الفن. وأما موضوعنا هذا فمعقود للكلام عن جوانب من معرفة الناقد وعلمه حتى نتصور كيف تجري عملية الكشف عن العلة، وما هي طبيعة هذا الذهن الذي يتناول النصوص الحديثية بالتمحيص والنقد؟ إيضاحا لهذا نقول:
إن كتب العل تحمل بين طياتها صورة كاملة شاملة لما ينبغي أن يكون عليه رجل هذا الفن، وأنه إن كان حصر جوانب هذه المعرفة لا يمكن في مبحث صغير فإن ذكر أهم هذه الجوانب يسير ومعقول، وفيما يلي بعض هذه الجوانب:
١ - معرفة المدارس الحديثية، ونشأتها، ورجالها، ومذاهبها العقدية والفقهية وأثرها وتأثيرها في غيرها، وما تميزت به عن غيرها، فقد نشأت للحديث مدارس في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن.
وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها، فإذا كان الحديث كوفيا، احتمل التدليس، أو الرفض. إن كان بصريا احتمل النصب وتأثير الإرجاء والاعتزال في إسناده. فإذا روى المدنيون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما إذا روى المدنيون عن البصريين. ولذلك نجد الحاكم يقول بعد ذكره علة حديث: والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. أما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف.
وقد تكلم ابن رجب عن هذا عند كلامه على النوع الثاني من أنواع العلل، وهو من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض.
[ ١٢٧ ]
قال ابن رجب: "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئا. ومنهم الوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي، ظاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء، قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "عليكم بالباءة" قال: هذا من الوليد يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند أهل دمشق.
ومنهم المسعودي من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه ببغداد فسماعه مختلط".
وكذلك فقد ذكر ابن رجب طائفة من الثقات، حدثوا عن أهل إقليم فحفظوا حديثهم، وحدثوا عن غيرهم فلم يحفظوا:
فمنهم إسماعيل بن عياش الحمصي أبو عتبة، إذا حدث عن الشاميين فحديثه عنهم جيد، وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب.
ومنهم معمر بن راشد كان يضعف حديثه عن أهل العراق خاصة
وأمثلة هذا كثيرة عند ابن رجب، وهذا يلزم الباحث في العلل أن يعرف مدارس الحديث المختلفة ومن أضبط الناس فيها، ومن أكثر الناس خطأ فيها وهكذا.
٢ - معرفة من دار عليهم الإسناد، وأوثق الناس فيهم، وتمييز أصح الأسانيد أضعفها وممن اهتم بهذا، وأرسى قواعده علي بن المديني، فنراه يقول:
نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة ابن شهاب، ولأهل
[ ١٢٩ ]
مكة عمرو بن دينار، ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي، ويحيى بن أبي كثير، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران.
ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف، فلأهل المدينة مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، من أهل مكة عبد العزيز بن جريح، وسفيان بن عيينة. ثم انتهى علم هؤلاء الثلاثة من أهل البصرة وعلم الاثني عشر إلى سنة وهكذا يمضي علي بن المديني في تأصيل هذه الخبرة الإسنادية وتفريعها.
ومع ذكر الراوي فإنه يذكر أصحابه، ويبين أوثقهم فيه وأكثرهم في الرواية عنه. وهذا جزء هام من علم العلل.
وفيما يلي نص من علل أحمد - ﵀ - أوقفي على ارتباط هذا الجانب بعلم العلل، ودوره في الكشف عن العلة، يقول عبد الله بن الإمام أحمد:
سألته عن مطرف بن طريف، فقال: ثقة مطرف، قلت له: أيما أثبت أصحاب الأعمش؟ فقال: سفيان الثوري أحبهم إلي، قلت له: ثم من؟ فقال: أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني عالما بالأعمش - قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة: إلا أن يونس وعقيلا يؤديان الألفاظ وشعيب بن أبي حمزة، وليسوا مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد، قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك!! ثلاثمائة حديث أو نحو ذا وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث، ثم قال: هؤلاء الذي رووا عن الزهري الكثير، يونس وعقيل ومعمر، قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثا عن الزهري، قلت: فصالح بن كيسان روايته عن الزهري؟ قال: صالح أكبر من الزهري، قد رأى صالح بن عمر. قلت فهؤلاء أصحاب الزهري، قلت: أثبتهم مالك؟ قال: نعم، مالك
[ ١٣٠ ]
أثبتهم، ولكن هؤلاء الذين بقروا علم الزهري يونس وعقيل ومعمر. قلت له: فبعد مالك من ترى؟ قال: ابن عيينة. انتهى.
ومن خلال هذا النص نلاحظ أمرين لا بد من البحث عنهما ونحن نتناول الرواة عن الثقات، الأول: من أوثق الناس في هذا الشيخ؟ والثاني: من أكثرهم جمعا ورواية عنه؟ وهكذا الأمر في كل ثقة على حدة، ولنتصور حجم هذه المعرفة التي لا بد منها لرجل العلل. وعن طريق مثل هذه المعرفة يتكون عند الناقد منهج يستعين به في نقده.
ولقد أخذ هذا النوع من الدراية الإسنادية مساحة كبيرة من شرح ابن رجب لعلل الترمذي. فذكر تراجم مطولة لمن دار عليهم الإسناد، ولم يكتف بما أوجزه الترمذي عنهم. فجاء كلامه مفصلا مليئا بالمعارف الحديثية، وعدد هذه التراجم اثنتان وعشرون ترجمة.
وأما الأسانيد فقد أمد ابن رجب الباحث في العلل بمجموعة من المعارف الإسنادية وذلك عند كلامه عن مراتب الثقات وقول من يقدم في هؤلاء الثقات، وكان هذا هو القسم الأول من أقسام علم العلل عنده، وقد عنونه بما يلي:
"القسم الأول في معرفة مراتب أعيان الثقات، الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، وبيان مراتبهم في الحفظ، وذكر من يرجح قوله منهم عند الاختلاف".
وبدأ ابن رجب بذكر أصحاب ابن عمر، وبعد كلام طويل كأنه مال إلى ترجيح قول نافع مولى ابن عمر على غيره عند الاختلاف، ثم ثنى بذكر أصحاب نافع، ثم أصحاب عبد الله بن دينار وهكذا، فإن ابن رجب يتابع الكلام في أعيان الثقات فيذكر أصحاب كل واحد منهم، ومن أوثق الناس فيه، وكأن كل واحد من هؤلاء مدرسة حديثية مستقلة.
[ ١٣١ ]
ولم يكتف ابن رجب - ﵀ - بهذه الضروب من المعارف الإسنادية النادرة، بل عقد - ﵀ - فصلا هذا عنوانه:
"ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء، أو لا يثبت منها إلا شيء يسير مع أنه قد روي بها أكثر من ذلك" وهاك أمثلة على هذه الأسانيد:
قال ابن رجب: قتادة، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ هذه السلسلة لا يثبت منها حديث أصلا من رواية الثقات.
قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال البرديجي: هذه الأحاديث كلها معلولة.
حميد الطويل، عن أنس، قال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: إنما روى حميد عن أنس ما سمعه منه خمسة أحاديث.
الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي ﷺ ليس له إلا حديث واحد".
كل هذا يشكل جانبا لا بد لرجل العلل من معرفته، وعن طريق هذه المعرفة تتشكل صورة واحدة لخريطة الأسانيد وتظهر على هذه الصورة محطات كبرى. هذه المحطات هي من يدور عليهم الإسناد من العلماء في كل زمان ومكان، ولا بد له كذلك من معرفة قواعد التمييز بين هذه الأسانيد، فيعرف الصحيح، والضعيف، والمشهور والغريب، حتى يصل الأمر برجل العلل إلى أن يقول: فلان عن فلان خمسة أحاديث، وهكذا فإنه يذكر مع كل إسناد ما صح به من الحديث وما دخل عليه من الوهم والخطأ.
[ ١٣٢ ]
٣ - معرفة الأبواب: ورجل العلل الحافظ العارف الفهم لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جمع الأحاديث في الأبواب. وأحاديثه كما سبق وأن قلت: إنها مرتبة على الأسانيد فهي أيضا مرتبة على الأبواب: باب الطهارة.. الصلاة.. الزكاة وهكذا، والعملية النقدية عنده هي عرض ما يسمعه على أبوابه وأصوله، وبعد هذا العرض يذكر نتيجة من النتائج الكثيرة عنده: معروف.. منكر.. مشهور.. غريب.. شاذ.. لا أصل له
وفي معرفة الأبواب وحصرها اشتهر عدد من العلماء كالإمام أحمد والبخاري وأبي زرعة، وهذا أبو زرعة يقول لعبد الله بن الإمام أحمد: "ذاكرت أباك فوجدته يحفظ ألف ألف حديث، فقال عبد الله: كيف ذاكرته؟ قال أبو زرعة: ذاكرته على الأبواب". ومعنى هذا أنهما يذكران رؤوس الموضوعات، والعناوين التي تضم عددا من الأحاديث.
ولا غرابة في هذه القدرة على جمع الأبواب وعرضها من إمام كأحمد - رضي الله عن هـ - ولكن الغرابة أن يجمع هذا ويعرضه رجل الدولة مع مسؤولياته ومشاغله، فقد أورد الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث قصة دارت بين المأمون ورجل ادعى معرفة الحديث وجاء يطلب رفده فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع، فقال له المأمون: أيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا حجاج بن محمد وحدثنا فلان حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثان، فلم يذكر فيه شيء فذكره المأمون".
وروي عن علي بن المديني أنه قال: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
[ ١٣٣ ]
٤ - معرفة المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب:
وكتب العلل مليئة بهذا النوع كمعرفة عامة أو تطبيقية تخدم موضوع العلة. ومثال ذلك: ما ذكره عبد الله بن أحمد - ﵀ - في العلل، قال: "حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، قال: زعم لي بعضهم، قال: كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله فلما أتاه الكتاب قال: فكتب إليه: إن قبلنا إبراهيم بن يزيد التيمي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، فأيهما نأخذ؟ قال: فكتب أن يأخذهما جميعا". هذه القصة ظاهرها أنها طرفة، ومقصدها ذكر اثنين من الرواة اجتمعا في الاسم والعصر والرتبة، ومن لا يميز بينهما قد يخلط في حديثهما وقد يقول قائل: ما داما ثقتين فما الضرر من هذا الخلط؟ والجواب على ذلك أن لكل من الرجلين إسناده ولكل منهما رجاله، والخلط بينهما لا يقتصر عليهما بل يتعداهما إلى بقية رجال الإسناد.
وإن الباحث ليدهش وهو يجد أن أربعة عشر رجلا من الثقات يحملون اسم إبراهيم بن يزيد، مما يجعل معرفة هذا الجانب ضرورية لرجل العلل حتى لا تشتبه عليه الأمور.
وكما تتشابه الأسماء تتشابه الكنى، ولا بد من معرفتها من قبل صاحب هذا الشأن.
يقول عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: من كنيته من أصحاب النبي ﷺ أبو عبد الرحمن: عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن، ومعاذ بن جبل أبو عبد الرحمن، وعبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن، وعبد الله بن عمروا أبو عبد الرحمن، ويقولون أبو محمد. وفيروز الديلمي أبو عبد الرحمن، وسفينة أبو عبد الرحمن، ومعاوية بن أبي سفيان أبو عبد الرحمن".
[ ١٣٤ ]
هذا التشابه في الصحابة، وهو في غيرهم أكثر، وتمييزه أصعب، وكم من علة دخلت على الحديث بجهل هذا الجانب.
وإلى جانب التشابه في الكنى نجد الكثير من الكنى التي لم تشتهر أصحابها بها فستغلها المدلسون ستارا لتدليسهم، ولكن المعرفة الواسعة التي يتمتع بها الناقد تقف لكل ذلك بالمرصاد.
٥ - معرفة مواطن الرواة:
قال الحاكم أبو عبد الله: "وهو علم قد زلق فيه جماعة من كبار العلماء بما يشتبه عليهم فيه" وقد يثبت هذه المعرفة في كتب العلل لارتباطها وعلاقتها الوثيقة به. ففي علل أحمد: "ابن أبي حسن قرشي مكي، هشام بن حجير مكي، ضعيف الحديث ومحمد بن أبي إسماعيل شيخ كوفي ثقة وعبد الله بن سعيد بن أبي هند شيخ مديني موثق، وإبراهيم بن ميسرة طائفي سكن مكة" وهكذا، إذ القصد هو التمثيل على هذه المعرفة لا الإحاطة بما كتب عليها، فهو كثير.
٦ - معرفة الوفيات والولادات:
وعن طريق هذه المعرفة - مضافا إليها غيرها - يتأكد الناقد من السماع والمعاصرة أو ينفيهما. وتجد هذه المعرفة مبثوثة في كتب العلل: يقول ابن المديني: "مات أيوب سنة إحدى وثلاثين في الطاعون، ومات يونس سنة تسع وثلاثين، ومات إبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين، وقتل ابن جبير سنة خمس وتسعين وفيها مات الحجاج وهكذا".
ومعرفة الولادات جانب آخر يحدد اللقاء وفترته بين الراوين، فعندما يأتي
[ ١٣٥ ]
حديث يرويه عبد الجبار بن وائل عن أبيه، نجد النقاد يقولون: "عبد الجبار لم يدرك أباه، ولد بعد وفاة أبيه".
٧ - معرفة من أرسل ومن دلس ومن اختلط:
وقد اعتنت كتب العلل اعتناء كبيرا بهذه المعرفة وكثير اما تجد فيها علل الإرسال والتدليس والاختلاط، كما نجد تحديدات دقيقة للاختلاط وتفاوت المراسيل وما دلس من الأسانيد. وقد توسع ابن رجب في الكلام عن الإرسال والتدليس والاختلاط، وقد عرضنا للاختلاط في أسباب العلل، وعرضنا للإرسال في مباحث دراسة علوم المصطلح عند ابن رجب.
٨ - معرفة أهل البدع والأهواء:
وقد سبق وأن ذكرت أن هذه المعرفة جزء من معرفة المدارس الحديثية ولكنها هنا تهتم بالرواة كأفراد كل على حدة. وقد يكون الغالب على مدرسة ما التشيع ولكن فيها الناصبي، والخارجين والمعتزلي، وغير ذلك
وعلى صفحات كتب العلل نجد كلاما كثيرا حول هذا الجانب مثل: "يونس بن عباد كان خبيث الرأي"، "كان يزيد بن عبد الرحمن شيخا فقيرا مرجئيا".
هذه بعض جوانب المعرفة التي لا بد منها للمشتغل بالعلل، وتركت غيرها، لأن الموضوع لا يتسع لعلوم الحديث، إذ ظهر لي بعد البحث والاستقصاء أن أكثر علوم الحديث استمد من علم العلل، وأن أقدم المحاولات في هذا الميدان هي كتب ابن المديني وأحمد الترمذي وأبي زرعة وأبي حاتم وهي كتب شاملة تطبيقية.
[ ١٣٦ ]
وقد قصدت من ذكر هذه الجوانب التمثيل لا الحصر. ولعل أبرز ثمرات هذا الموضوع القناعة التامة بأن علم العلل عماده المعرفة المستفيضة أفقيا وعموديا وهو ما يعبر عنه بعلم الرواية والدراية. ومن تتوافر له هذه المعرفة تنكشف له العلاقات بين الروايات، فيصبح مجال الحديث، سندا ومتنا، بمتناول بصيرته. وعند التعليل يستفيد من كل هذه الجوانب، فجزى الله علماءنا عن أمتهم خير الجزاء، فلقد، والله، حملوا الأمانة التي لا تحملها الجبال الراسيات
[ ١٣٧ ]
المبحث الثالث في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب
ويشتمل على:
المطلب الأول: علة الإسناد.
المطلب الثاني: علة المتن. ***
المطلب الأول علل الإسناد
أولا - علة موضوعها:
إبطال السماع الصريح أو نفي السماع المتوهم بالعنعنة
اتصال الحديث شرط من شروط صحته، والأصل ان التصريح بالسماع من الراوي الثقة معتبر، وكذلك الحال فيما يروى من الأسانيد ويكون "معنعنا" أو "مؤننا" فإنه معتبر كذلك إذا كان الراوي ثقة، بريئا من التدليس. ولكن رغم التصريح بالسماع، ورغم المعاصرة الأكيدة بين الراوي والمروي عنه وسلامة الراوي من التدليس رغم كل هذا قد يكشف النقاد من أهل صنعة العلل أن الإسناد منقطع، ولا حقيقة لهذا السماع.
وقد أطال الإمام ابن رجب في هذا الموضوع وبحثه تحت عنوان
[ ١٣٩ ]
"التدليس" وقد أفردنا للعنعنة مبحثا مستقلا عرضنا فيه كلام ابن رجب - ﵀ - وحررنا هذه المسألة.
وفيما يلي طائفة من الأمثلة على هذه العلة استقينا بعضها من شرح علل الترمذي لابن رجب، وأكثرها من كتب العلل الأخرى، وذلك بهدف إبراز قيمة كتب العلل الأخرى، وتقديم نماذج منها للباحثين والمطلعين، ومن جهة أخرى فإن هذه الكتب مليئة بالأمثلة الصالحة لكل نوع من أنواع العلة، ولقيمة العلل في هذه الدراسة فسأمثل لكل نوع منها بما فيه الكفاية - إن شاء الله -.
قال ابن رجب:
قال أحمد: "البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروى عن عروة عن عائشة، رغم أنه يقول في حديث زائدة، عن السدي: حدثتني عائشة". ونقل ابن رجب عن ابن مهدي ما يؤكد هذا، فقال: "وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه "حدثتني عائشة".
وبهذا تكون العلة في هذا الإسناد إبطال السماع، وإثبات أن الوهم دخل عليه. ومثل هذه العلة كثير في الأسانيد، قال ابن رجب:
"وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ، يعني ذكر السماع.
قال في رواية هدبة، عن قتادة، ثنا خلاد الجهني، وهو خطأ، خلاد قديم ما رأى قتادة خلادا. وذكروا لأحمد قول من قال: عن عراك بن مالك سمعت عائشة، فقال: هذا خطأ. وأنكره وقال: عراك من أين سمع عائشة؟ إنما يروى عن عروة، عن عائشة".
ولقد أفرد ابن رجب - ﵀ - قاعدة من القواعد التي في كتابه لهذا النوع من العلل، تحت عنوان: "ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء،
[ ١٤٠ ]
أو لا يثبت منها إلا شيء يسير". واستعرض أسانيد كثيرة العدد من الثقات الحفاظ، بعضها لم يثبت منه شيء البتة، وبعضها ثبت منها قليل من كثير.
وأما نفي السماع المتوهم بالعنعنة: ففي هذا يقول ابن رجب "في شرح علل الترمذي":
"وقد ذكر الترمذي في كتاب العلم أن سماع سعيد بن المسيب عن أنس ممكن، لكن لم يحكم لروايته عنه بالاتصال. وقد حكى بعض أصحابنا عن أحمد مثله" والحديث الذي رواه سعيد بن المسيب عن أنس هو:
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ "يا بني إن قدرت أن تصبح، وتمسي، ليس في قلبك غش لأحد فافعل" وقال الترمذي: "لا نعرف لسعيد بن المسيب رواية عن أنس إلا هذا الحديث".
وفيما يلي بعض الأمثلة الأخرى لهذا النوع من العلة:
مثال:
قال الترمذي في علله الكبير: "ثنا يحيى بن أكثم، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لبى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معا، قال لبيك بعمرة وحجة".
سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: "هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسا".
وقول البخاري هذا يعني أن رواية حميد عن ثابت غير صحيحة، بل الوارد هو ما ذكره أصحاب حميد أنه سمع أنسا، ومع أن روايات أصحاب حميد ظاهرها سلامة الإسناد، إلا أن البخاري كشف عن وهم في هذا السماع، وأن
[ ١٤١ ]
حميدا لم يسمع أنسا، كما ورد في روايات أصحاب حميد. وفي هذا يقول الترمذي:
"قال محمد: حدثنا عمرو بن خالد، نا زهير، قال: قدمت البصرة فرأيت حميدا، وعنده أبو بكر بن عياش، جعل حميد يقول: قال أنس، قال أنس، فلما فرغ، قلت له: أسمعت هذا؟ قال: سمعت عمن حدث عنه".
ويلاحظ على هذا الحديث أن الإسنادين التقيا بزهير بن معاوية.
أما الأول وهو المعل ففيه زهير عن حميد، عن ثابت، عن أنس.
وأما الثاني ففيه زهير، عن حميد، عمن حدث عن أنس، عن أنس.
ويكون البخاري قد كشف علة الحديث وأثبت أن حميدا لم يسمع من أنس وإنما بينهما واسطة، وقد بين أن الوهم إنما دخل من إكثار حميد من القول: قال أنس، فجعل أصحاب حميد هذه العبارة: سمع أنسا.
مثال:
ومنه قول الحسن: خطبنا ابن عباس.
وهذا مثال آخر فيه تصريح بالسماع إلا أن حقيقته غير ذلك.
وهذا الإسناد روي عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن، وعقب عليه الترمذي بقوله: "روى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن، قال: خطب ابن عباس، وكأنه رأى هذا أصح وإنما قال محمد هذا، لأن ابن عباس كان في البصرة في أيام علي، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة".
وبهذا يظهر لنا البخاري - ﵀ - علة الحديث ومدارها على يزيد بن هارون الذي قال: خطبنا، وقد حاول بعض النقاد التماس تأويل للحسن
[ ١٤٢ ]
ل البصري، وقالوا: خطبنا أي خطب الناس، ولو تنبهوا لمثل ما تنبه له البخاري لأدركوا العلة، ولما احتاجوا لمثل هذا التأويل البعيد.
مثال:
ومن الأمثلة التي يظهر فيها علم العلل بجلاء ويظهر فيها خفاء هذا العلم على غير الأئمة ما ذكره أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"، قال:
"مثاله ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، فقال: (ثنا) محمد بن إسحاق الصغاني، قال (ثنا) حجاج بن محمد، قال، قال ابن جريح، عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذاك.
وقال أبو عبد الله: هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة، قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا انه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب، قال: (ثنا) سهيل، عن عون بن عبد الله، قوله..
قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل".
وقول البخاري هذا زاده أبو زرعة وأبو حاتم إيضاحا وبيانا، وحاولا الكشف عن سبب العلة ومصدرها. فقد روى ابن أبي حاتم في علله هذا الحديث فقال:
"سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالا: هذا خطأ رواه وهيب
[ ١٤٣ ]
عن سهيل عن عون بن عبد الله "موقوف"، وهذا أصح، قلت لأبي: ممن هو؟ قال: يحتمل أن يكون الوهم من ابن جريح، ويحتمل أن يكون من سهيل، وأخشى أن يكون ابن جريح دلس هذا الحديث عن موسى بن عقبة، ولم يسمعه من موسى وإنما أخذه من بعض الضعفاء، سمعت أبي مرة أخرى يقول:
لا أعلم روي هذا الحديث عن سهيل إلا ما يرويه ابن جريح عن موسى بن عقبة، فأخشى أن يكون أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى. إذ لم يروه أصحاب سهيل. لا أعلم روي هذا الحديث في شيء من طرق أبي هريرة".
وبهذا يكون أئمة علماء الحديث والعلل في عصرهم، البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قد اتفقوا على خطأ نسبة سماع موسى بن عقبة من سهيل، وهي علة على جانب من الخفاء حتى عبر عنها الحاكم بقوله: هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح.
وأختم كلامي في هذا النوع من أنواع العلل بعبارة لأبي عبد الله الحاكم (٤٠٥هـ) يقول فيها:
"هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من ابن عمر، ولا من ابن عباس شيئا قط، وأن الأعمش لم يسمع من أنس، وأن الشعبي لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن الشعبي لم يسمع من عائشة، ولا من عبد الله بن مسعود، ولا من أسامة بن زيد، وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة حوالة، وأن ذلك كله يخفى إلا على الحفاظ للحديث".
ثانيا - علة موضوعها:
إبدال الإسناد كله أو بعضه
وهذا نوع من أنواع العلل التي منشؤها إبدال الإسناد كله أو بعضه،
[ ١٤٤ ]
ورغم هذا الخطأ بقي الإسناد المعل يحمل السلامة الظاهرة حتى كشف النقاد عن علته وعرفوا وجه التغيير الذي طرأ على الأصل. وقد يكون هذا الوهم ناشئا عن ملابسات خاصة بالإسناد، وقد يكون ناشئا عن الوهم المجرد، دون ملابسات خاصة ومثال الملابسات الخاصة أن يشتهر إسناد معين على لسان راو معين، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، أو كسعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أو كأبي بردة عن أبيه.
فكل حديث يروى عن مالك قد يسبق اللسان إلى: نافع عن ابن عمر، وفي واقع الأمر يكون مالك قد رواه عن غير نافع.
وقد أفرد ابن رجب - ﵀ - في "شرح علل الترمذي" قاعدة لهذا النوع من العلة، وكأنها إشارة منه - ﵀ - للباحثين أن يحصروا الأسانيد المشهورة، ثم يفتشوا عن كل إسناد خرج عن طريق المشهور.
(قاعدة):
قال ابن رجب: "قال أحمد، في رواية ابنه عبد الله: ثنا محمد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر بضعة عشر حديثا كلها بهذا الإسناد إلا حديث "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر" فإنه قال: عن عمارة بن القعقاع عن أبي صالح، عن أبي هريرة".
وفي قاعدة أخرى من قواعد ابن رجب هذه يقول - ﵀ -:
(قاعدة):
قال العجلي: "كل شيء روي عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني سوى رأيه فهو عن علي، وكل شيء روى إبراهيم النخعي عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله إلا حديثا واحدا".
[ ١٤٥ ]
مثال:
وقد مثل ابن رجب - ﵀ - لهذا النوع فذكر حديثنا "في رفع اليدين في الصلاة" "رواه حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ ورواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ."
وسئل عن ذلك أحمد: فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟.
قال ابن رجب "يشير إلى أن هذا إسناد غريب لا يحفظه إلا حافظ بخلاف علقمه بن وائل عن أبيه فإنه طريق مشهور"
مثال:
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن رجب لمثل هذا النوع قوله:
"روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن حبيب، عن أبي سبيعة الضبعي، عن الحارث، أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب فلانا. قال: "أعلمته"؟ قال: لا الحديث، قال ابن رجب: هكذا رواه حماد بن سلمة، وهو أحفظ أصحاب ثابت، وأثبتهم في حديثه. وخالفه من لم يكن في حفظه بذاك من الشيوخ فرووه عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ وحكم الحفاظ هنا بصحة قول حماد، وخطأ من خالفه، منهم أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني.
قال أبو حاتم: مبارك لزم الطريق. يعني أن رواية ثابت، عن أنس سلسلة معروفة، مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه بخلاف ما قاله حماد بن سلمة، فإن في إسناد ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ وأبو حاتم كثيرا ما يعلل الأحاديث بمثل هذا".
وقد تكون علة الإسناد إبدال صحابي بآخر، ومثاله فيما يلي:
مثال:
أخرج الترمذي في العلل الكبير، قال: "حدثنا أحمد بن مبيع، نا يزيد بن هارون أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها: فله قيراطان، أحدهما، أو أصغرهما مثل أحد". سألت محمدا عن هذا الحديث سالم البراد، عن ابن عمر، فقال: رواه عبد الملك بن عمير، عن سالم البراد، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء، ابن عمر أنكر على أبي هريرة، حديثه" ومحمد في هذا المثال هو البخاري. ويقصد بقوله وحديث ابن عمر ليس بشيء أي هذا الإسناد الذي فيه ابن عمر لا يثبت. وقد استدل البخاري على علة الحديث بأن ابن عمر أخذ على أبي هريرة روايته مثل هذا الحديث، واستنكر.
أما الدارقطني فقد ذكر في علله أسانيد كثيرة دخل الوهم على بعض رواتها فغيروا فيها:
مثال:
"وسئل، أي الدارقطني، عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة صليت مع النبي ﷺ العصر، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا، فقال: علي بهما: ما لكما لم تصليا معنا؟ قالا: كنا في منازلنا، فظننا أنك قد صليت فصلينا، قال: لا تفعلا، إذا جئتما مسجدا والناس يصلون، فصليا معهم".
[ ١٤٦ ]
فقال - أي الدارقطني - يرويه هشام بن حسان، اختلف عليه فيه.
فرواه الحكم بن عبده، وهو بصري سكن مصر، عن هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ووهم فيه على هشام بن حسان، وروي هذا الحديث عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، عن النبي ﷺ" وبهذا يكون الدارقطني قد كشف علة هذا الإسناد وهي تغيير فاحش أصابه، ومصدر هذا الوهم هو الحكم بن عبده، الراوي عن هشام بن حسان.
وقد تكون العلة تغييرا أو تصحيفا طرأ على الاسم، ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي قال: "روى زهير بن معاوية عن واصل بن حبان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ عدة أحاديث منها "حديث الكمأة وحديث الحبة السوداء و"حديث عرضت على الجنة".
قال أحمد وأبو داود: انقلب على زهير اسم صالح بن حيان، فقال واصل ابن حبان، يعني إنما يروي عن صالح بن حيان فسماه واصلا. وقال ابن معين: سمع منهما معا فجعلهما واحدا، وسماه واصل ابن حبان، قال أبو حاتم زهير مع اتقانه أخطأ في هذا ولم يسمع من واصل بن حبان ولم يدركه، إنما سمع من صالح بن حيان".
والذي أخطأ في هذا الإسناد رجل كبير من الأعلام الثقات، ولولا فطنة أحمد وأبي حاتم وأبي داود لكان من العسير كشف مثل هذا الوهم لا سيما وأن في الرواة الثقات. واصل بن حبان الأسدي، المتوفى سنة ١٢٩، وهو ثقة، وصالح بن حيان القرشي، المتوفى سنة ١٤٠هـ.
هذه بعض أمثلة من الأوهام الواقعة في حديث الثقات والتي نشا عنها تغيير في الإسناد كله أو بعضه، أو قلب للأسماء والكنى، وسنختم هذا النوع بأمثلة تبين أن العلة تغيير في أسماء الرواة لعيب في نطق الراوي عنهم، كما جاء في علل الإمام أحمد، قال:
"ابن الثلب إنما هو ابن التلب، ولكن شعبة كان في لسانه شيء. ولعل غندرا لم يفهم عنه".
وقد وقع في مثل هذا أبو يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة، قال أحمد: "كانت فيه لثغة فكان يقول: مطيف بن طييف الحايثي، بدل من مطرف بن طريف الحارثي".
ثالثا - علة موضوعها:
الوهم في رفع الوقوف، أو وصل المرسل أو ما فيه انقطاع
وهذا النوع من العلة هو ميدان العلل الأوسع والأكبر، والذي لا تكاد تخلو منه صفحة من كتب هذا الفن، ولذا فقد نص ابن رجب على الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع فقال: والوجه الثاني، "من وجوه معرفة صحة الحديث وسقمه" معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع".
فقد يروى الحديث مرفوعا ولكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح، وقد يروى الحديث متصلا، وإرساله أثبت وآكد. أو قد يروى متصلا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع.
مثال:
وقد ذكر ابن رجب - ﵀ - في شرح علل الترمذي أحاديث رفعها
[ ١٤٨ ]
سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ ووقفها نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن عمر. ورجح ابن رجب وقف هذه الأحاديث.
قال ابن رجب:
"وسئل أحمد إذا اختلفا فلأيهما يقضي؟ فقال: كلاهما ثبت. ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي، ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث "من باع عبدا له مال"، وهو وقفه. وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث "فيما سقت السماء العشر" ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: "فيما سقت السماء العشر" وحديث: "تخرج نار من قبل اليمن" وكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث وفي حديث: "الناس كابل مائة".
مثال:
وتوضيحا لهذه العلة، وهي الوهم في رفع الموقوف، نسوق مثالا من علل الدارقطني جاء فيه
"وسئل عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أحبب حبيبك هونا، الحديث" فقال: يرويه الحسن بن دينار، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ واختلف عنه:
- فرواه سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.
- وخالفه الحسن بن أبي جعفر، رواه عن أيوب، عن حميد الحميري، عن علي بن أبي طالب.
[ ١٥٠ ]
- وقال هارون بن إبراهيم الأهوازي: عن ابن سيرين عن حميد الحميري، عن علي يرفعه.
- قال الدارقطني: والصحيح عن علي موقوف".
مثال:
ومن الأمثلة على ما كان الإرسال هو أولى والأرجح من الاتصال ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، في معرض الكلام عن هشام بن عروة، وأن الإمام أحمد قال: "إن عيسى بن يونس أسند عنه ما كان يرسله الناس، كحديث الهدية".
وحديث الهدية هذا ما روي "أن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها، فهذا الحديث رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعلق البخاري على هذا الإسناد بقوله: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
مثال:
ومثال آخر ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، قال:
ومنهم حمد بن يحيى الأبح، له أوهام عن ثابت منها حديثه عن أنس مرفوعا مثل أمتي مثل المطر. والصواب: عن ثابت عن الحسن مرسلا.
ومما كان موقوفا، والمرفوع أولى وأصح، ما ذكره ابن رجب في اختلاط ابن علية وحماد بن زيد في أيوب.
قال ابن رجب: "ورجحت طائفة ابن علية على حماد. قال البرذيجي:
[ ١٥١ ]
ابن علية أثبت من روى عن أيوب، وقال بعضهم: حماد بن زيد. وقال: ولم يختلفا إلا في حديث أوقفه ابن علية، ورفعه حماد وهو حديث أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "ليس أحد منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
قال ابن رجب: وليس وقف هذا الحديث مما يضره، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا، والناس كلهم يخالفونه فيرفعونها".
وقد يكون الحديث متصلا، ولكن النقاد يكشفون عن علة فيه، وهي قطعه على التابعي، ومثاله ما ذكره الترمذي في علله الكبير، قال: "حدثنا هناد، (نا) محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "إن الصلاة أولا وآخرا".
حدثنا هناد، (نا) أبو أسامة، عن الفزاري، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: كان يقال "إن للصلاة أولا وآخرا"، فذكره بنحوه.
سألت محمدا، (يعني البخاري)، عن هذا الحديث، فقال: وهم فيه محمد بن فضيل والصحيح حديث الأعمش عن مجاهد.
رابعا - علة موضوعها:
جمع الشيوخ وبقاء اللفظ واحدا
الأصل أن يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث، دون المعنى، فإذا روي أحد الرواة حديثا واحدا عن عدد من الشيوخ ثم ساق اللفظ سياقا واحدا، فإن هذا دليل على الوهم والخطأ إلا أن يكون الراوي مبرزا في الحفظ جدا.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
"ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة
[ ١٥٢ ]
واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ، متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره".
وقد مثل ابن رجب لهذا النوع من الإسناد المعلل بأمثلة كثيرة:
مثال:
قال ابن رجب: "قال أحمد في رواية الأثرم في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة، عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ "في آنية المشركين".
قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال ثم يجعله إسنادا واحدا، وهم يختلفون".
"وقال أحمد: ابن إسحاق حسن الحديث، لكن إذا جمع بين رجلين. قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري وآخر، يحمل حديث هذا على هذا".
وممن يعل حديثه إذا جمع الشيوخ ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب والواقدي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري.
خامسا - علة موضوعها:
جرح الراوي
عرفنا فيما سبق أن ميدان علم العلل حديث الثقات فيكشف عن أوهامهم وأخطائهم، ورأينا ابن رجب يحدد مهمة علم العلل بأنه يبحث في مراتب الثقات، وقول من منهم يرجح عن الاختلاف، كما رأينا يجعل علم الجرح
[ ١٥٣ ]
قسيما لعلم العلل، ويكل امر المجروحين من المحدثين إلى الكتب التي صنفت فيهم.
كل هذا إذا روى المجروح حديثا، لكن إذا روى الثقة عن المجروح فإن هذه الرواية قد تعمي حال المجروح على كثير من الناس، وعندها فلا بد من أن يتدخل العالم بالعلل ليكشف عن موضع العلة، وإذا بها رواية العدل عن المجروح.
هذا النوع من علة الإسناد تكلم عنه ابن رجب كثيرا في شرح علل الترمذي كأن يقول:
"قاعدة:
قال أحمد: كل من روى عنه مالك فهو ثقة. قال النسائي: لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله فإنه روى عنه حديثا، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو.
ولا نعلم مالكا حدث عن أحد يترك حديثه، إلا عن عبد الكريم أبي أمية". ويقول ابن رجب - ﵀ - في موضع آخر:
وأما علي بن عاصم فهو علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، يكنى أبا الحسن، وقد رماه طائفة بالكذب، منهم يزيد بن هارون وغيره، وكذبه - أيضا - ابن معين، وكان أحمد يحسن القول فيه، ويوثقه ويقول: إنه يخطئ".
ومن هنا يتأكد لنا أن دخول هذا النوع من الجرح في علم العلل إنما كان لعلاقته الوطيدة برواية الثقات.
[ ١٥٤ ]
مثال:
قال الترمذي في علله الكبير: (ثنا) قتيبة بن سعيد (نا) أبو صفوان، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى ابن المبارك، عن يونس عن الزهري، قال: أخبرت عن أبي سلمة، عن عائشة، وروى موسى بن عقبة وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عائشة.
قال محمد (هو البخاري): وسليمان بن أرقم متروك، ذاهب الحديث".
وفي هذا الحديث نجد الزهري يروي عن سليمان بن أرقم، والزهري إمام من الأئمة الأعلام، وهو ثقة من كبار الثقات، وروايته هذه عن سليمان بن أرقم قد تجعل الحديث فوق التهمة والظنة عند كثير من الناس.
مثال آخر:
جاء في علل ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة عن حديث كان حدث به قديما، عن محمد بن جامع العطار عن معتمر بن سليمان، عن الحجاج الباهلي، وهو الأحول، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أرادت عائشة أن تشتري بريرة فتعتقها، فقال مواليها: لا، إلا أن تجعل الولاء لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها فإن الولاء لمن أعتق الخ الحديث.
فقال أبو زرعة: اضربوا عليه، وأبى أن يقرأه، وقال: خطأ، وأظنه من محمد بن جامع. وقال: محمد بن جامع شيخ فيه لين".
[ ١٥٥ ]
ونلاحظ في هذا الحديث قول ابن أبي حاتم.
وسئل أبو زرعة عن حديث كان يحدث به قديما.
وبهذا يكون إلحاق هذا الجرح بالعلل لأن أبا زرعة حدث به قديما، ولم يكن حال محمد بن جامع مكشوفا له كما يبدو من العبارة.
المطلب الثاني العلة في متن الحديث
رأينا فيما سبق عللا وقعت في سند الحديث كرفع الوقوف، ووصل المرسل وزيادة راو، أو إبداله، أو تحريف في أسماء الرواة. وأما مبحثنا هذا فهو معقود للتعرف على علة المتن. والمتن هو ما ينقل عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية أو ما ينقل عن الصحابة والتابعين وقد يتعرض هذا المتن لأوهام النقلة فتدخل عليه علة من العلل فتحيله عن معناه، أو تحرف لفظه، أو تدخل فيه ما ليس منه.
ويمكننا أن نرجع علل المتون إلى الأنواع التالية:
الأول: ما كانت علته إحالة المعنى كليا أو جزئيا.
الثاني: ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه.
الثالث: ما كانت علته مخالفة الراوي الذي رواه لمقتضاه.
الرابع: ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه، ليس منه.
الخامس: ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبوة.
ولقد بث ابن رجب - ﵀ - هذه الأنواع على شكل أمثلة ومباحث وقواعد في كتابه شرح علل الترمذي. وفيما يلي تفصيل لهذه الأنواع مستفيدين من أمثلة ابن رجب ومباحثه وقواعده:
النوع الأول:
إحالة معنى الحديث إذا كان راويه غير عالم باللغة ولا بالمراد من اللفظ،
[ ١٥٦ ]
وقد تكلم ابن رجب - ﵀ - على راوية الحديث بالمعنى، ونقل جوازها عن جمهور العلماء بشرط أن يكون الراوي ملما باللغة، عارفا، عالما، بصيرا بمواقع الألفاظ، وما يحيلها عن المراد.
ولا بد أن يكون الراوي عارفا المراد من الحديث ليحمله على هذا المراد، ولا يصرفه لغيره.
قال ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى، مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي". وأدخله في أبواب غسل الحيض. وقد أنكر أحمد ذلك على من فعله، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام".
قال ابن رجب - ﵀ -: وروى بعضهم حديث إذا قرأ الإمام فأنصتوا، بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام (ولا الضالين) فأنصتوا فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها. ومثل هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، قال:
"وسألت أبا زرعة عن حديث أبي الأحوص عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله ﷺ "اشربوا في الظروف ولا تسكروا".
قال أبو زرعة: وفي هذا الحديث أخطأ أبو الأحوص فصحف في الإسناد، فقال: بردة وهو بريدة، وقلب في الإسناد فقال: عن أبيه، عن أبي بريدة، وهو ابن بريدة، عن أبيه. ثم قال أبو زرعة:
[ ١٥٧ ]
وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفة في المتن: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﷺ من طرق كثيرة، ونصه:
"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكرا".
وفي حديث بعضهم عن بريدة قال: واجتنبوا كل مسكر، ولم يقل أحد من الرواة ولا تسكروا.
النوع الثاني - ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه:
وقد مثل له ابن رجب بمن حرف كلمة "نؤديه" فجعلها "نورثه" وبدل أن يجعل الحديث في صدقة الفطر، وهو: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ قال: الجد.
وقد سبق الكلام عن هذا في أسباب العلل.
النوع الثالث - ما كانت علته مخالفة راويه لمقتضاه:
هذا النوع من العلة أفرد له ابن رجب قاعدة من قواعد كتابه شرح علل الترمذي، فقال:
"قاعدة: في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه"
. وقال ابن رجب: قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا.
فمنها: أحاديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، ضعفها أحمد ومسلم وغير واحد
وقال أحمد أبو هريرة ينكر المسح على الخفين فلا يصح له فيه رواية.
[ ١٥٨ ]
ومنها: أحاديث ابن عمر في المسح على الخفين أيضا، أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد بن أبي وقاص، المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية.
ومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء الأطهار، لا الحيض".
ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في علله الكبير، قال:
"حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان أحدهما أو أصغرهما مثل أحد.
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الملك بن عمير عن سالم البراد عن أبي هريرة وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء.
ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه".
هكذا أعل البخاري هذا الحديث.
ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في علله أيضا: "ثنا علي بن حجر، ثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض".
سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن
[ ١٥٩ ]
يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وقال: ما أراه محفوظا.
قال: وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم".
النوع الرابع - ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه:
وصورة هذا النوع من العلة أن يدخل في سياق الحديث ما ليس منه، سواء أكان هذا الدخل حديثا آخر أو بعض حديث، أم كان كلاما للراوي يوضح به المراد من الحديث، وفي كلتا الحالتين يظهر الحديث مع ما أدرج فيه حديثا واحدا دونما تمييز بينهما أو فاصل يحدد كلا منهما.
ومثال إدراج الحديث في الحديث ما ذكره ابن رجب في معرض كلامه، عن جعفر بن برقان، فقال: "وكذا قال العقيلي هو ضعيف في روايته عن الزهري وذكر له حديثه عن الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه نهى عن لبستين، وبيعتين، ونكاحين، وعن مطعمين، وذكر الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه"، وقال: لا يتابع عليه من حديث الزهري.
وأما الجلوس فيروى من غير حديث الزهري بأسانيد صالحة ما خلا الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر فالرواية فيها لين انتهى كلام ابن رجب
ومراد ابن رجب أن جعفر بن برقان روى عن الزهري النهي عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وروى أحاديث أخرى من غير طريق محمد بن شهاب الزهري فأدخل كل هذه الأحاديث في إسناد واحد وهو الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
[ ١٦٠ ]
وقد خرجنا هذا الحديث في مكانه من شرح العلل، وذكرنا قول أبي زرعة فيه:
حديث جعفر بن برقان إنما هو عن قبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة - وحديث "نهى أن يتزوج الرجل المرأة على عمتها"، وحديث "المنابذة والملامسة"، إنما هو عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد.
وأما ما كان الإدراج فيه دخول كلام من الراوي على متنه فمثاله حديث الاستسعاء، وهو ما أخرجه أبو داود من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
من أعتق شقصا أو شقيصا له في مملوك فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عبد، ثم استسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه.
وقد روي هذا الحديث من طرق أصح وأكثر، وليس فيها ذكر الاستسعاء.
وفي هذا نقل ابن رجب كلاما عن الإمام أحمد أنه لا يعبأ برواية سعيد بن أبي عروبة هذه التي ذكر فيها الاستسعاء، وقدم رواية شعبة وهمام عن قتادة ولم يذكرا الاستسعاء، ونقل ابن رجب قول الإمام أحمد: "ولا أذهب إلى الاستسعاء".
وقد تعرضنا لهذا الحديث في زيادة الثقة، وقد خرجنا رواياته في شرح العلل.
وقد بين الحاكم في معرفة علوم الحديث مكان الإدراج في هذا الحديث فقال: "حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد
[ ١٦١ ]
وهم من أدرجه في كلام النبي ﷺ ويشهد بصحة ذلك ما روي عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فغرمه النبي ﷺ قال همام: "وكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد".
فقول همام هذا أكد لنا بأن الاستسعاء مدرج في الحديث. وليس في الحديث زيادة ثقة، لأن زيادة الثقة هي جزء من الحديث روي من بعض الطرق ولم يرو من بعضها الآخر.
النوع الخامس - ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبي ﷺ:
ومن ذلك ما يشبه كلام القصاص: وقد مثل له ابن رجب في شرح علل الترمذي بحديث يرويه عمر بن يزيد الرفاء، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم وما خالف أهواءهم تركوه، فعند ذلك يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر المقدور، والأجل المكتوب، والرزق المقسوم، ألا يسعون فيما لا يدرك بالسعي من الجزاء الموفور، والسعي المشكور، والتجارة التي لا تبور".
قيل في هذا أنه يشبه كلام القصاص، واستغرب عن شعبة، وحمله النقاد على رجل كذاب اسمه عبد الله بن المسور المدائني.
قال ابن رجب: ومنه قول أبي أحمد الحاكم، في حديث علي الطويل في الدعاء لحفظ القرآن، إنه يشبه أحاديث القصاص كذلك.
[ ١٦٢ ]
وقال في موضع آخر: ومن ذلك أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ من الكلام الذي لا يشبه كلامه قال ابن أبي حاتم الرازي، عن أبيه: تعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون مثل كلام النبوة.
ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تتضح عدالته، والله أعلم.
هذه بعض أنواع علة المتن، وهي الأنواع التي وقعت لي في شرح علل الترمذي وفي كتب العلل التي اطلعت عليه، وهذه الأنواع ليست على سبيل الحصر، وإنما على سبيل التمثيل، وإنني لا أدعي استقراء كتب العلل كلها لإخراج كل أنواع العلة، لأن هذا بحث يحتاج إلى سنين، وتفنى فيه أعمار.
المبحث الرابع الأشباه في العلل
تمهيد:
رأينا في الأنواع السابقة نماذج من العلل كشفها النقاد بعبارات صريحة واضحة لا لبس فيها، وذلك لقيام الأدلة الكاملة عندهم.
وأما هذا المبحث فقد أفردته للأشباه في العلل. وعنوان هذا المبحث رأيت أنه يصلح لأن تنطوي تحته هذه العلل التي يكشف عنها الناقد بقوله: حديث فلان أشبه أو أشبه بالصواب. أو يقول: حديث فلان أشبه بحديث فلان أو يقول الناقد: هذا الحديث يشبه حديث القصاص، هذه مادة هذا المبحث، وهذا الذي أقصده بالأشباه، ولعلي لا أستبق الموضوع إن قلت أن الأشباه تعبير عن الكشف الظني للعلة الذي يحتمل أمورا كثيرة، وإن كان قول الناقد هذا هو الأرجح من غيره.
وننطلق في هذا المبحث من قاعدة رسمها ابن رجب - ﵀ - فقال:
(قاعدة مهمة):
حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم، والمعرفة، التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع.
[ ١٦٣ ]
ثم مثل ابن رجب - ﵀ - لهذا بأمثلة، منها:
شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر.
روى عنه أحاديث منها حديث ابن المنكدر عن جابر، مرفوعا: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة الحديث، وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان قد عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضا، وأنكر بعضا، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث، فروى شعيب ذلك الكتاب، وعرض علي بعض تلك الأحاديث فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
قلت - أي ابن رجب - ومصداق ذلك ما ذكره أبو حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر، عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي، وروى عن شعيب عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة فرجع الحديث إلى الأعرج. وإنما رواه الناس عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي بن أبي طالب.
ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة.
وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج، وروى عن محمد بن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي فروة، وابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
ورواه أبو معاوية، عن شعيب، عن إسحاق عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع عن محمد بن مسلمة.
فظهر بهذا أن الحديث عند شعيب عن ابن أبي فروة
وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث إسحاق بن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
[ ١٦٦ ]
وحاصل الأمر أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق، وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال عن ابن المنكدر وآخر، وكذا وقع في سنن النسائي.
وهذا مما لا يجوز فعله وهو أن يروي الرجل حديثا عن اثنين، أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترك ذكر المطعون فيه، ويذكر الثقة. وقد نص الإمام أحمد على ذلك، وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة. وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولا عليه.
فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر ويرجع إلى حديث الأعرج.
ورواية الأعرج له معروفة عن ابن أبي رافع عن علي وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما
وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر.
وقد روى هذا الحديث يزيد بن عياض بن جعدبة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن ابن أبي رافع، عن علي.
ويمكن أن نلخص ما مضى بما يلي:
١ - الصحيح ما رواه الناس ومنهم إسحاق بن أبي فروة عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي قال: الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا الخ الآية.
[ ١٦٧ ]
٢ - وأما إسحاق بن أبي فروة فقد روى هذا الحديث من طريقين:
الأولى: ابن أبي فروة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
الثانية: ابن أبي فروة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن محمد بن مسلمة.
٣ - رواه شعيب عن ابن المنكدر وإسحاق بن أبي فروة، علما بأنه لم يسمعه من ابن المنكدر، وإنما من إسحاق، فسلك به طريق إسحاق إلى محمد بن مسلمة وسوى بين إسناد ابن المنكدر وإسناد إسحاق بن أبي فروة.
٤ - ترك بعض الرواة إسحاق بن أبي فروة، وذكر ابن المنكدر، وبعضهم قال: ابن المنكدر وآخر، يكنى عن إسحاق بن أبي فروة.
٥ - وهكذا دخل إسناد إسحاق بن أبي فروة في إسناد ابن المنكدر، وانتهى بإسقاط إسحاق من الإسناد.
ولما عرف النقاد تفرد إسحاق في ذكر محمد بن مسلمة علموا بعد ذلك أن هذا الحديث من حديث إسحاق ولو لم يذكر هو في السند. فقالوا: شعيب عن ابن المنكدر يشبه حديث إسحاق بن أبي فروة.
وبالرغم من أنني حاولت جهدي أن أسهل وأوضح، إلا أن الأمر يبقى على جانب من الصعوبة. وذلك لما في هذه الأسانيد من التداخل إذ أنها تلتقي في راو وتفترق عند آخر، وتبدو وكأنها جهاز دقيق الآلات، تتشابك بداخله الخيوط والأسلاك، ولكنه لا يعدم من يعرف أجزاءه ويتابع أسلاكه وخيوطه.
مثال:
قال ابن رجب: "سعيد بن سنان ويقال سنان بن سعيد يروى عن أنس ويروى عنه أهل مصر. قال أحمد: تركت حديثه، حديثه مضطرب. وقال: بشبه حديثه حديث الحسن لا يشبه أحاديث أنس".
[ ١٦٨ ]
قال ابن رجب: "ومراده أن الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسليه. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس".
وهكذا يتضح لنا أن أحاديث سعيد بن سنان إنما يرويها عن الحسن لا عن أنس لعدة قرائن:
١ - إن هذا الرجل معروف باضطرابه.
٢ - إن هذه الأحاديث غريبة عن أنس ولم يروها الناس عنه
٣ - إن هذه الأحاديث معروفة عن الحسن، لا عن أنس.
مثال:
قال ابن رجب - ﵀ -:
قال البرذعي: "قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
قال: وقال لي أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضهما مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان". قال ابن رجب:
"ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، فوجده يشبهه ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهما فخاف (أبو زرعة) أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، ودلساه عن شيوخهما".
هذا كلام ابن رجب، وفيه تفسير واضح لشك أبي زرعة في هذين الرجلين، ثم كيف تحقق من صحة هذا الشك.
[ ١٦٩ ]
مثال: قال ابن رجب - ﵀ -:
"روى القواريري، عن ابن بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، ثنا سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: قال الله تعالى: ابتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أسارى ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه.
هذا الحديث ليس من أحاديث سعيد المقبري، بل هو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد المقبري: ودليل ذلك كما يقول ابن رجب - ﵀ -:
١ - هذا حديث منكر بهذا الإسناد وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه.
٢ - رواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه. وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال: يحيى القطان ما رأيت أحدا أضعف منه".
مثال: قال ابن رجب - ﵀ -:
"روى أبو جعفر العقيلي في كتابه "الضعفاء" قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، وعلي بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن يزيد الشيباني الرفا، قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال:
"ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعلمون بالقرآن ما وافق أهواءهم، وما خالف أهواءهم تركوه، فعند ذلك مؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر والمقدور، والأجل المكتوب، الرزق المقسوم، إلا يسعون فيما لا يدرك إلا بسعي من الجزاء الموفور، والسعي المشكور والتجارة التي لا تبور"؟
[ ١٧٠ ]
قال العقيلي: "ليس لهذا الحديث أصل من حديث شعبة، هذا الكلام عندي، والله أعلم، يشبه كلام عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني، وكان يضع الحديث. وقد روى عن عمرو بن مرة، عنه. ولعل هذا الشيخ - الذي هو عمر بن يزيد الرفا - روى عن رجل عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن المسور فأحاله على شعبة".
وهكذا أدرك العقيلي، وهو الناقد البصير، أن هذا الحديث من المحتمل أن يكون لرجل لم يذكر نهائيا في هذا الإسناد، وذلك:
١ - لغرابته عن شعبة، ولكون هذا الشيخ (عمر بن يزيد) مجهولا.
٢ - لشبهه بأحاديث القصاص الذين يتألفون قلوب الناس بأحاديث يضعونها، فإن من يمعن النظر في هذا الحديث يرى فيه أثر الصنعة.
٣ - لما كان عمرو بن مرة معروفا بالرواية عن أحد الكذابين، وهو عبد الله بن المسور، فإن العقيلي يرى أن هذا الحديث يشبه أحاديث هذا الوضاع، ولا يشبه حديث شعبة.
هذه أمثلة ذكرها ابن رجب لهذا الضرب من العلة، وجعل لها قاعدة من قواعده، وصفها بالأهمية كما رأينا.
وكتب العلل مليئة بهذا النوع من العلة وكثيرا ما يقال: حديث فلان أشبه، أو أشبه بالصواب، أو أشبه لسبب من الأسباب المرجحة.
وفيما يلي بعض الأمثلة من كتب العلل الأخرى توقفنا على مزيد من البيان والإيضاح.
جاء في علل الدارقطني: "سئل عن حديث عمر عن أبي بكر أنه قبل الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. فقال:
[ ١٧١ ]
يرويه سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمير، واختلف عنه.
- فرواه أبو بكر الأعشى وهو عبد الحميد بن أبي أويس أخو إسماعيل بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، عن عيسى بن طلحة، عن عمر، عن أبي بكر.
- وخالفه خالد بن مخلد، وعبد الله بن وهب، فروياه عن سليمان بن بلال: عن شريك بن أبي نمر، عن عيسى بن طلحة عن رجل حدثه لم يسميا عمر لا غيره، عن أبي بكر.
وقولهما أشبه بالصواب. وتابعهما عبد الملك بن مسلمة عن سليمان بن بلال".
فالإسناد الذي أبهم فيه رجل أشبه بالصواب.
قال ابن أبي حاتم: "سالت أبي عن حديث رواه الأعمش وفضيل بن عمرو، عن علقمة، عن عبد الله، قال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" وذكر الحديث.
ورواه ابن أبجر، عبد الملك بن سعيد بن أبجر، عن أبي معشر، عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد الله، موقوفا.
أيهما أصح. فقال: الأعمش وفضيل أضبط من أبي معشر، وهو أشبه بالصواب".
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه موسى بن خلف، وحماد بن زيد، وأحسبه عن أنس. وقال موسى: عن أنس، عن النبي ﷺ "من كانت له ابنتان أو ثلاث كنت أنا وهو كهاتين. قال أبي:
[ ١٧٢ ]
رواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن عائشة، عن النبي ﷺ هو أشبه بالصواب وحماد أثبت الناس في ثابت، وعلي بن زيد".
هذه أمثلة كان الحكم فيها بصيغة أشبه بالصواب، وذلك عند مقارنة إسنادين، أو رواية رجلين، ويكون أحدهما أقرب إلى الصحة من الآخر.
وكثيرا ما تكون هذه العبارة مبررة بقرينة تؤيدها. وفيما يلي عبارات من العلل لابن أبي حاتم ومن العلل الكبير للترمذي فيها مثل هذا التبرير:
- قال أبو زرعة: محمد بن يزيد أشبه عن أبيه، لأنه أفهم لحديث أبيه.
- حديث عنبسة وعمرو أشبه عندي. إذ اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير بن عدي.
- قال أبو زرعة: عبد الله بن الربيع، عن أبي بردة، عن الربيع بن خيثم أشبه، الرواية من طريق الثوري.
- "قال أبي: ابن عباس أشبه، لأن أيوب أشبههم وأحفظهم". أي الرواية التي تنتهي بابن عباس أشبه من الرواية الأخرى، لأن رواية ابن عباس جاءت من طريق أيوب.
- "لم يسمع يحيى بن أبي كثير من نوف شيئا، إنما روى عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن نوف وهو أشبه"، أي أن الرواية الثانية سليمة من الانقطاع، خلافا للأولى.
[ ١٧٣ ]
هذه أشبه، وزكريا لزم الطريق، ومعنى لزم الطريق دخل على إسناد آخر لشهرة رجاله، وترك إسناده الصحيح.
- مرسل أشبه، يحيى بن جعدة لم يلق ابن مسعود.
- لا يشبه هذا الحديث حديث الأعمش، لأن الأعمش لم يرو عن أبي تميمة شيئا، وهو بأبي إسحاق أشبه. أي أن الوهم أدخل الأعمش مكان أبي إسحاق.
- لا يرفعون هذا الحديث، والموقوف عندنا أشبه.
- حديث عقيل، عن الزهري أشبه من حديث عبد الله بن بشير، عنه، لأن عقيلا معروف بالرواية عن الزهري.
- وحديث يونس بن أبي إسحاق أشبه من حديث عمار بن زريق عن أبي إسحاق، لأن عمار بن زريق سمع من أبي إسحاق بأخرة.
- وحديث همام عن قتادة أشبه، وهو ثقة حافظ.
وذلك في مقابل رواية عبد الأعلى بن سعيد عن قتادة.
- حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة أشبه، وعكرمة بن عمار يغلط الكثير في أحاديث يحيى بن أبي كثير، وفي ذلك ترجيح رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، على رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
[ ١٧٤ ]
- قال أبي، حديث منصور أشبه، لأن حديث أبي هاشم رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم وحجاج ليس بالقوي، وفي حديث الربيع بن أنس دونه مصعب بن حيان، عن مقابل بن حيان. قال أبو زرعة: حديث منصور أشبه، لأن الثوري رواه وهو أحفظهم.
- حديث أبي معمر أشبه من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، لأن ابن بريدة يروي عن ابن عمر في حديث عبد الصمد، قلت لأبي: ابن بريدة أدرك ابن عمر؟ قال: أدركه ولم يبين سماعه منه.
- وهيب أشبه، ووهيب أتقن وأوثق من أبي معاوية.
- وحديث إسرائيل أشبه، إذ كان هو أحفظ.
- وهو أشبه عندي، لأن الثوري أحفظهم.
- قال أبي: لا يحتمل عندي أن يكون من حديث ابن عمر، عبد الله بن عمرو أشبه. وذلك في حديث: كل مسكر حرام، وهو مشهور عن ابن عمرو، وتشابه عمر وعمرو يوقع في مثل هذا الوهم، فقال أبوا حاتم "بابن عمرو أِشبه".
- قيل لأبي: أيهما أصح؟ قال: المسعودي أفهم بحديث عون، وهو أشبه.
[ ١٧٥ ]
هذه الأمثلة تعرض لأسانيد وقع الاختلاف فيها، فحاول النقاد بيان الأشبه بالصواب، وكذلك الحال عندما يقع الاختلاف في المتون، فإنهم يلتمسون لأحدهما المرجح على بقيتها، وذلك فيما لا يمكن فيه الجمع من هذه المتون.
مثال:
قال الترمذي: "حدثنا أبو موسى بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد: كنا نصوم يوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا.. الحديث.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد، قال: أمرنا بصوم عاشوراء.
سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت له: حديث الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد أصح؟ أو حديث سلمة بن كهيل عن القاسم، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد؟.
فقال لم أسمع أحدا يفضي في هذا بشيء، إلا أن حديث سلمة بن كهيل أشبه عندي، لأن هذا خلاف ما يروى عن النبي ﷺ في زكاة الفطر. قال ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر".
ولما كان التمييز بين الأسانيد "بهذه العبارة" يحمل ما يبرره، فلا بأس أن نقول: إننا نعرف أن سندا ما هو أشبه بالصواب، لأحد الأسباب التالية:
١ - أشبه، لأنه أضبط، أو أتقن، أو أوثق، أو أثبت في شيخ ما، أو أفهم بحديث أبيه أو شيخه أو قطرة.
[ ١٧٦ ]
٢ - أشبه، لأن رواته أكثر.
٣ - أشبه، لأن سمع وغيره لم يسمع، أو أدرك وغيره لم يدرك.
٤ - أشبه، لأن هذا الحديث مشهور عنه وغريب عن غيره.
٥ - أشبه، لأن غيره لزم الطريق.
٦ - أشبه، لأن غيره خلاف ما يروى عن النبي ﷺ.
وهكذا فقد دلنا استقراء هذه العبارة في كتب العلل أنها تعني الأسلم والأقرب إلى الصواب. وينبغي أن أنبه إلى أن هذا لا يعني دائما صحة الإسناد في اصطلاح المحدثين، إذ قد يكون الإسناد أشبه بالصواب ويكون مرسلا أو معضلا والله أعلم
[ ١٧٧ ]
الفصل الرابع دراسة لمباحث في مصطلح الحديث من كتاب شرح علل الترمذي
[ ١٧٩ ]
تمهيد
تعرضنا فيما سبق للمادة الرئيسة في شرح علل الترمذي وهي مادة علم العلل، وحاولنا إبراز بناء متكامل لهذا العلم، مستمدا من كتاب ابن رجب، ومسترشدا بالأصول التي اعتمد عليها. وأما الجزء التالي من الدراسة فجعلته لدراسة مباحث في مصطلح الحديث خرج فيها ابن رجب عن المألوف، وأظهر فيها براعة وإبداعا، وقد جعلت هذا الفصل في ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: في المرسل.
المبحث الثاني: في العنعنة. المبحث الثالث: في زيادة الثقة.
[ ١٨١ ]
المبحث الأول في المرسل عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء
تعريف المرسل في الاصطلاح:
يطلق المرسل عند علماء المصطلح على قول التابعي: قال رسول الله ﷺ، وهو ما اختاره الحاكم في معرفة علوم الحديث، وسار عليه أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته، تابعه على ذلك شراح المقدمة ومختصروها.
أما الخطيب البغدادي فقد أطلق المرسل على ما انقطع إسناده مطلقا، وعليه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان،والدارقطني وهو المشهور عند الفقهاء والأصوليين.
[ ١٨٣ ]
ورغم هذا الاختلاف الظاهر في الاصطلاح إلا أن الحقيقة المختلف عليها واحدة، وبيان ذلك: أن المرسل عند أهل المصطلح نوع خاص من المنقطع، وهو ما انقطع بعد التابعي، وقول الخطيب ومن سبقه أو لحقه عام في كل منقطع، يضاف إلى هذا أن المرسل الذي دار حوله الخلاف، بين التصحيح والتضعيف والقبول والرد، هو مرسل التابعي، وأما المنقطع دون التابعي فهذا لا جدال في ضعفه، وأهل الاصطلاح وغيرهم يقرون بضعفه.
ولما كانت صورة الخلاف الحقيقي هي مرسل التابعي كانت صور الانقطاع الأخرى محل نزاع لفظي لا نزاع حقيقي.
المرسل عند ابن رجب:
أما ابن رجب فإنه لم يتعرض لتعريف المرسل كما فعل سلفه وخلفه من أهل المصطلح، وإنما اكتفى بالأمثلة التطبيقية تحدد مفهومه عن المرسل، وفي شرح العلل له تبعا لأصله، صور من المرسل، هاك أمثلتها:
١ - أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ كما كان يفعل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن أبي كثير. وهذا هو الأعم الأغلب في المرسلات.
٢ - أن يسقط التابعي راويا بينه وبين الصحابي: كرواية مجاهد عن علي، وبينهما ابن أبي ليلى. أو يقال: سعيد بن المسيب عن عمر حجة، رغم انه لم يسمع من عمر كثيرا، ولكنه أرسل عنه كثيرا.
٣ - أن يقول تابع التابعي: قال رسول الله ﷺ كمالك مثلا، ومن في طبقته جاء في علل الترمذي قوله: قال علي: قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي. ثم قال يحيى: ليس في القوم أحد أصح حديثا من مالك.
[ ١٨٤ ]
عرض الترمذي لمذاهب العلماء في المرسل / واعتراضات ابن رجب عليه:
المذهب الأول - تضعيف المراسيل:
وفي ذلك يقول الترمذي: "والحديث إذا كان مرسلا فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث". ومن أهل الحديث الذين استدل الترمذي بقولهم الإمام الزهري الذي قال لإسحاق بن أبي فروة، وكان يرسل الحديث مالك - قاتلك الله - تجيئنا بأسانيد لا خطم لها ولا أزمة، فرأى الإمام الترمذي أن هذا دليل على تضعيف الزهري لمطلق المراسيل، وانه لا يحتج بها.
ولكن ابن رجب اعترض في الشرح على هذا الاستدلال، وقال: ليس هذا دليلا على رد الزهري للمراسيل عموما، وإنما هو تضعيف خاص لمراسيل ابن أبي فروة الذي عرف أن الإرسال عادة له، ويضاف هذا إلى ما كان عليه هذا الرجل من الضعف، إذ أن كتب الجرح طافحة بكلام العلماء في جرحه.
وأما بيان المحدثين الذين قالوا بتضعيف المرسل فلم يرد على لسان الترمذي، وإنما ذكر على سبيل الإجمال أن هذا مذهب أكثر أهل الحديث، ولقد ذكر الحاكم أبو عبد الله أسماء عدد من هؤلاء المحدثين. وفي هذا يقول ابن رجب: وحكاه الحاكم عن جماعة من أهل الحديث من فقهاء الحجاز وسمى منهم: سعيد بن المسيب، والزهري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي وأحمد، فمن بعدهم من فقهاء المدينة.
وبعد إجمال الترمذي وبيان الحاكم قال ابن رجب: وفي حكايته عن أكثر من سماهم نظر، ولا يصح عن أحدهم الطعن في المراسيل عموما، ولكن في بعضها.
وهذا اعتراض وجيه من ابن رجب على الترمذي والحاكم، لأن لكل واحد من أهل الحديث كلاما طويلا في المراسيل، وهو كلام يدل على تفاوتها في الاحتجاج والرتبة، حتى يصل بعضها إلى منتهى درجات الضعف، فيقال:
[ ١٨٥ ]
مرسلات فلان رياح. وفي الوقت نفسه يقول نفس القائل ومرسلات فلان أحب إلي، أو يقول: ومرسلات فلان صحاح.
وكلام يحيى بن سعيد القطان الذي ذكره الترمذي يبين قدر التفاوت بين المرسلات. قال ابن رجب: وذكر الترمذي - أيضا - كلام يحيى بن سعيد القطان في أن بعض المرسلات أضعف من بعض. ومضمون ما ذكره عنه تضعيف مرسلات عطاء، وأبي إسحاق والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير والثوري، وابن عيينة، وأن مرسلات مجاهد، وطاوس، وسعيد بن المسيب، ومالك أحب إليه منها.
ضابط التفاوت بين المراسيل:
وهذا التفاوت الكبير بين المراسيل يحتاج إلى ضابط يحكم هذه المرسلات ويحدد قيمتها العلمية، وهذا ما استدركه ابن رجب على الترمذي عندما عرض آراء يحيى بن سعيد القطان الكثيرة، فقال ابن رجب:
وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب:
أحدهما: أن من عرف بروايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.
الثاني: أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك. وهذا معنى قوله: مجاهد، عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.
الثالث: إن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى يسد أذنيه حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه، فيقر فيه، وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثا، وقال: ليس هو من
[ ١٨٦ ]
حديثك إنما ذوكرت به فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك.
الرابع: إن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره، يكتبون عن الضعيف ولا يسمعونه، بل يقولون، عن رجل وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد صاح به، يعني: لو كان أخذه عن ثقة لسماه.
وبناء على هذه الضوابط التي قعدها ابن رجب نحكم على مرسلات الزهرى والشعبي بالضعف، كما نحكم على مرسلات كل من عرفنا له رواية عن الضعفاء. ولا يفوتني هنا أن أنوه بعقلية ابن رجب العلمية القادرة على جمع نثار المتفرقات ضمن قواعد وضوابط.
ورغم هذا التفاوت في المراسيل، ورغم الضوابط التي وضعها ابن رجب لكلام يحيى القطان إلا أن المراسيل تبقى في دائرة الضعيف، وقد ذكر ابن رجب كلاما لابن المبارك، وابن سيرين، وأبي حاتم، وأبي زرعة والدارقطني، يشهد بضعف المراسيل.
المذهب الثاني - الاحتجاج بالمرسل:
قال ابن رجب، وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم، وذكر كلام النخعي أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد.
قال ابن رجب: "وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأصحاب مالك وحكى الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة وعن أهل العراق جملة، وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة".
[ ١٨٧ ]
رأي ابن رجب في الاحتجاج بالمرسل:
بعد أن ذكر ابن رجب هذين المذهبين حاول التوفيق بينهما فقال: "واعلم انه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا، وهو ليس بصحيح على طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده.
وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.
قال ابن رجب: "وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ".
القول الثالث في المرسل:
وهو تصحيح المرسل بشروط: وهذا ما عليه الشافعي - رحمه الله تعالى - ولقد عرض ابن رجب مضمون كلام الشافعي عرضا غير مسبوق إليه - فيما أعلم - فقال بعد أن ساق كلامه في الرسالة: وهو كلام حسن جدا، ومضمونه: إن الحديث المرسل يكون صحيحا ويقبل بشروط منها.
١ - في نفس المرسل، وهي ثلاثة:
أحدهما: أن لا يعرف له رواية عن غير مقبول الرواية.
ثانيهما: أن لا يكون ممن يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما أسندوه.
ثالثهما: أن يكون من كبار التابعين فإنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي، أو تابعي كبير.
[ ١٨٨ ]
٢ - وأما الخبر الذي يرسله:
فيشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده ما يدل على صحته، وأن له أصلا والعاضد له أشياء.
أحدهما: وهو أقوها، أن يسنده الحفاظ المأمونون، من وجه آخر عن النبي ﷺ بمعنى ذلك المرسل، فيكون ذلك دليلا على صحة المرسل، وأن الذي أرسل عنه ثقة".
وقد تنبه ابن رجب إلى ظاهر كلام الشافعي: "فيكون ذلك دليلا على صحة المرسل"، فرد قول من زعم أن العمل يكون عند الاعتضاد بالمسند، لا بالمرسل وذلك لتصريح الشافعي - ﵀ - بكون المسند دليلا على صحة المرسل.
اعتراض ابن رجب على أبي العباس بن سريج:
ذكر ابن رجب أن أبا العباس بن سريج يرى أن مراد الشافعي أن المرسل للحديث ينظر في مراسيله هل توافق ما أسنده الحفاظ المأمونون، فإن وجد ذلك كذلك فإن أي مرسل له بعد ذلك يقبل وإن لم يسنده الحفاظ.
واعتراض ابن رجب على ابن سريج من وجهين:
الوجه الأول: أنه مخالف لما فهم من كلام الشافعي وان العبرة في البحث عن عاضد لكل مرسل على حدة.
الوجه الثاني: أن هذا الكلام قد يؤدي إلى خلاف المطلوب وذلك إذا وجدنا أن المرسلات الأولى، التي بحثنا عن عاضد لها، ليس لها ما يؤيدها، فنحكم على بقية مرسلاته بالضعف، وتكون النتيجة عكس ذلك إذا عثرنا على ما يعضد هذه المرسلات أولا، فنمد الأمر إلى باقي المرسلات ونحكم لها بالصحة.
والثاني: أن يوجد مرسل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي
[ ١٨٩ ]
عنه المرسل الأول، فيكون ذلك دليلا على تعدد مخرجه، وهذا الثاني أضعف من الأول.
والثالث: أن لا يوجد شيء مرفوع يوفقه، لا مسند ولا مرسل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيستدل به على أن للمرسل أصلا صحيحا أيضا، لأن الظاهر أن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبي ﷺ.
والرابع: أن لا يوجد للمرسل ما يوافقه، لا مسند، ولا مرسل، ولا قول صحابي، لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به، فإنه يدل على أن له أصلا.
المرسل المعتضد بالقرائن دون المتصل الصحيح:
وبالرغم من صحة المرسل إذا وجدت معه بعض هذه القرائن، إلا أن الشافعي - ﵀ - لا يجعله في منزله المتصل، وذلك لورود بعض الاحتمالات عليه كأن يكون أصل المرسل ضعيفا، ولو وجد حديث صحيح بمعناه، وإن عضده مرسل فيحتمل أن يكون أصلهما واحد وهكذا.
موقف الشافعي من مراسيل ابن المسيب:
ظاهر كلام الشافعي انه يقبل مراسيل ابن المسيب جميعها، ونجد هذا في قوله: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، وكلام الشافعي - ﵀ - ليس على إطلاقه إذ أنه يقول بمرسل ابن المسيب إذا احتفت به القرائن التي سبق ذكرها واشتراطها لقبول المرسل، ولذلك فإن الشافعي لم يقبل مرسل ابن المسيب في زكاة الفطر "مدين من حنطه" ولا بمرسله في التولية في الطعام ولا بمرسله في دية المعاهد، ولا بمرسله "من ضرب أباه فاقتلوه". وبذلك يكون كلام الشافعي محمولا على المراسيل المؤيدة بالقرائن أو التي لا معارض لها.
[ ١٩٠ ]
موقف الشافعي من مراسيل غير ابن المسيب:
ولا يقتصر الشافعي على تصحيح مرسل ابن المسيب إذا احتفت به القرائن بل يحكم كذلك بصحة غيره من مراسيل كبار التابعين إذا وجدت الشروط المطلوبة. وقد نقل ابن رجب كلاما للبيهقي في هذا "أنكر فيه البيهقي على أبي محمد الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب، وأنكر البيهقي صحة ذلك عن الشافعي، قال ابن رجب، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها.
ورواية الربيع عنه قوله في الرهن الصغير: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره؟ قال: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثر عن أحد عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعه".
وفي رواية الربيع هذه لا يعتد الشافعي بمرسل ابن المسيب فقط، بل يؤكد على قبول مرسل من كانت حاله كحال ابن المسيب، وهذا يجعل قول الجويني مردودا قال البيهقي: وليس الحسن، وابن سيرين، بدون كثير من التابعين وإن كان بعضهم أقوى مرسلا منهما، أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: "النكاح بلا ولي"، وفي "النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان"، وقال بمرسل طاوس، وعروة، وأبي أمامة بن سهل، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وغيرهم من كبار التابعين، حين اقترن به ما أكده.
وبهذا يكون المرسل عند الشافعي قسمين:
١ - صحيح محتج به، وهو مراسيل كبار التابعين بشرائط مخصوصة، ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.
[ ١٩١ ]
٢ - ضعيف غير محتج به: وهو كل مرسل فقد الشرائط المذكورة، ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.
اتفاق الإمام أحمد مع الشافعي في هذا المذهب:
الشائع والمعروف عند أهل المصطلح أن الشافعي انفرد بهذا المذهب في المراسيل، ولكن ابن رجب يثبت في شرح الترمذي أن الإمام أحمد يشارك الشافعي في هذا، فنجده يقول:
"وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم المراسيل إلى صحيح محتج به، وغير محتج به، يؤخذ من كلام غيره من العلماء، كما تقدم عن أحمد وغيره تقسيم المراسيل إلى صحيح وضعف، ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما يأخذان عن كل أحد. وقال أيضا: لا تعجبني مراسيل يحيى بن أبي كثير لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار. وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ وقال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث".
"قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه".
الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد احتجاجه بالمرسل:
عرفنا ان الأصل الذي بنى عليه الشافعي احتجاجه بالمرسل هو إلحاق المرسل بالصحيح إذا احتفت به القرائن. أما الإمام أحمد فقد بنى احتجاجه بالمراسيل على قاعدة معروفة عنه وهي:
العمل بالحديث الضعيف ما لم يرد خلافه:
قال الأثرم: كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي ﷺ
[ ١٩٢ ]
وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه.
وقال أحمد في رواية مهنا، في حديث معمر عن سالم، عن ابن عمر: "إن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة". قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه، ويعني أن الحديث لم يصح، مع أن العمل عليه، بأن يطلق ما عدا أربع نسوة.
وكلام أحمد هذا ينطبق على المرسل الذي احتفت به القرائن، قال الإمام أحمد في حديث عراك، عن عائشة، تروي عن النبي ﷺ قوله: "حولوا مقعدتي إلى القبلة" هو أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن، ويعنى بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال: إنما يروى عن عروة عن عائشة. فلعله حسنه لأن عراكا قد عرف أنه يروي حديث عائشة، عن عروة عنها.
قال ابن رجب:
"وظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، ولكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجئ عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافه".
[ ١٩٣ ]
المبحث الثاني في العنعنة عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء
العنعنة في اصطلاح المحدثين:
العنعنة من عنعن الحديث إذا رواه بـ (عن) من غير بيان التحديث، أو الإخبار، أو السماع، ويلحق بالمعنعن المؤنن، وهو ما روى بـ (أن) من غير بيان التحديث، أو الأخبار، أو السماع كذلك.
ولقد أولت كتب المصطلح هذه الصيغة قدرا من الاهتمام، ودار جدل كثير حولها، وذلك إنما يرجع إلى أنها تحتمل الاتصال، كما تحتمل الانقطاع. وقد اتخذ منها المدلسون وسيلة يتوصلون بها إلى مرادهم، يضاف إلى هذا كثرة الإرسال في الأسانيد المعنعنة.
وأمام هذه المشكلة من مشاكل الاصطلاح تباينت أنظار العلماء، فرأى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن المعاصرة والبراءة من التدليس شرطان لا بد من توفرهما لرفع احتمال الانقطاع، وأما البخاري وشيخه علي بن المديني فإنهما يشترطان ثبوت اللقاء، وهو مقتضى كلام الشافعي. وروي عن أبي المظفر بن السمعاني أنه اشترط طول الصحبة بين المعنعن الذي فوقه، وأما أبو عمرو الداني
[ ١٩٥ ]
فيشترط أن يكون الراوي معروفا بالرواية عن المعنعن، واشترط أبو الحسن القابسي إدراك الناقل للمنقول عنه إدراكا بينا.
وما يهمنا من هذه الآراء اثنان: رأي البخاري وابن المديني، ورأي الإمام مسلم الذي حرره في مقدمة الصحيح.
أما رأي البخاري فيتلخص باشتراط ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه، وهذا الرأي استقرأه العلماء من خلال النظر في كتاب البخاري، ورأى بعضهم أن هذا الشرط شرط صحة، لا يصح الحديث إلا به، وهو مقتضى كلام الإمام مسلم في مقدمته ومنهم من يرى أن هذا الشرط هو شرط كتاب، لم يلتزمه البخاري في الأحاديث التي صححها خارج كتابه.
وأما رأي مسلم فيتلخص باشتراط المعاصرة، وهي تساوي إمكان اللقاء، ويضاف إليها البراءة من التدليس.
وفيما يلي عرض لرأي الإمام مسلم، ثم عرض لرأي ابن رجب في هذه المسألة واعتراضه على الإمام مسلم. ثم نورد في ختام هذا البحث ما نرجحه ونراه أقرب وأوفق - إن شاء الله -.
عرض لرأي الإمام مسلم - ﵀ -:
"قال الإمام مسلم - ﵀ - في مقدمة صحيحة: وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه: فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعا ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث، أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدا،
[ ١٩٦ ]
أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما مرة من دهرهما، فما فوقها، فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئا، ولم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك حجة، وكان الخبر عنده موقوفا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر.
وهذا القول، في الطعن في الأسانيد، قول مخترع مستحدث، غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا.
فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة، يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت حتى نعلم أنهما كانا التقيا مرة فصاعدا، أو سمع منه شيئا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلا على ما زعمت".
ويطيل الإمام مسلم في عرض هذا الموضوع، ويضيف إلى ما ذكر أمورا منها:
١ - إن التفتيش عن سماع كل راو عمن روى لم يعرف عن السلف فقال مسلم: "فإن ادعى قول أحد من علماء السلف طولب به ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا".
[ ١٩٧ ]
٢ - ويجيب الإمام مسلم على قول من يرى أن احتمال الإرسال قائم في صيغة العنعنة، ولذلك اشترط التفتيش عن اللقاء أو السماع، ولو مرة واحدة، فيقول:
"فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تثبت إسنادا معنعنا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فبيقين نعلم أن هشاما قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة، كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي ﷺ وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني، أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر، أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه، لما أحب أن يرويها مرسلا، ولا يسندها إلى من سمعها منه.
وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه فهو أيضا ممكن في أبيه عن عائشة - رضي الله عن ها - ".
٣ - ويذكر الإمام مسلم لتأييد مذهبه طائفة من الأسانيد التي حكم عليها بالصحة مع أن رواتها لم يثبت لهم لقاء بشيوخهم، ولا سماع منهم، فقال:
(فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي ﷺ وقد روى عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري، عن كل واحد منهما حديثا يسنده إلى النبي ﷺ وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها، ولم نسمع من أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا أنه طعن في هذين الخبرين. ولو ذهبنا نعدد
[ ١٩٨ ]
الأخبار الصحاح عند أهل العلم، ممن يهن بزعم هذا القائل، ونحصيها لعجزنا عن تقصي ذكرها".
ابن رجب يعارض مسلما، وينتصر للرأي المنسوب للبخاري:
وقف الإمام ابن رجب موقف المعارض للإمام مسلم، وساق كلاما طويلا في هذه المسألة ينصر به الرأي المنسوب للإمام البخاري، وفي ذلك يقول:
"وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرواية عن بعض الصحابة، وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم فرواياتهم عنهم مرسلة. منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رأوا أنسا، ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة، كذا قاله أبو حاتم، وقاله أبو زرعة في يحيى بن أبي كثير. وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير: رأى أنسا، فلا أدري سمع منه أم لا؟ ولم يجعلوا روايته عنه متصلة لمجرد الرواية. والرواية أبلغ من إمكان اللقى، وكذلك كثير من صبيان الصحابة رأوا النبي ﷺ ولم يصح لهم سماع فرواياتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب وغيره، وكذلك من علم منه أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئا يسيرا، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة، كرواية ابن المسيب عن عمر - رضي الله عن هـ - فإن الأكثرين نفوا سماعه منه.
وقال أبو حاتم: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه، وأثبت أيضا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه.
وقال أحمد: أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ ومراده من أين صحت الرواية بسماعه منه، وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد".
[ ١٩٩ ]
ويواصل ابن رجب عرض أقوال العلماء الذين فتشوا عن السماع، ولم يكتفوا بمجرد المعاصرة، أو حتى اللقى والرواية، ويخلص من هذا العرض بقوله:
"فدل كلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم، على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع. وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكى عنهما أحد أمرين: إما السماع، وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه لا بد عندهم من ثبوت السماع".
ويقول ابن رجب أيضا: "اعتبار السماع أيضا لاتصال الحديث هو الذي ذكره ابن عبد البر، وحكاه عن العلماء، وقوة كلامه تشعر بأنه إجماع منهم، وقد تقدم أنه قول الشافعي أيضا".
ما يستدل به على عدم ثبوت السماع
وأما الدليل الذي يكشف عدم السماع والاتصال في الرواية، فهو كما يقول ابن رجب أحد أمرين:
١ - "أن يروي الراوي عن شيخ من غير أهل بلده، ولم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه، ومثاله ما نقله مهنا عن أحمد، قال: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري، وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس كان الضحاك يكون بالبوادي
٢ - أن يروي عمن عاصره أحيانا، ولكن لم يثبت عدم لقيه له، ثم يدخل أحيانا بينه وبينه واسطة.
فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع، ومثاله: قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة إنما يروى عن عروة عن عائشة. وقال في حديث زائدة
[ ٢٠٠ ]
عن السدى عن البهي، قال حدثتني عائشة. قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه: حدثتني عائشة".
دخول الوهم على الصيغ الصريحة يجعل التفتيش عن السماع في غير الصريحة أولى:
لم يكتف ابن رجب بهذه الحملة على موقف الإمام مسلم الذي يقبل العنعنة بمجرد المعاصرة والبراءة من التدليس. ولم يكتف بإيراد مثل أو مثلين، إنما حشد الكثير من الأمثلة، وما تركناه منها أكثر، وزيادة في إيضاح مذهب من يشترط اللقاء نرى ابن رجب يمد يده الماهرة إلى بطون كتب العلل ليخرج منها أمثلة عديدة ورد فيها التصريح بالسماع، ولكن النقاد فتشوا عن هذا السماع فوجدوا أنه وهم من الراوي وذلك رغم جلالة الراوي وعظم شأنه، ويخلص ابن رجب إلى القول بأن الاحتمال قد يدخل على السماع، فمن باب أولى أن يدخل الاحتمال الكبير على العنعنة مع المعاصرة، فتكون منقطعة لا متصلة.
قال ابن رجب:
"وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يعتبر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الأخبار عن شيوخه، ويكون منقطعا.
وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم (أنا) منصور بن زاذان، قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور. ولم يصحح قول معمر وأسامة عن الزهري، سمعت عبد الرحمن بن أزهر.
وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبين سليمان بن يسار وعروة بن الزبير.
قال ابن رجب:
وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، في هذا المعنى كثير جدا، يطول
[ ٢٠١ ]
لكتاب بذكره، كله يدور على أن مجرد ثبوت الرواية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به. وأن رواية من روى عمن عاصره تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع منه من وجه".
خلاصة رد ابن رجب على الإمام مسلم:
ويخلص ابن رجب - رحمه الله تعالى - بعد كل هذه الأدلة التي تنقض قول الإمام مسلم - ﵀ - واعتراضه على البخاري إلى القول:
"فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه مع موفقة البخاري وغيره فكيف يصح لمسلم - ﵀ - دعوى الاجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ - المعتد بهم - على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم"، وهي قوله في يحيى بن أبي كثير: ما أراه سمع من عروة بن الزبير لأنه يدخل بينه وبينه رجلا، ورجلين، ولا يذكر سماعا ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألة.
كلام ابن رجب في رده على مسلم:
قوله: إن شعبة ومن بعده لا يفتشون عن السماع.
وأما إنكار الإمام مسلم أن يكون التفتيش عن السماع هو مذهب شعبة أو من بعده، فإن ابن رجب يثبت خلافه، فيقول: "فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبت، كسماع مجاهد من عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: أدرك أبو العالية عليا، ولم يسمع منه، ومرده أنه لم يرد سماعه منه، ولم يكتف بإدراكه، فإن أبا العالية سمع ممن
[ ٢٠٢ ]
هو أقدم موتا من علي، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر وعمر - رضي الله عن هما - ".
كلام ابن رجب على الأسانيد التي وصفها والإمام مسلم بالصحة ولم يثبت اللقاء فيها:
وكان الإمام مسلم قد ذكر جملة من الأسانيد لم يتحقق فيها لقاء رواتها لشيوخهم، ومع هذا فإن العلماء صححوها ولم يطعنوا فيها ومثل ذلك حديث عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم عن ابن مسعود، والنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد.
ورد ابن رجب كلام مسلم هذا بأن القول في هذه الأسانيد كالقول في غيرها ويقصد ابن رجب أنه لا بد من التفتيش عن اللقاء وثبوت السماع، وإلا فإن هذه الأسانيد تحمل على الانقطاع، وتكون مرسلة.
ويرى ابن رجب أن اشتراط اللقاء عظم على مسلم حتى لا يؤدي ذلك إلى طرح الكثير من الأحاديث وترك الاحتجاج بها، ولكن ابن رجب يرى مخرجا من هذا وهو أن لا يحكم باتصالها ولكن يحتج بها مع اللقي كما يحتج بمرسل أكابر التابعين.
ولقد انفرد ابن رجب بهذا الدعاء، بينما نجد السخاوي يخرج من هذه المسألة بما هو أسلم وأحكم فيقول: "وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق الأئمة على صحتها مع أنها ما رويت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه فغير لازم، إذ لا يلزم من نفى ذلك عنده نفيه في نفس الأمر".
[ ٢٠٣ ]
ومقتضى كلام السخاوي أنه ما دام الأئمة قد صححوا هذه الأحاديث فإن هذا التصحيح يستلزم الحكم بثبوت اللقاء فيها.
مناقشة ابن رجب فيما ذهب إليه:
لقد فصل ابن رجب رأيه في هذه المسألة تفصيلا غير مسبوق به، ولم أجد مثله لأحد من العلماء قبله أو بعده. وإنما تناول السابقون واللاحقون هذه المسألة بإيجاز، سواء منهم من أيد الإمام مسلم، كالحاكم في معرفة علوم الحديث وكالنووي في تقريبه، والطيبي في خلاصته، ومن عارضه ونصر البخاري: كابن عبد البر في تمهيده، وابن الصلاح، والنووي في شرح مسلم. وجاء ابن حجر والسيوطي والسخاوي بعد ابن رجب يحملون مثل رأيه وينصرون البخاري كذلك.
وإعجابنا بابن رجب وثناؤنا عليه لا يعني أننا نوفقه في هذه المسألة، وإنما ينصب إعجابنا على لكتاب بمجموعه وما فيه من سبق وتفصيل وسعة اطلاع، وتقعيد لقواعد علم العلل، والمصطلح بشكل عام. وأما اختياره في هذه المسألة، ففيما يلي تحليل ومناقشة ونقد لما ذهب إليه.
أولا: من بدهيات هذه المسألة أن التفتيش عن اللقاء بين الراوي والمروي عنه أعم من التفتيش عن السماع ولو مرة، وأن التفتيش عن السماع ولو مرة أعم من التفتيش عن السماع في كل رواية.
[ ٢٠٤ ]
ولم يكتف العلماء بهذا بل فحصوا السماع للتأكد من عدم دخول الوهم والخطأ على السماع.
وابن رجب في رده على الإمام مسلم جمع بين هذه المراتب كلها، وساق الأدلة على أن العلماء فتشوا عن اللقاء بين الراوي والمروي عنه، ولم يكتفوا به بل فتشوا عن ورود السماع، ولم يكتفوا به بل فتشوا عن صحة السماع وعدم دخول الوهم والخطأ عليه.
وهذا الذي جاء به ابن رجب ينقض مدعاه في نصرة البخاري، وهو يعارض البخاري كما يعارض مسلما، فالبخاري لم يشترط السماع الذي هو أخص من اللقاء، ولم يشترط البحث في سلامة كل سماع من الوهم والخطأ.
ثانيا: لم يحدد ابن رجب رأيه في المسألة، وبعد عرض طويل مليء بالأمثلة الشواهد لم نعرف مراده بالتحديد، هل هو مع اشتراط اللقاء، أم مع اشتراط السماع، أم مع اشتراط تحقق السماع في كل مسألة. وقد أظهر من كلامه أنه أدخل التفتيش عن السماع في أصل الصحة، ولا يوافقه أحد من العلماء على ما ذهب إليه، وخاصة ألئك الذي كتبوا في المصطلح.
ثالثا: يستدل ابن رجب على عدم السماع بأمرين ذكرهما عن الإمام أحمد:
الأول - أن يكون الراوي ببلد غير بلد المروي عنه، ولم يعرف عن أحدهما النقلة إلى بلد الآخر.
الثاني - أن يروي الراوي مباشرة عن شيخه ثم يدخل بينه وبينه واسطة.
وليس في هذا ما ينصر مذهب ابن رجب لأن الإمام مسلما كذلك يبحث عن اللقاء في مثل هاتين الحالتين، لما فيهما من القرينة على انتقاء اللقاء، لأن الإمام مسلما يعتبر المعاصرة مع إمكان اللقاء لا مع القرينة على نفي اللقاء.
وفي هذا يقول الإمام مسلم: فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة، أن هذا الراوي لم يلق الراوي عنه.
[ ٢٠٥ ]
ويقول الإمام مسلم كذلك: وإنما كان تفقد من تفقد سماع رواة الحديث ممن روى عن رجل ثم روى حديثا عن آخر عنه.
ومن هذا كله يتبين لنا أن كلام الإمام مسلم ينصب على إمكان اللقاء العاري عن أية قرينة على خلافه.
رابعا: إن الأمثلة التي ساقها ابن رجب للتدليل على رأيه لا تصلح للاستدلال، لأنها كلها حالات من العنعنة التي قامت القرينة على عدم الاتصال فيها، فمثلا: المعروف أن لقاء سعيد بن المسيب بعمر - رضي الله عن هـ - لا يتسع لحجم رواية سعيد عنه، وهذا يكفي قرينة على عدم السماع ويدعو إلى التفتيش عنه في كل رواية.
وكذلك كل من بحث من السلف عن اللقاء أو السماع إنما بحث لقيام قرينة ترجح جانب الانقطاع على الاتصال، وقد ذكرنا القرائن التي توجب التفتيش عن اللقاء أو السماع في الاعتراض الثالث السابق، وقلنا أن مذهب مسلم لا يعارض هذا.
خامسا: وإنني أرى في ختام هذه المناقشة رأي مسلم أسلم وأوجه وأثبت وأنه يتناول أدنى مراتب الاتصال. ولا يمنع هذا أن يصنف غيره كتابا فيضيف شرطا، كشرط اللقاء أو السماع ولكن هذا الشرط يبقى شرط كتاب لا شرط صحة والله أعلم
[ ٢٠٦ ]
المبحث الثالث في زيادة الثقة عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء
زيادة الثقة:
عرض ابن رجب زيادة الثقة ضمن مباحث الغريب عند الترمذي. وذلك أن الغريب يطلق عند الترمذي بمعان:
المعنى الأول: أن لا يروى الحديث في أصله إلا من وجه واحد.
والمعنى الثاني: أن يكون الحديث في نفسه مشهورا لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب.
والمعنى الثالث: أن يروى الحديث من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال إسناده من أسانيده.
والغريب بالمعنى الثاني هو ما يسمى بزيادة الثقة في المتن، وللعلماء في قبول هذه الزيادة وردها كلام طويل. وقد فصل ابن رجب الكلام فيها أثناء عرضه وشرحه لعبارة الترمذي.
والجدير بالذكر أن الصلة وثيقة بين علم العلل وبين هذا الفن من فنون الحديث، وكثيرا ما يجد الباحث في كتب العلل تطبيقات لزيادة الثقة، وأمام كل زيادة من هذه الزيادات تختلف الأنظار، وذلك حسب موفقة الزيادة أو مخالفتها للأصل المزيد عليه وحسن مكانة الراوي الذي جاء بهذه الزيادة.
وقبل الدخول في عرض هذا الموضوع سنذكر كلام الترمذي، وقد تضمن
[ ٢٠٧ ]
مثالا بين فيه صورة الزيادة، كما تضمن إجمالا سريعا لكلام العلماء فيها: قال الترمذي:
"ورب حديث استغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر في رمضان على كل حر وعبد ذكر أو أنثى من المسلمين: صاعا من تمر أو صاعا من شعير.
فزاد مالك في هذا الحديث: "من المسلمين".
وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكر فيه "من المسلمين" وقد روى بعضهم عن نافع رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل".
ويلاحظ على المثال الذي ذكره الترمذي ما يلي:
١ - إن رواة الأصل، دون زيادة، من مشاهير الثقات: أيوب وعبيد الله بن عمر.
٢ - إن المستقل بالزيادة هو كذلك من الأعلام الثقات، وهو مالك بن أنس.
٣ - إن موضوع المزيد والزيادة واحد وهو زكاة الفطر.
٤ - إن الزيادة أعطت حكما جديدا وهو تقييد من تجب عليهم الزكاة بالمسلمين.
عرض لآراء المحدثين والأصوليين في زيادة الثقة:
عالجت كتب مصطلح الحديث والأصول هذا الموضوع، فطول بعضها، وبعضها اختصر، وبعضها اكتفى بإيراد الأمثلة والشواهد دون الخوض في
[ ٢٠٨ ]
التفصيل والترجيح، كما فعل الحاكم في معرفة علوم الحديث، مع أن بعض الأمثلة التي ضربها كانت خارجة تماما عن موضوع زيادة الثقة وذلك لأمرين:
١ - إما لضعف راوي الزيادة، ونحن في زيادة الثقة، لا في زيادة الضعيف.
٢ - وإما لتعدد مخرج الحديثين، ونحن في زيادة الثقة التي تتحد في المخرج مع الحديث الأصل. وكل حديثين في الموضوع الواحد اختلفا في المخرج وفي أحدهما زيادة في الحكم، فإنهما يخضعان للعموم والخصوص أو الإطلاق والتقييد. وقد نبه ابن رجب على هذا الفارق بين زيادة الثقة وغيرها.
أما الخطيب البغدادي فقد فصل في كفايته هذا الموضوع، وعضده، بالأمثلة والشواهد وعرض آراء المحدثين بما فيه كفاية.
وكما تناول الخطيب هذا الموضوع فقد تناوله ابن الصلاح في مقدمته، وجعل الزيادة على ثلاثة أقسام:
(أ) قسم مخالف ومناف لما رواه سائر الثقات فمردود.
(ب) قسم لا مخالفة ولا منافاة فيه لما رواه سائر الثقات، فهذا مقبول.
(ج) قسم بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى الحديث.
ومع أن ابن الصلاح مثل للقسم الثالث بحديث جعلت لنا الأرض مسجدا، الذي وردت عليه زيادة "وتربتها طهورا" إلا أنه لم يمثل للقسم الأول، وكنت أظن أنه تقسيم نظري حتى وحدت مثالا يصلح لهذا القسم، وهو حديث السعاية الآتي فيما بعد.
[ ٢٠٩ ]
ونظرا لكثرة الآراء في هذا المسألة فسأوجزها ضمن ثلاثة آراء رئيسية، هي:
أولا: أن ترد الزيادة مطلقا، وحجة هذا الرأي أنه لا يعقل أن يجتمع الجماعة من الحفاظ على الشيء، ويكون قد غاب عنهم بعضه ليذكره واحد بمفرده دونهم.
ثانيا: أن تقبل الزيادة مقيدة، وقد اختلفت الأنظار في القيد الذي تقبل الزيادة معه:
١ - إذا كان راوي الزيادة غير راوي الحديث بدونها قبلت.
٢ - إذا توافر شرطان في راوي الزيادة قبلت، وهما: أن يذكر أنه سمع الحديث مرتين، وأن يذكر أن رواية الحديث بدونها كان نسيانا منه، وهذا قيد لمن يروي الزيادة والحديث.
٣ - إذا كان رواة الزيادة أكثر من رواه الحديث، أو تساوي رواتها ورواة الحديث قبلت.
٤ - إذا أفادت الزيادة حكما قبلت.
٥ - إذا لم تغير الزيادة الإعراب قبلت.
٦ - إذا لم تناف أصل الحديث قبلت، وإذا قيدت مطلقه قبلت، وهو رأي النووي، وابن الصلاح، وابن حجر، والسيوطي.
٧ - إذا لم يكن رواة الحديث بدونها كثيرين بحيث لا يعقل أن يغفلوا عنها، قبلت.
ثالثا: أن تقبل الزيادة مطلقا: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والمحدثين وحكاه الخطيب عنهم، أن زيادة الثقة العدل الضابط مقبولة مطلقان ولا فرق بين
[ ٢١٠ ]
أن تكون من نفس الراوي الذي روى الحديث بدونها أو من غيره، تعلق بها حكم شرعي، أو لم يتعلق بها حكم، أوجبت نقصانا من أحكام ثبتت أو قيدت الحكم الثابت، ويشترط لقبولها أن يكون راويها عدلا حافظا، ومتقنا ضابطا، والدليل على هذا:
(أ) لو انفرد الثقة بحديث لوجب قبوله، فإن قيل إن رواية الجماعة تشير إلى وهم وقع فيه الواحد بهذه الزيادة، يقال بجواز أن يكون الراوي أعاد الحديث بالزيادة، أو بجواز حضور بعضهم كل الحديث، وغياب بعضهم عن بعضه.
(ب) إن الثقة العدل يقول: سمعت وحفظت ما لم يسمعه الباقون، وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا، فعند الزائد زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي.
الرأي المختار في المسألة:
والرأي المختار أن تقبل الزيادة إذا كانت من حافظ يعتمد على حفظه، وهذا قول الترمذي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد كما ذكر ابن رجب، نقلا عن رواية صالح عنه قال في زيادة مالك: "من المسلمين": قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه.
وذكر ابن رجب رواية أخرى عن أحمد قال فيها: كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث العمري. وهذه الرواية ظاهرها يناقض الرواية السابقة، حتى قال ابن رجب: "وهذه الرواية تدل على توقفه، ولو جاءت الزيادة من مثل مالك بن أنس". ولكنني أرى أن تهيب أحمد لا يعني توقفه كما ذهب ابن رجب بل قد يكون قبول الزيادة مع هذا التهيب الذي زال عند مجيء المتابعة، والرواية الأولى صريحة في قبول الزيادة إذا كانت من مثل مالك عند أحمد".
[ ٢١١ ]
وإذا كان الثقة غير مبرز بالحفظ فإن أحمد لا يقبل الزيادة منه مطلقا، ومثل ابن رجب لهذا بمثالين:
الأول: بحديث تفرد به ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن ابن عطية، عن عائشة، في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها "والملك لا شريك لك".
ولا تعرف هذه عن عائشة، وإنما تعرف عن ابن عمر، وروى الثوري وأبو معاوية، عن الأعمش هذا الحديث، من غير هذه الزيادة.
وبالرغم من أن ابن فضيل ثقة إلا أن الثوري وأبا معاوية أوثق منه في الأعمش، فمن ههنا لم يقبل أحمد هذه الزيادة.
الثاني: روى شعبة وهمام، عن قتادة، حديث أبي هريرة، أن رجلا أعتق شقصا من غلام، فأجازه النبي ﷺ وغرمه بقية ثمنه.
ورواه سعيد بن أبي عروة بزيادة ذكر الاستسعاء، وصورته أنه إذا كان العبد مشتركا بين رجلين، وأراد أحدهما أن يعتق العبد، وهذا يقتضي تصرفه في حصة شريكه، فإن لم يكن للمعتق مال يدفع قيمة حصة شريكه، فإن العبد يعمل ويسدد حصة الشريك.
ولم يذهب الإمام أحمد إلى هذه الزيادة بالرغم من أن سعيد بن أبي عروبة ثقة. ووجد من يتابعه عليها إلا أن المعتبر عند أحمد الزيادة من المبرز في الحفظ.
ومن المعروف في علم العلل أن شعبة وهماما أوثق الناس في قتادة، وبخاصة من سعيد بن أبي عروبة.
[ ٢١٢ ]
وهذان المثالان يؤكدان أن الإمام أحمد لا يقبل الزيادة مطلقا، وإنما يقبلها من أوثق الناس في المروي عنه وهذا يناقض قول بعض الحنابلة الذين قالوا: إن أحمد يقبل الزيادة مطلقا. واعتمدوا على كلام لأحمد في حديث فوات الحج حيث جاء فيه روايتنا الأولى، فيها القضاء فقط، والثانية فيها زيادة دم، فقال أحمد، والزائد أولى أن يؤخذ.
اعتراض ابن رجب على أصحابه من الحنابلة الذي قالوا أن أحمد يقبل الزيادة مطلقا:
واعتراض ابن رجب على من قال إن أحمد يقبل الزيادة مطلقا، ورد الاستدلال السابق فقال: "وهذا ليس مما نحن فيه فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم أن عليه القضاء مع الدم فأخذ بقول من زاد الدم، فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة، وأحدهما فيه زيادة فإنها تقبل كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، التي صورتها أن يروي جماعة حديثا واحدا بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة".
ونخلص مما سبق أن الزيادة المقبولة هي زيادة المبرز في الحفظ على غيره، وهذا أمر اعتباري يختلف من راو إلى آخر، فحماد بن سلمة أوثق الناس في ثابت البناني فالزيادة التي ينفرد بها في حديث ثابت مقبولة وأما حماد في غير ثابت ففي حفظه نظر فزيادته في غير ثابت فيها نظر كذلك. وكذلك كل راو من الرواة فإنه مختص برجل يروي عنه فيضبط أحاديثه أكثر من غيره. فزيادة هذا الراوي مقبولة.
زيادة الثقة في الإسناد:
وزيادة الثقة في الإسناد فرع من زيادة الثقة بشكل عام، ولبيان معنى هذا النوع من الزيادة نمثل لها بمثال ذكره أكثر المصنفين وهو حديث "النكاح بلا ولي".
[ ٢١٣ ]
هذا الحديث رواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي".
ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلا. ووافق شعبة سفيان الثوري في هذا.
وقد تباينت أنظار العلماء في زيادة الإسناد هذه:
أولا: نقل الخطيب عن أكثر أصحاب الحديث أن الحكم في هذه أو ما كان بسبيله للمرسل، ومنهم من قدح في عدالة من يصل حديثا أرسله الحفاظ.
ومنهم من قال الحكم للمسند، إذا كان راويه ثابت العدالة ضابطا للرواية. فيجب قبول الخبر ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره. وسواء كان المخالف واحدا أو جماعة، قال الخطيب: وهذا هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الحديث ليس بجرح للراوي الذي وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض، أو نسيان، والناسي لا يقضي على الذاكر.
ثانيا: وقد اشترط ابن رجب لقبول زيادة الإسناد ما اشترطه لقبول زيادة المتن، وأن العبرة في الزيادة التي رواها المبرز في الحفظ والإتقان، ولا يكفي مجرد العدالة والضبط. ويجري تمييز المبرز من غيره في كل إسناد ورواية تبعا لقواعد العلل في تفاوت الرواة:
قال ابن رجب: وكلام أحمد وغيره من الحفاظ إنما يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ أيضا، وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسل.
[ ٢١٤ ]
وبهذا يكون رأي ابن رجب واحدا في زيادة المتن وزيادة الإسناد، ولا يترك الأمر على مطلق الحافظ الضابط كما فعل الخطيب بل يتعداه إلى الضابط المبرز، المقدم في شيخه.
اعتراضات ابن رجب على سابقيه في هذه المسألة:
لقد ساق ابن رجب مجموعة من الاعتراضات على سابقيه، ويبدو في هذه الاعتراضات مصنفا بارعا، ومحققا ناقدا، ولم أجد من تعرض لهذه الأمور كما تعرض لها ابن رجب وسنسوق هذه الاعتراضات مع شيء من التفصيل.
الاعتراض الأول:
اعترض ابن رجب على الحاكم أبي عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث الذي لم يقبل الزيادة من الثقة في الإسناد، وقال: أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين الذين أرسلوا الحديث. فاعترض عليه ابن رجب بقوله: وهذا يخالف تصرفه في المستدرك، وذلك لأن الحاكم يقبل زيادة الثقة في الإسناد هناك.
الاعتراض الثاني:
اعترض ابن رجب على الخطيب البغدادي الذي اختار قبول الزيادة في الإسناد، مطلقا، إذا كانت من الثقة الحافظ، وذكره اختياره هذا في كتاب الكفاية. ولكنه خالف هذا في كتاب "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي هذا الكتاب قسم زيادة الإسناد إلى قسمين:
- ما حكم فيه بصحة الزيادة في الإسناد.
- ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
فقال ابن رجب تعقيبا على هذا: ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة، في إرسال الحديث ووصله، كلها
[ ٢١٥ ]
لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد" وقد عاب تصرفه هذا في كتاب "تمييز المزيد" محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية.
الاعتراض الثالث:
واعتراض ابن رجب على الخطيب باعتراض آخر، وهو أنه ذكر في كتاب الكفاية، حكاية عن البخاري: أنه سئل عن حديث أبي إسحاق "في النكاح بلا ولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة.
وهذا يعني أن الزيادة في الإسناد مقبولة على الإطلاق من الثقة عند البخاري ولكن ابن رجب يعترض على هذا بقوله: وهذه الحكاية إن صحت فإن مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب البخاري يتبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.
قال ابن رجب: وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يورد في أكثر المواضع زيادات كثير من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد المتصل.
قال ابن رجب فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزا في الحفظ
قال ابن رجب: وقال الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف، لكان القول قول من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما تقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ منه.
الاعتراض الرابع:
واعتراض ابن رجب على تصرف المصنفين قبله كالحاكم والخطيب وابن
[ ٢١٦ ]
الصلاح الذين جعلوا رواية "وجعل ترابها طهورا" زيادة ثقة على أصل الحديث، ولكن ابن رجب عاب صنيعهم هذا، فقال: وهذا ليس مما نحن فيه، لأن حديث حذيفة لم يرد بإسقاط هذه اللفظة وإثباتها، وأكثر الأحاديث فيها: "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا".
وحديث حذيفة فقط هو الذي ورد فيه "وجعل ترابها طهورا"، وقد روى هذا الحديث مسلم في صحيحه، وقد روى مسلم هذا الحديث عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة، في نفس الباب، ولم توجد عبارة حديث حذيفة السابق.
وهذا اعتراض وجيه لابن رجب فحديث جابر غير حديث حذيفة، وليس حديث حذيفة زيادة ثقة، بل هو تقييد لمطلق حديث جابر وأبي هريرة، ولو أدرك بعض الفقهاء هذا الفرق بين زيادة الثقة وغيرها من أدلة التقييد لما أسقطوا التيمم بالتراب لأنها زيادة ثقة على أصل الحديث.
الاعتراض الخامس:
ذكر ابن رجب كلاما للإمام مسلم في كتاب التمييز له في قبول زيادة الثقة، جاء فيه "والحديث للزائد والحافظ لأنه في معنى الشاهد، الذي حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه".
واعتراض ابن رجب على قياس الزيادة على الشهادة، فقال: وهذا القياس الذي ذكره ليس بجيد، لأنه لو كان كذلك لقبلت زيادة كل ثقة زاد في روايته، كما يقبل ذلك في الشهادة، وليس ذلك قول مسلم ولا قول أئمة الحافظ والله أعلم.
[ ٢١٧ ]
الباب الثاني: ترجمة ابن رجب عصره - حياته - جهوده في الحديث
[ ٢١٩ ]
الفصل الأول عصر ابن رجب
تمهيد:
(أ) الحالة السياسية.
(ب) الحالة الاجتماعية.
(ج) الحالة العلمية.
[ ٢٢١ ]
تمهيد
ولد زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في الثلث الثاني من القرن الثامن الهجري ببغداد، وكانت العراق تحت سلطان أحفاد هولاكو الذين دخلوا في الإسلام. وكانت ولادة ابن رجب سنة ٧٣٦ للهجرة،بعد مضي ثمانين عاما على سقوط بغداد، حاضرة الإسلام والخلافة، بأيدي المغول.
وبالرغم من توالي الأيام، وإسلام الأحفاد، إلا أن الصورة القاتمة للغزو المغولي ظلت قائمة في النفوس، تشيع فيها القلق، وتهيج الذكريات المؤلمة لتلك الكارثة التي أفقدت الدولة الإسلامية مجدها، وقضت على مركز بغداد الروحي، والحضاري، والسياسي، والعلمي.
وفي ظل تلك الذكريات يصعب المقام فتبحث النفوس عن مكان آخر، تتنفس فيه الصعداء، لا سيما وأن الوطن الإسلامي في ذلك الزمان لم يكن يعرف هذه الحدود السياسية والإقليمية، التي تفقد الإنسان حرية الحركة.
وهكذا فإن البقية الباقية، من علماء بغداد، توجهت نحو حواضر الإسلام العامرة كدمشق والقاهرة. ومن هذه البقية الإمام المقرئ أحمد بن رجب، والد شيخنا عبد الرحمن الذي حمل أولاده، وتوجه تلقاء دمشق، وفيها نشأ ابنه عبد الرحمن، وفيها شب وترعرع واكتهل، وبها توفي.
ولقد اكتنفت البلاد الشامية - موطن ابن رجب - كما اكتنفت البلاد
[ ٢٢٣ ]
المصرية أحداث سياسية واجتماعية وعلمية شكلت بيئة معينة يخضع الأفراد لتأثيرها وتطبعهم بإيجابياتها وسلبياتها.
وفيما يلي عرض سريع للحالات السياسية، والاجتماعية، والعلمية في بلاد الشام في القرن الثامن الهجري.
(أ) الحالة السياسية
ورث المماليك سلطان الأيوبيين على مصر والشام، بعد مقتل توران شاه سنة ٦٤٨هـ، وفي هذه السنة تولى الملك المعز أيبك التركماني كرسي السلطنة، وبعد بضع سنين، وعلى يد المظفر قطز، حطم المماليك غزو التتار وكان ذلك سنة ٦٥٧هـ، فسلمت البقية الباقية من العالم الإسلامي - بفضل الله وبرحمته - من تلك الهجمة الشرسة. وبذلك حقق المماليك في أوائل عهدهم مفخرة إسلامية كبرى، انضم إليها قضاؤهم على الفلول الصليبية، فطهروا البلاد الشامية من آخر قلاع الصليبيين.
ويضاف إلى ما سبق أثر ثالث لا يقل أهمية عن دحر التتار والصليبيين، وهو إحياء الخلافة الإسلامية، وكان ذلك سنة ٦٥٩هـ، بعد سقوط بغداد بثلاث سنين، حيث نصب أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر خليفة للمسلمين.
ومع أن هذا المنصب ظل منصب تشريف، لا يحمل من حقيقة الخليفة إلا الاسم، إلا أنها كانت باردة وجهت قلوب المسلمين نحو هذه الدولة الجديدة، التي أصبحت حامية حمى المسلمين، ومركز خلافتهم بعد بغداد.
وأما الحكم الفعلي فقد تعاقبت عليه فئتان من المماليك هما:
١ - المماليك البحرية (أو الأتراك) وحكموا من سنة ٦٤٨ إلى سنة ٧٨٤هـ.
[ ٢٢٤ ]
٢ - المماليك البرجية (أو الجراكسة) وحكموا من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٩٢٣هـ.
وقد أدرك الإمام ابن رجب طرفا من كلا العهدين، فعاش في ظل المماليك البحرية من سنة ٧٤٤ - إلى ٧٨٤هـ، وعاش في ظل البرجية من سنة ٧٨٤ - إلى ٧٩٥هـ أي حتى وافاه أجله.
ويتسم عصر المماليك - رغم الانتصارات العسكرية التي حققها - بعدم الاستقرار، وكثرة الفتن، والتنافس على الحكم، أو قل: بالفوضى السياسية الكاملة، إذ في كل صفحة من صفحات تاريخ هذا العصر مخامرة على السلطان، أو صراع بين الأمراء، أو سفك للدماء، أو مصادرة للأموال، وكل هذه أمور عادية، أصبح المؤرخ يتقبلها، ويعرضها، دون استغراب أو تعجب.
أما شكل النظام السياسي في الدولة المملوكية: فقد كانت القاهرة مركز الحكم، وفيها الخليفة العباسي، والسلطان المملوكي، وهو الحاكم الفعلي الذي يصرف الأمور، فيولي ويعزل، ويقطع الإقطاعات، ويسير الجيوش، ويساعد السلطان نائب له في مصر، وقد يستقل هذا النائب بالأمر إذا كان السلطان قاصرا، وغالبا ما يكون النائب من الشخصيات ذات المطامع، يتولى السلطنة وقد يصل عن طريق الفتك بالسلطان، أو يفتك به السلطان قبل أن يصل إلى مراده.
وأما بلاد الشام - التي تعنينا بوجه خاص لأنها موطن ابن رجب - فهي تابعة للنظام في مصر، وتحكم بشكل مماثل، فهي مقسمة إلى عدة نيابات: نيابة دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك. وكل نائب في نيابته
[ ٢٢٥ ]
سلطان مختصر، إلا أن دمشق تقف بين النيابات الشامية مقام السلطان في أكثر الأمور، ونائبها هو الذي يكتب عنه التوقيع، مع بقاء بعض المراكز الكبرى في النيابة من اختصاص السلطان، وذلك لضمان عدم الخروج عليه.
وكان في كل نيابة أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، ووزير يتمتع بما يتمتع به الوزير في مصر، ويسمى ناظر النظار.
وأما الدواوين: فأشهرها ديوان الإنشاء، وديوان النظر، وديوان الجيش ويلقب صاحب ديوان الإنشاء بكاتب السر، ويمثل ديوان النظر الإدارة المالية.
ومما يمتاز به عصر المماليك أن الأحداث والمناصب السياسية حكر على عنصر المماليك، لا يشاركهم فيها أحد من عامة الناس، وإنما دور بقية الناس يقف عند مراقبة الأحداث، فإذا تغلب مملوك على آخر فعلى العامة أن تقيم الزينات، وتعلن الابتهاج، وكل ما يحدث في مركز الدولة تتأثر به دمشق وسائر النيابات، ونواب دمشق وغيرها، كسادتهم في القاهرة، بين جديد تقام له الزينات، وطريد غير مأسوف عليه، وهكذا دواليك.
(ب) الحالة الاجتماعية
في معرض الكلام عن الحالة الاجتماعية في العصر المماليكي سنتكلم إن شاء الله على ناحيتين بارزتين مؤثرتين في المجتمع:
الأولى: فئات الناس الاجتماعية وأوضاعها المعيشية.
الثانية: الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.
[ ٢٢٦ ]
أما عن الأولى: فإن الباحث في تاريخ هذا العصر يجد أمامه فئات من الناس، كل فئة لها حالتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الفئات هي: المماليك، والعلماء، والتجار، والعامة، والفلاحون، والعربان.
فالمماليك هم الطبقة الأولى في المجتمع وهم أصحاب السلطان والجاه في الدولة، ويرجع هؤلاء في أصلهم إلى جنسيات مختلفة، فمنهم التركي، ومنهم الجركسي، ومنهم المغولي، ومنهم الصيني، وينسب هؤلاء إلى سيدهم الذي اشتراهم إن كان سلطان من السلاطين أو تاجرا من التجار، كالمماليك الأشرفية والخليلية نسبة للسلطان الأشرف خليل، وكبرقوق العثماني، نسبة للتاجر الذي اشتراه.
ولقد اعتنى السلاطين عناية فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددا من المماليك فإنه يرسلهم إلى الفحص أولا، للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك ينزل كل مملوك في طبقة جنسه، وكان في القلعة طباق، خصص لكل جنس من أجناس المماليك طبقة معينة. ويقوم بتربية هؤلاء المماليك مجموعة من الطواشية ويتردد عليهم الفقهاء والقراء ويعلمونهم القرآن والفقه كما يعلمونهم الخط
وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغيد العيش، ويلقون من سلاطينهم كل تكريم وحنو، ولم يكن ينظر إليهم كالعبيد الأرقاء، وإنما ينظر إليهم بعين الإحسان والتربية، وهذا يعلل قوة ارتباطهم بأسانيدهم.
وعندما يبلغ المملوك سن البلوغ يتلقى فنون الفروسية والحرب، وبعدها يخرج من الطباق، ثم يتدرج في الخدمة السلطانية، ويترقى حتى يصل إلى رتبة الأمراء.
ولقد حرص السلاطين والأمراء على بقاء الانفصال تاما بين المماليك وسائر الناس، ومن مظاهر هذا الانفصال منع الزواج بين هذه الفئة وغيرها من
[ ٢٢٧ ]
فئات المجتمع، وكان السلاطين يؤيدون هذا الانفصال بالتحذيرات المستمرة، وفرض العقوبات الرادعة.
وهذه العزلة أوجدت هوة كبيرة بين المماليك الذين هم الحكام من جهة، وبين المحكومين من جهة أخرى، وأصبح الشعب لا يبالي بما يجري من الأحداث ولا تحركه أشجان السلاطين ومآسيهم إذا دارت الدائرة عليهم.
ولم تسجل الكتب التي بين أيدينا موقف حاسمة لجماهير الناس فيما عدا بعض المواقف النادرة كنصرة العامة للسلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٠٨هـ عندما تحالف زعيما البحرية والبرجية للتخلص منه، ولم يكن معه إلا عدد قليل من المماليك، ولم يخلصه من هذه الورطة - التي أوشكت أن تودي بحياته - إلا العامة الذين ثبتوا في أماكنهم وهم يصرخون "يا ناصر يا منصور، الله يخون من يخون ابن قلاوون" وهذا من الموقف النادرة التي شارك فيها الناس لتأييد سلطانهم.
وأما العلماء: فقد لقي هؤلاء تكريم سلاطين المماليك، وكان للعلماء كلمتهم المسموعة، وسلطانهم الكبير على العامة، وهذا السلطان مكن بعضهم من الوقوف في وجه السلاطين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويصدعون بالحق، كالعز ابن عبد السلام، وشمس الدين الحريري قاضي الحنفية، وابن تيمية الحراني.
وأما التجار: فقد شعر السلاطين بأن التجار هم المصدر الأول الذي يعتمدون عليه في سد حاجاتهم في الأوقات العصبية، لذا فقد كانت هذه الفئة تتمتع بمكانة مرموقة، وقد نشط السلاطين الحركة التجارية في بلادهم، وأعطوا التجار الأجانب امتيازات وتسهيلات تجارية، كل ذلك فتح الباب أمام التجار المسلمين لأن يجمعوا ثروات طائلة لانعكاس تلك التسهيلات عليهم، وقد
[ ٢٢٨ ]
استفادوا كثيرا من ذلك المركز التجاري الممتاز، الذي جعل بلاد المماليك ملتقى النشاط التجاري العالمي آنذاك.
والجدير بالذكر أنه بالرغم من هذه المكانة التي حظي بها التجار عند السلاطين، إلا أنهم كانوا يتعرضون لسطوتهم، فيؤخذ منهم المال الوفير بين الحين والآخر.
وأما العامة: فتتألف من العمال، والصناع، والسقائين، والسوقة، والمكاريين، وكان أفراد هذه الفئة على درجة كبيرة من الفقر والحاجة.
وأما الفلاحون: وهم سواد الناس، فلم يكن نصيبهم سوى الإهمال، وقد وصلت أحوالهم إلى درجة كبيرة من السوء، وزاد من هذا السوء كثرة المغارم، التي حلت بهم، والضرائب التي فرضت عليهم، علاوة على أنهم لم يسلموا من فئة العربان وبطشهم.
وأما العربان فهؤلاء لهم شخصيتهم المتميزة، وهم المنافس الوحيد لفئة المماليك، ولذلك فهم يثورون بين الفينة والفينة، وفي بعض الأوقات يتمنعون عن دفع الضرائب والخراج.
ومن أشهر ثورات هؤلاء الأعراب ثورة بدر بن سلام سنة ٧٧٩هـ، الذي هاجم دمنهور وفتك في أهلها، ولم تتمكن الدولة من إخماد هذه الثورة إلا بعد ثلاث سنين، أي سنة ٧٨٢هـ.
ولقد جرب العربان حظهم مرة أخرى بالثورة، ومعهم الخليفة المتوكل والمماليك الأشرفية، وحاولوا قتل السلطان برقوق وتنصيب الخليفة المتوكل سلطانا، ولكن هذه المحاولة لم تفلح.
[ ٢٢٩ ]
وأما الناحية الثانية من المؤثرات الاجتماعية: فهي الأوبئة والمجاعات:
وما كان يتعرض له الناس في هذا القرن من الأوبئة والمجاعات فإن الحديث عنه يطول، ولا بد أن يكون لهذه الأوبئة أثرها على النفوس، فتوجهها نحو بارئها بالتضرع والخشية كلما قسمت القلوب، أو طال عليها الأمد. فهذا طاعون سنة ٧٤٩هـ ملأت مآسيه الصفحات، وما أصاب الناس من جرائه من العنت سجله المؤرخون، وعلى رأسهم عماد الدين بن كثير فقال: "وكثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزادت الأموات كل يوم على المائة، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج حتى يموت أكثرهم، ثم زاد الموتى على المائتين في كل يوم، وتعطلت مصالح الناس". ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يزداد الضنك على الناس حتى تكاد القلوب تخرج من صدورها، فيقول ابن كثير: "وفي يوم الاثنين ثاني عشر رجب حصل بدمشق وما حلوها ريح شديدة، أثارت غبارا شديدا، اصفر الجو منه، ثم اسود، حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس يستجيرون الله، ويستنصرون، ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي نحو المائة وخمسين".
ويودع الناس هذا الموت الأسود، ويتنفسون الصعداء، وما إن تهل عليهم سنة ٧٦٥هـ حتى تأتي موجة أخرى منه، يصاحبها الجراد والغلاء، يقول ابن كثير: "واستهل شهر شوال سنة ٧٦٥هـ والجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، ورعى الخضراوات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وفقدت كثيرا من الأصحاب والأصدقاء".
(ج) الحالة العلمية
شهد العصر المملوكي بشكل عام، والقرن الثامن بشكل خاص، حركة علمية، ناشطة، ولقد كان هذا النشاط فريدا في كميته ونوعيته، ويبدو أن
[ ٢٣٠ ]
السبب الرئيس في هذا النشاط هو التحدي الحضاري الذي بدأت الأمة الإسلامية تمارسه ردا على الموجات المغولية والصليبية، فبدأت الأمة تلقي بكل ثقلها لتثبت ذلك، وأنها لم تمت. ولعل هذا من الأسباب الكامنة، وراء إنشاء الكثرة الكاثرة من المدارس العلمية في كل مكان، حتى أنه لقد أصبح شغل أهل العصر الشاغل كيف يبنون المدارس، وماذا يقفون عليها من الأوقاف.
ويرجع الكثير من إنشاء هذه المدارس إلى عهد نور الدين زنكي، وصلاح الدين، اللذين وجدا في المدرسة حصنا يحفظ على الأمة شخصيتها في وجه كل التحديات الصليبية من جهة، والفاطمية والباطنية من جهة أخرى.
وقد كانت المدارس العلمية التي أنشئت في هذا العصر على درجة عالية من التنظيم والإدارة، ذات أهداف بينة ومناهج محددة، وكان لكل مدرسة شيخ، وفيها العدد الجم الغفير من المدرسين والمعيدين والإداريين، والخدم، وربما كان بعض هذه المدارس يفوق في إمكانياته جامعات هذا العصر وكلياته.
فهذا ابن كثير يذكر في تاريخه في حوادث سنة ٧٢٤هـ نبذة عن المدرسة الناصرية، بالقاهرة، فيقول: كان عدد المدرسين ثلاثين في كل مذهب، فجعلهم السلطان أربعة وخمسين.
ولا يحتاج هذا الخبر إلى تعليق لبيان إمكانية هذه المدرسة.
أما المدرسة السكرية بدمشق، والتي كان شيخنا ابن رجب يسكن فيها فقد عين لهذه المدرسة ثلاثون محدثا لكل منهم جراية شهرية، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرأون القرآن، لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب. وقد تعاقب على مشيخة هذه المدرسة عبد الحليم بن تيمية، ثم أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الإمام المشهور، ثم الذهبي.
[ ٢٣١ ]
وقد كان في دمشق - وحدها - وحيث يقطن ابن رجب ثلاثمائة وخمسون مدرسة، منها ثماني عشرة دارا للحديث، وإلى جانب هذا العدد من المدارس وجد الكثير من الخوانق والربط والمساجد، وكلها تساهم في نشر الثقافة والعلم.
وقد تجاوزت هذه الحركة العلمية رجال هذا العصر إلى نسائه لنجد العالمات والمسندات والفقيهات، وقد تتلمذ على كثير منهن مشايخ هذا العصر الأجلاء ومنهن ست العز بنت محمد بن الفخر المسندة (ت ٧٦٧هـ)، التي سمع منها الحافظان العراقي والهيثمي، والمقرئ ابن رجب والد شيخنا عبد الرحمن. وكزينب بنت إسماعيل بن الخباز، التي تتلمذ عليها العراقي، وعبد الرحمن بن رجب، ومعظم مشايخ العصر.
وأما مشاهير علماء هذا العصر فإنه يصعب حصرهم لكثرتهم، فقد امتلأت المدن والحواضر بكبار العلماء، وحتى القرى النائية والأمصار المهجورة كان عندها من العلماء من يسد حاجتها، وتفيض به على غيرها.
ومن مشاهير علماء هذا العصر: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ) صاحب الفتاوى، ومنهاج السنة، والحسبة، والسياسة الشرعية وغيرها كثير من الكتب، والقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٤٠هـ) محدث الشام، وصاحب التاريخ، والمعجم الكبير، والحافظ جمال الدين المزي (ت ٧٤٢) صاحب تهذيب الكمال، والحافظ محمد بن قايماز الذهبي (ت ٧٤٨هـ)، عالم التاريخ الموسوعي، وعالم الحديث، وصاحب الكتب الكثيرة كتاريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال، وغيرها كثير، والحافظ عماد الدين بن كثير (ت ٧٧٤هـ) صاحب التاريخ، والتفسير، وأحمد بن فضل الله العمري الدمشقي إمام أهل الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والاصطرلاب، ومسالك الأبصار له معلمة تاريخية كبرى، وصلاح الدين
[ ٢٣٢ ]
خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤هـ) صاحب الوافي بالوفيات.
أما الذين عاشوا عامة هذا العصر ولكن وفياتهم كانت في القرن التاسع فهم كثيرون مثل الحافظ العراقي (ت ٨٠٦هـ) والهيثمي (ت ٨٠٧هـ)، وابن خلدون (٨٠٨هـ) القلقشندي (ت ٨٠٣ هـ) وابن الملقن (ت ٨٠٥هـ) .
ولقد قدم علماء هذا القرن موسوعات علمية في كل المجالات التاريخية، والفقهية، والحديثية، والأدبية، والجغرافية. ومن يستعرض بعض هذه الموسوعات ير أنها عنوان تحد كبير من هذه الأمة لأعدائها، ورد فعل للمحاولات التي بذلها المغول والصليبيون لطمس الحضارة الإسلامية. والباحث في هذه الموسوعات يخيل إليه كأن العلوم قد نسيت فوقف أهل هذا العصر أنفسهم على جمعها، وتبويبها وعرضها من جديد، وتحمل هذه الموسوعات بين طياتها الثقافة المتكاملة التي حفظت شخصية الأمة أمام أشرس الهجمات.
[ ٢٣٣ ]
الفصل الثاني حياة ابن رجب وشيوخه وتلاميذه وآثاره
[ ٢٣٦ ]
المبحث الأول حياة ابن رجب
١ - اسمه ونسبه ولقبه وكنيته.
٢ - مولده.
٣ - أسرته.
٤ - نشأته ورحلته.
٥ - وفاته.
٦ - عقيدة ابن رجب.
٧ - تأثره بابن تيمية وابن القيم.
٨ - أخلافه.
٩ - ثناء العلماء عليه. ***
- ١ - اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته
هو الإمام الحجة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين بن
[ ٢٣٧ ]
محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي، ثم الدمشقي، أبو الفرج الشهير بابن رجب الحنبلي.
لقبه المشهور زين الدين، ولقبه الشيخ شمس الدين عبد القادر النابلسي بالشيخ جمال الدين.
وأما ما ذكره ابن تغري بردي فقال: شهاب الدين أبو العباس، فهو خطأ واضح، وإن كان ابن فهد قد سبقه إلى ذلك. وشهاب الدين هو لقب والده أحمد. وكذلك فقد وهم من كناه بأبي العباس إذ هي كنية أبيه كذلك.
- ٢ - مولده
ولد ابن رجب في بغداد سنة ٧٣٦هـ وأجمعت على ذلك مصادر ترجمته باستثناء بعضها كالدرر الكامنة لابن حجر، وطبقات الحفاظ للسيوطي وذيله على تذكرة الحفاظ حيث ذكر أنه ولد سنة ٧٠٦هـ، وهذا هو تاريخ ولادة والده أحمد. وقد تابعهما على هذا الخطأ صاحب كشف الظنون، ومما يثبت خطا هذا التاريخ ما ذكره العليمي في المنهج بقوله: قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤هـ وبذلك يتضح على وجه القطع أن مولده سنه ٧٣٦هـ.
- ٣ - أسرة ابن رجب
لم تتوسع المراجع التي بين أيدينا - على كثرتها - في التعريف بأسرة ابن رجب، وما ذكر في ثنايا هذه المراجع نثار لا يزيد على أسطر قليلة، ألقت بعض الضوء على حياة جده، أبي أحمد، وحياة والده أبي العباس، شهاب الدين أحمد.
أما الجد عبد الرحمن المكنى بأبي أحمد، والملقب برجب، فكل ما ذكره عنه حفيده في طبقاته قوله: قرئ على جدي أبي أحمد - رجب بن الحسين - غير مرة - ببغداد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة: أخبركم أبو عبد الله
[ ٢٣٨ ]
محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو الحسن الداودي، أخبرنا أبو محمد السرخسي، أخبرنا أبو عبد الله الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النبي ﷺ - يقول: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.
وهذا الخبر - على قصره - يكشف عن مكانة جده أبي أحمد وأنه مهتم بالحديث ويقرأ عليه الناس. ويدل هذا الخبر كذلك على انه سماعه كان سنة ٦٨٦هـ ومعنى هذا أن الرجل عمر، وكانت وفاته سنة ٧٤٢هـ.
وأما أبوه فهو أبو العباس شهاب الدين أحمد، ولد في بغداد صبيحة يوم السبت خامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦، ونشأ بها وسمع مشايخها، وقرأ بالروايات، ثم رحل إلى دمشق بأولاده سنة ٧٤٤هـ وسمع مشايخها كمحمد بن إسماعيل الخباز، ورحل إلى القدس، ثم حج سنة ٧٤٩هـ وبمكة اسمع ابنه عبد الرحمن ثلاثيات البخاري على الشيخ أبي حفص عمر، ثم رحل إلى مصر قبل سنة ٧٥٦ وفيها روى عن أبي الحرم القلانسي، وفي ذلك يقول صاحب المنهج الأحمد: وفيها روى عن أبي الجرم القلانسي، وذكره في مشيخته.
وبعد ذلك جلس للإقراء بدمشق وانتفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف ولقد سجل شيوخه في معجم خاص له، نقل منه ابن حجر كثيرا في الدرر الكامنة وقال عنه ابن حجر: "شيخنا"، ولا يعقل أن يكون ابن حجر قد تتلمذ فعلا على والد ابن رجب هذا ولعله قصد بهذه العبارة أن المقرئ شهاب الدين بن جرب هو شيخ شيوخه كالعراقي والهيثمي، وهذان من
[ ٢٣٩ ]
تلاميذه، فعلا، ومن تلاميذه الذين أكدت المراجع أستاذيته لهم شمس الدين يوسف بن سيف الدين بن نجم الحنبلي الشيرازي (ت ٧٥١هـ) وعبد الله بن محمد بن قيم الضيائية.
- ٤ - نشأته ورحلته
قيض الله - تعالى - لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة، منها استعداده الفطري الموهوب، وأسرته الكريمة التي توارثت العلم كابرا عن كابر، وعصره المزدحم بالثقافة الموسوعية، والمعرفة المتنوعة، ونوابغ العلماء في كل مضمار.
هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو الطلب. وقبل سن التمييز أحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد سجل هذا في طبقاته، فيقول أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي (ت ٧٤١هـ): درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه. ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره، لأنه يصرح بالتمييز بعد الثالثة، فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة وما يهمنا من هذا أنه أحضر مجالس العلم وهو صغير لا يكاد يحق شيئا.
أما في الخامسة من عمره فقد فصل سماعاته بكل وعي ودقة وثقة، فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي، قرأت عليه وأنا في الخامسة. أو يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع على ابن عبد الصمد، وأنا أسمع سنة ٧٤١هـ ببغداد.
[ ٢٤٠ ]
وقد تلقى في هذا السن المبكر إجازات كبار العلماء في بغداد ودمشق، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مكانة أسرته العلمية، وأنها من الشهرة بحيث تكتب الإجازات إلى أبنائها، ويصرح ابن رجب بأنه تلقى الإجازات في طفولته المبكرة فيقول: وذكر شيخنا بالإجازة الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي البغديدي (ت ٧٣٩هـ) - كما ذكر بعض علماء الشام الذين أجازوه، كالقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٣٩هـ)، ومحمد بن أحمد بن حسان التلي الدمشقي (ت ٧٤١هـ) . وقد ذكرنا سني الوفاة لهؤلاء الشيوخ للدلالة على أن الاجازات كانت وابن رجب في الثالثة أو الخامسة، وأن بعضها تلقاها ابن رجب وهو في بغداد من كبار علماء الشام.
هذه بدايات الطلب كما سجلتها بعض المراجع وأهمها كتاب ابن رجب نفسه الذيل على طبقات الحنابلة، ولكن أسرة ابن رجب، بما عرفت من مذاق العلم والرحلة فيه، لم تقف عند هذا الحد، بل حمل أحمد بن رجب أبناءه، ومنهم صحابنا، وتوجه بهم نحو مركز الثقل، ومجتمع العلم والعلماء، فدخل بهم دمشق سنة ٧٤٤هـ، وبها سمع الوالد والولد كبار المسندين والمحدثين، وأدركا البقية الباقية من علماء القرن السابع، مثل شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب (ت ٧٤٥ هـ) والإمام علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن السبكي ثم النووي (ت ٧٤٩هـ) . وفي دمشق سمع ابن رجب محمد بن إسماعيل الخباز
[ ٢٤١ ]
(ت ٧٥٦هـ) ومحمد بن إسماعيل الحموي الدمشقي (ت ٧٥٧هـ)، ورحل إلى نابلس ليلتقي بجماعة من أصحاب عبد الحافظ بن بدران، ثم إلى القدس فسمع الحافظ أبا سعيد العلائي.
[ ٢٤٢ ]
ورجع ابن رجب مع والده إلى بغداد سنة ٧٤٨هـ، وقد ذكر هذا في طبقاته أثناء ترجمته لسليمان بن أحمد النهرماري البغدادي، فقال: وتوفي في جمادى الآخرة سنة ٧٤٨هـ، وصلي عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وفي بغداد قرأ على الشيخ أبي المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني، وفي ذلك يقول: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني بقراءتي عليه سنة ٧٤٩هـ. ويحدد مكان هذه القراءة في موضع آخر فيقول: ببغداد.
ومن بغداد يتوجه مع والده إلى الحج، وبمكة يسمع ثلاثيات البخاري من الشيخ أبي حفص عمر بن علي بن الخليل البغدادي (ت ٧٥٩هـ) - عاد بعد ذلك إلى دمشق حيث لزم شيخه ابن قيم الجوزية إلى أن مات سنة ٧٥١هـ.
وأما رحلته إلى مصر فقد كانت قبل سنة ٧٥٤هـ وهي السنة التي توفي بها شيخه أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي، وقد أكثر عنه، ونص على ذلك بقوله: قرأت على أبي الفتح محمد بن محمد الميدومي المصري بها. كما لقي بالقاهرة محمد بن إسماعيل الصوفي المعروف بابن الملوك (ت ٧٥٦هـ) وفي ذلك يقول: أخبرنا محمد بن إسماعيل الصوفي بالقاهرة والجدير بالذكر أن والده كان يرافقه في هذه الرحلة، فسمعا معا أبا الحرم القلانسي (ت ٧٦٥هـ) .
[ ٢٤٣ ]
وفي سنة ٧٦٣هـ اتجه إلى الحج، وهناك التقى بالمشاهير من العلماء، ويبين هذا أثناء ترجمة شمس الدين محمد بن الشيخ أحمد السقا، فيقول: وقد جمعت بينه وبين قاضي قضاة مصر الموفق، وابن جماعة بمنى عام ثلاث وستين وسبعمائة.
وبعد هذه الرحلة، الحافلة بالحركة والنشاط، استقر ابن رجب بدمشق، يدرس بمدارسها ويعقد المواعيد الوعظية، فدرس بالمدرسة الحنبلية بعد وفاة ابن التقي (٧٨٨هـ) وولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل سنة ٧٧١هـ.
وظل ابن رجب يخرج الطلبة النجباء، والعلماء الأكفياء، ويصنف الكتب النافعة، والرسائل القيمة حتى وافاه أجله.
ولم تذكر لنا مصادر ترجمته شيئا عن زواجه أو أولاده، وكل ما نعرفه أنه كان يسكن في المدرسة السكرية بالقصاعين منجمعا عن الناس، أي منعزلا عنهم، منصرفا إلى أموره العلمية - رحمه الله تعالى -.
- ٥ - وفاته
اتفقت مصادر الترجمة على أن وفاته - ﵀ - كانت سنة ٧٩٥هـ، وقول ابن تغري بردي في المنهل الصافي أن وفاته كانت سنة خمس وسبعين وسبعمائة تصحيف ظاهر، ولم تتفق مصادر الترجمة على تحديد يوم الوفاة وشهرها، فبينما يذكر صاحب المنهج الأحمد أن ذلك كان ليلة الاثنين رابع شهر رمضان المعظم، فإننا نجد صاحب المنهل الصافي يقول: إن ذلك كان في شهر رجب، وهو قول ابن ناصر الدين الذي نقله عنه صاحب المنهج الأحمد فقال:
[ ٢٤٤ ]
وأرخ الشيخ شمس الدين بن ناصر الدين - ﵀ - وفاته في شهر رجب، من السنة المذكورة، وهي سنة ٧٩٥هـ، ثم قال: ودفن بمقبرة الباب الصغير، جوار قبر الشيخ الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ثم المقدسي، الدمشقي، المتوفى في ذي الحجة سنة ٤٨٦هـ، وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد ببيت المقدس، ثم بدمشق - رحمه الله تعالى -، وقال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين بن رجب جاء قبل أن يموت بأيام، فقال له: احفر لي ههنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرعت نزل في القبر، واضطجع فيه، فأعجبه وقال: هذا جيد، ثم خرج، قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتا، محمولا على نعشه، فوضعه في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى -.
- ٦ - عقيدة ابن رجب
ابن رجب سلفي العقيدة، يمر آيات الصفات دونما تأويل أو تعطيل، وقد ذكر عقيدته هذه في أكثر من موضع في طبقاته، فنجده يسند حكاية جاء فيها: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا، قال ابن فورك لمحمود، لا يجوز أن تصف الله بالفوقية لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية، لأن من جاز أن يكون له فوق جاء أن يكون له تحت، فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية فتلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك. قال: فبهت.
وفي موضع آخر نقل قول أحمد: هذه الأحاديث نمرها كما جاءت.
وقال في كتاب فضل علم السلف على الخلف: "والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل".
[ ٢٤٥ ]
- ٧ - تأثر ابن رجب بابن تيمية وبابن القيم ومخالفته لهما في بعض المسائل
يقف ابن تيمية علما على رأس القرن الثامن الهجري، وقد ضمت مدرسته أكابر علماء هذا العصر كالمزي والذهبي وابن كثير وابن القيم. ولا شك أن أشدهم تأثرا به هو ابن القيم الذي رافقه في سجنه حتى وافاه الأجل. فتشرب الرجل أخلاق شيخه وتبنى أفكاره وحرر أدلة اختياراته.
وقد انتقل هذا التأثير إلى ابن رجب عبر شيخه ابن القيم كسائر الحنابلة في عصره، ولكن شخصية ابن رجب العلمية جعلته يراجع القضايا التي تبناها شيخه ويقدح فيها زناد ذهنه فكانت النتيجة أن خالف شيخه في بعضها، ومن ذلك قضية الطلاق، وأن لفظ الثلاث يقع واحدة، وأنه طلاق رجعي، هذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، اعتمادا على حديث يرويه طاوس، عن ابن عباس، وقد جاء إليه أبو الصهباء، فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر - ﵄ - ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم.
وقد أثارت هذه المسألة خلافات فقهية لا تقل عن تلك التي أثارتها وجهات النظر المتباينة في موضوع الصفات.
وكان لابن رجب موقف من هذه القضية. وألف في ذلك رسالة اعتمد عليها الشيخ زاهد الكوثري في كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق"، فقال: وكان ابن رجب من اتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم وشيخه، ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل، ورد قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه "مشكل
[ ٢٤٦ ]
الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة" - ومن جملة ما يقول ابن رجب في كتابه المذكور: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سيق بلفظ واحد" وأما حديث ابن عباس، فقد قال ابن رجب: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان، أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث، لشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث مخالفا للأكثرين هو علة في الحديث، يوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان ويحيى بن معين، ثم قال ابن رجب: ومتى أجمع علماء الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه، وترك العمل به.
ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني. وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ، والانكار، وإجماع الأمة على خلافه.
وعن طريق الثاني يقول ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها. وقد ذكر الشيخ الكوثري أدلة ابن رجب على هذا، وهي أدلة قوية.
وقد ذكر ابن حجر عدول ابن رجب عن بعض مقالات ابن تيمية، فقال في الإنباء: ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره
[ ٢٤٧ ]
التيميون، فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بأخرة. كما ذكر ابن حجر قصة تدل على هذا خلاصتها أن على ابن أيبك الصفدي نظم قصيدة يتوسل فيها النبي ﷺ ويطلب منه الشفاعة، ويقول: يا خير خلق الله، فأنكر عليه الشيخ صدر الدين علي بن العز الحنفي هذا كله، فوصل الأمر إلى مصر، فأنكر القضاة قول ابن العز، وعقدت مجالس في دمشق للإنكار عليه وتعزيزه، وممن حضر هذه المجالس سعد الدين النووي وجمال الدين الكردي، وشرف الدين الغزي، وزين الدين بن رجب، وتقي الدين بن مفلح وأخوه، وشهاب الدين بن حجي، فتواردوا على الانكار عن ابن العز في أكثر ما قاله.
ولعل هذه المواقف ساهمت في اختصار سيرة هذا الرجل فلم يأخذ حقه في كتب التراجم، فلا هو مع الحنابلة، ولا هو مع الشافعية أو غيرهم.
- ٨ - أخلاقه
كان - ﵀ - صاحب عبادة وتهجد، منجمعا عن الناس، لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن المدرس السكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئا من أمور الدنيا بعيدا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا الاشتغال بالعلم وبالجملة لم يخلق بعده مثله، هذه عبارة ابن قاضي شهبة في وصف أخلاق هذا الرجل، وهي ترسم صورة واضحة في ذهن القارئ تصور ابن رجب راغبا عن الدنيا وزينتها، وجاهها ووجاهتها، مع علم جم وعبادة شاغلة، ولا عجب أن يقال فيه بعد ذلك: اجتمعت الفرق عليه ومالت
[ ٢٤٨ ]
القلوب بالمحبة إليه. ولقد كان - ﵀ - داعية محبة ووحدة ويظهر هذا أثناء ترجمته للحسن بن أحمد بن عبد الله البغدادي (ت ٤٧١هـ) فهو يقول: ولقد رأيت له في مجموعة من المعتقدات ما يوافق بين المذهبين الشافعي وأحمد، ويقصد به تأليف القلوب واجتماع الكلمة، مما أرجو له به عند الله الزلفى في العقبى، فلقد كان من شيوخ الإسلام النصحاء والفقهاء والألباء.
- ٩ - ثناء العلماء عليه
لقد استحق ابن رجب ثناء العلماء وتقديرهم بما كان عليه من الفضل والعلم، وما رأيت أحدا ترجم له إلا وأثنى عليه، ولم أجد كلمة واحدة تذمه أو تنقص من قدره، وهذا الإجماع نادر جدا، فكل رجل لا يخلو من مبغض أو حاسد أو ناقد إلا أن ابن رجب - وفقه الله تعالى - فاجتمعت الفرق على الثناء عليه، يقول ابن قاضي شهبة: كتب وقرأ وأتقن الفن واشتغل في المذهب حتى أتقنه وأكب على الاشتغال بمعرفة متون الحديث وعلله ومعانية.
وقال فيه ابن حجر: ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالا وطرقا واطلاعا على معانيه: ونقل عن أبي حجي قوله: أتقن الفن وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق.
وقال صاحب المنهج: وكان أحد الأئمة الحفاظ الكبار، والعلماء الزهاد الأخيار.
[ ٢٤٩ ]
وقال النعيمي في الدارس: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة.
وقال ابن فهد: الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدثين واعظ المسلمين
[ ٢٥٠ ]
المبحث الثاني شيوخ ابن رجب الحنبلي
المطلب الأول: شيوخ ابن رجب.
المطلب الثاني: ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب.
١ - ابن الخباز.
٢ - أبي سعيد العلائي.
٣ - الميدومي. ***
لما كان المقام لا يتسع لذكر تراجم شيوخ ابن رجب، لأن هذا شيء يطول، فقد رأيت أن الفائدة تتحقق بما يلي:
١ - ذكر هؤلاء الشيوخ مرتبين على حروف المعجم، مع ذكر وفياتهم، إن وجد ذلك.
٢ - بيان طريق التحمل سماعا أو إجازة وزمان ذلك ومكانه.
٣ - الإشارة إلى مراجع ترجمة كل شيخ، والمكان الذي يبين أستاذيته لابن رجب.
٤ - الترجمة لأشهر شيوخه.
[ ٢٥١ ]
المطلب الأول شيوخ ابن رجب
١ - قاضي القضاة أبو العباس: أحمد بن الحسن بن عبد الله، المشهور بابن قاضي الجبل (٦٩٣ - ٧٧١هـ) سماعا في دمشق.
٢ - أبو العباس: أحمد بن سليمان الحنبلي، في بغداد، قراءة عليه.
٣ - شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن عبد الرحمن الحريري المقدسي الصالحي (٦٦٣ - ٧٥٨هـ) في دمشق سماعا.
٤ - أحمد بن عبد الكريم البعلي، شهاب الدين (٦٩٦ - ٧٧٧هـ) حدث ببلده وفي دمشق.
٥ - عماد الدين، أبو العباس: أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي (ت ٧٥٤هـ) سمعه في دمشق.
٦ - جمال الدين أبو العباس: أحمد بن علي بن محمد البابصري، البغدادي (٧٠٧ - ٧٥٠هـ) سمعه في بغداد.
٧ - شهاب الدين، أحمد بن محمد الشيرازي المعروف بـ (زغنش) .
[ ٢٥٢ ]
٨ - بشر بن إبراهيم بن محمود بن بشر البعلبكي، الحنبلي (٦٨١ - ٧٦١هـ) سمعه في الشام.
٩ - صفي الدين، أبو عبد الله: الحسين بن بدران البصري البغدادي (٧١٢ - ٧٤٩هـ) قرأ عليه، في بغداد.
١٠ - صلاح الدين، أبو سعيد: خليل بن كيكلدي العلائي (٦٩٤ - ٧٦١هـ) سمعه في القدس.
١١ - جمال الدين أبو سليمان: داود بن إبراهيم العطار (٦٦٥ - ٧٥٢هـ) سمعه في دمشق.
١٢ - بنت الكمال: زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية (٦٤٦ - ٧٤٠هـ) إجازة، وهو في بغداد.
١٣ - نجم الدين، أبو المحامد، سليمان بن أحمد النهرماري البغدادي الفقيه. (ت ٧٤٨هـ) سمعه في بغداد.
١٤ - عز الدين: عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة،
[ ٢٥٣ ]
قاضي المسلمين، (٦٩٤ - ٧٦٧هـ) قال عنه شيخنا، ولقيه في مصر ومكة.
١٥ - تاج الدين: عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجبة الواسطي، المقرئ (٦٧١ - ٧٤٠هـ) سمعه في بغداد.
١٦ - تقي الدين، أبو محمد: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد، المعروف بابن قيم الضيائية (٦٦٩ - ٧٦١هـ) سمعه في دمشق.
١٧ - صفي الدين، أبو الفضائل: عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي الحنبلي (٦٥٨ - ٧٣٩هـ) إجازة في بغداد.
١٨ - عز الدين، أبو يعلى: حمزة بن موسى بن أحمد بن بدران المعروف: بابن شيخ السلامية (٧١٢ - ٧٦٩هـ) سمعه في دمشق.
١٩ - فخر الدين: عثمان بن يوسف بن أبي بكر النويري الفقيه، المالكي (٦٦٣ - ٧٥٦هـ) سمعه في مكة سنة ٧٤٩هـ.
[ ٢٥٤ ]
٢٠ - علاء الدين، أبو الحسن علي بن الشيخ زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا (٦٧٣ - ٦٧٣هـ) سمعه في دمشق.
٢١ - أبو الربيع: علي بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر البغدادي، (٦٥٦ - ٧٤٢هـ) سمعه ببغداد وهو في الخامسة.
٢٢ - عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي، الحلبي، ثم الدمشقي (٦٧٩ - ٧٧٨هـ) سمعه في دمشق.
٢٣ - سراج الدين أبو حفص: عمر بن علي بن موسى بن خليل البغدادي (٦٨٨ - ٧٤٩هـ) سمعه في دمشق.
٢٤ - سراج الدين، أبو حفص: عمر بن علي بن عمر القزويني، محدث العراق (٦٨٣ - ٧٥٠هـ) قراءة عليه في بغداد.
٢٥ - علم الدين، أبو محمد: القاسم بن محمد البرزالي، مؤرخ الشام (٦٦٥ - ٧٣٩هـ) إجازة من دمشق.
٢٦ - عز الدين أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٦٣ - ٧٤٨هـ) إجازة في دمشق.
[ ٢٥٥ ]
٢٧ - أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن تمام بن حسان الصالحي (٦٥١ - ٧٤١هـ) إجازة من دمشق.
٢٨ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقي الأنصاري العبادي من ولد عبادة بن الصامت، المعروف بابن الخباز (٦٦٧ - ٧٥٦هـ) سمعه في دمشق وأكثر عنه جدا.
٢٩ - ناصر الدين، محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، ينتهي نسبة بالعادل الأيوبي، ويلقب بابن الملوك (٦٧٤ - ٧٥٦هـ) سمعه في مصر وأخذ عنه كثيرا.
٣٠ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد بن جرير الزرعي، ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ) سمعه في دمشق ولازمه أزيد من سنة.
٣١ - أبو المعالي: محمد بن عبد الرزاق الشيباني في بغداد، قراءة عليه سنة ٧٤٩هـ.
٣٢ - صدر الدين، أبو الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي (٦٦٤ - ٧٥٤هـ) سمعه في مصر.
[ ٢٥٦ ]
٣٣ - فتح الدين، أبو الحرم: محمد بن محمد بن محمد القلانسي الحنبلي (٦٨٣ - ٧٦٥هـ) سمعه في القاهرة.
٣٤ - ابن النباش: ذكر ابن رجب أنه لازمه حتى الممات، ولم يذكر له تاريخ وفاة.
٣٥ - شمس الدين يوسف بن نجم الحنبلي (ت ٧٥١هـ) سمعه في دمشق.
٣٦ - جمال الدين، يوسف بن عبد الله بن العفيف المقدسي النابلسي (٦٩١ - ٧٥٤هـ) قرأ عليه سنن ابن ماجه بدمشق.
هذا ما وفقني الله إلى تحصيله من شيوخ ابن رجب، استغرق مني دراسة طويلة، اطلعت أثناءها على كتب التراجم التي تناولت عصر ابن رجب وعلى كتب الطبقات كذلك، علما بأن من ترجموا لابن رجب لم يذكروا إلا عددا قليلا من الشيوخ، لا يزيد على الأربعة.
المطلب الثاني ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب
وفيما يلي ترجمة لثلاثة من شيوخه الذين أكثر من الرواية عنهم، أو أثروا فيه، فيما نحسب:
١ - ابن الخباز:
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي، الأنصاري العبادي من ولد
[ ٢٥٧ ]
عبادة بن الصامت، المعروف بابن الخباز. مولده في شهر رجب سنة ٦٦٧هـ وبكر به أبوه فأحضره على أحمد بن عبد الدائم، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، وعبد الرحمن بن نجم الحنبلي - وهو آخر من حدث عنهم بالسماع - وأحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، ومؤمل بن محمد البالسي، وأبي بكر بن عمر بن يونس المزي.
روى عنه الأئمة والحفاظ أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، وأبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، والشريف أبو المحاسن محمد بن علي بن حمزة الحسيني، وزين الدين عبد الرحيم العراقي، وزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب.
قال عنه العراقي: كان مسند الآفاق في زمانه وتفرد برواية مسلم بالسماع المتصل، وكان صدوقا مأمونا محبا للحديث وأهله.
حدث قديما مع أبيه وهو ابن عشرين سنة واستمر يحدث نحوا من سبعين سنة، وتأخر إلى أن صار مسند دمشق في عصره.
قال ابن حجر في الدرر: أكثر عنه شيخنا العراقي، وذكر لي أنه كان صبورا على السماع، وكان يكتسب بالنسخ.
قال: فكنا نقرأ عليه وهو يعمل في منزله، من بكرة إلى العصر.
قال أبو زرعة العراقي في طرح التثريب: انقطعت بموته كتب وأجزاء.
مات في ثالث شهر رمضان سنة ٧٥٦هـ عن تسعين سنة إلا عشرة أشهر.
وقد أكثر عنه ابن رجب وله عنه أسانيد كثيرة نشرها في كتابه طبقات الحنابلة أشرنا إلى بعضها في هامش ثبت مشيخة ابن رحب
[ ٢٥٨ ]
٢ - أبو سعيد العلائي:
شيخ الإسلام علاء الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي ثم المقدسي الشافعي، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وستمائة، وسمع الكثير ورحل وبلغ عدة شيوخه بالسماع سبعمائة، وأخذ عن مشايخ الدنيا، وأجيز بالفتوى وجد واجتهد حتى فاق أهل عصره، درس بدمشق بحلقة ابن صاحب حمص ونزل عنها للحافظ المزي، ودرس بالأسدية أيضا، وأعاد بالناصرية. ثم انتقل إلى القدس مدرسا بالصلاحية سنة ٧٣١هـ. وأقام بالقدس مدة طويلة يدرس ويفتي ويحدث ويصنف إلى أخر عمره.
قال الآسنوي: كان حافظ زمانه إماما في الفقه والأصول وغيرهما. وله ذوق في معرفة الرجال وذكاء وفهم.
قال ابن حجر: وقرأت بخط شيخنا العراق: توفي حافظ المشرق والمغرب صلاح الدين في ثالث المحرم. وذلك سنة ٧٦١هـ.
قال صاحب الأنس الجليل: ومن تصانيفه القواعد المشهورة، وهو كتاب نفيس يشتمل على علمي الأصول والفروع. "والوشى المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ و"المراسيل" و"كتاب في المدلسين" وكتب أخرى كثيرة.
وقد رحل إليه ابن رجب وسمع منه.
٣ - الميدومي:
صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم بن عنان الميدومي. ولد في شعبان سنة ٦٦٤هـ وبكر به أبوه فأسمعه من النحيب، وابن علاق، وابن عزون.
حدث بالكثير بالقاهرة ومصر، ورحل إلى القدس زائرا بعد الخمسين فأكثروا عنه، وسمع منه ابن رافع، والحسيني، والعراقي، وابن رجب، والشيخ سراج الدين البلقيني.
قال الحسيني: وكان مسند الدنيا ولم يخلف بعده مثله. ووصفه ابن تغري بردي بالمسند المعمر. توفي في رمضان سنة ٧٥٤هـ.
وقد تلقى عنه العلم الزين عبد الرحيم العراقي، وابن رجب، والبلقيني وابن الملقن، وغيرهم كثير. ***
[ ٢٥٩ ]
المبحث الثالث تلاميذه وآثاره
المطلب الأول: تلاميذ ابن رجب.
المطلب الثاني: التعريف بأشهر تلاميذ ابن رجب.
المطلب الثالث: آثاره العلمية. ***
المطلب الأول تلاميذ ابن رجب
وقد رتبناهم على حروف المعجم مع مراعاة ولاداتهم ووفياتهم، وكيفية تحملهم عن ابن رجب، ومكانه:
١ - الشهاب أبو العباس: أحمد بن أبي بكر بن سيف الدين الحموي، الحنبلي ويعرف بابن الرسام، (٧٧٣ - ٨٤٤هـ) أجازه ابن رجب، وقال في الشذرات: وكان يعمل المواعيد وله كتاب في الوعظ على نمط كتاب شيخه ابن رجب.
٢ - محب الدين أبو الفضل، أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر، مفتي الديار المصرية، (٧٦٥ - ٨٤٤هـ)، سمع ابن رجب في دمشق ولازمه.
[ ٢٦١ ]
٣ - داود بن سليمان بن عبد الله الزين الموصلي الدمشقي الحنبلي (٧٦٤ - ٧٤٤هـ) سمع ابن رجب في دمشق.
٤ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد الدمشقي الأصل الملكي المقرئ (٧٧٢ - ٨٥٣) هـ سمع ابن رجب في دمشق.
٥ - زين الدين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي المعروف بأبي شعر، (٧٨٠ - ٨٤٤هـ) سمع ابن رجب في دمشق.
٦ - زين الدين أبو ذر، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد المصري الحنبلي، المعروف بالزركشي (٧٥٨ - ٨٤٦هـ) سمع ابن رجب في دمشق قبيل الفتنة اللنكية.
٧ - علاء الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن عباس البعلي الشهير بابن اللحام، ولد بعد الخمسين وسبعمائة في بعلبك، وتوفي سنة ثلاث وثمانمائة. سمع ابن رجب في دمشق.
٨ - علاء الدين علي بن محمد بن علي الطرسوسي المزي، كان يعيش حتى سنة ٨٥٠هـ، وحضر على ابن رجب وقال: "انه سمعه يقول: أرسل إلي الزين العراقي يستعين بي في شرح الترمذي".
٩ - علاء الدين أبو المواهب، علي بن محمد بن أبي بكر السلمي الحموي الحنبلي،
[ ٢٦٢ ]
ويعرف بابن المغلي (٧٦١ - ٨٢٨هـ)، أخذ عن ابن رجب في دمشق.
١٠ - أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الحلبي الأصل الدمشقي الشافعي، يعرف بابن المزلق (بضم الميم وفتح الزاي وكسر اللام المشددة) (٧٨٧ - ٨٤١هـ) سمع ابن رجب في دمشق.
١١ - محب الدين أبو الفضل ابن الشيخ نصر الله ولد سنة ٧٦٥هـ في بغداد، وأخذ عن ابن رجب في دمشق.
١٢ - قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي قاضي مكة (٧٧١ - ٨٥٥هـ) سمع ابن رجب في دمشق.
١٣ - شهاب الدين أحمد بن علي محمد الأنصاري الحلبي ابن الشحام (٧٨١ - ٨٦٤هـ)، سمع ابن رجب في دمشق.
١٤ - عز الدين محمد بن بهاء الدين علي المقدسي الحنبلي (٧٦٤ - ٨٢٠هـ) أخذ عن ابن رجب في دمشق.
١٥ - شمس الدين محمد بن خالد الحمصي القاضي، توفي سنة ٨٣٠هـ قرأ على ابن رجب في دمشق.
١٦ - شمس الدين أبو عبيد الله محمد بن خليل بن طوغان الدمشقي الحريري الحنبلي، المعروف بابن المخصفي (٧٤٦ - ٨٠٣هـ) . سمع ابن رجب في دمشق.
[ ٢٦٣ ]
١٧ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة الأنصاري الحنبلي الدمشقي قاضي القضاة بدمشق، توفي سنة ٨٢٠هـ، سمع ابن رجب في دمشق.
المطلب الثاني التعريف بأشهر تلاميذ ابن رجب
"وفيما يلي ترجمة موجزة لثلاثة من هؤلاء التلاميذ".
"ابن اللحام":
علي بن محمد بن علي بن عباس بن فتيان، العلاء، البعلي، ثم الدمشقي الحنبلي، ويعرف بابن اللحام، وهي حرفة أبيه.
ولد بعد الخمسين وسبعمائة ببعلبك، ونشأ بها في كفالة خاله، لكون أبيه مات وهو رضيع. فعلمه صنعة الكتابة، ثم حبب إليه الطلب، فطلب بنفسه، وتفقه على الشمس بن اليونانية، ثم انتقل إلى دمشق، وتلمذ لابن رجب وغيره، وبرع في مذهبه ودرس وأفتى، وشارك في الفنون وناب في الحكم، ووعظ بالجامع الأموي في حلقة ابن رجب بعده. وكانت مواعيده حافلة، ينقل فيها مذاهب المخالفين محررة من كتبهم، مع حسن المجالسة وكثرة التواضع، ثم ترك الحكم بأخرة. وصار شيخ الحنابلة بالشام مع ابن مفلح فانتفع الناس به. وقد قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى بدمشق فسكنها، وولي تدريس المنصورية، ثم نزل عنها، وعين للقضاء بعد موت الموفق بن نصرالله فامتنع. ومات بعد ذلك بيسير في يوم الأضحى وقد جاوز الخمسين.
أبو ذر:
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الزين أبو ذر المصري
[ ٢٦٤ ]
الحنبلي، يعرف بالزركشي صنعة أبيه، ولد في سابع عشر رجب سنة ٧٥٨هـ بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن والعمدة، وعرض على مشاهير العلماء المصريين كالجمال الأسنوي والزين العراقي. ثم ارتحل إلى دمشق قبيل الفتنة فأخذ الفقه أيضا عن الزين بن رجب وقاضي الحنابلة الشمس بن التقي، ودخل نابلس وإسكندرية ودمياط، والصعيد، وغيرها.
استقر في تدريس الحنابلة في الأشرفية برسباي، وكان إماما متواضعا جيد الذهن، صار مسند مصر، مع صحة بدنه، وضعف بصره. مات سنة ٨٤٦هـ بالقاهرة.
شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي:
محمد بن أحمد بن سعيد بن العز، المقدسي الأصل النابلسي، ثم الدمشقي، الحلبي المكي قاضيها الحنبلي. ولد سنة ٧٧١هـ، بكفر لبد من جبل نابلس، ونشأ بها فحفظ القرآن، ثم انتقل سنة ٧٨٩ لصالحية دمشق، فتفقه بها على ابن رجب، وابن مفلح، وابن اللحام، ثم انتقل إلى حلب سنة ٧٩١ فسمع بها على ابن صديق، وناب بها في القضاء والخطابة بجامعها الكبير، ثم رحل إلى بيت المقدس في سنة ٨١٢هـ، وأقام بها حتى سنة ٨١٨هـ، ثم رحل إلى دمشق أيضا، وحج وجاور مرارا، وسمع من الجمال بن ظهيرة. ثم قطن مكة من سنة ٨٥٢هـ. وكان عالما كثير الاستحضار لفروع مذهب الإمام أحمد.
وقد صنف كتبا منها: "الشافي" و"الكافي" و"كشف الغمة بتيسير الخلغ لهذه الأمة" و"المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد في الخطوب المدلهمة" و"سفينة الأبرار الجامعة للآثار والأخبار" في المواعظ في ثلاث مجلدات، والآداب.
مات بمكة ليلة الخميس رابع عشر صفر سنة ٨٥٥هـ.
[ ٢٦٥ ]
المطلب الثالث آثاره العلمية
صنف ابن رجب - ﵀ - كتبا قارب عددها الخمسين، بين كتاب يقع في مجلدات ورسالة تقع في ورقات. وسأذكر هذه الكتب - إن شاء الله - في ثبت مربت على الموضوعات، مكتفيا بذكر اسم الكتاب تحت موضوعه وهل هو مطبوع أو مخطوط. وأما ما يهمنا من هذه الكتب وهو كتب الحديث فسأتناولها في الفصل التالي الذي هو جهود ابن رجب في الحديث.
وفيما يلي ثبت بأسماء الكتب حسب الموضوعات:
التفسير:
١ - تفسير سورة النصر ط. لاهور ١٣٣٩هـ مع تحفة الودود بأحكام المولود لابن القيم.
٢ - تفسير سورة الإخلاص، مخطوط.
الحديث:
٣ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مخطوط بدار الكتب المصرية ٣٨٩، حديث تيمور.
٤ - شرح الترمذي، وتوجد منه قطعة، تقع في عشر ورقات، مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق.
ويوجد منه شرح علل الترمذي الذي هو آخر الكتاب، وهو موضوع هذه الدراسة.
٥ - جامع العلوم والحكم، ط في مصر والهند ١٣٨٢، ١٣٤٦هـ.
٦ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، ط. المنيرية ١٣٥٣، ومكتبة القاهرة.
٧ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى، مخطوط في مكتبة فاتح باستانبول، ضمن مجموعة لابن رجب ٥٣١٨.
[ ٢٦٦ ]
٨ - تحفة الأكياس بشرح وصية النبي ﷺ لابن عباس، ط. بمطبعة الإمام بمصر.
٩ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال، مخطوط بمكتبة فاتح باستانبول ٥٣١٨.
١٠ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: بعثت بالسيف بين يدي الساعة، ط. المنار ١٣٤٩هـ.
١١ - ماذئبان جائعان، ط. المبيرية.
١٢ - شرح حديث " ان أغبط أوليائي عندي"، مخطوط بمكتبة فاتح، باستانبول، رقم ٥٣١٨.
١٣ - شرح حديث أبي الدرداء "من سلك طريقا يلتمس فيه علما"، ط. مكة ١٣٤٧هـ.
١٤ - حديث عمار "اللهم بعلمك الغيب" مخطوط، بمكتبة الرياض بالسعودية رقم ٥٢٧ /٢٦.
١٥ - شرح حديث شداد بن أوس: "إذا كنز الناس الذهب والفضة"، مخطوط بمكتبة الأوقاف بالعراق رقم ٤٧٦٧/٢٥ مجاميع.
١٦ - شرح حديث "يتبع الميت ثلاث"، مخطوط، بمكتبة فاتح باستانبول، رقم ٥٣١٨.
١٧ - صدقة السر وفضها، مخطوط، بمكتبة فاتح باستانبول، رقم ٥٣١٨.
١٨ - غاية النفع في شرح "تمثيل المؤمن بخامة الزرع" ط. أنصار السنة بمصر، ١٣٥٨هـ.
١٩ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، ط. المنار، بمصر ١٣٤٠هـ، والمنيرية ١٣٥١هـ.
٢٠ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق، مخطوط، بمكتبة فاتح باستانبول، رقم ٥٣١٨.
[ ٢٦٧ ]
٢٢ - المحجة في مسير الدلجة، ط. مطبعة الترقي الماجدية، بمكة المكرمة، ١٣٤٧هـ.
الفقه:
٢٢ - الاستخراج لأحكام الخراج، ط. بالمطبعة الإسلامية بالأزهر، بمصر سنة ١٣٥٢هـ.
٢٣ - رسالة في أحكام الخواتم، مخطوطة، بدار الكتب المصرية، رقم ٢٣٧٩٤/ب. وهي ورقات من شرح الترمذي.
٢٤ - تعليق الطلاق بالولادة، مخطوطة، بمكتبة فاتح باستانبول، رقم ٥٣١٨.
٢٦ - القواعد الفقهية، ط. عدة طبعات آخرها، ١٩٧٢م.
٢٦ - مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة، مفقود، وقد استفاد منه ابن عبد الهادي في كتابه "سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث" وقد طبع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٥٣م.
٢٧ - فتوى في هلال ذي الحجة، مخطوط بالرياض بالسعودية، رقم ١٨/٥٢٧.
التاريخ:
٢٨ - اختيار الأبرار "سيرة أبي بكر وعمر"، مخطوط، برلين، رقم ٩٦٩٠.
٢٩ - الذيل على طبقات الحنابلة، ط. المعهد الفرنسي بدمشق، ١٩٥١م، وظهر منه الجزء الأول، ثم طبع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٥٢م.
٣٠ - سيرة عمر بن عبد العزيز، ط. بالرياض، بالسعودية.
الوعظ:
٣١ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، ط. أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٣٥٧هـ.
[ ٢٦٨ ]
٣٢ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار، ط. أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٣٥٧هـ.
٣٣ - الخشوع في الصلاة، أو الذلة والانكسار، ط. البابي الحلبي سنة ١٣٤١هـ.
٣٤ - ذم الخمر وشاربها، مخطوط، بمكتبة فاتح باستانبول، رقم ٥٣١٨.
٣٥ - ذم قسوة القلب، شهيد علي باستانبول، مخطوط، رقم ٥٤٣.
٣٦ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ط. الحلبي سنة ١٣٤٣هـ.
كتب أخرى:
٣٧ - فضل علم السلف على الخلف، ط. المنيرية ١٣٤٧هـ.
٣٨ - نزهة الاستماع في مسألة السماع، مخطوط، دار الكتب المصرية ١٦١٦٣ آب.
٣٩ - كلمة الإخلاص، وتحقيق معناها، ط. بالقاهرة، ١٣٩٠هـ، وبدمشق، ١٩٦١م.
٤٠ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس، ط. مطبعة الإمام بمصر سنة ١٣٦٣هـ.
٤١ - الفرق بين النصيحة والتعيير، مطبوع.
الكتب المفقودة:
والتي ذكرها ابن حميد في "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" أو إسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين":
٤٢ - الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان (ابن حميد) .
٤٣ - الاستغناء بالقرآن "هداية العارفين".
٤٤ - الإلمام في فضائل بيت الله الحرام "هداية العارفين".
[ ٢٦٩ ]
٤٥ - الكشف والبيان عن حقيقة النذور والإيمان (ابن حميد) .
٤٦ - حماية الشام بما فيها من الأحلام (ابن حميد) .
٤٧ - مسألة الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وقبل
[ ٢٧٠ ]
الفصل الثالث جهود ابن رجب في الحديث رواية ودراية
تمهيد
المبحث الأول: الرواية عند ابن رجب.
المبحث الثاني: الدراية عند ابن رجب.
المطلب الأول: شرح الترمذي.
المطلب الثاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
المطلب الثالث: جامع العلوم والحكم.
المطلب الرابع: الرسائل الحديثية.
[ ٢٧١ ]
تمهيد
إن غلبة الحديث على شخصية ابن رجب يرجع إلى اهتمامات أسرته بهذا الجانب. وقد أشرنا في ترجمته إلى حصوله على إجازات مشاهير عصره، وذكرنا أن هذا يدل على مكانة أسرته المرموقة. وقد ذكرنا أسماء عدد من شيوخه وبينا طريق التحمل عن كل شيخ. ويقف من بين هؤلاء الشيوخ من اشتهر بالإسناد العالي كالقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٣٩هـ وزينب نبت أحمد المقدسية (ت ٧٤٠هـ) ومحمد بن أحمد بن تمام الصالحي (ت ٧٤١هـ) وصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (ت ٧٣٩هـ) .
وقد أعقب هذا الطلب المبكر رحلة حافلة بلقاء الشيوخ، ساعده على ذلك نشاط والده الذي حمله ولما يتجاوز الثامنة من عمره فطاف به حواضر العلم كدمشق، وبيت المقدس، ونابلس، والقاهرة، ومكة، واستطاع أن يبلغ به مرتبة الشيوخ وهو في مقتبل الشباب، فكان مرجعا في العلم قبل وفاة شيخه محمد بن إسماعيل بن الخباز (المتوفى سنة ٧٥٧هـ) . ولقد ذكر هذا ابن فهد المكي في ترجمة الحافظ زين الدين العراقي فقال: قرأ صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل ابن الخباز في ستة مجالس، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو معارض بنسخته.
[ ٢٧٣ ]
فيكون ابن رجب قد بلغ مرتبة علمية مرموقة، وهو دون العشرين، وتتقدم هذه المرتبة كلما تقدم به الزمن حتى استحق أن يوصف على لسان ابن حجي بقوله: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، ويقول أيضا عنه: ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالا، وعللا، وطرقا، واطلاع على معانيه.
وفيما يلي عرض لجهوده في الحديث رواية ودراية. ***
المبحث الأول الرواية عند ابن رجب
ونعني بالرواية العلم بأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وروايتها وضبطها، وتحرير ألفاظها، كل ذلك بالإسناد. فعلم الحديث رواية يشمل حفظ المتون، والأسانيد، ولقد كان لعلم الحديث رواية مكانة كبيرة حتى دونت الكتب المشهورة، فأصبح الناس يعتمدون على كتب السنة. ولكن هذا لم يلغ علم الرواية. إذ بقيت الكتب نفسها تروى بالأسانيد إلى أصحابها، وتحرر ألفاظها بواسطة الرواية، يضاف إلى ذلك أن قسما من طرق الحديث بقي خارج الكتب المدونة، وظل يروى مشافهة أو في أجزاء غير مشهورة شهرة الكتاب المعتمدة، ويضاف إلى كل هذا أن الإسناد خصيصة الأمة الإسلامية فحافظ العلماء عليه، وفيه دلالات حاسمة على اللقاء والسماع والتلمذة والرحلة وما شابه ذلك.
ولابن رجب رواياته وأسانيده، وقد سبق في مبحث رحلة ابن رجب الإشارة إلى الاستدلال بالرواية على رحلته وتنقله بين حواضر العلم، ومجالس العلماء.
وروايات ابن رجب هذه مدونة في كتابه "الذيل على طبقات الحنابلة" وغالبا ما يذكر ترجمة الشيخ ثم يذكر حديثا أو أكثر، يصله ابن رجب بإسناده إلى الرجل صاحب الترجمة.
[ ٢٧٤ ]
وهذه الروايات تمتاز بعلو الإسناد بالنسبة للعصر والأقران، فالحافظ زين الدين العراقي أشهر أقران ابن رجب، وهو إمام مشهود له في إمامته وعلمه وقد ولد قبل ابن رجب بعشر سنين، ولكن أعلى شيخ عنده هو محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي (٦٦٤ - ٧٥٤هـ)، والميدومي شيخ ابن رجب كذلك. ولكن ابن رجب روى عن طبقة متقدمة كزينب بن أحمد بن عبد الرحيم المقدسية (٦٤٦ - ٧٤٠هـ) ومحمد بن أحمد بن تمام الصالحي (٦٥١ - ٧٤١هـ) وعلي بن عبد العزيز البغدادي (٦٠٦ - ٧٤٢هـ) فيكون ابن رجب بذلك أعلى إسنادا
[ ٢٧٦ ]
المبحث الثاني دراية ابن رجب في الحديث
ونعني بالدراية: "معرفة حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات، وما يتعلق بها".
فكل ما عدا نقل الحديث بسنده ومتنه يدخل في الدراية: كالجرح والتعديل، والجمع بين المتعارض والشرح والبيان والاستنباط.
ولابن رجب جهوده الجليلة في هذا الجانب، وقد طوت يد الحدثان الكثير من مصنفات هذا الرجل. وما بقي من آثاره شاهد على فهم دقيق، وقدره على الاستقصاء والبحث. وسندرس جانب الدراية عنده في أربعة مطالب هي:
١ - شرح الترمذي بما فيه شرح علل الترمذي.
٢ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
٣ - جامع العلوم والحكم.
٤ - رسائل حديثية، تشرح كل واحدة منها حديثا أو أكثر.
المطلب الأول شرح الترمذي لابن رجب
ذكرت المراجع التي ترجمت لابن رجب أنه صنف شرحا للترمذي أتمه في
[ ٢٧٧ ]
عشرين مجلدا. وفي ذلك يقول ابن حجر في إنبائه عنه: صنف وشرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرين مجلدة.
وقد سبق ابن رجب في شرح هذا الكتاب أبو بكر محمد بن العربي المعافري (ت ٥٤٣هـ) في كتاب سماه "عارضة الأحوذي"، وشرحه كذلك البغوي المتوفى سنة ٥١٠هـ. أما أبو الفتوح محمد بن محمد بن سيد الناس (ت ٧٣٤هـ) فقد شرح منه جزءا، ثم جاء زين الدين عبد الرحيم العراقي فأتم ما شرع فيه ابن سيد الناس، ويبدو لي أن ابن رجب شرع في شرح الترمذي قبل أن يبدأ العراقي في شرح هذا الكتاب، إذ وفاة ابن رجب متقدمة على وفاة العراقي بإحدى عشرة سنة. وشرح ابن رجب شرح كامل للترمذي من أوله إلى آخره بينما نجد شرح العراقي تكملة لما بدأ به ابن سيد الناس، وهذه التكملة لم تنته كما صرح بذلك ابن فهد والسخاوي وابن حجر، ونص ابن فهد على أن هذا الشرح يبدأ من "باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" إلى قوله في أثناء كتاب البر والصلة "باب ما جاء في الستر على المسلمين" وفي ذلك يقول السخاوي: أكمل شرح الترمذي لابن سيد الناس فكتب منه تسع مجلدات.
ومما يؤكد أن ابن رجب سبق العراقي في هذا ما ذكره السخاوي في ترجمة علاء الدين علي بن محمد بن علي الطرسوسي المزي فقال: كان يعيش حتى سنة ٨٥٠هـ وحضر على ابن رجب، وقال أنه سمعه يقول: أرسل إلي الزين العراقي يستعين بي في شرح الترمذي.
البحث عن الكتاب:
ولقد حاولت جاهدا العثور على شرح الترمذي لابن رجب فلم أجد منه إلا قطعة من كتاب اللباس لا تزيد على عشر ورقات، وذلك علاوة على شرح
[ ٢٧٨ ]
العلل الذي هو الجزء الأخير من جامع الترمذي، وبعد بحث طويل عن هذا الكتاب رجعت إلى قول صاحب كشف الظنون الذي يقول: شرح الترمذي في عشرين مجلدا إلا أنه احترق في الفتنة. ويؤكد هذا أن القطعة الباقية حملت في الورقة الأولى منها عبارة: (ملك يوسف بن عبد الهادي وهي بخط ابن رجب نفسه)، فلو كان عند يوسف بن عبد الهادي جميع هذا الكتاب لما وجدنا ذكر الملكية والاسم على أول هذه الصفحات.
منهج ابن رجب في شرح الترمذي:
ولقد وجدت من خلال استعراض هذه القطعة الباقية من شرح الترمذي أن منهج ابن رجب يتلخص بما يلي:
١ - يذكر ابن رجب الباب كما هو عند الترمذي.
٢ - ثم يخرج أحاديث الباب من كل الطرق والكتب.
٣ - يتكلم على هذه الطرق جرحا وتعديلا، ويكشف عما فيها من مسائل مشكلة، كرفع الإبهام في الأسماء، ويتكلم عن العلل.
٤ - يفصل ما أجمله الترمذي بقوله: وفي الباب عن علي، وابن عمر وأبي هريرة، ومعاوية، ويذكر حديث كل واحد من هؤلاء، ويفصل الطرق ويذكر ما فيها من علل أو جرح.
٥ - يضيف إلى ما ذكره الترمذي بقوله: وفي الباب عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، فيقول: وفي الباب - أيضا - ما لم يذكره الترمذي عن عمر، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، وبريدة، وأبي ثعلبة الحشني، وابن مسعود، وابن عباس، ورجل من الصحابة.
٦ - يفصل ابن رجب هذه الاستدراكات التي استدرك بها على الترمذي فيقول: وأما حديث عمر: فمن طريق حماد بن سلمة (أنا) عمار بن
[ ٢٧٩ ]
أبي عمار أن عمر بن الخطاب قال.. وهكذا يفعل بكل صحابي ذكر أن له شيئا في هذا الصدد. ويتكلم على ما في هذه الروايات من علل أو جرح.
٧ - ثم يختم كلامه بذكر أقوال الفقهاء، ويفصل في فقه الحديث.
٨ - هذا المنهج يستخدمه ابن رجب في كشف مصطلحات الترمذي عندما يقول: حديث حسن أو حسن صحيح، أو غريب، وذلك لاطلاعه الواسع على طرق الحديث ورواياته.
وسنبحث فيما يلي نصا من شرح الترمذي لابن رجب يظهر فيه منهجه وأسلوبه.
باب ما جاء في كراهة خاتم الذهب
حدثنا سلمة بن شبيب، والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: (ثنا) عبد الرزاق (أنا) معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر.
هذا حديث حسن صحيح.
حدثنا يوسف بن حماد المعني البصري، (ثنا) عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح، (ثنا) حفص الليثي، قال: أشهد على عمران بن حصين أنه حدث، قال: نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب.
وفي الباب عن علي وابن عمر، وأبي هريرة ومعاوية.
حديث عمران حديث حسن صحيح، وأبو التياح اسمه يزيد بن حميد.
"الشرح":
أما حديث علي الذي خرجه الترمذي وصححه فخرجه مسلم عن عبد بن
[ ٢٨٠ ]
حميد عن عبد الرزاق، كما خرجه الترمذي. وقد سبق ذكر الاختلاف في إسناده في باب لبس المعصفر بما فيه كفاية.
وأما حديث عمران بن حصين الذي خرجه الترمذي وصححه أيضا فخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه، وقد سبق الحديث بتمامه وذكر الاختلاف في أسانيده في باب لبس الحرير والذهب للرجال.
وأبو التياح ذكر الترمذي أن اسمه يزيد بن حميد، وهو الضبعي البصري، ثقة، جليل، متفق عليه.
وأما حديث علي الذي أشار إليه الترمذي بقوله: وفي الباب عن علي فأراد بذلك بقية طرق حديث علي غير الطريق التي خرجه منها: فمن ذلك رواية شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وعن القسي وعن المثيرة الحمراء.
وخرجه ابن ماجه من طريق أبي الأحوص، ولفظه: "وعن المثيرة الحمراء" وفي بعض ألفاظه: "وعن المثيرة" فقط. وهذا خرجه الترمذي في الأدب من جامعة هذا، وقال: حسن صحيح.
وخرجه النسائي من طريق أبي الأحوص وزكريا، وزهير، كلهم عن أبي إسحاق، قال النسائي: وخالفهم عمار بن زريق، رواه عن أبي إسحاق، عن صعصعة بن صوحان، عن علي، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن حلية الذهب، وخرجه بإسناده وقال: الذي قبله أشبه بالصواب.
وقال الدارقطني: هو غريب من حديث أبي إسحاق.
طريق آخر:
روى مروان بن معاوية وعبد الواحد، كلاهما. عن مالك بن عمير قال: جاء صعصعة بن صوحان إلى علي فقال: أنهنا عما نهاك عنه رسول الله ﷺ قال:
نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب، ولبس الحرير والقسي والمثيرة الحمراء.
[ ٢٨١ ]
أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عميرة عن صعصعة بن صوحان، قال: قلت لعلي، فذكره، وقال: حديث مروان وعبد الواحد أولى بالصواب من حديث إسرائيل.
وقال الدارقطني: رواه محمد بن فضيل عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عمير، سمعت صعصعة عن علي، وخالفه عباد بن العوام ومروان بن معاوية فروياه عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عمير عن علي.
وكذلك رواه عمار بن زريق، عن مالك بن عمير، قال: كنت جالسا عند علي فجاء صعصعة بن صوحان.
طريق آخر:
روى أسعد بن علي بن سليمان، عن عبيدة، عن علي، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن القسي والحرير، وخاتم الذهب، وأن أقرأ راكعا، خرجه النسائي، وقال: خالفه هشام فلم يرفعه. ثم خرجه من طريق عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، قال: نهى عن مياثر الأرجوان ولبس القسي وخاتم الذهب.
أخرجه من طريق أيوب عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: نهى عن المياثر الأرجوان وخواتيم الذهب. وخرجه أبو داود من طريق هشام.
وخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن أبان عن عمران بن خالد الراعي، عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي، قال محمد: أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ فذكره بمعناه، وزاد:
قال له: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين. فقال: أو ما سمعت بهذا؟ قال: نعم، ونهى عن القميص المكفف بالديباج.
طريق آخر:
روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: لا تختم الذهب". وقد سبق الكلام إسناده في باب لبس القميص.
[ ٢٨٢ ]
طريق آخر:
روى جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الله بن نجي، عن علي، قال: نهاني رسول الله ﷺ عن لبس خاتم الذهب وعن لبس الحرير والقسي وعن ركوب المياثر وعن السرج الفضية. خرجه الإسماعيلي. وفي رواية له: ومياثر الحمر.
طريق آخر:
روى علي بن المديني في كتاب العلل من رواية أبي بكرن حدثنا يحيى بن حماد (نا) أبو عوانة، عن عطاء بن السائب عن أبي جهضم موسى بن سالم، إن أبا جعفر أخبرهم عن أبيه أنه أخبره عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ نهاه عن ثلاث، قال: لا أدري أخاصة، أم عامة للمسلمين؟ نهاني أن أتختم بالذهب، ونهاني أن ألبس القسي ونهاني أن أقرأ راكعا.
وروى عمران بن عبيد عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي، قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم بالذهب وأن أقرأ وأنا راكع، فلا أدري لي خاصة أو عامة؟ خرجه إسماعيل، وعمران فيه ضعف وقد خالف أبو عوانة.
طريق آخر:
روى محمد بن سيرين، عن ربيعة، عن رافع بن سلمة، سمعت عليا يقول: نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم بالذهب أو ألبس قسية أو أفترش ميثرة حمراء.
طريق آخر:
روى حجاج بن أرطأة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن زيد عن علي، قال: نهينا عن خاتم الذهب والقسي والميثرة.
وثعلبة بن يزيد قال البخاري: فيه نظر.
[ ٢٨٣ ]
هذه طريقة ابن رجب في تفصيل قول الترمذي "وفي الباب عن علي". ويستمر في تفصيل ما كان عن ابن عمر ذاكرا طرق الحديث إليه، مع الكلام على هذه الطرق كما فعل بطرق الحديث إلى علي، وهكذا يفعل في كل قول للترمذي "وفي الباب فلان".
ويواصل ابن رجب شرح الحديث يذكر استدراكات على الترمذي وهي أبواب عن صحابة آخرين فيقول:
وفي الباب أيضا مما لم يذكره الترمذي عن عمر وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، وبريدة، وأبي ثعلبة الخشني، وابن مسعود، وابن عباس البراء بن عازب، وعائشة، ورجل من الصحابة.
ثم يفصل هذا الاستدراك المجمل فيقول:
أما حديث عمر فمن طريق حماد بن سلمة (أنا) عمار بن أبي عمار أن عمر بن الخطاب، قال: إن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل خاتما من ذهب، فقال: الق هذا. فتختم بخاتم من حديث، فقال: "وأشر منه" فتختم بخاتم من فضة، فسكت عنه، خرجه الإمام أحمد، وهو منقطع - والله أعلم - بين عمار وعمر، وقد رواه منصور بن سفيان الحراني عن ابن عباس، عن عمر، عن النبي ﷺ فوصله.
ومنصور بن سفيان، قال العقيلي في حديثه وهم، وأشار إلى أن المنقطع أصح.
وقد روي هذا المعنى عن عمر من وجوه كثيرة موقوفا عليه غير مرفوع، وهو أشبه.
وهكذا فإن ابن رجب يواصل تفصيل ما أجمل عندما قال: وفي الباب أيضا مما لم يذكره الترمذي، ويذكر تخريج الطرق على منوال ما فعل بطريق عمر - رضي الله عن هـ - السابقة. ويعلق على كل طريق تصحيحا وتضعيفا.
وبعد هذا التخريج الوافي وجمع غير المذكور إلى المذكور يشرع ابن رجب في الكلام على الفقه فيقول:
[ ٢٨٤ ]
وقد اختلف العلماء في لبس الخاتم من فضة، فذهب أكثر أهل العلم إلى إباحته.
قال أحمد: ليس به بأس، ومن أصحابنا من قال: إن كان يقصد التزين فقط فتركه أولى، ومنهم من قال بكراهته حينئذ.
وقال طائفة مستحب لبسه، وهو وجه لأصحابنا أيضا، ذكر مالك عن صدقه بن يسار قال: سألت سعيد بن المسيب عن الخاتم، قال: ألبسه.
هذا نموذج من شرح الترمذي لابن رجب يدل على مكانة الرجل في الحديث والتخريج والعلل وعلم الرجال خاصة. وفي هذا الكتاب خدمة جليلة لجامع الترمذي تبرز قيمة كتاب الترمذي ككتاب معلل.
وأما شرح علل الترمذي وإن كان تابعا لشرح الترمذي إلا أنه تظهر عليه الوحدة الموضوعية إذ هو في علوم الحديث وليس شرحا للحديث. ولهذا أفرده بالذكر أكثر من ترجم لابن رجب.
المطلب الثاني شرح البخاري المسمى "فتح الباري" لابن رجب
ذكرت المراجع التي ترجمت لابن رجب أنه شرع في شرح البخاري سماه "فتح الباري" قال صاحب الدارس في تاريخ المدارس: وشرع في شرح للبخاري سماه فتح الباري في شرح البخاري ونقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين. وقال ابن فهد المكي: له شرح على صحيح البخاري لم يكمل، وصل فيه إلى كتاب الجنائز.
[ ٢٨٥ ]
نسخ الكتاب:
توجد في دور المخطوطات نسختان من هذا الكتاب.
النسخة الأولى: في دار الكتب المصرية تحت رقم ٣٨٩ حديث تيمور، وتبدأ من أول كتاب الصلاة، وتنتهي بكتاب الكسوف، وفيها خروم من البداية.
النسخة الثانية: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق وهي في مجلدين:
الأول - تحت رقم: الكواكب الدراري ٣٧٧ (ق ٥٠ - ٢٥٠) ويبدأ من كتاب الصلاة وينتهي بباب السمر في الفقه والخير بعد العشاء.
الثاني - من حيث انتهى الأول إلى باب الإشارة في الصلاة، وهو تحت رقم الكواكب الدراري ٥٧٤ (ق ١ - ٢٦٨) .
منهج ابن رجب في كتابه فتح الباري:
يمتاز جامع البخاري الصحيح على غيره من كتب الحديث بطريقته الفقهية ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه أن يكون على دراية واسعة بالحديث والفقه. وهذا ما عرف به ابن رجب من خلال شرح الترمذي من جهة وكتاب القواعد الفقهية من جهة أخرى، وكل منهما في بابه يدل على اكتمال شخصية الرجل العلمية وأهليته لأن يتصدى لمثل البخاري بالشرح، فشرع في هذا الشرح قبيل وفاته بقليل إلا أن المنية اخترمته قبل إتمامه على نفس النهج لكان لابن رجب شأن آخر بين العلماء.
ولقد حاولت استقراء منهج ابن رجب فظهر لي أن منهجه يتلخص بما يلي:
١ - يذكر ترجمة الباب، ثم يعقب عليها بتعليق ضاف، يتناول ما في الترجمة من القضايا الفقهية، ويذكر آراء العلماء فيها، وكأنه بهذا التعليق يمهد للحديث، بمدخل مناسب، ويلاحظ طول هذا المدخل في النموذجين التاليين بعد هذا المبحث.
٢ - يأتي بعد هذا المدخل ذكر الحديث بإسناده ومتنه كما هو في البخاري.
[ ٢٨٦ ]
٣ - يخرج حديث الباب تخريجا واسعا، في الغالب، يستقصي الحديث من جميع رواياته وطرقه، وكثيرا ما يذكرنا هذا التخريج بصنيعه في شرح الترمذي، وإلى جانب التخريج يتكلم عن القضايا الحديثية في الحديث وطرقه، كرفع توهم الانقطاع وإثبات التصريح بالسماع إذا كان الراوي مدلسا، كما يتكلم في الرجال تعديلا وجرحا.
٤ - يتناول فقه الحديث ويفصل قضاياه، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم ويناقش، يرجح، كل ذلك باستيعاب وإطالة غير مخلين، فيجد الباحث نفسه، وهو يستعرض هذه المسائل، مستغرقا مع كتاب موسوعي في الفقه المقارن. وفي النموذج الأول الذي ألحقناه بهذا المبحث مثال على هذا المنهج، فقد تناول قضاء الصلاة الفائتة عمدا بما يزيد على ست لوحات مخطوطة. ويمتاز منهجه هذا بالأدب الجم، والحرص على نسبة كل قول إلى قائلة، والإفاضة في ذكر أدلة كل قول. وهو وإن كان يركز على المذهب الحنبلي، إلا أنه قد يعدل عن هذا المذهب إلى غيره تبعا للدليل القوي.
ولقد عبر صاحب الدارس في تاريخ المدارس عن شمول هذا الكتاب على آراء الكثيرين من الفقهاء بقوله: "ونقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين".
وإذا كان الدليل حديثا فإنه يتناول طرقه بنفس الاستقصاء الذي أشرنا إليه سابقا، ويضاف إلى ذلك بحث مستفيض في التعديل والتجريح والتصحيح والتضعيف وذكر العلل، ويعتمد في ذلك على كتاب "علل الدارقطني" إلى جانب مجموعة كبيرة من مصادر علوم الحديث الأصلية.
مقارنة بين كتاب ابن رجب وكتاب ابن حجر:
صنف ابن رجب "فتح الباري بشرح البخاري" وصنف ابن حجر كتابا في نفس الموضوع والعنوان، ومما لا ريب فيه أن ابن رجب هو من طبقة شيوخ ابن حجر، ومن المؤكد أن كتابه متقدم على كتاب ابن حجر.
[ ٢٨٧ ]
وكنت أتوقع أن يكون ابن حجر قد اعتمد على شرح ابن رجب، وبحثت في كتابي ابن حجر المعجم والمفهرس، والمجمع المؤسس، وهما كتابان ذكر في أحدهما شيوخه وفي الآخر الكتب التي وصلت إليه، فلم أجد ذكرا لابن رجب ولا لكتابه فتح الباري.
ولجأت إلى كتاب ابن حجر "فتح الباري" أبحث فيه عن استمداد مصنفه من ابن رجب فلم أجد ابن حجر يشير إلى شيء من ذلك، ولم أجد ذكرا لكتاب ابن رجب بالرغم من أن كثيرا من المسائل تعرض لها ابن حجر بكلام قريب جدا من كلام ابن رجب، إلا أن حجر يوجز ويختصر بالنسبة لكتاب ابن رجب.
ومن الفروق الرئيسية فيهما بالإضافة إلى ما ذكرت من الاختصار والتطويل:
١ - أن ابن حجر يذكر الترجمة مع أحاديث الباب، ثم يبدأ بالشرح، بينما رأينا ابن رجب يذكر الترجمة ثم يعقب عليها بكلام يطول أحيانا ثم يأتي بحديث الباب.
٢ - التخريج عند ابن حجر مادة فرعية يأتي بها عرضا وعند ابن رجب مادة أساسية يطيل فيها غالبا.
٣ - بينما يوجز ابن حجر في عرض الآراء الفقهية ويبرز رأي الشافعية غالبا، فإننا نجد ابن رجب المقابل يفصل الآراء الفقهية ويبرز رأي الحنابلة غالبا.
٤ - يحمل ابن حجر الأحكام المستمدة من الحديث في مكان واحد وغالبا ما يكون آخر الحديث بينما نجد ابن رجب ينثر هذه الأحكام في الباب كله.
وفيما يلي باب من أبواب فتح الباري لابن رجب، وما يماثله عند ابن حجر.
[ ٢٨٨ ]
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة، لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. يدخل تحت تبويب البخاري - ﵀ - ههنا مسألتان:
إحداهما: أن من نسي صلاة ثم ذكرها فإنه يعيدها مرة واحدة، ولا يعيدها مرة ثانية، وهذا قول جمهور أهل العلم، وروي عن سمرة بن جندب أنه يعيدها إذا ذكرها ثم يعيدها من الغد لوقتها، وقد سبق عنه في النوم كذلك. وروي مرفوعا فخرج أبو داود من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ التي نام عليها: إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حيث ذكرها، ومن الغد للوقت، وخرج الإمام أحمد من طريق حماد عن كثير بن حرب قال: سمعت سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت.
وخرجه أيضا من طريق همام عن كثير عن سمرة، قال: أحسبه مرفوعا، فذكره.
قال أحمد، في رواية أبي طالب: هو موقوف، إن رفعه وهم، وكثير ابن حرب ضعفه غير واحد.
وخرجه البزار في مسنده من طريق أولاده سمرة به: أن النبي ﷺ كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة، أو نسيها، حتى يذهب حينها الذي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.
المسألة الثانية: إذا نسي صلاة ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها، وها هو معنى ما حكاه النخعي،
[ ٢٨٩ ]
وهذا يبنى على أصل، وهو أن ترتيب القضاء هل هو واجب أم لا، وفيه اختلاف، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله - ومذهب الشافعي أنه مستحب غير واجب، وحكى رواية عن أحمد، وجزم بها بعض الأصحاب. ومذهب أبي حنيفة ومالك، وأحمد - في المشهور عنه - أنه واجب، ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة ومالك يجب الترتيب فيما دون ست صلوات، ولا يجب في ست صلوات فصاعدا، قال أحمد: يجب بكل حال. وحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، فمن قال إنه غير واجب قال: يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء، ولا بين الفائت والحاضر، ومن قال إنه واجب فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة، أم لا يسقط بالنسيان؟ فيه قولان: أن يسقط بالنسيان فهو قول النخعي كما ذكره البخاري عنه، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق. والثاني: لا يسقط بالنسيان فيعيد الفائت وما صلى بعدها وحكى رواية عن أحمد حكاها بعض المتأخرين عنه والله أعلم بصحتها عنه. وأما مالك فعنده إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعدا أعادهما، وإن بقي دون ذلك وكان الوقت قد ذهب بالكلية أجزأه، وأما إن صلى الحاضرة وعليه فائتة وهو ذاكر لها: فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة، ومن لم يوجب الترتيب لم يوجب سوى قضاء الفائتة، ويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري، ولكن روي عنه صريحا خلافه: فروى مغيرة عن إبراهيم، قال: إذا ترك صلاة متعمدا أعادها وعاد كل صلاة صلاها بعدها.
فيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولا على حال النسيان، أو يكون عن النخعي روايتان، وكان الإمام أحمد ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط وإلا فإيجاب سنين عديدة ببقاء صلاة واحدة
[ ٢٩٠ ]
فائية في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي والذي صح عن ابن عمر في ذلك إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لها فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك. ولهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل، ولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها ولى خاصة فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم تأباه قواعد الحنيفية السمحة، وقد أخبرني بعض أعيان العلماء أنه رأى النبي ﷺ وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد فيه هذه المسائل أيهما أرجح، قال: ففهمت منه ﷺ أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي - ﵀ - ومما يدل على صحة ذلك حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم، فهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها.
قال البخاري - ﵀ - ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا همام، عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ، قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذلك "وأقم الصلاة لذكري"، قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد (وأقم الصلاة لذكري)، وقال حبان: ثنا همام، ثنا قتادة، ثنا أنس عن النبي ﷺ نحوه.
هذا الحديث قد رواه جماعة عن همام، وجماعة عن قتادة، وقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثنى كلهم عن قتادة، عن أنس، وليس في رواية أحد منهم التصريح بقول قتادة: (ثنا) أنس كما ذكر البخاري أن حبانا رواه عن همام وإنما احتاج إلى ذلك لما عرف من تدليس قتادة.
ولفظ رواية سعيد عن قتادة التي خرجها مسلم: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، ولفظ حديث المثنى عن قتادة عنده إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، وقد دل الحديث
[ ٢٩١ ]
على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ والناسي إذا ذكر وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، وذكر ابن عبد البر أن محمد بن (رسم) روى عن محمد بن الحسن أن النائم إذا فاتته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه إلحاقا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه الصلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر وأخذ الجمهور بعموم الحديث وقوله فليصل إذا ذكر استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور وهو قول أبي حنيفة ومالك، وأحمد يوجبه بكل حال، قلت الصلوات أو كثرت واستدلوا أيضا بقوله: لا كفارة لها إلا ذلك، وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل، والصلاة عندهم بخلاف ذلك، واستدلوا أيضا بتأخير النبي ﷺ الصلاة حتى خرج من الوادي وفيه نظر، فإن ذاك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة، وهو التباعد عن موضع تكره الصلاة فيه وقد روي عن سمرة بن جندب فيمن عليه صلوات فائتة أنه يصلي مع كل صلاة صلاة، وقد روي عنه مرفوعا خرجه البزار بإسناده ضعيف. ولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوات بغير عذر في جوب القضاء على الفور وجهان، وحمل الخطابي قوله لا كفارة لها إلا ذلك على وجهين:
أحدهما: أن المعنى: أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفرها غير قضائها.
والثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة، ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته.
وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا: من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها، خرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف، واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة، وحفص هذا قال عنه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال يحيى بن يحيى: كذاب، ولا يلتفت إلى ما تفرد به.
[ ٢٩٢ ]
وأما تلاوته قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري)، وقد رواه قتادة مرة فقال: للذكرى ومرة قال لذكري كما هي القراءة المتواترة، وكان الزهري - أيضا - يقرأها للذكرى وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور، لأن المعنى: أد الصلاة حين الذكرى والمعنى أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها، وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي وقال مجاهد: أقم الصلاة لذكري أي تذكرني قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه، ومعنى قوله: أقم الصلاة لذكري، أي لأجل ذكري بها، والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها كما في حديث عائشة المرفوع: إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله، خرجه الترمذي وأبو داود، فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئا من ذكر الله الواجب عليه سهوا فليعد إليه إذا ذكر، كما قال تعالى: واذكر ربك إذا نسيت فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر الله بعد نسيانه".
وأما ترك الصلاة متعمدا فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له، ومنهم من يحكيه إجماعا واستدل بعضهم بعموم قول النبي ﷺ اقضوا الله الذي له، فالله أحق بالقضاء. واستدل بعضهم بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان أمره بالقضاء، فغير المعذور أولى، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له، فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يمينا متعمدا فيها الكذب، لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا، وأيضا فإذا قيل إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم فلا دليل على إلزام العامد بالقضاء فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء كالنائم والناسي.
واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء بأن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان عمدا بالقضاء كما خرجه أبو داود، وهو حديث في إسناده مقال، تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه، وأيضا فيفرق بين من ترك
[ ٢٩٣ ]
الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما فالثاني عليه القضاء كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك لأن الحج فريضة العمر، فمذهب الظاهرية أو أكثرهم أنه لا قضاء على المتعمد.
وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي، وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدا، أنه لا يجزئه قضاؤهما، ذكره في عقيدته في آخر مسنده، ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين منهم الجوزجاني، وأبو محمد البربهاري وابن بطة. قال ابن بطة: اعلم أن للصلاة أوقاتا فمن قدمها على أختها فلا فرض له من عذر وغيره ومن أخرها عن وقتها مختارا من غير عذر فلا فرض له فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منها أنه ليس بفرض، يريد أنها تقع نفلا في الحالين، وقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئا إلا أن تكون لوقتها إلا أن تكون نسيانا، فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها فيجمع بين الصلاتين إن شاء. وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله فكيف يؤمر بفعل صلاة.
وروي عن طائفة من السلف منهم الحسن. وحكى الخلاف في ذلك إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي، فقال محمد بن نصر في كتاب الصلاة: إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه وجعل توبته وقضاءها رجوعا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية وأوجب عليه قضاءها، وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة ويرى عليه القضاء إذا تاب. وقال: أخبرني ابن أبي رزمة عن ابن المبارك أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياما ثم ندم، قال: يقضي ما ترك من الصلاة، قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول القياس على الأصل أن لا يقضي، وربما بني على الأصل ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن ههنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على
[ ٢٩٤ ]
غير أحكام الكفار. رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد فأخذ بالاحتياط فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا، وكان يكفره إذا تركها عمدا حتى يذهب وقتها.
قال إسحاق: وأكثر أهل العمل على إعادة الصلاة إذا ترك صلاة متعمدا فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك فاحتاط في القضاء. قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم إذا ارتد عن الإسلام ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء، كالباغي، وقاطع الطريق.
قلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن ترك الصلاة إذا حكمنا بكفره فإنه يكون مرتدا ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد هما روايتان عن أحمد. ومذهب الشافعي وغيره الوجوب. وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمدا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة أيضا، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثم قال محمد بن نصر: فأما المروي عن الحسن فإن إسحاق ثنا، قال ثنا النضر عن الأشعث، عن الحسن قال إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها، قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا، فلذلك لم ير عليه القضاء، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره، والمعنى الثاني: أنه لم يكن يكفره بتركها فإنه ذهب إلى أن الله ﷿ إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتي به بعد ذلكن فقد أتي به
[ ٢٩٥ ]
في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه. ولا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به، قال: وهذا قول مستنكر بالنظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه، قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا أنه لو لم يأت الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه من النظر قضاؤها أيضا، انتهى ما ذكره ملخصا.
وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمدا، فإنه إن كان كافرا بالترك متعمدا، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأن القضاء من له، بل ولا يدل عليه النظر، لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة كقاتل العمد وحالف اليمين الغموس، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن مع جلالته وفضله وسمع علمه وزهده وورعه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحا عن التابعين أيضا، فيه شيئا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمدا أنه لا يقبل منه صلاة، كما روي عن الصديق - رضي الله عن هـ - أنه قال لعمر في وصيته له: أن لله حقا بالليل ولا يقبله بالنهار. وفي حديث مرفوع: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: منهم الذي لا يأتي الصلاة إلا دبارا، يعني فوات الوقت. خرجه أبو داود وبان ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا، وفي إسناده ضعيف، ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل كصلاة السكران في مدة الأربعين، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط.
فإن قيل فقد قال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها، وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة المحافظة على مواقيتها، وإن تركها كفر، ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها، وقد أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف من
[ ٢٩٦ ]
يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة، وقد سئل عن الأمراء وقتالهم، قال: لا، ما صلوا، وكانت على هذا الوجه، فدل على إجزائها.
قيل السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم متعمد التأخير عن الوقت الحاضر، فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت أحيانا عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين، وهذه الصلاة كلها مجزئة، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالاتفاق، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: (فويل للمصلين ) الآية، فدخل المسجد فرأى قوما قد أخروا الصلاة لا يتمون ركوعا ولا سجودا فقال: الذين سألتموني عنهم هم هؤلاء، هذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي ﷺ صلاة المنافقين وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي ﷺ بالصلاة خلفهم نافلة، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار وكغيرهم عند طائفة من العلماء فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة، فإن التارك هو المؤخر عمدا إلى وقت مجمع على أنه غير جائز، كتأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل عمدا وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمدا، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة.
وفيما يلي شرح هذا الحديث من فتح الباري لابن حجر:
[ ٢٩٧ ]
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة.
حدثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (وأقم الصلاة لذكري) .
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: (وأقم الصلاة للذكرى) وقال حبان: حدثنا همام حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي ﷺ نحوه.
قوله: "باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة" قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشارع "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضا: "لا كفارة لها إلا ذلك"، فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها، وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى.
ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة" إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث قال: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها"، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضورها مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها" عند وقتها أي الصلاة التي تحضر لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج
[ ٢٩٨ ]
وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة: "من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها". قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا. قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.
ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل عدوا الحديث غلطا من راويه، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضا: "أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
قوله: (وقال إبراهيم) أي النخعي، وأثره هذا موصول عند الثوري في جامعه عن منصور وغيره عنه. قوله: "عن همام" هو ابن يحيى، والإسناد كله بصريون. قوله: "من نسي صلاة فليصل" كذا وقع في جميع الروايات بحذف المفعول، ورواه مسلم عن هداب بن خالد عن همام بلفظ "فليصلها" وهو أبين للمراد. وزاد مسلم أيضا من رواية سعيد عن قتادة "أو نام عنها" وله من رواية المثنى بن سعيد الضبعي عن قتادة نحوه وسيأتي لفظه، وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلن وقال من قال: يقضي العامد بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب فتكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناس - مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه - فالعامد أولى. وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نسي" لأن النسيان يطلق على الترك، سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم - نسوا الله فنسيهم) .
قال: ويقوي ذلك قوله: "لا كفارة لها" والنائم والناسي لا إثم عليه. قلت: وهو بحث ضعيف لأن الخبر بذكر النائم ثابت وقد قال فيه: "لا كفارة لها" والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد والقائل بأن العامد
[ ٢٩٩ ]
لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي، بل يقول إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالا من الناسي فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال إن إثم عليه مطلقا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت دينا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم.
قوله: "قال موسى" أي دون أبي نعيم "قال همام: سمعته" يعني قتادة "يقول بعد" أي في وقت آخر "للذكرى" يعني أن هماما سمعه من قتادة مرة بلفظ للذكرى" بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة، ووقع عند مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرأها كذلك، ومرة كان يقولها قتادة بلفظ "لذكري" بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة. وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي ﷺ وفي رواية مسلم عن هداب قال قتادة: "وأقم الصلاة لذكري" وفي روايته من طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله ﷺ: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (وأقم الصلاة لذكري) وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي ﷺ، واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊ وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ، واختلف في المراد بقوله: "لذكري"، فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل إذا ذكرتها لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى"، وقال النخعي: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعدما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرا لذكري، وقيل: المراد بقوله ذكري أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة وقال
[ ٣٠٠ ]
التوربشتي: الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى أقم الصلاة لذكرها، لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها.
قوله: "وقال حبان" هو بفتح أوله والموحدة وهو ابن هلال، وأراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس لتصريحه فيها بالتحديث، وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء عن حبان بن هلال وفيه أن هماما سمعه من قتادة مرتين كما في رواية موسى.
المطلب الثالث جامع العلوم والحكم
وهو من أشهر كتب ابن رجب في الحديث، وأكثرها تداولا، وهو شرح لخمسين حديثا من جوامع الكلم، كان الإمام أبو عمرو بن الصلاح قد اختار بعضها وأملاها في مجلس سماه "الأحاديث الكلية"، ثم إن الإمام النووي أوصلها إلى اثنين وأربعين حديثا، أضاف إليها ابن رجب ثمانية أحاديث فبلغت عدتها خمسين حديثا ثم شرحها وفصلها في هذا الكتاب.
أما منهجه في الكتاب: فقد حدد منهجه في مقدمة الكتاب بقوله: "واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية".
ويقول كذلك: قد علمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي ﷺ الجوامع، وما تضمنته من الآداب والحكم، والمعارف والأحكام، والشرائع".
ويقول كذلك: وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ (النووي) وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره نبهت على ذلك كله.
[ ٣٠١ ]
ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب ليس كتابا للوعظ، كما يظن، بل هو كتاب تناول أصول الحياة من الحديث فاشتمل على الحكم والأحكام وغرر الآداب والشرائع.
ففي الحديث الأول الذي هو "إنما الأعمال بالنيات" يتكلم عن النية وقيمتها في العمل، ويتوسع في الحديث عن النية في بعض الأعمال الشرعية كالطلاق مثلا.
وفي الحديث الثاني يتحدث عن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان وما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح.
وفي الحديث الثالث أركان الإسلام.
وفي الحديث الرابع عشر تحريم قتل النفس وما يتعلق بذلك من الأحكام.
وفي الثاني والثلاثين تحريم الضرر والضرار والكلام على ذلك.
وفي الثالث والثلاثين بيان أن المدعي تلزمه البينة واليمين تلزم المنكر، وتفصيل ذلك.
وفي التاسع الثلاثين أحكام الخطأ والنسيان.
وفي الرابع والأربعين ما حرم من النسب يحرم من الرضاع، وتفصيل أحكام الرضاع.
وفي السادس والأربعين تحريم شراب البتع.
هذه بعض أحاديث الأحكام التي احتوى عليها الكتاب مع التفصيل، وإفرادها بالشرح أمر مهم وضروري، حتى أحاديث الحكم والآداب فيها من التفصيلات ما يخرجها عن كونها للوعظ فقط.
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في الهند ومصر (١٣٤٦هـ - ١٣٨٢هـ)، وهو شرع الدكتور محمد الأحمدي أبو النور بتحقيقه ولم يتمه.
المطلب الرابع رسائل ابن رجب التي تضمنت شرح حديث واحد
وهذه المجموعة من الرسائل تشرح كل واحدة منها حديثا واحدا ومنها ما يطول فيصل إلى قريب المائة صفحة، ومنها ما يقصر فلا يتجاوز عشر ورقات.
وفيما يلي عرض لهذه المسائل:
١ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عن هـ - قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح حتى كدنا نترءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ فثوب بالصلاة وصلى، وتجوز في صلاته، فما سلم قال: كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي - ﷿ - في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب، قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب. قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري وتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات. والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك.
[ ٣٠٢ ]
وقال رسول الله ﷺ: إنها حق فادرسوها وتعلموها.
وقد تكلم الإمام ابن رجب على إسناده هذا الحديث، وفصل ما فيه من الأحكام والمعارف، وتقع هذه الرسالة في ست وتسعين صفحة من القطع المتوسط، وطبعت بمطبعة القاهرة، وقد طبعتها ذلك المطبعة المنيرية سنة ١٣٥٣هـ.
٢ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ بعثت بالسيف بين يدي الساعة.
وهي رسالة عني بنشرها محمد حامد الفقي، وطبعت بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٩، ضمن مجموعة رسائل "من دفائن الكنوز"، وتقع بين ص ٩٢ - ١١٦.
وفيها شرح ابن رجب حديث ابن عمر - رضي الله عن هما - عن النبي ﷺ: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
٣ - شرح حديث أبي الدرداء فيمن سلك طريقا يلتمس فيه علما.
وقد طبعت هذه الرسالة بمراجعة واهتمام الشيخ عبد الظاهر أبي السمح، بالمطبعة السلفية بمكة المكرمة، سنة ١٣٤٧هـ. وتقع في ستين صفحة.
٤ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى، مخطوطة في مكتبة فاتح باستانبول تحت رقم ٥٣١٨، ضمن مجموعة رسائل لابن رجب.
وهي شرح حديث: "الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار".
[ ٣٠٤ ]
٥ - شرح حديث أن أغبط أوليائي عندي، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول تحت رقم ٥٣١٨ وهي شرح لحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وهذا نصه:
"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نقر على إصبعيه فقال: عجلت منيته، قلت: بواكيه، قل تراثه".
أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه.
٦ - شرح حديث: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما"، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول رقم ٥٣١٨ وهو الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا، ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه".
والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوفه واعظ الله في قلب المسلم.
٧ - شرح حديث شداد بن أوس إذا كنز الناس الذهب والفضة فأكثروا أنتم من هؤلاء الكلمات: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك.
وهي رسالة مخطوطة بمكتبة الأوقاف ببغداد رقم ٢٥/٤٧٦٧ مجاميع.
٨ - شرح حديث يتبع الميت ثلاث. مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول برقم ٥٣١٨ وهو حديث أنس عن النبي ﷺ، قال:
[ ٣٠٥ ]
"يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
٩ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع، طبع بمطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر سنة ١٣٥٨هـ وهو حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"مثل المؤمن كخامة الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، والفاخر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء.
١٠ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة. طبعت بمكتبة المنار بمصر سنة ١٣٤٠هـ، والمنيرية سنة ١٣٥١هـ وهي رسالة في شرح حديث النبي ﷺ:
"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ".
١١ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول رقم ٥٣١٨ مجموع.
وهي شرح لحديث رواه أبو داود من طريق عائشة - رضي الله عن ها - أنها سرقت لها ملحفة فجعلت تدعو على من سرقها، فقال النبي ﷺ: لا تسبخي عليه.
١٢ - المحجة في سير الدلجة، وطبعت بمطبعة الترقي بمكة المكرمة سنة ١٣٤٧هـ،.
وفيما شرح ابن رجب أربعة أحاديث أولها: لن ينجي منكم أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.
١٣ - تحفة الأكياس في شرح وصية المصطفى لابن عباس طبع بمطبعة الإمام بمصر.
[ ٣٠٦ ]
١٤ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال، شرح لحديث أخرجه البخاري: قالت النساء للنبي ﷺ: غلبنا عليك الرجل مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول ٥٣١٨ مجموعة.
١٥ - ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، طبع بالمنيرية.
١٦ - صدقة السر وفضلها مخطوطة
[ ٣٠٧ ]
الخاتمة في نتائج البحث
وختاما لهذه الدراسة حول "شرح علل الترمذي" فإنني أقف لأسجل أهم النتائج والفوائد التي توصلت إليها:
أولا: أوقفتني هذه الدراسة على أحد الأئمة الأعلام الذي كان لهم في الحديث باع طويل وفي علم العلل خاصة، وترك الآثار الشاهدة على سعة علمه، وقد رأينا منها شرح الترمذي، وشرح البخاري المسمى بفتح الباري، ثم هذا لكتاب الذي شرفت بتحقيقه، ودراسته.
ثانيا: كشف هذه الدراسة عن مفهوم محدد للعلة في الحديث، واستطعت بفضل الله أن أوفق بين الاشتقاق اللغوي، والاشتقاق الاصطلاحي، دون اللجوء إلى التأويل البعيد أو الحمل التعسفي.. ووقع الاختيار على تعريف للعلة رجحته على غيره، ورأيت أنه ينسجم مع المنهج التطبيقي لهذا العلم، وهو قول الإمام زين الدين عبد الرحمن العراقي: والمعلل خبر ظاهره السلامة أطلع فيه بعد التفتيش على قادح. وقد بينت ما في التعاريف الأخرى من عدم المناسبة.
ثالثا: أبرزت هذه الدراسة أن ميدان علم العلل هو حديث الثقات، وكشف عن سعة هذا الميدان وأنه أكبر من ميدان الجرح والتعديل، وذلك لأن علم الجرح والتعديل يحكم على الشخص بوصف عام، كأن يقال: صدوق، ثقة، ضابط، لين الحديث، ضعيف، كذاب، وأما علم العلل فهو يتناول الثقة
[ ٣٠٩ ]
فيبحث في رواياته وينظر هل رواياته واحدة في كل الأماكن؟ وهل هي واحدة في كل الأزمان؟ وهل هي واحدة عن كل الشيوخ؟ ولا بد أن يجد الناقد أن الثقة يقوى في بلد ويضعف في أخرى، ويقوى في زمن ويضعف في زمن آخر، ويقوى في رجل ويضعف في آخر.
وهكذا فإن علم العلل يتابع الثقة في مختلف الأماكن ومختلف الأزمنة ومختلف الشيوخ الذين يروي عنهم، ومختلف الظروف التي تعتريه، من ضياع كتاب أو فقد عزيز أو فقدان البصر، ويتناوله من حيث ممارسته لحديث كل شيخ من شيوخه أو قلة ممارسته.
ومن هنا كان تتبع ثقة من الثقات في ضوء علم العلل يحتاج إلى جهود كبيرة، وقد ذكرت مصادر هذا العلم أن ابن المديني صنف علل ابن عيينة في ثلاثة عشر جزءا.
رابعا: ومن خلال دراسة شرح علل الترمذي استخلصت أسباب العلة في الحديث وأعدتها إلى ثمانية أسباب رئيسية، وأظن أن هذه الأسباب تجمل وتذكر مجتمعة لأول مرة إن شاء الله. وقد أبرزت السبب العام الذي هو الضعف البشري الذي لا يسلم معه أحد من الوهم مهما علت مرتبته وسمت مكانته. وفصلت موضوع الاختلاط، وتكلمت عن الأسباب العارضة. وعند كل سبب من هذه الأسباب كنت أسوق عددا من الأمثلة التطبيقية.
خامسا: في موضوع الكشف عن العلة بينت أن العلة لا تخضع معرفتها للفيوض الوجدانية، والكشوف، والتأملات الباطنية، وإنما تظهر العلة لممارس هذا العلم الذي حوى من المعارف ما يجعله قادرا على تتبع مسارب الإسناد ومساراته، والتقائه بغيره وافتراقه عنه.
وأما كلام عبد الرحمن بن مهدي أن معرفة العلة كالعرافة، فإنما هو محمول على كلام العالم بالعلة في مقابل الجاهل الذي لا يعرف شيئا عن هذا العلم.
ثم تكلمت عن وسائل الكشف عن العلل، وقد أوجزت في ذكر أهم
[ ٣١٠ ]
المعارف اللازمة لرجل العلل. وكل هذا استخلصته من الأمثلة الكثيرة المبثوثة في كتب العلل، وخاصة كتاب ابن رجب شرح علل الترمذي.
سادسا: وفي موضوع أنواع العلل: حاولت حصر أنواع علة الإسناد وأنواع علة المتن، وعرضت هذه الأنواع بعبارة سهلة مستعينا بالأمثلة التطبيقية المستمدة من كتب العلل المتنوعة.
سابعا: أظهر هذه الدراسة منهج ابن رجب في شرح علل الترميذي وكشف بالمقابل عن مناهج كتب العلل الأخرى فظهر لنا أن المناهج في تصنيف العلل ليست واحدة بل تنوعت إلى ستة مناهج، كان شرح العلل سابعها وأقربها إلى البناء النظري.
وأما في موضوع مصادر ابن رجب في العلل فقد عرضت الدراسة لستة من هذه المصادر وكشفت عن كتاب "علل الترمذي الكبير".
وثامنا: أما مباحث مصطلح الحديث التي ختمت بها الدراسة ففي موضوع المرسل ظهر لنا أن الإمام أحمد يوافق الشافعي في شروطه للعمل بالمرسل، وفي زيادة الثقة ظهر لنا أن الزيادة ليست مقبولة دائما إنما تكون مقبولة من المبرز في الحفظ.
وفي موضوع العنعنة خالفت رأي ابن رجب في رده على الإمام مسلم الذي يرى أن المعاصرة والبراءة من التدليس كافيان للحكم بالاتصال، وقد فصلت رأي ابن رجب وأدلته التي ساقها ليدلل على أن التفتيش عن السماع هو دأب العلماء وأنه لا يكفي مجرد اللقاء، وأن الوهم قد يدخل على الصيغ الصريحة، ولكنني لم أوافق ابن رجب فيما ذهب إليه وسقت عددا من الأدلة خلصت منها إلى أن رأي ابن رجب هذا لا ينصر البخاري كما أراد، لأن المعروف أن البخاري يشترط ثبوت اللقي لا ثبوت السماع.
وأما في موضوع زيادة الثقة فقد أبرزت الفوارق بين التقييد والإطلاق وبين زيادة الثقة، وأكدت رأي ابن رجب في رده على من جعل حديث "وتربتها طهورا" من قبيل زيادة الثقة، والصحيح أنه من باب تقييد المطلق.
[ ٣١١ ]
تاسعا: كشفت هذه الدراسة عن الأسس التي صنفت على أساسها كتب الحديث وأنها كتب معللة، روعي في اختيار أحاديثها سلامتها من العلة وخاصة كتاب البخاري وكتاب مسلم.
عاشرا: وكشفت هذه الدراسة أن عملية التصحيح والتضعيف، اعتمادا على ما كتب في الجرح والتعديل، هي عملية ذات شق واحد، ولا يمكن الحكم على الحديث صحة أو ضعفا بعيدا عن علم العلل، وحتى تتم هذه العملية متوازنة متناسقة سليمة، فإنه لا بد من إخراج كتب العلل وجمع شتات هذه العلم، وتبويب معارفه، وإعادة تصنيف الثقات على أساسه.
[ ٣١٢ ]