وصف لنسخ كتاب "شرح علل الترمذي المخطوطة
حصلت على ثلاث نسح خطية لكتاب "شرح علل الترمذي"، وفيما يلي وصف لهذه النسخ، مع إثبات نماذج مصورة عن أولها وآخرها:
١ - النسخة الأولى:
وهي نسخة أحمد الثالث - تركيا: ذات الرقم ٥٣٢ حديث. ويوجد عنها نسخة مصورة بالمكيروفيلم في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، ورقمها في المعهد ٢٤٨، وتبلغ عدة أوراق هذه النسخة ١٥١ ورقة.
وقد كتب على الورقة الأولى منها: "كتاب شرح علل الترمذي للإمام العلامة زين الدين بن رجب"، وهي بخط قاضي القضاة ابن اللحام بدمشق، وعليها خط المؤلف في مواضع كثيرة.
كما كتب عليها: "خمس عشرة كراسة وورقة واحدة". وفي الصفحة الأولى من هذه النسخة:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه توكلي:
قال شيخنا الإمام العلامة، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام أوحد العلماء، الأعلام أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين بن رجب البغدادي الحنبلي فسح الله في مدته وختم له بخير في عافيته بمنه وكرمه، في كتاب شرح الترمذي له: كتاب الترمذي.
أما آخر هذه النسخة فهو:
"ووجدت في آخر نسخة من نسخ كتاب الجامع للترمذي مما كتب باليمن
[ ٣١٣ ]
بثغر عدن ما هذا صورته: أنشدنا الفقيه الحافظ أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى التجيبي لنفسه في مدح أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي - رضي اله عنه -:
(كتاب الترمذي رياض علم حكت أزهار النجوم) "
إلى قوله، وهو آخر القصيدة وآخر الكتاب:
("من العلماء والفقهاء قدما وأهل الفضل والنهج القويم")
حالة هذه النسخة، كتبت بخط النسخ، وهي جيدة، ولا تخلو من خروم وخاصة في بعض الهوامش الداخلية في الأصل.
الناسخ:
أما ناسخها فهو الإمام علاء الدين بن اللحام قاضي قضاة دمشق وهو علي بن محمد بن علي بن عباس بن فتيان، البعلي، ثم الدمشقي الحنبلي، ويعرف بابن اللحام، وقد ترجمت له أثناء الكلام على تلاميذ ابن رجب، وذلك في صفحة ٢٦٤ من الدراسة.
وهذه النسخة قيمة للغاية لشهرة كاتبها، وهو أكبر تلاميذ ابن رجب، ولما حملت من تعليقات من ابن رجب نفسه، ولا شك أنها أقدم النسخ التي حصلت عليها ولهذا كله فقد اعتمدتها أصلا، ورمزت لها بالحرف (أ) .
٢ - النسخة الثانية:
وهي نسخة دار الكتب المصرية: ورمزنا لها بالرمز (د):
ورقم هذه النسخة بدار الكتب المصرية ٤٩ مصطلح، وقد كتبت هذه النسخة بخط النسخ وعدد أوراقها ١٣٥ ورقة، وبها خروم كثيرة جدا، أكبرها خرم في أولها، بمقدار أربع عشرة لوحة. وفيها تصحيف وسقط.
وقد بدأت هذه النسخ بقوله:
"يتهم في الحديث، فقال: لأن أقطع الطريق أحب غلي من أن أروي عنه وهذا المقطع يقابله السطر الثالث من الورقة ١٤/أمن نسخة أحمد الثالث".
[ ٣١٦ ]
الناسخ وتاريخ النسخ:
وقد كتب في نهاية هذه النسخة:
"وكان الفراغ من تعليقه يوم الأحد ثامن عشر ربيع الآخر من شهور سنة تسع وتسعين وثمانمائة، بمكة المكرمة، زادها الله شرفا وتعظيما، ومهابة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد بن أبي حامد بن حسن بن علي المالكي البكري، والخليلي، غفر الله تعالى له ولإخوانه، ولأحبابه، ولمشايخه، والجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين".
(وما كنت أهلا للذي قد كتبته وأني لفي خوف من الله نادم)
(ولكنني أرجو من الله عفوه وأني لأهل العلم لا شك خادم)
ولقد بحثت عن ترجمة هذا النسخ في وفيات المئة العاشرة فوجدت في كتاب الكواكب السائرة ترجمة قد تكون هي ترجمة هذا الشيخ وجاء فيها: "هو محمد البكري العالم الورع الزاهد الشيخ صدر الدين البكري، حج وزار النبي ﷺ وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة ٩١٨هـ".
٣ - النسخة الثالثة:
وهذه النسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق، ورمزنا لها بالحرف (ظ):
وهذه النسخ مماثلة لنسخة دار الكتب في الخروم الكثيرة وخاصة الخرم الذي في أولها وهو بنفس مقدار خرم النسخة المصرية. وتتشابه النسختان في كثيرة من مواضع الخروم مما يرجح أنهما منسوختان عن أصل واحد، وتحمل هذه النسخة رقم ٤٠٥ حديث وعدد أوراقها ١٠٢ ورقة وهي بخط النسخ.
"قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن عيسى قال، ترك ابن المبارك الحسن بن دينار".
وتنقص هذه البداية سطرا واحدا عن نسخة دار الكتب المصرية.
وأما آخر هذه النسخة فهو قوله:
"والحمد لله وحده صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبي الله ونعم الوكيل، وكتبه محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زريق".
[ ٣١٧ ]
التعريف بالناسخ:
وقد بحثت في التراجم عن ابن زريق فوقع لي شخصان أحدهما يعرف بزريق والثاني يعرف بابن زريق. أما الأول فهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ابن التقي سليمان بن حمزة المقدسي ثم الصالحي، ناصر الدين، قال ابن حجر: المعروف بزريق تصغير أزرق. وكانت وفاته سنة (٨٠٣) هـ.
وأما الثاني فهو ناصر الدين أبو عبد الله بن أبي كبر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المعروف بابن زريق، كذا ورد اسمه في ثبت سماعات كتاب المحدث الفاصل تحت عنوان: سمع محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، ابن زريق بقراءته على الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، (سبط ابن العجمي) وكان ذلك سنة ٨٣٧هـ بالمدرسة الشرقية بحلب، وجاء في السماع: "وكتبه محمد بن أبي بكر " وساق الاسم كاملا، ثم جاء ذكر سماع إبراهيم بن عبد الله المقدسي الذئابي على الشيخ ناصر الدين محمد بن أبي بكر ابن زريق في ربيع الآخر سنة (٨٨١هـ) ثم ورد سماع ابن طولون الحنفي على الشيخ ناصر الدين ابن زريق في ربيع الآخر سنة ٨٩٩هـ.
ونخلص إلى أن صاحبنا هو ابن زريق الصالحي الحنبلي الإمام العالم المحدث ولد سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ولي مدرسة جده أبي عمر ابن قدامة، ومات سنة تسعمائة
[ ٣١٨ ]
رموز واصطلاحات التحقيق
اعتمدت نص نسخة أحمد الثالث أصلا للكتاب، ورمزت لها بالحرف (أ)، وقابلت عليها النسختين الأخريين، ورمزت لنسخة دار الكتب المصرية بالحرف (د)، ولنسخة دار الكتب الظاهرية بالحرف (ظ) .
وضعت الفوارق بين النسخ ضمن قوسين () وأشرت في الحاشية إلى النسخة المختلفة عن نسخة الأصل زيادة أو نقصا.
ولما كان استعمال صيغ التحمل (ثنا، نا، وأنا) كثيرا فقد جعلتها بين () قوسين حتى لا يلتبس الأمر على القارئ.
أما العناوين فقد عنونت كثيرا من مباحث الكتاب وجعلت هذه العناوين بين " " للدلالة على أنه من وضع المحقق.
وجميع الأرقام التي في النص هي من وضع المحقق.
وفيما يلي بعض المختصرات والرموز المستعلمة في التحقيق:
- تهذيب أو التعذيب: هو تعذيب التهذيب لابن حجر.
- اللسان: إذا كان في التراجم فهو لسان الميزان للذهبي، وإذا كان في تفسير الغريب فهو لسان العرب لابن منظور.
- الميزان: هو ميزان الاعتدال للذهبي.
- المغني: هو كتاب المغني في الضعفاء للذهبي.
[ ٣١٩ ]
-؟: إشارة لانتهاء اللوحة من المخطوط.
- ت: لسنة الوفاة.
وكل السنين المستعملة هي بالتاريخ الهجري، وما كان بالميلادي فإنني أنبه عليه، وليسهل تقسم الكتاب وبيان منهجه جعلته في بابين، فأطلقت على القسم الأول: الباب الأول "شرع علل الترمذي"،
[ ٣٢٠ ]
"الباب الأول" "شرح علل الترمذي" لابن رجب الحنبلي"
[ ٣٢١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبع ثقتي وعليه توكلي
قال شيخنا الشيخ الإمام العالم "العلامة، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام، وأوحد العلماء الأعلام، أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين بن رجب البغدادي الحنبلي - فسح الله له مدته، وختم له بخير في عافيته، بمنه وكرمه - في كتاب "شرح الترمذي" له:
كتاب العلل
قال أبو عيسى - ﵀ -:
جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس - رضي الله عن هما -: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم".
[ ٣٢٣ ]
وحدث النبي ﷺ إنه قال:
"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقد بينا علة الحديثين جميعا في هذا الكتاب.
وكأن مراد الترمذي - رحمه الله تعالى - أحاديث الأحكام. وقد سبق الكلام على هذين الحديثين اللذين أشار إليهما ههنا في موضعهما في الكتاب.. وذكرنا مسالك العلماء فيهما من النسخ وغيره. وذكرنا أيضا عن بعضهم العمل بكل واحد من الحديثين.
وقوله: (قد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب)، فإنما بين ما قد يستدل به للنسخ، لا أنه بين ضعف وإسناد.
وقد روى الترمذي في كتاب الحج حديث جابر في التلبية عن النساء،
[ ٣٢٤ ]
ثم ذكر الإجماع على أنه لا يلبى عن النساء، فهذا ينبغي أن يكون حديثا ثالثا، مما لم يؤخذ به عند الترمذي.
وقد وردت أحاديث أخر قد ادعى بعضهم أنه لم يعمل بها أيضا. وقد ذكرنا غالبها في هذا الكتاب، فمنها ما خرجه الترمذي وأكثرها لم يخرجه:
فمنها حديث: "من غسل ميتا فليغسل ومن حمله فليتوضأ".
وقد قال الخطابي: لا أعلم أحدا من العلماء قال بوجوب ذلك. ولكن القائل باستحبابه يحمله على الندب، وذلك عمل به.
ومنها حديث أنه ﷺ: توضأ ثلاثا، وقال: "ومن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم".
[ ٣٢٥ ]
وقد ذكر مسلم الإجماع على خلافه.
ومنها حديث التيمم إلى المناكب والآباط.
ومنها حديث التيمم إلى نصف الذراعين.
ومنها حديث الأكل في الصيام بعد الفجر، قال الجوزجاني: هو حديث قد أعيا العلماء معرفته.
ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم.
ومنها حديث ابن أم مكتوم، وأن النبي ﷺ
[ ٣٢٦ ]
لم يرخص له في ترك الجماعة. مع ما ذكره من ضرره وعدم قائد والسيول. وقد ذكر بعضهم أنه لا يعلم أحدا أخذ بذلك.
ومنها أحاديث النهي عن كرى الأرض، وهي أحاديث صحيحة ثابتة.
ومنها أحاديث المسح على النعلين ذكره الطحاوي وغيره.
ومنها حديث أن في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه.
ومنها حديث توريث المولى من أسفل. وقد ذكرنا الكلام عليه.
[ ٣٢٧ ]
ومنها حديث الرضاع، أن لا يحرم إلا عشر رضعات.
ومنها حديث الطلاق الثلاث جمع.
ومنها حديث أسماء بن عميس في إحداد المتوفى عنها ثلاثة أيام.
ومنها حديث سلمة بن المحبق فيمن وقع على جارية امرأته.
ومنها حديث الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى. فجعل النبي ﷺ لها المهر، وقال: "الولد عبد" لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال باسترقاق ولد الزنا.
[ ٣٢٨ ]
ومنها أحاديث متعددة في الحج، مثل:
حديث النهي عن التمتع.
وحديث أن المعتمر إذا مسح الركن حل.
وحديث أن الوقوف بعرفة لا يفوت إلا بطلوع الشمس يوم النحر.
وحديث أن التحلل برمي الجمرة مشروط بطواف الإفاضة في بقية يوم
[ ٣٢٩ ]
النحر وقد حكى عن عروة القول به.
وحديث الاضطباع في السعي بين الصفا والمروة.
وقد ادعى بعضهم ترك العمل بأحاديث أخر وهو خطأ ظاهر:
كدعوى ابن قتيبة الإجماع على ترك العمل بأحاديث المسح على العمامة.
[ ٣٣٠ ]
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بأحاديث فسخ الحج إلى العمرة.
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بحديث: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع.
قال ابن المنذر: ما علمت أحدا قال بظاهره غير الشعبي.
وكحديث ابن عباس في دية المكاتب.
[ ٣٣١ ]
قال الخطابي: لم يذهب إليه أحد سوى النخعي، وقد روى في ذلك شيء عن علي.
وذكر الطحاوي الإجماع على ترك العمل بحديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان".
وعلى ترك العمل بحديث تحريق متاع الغال إلا عن مكحول.
والطحاوي من أكثر الناس دعوى لترك العمل بأحاديث كثيرة، وعامة هذه الأحاديث قد ذكرناها في مواضعها من هذا الكتاب، مع بسط الكلام عليها، فمن أراد الوقوف عليها فليتتبعها من مظانها من الكتاب.
وقد ذكر للثوري ما روي عن عمر قال: من لم يدرك الصلاة بجمع مع الإمام فلا حج له. فقال الثوري: قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها.
وسنذكر هذا المعنى مستوفى عند الكلام على الحديث الغريب - إن شاء الله تعالى -.
[ ٣٣٢ ]
"أسانيد أقوال الفقهاء عند الترمذي"
قال أبو عيسى الترمذي - ﵀ -: وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء فما كان فيه من قول سفيان الثوري، فأكثره ما حدثنا:
محمد بن عثمان الكوفي، ثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري.
ومنه ما حدثني مكتوم أبو الفضل بن العباس الترمذي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان..
وما كان فيه من قول مالك بن أنس.
[ ٣٣٣ ]
فأكثره ما حدثني به إسحق بن موسى الأنصاري، ثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس.
وما كان فيه من أبواب الصوم: فأخبرنا به أبو مصعب المدني، عن مالك بن أنس.
وبعض كلام مالك ما (أنا) به موسى بن حزام (أنا) عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس.
وما كان فيه من قول ابن المبارك:
فهو ما حدثنا به أحمد بن عبده الآملي عن أصحاب ابن المبارك.
ومنه ما روي عن أبي وهب، محمد بن مزاحم، عن ابن المبارك.
[ ٣٣٤ ]
ومنه ما روي عن علي بن الحسن بن شقيق عن عبد الله.
ومنه ما روي عن عبدان عن سفيان بن عبد الملك ابن المباكر.
ومنه ما روي عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك.
وله رجال مسمون سوى من ذكرنا عن عبد الله بن المبارك.
- وما كان فيه من قول الشافعي:
فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي.
وما كان من الوضوء والصلاة: (ثنا) به الوليد المكي عن الشافعي.
ومنه ما (ثنا) به أبو إسماعيل الترمذي (ثنا) يوسف بن يحيى القرشي
[ ٣٣٥ ]
البويطي، عن الشافعي.
وذكر منه أشياء عن الربيع، عن الشافعين وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا.
- وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فهو ما (أنا) به إسحاق بن منصور الكوسج، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور وأخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق.
وبعض كلام إسحاق بن إبراهيم (أنا) به محمد بن أفلح عن إسحاق،
[ ٣٣٦ ]
وقد بينا هذا على وجهه، في الكتاب الذي فيه الموقوف.
وأما ما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل. ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن. وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة.
ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ، ومعرفة الأسانيد، كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل - رحمه الله تعالى -.
اعلم أن أبا عيسى - ﵀ - ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين: كسفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذكر فيه كثيرا من العلل والتواريخ والتراجم ولم يذكر أسانيد أكثر ذلك، فذكر ههنا أسانيد مجملة، وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيد ذلك، حيث ذكر أن بعضه عن فلان، وبعضه عن فلان، ولم يبين ذلك البعض ولم يميزه.
[ ٣٣٧ ]
وقد ذكر أنه بين ذلك على وجهه في كتابه الذي فيه الموقوف، وكأنه - ﵀ - له كتاب مصنف اكبر من هذا، فيه الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة مذكورة كلها بالأسانيد، وهذا الكتاب وضعه للأحاديث المرفوعة، وإنما يذكر فيه قليلا من الموقوفات.
وأما التواريخ والعلل والأسماء ونحو ذلك:
فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري، وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله - رحمه الله تعالى - وهو جامع لذلك كله. ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان - رحمهما الله - صنفا على منواله كتابين:
أحدهما: كتاب الجرح والتعديل، وفيه ذكر الأسماء فقد، وزاد على ما ذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل. وفي كتابهما من ذلك شيء كثير لم يذكره البخاري.
والثاني: كتاب العلل، وأفردا فيه الكلام في العلل.
وقد ذكر الترمذي - ﵀ - أنه لم ير بخراسان ولا بالعراق في معنى علة العلوم كبير أحد أعلم بها من البخاري، مع أنه رأى أبا زرعة، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وذاكرهما، ولكن أكثر علمه في ذلك مستفاد من البخاري، وكلامه كالصريح في تفصيل البخاري في هذا العلم على أبي زرعة والدارمي وغيرهما.
[ ٣٣٨ ]
"كتاب العلل والرجال"
وقد صنف في هذا العلم كتب غير مرتبة كترتيب كتاب البخاري وأبي حام وأبي زرعة، منها ما هو منقول عن يحيى بن سعيد القطان.
- ومنها عن علي المديني وابن معين.
- ومنها عن أحمد بن حنبل - ﵀ -.
وقد رتب أبو بكر الخلال العلل المنقولة عن أحمد على أبواب الفقه وأفرادها فجاءت عدة مجلدات.
"أهمية علم العلل"
وقد ذكرنا فيما تقدم، في كتاب العلم، شرف علم العلل وعزته، وأن أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث، وقد قال أبو عبد الله بن مندة الحافظ إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث فأما سائر الناس من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة، أو متبع لكلام الحارث المحاسبي،
[ ٣٣٩ ]
والجنيد وذي النون، وأهل الخواطر، فليس لهن أن يتكلموا في شيء من علم الحديث، إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته، انتهى.
قال أبو عيسى الترمذي - ﵀ -.
وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء، وعلل الحديث، لأنا سئلنا عن ذلك فلم نفعله زمانا، ثم فعلنا لما رجونا فيه من منفعة الناس، لأنا وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه:
فمنهم:
هشام بن حسان،
وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح،
وسعيد بن أبي عروبة،
ومالك بن أنس،
وحماد بن سلمة،
وعبد الله بن المبارك،
ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة،
ووكيع بن الجراح،
وعبد الرحمن بن مهدي.
وغيرهم من أهل العلم والفضل صنفوا فجعل الله ﵎ في ذلك منفعة كبيرة فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله - تعالى - لما نفع الله المسلمين به، فهم القدوة فيما صنفوا.
[ ٣٤٠ ]
"كتاب الحديث والتصنيف فيه"
اعلم أن العلم المتلقى عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله كان الصحابة - رضي الله عن هم - في زمن نبيهم ﷺ يتداولونه بينهم حفظا له ورواية.
ومنهم من كان يكتب كما تقدم - في كتاب العلم - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - ثم بعد وفاة النبي ﷺ كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه وبعضهم لا يرخص في ذلك، ودرج التابعون أيضا على مثل هذا الاختلاف.
وقد ذكرنا كراهة كتاب الحديث والرخصة فيه، مستوفى في كتاب العلم من هذا الكتاب.
والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين تصنيفا مرتبا مبوبا، وإنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صنفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي ﷺ وبعضهم جمع كلام الصحابة.
قال عبد الرزاق: أول من صنف الكتب ابن جريح، وصنف الأوزاعي،
[ ٣٤١ ]
حين قدم على يحيى بن أبي كثير كبته، خرجه ابن عدي وغيره.
وانقسم الذين صنفوا في الكتب أقساما:
فمنهم من صنف كلام النبي ﷺ أو كلامه وكلام أصحابه على الأبواب، كما فعل مالك وابن المبارك وحماد بن سلمة وابن أبي ليلى ووكيع وبعد الرزاق ومن سلك مسلكهم في ذلك.
ومنهم من جمع الحديث إلى مسانيد الصحابة كما فعله أحمد وإسحاق وعبد بن حميد والدارمي ومن سلك مسلكهم في ذلك.
قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) الزبير بن بكار، أخبرني محمد بن الحسن عن مالك بن أنس، قال: أول من دون العلم ابن شهاب، يعني الزهري.
ومحمد بن الحسن كأنه ابن زبالة لا يعتمد عليه.
قال بان خراش: يقال: إن أول من صنف الكتب سعيد بن أبي عروبة.
وقال يعقوب بن شيبة: يقولون إن أول من صنف الكتب بالكوفة: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبالبصرة: حماد بن سلمة.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أول من صنف الكتب من هو؟ قال: ابن جريج، وابن أبي عروبة، ونحو هؤلاء.
قال ابن جريج: ما صنف أحد العلم تصنيفي.
قال: وسمعت أبي يقول: قدم ابن جريج على أبي جعفر - يعني -
[ ٣٤٢ ]
المنصور، فقال له: إني قد جمعت حديث جدك عبد الله بن عباس، وما جمعه أحد جمعي، أو نحو ذا فلم يعطه شيئا.
وقال أبو محمد الرامهرمزي: أول م صنف وبوب - فيما أعلم - الربيع بن صبيح بالبصرة، ثم سعيد بن أبي عروبة بها، وخالد بن جميل الذي يقال له العبد، ومعمر باليمن، وابن جريج بمكة، ثم سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وصنف ابن عيينة بمكة والوليد بن مسلم بالشام وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بمرو وخراسان، وهشيم بواسط.
وصنف في هذا العصر بالكوفة ابن أبي زائدة وابن فضيل ووكيع، ثم صنف عبد الرزاق باليمن وأبو قرة موسى بن طارق.
[ ٣٤٣ ]
"أبو عيسى أول من تكلم على الصحيح والضعيف في جامعه، وأول من علل الأبواب"
وأول من علمناه بين ذلك عيسى الترمذي - ﵀ - وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذي سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه، فإذا زيد في التصنيف ببيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه.
وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة.
وأما الأبواب المعللة، فلا نعلم أحدا سبق الترمذي إليها. وزاد الترمذي ذكر كلام الفقهاء، وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ، وسفيان في الجامع.
"موقف الإمام أحمد من ذكر كلام الفقهاء مع الحديث، ورأي ابن رجب في ذلك"
وكان أحمد يكره ذلك، وينكره - رضي الله عن هـ - حتى إنه أمر بتجريد أحاديث الموطأ وآثاره عما فيه من الرأي الذي يذكره مالك من عنده.
وكره أحمد أن يكتب مع الحديث كلام يفسره، ويشرحه، وكان ينكر على من صنف في الفقه كأبي عبيد وأبي ثور وغيرهما. ورخص في غريب الحديث الذي صنفه أبو عبيد أولا، ثم لما بسطه أبو عبيد وطوله كرهه أحمد، وقال:
[ ٣٤٥ ]
"هو يشغل عما هو أهم منه"، ولكن عند بعد العهد بكلام السلف وطول المدة وانتشار كلام المتأخرين في معاني الحديث والفقه انتشارا كثيرا بما يخالف كلام السلف الأول، يتعين ضبط كلام السلف من الأئمة، وجمعه، وكتابته، والرجوع إليه، ليتميز بذلك ما هو مأثور عنهم، مما أحدث بعدهم، مما هو مخالف لهم.
وكان ابن مهدي يندم على أن لا يكون كتب عقب كل حديث من حديثه تفسيره.
"تدوين الكلام في العلل والتواريخ وأهميته"
وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دون أئمة الحفاظ، وقد هجر في هذا الزمان ودرس حفظه وفهمه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جدا. وقد كان السلف الصالح، ومع سعة حفظهم، وكثرة الحفظ في زمانهم، يأمرون بالكتابة للحفظ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها، ولم يبق منها إلا ما كان مدونا في الكتب، لتشاغل أهل هذا الزمان بمدارسة الآراء وحفظها؟
قال أبو قلابة: الكتابة أحب إلي من النسيان.
وقال ابن المبارك: لولا الكتاب لما حفظنا.
وقال الخلال: أخبرني الميموني، أنه قال لأبي عبد الله، يعني أحمد بن
[ ٣٤٦ ]
حنبل قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل.
وقال: إذا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث.
وقال: حدثونا قوم من حفظهم، وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن.
وقال إسحق بن منصور: قلت لأحمد: من كره كتاب العلم؟
قال كرهه قوم، ورخص فيه قوم.
قلت: لو لم يكتب ذهب العلم.
قال أحمد: ولولا كتابة أي شيء كنا نحن؟
قال أبو عيسى - ﵀ -:
وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام في الرجال: وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال: منهم: والحسن البصري وطاوس قد تكلما في معبد الجهني. وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب. وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور. وهكذا روي عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنسن والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم، أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا، فما حملهم على ذلك - عندنا والله أعلم - غلا النصيحة للمسلمين. لا نظن أنهم أرادوا الطعن على الناس، أو الغيبة، إنما أرادوا - عندنا - أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي
[ ٣٤٧ ]
يعرفوا، لأن بعضهم - من الذين ضعفوا - كان صاحب بدعة وبعضهم كان متهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم، شفقة على الدين وتثبيتا، لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال.
"وجوب الكلام في الجرح والتعديل"
مقصود الترمذي - ﵀ - أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله.
وقد ظن بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإن ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت خاصة كالقدح في شهادة شاهد الزور، جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى.
وروى ابن أبي حاتم، بإسناده، عن بهز بن أسد، قال:
لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده، لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ في بالعدول.
وكذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير في نكاح أو معاملة، وقد دل عليه قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس:
"أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه".
[ ٣٤٨ ]
وكذلك استشار النبي ﷺ عليا وأسامة في فراق أهله، لما قال أهل الإفك ما قالوا.
ولهذا كان شعبة يقول:
تعالوا حتى نغتاب في الله ساعة، يعني: نذكر الجرح والتعديل.
وذكر ابن المبارك رجلا فقال: يكذب.
فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟
قال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟.
وكذا روي عن ابن علية، أنه قال في الجرح: إن هذا أمانة، ليس بغيبة.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف.
فقال: بين أمره، فقلت لأبي زرعة: أترى ذلك غيبة؟ قال: لا.
وروى أحمد بن مروان المالكي، (ثنا) عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، وفلان ثقة.
[ ٣٤٩ ]
فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء.
قال: فالتفت أبي إليه، قال: ويحك. هذا نصيحة، ليس هذا غيبة.
وقال محمد بن بندار السباك الجرجاني: قلت لأحمد بن حنبل: أنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب.
قال أحمد: إذا سكت أنت، وسكت أنا فمن يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟
وقال إسماعيل الخطبي، (ثنا) عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئا أو شيعيا أو فيه شيء من خلاف السنة، أيسعني أن أسكت عنه، أن أحذر عنه.
فقال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة، وهو إمام فيها ويدعو إليها، قال: نعم، تحذر عنه.
وقد خرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتاب الكفاية، وغيره من أئمة الحفاظ.
وكلام السلف في هذا يطول ذكره جدا.
وذكر الخلال، عن الحسن بن علي الإسكافي، قال: سألت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، عن معنى الغيبة. قال: إذا لم ترد عيب الرجل.
[ ٣٥٠ ]
قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ؟
قال: لو ترك الناس هذا لم يعرف الصحيح من غيره.
وخرج البيهقي من طريق الحسن بن الربيع، قال: قال ابن المبارك.
المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب.
فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟
قال: اسكت. إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟ أو نحو هذا.
"الكلام في معبد الجهني"
وما ذكره الترمذي - ﵀ - من تكلم الحسن وطاوس في معبد فقد روى مرحوم بن عبد العزيز عن أبيه وعمه سمعا الحسن يقول: إياكم ومعبد الجهني فإنه ضال مضل.
ورواه أيضا حماد بن زيد، عن أبي طلحة، عن غيلان بن جرير، سمعت الحسن يقول: لا تجالسوا معبدا، فإنه ضال مضل.
وروى نعيم بن حماد، عن ابن المبارك (نا) رياح بن زيد الصنعاني، عن جعفر بن محمد بن عباد، عن طاوس، أنه قال لمعبد الجهني: أنت الذي تفتري على الله ﷿؟ فقال معبد: كذب علي.
[ ٣٥١ ]
"الكلام في طلق بن حبيب"
وأما تلكم سعيد بن جبير في طلق، فمن طريق حماد بن زيد، عن أيوب قال: رآني سعيد بن جبير مع طلق بن حبيب، فقال: ألم أرك مع طلق؟ لا تجالسه.
وكان طلق رجلا صالحا، لكنه كان يرمى بالأرجاء.
"الكلام في الحارث الأعور"
وأما تكلم الشعبي والنخعي في الحارث الأعور، فقد ذكره مسلم في مقدمة كتابه، من طريق زائدة، عن منصور، والمغيرة، عن إبراهيم، أن الحارث اتهم.
ومن طريق مغيرة عن الشعبي، قال: حدثني الحارث الأعور، وكان كذابا.
قال أبو عيسى الترمذي - ﵀ -:
أخبرنا محمد بن إسماعيل (ثنا) محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثني أبي، قال: سألت سفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يكون فيه تهمة أو ضعف، أسكت أو أبين؟ قالوا: بين.
هذا الأثر خرجه البخاري في أول كتابه الضعفاء، كما خرجه الترمذي ههنا عنه، وخرجه مسلم في مقدمة كتابه، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى بن سعيد، قال:
سألت الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه. قالوا: أخبر عنه ليس بثبت.
[ ٣٥٢ ]
ورواه أبو بكر النجار، (نا) جعفر بن محمد الصائغ، (نا) عفان، (نا) يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يتهم في الحديث، أو لا يحفظ. قالوا: بين أمره للناس.
ورواه الإمام أحمد عن عفان أيضا بنحوه.
وقال يعقوب بن شيبة، (ثنا) موسى بن منصور، حدثني أبو سلمة الخزاعي قال: سمعت حماد بن سلمة، ومالك بن أنس، وشريك بن عبد الله، يقولون في الرجل يحدث: نخبر بأمره، يعنون ضعفه من قوته، وصدقه من كذبه.
قال: وقال شريك: كيف نعرف الضعيف من القوي إذا لم نخبر به؟.
قال الترمذي - ﵀ -:
حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، (ثنا) محمد بن يحيى، قال: قيل لأبي بكر بن عياش: إن ناسا يجلسون، ويجلس إليهم الناس، ولا يستأهلون، قال: فقال أبو بكر: كل من جلس جلس الناس إليه، وصاحب السنة إذا مات أحيا الله ذكره، والمبتدع لا يذكر.
قال ابن أبي الدنيا: (ثنا) أبو صالح المروزي، سمعت رافع بن أشرس قال: كان يقال من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه. وأنا أقول: من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه.
[ ٣٥٣ ]
قال - ﵀ -: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، (نا) النضر بن عبد الله الأصم، (انا) إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن ابن سعيد، عن ابن سيرين، قال: كان في الزمان الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع.
هذا الأثر خرجه مسلم في مقدمة كتابه، عن محمد بن الصباح البزاز، عن إسماعيل بن زكريا به. ولفظه، قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
وخرجه أبو بكر الخطيب من طريق أحمد بن سيار، (ثنا) النضر بن عبد الله المديني - من مدينة الداخلة - أبو عبد الله الأصم (ثنا) إسماعيل بن زكريا فذكره، وخرجه أيضا من طريق محمد بن حميد الرازي، عن جرير، عن عاصم عن ابن سيرين بنحوه.
[ ٣٥٤ ]
"ابن سيرين أول من انتقد الرجال وفتش عن الإسناد"
وابن سيرين - ﵁ - هو أول من انتقد الرجال، وميز الثقات من غيرهم، وقد روى عنه من غير وجه أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وفي رواية عنه أنه قال: إن هذا الحديث دين، فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه.
قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين:
تعرف أحدا من التابعين كان ينتقي الرجال، كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟
فقال - برأسه -: أي لا.
قال يعقوب: وسمعت علي بن المديني يقول:
كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحدا أول منه، محمد بن سيرين ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن.
قلت لعلي: فمالك بن أنس؟
فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشد انتقاء مالك الرجال.
"بدء السؤال عن الإسناد"
وروى الإمام أحمد، عن جابر بن نوح، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال:
إنما سئل عن الإسناد أيام المختار، وسبب هذا: أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام. كما روى شريك، عن أبي إسحاق، قال:
سمعت خزيمة بن نصر العبسي، أيام المختار، وهم يقولون ما يقولون من
[ ٣٥٥ ]
الكذب، وكان من أصحاب علي قال: ما لهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا؟، وأي حديث أفسدوا؟.
وروى يونس بن أبي إسحاق عن صلة بن زفر العبسي قال: قاتل الله المختار، أي شيعة أفسد، وأي حديث شان.
"الرواية عن أهل الأهواء والبدع"
وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها، قديما وحديثا، وهي الرواية عن أهل الأهواء والبدع.
"من منع مطلقا"
فمنعت طائفة من الرواية عنهم، كما ذكره ابن سيرين، وحكى نحوه عن مالك وابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب وغيرهم.
وروى أبو إسحاق الفزاري، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قال: لا تسمعوا من أهل الأهواء. أخرجه ابن أبي حاتم.
"ومن قبل حديثهم"
ورخص طائفة في الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب، منهم أبو حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني، وقال ابن المديني: لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب.
"من فرق بين الداعية وغيره"
وفرت طائفة أخرى بين الداعية وغيره فمنعوا الرواية عن الداعية إلى البدعة دون غيره.
[ ٣٥٦ ]
منهم: ابن المبارك، وابن المهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وروى أيضا عن مالك.
"حجة المانعين مطلقا"
والمانعون الرواية لهم مأخذان:
أحدهما: لكفر أهل الأهواء وفسقهم، وفيه خلاف مشهور.
والثاني: الإهانة لهم والهجران والعقوبة وترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفر أو فسقهم.
ولهم مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب، لا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي.
وروى أبو عبد الرحمن المقري، عن ابن لهيعة، أنه سمع رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته وجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا جعلناه حديثا. ورواه المعافى عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، حدثني المنذر بن الجهم، فذكره بمعناه.
وقال علي بن حرب: من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة، فإنهم يكذبون، كل صاحب هوى يكذب، ولا يبالي.
وعلى هذا المأخذ فقد يستثنى من اشتهر بالصدق والعلم، كما قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج.
وأما الرافضة فبالعكس. قال يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون. خرجه ابن أبي حاتم.
[ ٣٥٧ ]
ومنهم من فرق بين من يغلو في هواه ومن لا يغلوه، كما ترك ابن خزيمة حديث عباد بن يعقوب لغلوه.
وسئل ابن الأخرم: لا ترك البخاري حديث أبي الطفيل؟
قال: لأنه كان يفرط في التشيع.
وقريب من هذا القول من فرق بين البدع المغلظة، كالتجهم والرفض والخارجية والقدر، والبدع المخففة ذات الشبه كالأرجاء.
قال أحمد في رواية أبي داود: احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري إذا لم يكن داعية.
وقال المروزي: كان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعيا.
ولم نقف له على نص في الجهمي. أنه يروى عنه إذا لم يكن داعيا، بل كلامه فيه عام، أنه لا يرى عنه.
"الرأي المختار"
فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقا، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفية كالأرجاء، هل تقبل معها الرواية مطلقا أو ترد عن الداعية؟. على روايتين.
[ ٣٥٨ ]
"الإسناد وأهميته"
قال - ﵀ -:
حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: سمعت عبدان، يقول: قال عبد الله بن المبارك: الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي.
حدثنا محمد بن علي (أنا) حبان بن موسى، قال: ذكر لعبد الله حديث، فقال: يحتاج لهذا أركان من آجر. قال أبو عيسى: يعني إنه ضعيف الإسناد.
أما قول عبد الله بن المبارك الإسناد من الدين، فخرجه مسلم في مقدمة كتابه، عن محمد بن عبد الله بن قهزاد المروزي عن عبدان، عنه، إلى قوله: ما شاء. وخرجه بتمامه ابن حبان في أول كتابه من طريق الحسين بن الفرج عن عبدان.
وأما قوله الثاني:
وذكر مسلم أيضا: قال محمد بن عبد الله، حدثني العباس بن رزمة، قال: سمعت عبد الله - يعني - ابن المبارك يقول: بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد.
قال: وقال محمد: سمعت أبا إسحاق، إبراهيم بن عيسى الطالقاني يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، الحديث الذي جاء، "إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك".
[ ٣٥٩ ]
فقال عبد الله: يا أبا إسحاق، عمن هذا؟.
قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش.
قال: ثقة. عمن؟ قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة. عمن؟ قلت: قال رسول الله ﷺ.
قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار، وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى، لكن ليس في الصدقة اختلاف.
وخرج ابن حبان وغيره من طريق الحسين بن الفرج، عن عبد الصمد بن حسان، سمعت الثوري يقول: الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟.
وخرج أبو عمر بن عبد البر في أول التمهيد من طريق محمد بن خيرون، (ثنا) محمد بن الحسين البغدادي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: الإسناد من الدين.
قال يحيى: وسمعت شعبة يقول: إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد. وفي هذا الإسناد نظر، وخرج أيضا بإسناده نظر، وخرج أيضا بإسناده عن الأوزاعي قال: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد، وبإسناده عن ابن عون قال: كان الحسن يحدثنا بأحاديث لو كان يسندها كان أحب إلينا.
وخرج البيهقي من طريق علي بن حجر، قال: قال ابن المبارك:
لولا الإسناد لذهب الدين، ولقال امرؤ ما شاء أن يقول: ولكن إذا قلت: عمن؟ يبقى.. قال: وسمعت ابن المبارك يقول: إن الله حفظ الأسانيد على أمة محمد ﷺ.
[ ٣٦٠ ]
ومن طريق الشافعي، قال: قال سفيان بن عيينة:
حدث الزهري يوما بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: أيرقى السطح بلا سلم؟
وخرج أبو بكر الخطيب من طريق مالك بن إسماعيل النهدي: سمعت ابن المبارك يقول: طلب الإسناد المتصل من الدين.
ومن طريق هلال بن العلاء، عن أبيه سمع ابن عيينة، وقال له أخوه: حدثهم بغير إسناد.
فقال سفيان: انظروا إلى هذا يأمرون أن أصعد فوق البيت بغير درجة.
ومن طريق إبراهيم بن معدان، قال: قال ابن المبارك: مثل الذي يطلب دينه بلا إسناده كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم.
ومن طريق ابن المديني، قال أبو سعيد الحداد: الإسناد مثل الدرج، ومثل المراقي، فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت.
وروى الفضل بن موسى، قال: قال بقية: ذاكرت حماد بن زيد أحاديث.
فقال: ما أجود أحاديثك، لو كان له أجنحة، يعني الأسانيد.
وقال علي بن المديني: قال يحيى، قال هشام بن عروة: إذا حدثك رجل بحديث، فقل: عمن هو؟ وممن سمعته؟ فإن الرجل يحدث عن آخر دونه. قال يحيى: فعجبت من فطنته.
وقد روى عن ابن سيرين معنى ذلك أيضا، خرج مسلم في مقدمة كتابه من طريق هشام، عن ابن سيرين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن
[ ٣٦١ ]
تأخذون دينكم وخرجه العقيلي في مقدمة كتابه من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، وزاد:
قال: وذكر عند محمد حديث عن أبي قلابة، فقال: إنا لا نتهم أبا قلابة، ولكن عمن أخذه أبو قلابة.
وفي رواية له أيضا، عن ابن عون، قال: ذكر أيوب لمحمد حديثا عن أبي قلابة، قال: فقال: أبو قلابة - إن شاء الله رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة؟ ومن طريق أيوب عن ابن سيرين، أنه كان إذا حدثه الرجل الحديث ينكره لم يقبل عليه ذاك الإقبال، ويقول:
إني لا أتهمك، ولا أتهم ذاك، ولكن لا أدري من بينكم.
ومن طريق عبيد الله بن عمر، قال: قال محمد بن سيرين: إن الرجل لحدثني بالحديث لا أتهمه، ولكن أتهم من حدثه وأن الرجل ليحدثني بالحديث عن الرجل، فما أتهم الرجل، ولكن اتهم من حدثني.
وذكر أيضا من طريقين أن التيمي حدث عن ابن سيرين بشيء، فبلغ ابن سيرين فكذبه، فقال التيمي: حدثنيه مؤذن لنا عن ابن سيرين، وخرجه غيره، وعنده أن المؤذن سئل، فقال: حدثني رجل عن ابن سيرين.
وروى الشافعي (أنا) عمي محمد بن علي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إني أسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهة أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل، لا أثق به، قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به، فيحدثه عمن لا أثق به. وقد روى عن زيد بن أسلم، أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم. خرجه ابن حبان، وخرجه أيضا من كلام الحسن وابن سيرين، والضحاك بن مزاحم، والنخعي.
وخرجه أيضا، بإسناده لا يصح عن أبي هريرة، وابن عباس - رضي الله
[ ٣٦٢ ]
عنهما - وخرجه ابن عدي أيضا من وجوه. مرفوعا إلى النبي ﷺ ولا يصح منها شيء.
وروى أبو نعيم من طريق إسحاق بن بشر الرازي، قال: قال ابن المبارك: ليس جودة الحديث في قرب الإسناد، ولكن جودة الحديث في صحة الرجال.
وخرج الحاكم في المدخل بإسناده عن ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق في قوله تعالى" (أو أثارة علم)، قال: إسناد الحديث.
قال الترمذي - ﵀ -:
حدثنا أحمد بن عبده، (ثنا) وهب بن زمعة، عن عبد الله بن المبارك أنه ترك حديث الحسن بن عمارة، والحسن بن دينار، وإبراهيم بن محمد الأسلمي، ومقاتل بن سليمان، وعثمان البري، وروح بن مسافر وأبي شيبة الواسطي، وعمرو بن ثابت، وأيوب بن خوط، وأيوب بن سويد، ونصر بن طريف أبي جزي والحكم وحبيب بن حجر، والحكم روى له حديثا في
[ ٣٦٣ ]
كتاب الرقائق ثم تركه، وحبيب لا أدري.
قال أحمد بن عبده: وسمعت عبدان يقول: كان عبد الله بن المبارك قرأ أحاديث بكر بن خنيس، فكان آخر إذا آتى عليها أعرض عنها، ولم يذكرها.
حدثنا أحمد، (ثنا) أبو وهب، قال: سمعوا لعبد الله بن المبارك رجلا يتهم في الحديث، فقال: لأن أقطع الطريق أحب إلي من أروي عنه.
قال الإمام أحمد: (ثنا) حسن بن عيسى قال: قال ابن المبارك. الحسن بن دينار، وعمرو بن ثابت، وأيوب بن خوط، ومحمد بن سالم، وعبيدة والسري بن إسماعيل، يعني أنه ترك الحديث عنهم.
وذكر حرب الكرماني، في كتابه، قال: بلغني أن ابن المبارك ترك حديث عباد بن كثير والحسن بن دينار، والحسن بن عمارة، وروح بن مسافر، وابن سمعان، وعمرو بن ثابت.
وقال ابن المبارك: ما يسوى حديث عباد بن كثير عندي كفا من تراب.
وهؤلاء الذين سماهم الترمذي في روايته مشهورون بالضعف، وقد سبق ذكرهم مفرقا في الكتاب، وفي مواضع متعددة.
[ ٣٦٤ ]
وإبراهيم بن محمد الأسلمي: هو ابن أبي يحيى المدني.
وعثمان البري - هو بصري، ضعيف، معتزلي، أحاديثه مناكير.
قال أحمد: حديثه منكر، وكان رأيه رأي سوء.
وأبو شيبة الواسطي: هو إبراهيم بن عثمان، جد بني شيبة.
وعمرو بن ثابت: هو ابن أبي المقدام الكوفي.
وأيوب بن سويد: هو الرملي.
[ ٣٦٥ ]
وأما الحكم: فالظاهر أنه ابن عبد الله بن سعد الأيلى.
وقد حكى البخاري وابن حبان وغيرهما عن ابن المبارك أنه كان يحمل عليه. وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه: أن ابن المبارك كان تركه. وكذا ذكر ابن عدي في ترجمة الحكم الأيلي (عن الحسين بن يوسف، (ثنا) أبو عيسى، (ثنا) أحمد بن عبده (ثنا) وهب بن زمعة، عن عبد الله بن المبارك) أنه ترك حديث الحكم.
وأما حبيب بن حجر (فهو حبيب بن حجر) بالتشديد، تصغير حبيب، كذا قاله يزيد بن هارون، وموسى بن إسماعيل، ورويا عنه. وكناه يزيد أبا حجر. وكناه موسى أبا يحيى وهو قيسي بصري.
وقال ابن المبارك: هو حبيب أو حبيب، شك في ضبطه.
وهو يروي عن ثابت البناني والأزرق بن قيس. وقد ذكرنا له حديثا في كتاب الأدب في باب السلام على الصبيان. وروى عنه أيضا وكيع، ويونس، وروح وابن المبارك وكناه روح أبا حجر أيضا، وذكره ابن حبان في ثقاته.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس.
وقد ذكر ابن عدي أن ابن المبارك إنما ترك حبيب بن حبيب أخا حمزة
[ ٣٦٦ ]
الزيات، فإنه ذكره في كتابه ثم قال: (ثنا) حسين بن يوسف البندار، (ثنا) أبو عيسى الترمذي، (ثنا) أحمد بن عبده الآملي، (ثنا) وهب بن زمعة عن ابن المبارك أنه ترك حبيب بن حبيب.
وذكر عن ابن معين أنه قال: لا أعرفه، وعن عثمان بن أبي شيبة أنه روى عنه. وقال: كان ثقة. وقد وثقه ابن معين في رواية أخرى عنه، ويعقوب بن شيبة، وقال: ليس ممن يعتمد على تثبته.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث.
وقد تكلم ابن المبارك في غير هؤلاء. فذكر مسلم في مقدمة كتابه: عن إسحاق بن راهويه، قال: سمعت بعض أصحاب عبد الله، قال: قال ابن المبارك نعم الرجل بقية، لولا أنه يسمي الكنى ويكني الأسامي. قال كان دهرا يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي، فنظرنا فإذا هو عبد القدوس.
قال مسلم: و(ثنا) أحمد بن يوسف الأزدي، سمعت عبد الرزاق يقول: ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله: كذاب، إلا لعبد القدوس فإني سمعته يقول له كذاب.
قال: حدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ، قال: سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: سمعت ابن المبارك يقول: لو خيرت يبن أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرر لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه.
[ ٣٦٧ ]
قال: وسمعت الحسن بن عيسى يقول: قال لي ابن المبارك: إذا قدمت على جرير فاكتب علمه كله إلا حديث ثلاثة: لا تكتب حديث عبيدة بن معتب، والسري بن إسماعيل، ومحمد بن سالم.
قال: وحدثني محمد بن عبد الله قهزاذ، أخبرني علي بن حسين بن واقد، قال: قال عبد الله بن المبارك، قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، فإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى. قال عبد الله:فكنت إذا كنت في مجلس ذكر عباد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه.
قال الترمذي - ﵀ -:
أخبرني موسى بن حزام (ثنا) يزيد بن هارون، قال لا يحل لأحد أن يروي عن سليمان بن عمر النخعي الكوفي.
سليمان هذا هو أبو داود النخعي، وهو مشهور بالكذب، ووضع الحديث.
وقال أحمد: وكان كاذبا. سئل شريك عنه، فقال ذاك كذاب النخع.
[ ٣٦٨ ]
وقال ابن معين: كان أكذب الناس.
وقال قتيبة: وهو معروف بالكذب. ونسبه إلى (الوضع) أحمد وإسحاق ويحيى وغيرهم.
قال ابن عدي: أجمعوا على (أنه يضع) الحديث.
قال الترمذي:
(ثنا) محمود بن غيلان، (ثنا) أبو يحيى الحماني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أحدا أكذب من جابر، الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح.
قال أبو عيسى: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث، ولولا حماد لكان أه الكوفة بغير فقه.
هذا يوجد في بعض النسخ، ولا يوجد في بعض.
وجابر الجعفي قد سبق ذكره مستوفى في أبواب الأذان.
وما ذكره وكيع غلو غير مقبول، فأين أبو إسحاق والأعمش ومنصور وغيرهم من أهل الثقة والصدق والأمانة؟ وأين إبراهيم وغيره من أهل الفقه والعلم؟ وإسقاط هذا الكتاب أولى مع أن الترمذي قد ذكره في غير هذا الموضع في كتابه أيضا.
[ ٣٦٩ ]
قال أبو عيسى - ﵀ -:
سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجمعة، فذكر فيه بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم فقلت: فيه عن النبي ﷺ حديث؟
فقال: عن النبي ﷺ؟ قلت: نعم، حدثنا حجاج بن نصير، (أنا) المعارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله".
قال: فغضب أحمد، وقال: استغفر ربك، استغفر ربك مرتين.
قال أبو عيسى: وإنما فعل أحمد هذا لأنه لم يصدق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده، ولأنه لا يعرفه عن النبي ﷺ والحجاج بن نصير يضعف في الحديث، (وعبد الله بن) سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جدا في الحديث، فكل من روى عنه حديث، ممن يتهم أو يضعف لغفلته أو لكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه فلا يحتج به.
هذه الحكاية عن أحمد بن الحسين عن أحمد بن حنبل قد ذكرها الترمذي أيضا في كتاب الجمعة. وسبق ذكر هذا الحديث هناك وبيان ضعفه،
[ ٣٧٠ ]
وفيه ثلاثة من الضعفاء: حجاج بن نصير الفساطيطي، ومعارك بن عباد، وعبد الله بن سعيد المقبري، وهو أبو عباد، وقد سبق ذكره وذكر حجاج أيضا ومعارك في الكتاب في غير موضع.
وكان الثوري - يروي عن أبي عباد هذا ويقول: استبان لي كذبه في مجلس، وكان يحيى بن وعبد الرحمن لا يحدثان عنه.
وقال يحيى بن معين: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: تركوه.
"جواز الرواية عن الضعفاء في الرقائق وضابط ذلك"
وأما ما ذكره الترمذي أن الحديث إذا انفرد به من هو متهم بالكذب، أو من هو ضعيف في الحديث، لغفلته، وكثرة خطئه، ولم يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فإنه لا يحتج به، فمراده:
أنه لا يحتج به في الأحكام الشرعية والأمور العملية وإن كان قد يروى حديث بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب.
فقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها (عن الضعفاء) منهم: ابن مهدي وأحمد بن حنبل.
[ ٣٧١ ]
وقال رواد بن الجرح: سمعت سفيان الثوري يقول: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ.
وقال ابن أبي حاتم: (ثنا) أبي، (ثنا) عبدة، قال: قيل لابن المبارك، وروى عن رجل حديثا، فقيل: هذا رجل ضعيف..
فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء.
قلت لعبدة: مثل أي شيء) كان؟.
قال: في أدب، في موعظة، في زهد.
وقال ابن معين في موسى بن عبيدة: يكتب من حديثه الرقاق.
وقال ابن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره.
وقال أحمد في ابن إسحاق: يكتب عنه المغازي وشبهها.
وقال ابن معين في زياد البكائي: لا بأس به في المغازي، وأما في غيرها فلا.
وإنما يروى في الترهيب والترغيب والزهد والآداب أحاديث أهل الغفلة الذين لا يتهمون بالكذب. فأما أهل التهمة فيطرح حديثهم، كذا (قال) ابن (أبي) حاتم وغيره.
وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام.
قال الترمذي - ﵀ -:
وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء، وبينوا أحوالهم للناس:
حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهلي، حدثنا يعلى بن عبيد، قال: قال لنا سفيان (الثوري): اتقوا الكلبي، قال: فقيل له: فإنك تروي عنه.
قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.
وأخبرني محمد بن إسماعيل: حدثني يحيى بن معين، ثنا عفان، عن أبي عوانة، قال: لما مات الحسن (البصري) - ﵀ - اشتهيت كلامه، فتتبعته عن أصحاب الحسن، فأتيت به أبان بن أبي عياش، فقرأه علي كله عن الحسن، فما استحل أن أروي عنه شيئا.
قال أبو عيسى:
وقد روى (عن) أبان بن أبي عياش غير واحد من الأئمة، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه (به) أبو عوانة وغيره فلا تغتروا برواية الثقات عن الناس، لأنه يروى عن ابن سيرين أنه قال: إن الرجل ليحدثني فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وقد روى غير واحد عن إبراهيم النخعي أن عبد الله بن مسعود كان يقنت في وتره قبل الركوع.
وروى أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود:
أن النبي ﷺ كان يقنت في وتره قبل الركوع هكذا روى سفيان الثوري، عن أبان بن أبي عياش.
وروى بعضهم عن أبان بن أبي عياش، بهذا الإسناد، نحو هذا، وزاد فيه، قال عبد الله بن مسعود:
وأخبرتني أمي أنها باتت عند النبي ﷺ فرأت النبي ﷺ يقنت في وتره قبل الركوع.
قال أبو عيسى:
وأبان بن أبي عياش، وإن كان قد وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذه حاله في الحديث. والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل، وإن كان صالحا لا يقيم الشهادة ولا يحفظها.
[ ٣٧٢ ]
فكل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان مغفلا يخطئ الكثيرن فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن (لا يشتغل) بالرواية عنه.
ألا ترى أن عبد الله بن المبارك حدث عن قوم من أهل العلم، فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم؟
أخبرني موسى بن حزام، سمعت صالح بن عبد الله يقول:
كنا عند أبي مقاتل السمرقندي، فجعل يروي عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال التي (كانت تروى) في وصية لقمان، وقتل سعيد بن جبير، وما أشبه هذه الأحاديث. فقال ابن أخ لأبي مقاتل:
يا عم، لا تقل: حدثنا، فإنك لم تسع هذه الأشياء.
قال: يا بني، هو كلام حسن.
وسمعت الجارود يقول: كنا عند أبي معاوية، فذكر له حديث أبي مقاتل، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:
[ ٣٧٥ ]
سئل علي كور الزنابير، قال:
لا بأس به، هو بمنزلة صيد البحر.
قال أبو معاوية: ما أقول أن صاحبكم كذاب، ولكن هذا الحديث كذب.
"المسألة الأولى: "رواية الثقة عن رجل هل ترفع جهالته ومتى ترتفع الجهالة"؟
ما ذكره الترمذي - ﵀ - يتضمن مسائل من علم الحديث. أحدها - أن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه، فإن كثيرا من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما.
وكان شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير.
قال يحيى القطان: إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت عن خمسة، أو نحو ذلك.
وقد اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل غير معروف: هل هو تعديل له، أم لا؟
وحكى أصحابها عن أحمد في ذلك روايتين.
وحكوا عن الحنيفة أنه تعديل.
وعن الشافعية خلاف ذلك.
والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة،
[ ٣٧٦ ]
فروايته عن إنسان تعديل له. ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحاب الشافعي.
قال أحمد - في رواية الأثرم - إذا روى الحديث (عبد الرحمن) بن مهدي (عن) رجل، فهو حجة، ثم قال: كان عبد الرحمن أولا يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، وكان يروى عن جابر، ثم تركه.
(وقال) في رواية أبي زرعة: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة.
وقال (في) رواية ابن هانئ: ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة. كل من روى عنه مالك فهو ثقة.
وقال الميموني: سمعت أحمد - غير مرة - يقول: كان مالك من أثبت الناس. ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مدني.
قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: لا تريد أن تسأل عن رجال مالك كل من حدث عنه ثقة إلا رجلا أو رجلين.
وقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفا؟ إذا روى عنه كم؟
قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل (مثل سماك) بن حرب، وأبي إسحاق؟
[ ٣٧٧ ]
قال: هؤلاء يروون عن مجهولين، انتهى.
وهذا تفصيل حسن.
وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدا عنه.
وابن المديني يشترط أكثر من ذلك:
فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم معا، إنه مجهول.
ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده، إنه مجهول.
وقال فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم، هو معروف.
وقال فيمن يروي عنه عبد الحميد بن جعفر وابن لهيعة، ليس بالمشهور.
وقال فيمن عنه ابن وهب وابن المبارك، معروف.
وقال فيمن يروي عنه المقبري - وزيد بن أسلم، معروف.
وقال في يسيع الحضرمي (معروف) وقال مرة أخرى مجهول،
[ ٣٧٨ ]
روى عنه ذر وحده.
وقال فيمن روى (عنه) مالك وابن عيينة معروف.
وقد قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلى طبقات متعددة. والظاهر أنه ينظر إلى اشتهار الرجل بين العلماء وكثرة حديثه، ونحو ذلك، لا ينظر إلى مجرد رواية الجماعة عنه.
وقال في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص: ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة.
وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني:
ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة من المصريين لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء.
وكذا قال أحمد في حصين بن عبد الرحمن الحارثي، ليس يعرف، ما روي عنه غير حجاج بن أرطأة وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثا واحدا.
وقال في عبد الرحمن بن وعلة، إنه مجهول، مع أنه روى عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء.
"من روى عنه واحد ولكنه معروف"
وقد صحح حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولا.
قال في خالد بن (شمير): (لا يعلم) روى عنه أحد سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح.
وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات.
"رأى ابن عبد البر فيما يرفع الجهالة"
وذكر ابن عبد البر في استذكاره أن من روي عنه ثلاثة فليس بمجهول.
قال: وقيل: اثنان.
وقد سئل مالك عن رجل، فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، ذكره مسلم في مقدمة كتابه من طريق بشر بن عمر عن مالك.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت ابن عيينة يقول: إنا كنا نتبع آثار مالك بن أنس، وننظر إلى الشيخ إن كان مالك ابن أنس كتب عنه وإلا تركناه.
قال القاضي إسماعيل:
[ ٣٧٩ ]
إنما يعتبر بمالك في أهل بلده (فأما الغرباء) فليس يحتج به فيهم، وبنحو هذا اعتذر غير واحد (عن مالك) في روايته عن عبد الكريم أبي أمية وغيره من الغرباء.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟.
قال: إذا كان معروفا (بالضعف)، لم تقوه، روايته عنه، وإن كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه. قال: وسمعت أبي يقول: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة. إلا نفرا بأعيانهم.
وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل، مما يقوي حديثه؟
قال: إي لعمري.
قلت: الكلبي روى عنه الثوري.
قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه.
قلت: فما معنى رواية الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟
قال: كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل على الإنكار والتعجب، فيعلقون عنه روايته عنه. ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله له.
وذكر العقيلي بإسناده له عن الثوري، قال:
إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل وأتخذه دينا، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته.
[ ٣٨١ ]
المسألة الثانية: الرواية عن الضعفاء أهل التهمة بالكذب (والغلط) والغفلة وكثرة الخطأ
وقد ذكر الترمذي للعلماء في ذلك قولين:
أحدهما: جواز الرواية عنهم.
حكاه عن سفيان الثوري، لكن كلامه في روايته عن الكلبي يدل على أنه لم يكن يحدث عنه إلا بما يعرف أنه صدق.
والثاني: الامتناع عن ذلك.
ذكره عن أبي عوانة وابن المبارك.
وحكاه الترمذي عن أكثر أهل الحديث من الأئمة.
وقد ذكر الحاكم المذهب الأول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، واعتمد في حكايته عن مالك على روايته عن عبد الكريم، أبي أمية، ولكن قد ذكرنا عذره في روايته عنه، وفي حكايته عن الشافعي على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى، وأبي داود سليمان بن عمروا النخعي، وغيرهما من المجروحين، وفي حكايته عن أبي حنيفة على روايته عن جابر الجعفي، وأبي العطوف الجزري.
قال: وحدث أبو يوسف ومحمد بن الحسن، عن الحسن بن عمارة،
[ ٣٨٢ ]
وعبد الله بن محرر، وغيرهما من المجروحين.
قال: وكذلك من بعدهم من أئمة المسلمين، قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر إلى عصرنا هذا لم يخل حديث إمام من أئمة الفريقين (عن) مطعون فيه من المحدثين، وللأئمة في ذلك غرض ظاهر وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه والمنفرد به عدل أو مجروح.
ثم روى بإسناده، عن الأثرم، قال: رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه!!
فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر على الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعد إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له:
كذبت. إنما هي عن معمر عن أبان، لا عن ثابت.
وذكر أيضا من طريق أحمد بن علي الأبار، قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزا نضيجا.
وخرج العقيلي من طريق أبي غسان، قال: جاءني علي بن المديني يكتب عني، عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة، فقلت له: أي شيء تصنع بها؟
"التفريق بين الكتابة عن الضعفاء والرواية عنهم"
قلت: فرق بين كتابة حديث الضعيف وبين روايته فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها ولم يرووها، كما قال يحيى: سجرنا بها التنور. وكذلك أحمد حرق حديث (خلق ممن) كتب حديثهم، ولم يحدث به، وأسقط من المسند (حديث) خلق من المتروكين لم يخرجه فيه، مثل فائد أبي
[ ٣٨٣ ]
(الورقاء)، وكثير بن عبد الله المزني، وأبان بن أبي عياش وغيرهم، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف.
قال - في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ - قد يحتاج الرجل يحدث عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكام، ومحمد بن معاوية، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن إسرائيل ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم.
وقال - في روايته أيضا - وقد سأله: ترى أن نكتب الحديث المنكر؟
قال: المنكر أبدا منكر.
قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت.
كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا.
وقال - في رواية ابن القاسم -: ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل، كأني أستدل به، مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد.
وقال - في رواية المروذي -: كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي، ثم كتبته، أعتبر به.
[ ٣٨٥ ]
وقال في رواية مهنا وسأله: (لم) تكتب حديث أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟.. قال: أعرفه.
وقال محمد بن رافع النيسابوري: رأيت أحمد بين يدي يزيد بن هارون وفي يده كتاب لزهير، عن جابر الجعفي، وهو يكتبه. قلت: يا أبا عبد الله، تنهوننا عن جابر وتكتبون (عنه)؟.
قال: نعرفه.
وكذا قال أحمد في حديث عبيد الله الوصافي: (إنما) أكتبه للمعرفة.
(والذي) يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين (كثر خطؤهم) للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل في (في) حفظه شيء. ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه.
[ ٣٨٦ ]
وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل.
وأما الذين كتبوا حديث الكذابين، من أهل المعرفة والحفظ، فإنما كتبوه لمعرفته، وهذا كما (ذكروا أحاديثهم) في كتب الجرح والتعديل، ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم: لا يجوز ذكرها إلا ليبين أمرها أو معنى ذلك.
وقد سبق عن ابن أبي حاتم: أنه يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام، وأما رواية أهل التهمة بالكذب فلا تجوز إلا مع بيان حاله وهذا هو الصحيح - والله أعلم -.
المسألة الثالثة
ذكر الترمذي أنه رب رجل صالح مجتهد في العبادة، ولا يقيم الشهادة ولا يحفظها وكذلك الحديث، لسوء حفظه، وكثره (غفلته)، وقد سبق قول ابن المبارك في عباد بن كثير وعبد الله بن محرر.
وروى مسلم في مقدمة كتاب من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: (لن ترى) الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
وفي رواية: لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال مسلم: يقول: يجري الكذب على (ألسنتهم)، (ولا يتعمدون) الكذب. وروى أيضا بإسناده له عن أيوب، قال:
[ ٣٨٧ ]
إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة.
وروى ابن عدي بإسناده، عن أبي عاصم النبيل، قال:
ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة، قال:
إن الرجل يكون صالحا، ويكون كذابا، يعني: يحدث بما لا يحفظ.
وقال الجوزجاني: سمعت أبا قدامة، يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: رب رجل صالح لو لم يحدث كان خيرا له، إنما هو أمانة، تأدية الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث.
وروى عمرو الناقد: سمعت وكيعا، يقول، وذكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل، فقال: ذاك رجل صالح، وللحديث رجال.
وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن مهدي قال: فتنة الحديث أشد من فتنة المال وفتنة الولد، لا تشبه فتنته فتنة. كم من رجل يظن به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب. يشير إلى أن من حدث من الصالحين من غير إتقان وحفظ فإنما حمله على ذلك حب الحديث، والتشبه بالحفاظ، فوقع في الكذب على النبي ﷺ وهو لا يعلم، ولو تورع واتقى الله لكف عن ذلك فسلم.
[ ٣٨٨ ]
قال (أبو قلابة)، عن علي بن المديني، سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، فقال:
ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون لا تمييز لهم فيه.
ويروي عن أبي عبد الله بن مندة، قال:
إذا رأيت في حديث (ثنا) فلان الزاهد فاغسل يدك منه.
(قال ابن عدي): الصالحون قد وسموا بهذا الاسم أن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال، موضوعة بواطيل ويتهم جماعة منهم بوضعها.
وهؤلاء المشتغلون بالتعبد الذين يترك حديثهم على قسمين:
منهم من شغلته العبادة عن الحفظ، فكثر الوهم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسل، (وهؤلاء) مثل أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي.
[ ٣٨٩ ]
وقد كان شعبة يقول في كل واحد منهما: لأن أزني أحب إلي من أن احدث عنه.
ومثل جعفر بن الزبير، ورشدين بن سعد، وعباد بن كثير، وعبد الله بن محرر والحسن بن أبي جعفر الجفري، وغيرهم:
ومنهم من كان يتعمد الوضع، كما ذكر عن أحمد بن محمد بن غالب، غلام خليل، وعن زكريا بن يحيى الوقار المصري.
"أبان بن أبي عياش"
وقد ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين:
أحدهما: أبان بن أبي عياش، وذكر حكاية أبي عوانة عنه أنه جمع حديث الحسن، ثم أتى به إليه فقرأه كله عليه، يعني أنه رواه له كله عن الحسن ولم يتوقف في ذلك.
وقال أحمد: قال لي عفان: أول من أهلك أبان بن أبي عياش أبو عوانة، جمع حديث الحسن عامته، فجاء به إلى أبان فقرأه عليه.
وقال مسلم - في أول كتابه - (ثنا) الحسن الحلواني، قال: سمعت عفان، قال: سمعت أبا عوانة يقول (لي): ما بلغني عن الحسن حديث
[ ٣٩٠ ]
إلا أتيت به أبن بن أبي عياش فقرأه علي.
ثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، قال: سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحوا من ألف حديث. قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فعرض عليه ما سمع (من أبان) فما عرف منها إلا شيئا يسيرا خمسة أو ستة.
وذكر العقيلي هذه الحكاية، ثم قال:
وقال لنا أحمد بن علي الأبار، وكان شيخا صالحا: وأنا رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله، أترضى أبان بن أبي عياش؟ قال: لا.
وذكر الترمذي حديث القنوت في الوتر، فإنه رفعه، والناس يقفونه على ابن مسعود. وربما وقف على إبراهيم، وقد سبق ذكره في أبواب الوتر من كتاب الصلاة وكان أبان لسوء حفظه يفعل ذلك كثيرا، يرفع الموقوف، ويصل المرسل، قال أبو زرعة لم يكن يتعمد الكذب، كان يسمع الحديث من أنس ومن شهر بن حوشب ومن الحسن، فلا يميز بينهم.
قال ابن عدي: قد حدث عنه الثوري، ومعمر، وابن جريج، وإسرائيل وحماد بن سلمة، وغيرهم، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، إلا أنه ممن يشتبه عليه ويغلط وعامة ما أتى من جهة الرواة عنه. لا من جهته، لأنه قد روى عنه قوم مجهولون وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة.
[ ٣٩١ ]
وذكر أن شعبة حدث عنه بحديث قنوت الوتر، فقيل له: تقول فيه ما قلت، ثم تحدث عنه؟ قال: إني لم أجد هذا الحديث إلا عنده. ذكرها من وجه منقطع، والمعروف أن شعبة قيل له: لم سمعت منه هذا الحديث؟ قال: ومن يصبر على هذا؟ أخرجه العقيلي وغيره.
"أبو مقاتل السمرقندي"
الرجل الآخر:
أبو مقاتل السمرقندي، واسمه حفص بن سلم الفزاري، وهو من العباد، يروى عن الكوفيين، كأبي حنيفة، ومسعر، والثوري، عن البصريين كأيوبن والتيمي، وعن الحجازيين كهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وسهيل.
قال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد:
هو مشهور بالصدق والعلم، غير مخرج في الصحيح، وكان ممن يفتى في أيامه. وله في الفقه والعلم محل، يعتني بجمع حديثه.
وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور، وقال: يروي المناكير.
وسئل عنه إبراهيم بن طهمان، فقال: خذوا عنه عبادته، وحسبكم: وقد أفحش قتيبة بن سعيد وغيره القول فيه.
مات سنة ثمان ومائتين.
وذكره ابن حبان في كتاب "الضعفاء" وقال: كان صاحب تقشف وعبادة ولكنه كان يأتي بالأشياء المنكرة، التي يعلم من كتب الحديث أنه ليس لها أصل يرجع إليها.
[ ٣٩٢ ]
سئل ابن المبارك (عنه) فقال: خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم.
وكان قتيبة بن سعيد يحمل علي شديدا ويضعفه بمرة. وقال: كان لا يدري ما يحدث به (وكان) عبد الرحمن بن مهدي يكذبه.
قال نصر بن حاجب المروزي: ذكرت أبا مقاتل لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: والله لا تحل الرواية عنه. فقلت له: عيسى أن يكون كتب له في كتابه، وجهل ذلك.
فقال: يكتب في كتابه الحديث؟ فكيف بما ذكرت عنه أنه قال: ماتت أمي بمكة فأردت الخروج منها فتكاريت فلقيت عبيد الله بن عمر، فأخبرته بذلك.
فقال: حدثني نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ "من زار قبر أمه كان (كعمرة) " قال: فقطعت الكرى، وأقمت.
فكيف يكتب هذا في كتابه؟.
وكذلك وكيع بن الجراح كان يكذبه، وليس لهذا الحديث أصل يرجع إليه - انتهى ما ذكره ابن حبان.
وذكره ابن عدي في كتابه، وذكر بإسناده عن قتيبة (بن سعيد) أنه سئل عن حديث كور الزنابير، فقال: (ثنا) أبو مقاتل السمرقندي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، سئل (علي) عن كور الزنابير، فقال: هم من هذا ابحر، لا بأس به.
[ ٣٩٣ ]
قال: فقلت: يا أبا مقاتل، هو موضوع. قال: هو في كتابي، تقول: هو موضوع قال: فقلت: نعم، وضعوه في كتابك.
وذكر بإسناده عن الجوزجاني قال: أبو مقاتل السمرقني كان فيما حدثت ينشئ للكلام الحسن إسنادا، ثم خرج (له) ابن عدي أحاديث منكرة، ثم قال:
أبو مقاتلك هذا له أحاديث كثيرة، ويقع في أحاديثه مثل ما ذكرته وأعظم منه، وليس هو ممن يعتمد على رواياته.
وذكره الإدريسي في تاريخ سمرقند، وغير واحد من العلماء.
ووقع لابن أبي حاتم في ذكره غير وهم، فإنه قال: حفص بن سليمان أبو مقاتل روى عن عون بن أبي شداد، روى عنه موسى بن إسماعيل الجبلي كذا قال.
[ ٣٩٤ ]
وقوله ابن سليمان وهم، وإنما هو ابن سلم، ثم قال: حفص بن مسلم أبو مقاتل السمرقندي روى عن الثوري، وجويبر، وعمرو بن عبيد، روى عنه أبو تميلة وإبراهيم بن شماس، سمعت أبي يقول بعض ذلك.
فقوله ابن مسلم وهم أيضا، ووهم حيث جعل الراوي عن عون بن أبي شداد غير هذا. وهما رجل واحد.
"أهل الصدق غير الحفاظ"
قال أبو عيسى:
وقد تكلم بعض أهل الحديث في وقم من جلة أهل العلم، وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا.
وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو، ثم روى عنه: حدثنا أبو بكر عبد القدوس بن محمد العطار البصري، (ثنا) علي بن المديني. قال: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة، فقال:
تريد العفو، أو تشدد؟.
فقلت: لا، بل أشدد.
فقال: ليس هو ممن تريد: كان يقول: أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب.
(قال يحيى) .
[ ٣٩٥ ]
وسألت مالك بن أنس عن محمد بن عمرو فقال فيه نحو ما قلت.
قال علي: قال يحيى: ومحمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبي صالح، وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة. قال علي: فقلت ليحيى: ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟ قال: لو شئت أن ألقنه لفعلت. قلت: كان يلقن؟. قال: نعم.
قال علي: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة.
قال أبو عيسى:
وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال (حفظهم) . وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث من حفظه، مرة هكذا ومرة هكذا، لا يثبت على رواية واحدة، تركه.
وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد (القطان) عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة.
"أقسام الرواة"
اعلم أن الرواة أقسام:
فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير، لغفلته وسوء حفظه، وقد سبق ذكر هذين القسمين، وحكم الرواية عنهما.
وقسم ثالث: أهل صدق وحفظ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم، أو يقل وهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج (بهم) .
[ ٣٩٦ ]
وقسم رابع: هم أيضا أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا. لكن ليس هو الغالب عليهم. وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا.
وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة.
"رأي الجمهور جواز الرواية عن هؤلاء"
وعن ابن المبارك وابن مهدي، ووكيع، وغيرهم، أنهم حدثوا عنهم. وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث، (المصنفين) منهم في السنن والصحاح كمسلم بن الحجاج، وغيره، فإنه ذكر في مقدمة كتابه، أنه لا يخرج حديث من متهم عند أهل الحديث، أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ الإتقان: وأنهم على ضربين.
أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش.
الثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطى العلم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم.
قيل إنه أدركته المنية قبل أن يخرج حديث هؤلاء وقيل: أنه خرج لهم في المتابعات، وذلك كان مراده.
[ ٣٩٧ ]
وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي، مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء، وبين ذلك لم يسكت عنه.
"من لا يحتج بحديث غير الحفاظ المتقنين"
وإلى طريقة يحيى بن سعيد يميل علي بن المديني (وصاحبته) . البخاري.
وكان علي بن المديني فيما نقله عنه يعقوب بن شيبة لا يترك حديث رجل حتى يجتمع على تركه ابن مهدي، ويحيى القطان، فإن حدث عنه أحدهما (وتركه الآخر) حدث عنه.
"رأي ابن مهدي يوافق رأي الجمهور"
قال أحمد بن سنان: كان ابن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما بالكذب، أو رجلا الغالب عليه الغلط.
وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: الناس
[ ٣٩٨ ]
ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب في حديثه الوهم، لهذا يترك حديثه.
وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت ابن مهدي يقول:
ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط. وقال إسحاق بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول:
يكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه.
وقال الوليد بن شجاع: سمعت الأشجعي يذكر عن سفيان الثوري. قال: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك.
وقال الحسين بن منصور، أبو علي السلمي النيسابوري: سئل أحمد
[ ٣٩٩ ]
عمن يكتب حديثه، فقال: عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب، أو رجل يغلط في الحديث، فيرد عليه، فلا يقبل.
وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي:
من كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة، لم تقبل شهادته.
وكذا ذكر الحميدي، وهذا قد يكون موافقا لقول يحيى بن سعيد ومن تابعه.
وروى نعيم بن حماد، حدثني ابن مهدي، قال: سئل شعبة: حديث من يترك؟.
قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث مجتمع عليه، فيقيم على غلطه ولا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون.
وذكر أبو حاتم الرازي: (ثنا) سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: اكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين؟ قال: نعم، قيل له: فثلاثين؟ قال: نعم. قيل له: فخمسين؟ قال: نعم.
وقال حمزة السهمي: سألت الدارقطني عمن يكون كثير الخطأ. قال
[ ٤٠٠ ]
أن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقطن وإن لم يرجع سقط.
خرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتابه الكفاية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، عن أحمد الدروقي، (ثنا) ابن مهدي، قال: قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدث عن المعروفين بما لا يعرف المعروفين، وإذا أكثر الغلط، وإذا روى حديثا غلطا مجتمعا عليه، فلم يتهم نفسه فيتركه، طرح حديثه. وما كان غير ذلك فارووا عنه.
قال: و(ثنا) أبي، (أنا) سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لابن مهدي: اكتب عمن يغلط في مائة؟.
قال: لا، مائة كثير، وهذه الرواية عن ابن مهدي توافق قول شعبة، ويحيى والشافعي: إن كثرة الغلط ترد به الرواية، وتخالف رواية ابن المثنى وأحمد بن سنان عنه أن الاعتبار في ذلك بالأغلب.
وكلام الإمام أحمد يدل على مثل قول ابن المبارك ومن وافقه، فإنه حديث عن أبي سعيد مولى بني هاشم. وقد قال فيه: كان كثير الخطأ، ولم يترك حديثه. وحدث عن زيد بن الحباب وقال فيه: كان كثير الخطأ.
[ ٤٠١ ]
وقال أبو عثمان البرذعي: (ثنا) محمد بن يحيى النيسابوري، قال: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم، وذكرت له خطأ، فقال لي أحمد:
كان حماد بن سلمة يخطئ، وأومأ أحمد بن حنبل بيده، خطأ كثير. ولم ير بالرواية عنه بأسا.
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا كان الغالب عليه الخطأ.
وكلام الترمذي ههنا يحتمل مثل قول شعبة، ويحيى، ومن وفقهما، حيث ذكر أن من كان مغفلا يخطئ الكثير، فإنه لا يشتغل بالرواية عنه، عند أكثر أهل الحديث.
وذكر أيضا قبل ذلك أن من ضعف لغفلته وكثرة خطئه لا يحتج بحديثه. فلم يعتبر إلا كثرة الخطأ.
ويحتمل أن يكون مراده سقوط حديث من جمع بين الوصفين معا: الغفلة وكثرة الخطأ، دون من كان فيه أحدهما.
أما الغفلة المجردة مع قلة الخطأ، أو كثرة الخطأ لسوء الحفظ دون الغفلة فهذا قول ثالث في المسألة - الله أعلم -.
[ ٤٠٢ ]
"محمد بن عمرو بن علقمة"
وأما محمد بن عمرو الذي تكلم فيه يحيى، فهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وقد تكلم فيه يحيى ومالك. وقال أحمد: كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين. قال: وهو مضطرب الحديث، والعلاء أحب إلي منه.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو، قيل له: ما علة ذلك؟
قال: كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.. ووثقه ابن معين في رواية أخرة.
ونقل إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان أنه قال فيه: رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث.
وقد ذكر الترمذي أن يحيى بن سعيد روى عنه، وكذلك روى عنه مالك في الموطأ، وخرج حديثه مسلم متابعة، وخرجه البخاري مقرونا.
وقد قال يحيى بن سعيد: هو فوق سهيل بن أبي صالح، وخالفه في ذلك الإمام أحمد، وقال: ليس كما قال يحيى.
قال أحمد: ولم يرو شعبة عن محمد بن عمرو إلا حديثا واحدا.
[ ٤٠٣ ]
"عبد الرحمن بن حرملة"
وأما عبد الرحمن بن حرملة الذي ذكر يحيى القطان أن محمد بن عمرو فوقه فهو مدني، كان يحيى القطان يضعفه، ولا يرضاه. وقال (ابن) المديني: راددت يحيى في ابن حرملة، فقال: ليس هو عندي مثل يحيى بن سعيد (الأنصاري) .
وقال: سمعت سعيد بن المسيب. قال (يحيى): لو شئت أن ألقنه أشياء. قال قلت: كان يلقن؟ قال: نعم.
وقال أحمد في (ابن) حرملة: هو كذا وكذا، يضعفه. وقال ابن معين: لا بأس به.
قيل له: يقولون: سمع من ابن المسيب، وهو صغير. قال: لا.
وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين، عن يحيى، عن ابن حرملة، قال: كنت سيئ الحفظ، فسألت سعيد بن المسيب، فرخص لي في الكتاب.
[ ٤٠٤ ]
"شريك بن عبد الله النخعي"
وأما شريك فهو ابن عبد الله النخعي، قاضي الكوفة، وكان كثير الوهم، ولا سيما بعد أن ولي القضاء، وكان (فيه - أيضا -) في تلك الحالة تيه وكبر، واحتقار للأئمة الصالحين.
وقد خرج حديثه مسلم مقرونا بغيره.
ومن الأوهام المتعلقة بترجمته أن مسلما ذكر في كتاب الكنى أن أحمد سمع منه، وهو وهم، لم يسمع منه أحمد، إنما سمع من أصحابه.
"أبو بكر بن عياش"
وأما بكر بن عياش، فهو المقرئ الكوفي، وهو رجل صالح، لكنه كثير الوهم، ومع هذا فقد خرج البخاري حديثه. وأنكر عليه ابن حبان تخريج حديثه وتركه لحماد بن سلمة.
[ ٤٠٥ ]
"الربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة"
وأما الربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة فلم يخرج لهما في الصحيح.
وقد وثق المبارك عفان وأبو زرعة وغيرهما، وقال شعبة: هو أحب إلي من الربيع، وسوى ابن معين بينهما في الضعف.
وقال أحمد ما أقربهما، وقال مرة: مبارك أحب إلي إذا قال سمعت الحسن يشير إلى أنه يدلس.
وقال نعيم: كان ابن مهدي لا يكتب للمبارك شيئا يقول فيه: سمعت الحسن.
وقال الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثنا عن مبارك.
[ ٤٠٦ ]
وقال ابن معين: لم يرو عنه يحيى.
وقال أحمد: تركه عبد الرحمن، لأنه كان يروي أقاويل الحسن، يأخذها من الناس.
قال: وكان عبد الرحمن يروي عن الربيع بن صبيح. وكان الربيع رجلا صالحا.
وقال الفلاس: كان عبد الرحمن يحدث عن الربيع، وكان يحيى لا يحدث عنه. ***
قال أبو عيسى:
وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وأشباه هؤلاء من الأئمة، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم في بعض ما رووا، وقد حدث عنهم الأئمة.
حدثنا الحسن بن علي الحلواني (ثنا) علي بن المديني قال: قال لنا سفيان بن عيينة: كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتا في الحديث.
وحدثنا ابن أبي عمر، قال: قال سفيان بن عيينة: كان محمد ابن عجلان ثقة، مأمونا في الحديث.
قال أبو عيسى:
وإنما تكلم يحيى بن سعيد القطان - عندنا - في رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد: قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري بعضها عن سعيد عن أبي هريرة،
[ ٤٠٧ ]
وبعضها عن سعيد عن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطت علي فصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة. وإنما تكلم يحيى بن سعيد - عندنا - في ابن عجلان لهذا، وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير.
أما سهيل بن أبي صالح السمان فقد تكلم فيه جماعة من الأئمة:
قال ابن أبي خثيمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديث سهيل قال: وسئل ابن معين مرة أخرى عن سهيل، فقال: ليس بذاك وسئل مرة أخرى فقال: سهيل ضعيف.
وحكى عباس الدوري قال: سئل يحيى بن معين عن حديث سهيل والعلاء بن عبد الرحمن، فقال: حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بالحجة، قال: وسمعت يحيى يقول: سهيل صويلح، وفيه لين. قال: ومحمد بن عمرو أكبر من هؤلاء، يعني من سهيل والعلاء وعاصم بن عبيد الله، وابن عقيل.
وقد سبق قول يحيى بن سعيد إن محمد بن عمرو أعلى من سهيل. وأنكر ذلك عليه أحمد، وقال: لم يكن ليحيى بسهيل علم. وكان قد جالس محمد بن عمرو.
قال: وسهيل صالح. وقال أيضا: لم يصنع يحيى شيئا، الناس عندهم سهيل ليس مثل محمد بن عمرو.
فقيل له: سهيل عندهم أثبت؟ قال: نعم.
وقال أحمد أيضا.
[ ٤٠٨ ]
سهيل ما أصلح حديثه. قال: والعلاء بن عبد الرحمن - عندي - فوق سهيل وفوق محمد بن عمرو.
وقال عبد الله: سألت أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وعن سهيل عن أبيه فقال: ما سمعت أحدا يذكر العلاء إلا بخير.
وقدم أبا صالح على العلاء، كذا في المسند، وإنما كان السؤال عن سهيل، لا عن أبيه.
وقد ذكر الترمذي هنا عن ابن عيينة، قال: كنا نعد سهيلا ثبتا في الحديث.
وقال ابن معين - في رواية عباس - في موضع آخر - عنه: سهيل: ثقة.
ووثقه العجلي وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال ابن عدي: هو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار.
وقال أبو زرعة: سهيل أشبه، وأشهر من العلاء بن عبد الرحمن.
وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من العلاء، وأحب إلي من عمرو بن أبي عمرو، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقد روى عنه الأئمة، مالك وشعبة والثوري.
وخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري مقرونا بغيره.
[ ٤٠٩ ]
"محمد بن عجلان"
وأما محمد بن عجلان المدني، الفقيه الصالح فقد روى عنه شعبة ومالك والقطان وخلق. وقد وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وخرج مسلم حديثه مقرونا وتكلم جماعة في حفظه.
قال ابن أبي خيثمة:
سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان. قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لو جربت من (أروى عنه)، لم أرو إلا عن قليل. (وفي) كتاب علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة فاختلط علي فجعلته عن أبي هريرة. قال يحيى: سمعته منه أو حدثته عنه. ولا أعلم إلا أني سمعته منه.
وقال أحمد:
كان ثقة، إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة.
وقال ابن عيينة:
حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة.
[ ٤١٠ ]
وروى أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، قال: كان ابن عجلان مضطرب الحديث في حديث نافع، ولم يكن له تلك القيمة عنده.
وروى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه، من طريق يحيى بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان، وبها من يطلب الحديث، مليح بن وكيع، وحصف بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي. قلنا نأتي ابن عجلان. فقال ويوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه ننظر فهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ما كان عن سعيد، عن أبيه. وما كان عن أبيه عن سعيد. ثم جئنا إليه. لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل، وجلس معه. ودخل حفص ويوسف بن خالد، ومليح، فسألوه، فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد العرض. فقرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد، فقد حدثني به أبي، ثم أقبل على يوسف بن خالد، فقال:
[ ٤١١ ]
إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الإٍسلام.
وأقبل على حفص، فقال:
ابتلاك الله في دينك ودنياك.
وأقبل على مليح، فقال:
لا نفعك الله بعلمك.
قال يحيى: فمات مليح، ولم ينتفع به، وابتلى حفص في بدنه بالفالج. وبالقضاء في دينه. ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة.
"محمد بن إسحاق بن يسار"
وأما محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب المغازي، فيطول ذكر ترجمته على وجهها. وقد وثقه جماعة:
قال أحمد: هو حسن الحديث. وقال مرة: يكتب من حديثه هذه الأحاديث (كأنه) يعني المغازي.
وقال مرة: هو صالح الحديث، وأحتج به (أنا) أيضا.
وقال ابن المديني: حديثه عندي صحيح.
وقال ابن عيينة: ما سمعت أحدا تلكم في محمد بن إسحاق إلا في قوله بالقدر.
وقال ابن معين مرة: هو ثقة، وليس بحجة.
[ ٤١٢ ]
وتكلم في آخرون:
وكان يحيى بن سعيد شديد الحمل عليه، وكان لا يحدث عنه، ذكره عنه الإمام أحمد، وقال:
ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في محمد بن إسحاق، وليث (بن أبي سليم) وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم.
وكان ابن مهدي يحدث عن رجل عنه.
وكذبه مالك وهشام بن عروة والأعمش.
ولا ريب أنه كان يتهم بأنواع من البدع، ومن التشيع والقدر وغيرهما. وكان يدلس عن غير الثقات، وربما دلس عن أهل الكتاب ما يأخذه عنهم من الأخبار.
قال أحمد: هو كثير التدليس جدا.
قيل له: فإذا قال: حدثنا أو (أنا) فهو ثقة؟.
قال: هو يقول: أخبرني فيخالف يشير إلى أنه يصرح بالتحديث والأخبار ويخالف الناس في حديثه مع ذلك.
وقال الجوزجاني: يمضع حديث الزهري بمنطقة حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه.
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة والحمادان والسفيانان وخلق.
وخرج مسلم حديثه مقرونا بغيره.
[ ٤١٣ ]
"حماد بن سلمة"
وأما حماد بن سلمة، فهو أرفع من هؤلاء كلهم. وهو الإمام الرباني العالم بالله، والعلم بأمر الله، أبو سلمة، (حماد بن سلمة) البصري، الفقيه، الزاهد، العابد.
وقد روى عنه الأئمة الكبار مثل يحيى بن القطان وابن مهدي وابن المبارك، ومالك والثوري، وهما من أقرانه، وشعبة وهو أسن منه، وهو ثقة (ثقة)، من أصلت الناس في السنة. ولذلك قال ابن معين: من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام. وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيما.
وفصل القول في رواياته:
أنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني، وعلي بن زيد ويضطرب في بعضهم الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة وأيوب وغيرهما، وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد خرج له مسلم الكثير في صحيحه واستشهد به البخاري وقيل: إنه خرج له حديثا واحدا في الرقاق. وأنكر ابن حبان ذلك عليه، فقال:
[ ٤١٤ ]
لم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش في كتابه وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون. فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودا، وأنى يبلغ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه أم جمعه، أم في علمه والدين والنسك والعلم والكتبة والجمع والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا معتزلي قدري أو مبتدعي جهمي، لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة.
قال أبو عيسى:
وهكذا من تكلم في ابن ليلى إنما تلكم فيه من قبل حفظه.
قال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: روى شعبة عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أيوب عن النبي ﷺ في العطاس.
قال يحيى: ثم لقيت ابن أبي ليلى فحدثنا عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي ﷺ.
قال أبو عيسى:
ويروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، وكان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغير الإسناد.
وإنما جاء هذا من قبل حفظه، لأن أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون. ومن منهم إنما كان يكتب بعد السماع.
قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى لا يحتج به.
[ ٤١٥ ]
قال أبو عيسى:
وكذلك من تلكم من أهل العلم في مجالد بن سعيد وعبد الرحمن بن لهيعة وغيرهما، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطئهم، وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة.
فإذا انفرد واحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عنى إذا انفرج بالشيء، وأشد ما يكون في هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد أو جاء بما يتغير فيه المعنى.
"ابن أبي ليلى"
أما ابن أبي ليلى (فهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى) قاضي الكوفة. وكان من جلة الفقهاء المعتبرين وله حديث كثير، وهو صدوق لا يتهم بتعمد الكذب، ولكنه كان سيئ الحفظ جدا.
قال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى.
[ ٤١٦ ]
وقال النضر بن شميل: قال شعبة أفادني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة.
وقال علي بن المديني: سمعت يحيى يقول: كان ابن أبي ليلى سيئ الحفظ وقال أحمد: هو مضطرب الحديث جدا سيئ الحفظ وقال: لا يحتج بحديثه.
وذكر إبراهيم بن سعيد عن يحيى بن معين، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن ابن أبي ليلى ما روى عن عطاء.
قال ابن معين: ابن أبي ليلى ضعيف في روايته.
قال إبراهيم: وكان أحمد بن حنبل لا يحدث عنه.
وقال أحمد بن حفص السعدي عن أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثره خطأ.
وقال العجلي: كان صدوقا، جائز الحديث.
وأما حديث العطاس الذي ذكره الترمذي أن ابن أبي ليلى اضطرب
[ ٤١٧ ]
فيه. فقد خرجه الترمذي أيضا في كتاب الأدب في باب "كيف يشمت العاطس" وسبق الكلام عليه هناك مستوفى.
وذكر الترمذي أنه يروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، وهو كما قال. وقد سبق له حديث في أبواب الدعاء "في أبواب الذكر عند الصباح والمساء وسبق له حديث آخر في القنوت في كتاب الصلاة.
وحديث آخر في التيمم في آخر كتاب الطهارة.
"مجاهد بن سعيد الهمذاني"
وأما مجالد بن سعيد الهمذاني الكوفي، فليس هو بالحافظ أيضا، قد ضعفه غير واحد.
[ ٤١٨ ]
قال يحيى بن سعيد: لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله فعل، يشير إلى أنه كان يقبل التلقين.
وضعفه أحمد، وقال: كم من أعجوبة لمجالد. وقال مرة: هو يزيد في الأسانيد.
وقال مرة: ليس بشيء يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس.
وضعفه يحيى بن معين. وقال: لا يحتج به، وقال مرة: صالح.
وقال النسائي: ليس بالقوي. قوال مرة: ثقة.
وقال ابن حبان، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال الدارقطني: ليس بثقة، يزيد بن أبي زياد أرجح منه، ومجالد لا يعتبر به.
وخرج له مسلم مقرونا. وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. وحدث ابن مهدي عن رجل عنه.
عبد الله بن لهيعة
وأما ابن لهيعة، فهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة، قاضي مصر، وهو كثي الاضطراب.
وكان يحيى بن سعيد يضعفه لا يراه شيئا.
وقد اختلف الأئمة في أمره:
[ ٤١٩ ]
فمنهم من قال: حديثه في أول عمره قبل احتراق كتبه أصح. وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقبري، كذا قال الفلاس وغيره.
وقاله ابن معين في رواية عنه.
ومنهم من قال: حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف، وهو المشهور عن يحيى بن معين وأنكر أن تكون كتبه احترقت. وقال: لا يحتج به. وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتتبعان أصوله. وليس ممن يحتج به.
وقال ابن مهدي: ما (اعتد) بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه.
وقال مرة: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلا ولا كثيران ثم قال: كتب لي ابن لهيعة كتابا فيه: (ثنا) عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، قال: أخبرني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب.
وقال أحمد: كان ابن لهيعة يحدث عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وكان (بعد) يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه.
وقال أيضا: ما حديث ابن لهيعة بحجة. وإني لأكتب كثيرا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض.
وروى عن أحمد أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك.
[ ٤٢٠ ]
وقال الجوزجاني: لا ينبغي أن يحتج بروايته، ولا يعتد بها.
وقال ابن حبان: سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه سواء اكان من حديث أو لم يكن من حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة، عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج (برواية) المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه.
ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود، عن أحمد، قال: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وكذا نقله النسائي عن أبي داود عن أحمد.
وذكر جعفر الفريابي عن بعض أصحابه عن قتيبة، قال: قال (لي) أحمد: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح.. قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة.
وقال الثوري: (عند) ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع.
وقال حججت حججا لألقى ابن لهيعة.
[ ٤٢١ ]
وكان ابن وهب يقول: حدثني (- والله -) الصادق البار عبد الله بن لهيعة.
وأثنى عليه أحمد بن صالح المصري، وقال: هو صحيح الكتاب، فمن ضبط عنه من إملائه من كتابه فحديثه صحيح. قال: وأنا أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصره على ترك حديثه.
قال ابن عدي: هو حسن الحديث، يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد.
خرج مسلم حديثه مقرونا بعمرو بن الحارث. وأما البخاري والنسائي فإذا ذكرا إسنادا فيه ابن لهيعة وغيره سميا ذلك الغير، وكنيا عن اسم ابن لهيعة، ولم يسمياه.
وممن يضطرب في حديثه أيضا شهر بن حوشب. وهو يروي المتن الواحد بأسانيد متعددة.
ومنهم ليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد الكوفي.
[ ٤٢٢ ]
ومنهم عبد الملك بن عمير، على أن حديثه مخرج في الصحيحين، وقال أحمد: هو مضطرب الحديث جدا، وهو أشد اضطرابا من سماك.
وممن يضطرب في حديثه سماك، وعاصم بن بهدلة.
وقد ذكر الترمذي أن هؤلاء وأمثالهم ممن تكلم فيه من قبل حفظه، وكثرة خطئه لا يحتج بحديث أحد منهم إذا انفرد. يعني في الأحكام الشرعية والأمور العلمية، وأن أشد ما يكون ذلك إذا اضطرب أحدهم في الإسناد. فزاد فيه أو نقص، أو غير الإسناد أو غير المتن، تغييرا يتغير به المعنى.
ومثال ذلك حديث رواه ابن لهيعة فزاد في إسناده على الناس، ورواه أيضا بغير الإسناد الذي رواه به الناس، ورواه بمعنى غير معنى حديث الناس:
روى الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعبد الحميد بن جعفر كلهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول:
"لا يبول أحدكم مستقبل القبلة"، وأنا أول من حدث الناس بذلك.
وفي رواية الليث بن سعد وغيره عن يزيد بن أبي حبيب، أنه سمع عبد الله بن الحارث يذكره.
[ ٤٢٣ ]
ورواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع، عن عبد الله بن الحارث (بن جزء)، (فزاد في إسناده رجلا.
ورواه أيضا عن عبد الله بن الحارث) سليمان بن زياد الحضرمي وسهيل بن ثعلبة.
وقد رواه عن سليمان بن زياد غير واحد، منهم ابن لهيعة، وانفرد ابن لهيعة فرواه عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال:
"رأيت رسول الله ﷺ يبول مستقبل القبلة" وأنا أول من حدث الناس بذلك.
وهذا اللفظ خطأ. تفرد به ابن لهيعة، وخالف رواية الناس كلهم.
وقد روى مسلم في مقدمة كتابه، عن الحسن الحلواني: سمعت يزيد بن هارون وذكر زياد بن ميمون، فقال:
حلفت أن لا أروي عنه شيئا، لقيته، فسألته عن حديث فحدثني به عن بكر المزني. ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق. ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن (وكان ينسبه) إلى الكذب، انتهى.
فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهما فإنه ينسب به إلى الكذب. وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما.
[ ٤٢٤ ]
وقد كان عكرمة يتهم في رواية الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه. وذكر معنى ذلك ابن لهيعة عن ابن هبيرة وأبي الأسود، عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري، وكان من أصحاب ابن عباس.
"الرواية باللفظ والمعنى"
قال الترمذي - ﵀ -:
فإما من أقام الإسناد وحفظه وغيره اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير به المعنى.
حدثنا محمد بن بشار، (ثنا) عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال:
"إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم"
(ثنا) يحيى بن موسى، (أنا عبد الرزاق، (أنا) معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: كنت أسمع من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد.
(ثنا) أحمد بن منيع، (ثنا) محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون قال: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يقيدون الحديث على حروفه.
حدثنا علي بن خشرم، (ثنا) حفص بن غياث، عن عاصم الأحول،
[ ٤٢٥ ]
قال: قلت لأبي عثمان النهدي: إنك تحدثنا بالحديث ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا!!
قال: عليك بالسماع الأول.
قال: حدثنا الجارود بن معاذ، (ثنا) وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن، قال:
إذا أصبت المعنى أجزأك.
(ثنا) علي بن حجر، (أنا) ابن المبارك، عن سيف هو ابن سليمان، قال: سمعت مجاهدا يقول: أنقص من هذا الحديث إن شئت، ولا تزد فيه.
حدثنا أبو عمار، الحسين بن حريث قال: (أنا) زيد بن حباب، عن رجل، قال: خرج إلينا سفيان الثوري، فقال: إن قلت لكم: إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني، إنما هو المعنى.
حدثنا الحسين) بن حريث، قال: سمعت وكيعا يقول: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس.
حديث واثلة بن الأسقع الموقوف ذكره البخاري في تاريخه وذكر أن
[ ٤٢٦ ]
أبا نعيم النخعي رواه عن (العلاء) بن كثير عن مكحول، عن واثلة مرفوعا، قال: ولا يصح. والعلاء بن كثير منكر الحديث.
مقصود الترمذي بهذا الفصل الذي ذكره ههنا، أن من أقام الأسانيد وحفظها، وغير المتون تغييرا لا يغير المعنى، انه حافظ ثقة يعتبر بحديثه: (وبنى ذلك على) أن رواية الحديث بالمعنى جائزة وحكاه عن أهل العلم، وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء. ونص عليه أحمد وقال: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب بصير بالمعاني عالم بما يحيل المعنى، وما لا يحيله. نص على ذلك الشافعي.
"أمثلة لرواية بالمعنى أحالت الحديث عن أصلة"
وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيروا المعنى:
مثل ما اختصره بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي"
[ ٤٢٧ ]
وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر ذلك على من فعلة، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم يؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام، وهي حائض.
وروى بعضهم حديث إذا قرأ، يعني الإمام، فانصتوا. بما فهمه من المعنى، فقال:
إذا قرا الإمام: "ولا الضالين" فانصتوا، فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها.
وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد النبي ﷺ يريد زكاة الفطر. فصحف نؤديه، فقال: نورثه، ثم فسره من عنده، فقال: يعني الجد.
كل هذا تصرف سيئ، لا يجوز مثله.
"جواز الرواية بالمعنى وأدلة ذلك من قال به"
فأما الرواية بلفظ آخر لا يختل به المعنى، فهو الذي ذكر الترمذي جوازه عند أهل العلم، وذكره عمن ذكره من السلف.
وروي عن الحسن أنه استدل لذلك بأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها.
وروى قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: لقيت عدة من أصحاب النبي ﷺ فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى.
[ ٤٢٨ ]
وقد روى إجازة ذلك أيضا عن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس. وفي أسانيدها نظر.
وروى معناه عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس، أنهم كانوا يحدثون عن النبي ﷺ ثم يقولون: أو نحو هذا، أو شبهه.
وكان أنس يقول: أو كما قال. وهو أيضا قول عمرو بن دينار، وابن أبي نجيح وعمرو بن مرة، وجعفر بن محمد، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، وابن عيينة وأبي زرعة. وحكى عن أكثر الفقهاء.
وروي فيه أحاديث مرفوعة، لا يصح شيء منها.
"اتباع اللفظ ومن قال به"
وكان ابن عمر - رضي الله عن هما - يشدد في اتباع لفظ الحديث، وينهي عن تغيير شيء منه، وكذلك محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة.
وهو قول مالك في حديث النبي ﷺ خاصة دون حديث غيره. وروى عنه أنه قال: استحب ذلك.
[ ٤٢٩ ]
وحكى الإمام أحمد عن وكيع أنه كان يحدث على المعنى، وأن ابن مهدي كان يتبع الألفاظ ويتعاهدها.
"رأي في جواز النقص دون الزيادة"
ورخص طائفة في النقص في الحديث للشك فيه، دون الزيادة، منهم: مجاهد، وابن سيرين.
وروى أيضا عن مالك أنه كان يترك منه كل ما شك فيه.
"رأى ابن حبان اتباع اللفظ لمن ليس بفقيه"
وقد قال ابن حبان في أول كتاب الضعفاء: الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون. ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة زاد في الخبر ثقة، حتى كأن السنن نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن بفقيه، وحدث من حفظه، ربما قلت المتن، وغير المعنى، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلبه إلى شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار. انتهى.
[ ٤٣٠ ]
"اعتراض على ابن حبان"
وفيما ذكره نظر، وما أظنه سبق إليه. ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به فأما مجرد هذا الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه، فلا يكفي في رد حديثه - والله أعلم -.
"الحفاظ المتقنون"
قال أبو عيسى:
وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبيت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة، مع حفظهم.
حدثنا محمد بن حميد الرازي، (ثنا) جرير عن عمارة بن القعقاع، قال: قال لي إبراهيم النخعي: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، فإنه حدثني مرة بحديث ثم سأله بعد ذلك بسنتين فلم يخرم منه حرفا.
(ثنا) أبو حفص، عمرو بن علي. (ثنا) يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم النخعي: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب.
حدثنا عبد الجبار بن العلاء، (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال عبد الملك بن عمير: إني لأحدث بالحديث فما أدع منه حرفا.
[ ٤٣١ ]
حدثنا الحسين بن مهدي البصري، (ثنا) عبد الرزاق (أنا) معمر، عن قتادة، قال: ما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي.
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي (ثنا) سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري.
أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال أيوب السختياني:
ما علمت أحدا كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير.
حدثنا محمد بن إسماعيل، (ثنا) سليمان بن حرب (ثنا) حماد بن زيد، قال: كان ابن عون يحدث، فإذا حدثته عن أيوب بخلافه تركه، فأقول: قد سمعته. فيقول: إن أيوب أعلمنا بحديث محمد بن سيرين.
أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قلت ليحيى بن سعيد: أيهما أثبت هشام الدستوائي أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعر. كان مسعر من أثبت الناس.
حدثنا أبو بكر عند القدوس بن محمد، قال: وحدثنا أبو الوليد، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: ما خالفني شعبة في شيء إلا تركته.
قال أبو بكر: حدثني أبو الوليد، قال: قال لي حماد بن سلمة: إن أردت الحديث فعليك بشعبة.
حدثنا عبد بن حميد، (ثنا) أبو داود، قال: قال شعبة ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أحاديث أتيته أكثر من
[ ٤٣٢ ]
عشر مرار. والذي رويت عنه (خمسين حديثا أتيته أكثر من خمسين مرة) . والذي رويت عنه مائة أتيت أكثر من مائة مرة، إلا حيان البارقي، فإني سمعت منه هذه الأحاديث، ثم عدت إليه فوجدته قد مات.
حدثنا محمد بن إسماعيل، (ثنا) عبد الله بن أبي الأسود (أنا) ابن مهدي، قال: سمعت سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
قال علي: قلت ليحيى: أيهما كان أحفظ للأحاديث الطوال سفيان أو شعبة؟
قال: كان شعبة أمر فيها.
قال يحيى: وكان شعبة أعلم بالرجال فلان، عن فلان وكان سفيان صاحب أبواب.
حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: سمعت وكيعا يقول: قال شعبة:
سفيان الثوري أحفظ مني. ما حدثني سفيان عن شيخ بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثني.
حدثنا عمرو بن علي، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: الأئمة في الحديث أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وحماد بن زيد.
[ ٤٣٣ ]
قال أبو عيسى:
سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: سمعت معن بن عيسى القزاز، يقول:
كان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله ﷺ في الباء والتاء ونحوهما.
أخبرنا أبو موسى حدثني إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري، قاضي المدينة، قال:
مر مالك بن أنس على أبي حازم، وهو جالس فجازه، فقيل له: قال: إني لم أجد موضوعا أجلس فيه، وكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان الثوري، عن إبراهيم النخعي.
قال يحيى: ما في القوم أحد أصح حديثا من مالك بن أنس، كان مالك إماما في الحديث.
سمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان.
[ ٤٣٤ ]
قال أحمد بن الحسن: وسئل أحمد بن حنبل عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي. قال أحمد:
وكيع أكبر في القلب وعبد الرحمن إمام.
سمعت محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري يقول: سمعت علي بن المديني يقول:
لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني لم أر أحدا أعلم من عبد الرحمن بن مهدي.
قال أبو عيسى:
والكلام في هذا والرواية عن أهل العلم تكثر، وإنما بيننا شيئا منه على الاختصار. ليستدل به على منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم على بعض في الحفظ والإتقان، ومن تكلم فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه.
"أقسام الرواة"
وقد ذكرنا فيما تقدم أن الرواة ينقسمون أربعة أقسام:
أحدهما: من يتهم بالكذب.
والثاني: من لا يتهم، ولكن الغالب على حديثه الوهم والغلط.
وأن هذين القسمين يترك تخريج حديثهم إلا لمجرد معرفته.
والثالث: من هو صادق، ويكثر في حديثه الوهم ولا يغلب عليه. وقد ذكرنا الاختلاف في الرواية عنه وتركه.
والرابع: الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط والخطأ في حديثهم وهذا هو القسم المحتج به بالاتفاق.
وقد ذكر الترمذي حكم الأقسام الثلاثة فيما تقدم. وذكر ههنا حكم القسم الرابع.
وهم الحفاظ المتقنون الذي يقل خطؤهم. وذكر أنه لم يسلم من الغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم، وهو كما قال.
[ ٤٣٥ ]
"أخطاء الحفاظ"
وقال ابن معين: من لم يخطئ فهو كذاب.
وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.
وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم، وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم للحديث وقد جمع جزءا في ذلك.
ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله:
تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم.
وقرأت بخط أبي حفص البرمكي الفقيه الحنبلي - ذكرت لأبي الحسن يعني الدارقطني:
جاء عمرو بن يحيى المازني، في ذكره الحمار موضع البعير في توجه النبي ﷺ إلى خيبر. وأن أحمد لم يضعفه بذلك. فقال أبو الحسن: مثل هذا في الصحابة.
[ ٤٣٦ ]
قال: روى رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت النبي ﷺ يخطب على بلغة بمنى.
وروى الناس كلهم خطبة النبي ﷺ على ناقة. أو جمل. أفيضعف الصحابي بذلك؟ انتهى.
وقد ذكر الأثرم لأحمد أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى، وذكر له هذا الحديث.
"أن النبي ﷺ صلى على حمار". قال: إنما هو على بعير.
فقال أحمد: هذا سهل.
وقال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ.
وقال: حماد بن زيد قد أخطأ في غير شيء.
وقال علي بن المديني: المحدثون صحفوا وأخطأوا ما خلا أربعة: يزيد بن زريع، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعبد الوارث بن سعيد.
[ ٤٣٧ ]
وقال البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء. ثم ذكر عدة أسماء صحفها. وقال: (قال) عن سماك، عن عبد الله بن ظالم وإنما هو مالك بن ظالم.
وقال ابن معين: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة كيس، لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد.
"تراجم أعيان الحفاظ"
وقد ذكر الترمذي ههنا تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة، فنذكرهم ونذكر معهم طائفة ممن لم يسمع أيضا على وجه الاختصار إن شاء الله تعالى.
"١ - أبو زرعة بن عمرو بن جرير":
فمنهم أبو زرعة بن عمرو بن جرير، واسمه هرم، وقيل عبد الرحمن، قاله ابن معين وغيره.
وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو. وجده جرير بن عبد الله البجلي الكوفي.
يروي عن جده جرير، وعن أبي هريرة.
[ ٤٣٨ ]
روى عنه إبراهيم النخعي، وغيره.
قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) أبي، (ثنا) جريرة، عن عمارة بن القعقاع قال: قال لي إبراهيم:
حدثني عن أبي زرعة،
فإني سألته عن حديث، ثم سألته عنه بعد سنتين، فما أخرم منه حرفا.
وخرجه ابن عدي، عن الحسين بن يوسف الفربري، عن أبي عيسى الترمذي، عن ابن حميد، كما أخرجه الترمذي ههنا.
"٢ - سالم بن أبي الجعد، ت ١٠١":
ومنهم سالم بن أبي الجعد.
واسم أبي الجعد رافع الأشجعي، مولاهم الكوفي، وهو ثقة متفق على حديثه.
وكلام منصور الذي خرجه الترمذي خرجه ابن عدي، عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي: مع أن بعضهم تكلم في سالم بن أبي الجعد.
قال ابن جرير: (ثنا) ابن حميد، (ثنا) جرير، عن المغيرة قال: ثلاثة كانوا لا يعبأون بحديثهم فذكر أحدهم سالم بن أبي الجعد.
"٣ - عبد الله بن عمير، ت ١٣٦":
ومنهم عبد الملك بن عمير القرشي الكوفي.
يكنى أبا عمرو. وهو ثقة. متفق على حديثه. وقد سبق أن أحمد قال: هو كثير الاضطراب.
[ ٤٣٩ ]
وقدم سماكا وعاصم بن أبي النجود عليه في الاضطراب، يعني انه أكثر منهم اضطرابا.
وقال أحمد: (ثنا) سفيان، سمعت عبد الملك بن عمير يقول: والله إني لأحدث بالحديث، وما أدع منه حرفا.
وخرجه ابن عدي عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي، كما خرجه هنا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد (ثنا) علي بن المديني، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول:
كان سفيان يعجب من حفظ عبد الملك قال صالح: قلت لأبي: هو عبد الملك بن عمير؟
قال: نعم. قال ابن أبي حاتم: فذكرته لأبي. قال: هذا وهم، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان. وعبد الملك بن عمير لم يوصف بالحفظ.
"٤ - قتادة بن دعامة السدوسي، ت ١١٧":
ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي البصري.
يكنى أبا الخطاب، أحد الأئمة الأعلام، والحفاظ والثقات، والمتفق على صحة حديثهم.
وإليه المنتهى في الحفظ والإتقان.
[ ٤٤٠ ]
قال أبو هلال، عن غالب، عن بكر بن عبد الله المزني: من سره أن ينظر إلى أحفظ من أدركنا في زمانه، وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه، فلينظر إلى قتادة. ما رأيت الذي هو أحفظ منه ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه.
وقال الصعق بن حزن: (ثنا) زيد أبو عبد الواحد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة.
وروي عبد الرزاق، عن معمر أن ابن سيرين، قال في منام قص عليه، فعبره، فقال: قتادة احفظ الناس.
وقال موسى بن إسماعيل، (ثنا) صاحب لنا عن مطر الوراق: _، قال: كان قتادة إذا سمع الحديث حفظه حفظا وكان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه.
[ ٤٤١ ]
وقال أحمد: (ثنا) عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال قتادة لسعيد: خذ المصحف. فعرض عليه سورة البقرة فلم يخطئ فيها حرفا واحدا فقال: أحكمت. قال: نعم. قال: لأنا لصحيفة جابر بن عبد الله احفظ من لسورة البقرة. وكانت قرئت عليه.
وبهذا الإسناد عن قتادة، قال: ما قلت لأحد قط: أعد علي.
وقال أبو داود الطيالسي: ذكر سفيان (لشعبة) حديثا لقتادة، فقال سفيان: وكان في الدنيا مثل قتادة؟
"٥ - محمد بن شهاب الزهري، ت ١٢٤":
ومنهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري القرشي. يكنى أبا بكر، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ الإثبات.
وكان يقال: انه أعلم الناس بكل فن.
قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) أبو سلمة التبوذكي، (ثنا) ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال:
جالست جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير فلم أر أحد أنسق للحديث من الزهري.
وقال أحمد بن حنبل: قيل لسفيان، يعني ابن عيينة، قال عمرو بن دينار:
ما رأيت أحدا أبصر بالحديث من الزهري. قال: نعم.
[ ٤٤٢ ]
وروى ابن عدي بإسناده، عن الليث قال: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: ما رأيت أحدا أحسن سوقا للحديث إذا حدث من الزهري.
وعن أيوب السختياني، قال: ما رأيت أعلم من الزهري، قيل له: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري.
وقال عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري: ما استعدت حديثا قط ولا شككت في حديث قط، إلا حديثا واحدا. فإذا هو كما حفظت.
وقال أحمد: الزهري أحسن حديثا وأجود الناس إسنادا.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه. وكذا قال مكحول:
وقال الثوري: مات الزهري يوم مات وما أحد أعلم بالسنة منه.
وقال هشام بن عمار: (أنا) الوليد، عن سعيد، أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على بعض ولده شيئا من الحديث، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمائة حديث، فخرج الزهري من عند هشام فقال: أين أنتم
[ ٤٤٣ ]
يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشام بعد شهر، أو نحوه، فقال الزهري:
إن ذلك الكتاب قد ضاع.
فقال: لا عليك. فدعا بكاتب فأملاها عليه. ثم قابل هشام بالكتاب الأول. فما غادر حرفا واحدا.
قال أبو حاتم الرازي: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت البناني.
"٦ - يحيى بن أبي كثير، ت ١٢٩":
ومنهم يحيى بن أبي كثير الطائي. يكنى أبا نصر من أهل اليمامة واسم أبي كثير صالح بن المتوكل.
كان أحد الأئمة الربانيين، والحفاظ المتقنين.
قال أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير.
وذكر ابن المديني، انه سمع يحيى بن سعيد يقول: قال شعبة: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري. وروى عبد الرحمن بن الحكم بن بشير قال: كان شعبة يقدم يحيى بن أبي كثير على الزهري.
والحكاية التي ذكرها الترمذي عن أيوب خرجها ابن عدي، عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي.
[ ٤٤٤ ]
وكان يحيى بن أبي كثير يرسل. وضعف يحيى بن سعيد مرسلاته وقال: هي شبه الريح.
وقال أحمد: لا تعجبني مراسيله، لأنه قد روى عن رجال صغار ضعاف.
وليحيى بن أبي كثير كلام حسن في علم المعارف والمحبة والخشية والمخاوف.
"٧ - أيوب بن أبي تميمة السختياني، ت ١٣١":
ومنهم أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري يكنى أبا بكر، واسم أبيه كيسان.
أحد الأئمة الأعلام الربانيين الحفاظ الأثبات.
وكان شعبة يقول: (ثنا) أيوب السختياني وكان سيد الفقهاء.
وقال أبو خشينة: سألت محمد بن سيرين: من حدثك بحديث كذا وكذا؟ قال: حدثني الثبت الثبت أيوب.
وحدث (عنه) مالك بن أنس، وقال: ما حدثتكم عن أحد إلا أيوب أفضل منه. وروى عن (شعبة) مثله.
وعن هشام بن عروة: قال: ما قدم علينا أحد من أهل العراق أفضل من أيوب السختياني ومسعر.
وقال ابن أبي مليكة: أيوب ما بالمشرق مثله.
[ ٤٤٥ ]
وقال عبد الوهاب الثقفي، سمعت ابن عون يقول: عليكم بأيوب. فانه أعلم مني، قال وسمعت يونس يقول: عليكم بأيوب، فإنه أعلم مني.
وقال ابن المبارك: لم أر رجلا أفضل من أيوب.
وقال القواريري: سمعت حماد بن زيد يقول: سمعت أيوب ويحيى بن عتيق وهشاما يتذاكران حديث محمد بن سيرين، فذكروا حديثا، فقال أيوب: هو كذا، فخالفه هشام ويحيى، ثم لم يقوما حتى رجعا إلى حفظ أيوب. قال: فأراد أيوب أن يضع من نفسه، فقال: وما الحفظ؟ وأي شيء الحفظ؟ هذا فلان يحفظ، قال حماد: رجل رأيته يضحك (به) .
وقال ابن معين: أيوب ثقة، وهو أثبت من ابن عون. وإذا اختلف أيوب وابن عون في الحديث فأيوب أثبت منه.
وسئل ابن معين عن أحاديث أيوب، اختلاف ابن علية وحماد بن زيد، فقال: إن أيوب كان يحفظ، وربما نسي شيء.
قال يحيى: وأخبرني عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب أنه كان إذا قدم البصرة يقول:
خذوها رطبة قبل أن تتغير، ولم يكن يكتب ولا يكتب.
قيل ليحيى: كان شعبة هم أن يترك حديث أيوب. قال: كان أيوب خيرا من شعبة، ولكن لحال أنه كان يتحفظ. ولم يكن يكتب. قال يحيى: وأيوب ويونس وابن عون هؤلاء خيار الناس وسليمان التيمي أيضا.
[ ٤٤٦ ]
وذكر ابن مهدي حماد بن زيد، قال: قال لي أيوب: لقد كنت أجمعت أن لا أحدث بشيء اختلف علي فيه.
وقال سلام بن أبي مطيع، قال أيوب: لو كنت كاتبا عن أحد من الناس كتبت عن ابن شهاب.
"٨ - مسعر بن كدام بن ظهير، ت ١٥٣":
ومنهم مسعر بن كدام بن ظهير بن رافع الهلالي الرواسي. وقيل له: الرواسي لكبر رأسه.
يكنى أبا سلمة، أحد الأئمة الأعلام الكوفيين.
وكان هشام بن عروة يقول: ما رأيت بالكوفة مثله.
وقال ابن عيينة: ما رأيت أفضل من مسعر.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت مثل مسعر.
وكان ابن عيينة يحدث عن مسعر، ويقول: كان مسعر من معادن الصدق.
وقال الثوري: كنا إذا اختلفنا في شيء، سألنا مسعرا عنه.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كان شعبة وسفيان إذا اختلفا قالا: اذهبا بنا إلى الميزان، مسعر.
[ ٤٤٧ ]
قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أثبت هشام الدستوائي أو مسعر؟ قال: كان مسعر؟ قال: كان مسعر أثبت الناس.
وقال أبو نعيم: ما رأيت أثبت في حديث من مسعر.
وقال ابن عيينة: قالوا للأعمش: أن مسعرا يشك في الحديث. قال: شك مسعر أحب إلي من يقين غيره.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن شعبة، قال: (كنا نسمي مسعرا) المصحف. كأنه يريد اتقانه، وضبطه.
وكان مسعر قانتا الله مخلصا يجتنب الشهرة يحب الخمول. وقد نسب إلى شيء من الأرجاء، فتكلم فيه الثوري وشريك بسبب ذلك.
"٩ - شعبة بن الحجاج، ت ١٦٠":
ومنهم شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي الواسطي، يكنى أبا بسطام، سكن البصرة.
وهو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل، واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم.
وقال صالح بن محمد الحافظ: أول من تلكم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان ثم تبعه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل.
[ ٤٤٨ ]
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه، قال: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعني في الرجال، وبصره في الحديث وتثبته وتنقيته للرجال.
وقال عبد الله بن إدريس: كان شعبة قبان المحدثين.
وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه. قال حماد: فلما قدم شعبة أخذت عنه.
وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد بن سلمة: إذا أردت الحديث فالزم شعبه.
قال أبو الوليد: وسمعت حماد بن زيد يقول: لا أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، إذا خالفني شعبة في شيء تركته.
وكان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وكان يقول أستاذنا شعبة.
قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق.
وقال أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم وشعبة أحسن حديثا من الثوري.
[ ٤٤٩ ]
لم يكن في زمان شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه قسم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من أهل الكوفة لم يرو عنهم سفيان.
وقال أحمد أيضا: كان شعبة أثبت من سفيان وأنقى رجالا.
وقال مرة: شعبة أنبل رجالا وأنسق حديثا، يعني من سفيان.
وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: كان شعبة أعلم بالرجال، عن فلان، عن فلان كذا وكذا. وكان سفيان صاحب أبواب. وكان شعبة أمر في الأحاديث الطوالات يعني أسرد لها.
وقال أبو داود: لما مات شعبة، قال سفيان: مات الحديث.
قيل له: هو أحسن حديثا من سفيان؟
قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على القلة - والزهري أحسن الناس حديثا، وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه يعني في الأسماء.
وقال العجلي: (شعبة) ثقة ثبت في الحديث. وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلا.
وقال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال.
وقال أيضا: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئا قليلا. ربما وهم في الشيء.
[ ٤٥٠ ]
وقال أحمد: سئل عفان: أيما أقل خطأ شعبة أو سفيان؟ قال: شعبة بكثير.
قال يزيد بن هارون: لولا أن شعبة أراد الله ما ارتفع هكذا قال ابن أبي حاتم: يعني بكلامه في رواة العلم.
وقال أبو حاتم الرازي: كان الثوري قد غلب عليه شهوة الحديث وحفظه. وكان شعبة أبصر بالحديث وبالرجال. وكان الثوري أحفظ. وكان شعبة بصيرا بالحديث جدا، فهما له كأنه خلق لهذا الشأن.
وقد خرج ابن عدي عن الحسين بن يوسف عن الترمذي عن عبد بن حميد الحديث الذي خرجه الترمذي ههنا في اختلاف شعبة إلى شيوخه.
وخرج أيضا من حديث حماد بن زيد، قال: إذا خالفني شعبة في الحديث تبعته. قيل له: ولم؟
قال: إن شعبة كان يسمع ويعيد، ويبدي وكنت أنا أسمع مرة واحدة.
وقال يعقوب بن شيبة كان يقال: إن شعبة كان إذا لم يسمع الحديث مرتين لم يعتد به.
سمعت سهل بن محمد العسكري، أخبرني ابن أخي ابن أبي زائدة عن عمه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة.
قال: سألت شعبة عن حديث فلم يحدثني به، وقال: لم أسمعه إلا مرة، فلا أحدثك به.
وخرج ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي الوليد، قال: سألت شعبة عن حديث، فقال: لا أحدثك، إني سمعته من ابن عون مرة واحدة.
[ ٤٥١ ]
وقال أبو الوليد: قال حماد بن زيد شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مرارا. ونحن كنا إذا سمعناه مرة اجتزينا به.
"١٠ - سفيان بن سعيد الثوري، ت١٦١":
ومنهم سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وليس من ثور همدان على الأصح، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة المجتهدين، والعلماء الربانيين الحفاظ المبرزين. وقد قال فيه شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغيرهم: إنه أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن المبارك: ما كتبت عن أحد أفضل منه.
وعنه قال: ما رأيت مثل سفيان.
وعن يونس بن عبيد، قال: ما رأيت أفضل من سفيان.
وقال ورقاء بن عمر: لم ير سفيان مثل نفسه.
وقال ابن عيينة: ما رأيت قط مثله.
قال عبد الرزاق: سمعت سفيان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فخافني.
[ ٤٥٢ ]
وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ مني، وإذا خالفني في حديث فالحديث حديثه.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدا أحفظ من سفيان، ثم شعبة ثم هشيم.
وقال محمد بن خلاد: سمعت يحيى بن سعيد، وذكر شعبة وسفيان، فقال: سفيان أقل خطأ: لأنه يرجع إلى كتاب.
وقال ابن عيينة: ما بالعراق أحد يحفظ الحديث إلا سفيان.
وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة: ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته، يعني ذلك الشيخ، يأتي بخلاف ما حدث به. ما خلا سفيان الثوري فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان.
وقال أحمد: سفيان أحفظ للإسناد وأسماء الرجال من شعبة.
وقال إسحاق بن هانئ: قلت لأحمد: إن اختلف سفيان وشعبة في الحديث، فالقول قول من؟ قال: سفيان أقل خطأ، وبقول سفيان آخذ.
وقال: الثوري أعلم بحديث الكوفيين ومشايخهم من الأعمش.
وقال: علم الناس إنما هو عن شعبة وسفيان وزائدة وزهير، هؤلاء أثبت الناس واعلم بالحديث من غيرهم.
[ ٤٥٣ ]
وقال معاوية بن عمرو، عن زائدة: كنا نأتي الأعمش فيحدثنا فيكثر، ونأتي سفيان الثوري فنذكر له تلك الأحاديث، فيقول: ليس هذا من حديث الأعمش. فنقول: هو حدثنا به الساعة. فيقول: اذهبوا فقولوا له إن شئتم فنأتي الأعمش فنخبره بذلك، فيقول: صدق سفيان. ليس هذا من حديثنا.
وقال أبو حاتم الرازي: هو إمام أهل العراق، وأتقن أصحاب أبي إسحاق، وهو أحفظ من شعبة وإذا اختلف شعبة والثوري فالثوري.
وقال أبو زرعة: كان الثوري أحفظ من شعبة في إسناد الحديث ومتنه.
وقال أبو داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر به سفيان. وخالفه في أكثر من خمسين حديثا، القول فيها قول سفيان.
قال: وبلغني عن يحيى بن معين، أنه قال: ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان.
وقال وهيب بن خالد: ما أدرك الناس أحفظ من سفيان.
قال الأشجعي: ذهبت مع سفيان إلى هشام بن عروة، فجعل سفيان
[ ٤٥٤ ]
يسأل هشاما، وهشام يحدثه، حتى إذا فرغ قال له سفيان: أعيدها عليه. فأعادها (عليه) .
قال: ثم قال هشام لأصحاب الحديث: احفظوا كما حفظ صاحبكم.
قالوا: لا نستطيع أن نحفظ كما حفظ.
وذكر العجلي عن بعض الكوفيين عن شريك، قال: قدم علينا سالم الأفطس، فأتيته ومعي قرطاس فيه مائة حديث، فسألته عنها، فحدثني بها وسفيان يسمع، فلما (فرغ) قال لي سفيان:
أرني قرطاسك، فأعطيته (إياه) فخرقه فرجعت إلى منزلي فاستلقيت على قفاي، فحفظت منها سبعة تسعين حديثا، وذهبت عني ثلاثة. قال: وحفظها سفيان كلها.
كان سفيان ممرورا لا يخالطه شيء من البلغم (حتى كان يخاف عليه وكان لا يسمع شيئا إلا حفظه) .
وقال يحيى بن سعيد: سفيان فوق مالك في كل شيء.
وعن ابن المبارك، قال: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان.
وعنه قال: ما رأيت أحدا خيرا من سفيان.
[ ٤٥٥ ]
وعن ابن عيينة، قال: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان.
وقال زائدة: سفيان أعلم الناس في أنفسنا. وكان يرى أنه سيد المسلمين.
قال أحمد: قال ابن عيينة: لن ترى بعينيك مثل سفيان حتى تموت، قال أحمد: هو كما قال. قال أحمد: ما يتقدم سفيان في قلبي أحد. ثم قال: أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري قال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير: ما سمعت بعد التابعين بمثل سفيان. وقال المثنى بن الصباح: سفيان عالم الأمة وعابدها، وفضائله كثيرة جدا، وهي مذكورة في كتب كثيرة من تصانيف العلماء. وأفراد (أبو الفرج) بن الجوزي مناقبه في مجلد.
قال علي بن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط، إلا في اسم امرأة أبي عبيد، كان يقول حفينة (يعني أن الصواب جفينة بالجيم) .
"١١ - مالك بن أنس، ت ١٧٩":
ومنهم مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة، المجتمع على إمامته وجلالته وفضله وعلمه.
[ ٤٥٦ ]
قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم.
وقال أيضا: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
وقال أيضا: كان مالك إذا شك في الحديث تركه كله.
وقال أيضا: العلم يدور على مالك وابن عيينة والليث.
وقال ابن مهدي: ما أقدم على مالك في صحة الحديث أحدا.
وقال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثا من مالك. يعني بالقوم مالكا والثوري وابن عيينة.
قال أحمد: مالك أصح حديثا من ابن عيينة. قيل له: فمعمر؟ فقدم عليه مالكا.
وسئل أي أصحاب الزهري أثبت؟ قال: مالك أثبت في كل شيء.
وقال ابن معين: أثبت أصحاب الزهري مالك، ثم معمر.
قال: ومالك أثبت في نافع من أيوب، وعبيد الله بن عمر، وليث بن سعد.
وقال الفلاس: أثبت من روى عن الزهري ممن لا يختلف فيه مالك بن أنس.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: كنت أنا وعلي بن المديني
[ ٤٥٧ ]
فذكرنا أثبت من روى عن الزهري. فقال علي: سفيان بن عيينة. فقلت أنا: مالك بن أنس. وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثا عن الزهري. وقلت هات ما أخطأ فيه مالك. فجاء بحديثين أو ثلاثة. قال: فنظرت ما أخطأ فيه سفيان بن عيينة فإذا هو أكثر من عشرين حديثا.
وقال أبو حاتم الرازي: مالك إمام أهل الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري: وإذا خالفوا مالكا من أهل الحجاز حكم لمالك، ومالك نقي للرجال، نقي الحديث، وهو أتقن حديثا من الثوري والأوزاعي وأقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه (وأقوى) من معمر وابن أبي ذئب.
وقال أحمد: مالك من أثبت الناس، ولا تبالي أن (لا) تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مديني.
وسئل أحمد عن مالك وابن عيينة في الزهري، قال: مالك أثبت مع قلة ما روى وقال: معمر أحبهم إلي (وأحسنهم) حديثا وأصح، يعني أصحاب الزهري، وبعده مالك.
وسئل: أيما أثبت في نافع عبيد الله أو مالك؟ قال ليس أحد أثبت في نافع من عبيد الله، كذا نقله المروزي عن أحمد.
ونقل ابن هانئ عن أحمد، قال: أوثق أصحاب نافع، عندي:_،
[ ٤٥٨ ]
أيوب ثم مالك ثم عبيد الله.
ونقل ابن هانئ عنه أيضا، قال: ليس أحد في نافع أثبت من عبيد الله بن عمر ولا أصح حديثا منه.
وهذا كله يخالف قول ابن معين.
وقد روى ابن أبي حاتم من طريق (ابن) مهدي، قال: قال وهيب لمالك: لم أر أروى عن نافع من عبيد الله بن عمر، إن كان حفظ. فقال مالك (صدقت) . قال وهيب، وقلت: لم أر أثبت عن نافع من أيوب، فضحك مالك، أي كأنه يريد (مالك) نفسه.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده، عن ابن عيينة، قال: ومن كان أطلب لحديث نافع وأعلم به من أيوب؟.
وقال ابن المديني: أثبتهم عندي أيوب.
وقال يحيى القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك.
قال يحيى: مرسلات مالك أحب إلي من مرسلات الأعمش، والتيمي،
[ ٤٥٩ ]
ويحيى بن أبي كثير، وأبي إسحاق: (وابن عيينة)، والثوري. قال يحيى، ليس في القوم أصح حديثا من مالك.
وهذا معنى ما ذكره الترمذي عن يحيى أنه قال: مالك عن ابن المسيب أحب إلي من سفيان عن النخعي.
وقال النسائي: أمناء الله ﷿ على (علم) رسول الله ﷺ شعبة (بن الحجاج) ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان. قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء. وكذلك ابن المبارك من أجل أهل زمانه إلا أنه يروي عن الضعفاء.
قال وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك، ولا أجل ولا آمن على الحديث (ثم "يليه" شعبة في الحديث، ثم يحيى القطان، ليس بعد التابعين آمن على الحديث) من هؤلاء الثلاثة ولا أقل رواية عن الضعفاء.
وقال يحيى القطان: سفيان وشعبة ليس لهما ثالث إلا مالك.
وقال ابن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن المديني: كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء. لا أعلم مالكا ترك إنسانا في حديثه شيء.
"١٢ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ت ١٥٧":
ومنهم عبد الرحمن بن عمرو بن (يحمد) الأوزاعي أبو عمرو. إمام أهل
[ ٤٦٠ ]
الشام، وأحد الأئمة الأعلام.
ذكر إسماعيل بن عياش أنه سمع الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.
وقال مالك: الأوزاعي إمام يقتدى به. وكان مالك يرجحه على سفيان الثوري وغيره.
وقال عبد الله بن داود الخريبي، كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.
قال ابن معين: الأوزاعي أثبت من سفيان بن عيينة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إذا اجتمع سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي على أمر فهو سنه، وإن لم يكن في كتاب ناطق، فإنهم أئمة.
وقال الفلاس: الأئمة خمسة، الأوزاعي بالشام والثوري بالكوفة ومالك بالحرمين، وشعبة وحماد بن زيد بالبصرة.
وذكر ابن مهدي: الأئمة أربعة، ولم يذكر شعبة، وقد خرجه الترمذي، وروى من غير وجه عن ابن مهدي.
وفي رواية عنه. قال: أئمة الناس في زمانهم أربعة، فذكرهم.
وقال ابن مهدي أيضا: لم يكن بالشام أعلم بالسنة من الأوزاعي.
وذكر الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: كنا نسمع الحديث فنعرضه
[ ٤٦١ ]
على أصحاب كما يعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا منه أخذنا، وما أنكروا منه تركنا.
"١٣ - حماد بن زيد، ت ١٧٩":
ومنهم حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، أحد الأعلام الأثبات.
قال أحمد: هو من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة، يعني في صحة الحديث.
وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، وما يدخل في السنة من حماد بن زيد.
وقال ابن مهدي أيضا: ما رأيت أحدا لم يكتب الحديث أحفظ من حماد بن زيد. وقال أيضا: ما رأيت بالبصرة أفقه منه.
وروي عنه، قال: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد (ولا من سفيان من مالك) .
وسئل وكيع: أيهما أحفظ حماد بن زيد أو ابن سلمة؟.
قال: حماد بن زيد، ما كنا نشبه حماد بن زيد إلا بمسعر.
وقال الثوري: هو رجل أهل البصرة.
[ ٤٦٢ ]
وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد.
وقال سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يحدث بالحديث، فيقول سمعته منذ خمسين سنة، ولم أحدث (به) قبل اليوم. ولم يكن له كتب إلا كتاب ليحيى بن سعيد الأنصاري.
وقال يزيد بن زريع: حماد بن زيد أثبت في الحديث من حماد بن سلمة.
وقال ابن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن علية والثقفي، وابن عيينة.
وقال أبو الوليد: يرون أن حماد بن زيد دون شعبة في الحديث.
وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، أصح حديثا وأتقن.
وقال أحمد: ما عندي أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد، وقد أخطأ في غير شيء.
وقال أحمد: ما عندي أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد، وقد أخطأ في غير شيء.
وقال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد.
وقال ابن مهدي: ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد.
وقال ابن مهدي: لم يكن عنده كتاب إلا جزء ليحيى بن سعيد، وكان يخلط فيه.
وذكر (ابن حبان) وغيره: أنه كان ضريرا، وكان يحفظ حديثه كله.
[ ٤٦٣ ]
وقال وهب بن جرير: سأل رجل شعبة عن حديث من حديث أيوب، فقال له: يا مجنون تسألني عن حديث (من حديث) أيوب وحماد إلى جنبك.
وقال سليمان بن حرب: حماد بن زيد في أيوب أكبر من كل من روى عن أيوب.
وقال ابن معين: إذا اختلف إسماعيل ابن علية وحماد بن زيد في أيوب كان القول قول حماد، قيل ليحيى: فإن خالفه سفيان الثوري؟ قال: فالقول قول حماد بن زيد في أيوب. قال يحيى: ومن خالفه من الناس جميعا في أيوب فالقول قوله.
ولما مات حماد بن زيد قال يزيد بن زريع: مات سيد المسلمين.
"١٤ - يحيى بن سعيد القطان، ت ١٩٨":
ومنهم يحيى بن سعيد القطان، أبو سعيد، خليفة شعبة، والقائم بعده مقامه في هذا العلم وعنه تلقاه أئمة هذا الشأن، كأحمد، وعلي، ويحيى، ونحوهم. وقد كان شعبة يحكمه على نفسه في هذا العلم.
ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه عن رستة الأصبهاني، قال، سمعت ابن مهدي يقول: اختلفوا يوما عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما. فقال: قد رضيت بالأحوال، يعني يحيى بن سعيد القطان، فجاء يحيى فتحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك يا أحوال؟ أو من له مثل نقدك؟.
[ ٤٦٤ ]
وقال ابن معين: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى بعينيك مثل يحيى بن سعيد القطان أبدا.
وقال الإمام أحمد: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن (يعني في معرفة الحديث ورواته، هو كان صاحب هذا الشأن)، وجعل يرفع أمره جدا.
وقال أحمد أيضا: لم يكن في زمان يحيى القطان مثله: كان تعلم من شعبة.
وسئل أحمد عن يحيى وابن مهدي ووكيع، فقال: كان يحيى أبصرهم بالرجال، وأنقاهم حديثا، وأظنه قال: وأثبتهم حديثا.
وقال أيضا: لا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد.
وقال أيضا: ما رأيت في الحديث أثبت منه.
وقال سهيل (بن صالح) . سألت أحمد بن حنبل، فقلت: يحيى القطان، وابن المبارك إذا اختلفا في حديث، فقول من تقدم؟ فقال: ليس نقدم نحن على يحيى أحدا.
وقال أبو حاتم الرازي: إذا اختلف ابن المبارك ويحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة في حديث، آخذ بقول يحيى.
قال ابن المديني: ما رأيت أحدا أنفع للإسلام وأهله من يحيى بن سعيد القطان.
[ ٤٦٥ ]
قال (علي): سمعت يحيى بن سعيد يقول: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذاك.
وقال البخاري: أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه.
وقال أبو علي الحافظ: (ثنا) أبو بكر الواسطي، قال: سمعت علي بن المديني، يقول: شعبة أحفظ الناس للمشايخ، وسفيان أحفظ الناس للأبواب، وابن مهدي أحفظهم، (ثم إنه) قال: للمشايخ والأبواب، ويحيى بن سعيد أعرف بمخارج الأسانيد، وأعرف بمواضع الطعن من جمعيهم.
وقال يحيى بن غيلان: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما تركت حديث محمد بن إسحاق إلا لله.
وقال أبو بكر بن خلاد: دخلت على يحيى بن سعيد في مرضه، فقال لي: يا أبا بكر، ما تركت أهل البصرة يتكلمون؟ قلت: يذكرون خيرا، إلا أنهم يخافون عليك من كلامك في الناس. فقال:
احفظ عني، لأن يكون خصمي (في الآخرة) رجل من عرض الناس أحب إلي من أن يكون خصمي في الآخرة النبي ﷺ يقول: بلغك عني حديث وقع في وهمك أنه عني غير صحيح، يعني فلم تنكر.
[ ٤٦٦ ]
"١٥ - عبد الرحمن بن مهدي، ت ١٩٨":
ومنهم عبد الرحمن بن مهدي البصري، قرين يحيى بن سعيد، ويكنى أبا سعيد أيضا.
قال حسين بن عروة: كنا عند حماد بن زيد، وعنده عبد الرحمن بن مهدي، فقال حماد: إن كان أحد يؤتى لهذا الشأن، فهو هذا الشاب.
وقال جرير الرازي: ما رأيت مثل عبد الرحمن بن مهدي، ووصف عنه بصرا بالحديث وحفظا.
وقال ابن المديني: كان ابن مهدي أعلم الناس، قالها مرارا.
وفي رواية عنه: قال: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي.
وقال أيضا: (أعلم الناس بزيد بن ثابت وقوله عشرة، وسماهم، أولهم سعيد بن المسيب. قال: وكان) أعلم الناس بقولهم وحديثهم ابن شهاب، ثم بعده مالك، ثم بعد مالك عبد الرحمن بن مهدي.
[ ٤٦٧ ]
وقال أبو حاتم: (ثنا محمد بن صفوان. قال: سمعت ابن المديني يقول: لو أخذت فأحلقت بين الركن والمقام لحلفت بالله أنني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيما أثبت عندك: عبد الرحمن بن مهدي أو وكيع؟ قال:
عبد الرحمن أقل سقطا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توق حسن.
وقال محمد بن أبي بكر المقدمي: ما رأيت أحدا أتقن لما سمع، ولما لم يسمع من عبد الرحمن بن مهدي.
وقال أبو حاتم الرازي: عبد الرحمن بن مهدي أثبت من يحيى بن سعيد وأتقن من وكيع وكان عرض حديثه علي سفيان الثوري.
وقال الإمام أحمد أيضا (في ابن مهدي) - ﵀ - ما كان أشد تتبعه للألفاظ، وأشد توقيه.
وقال: كان (حافظا)، وكان يتوقى كثيرا، كان يحب أن يحدث باللفظ.
قال: وهو إمام من أئمة المسلمين.
[ ٤٦٨ ]
وقال: لم يكن يكثر الحديث جدا، كان الغالب عليه حديث سفيان.
قال: وكان يتوسع في الفقه، كان فيه أوسع من يحيى، كان يحيى يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين. نقل ذلك كله الأثرم عن الإمام أحمد.
وقال أبو حاتم الرازي: سئل أحمد عن يحيى وعبد الرحمن ووكيع فقال: كان عبد الرحمن أكثرهم حديثا.
وروى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن القواريري. قال: كان ابن مهدي يعرف حديثه وحديث غيره وكان يحيى بن سعيد يعرف حديثه.
وعن حماد بن زيد، قال: لئن عاش ابن مهدي ليخرجن رجل أهل البصرة.
وعن حماد، أنه سئل عن مسألة. فقال: من لهذا إلا ابن مهدي فأقبل عبد الرحمن فسألوه عن ذلك: فأجاب، فلما (قما) من عنده قال: هذا سيد أو فتى أهل البصرة منذ ثلاثين سنة أو نحو هذا.
وعن القواريري، قال: أملى على عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث حفظا.
وعن أحمد بن حنبل، قال: كأن عبد الرحمن بن مهدي خلق للحديث.
وعن مهنا، سألت أحمد أيهما أفقه: عبد الرحمن أو يحيى؟ قال: عبد الرحمن.
وعن ابن المديني، قال: كان علم عبد الرحمن بن مهدي في الحديث كالسحر.
وقال نعيم بن حماد: قلت لابن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث وسقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون.
[ ٤٦٩ ]
وعن ابن نمير، قال: ابن مهدي: معرفة الحديث إلهام. قال ابن نمير: صدق، لو قلت له: من أين؟.
لم يكن له جواب.
وقال ابن مهدي: لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم.
وقال ابن مهدي: لأن أعرف (علة) حديث واحد أحب إلي من أن أستفيد عشرة أحاديث.
وعنه قال: لا يكون إماما في الحديث من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماما في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم، (والحفظ والإتقان) .
"١٦ - وكيع بن الجراح مليح، ت ١٩٦":
ومنهم وكيع بن الجراح بن مليح بن فرس بن عدي، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام.
وقال أحمد: ما رأيت أحدا أوعى للعلم من وكيع، ولا أشبه بأهل النسك.
[ ٤٧٠ ]
وقال أيضا: كان وكيع حافظا (حافظا)، وكان أحفظ من ابن مهدي (كثيرا كثيرا) .
وقال أيضا: ما رأيت أحد ممن أدركنا كان أحفظ للحديث من وكيع.
وقال: أيضا -: وكيع كان يحفظ عن سفيان وعن المشايخ، فلم يكن يصحف.
وقال: أيضا -: ما رأيت أحدا كان أجمع من وكيع.
وقال: وما كتبت عن أحد أكثر مما كتبت عنه.
وقال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع يوما قائما، ووضع يده على الحائط وحدث بسبعمائة حديث.
وقال بشر بن السري، وسهل بن عثمان، ويحيى بن معين، ما رأينا أحفظ من وكيع.
وقال إبراهيم بن شماس: وكيع أحفظ الناس.
وسئل أحمد بن يحيى وابن مهدي ووكيع، فقال: كان وكيع أسردهم.
[ ٤٧١ ]
قال أبو حاتم: وكيع أحفظ من ابن المبارك.
وقال يحيى بن يمان: إن لهذا الحديث رجالا خلفهم الله منذ خلق السماوات والأرض، وان وكيعا منهم.
وقال حماد بن زيد: ليس الثوري عندنا بأفضل من وكيع.
وسئل عبد الرحمن: من أثبت في الأعمش بعد الثوري؟ قال: ما أعدل بوكيع أحدا.
قال له رجل: يقولون أبو معاوية، فنفر من ذلك، وقال: أبو معاوية عنده كذا وكذا وهما.
وقال ابن معين وكيع أحب إلي في سفيان من عبد الرحمن بن مهدي. فذكر ذلك لأبي حاتم، وقيل له: أيهما أحب إليك؟ فقال: عبد الرحمن ثبت، ووكيع ثقة. وظاهر هذا أنه قدم عبد الرحمن على وكيع.
وقال ابن معين: ما رأيت أحفظ من وكيع.
وقال أيضا: من فضل عبد الرحمن بن مهدي على وكيع لعنه يحيى.
وعن عبد الرزاق، قال: رأيت الثوري وابن عيينة ومعمرا ومالكا، ورأيت ورأيت فما رأت عيناي قط مثل وكيع.
[ ٤٧٢ ]
وقال محمد بن عبد الله بن نمير وكيع: أعلم بالحديث من ابن إدريس وكانوا إذا رأوا وكيعا سكتوا، يعني للحفظ والاجلال.
"الأعلام الذين لم يترجم لهم الترمذي"
فهذا ما أشار إليه الترمذي من تراجم بعض أعيان الأئمة الحفاظ المقتدى بهم في هذا العلم.
وذكر أنه ذكره على وجه الاختصار، ليستدل به على منازلهم، وتفاوت مراتبهم في الحفظ.
ونذكر بعض تراجم الأئمة الذين تكرر ذكرهم في هذا الكتاب في أثناء الأبواب، وحكى عنهم الكلام في الجرح والتعديل والعلل. ولم يذكرهم ها هنا.
"١٧ - عبد الله بن المبارك":
فمنهم عبد الله بن المبارك الخراساني، أبو عبد الرحمن، إمام خراسان الجامع بين الخلال الحسان.
وقال ابن عيينة: كان فقيها عالما زاهدا سخيا شجاعا شاعرا.
وقال أحمد: لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه، رحل إلى
[ ٤٧٣ ]
اليمن وإلى مصر والشام والبصرة والكوفة. وكان من رواة العلم. وكان أهل ذاك. كتب عن الصغار والكبار، وجمع أمرا عظيما. ما كان أحد أقل سقطا من ابن المبارك. وكان يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب.
وقال أيضا: ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك.
وعن الثوري، قال: ابن المبارك أعلم أهل المشرق وأهل المغرب.
وعن ابن عيينة، قال: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وقال ابن مهدي: ما رأيت مثل ابن المبارك، فقيل له: ولا سفيان ولا شعبة؟
قال: ولا سفيان، ولا شعبة.
وقال (معمر) بن سليمان: ما رأيت مثل ابن المبارك نصيب عنده شيء الذي لا يصاب عند أحد.
وقال أبو الوليد الطيالسي: ما رأيت أجمع من ابن المبارك.
وروى ابن الطباع، عن ابن مهدي، قال: الأئمة أربعة: الثوري
[ ٤٧٤ ]
ومالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك.
وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين.
وقال نعيم بن حماد: قلت لابن مهدي: أيهما أفضل عندك ابن المبارك أو سفيان؟.
قال: ابن المبارك.
قلت: إن الناس يخالفونك. قال: إن الناس لم يجربوا. ما رأيت مثل ابن المبارك.
وعنه قال: ابن المبارك أثبت من الثوري.
وقال سنيد عن شعيب بن حرب: سمعت سفيان الثوري يقول: لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك، لم أقدر عليه.
وقال ابن عيينة: لا ترى عينك مثل ابن المبارك.
وسئل ابن (معين): من أثبت في حيوة، ابن المبارك، أو ابن وهب؟
[ ٤٧٥ ]
قال ابن المبارك أثبت منه. يعني ابن وهب، في جميع ما يروي. ثم قال: ابن المبارك بابه يحيى بن سعيد القطان يعني انه يشبهه.
وقال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماما يقتدى به. كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.
وقال الأوزاعي لرجل: لو رأيت ابن المبارك لقرت عينيك.
ولما مات ابن المبارك، قال الفضيل بن عياض: ما خلف بعده مثله.
وعن ابن عيينة، قال: نظرت في الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا صحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه.
وعن أبي أسامة، قال: كان ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين (في الناس) .
وقال شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه.
وقال الحسن بن عياش: لم يأخذ ابن المبارك في فن من الفنون إلا يخيل إليك أن علمه كان فيه.
وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، وملا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه.
[ ٤٧٦ ]
وقال عبد العزيز بن أبي رزمة: لم تكن خصلة من خصال البر إلا جمعت في ابن المبارك.
حياء، وكرم، وحسن خلق، وحسن صحبة، حسن المجالسة والزهد والورع وكل شيء.
وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين ومحمد بن النضر، فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك، من أبواب الخير، فقالوا:
جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشعر، والفصاحة، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو والشجاعة، والفروسية، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه.
وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الفرق.
وقال ابن المديني: ابن المبارك أوسع علما من ابن مهدي ويحيى بن آدم.
٤٧٨
- وقال جعفر الطيالسي: قلت لابن معين: إذا اختلف يحيى القطان ووكيع؟ قال: القول قول يحيى. قلت: إذا اختلف عبد الرحمن ويحيى؟ قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: أبو نعيم وعبد الرحمن؟ قال: يحتاد من يفصل بينهما. قلت: ابن المبارك؟ قال: ذاك أمير المؤمنين.
وقال النسائي: أثبت أصحاب الأوزاعي ابن المبارك.
وقال إبراهيم الحربي. عن أحمد: إذا اختلف أصحاب معمر فالقول قول ابن المبارك.
وقال نعيم بن حماد: قال ابن المبارك: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك لأحرقنها.
فقلت له: وما علي من ذلك وهو في صدري.
وكان ابن المبارك، يقول: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه.
وقال: العلم ما يجيئك من هنا وهنا، يعني المشهور.
وقيل له: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة.
وفضائله ومناقبه كثيرة جدا.
وله تصانيف كثيرة في فنون العلم - رضي الله عن هـ -.
"١٨ - الإمام أحمد بن حنبل، ت ٢٤١":
ومنهم الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني: أبو عبد الله رباني الأمة في وقته وعالمها وفقيهها، وحافظها وعابدها، وزاهدها وشهرة فضائله ومناقبه تغني عن الإطالة فيها، وقد أفرد العلماء، التصانيف لمناقبه، فمنهم من طول، ومنهم من قصر.
[ ٤٧٧ ]
وممن أفرد التصنيف لمناقبه: ابن أبي حاتم، وابن شاهين والبيهقي، وأبو إسماعيل الأنصاري ويحيى بن مندة، وابن الجوزي.
وقد أفردت مصنفا لمناقبه، ونذكر ههنا نبذة يسيرة من فضائله في الحديث وعلومه، لأن المقصود يحصل بذلك ههنا.
قال عبد الله بن أحمد: كتب أبي ألف ألف حديث، وترك لقوم لم يرو عنهم مائتي ألف حديث.
وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له وما يدريك؟.
قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
وسئل أبو زرعة: أنت أحفظ، أم أحمد بن حنبل؟.
قال: بل أحمد. قالوا: كيف علمت ذاك؟ قال: وجدت كتب أحمد بن حنبل ليس فيها في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممن سمعه وأنا أقدر على هذا.
وعن أبي زرعة، قال: أتيت أحمد بن حنبل، فقلت أخرج إلى حديث سفيان، فأخرج إلى أجزاء كلها سفيان، سفيان، ليس على حديث منها (ثنا) فلان فظننت أنها عن رجل واحد، فجعلت أنتخب فلما قرأ علي جعل يقول في
[ ٤٧٩ ]
الحديث: (ثنا) وكيع ويحيى، و(ثنا) فلان. قال: فعجبت من ذلك. قال أبو زرعة: فجهدت في عمري أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر.
وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من (المصنف) فإن شئت تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك: بالكلام.
وقيل لأبي زرعة من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟.
قال: أحمد بن حنبل حزر كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر حملا وعدلا، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه (ثنا) فلان، وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه.
وقال صالح بن أحمد: قال أبي: كتبت بخطي ألف ألف حديث سوى ما كتب لي.
وقال أحمد بن الدورقي: سمعت أحمد يقول: نحن كتبنا الحديث من ستة أوجه وسبعة وجوه ولم نضبطه، كيف يضبطه من كتبه من وجه واحد أو نحو هذا؟
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني، وهو أعلمهم
[ ٤٨٠ ]
به، وإلى يحيى بن معين، وهو أكتبهم له.
وذكر يحيى بن مندة في مناقب أحمد بإسناده له عن أبي عبيد، قال: ربانيو العلم أربعة، فأعرفهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث علي بن المديني، وأحسنهم معرفة بالرجال يحيى بن معين، أحسنهم وضعا للباب أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال إبراهيم الحربي: انتهى علم رسول الله ﷺ ما رواه أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، إلى أربعة:
إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكان أحمد أفقه القوم.
وقال عبد الرزاق: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث الشاذكوني، وكان أحفظهم للحديث، ابن المديني، وكان أعرفهم باختلافه ويحيى بن معين. وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل، كان أجمعهم لذلك كله.
وقال ابن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله، أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة.
وسئل أبو زرعة: عن علي بن المديني ويحيى بن معين، أيهما كان أحفظ؟ قال: كان علي أسرد وأتقن، ويحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه.
[ ٤٨١ ]
وأجمعهم أبو عبد الله بن حنبل، كان صاحب حفظ، وصاحب فقه، وصاحب معرفة.
قال: وما أعلم في أصحابنا أفقه من أحمد.
قيل له: اختيار أحمد وإسحاق أحب إليك، أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد وإسحاق أحب إلي.
وقال: ما رأت عيناي مثل أحمد في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير.
وقال أبو زرعة أيضا: ما رأيت مثل أحمد في فنون العلم.
وقال أيضا: ما رأيت أجمع من أحمد بن حنبل.
قيل (له): إسحاق؟.
قال: أحمد أكبر من إسحاق، وأفقه من إسحاق.
وسئل أبو حاتم الرازي: عن أحمد وعلي بن المديني أيهما كان أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه.
قال أبو حاتم: وكان أحمد بارع الفهم بمعرفة الحديث، بصحيحه وسقيمه. وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه. وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال: نعم جعله أصلا، وبنى عليه.
[ ٤٨٢ ]
وقال أحمد بن (سلمة): قلت لأبي حاتم الرازي: أراك في الفتوى على قول أحمد وإسحاق، وعند كتاب الشافعي، وكتاب مالك والثوري وشريك، فتركت هؤلاء كلهم، وأقبلت على قول أحمد وإسحاق.
قال: لا أعلم في دهر ولا عصر مثل هذين الرجلين رحلا وكتبا وذاكرا وصنفا.
وقال النسائي: لم يكن في عصر أحمد مثل هؤلاء الأربعة: أحمد ويحيى، وعلي، وإسحاق، وأعلمهم علي بالحديث وعلله، وأعلمهم بالرجال وأكثرهم حديثا يحيى، وأحفظهم للحديث والفقه إسحاق، إلا أن أحمد بن حنبل كان - عندي - أعلم بعلل الحديث من إسحاق، وجمع أحمد المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد.
وقال العجلي: أحمد ثقة، ثبت في الحديث فقه في الحديث، متبع للآثار، وصاحب سنة (وخبر) نزه النفس.
وقال قتيبة: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.
وقال: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث لكان هو المقدم.
[ ٤٨٣ ]
قلت: تضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال أبو عبد الله البوشنجي: (أحمد) - عندي - أفضل من سفيان الثوري، لأن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن به أحمد ولا علم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد لأنه كان أجمع لها، وأبصر (بمتقنهم)، وغالطهم، وصدوقهم، وكذوبهم (منه) .
وقال زكريا الساجي: أحمد أفضل عندي من مالك والأوزاعي والثوري، والشافعي، لأن لهؤلاء نظيرا، وأحمد (لا) نظير له، يعني في وقتهم ووقته - رضي الله عن هم أجمعين -.
"١٩ - علي بن المديني، ت٢٣٤":
ومنهم علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني السعدي البصري أبو الحسن، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين في علم الحديث وعلله.
كان ابن عيينة - وهو أحد شيوخه - يروي عنه ويقول: "يلومونني على
[ ٤٨٤ ]
حبه) والله ما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني.
وكذا روي عن يحيى القطان أنه قال: أنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم مني.
وعلي بن المديني هو شيخ البخاري، وعنه (تلقى) هذا العلم.
وكان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
وقال أبو حاتم الرازي: كان علي بن المديني علما في الناس، في معرفة الحديث والعلل.
وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، وإنما يكنيه "أبو الحسن" تبجيلا له.
وسئل أبو حاتم عن علي وأحمد: أيهما أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين. وكان أحمد أفقه، وكان علي أفهم للحديث.
وقال هارون بن إسحاق الهمداني: الكلام في صحة الحديث وسقيمه لأحمد بن حنبل وعلي بن المديني.
وسئل ابن وارة الحافظ عن ابن المديني وابن معين، أيهما أحفظ؟ قال: كان علي أسرد، وأتقن.
[ ٤٨٥ ]
وقال ابن حبان: سمعت علي بن أحمد الجرجاني بحلب، يقول: سمعت حنبل بن إسحاق يقول: سمعت عمي أحمد بن حنبل يقول: أحفظنا للطوالات، الشاذكوني، وأعرفنا بالرجال يحيى بن معين، وأعلمنا بالعلل علي بن المديني، وكأنه أومأ إلى نفسه انه أفقههم.
ولابن المديني تصانيف كثيرة في علوم الحديث منها:
كتاب الأسامي والكنى، ثمانية أجزاء.
كتاب المدليسن، خمسة أجزاء.
كتاب أول من نظر في الرجال، وفحص عنهم، جزء.
الطبقان، عشرة أجزاء.
من روى عن رجل لم يره، جزء.
علل المسند، ثلاثون جزء.
العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا.
علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا.
كتاب من (لا يحتج) بحديث ولا يسقط، جزءان.
(الكنى)، خمسة أجزاء.
الوهم والخطأ، خمسة أجزاء.
قبائل العرب، عشرة أجزاء.
من نزل من الصحابة سائر البلدان، خمسة أجزاء.
[ ٤٨٦ ]
التاريخ، عشرة أجزاء.
العرض على المحدث جزآن.
من حدث ثم رجع عنه، جزء.
كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال خمسة أجزاء.
سؤالات يحيى، جزآن.
كتاب الثقات والمتثبتين، عشرة أجزاء.
اختلاف الحديث، خمسة أجزاء.
الأسامي الشاذة، ثلاثة أجزاء.
الأشربة، ثلاثة أجزاء.
تفسير غريب الحديث، خمسة أجزاء.
الإخوة والأخوات، ثلاثة أجزاء.
من يعرف باسمه دون اسم أبيه، جزآن.
من يعرف (باللقب)، جزء.
العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا.
مذاهب المحدثين، جزآن.
كان ابن المديني قد امتحن في محنة خلق القرآن، فأجاب مكرها، ثم إنه تقرب إلى ابن أبي دؤاد حيث استماله بدنياه وصحبه وعظمه، فوقع بسبب
[ ٤٨٧ ]
ذلك في أمور صعبة حتى إنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث ليرضي بذلك ابن أبي (دؤاد)، فهجره الإمام أحمد لذلك وعظمت الشناعة عليه حتى صار عند الناس كأنه مرتد، وترك أحمد الرواية عنه، وكذلك (إبراهيم) الحربي وغيرهما.
وكان يحيى بن معين (يقول): هو رجل خاف فقال ما عليه.
ولو اقتصر على ما ذكره ابن معين لعذر، لكن حاله كما وصفنا.
وقد روي عنه أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. والله تعالى. يرحمه ويسامحه بمنه وكرمه.
"٢٠ - يحيى بن معين، ت ٢٣٣":
ومنهم يحيى بن معين، (أبو) زكريا البغدادي، الإمام المطلق في الجرح والتعديل، وإلى قوله في ذلك يرجع الناس، وعلى كلامه فيه يعولون.
وقد قال هلال بن العلاء وحجاج بن الشاعر: من الله على هذه
[ ٤٨٨ ]
الأمة بيحيى بن معين، نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ.
قال أحمد بن (عقبة): سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث؟. قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. قال (أحمد): وإني أظن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف (وستمائة ألف) .
وقال علي بن المديني: حديث الثقات يدور على (ستة)، وذكرهم قال: وما شذ عنهم يصير إلى اثني عشر، فذكرهم.
(ثم قال): صار حديث هؤلاء كلهم إلى يحيى بن معين.
وذكر داود بن رشيد: أن يحيى بن معين خلف له أبوه ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
وكان يحيى يوسع القول في الجرح، ولا يحابي أحدا، بل يصدع به في وجه صاحبه، ولهذا قال عبد الله بن أحمد الدورقي: كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو ثقة.
وسئل ابن وارة عن ابن معين وابن المديني، أيهما أحفظ؟ فقال: كان علي أسرد وأتقن، وكان يحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه.
وقال سليمان بن حرب: كان يحيى بن معين يقول في الحديث هذا خطأ، فأقول: كيف صوابه؟ فلا يدري، فأنظر في الأصل فأجده كما قال.
[ ٤٨٩ ]
وقال أبو عمرو الطالقاني: رأيتهم يقولون الناس عندنا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وسمعتهم يقولون: محمد بن نمير ريحانة الكوفة، وأحمد قرة عين الإسلام. وابن المديني أعلم علماء آثار رسول الله ﷺ وابن معين أعلم بروايته، وأكثر علمه آثار رسول الله ﷺ.
وعمرو الناقد، قال: ما كان في أصحابنا أحفظ للأبواب من أحمد بن حنبل، ولا أسرد للحديث من الشاذكوني، ولا أعلم بالإسناد من يحيى (بن معين)، ما قدر أحد يقلب عليه إسنادا قط.
قال محمد بن هارون الفلاس المخرمي: إذا رأيت الرجل تقع في يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب يضع الحديث. وإنما يبغضه لما يبين أمر الكذابين.
قال أبو حاتم: توفي ابن معين بمدينة النبي ﷺ وحمل على سرير النبي ﷺ واجتمع في جنازته خلق كثير، وإذا رجل يقول: هذه جنازة يحيى بن معين، الذاب عن رسول الله ﷺ الكذب، والناس يبكون.
كان ابن معين يكره أن يدون كلامه في الجرح والتعديل، ولم يدون هو شيئا - فيما أظن - وإنما سأله أصحابه ودونوا كلامه، منهم: عباس الدوري
[ ٤٩٠ ]
وإبراهيم بن الجنيد، ومضر بن محمد، و(الفضل) الغلابي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ويزيد بن الهيثم. وغيرهم.
"٢١ - أبو زرعة، ت ٢٦٤":
ومنهم أبو زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي. أحمد الأعلام، وحفاظ الإسلام وكان من الصلاح والعبادة والخشية بمحل عظيم.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، لما انصرف قتيبة بن سعيد إلى الري، سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجالسي أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة؟ فقالوا له: فإن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به مجلسا مجلسا، قم فقال أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة، فحدثهم قتيبة.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم
[ ٤٩١ ]
مثل أبي زرعة الرازي. وما كان الله ليترك الأرض إلا وفيها مثل أبي زرعة يعلم الناس ما جهلوه.
وقال علي بن الحسين بن الجنيد: ما رأيت أحدا أعلم بحديث مالك مسندة ومنقطعة من أبي زرعة وكذلك سائر العلوم ولكن خاصة حديث مالك قيل له:
ما في الموطأ والزيادات التي ليست في الموطأ؟ (قال نعم) . وكان أحمد يعظم أبا زرعة. وإذا جالسه ترك أحمد نوافله واشتغل عنها بمذاكرة أبي زرعة.
وروي عنه أنه قال: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث، وهذا الفتى، يعنى أبا زرعة، يحفظ ستمائة ألف حديث.
وقال يونس بن عبد الأعلى: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، وبقاؤهما صلاح للمسلمين.
وقال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي.
وحلف رجل بالطلاق في زمن أبي زرعة أن أبا زرعة يحفظ مائة ألف حديث، فسئل عن ذلك أبو زرعة، فقال: ليمسك امرأته، فإنها لم تطلق منه.
[ ٤٩٢ ]
وقال أبو مصعب الزهري: لقيت مالك بن أنس وغيره، فما رأت عيناي مثل أبي زرعة الرازي.
وقال أبو حاتم الرازي: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، علما وفقها وصيانة وصدقا، وهذا مما لا يرتاب فيه، ولا أعلم (بين) المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل.
وقال أبو حاتم أيضا: الذي كان يعرف صحيح الحديث وسقيمه وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك.
قيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحدا؟ قال: لا.
وذكر أبو حاتم شيئا من معرفة الرجال، فقال: ذهب الذي كان يحسن هذا يعني أبا زرعة، ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا.
قال أبو حاتم: وجرى بيني وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين فما أقل ما تجد من يحسن هذا.
وقال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا أحدا يذكر في الحفظ إلا كان اسمه أكثر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كان أعظم من اسمه وكان
[ ٤٩٣ ]
لا يرى أحدا ممن هو دونه في الحفظ أنه أعرف منه، وكان قد جمع حفظ الأبواب، والشيوخ، والتفسير، وغير ذلك.
قال يحيى بن مندة: قيل أحفظ الأمة أبو هريرة، ثم أبو زرعة الرازي.
وقيل ما ولدت حوافظ أحفظ من أبي زرعة.
قال: وبلغني بإسناد هو لي مسموع أن أبا زرعة قال: أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة. قيل له: ما بال المزورة تحفظ؟ قال: إذا مر بي (منها) حديث عرفته.
"٢٢ - محمد بن إسماعيل البخاري":
ومنهم محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، مولاهم البخاري، الإمام أبو عبد الله، صاحب الصحيح وإمام المحدثين في وقته وأستاذ هذه الصناعة، وعنه أخذها كثير من الأئمة، منهم: مسلم بن الحجاج وسماه أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، وأبو عيسى الترمذي، وقد ذكر أبو عيسى في أول كتاب العلل، أنه لم ير بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد، كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل - ﵀ -.
وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.
[ ٤٩٤ ]
ولما سأل مسلم البخاري عن حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة في كفارة المجلس، فبين له علته، قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.
وروى عن محمد بن الأزهر السجزي قال: كنت بالبصرة في مجلس سليمان بن حرب والبخاري جالس لا يكتب، فقلت: ما لأبي عبد الله لا يكتب؟ قال: يرجع إلى بخارى فيكتب من حفظه.
وقال محمد بن حمدويه سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأعرف مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال أحمد بن حمدون: رأيت البخاري ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى والعلل، ومحمد بن إسماعيل يمر فيه مثل السهم، كأنه يقرأ (قل هو الله أحد) .
وقال عبد الله الدارمي، قد رأيت العلماء بالحجاز والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل.
وقال ابن المديني في البخاري: ما رأى مثل نفسه.
وقال الفلاس: حديث ليس يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث، وسئل صالح بن محمد الحافظ عن البخاري وأبي زرعة، فقال: أعلمهم بالحديث البخاري وأبو زرعة أحفظهم وأكثرهم حديثا.
[ ٤٩٥ ]
وعن أبي حاتم الرازي، قال: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق.
وقال علي بن حجر: أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة بالري، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل - عندي - أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وعن إسحاق بن راهويه، قال: لو كان محمد بن إسماعيل في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه، لمعرفته بالحديث وفقهه.
وفضائل البخاري كثيرة جدا، وامتحن في آخر عمره بمسألة اللفظ بالقرآن، فإنه قال: أفعال العباد مخلوقة، فنسبه محمد بن يحيى الذهلي إلى القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأمر بهجره وضيق عليه فخرج البخاري من نيسابور إلى بخارى، فكتب محمد بن يحيى إلى والي بخارى في أخره فنفاه من بخارى فتوفي بقرية من قراها.
وقد روي عنه أنه قال: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقل هذه المقالة، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وروى عنه أنه قال: هذه مسألة مشؤومة، يعني مسألة اللفظ، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، جعلت على نفسي ألا أتكلم فيها.
وللبخاري تصانيف كثيرة، وقد سبق الناس إلى تصنيف الصحيح والتاريخ، والناس بعده تبع له في هذين الكتابين. إذ كل من صنف في هذين العلمين يحتاج إلى كتابه، وقد كان أبو أحمد الحاكم يعيب من صنف فيهما.
[ ٤٩٦ ]
بعده، ويزعم أنهم إنما أخذوا كتابي البخاري، ولا ريب أنهم استعانوا بهما، وزادوا عليهما، والله يغفر لنا ولهم أجمعين آمين.
"٢٣ - عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥":
ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد السمرقندي الدارمي. يكنى أبا محمد، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين والعلماء العاملين، وقد صنف المسند والجامع التفسير، وامتحن في مسألة القرآن فلم يجب. (وألح عليه السلطان في قضاء سمرقند فتقلده وقضى قضية واحدة ثم استعفى) . فأعفي، وكان الإمام أحمد (إذا ذكره) قال: ذاك السيد عرض على الكفر فلم يقبل، وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل.
وقال أحمد: هو إمام.
وقال محمد بن بشار بندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. قال بندار: وهم غلماني خروجا من تحت كرسي.
وروي عن الإمام أحمد قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان أبي زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البلخي: ثم قال: أبو زرعة أحفظهم، والبخاري أعرفهم، وابن شجاع أجمعهم للأبواب، والسمرقندي أتقنهم.
[ ٤٩٧ ]
ذكره يحيى بن مندة بإسناده.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
وعن أبي حاتم الرازي، قال: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من خراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أتقنهم.
وعنه قال: عبد الله بن عبد الرحمن إمام أهل زمانه.
وعن رجاء بن المرجا، قال: رأيت أحمد وإسحاق وابن المديني والشاذكوني، فما رأيت أحفظ من عبد الله، يعني الدارمي.
وعن رجاء أيضا قال: ما رأيت أحدا أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن.
وعن أبي حامد بن الشرقي، قال: إنما أخرجت خراسان من الأئمة الحديث خمسة رجال:
[ ٤٩٨ ]
محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال ابن حبان: كان عبد الله بن عبد الرحمن بن الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف، وحدث، وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذب عن حريمها، وقمع من خالفها.
وقال محمد بن منصور الشيرازي: كان عبد الله بن عبد الرحمن على غاية من العقل الديانة ممن يضرب به المثل في الحلم والرواية، والحفظ، والعبادة، والزهادة. أظهر علم (الحديث) والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسرا كاملا، وفقيها عالما - ﵀ -.
"صيغ الأداء"
قال أبو عيسى - رحمه الله تعالى -:
والقراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه، أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، وهو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع. حدثنا حسين بن مهدي البصري (ثنا) عبد الرزاق (نا) ابن جريج قال:
قرأت على عطاء بن أبي رباح: فقلت له: كيف أقول؟
قال: قل:
حدثنا سويد بن نصر، (أنا) علي بن الحسين بن واقد، عن أبي عصمة،
[ ٤٩٩ ]
عن يزيد النحوي، عن عكرمة، أن نفرا قدموا على ابن عباس، من أهل الطائفن بكتب من كبته، فجعل يقرأ عليهم فيقدم ويؤخر، فقال:
إني بليت بهذه المصيبة، فاقرأوا علي، فإن إقراري بها كقراءتي عليكم. حدثنا سويد بن نصر، (أنا) علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن منصور بن المعتمر. قال:
إذا ناول الرجل كتابه آخر فقال: أرو هذا عني فله أن يرويه.
قال أبو عيسى:
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: سألت أبا عاصم النبيل عن: حديث، قال: اقرأ علي. فأحببت أن يقرأ هو، فقال: أنت لا تجيز القراءة.
وكان سفيان الثوري ومالك بن أنس يجيزان القراءة.
حدثنا أحمد بن الحسين، (ثنا) يحيى بن سليمان الجعفي المصري، قال: قال عبد الله بن وهب: ما قلت (ثنا) فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: حدثني، فهو ما سمعت وحدي. وما قلت: (أنا)، فهو ما قرئ على العالم، وأنا شاهد. وما قلت: أخبرني، فهو ما قرأت على العلم، يعني أنا وحدي.
سمعت أبا موسى، محمد بن المثنى، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول:
(ثنا) و(أنا) واحد:
قال أبو عيسى:
وكنا عند أبي مصعب المديني فقرئ عليه بعض حديثه فلما فرغ منه، قلت: كيف نقول: قال: قل (ثنا) أبو مصعب.
[ ٥٠٠ ]
"أنواع التحمل"
قال أبو عيسى:
وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة، وإذا أجاز العالم (لأحد أن يروي عنه) شيئا من حديثه، فله أن يروي عنه.
حدثنا محمود بن غيلان، (أنا) وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز عن بشير بن نهيك، قال: كتبت كتابا عن أبي هريرة، فقلت: ارويه عنه؟
قال: نعم.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الواسطي، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي، عن عوف الأعرابي.
قال: قال رجل للحسن: عندي بعض حديثك. ارويه عنك؟
قال: نعم.
قال أبو عيسى:
ومحمد بن الحسن الواسطي إنما يعرف بمحبوب بن الحسن وقد حدث عنه غير واحد من الأئمة.
حدثنا الجارود، (ثنا) أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، قال:
أتيت الزهري بكتاب، فقلت: هذا من حديثك، ارويه عنك؟ قال: نعم.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله عن يحيى بن سعيد قال:
[ ٥٠١ ]
وجاء ابن جريج إلى هشام بن عروة بكتاب، فقال: هذا حديثك أرويه عنك؟ ز
قال: نعم.
قال يحيى: فقلت في نفسي: لا أدري أيهما أعجب أمرا؟.
قال علي: سألت يحيى عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف. فقلت: انه يقول: أخبرني. قال: لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه.
ذكر الترمذي - ﵀ - ههنا مسائل من مسائل تحمل الحديث وروايته:
"المسألة الأولى: مسألة العرض"
وهو القراءة على العالم، وقد (ذكر) انه صحيح عند أهل الحديث مثل السماع من لفظ العالم، وهذا يشعر بحكاية الإجماع على ذلك، وقد ذكر جوازه عن عطاء وسفيان (الثوري) ومالك، وابن وهب.
وأما الأثر الذي أسنده عن ابن عباس فلا يصح.
وأبو عصمة في إسناده هو نوح بن أبي مريم.
وقد خرجه عبد الغني بن سعيد في كتاب "أدب المحدث والمحدث" من
[ ٥٠٢ ]
طريق نعيم بن حماد (ثنا) نوح بن أبي مريم. عن يزيد النحوي به، فذكره. وخرج أيضا من طريق نعيم بن حماد (ثنا) نوح بن أبي مريم عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي: قال: القراءة على العالم والسماع منه بمنزلة.
ونوح بن أبي مريم مشهور بالكذب ووضح الحديث.
وخرج أبو بكر الخطيب من طريق سلم بن سالم، عن نوح بن أبي مريم به. وخرج أيضا حديث ابن عباس من طريق الحسين بن الحسن الأشقر، عن سلم بن سالم عن زياد بن أبي مريم. (عن يزيد النحوي به، ثم قال:
هكذا قال عن زياد بن أبي مريم) . والصواب: نوح بن أبي مريم.
وخرج الخطيب أيضا من طريق أبي مقاتل السمرقندي، عن سفيان عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علي، قال:
القراءة على العالم أصح من قراءة العالم، بعدما أقر أنه حديثه.
وهذا أيضا كذب على سفيان. وأبو مقاتل قد تقدم انه متهم بالكذب.
وخرج الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل" من طريق محمد بن
[ ٥٠٣ ]
منصور الجواز، عن يحيى بن سليم، عن ابن جريج عن عكرمة، عن ابن عباس. انه قال:
اقرأوا علي، فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم.
ويحيى بن سليم تركه أحمد، ولعل ابن جريج دلسه عن غير ثقة.
وخرج الخطيب من طريق إسحاق بن الضيف، عن إبراهيم بن الحكم، حدثني أبي عن عكرمة، قال: قال ابن عباس:
اقرأوا علي فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم.
وإبراهيم بن الحكم ضعيف.
ورواه أيضا حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف، عن (الحكم بن) أبان بنحو سياق أبي عصمة، نوح بن أبي مريم خرجه البيهقي من طريقه ولا يصح هذا.
[ ٥٠٤ ]
وخرج الرامهرمزي هذا الحديث من طريق إسحاق بن عيسى (ثنا) محمد بن حصين الواسطي.
قال: وقال في موضع آخر (ثناه) محمد بن يزيد الواسطي (ثنا) عون، فذكره.
قلت: ولا يصح هذا عن علي، ولا عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة من طريق علي بن (معبد)، (ثنا) شعيب بن إسحاق الدمشقي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة - إن شاء الله - عن بشير بن نهيك، قال: كنت آتي أبا هريرة فآخذ منه الكتب، فأنسخها، ثم أقرأها عليها، فأقول هذا سمعته منك؟ فيقول: نعم.
هذا إسناد مشكوك فيه. والصحيح عن بشير نهيك خلاف هذا اللفظ وسنذكره، وقد روي عن طائفة من التابعين، ومن بعدهم.
قال مروان بن معاوية، عن عاصم الأحول. قرأت على الشعبي: (أحاديث فأجازها لي) . وروى أيضا عن مروان عن إسماعيل عن الشعبي مثله. وروى أبو حمة (ثنا) عبد الرزاق (أنا) معمر عن أيوب عن ابن سيرين أنه
[ ٥٠٥ ]
كان يجيز للعرض وروى داود بن عطاء المديني وفيه ضعف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
عرض الكتاب والحديث سواء.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله.
وروى حنبل بن إسحاق والأثرم، قالا: (ثنا) أبو عبد الله، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي، (ثنا) عوف. أن رجلا قال للحسن: معي أحاديث، فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسا قرأت عليك.
قال: ما أبالي قرأت عليك، أو قرأت علي، وأخبرتك أنه حديثي أو حديثك به.
قال: يا أبا سعيد، فأقول: حدثني الحسن؟ قال: نعم.
ورواه يحيى بن معين عن محمد بن الحسن الواسطي أيضا.
وخرجه البخاري في صحيحه عن محمد بن سلام، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي عن عوف، عن الحسن، قال:
لا بأس بالقرأة على العالم.
[ ٥٠٦ ]
ومحمد بن الحسن الواسطي، هو الذي ذكره الترمذي ههنا أنه يقال له: محبوب. وقد قال ابن معين: لا بأس به وخرج له البخاري في صحيحه وضعفه النسائي. وهذا يخالف اللفظ الذي خرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، وهو الحساني، وقد رواه محمد بن مخلد العطار عن الحساني كما رواه عنه الترمذي، إلا أن لفظه:
قال رجل للحسن: إن عندي كتابا من علمك، فأرويه عنك؟ قال: نعم.
وفي روايته أن محمد بن الحسن هو المزني، والمزني كان قاضي واسط، ليس محبوبا بصري، ليس بواسطي.
وخرج الرامهرمزي هذا الحديث من طريق إسحاق بن عيسى، (ثنا) محمد بن الحسين الواسطي.
قال: وقال في موضع آخر (ثنا) محمد بن يزيد الواسطي، (ثنا) عوف، فذكره.
قلت: ما كان إسحاق حفظ نسب هذا الرجل.
[ ٥٠٧ ]
"من روى عنه الرخصة في العرض من التابعين"
وممن روى عنه الرخصة في العرض من التابعين ومن بعدهم مكحول، والزهري، وأيوب السختياني، ومنصور بن المعتمر، وشريك، وهو قول الثوري، والأوزاعي، ومالك، مسعر، وأبي حنيفة، والليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم. وكان شعبة يبالغ، فيقول: القراءة عند أثبت من السماع، ووافقه على ذلك يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي.
وروي نحوه عن ابن أبي ذئب، وأبي حنيفة، ومالك، والليث، والثوري. وهو قول أبي حاتم، وأبي عبيد.
وقال إسحاق بن هانئ: كنت أقرأ على أبي عبد الله، يعني أحمد، الحديث وأنا أنظر في كتابه، هو ينظر معي. فقال لي: هذا أحب إلي من أن أقرأ أنا عليك.
قلت له: أقول: حدثني؟ قال: قل إن شئت، لكن (أحب إلي) أن تصدق، تقول: قرأت.
"من كره العرض"
وكره طائفة العرض، منهم وكيع، ومحمد بن سلام، وأبو مسهر، وأبو عاصم. وحكى ذلك عن أهل العراق جملة. وكان مالك ينكره عليهم.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدث، فيحفظه، ثم يحدث به.
[ ٥٠٨ ]
واستدل البخاري وغيره على صحة العرض بحديث ضمام بن ثعلبة.
وقد ذكر الترمذي ذلك عند تخريجه لحديث، في أول كتاب الزكاة.
واستدل مالك وغيره بعرض القرآن على القارئ، وبقراءة الصحيفة بالدين على من عليه الحق فيقر بها فيشهد عليه وقد اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكون العالم حافظا لما يعرض عليه، ويمسك أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظا. ومفهوم كلامه انه إذا لم يكن المعروض عليه حافظا، ولا أمسك أصله انه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس بالقراءة إذا كان رجل يعرف ويفهم ويبين ذلك.
قال سعيد بن مروان البغدادي: سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي يقول: القراءة على مالك بن أنس (مثل) السماع من غيره.
[ ٥٠٩ ]
"الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا"
وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فانه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليهما من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد في رواية عبد الله في الضرير والأمي، لا يجوز أن حدثا إلا بما يحفظان.
وقال كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى انه لا يحفظه يقول: في كتابي كذا وكذا، ولا يقول: (ثنا) ولا سمعت.
وكذلك قال يحيى بن معين في الضرير والأمي، نقله عنه عبد الله بن أحمد وعباس الدوري.
وقال أبو خيثمة: كان يعاب على يزيد بن هارون انه كان بعدما أضر يأمر من يلقنه حديثه من كتابه ويتحفظه.
وأنكر طائفة على من كان يكتب من كتاب (موسى بن) عبيدة الربذي ثم يقرؤها (عليه) وكان أعمى.
وذكر ابن المديني عن أبي معاوية الضرير انه قال: ما سمعته من الشيخ وحفظته عنه قلت: حدثنا وما قرئ علي من الكتب، قلت: ذكر فلان.
وكان عبد الرزاق يتلقن ممن يثق به، (كما كان يزيد بن هارون يفعله، وعلى قول هؤلاء يجوز العرض على الشيخ وان كان ضريرا لا يحفظ، أو أميا لا كتاب بيده إذا كان العرض ممن يوثق به) .
[ ٥١٠ ]
وقد رخص ابن معين في السماع ممن يتلقن إذا كان يعرف حديثه ويعرف ما يدخل عليه، فإن لم يعرف ما يدخل عليه فانه كرهه.
وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام:
حافظ متقن يحدث من حفظه، فهذا لا كلام فيه.
وحافظ نسي، فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب، فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ.
وكان شعبة أحيانا يتذكر حديثه من كتاب.
ومن لا يحفظ شيئا، وإنما يعتمد على مجرد التلقين، فهذا هو الذي منع أحمد ويحيى بن الأخذ عنه.
"حكم التحديث من الكتاب إذا كان المحدث لا يحفظ ما فيه"
واختلف العلماء أيضا في التحديث من الكتاب إذا كان المحدث لا يحفظ ما فيه، وهو ثقة:
فقال مالك: لا يؤخذ العلم عمن هذه الصفة صفته، لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
وحكي أيضا عن أبي حنيفة - ﵀ -:
وعلى قول هؤلاء فلا يجوز العرض على من لا يحفظ، وان أمسك الكتاب، كما لا يجوز له أن حدث من الكتاب ولا يحفظ، وأولى.
وهكذا اشترط عثمان بن أبي شيبة في العرض أن يكون العالم يعرف ما يقرأ عليه.
[ ٥١١ ]
ورخص طائفة في التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ، منهم: مروان بن محمد، وابن عيينة، وابن مهدي، ويحيى بن معين وغيرهم.
وهذا إذا كان الخط معروفا موثوقا به، والكتاب محفوظا عنده.
فإن غاب عنه كتابه ثم رجع إليه، فكان كثير منهم يتوقى الرواية منه خشية أن يكون غير فيه شيء. منهم ابن مهدي وابن المبارك والأنصاري.
ورخص فيه بعضهم، منهم: يحيى بن سعيد.
وقال أحمد في رجل يكون له السماع مع الرجل، أله أن يأخذ بعد سنين؟
قال: لا بأس به إذا عرف الخط.
قال أبو بكر الخطيب: إنما يجوز هذا إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان، أو تبديل وسكنت نفسه إلى سلامته.
قال: وعلى ذلك يحمل كلام يحيى بن سعيد.
قلت: وكذا إن كان له فهم ومعرفة بالحديث، وإن لم يحفظه.
وقد قال أبو زرعة: لما رد عليه كتابه، ورأى فيه تغييرا أنا أحفظ هذا، ولو لم أحفظه لم يكن يخفى علي.
وقد قال أحمد في الكتاب قد طال على الإنسان عهده، لا يعرف بعض حروفه فيخبره بعض أصحابه، ما ترى في ذاك؟ قال: إذا كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس، نقله عنه ابن هانئ.
واختلفوا في المحدث الذي لا يحفظ إذا حدث من كتاب غيره.
[ ٥١٢ ]
فرخص طائفة فيه إذا وثق بالخط، منهم ابن جريج. وهو اختيار الإسماعيلي.
وقال أحمد: ينبغي للناس أن يتقوا هذا.
وكان يحيى بن سعيد يعيب قوما يفعلونه.
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله، قال: ما بالكوفة مثل هناد بن السري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتاب وراقه.
فجعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يكتب عن هناد شيء.
هذا كله إذا قرأ القارئ على العالم وليس معه أحد، فإن كان معه أحد يسمع معه:
فقالت طائفة: لا بد لمن يسمع معه أن ينظر في نسخته، وإلا فلا يصخ سماعه، منهم ابن وارة وغيره. وكذا قالوا في المحدث إذا قرأ عليهم من كتابه، ولم ينظروا فيه، ثم نسخوا من الكتاب من غير نظر ولا حفظ. وكذا إذا أملى المحدث، فكتب عنه بعضهم، ثم نسخ الباقون من كتابه من غير حفظ.
وذكر أحمد عن عبد الرزاق أن سفيان لما قدم اليمن جاؤوا بمن يكتب، وكانوا ينظرون في الكتاب فإذا فرغ ختموا الكتاب حتى ينسخوه.
وروى ابن عدي بإسناده عن معمر، قال:
اجتمعت أنا وشعبة والثوري وابن جريج، فقدم علينا شيخ فأملى علينا أربعة آلاف حديث من ظهر قلب. فإذا جن الليل ختمنا الكتاب، فوضعناه تحت رؤوسنا. وكان الكاتب شعبة، ونحن ننظر في الكتاب.
وذكر الخلال عن علي بن عبد الصمد المكي، قال: قلت لأحمد بن حنبل
[ ٥١٣ ]
ونحن في مجلس نسمع فيه الحديث، وأنا لا أنظر في النسخة: يا أبا عبد الله يجزيني أن لا أنظر في النسخة فأقول: (ثنا) مثل الصك إذا لم ينظر فيه ويشهد. قال لي:
لو نظرت في الكتاب كان أطيب لنفسك.
وذكر ابن معين عن ابن أبي ذئب أنه كان يقرأ عليهم كتابا ثم يلقيه إليهم فيكتبونه، ولم ينظروا في الكتاب.
وروي عن مالك ما يدل عليه.
ورخص في ذلك أكثر المتأخرين إذا كان صاحب الكتاب مأمونا في نفسه موثوقا بضبطه.
وروى أحمد بن حرب الموصلي، عن زيد بن أبي الزرقاء، (ثنا) سفيان الثوري في القوم يكونون جميعا، فيأتون الرجل ومعهم حديث من حديثه في كتاب، ويكون الكتاب مع بعضهم، وهو عندهم ثقة وهم أكثر (من) أن يستطيعوا أن ينظروا فيه جميعا، هل يدخل عليهم أن يصدقوا صاحبهم في مسائله؟.
قال: لا، إنما بمنزلة الشهادة.
خرجه الرامهرمزي، وحمله على أن مراد سفيان الرخصة في ذلك كما (يقرأ) الصك على المشهود عليه بالدين فيقربه فيشهد عليه من سمعه.
وكلام أحمد يدل على مثل ذلك أيضا إلا أنه استحب للسامع أن ينظر في الكتاب لتطيب نفسه.
[ ٥١٤ ]
المسألة الثانية: فيما يقول من عرض الحديث إذا حدث به
وقد ذكر الترمذي بإسناده عن عطاء أنه أجاز أن يقول: (ثنا) .
وذكره أيضا عن أبي مصعب صاحب مالك.
وعن يحيى نب القطان أنه قال: (ثنا) و(أنا) واحد.
وسئل محمد بن نصر المروزي ما الفرق بين (ثنا) و(أنا)؟ قال: سواء، الخلق.
وروى محمد بن سعيد بن الأصبهاني عن شريك مثل ذلك.
وذكر الترمذي أيضا عن ابن وهب أنه كان لا يقول: (ثنا) إلا فيما سمع من لفظ العالم مع الناس، فإذا قرئ على العالم وهو شاهد، قال: (أنا)، وإن سمع وحده قال: حدثني، وإن قرأ وحده قال: أخبرني.
والقول الأول: وهو الرخصة في أن يقول من عرض على العالم (ثنا) وهو مروي عن الحسن والزهري ومنصور والثوري ومالك وابن جريج وأبي حنيفة.
ورواه محمد بن كثير عن الأوزاعي. وروي أيضا عن يحيى بن سعيد القطان. وقد تقدم مثله عن أحمد إلا أنه استحب أن يقول: قرأت.
وقال أحمد أيضا: (ثنا) و(أنا) واحد. نقله عنه سلمة بن (شبيب)
[ ٥١٥ ]
وغيره وكذلك قال يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وأبو عاصم النبيل ووهب بن جرير وابن عيينة، وأبو الوليد، وإسحاق بن إبراهيم، وروي عن مالك وسفيان أيضا (وقد جمع الطحاوي في التسوية بينهما جزءا) .
وأما القول الثاني: وهو أن يقول في العرض (أنا) وفي السماع (ثنا) فهو محكي عن طائفة من العلماء منهم النسائي وقبله يونس بن عبد الأعلى.
وحكاه بعضهم عن أكثر أصحاب الحديث، وهو مأثور عن ابن جريج.
قال يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقا، إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرنا أو أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح، يعني أنه لم يسمعه ولم يقرأه.
وروي عن الأوزاعي أنه أمر في الرواية عنه بذلك، وكذا نقله الربيع عن الشافعي وذكر أبو داود في مسائله، قال: قيل لأحمد كان "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"؟ قال: نعم. هو أسهل. (ثنا) شديد.
وقال عوف: إذا قرأ العالم على العالم، فقال: حدثني فهي كذيبة.
وكذلك روي عن حماد بن زيد أنه منع في العرض أن يقول: (ثنا) .
وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ابن المبارك يقول: قرأت على ابن جريج، ولا يقول (أنا) .
[ ٥١٦ ]
وقال أحمد في رواية أبي داود: يعجبني أن يقول كما فعل، يقول: قرأت.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا سمعت من المحدث، فقل: (ثنا)، وإذا قرأت عليه فقل: قرأت، وإذا قرئ عليه فقل: قرئ عليه. قال: وأحب إلى أن يبين كما كان.
ولكن هذا محمول على الاستحباب كما تقدم ذلك صريحا عنه.
ومن أصحابنا من حمله الوجوب.
وقال أبو القاسم البغوي: كان أحمد لا يرى في العرض والإجازة (أنا) ولا (ثنا) إما رأيه أن يبين (الراوي) كما كان. وقرأ رجل على شريك، ثم سأله، فقال: أقول: (ثنا) شريك؟.
فقال: إذن تكذب.
وقال يحيى بن سعيد: ينبغي أن يحدث الرجل كما سمع، فإن سمع يقول: (ثنا)، وإن عرض يقول: عرضت، وإن كان إجازة يقول: أجازني.
وقال محمد بن كثير: سألت الأوزاعي عن الرجل يقرأ على الرجل الحديث، يقول: (ثنا)؟.
قال: لا، يقول كما صنع (يقول): قرأت.
[ ٥١٧ ]
(وقال ابن معين: أرى إذا قرأ الرجل على الرجل أن يقول: قرأت) على فلان، ولا يقول: (ثنا)، وإذا قرئ على الرجل وهو شاهد فليقل قرئ على فلان وأنا شاهد، يقول كما كان.
وقال أحمد بن صالح المصري فيمن قرأ على العالم، يقول: قرأت (قيل له: فإن قال: (ثنا)؟ قال: لا ينبغي له أن يقول إلا كما قرأ، فإن قال: حدثنا فلم يكذب.
قيل له: فإن قال: (أنا) وأنبأنا؟ قال: هو دون (ثنا) .
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: تقول: قرأت على فلان، ولا تقول: حدثني.
وقال شعبة: أحب إلي أن يبين.
قال نعيم بن حماد: ما رأيت ابن المبارك يقول قط: (ثنا)، وكأنه يرى (أنا) أوسع.
"التفريق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا"
وأما تفريق ابن وهب بين أن يكون سماعه أو عرضه وحده، أو مع غيره، فيقول إذا كان وحده. حدثني، أو أخبرني، وإذا كان مع غيره (يقول) (ثنا) أو أخبرنا.
فهذا محمول على الاستحباب، دون الوجوب.
[ ٥١٨ ]
وقد روي مثل ذلك عن سعيد بن أبي مريم المصري.
وروى معناه عن طائفة من السلف.
قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) الوليد بن شجاع، حدثني ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة، عن ابن عون، قال: ربما حدثنا ابن سيرين فيقول: حدثني أبو هريرة، وربما قال: (ثنا) أبو هريرة. قال: فنقول: كيف هذا يا أبا بكر؟ قال: أكون وحدي فيحدثني فأقول: حدثني، وأكون في جماعة فيحدثنا، فأقول حدثنا.
وقال الوليد بن يزيد: قلت للأوزاعي: كتبت عنك حديثا كثيرا، فما أقول فيه؟.
قال: ما قرأته عليك وحدك فقل فيه: حدثني، وما قرأته على جماعة أنت فيهم فقل فيه: (ثنا)، وما قرأته علي وحدك فقل فيه: أخبرني، وما قرئ على جماعة أنت فيهم فقل فيه: (أنا): وما أخبرته لك وحدك فقل فيه: خبرني، وما أخبرته لجماعة أنت فيهم، فقل فيه: خبرنا.
وخرج الخطيب كلام ابن وهب الذي خرج الترمذي من طريق ابن
[ ٥١٩ ]
أخي ابن وهب (عنه)، ثم قال: هذا هو المستحب، وليس بواجب عند أهل العلم. وثم ذكر عن أحمد بن صالح أنه أجاز لمن سمع وحده أن يقول: (ثنا)، ولمن سمع مع جماعة أن يقول: حدثني.
وعن أبي داود، قال: قلت لأبي عبد الله، يعين أحمد: إذا سمع الرجل وحده يقول: (ثنا) فلان؟ قال: لا بأس.
ومن طريق الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: أليس هذا جائزا أن يقول: حدثني وهو ينوي أنه قد حدثه فيمن حدث، ويقول: أشهدني، وقد أشهد جماعة؟.
قال: فظننت أنه سهل في ذلك.
وعن المبارك، قال: إذا حدث الرجل جماعة فليقل كل منهم: حدثني.
وعن يحيى بن سعيد أنه رخص فيه أيضا.
قال أبو عبيد: كنت أسمع ابن المبارك كثيرا يقول: أخبرني، وكنت أرى أنه سمعه وحده حتى أخبروني، أنه كان يقول: إذا حدثنا فقد حدث كل واحد منا على حياله، فلهذا استجاز أن يقول.
وذكر البيهقي قول ابن وهب وسعيد بن أبي مريم الذي تقدم ذكرهن قال: وهذا تفصيل حسن. وعليه أدرنا مشايخنا، وهو معنى قول الشافعي وأحمد - رحمهما الله -.
[ ٥٢٠ ]
وذكر عبد الغني بن سعيد، قال: سمعت الوليد بن القاسم، يقول: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول: كان إسحاق بن راهويه، يقول: إذا قرأت فقل: قرأت، وإذا قرئ عليك فقل: قرئ وإذا حدثك فقل: حدثني، وإذا حدثكم فقل: حدثنا، قل كما كان.
قال عبد الغني: وبلغني عن أحمد بن حنبل نحوه.
وروي بإسناده عن أبي نعيم، قال: أتينا موسى بن علي بمكة، فقلت: حدثك أبوك؟ قال: لا، حدث القوم وأنا فيهم. فقلت: كيف تقول؟ قال: أقول: سمعت أبي.
المسألة الثالثة: الرواية بالمناوبة
وقد أسند الترمذي عن منصور بن المعتمر، أنه رخص في الرواية بها.
والمناولة نوع من أنواع الإجازة، إلا أنها أرفع أنواعها، وصورتها أن يدفع العالم كتابه إلى رجل، ويقول له: هذا حدثني أو كتابي، فاروه عني، أو نحو ذلك.
وممن رأى الرواية بها أيضا: الزهري، ومالك، والأوزاعي، في المشهور عنه، والليث وأحمد.
قال المروذي: قال أبو عبد الله: إذا أعطيتك كتابي، فقلت لك: اروه عني وهو من حدثني فما تبالي أسمعته أم لم تسمعه.
قال: فأعطاني المسند ولأبي طالب مناولة.
[ ٥٢١ ]
وقول يحيى بن سعيد، في رواية ابن جريج عن عطاء الخراساني: إنها ضعيفة لا شيء، إنما هي كتاب دفعه إليه، يدل على أنه كان لا يرى الرواية بالمناولة، إلا أن يحمل على أنه لم يأذن له في روايته عنه.
وفي جواز الرواية بذلك في هذه الحال خلاف بين أهل العلم ذكره أبو بكر الخطيب وغيره.
وروى الوليد عن الأوزاعي أن المناولة يعمل بها، ولا يحدث.
ومن أنواع المناولة أن يأتي الطالب إلى العالم بجزء من حديثه قد كتبه من أصل صحيح. فيدفعه إلى العالم، ويستجيزه إياه، فيجيز له، ويرده إليه، إلا أنهم اشترطوا أن ينظر فيه العالم ويصححه إن كان يحفظ ما فيه، وأن يقابل به أصله، إن كان لا يحفظه. وقد فعل ذلك مالك وأحمد ومحمد بن يحيى الذهلي، واشترطه أحمد بن صالح المصري.
وقال أحمد في رواية حنبل: المناولة لا أدري ما هي، حتى يعرف المحدث حديثه، وما يدريه ما في الكتاب؟.
قال: (وأهل مصر يذهبون إلى هذا، وأنا لا يعجبني.
قال أبو بكر الخطيب: أراه أراد أن) أهل مصر يذهبون إلى المناولة من غير أن يعلم الراوي هل ما في الجزء حديثه أم لا - والله أعلم -.
وهذا الذي ذكر الخطيب صحيح، وقد اعتمد أحمد في ذلك على حكاية حكاها له ابن معين، عن ابن وهب، أنه طلب من سفيان بن عيينة (أن يجيز
[ ٥٢٢ ]
له رواية جزء) أتاه به في يده، فأنكر ذلك ابن معين، وقال لابن وهب: هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه.
وقد روي عن ابن شهاب جواز ذلك أيضا، إلا أن الخطيب تأوله على أنه كان سبق علمه بما فيه، وفيه بعد.
وظاهر ما أسند الترمذي عن ابن جريج، وهشام بن عروة يدل على جواز ذلك أيضا.
وروى عن مالك ما يدل عليه.
وإن قال العالم: إن كانت هذه من حديثي، فحدث بها جاز، ومقالة مالك - رضي الله عن هـ - وظاهر الكلام أحمد يدل على أنه لا بد أن يكون المناول حاضرا، فإن أذن له في رواية شيء غائب لم يجز، فإنه قال في رواية الأثرم:
كان شعيب بن أبي حمزة عسرا في الحديث، فسألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال: لا ترووا هذه الأحاديث عني، ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا تلك الأحاديث عني.
[ ٥٢٣ ]
وقيل لأبي عبد الله: مناولة؟ قال (لو كان مناولة) كان، لم يعطهم كتبا ولا شيئا، إنما سمع هذا فقط، فكان أبو اليمان بعد يقول: (أنا) شعيب، فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيبا يقول لقوم: ارووه عني.
قال: استحل ذلك.. شيء عجيب..
وذكر أحمد ذلك على وجه الإنكار على أبي اليمان.
"قبول حديث أبي اليمان وتخريجه"
وحديث أبي اليمان عن شعيب متفق على تخريجه في الصحيحين. وإذا كان حديث شعيب عندهم معروفا، وأذن لهم في روايته عنه، فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، بل هذه إجازة من غير مناولة.
والحديث الذي خرجه الترمذي عن الحسن يدل على جواز ذلك أيضا، إلا أن أبا اليمان كان يقول في الرواية بها: (أنا) . وقد نهى عن ذلك الأوزاعي وأحمد بن صالح المصري. ورخص فيه آخرون، منهم مالك، ورواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي أيضا، وقد روي عن أحمد أيضا.
[ ٥٢٤ ]
قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت القاسم بن أبي صالح، يقول: سمعت إبراهيم بن الحسين يقول: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟.
قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه علي، وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة فقال: قل في كله: (أنا) شعيب.
ونقل البرذعي عن أبي زرعة الرازي، قال:
لم يسمع أبو اليمان من شعيب بن أبي حمزة إلا حديثا واحدا، والباقي إجازة.
"المناولة بالكتابة"
ومن أنواع المناولة أن يكتب العالم إلى رجل بشيء من حديثه، ويختمه، ويأذن له في روايته عنه، وهي دون المناولة من يده، وقد روى بها خلق كثير من جلة السلف والخلف.
وقال أيوب وشعبة منصور وغيرهم: إذا كتب إليك العالم، فقد حدثك.
وقال ابن وهب: كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول الليث: حدثني (يحيى بن سعيد. وكان هشام يكتب إليه فيقول: حدثني) هشام.
[ ٥٢٥ ]
"الشهادة على الكتاب المختوم"
وهؤلاء منهم من طرد ذلك في باب الشهادة، فأجاز الشهادة على الكتاب المختوم ونحوه، وإن لم يعلم ما فيه.
وحكي ذلك عن الزهري، وهو قول أبي عبيد، وأبي يوسف. وخرجه طائفة من أصحابنا، رواية عن أحمد.
"من فرق بين الرواية والشهادة"
ومنهم من فرق بين الرواية والشهادة، فأجاز الرواية بالمناولة دون الشهادة على الخط المختوم، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء.
وفرق كثير منهم بأن الرواية مبناها على المسامحة، فإنه لا يشترط لها العدالة الباطنة، ويقبل فيها قول النساء والعبيد مطلقا، ويقبل فيها العنعنة بخلاف الشهادة.
ومنهم من فرق بأن الشهادة يخفي تغييرها وزيادتها ونقصها، بخلاف الحديث فإنه قد حفظ وضبط، فلا يكاد يخفي تغييره.
وقيل: إن كلام أحمد إيماء إلى هذا الفرق.
"العمل بالوصية المختومة وعمل القاضي بكتاب القاضي"
وقد يجوز كثير من العلماء العمل بالوصية المختومة، وإن لم يشهد عليها، وهو نص أحمد وقول محمد بن نصر المروزي وغيره.
وكذلك جوز كثير من فقهاء الحجاز عمل القاضي بكتاب القاضي، إذا
[ ٥٢٦ ]
عرف أنه كتابه من غير شهادة على ما فيه. وقد حكى المعافى بن زكريا ذلك عن جمهور فقهاء الحجاز والشام ومصر والمغرب والبصرة. وحكاه عن مالك والأوزاعي، والليث، وإسحاق وأبي عبيد، وسمى عددا كثيرا.
ولكن لا يلزم من جواز العمل بالخط المعروف جواز تحمل الشهادة بما لم يسمعه، وإن جاز أن يشهد أنه خط فلان إذا عرفه، ولعل مراد كثير ممن قال بقبول الكتاب المختوم المشهود عليه. وإن لم يقرأ على الشهود أن الشاهد يشهد أن هذا كتاب فلان أو خطه فحينئذ يكون العمل بالخط.
وقد تقدم أن الأوزاعي فرق بين المناولة بين العمل والرواية في رواية عنه، فلا يلزم من جواز العمل بما عرف صحته جواز تحمله من غير تحمل له.
وأما الأثرم الذي خرجه الترمذي من حديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، فقد رواه روح بن عبادة، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال بشير بن نهيك: كنت أكتب بعض ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت فراقه أتيت بالكتب فقرأتها عليه. فقلت: هذا سمعته منك؟ فقال: نعم.
ورواه عثمان بن الهيثم عن عمران به بنحوه.
ورواه أبو عاصم، عن عمران بن حدير به، وقال في حديثه: فلما أردت فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك، أحدث به عنك؟ قال: نعم.
[ ٥٢٧ ]
وهذا ليس من باب المناولة ولا من باب العرض المجرد، بل رواية روح تدل على أنه عرض بعد سماع.
وفي كلا الروايتين أنه كان يكتب بعدما يسمع منه، ثم أقر له به أبو هريرة، وأذن له في روايته، وهذا نهاية ما يكون من التثبيت في السماع، مع أن البخاري قال في بشير: لا أرى له سماعا من أبي هريرة.
نقله عنه الترمذي في العلل.
المسألة الرابعة: الرواية بالإجازة من غير مناولة
وقد ذكر الترمذي عن بعض أهل العلم إجازتها، وقد حكاه غيره عن جمهور أهل العلم.
وحكاه بعضهم إجماعا، وليس كذلك، بل قد أنكر الإجازة جماعة من العلماء، وحكي ذلك عن أبي زرعة، وصالح بن محمد، وإبراهيم الحربي.
وروى الربيع عن الشافعي أنه كره الإجازة.
قال الحاكم: لقد كرهت عند أكثر أئمة هذا الشأن.
والذين أنكروا الإجازة المطلقة، منهم من رخص في المناولة، وهو قول أحمد بن صالح المصري.
وروي أيضا مثله عن إبراهيم الحربي وأبي بكر البرقاني، وظاهر
[ ٥٢٨ ]
كلام أحمد في رواية الأثرم في قصة رواية أبي اليمان عن شعيب يدل على مثل ذلك، إلا أن يحمل إنكاره على أبي اليمان على إطلاقه لفظ الإخبار في الرواية بالإجازة، لا على أصل الرواية بالإجازة.
وقد ذكرنا عنه رواية أخرى أنه أجاز لأبي اليمان إطلاق قوله (أنا) فيما يرويه عن شعيب بالمناولة والإجازة، وهو قول كثير من السلف والخلف.
وروي عن أحمد أنه أجاز يقول (ثنا) فيما يرويه بالإجازة، وحكى أيضا عن مالك والليث بن سعد والثوري وغيرهم.
"المرسل"
قال أبو عيسى - ﵀ -:
والحديث إذا كان مرسلا فإنه لا يصخ عند أكثر أهل الحديث، وقد ضعفه غير واحد.
أخبرنا علي بن حجر (أنا) بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبي حكيم، قال:
سمع الزهري إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ فقال الزهري:
قاتلك الله يا ابن أبي فروة تجيئنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة.
أخبرنا أبو بكر عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد:
مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير، كان عطاء (يحطب) يأخذ من كل شرب.
[ ٥٢٩ ]
قال علي: قال يحيى: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاءز
قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب (إليك) أم مرسلات طاوس".
قال: ما أقربهما؟.
قال علي: وسمعت يحيى يقول: مرسلات أبي إسحاق عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير. ومرسلات ابن عيينة شبه الريح. ثم قال: إي والله وسفيان بن سعيد.
قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي.
ثم قال يحيى: ليس في القوم أحد أصح حديثا من مالك.
حدثنا سوار بن عبد الله العنزي، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: ما قال الحسن في حديثه، قال رسول الله ﷺ إلا وجدنا له أصلا إلا حديثا أو حديثين.
قال أبو عيسى:
ومن ضعف المرسل فإنه ضعفه من قبل أن هؤلاء الأئمة قد حدثوا الثقات وغير الثقات. فإذا روى أحدهم حديثا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة.
وقد تكلم الحسن البصري في معبد الجهني، ثم روى عنه:
حدثنا بشر بن معاذ البصري (ثنا) مرحوم بن عبد العزيز العطار، قال: حدثني أبي وعمي، قالا: سمعنا الحسن يقول: إياكم ومعبد الجهني فإنه ضال مضل.
[ ٥٣٠ ]
قال أبو عيسى:
ويروى عن (الشعبي)، قال: (ثنا) الحارث الأعور، وكان كذابا. وقد حدث عنه. وأكثر الفرائض التي يرويها عن علي وغيره هي عنه.
وقد قال الشعبي: الحارث الأعور علمني الفرائض، وكان من أفرض الناس.
سمعت محمد بن بشار يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة؟ لقد تركت لجابر الجعفي بقوله لما روى عنه أكثر من ألف حديث، ثم هو يحدث عنه.
قال محمد بن بشار: وترك عبد الرحمن بن مهدي حديث جابر الجعفي.
قال أبو عيسى:
وقد احتج بعض أهل العلم بالمرسل أيضا.
حدثنا أبو عبيدة بن أبي سفر الكوفي، (ثنا) سعيد بن عامر عن شعبة عن سليمان الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن عبد الله بن مسعود.
فقال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله.
[ ٥٣١ ]
الكلام ههنا في حكم الحديث المرسل
وقد ذكر الترمذي لأهل العلم فيه قولين:
أحدهما: أنه لا يصح، ومراده: أنه لا يكون حجة.
وحكاه عن أكثر أهل الحديث. وحكاه الحاكم عن جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز، وسمى منهم: سعيد بن المسيب، والزهري، ومالك بن أنس والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، فمن بعدهم من فقهاء المدينة.
وفي حكايته عن أكثر من سماه نظر.
ولا يصح عن أحد منهم الطعن في المراسيل عموما، ولكن في بعضها.
وأسند الترمذي قول الزهري لإسحاق بن أبي فروة: قاتلك الله تجيئنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة، يريد لا أسانيد لها، وهذا ذم لمن يرسل الحديث ولا يسنده.
وروى سلمة بن العيار عمن سمع الزهري يقول: ما هذا الأحاديث التي تأتون بها ليس لها خطم وأزمة، يعني الأسانيد.
وذكر الترمذي أيضا كلام يحيى بن سعيد القطان في أن بعض المرسلات أضعف من بعض.
ومضمون ما ذكر عنه تضعيف مرسلات عطاء، وأبي إسحاق، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير والثوري، وابن عيينة، وأن مرسلات مجاهد وطاوس وسعيد بن المسيب ومالك أحب إليه منها.
وقد أشار إلى علة ذلك بأن عطاء كان يأخذ عن كل ضرب، يعني أنه كان يأخذ عن الضعفاء ولا ينتقي الرجال، وهذه العلة مطردة في أبي إسحاق،
[ ٥٣٢ ]
والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير، والثوري، وابن عيينة، فإنه عرف عنهم الرواية عن الضعفاء أيضا.
وأما مجاهد وطاوس وسعيد بن المسيب ومالك فأكثر تحريا في رواياتهم وانتقادا لمن يروون عنه، مع أن يحيى بن سعيد صرح بأن الكل ضعيف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، (ثنا) علي بن المديني، قال: قلت ليحيى بن سعيد: (ابن المسيب) عن أبي بكر؟ ز
قال: شبه الريح.
قال: وسمعت يحيى يقول: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، قال يحيى: وكل ضعيف.
قال: وسمعت يحيى يقول: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء. لأنه لو كان فيه إسناد صاح به. قال: وقال يحيى: أما مجاهد عن علي فليس بها بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.
وأما عطاء، يعني عن علي، فأخاف أن يكون من كتاب.
قال: وسمعت يحيى يقول: مرسلات ابن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي.
قال: وسمعت يحيى يقول: مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم.
[ ٥٣٣ ]
وذكر يحيى عن شعبة أنه كان يقول: عطاء عن علي إنما هي من كتاب، ومرسلات معاوية بن قرة نرى أنها عن شهر بن حوشب.
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء (علقوه) .
وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب:
أحدهما: ما سبق من أن من عرف روايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.
والثاني: أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه، فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك. وهذا معنى قوله: مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.
والثالث: أن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه. بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ. ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى يسد أذنيه حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه فيقر فيه.
وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديث، وقال: ليس هو من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك، فظننت انك سمعته، ولم تسمعه، وليس هو من حديثك.
وقال الحسين بن حريث: سمعت وكيعا يقول: لا ينظر الرجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه.
[ ٥٣٤ ]
وقال الحسين بن الحسن المروزي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش: فقلت: ليس هذا من حديثك. قال: بلى. قلت: لا. قال: بلى. قلت: لا. قال: يا سلامة هات الدرج فأخرجت فنظرت فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أتيت؟ قلت: ذوكرت به وأنت شاب فظننت أنك سمعته.
والرابع: إن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على انه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيرا، يكنون عن الضعيف ولا يسمونه، بل يقولون: عن رجل، وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد صاح به، يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه وأعلن باسمه.
"مرسل الزهري ومنزلته"
وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما يقدر أن يسمى سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه.
وقال يحيى بن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء.
وقال الشافعي: إرسال الزهري - عندنا - ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم.
وقد روي أيضا تضعيف مراسيل الزهري عن يحيى بن سعيد، وأن أحمد بن صالح المصري أنكر ذلك عليه. لكن من وجه لا يثبت.
[ ٥٣٥ ]
"مراسيل الحسن"
وأما مراسيل الحسن البصري ففي كلام الترمذي ما يقتضي تضعيفها مع مراسيل الشعبي، فإنه ذكر أن الحسن ضعف معبدا ثم روى عنه، وأن الشعبي كذب جابرا الجعفي ثم روى عنه، فتضعف مراسيلهما حينئذ، وما ذكره عن يحيى القطان أن مراسيل الحسن وجد لها أصلا إلا حديثا أو حديثين يدل على أن مراسيله جيدة.
وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن عثمان يقول: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: كل شيء يقول الحسن قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث.
وخرج عبد الغني بن سعيد من طريق نصر بن مر زوق وسلمة بن مكتل، قالا: سمعنا الخصيب بن ناصح يقول: كان الحسن إذا حدثه رجل واحد عن النبي ﷺ بحديث ذكره. فإذا حدثه أربعة بحديث عن النبي ﷺ ألقاهم، وقال: قال رسول الله ﷺ سلمة بن مكتل مصري، ذكره ابن يونس.
والخصيب بن ناصح مصري - أيضا - متأخر، لم يدرك الحسن، إنما يروي عن خالد بن خداش ونحوه، ويروي عنه أيضا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم.
[ ٥٣٦ ]
قال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي: سمعت علي بن المديني يقول: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها.
وقال ابن عبد البر: روى عباد بن منصور: سمعت الحسن، قال: ما حدثني به رجلان قلت: قال رسول الله ﷺ وروى محمد بن موسى الحرشي عن ثمامة بن عبيدة (ثنا) عطية بن محارب عن يونس، قال: سالت الحسن قلت: يا أبا سعيد انك تقول: قال رسول الله ﷺ ولم تدركه.
قال: كل شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب - رضي الله عن هـ - غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا، وكان في عمل الحجاج.
وهذا إسناد ضعيف، ولم يثبت للحسن سماع من علي.
وذكر البخاري في تاريخه، قال: قال الهيثم بن عبيد (الصيد)
[ ٥٣٧ ]
حدثني أبي، قال: قال رجل للحسن: انك لتحدثنا: قال النبي ﷺ فلو كنت تسند لنا؟
قال: والله ما كذبناك ولا كذبنا، لقد غزوت إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ.
وهذا يدل على أن مراسيل الحسن، أو أكثرها عن الصحابة.
وضعف آخرون مراسيل الحسن:
روى حماد عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: كان ههنا ثلاثة يصدقون كل من حدثهم، وذكر الحسن وأبا العالية ورجلا آخر.
وروى جرير عن رجل عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين قال: لا تحدثنا عن الحسن، ولا عن أبي العالية فانهما لا يباليان عمن أخذا الحديث.
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي، قال: لو لقيت هذا يعني الحسن لنهيته عن قوله: قال رسول الله ﷺ صحبت ابن عمر ستة أشهر فما سمعته قال: قال رسول الله ﷺ إلا في حديث واحد.
وروى شعبة عن عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: ثلاثة كانوا يصدقون من حديثهم أنس، وأبو العالية، والحسن البصري.
قال الخطيب أراد أنس بن سيرين وفيه نظر.
وقال الإمام أحمد: (ثنا) أبو أسامة عن وهيب بن خالد، عن خالد
[ ٥٣٨ ]
الحذاء، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كان أربعة يصدقون من حديثهم، أبو العالية والحسن وحمدي بن هلال، ورجل آخر سماه.
وقد كان ابن سيرين يقول: سلوا الحسن ممن سمع "حديث العقيقة". وسلوا الحسن ممن سمع "عمار تقتله الفئة الباغية".
وقال أحمد في رواية الفضل بن زياد: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها. وليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح، فانهما يأخذان عن كل.
وقال أحمد في رواية الميموني وحنبل عنه: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح لا نرى أصح من مرسلاته.
زاد الميموني: وأما الحسن وعطاء فليس هي بذاك. هي أضعف المراسيل كلها فإنهما كانا يأخذان عن كل.
وقال ابن سعد: قالوا ما أرسل الحسن ولم يسنده فليس بحجة.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: ابن جريج كان لا يبالي من أين يأخذ، وبعض أحاديثه التي يرسلها، يقول: أخبرت عن فلان، موضوعه.
وممن تكلم من السلف في المراسيل ابن سيرين، وقد تقدم قوله: كانوا
[ ٥٣٩ ]
لا يسألون عن (الإسناد) حتى وقعت الفتنة، وقوله لما حدث عن أبي قلابة: أبو قلابة رجل صالح، ولكن عمن أخذه أبو قلابة.
وكذلك تقدم قول ابن المبارك، لما روي له حديث عن الحجاج بن دينار عن النبي ﷺ: بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل.
وقد سبق كلام شعبة ويحيى القطان.
وكذلك ذكر أصحاب الشافعي أن مذهبه أن المراسيل ليست حجة، واستثنى بعضهم مراسيل سعيد بن المسيب، وقال: هي حجة عنده.
قال أبو الطيب الطبري: وعلى ذلك يدل كلام الشافعي. ومن أصحابه من قال: إنما تصلح للترجيح لا غير.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: ليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب.
[ ٥٤٠ ]
خرجه ابن أبي حاتم في أول كتاب المراسيل عن أبيه عن يونس. وتأوله على أن مراده أن يعتبر بمراسيل سعيد بن المسيب.
وخرجه عبد الغني بن سعيد من طريق محمد بن (سفيان) بن سعيد المؤذن عن يونس به.
قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي وأبا زرعة يقولا: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح. وكذلك قال الدارقطني: المرسل لا تقوم به حجة.
وخرج مسلم في مقدمة كتابه من طريق قيس بن سعد عن مجاهد، قال: جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن بحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس، ما لي أراك لا تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟
فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا بما نعرف.
ثم قال مسلم في أثناء كلامه: المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالإخبار ليس بحجة.
[ ٥٤١ ]
القول الثاني في المسألة: الاحتجاج بالمرسل
وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم وذكر كلام إبراهيم النخعي أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد وان أسند لم يكن عنده إلا عمن سماه. وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة.
وقد قال أحمد في مراسيل النخعي، لا بأس بها.
وقال ابن معين: مرسلات ابن المسيب أحب إلي من مرسلات الحسن. ومرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. وقال أيضا: إبراهيم أعجب إلي مرسلات من سالم والقاسم وسعيد بن المسيب.
قال البيهقي: والنخعي نجده يروي عن قوم مجهولين لا يروي عنهم غيره، مثل هنى بن نويرة وخزام الطائي، قرثع الضبي ويزيد
[ ٥٤٢ ]
ابن أوس، وغيرهم.
وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا.
وقال الحسن بن شجاع البلخي: سمعت علي بن المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.
وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأصحاب مالك أيضا هكذا أطلقوه.
وفي ذلك نظر سنبين علته - إن شاء الله - تعالى.
وحكي الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة، وعن أهل العراق جملة، وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وصاحبيه.
وقال أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره.
قال أبو داود: فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد (مسند)، فالمراسيل يحتج بها، وليس هو مثل المتصل في القوة، انتهى.
وأعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ، وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن
[ ٥٤٣ ]
الحفاظ إما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا، وهو ليس بصحيح، على طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي ﷺ.
وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.
وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ.
وقد سبق قول أحمد في مرسلات ابن المسيب: صحاح. ووقع مثله في كلام ابن المديني، وغيره.
قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه هو منقطع، وهو حديث ثبت.
قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين. ونحن نذكر كلام الشافعي وأحمد في ذلك بحروفه:
[ ٥٤٤ ]
قال الشافعي - ﵀ - في الرسالة:
والمنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ (من التابعين، فحدث حديثا منقطعا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور منها:
أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن ينظر:
- هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل عنه العلم، من غير رجاله الذي قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله، وهي أضعف من الأولى.
- وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قولا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله -.
وكذلك إن وجد عوام (من) أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي ﷺ ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روي عنه.
ويكون إذا شرك أحد من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه (ووجد) حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه.
[ ٥٤٥ ]
ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، (حتى) لا يسع أحدا قبول مرسله.
قال: وإذا (وجدت) الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن يقبل مرسله. ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه، إذا سمي، وأن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله قد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدا من حيث لو سمي لم يقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي ﷺ إذا قال برأيه لو وافقه (لم) يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها:
ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي ﷺ فوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن يوافقه بعض الفقهاء.
قال: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم منهم أحدا يقبل مرسله لأمور:
- أحدهما أنهم أشد تجوزا فيمن يروون عنه.
- والآخر أنهم توجد عليهم دلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر كثرة الإحاطة في الأخبار، وإذا كثرت الإحاطة، كان أمكن للوهم، وضعف من يقبل عنه.
انتهى كلامه.
"مضمون كلام الشافعي":
وهو كلام حسن جدا، ومضمونه: أن الحديث المرسل يكون صحيحا، ويقبل بشروط منها.
[ ٥٤٦ ]
"١" في نفس المرسل، وهي ثلاثة:
أحدهما - أن لا يعرف له رواية عن غير مقبول الرواية، من مجهول أو مجروح.
ثانيهما - أن لا يكون ممن يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما أسندوه، فإن كان ممن يخالف الحفاظ عند الإسناد لم يقبل مرسله.
ثالثها - أن يكون من كبار التابعين فإنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي، أو تابعي كبير، وأما غيرهم من صغار التابعين ومن بعدهم فيتوسعون في الرواية عمن لا تقبل روايته، وأيضا فكبار التابعين كانت الأحاديث في وقتهم الغالب عليها الصحة، وأما من بعدهم فانتشرت في أيامهم الأحاديث المستحيلة، وهي الباطلة الموضوعة، وكثر الكذب حينئذ.
وهذا ليس بشيء، فإن الشافعي اعتبر أن يسنده الحفاظ المأمون،
[ ٥٤٧ ]
وكلامه إنما هو في صحة المرسل وقبوله، لا في الاحتجاج للحكم الذي دل عليه المرسل، وبينهما بون.
وبعد أن كتبت هذا وجدت أبا عمرو بن الصلاح قد سبق إليه، وفي كلام أحمد إيماء إليه، فإنه ذكر حديثا رواه خالد بن أبي قلابة، عن ابن عباس، فقيل له: سمع أبو قلابة من ابن عباس أو رآه؟ قال: لا، ولكن الحديث صحيح عنه، يعني عن ابن عباس، وأشار إلى أنه روي عن ابن عباس من وجوه أخر.
(ثم وجدت في كلام أبي العباس بن سريج في رده على أبي بكر بن أبي داود ما اعترض به على الشافعي أن مراد الشافعي أن المرسل للحديث يعتبر أن توجد مراسيله توافق ما أسنده الحفاظ المأمون، فيستدل بذلك على أن لمراسيله أصلا، فإذا وجدنا له مرسلا بعد ذلك قبل، وإن لم يسنده الحفاظ.
وكأنه اعتبر أن يوجد الغالب على مراسيله ذلك، إذ لو كان معتبرا في جميع مراسيله لم يقبل له مرسل حتى يسنده الثقات، "فيعود الإشكال".
وهذا الذي قاله ابن سريج مخالف لما فهم الناس من كلام الشافعي مع مخالفته لظاهر كلامه - والله أعلم -) .
[ ٥٤٨ ]
والثاني: أن يوجد مرسل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه (المرسل) الأول، فيكون ذلك دليلا على تعدد مخرجه، وأن له أصلا بخلاف ما إذا كان المرسل الثاني لا يروي إلا عمن يروي عنه الأول)، فإن الظاهر أن مخرجها واحد، لا تعدد فيه.
وهذا الثاني أضعف من الأول.
والثالث: أن لا يوجد شيء مرفوع يوافقه لا مسند ولا مرسل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيستدل (به) على أن للمرسل أصلا صحيحا أيضا، لأن الظاهر أن الصحابي إنما (أخذ) قوله عن النبي ﷺ.
والرابع: أن لا يوجد للمرسل ما يوافقه، ولا مسند، ولا مرسل، ولا قول صحابي لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به، فإنه يدل على أن له أصلا، وأنهم مستندون في قولهم إلى ذلك الأصل.
فإذا وجدت هذه الشرائط دلت على صحة المرسل، وأن له أصلا، وقبل واحتج به، ومع هذا فهو دون المتصل في الحجة، فإن المرسل وإن اجتمعت فيه هذه الشروط فإنه يحتمل أن يكون في الأصل مأخوذا عن غير من يحتج به، ولو عضده حديث متصل صحيح، لأنه يحتمل أن لا يكون أصل المرسل صحيحا، وإن عضده مرسل فيحتمل أن يكون أصلهما واحدا وأن يكون متلقى عن (غير مقبول) الرواية، وإن عضده قول الصحابي فيحتمل أن الصحابي قال برأيه من غير سماع من النبي ﷺ فلا يكون في ذلك ما يقوي المرسل. ويحتمل أن المرسل لما سمع قول الصحابي ظنه مرفوعا فغلط
[ ٥٤٩ ]
ورفعه، ثم أرسله ولم يسم الصحابي، فما أكثر ما يغلط في رفع الموقوفات، وإن عضده موافقة قول عامة الفقهاء فهو كما لو عضده صحابي وأضعف، فإنه يحتمل أن يكون مستند الفقهاء اجتهادا منهم، وأن يكون المرسل غلط، ورفع كلام الفقهاء، لكن هذا في حق كبار التابعين بعيد جدا.
وقال الشافعي أيضا في كتاب الرهن الصغير وقد قيل له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟.
قال: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثر عن أحد عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعة.
وهذا موافق لما ذكره في الرسالة.
فإن ابن المسيب من كبار التابعين، ولم تعرف له رواية عن غير ثقة، وقد اقترن بمراسيله كلها ما يعضدها.
وقد قرر كلام الشافعي هذا البيهقي في مواضع من تصانيفه كالسنن والمدخل ورسالته إلى أبي محمد الجويني وأنكر فيها على الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب. وأنكر صحة ذلك عن الشافعي، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها.
قال البيهقي: وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، وإن كان بعضهم أقوى مرسلا، منهما أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: "النكاح بلا ولي" وفي "النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان".
وقال بمرسل طاوس وعروة وأبي أماه بن سهل وعطاء بن أبي رباح
[ ٥٥٠ ]
وعطاء بن يسار وابن سيرين وغيرهم من كبار التابعين، حين اقترن به ما أكده، ولم يجد ما هو أقوى منه، كما قال بمرسل ابن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وأكده بقول الصديق وبأنه روي عن وجه آخر مرسلا.
وقال: مرسل ابن المسيب عندنا حسن.
ولم يقل بمرسل ابن المسيب في زكاة الفطر بمدين من حنطة ولا بمرسلة في التولية في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بمرسله في دية المعاهد، ولا بمرسله "من ضرب أبه فاقتلوه"، لما لم يقترن بها من الأسباب ما يؤكدها، أو لما وجد من المعارض لها ما هو أقوى منها. انتهى ما ذكره البيهقي.
وأما مرسل أبي العالية (الرياحي) في الوضوء من القهقهة في الصلاة فقد رده الشافعي وأحمد.
وقال الشافعي: حديث أبي العالية الرياحي رياح، يشير إلى هذا المرسل، وأحمد رده بأنه مرسل مع أنه يحتج بالمراسيل كثيرا، وإنما ردا هذا المرسل لأن أبا العالية وإن كان من كبار التابعين فقد ذكر ابن سيرين أنه كان يصدق كل من حدثه، ولم يعضد مرسله هذا شيء مما يعتضد به المرسل، فإنه لم يرو من وجه متصل صحيح، بل ضعيف، ولم يرو من وجه آخر مرسل، إلا من وجوه ترجع كلها إلى أبي العالية.
[ ٥٥١ ]
وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم المراسيل إلى (صحيح محتج به، وغير محتج به)، يؤخذ من كلام غيره من العلماء، كما تقدم عن أحمد وغيره بقسيم المراسيل إلى صحيح، وضعيف، ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما كانا يأخذان عن كل.
وقال أيضا: لا يعجبني (مراسيل) يحيى بن أبي كثير، لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار.
وكذا قوله في مراسيل ابن جريج، قال: بعضها موضوعة.
وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث.
وهذا يدل على أنه إنما يضعف مراسيل من عرف بالرواية عن الضعفاء خاصة، وكان أحمد يقوي مراسيل من أدرك الصحابة، فأرسل عنهم.
قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب، عن عمر، حجة؟ قال: هو عندنا حجة، وقد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ ومراده أنه سمع منه شيئا يسيرا، لم يرد أنه سمع منه كل ما روى عنه، فإنه كثير الرواية عنه، ولم يسمع ذلك كله منه قطعا.
ونقل مهنا عن أحمد أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقال: قال عمر: "لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء"، قال: فقلت له: هذا مرسل عن عمر؟ قال: نعم. ولكن إبراهيم بن محمد بن طلحة كبير.
[ ٥٥٢ ]
وقال في حديث عكرمة، عن النبي ﷺ "من لم يسجد على أنفه مع جبهته فلا صلاة له". هو مرسل أخشى أن لا يكون شيئا.
وقال في حديث عراك عن عائشة، حديث "حولوا مقعدتي إلى القبلة"، هو أحسن ما روي في الرخصة، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، ويعني بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال: إنما يروي عن عروة عن عائشة. فلعله حسنه لأن عراكا قد عرف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها.
وظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجيء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافه.
قال الأثرم: كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي ﷺ
[ ٥٥٣ ]
وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه.
وقال أحمد في رواية مهنا، في حديث معمر عن سالم عن ابن عمر: أن غيلان أسلم وعند عشر نسوة، قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه.
كان عبد الرزاق يقول: عن معمر عن الزهري، مرسلا. وظاهر هذا أنه يعمل به مع أنه مرسل، وليس بصحيح، ويحتمل أنه أراد: ليس بصحيح وصله، وقبله. وقد نص أحمد على تقديم قول الصحابي على الحديث المرسل.
وكذا كلام ابن المبارك، فإنه قد تقدم عنه أنه ضعف مرسل حجاج بن
[ ٥٥٤ ]
دينار وقد احتمل مرسل غيره، فروى الحاكم، عن الأصم: (ثنا) عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: وجدت في كتاب أبي، (ثنا) الحسن بن عيسى، قال: حدثت ابن المبارك بحديث لأبي بكر بن عياش عن عاصم، عن النبي ﷺ فقال: حسن. فقلت لابن المبارك: إنه ليس فيه إسناد، فقال: إن عاصما يحتمل له أن يقول: قال رسول الله ﷺ.
قال: فغدوت إلى أبي بكر فإذا ابن المبارك قد سبقني إليهن وهو إلى جنبه فظننته قد سأله عنه.
فإذا احتمل مرسل عاصم بن بهدلة، فمرسل من هو أعلى منه من التابعين أولى.
وأما مراسيل ابن المسيب
فهي أصح المراسيل كما قال أحمد وغيره. وكذا قال ابن معين: أصح المراسيل ابن المسيب.
قال الحاكم: قد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة.
قال: وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، كذا قال.
وهذا وجه ما نص عليه الشافعي في رواية يونس بن عبد الأعلى كما سبق.
[ ٥٥٥ ]
ولقد أنكر الخطيب وغيره ذلك وقالوا: لابن المسيب مراسيل لا توجد مسنده.
وقد ذكر أصحاب مالك أن المرسل يقبل إذا كان مرسله ممن لا يروى إلا عن الثقات.
وقد ذكر ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع، فإنه قال: كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء، والمسامحو في ذلك لم يحتج بما أرسله، تابعا كان أبو من دونه. وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول. فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح. وقالوا: مراسيل الحسن وعطاء لا يحتج بهما لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة، وأبي العالية، وقالوا: لا يقبل تدليس الأعمش لأنه إذا وقف أحال على غير مليء، يعنون على غير ثقة. إذا سألته عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريق وعباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان. قالوا: ويقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما.
ثم ذكر بعد ذلك كلام إبراهيم النخعي الذي خرجه الترمذي ههنا.
[ ٥٥٦ ]
ثم قال: إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بمعيار على غيره. انتهى.
وقول من قبل مراسيل من لا يرسل إلا عن ثقة يدل على أن مذهبه أن الراوي إذا قال: حدثني الثقة، أنه يقبل حديثه ويحتج به، وإن لم يسم عين ذلك الرجل. وهو خلاف ما ذكره المتأخرون من المحدثين كالخطيب وغيره.
وذكره أيضا طائفة من أهل الأصول كأبي بكر الصيرفي وغيره. وقالوا: قد يوثق الرجل من يجرحه غيره، فلا بد من تسميته لنعرف هل هو ثقة، أم لا؟.
أما لو علم أنه لا يرسل إلا عن صحابي كان حديثه حجة، لأن الصحابة كلهم عدول. فلا يضر عدم المعرفة بعين من روى عنه منهم.
وكذلك لو قال تابعي: أخبرني بعض الصحابة، لكان حديثه متصلا يحتج به، كما نص عليه أحمد.
وكذا ذكر ابن عمار الموصلي، ومن الأصوليين أبو بكر الصيرفي وغيره، وقال البيهقي: هو مرسل.
[ ٥٥٧ ]
"الاختلاف في تضعيف الرواة"
قال أبو عيسى ﵀:
وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم.
ذكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم.
ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء في الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفي، وإبراهيم بن مسلم الهجري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وغير واحد ممن يضعفون في الحديث.
حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان البصري (ثنا) أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: تدع عبد الملك بن أبي سليمان ونحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي. قال: نعم.
قال أبو عيسى:
وقد كان شعبة حدث عن عبد الملك بن أبي سليمان، ثم تركه.
ويقال إنما تركه لما تفرد بالحديث الذي روي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال:
"الرجل أحق بشفعته ينتظر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقها واحدًا".
وقد ثبت عن غير واحد من الأئمة، وحدثوا عن أبي الزبير، وعبد الملك بن أبي سليمان، وحكيم بن جبير.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
حدثنا احمد بن منيع، (أنا) هشيم، (أنا) حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كنا إذا خرجنا من عند جابر بن عبد الله تذاكرنا حديثه، وكان أبو الزبير أحفظنا للحديث.
حدثنا محمد بن (يحيى بن) أبي عمر المكي، (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال أبو الزبير، كان عطاء يقدمني إلى جابر بن عبد الله فأحفظ لهم الحديث.
حدثنا ابن أبي عمر، (ثنا) سفيان، قال: سمعت أيوب السختياني يقول: حدثني أبو الزبير، قال سفيان بيده فقبضها.
قال أبو عيسى:
إنما يعني به الإتقان والحفظ.
ويروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كان سفيان يقول: كان عبد الملك بن أبي سليمان ميزانًا في العلم.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: سألت يحيى بن سعيد عن حكيم بن جبير، فقال: تركه شعبة من أجل الحديث الذي روي في الصدقة. يعني حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "من سأل الناس، وله ما يغنيه، كان يوم القيامة خموشًا في وجهه".
قالوا: يا رسول الله، ما يغنيه؟.
قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب.
قال علي: قال يحيى: وقد حدث عن حكيم بن جبير سفيان الثوري وزائدة.
قال علي: ولم ير يحيى بحديثه بأسًا.
أخبرنا محمود بن غيلان، (ثنا) يحيى بن آدم (عن سفيان الثوري، عن
[ ٢ / ٥٥٩ ]
حكيم بن جبير بحديث الصدقة، قال يحيى بن آدم)، فقال عبد الله بن عثمان، صاحب شعبة لسفيان الثوري: لو غير حكيم حدث بهذا؟
فقال له سفيان: وما لحكيم، لا يحدث عنه شعبة؟ قال: نعم.
فقال سفيان الثوري: سمعت زبيدًا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
قد تقدم أن رواه الحديث أربعة أقسام:
"١" - من هو متهم بالكذب.
"٢" - ومن هو صادق، لكن يغلب على حديثه الغلط والوهم، لسوء حفظه. وهذا القسمان متروكان.
"٣" - ومن هو صادق ويغلط أحيانًا. وهذا القسم هو المحتج بحديثه.
"٤" - ومن هو صادق ويخطىء كثيرًا ويهم، ولكن لا يغلب الخطأ عليه وهؤلاء مختلف في الرواية عنهم. والاحتجاج بهم.
وسبق الكلام على ذلك كله مستوفى، وبقي الكلام في أن بعض الرواة يختلف الحفاظ فيه من أي هذه الأقسام هو، فمنهم من يختلف فيه:
ـ هل هو متهم بالكذب، أم لا؟.
ـ ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن غلب على حديثه الغلط أم لا؟. - ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن كثر غلطه وفحش، أم ممن قل خطؤه وندر؟.
وقد ذكر الترمذي هنا بعض من اختلف في ترك حديثه، وفي الرواية عنه ونحن نذكر أمثلة هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرناها - إن شاء الله ـ.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
"القسم الأول: المختلف فيه بالكذب وعدمه"
فمثال القسم الأول: وهو من اختلف فيه هل هو متهم بالكذب أم لا.
عكرمة مولى ابن عباس:
اتهمه بالكذب جماعة منهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وعلي بن عبد الله بن عباس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم.
وأنكر ذلك جماعة آخرون:
قال أيوب: لم يكن بكذاب، ولم أكن أتهمه.
ووثقه ابن أبي ذئب وقال بكر المزني: أشهد أنه صدوق.
ووثقه أيضًا من الحفاظ يحيى بن معين وغيره.
وخرج له البخاري في صحيحه.
وقال ابن عدي: إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث، ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه.
وقال أحمد - في رواية عنه: عمرو بن أبي عمرو كل شيء يرويه عن
[ ٢ / ٥٦١ ]
عكرمة مضطرب، وكذا كل من يروي عن عكرمة، سماك وغيره. قيل له: فترى هذا من عكرمة أو منهم؟.
قال: لا، ما أحسبه إلا من قبل عكرمة.
وقال أحمد بن القاسم: رأيت أحمد ضعف رواية عكرمة، ولم ير روايته حجة.
قال أبو بكر الخلال: هذا في حديث خاص، قال: وعكرمة عند أبي عبد الله ثقة، يحتج بحديثه.
كذا قال. والظاهر خلافه، وقد يكون عن أحمد فيه روايتان، فإن المروزي نقل عن احمد أنه قال: عكرمة يحتج به.
وذكر يحيى بن معين عن محمد بن فضيل، (ثنا) عثمان بن حكيم قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل، وأنا جالس عنده، فقال: يا أبا أمامة، أسمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني بشيء فصدقوه، فإنه لن يكذب علي؟. قال: نعم.
وقال ابن معين: إذا سمعت من يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام.
وقال أبو حاتم الرازي: يحتج بحديثه إذا روى عنه الثقات.
قال: والذي أنكر عليه مالك ويحيى بن سعيد فلسبب رأيه، يعني أنه نسب إلى رأي الخوارج.
وأما تكذيب ابن عمر له، فقد روي من وجوه لا تصح، وقد أنكره مالك.
قال إسحاق بن عيسى: قلت لمالك: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع:
[ ٢ / ٥٦٢ ]
لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أن ابن المسيب قال ذلك لبرد مولاه.
وذكر أحمد أن ابن سيرين كان يروي عنه ولا يسميه، وكذلك مالك، وأشار أحمد إلى أنهما طعنا في مذهبه ورأيه، لكن روي عن ابن سيرين أنه كذبه، من رواية الصلت بن دينار عنه، والصلت لا تقبل رواياته، وابن سيرين لا يروي عن كذاب أبدًا.
"محمد بن إسحاق وغيره":
وممن اختلف في اتهامه بالكذب أيضًا محمد بن إسحاق، وقد سبق ذكره.
ومنهم جابر الجعفي، وقد سبق ذكره مستوفى في أبواب الأذان.
ومنهم كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، فإن الترمذي يصحح حديثه وقد مشى أمره غير واحد، وتركه الأكثرون وضرب أحمد على حديثه، ولم يخرجه في المسند.
ومنهم إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، والأكثرون على اتهامه بالكذب.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
"القسم الثاني: المختلف فيه هل غلب عليه الوهم أم لا"؟
ومثال القسم الثاني، وهو من اختلف فيه، هل هو ممن غلب على حديثه الوهم والغلط أم لا؟.
عبد الله بن محمد بن عقيل:
وقد ذكر الترمذي في أول كتابه عن البخاري، أن أحمد وإسحاق والحميدي كانوا يحتجون بحديثه، وقد صحح الترمذي حديثه.
وقال ابن معين وغيره: لا يحتج به.
وقال الجوزجاني: عامة ما يروى عنه غريب وتوقف عنه.
عاصم بن عبيد الله العمري:
وكذلك عاصم بن عبيد الله العمري، فإن الترمذي يصحح حديثه في غير موضع، والأكثرون ذكروا أنه كان مغفلًا، يغلب عليه الوهم والخطأ.
قال شعبة: كان عاصم لو قلت له من بنى مسجد البصرة؟ لقال: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﷺ بناه.
وقال شعبة أيضًا: كان عاصم لو قلت له: رأيت رجلًا راكبًا حمارًا، لقال: حدثني أبي.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
"القسم الثالث: المختلف فيه في كثرة الخطأ وقلته"
ومثال القسم الثالث، وهو من اختلف فيه، هل هو ممن كثر خطؤه وفحش، أم ممن قل خطؤه؟.
حكيم بن جبير:
حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، فإنه قليل الحديث، وله أحاديث منكرة.
قال محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن عبد الرحمن بن مهدي، وسئل عن حكيم بن جبير، فقال: إنما روى أحاديث يسيرة، وفيها أحاديث منكرات.
وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روى؟ إنما روى شيئًا يسيرًا.
وقال يحيى: وقد روى عنه زائدة. قلت ليحيى من تركه؟ قال شعبة. قلت: من أجل حديث الصدقة؟ قال: نعم. ثم قال يحيى: نحن نحدث عمن دون هؤلاء.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وقد خرج الترمذي حديث الصدقة في كتاب الزكاة وحسنه، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى.
وقد احتج به أحمد في رواية عنه وعضده بأن سفيان رواه عن زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وقد أنكر ابن معين وغيره حديث زبيد هذا.
وقال ابن حبان في حكيم بن جبير: كان غاليًا في التشيع، كثير الوهم فيما يروي، كان أحمد لا يرضاه.
وخرج له ابن حبان حديث الصدقة، وقال: ليس له طريق يعرف، ولا رواية إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم هذا روى عنه الثوري والأعمش وزائدة، وغيرهم وتركه شعبة ويحيى وابن مهدي وقيل أن يحيى كان يحدث عنه.
وقال الجوزجاني: هو كذاب.
وقد تقدم أن الترمذي حسن حديثه. وقال أحمد في رواية عنه في حديث الصدقة: هو حسن، واحتج به، وقال مرة في حكيم: هو ضعيف الحديث مضطرب.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وقال أبو زرعة في رأيه شيء، ومحله الصدق - إن شاء الله ـ.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود. قال وهو قريب من يونس بن خباب.
وثوير بن أبي فاختة.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال الدارقطني: متروك.
"عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي":
وممن اختلف في أمره، هل هو ممن فحش خطؤه أم لا؟ عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، واسم أبي سليمان ميسرة. قال أمية بن خالد: قلت لشعبة، ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي تدع عبد الملك بن أبي سليمان، وكان حسن الحديث؟
قال: من حسنها فررت.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
خرجه ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وغيرهم.
وقال وكيع عن شعبة: لو روى عبد الملك بن أبي سليمان حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه.
وقد خرج الترمذي حديث الشفعة في كتاب الأحكام والأقضية، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى.
وقد ذكر الإمام أحمد أن له منكرات، وأنه يوصل أحاديث يرسلها غيره. وقد ذكرنا ذلك في كتاب النكاح في باب "تنكح المرأة على ثلاث".
وقال أبو بكر بن خلاد: وسمعت يحيى، وهو ابن سعيد، يقول: كان صفة حديث عبد الملك بن أبي سليمان فيها شيء منقطع يوصله، وموصل يقطعه.
وقال أحمد كان من الحفاظ، وكان سفيان الثوري يسميه الميزان.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن نوفل بن مطهر، عن ابن المبارك عن سفيان قال:
حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ووثقه يحيى بن معين، وسئل: هو أحب إليك أم ابن جريج؟ قال: كلاهما، ثبتان.
وقال أحمد: هو يخالف ابن جريج في أحاديث، وابن جريج عندنا أثبت منه.
وخرج له مسلم.
وإنما ترك شعبة حديثه لرواية حديث الشفعة، لأن شعبة من مذهبه أن من روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه ولم يتهم نفسه فيتركه، ترك حديثه، وقد ذكرنا ذلك عنه فيما تقدم.
وروى نعيم بن حماد عن ابن مهدي عن شعبة، أنه سئل عمن يستوجب الترك؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين ما لا يعرف، أو تمادى في غلط مجمع عليه، فلم يشكك نفسه فيه، أو كذاب. وسائر الناس فارو عنهم.
وخرج أبو بكر الخطيب بإسناده عن ابن معين أنه سئل عن رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، أن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها، ورددتموها علي، فقد رجعت عنها، فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا إنما ذاك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا. فقيل ليحيى: فما يبريه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، وقد شبه له فيها، وأخطأ كما يخطىء الناس، ويرجع عنها، وأن لم يخرجه فهو كذاب أبدًا.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن المبارك أن الحديث لا يكتب عن غلاط، لا يرجع.
وعن أحمد، أن الحديث لا يكتب عن رجل يغلط فيرد عليه، فلا يقبل.
"محمد بن عبيد الله العرزمي":
وأما محمد بن عبيد الله العرزمي، الذي روى عنه شعبة، وروى عنه سفيان أيضًا، فهو ابن أخي عبد الملك بن أبي سليمان، المذكور قبله.
وكان شريك ينسبه إلى جده، تدليسًا، فيقول: حدثنا محمد بن أبي سليمان.
وقد تركه ابن المبارك، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه.
قال يحيى: سألته، فجعل لا يحفظ فأتيته بكتاب فجعل لا يحسن يقرأ.
قال وكيع: هو رجل صالح ذهبت كتبه، فكان يحدث حفظًا، فمن ذاك أتى.
وقال ابن نمير: هو رجل صدوق، ولكن ذهبت كتبه، وكان رديء الحفظ، فمن ثم أنكرت أحاديثه.
وضعفه ابن معين، وقال: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.
وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث.
وقال ابن عدي: عامة رواياته غير محفوظة.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وقال ابن حبان: كان صدوقًا إلا أن كتبه ذهبت، وكان رديء الحفظ فجعل يحدث من حفظه، ويهم، فكثر المناكير في رواياته.
"أبو الزبير المكي":
وأما أبو الزبير، محمد بن مسلم بن تدرس المكي، فإن شعبة ترك حديثه وأعتل بأنه رآه لا يحسن يصلي، وبأنه رآه يزن ويسترجح في الوزن، وبأن رجلًا أغضبه فافترى عليه وهو حاضر.
قال شعبة: وفي صدري لأبي الزبير عن جابر أربعمائة حديث، والله لأحدثت عنه حديثًا أبدًا. ولم يذكر عليه كذبًا ولا سوء حفظ.
وقد اختلف العلماء فيه:
قال المروذي: سالت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، عن أبي الزبير، فقال: قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب (وغيره)، إلا أن شعبة لم يحدث عنه. قلت: هو لين الحديث؟. فكأنه لينه، قلت هو أحب إليك، أو أبو نضرة؟ قال: أبو نضرة أحب إلي. انتهى.
وتكلم فيه أيوب أيضًا قال ابن المديني: حدثنا سفيان، (ثنا) أيوب (ثنا) أبو الزبير، وهو أبو الزبير، يغمزه، كذا أخرجه العقيلي من طريق البخاري عن علي وهذا خلاف ما فسر به الترمذي أنه عنى حفظه واتقانه.
[ ٢ / ٥٧١ ]
وخرج ابن عدي هذا الأثر من طريق الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان. وعنده، قال سفيان: هذه نقيصة. وهذا خلاف ما وجدنا في نسخ كتاب الترمذي.
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: (ثنا) أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: كأنه يضعفه؟ قال: نعم.
وخرج العقيلي من طريق أبي عوانة، قال: كنا عند عمرو بن دينار جلوسًا، ومعنا أيوب فحدثنا أبو الزبير بحديث فقلت لأيوب: تدري ما هذا؟ فقال: هو لا يدري ما حدث، أدري هذا. وهذا يدل على أن أيوب كان يغمزه، لا أنه كان يقويه.
وخرج العقيلي من طريق أبي داود، (أنا) رجل من أهل مكة، قال: قال ابن جريج: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى حديث أبي الزبير يروى.
ومن طريق نعيم بن حماد، قال: سمعت سفيان يقول: حدثني أبو الزبير، وهو أبو الزبير، كأنه يضعفه.
وروى عبد الجبار بن العلاء، (ثنا) ابن عيينة، حدثني عمرو بن دينار وأبو الزبير، وعمرو بن دينار أوثق عندنا من أبي الزبير.
وقال ابن خراش: و(ثنا) زيد بن أخزم، (ثنا) أبو عاصم، سمعت ابن جريج يقول: إن أبا الزبير اتخذ جابرًا مطية.
وقد وثقه ابن معين.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وقال أحمد في رواية ابن هاني: هو حجة احتج به.
وقال يعلى بن عطاء المكي: (ثنا) أبو الزبير المكي (أكمل) الناس عقلًا، وأحفظه.
وقال ابن عدي: كفى بأبي الزبير صدقًا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا يحدث إلا عن ثقة ولا أعلم أحدًا من الثقات تخلف عنه، إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة صدوق، لا بأس به. انتهى.
خرج حديثه مسلم، وخرج له البخاري مقرونًا.
"أقسام الحديث عند الترمذي".
قال أبو عيسى:
وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث حسن" فإنما أردنا به حسن إسناده - عندنا ـ.
كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا ويروى من غير وجه نحو ذلك. فهو عندنا حديث حسن.
وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث غريب" فإن أهل الحديث يستغربون الحديث بمعان، رب حديث يكون غريبًا لا يروى إلا من وجه واحد، مثل ما حدث به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: لو طعنت في فخذها اجزأ عنك.
فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورًا عند أهل العلم فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرفه إلا من حديثه.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
(ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث لا يعرف إلا من حديثه) فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه، مثل ما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ "نهى عن بيع الولاء، وعن هبته". لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، روى عنه عبيد الله بن عمر وشعبة وسفيان الثوري، ومالك بن أنس وابن عيينة وغير واحد من الأئمة، وروى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، فوهم فيه يحيى بن سليم، والصحيح هو عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، (هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر) .
وروى المؤمل هذا الحديث عن شعبة، فقال شعبة: وددت أن عبد الله بن دينار أذن لي حتى أقوم إليه فاقبل رأسه.
أعلم أن الترمذي قسم - في كتابه هذا - الحديث إلى صحيح، وحسن، وغريب، وقد يجمع هذه الأوصاف الثلاثة في حديث واحد، وقد يجمع منها وصفين في الحديث، وقد يفرد أحدها في بعض الأحاديث، وقد نسب طائفة من العلماء الترمذي إلى التفرد بهذا التقسيم، ولا شك أنه هو الذي اشتهرت عنه هذه القسمة، وقد سبقه البخاري إلى ذلك، كما ذكره الترمذي عنه في كتاب العلل أنه قال في حديث "البحر هو الطهور ماؤه"، هو حديث حسن صحيح، وإنه قال في أحاديث كثيرة: هذا حديث حسن، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال في حديث إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي ﷺ.
"تجندون أجنادًا الحديث".
قال: هو صحيح حسن غريب.
وقد كان أحمد وغيره يقولون: حديث حسن.
وأكثر ما كان الأئمة المتقدمون يقولون في الحديث أنه صحيح أو ضعيف، ويقولون: منكر وموضوع وباطل.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وكان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن.
وقد فسر الترمذي ههنا مراده بالحسن وفسر مراده بالغريب، ولم يفسر معنى الصحيح، ونحن نذكر ما قيل في معنى الصحيح، أولًا، ثم نشرح ما ذكره الترمذي في معنى الحسن والغريب، إن شاء الله تعالى.
"الصحيح من الحديث ومعناه"
أما الصحيح من الحديث، وهو الحديث المحتج به، فقد ذكر الشافعي ﵀ شروطه بكلام جامع، قال الربيع:
قال الشافعي: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع (أمورًا) منها:
أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالة الأحاديث.
حافظًا إن حدث من حفظه، حافظًا لكتابه، إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.
بريئًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمن لقي، ما لم يسمع منه، أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه.
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه.
قال: ومن كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات، لم تقبل شهادته.
قال: وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلسًا، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته. وليست تلك العورة بكذب فيرد بها حديثه، ولا (على) النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلناه من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول: حدثني أو سمعت.
"مضمون كلام الشافعي"
فقد تضمن كلامه ﵀ أن الحديث لا يحتج به حتى يجمع رواته من أولهم إلى آخرهم شروطًا.
أحدها: الثقة في الدين، وهي العدالة، وشروط العدالة مشهورة معروفة في كتب الفقه.
والثاني: المعرفة بالصدق في الحديث ويعني بذلك، أن يكون الراوي معروفًا بالصدق في رواياته، فلا يحتج بخبر من ليس بمعروف بالصدق، كالمجهول الحال، ولا من يعرف بغير الصدق.
وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح، ولا يحتج به.
ومن أصحابنا من خرج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل.
وقال الشافعي أيضًا: كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين
[ ٢ / ٥٧٧ ]
يذهب هذا المذهب في أن لا يقبل إلا ممن عرف. قال: وما لقيت ولا علمت أحدًا من أهل (العلم) بالحديث يخالف هذا المذهب.
الثالث: العقل لما يحدث به، وقد روي مثل هذا الكلام عن جماعة من السلف. ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله، خرجه مسلم في مقدمة كتابه.
وروى إبراهيم بن المنذر، حدثني معن بن عيسى، قال: كان مالك يقول: لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعباده إذا كان لا يعرف ما يحدث به.
قال إبراهيم بن المنذر فذكرت هذا الحديث لمطرف بن عبد الله (اليساري) مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري ما هذا، ولكن أشهد أني سمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد، يعني المدينة مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قط، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وروى ضمرة: عنه سعيد بن عبد العزيز عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله، وهو لا يشعر.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الحافظ الموصلي وقد سئل عن علي بن غراب، فقال: كان صاحب حديث بصيرًا به، فقيل له: أليس هو ضعيفًا؟ قال: إنه كان يشيع، ولست بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوبًا للتشيع أو للقدر، ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح، يعني الموصلي.
وحكى الترمذي في علله عن البخاري قال:
كل من لا يعرف صحيح الحديث من سقيمه لا أحدث عنه، وسمى منهم زمعة بن صالح وأيوب بن عتبة.
وحكى الحاكم هذا المذهب عن مالك وأبي حنيفة.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث من لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه.
والظاهر - والله أعلم - حمل كلام الشافعي على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يحدث بالمعنى كما صرح بذلك فيما بعد، وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر، أنه قال:
تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل المعنى، أو ينطق بها بغير لفظ المحدث، والناطق بها غير عامد (لاحالة) الحديث (فيختل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث) فلم يقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل، إذا كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس روايته على معانيه، وهو لا يعقل المعنى، إلى أن قال: فالظنة فيمن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته (له) فيما هو ظنين فيه.
فهذا يبين أن الشافعي إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفًا بمعاني الحديث إذا كان يحدث بالمعنى ولا يحفظ الحروف، والله أعلم.
فقوله هنا، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ هو شرط واحد ليس فيه تكرير، بل مراده يعقل ما يحدث به فهم المعنى، ومراده بالعلم بما يحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي تؤدي بها المعاني.
وقد فسر أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة قول الشافعي: عاقلًا لما يحدث به بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط، قال: وهذا شرط بإجماع.
وهذا الذي قاله فيه نظر وضعيف، وهذا (كله) في حق من لا يحفظ
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الحديث بألفاظه بدليل أنه قال بعد ذلك: أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى، فجعل هذا قسيمًا للذي قبله، فقسم الرواة إلى قسمين:
من يحدث بالمعنى، فيشترط فيه أن يكون عاقلًا لما يحدث به من المعاني، عالمًا بما يحيل المعنى من الألفاظ.
ومن يحدث باللفظ، فيشترط فيه الحفظ للفظ الحديث، واتقانه، وما علل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدي له فهو حق واضح، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعي.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: سعيد بن زكريا المدائني كنا كتبنا عنه، ثم تركناه، قيل له: لم؟ قال: لم أكن أرى به في نفسه بأسًا ولكن لم يكن بصاحب حديث.
وهذا محمول على أنه كان يحدث من حفظه أيضًا فيخشى عليه الغلط.
الرابع: حفظ الراوي، فإن كان يحدث من حفظه اعتبر حفظه لما يحدث به، لكن إن كان يحدث باللفظ اعتبر حفظه لألفاظ الحديث، وإن كان يحدث بالمعنى اعتبر معرفته بالمعنى واللفظ الدال عليه كما تقدم، وإن كان يحدث من كتابه اعتبر حفظه لكتابه، وقد سبق كلام الأئمة واختلافهم في جواز التحديث من الكتاب، وفي صفة حفظ الكتاب بما فيه كفاية.
الخامس: أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم، فلا يحدث بما لا يوافق الثقات وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفاظ
[ ٢ / ٥٨١ ]
في الجرح في كثير من الرواة يحدث بما يخالف الثقات، أو يحدث بما لا يتابعه الثقات (عليه) لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: (بريئًا) أن يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات خلافه. وقد فسر الشافعي الشاذ من الحديث بهذا.
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثًا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم.
وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن (لم) يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.
قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ، الحديث المنكر الذي لا يعرف، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح عند ذكر الحديث الغريب إن شاء الله تعالى.
السادس: أن لا يكون مدلسًا، فمن كان مدلسًا يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه، وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين.
وقال الشاذكوني: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه.
وقال البرديجي: لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: (ثنا) أنس.
ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس من الراوي، ولا أن يغلب على
[ ٢ / ٥٨٢ ]
حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرة واحدة. واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل، وقالوا: إذا غلب عليه التدليس لم يقبل حديثه حتى يقول: (ثنا) وهذا قول ابن المديني، حكاه يعقوب بن شيبة عنه.
وذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه إنما يعتبر التصريح بالسماع ممن شهر بالتدليس، وعرف به، وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس في حديثه، ويحتمل أن يريد ثبوت ذلك عنه، وصحته، فيكون كقول الشافعي.
وفرقت طائفة بين أن يدلس عن الثقات أو عن الضعفاء، فإن كان يدلس عن الثقات قبل حديثه، وإن عنعنه، وإن كان يدلس عن غير الثقات لم يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع، وهذا الذي ذكره حسين الكرابيسي، وأبو الفتح الأزدي الموصلي الحافظ، وكذلك ذكره طائفة من فقهاء أصحابنا، وهذا بناء على قولهم بقبول المراسيل، واعتبروا كثرة التدليس في حق من يدلس عن غير الثقات، وكذا ذكر الحاكم أن المدلس إذا لم يذكر سماعه في الرواية فحكم حديثه حكم المرسل.
وكذلك أشار إليه أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي.
وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث، يحتج فيما لم يقبل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وأما من يدلس عمن لم يره، فحكم حديثه حكم المرسل، وقد سبق ذكره ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا) أو (أنا) فهو حجة.
وزعم أبو الطيب الطبري من الشافعية أنه لا يحتج بقول المدلس: (أنا)؛ لأنه قد يكون إجازة وهذا ضعيف، فإن مثله يتطرق إلى قوله: (ثنا) أيضًا، فإن ذلك جائز عند كثير من العلماء في الإجازة كما سبق، ثم إن الإجازة والمناولة تصح الرواية بهما على ما تقدم، فيحتج بحديث من حدث بهما حينئذ، وأيضًا فقد تستعمل "حدثنا" في الإرسال كما كان الحسن يقول: (ثنا) ابن عباس، ويتأوله أنه حدث أهل البصرة، ولكن هذا استعمال نادر، والحكم للغالب.
وأما قول الشافعي: إن التدليس ليس بكذب يرد به حديث صاحبه كله، فهذا أيضًا قول أحمد وغيره من الأئمة، لأن قول المدلس "عن فلان" ليس بكذب منه وإنما فيه كتمان من سمع منه عن فلان.
وحكى الخطيب هذا القول عن كثير من العلماء، وعن بعضهم أنه كذب يرد به حديث صاحبه، وممن قال إنه كذب: حماد بن زيد وأبو أسامة. وقال شعبة: هو أخو الكذب، وقال مرة: هو أشد من الزنا. وروى رزق الله بن موسى عن وكيع، قال: لا يحل تدليس (الثوب)، فكيف يحل تدليس الحديث، وهذا في التدليس عن غير الثقات (أشد) .
وقال أحمد في التدليس: أكرهه. قيل له: قال شعبة: هو كذب. قال أحمد: لا قد دلس قوم، ونحن نروي عنهم، وقال يحيى بن معين: كان
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الأعمش يرسل، فقيل له: إن بعض الناس قال: من أرسل لا يحتج بحديثه. فقال: الثوري إذا لا يحتج بحديثه. وقد كان يدلس: إنما سفيان أمير المؤمنين في الحديث، انتهى.
والتدليس مكروه عند الأكثرين لما فيه من الإيهام، وهو عن الكذابين أشد.
وقد صرح طائفة من العلماء، منهم مسلم في مقدمة كتابه بأن من روى عن غير ثقة، وهو يعرف حاله، ولم يبين ذلك لمن لا يعرفه أنه يكون آثمًا بذلك، يريدون أنه فعل محرم، فإسقاط من ليس بثقة من الحديث أقبح من الرواية عنه من غير تبيين حاله.
ورخص في التدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة، من رخص فيه فإنما رخص فيه عن ثقة سمع (منه)، وأما من دلس عمن لم يسمع منه، فلم يرخص فيه، وكذا إذا دلس عن غير ثقة، كذا قال يعقوب.
وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا، فلا يصح ما قال يعقوب.
وقول الشافعي ﵀: وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلسًا مراده أن تقبل العنعنة عمن عرف منه أنه ليس بمدلس، فإن الربيع نقل عنه أيضًا، قال في كلام له:
لم يعرف التدليس ببلدنا، فيمن مضى، ولا ممن أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له. وكان قول الرجل: سمعت فلانًا (يقول: سمعت فلانًا) وقوله: "حدثني فلان عن
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، (فمن عرفناه) بهذا الطريق قبلنا منه: حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلسًا. وظاهر هذا أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضًا، ولا يحدث إلا بما سمع، وقد فسره أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره، قال: وهذا الذي قاله صحيح. انتهى.
وهذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء.
وقد أطال القول فيها مسلم في مقدمة كتابه، واختار أنه تقبل العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره، وأمكن لقيه له، ولا تعتبر المعرفة باجتماعهما والتقائهما.
وذكر عن بعضهم أنه اعتبر المعرفة بلقائهما واجتماعهما وأنه لا تقبل العنعنة من الثقة عمن لم يعرف أنه (لقيه و) اجتمع به ورد هذا القول على
[ ٢ / ٥٨٦ ]
قائله ردًا بليغًا، ونسبه إلى مخالفة الإجماع في ذلك. واستدل مسلم على صحة قوله، باتفاق العلماء على قبول الخبر إذا رواه الثقة عن آخر ممن تيقن أنه سمع منه من غير اعتبار أن يقول: (ثنا) أو سمعت، ولو كان الإسناد لا يتصل إلا بالتصريح بالسماع لم يكن فرق بين الرواية عمن ثبت لقيه ومن لم يثبت، فإنا نجد كثيرًا ممن روى عن رجل، ثم روى حديثًا عن آخر عنه.
وقد طرد بعض المتأخرين من الظاهرية ونحوهم هذا الأصل، وقال: كل خبر لا يصرح فيه بالسماع فإنه لا يحكم باتصاله مطلقًا، وربما تعلق بعضهم بقول شعبة: كل إسناد ليس فيه (ثنا) أو (أنا) فهو خل وبقل. وروى عن شعبة قال: فلان عن فلان ليس بحديث.
قال وكيع: وقال سفيان هو حديث.
قال ابن عبد البر: رجع شعبة إلى قول سفيان في هذا.
وهذا القول شاذ مطرح.
وقد حكى مسلم وغيره الإجماع على خلافه.
وقال الخطيب: أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدثين (ثنا) فلان عن فلان صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس. انتهى.
ومما استدل به مسلم على المخالف له: أن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة والقطان (وابن مهدي، قال) ومن بعدهم من أهل الحديث.
وذكر أن عبد الله بن يزيد روى عن حذيفة وأبي مسعود حديثين ولم يرد
[ ٢ / ٥٨٧ ]
أنه سمع منهما، ولا رآهما قط، ولم يطعن فيهما أحد. وذكر أيضًا رواية أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ عن أبي بن كعب ورواية أبي عمرو الشيباني وأبي معمر عن أبي مسعود، ورواية عبيد بن عمير عن أم سلمة، ورواية ابن أبي ليلى عن أنس، وربعي بن حراش عن عمران بن حصين. ونافع بن جبير عن أبي شريح، والنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد وعطاء بن يزيد عن تميم الداري، وسليمان بن يسار عن رافع بن خديج، وحميد الحميري عن أبي هريرة وكل هؤلاء لم يحفظ لهم عن هؤلاء الصحابة سماع ولا لقاء، يعني وقد قبل الناس حديثهم (عنهم) .
وقال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين أخبرني وعن؟. فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما وحمله البيهقي (على من) لا يعرف بالتدليس، (ويمكن حمله على من ثبت لقيه أيضًا)، وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀ من أن إمكان اللقى كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره.
(وقد ذكر الترمذي في كتاب العلم أن سماع سعيد بن المسيب من أنس
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ممكن لكن لم يحكم لروايته عنه بالاتصال) . وقد حكى بعض أصحابنا عن أحمد مثله، وقال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء. كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح (لسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير فإنه كثيرًا ما يرد التصريح بالسماع ويكون خطأ) وقد روى ابن مهدي عن شعبة: سمعت أبا بكر بن محمد بن حزم؛ فأنكره أحمد، وقال: لم يسمع شعبة من أحد من أهل المدينة من القدماء ما يستدل به على أنه سمع من أبي بكر إلا سعيدًا المقبري، فإنه روى عنه حديثًا فقيل له: فإن المقبري قديم: فسكت أحمد.
وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله.
وحكى عن أبي المظفر السمعاني أنه اعتبر لاتصال الإسناد اللقى
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وطول الصحبة، وعن أبي عمرو الداني أن يكون معروفًا بالرواية عنه.
وهذا أشد من شرط البخاري وشيخه، الذي أنكره مسلم.
وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع كما تقدم عن الشافعي - رضي الله عن هـ - فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم فرواياتهم عنهم مرسلة، منهم الأعمش ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه فرواياتهم عنه مرسله، كذا قاله أبو حاتم، وقاله أبو زرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير.
وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير: قد رأى أنسًا فلا أدري سمع منه أم لا؟ ولم يجعلوا روايته عنه متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقى، وكذلك كثير من صبيان الصحابة رأوا النبي ﷺ ولم يصح لهم سماع منه فرواياتهم عنه مرسله كطارق بن شهاب وغيره، وكذلك من علم منه أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئًا يسيرًا فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة، كروايات ابن المسيب عن عمر، فإن الأكثرين نفوا سماعه منه، وأثبت أحمد أنه رآه وسمع منه، وقال مع ذلك: إن رواياته عنه مرسلة لأنه إنما سمع منه شيئًا يسيرًا، مثل (نعيه) النعمان بن
[ ٢ / ٥٩٠ ]
مقرن على المنبر ونحو ذلك، وكذلك سماع الحسن من عثمان وهو على المنبر يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام، ورواياته عنه غير ذلك مرسلة.
وقال أحمد: ابن جريج لم يسمع من طاوس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاوسًا.
وقال أبو حاتم الرازي أيضًا: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر رآه، ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه، وأثبت أيضًا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع، ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه، وقال: لم يصح له منه سماع، وجعل رواياته عنه مرسلة.
وقد جاء التصريح بسماع مكحول من واثلة للحديث من وجه فيه نظر، وقد ذكرناه في آخر كتاب الأدب.
وقد ذكر الترمذي دخول مكحول على واثلة في ذكر الرواية بالمعنى.
وقال أحمد: أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ ومراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه، وإلا فإن إمكان ذلك وإحتماله غير مستبعد.
وقال أبو زرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف: لم يسمع من عمر، هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٩١ ]
فدل كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكى عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: أما السماع، وإما اللقاء. وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع.
ويدل على أن هذا مرادهم أن أحمد قال: ابن سيرين لم يجيء عنه سماع من ابن عباس. وقال أبو حاتم: الزهري أدرك أبان بن عثمان، ومن هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع (كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع) من عروة، وقد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاقهم على شيء يكون حجة.
واعتبار السماع أيضًا لاتصال الحديث هو الذي ذكره ابن عبد البر، وحكاه عن العلماء، وقوة كلامه تشعر بأنه إجماع منهم، وقد تقدم أنه قول الشافعي أيضًا.
وحكى البرديجي قولين في ثبوت السماع بمجرد اللقاء، فإنه قال قتادة حدث عن الزهري. قال بعض أهل الحديث: لم يسمع منه. وقال بعضهم: سمع منه، لأنهما التقيا عند هشام بن عبد الملك.
ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع الاتصال، أن يروي عن شيخ من غير أهل بلدة، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه.
نقل مهنا عن أحمد، قال: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وقال أبو حاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء لقد أدركه ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة.
وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي.
وقال الدارقطني: لا يثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء، لأنهما لم يلتقيا، ومراده: أنه لم يثبت التقاؤهما: لا أنه ثبت انتفاؤه، لأن نفيه لم يرد في رواية قط.
فإن كان الثقة يروي عمن عاصره أحيانًا ولم يثبت لقيه له ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه.
قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة إنما يروي عن عروة عن عائشة، قال وفي حديث زائدة عن السدي عن البهي، قال: حدثتني عائشة، قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة وكان يدع منه "حدثتني عائشة" ينكره.
وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ، يعني ذكر السماع. قال في رواية هدبة، عن حماد، عن قتادة، (ثنا) خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وذكروا لأحمد قول من قال: عن عراك بن مالك: سمعت عائشة، فقال: هذا خطأ وأنكره، وقال: عراك من أين سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة.
وكذلك ذكر أبو حاتم الرازي أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها، من شيوخه، ولا يضبطون ذلك.
وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا.
وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم (أنا) منصور بن زاذان: قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور.
وقال أبو حاتم في يحيى بن أبي كثير: ما أراه سمع من عروة بن الزبير لأنه يدخل بينه وبينه رجلًا، ورجلين، ولا يذكر سماعًا، ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألة.
وقال أحمد في رواية قتادة عن يحيى بن يعمر: لا أدري سمع منه أم لا؟ قد روى عنه. وقد روى عن رجل عنه.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وقال أيضًا: قتادة لم يسمع من سليمان بن يسار، بينهما أبو الخليل، ولم يسمع من مجاهد، بينهما أبو الخليل.
وقال في سماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر: قد رآه - يعني ولم يسمع منه - قد أدخل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف.
ولم يصحح قول معمر وأسامة عن الزهري: سمعت عبد الرحمن بن أزهر.
وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبينه سليمان بن يسار وعروة بن الزبير.
وكلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم، في هذا المعنى كثير جدًا، يطول الكتاب بذكره، وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرواية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به. وأن رواية من روى عمن عاصره تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع منه من وجه.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وكذلك رواية من هو من بلد عمن هو ببلد آخر، ولم يثبت اجتماعهما ببلد واحد يدل على عدم السماع منه.
وكذلك كلام ابن المديني وأحمد وأبي زرعه وأبي حاتم والبرديجي وغيرهم في سماع الحسن من الصحابة كله يدور على هذا، وأن الحسن لم يصح سماعه من أحد من الصحابة إلا بثبوت الرواية عنه أنه صرح بالسماع منه ونحو ذلك، (وإلا فهو مرسل) .
فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه (مع) موافقة البخاري وغيره، فكيف يصح لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ (المعتد بهم) على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم. كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن (حبيب) بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له، وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول، لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء.
وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول شعبة، أو من بعده، فليس كذلك،
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فقد أنكر شعبة سماع من روى سماعه ولكن لم يثبته كسماع مجاهد من عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: أدرك أبو العالية عليًا ولم يسمع منه، ومراده: أنه لم يرد سماعه منه ولم يكتف بإدراكه فإن أبا العالية سمع (ممن هو أقدم موتًا من علي، فإنه قيل انه سمع) من أبي بكر وعمر - رضي الله عن هما ـ.
وما ذكره مسلم من رواية عبد الله بن يزيد ومن سماه بعده، فالقول فيها كالقول في غيرها. وقد قال أبو زرعة في روايات أبي أمامة بن سهل عن عمر هي مرسلة، مع أنه له أيضًا رؤية.
فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث، وترك الاحتجاج بها، قيل من ههنا عظم ذلك على مسلم ﵀ والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقى، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد، وقد سبق ذكر ذلك في المرسل.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ويرد على ما ذكره (مسلم) أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبي ﷺ بل هذا أولى، لأن هؤلاء، ثبت لهم اللقى، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع.
ويلزمه أيضًا الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث، والله أعلم.
(ثم إن بعض ما مثل به مسلم ليس كما ذكره، فقوله: إن عبد الله بن يزيد، وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد ولم يرد التصريح بسماعهم منهما ليس كما قال. فإن مسلمًا ﵀ خرج في صحيحه التصريح بسماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد في حديثين في صفة الجنة، وفي حديث (أنا فرطكم) على الحوض".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وأما سماع عبد الله بن يزيد وقيس بن (أبي حازم من) أبي مسعود فقد وقع مصرحًا به في صحيح البخاري، والله أعلم.
ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة ويحيى وأحمد وعلي ومن بعدهم التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحدهم قط: لم يعاصره. وإذا قال بعضهم: لم يدركه، فمرادهم الاستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك. فإن قيل فقد قال أحمد، في رواية ابن مشيش وسئل عن أبي ريحانة: سمع من سفينة؟ قال: ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر. قيل: لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا.
"صيغ الأداء"
واعلم أن الراوي في روايته تارة يصرح بالسماع أو التحديث أو الإخبار وتارة يقول: (عن) ولا يصرح بشيء من ذلك، وقد ذكرنا حكم هذا كله آنفًا. وتارة يقول قال فلان كذا، فهذا له ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يكون القائل لذلك ممن يعلم منه عدم التدليس، فتكون روايته مقبولة محتجًا بها، كهمام، وحماد بن زيد، وشعبة، وحجاج
[ ٢ / ٥٩٩ ]
ابن محمد، وغيرهم.
قال همام: ما قلت: قال قتادة، فأنا سمعته من قتادة، وقال حماد بن زيد: إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب حديثًا أن أقول: قال أيوب كذا وكذا فيظن أني قد سمعته.
وقال شعبة: لأن أزني أحب إلى من أن أقول: قال فلان، ولم أسمعه منه.
(وكذلك حجاج بن محمد كان إذا قال: قال ابن جريج فقد سمعه منه) .
والحال الثاني: أن يكون القائل لذلك معروفًا بالتدليس فحكم قوله: قال فلان حكم قوله "عن فلان" كما سبق.
وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج.
قال أحمد: كل شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء.
وقال أيضًا: إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان، فلم يسمعه منه.
الحال الثالث: أن يكون حاله مجهولًا، فهل يحمل على الاتصال، أم لا قد ذكر الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي خلافًا في الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ هل يحمل على السماع أم لا؟ وأن الأصح حمله على السماع.
وحكى ابن عبد البر عن الجمهور من العلماء أن من روى عمن صح له لقيه والسماع منه، قال قال فلان، حمل على الاتصال، بل كلامه يدل على أنه
[ ٢ / ٦٠٠ ]
إجماع منهم) وذكر الإجماع على أن قول الصحابي: عن رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ، وسمعت رسول الله ﷺ كله سواء ولكن هذا قد يبنى على أن مرسل الصحابي حجة.
"المؤنن"
فأما قول الراوي: أن فلان قال:
فهل يحمل على الاتصال، أم لا؟.
فهذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك القول المحكى عن فلان، أو الفعل المحكى عنه بالقول، مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده، وسمعه منه، فهذا حكمه حكم قول الراوي: قال فلان كذا، أو فعل فلان كذا على ما سبق ذكره.
والقسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكى عن المروي عنه أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي ﷺ كذا وكذا، فهل هو مرسل لعدم الإتيان بما يبين أنه رواه عن عائشة أم هو متصل، لأن عروة قد عرف بالرواية عن عائشة؟ فالظاهر أنه سمع ذلك منها. هذا فيه خلاف.
قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله، يعني أحمد، قال: كان مالك
[ ٢ / ٦٠١ ]
ـ زعموا أنه - يرى "عن فلان"، و"أن فلانًا" سواء. وذكر أحمد مثل حديث جابر: أن سليكًا جاء والنبي ﷺ يخطب، وعن جابر، عن سليك أنه جاء والنبي ﷺ يخطب.
قال: وسمعت أحمد، قيل له: إن رجلًا قال: عن عروة، قالت عائشة يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة، سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء.
فذكر أحمد القسمين اللذين أشرنا إليهما.
فأما رواية جابر: أن (سليكا) جاء والنبي ﷺ
[ ٢ / ٦٠٢ ]
يخطب، (وروايته عن سليك أنه جاء والنبي ﷺ يخطب) فهذا من القسم الأول، لأنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك، وحضره، ويمكن أن يكون رواه عن سليك.
ومثل هذا كثير في الحديث، مثل رواية ابن عمر عن النبي ﷺ فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال لعمر كذا وكذا في أحاديث متعددة، وروى بعضها عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال لعمر، جعله من مسند ابن عمر، ومن رواه عن ابن عمر عن عمر، جعله من مسند عمر.
ولكن كان القدماء كثيرًا ما يقولون: "عن فلان" ويريدون به الحكاية عن قصته، والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه.
وقد حكى الدارقطني، عن موسى بن هارون (الحافظ)، أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.
وقد ذكرنا كلامه في كتاب الحج في باب الصيد للمحرم.
وأما إذا روى الزهري مثلًا عن سعيد بن المسيب ثم قال مرة: إن سعيد بن المسيب قال، فهذا محمول على الرواية عنه، دون الانقطاع، ولعل هذا هو مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه ولم يخالفه.
وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور العلماء.
وحكى عن البرديجي خلاف ذلك، وأنه قال: هو محمول على الانقطاع،
[ ٢ / ٦٠٣ ]
إلا أن يعلم اتصاله من وجه آخر، وقال: لا وجه لذلك، ولم يذكر لفظ البرديجي فلعله قال ذلك في القسم الثاني، كما سنذكره.
وأما رواية "عروة عن عائشة، عن النبي ﷺ" وعروة أن عائشة قالت للنبي ﷺ فهذا هو القسم الثاني وهو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما.
والحفاظ كثيرًا ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافًا في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيرًا في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني وغيرهم من الأئمة.
ومن الناس من يقول: هما سواء، كما ذكر ذلك لأحمد.
وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة مع عائشة، أما من لم يعرف له سماع منه، فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا (عند من يكتفي) بإمكان اللقى.
والبخاري قد يخرج من هذا القسم في صحيحه، كحديث عكرمة "أن عائشة قالت للنبي ﷺ في قصة امرأة رفاعة، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة.
وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضًا أنهم كانوا يتساهلون في ذلك، مع قوله: إنهما ليسا سواء، وان حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحيانًا على وجه التسامح، وعدم التحرير.
قال أحمد، في رواية الأثرم، في حديث سفيان، عن أبي النضر، عن
[ ٢ / ٦٠٤ ]
سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة.
قال أحمد: هو مرسل. سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. قال: (وهم كانوا يتساهلون بين: (عن) عبد الله بن حذافة)، وبين أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة.
قيل له: وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر: عن أبي رافع؟ قال: نعم وذاك أيضًا.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
"معنى الحسن عند الترمذي"
وأما الحديث الحسن فقد بين الترمذي مراده بالحسن: وهو ما كان حسن الإسناد.
وفسر حسن الإسناد: بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذًا، ويروى من غير وجه نحوه، فكل حديث كان (كذلك) فهو عنده حديث حسن.
وقد تقدم أن الرواة منهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يغلب على حديثه الوهم والغلط، ومنهم الثقة الذي يقل غلطه، ومنهم الثقة الذي يكثر غلطه.
فعلى ما ذكره الترمذي: كلما كان في إسناده متهم فليس بحسن، وما عداه فهو حسن، بشرط أن لا يكون شاذًا.
والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي ﷺ خلافه بشرط أن لا يكون شاذًا.
وبشرط أن يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي ﷺ بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذًا، مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة.
فإن كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ، فالحديث حينئذ "حسن صحيح".
وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق، الذين في حديثهم وهم وغلط، إما كثير، أو غالب عليهم، فهو حسن، ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وعلى هذا فلا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه.
وهذا كما في حديث "الأعمال بالبينات" فإن شواهده كثيرة جدًا في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مرويًا من غير حديثه من وجه يصح.
"الرد على ابن الصلاح فيما ذهب إليه"
وبمعنى هذا الذي ذكرناه فسر ابن الصلاح كلام الترمذي في معنى الحسن، غير أنه زاد: أن لا يكون من رواية مغفل كثير الخطأ. وهذا (لا) يدل عليه كلام الترمذي، لأنه إنما اعتبر أن لا يكون راويه متهمًا فقط. لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا، أن من كان مغفلًا كثير الخطأ، لا يحتج بحديثه ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين.
"معنى قول الترمذي: ويروى من غير وجه نحو ذلك"
وقول الترمذي ﵀ يروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي ﷺ فيحتمل أن يكون مراده عن النبي ﷺ ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه، ولو موقوفًا، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به.
وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي، أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحًا.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وعلى هذا التفسير الذي ذكرناه لكلام الترمذي إنما يكون الحديث صحيحًا حسنًا إذا صح إسناده، برواية الثقات العدول، ولم يكن شاذًا، وروى نحوه من غير وجه وأما الصحيح المجرد فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه، لكن لا بد أن لا يكون - أيضًا - شاذًا، (وهو ما روت الثقات بخلافه على ما يقوله الشافعي والترمذي) فيكون حينئذ الصحيح الحسن أقوى من الصحيح المجرد.
وقد يقال: إن الترمذي إنما يريد الحسن ما فسره به ههنا، إذا ذكر الحسن مجردًا عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج (إلى) أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر، والله أعلم.
"تخريج قول الترمذي: حسن صحيح وحسن غريب"
وقد اضطرب الناس في جمع الترمذي بين الحسن والصحيح، لأن الحسن دون الصحيح، فكيف يجتمع الحسن والصحة، وكذلك جمعه بين الحسن والغريب (فإن الحسن عنده ما تعددت مخارجه، والغريب)، ما لم يرو إلا من وجه واحد.
"المذهب الأول":
فمنهم من قال: إن مراده أنا لحديث حسن لثقة رجاله، وارتقى من الحسن إلى درجة الصحة، لأن رواته في نهاية مراتب الثقة، فحديثهم (حسن صحيح)، لجمعهم بين صفات من يحسن حديثه، وصفات من يصحح حديثه، وعلى هذا فكل صحيح حسن، ولا عكس، ولهذا لا يكاد يفرد الصحة عن
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الحسن إلا نادرًا (وعلى هذا التفسير) فالحسن ما تقاصر عن درجة الصحيح، لكون رجاله لم يبلغوا من الصدق والحفظ درجة رواة الصحيح، وهم الطبقة الثانية من الثقات، الذين ذكرهم مسلم في مقدمة كتابه، وقيل: إنه خرج حديثهم في المتابعات، وهذا الحسن هو (الذي) أراده أبو داود في كتابه بقوله: خرجت في كتابي الصحيح، وما يشبهه وما يقاربه.
وذكر ابن الصلاح أن تفسير الحسن بهذا (المعنى) هو قول الخطابي، وليس هو قول الترمذي، وذكر أن الحسن نوعان:
أحدهما: ما ذكره الترمذي وهو أن يكون راويه غير متهم، ولا مغفلًا كثير الخطأ، ولا صاحب فسق، ويكون متن الحديث قد اعتضد بشاهد آخر له، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًا أو منكرًا.
والثاني: وهو قول الخطابي: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح، لتقصيرهم عنهم في الاتقان والحفظ، ولا يكون الحديث شاذًا ولا منكرًا ولا معللًا.
"مذهب ابن الصلاح":
وذكر أن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روي بإسنادين، أحدهما حسن، والآخر صحيح.
وهذا فيه نظر، لأنه يقول كثيرًا: "حسن صحيح، غريب، (لا نعرفه) إلا من هذا الوجه".
وقد أجاب عن ذلك بعض أكابر المتأخرين بأنه قد يكون أصل الحديث غريبًا ثم تتعدد طرقه عن بعض رواته، أما التابعي، أو من بعده. فإن كانت تلك الطرق
[ ٢ / ٦٠٩ ]
كلها صحيحة فهو "صحيح غريب" (وإن كانت كلها حسنة فهو "حسن غريب" وإن كان بعضها صحيحًا وبعضها حسنًا فهو "صحيح حسن غريب"، إذ الحسن عند الترمذي ما تعددت طرقه وليس فيها متهم، وليس شاذًا، فإذا قال مع ذلك: إنه غريب لا يعرف إلا من ذلك الوجه حمل على أحد شيئين:
إما أن (تكون) طرقه قد تعددت إلى أحد رواته الأصليين، فيكون أصله غريبًا ثم صار حسنًا، وإما أن يكون إسناده غريبًا، بحيث لا يعرف بذلك الإسناد إلا من هذا الوجه، ومتنه حسنًا بحيث روي من وجهين (وأكثر)، كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن، وإن كان إسناده غريبًا.
وفي بعض هذا نظر، وهو بعيد من مراد الترمذي، لمن تأمل كلامه.
"المذهب الثالث":
ومن المتأخرين من قال: إن الحسن الصحيح عند الترمذي دون الصحيح المفرد، فإذا قال: "صحيح" فقد جزم بصحته، وإذا قال: حسن صحيح، فمراده أنه جمع طرفًا من الصحة وطرفًا من الحسن، وليس بصحيح محض، بل حسن مشرب بصحة، كما يقال في المز: إنه حلو حامض، باعتبار أن فيه حلاوة وحموضة، وهذا بعيد جدًا، فإن الترمذي يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة، المتفق على صحتها، والتي أسانيدها في أعلى درجة الصحة، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن أبيه.
ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادرًا.
وليس ما أفرد فيه الصحة بأقوى مما جمع فيه بين الصحة والحسن.
[ ٢ / ٦١٠ ]
"المذهب الرابع":
ومن المتأخرين - أيضًا - من قال: مراد الترمذي في الحسن أن كلًا من الأوصاف الثلاثة التي ذكرها في الحسن، وهي سلامة الإسناد من المتهم، وسلامته من الشذوذ، وتعدد طرقه، ولو كانت واهية، موجب لحسن الحديث عنده.
"المذهب المختار":
وهذا بعيد جدًا، وكلام الترمذي وإنما يدل على أنه لا يكون حسنًا حتى يجتمع فيه الأوصاف الثلاثة. وتسمية الحديث الواهي التي تعددت طرقه حسنًا لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه.
"شرط الترمذي في الرجال مع عرض لشرط غيره من الأئمة"
واعلم أن الترمذي ﵀ خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب كما سيأتي.
والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه.
ولا أعلمه خرج عن متهم بالكذب، متفق على اتهامه حديثًا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًا من (طرق)، أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم.
وعلى هذا الوجه خرج (حديث) محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي.
[ ٢ / ٦١١ ]
نعم، قد يخرج عن سيىء الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه.
وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة، مع السكوت على حديثهم، كإسحاق بن أبي فروة، وغيره.
وقد قال أبو داود، في رسالته إلى أهل مكة:
ليس في كتاب السنن الذي صنفته (عن رجل) متروك الحديث، سيىء الحفظ، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
ومراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث، عنده، على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد خرج لمن قيل: "إنه متروك"، ومن قيل "إنه متهم بالكذب".
وقد كان أحمد بن صالح المصري وغيره لا يتركون إلا حديث من (اجتمع) على ترك حديثه.
وحكي مثله عن النسائي.
والترمذي ﵀ يخرج حديث الثقة الضابط، ومن يهم قليلًا، ومن يهم كثيرًا، ومن يغلب عليه الوهم، يخرج حديثه نادرًا، ويبين ذلك، ولا يسكت عنه.
وقد خرج حديث كثير بن عبد الله المزني، ولم يجمع على ترك حديثه، بل قد قواه قوم، وقدم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب، وقد ذكرنا ذلك (في مواضع) . وقد حكى الترمذي في العلل، عن البخاري، أنه قال في حديثه
[ ٢ / ٦١٢ ]
"في تكبيرة صلاة العيدين": هو أصح حديث في هذا الباب، قال: وأنا أذهب إليه.
وأبو داود قريب من الترمذي في هذا، بل هو اشد انتقادًا للرجال منه.
وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه، وكثر.
وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه.
وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه. وإن كان قد اعترض عليه في بعض من خرج عنه.
ونذكر لذلك مثالًا: وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات:
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والاتقان، وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس وعقيل، وشعيب، وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
[ ٢ / ٦١٣ ]
الطبقة الثانية: أهل حفظ واتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في اتقانه دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد ونحوهم.
وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ونحوهم.
وهؤلاء يخرج لهم أبو داود، والترمذي والنسائي، وقد يخرج مسلم لبعضهم متابعة.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري، من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم، مثل إسحاق بن يحيى الكلبي،
[ ٢ / ٦١٤ ]
ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب وبحر السقاء، ونحوهم.
فلم يخرج لهم الترمذي، ولا أبو داود، ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين.
أصحاب نافع.
قسمهم ابن المديني تسع طبقات:
الطبقة الأولى: أيوب، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وعمر بن نافع.
قال: فهؤلاء أثبت أصحابه، وأثبتهم - عندي - أيوب. قال: وسمعت يحيى يقول: ليس ابن جريج بدونهم فيما سمع من نافع.
الطبقة الثانية: عبد الله بن عون، ويحيى الأنصاري، وابن جريج.
[ ٢ / ٦١٥ ]
الطبقة الثالثة: أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وسليمان بن موسى، وسعد بن إبراهيم.
الطبقة الرابعة: موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وداود بن الحصين.
الطبقة الخامسة: محمد بن عجلان، والضحاك بن عثمان، وأسامة بن زيد الليثي، ومالك بن مغول.
الطبقة السادسة: ليث بن سعد، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن مساحق، وابن غنج المصري.
[ ٢ / ٦١٦ ]
الطبقة السابعة: عبد الرحمن بن السراج، وسعيد بن عبد الله بن حرب، وسلمة بن علقمة، وعلي بن الحكم، والوليد بن أبي هشام.
الطبقة الثامنة: أبو بكر بن نافع، وخليفة بن غلاب، ويونس بن يزيد، وجويرية بن أسماء، وعبد العزيز بن أبي رواد، ومحمد بن ثابت العبدي، وأبو علقمة الفروي، وعطاف بن خالد، وعبد الله بن عمر،
[ ٢ / ٦١٧ ]
وحجاج بن أرطأة، وأشعث بن سوار، وثور بن يزيد.
وطبقة تاسعة: لا يكتب عنهم، عبد الله بن نافع، وأبو أمية بن يعلى، وعثمان البري، وعمر بن قيس سندل انتهى.
وقد خولف في بعض هذا الترتيب، فمن ذلك وتقديم سليمان بن موسى على موسى بن عقبة، والليث والضحاك بن عثمان، ومالك بن مغول، وجويريه، ويونس.
وحديث جويرية والليث بن سعد عن نافع مخرج في الصحيحين، وسليمان بن موسى قد تكلم فيه غير واحد، ولم يخرجا له شيئًا.
وقد قسم النسائي أصحاب نافع تسع طبقات أيضًا، وخالف ابن المديني، في بعض ما ذكره، ووافقه في بعضه، فوافقه في ذكر الطبقة الأولى، وزاد في الطبقة الثانية صالح بن كيسان، وزاد في الثالثة موسى بن عقبة، وكثير بن
[ ٢ / ٦١٨ ]
فرقد، وأسقط منها سعد بن إبراهيم، وسليمان بن موسى، وذكر الطبقة الرابعة: الليث بن سعد، وجويرية بن أسماء وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، ويونس بن يزيد، لم يذكر غيرهم، وزاد في الخامسة ابن أبي ذئب وحنظلة بن أبي سفيان، وابن غنج، وأسقط ذكر أسامة وابن مغول، وذكر الطبقة السادسة سليمان بن موسى، وبرد بن سنان، وهشام بن الغاز، وابن أبي رواد، وزاد في السابعة عبيد الله بن الأخنس، وأسقط منها سعيدًا، وعلي بن الحكم، وقال الطبقة الثامنة: عمر بن محمد زيد، وأسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وصخر بن جويرية، وهمام بن يحيى، وهشام بن سعد، قال: والتاسعة: الضعفاء: عبد الكريم أبي أمية، وليث بن أبي سليم، وحجاج بن أرطأة، وأشعث بن سوار، وعبد الله بن عمر وذكر طبقة عاشرة، وقال: هم المتروك حديثهم، إسحاق بن أبي فروة، وعبد الله بن نافع، وعمر بن قيس، ونجيح أبو معشر، وعثمان البري، وأبو أمية بن يعلى، ومحمد بن
[ ٢ / ٦١٩ ]
عبد الرحمن بن المجير، وعبد العزيز بن عبيد الله.
أصحاب الأعمش
قال النسائي: هم سبع طبقات:
الأولى: يحيى القطان، والثوري، وشعبة.
الثانية: زائدة، وابن أبي زائدة، وحفص بن غياث.
الثالثة: أبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وابو عوانة.
الرابعة: قطبة بن عبد العزيز، ومفضل بن مهلهل، وداود الطائي
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وفضيل بن عياض، وابن المبارك.
الخامسة: ابن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، وحميد الرواسي، وعبد الله بن داود، والفضل بن موسى، وزهير بن معاوية.
السادسة: أبو أسامة، وابن نمير، وعبد الواحد بن زياد.
السابعة: عبيدة بن حميد، وعبدة بن سليمان.
"الغريب"
وأما الحديث الغريب فهو ضد المشهور.
وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمون الغريب منه في الجملة، ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا، يعني المشهور.
خرجه البيهقي من طريق الترمذي عن أحمد بن عبدة، عن أبي وهب عنه.
وخرج أيضًا من طريق الزهري عن علي بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يعرف إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وبإسناده عن مالك، قال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر، الذي قد رواه الناس.
وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام.
وعن أبي يوسف، قال: من طلب غرائب الحديث كذب.
وقال أبو نعيم: كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب.
وقال (عمرو) بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث.
وذكر مسلم، في مقدمة كتابه، من طريق حماد بن زيد، أن أيوب قال لرجل: لزمت عمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال: يقول له أيوب: إنما نفر أو نفرق من تلك الغرائب.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وقال رجل لخالد بن الحارث: (اخرج لي) حديث الأشعث لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا. فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته.
ونقل علي بن عثمان النفيلي، عن أحمد، قال: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها.
وقال المروذي: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم.
ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث "غريب" أو "فائدة" فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح.
وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء.
قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم
[ ٢ / ٦٢٣ ]
كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه.
وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسلافنا الماضين.
وهذا الذي ذكره الخطيب حق. ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير.
"أنواع الغريب"
ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة، وهي نوعان:
- ما هو شاذ الاسناد، وسيذكر الترمذي، فيما بعد، بعض أمثلته.
- وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت (الأحاديث) بخلافها، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها، وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس:
"تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما بدا لك".
إنه من الشاذ المطرح، مع أنه قد قال به شذوذ من العلماء في أن المتوفى عنها لا إحداد عليها بالكلية، كما سبق ذكره في موضعه.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وكذلك حديث طاوس عن ابن عباس، في الطلاق الثلاث، فقد تقدم في كتاب الطلاق كلام أحمد وغيره من الأئمة فيه، وإنه شاذ مطرح.
قال إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلم حمل شرًا كثيرًا. وقال معاوية بن قرة: إياك والشاذ من العلم.
وقال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ.
قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ الحديث المنكر الذي لا يعرف.
وقد تقدم قول ابن مهدي: لا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم.
"اعتراض على الترمذي وبيان لمنهجه، ومنهج النسائي وأبي داود"
وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا.
وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد.
وكان مقصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية، ولهذا قال في رسالته إلى أهل مكة:
سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟
فاعلموا أنه كذلك (كله)، إلا أن يكون قد روى من وجهين صحيحين، وأحدهما أقوى إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فانه يكثر، وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك.
إلى أن قال: وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح مسندًا، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.
إلى أن قال: والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الأحاديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فانه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم، ولو أحتج بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًا، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده علينا أحد.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث.
وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف، وإلا فدعه. وذكر بقية الرسالة.
وخرج البيهقي بإسناده عن ابن وهب، قال:
لولا مالك بن انس والليث بن سعد لهلكت، كنت أظن أن كل ما جاء عن النبي ﷺ يعمل به.
قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) بن الأصبهاني. (ثنا) عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: إني لأسمع الحديث فآخذ منه ما يؤخذ به وأدع سائره.
الغريب في اصطلاح الترمذي
ثم لنرجع إلى ما ذكره الترمذي ﵀ فنقول:
ذكر الترمذي ﵀ عند أهل الحديث يطلق بمعان:
أحدها: "ما لا يروى إلا من وجه واحد":
أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد. ثم مثله بمثالين وهما في الحقيقة نوعان: أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضًا، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه،
[ ٢ / ٦٢٧ ]
عن النبي ﷺ "في الذكاة" فهذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد ورواه عنه خلق فهو في أصل إسناده، غريب ثم صار مشهورًا عن حماد.
قال الترمذي: ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث.
وقد خرج الترمذي في كتاب الصيد والذبائح هذا الحديث، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غيره، ولم يقل: إنه حسن، لما ذكر ههنا أن شرطه في الحسن أن يروى نحوه من غير وجه، وهذا ليس كذلك فإنه لم يرو في الذكاة في غير الحلق واللبة إلا في حال الضرورة.
وحكى أيضًا - في كتاب العلل عن البخاري، أنه قال: لا يعرف لأبي العشراء شيء غير هذا.
وقد ذكرنا هناك أن بعضهم ذكر لحماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه نحو عشرة أحاديث، لكن كل أسانيدها إلى حماد ضعيفة، لا يكاد يصح منها شيء عنه.
ووهن أحمد حديث أبي العشراء في الذكاء أيضًا.
النوع الثاني: أن يكون الإسناد مشهورًا، يروى به أحاديث كثيرة،
[ ٢ / ٦٢٨ ]
ولكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته، فإنه لا يصح عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط.
وقد خرجه الترمذي في كتاب البيوع وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، وهو معدود من غرائب الصحيح فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا فتكلم فيه الإمام أحمد (ووهنه، ثم) قال:
لم يتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ:
قال: "الولاء لمن أعتق" لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.
قلت: وروى نافع عن ابن عمر، من قوله: النهي عن بيع الولاء وعن هبته (غير) مرفوع.
وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
ومن غرائب الصحيح أيضًا حديث عمر عن النبي ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" الحديث وقد خرجه الترمذي في الجهاد، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، فانه لم يصح إلا من حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر.
ومنها أيضًا، "حديث أنس" دخل النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، فانه لم يصح إلا من حديث مالك عن ابن شهاب عن أنس، وقد سبق ذكره في الجهاد أيضًا. وأمثلة ذلك كثيرة.
"زيادة الثقة"
قال أبو عيسى ﵀:
ورب حديث أستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير.
فزاد مالك في هذا الحديث "من المسلمين".
وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكر فيه من المسلمين".
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به: منهم الشافعي
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد زكاة الفطر عنهم، واحتجا بحديث مالك.
فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه.
هذا أيضًا نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهورًا لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب. وقد ذكر الترمذي أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته.
وهذا - أيضًا - ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أنكر على مالك هذا الحديث، يعني زيادته "من المسلمين". ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة.
وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك.
فذكر أحمد أن مالكًا يقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت على غيره، وبأنه قد توبع على هذه الزيادة.
وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكًا عليها في كتاب الزكاة. ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها.
وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث (العمريين) قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: نعم.
وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة (واحد من الثقات)، ولو كان مثل مالك، حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار.
وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله - عن يحيى القطان نحو ذلك أيضًا.
وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك وأن العبرة برواية مالك، وأنه لا عبرة ممن تابعه ممن لا يعتمد على حفظه.
وفي حديث ابن عمر في صدقة الفطر زيادات أخر لا تثبت، منها ذكر القمح، وكذلك في حديث أبي سعيد في صدقة الفطر زيادات، وقد ذكرنا ذلك كله مستوفى في كتاب الزكاة.
وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن
[ ٢ / ٦٣٢ ]
عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: "والملك لا شريك لك"، قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها: وخرجه البخاري بدونها أيضًا من طريق الثوري، عن الأعمش وقال: تابعه أبو معاوية.
قال الخلال: أبو عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا - عن الأعمش.
وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء
[ ٢ / ٦٣٣ ]
يرويه ابن أبي عروبة. وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء.
فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب: إن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزًا في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها، فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك "من المسلمين": كنت أتهيبه حتى وجدته من حديث العمريين.
وقال مرة: إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه.
وقال في حديث أيوب عن نافع، عن ابن عمر المرفوع: من حلف فقال:
[ ٢ / ٦٣٤ ]
إن شاء الله فلا حنث عليه". خالفه الناس، عبيد الله وغيره فوقفوه.
وأما أصحابنا الفقهاء، فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقًا، وعدمه مطلقًا، ولم يذكروا نصًا له بالقبول مطلقًا مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصًا عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك، مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان، إحداهما: فيه زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يؤخذ وهذا ليس مما نحن فيه، فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقول من زاد الدم، فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد.
وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: إن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة.
ومن الأصحاب من قال في هذه المسألة: إن تعدد المجلس الذي نقل فيه الحديث قبلت الزيادة وإن كان المجلس واحدًا وكان الذي ترك الزيادة جماعة
[ ٢ / ٦٣٥ ]
لا يجوز عليهم الوهم لم تقبل الزيادة وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت، وإن كان راوي الزيادة واحدًا والنقصان واحدًا قدم أشهرهما (وأوثقهما) في الحفظ والضبط.
قالوا: وإن خالفت الزيادة ظاهر المزيد عليه، لم تقبل. وحملوا كلام أحمد في حديث السعاية على ذلك.
وليس في كلام أحمد تعرض لشيء من هذا التفصيل، وإنما يدل كلامه على ما ذكرناه أولًا.
وأما الفرق بين أن يكون المجلس متحدًا أو متعددًا فإنه مأخوذه مما ذكره بعضهم في حديث أبي موسى "في النكاح بلا ولي" فإن شعبة وسفيان أرسلاه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة وإسرائيل وصله. ويقال إن سماع شعبة وسفيان كان واحدًا، والذين وصلوه جماعة، فالظاهر أنهم سمعوه في مجالس متعددة. وقد أشار الترمذي إلى هذا في كتاب النكاح، كما تقدم.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وحكى (أصحابنا الفقهاء) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين قبول الزيادة إذا كانت من ثقة، ولم تخالف المزيد وهو قول الشافعي.
وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل.
وعن أصحاب مالك في ذلك وجهان.
(وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر، فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات. وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذًا غير مقبول، والله أعلم) .
ولا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، كما ذكرنا في حديث النكاح بلا ولي، وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ - أيضًا ـ.
وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟.
وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث.
وهذا يخالف تصرفه في المستدرك.
وقد صنف (في ذلك) الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه "تمييز المزيد في (متصل) الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء.
وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد".
(وقد عاب تصرفه في كتاب "تمييز المزيد") بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية. وذكر في الكفاية، حكاية عن البخاري، أنه سئل عن حديث أبي إسحاق في "النكاح بلا ولي".
قال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة.
وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث. وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.
(وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة)، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد.
فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ.
وقال الدارقطني في (حديث) زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلًا،
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما يقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ عنه.
وأما الزيادة في المتون وألفاظ الحديث، فأبو داود ﵀ في كتاب السنن أكثر الناس اعتناء بذلك، وهو مما يعتني به محدثو الفقهاء.
قال الحاكم: هذا مما يعز وجوده، ويقل في أهل الصنعة من يحفظه: وقد كان أبو بكر بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر بذلك، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد، يعني حسان بن محمد القرشي.
وذكر الحاكم لذلك أمثلة منها: حديث الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود.
سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل، قال: "الصلاة لأول وقتها".
وقال: هذه الزيادة لم يذكرها غير بندار والحسن بن مكرم، وهما ثقتان، عن عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمر الشيباني.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن زياد: كان يعرف زيادات الألفاظ في المتون.
قال وكنا في مجلس فيه أبو طالب والجعابي وغيرهما، فجاء فقيه فسأل: من روى عن النبي ﷺ "وجعل تربتها طهورًا" فلم يجيبوه، ثم قاموا، وسألوا أبا بكر بن زياد، فقال: نعم، حدثنا فلان، وسرد الحديث.
والحديث خرجه مسلم في صحيحه، من حديث حذيفة، وخرجه ابن خزيمة (في صحيحه) ولفظه.
"وجعل ترابها لنا طهورًا".
وقد تقدم الحديث في كتاب الصلاة، "في باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد".
وهذا - أيضًا - ليس مما نحن فيه، لأن حديث حذيفة لم يرد بإسقاط هذه
[ ٢ / ٦٤٠ ]
اللفظة وإثباتها، وإنما وردت هذه اللفظة فيه، وأكثر الأحاديث فيها "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا".
وليس هذا من باب المطلق (والمقيد)، كما ظنه بعضهم، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، ولا يقتضي ذلك التخصيص: إلا عند من يرى التخصيص بالمفهوم.
ويرى أن للقب مفهومًا معتبرًا.
ومن الزيادات الغربية في المتون زيادة من زاد في حديث صفوان بن عسال "في المسح على الخفين": ثم يحدث بعد ذلك وضوءًا. وزيادة من زاد في حديث "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، قالوا: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: "ولا ركعتي الفجر".
وقد ذكرنا الحديثين في موضوعهما من الكتاب، وهما زيادتان ضعيفتان.
[ ٢ / ٦٤١ ]
وقد ذكر مسلم في كتاب التمييز حديث أيمن بن نابل، عن أبي الزبير عن جابر:
أن النبي ﷺ كان يقول في التشهد: بسم الله وبالله، والتحيات الله" الحديث.
وذكر أن زيادة التسمية في التشهد تفرد بها أيمن بن نابل، وزاد في آخر التشهد: "وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار". وذكر أن الحفاظ رووه عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي عباس بدون هاتين الزيادتين.
قال: والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم.
وذكر مسلم - أيضًا - في هذا الكتاب رواية من روى من الكوفيين ممن روى حديث ابن عمر في سؤال جبريل للنبي ﷺ عن شرائع الإسلام فأسقطوا من الإسناد عمر، وزاد في المتن ذكر الشرائع.
قال مسلم في هذه الزيادة: هي غير مقبولة، لمخالفة من هو أحفظ منهم من الكوفيين كسفيان، ولمخالفة أهل البصرة لهم قاطبة، فلم يذكروا هذه الزيادة، وإنما ذكرها طائفة من المرجئة ليشيدوا بها مذهبهم.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وأما زيادة عمر في الإسناد، فقال: أهل البصرة أثبت وهم له أحفظ من أهل الكوفة إذ هم الوائدون في الإسناد عمر، ولم يحفظه الكوفيون، والحديث للزائد والحافظ، لأنه في معنى الشاهد الذي حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه.
وهذا القياس الذي ذكره ليس بجيد، لأنه لو كان كذلك لقبلت زيادة كل ثقة، زاد في روايته، كما يقبل ذلك في الشهادة، وليس ذلك قول مسلم، ولا قول أئمة الحفاظ - والله أعلم - وإنما قبلت زيادة أهل البصرة في الإسناد لعمر (لأنهم) أحفظ وأوثق ممن تركه من الكوفيين، وفي كلامه ما يدل على أن صاحب الهوى إذا روى ما يعضد هواه فإنه لا يقبل منه، لا سيما إذا انفرد بذلك.
ثالثها: "ما يروى من وجوه كثيرة ويستغرب من وجه معين":
قال أبو عيسى ﵀:
رب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد:
حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود قالوا: (ثنا) أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال:
"الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
هذا حديث غريب من هذا الوجه، من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ.
وإنما يستغرب من حديث أبي موسى.
وسألت محمود بن غيلان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة.
(وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب: عن أبي أسامة) ولم نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن أبي أسامة.
فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، ويقول:
ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب.
قال محمد: وكنا نرى أن أبي كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة.
حدثنا عبد الله بن أبي زياد، وغير واحد، قالوا: (ثنا) شبابة بن سوار، (ثنا) شعبة، عن بكر بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، "أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت".
هذا حديث غريب من قبل إسناده.
لا نعلم أحدًا حدث به عن شعبة غير شبابة، وقد روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة، أنه نهى أن ينتبذ في الدباء، والمزفت.
وحديث شبابة إنما يستغرب لأنه تفرد به عن شعبة.
وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ أنه قال:
[ ٢ / ٦٤٤ ]
"الحج عرفة".
فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد.
"غريب عن صحابي ومشهور عن آخرين من الصحابة"
هذا نوع آخر من الغريب.
وهو أن يكون الحديث يروى عن النبي ﷺ من طرق معروفة، ويروى عن بعض الصحابة من وجه يستغرب عنه بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه.
وقد ذكر الترمذي لهذا النوع مثالين:
أحدهما: حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، عن أبيه أبي موسى. عن النبي ﷺ "المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعا".
فهذا المتن معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وأما حديث أبي موسى هذا فخرجه مسلم، عن أبي كريب، وقد
[ ٢ / ٦٤٥ ]
استغربه غير واحد من هذا الوجه وذكروا أن ابا كريب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة.
وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي أسامة غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام فيه ضعف أيضًا.
وقد ذكرنا كلام أبي زرعة في هذا في كتاب الأطعمة وإنكاره، على أبي السائب وأبي هشام روايته، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضًا.
قال أبو داود: سمعت أحمد، وذكر له حديث بريد هذا، فقال أحمد:
[ ٢ / ٦٤٦ ]
يطلبون حديثًا من ثلاثين وجهًا، أحاديث ضعيفة، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا. قال: هذا شيء لا تنتفعون به، أو نحو هذا الكلام.
وإنما كره أحمد تطلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة: وأما الطرق الصحيحة المحفوظة فإنه كان يحث على طلبها، كما ذكرناه عنه في أول الكتاب.
وما حكاه الترمذي عن البخاري ههنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي اسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب.
والمذاكرة يجعل فيها تسامح، بخلاف حال السماع، أو الإملاء، وكذلك لم يروه أحد عن بريد غير أبي أسامة.
المثال الثاني: حديث شبابة، عن شعبة عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ:
أنه نهى عن الدباء والمزفت.
فإن نهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الدباء، والمزفت صحيح ثابت عنه، رواه عنه جماعة كثيرون من أصحابه، وأما رواية عبد الرحمن بن يعمر عنه فغريبة جدًا، ولا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد بها شبابة عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عنه.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وعند شعبة بهذا الإسناد، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ أنه قال:
"الحج عرفة" في حديث ذكره.
فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد.
وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت، فهو بهذا الإسناد غريب جدًا، وقد أنكره على شبابة طوائف من الأئمة، منهم الإمام أحمد، والبخاري وأبو حاتم، وابن عدي.
وأما ابن المديني فإنه سئل عنه، فقال: لا ينكر لمن سمع من شعبة، يعني حديثًا كثيرًا، أن ينفرد بحديث غريب.
وقال أحمد: إنما روى شعبة بهذا الإسناد: حديث (الحج)، يشير إلى أنه لا يعرف بهذا الإسناد غير حديث الحج.
وقد سبق ذكر هذا الحديث، مع الكلام عليه في كتاب الأشربة والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
رابعًا: "ما كان مشهورًا عن الصحابي
من طريق وغريبًا من طريق آخر":
قال أبو عيسى ﵀:
(ثنا) محمد بن بشار (ثنا) معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو مزاحم: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يقضي قضاؤها فله قيراطان"، قالوا: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد".
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، (أنا) مروان بن محمد، عن معاوية بن سلام، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي مزاحم سمع أبا هريرة يقول عن النبي ﷺ:
قال: "من تبع جنازة فله قيراط"، فذكره بمعناه.
قال عبد الله بن عبد الرحمن: و(أنا) مروان عن معاوية بن سلام، قال: قال يحيى: وحدثني أبو سعيد مولى المهري عن حمزة بن سفينة، عن السائب، سمع عائشة، عن النبي ﷺ نحوه.
قلت: لأبي محمد، عبد الله بن عبد الرحمن: ما الذي استغربوا من حديثك بالعراق؟
[ ٢ / ٦٤٩ ]
فقال: حديث السائب عن عائشة، عن النبي ﷺ فذكر الحديث.
وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: وهذا حديث قد روي من غير وجه، عن عائشة، عن النبي ﷺ وإنما يستغرب هذا الحديث لحال إسناده لرواية السائب عن عائشة عن النبي ﷺ.
هذا نوع آخر من الغريب.
وهو أن يكون الحديث عن النبي ﷺ معروفًا من رواية صحابي عنه، من طريق أو من طرق ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر، يستغرب من ذلك الوجه خاصة عنه، مثل ما ذكر الترمذي ههنا من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سعيد مولى المهري، عن حمزة بن سفينة عن السائب، عن عائشة، عن النبي ﷺ.
وهذا الحديث إنما يعرف من رواية عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ، الذي خرجه الترمذي هنا عنه، ذكر أن البخاري كان يحدث به عنه. وقد ذكره البخاري في تاريخه عنه، فقال:
قال عبد الله، (أنا) مروان، عن معاوية، فذكره.
وخرجه بقي بن مخلد في مسنده، عن عبد الله الدارمي أيضًا.
وذكر الترمذي عن الدارمي أن أهل العراق كانوا يستغربون من حديثه هذا الحديث
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وحمزة بن سفينة الذي يرويه عن السائب بن يزيد، شيخ بصري، ذكره ابن حبان في ثقاته.
وهذا الحديث مروي من وجوه متعددة عن عائشة، أنها صدقت أبا هريرة بما حدث به عن النبي ﷺ من هذا الحديث.
وأما من حديث السائب بن يزيد عنها فلا يعرف إلا من هذا الوجه.
ومما كان يستغرب من حديث الدارمي - أيضًا - بالعراق حديثه عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ: "نعم الادام الخل".
وقد خرجه الترمذي في كتاب الأطعمة من كتابه هذا، ومسلم في صحيحه كلاهما عن الدارمي به.
وقد سبق الكلام عليه في موضعه، وذكرنا أن كثيرًا من الحفاظ استنكروه، على سليمان بن بلال منهم أحمد، وأبو حاتم، وأحمد بن صالح، وغيرهم.
وكذلك قال جماعة منهم في حديث: "بيت لا تمر فيه جياع أهله". بهذا
[ ٢ / ٦٥١ ]
الإسناد، ولكن هذا من نوع الغريب المذكور قبل هذا، فإنه غريب من حديث عائشة عن النبي ﷺ على أنه قد روي من وجه آخر عنها، وهو ضعيف.
والحديث معروف من حديث جابر عن النبي ﷺ.
"المنكر وحده"
قال أبو عيسى ﵀:
حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، (ثنا) يحيى بن سعيد القطان، (ثنا) المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "أعقلها وتوكل".
قال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: وهذا عندي حديث منكر.
قال أبو عيسى:
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه. وقد روى عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي ﷺ نحو هذا.
قال أبو عيسى ﵀:
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة، ونسأل الله ﷿ النفع بما فيه وأن لا يجعله وبالًا علينا برحمته.
آخر الكتاب والحمد لله وحده.
حديث أنس هذا قد خرجه الترمذي فيما تقدم - أيضًا - في أواخر كتاب الزهد، وسبق هناك ذكره، وذكر حديث عمرو بن أمية الضمري - أيضًا ـ.
وحديث أنس قد رواه غير واحد عن المغيرة بن أبي قرة، عن أنس.
وقد تفرد به المغيرة عنه، ولهذا غربه الترمذي من حديث أنس.
وقال يحيى القطان: هو عندي منكر.
فهذا الحديث من الغرائب المنكرة.
ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل: أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه فيكون منكرًا.
ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ.
وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار، عن
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ابن عمر، عن النبي ﷺ "في النهي عن بيع الولاء وهبته".
وكذا قال أحمد في حديث مالك، عن الزهري، عن عروة عن عائشة:
"إن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم، وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى".
قال: لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: ما أظن مالكًا إلا غلط فيه، ولم يجىء به أحد غيره، وقال مرة: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة.
ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث، في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا.
قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، ننظر في الحديث فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي ﷺ أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرًا.
وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثًا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا.
وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، أن رجلًا قال للنبي ﷺ "إني
[ ٢ / ٦٥٤ ]
أصبت حدًا فأقمه علي" الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم.
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه.
وخرج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ فهذا شاهد لحديث أنس.
ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم.
وقال إسحاق بن هانىء، قال لي أبو عبد الله، (يعني أحمد)، قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله، يعني ابن عمر، أخطأ (إلا) في حديث
[ ٢ / ٦٥٥ ]
واحد لنافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام الحديث".
قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.
قال (أبو عبد الله): قال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه.
وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر.
وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك.
قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي، الذي يروي حديث المواقيت فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وقال أحمد في بريد بن عبد الله بن أبي بردة: يروي أحاديث مناكير.
وقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة.
وقال في زيد بن أبي أنيسة: إن حديثه لحسن مقارب، وأن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث.
قال الأثرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث أن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم وهؤلاء الثلاثة متفق على الاحتجاج بحديثهم في الصحيح، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به، وكذلك قال في عمرو بن الحارث: (له أحاديث) مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مخلد، وجماعة خرج لهم في الصحيح بعض ما ينفردون به.
وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وإن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علة فليس بمنكر.
(وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم التيمي، وحديث زيد بن أبي أنيسة) .
وقد قال مسلم في أول كتابه: حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا (ليس) عند أصحابه قبلت زيادته.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فأما من نراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.
(فصرح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به، وحكاه عن أهل العلم) .
وقد ذكرنا فيما تقدم قول الشافعي في الشاذ، وأنه قال: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة (من الحديث) ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف الناس.
وكذا قال أبو بكر الأثرم، وحكى أبو يعلى الخليلي هذا القول عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك، لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به.
وكذلك ذكر الحاكم، أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة، من الثقات، وليس له أصل متابع لذلك الثقة ولم يوقف له على علة.
ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الثقات، أو إفراد إمام عن الحفاظ، والأئمة صحيح متفق عليه، ومثله بحديث مالك في المغفر.
(فتلخص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطان والإمام أحمد والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة، وكذلك الشذوذ كما حكاه الحاكم.
وأما الشافعي وغيره فيرون أن ما تفرد به ثقة مقبول الرواية، ولم يخالفه غيره فليس بشاذ، وتصرف الشيخين يدل على مثل هذا المعنى.
وفرق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وما ينفرد به إمام أو حافظ، فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفاظ الحديث، والله أعلم) .
"خاتمة العلل للترمذي"
وقد ذكر الترمذي ﵀ إنما وضع كتابه هذا على الاختصار لما رجا فيه من المنفعة، وهو تقريبه على طلبة العلم. وكان قد وعد بكتاب أكبر منه يستوعب فيه الأحاديث والآثار، ثم سأل الله عند فراغ كتابه النفع بما فيه، وأن لا يجعله وبالًا عليه برحمته.
وقد ظهرت آثار إجابة دعائه الأول، وحصل النفع بهذا الكتاب نفعًا عامًا.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
قال محمد بن طاهر المقدسي:
سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، يقول:
كتاب أبي عيسى الترمذي - عندي - أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قلت: لم؟.
قال: لأن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل واحد من الناس، من الفقهاء والمحدثين، وغيرهم.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
"الباب الثاني" "فوائد وقواعد في علم العلل" لابن رجب الحنبلي عقب بها على شرح علل الترمذي
[ ٢ / ٦٦١ ]
ولما انتهى الكلام على ما ذكره الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀ في كتاب الجامع وآخره كتاب العلل أحببت (أن أتبع) كتاب العلل بفوائد أخر مهمة، وقواعد كلية تكون للكتاب تتمة. وأردت بذلك تقريب علم العلل على من ينظر فيه، فإنه علم قد هجر في هذا الزمان، فقد ذكرنا في كتاب العلم أنه علم جليل قل من يعرفه من أهل هذا الشأن، وأن بساطه قد طوي منذ أزمان، وبالله المستعان، وعليه التكلان، فإن التوفيق كله بيديه ومرجع الأمور كلها إليه.
أعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين، لأن الثقات والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف.
والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاحتلاف، إما في الإسناد وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه (وكثرة ممارسته) الوقوف على دقائق علل الحديث.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ونحن نذكر - إن شاء الله تعالى - من هذا العلم كلمات جامعة، مختصره، يسهل بها معرفته وفهمه، لمن أراد الله - تعالى - به ذلك.
ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة، العرفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه.
قال الحاكم أبو عبد الله: الحجة في هذا العلم - عندنا - الحفظ، والفهم، والمعرفة، لا غير. وذكر ابن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فإذا قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم تكن له حجة.
وقد قسمته قسمين:
القسم الأول: في معرفة مراتب كثير من أعيان الثقات، وتفاوتهم، وحكم اختلافهم وقول من يرجح منهم عند الاختلاف.
والقسم الثاني: في معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن، أو في بعض الأزمان، أو عن بعض الشيوخ دون بعض.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
القسم الأول في معرفة مراتب أعيان الثقات، الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة ع
القسم الأول في معرفة مراتب أعيان الثقات، الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم وبيان مراتبهم في الحفظ وذكر من يرجح قوله منهم عند الاختلاف
أصحاب ابن عمر
أشهرهم سالم ابنه، ونافع مولاه، وقد اختلفا في أحاديث ذكرناها في باب رفع اليدين في الصلاة، وقفها نافع، ورفعها سالم.
وسئل أحمد: إذا اختلفا، فلأيهما تقضي؟ فقال: كلاهما ثبت، ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي، ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث: "من باع عبدًا له مال". وهو وقفه.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع، في وقف حديث "فيما سقت السماء العشر".
ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث "فيما سقت السماء العشر"، وحديث "من باع عبدًا له مال" وحديث "تخرج نار من قبل اليمن". وكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث، وفي حديث "الناس كإبل مائة" أيضًا.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وذكر ابن عبد البر أن الناس رجحوا قول سالم في رفعها.
أصحاب نافع مولى ابن عمر
وقد تقدم عن علي بن المديني أنه قسمهم تسع طبقات. وذكر أن أعلاهم أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر ومالك، وعمر بن نافع، وأن بعدهم ابن عون، ويحيى الأنصاري، وابن جريج، وبعدهم أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وبعدهم موسى بن عقبة.
وذكر أن أثبت أصحاب نافع - عنده - أيوب السختياني.
وروى نحو ذلك عن ابن عيينة، ووهيب.
وخالفهم في ذلك يحيى بن معين، وقال: اثبت أصحاب نافع مالك، هو أثبت من أيوب، وعبيد الله بن عمر، والليث بن سعد.
وقال يحيى القطان: أثبت أصحاب نافع أيوب، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وابن جريج أثبت في نافع من مالك.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: قال: أثبت أصحاب نافع عبيد الله، نقلها عنه المروذي، وابن هانىء. والثانية: قال: أوثق أصحاب نافع عندي أيوب، ثم مالك، ثم عبيد الله، نقلها ابن هانىء - أيضًا - وزاد في روايته، قال: ومحمد بن إسحاق ليس بذلك القوي، وموسى بن عقبة صالح الحديث، وصخر بن جويرية صالح - أيضًا، قال: والعمري الصغير، بعني عبد الله بن عمر، أحب إلي من عبد الله بن نافع.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقال ابن معين: موسى بن عقبة ثقة، وكانوا يقولون: ليس هو في نافع مثل مالك.
وروي عن يحيى بن معين أنه لم يفضل من أصحاب نافع الكبار أحدًا.
قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: أيوب أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟.
قال: كلاهما، ولم يفضل.
قلت: فمالك أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟.
قال: كلاهما، ولم يفضل.
قلت: فعبد الله العمري ما حاله في نافع؟.
قال: صالح.
قلت: فالليث بن سعد، كيف حديثه عن نافع؟.
قال: صالح ثقة.
ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث "من حلف، فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه" رفعه أيوب ووقفه مالك وعبيد الله، واختلف الحفاظ في الترجيح وأكثرهم رجح قول مالك.
أصحاب عبد الله بن دينار، مولى ابن عمر
قال أبو جعفر العقيلي: روى شعبة، والثوري، ومالك، وابن عيينة عن عبد الله بن دينار أحاديث متقاربة، عند شعبة عنه نحو عشرين حديثًا، وعند الثوري (نحو ثلاثين حديثًا، وعند مالك نحوها، وعند ابن عيينة بضعة عشر حديثًا) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وأما رواية المشايخ عنه ففيها اضطراب، ثم ذكر منهم يحيى بن سعيد، وعبد العزيز بن الماجشون وسهيلًا، وابن عجلان، ويزيد بن الهاد، وهؤلاء الثلاثة رووا عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة حديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة" قال: ولم يتابعهم أحد ممن سمينا من الأثبات ولم يتابع عبد الله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد.
قال: وقد روى موسى بن عبيدة ونظراؤه عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير، إلا أن الحمل فيها عليهم. انتهى ما ذكره.
وحديث "الإيمان بضع وستون شعبة" مخرج في الصحيحين، خرجه البخاري من طريق سليمان بن بلال، وخرجه مسلم، من طريق سهيل، كلاهما عن عبد الله بن دينار به.
وقول العقيلي: لم يتابع عليه يشبه كلام القطان وأحمد والبرديجي، الذي سبق ذكره في أن الحديث إذا لم يتابع راويه عليه فإنه يتوقف فيه، أو يكون منكرًا.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وقد سبق أيضًا - كلام أحمد في حديث "النهي عن بيع الولاء وعن هبته".
وقال البرديجي: أحاديث عبد الله بن دينار صحاح من حديث شعبة، ومالك وسفيان الثوري، ولم يزد على هذا. ولم يذكر ابن عيينة معهم، كما ذكره العقيلي.
أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أصح الناس (حديثًا) عن سعيد المقبري ليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر يقدم في سعيد.
وقال يحيى بن سعيد: ابن عجلان لم يقف على حديث سعيد المقبري ما كان عن أبيه عن أبي هريرة، وما روى هو عن أبي هريرة. أضعفهم عنه، يعني عن المقبري حديثًا (أبو معشر) .
وقال عبد الله - أيضًا ـ: قال أبي: بلغني عن يحيى بن سعيد قال: لم يقف ابن عجلان على حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. فترك أباه، فكان يقول: سعيد المقبري عن أبي هريرة. وأصح الناس عن سعيد المقبري ليث بن سعد، يفصل ما روى (عن أبي هريرة، وما) عن أبيه عن أبي هريرة، هو ثبت في حديثه جدًا.
وقال ابن المديني: الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
أصحاب الزهري
قد سبق أنهم خمس طبقات، وهم خلق كثير يطول عددهم، واختلفوا في أثبتهم وأوثقهم: فقالت طائفة: مالك، قاله أحمد في رواية، وابن معين.
وذكر الفلاس أنه لا يختلف في ذلك.
قال أحمد في رواية ابنه عبد الله: مالك ثم ابن عيينة، قال: وأكثرهم عنه رواية يونس وعقيل ومعمر، وقال: يونس وعقيل يؤديان الألفاظ.
وقال أبو حاتم الرازي: مالك أثبت أصحاب الزهري، فإذا خالفوا مالكًا من أهل الحجاز حكم لمالك. وهو أقوى من الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه. وأقوى من معمر، وابن أبي ذئب.
وقال يحيى بن إسماعيل الواسطي: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وذكر يومًا أصحاب الزهري فبدأ بمالك في أولهم، ثم ثنى بسفيان بن عيينة، ثم ثلث بمعمر، وذكر يونس بعده.
وقالت طائفة: أثبتهم ابن عيينة، قاله ابن المديني، وتناظر هو وأحمد في ذلك، وبين أحمد أن ابن عيينة أخطأ في أكثر من عشرين حديثًا عن الزهري وأما مالك فذكر له مسلم في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثة أوهام، وذكر أبو بكر الخطيب له وهمين عن الزهري، وأحدهما ذكره مسلم.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وقال يحيى بن سعيد: ابن عيينة أحب إلي في الزهري من معمر.
ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين عكس ذلك.
وقالت طائفة أثبتهم معمر، وأصحهم حديثًا، وبعده مالك.
قاله أحمد في رواية ابن هانىء عنه، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أثبت أصحاب الزهري مالك ومعمر ويونس، كانوا عالمين به، قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: سمعت ابن عيينة يقول: أخذ
[ ٢ / ٦٧٢ ]
مالك ومعمر عن الزهري عرضًا، وأخذت سماعًا، فقال يحيى بن معين: لو أخذا كتابًا لكانا أثبت منه، يعني من ابن عيينة.
قال: وسمعت يحيى يقول: ما أحد أحب إلي من سفيان ويونس ومعمر وعقيل يعني في الزهري، وقد كان يونس وعقيل عالمين به.
وسمعت يحيى يقول: معمر أثبت في الزهري من سفيان.
وذكر بإسناده عن يونس قال: كان عقيل يصحب الزهري في حضره وسفره.
وقال إبراهيم بن الجنيد: سئل يحيى بن معين وأنا أسمع: من أثبت الناس في الزهري؟.
قال: مالك، ثم معمر، ثم عقيل، ثم يونس، ثم شعيب، والأوزاعي والزبيدي وابن عيينة، فكل هؤلاء ثقات. قيل له: إيما أثبت، سفيان أو الأوزاعي؟ فقال: الأوزاعي أثبت، والزبيدي أثبت منه، يعني من ابن عيينة، قال: ومحمد بن أبي حفصة ضعيف الحديث.
قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: يونس شهد الإملاء من الزهري للسلطان، وشعيب شهده - أيضًا - قال: وعبد الرحمن بن نمر عن الزهري ضعيف الحديث.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن يحيى بن معين، قال: ابن أبي ذئب عرض على الزهري، وحديثه عن الزهري ضعيف، ثم قال: يضعفونه في الزهري.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وسئل الجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبًا من السواء إذ كانا يختلفان إليه جميعًا، ومعمر، إلا أنه يهم في أحاديث، ويختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو من أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والليث بن سعد، فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري، وسفيان بن عيينة كان غلامًا صغيرًا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام يعني الزهري تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أيامًا يسيرة، وفي حديثه يعني ابن عيينة عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان ابن كثير متقاربون في الزهري، يعني في الضعف، فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه، والزبيدي وشعيب لزماه لزومًا طويلًا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة، تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين، فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند هؤلاء فتأن في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه، وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.
وذكر قومًا رووا عن الزهري قليلًا أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة. منهم، برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما، انتهى كلام الجوزجاني.
وكان الإمام أحمد سيىء الرأي في يونس بن يزيد جدًا. وقدم عليه معمرًا،
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وعقيلًا، وشعيب بن أبي حمزة، وقال: عقيل وإبراهيم بن سعد عن الزهري أقل خطأ من يونس. وقال: إسماعيل بن أمية ثبت في الحديث، وهو أحب إلي حديثًا من أيوب بن موسى، وكان ابن عمه.
وقال الذي صح لهشيم عن الزهري أربعة أحاديث، ذكر منها حديث الإفك، وسنذكر كلام أحمد في يونس في موضع آخر - إن شاء الله تعالى.
وأما ابن إسحاق وابن أخي الزهري فتكلم أحمد في حديثهما عن الزهري ولينه.
وقال: موسى بن عقبة ما أراه سمع من ابن شهاب إنما هو كتاب نظر فيه.
وقال ابن معين: الأوزاعي في الزهري ليس بذاك، أخذ كتاب الزهري من الزبيدي.
ذكره يعقوب بن شيبة من طريق أبي داود عنه، ثم قال يعقوب: الأوزاعي ثقة ثبت إلا روايته عن الزهري خاصة فإن فيها شيئًا.
وقال يعقوب (بن شيبة) أيضًا - ابن أبي ذئب ثقة، وفي روايته عن الزهري خاصة شي.
وقال أبو حاتم الرازي: الزبيدي أثبت من معمر في الزهري خاصة، لأنه سمع منه مرتين.
وقال ابن المبارك وابن مهدي: يونس بن يزيد كتابه صحيح.
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة، يقول: كان زياد بن سعد عالمًا بحديث الزهري.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وقال عبد الله بن أحمد: (ثنا) إسحاق بن موسى الأنصاري، (ثنا) الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي يفضل محمد بن الوليد الزبيدي على جميع من سمع من الزهري.
(وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: ابن أبي ذئب سمع من الزهري) ويزيد بن أبي حبيب لم يسمع من الزهري، إنما هو كتاب.
ونقل عثمان بن سعيد عن يحيى بن معين، قال: معمر أحب إلي من صالح بن كيسان يعني في الزهري.
قال: وابن جريح ليس بشيء في الزهري، وابن إسحاق ليس به بأس، وهو ضعيف الحديث عن الزهري، والماجشون ليس به بأس، ومحمد بن أبي حفصة صويلح ليس بالقوي، وأسامة بن زيد في الزهري ليس به بأس، وابن أخي الزهري ضعيف، وزياد بن سعد في الزهري ثقة، وسليمان بن موسى في الزهري ثقة.
وقال الدارقطني: أبو أويس في بعض حديثه عن الزهري شيء.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
أصحاب يحيى بن أبي كثير
قال إسحاق بن هانىء: قلت لأبي عبد الله، يعني أحمد، أيما أحب إليك في حديث يحيى بن أبي كثير؟.
قال: هشام أحب إلي ممن روى عن يحيى بن أبي كثير.
قلت: فحسين المعلم، وحرب بن شداد، وشيبان؟.
قال: هؤلاء ثقات. قلت له: فهمام؟ قال: ليس منهم أصح حديثًا ولا أحب إلي من هشام.
قلت: فأبان العطار؟ قال: هو مثل همام وشيبان.
ونقل الأثرم عن أحمد، قال: هشام الدستوائي أثبت في حديث يحيى من معمر.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد عن أصحاب يحيى بن أبي كثير. فقال: هشام، قلت: ثم من؟ قال: أبان. قلت: ثم من؟ فذكر آخر. قلت: فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام.
وذكر أحمد في رواية غير واحد من أصحابه أن الأوزاعي كان لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من
[ ٢ / ٦٧٧ ]
حفظه، ويهم فيه. ويروي عن يحيى بن أبي كثير، عن ابي قلابة، عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب.
وقال البرديجي: أبان العطار أمثل من همام وعكرمة بن عمار. وحديثه عن يحيى بن أبي كثير مضطرب، لم يكن عنده كتاب، قاله الإمام أحمد والبخاري وغيرهما.
قال أبو حاتم الرازي: سألت علي بن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي.
قلت: ثم من؟، قال: ثم الأوزاعي، وحجاج الصواف، وحسين المعلم.
ونقل إبراهيم بن الجنيد عن يحيى بن معين، قال: ما روى أيوب يعني السختياني عن يحيى بن أبي كثير شيئًا فيه خير، ولكن هشام الدستوائي، يعني أن هشامًا هو الثبت في يحيى (ابن أبي كثير) .
أصحاب هشام بن عروة
قال أحمد، في رواية الأثرم كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن، أو قال: أصح.
وقال: كان يحيى بن سعيد يرسل الأحاديث التي يسندونها، يعني أنه كان يرسل عن هشام كثيرًا.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
قال: فقلت له: هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يسند عنه، من قبله كان؟ فقال: نعم.
وذكر أن عيسى بن يونس أسند عنه ما كان يرسله الناس، كحديث الهدية وغيره.
وقيل له: علي بن مسهر قال: كان علي بن مسهر قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه.
وقال الأثرم - أيضًا ـ: قال أبو عبد الله: ما أحسن حديث الكوفيين عن هشام بن عروة، أسندوا عنه أشياء. قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني أن هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى.
قلت لأبي عبد الله: كان هشام تغير؟ قال: ما بلغني عنه تغير.
وقال أبو عبد الله: ما كان أروى أبا أسامة، يعني عن هشام، روى عنه أحاديث غرائب.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
قال: ومالك، يرسل أشياء كثيرة، يسندها غيره.
وقال أيضًا: ما رأيت أحدًا أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة، ولا أحسن رواية منه، ثم ذكر حديث "تركة الزبير" فقال: ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه؟ قال: وحديث الإفك حسنه وجوده. وجوده.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أبو معاوية، صحيح (الحديث) عن هشام؟.
قال: لا، ما هو بصحيح الحديث عنه.
وقال الدارقطني: أثبت الرواة عن هشام بن عروة الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وابن نمير، والليث بن سعد.
وقال ابن خراش في تاريخه: هشام بن عروة كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقًا، تدخل أخباره في الصحاح، بلغني أن مالكًا نقم عليه حديثه لأهل العراق. قدم الكوفة ثلاث قدمات، قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية، فكان يقول: حدثني أبي، عن
[ ٢ / ٦٨٠ ]
عائشة، (وقدم الثالثة فكان يقول: أبي، عن عائشة)، يعني لا يذكر السماع.
قال: وسمع منه بأخرة وكيع، وابن نمير، ومحاضر، انتهى.
وهذا مما يؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه كمالك وغيره، أصح من حديث أهل العراق عنه.
وذكر العقيلي بإسناده عن ابن لهيعة، قال: كان أبو الأسود (يعجب من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه. وعن ابن) لهيعة عن أبي الأسود، قال: لم يكن عروة يرفع حديث أم زرع إلى النبي ﷺ إنما كان يقطع به الطريق.
قال العقيلي: لم يأت بحديث أم زرع غير هشام. وأبو الأسود يتيم عروة أوثق من هشام.
وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا موسى بن إسماعيل، (ثنا) العوام بن أبي العوام الأعلم، قال: كنت مع الزهري، فقال: أنا أعلم بعروة من هشام.
[ ٢ / ٦٨١ ]
قال: ورأيت في كتاب علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدث به وهو عندنا فهو، أي كأنه صححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا فكأنه يوهنه.
وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، قال: حديث معمر عن هشام بن عروة مضطرب، كثير الأوهام.
قال القاضي إسماعيل المالكي: بلغني عن علي بن المديني أن يحيى القطان كان يضعف أشياء حدث بها هشام بن عروة في آخر عمره، لاضطراب حفظه، بعدما أسن، والله أعلم.
وسمعت علي بن نصر وغيره يذكرون نحو هذا، عن يحيى (بن سعيد) .
أصحاب ابن جريج
قال يحيى بن معين: قال لي المعلى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج بالبصرة، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج بن محمد. قال يحيى: وكنت أتعجب منه، فلما تبينت ذلك إذا هو كما قال: كان أثبتهم في ابن جريج.
وقد قوى أحمد رواية يحيى بن سعيد عنه، وضعف رواية أبي عاصم عنه.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
قال الأثرم: قال أبو عبد الله: (كان) يحيى بن سعيد يقول: كان ابن جريج يحدثهم بما لا يحفظ، يشير إلى أنه كان يحدث من كتب غيره، قال: وما كنا نحن نسمع من ابن جريج إلا من حفظه، قال: فقال له إنسان: فلعل ابن جريج حدثكم شيئًا من حفظه من كتب الناس.
ثم قال أبو عبد الله: كان ابن جريج يحدثهم من كتب الناس، سماع أبي عاصم.
وذكر غيره، قال: إلا أيام الحج فإنه كان يخرج كتاب المناسك فيحدثهم به من كتابه.
ونقل ابن أبي مريم عن يحيى بن معين، قال: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ثقة، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج.
ونقل عبد الله بن أحمد الدورقي، عن ابن معين، قال: عبد الله بن وهب ليس بذاك في ابن جريج، كان يستصغر، يعني لأنه سمع منه وهو صغير.
وقال الحسن بن محمد الصباح: سئل يحيى بن معين عن حجاج بن محمد وأبي عاصم، أيهما أحب إليك في ابن جريج؟ قال: حجاج.
قال مسلم في كتاب التمييز: عبد الرزاق وهشام بن سليمان أكبر في ابن
[ ٢ / ٦٨٣ ]
جريج من ابن عيينة، وعبد الله بن فروخ.
قال الجوزجاني: يروي عن ابن جريج عن عطاء غير حديث لم نجده عند الناس، أحاديثه معضلة، ووثقه غيره، وأثنى عليه ابن أبي مريم ثناء عظيمًا.
أصحاب عمرو بن دينار
قال أحمد في رواية الأثرم: أعلم الناس بعمرو بن دينار ابن عيينة، ما أعلم أحدًا أعلم به من ابن عيينة.
قيل له: كان ابن عيينة صغيرًا. قال: وإن كان صغيرًا، فقد يكون صغيرًا كيسًا.
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: سفيان أثبت الناس في عمرو بن دينار وأحسنهم حديثًا.
قال عباس الدوري: سألت يحيى بن معين عن حديث شعبة، عن عمرو بن دينار، والثوري عن عمرو بن دينار، وابن عيينة عن عمرو بن دينار. قال: سفيان بن عيينة أعلمهم بحديث عمرو بن دينار، وهو أعلم بعمرو ابن دينار من حماد بن زيد.
ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين، أن ابن عيينة أعلم بعمرو بن دينار من سفيان الثوري، وحماد بن زيد، قيل: فشعبة؟ قال: وأي شيء روى عنه شعبة، إنما روى عنه نحوًا من مائة حديث.
وقال ابن المديني: ابن جريج وابن عيينة من أعلم الناس بعمرو بن دينار.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وقال أيضًا: ابن عيينة أعلم بعمرو من حماد بن زيد.
وقال أبو حاتم: ابن عيينة أعلم بحديث عمرو بن دينار من (شعبة)، وقيل لابن عيينة في حديث لعمرو بن دينار، اختلف فيه ابن جريج وهشيم، فقال ابن عيينة: أنا أحفظ لهذا منهما.
وقال الدارقطني: أرفع الرواة عن عمرو بن دينار، ابن جريج، وابن عيينة، وشعبة، وحماد بن زيد.
وذكر مسلم في كتاب التمييز أن حماد بن سلمة يخطىء في روايته عن عمرو بن دينار كثيرًا.
ذكر أهل البصرة أصحاب الحسن بن أبي الحسن، رضي الله عن هـ
ذكر ابن البراء في تاريخه عن علي بن المديني: يونس أثبت في الحسن من ابن عون، ويزيد بن إبراهيم ثبت في الحسن، وابن سيرين وهشام عن الحسن عامتها تدور على حوشب، يعني هشام بن حسان.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وروى صالح بن أحمد عن علي بن المديني، سمعت عرعرة بن البرند قال: قال لي عباد بن منصور: ما رأيت هشام بن حسان عند الحسن قط. قال: سألت جرير بن حازم، فقال: قاعدت الحسن سبع سنين ما رأيت هشامًا عنده قط، فقلت: يا أبا النضر، قد حدثنا عن الحسن بأشياء، ورويناها عنه، فعمن تراه أخذها؟ قال: أراه أخذها عن حوشب.
وقال يعقوب بن سفيان: قال ابن المديني: أصحاب الحسن حفص (المنقري)، ثم قتادة، وحفص فوقه، ثم قتادة بعده، ويونس وزياد الأعلم، وكان حفص في الحسن مثل ابن جريج في عطاء، وبعد هؤلاء أشعث بن عبد الملك ويزيد بن إبراهيم وقرة طبقة، وأبو الأشهب وجرير بن حازم طبقة، وأبو حرة (وهشام بن حسان في الحسن طبقة، وسلام بن مسكين والسري
[ ٢ / ٦٨٦ ]
ابن يحيى طبقة)، وأبو هلال فوق مبارك، ومبارك أحب إلي من الربيع، يعني ابن صبيح.
وقال أحمد: ما في أصحاب الحسن أثبت من يونس، ولا أسند عن الحسن من قتادة.
وقال حرب: سئل أحمد عن أصحاب الحسن فقال: لا يعدل أحد يونس.
قال: وأيوب، وابن عون، وهشام، هؤلاء أصحاب محمد، يعني ابن سيرين.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: يونس بن عبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟
قال: كلاهما. قال عثمان: يونس أكبر بكثير.
قلت ليحيى: فحميد أحب إليك فيه أو حبيب بن الشهيد؟ قال: كلاهما.
قال عثمان: وحبيب أحب إلينا.
قال: قلت: سلام بن مسكين؟ قال: ثقة.
قلت: سلام أحب إليك في الحسن، أو المبارك؟ قال: سلام.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أصحاب محمد بن سيرين، رحمه الله تعالى
قال ابن المديني: أحاديث هشام بن حسان عن محمد صحاح، قال: ونسخت من كتاب: ليس أحد أثبت في ابن سيرين من أيوب وابن عون إذا اتفقا، وإذا اختلفا فأيوب أثبت، وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين، وكلهم ثبت، وكذلك سلمة بن علقمة، وعاصم الأحول، وليس في القوم مثل أيوب وابن عون، وهشام الدستوائي ثبت.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول: إذا اختلف ابن عون وأيوب في الحديث، فأيوب أثبت منه.
وقال البرديجي: أحاديث هشام عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أكثرها صحاح، غير أن هشام بن حسان دون أيوب ويونس، وابن عون وسلمة بن علقمة، وعوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فيها صحاح وفيها منكرة ومعلولة. وعوف صدوق، ويزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة صحيح، إذا لم يكن الحديث منكرًا أو مضطربًا أو معلولًا، انتهى.
وقد تكلم قوم في رواية هشام بن حسان (عن محمد بن سيرين، قال ابن معين: زعم معاذ بن معاذ، قال: كان شعبة يتقي حديث هشام بن حسان) عن عطاء ومحمد والحسن.
وقال وهيب: سألني سفيان أن أفيده عن هشام بن حسان، قلت: لا أستحله فأفدته عن أيوب، عن محمد، فسأل عنها هشامًا.
قال (المروزي): سألت أبا عبد الله عن هشام بن حسان، فقال: أيوب
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وابن عون أحب إلي، وحسن أمر هشام، وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه.
وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: هشام أحب إليك في ابن سيرين، أو يزيد بن إبراهيم؟ قال: كلاهما ثبتان.
قال عثمان: وسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: يزيد بن إبراهيم أثبت - عندنا - من هشام بن حسان.
قال عثمان: وسألت يحيى عن (يحيى) بن عتيق، قال: ثقة. قلت: هو أحب إليك في ابن سيرين أو هشام بن حسان؟ قال: ثقة وثقة.
قال عثمان: يحيى خير.
قلت: هشام بن حسان أحب إليك أو جرير بن حازم؟ قال: هشام أحب إلي.
قلت: فيزيد بن إبراهيم أحب إليك أو جعفر بن حيان؟ قال: يزيد أحب إلي.
قلت: داود أحب إليك أو خالد الحذاء؟ قال: داود أحب إلي.
وقال الدارقطني: أثبت أصحاب ابن سيرين، أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، ويونس بن عبيد.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
أصحاب ثابت البناني
وفيهم كثرة، وهم ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى:
(الثقات): كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حماد بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانىء: ما أحد روى عن ثابت أثبت من حماد بن سلمة.
وقال ابن معين: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني.
وقال - أيضًا ـ: حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد.
وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم من بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، يعني أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت.
وقال أبو حاتم الرازي: حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إلي من همام، وهو أحفظ الناس، وأعلم الناس بحديثهما، بين خطأ الناس، يعني أن من يخالف حمادًا في حديث ثابت وعلي بن زيد قدم قول حماد عليه، وحكم بالخطأ على مخالفه.
وحكى مسلم في كتاب التمييز إجماع أهل المعرفة على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين، وأحمد وغيرهم من أهل المعرفة.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقال الدارقطني: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت.
قال ابن المديني: وروى حميد عن ثابت شيئًا، وأما جعفر يعني ابن سليمان فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل. وكان فيها أحاديث مناكير عن ثابت عن النبي ﷺ.
"ليسأل أحدكم ربه حتى يسأله شسع نعله والملح".
قال علي: وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب، ومنكرة.
وذكر علي أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش.
وقال العقيلي: أنكرهم رواية عن ثابت معمر.
وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، قال: حديث معمر، عن ثابت مضطرب كثير الأوهام.
الطبقة الثانية:
الشيوخ مثل الحكم بن عطية.
وقد ذكر أحمد الحكم بن عطية، (فقال: هؤلاء الشيوخ يخطئون على
[ ٢ / ٦٩١ ]
ثابت، وذكر للحكم بن عطية) عن ثابت، عن أنس أحاديث مناكير.
وقال: سهيل بن أبي حزم يروي عن ثابت منكرات.
وقال في عمارة بن زاذان: يروي عن ثابت أحاديث مناكير، ثم قال: هؤلاء الشيوخ رووا عن ثابت، وكان ثابت جل حديثه عن أنس فحملوا حديثه عن أنس.
قال: ويوسف بن عبدة يروي عن حميد وثابت أحاديث مناكير بالتوهم، ليس هي عندي من حديث حميد، ولا ثابت، انتهى.
ومنهم حماد بن يحيى الأبح، له أوهام عن ثابت: منها: حديثه عن أنس مرفوعًا، حديث: "مثل أمتي مثل المطر".
[ ٢ / ٦٩٢ ]
والصواب: عن ثابت عن الحسن مرسلًا.
كذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت، وتقدم هذا الحديث في كتاب الأمثال.
الطبقة الثالثة:
الضعفاء، والمتروكون، وفيهم كثرة.
كيوسف بن عطية الصفار، قال ابن هانىء: قال أحمد: كان (حماد) ثبتًا في حديث ثابت البناني وبعده سليمان بن المغيرة، وكان ثابت يحيلون عليه في حديث أنس، وكل شيء لثابت روى عنه، يقولون: ثابت عن أنس.
وقال أحمد، في رواية أبي طالب: أهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا، يقولون: ابن المنكدر عن جابر. وأهل البصرة ثابت عن أنس، يحيلون علهما.
ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيىء الحفظ والمجهولين منهم، فإنه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب، فوقعت المنكرات في حديثه، وإنما أتى من جهة من روى عنه من هؤلاء.
ذكر هذا المعنى ابن عدي وغيره.
ولما اشتهرت رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت عن أنس صار
[ ٢ / ٦٩٣ ]
كل ضعيف وسيىء الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر عن النبي ﷺ وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس عن النبي ﷺ.
هذا معنى كلام الإمام أحمد، والله أعلم.
أصحاب قتادة بن دعامة السدوسي
قال إبراهيم بن الجنيد، عن يحيى بن معين: سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أثبت الناس في قتادة ابن أبي عروبة. وسمعته يقول: همام في قتادة أحب إلي من أبي عوانة.
وسئل يحيى بن معين عن أبان وهمام أيهما أحب إليك؟ فقال: كان يحيى القطان يروي عن أبان، وكان أحب إليه. وأما همام فهو أحب إلي.
وقال أحمد، في رواية الأثرم: إذا خالف أبو عوانة وأبان العطار سعيدًا أعجبني ذلك يعني حديثهما: قال: لأنه يكون مما قد حفظناه.
قال أحمد: قال عفان: قال أبو عوانة: كان قتادة يقول لي: لا تكتب عني شيئًا، فسمعت منه، وحفظت، ثم نسيت بعد، فجلست إلى سعيد، فجعل يحدث عن قتادة بما أعرف، أو نحو هذا.
وقال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله، قلت: أيما أحب إليك في حديث قتادة؟ سعيد بن أبي عروبة، أو (همام) أو (شعبة) أو الدستوائي؟
[ ٢ / ٦٩٤ ]
فسمعته يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سعيد عندي في الصدق مثل قتادة وشعبة ثبت، ثم همام.
قلت: والدستوائي؟ قال: والدستوائي - أيضًا ـ.
وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: شعبة أحب إليك في قتادة أو هشام؟.
قال: كلاهما.
قال عثمان بن سعيد: هشام في قتادة أكبر من شعبة.
وقال البرديجي: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس صحيح، فإذا ورد عليك حديث لسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا، وخالفه هشام وشعبة حكم لشعبة وهشام على سعيد، وإذا روى حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم من الشيوخ عن قتادة (عن أنس) عن النبي ﷺ وخالف سعيد أو هشام أو شعبة، فإن القول قول (هشام) وسعيد، وشعبة على الانفراد، فإذا اتفق هؤلاء الأولون (وهم همام وأبان وحماد) على حديث مرفوع، وخالفهم شعبة وهشام وسعيد، أو شعبة أو هشام وحده، أو سعيد وحده، توقف عن الحديث، لأن هؤلاء الثلاثة (شعبة، وسعيد، وهشام) أثبت من همام وأبان وحماد.
قلت: مراده، أن (الحفاظ من أصحاب قتادة ثلاثة): شعبة، وسعيد، وهشام، والشيوخ من أصحابه مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، ونحوهم.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
فأما الحفاظ الثلاثة، فإذا روى سعيد حديثًا عن قتادة وخالفه فيه شعبة وهشام، فالقول قولهما.
وسيأتي فيما بعد قوله إن القول قول رجلين من الثلاثة، من غير تعيين وقوله أيضًا: إنه إذا روى هشام وسعيد (بن أبي عروبة) شيئًا وخالفهما شعبة، فالقول قولهما، وأما إذا اختلف الثلاثة فسيأتي قوله: إنه يتوقف عن الحديث، وإن خالف هشام شعبة فقد حكى فيما بعد فيه قولين:
أحدهما: القول قول شعبة.
والثاني: التوقف.
وأما الشيوخ فإذا روى أحدهم حديثًا، وخالفه واحد من الحفاظ الثلاثة، فالقول قول ذلك الحافظ، فإذا اتفق الشيوخ الثلاثة على حديث، وخالفهم الحفاظ الثلاثة أو أحدهم، توقف عن الحديث، ففرق بين أن ينفرد شيخ بحديث يخالفه فيه حافظ، فإنه حكم بأن القول قول الحافظ، وبين أن يجتمع الشيوخ على حديث ويخالفهم الحفاظ أو بعضهم، فقال: يتوقف فيه.
وهذا بخلاف قول أحمد، إنه إذا اختلف سعيد بن أبي عروبة مع أبي عوانة وأبان، أنه يعجبه قو ل الشيخين، كما سبق عنه.
وقال البرديجي: - أيضًا - أصح الناس رواية عن قتادة شعبة، كان يوقف قتادة على الحديث.
قلت: كأنه يعني بذلك اتصال حديث قتادة، لأن شعبة كان لا يكتب عن قتادة إلا ما يقول فيه: (حديثًا)، ويسأله عن سماعه.
(فأما حفظ) حديثه، فقد تقدم عن أحمد وغيره أن سعيد ابن
[ ٢ / ٦٩٦ ]
أبي عروبة أحفظ له، ولكن ظاهر كلام البرديجي خلاف هذا، وأن شعبة أثبت في قتادة وسيأتي من كلامه ما يبينه.
ثم قال البرديجي: فإذا أردت أن تعلم صحيح حديث قتادة فانظر إلى رواية شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي، فإذا اتفقوا فهو صحيح. وإذا خالف هشام (قول) شعبة (فالقول قول شعبة، وقال بعضهم): يتوقف عنه، وإذا اتفق هشام و(سعيد) (بن أبي عروبة) من رواية أهل التثبت عنهما وخالفهما شعبة كان القول قول (هشام وسعيد)، غير أن شعبة من أثبت الناس في قتادة ولا يلتفت (إلى رواية الفرد عن شعبة) ممن ليس له حفظ، ولا تقدم في الحديث (من أهل الاتقان) .
وقال البرديجي: - أيضًا ـ: (أحاديث) شعبة، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح وإذا اختلفوا في حديث واحد، فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة، فإذا اختلف الثلاثة توقف عن الحديث، وإذا انفرد واحد من الثلاثة في حديث نظر فيه: فإن كان لا يعرف من الحديث إلا من طريق الذي رواه كان منكرًا.
وأما أحاديث قتادة، التي يرويها الشيوخ، مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، فينظر في الحديث: فإن (كان) الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي ﷺ، وعن أنس بن مالك، من
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وجه آخر، لم (يدفع)، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا. انتهى.
وقد (سبق) ذكر ذلك في الكلام على المنكر، وما فيه من اختلاف الحفاظ (في) ذلك.
وقال ابن معين: قال شعبة: هشام الدستوائي أعلم بقتادة، وبأكثر مجالسه له مني.
قال أحمد في رواية حرب: أصحاب قتادة شعبة وسعيد وهشام، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، كان سعيد يكتب كل شيء.
قال أحمد: وقال عفان: وذكر حديثًا، فقال: أصاب همام وأخطأ هشام وسعيد.
وذكر مسلم في كتاب التمييز أن حماد بن سلمة عندهم يخطىء في حديث قتادة كثيرًا.
وقال الدارقطني في العلل: معمر سيىء (الحفظ) (الحديث) قتادة والأعمش.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى (بن معين) (يقول): قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه (الأسانيد) .
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ونقل الأثرم عن أحمد، قال: عمرو بن الحارث روى عن قتادة (مناكير، وقال) في جرير بن حازم: كان يحدث بالتوهم أشياء عن قتادة (يسندها بواطيل)، وكذلك ضعف يحيى وغيره حديث جرير عن قتادة (خاصة وسليمان التيمي.
قال الأثرم: حديثه عن قتادة مضطرب) .
وفي تاريخ الغلابي: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذاك.
والظاهر أنه حكاه عن ابن معين.
أصحاب أيوب السختياني
قال الإمام أحمد: ما عندي أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد، (وقد أخطأ في غير شيء) .
وقال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب من حماد بن زيد.
وقال سليمان بن حرب: وحماد بن زيد في أيوب أكبر من كل من روى عن أيوب.
وقال ابن معين: إذا اختلف إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد في أيوب، كان القول قول حماد.
قيل ليحيى: فإن خالفه سفيان الثوري؟ قال: فالقول قول حماد بن زيد في أيوب.
قال يحيى: ومن خالفه من الناس جميعًا في أيوب فالقول قوله.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وهذا القول اختيار ابن عدي وغيره.
وقال النسائي: أثبت أصحاب أيوب حماد بن زيد، وبعده عبد الوارث وابن علية.
ورجحت طائفة ابن علية على حماد.
قال البرديجي: ابن علية أثبت من روى عن أيوب، وقال بعضهم: حماد بن زيد.
قال: ولم يختلفا إلا في حديث أوقفه ابن علية، ورفعه حماد، وهو حديث أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "ليس أحد منكم ينجيه عمله"، قالوا: ولا أنت؟.
قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" انتهى.
وليس وقف هذا (الحديث) مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرًا، ولا يرفعها والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها.
قلت: وقد اختلفا أيضًا في أحاديث أخر، منها حديث أيوب عن نافع،
[ ٢ / ٧٠٠ ]
عن ابن عمر، "أن عمر قبل الحجر" كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب، ورواه ابن علية عن أيوب (عن نافع عن ابن عمر)، (قال: ثبت) أن عمر قبل الحجر.
وذكر شعيب بن حرب حماد بن زيد وابن علية (فقدم ابن علية، وقال) هو أثبتهم في الحديث.
وقال غندر: نشأت (في الحديث يوم نشأت وليس) أحد يقدم في الحديث على إسماعيل بن علية.
وقال (عيسى بن يونس: إسماعيل) أثبت عندنا من حماد، وحماد وأبي عوانة، وسمى قومًا.
خرج ذلك (كله) يعقوب بن شيبة، وقال: أخبرني الهيثم بن خالد قال: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نحوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم.
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقال عبد الله بن احمد بن حنبل: قال أبي: كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي ووهيب، وكان يهاب أو يتهيب إسماعيل بن علية إذا خالفه.
وقال يزيد بن الهيثم: سمعت يحيى بن معين سئل عن أحاديث أيوب، اختلاف ابن علية وحماد بن زيد، فقال: إن أيوب كان يحفظ، وربما نسي الشيء. انتهى.
فنسب الاختلاف إلى أيوب.
وقال أحمد في رواية الميموني: عبد الوارث قد غلط في غير شيء. روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه.
وهو عنده - مع هذا - ثبت ضابط.
وقال الأثرم، عن أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
وذكر القواريري عن يحيى بن سعيد أنه كان يثبت عبد الوارث. وإذا خالفه أحد من أصحابه، يقول: ما قال عبد الوارث، انتهى.
ولم يكتب عبد الوارث ولا ابن علية حديث أيوب حتى مات أيوب.
وأما حماد بن زيد، فكان ضريرًا، وكان يحفظ، ولم يكن عنده كتاب لأيوب بالكلية.
ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين، قال: عبد الوارث مثل حماد. قال: وهو أحب إلي في أيوب من الثقفي، وابن عيينة.
أصحاب شعبة
(قال أحمد في رواية ابن هانىء: ما في أصحاب شعبة) (أقل خطأ من محمد بن جعفر، ولا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد) .
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وقال صالح بن أحمد: (ثنا) علي بن المديني، قال: ذكرت (ليحيى أصحاب) شعبة، فقال: أنا لا أسمي لك أحدًا، كان عامتهم يميلها عليهم (رجل، إلا خالدًا ومعاذًا)، فانا كنا إذا قمنا من عند شعبة جلس خالد ناحية، (ومعاذ ناحية) ليكتب كل واحد منهما بحفظه. وأما أنا فكنت (لا أكتب حتى أجيء إلى البيت) .
قال ابن أبي حاتم (ثنا) أحمد بن منصور المروزي: سمعت سلمة بن سليمان يقول: قال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم فيما بينهم:
وذكر ابن خراش، عن الفلاس، قال: كان يحيى، وعبد الرحمن ومعاذ، وخالد، وأصحابنا إذا اختلفوا في حديث عن شعبة رجعوا إلى كتاب غندر فحكم عليهم.
وقال العجلي: غندر من أثبت الناس في حدث شعبة.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وقال يزيد بن الهيثم عن يحيى بن معين: لم أر في أصحاب شعبة أحسن حديثًا من أبي الوليد، قيل له: من كان أحب إليك، أبو داود أو بهز؟ قال: أبو داود ثقة، وكان بهز أتقن منه في كل شيء.
وقال عثمان بن سعيد: سألت يحيى بن معين عن أصحاب شعبة، قلت: يحيى القطان أحب إليك في شعبة، أو يزيد بن زريع؟ قال: ثقتان. قلت: فغندر أحب إليك أو محمد بن أبي عدي، قال: ثقتان. قلت: فأبو داود أحب إليك أو حرمى، قال: أبو داود أحب إلي. قلت: فأبو داود أحب إليك فيه أو ابن مهدي؟ قال: أبو داود أعلم به.
قال عثمان: عبد الرحمن بن مهدي أحب إلينا في كل شيء. وأبو داود أكثر الرواية عن شعبة.
قال: سألت يحيى عن أبي عامر العقدي، قال: ثقة. قلت:
[ ٢ / ٧٠٤ ]
فشبابة قال: ثقة. قلت: فمعاذ أثبت في شعبة أو غندر؟ قال: ثقة، وثقة.
وقال أبو مسعود بن الفرات: ما رأيت أحدًا أكبر في شعبة من أبي داود.
وقال أحمد: مسكين بن بكير يخطىء عن شعبة.
وقال ابن عدي: أصحاب شعبة معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث ويحيى القطان، وغندر، وأبو داود خامسهم.
ونقل ابن البراء عن ابن المديني، قال: عبد الصمد في شعبة ثبت.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
أصحاب معمر (بن راشد)
قال أحمد في رواية إبراهيم الحربي: إذا اختلف أصحاب معمر في شيء فالقول قول ابن المبارك.
وقال ابن عسكر: سمعت (أحمد بن حنبل يقول): إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق.
قال (يعقوب بن شيبة): عبد الرزاق (متثبت) في معمر، جيد الاتقان.
وسنذكر فيما بعد (ـ إن شاء الله - أن من سمع) باليمن منه فهو أصح ممن سمع منه بالبصرة.
وقال ابن معين: أبو سفيان المعمري محمد حميد، صاحب معمر، ثقة وعبد الرزاق أحب إلي منه.
قال الدارقطني: أثبت أصحاب معمر هشام بن يوسف، وابن المبارك.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أصحاب حماد بن سلمة
قال عبد الله بن أحمد: سمعت يحيى بن معين يقول: من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة، فعليه بعفان بن مسلم.
وقال النسائي: أثبت أصحاب حماد بن سلمة ابن مهدي، وابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفي.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
ذكر أهل الكوفة:
أصحاب عامر بن شراحيل الشعبي
قال إسحاق بن هانىء: قلت لأبي عبد الله، يعني أحمد: من أحب إليك، يعني من أصحاب الشعبي؟.
قال: إسماعيل أحبهم إلي وأحسنهم حديثًا.
قلت: أيما أحب إليك بيان أو فراس؟ قال: ما منهما إلا ثقة.
(قلت: أيما أحب إليك زكريا أو فراس؟ قال: ما منهما إلا ثقة) وزكريا حسن الحديث.
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أصح الناس حديثًا عن الشعبي إسماعيل بن أبي خالد.
قلت: فزكريا وفراس، وابن أبي السفر.
قال: ابن أبي خالد يشرب العلم شربًا، ابن أبي خالد أحفظهم،
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وقال: ابن أبي السفر وزكريا كلاهما كانا يختلفان إلى الشعبي جميعًا.
وحكى عثمان بن سعيد عن يحيى بن معين، قال: إسماعيل بن أبي خالد أحب إلي في الشعبي من الشيباني، وإسماعيل أعلم بالشعبي من ابن عون، قيل له: فراس أحب إليك أو بيان؟ (قال: كلاهما ثقة) .
وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن زكريا عن الشعبي، (فقال: ليس هو عندي مثل إسماعيل وليس به بأس) .
أصحاب أبي إسحاق السيبعي
واسمه عمرو بن عبد الله.
وقد ذكر الترمذي في كتابه هذا أن الثوري وشعبة أثبت وأحفظ من جميع من روى عن أبي إسحاق.
وقال ابن المديني: سمعت معاذ بن معاذ، وقيل له: أي أصحاب أبي إسحاق أثبت؟.
قال: شعبة، وسفيان، ثم سكت.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين، يقول: أثبت أصحاب أبي إسحاق الثوري، وشعبة وهما أثبت من زهير وإسرائيل، وهما قرينان. قال: وسمعت ابن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث أبي إسحاق من الثوري.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وقال عثمان الدارمي: سألت يحيى: شعبة أحب إليك في أبي إسحاق، أو سفيان؟ قال: سفيان.
وقال أبو زرعة: أثبت أصحاب أبي إسحاق الثوري، وشعبة، وإسرائيل وشعبة أحب إلي من إسرائيل.
وقال أبو حاتم الرازي: سفيان أتقن أصحاب أبي إسحاق، وهو أحفظ من شعبة. وإذا اختلف الثوري وشعبة، فالثوري.
وقال أبو عثمان البرذعي: سمعت أبا زرعة، يقول: سمعت ابن نمير، يقول: سماع يونس وزكريا وزهير من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وقال أبو زرعة: إذا فات شعبة وسفيان، فزهير خلف، ثم زائدة.
وقال البرديجي: حديث أبي إسحاق من حديث شعبة وسفيان الثوري إذا اتفقا لم يختلفا صحيح، فإذا اختلفا كان القول قول سفيان، لأنه أحفظ الرجلين.
وقد روى عن أحمد أنه يقدم قول شعبة في أبي إسحاق.
قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما (أجد) في نفسي أكبر من شعبة (فيه)، ثم الثوري، قال: وشعبة أقدم سماعًا من سفيان، قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر، قال: إي والله هؤلاء الصغار زهير (وإسرائيل يزيدون) في الإسناد وفي الكلام.
ونقل جماعة عن أحمد تقديم (شريك على إسرائيل)، في أبي إسحاق، وقال: أنه أضبط عنه، وأقدم سماعًا.
[ ٢ / ٧١٠ ]
قال: (ويختلف على إسرائيل) في حديث أبي إسحاق، وقدم شريكًا في أبي إسحاق على (يونس وأبي الأحوص أيضًا، وقال في زهير) وزكريا: ليس حديثهم بالقوي عن أبي إسحاق: وقال: إذا اختلف زكريا وإسرائيل في أبي إسحاق فإن زكريا أحب إلي (في أبي إسحاق) من إسرائيل، ثم قال: ما أقربهما.
ونقل الأثرم عن أحمد، قال: ما أقرب حديث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، ولكن سماعه - عندي - مع هؤلاء الذين سمعوه بأخره. قال: وضعف حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إلي منه.
ونقل عثمان بن سعيد عن يحيى، قال: شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل، وهو أقدم.
ونقل الدوري (عنه)، قال: زكريا، وزهير، وإسرائيل حديثهم عن أبي إسحاق قريب من السواء، سمعوا (منه) بأخرة، إنما صحب أبا إسحاق سفيان وشعبة.
وقال العجلي: رواية زكريا بن أبي زائدة، وزهير بن معاوية وإسرائيل، عن أبي إسحاق قريب من السواء، قال: ويقال: إن شريكًا أقدم سماعًا منه.
وقال ابن المديني: الأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق.
[ ٢ / ٧١١ ]
وذكر عثمان بن سعيد عن ابن معين، قال: شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل وهو أقدم. قيل له: أبو الأحوص أحب إليك فيه أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما.
ونقل يزيد بن الهيثم عن يحيى بن معين، قال: شعبة وسفيان في أبي إسحاق جميعًا واحد، يعني: لا يرجح أحدهما على الآخر، قال: وزهير، وإسرائيل، وشريك، وأبو عوانة، في أبي إسحاق واحد، وإسرائيل أقدم من عيسى ليس به بأس.
وقد رجحت طائفة إسرائيل في أبي إسحاق وخاصة على الثوري وشعبة، منهم: ابن مهدي، (وروي عن شعبة) أنه كان يقول في أحاديث أبي إسحاق سلوا عنها (إسرائيل، فإنه) أثبت فيها مني.
وقد سبق ذكر هذا مستوفى أيضًا (في أول الكتاب) في الكلام على حديث ابن مسعود في الاستنجاء بالحجرين وإلقاء الروثة، وفي كتاب النكاح، في الكلام على حديث "النكاح بغير ولي".
[ ٢ / ٧١٢ ]
أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي
ذكر علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور، فقلت ليحيى: منصور أحسن حديثًا عن مجاهد من ابن أبي نجيح؟ قال: نعم، وأثبت. وقال: منصور أثبت الناس.
وقال أحمد: حدثني يحيى قال، قال سفيان: كنت إذا حدثت الأعمش عن بعض أصحاب إبراهيم، قال. فإذا قلت: منصور، سكت.
وقال ابن المديني عن يحيى عن سفيان، قال: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد إلا رده، فإذا قلت: منصور، سكت.
وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، قال: لم يكن أحد أعلم بحديث منصور من سفيان الثوري.
ورجحت طائفة الأعمش على منصور في حفظ إسناد حديث النخعي.
قال وكيع: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور.
وقد ذكره الترمذي في باب التشديد في البول من كتاب الطهارة
[ ٢ / ٧١٣ ]
واستدل به على ترجيح قول الأعمش في حديث ابن عباس "في القبرين"، سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس عن ابن عباس. وأما نصور فرواه عن مجاهد عن ابن عباس.
وكذلك ذكره أيضًا في كتاب الصيام، في باب صيام العشر، واستدل به على ترجيح رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ما رأيت النبي ﷺ صائمًا في العشر قط، على قول منصور، فإنه أرسله.
ورجحت طائفة الحكم.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: من أثبت الناس في إبراهيم، قال: الحكم ثم منصور. (وقال أيضًا قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم ثم منصور ما أقربهما، ثم قال: كانوا) يرون أن عامة حديث
[ ٢ / ٧١٤ ]
أبي معشر إنما هو عن حماد، يعني (ابن أبي سليمان) .
وقال حرب عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يقدم منصورًا (والحكم على الأعمش) .
قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أي أصحاب (إبراهيم أحب إليك؟ قال): الحكم ومنصور. قلت: أيهما (أحب إليك؟ قال: ما أقربهما.
وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ألحكم) أحب إليك في إبراهيم أو فضيل بن عمرو؟ قال: الحكم أعلم.
أصحاب الأعمش
وهو سليمان بن مهران الكاهلي.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري.
قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: أبو معاوية كنا إذا ذاكرناه حديث الأعمش، فكأنا لم نسمع الحديث، يشير إلى كثرة حديثه، وسعة حفظه.
قال ابن أبي حاتم: (ثنا) أحمد بن سنان الواسطي، سمعت
[ ٢ / ٧١٥ ]
عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت سفيان لشيء من حديثه أحفظ منه لحديث الأعمش.
قال: (ثنا) أبي، (ثنا) أبو بكر الأعين، قال: سمعت أحمد بن حنبل، وقلت له: من أحب الناس إليك في حديث الأعمش؟ قال: سفيان، قلت: شعبة؟. قال: سفيان.
(ثنا) محمد بن إبراهيم (أنا) عمرو بن علي. قال: سمعت أبا معاوية يقول: كان سفيان يأتيني ههنا، فيذاكرني بحديث الأعمش، فما رأيت أحدًا أعلم بحديث الأعمش منه.
وقال علي: قال يحيى بن سعيد: سماعي من سفيان عن الأعمش أحب إلي من سماعي من الأعمش.
قال ابن أبي حاتم وسمعت أبي، يقول: احفظ أصحاب الأعمش الثوري.
وقال يعقوب بن شيبة: سفيان الثوري، وأبو معاوية، مقدمان في الأعمش على جميع من روى عن الأعمش.
وذكر عن علي بن المديني. قال: كان أبو معاوية (حسن) الحديث عن الأعمش، حافظًا عنه.
وذكر بإسناده عن جرير بن عبد الحميد، قال: أبو معاوية حفظ حديث الأعمش، ونحن أخذناها (من الرقاع) .
[ ٢ / ٧١٦ ]
وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال أبو معاوية: كنا إذا قمنا من عند (الأعمش كنت أمليها) عليهم، قال أبي: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش قلت له: مثل سفيان؟ قال: لا، سفيان في طبقة أخرى، مع أن أبا معاوية يخطىء في أحاديث من أحاديث الأعمش.
وقال عبد الله - أيضًا ـ: قال أبي في أصحاب الأعمش: سفيان أحبهم إلي، وأبو معاوية في الكثرة والعلم بالأعمش.
ونقل عثمان بن سعيد عن يحيى بن معين، قال: سفيان أحب إلي في الأعمش من شعبة.
قال: وأبو عوانة أحب إلي فيه من عبد الواحد، وأبو شهاب أحب إلي من أبي بكر بن عياش في كل شيء، يعني في الأعمش، وغيره.
قال: وأبو بكر وأبو الأحوص، ما أقربهما، وقطبة وحفص ثقتان.
وقال حرب، عن أحمد: أبو معاوية أثبت في الأعمش من جرير، وقيل لأحمد: أبو معاوية فوق شعبة يعني في الأعمش؟ قال: أبو معاوية في الكثرة وعلمه بالأعمش، وشعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، وابو معاوية (عن، عن) . وقيل له: بعد أبي معاوية، شعبة أثبت؟ قال: شعبة أثبت في كل شيء، وقد غلط شعبة في بعض ما روى عن الأعمش، وكان زائدة من أصح
[ ٢ / ٧١٧ ]
الناس حديثًا عن الأعمش، ما خلا الثوري، قال: وجرير لم يكن بالضابط عن الأعمش، وقال: أبو معاوية عنده أحاديث يقلبها عن الأعمش.
وقال أبو بكر الخلال: أحمد لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في حديث الأعمش، إلا أن يكون الثوري.
وقال يعقوب بن شيبة: عبيد الله بن موسى، ومحاضر، ومندل، وأبو معاوية، ووكيع، وابن نمير، ويحيى بن عيسى كل هؤلاء ثقة في الأعمش.
قال: وقد تكلم في رواية وكيع عن الأعمش بشيء دفعه عيسى بن يونس.
حدثني أحمد بن داود (الحداني)، قال: قيل لعيسى بن يونس، وأنا أسمع: إن وكيعًا سمع من الأعمش، وهو صغير، قال: لا تقولوا ذاك، إنه كان ينتقيها ويعرفها (أو قال ينقيها) .
قال ابن أبي حاتم: (ثنا) محمد بن سعيد المقري، قال: سئل، عبد الرحمن، من أثبت في الأعمش بعد الثوري؟
[ ٢ / ٧١٨ ]
قال: ما أعدل بوكيع أحدًا، قال له رجل: يقولون: أبو معاوية. قال: فنفر من ذلك.
وقال: أبو معاوية عنده كذا وكذا وهمًا.
وأما حفص بن غياث فقد كان أحمد وغيره يتكلمون في حديثه، لأن حفظه كان فيه شيء.
وقدمه غيرهم، قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث، قال أبو داود سمعت عيسى بن شاذان يقدم حفصًا.
وكان بعضهم يقدم أبا معاوية.
وقال ابن خراش: بلغني عن علي بن المديني، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق اصحاب الأعمش حفص بن غياث، قال علي: فأنكرت ذلك، ثم قدمت الكوفة بأخرة فأخرج إلى عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش، فجعلت أترحم على يحيى، وقلت لعمر: سمعت يحيى يقول: حفص أوثق اصحاب الأعمش ولم أعلم حتى رأيت كتابه.
وروى محمد بن عبد الرحيم البزار عن علي بن المديني، قال: كان يحيى يقول: حفص ثبت، ثم ذكر معنى حكاية ابن خراش، وهذه أصح، وتلك منقطعة.
[ ٢ / ٧١٩ ]
وقال ابن معين: حفص أثبت من عبد الواحد بن زياد، وهو أثبت من عبد الله بن إدريس.
وقال الدارقطني: ارفع الرواة عن الأعمش الثوري وأبو معاوية ووكيع ويحيى القطان وابن فضيل. وقد غلط عليه في شيء.
وقال ابن عمار: قال أبو معاوية: كان أهل خراسان يجيئون إلى الأعمش ليسمعوا منه فلا يقدرون، فكانوا يجيئون يسمعون من شعبة عن الأعمش. فكان شعبة لا يحدثهم حتى يقعدني معه، فيقول: يا أبا معاوية، أليس هو كذا وكذا؟ فإن قلت: نعم (حدثهم) .
قال ابن عمار: إنما يراد من هذا أن أبا معاوية كان أثبت في الأعمش من (شعبة) .
وسئل أحمد بن الحسن السكري الحافظ: من أحب إليك في اصحاب الأعمش؟ قال أبو معاوية أعرف به، وأما معمر في الأعمش فهو (سيىء الحفظ جدًا)، وكذا ذكره ابن معين والأثرم والدارقطني.
وقال ابن عسكر: سمعت أحمد يقول: أحاديث معمر عن الأعمش التي يغلط فيها ليس هو من عبد الرزاق إنما هو من معمر، يعني الغلط.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
أصحاب منصور بن المعتمر
قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: جرير أحب إليك في منصور أم شريك؟ قال: جرير أعلم به.
قلت: فشريك أحب إليك في منصور او أبو الأحوص؟ قال: شريك أعلم به.
قال عثمان: وأراه قال: وكم روى أبو الأحوص عن منصور؟
وروى أبو يعلى الموصلي عن يحيى بن معين معناه، إلا أنه قال: أحب إلي بدل قوله أعلم به.
وكذا روى يزيد بن الهيثم (عن يحيى) وليس في روايتهما التخصيص بمنصور.
وكذا قال أبو حاتم: شريك أحب إلي من أبي الأحوص. انتهى.
ومعمر في منصور كأنه ليس بالقوي، فإن معمرًا روى عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر "أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى".
ورواه سفيان عن منصور، عن إبراهيم مرسلًا.
والصحيح عند أحمد وابن معين قول سفيان في هذا، وحديث معمر عندهما خطأ.
وقال الدارقطني: أثبت أصحاب منصور، الثوري، وشعبة، وجرير الضبي.
[ ٢ / ٧٢١ ]
أصحاب سفيان بن سعيد الثوري ﵀
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن اصحاب الثوري: أيهم أثبت؟
قال: هم خمسة، يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، فأما الفريابي، وأبو حذيفة، وقبيصة، وعبيد الله، وأبو عاصم، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق، وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض وهم ثقات كلهم. دون أولئك في الضبط والمعرفة.
وقال عثمان بن سعيد: سألت (يحيى) بن معين عن أصحاب سفيان، قلت: (يحيى) أحب إليك في سفيان أو عبد الرحمن؟.
قال: يحيى. قلت: فعبد الرحمن أحب إليك أو وكيع؟ قال:
[ ٢ / ٧٢٢ ]
(وكيع)، (قلت: فوكيع أحب إليك أو أبو نعيم؟ قال: وكيع) .
قلت: فالأشجعي؟ قال: صالح ثقة.
قلت: فمعاوية بن هشام؟ قال: صالح، وليس بذاك.
قلت: فالزبيري؟ يعني أبا أحمد، قال: ليس به بأس.
قلت: فأبو إسحاق الفزاري؟ قال: ثقة ثقة.
قلت: فأبو داود الحفري؟ قال: ثقة.
قلت: فيحيى بن يمان؟ قال: أرجو أن يكون صدوقًا.
قلت: فكيف هو في حديثه؟ قال: ليس بالقوي.
قلت: فعبيد الله؟ قال: ثقة، ما أقربه من ابن اليمان.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
(قلت: فقبيصة؟ قال: مثل عبيد الله) .
قلت: فالفريابي؟ قال مثلهم.
قلت: فعبد الرزاق عن سفيان؟ قال: مثلهم.
قلت: فأبو حذيفة؟ قال: مثلهم.
قلت: ما حال المؤمل في سفيان؟ قال: هو ثقة) .
قلت: هو أحب إليك أو عبيد الله؟ فلم يفضل أحدهما على الآخر.
قلت: ابن المبارك أعجب إليك، أم وكيع؟ فلم يفضل.
قلت: يحيى بن آدم ما حاله في سفيان؟ قال: ثقة.
وقال أبو حاتم الرازي: سألت علي بن المديني: من أوثق أصحاب الثوري؟ قال: يحيى القطان. وعبد الرحمن بن مهدي.
وذكر صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: (عبد الرحمن)، بن مهدي أقل سقطًا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، قيل له: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: (خالف وكيع: ابن مهدي في نحو من ستين حديثًا من حديث سفيان، ثم سمعت أبي يقول) بعد ذلك: هي أكثر من ستين، وأكثر من ستين، وأكثر من ستين.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
قال: وكان عبد الرحمن بن مهدي عند أبي أكثر (إصابة) من وكيع، يعني في حديث سفيان خاصة.
وقال حرب عن أحمد: ليس من (أصحاب سفيان) أعلى من يحيى وقال: ما أثبت أبا نعيم وأكيسه، ولا نقدمه على (ابن مهدي) . (قلت لأحمد: أيهما أثبت يحيى بن سعيد أو عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: كانا ثبتين، ولكن عبد الرحمن أعلم بعلم الثوري. قلت: أيهما أثبت: عبد الرحمن أو أبو نعيم؟ قال: ما منهما إلا ثبت) .
وقال ابن أبي حاتم: قيل لأبي: قال يحيى بن معين: وكيع أحب إلي في سفيان من ابن مهدي، فأيهما أحب إليك، قال: عبد الرحمن ثبت، ووكيع ثقة.
وهذا الكلام يدل على ترجيح عبد الرحمن عند أبي حاتم.
وقال إسحاق بن هانىء: قلت لأبي عبد الله: أيما أثبت في سفيان الثوري أبو نعيم أو وكيع؟ قال: لا يقاس بوكيع. قلت: إخاله في الصلاح لا يقاس بوكيع، فإيما أصح حديثًا؟ فقال: أبو نعيم أصح حديثًا، ثم ابتدأ فذكر الفريابي، فقال: ما رأيت أكثر خطأ في الثوري من الفريابي.
وقال العجلي: قال لي بعض البغداديين: أخطأ الفريابي في خمسين ومائة حديث من حديث سفيان.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وضعف ابن معين قبيصة في سفيان. وقال في محمد بن عبيد الطنافسي: هو كثير الخطأ عن سفيان الثوري.
وأما أبو حذيفة: فضعفه جماعة في سفيان.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: قبيصة أثبت حديثًا في سفيان من أبي حذيفة، أبو حذيفة شبه لا شيء.
وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: كأن سفيان الذي يحدث عنه أبو حذيفة ليس هو سفيان الثوري الذي يحدث عنه الناس.
قال العقيلي: جاء عن سفيان بأحاديث بواطيل، لم يحدث بها عن سفيان غيره.
وقال ابن معين: أبو داود الحفري والفريابي وقبيصة وأبو حذيفة حديثهم بعضه قريب من بعض في الضعف.
وضعف أحمد سماع عبد الرزاق من سفيان بمكة، دون ما سمع منه باليمن.
وقال العجلي: الفريابي ويحيى بن آدم وأبو أحمد الزبيري، وقبيصة بن عقبة، ومعاوية بن هشام ثقات، وهم في الرواية عن سفيان قريب بعضهم من بعض، وأبو نعيم، ووكيع، وعبيد الله الأشجعي، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبو داود الجفري، أثبت في سفيان من الفريابي وأصحابه، يعني الذي سماهم معه.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ذكر أهل الشام ومصر
أصحاب مكحول
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم يعني دحيمًا (وسألته) عن ثابت بن ثوبان والعلاء بن الحارث، أيهما أثبت؟ قال: (العلاء) أفقه حديثًا، (وثابت بن ثوبان) قليل الحديث قلت له: إن أبا مسهر قال: أنبل أصحاب مكحول (ثابت بن) ثوبان، والعلاء ابن الحارث. وأعدت عليه تقدم سن ثابت بن ثوبان، ولقيه سعيد بن المسيب، فلم يدفعه عن ثقة وتقدم، وقدم العلاء بن الحارث عليه لفقهه. قلت له: فيزيد بن يزيد بن جابر فوق العلاء بن الحارث؟
قال: نعم. قلت: فسليمان بن موسى فوق يزيد؟ قال: نعم. قلت: وهو المقدم من أصحابه محكول؟.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
قال: نعم. قلت: فمن بعد العلاء بن الحارث؟ قال: زيد بن واقد.
قلت: فعبد الرحمن بن يزيد بن جابر؟ قال: بعده. قلت فما تقول في أبي معيد، حفص بن غيلان؟ قال: ثقة.
قلت: فما تقول في الوضين بن عطاء؟ قال: ثقة. قلت: فأين هو من أبي معيد؟
قال: فوقه، ولسنه ولقيه. قلت: فمن بعد عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. قلت له: سعيد أكثر مجالسة لمكحول من الأوزاعي؟
قال: ذاك بين في حديثه، كان الأوزاعي ربما غاب.
قال أبو زرعة: وكنت أرى أبا مسهر يقدم كل التقديم من أصحاب
[ ٢ / ٧٢٨ ]
مكحول (ثلاثة): سليمان بن موسى، ويزيد بن يزيد بن جابر، والعلاء بن الحارث. و(ثنا) أبو مسهر، أن سعيد بن عبد العزيز حدثه أن كتاب مكحول في الحج أخذه من العلاء بن الحارث، وذكر أبو زرعة أسماء جماعة من الرواة، عن مكحول، سأل عنهم، منهم محمد بن راشد، الذي يقال له: المكحولي، وذكر أنه سأل دحيمًا عنه، فقال: ثقة، وكان (يميل) إلى هوى، وقدم سعيد ابن بشير عليه، وقال أبو زرعة: أعلم أهل دمشق بحديث مكحول، وأجمعه لأصحابه، الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة.
وقال الإمام أحمد: يزيد بن يزيد بن جابر هو أخو عبد الرحمن بن جابر، قال: وعبد الرحمن أقدم موتًا، وأثبت منه - إن شاء الله تعالى ـ.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
أصحاب الأوزاعي
قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا مسهر الدمشقي: من أنبل - أصحاب الأوزاعي؟ قال: هقل وابن سماعة بعده.
وقال إبراهيم (بن الجنيد عن يحيى بن) معين: قلت: لأبي مسهر، ابن سماعة عرض على الأوزاعي؟.
قال: أحسن أحواله إن كان عرض، ثم قال: قال لي أبو مسهر: لم يكن ههنا بدمشق اثبت في الأوزاعي من هقل.
قال: وسئل يحيى عن عبد الحميد بن أبي العشرين، فقال: ليس به بأس.
وروى من وجه آخر عن أبي مسهر، قال أثبت من صحب الأوزاعي وسمع منه يزيد بن السمط وسلمة بن العيار، وأصح وأحفظ.
وعن هشام بن عمار: أوثق اصحاب الأوزاعي عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني أحمد بن أبي الحواري، قال: قال لي مروان بن محمد إذا كتبت حديث الأوزاعي عن الوليد بن مسلم، فما تبالي من فاتك.
قال: (ثنا) أبو مسهر، قال: قيل للأوزاعي: ابن السفر يحدث عنك؟ قال: كيف ولم يجالسني؟
وابن السفر هو يوسف، وهو ضعيف.
وقال مهنا: قلت لأحمد: أيما أثبت الوليد بن مسلم أو القرقساني؟ يعني محمد بن مصعب.
قال الوليد: كان القرقساني صغيرًا في الأوزاعي.
وقال النسائي: اثبت أصحاب الأوزاعي عبد الله بن المبارك، قال: والوليد بن مزيد أحب إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم لا يخطىء ولا يدلس.
(وقال الحاكم: أثبت أصحاب الأوزاعي أبو إسحاق الفزاري) .
[ ٢ / ٧٣١ ]
أصحاب بكير بن عبد الله بن الأشج أحد علماء المدينة، نزيل مصر
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعلم أحدًا أحسن حديثًا عن بكير بن عبد الله من ليث بن سعد. وقال: هو أحسن حديثًا - عندي - من عمرو بن الحارث. ومن ابن لهيعة.
قلت له: ومن ابن عجلان؟ قال: وكم يروي ابن عجلان عن بكير؟ ما أيسرها.
قلت: إن أبا الوليد يتكلم في روايته، ويقول: مناولة، أعني: ليث بن سعد، فقال: ما أدري أي شيء هذا، وأنكر قوله، وقال: أي شيء (ينكر) من حديث ليث، وليث حسن الحديث صحيحه.
أصحاب يزيد بن أبي حبيب
قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن حيوة بن شريح (وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب) .
فقال: حيوة أعلى القوم ثقة، وسعيد بن أبي أيوب (ليس به بأس. ويحيى بن أيوب) دونهم في الحديث، وكان سيىء الحفظ، وهو دون هؤلاء، وحيوة بن شريح أعلاهم.
القسم الثاني في ذكر قوم من الثقات، لا يذكر أكثرهم غالبًا في أكثر كتب (الجرح)، وقد ضعف حديثهم:
إما في بعض الأوقات؛
أو في بعض الأماكن؛
أو عن بعض الشيوخ.
فهذا القسم تحته ثلاثة أنواع كما ذكرنا:
النوع الأول
من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض.
وهؤلاء هم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم.
وهم متفاوتون في تخليطهم، (فمنهم من خلط) تخليطًا فاحشًا، ومنهم من خلط تخليطًا يسيرًا.
ومن أعيان هؤلاء:
[ ٢ / ٧٣٢ ]
عطاء بن السائب الثقفي الكوفي
يكني أبا زيد.
ذكر الترمذي في باب كراهية التزعفر والخلوق للرجال، من كتاب الأدب من جامعة هذا، قال:
يقال: إن عطاء بن السائب كان في آخر عمره قد ساء حفظه.
وذكر عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد، قال: من سمع من عطاء بن السائب قديمًا فسماعه صحيح. وسماع شعبة وسفيان من عطاء بن السائب صحيح، إلا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان، قال: شعبة: سمعتهما منه بأخرة.
وذكر العقيلي من طريق عمرو الفلاس عن يحيى بن سعيد، قال: ما سمعت أحدًا من الناس يقول في حديث عطاء بن السائب شيئًا في حديثه القديم، ثم قلت ليحيى: ما حدث سفيان وشعبة، صحيح هو؟
قال: نعم إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة.
ومن طريق علي قال: كان يحيى بن سعيد لا يروي من حديث عطاء بن السائب إلا عن شعبة وسفيان.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
ومن طريق أبي النعمان، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: عطاء بن السائب تغير حفظه بعد، وحماد، يعني ابن زيد سمع منه قبل أن يتغير.
"من سمع من عطاء قبل الاختلاط":
ذكر من سمع منه (قبل أن) يتغير: سفيان وشعبة.
وقد تقدم أن يحيى بن سعيد نقل عن شعبة (أنه سمع منه حديثين) بعد أن تغير.
ـ (ومنهم حماد بن زيد، كما ذكرناه عن يحيى، وحكاه البخاري عن علي) .
ـ ومنهم حماد بن سلمة: نقله (ابن الجنيد عن يحيى بن معين) .
ونقل عبد الله بن الدورقي عن ابن معين، قال: حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى يقول: شعبة وسفيان وحماد بن سلمة في عطاء خير من هؤلاء الذين بعدهم.
ونقل ابن المديني عن يحيى بن سعيد أن أبا عوانة وحماد بن سلمة سمعا منه قبل الاختلاط وبعده، وكانا لا يفصلان هذا من هذا، خرجه العقيلي.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ومنهم سفيان بن عيينة: روى الحميدي عن سفيان، قال: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديمًا، ثم قدم علينا قدمة، فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعته منه، فيخلط فيه، فاتقيته واعتزلته.
قال أبو داود: قال أحمد: سماع ابن عيينة مقارب، يعني من عطاء بن السائب، سمع بالكوفة.
ومنهم هشام الدستوائي، ذكره أبو داود عن بعضهم، ولم يسمه.
"من سمع من عطاء بعد الاختلاط":
ومن سمع منه بأخرة بعد اضطرابه:
جرير، قاله أحمد ويحيى.
ومنهم خالد بن عبد الله، قاله أحمد وعلي.
ومنهم ابن علية، وعلي بن عاصم، قاله أحمد.
ومنهم محمد بن فضيل، قاله يحيى.
ومنهم وهيب وعبد الوارث، ذكره أبو داود وغيره.
ومنهم هشيم، ذكره العجلي وغيره.
"ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده":
وقد اختلفوا في ضابط من سمع منه قديمًا، ومن سمع منه بأخرة.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
فمنهم من قال: من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بالبصرة، فسماعه ضعيف، كذا نقله أبو داود عن أحمد.
ومنهم من قال: دخل عطاء البصرة مرتين، فمن سمع منه في المرة الأولى فسماعه صحيح، ومنهم الحمادان والدستوائي، ومن سمع منه في القدمة الثانية فسماعه ضعيف، منهم وهيب وإسماعيل بن علية وعبد الوارث، نقله أبو داود عن غير أحمد. وقاله أيضًا النسائي في سننه إلا أنه لم يسم.
ومنهم من قال: إن حدث عطاء عن رجل واحد بعينه فحديثه جيد، وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف.
روى العقيلي بإسناده عن ابن علية، قال: قال لي شعبة ما حدثك عطاء بن السائب عن رجاله عن زاذان وميسرة وأبي البختري فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه) فاكتبه.
ومن طريق علي بن المديني عن ابن علية، قال: قدم علينا عطاء بن السائب البصرة، فكنا نسأله، قال: فكان يتوهم.
قال: فنقول له: من؟ فيقول: أشياخنا ميسرة وزاذان، وفلان، وفلان.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ومن طريق أبي بكر بن الأسود: سمعت ابن علية، قال: كان عطاء ابن السائب إذا سئل عن الشيء، قال:
كان أصحابنا يقولون: ويقال له: من؟ فيسكت ساعة، ثم يقول: أبو البختري وزاذان وميسرة.
قال: فكنت أخاف أن يجيء بهذا على التوهم فلم أحمل منها شيئًا.
ومنهم من قال: إذا حدث عن أبيه فهو صحيح، وإذا حدث عن الشيوخ (مثل ميسرة) وزاذان، بعد التغير، فهو مضطرب.
قال ابو داود: سمعت أحمد، قال: كان فلان بعض المحدثين سماه أحمد عند عطاء بن السائب، وكان إذا حدث عن أبيه أحاديثه المشهورة كتبها، وإذا حدث بأحاديث ميسرة وزاذان يعني الشيوخ، لا يكتب، يعني حين أنكر عطاء. واتفقوا على أن شعبة وسفيان أصح حديثًا عنه من غيرهما.
قال أبو داود: قلت لأحمد: يشاكل أحد سفيان وشعبة في عطاء؟ قال: لا، قلما يختلف عنه سفيان وشعبة.
وقال أحمد بن أبي يحيى عن يحيى بن معين: جميع من روى عن عطاء ابن السائب روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كل شيء من حديث عطاء بن السائب ضعيف إلا ما كان عن شعبة وسفيان.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
"حصين بن عبد الرحمن"
ومنهم حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، يكنى أبا الهذيل أحد الثقات الأعيان المحتج بهم في الصحيحين.
قال ابن معين: اختلط بأخرة.
قال أبو حاتم الرازي: في آخر عمره ساء حفظه.
قال يزيد بن الهيثم عن يحيى بن معين: ما روى هشيم وسفيان عن حصين صحيح، ثم أنه اختلط.
وقال أيضًا يزيد: قلت ليحيى بن معين: عطاء بن السائب وحصين اختلطا؟ قال: نعم.
قلت: من أصحهم سماعًا؟ قال: سفيان أصحهم يعني الثوري وهشيم في حصين.
قلت: فجرير؟ فكأنه لم يلتفت إليه.
وقال أحمد في رواية الأثرم: هشيم لا يكاد يسقط عليه شيء من حديث حصين، ولا يكاد يدلس عن حصين.
وقد خرجا في الصحيحين حديث حصين بن عبد الرحمن من رواية جماعة من أصحابه، منهم شعبة وسفيان، وخالد الواسطي، وعبثر بن القاسم وهشيم وأبو عوانة ومحمد بن فضيل.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وخرج البخاري - أيضًا - حديثه من رواية زائدة وحصين بن نمير، وسليمان بن كثير العبدي، وعبد العزيز بن مسلم، وعبد العزيز العمي، وأبي بكر بن عياش، وأبي كدينة.
وخرجه مسلم أيضًا - من رواية أبي الأحوص سلام بن سليم، وزياد البكائي، وابن إدريس وعباد بن العوام.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وقد أنكر ابن المديني وغيره أن يكون حصين اختلط، قالوا: ولكن ساء حفظه، كما قاله أبو حاتم.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت يزيد بن هارون يقول: طلبت الحديث، وحصين حي بالمبارك، يقرأ عليه، وكان قد نسي.
وقال الحسن: قلت لعلي بن المديني: حصين؟ قال: حصين حديثه واحد وهو صحيح.
قلت: فاختلط؟ قال: لا، ساء حفظه، وهو على ذاك ثقة.
قال الحسن: وسمعت يزيد يقول: اختلط.
وقد ذكر العقيلي وابن عدي حصين بن عبد الرحمن هذا في كتابيهما وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وذكره البخاري أيضًا في كتاب الضعفاء. وذكر حكاية أحمد عن يزيد بن هارون المتقدمة.
[ ٢ / ٧٤١ ]
"سعيد بن إياس الجريري"
ومنهم سعيد بن إياس الجريري البصري، يكنى أبا مسعود. أحد الثقات الأعيان اختلط بأخرة، فكان يلقن فيتلقن.
وقد حدث عنه الأئمة بالكثير قبل الاختلاط.
وحديثه مخرج في الصحيحين من رواية جماعة عنه، وقد سمع منه قوم بعد الاختلاط، منهم عيسى بن يونس، قاله يحيى بن معين وغيره. وامتنع عيسى أن يحدث عنه حيث نهاه يحيى بن سعيد أن يحدث عنه.
قال ابن معين: وسمع يزيد بن هارون من الجريري - وهو مختلط.
وذكر الفلاس عن يحيى القطان، قال: أتيت الجريري فسمعته يقول: (ثنا) عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن عمرو قال: "بين كل آذانين صلاة" فلما خرجت، قال لي رجل: إنما هو عن عبد الله بن مغفل، فرجعت إليه، فقلت له، فقال: عن عبد الله بن مغفل.
وممن سمع منه بعد الاختلاط محمد بن أبي عدي، وكان يقول: لا أكذب الله، ما سمعت من الجريري إلا بعدما اختلط.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وممن سمع منه قبل الاختلاط الثوري، وابن علية، وبشر بن المفضل.
وكان ابن علية ينكر أن يكون الجريري اختلط.
قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، قال: سألت يحيى عن الجريري أكان اختلط؟.
قال: لا، كبر الشيخ فرق.
"سعيد بن أبي عروبة"
ومنهم سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران البصري، يكنى أبا النضر، أحد الحفاظ الأعلام.
اختلط في آخر عمره، وقد أكثر الأئمة السماع منه قبل الاختلاط.
منهم: يزيد بن زريع، قاله الإمام أحمد.
وقال ابن معين: يزيد بن هارون صحيح السماع منه، قال: وأثبت الناس سماعًا منه عبدة بن سليمان.
وقال ابن عدي: اثبت الناس يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث ويحيى بن سعيد.
وقال أحمد: سماع محمد بن بشر وعبدة منه جيد، ومحمد بن بكر
[ ٢ / ٧٤٣ ]
البرساني، قال: وسماع عيسى يعني ابن يونس منه جيد، سمع منه بالكوفة.
وقال السهمي هو فوق هؤلاء، يعني فوق محمد بن بكر وغيره في سماعة من سعيد.
قال: وروح حديثه عنه صالح.
قيل لأحمد: فالخفاف؟ قال: ما أقربه منه، إلا أنه كان عالمًا بسعيد.
قيل له: يقولون سماع خالد منه بعد الاختلاط، قال: لا أدري.
وأما من سمع منه بعد الاختلاط فجماعة، منهم: محمد بن جعفر غندر.
نهى عبد الرحمن بن مهدي أن يكتب حديثه عن سعيد بن أبي عروبة وقال: إنه سمع منه بعد الاختلاط.
وأنكر ذلك عمرو الفلاس، وقال: سمعت غندرًا، يقول: ما أتيت شعبة حتى فرغت من سعيد، يعني أنه سمع منه قديمًا.
ومنهم أبو نعيم الفضل بن دكين:
قال: كتبت عن سعيد بن أبي عروبة حديثين، ثم اختلط، فقمت، وتركته.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
ومنهم ابن أبي عدي:
قال أحمد عن يحيى بن سعيد: جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة، بأخرة، يعني وهو مختلط.
وقال العجلي: روى عن ابن أبي عروبة في الاختلاط يزيد بن هارون وابن المبارك وابن عدي، كلما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح حديث حماد بن سلمة، وابن علية، وعبد الأعلى عنه، والثوري وشعبة صحيح.
وقال أحمد: شعيب بن إسحاق: سمع من سعيد بآخر رمق.
وحكى يزيد بن الهيثم عن ابن معين، أن يزيد سمع من ابن أبي عروبة بالكوفة قبل أن ينكر، وقد روى عن (يزيد) ما يشهد لذلك، وأنه (رآه) بعد الاختلاط، فأنكره.
وهذا يدل على أنه لم يسمع منه حينئذ.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: سماع يزيد بن هارون من ابن أبي عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث، أو أربعة.
قال عبد الله: قلت لأبي: أيما أحب إليك في سعيد: الخفاف
[ ٢ / ٧٤٥ ]
أو أسباط بن محمد؟ قال: أسباط أحب إلي، لأنه سمع بالكوفة. قلت: أيما أحب إليك الخفاف، أو أبو قطن، في سعيد؟ قال: الخفاف أقدم سماعًا من أبي قطن.
ومما أنكر على سعيد في حال اختلاطه أنه روى عن قتادة، عن أنس، انه قال:
"الأذنان من الرأس" أنكره يحيى القطان.
ونقل الأثرم عن أحمد أنه ذكر سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة، فضعفه، وقال: كذا وكذا حديث أخطأ.
قال: وروايات عباد العوام عن سعيد بن أبي عروبة مضطربة.
قيل لأحمد: روى الكوفيون عن سعيد غير شيء خلاف ما روى عنه البصريون قال: هذا من حفظ سعيد، كان يحدث من حفظه.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: عبد الوهاب الخفاف كان أصحاب الحديث
[ ٢ / ٧٤٦ ]
يقولون: إنه سمع من سعيد بآخره، (كان شبه المتروك، ووكيع سمع من سعيد بأخرة، وأبو نعيم سمع من سعيد بأخرة) .
وزعم أبو أسامة أنه كتب عن سعيد بالكوفة.
وقال ابن عمار الموصلي: سمع وكيع والمعافى بن عمران من سعيد بعد الاختلاط. قال: وليست روايتهما عنه بشيء.
وقال جعفر الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول: قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز بين هذا وهذا.
"عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي"
ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي الكوفي اختلط بأخرة.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: كل من سمع من المسعودي بالكوفة، مثل وكيع وأبي نعيم، وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد سمع في الاختلاط، إلا من سمع منه بالكوفة، يعني أن سماع من سمعه منه بالكوفة صحيح، ومن سمع منه ببغداد كيزيد بن هارون وحجاج فهو بعد الاختلاط.
قال عبد الله أيضًا: قال أبي: سماع (وكيع من) المسعودي بالكوفة
[ ٢ / ٧٤٧ ]
قديمًا، وأبو نعيم - أيضًا ـ. وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد. انتهى.
وممن كتب عنه قبل أن يختلط مسلم بن قتيبة، وكتب عنه أبو داود بعد الاختلاط.
ونقل حنبل عن أحمد، قال: سماع عاصم بن علي، وأبي النضر، وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط.
وذكر معاذ بن معاذ أن المسعودي قدم عليهم الكوفة مرتين وهو صحيح، قال: ثم لقيته ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة، وهو صحيح، ثم لقيته ببغداد مرة أخرى سنة إحدى وستين، وقد أنكروه.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: المسعودي كان ثقة، اختلط بأخرة، سمع منه عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة. وما روى (عنه) الشيوخ هو مستقيم.
وليحيى بن معين في المسعودي تفصيل آخر.
ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين، قال: المسعودي ثقة، وكان يغلط فيما يحدث عن عاصم بن بهدلة وسلمة يعني ابن كهيل، وكان صحيح الرواية فيما يحدث عن القاسم، ومعن.
ونقل الغلابي عن ابن معين نحوه - أيضًا ـ.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
"عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي"
ومنهم عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري، أحد الحفاظ المشهورين.
تغير حفظه في آخر عمره، واختلط.
قال عقبة بن مكرم: كان عبد الوهاب الثقفي قد اختلط قبل موته بثلاث سنين، أو أربع سنين.
وقال أبو داود جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرًا فحجب الناس عنهما.
"سفيان بن عيينة"
ومنهم سفيان بن عيينة: قال ابن عمار الموصلي، عن يحيى القطان: أشهد أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء.
"صالح مولى التوأمة"
ومنهم صالح بن نبهان مولى التوأمة اختلط بأخرة.
فمن سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، قاله أحمد وغيره.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
ومن سمع منه قديمًا ابن أبي ذئب، قاله ابن معين.
قال: وسماع الثوري منه بعد أن خرف.
قال احمد: وروى عنه أكابر أهل المدينة.
قال: وقول مالك بن أنس "ليس بثقة" لأنه إنما أدركه (وقد) كبر واختلط.
وقال البخاري: موسى بن عقبة سمع من صالح قديمًا، نقله عنه الترمذي في علله.
وذكر ابن حبان أن حديث صالح اختلط قديمه بحديثه ولم يتميز.
"أبان بن صمعة"
ومنهم أبان بن صمعة:
ذكر يحيى وابن مهدي وأحمد وغيرهم أنه اختلط بأخرة.
وذكر ابن عدي أنه مع ذلك لم يجد له حديثًا منكرًا.
"محمد بن الفضل السدوسي"
ومنهم محمد بن الفضل السدوسي، وأبو النعمان ولقبه عارم، أحد الثقات المتفق على تخريج حديثهم. اختلط في آخر عمره.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
قال العقيلي: سمع منه علي بن عبد العزيز البغوي بعد اختلاطه.
ومما روى في اختلاطه عن حماد بن سلمة عن حميد عن انس أن النبي ﷺ قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".
ورواه قبل اختلاطه عن حميد عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا.
وكذا رواه عفان عن حماد بن سلمة، وهو الصواب.
"أبو قلابة الرقاشي"
ومنهم أبو قلابة الرقاشي: عبد الملك بن محمد.
كان ابن خزيمة يقول: (ثنا) أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط، ويخرج إلى بغداد.
قلت: وهو مع هذا كثير الوهم قبل اختلاطه - أيضًا ـ.
[ ٢ / ٧٥١ ]
من يلتحق بالمختلطين ممن اضر في آخر عمره
يلتحق بهؤلاء من أضر في آخر عمره، وكان لا يحفظ جيدًا، فحدث من حفظه أو كان يلقن فيتلقن.
وقد ذكر أبو خيثمة أن يزيد بن هارون كان يعاب عليه أنه لما أضر كان يأمر جارية له أن تلقنه الأحاديث من كتاب فيحدث بها، وقد سبق ذكر ذلك.
فمنهم عبد الرزاق بن همام الصنعاني
أحد أئمة الحديث المشهورين، وإليه كانت الرحلة في زمانه في الحديث، حتى قيل: إنه لم يرحل إلى أحد بعد رسول الله ﷺ ما رحل إلى عبد الرزاق.
قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن هانىء: عبد الرزاق لا يعبأ بحديث من سمع منه، وقد ذهب بصره، كان يلقن أحاديث باطلة وقد حدث (عن الزهري) أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو ينظر جاؤوا بخلافها.
ونقل الأثرم عنه معنى ذلك.
وقال في النيسابوري يعني محمد بن يحيى الذهلي: قدم على عبد الرزاق مرتين: إحداهما بعدما عمي.
وذكر الأثرم عن أحمد أنه ذكر له حديث "النار جبار" فقال: هذا باطل ليس من هذا شيء.
ثم قال: ومن يحدث (به) عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني به أحمد بن
[ ٢ / ٧٥٢ ]
شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعدما عمي، كان يلقن فلقنه، وليس هو في كتابه وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يلقنها بعدما عمي.
قال أبو عبد الله: حكوا عنه عن الحلواني أحاديث أسندها.
وقد ذكر غير واحد أن عبد الرزاق حدث بأحاديث مناكير في فضل علي وأهل البيت، فلعل تلك الأحاديث مما لقنها بعدما عمي. كما قاله الإمام أحمد، والله أعلم، وبعضها مما رواه عنه الضعفاء ولا يصح عنه.
وقال النسائي: عبد الرزاق ما حدث عنه بأخرة ففيه نظر.
وذكر عبد الله بن أحمد أنه سمع يحيى بن معين قيل له تحفظ عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ "أنه مسح على الجبائر" فقال يحيى: باطل، ما حدث به معمر قط. ثم قال يحيى: عليه مائة بدنة مقلدة مجللة إن كان معمر
[ ٢ / ٧٥٣ ]
حدث بهذا قط. هذا باطل ولو حدث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم. من حدث بهذا عن عبد الرزاق؟ قالوا: فلان.
وفي بعض النسخ، قالوا: محمد بن يحيى. قال: لا والله ما حدث به معمر. وعليه حجة من هنا إلى مكة إن كان معمر يحدث بهذا.
قال عبد الله بن أحمد: هذا الحديث يروونه عن إسرائيل عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه. عن علي، عن النبي ﷺ وعمرو بن خالد لا يساوي شيئًا.
قال عبد الله: وسمعت يحيى يقول: ما كتبت عن عبد الرزاق حديثًا قط إلا من كتابه، لا والله ما كتبت عنه حديثًا قط إلا من كتابه. وذكر بعضهم أن سماع الدبري من عبد الرزاق بأخرة.
قال إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع سنين.
"أبو حمزة السكري"
ومنهم أبو حمزة السكري.
واسمه محمد بن ميمون، ثقة مشهور من أهل مرو.
قال أحمد في رواية ابن هانىء: كان قد ذهب بصره، وكان ابن شقيق قد كتب عنه وهو بصير، قال: وابن شقيق أصح حديثًا ممن كتب عنه من غيره.
وقال النسائي في سننه، في (أبي) حمزة: هو مروزي لا بأس به إلا أنه كان ذهب بصره في آخر عمره فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
"علي بن مسهر"
ومنهم علي بن مسهر، أحد الثقات المشهورين.
قال أحمد في رواية الأثرم: كان ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه، وأنكر عليه حديثه عن هشام عن ابيه عن عائشة "كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن، قال: وانا".
وقال: إنما هو عن هشام عن أبيه مرسل. وعلي بن مسهر له مفاريد.
ومنها في حديث "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه" وقد خرجه مسلم.
وذكر الأثرم أيضًا عن أحمد أنه أنكر حديثًا فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد.
ويلتحق بهؤلاء من احترقت كتبه، فحدث من حفظه، فوهم.
كما قاله غير واحد في ابن لهيعة.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وقد سبق ذكر ذلك، وقد كان أحمد يضعف حديث المتأخرين عنه، وقال: قتيبة ويحيى بن يحيى النيسابوري آخر من سمع منه، نقله عنه الأثرم.
وقال أبو حاتم الرازي: مروان بن محمد تأخر سماعه من ابن لهيعة فهو يحدث عنه يعني بمناكير.
"من لا يحدث من كتابه فيهم في حديثه"
ومن هذا النوع أيضًا قوم ثقات لهم كتاب صحيح وفي حفظهم بعض شيء فكانوا يحدثون من حفظهم أحيانًا فيغلطون، ويحدثون أحيانًا من كتابهم فيضبطون:
"عبد الرزاق بن همام الصنعاني"
فمنهم عبد الرزاق بن همام:
وقد تقدم أنه لما كان بصيرًا ويحدث من كتابه كان حديثه جيدًا، وما حدث من حفظه خلط.
قال أحمد في رواية الأثرم: في حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: "أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوبًا جديدًا"، فقال: هذا كان يحدث به من حفظه، ولم يكن في الكتب، وقد
[ ٢ / ٧٥٦ ]
تقدم ذكر هذا الحديث في كتاب اللباس.
وقال يحيى بن معين: ما كتبت عن عبد الرزاق حديثًا واحدًا إلا من كتابه كله.
ومما أنكر على عبد الرزاق حديثه عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "الخيل معقود في نواصيها الخير".
أنكره أحمد ومحمد بن يحيى، وقال: لم يكن في أصل عبد الرزاق.
وذكر الدارقطني أن الصواب إرساله.
وقال الدارقطني عبد الرزاق يخطىء عن معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب.
"عبد العزيز الدراوردي"
ومنهم الدراوردي عبد العزيز بن محمد.
أحد علماء أهل المدينة وثقاتهم.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
قال الأثرم: قال أبو عبد الله: الدراوردي إذا حدث من حفظه فليس بشيء، أو نحو هذا.
فقيل له: في تصنيفه؟ فقال: ليس الشأن في تصنيفه إن كان في أصل كتابه، وإلا فلا شيء.
(كان يحدث بأحاديث ليس لها أصل في كتابه. قال: ويقولون: إن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يستعذب له الماء"، ليس له أصل في كتابه) . انتهى.
وقد تقدم عن ابن معين أنه قال في حديثه عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" إنه لم يكن في كتابه أيضًا. وقال يحيى بن معين: الدراوردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه.
"همام بن يحيى العوذي"
ومنهم همام بن يحيى العوذي البصري، أحد الثقات المشهورين.
قال يزيد بن زريع وعبد الرحمن بن مهدي: كتابه صحيح، وحفظه ليس بشيء.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وكان يحيى بن سعيد لا يرضى كتابه، ولا حفظه، ثم بعد ذلك قدم معاذ بن هشام، فرآه يحيى يوافق همامًا في أشياء، فكان يحيى يقول بعد ذلك: كيف قال همام؟
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: قال عفان: (ثنا) يومًا همام فقلت له: إن يزيد بن زريع حدثنا عن سعيد عن قتادة، ذكر خلاف ذلك الحديث قال: فذهب فنظر في الكتاب، ثم جاء فقال: يا عفان ألا تراني أخطىء، وأنا لا أعلم.
قال عفان: وكان همام إذا حدثنا بقرب عهده بالكتاب فقلما كان يخطىء.
قال عبد الله: وقال أبي: ومن سمع من همام بأخرة فهو أجود، لأن همامًا كان في آخر عمره أصابته زمانة، فكان يقرب عهده بالكتاب، فقلما كان يخطىء.
"شريك بن عبد الله النخعي"
ومنهم شريك بن عبد الله النخعي، قاضي الكوفة. قال يعقوب بن شيبة وغيره: كتبه صحاح، (وحفظه فيه اضطرب.
وقال محمد بن عمار الموصلي الحافظ: شريك كتبه صحاح) . فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح، قال: ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وقد قيل: إن أصوله كان فيها الخطأ، فذكر محمد بن يحيى (بن) سعيد القطان، عن ابيه، قال: نظرت في كتب شريك فإذا الخطأ في أصوله.
وفرق آخرون بين ما حدث به في آخر عمره بعد ولايته القضاء، فضعفوه، لاشتغاله بالقضاء عن حفظ الحديث، وبين ما حدث به قبل ذلك فصححوه.
وقال أحمد في رواية الأثرم، وذكر سماع أبي نعيم من شريك، فقال: سماع قديم، وجعل أحمد يصححه.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله. قال لي حجاج بن محمد: كتبت عن شريك نحوًا من خمسين حديثًا عن سالم قبل القضاء، يعني قبل أن يلي القضاء.
قال أبو حاتم: حديث شريك، من حفظه بأخرة، وكان قد ساء حفظه، عن عاصم الأحول، عن الشعبي عن ابن عباس، "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم" فغلط فيه. ورواه جماعة، ولم يذكروا صائمًا محرمًا، إنما قالوا: "احتجم وأعطى الحجام أجره" وأنكر ذلك يحيى القطان.
قال عبد الجبار بن محمد الخطابي: قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أن
[ ٢ / ٧٦٠ ]
شريكًا إنما خلط بأخرة، قال: ما زال مخلطًا، وبكل حال فهو سيىء الحفظ، كثير الوهم.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ شريك في أربعمائة حديث.
"حماد بن أبي سليمان"
ومنهم حماد بن أبي سليمان.
فقيه الكوفة، وشيخ أبي حنيفة.
قال أبو داود سمعت أحمد يقول: حماد مقارب الحديث، ما روى عنه سفيان وشعبة والقدماء، قال: وهشام الدستوائي سمع منه قديمًا، سماعه صالح، ولكن حماد بن سلمة عنده عنه تخليط.
ونقل الأثرم عن أحمد، قال: رواية القدماء عن حماد (مقاربة): (شعبة) والثوري وهشام الدستوائي.
وأما غيرهم، فقد جاؤوا عنه بأعاجيب. قلت له: حجاج وحماد بن سلمة قال: حماد على ذاك، أي لا بأس به. قال: وقد سقط فيه غير واحد مثل محمد بن جابر وأشار بيده، فظننت أنه سلمة الأحمر.
[ ٢ / ٧٦١ ]
قال الأثرم: ولعله قد عنى غيره.
قوله: قد سقط فيه يعني رووا عنه ما لا يرتضى.
وقال أبو داود عن احمد، قال: ما روى سفيان وشعبة وحماد، وعن إبراهيم، أحب إلي من رواية مغيرة عن إبراهيم، إلا أن في حديث الآخرين عن حماد تخليطًا.
"حفص بن غياث"
ومنهم حفص بن غياث النخعي، أبو عمر قاضي الكوفة.
قال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضى، فمن كتب عنه من (كتابه فهو صالح، وإلا فهو كذا وكذا. وقال ابن المديني حفص ثبت) . قيل له: إنه يهم. قال: كتابه صحيح.
وقال يعقوب بن شيبة: (وهو ثقة ثبت) إذا حدث من كتابه ويتقي بعض حفظه.
وقد تكلم في حفظه غير واحد، منهم الإمام أحمد.
(وقال) داود بن رشيد: كان كثير الغلط.
وذكر ذلك لمحمد بن عمار، فقال: لا، ولكن كان لا يحفظ حسنًا، ولكن كان إذا حفظ الحديث، أي فكان يقوم به حسنًا.
وقد روي عن ابن معين أن حفصًا لم يكن يحدث إلا من حفظه ببغداد والكوفة ولم يخرج كتابًا، كتبوا عنه ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف حديث من حفظه.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
"شبيب بن سعيد الحبطي"
ومنهم شبيب بن سعيد الحبطي، البصري، أبو أحمد بن شبيب.
خرج حديثه البخاري.
قال علي بن المديني: ثقة. كان من أصحاب يونس بن يزيد. كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح، وقد كتبتها عن ابنه أحمد.
(قال ابن عدي: له نسخة عن يونس بن يزيد، عن الزهري، يرويها عنه ابنه أحمد)، وهي أحاديث مستقيمة. وروى عنه ابن وهب أحاديث مناكير، فلعل شبيبًا حدث بمصر في تجارته إليها، كتب عنه ابن وهب، من حفظه فيغلط ويهم.
"إبراهيم بن سعد الزهري"
ومنهم إبراهيم بن سعد الزهري، أحد الأعيان الثقات، المتفق على تخريج حديثهم. قال أحمد: كان يحدث من حفظه فيخطىء، وفي كتابه الصواب.
وقد تكلم فيه يحيى القطان.
روى من حفظه أحاديث أنكرت عليه، منها: روى عن أبيه، عن أنس،
[ ٢ / ٧٦٣ ]
عن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قريش".
وسئل أحمد عنه، فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل.
"أبو داود الطيالسي"
ومنهم سليمان بن داود، أبو داود الطيالسي البصري.
حدث من حفظه فوهم، وكان حفظه كثيرًا جدًا. يقال أنه حدث من حفظه بأصبهان بأربعين ألف حديث فأخطأ فيها في مواضع، (وليس ذلك يعجب منه.
ويقال أنه أخطأ في ألف حديث) .
ومن جملة ما أخطأ فيه أنه (روى عن شعبة عن سعيد) بن قطن عن أبي زيد الأنصاري مرفوعًا: "من لم يرحم صغيرنا فليس منا". ويقال أنه نظر في كتابه فلم يجده.
وقد ذكرنا هذا الحديث والاختلاف فيه في كتاب البر والصلة.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
"يونس بن يزيد الأيلي"
ومنهم يونس بن يزيد الأيلي، صاحب الزهري.
قال أحمد: إذا حدث من حفظه يخطىء.
وقال أبو عثمان الرذعي: سألت أبا زرعة عن يونس في غير الزهري، فقال: ليس بالحافظ.
قال: وقال لي أبو حاتم، وكان شاهدًا: سمعت علي بن محمد الطنافسي يذكر عن وكيع، قال: لقيت يونس بن يزيد بمكة، فجهدت به الجهد على أن يقيم حديثًا، فلم يقدر عليه.
قال أبو زرعة: كان صاحب كتاب، فإذا حدث من حفظه لم يكن عنده شيء.
وكذا قال ابن المبارك، وابن مهدي في يونس: إن كتابه صحيح وقال ابن مهدي: لم أكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه.
"عبد الصمد بن حسان"
ومنهم عبد الصمد بن حسان.
ذكر البخاري في تاريخه أنه يهم من حفظه، قال: وأصله صحيح.
وقد ذكر أحمد أن ابا عوانة كان يحدث من حفظه فيخطىء.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وكذلك يحيى بن أيوب المصري - قال أحمد: كان إذا حدث من حفظه يخطىء، وإذا حدث من كتاب فليس به بأس.
وقد حدث يحيى من حفظه عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: في قراءة النبي ﷺ في الوتر. فقال أحمد: من يحتمل هذا؟ يعني أنه خطأ فاحش.
وقال أبو زرعة، في سويد بن سعيد: أما كتبه فصحاح، كنت أتتبع أصوله، وأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا.
وقال البخاري: أبو أويس المدني ما روى من أصل كتابه فهو أصح.
وقال ابن المبارك في إبراهيم بن طهمان، وأبي حمزة السكري: كانا صحيحي الكتب. وهذا يدل على أن حفظهما كان فيه شيء عنده.
النوع الثاني من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض وهو على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول
من حدث في مكان لم تكن معه فيه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط أو من سمع في مكان من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع آخر فضبط.
"معمر بن راشد"
فمنهم معمر بن راشد، حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد.
قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة.
وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر، حيث قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه.
فمما اختلف فيه باليمن والبصرة. حديث "أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" رواه باليمن عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا. ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
والصواب المرسل.
ومنه حديث "إنما الناس كإبل مائة".
رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا. ورواه بالبصرة مرة كذلك، ومرة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ومنه حديثه عن الزهري عن سالم عن أبيه "أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة" الحديث.
قال أحمد في رواية ابنه صالح: معمر أخطأ بالبصرة (في) إسناد حديث غيلان، ورجع باليمن، فجعله منقطعًا.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
"هشام بن عروة"
ومنهم هشام بن عروة:
وقد سبق قول الإمام أحمد: كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن، أو قال أصح.
وقال يعقوب بن شيبة: هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض الاختلاف، وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش، يسند الحديث أحيانًا ويرسله أحيانًا، لا أنه يقلب إسناده كأنه على ما يذكر من حفظه يقول: عن أبيه عن النبي ﷺ ويقول: عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ. إذا اتقنه أسنده، وإذا هابه أرسله.
وهذا فيما نرى أن كتبه لم تكن معه في العراق فيرجع إليها، والله أعلم.
"عبد الرحمن بن أبي الزناد"
ومنهم عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وقد وثقه قوم وضعفه آخرون منهم يحيى بن معين.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يضعف ما حدث به ابن أبي الزناد (بالعراق) ويصحح ما حدث به بالمدينة. قال: وسمعت ابن المديني يقول: ما روى سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هي مقاربة وجعل علي يستحسنها.
"يزيد بن هارون"
ومنهم يزيد بن هارون.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: يزيد بن هارون من سمع (منه) بواسط هو اصح ممن سمع (منه) ببغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب.
"عبد الرزاق بن همام"
ومنهم عبد الرزاق بن همام الصنعاني:
وقد تقدم: (ذكره) .
قال أحمد في رواية الأثرم: سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًا، روى عن (عبيد الله) أحاديث مناكير هي من حديث العمري. وأما سماعه باليمن، فأحاديث صحاح.
قال أبو عبد الله أحمد: قال عبد الرزاق: كان هشام بن يوسف القاضي
[ ٢ / ٧٧٠ ]
يكتب بيده، وأنا انظر، يعني عن سفيان باليمن، قال عبد الرزاق: قال سفيان: ائتوني برجل خفيف اليد، فجاءوه بالقاضي، وكان ثم جماعة يسمعون، لا ينظرون في الكتاب. قال عبد الرزاق: وكنت أنا أنظر، فإذا قاموا ختم القاضي الكتاب.
قال أبو عبد الله: لا أعلم أني رأيت ثم خطأ إلا في حديث بشير بن سلمان، عن سيار. قال: أظن أني رأيته عن سيار، عن أبي حمزة، فأراهم أرادوا عن سيار. أبي حمزة، فغلطوا، فكتبوا: عن سيار؛ عن أبي حمزة هذا كله كلام أحمد ﵀ ليبين به صحة سماع عبد الرزاق باليمن من سفيان وضبط الكتاب الذي كتب هناك عنه.
وذكر لأحمد حديث عبد الرزاق، عن الثوري، عن قيس، عن الحسن بن محمد عن عائشة قالت: "أهدى للنبي ﷺ وشيقة لحم، وهو محرم فلم يأكله".
فجعل أحمد ينكره إنكارًا شديدًا، وقال: هذا سماع مكة.
[ ٢ / ٧٧١ ]
"عبيد الله بن عمر العمري"
ومنهم عبيد الله بن عمر العمري.
ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئًا.
"الوليد بن مسلم الدمشقي"
ومنهم الوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي.
ظاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء.
قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "عليكم بالباءة".
قال: هذا من الوليد يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند أهل دمشق.
وتكلم أحمد - أيضًا - فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة.
"المسعودي"
ومنهم المسعودي.
وقد سبق قول أحمد فيه أن من سمع منه بالكوفة، فسماعه صحيح، ومن سمع منه ببغداد فسماعه مختلط.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الضرب الثاني من حدث عن أهل مصر أو إقليم فحفظ حديثهم، وحدث عن غيرهم فلم يحفظ
"إسماعيل بن عياش"
فمنهم إسماعيل بن عياش الحمصي أبو عتبة، إذا حدث عن الشاميين (فحديثه) عنهم (جيد) .
وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب.
هذا مضمون ما قاله الأئمة فيه منهم أحمد ويحيى والبخاري وأبو زرعة.
وقد ذكر الترمذي ذلك - أيضًا - في كتاب الوصايا في باب ما جاء "لا وصية لوارث".
وذكرنا هناك كلام الحفاظ بألفاظهم في هذا المعنى، وذكرنا كلامهم في إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، في ترجيح أحدهما على الآخر بما فيه كفاية.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
"بقية بن الوليد"
ومنهم بقية بن الوليد الحمصي:
وهو مع كثرة روايته عن المجهولين الغرائب والمناكير فإنه إذا حدث عن الثقات المعروفين ولم يدلس فإنما يكون حديثه جيدًا عن أهل الشام، كبحير بن سعيد، ومحمد بن زياد، وغيرهما.
وأما رواياته عن أهل الحجاز وأهل العراق فكثيرة المخالفة لروايات الثقات، كذا وذكره ابن عدي وغيره.
وذكر سعيد البردعي، قال: قال لي أبو زرعة في حديث أخطأ فيه بقية عن المسعودي: إذا نقل بقية حديث الكوفة إلى حمص، يكون هكذا.
"معمر بن راشد"
ومنهم معمر بن راشد - أيضًا - كان يضعف حديثه عن أهل العراق خاصة.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين (فخفه) إلا عن الزهري وابن طاوس فإن (حديثه عنهما) مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا. وما عمل في حديث الأعمش شيئًا.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
"فرج بن فضالة"
ومنهم خرج بن فضالة حمصي؛ قال إسحاق بن هانىء: سئل عنه أبو عبد الله يعني أحمد، فقال: أما ما روى عن الشاميين فصالح الحديث، وأما ما روى عن يحيى بن سعيد فمضطرب.
قلت: ومما أنكر من حديثه عن يحيى بن سعيد "إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء".
وقد خرجه الترمذي في كتاب الفتن، وسبق الكلام عليه.
"خالد بن مخلد القطواني"
ومنهم خالد بن مخلد القطواني.
ذكر الغلابي في تاريخه. قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة، وابن بلال فقط يريد سليمان بن بلال.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ومعنى هذا أنه لا يؤخذ عنه إلا حديثه عن أهل المدينة، وسليمان بن بلال منهم، لكنه أفرده بالذكر.
(وقال الإمام أحمد: كان ابن عيينة حافظًا إلا أنه في حديث الكوفيين له غلط كثير) .
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الضرب الثالث من حدث عنه أهل مصر أو إقليم فحفظوا حديثه، وحدث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه
"زهير بن محمد الخراساني"
فمنهم زهير بن محمد الخراساني، ثم المكي، يكنى أبا المنذر، ثقة، متفق على تخريج حديثه؛ مع أن بعضهم ضعفه.
وفصل الخطاب في حال رواياته أن أهل العراق يروون عنه (أحاديث مستقيمة، وما خرج عنه في الصحيح فمن رواياتهم عنه. وأهل الشام يروون عنه) روايات منكرة، وقد بلغ الإمام أحمد بروايات الشاميين عنه إلى أبلغ من الإنكار.
قال أحمد في رواية (الأثرم: الشاميون يروون عنه أحاديث مناكير، ثم قال: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروي منه عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وأما أحاديث أبي حفص التنيسي عنه، فتلك بواطيل موضوعة، أو نحو هذا. أما بواطيل فقد قاله) .
وقال البخاري في زهير: روى عنه ابن مهدي والعقدي، وموسى ابن مسعود وروى عنه أهل الشام أحاديث مناكير.
قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر.
وقال البخاري - أيضًا ـ: روى عنه الوليد بن مسلم، وعمرو ابن أبي سلمة مناكير عن ابن المنكدر، وهشام بن عروة، وأبي حازم.
قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقلبوا اسمه.
(وقال أبو حاتم: في حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه فما حدث من حفظه ففيه أغاليط، وما حدث من كتبه فهو صالح) .
قال ابن عدي: لعل الشاميين حيث رووا عنه أخطأوا عليه فإنه إذا حدث عنه أهل العراق فرواياتهم عنه شبه مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. انتهى.
وقد خرج الترمذي من رواية الشاميين عنه غير حديث، كحديث:
[ ٢ / ٧٧٨ ]
"كان النبي ﷺ يسلم تسليمة واحدة".
وحديث: قرأ رسول الله ﷺ على أصحابه سورة الرحمن، الحديث.
والحاكم يخرج من روايات الشاميين عنه كثيرًا كالوليد بن مسلم وعمرو بن أبي سلمة، ثم يقول: صحيح على شرطهما، وليس كما قال:
"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب"
ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني الفقيه الإمام الرباني.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
ذكر مسلم في كتاب التمييز أن سماع الحجازين منه، يعني أنه صحيح.
قال: وفي حديث العراقيين عنه وهم كبير، قال: ولعله كان يلقن فيتلقن يعني بالعراق.
وذكر أن ذكر الاستسعاء في العتق، في حديث ابن عمر، إنما رواه عن ابن أبي ذئب، ابن أبي بكير، قال: وسماعه منه بالعراق، فيما نرى، وأما ابن أبي فديك فلم يذكر عنه السعاية، وهو سماع الحجازيين.
"أيوب بن عتبة"
ومنهم أيوب بن عتبة اليمامي.
ذكر أبو عثمان البرذعي، عن أبي زرعة قال: حديث أهل العراق عن أيوب بن عتبة ضعيف. ويقال: حديثه باليمامة صحيح.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
النوع الثالث قوم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف بخلاف حديثهم عن بقية شيوخهم
وهؤلاء جماعة كثيرون:
"حماد بن سلمة"
فمنهم حماد بن سلمة البصري - رضي الله عن هـ ـ.
وقد ذكرنا فيما تقدم أنه أثبت الناس حديثًا عن ثابت.
وكذلك حديثه عن علي بن زيد بن جدعان، هو حافظ له، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق أيضًا.
قال يعقوب بن شيبة: حماد بن سلمة ثقة في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخ فإنه حسن الحديث عنهم متقن لحديثهم مقدم على غيره فيهم.
منهم: ثابت البناني، وعمار بن أبي عمار.
وقال أحمد في رواية الأثرم: لا أعلم أحدًا أحسن حديثًا عن حميد من حماد بن سلمة، سمع منه قديمًا، يروي أشياء مرة يرفعها. ومرة يوقفها. قال: وحميد يختلفون عنه اختلافًا شديدًا.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وقال في رواية أبي الحارث: ما أحسن ما روى حماد عن حميد.
وقال في رواية أبي طالب: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثًا.
وقال أيضًا في روايته: حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه، يعني في حديث حميد.
وقال أحمد في رواية علي بن سعيد: محمد بن زياد صاحب أبي هريرة ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه.
وأما سماعه من أيوب فسمع منه قديمًا، قبل حماد بن زيد ثم تركه وجالسه حماد بن زيد فأكثر عنه، وكان حماد بن زيد أعلم بحديث أيوب من حماد بن سلمة، قاله الإمام أحمد أيضًا.
وقال في رواية حنبل: حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه.
وأما الشيوخ الذين تكلم في رواية حماد عنهم، فمنهم:
قيس بن سعد
قال أحمد: ضاع كتابه عنه فكان يحدث من حفظه فيخطىء.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وضعف يحيى بن سعيد القطان روايات حماد بن سلمة عن قيس بن سعد ورواياته عن زياد الأعلم.
قال البيهقي: حماد ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويجتنبون ما تفرد به عن قيس خاصة.
وقد ذكرنا في الزكاة حديث حماد، عن قيس، عن أبي بكر بن حزم، في فرائض الصلاة.
وقال أحمد في رواية الأثرم: حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند.
وقال مسلم في كتاب التمييز: اجتماع أهل الحديث من علمائهم على أن أثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة، كذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة. وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، كحديثه عن قتادة، وأيوب، وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم، فإنه يخطىء في حديثهم كثيرًا، وغير حماد في هؤلاء اثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع. انتهى.
ومع هذا فقد خرج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يخرج حديثه عن عمرو بن دينار، ولكن إنما خرج حديثه عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات، ووافقوه عليه، لم يخرج له عن أحد منهم شيئًا تفرد به عنه، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
وقد قيل: إن من سمع من حماد تصانيفه فليس حديثه بذاك، ومن سمع منه النسخ التي كانت عنده عن شيوخه فسماعه جيد.
قال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخًا فهو صحيح.
"جرير بن حازم"
ومنهم جرير بن حازم البصري، ثقة، متفق على تخريج حديثه، وقد تغير قبل موته بسنة، لكن قال ابن مهدي حجبه أولاده، فلم يسمع منه في اختلاطه بشيء، ولكن يضعف في حديثه عن قتادة.
قال أحمد: كان يحدثهم بالتوهم أشياء عن قتادة يسندها (بواطيل) .
وقال - أيضًا ـ: كأن حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يسند أشياء، ويوقف أشياء.
وقال عبد الله بن أحمد، عن يحيى بن معين: ليس به بأس.
قال عبد الله: فقلت له: يحدث عن قتادة عن أنس بأحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء هو عن قتادة، ضعيف.
وقد أنكر عليه أحمد ويحيى وغيرهما من الأئمة أحاديث متعددة يرويها عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ وذكروا أنت بعضها مراسيل أسندها.
فمنها حديثه بهذا الإسناد "في الذي توضأ وترك على قدمه لمعة لم يصبها
[ ٢ / ٧٨٤ ]
الماء". ومنها حديثه: "في قبيعة سيف النبي أنها كانت من فضة".
ومنها حديثه في الحجامة في الأخدعين والكاهل".
ومنها حديثه: "كانت قراءة النبي ﷺ مدًا".
[ ٢ / ٧٨٥ ]
ومنها حديثه في صفة النبي ﷺ أنه كان ضخم الكفين والقدمين.
ولكن هذان الحديثان خرجا في الصحيح. وقد تابعه عليهما عمر وأبن عاصم وغيره.
وقد ذكر ابن عدي لجرير أحاديث أخر، عن قتادة، عن أنس، ذكر أنه لا يتابع عليها.
وحديثه عن أيوب السختياني، قال أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
وحديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال مسلم في كتاب التمييز: لم يمعن في الرواية عنه، إنما روى من حديث نزرًا يسيرًا، لا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة.
وأنكر حديثه عن يحيى عن عمرة عن عائشة "أن النبي ﷺ أمرها بالقضاء لما أفطرت في صيام التطوع". وكذلك أنكره الإمام أحمد والنسائي وغيرهما.
وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب الصيام.
وروى جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس حديث: "إذا أقيمت
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فبلغ ذلك حماد بن زيد فأنكره، وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت، فظن أنه سمعه من ثابت.
"محمد بن عجلان"
ومنهم محمد بن عجلان، في رواياته عن سعيد المقبري، وقد سبق حكايتها من قبل.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
"عاصم بن بهدلة"
ومنهم عاصم بن بهدلة، وهو عاصم بن أبي النجود الكوفي، القارىء، كان حفظه سيئًا، وحديثه - خاصة - عن زر، وأبي وائل، مضطرب. كان يحدث بالحديث تارة عن زر، وتارة عن أبي وائل.
قال حنبل بن إسحاق: (ثنا) مسدد، (ثنا) أبو زيد الواسطي، عن حماد بن سلمة، قال: كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي عن أبي وائل.
قال العجلي: عاصم ثقة في الحديث، لكن يختلف عليه في حديث زر وأبي وائل.
هشام بن حسان"
ومنهم هشام بن حسان.
قال يعقوب بن شيبة: وهو يعد في أصحاب ابن سيرين، ومن العلماء به وليس يعد من المتثبتين في غير ابن سيرين.
"سليمان التيمي"
ومنهم سليمان التيمي: أحد أعيان الأئمة البصريين.
قال أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ: كان التيمي من الثقات، ولكن كان لا يقوم بحديث قتادة.
وقال أيضًا: لم يكن التيمي من الحفاظ، من أصحاب قتادة.
وذكر له أحاديث وهم فيها عن قتادة.
منها حديثه عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان، عن
[ ٢ / ٧٨٨ ]
أبي موسى عن النبي ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به".
قال فيه: "وإذا قرأ فانصتوا".
ولم يذكر هذه اللفظة أحد من أصحاب قتادة (الحفاظ) .
ومنها: إنه روى عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ أوصى عند موته بالصلاة وما ملكت أيمانكم.
وإنما رواه قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن النبي ﷺ.
قال: وهذا خطأ فاحش.
ومنها أنه روى عن قتادة عن يونس بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ "أنه ﷺ صعد أحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتز الجبل الحديث".
وإنما رواه عن قتادة عن أنس.
ومنها أنه روى عن قتادة "أن أبا رافع حدثه". ولم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقد ذكر الأثرم في العلل أنه عرض هذا الكلام كله على أحمد، قال: فقال أحمد: هذا اضطراب، هكذا حفظت.
وحديث سليمان التيمي في الأنصات "إذا قرأ الإمام" خرجه مسلم في صحيحه، وقد أنكر هذه الزيادة غير واحد من الحفاظ، كما ذكرناه في موضعه من كتاب الصلاة.
وحديث سليمان عن قتادة، "أن أبا رافع حدثه" قد خرجه البخاري في صحيحه، وهو في حديث "إن الله كتب كتابًا فهو عنده أن رحمتي سبقت غضبي".
وكان شعبة ينكر سماع قتادة من أبي رافع.
وقال أحمد: لم يسمع قتادة من أبي رافع، نقله عنه الأثرم.
"جعفر بن برقان"
ومنهم جعفر بن برقان، الجزري، ثقة، مشهور، لكن حديثه عن الزهري خاصة مضطرب.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن جعفر بن برقان قال: إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس به. ثم قال: في حديث الزهري يخطىء.
وقال الميموني عن أحمد: جعفر بن برقان ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه.
وقال ابن معين: هو ضعيف في الزهري.
وقال يحيى مرة: ليس هو في حديث الزهري بشيء.
ونقل إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين، قال: جعفر بن برقان، ثقة، فيما يروي عن غير الزهري.
وأما ما روى عن الزهري، فهو فيه ضعيف، وكان أميًا لا يكتب، وليس هو مستقيم الحديث عن الزهري، وهو في غير الزهري أصح حديثًا.
وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: أما روايته عن الزهري فليست مستقيمة؟.
قال: نعم.
وقال ابن نمير: هو ثقة، أحاديثه عن الزهري مضطربة.
قال البرقاني: سألت الدارقطني وأبو الحسين بن المظفر حاضر، عن جعفر بن برقان، قال: فقالا جميعًا: قال أحمد بن حنبل: يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عنه فلا.
قلت: لقد لقيه، فما بلاؤه؟ قال: ربما حدث الثقة عن ابن برقان عن الزهري، ويحدثه الآخر عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري. قال: فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم فثابت صحيح.
[ ٢ / ٧٩١ ]
وقال ابن عدي: هو ضعيف في الزهري خاصة، وكان أميًا، ويقيم روايته عن غير الزهري. ويثبتونه في ميمون بن مهران وغيره، وكذا قال العقيلي: هو ضعيف في روايته عن الزهري، وذكر له حديثه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ "أنه نهى عن لبستين وبيعتين ونكاحين وعن مطعمين"، وذكر "الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر"، "وأن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه"، وقال: لا يتابع عليه من حديث الزهري.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
وأما الكلام فيروى من غير حديث الزهري بأسانيد صالحة، ما خلا الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، فالرواية فيها لين.
وقال مسلم في كتاب التمييز: جعفر بن برقان، أعلم الناس بميمون أبن مهران، ويزيد بن الأصم.
فأما روايته عن غيرهما، كالزهري، وعمرو بن دينار، وسائر الرجال فهو فيها ضعيف الركن، ردىء الضبط في الرواية عنهم.
قلت: لا يبعد أن يكون حديثه عن أهل الجزيرة - خاصة - محفوظًا - بخلاف حديثه عن غيرهم، وتحقيق ذلك يحتاج إلى سبر أحاديثه عن غير الجزريين كعكرمة ونافع.
"معقل بن عبيد الله الجزري"
ومنهم معقل بن عبيد الله الجزري، ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.
ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
ومما أنكر على (معقل) بهذا الإسناد حديث "الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء".
وحديث "النهي عن ثمن السنور" وقد خرجهما مسلم في صحيحه (وكذلك حديث "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده".
المغيرة بن مسلم
ومنهم المغيرة بن مسلم.
أحاديثه عن أبي الزبير خاصة مستنكرة.
قال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى بن معين وسئل عن المغيرة بن مسلم فقال: ما أنكر حديثه عن أبي الزبير.
وقال النسائي في كتابه: عنده عن أبي الزبير غير حديث منكر.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
وخرج حديثه عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "إذا استهل الصبي ورث، وصلي عليه".
وخرجه من طريق ابن جريج عن أبي الزبير موقوفًا، وقال: وهو أصح.
وقد ذكرنا له حديثًا آخر في كتاب الأطعمة "في النهي عن بيع الجلالة" بهذا الإسناد، وهو - أيضًا - منكر. وقد روي من وجه آخر عن الزبير مرسلًا، وهو أصح.
"عكرمة بن عمار"
ومنهم عكرمة بن عمار اليمامي: وهو ثقة، لكن حديثه عن يحيى بن أبي كثير خاصة مضطرب لم يكن عنده في كتاب. قاله يحيى القطان وأحمد والبخاري وغيرهم.
وحديثه عن إياس بن سلمة بن الأكوع متقن، قاله أحمد.
وقال في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبت.
وقد أنكر عليه حديثه عن يحيى عن أبي سلمة عن عائشة في "استفتاح
[ ٢ / ٧٩٥ ]
النبي ﷺ الصلاة بالليل"، وقد خرجه مسلم في صحيحه وخرجه الترمذي في الدعاء.
وذكرنا هناك كلام الأئمة بألفاظهم في رواية عكرمة عن يحيى، وأنكر عليه أيضًا حديثه بهذا الإسناد: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
وقد ذكرناه في أول الكتاب.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: هو مضطرب عن غير إياس بن سلمة وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح.
"سماك بن حرب"
ومنهم سماك بن حرب.
وقد وثقه جماعة، وخرج حديثه مسلم.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
ومن الحفاظ من ضعف حديثه عن عكرمة خاصة، وقال: يسند عنه عن ابن عباس ما يرسله غيره.
وقال ابن المديني: رواية سماك عن عكرمة مضطربة، سفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وغيرهما يقول عن ابن عباس، إسرائيل، وأبو الأحوص.
ومنهم من ضعف حديثه في آخر عمره، وقال: كان يلقن حينئذ، وقد ذكرنا ذلك كله مستوفى في أول الكتاب.
"عمرو بن أبي عمرو"
ومنهم عمرو بن أبي عمرو المدني، مولى المطلب بن حنطب.
وهو ثقة، متفق على تخريج حديثه.
مع أنه تكلم فيه ابن معين، وقال: روى عنه مالك، وكان يستضعفه.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وقال البخاري: هو صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء منها أنه سمع عكرمة.
نقله عنه الترمذي في كتاب العلل. ولم يخرج له في الصحيح شيء عن عكرمة، وقد روى عنه حديث: "من وقع على بهيمة فاقتلوه".
وقال أحمد: كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة، لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة لا إلى عمرو.
"داود بن الحصين"
(ومنهم داود بن الحصين.
روى عنه مالك، وخرجا حديثه في الصحيحين، وتكلم فيه طائفة.
وقال ابن المديني ما روي عن عكرمة فمنكر.
وهذا يقتضي اختصاص نكارة حديثه بما رواه عن عكرمة) .
[ ٢ / ٧٩٨ ]
"الأوزاعي"
ومنهم الأوزاعي إمام أهل الشام. تكلم طائفة في حديثه عن الزهري خاصة.
وقد ذكرنا ذلك في ذكر أصحاب الزهري.
وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، خاصة، وقال: لم يكن يحفظه جيدًا فيخطىء فيه.
وكان يروي عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب.
وذكر له حديث الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ سئل متى كنت نبيًا" فأنكره، وقال: هذا من خطأ الأوزاعي.
وقد ذكرنا ذلك في أول كتاب المناقب.
وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال أحمد: كان كتاب الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه، فكان يحدث عن يحيى بن أبي كثير حفظًا.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
"الأعمش وشعبة وسفيان"
ومنهم الأعمش، سليمان بن مهران، حافظ أهل الكوفة.
وشعبة بن الحجاج، حافظ أهل البصرة.
وسفيان بن عيينة، محدث الحجاز بعد (مالك) .
حكى ابن البراء في "كتاب العلل" عن علي بن المديني، قال: الأعمش كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الصغار، مثل الحكم، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي إسحاق، وما أشبههم.
وقال ابن المديني: الأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق.
قال يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني: حديث الأعمش عن الصغار كأبي إسحاق، وحبيب، وسلمة ليس بذلك.
عن ابن المديني عن يحيى بن سعيد قال: كان سفيان الثوري يحفظ عن الصغار والكبار، يعني أن الأعمش ليس كذلك.
قال يحيى: كان شعبة إذا جاء حديث الصغار لم يحفظ.
قال علي: وكان سفيان بن عيينة - أيضًا - حديثه عن الصغار ليس بذاك.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
قال يعقوب بن شيبة: الحكم بن عتيبة هو من صغار شيوخ الأعمش، وليس هو من صغار شيوخ شعبة.
"منصور بن المعتمر"
ومنهم منصور بن المعتمر، هو من أثبت الناس في مجاهد، كما سبق.
قال أحمد، في رواية ابنه صالح: منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت وسلمة بن كهيل، روى حديث أم سلمة في الوتر، خالف فيه، وحديث ابن أبزى خالف فيه.
"حماد بن زيد"
ومنهم حماد بن زيد، كان يخلط في حديث يحيى بن سعيد، وكان عنده كتاب عنه، لم يكن عنده كتاب غيره، قاله يحيى بن معين، وقد سبق ذكر كلامه.
"حبيب بن أبي ثابت"
ومنهم حبيب بن أبي ثابت. عالم كبير، ثقة، متفق على حديثه، أحاديثه عن عطاء خاصة، ليست محفوظه، قال أبو بكر بن خلاد، سمعت يحيى بن سعيد يقول حبيب بن أبي ثابت عن عطاء ليست محفوظة.
سمعته يقول: إن كانت محفوظة فقد نزل عنها، يعني عطاء.
[ ٢ / ٨٠١ ]
وحديث حبيب عن عروة - أيضًا - قال أحمد ويحيى: هو منكر، وله عنه حديثان:
أحدهما: أن النبي ﷺ كان يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ.
والآخر: "في المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير".
وقد سبق الكلام عليهما مستوفى في كتاب الطهارة.
وله حديث آخر عن عروة "في الدعاء"، سبق أيضًا في كتاب الدعاء وقد اختلف في سماعه له من عروة.
ومن أحاديثه عن عطاء عن عائشة، أنها سرق لها شيء، فجعلت تدعو
[ ٢ / ٨٠٢ ]
عليه، فقال لها رسول الله ﷺ: "لا تسبخي عنه".
قال العقيلي: له عن عطاء غير حديث لا يتابع عليه.
وهذا الحديث المشار إليه خرجه الترمذي في أواخر الأدعية، وسبق الكلام عليه هناك. ولم يخرج له في الصحيح شيء عن عطاء بن أبي رباح.
ومما يستغرب أن حبيب بن أبي ثابت يروي عن عطاء، ويروي عطاء عنه.
"عبد الكريم بن مالك الجزري"
ومنهم عبد الكريم بن مالك الجزري.
ثقة كبير، روى عنه مالك وغيره. ولكن أحاديثه عن عطاء تكلم فيها.
قال ابن معين: أحاديثه عن عطاء رديئة.
ومما أنكر من حديثه عن عطاء عن عائشة "أن النبي ﷺ
[ ٢ / ٨٠٣ ]
كان يقبل ثم يخرج إلى الصلاة، ولا يتوضأ".
وحديثه عن عطاء، عن جابر، "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ".
"معمر بن راشد"
ومنهم معمر بن راشد.
وضعف حديثه عن ثابت خاصة. وقد تقدم ذكر ذلك عن علي ابن المديني وغيره.
وكذا قال ابن معين: حديث معمر عن ثابت ضعيف.
ومما أنكر عليه أنه حدث عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ بحديث قصة جليبيب، وأخطأ في إسناده، إنما رواه ثابت، عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة، عن النبي ﷺ وكذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
"مطر بن طهمان الوراق"
ومنهم مطر بن طهمان الوراق البصري.
ضعفه أحمد ويحيى في عطاء، خاصة. قال أحمد: هو مضطرب الحديث عن عطاء.
"أبو معشر"
ومنهم أبو معشر نجيح السندي.
قال مضر بن محمد، عن يحيى بن معين، يكتب حديثه، مما روى عن محمد بن قيس، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن مشايخه.
وأما ما روى عن المقبري، وعن نافع، وهشام فهو فيه ضعيف فلا يكتب.
قال يزيد بن الهيثم عن يحيى بن معين: اكتبوا عن أبي معشر حديث محمد بن كعب في التفسير، وأما أحاديث نافع وغيرها فليس بشيء، التفسير حسن يعني ما يرويه عن محمد بن كعب القرظي في تفسير القرآن، وغالبه أو جميعه من كلامه غير مرفوع.
ونظير هذا قول سعيد بن عبد العزيز الدمشقي في سعيد بن بشير: كان غالب (علمه) التفسير. خذ عنه التفسير ودع ما سوى ذلك، فإنه كان حاطب ليل، خرجه العقيلي.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وعكس هذا ما قاله الإمام أحمد في إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي صاحب التفسير، قال: هو حسن الحديث وحديثه مقارب، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به أسباط عنه، فجعل يستعظمه ويقول: من أين قد جعل له أسانيد؟ ما أدري ما ذاك.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله في إسماعيل بن مسلم المكي: ما روى عن الحسن في القراءات، فأما إذا جاء المسند يسند عن الحسن عن سمرة أحاديث مناكير، وعن عمرو بن دينار، يسند عنه مناكير.
ونقل البرذعي، عن أبي زرعة، قال: عبد الجبار بن عمر واهي الحديث وأما مسائله فلا بأس قال البرذعي: كأنه يقول حديثه واه ومسائله مستقيمة، يعني ما روي من المسائل عن ربيعة وغيره.
ومنهم عمر بن إبراهيم البصري مختلف فيه.
وقال ابن عدي: له عن قتادة خاصة مناكير.
وهو راوي حديث العباس بن عبد المطلب في وقت المغرب. وقد استنكره الإمام أحمد وسبق الكلام عليه في كتاب الصلاة مستوفى.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
ومنهم يزيد بن إبراهيم (التستري)، البصري.
ثقة متفق على حديثه.
قال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة إنما أنكرت عليه أحاديث رواها عن قتادة عن أنس، وذكر عن علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذاك.
ومنهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد.
قال ابن عدي، هو ثبت في ابن جريج خاصة، يعني أنه في غيره ليس بذاك.
وقد ضعفه بعضهم مطلقًا.
ومنهم هشام بن سليمان المخزومي.
قال العقيلي: في حديثه عن غير ابن جريج وهم. ثم خرج له حديثًا من حديثه عن الثوري عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: من حج البيت أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق كان كما ولدته أمه.
قال: ورواه الناس عن الثوري وغيره، عن منصور، عن أبي حازم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وهو الصواب.
ومنهم ورقاء بن عمر اليشكري:
ثقة مشهور. قال العقيلي: تكلموا فيه في حديثه عن منصور، ثم ذكر من
[ ٢ / ٨٠٧ ]
طريق عباس عن ابن معين، قال: سمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى ابن سعيد: سمعت حديث منصور. فقال يحيى: ممن سمعت حديث منصور؟، قال: من ورقاء. قال: لا يساوي شيئًا.
أصحاب الزهري الذين ضعفوا فيه.
ومنهم جماعة من أصحاب الزهري ضعفوا في الزهري خاصة.
منهم سفيان بن (حسين):
قال ابن معين: هو عن غير الزهري أثبت منه عن الزهري، إنما سمع من الزهري بالموسم، يعني لم يصحبه، ولم يجتمع به غير أيام الموسم.
وقال يحيى أيضًا فيه: ليس به بأس. هو صالح. حديثه عن الزهري فقط ليس بذاك.
ومنهم عبد الرزاق بن عمر الدمشقي.
قال أبو مسهر: ذهب سماعه من الزهري، فيترك حديثه عن الزهري، ويؤخذ عنه ما سواه.
وقال سعيد البرذعي: أحاديثه عن غير الزهري أشبه، ليس فيها تلك المناكير. إنما المناكير في حديثه عن الزهري.
قال: وتتبعت أحاديثه، فوجدت حديثه عن إسماعيل بن عبيد الله مستقيمًا.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
ومنهم إسحاق بن راشد الجزري:
قال ابن معين: ليس هو في الزهري بذاك.
قيل له: ففي غير الزهري؟ قال: ليس به بأس.
وقال ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكانوا يقولون، حديثه عن الزهري فيه شيء.
وقال - أيضًا ـ: حديثه عن الزهري ضعيف. يضعفونه في الزهري.
"أصحاب عبيد الله بن عمر العمري الذين ضعفوا فيه"
ومنهم جماعة من أصحاب عبيد الله بن عمر العمري، ضعف حديثهم عنه - خاصة ـ.
فمنهم: عبد الرزاق بن همام.
قال ابن أبي مريم: قيل ليحيى بن معين: إن عبد الرزاق كان يحدث بأحاديث عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، ثم حدث بها عن (عبيد الله)، فقال يحيى: لم يزل عبد الرزاق يحدث بها عن عبيد الله، ولكنها كانت منكرة. يعني أحاديثه عن عبيد الله بن عمر.
ومما أنكر من حديثه عن عبيد الله بن عمر: أنه حدث عنه عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح يعني المحصب".
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وخالفه خالد بن الحارث، قال: سئل عبيد الله بن عمر عن المحصب والنزول به، فحدثنا عبيد الله عن نافع. قال: نزل بها رسول الله ﷺ وعمر وعبد الله بن عمر. فخالف عبد الرزاق، ولم يصله بل أرسله.
وقد اختلف على عبد الرزاق في لفظ الحديث - أيضًا ـ.
فمنهم من روى عنه "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر لم يكونوا ينزلون الأبطح" فخالف في المتن - أيضًا - وقد ذكرناه في كتال الحج.
وقد خرج مسلم والترمذي حديث عبد الرزاق هذا، وخرج البخاري حديث خالد بن الحارث المرسل.
ومنهم عبد العزيز بن محمد الدراوردي:
قال أحمد: أحاديثه عن عبيد الله بن عمر تشبه أحاديث عبد الله بن عمر.
قال أبو حاتم الرازي: ظهر مصداق قول أحمد في حديث الدراوردي عن
[ ٢ / ٨١٠ ]
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، "من أتى عرافًا فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
قال: والناس يروونه، عن عبد الله العمري، عن نافع عن ابن عمر، وليس يشبه هذا حديث عبيد الله.
ورواه الدراوردي عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد عن عمر عن النبي ﷺ ثم قال: وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله.
قلت: والصحيح أن عبيد الله بن عمر إنما رواه عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ وهذا أصح من حديث أبي بكر بن نافع، قاله ابن المديني.
وقد خرجه مسلم في صحيحه من طريق يحيى القطان عن عبيد الله، كما ذكرناه.
وقال النسائي: الدراوردي ليس به بأس، حديثه عن عبيد الله بن عمر منكر.
ومنهم قبيصة بن عقبة:
قال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: هو ثقة إلا في حديث سفيان الثوري ليس بذاك القوي.
[ ٢ / ٨١١ ]
وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة صدوقًا فاضلًا تكلموا في روايته عن سفيان خاصة، كان ابن معين يضعف روايته عن سفيان.
ومنهم يعلى بن عبيد:
قال ابن معين:) كان كثير الخطأ عن سفيان الثوري.
ومنهم أبو معاوية الضرير محمد بن خازم:
قال أحمد: هو في حديث الأعمش أثبت منه في غيره.
وقال - أيضًا ـ: هو يضطرب في أحاديث عبيد الله يعني ابن عمر.
وقال - أيضًا ـ: هو في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا.
وقال ابن نمير: كان أبو معاوية (يضطرب) فيما كان عن غير الأعمش.
وقال عثمان ابن أبي شيبة: أبو معاوية حجة في حديث الأعمش، وفي غيره لا.
وذكر يعقوب بن شيبة عن ابن المديني، قال: أبو معاوية حسن الحديث عن الأعمش حافظ له، وكان غير حديث الأعمش، تقرأ عليه الكتب يعني أنه كان لا يحفظ.
وقد سبق الكلام في الأعمى إذا قرىء عليه حديثه من كتاب وهو لا يحفظه.
ومنهم محمد بن كثير الصنعاني:
حديثه عن معمر منكر قاله الإمام أحمد وغيره.
قال أحمد: سمع من معمر، ثم أرسل إلى اليمن (أخذ) كتبه فحدث
[ ٢ / ٨١٢ ]
منها، وقد وصل حديثًا عن معمر لم يصله غيره. ذكرناه في تفسير سورة سبحان من التفسير.
ومنهم زيد بن الحباب العكلي:
ثقة مشهور.
قال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة.
وقال أحمد: هو كثير الخطأ ما نفذ في الحديث إلا بصلاحه.
ومنهم سلمة الأحمر:
قال أحمد في رواية حنبل: يحدث عن أبي إسحاق أحاديث صحاحًا، إلا أنه عن حماد يعني ابن أبي سليمان مختلط الحديث، حدث عن حماد بأحاديث مضطربة.
ومنهم يونس بن أبي إسحاق:
ففي تاريخ الغلابي: كان يونس بن أبي إسحاق مستوي الحديث في غير أبي إسحاق، مضطرب في حديث أبيه.
ذكر من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم.
قد تقدم عن شعبة أنه قال لابن علية: إذا حدثك عطاء بن السائب عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع فقال: زاذان وميسرة وأبو البختري فاتقة، كان الشيخ قد تغير.
وقد ذكره يعقوب بن شيبة بهذا اللفظ، وقال: أحسب علي بن طبراخ حدثني بهذا، عن ابن علية، أو بعضه.
[ ٢ / ٨١٣ ]
وكذلك قال الدارقطني في ليث بن أبي سليم: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد.
(ونقله عن البرقاني، وهذا أصله من قول شعبة لليث بن أبي سليم: أين اجتمع لك هؤلاء الثلاثة عطاء وطاوس ومجاهد)؟.
قال أبو نعيم: قال شعبة لليث: كيف سألت عطاء وطاوسًا ومجاهدًا كلهم في مجلس واحد؟.
قال ابن أبي حاتم: يعني كالمنكر عليه اجتماعهم.
قال يعقوب بن شيبة: يقال إن ليثًا كان يسأل عطاء وطاوسًا ومجاهدًا عن الشيء فيختلفون فيه، فيحكي عنهم في ذلك الاتفاق من غير تعمد له. قال: وقد طعن بمثل هذا على جابر الجعفي، كان يجمع الجماعة في المسألة الواحدة وربما سأل بعضهم.
وأما يحيى فضعف ليثًا، وقال: إذا جمع بين الشيوخ ازداد ضعفًا.
قال الميموني: سمعت يحيى ذكر ليث بن أبي سليم، فقال: هو ضعيف الحديث عن طاوس، فإذا جمع بين طاوس وغيره فزيادة. هو ضعيف.
وكذلك ذكر بعضهم في ابن إسحاق.
قال أحمد في رواية المروذي: ابن إسحاق حسن الحديث، لكن إذا جمع بين رجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري وآخر، يحمل حديث هذا على هذا.
[ ٢ / ٨١٤ ]
وكذلك قيل في حماد بن سلمة:
قال أحمد في رواية الأثرم، في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة عن أبي اسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ في آنية المشركين".
قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون.
وقال أبو يعلى الخليلي، في كتابه الإرشاد: ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لم لم يدخل البخاري حماد بن سلمة في الصحيح؟ قال: لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس يقول: (ثنا) قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب. عن أنس وربما يخالف في بعض ذلك.
فقلت: (أليس) ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: (أنا) مالك وعمرو بن الحارث والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ.
[ ٢ / ٨١٥ ]
ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقه واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك، وغيره.
وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدي وغيره ممن لا يضبط هذا، كما أنكر على ابن إسحاق وغيره. وقد أنكر شعبة أيضًا على عوف الأعرابي.
قال ابن المديني: سمعت يحيى، قال: قال لي شعبة في أحاديث عوف، عن خلاس.، عن أبي هريرة ومحمد عن أبي هريرة إذا جمعهم قال لي شعبة: ترى لفظهم واحدًا.
قال ابن أبي حاتم: أي كالمنكر على عوف.
وكذلك أنكر يحيى بن معين على عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري أنه كان يحدث عن أبيه وعمه.
ويقول: مثلًا بمثل سواء بسواء، واستدل بذلك على ضعفه، وعدم ضبطه.
وقد ذكر يعقوب بن شيبة أن ابن عيينة كان ربما يحدث بحديث واحد عن اثنين ويسوقه سياقة واحد منهما. فإذا أفرد الحديث عن الآخر أرسله أو أوقفه.
[ ٢ / ٨١٦ ]
ومن هؤلاء من كان يجمع (بين) المشايخ لاختلاطه، وهو لا يشعر كما قيل عن عطاء بن السائب إنه كان يأتي بذلك على وجه التوهم.
وكذلك قيل في أبي بكر بن أبي مريم، قال أحمد عن إسحاق بن راهويه، عن عيسى بن يونس: لو أردت أبا بكر بن أبي مريم يجمع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا لفعل، يعني يقول: عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحبيب بن عبيد.
ذكر من حدث عن ضعيف وسماه باسم ثقة
رواية أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي.
قال محمد بن عبد الله بن نمير: ليس هو بابن جابر المعروف، إنما هو رجل يسمى بابن جابر كتب عنه أبو أسامة هذه الأحاديث.
قال ألا ترى روايته لا تشبه شيئًا من حديثه الصحاح الذي يروي عنه أهل الشام، وأصحابه الثقات؟
وكأن ابن نمير يشير إلى أن أبا أسامة علم ذلك، وتغافل عنه، فكان يوهن أبا أسامة ويتعجب ممن يحدث عنه. نقله يعقوب الفسوي عن ابن نمير.
[ ٢ / ٨١٧ ]
ومما روي عن أبي أسامة، عن ابن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبي صالح الأشعري، عن أبي هريرة، حديث "الحمى حظ المؤمن من النار".
ورواه من الشاميين أبو المغيرة عن ابن تميم عن إسماعيل بهذا الإسناد فقوي بذلك أن أبا أسامة إنما رواه عن ابن تميم.
وقال أبو عبيد الأجري عن أبي داود: أبو أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وغلط في اسمه فقال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال: وكلما جاء عن أبي أسامة (ثنا) عبد الرحمن بن يزيد فهو ابن تميم.
وكذلك روى حسين الجعفي عن ابن جابر عن أبي الأشعث عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ.
"أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة - الحديث" فقالت طائفة:
[ ٢ / ٨١٨ ]
هو حديث منكر، وحسين الجعفي سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي، وروى عنه أحاديث منكرة فغلط في نسبته.
وممن ذكر ذلك البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان وغيرهم.
وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: الذي سمع منه حسين هو ابن جابر.
قال العجلي: سمع من ابن جابر حديثين في الجمعة.
وكذا أنكر الدارقطني على من قال: إن حسينًا سمع من ابن تميم وقال: إنما سمع من ابن جابر، قال: والذي سمع من ابن تميم هو أبو أسامة وغلط في اسم جده: فقال: ابن جابر، وهو ابن تميم.
وقد ذكرنا هذا الحديث والكلام عليه في أول كتاب الجمعة.
وقد استنكر البخاري روايات الكوفيين جملة عن ابن جابر.
قال البخاري: أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير، وإنما أرادوا - عندي - عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو منكر الحديث. وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
زهير بن معاوية
روى عن واصل بن حبان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ عدة أحاديث: منها "حديث الكمأة"، وحديث "الحبة السوداء" وحديث "عرضت علي الجنة".
[ ٢ / ٨١٩ ]
قال أحمد وأبو داود: انقلب على زهير اسم صالح بن حيان فقال: واصل بن حبان.
يعني إنما يروي عن صالح بن حيان فسماه واصلًا.
وقال ابن معين: سمع منهما معًا فجعلهما واحدًا، وسماه واصل بن حبان.
قال أبو حاتم: زهير مع اتقانه أخطأ في هذا، ولم يسمع من واصل بن حبان، ولم يدركه إنما سمع من صالح بن حيان.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
وهذا يوافق قول أحمد وأبي داود ويخالف قول ابن معين، وقد ذكرنا حديثه في الحبة السدوداء، وحديثه الآخر في الكمأة في كتاب الطب، فعلى قول يحيى يتوقف في رواية زهير، عن واصل بن حبان، حتى يعرف الحديث عند غيره عن واصل.
وأما على قول أحمد، ومن وافقه، فروايات زهير عن واصل ضعيفه ولا بد، لأنها عن صالح بن حيان من غير تردد، وصالح بن حيان القرشي فيه ضعف، وواصل بن حبان ثقة.
وقد اشتبه على كثير من المتأخرين صالح بن حيان القرشي الكوفي الذي يروي عن ابن بريدة بصالح بن حيان والد الحسن، وعلي، فإنه يقال له، صالح بن حيان والمشهور في نسبه صالح بن حي الهمذاني الكوفي، وهو ثقة كبير.
أبو بلج الواسطي
يروي عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس عن النبي ﷺ أحاديث منها حديث طويل "في فضل علي" أنكرها الإمام أحمد في رواية الأثرم، وقيل له: عمرو بن ميمون يروي عن ابن عباس؟ قال: ما أدري، ما أعلمه.
[ ٢ / ٨٢١ ]
وذكر عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ أن أبا بلج أخطأ في اسم عمرو بن ميمون هذا، وليس هو بعمرو بن ميمون المشهور، إنما هو ميمون أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سمرة، وهو ضعيف.
وليس هذا ببعيد، والله أعلم.
جرير بن عبد الحميد الضبي
روى عن عاصم الأحول أحاديث.
وكان قد اشتبه عليه حديث عاصم الأحول بحديث أشعث بن سوار فلم يفصل بينهما، فميزها له بهز، فحدث بها على قول بهز.
قيل ليحيى بن معين: كيف تكتب هذه الأحاديث عن جرير إذا كانت هكذا؟ قال: ألا تراه قد بين لهم أمرها، كأنه يبين لهم، ثم يحدثهم بها.
وقال أحمد: لم يكن جرير ذكيًا في الحديث، ثم ذكر عنه هذه الحكاية بالمعنى.
وروايات الشاميين عن زهير بن محمد: قال أحمد ينبغي أن يكون قلب اسمه أهل الشام، يعني سموًا رجلًا ضعيفًا زهير بن محمد، وليس بزهير بن محمد الخراساني.
ونقل الترمذي في علله عن البخاري أنه قال: أنا أتقى هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع، ليس هذا عندي - زهير بن محمد.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
ذكر من روى عن ضعيف وسماه باسم يتوهم أنه اسم ثقة
منهم: عطية العوفي:
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث، بلغني أن عطية يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، قال أبو سعيد.
قال عبد الله: و(ثنا) أبي، (ثنا) أبو أحمد الزبيري، سمعت الثوري، قال: سمعت الكلبي قال: كناني عطية بأبي سعيد، ولكن الكلبي لا يعتمد على ما يرويه.
وأن صحت هذه الحكاية عن عطية فإنما يقتضي التوقف فيما يحكيه عن أبي سعيد من التفسير خاصة.
فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد، فإنما يريد أبا سعيد الخدري، ويصرح في بعضها بنسبته.
ومنهم: الوليد بن مسلم:
كان كثير التدليس، وكان يروي عن الأوزاعي فيقول: (ثنا): أبو عمرو ويروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي، وهو ضعيف جدًا فيقول: (ثنا) أبو عمرو، وحكى ذلك ابن حبان وغيره.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ومنهم: بقية بن الوليد:
وهو من أكثر الناس تدليسًا وأكثر شيوخه الضعفاء مجهولون لا يعرفون، وكان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي أو عن زرعة (بن عمرو) الزبيدي، وكلاهما ضعيف الحديث، فيقول: (ثنا) الزبيدي فيظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي، صاحب الزهري.
وقد تقدم له عنه في كتاب الصيام في باب الكحل للصائم، حديث رواه عن الزبيدي وظنه بعضهم محمد بن الوليد فنسبه كذلك، وأخطأ، وإنما هو سعيد بن عبد الجبار.
ومنهم: حسين بن واقد:
يروي عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وعنده عن أيوب السختياني، وعن أيوب بن (خوط) . وأيوب بن خوط ضعيف جدًا. فالمنكرات التي عنده عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، إنما هي عن أيوب بن خوط، ذكره ابن حبان.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
"تدليس التسوية"
وأما من روى عن ضعيف فأسقطه من الإسناد بالكلية فهو نوع تدليس.
ومنه ما يسمى التسوية، وهو أن يروي عن شيخ له ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيسقط الضعيف من الوسط.
وكان الوليد بن مسلم، وسنيد بن داود وغيرهما يفعلون ذلك.
ذوكر أفراد الأحاديث التي فعل فيها ذلك يطول جدًا، لكن نذكر بعض الأسانيد، التي كان رواتها يسقطون منها الضعيف غالبًا:
فمن ذلك رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان بن سليم:
(قال أبو عثمان البرذعي: سمعت أبا مسعود، أحمد بن الفرات، يقول: رأيت عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم) - أحاديث حسانًا، فسألته عنها، فقال: أي شيء تصنع بها؟ هي أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى. قال أبو مسعود: فتركتها، ولم أسمعها. انتهى.
ويقال: إن ابن جريج كان يدلس أحاديث صفوان، عن ابن أبي يحيى، وكذلك أحاديث ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب.
قال ابن المديني، لم يسمع منه، وإنما أخذ حديثه عنه عن ابن أبي يحيى.
وقال ابن المديني - أيضًا - كل ما في كتاب ابن جريج أخبرت عن داود بن الحصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن يحيى.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ومنها رواية عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد قيل إنها كلها مأخوذة عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة. وله حديث في اللعان عن عكرمة.
قال أحمد: إنما رواه عن ابن أبي يحيى، وقد ذكرناه في أبواب اللعان، وله حديث آخر في الحجامة، وحديث في الاكتحال، وقد ذكرناهما - أيضًا - وقد سئل عنهما عباد فقال: حدثنيهما ابن أبي يحيى عن داود، عن عكرمة.
ومنها: أحاديث متعددة يرويها الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن
[ ٢ / ٨٢٦ ]
أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي، يرويها عنه عبد الوارث بن سعيد إنما رواها الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب - متهم بالوضع عن حبيب، ثم أسقط عمرًا من إسنادها. وكلها بواطيل قاله الإمام أحمد. وقال ابن المديني نحو ذلك.
وقال ابن معين: بين الحسن وحبيب رجل غير ثقة، وقال أيضًا: لم يسمع الحسن من حبيب، إنما سمع حديثه من عمرو بن خالد عنه، وعمرو متروك.
وقد ذكرنا من هذه الأحاديث أحاديث متعددة متفرقة في الكتاب وبينا علتها.
وروى ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعًا، حديثًا في كشف الفخذ. قال أبو حاتم: لم يسمعه ابن جريج من حبيب، فأرى أن ابن جريج أخذه عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وقال ابن المديني: أحاديث حبيب عن عاصم بن ضمرة لا تصح إنما هي مأخوذة عن عمرو بن خالد الواسطي.
ولكن ذكر يعقوب بن شيبة عن ابن المديني أنه قال في حديث ابن جريج هذا رأيته في كتب ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن مسلم، عن حبيب.
وحبيب، قال أبو حاتم: لا تثبت له رواية عن عاصم.
وقد سبق ذكر حديث الفخذ في أبواب الأدب.
ومنها: أحاديث يرويها عبد الرحمن بن زياد الافريقي، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ عن النبي ﷺ قد قيل أنها كلها مأخوذة عن محمد بن سعيد، المصلوب في الزندقة المشهور بالكذب والوضع، وأنه أسقط اسمه من الإسناد بين عتبة وعبادة. ومن جملتها حديث المنديل بعد الوضوء، وقد سبق في كتاب الطهارة.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ذكر من سمع من ثقة مع ضعيف فأخذ حديثه وهو لا يشعر
منهم عثمان بن صالح المصري.
قال البرذعي عن أبي زرعة: لم يكن عثمان عندي ممن يكذب، لكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح فكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا فبلوا به، وقد بلي به أبو صالح أيضًا يعني كاتب الليث في حديث زهير بن معبد عن سعيد بن المسيب عن جابر، ليس له أصل إنما هو من حديث خالد بن نجيح.
قلت: وهذا الحديث قد ذكرناه في فضائل الصحابة وذكرنا قول أحمد فيه إنه موضوع.
وكذا ذكر أبو زرعة وأبو حاتم في عبد الله بن صالح بن أبي صالح أن خالد بن نجيح كان (يدس) له في كتبه أحاديث.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
ومنهم: يحيى بن بكير وغيره ممن سمع من مالك بعرض حبيب كاتبه.
قال عباس وغيره: عن ابن معين: حبيب كان يقرأ على مالك وكان يخطرف للناس، ويصفح ورقتين وثلاثة.
قال يحيى: سألوني عنه بمصر فقلت: ليس بشيء.
قال: وكان يحيى بن بكير سمع بعرض حبيب، وهو شر العرض.
قال الأثرم عن أحمد: كان مالك إذا حدث من حفظه كان أحسن مما يعرضون عليه، يقرأون عليه الخطأ، وهو شبه النائم.
قال ابن حبان: امتحن أهل المدينة بحبيب بن أبي حبيب الوراق كان يدخل عليهم الحديث فمن سمع بقراءته عليهم فسماعه لا شيء انتهى.
وممن كان يستملي استملاء سيئًا إبراهيم بن بشار الرمادي كان يملي على الناس ما يحدث به سفيان بن عيينة بزيادة وتغيير، قاله أحمد ويحيى، ولكن لا أعلم من كتب بإملائه.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
وقد روى قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد حديث الجمع بين الصلاتين في السفر. وهو غريب جدًا فاستنكره الحفاظ ويقال: إنه سمعه مع خالد بن الهيثم فأدخله على الليث، وهو لا يشعر. كذا ذكره الحاكم في علوم الحديث، وقد سبق الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة.
"تخريج المتكلم فيه في الصحيح"
تنبيه: اعلم أنه قد يخرج في الصحيح لبعض من تكلم فيه، إما متابعة واستشهادًا وذلك معلوم. وقد يخرج من حديث بعضهم ما هو معروف عن شيوخه من طرق أخرى، ولكن لم يكن وقع لصاحب الصحيح ذلك الحديث إلا من طريقه، إما مطلقًا أو بعلو، فإذا كان الحديث معروفًا عن الأعمش صحيحًا عنه، ولم يقع لصاحب الصحيح عنه بعلو، إلا من طريق بعض من تكلم فيه من أصحابه خرجه عنه.
قال أبو عثمان سعيد بن عثمان البرذعي: شهدت أبا زرعة وأنكر على مسلم تخريجه لحديث أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وروايته عن أحمد بن عيسى المصري، في كتابه الصحيح، في حكاية طويلة ذكرها.
قال: فلما رجعت إلى نيسابور، ذكرت ذلك لمسلم، فقال: إنما أدخلت
[ ٢ / ٨٣١ ]
من حديث أسباط، وقطن بن نسير، واحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فاقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات انتهى.
وهذا قسم آخر ممن خرج له في الصحيح على غير وجه المتابعة والاستشهاد، ودرجته تقصر عن درجة رجال الصحيح عند الإطلاق.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
"قواعد في العلل"
ولنختم هذا الكتاب بكلمات مختصرات، من كلام الأئمة، النقاد، الحفاظ، الأثبات، وهي في هذا العلم كالقواعد الكليات، يدخل تحتها كثير من الجزئيات. والله الموفق للخير، والمعين عليه في كل الحالات.
(١) قاعدة
الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط، وقد قال أبو عبد الله بن مندة: إذا رأيت في حديث: "فلان الزاهد" فاغسل يدك منه.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث.
وقد ذكرنا ذلك مستوفى فيما تقدم.
والحفاظ منهم قليل. فإذا جاء الحديث من جهة أحد منهم، فليتوقف فيه حتى يتبين أمره.
(٢) قاعدة
الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون
[ ٢ / ٨٣٣ ]
الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده، ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه. وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة، فأتى به بعبارة أخرى فقال:
"من زرع في أرض (قوم) بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته".
وهذا يشبه كلام الفقهاء.
وكذلك روى حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين من ماء".
وهذا ما رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: أنه كان يتوضأ بالمد، والمد عند أهل الكوفة رطلان.
وكذلك (سليمان) بن موسى الدمشقي، الفقيه، يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة.
وكذلك فقهاء الكوفة، ورأسهم حماد بن أبي سليمان، وأتباعه.
وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ، صاحب مالك وغيرهم.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
قال شعبة: كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ.
قال ابن أبي حاتم: كان الغالب عليه الفقه، ولم يرزق حفظ الآثار.
وقال شعبة - أيضًا ـ: كان حماد ومغيرة أحفظ من الحكم، يعني مع سوء حفظ حماد للآثار كان أحفظ من الحكم.
وقال عثمان البتي: كان حماد إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال: قال إبراهيم أخطأ.
قال أبو حاتم الرازي: حماد صدوق، لا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوش.
وكان حماد إذا سئل عن شيء من الرأي سر به، فإذا سئل عن الرواية ثقلت عليه وربما كان يسأل عن شيء من حديث إبراهيم فيقول: قد طال العهد بإبراهيم.
قال حماد بن سلمة: كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسنده، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك.
قال حماد بن زيد: قدم علينا حماد البصرة، فجعل فتيان البصرة يسخرون به، فقال له رجل:
ما تقول في رجل وطىء دجاجة ميتة، فخرج منها بيضة؟
وقال له آخر: ما تقول في رجل طلق امرأته ملء سكرجة.
قال ابن حبان: الفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في روايته،
[ ٢ / ٨٣٥ ]
لا يجوز - عندي - الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون، دون الأسانيد.
وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه. وإذا ذكروه أول أسانيدهم يكون: قال رسول الله ﷺ فلا يذكرون بينهم وبين النبي ﷺ أحدًا.
فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحف الأسماء، وأقلب الأسانيد ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم، لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد.
قلت: هذا إن كان الفقيه حافظًا للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به.
والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمه من المعنى، وأفهام الناس تختلف، ولهذا نرى كثيرًا من الفقهاء يتأولون الأحاديث بتأويلات مستبعدة جدًا، بحيث يجزم العارف المنصف بأن ذلك المعنى الذي تأول (به) غير مراد بالكلية.
فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه.
وقد سبق أن شريكًا روى حديث الوضوء بالمد بما فهمه من المعنى. وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
(٣) قاعدة
الثقات الحفاظ إذا حدثوا من حفظهم وليسوا بفقهاء، قال ابن حبان: - عندي - لا يجوز الاحتجاج بحديثهم. لأن همتهم حفظ الأسانيد والطرق، دون المتون.
قال: وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظون الطرق، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة، يشيرون إليها.
قال: ومن كانت هذه صفته، وليس بفقيه، فربما يقلب المتن، ويغير المعنى إلى غيره، وهو لا يعلم، فلا يجوز الاحتجاج به، إلا أن يحدث من كتابه، ويوافق الثقات.
وقد ذكرنا هذا عن ابن حبان، فيما تقدم، وبينا أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو مختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، ولعله يختص بالمتأخرين من الحفاظ، نحو من كان في عصر ابن حبان، فأما المتقدمون كشعبة، والأعمش، وأبي إسحاق، وغيرهم فلا يقول ذلك أحد في حقهم، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على خلاف ذلك، والله أعلم.
وقد سبق قول الشافعي أن من حدث بالمعنى، ولم يحفظ لفظ الحديث، إنه يشترط فيه أن يكون عاقلًا لما يحدث به من المعاني، عالمًا بما يحيل المعنى من الألفاظ، وأن من حدث بالألفاظ، فإنه يشترط أن يكون حافظًا للفظ الحديث، متقنًا له، والله أعلم.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
(٤) قاعدة
إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد ثقة حافظًا، فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة، في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وقد تردد الحفاظ كثيرًا في مثل هذا. هل يرد قول من تفرد بذلك الإسناد، لمخالفة الأكثرين له، أم يقبل قوله، لثقته وحفظه.
ويقوي قبول قوله إن كان المروي عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش.
ومثال ذلك: ما روى أصحاب الأعمش مثل وكيع، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله أنه كان مع النبي ﷺ في حرث المدينة، فمر على نفر من اليهود، فسألوه عن الروح الحديث.
وخالفهم ابن إدريس، فرواه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق عن عبد الله، ولم يتابع عليه فصححت طائفة الروايتين عن الأعمش.
وخرجه مسلم من الوجهين. وقال الدارقطني، لعلهما محفوظان وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابع على هذا القول.
قلت: ومما يشهد لصحة ذلك أن ابن إدريس روى الحديث بالإسناد الأول أيضًا.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وهذا مما يستدل به الأئمة كثيرًا على صحة رواية من انفرد بالإسناد إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة، فخرجه ابن أبي خيثمة في كتابه، (ثنا) عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن الكرماني كتبت عنه (بكفربيا)، ثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: إني لأمشي مع النبي ﷺ فذكره.
مثال آخر: روى أصحاب الزهري، (عن الزهري، عن) عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ "حديث الفأرة في السمن" ورواه معمر عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
فمن الحفاظ من صحح كلا القولين، ومنهم الإمام أحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهما.
ومنهم من حكم بغلط معمر، لانفراده بهذا الإسناد، منهم البخاري، والترمذي، وأبو حاتم، وغيرهم.
وذكر الذهلي أن سعيد بن أبي هلال تابع معمرًا على روايته عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، إلا أنه أرسله ولم يذكر أبا هريرة.
ويدل على صحة رواية معمر أنه رواه بالإسنادين كليهما.
وأما لفظ الحديث بالتفريق بين الجامد والمائع فقد ذكره معمر عن الزهري بالإسنادين معًا.
وتابعه الأوزاعي عن الزهري، فرواه عن عبيد الله عن ابن عباس.
وكذلك رواه إسحاق بن راهويه، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري لكنه حمل حديث ابن عيينة على حديث معمر.
وقد سبق ذلك كله مستوفى في كتاب الأطعمة.
فأما إن كان المنفرد عن الحفاظ سيىء الحفظ، فإنه لا يعبأ بانفرداه، ويحكم عليه بالوهم.
مثال ذلك - أن أصحاب الزهري رووا عن الزهري، عن حميد بن
[ ٢ / ٨٤٠ ]
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة المجامع في رمضان.
ورواه هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فحكم الأئمة بأنه وهم في ذلك.
فإن كان المنفرد عن الحفاظ، مع سوء حفظه قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه، لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيرًا. فيسلكه من لا يحفظ.
ومثال ذلك: روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن حبيب بن أبي سبيعة الضبعي، عن الحارث أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحب فلانًا. قال: أعلمته؟ قال: لا، الحديث. هكذا رواه حماد بن سلمة، وهو أحفظ أصحاب ثابت، وأثبتهم في حديثه، كما سبق. وخالفه من لم يكن في حفظه بذاك من الشيوخ الرواة عن ثابت كمبارك بن فضالة، وحسين بن واقد،
[ ٢ / ٨٤١ ]
ونحوهما، فرووه عن ثابت، عن أنس عن النبي ﷺ.
وحكم الحفاظ هنا بصحة قول حماد، وخطأ من خالفه، منهم أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني.
قال أبو حاتم: مبارك لزم الطريق، يعني أن رواية ثابت عن أنس سلسلة معروفة، مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه، بخلاف ما قاله حماد بن سلمة، فإن في إسناده ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ.
وأبو حاتم كثيرًا ما يعلل الأحاديث بمثل هذا وكذلك غيره من الأئمة.
وقد سبق إلى نحو ذلك ابن عيينة وابن مهدي، فإن مالكًا روى عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذه من هذه.
وخالفه ابن عيينة، فرواه عن صفوان بن سليم عن أنيسة عن أم سعيد بنت مرة الفهرية، عن أبيها، عن النبي ﷺ.
ورجح الحفاظ كأبي زرعة، وأبي حاتم قول ابن عيينة في هذا الإسناد على قول مالك.
قال الحميدي: قيل لسفيان: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك. قال سفيان: وما يدريه، أدرك سفيان صفوان؟ قالوا: لا، لكنه قال: إن مالكًا قال: عن صفوان، عن عطاء بن يسار. وقال سفيان: عن أنيسة عن أم سعيد بنت مرة، عن أبيها، فمن أين جاء بهذا الإسناد؟.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فقال سفيان: ما أحسن ما قال. لو قال لنا صفوان، عن عطاء بن يسار كان أهون علينا من أن يجيء بهذا الإسناد الشديد.
ومن ذلك أن حصين بن عبد الرحمن روى عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ حديث رفع اليدين في الصلاة، ورواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ.
وسئل عن ذلك أحمد، فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين. القول قول شعبة. من أين يقع شعبة عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟ يشير إلى أن هذا إسناد غريب لا يحفظه إلا حافظ، بخلاف علقمة بن وائل، عن أبيه، فإنه طريق مشهور.
وأعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين، لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغير - يستدل به على أنه حديث آخر، فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين.
وقد ذكرنا كلام ابن المديني في ذلك، في باب صفة الصلاة على النبي ﷺ من كتاب الصلاة.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
وكثير من الحفاظ كالدارقطني وغيره لا يراعون ذلك، ويحكمون بخطأ أحد الإسنادين وإن اختلف لفظ الحديثين إذا رجع إلى معنى متقارب. وابن المديني ونحوه إنما يقولون: هما حديثان بإسنادين إذا احتمل ذلك، وكان متن ذلك الحديث يروى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة: كحديث الصلاة على النبي ﷺ فأما ما لا يعرف إلا بإسناد واحد، فهذا يبعد فيه ذلك.
وكذلك حديث الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر في هدي النبي ﷺ الغنم المقلدة.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وحديثه عن إبراهيم، عن ألأسود، عن عائشة، في هدي النبي ﷺ الغنم.
فمن الحفاظ من قال: الصحيح حديث عائشة، وحديث جابر وهم.
ومنهم من قال: هما حديثان مختلفان، في أحدهما لتقليد، وليس في الآخر. ومنهم أبو حاتم الرازي. وقد سبق ذلك في كتاب الحج.
(٥) ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء، أو لا يثبت منها إلا شيء يسير مع أنه قد روي بها أكثر من ذلك
قتادة، عن الحسن، عن انس، عن النبي ﷺ.
هذه السلسلة، قال البرديجي: لا يثبت منها حديث أصلًا من رواية الثقات.
قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قال البرديجي: هذه الأحاديث كلها معلولة، وليس عند شعبة منها شيء. وعند سعيد بن أبي عروبة منها حديث. وعند هشام منها آخر. وفيهما نظر.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قال البرديجي: قال ابن المديني: لم يصح منها شيء مسند بهذا الإسناد.
وقال البرديجي: لا يصح منها شيء إلا من حديث سليمان بن بلال، من حديث ابن أبي أويس عن أخيه، عنه.
قال: وسائر ذلك مراسيل، وصلها قوم ليسوا بأقوياء.
يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس:
قال البرديجي: هي صحاح، وهي ثلاثة أحاديث. منها حديث فيه اضطراب. وسائر حديث يحيى، عن أنس، فيها نظر.
حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:
قال سليمان بن حرب: لم يصح بهذا الإسناد إلا حديث واحد، وأنكر حديث نافع عن ابن عمر، عن عمر في تقبيل الحجر.
وقال: (ليس هو عن أيوب قط.
وحديث حماد عن (أيوب)، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر "في تقبيل الحجر") رواه غير واحد عنه.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
وخرجه مسلم في صحيحه، ورواه ابن علية عن أيوب، قال: نبئت أن عمر قبل الحجر، كذا رواه مرسلًا.
يحيى بن الجزار عن علي:
قال شبابة عن شعبة، لم يسمع يحيى بن الجزار عن علي إلا ثلاثة أشياء.
منها أن النبي ﷺ قام على فرضة من فرض الخندق وأن رجلًا جاء إلى علي، فقال: أي يوم هذا؟
الحسن عن سمرة:
قيل أنه لم يسمع منه سوى حديث العقيقة، وقيل لم يسمع منه شيئًا بالكلية.
وقد ذكرنا ذلك غير مرة.
حميد الطويل، عن أنس:
قال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: إنما روى حميد عن أنس ما سمعه منه خمسة أحاديث.
قال أبو داود قال حماد بن سلمة: عامة ما يروي حميد عن أنس لم يسمع منه إنما عامتها سمعه من ثابت.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
(وذكر العجلي عن يحيى بن معين عن أبي عبيدة الحداد، قال: قال شعبة: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا) .
الزبير بن عدي عن أنس عن النبي ﷺ:
قال ابن معين: ليس له إلا حديث واحد، يعني حديث "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه".
وكذا قال ابن حبان.
وقال أبو حاتم الرازي: له عنه أربعة أحاديث أو خمسة.
وروى بشر بن الحسين الأصبهاني، عن الزبير، عن أنس، عن النبي
[ ٢ / ٨٤٨ ]
ﷺ نسخة نحو عشرين حديثًا، وهي موضوعة، قاله أبو حاتم وغيره.
الأعمش: قيل أنه سمع من أنس حديثًا، وقيل أنه لم يسمع منه شيئًا:
وقد سبق ذلك مستوفى في أول الكتاب.
الزهري: قيل أنه لم يسمع من ابن عمر:
وقيل: سمع منه حديثين، كذا ذكره محمد بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر.
أبو إسحاق عن الحارث: لم يسمع منه غير أربعة أحاديث والباقي كتاب أخذه:
كذا قال شعبة، وكذا قال العجلي وغيره.
وقال الإمام أحمد: سمعت أبا بكر بن عياش، قال: قل ما سمع أبو إسحاق من الحارث؛ ثلاثة أحاديث.
الحكم عن مقسم:
روى عنه كثيرًا، ولم يسمع منه سوى أربعة أحاديث، قاله شعبة.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
قال أبو داود: وليس فيها مسند واحد، يعني كلها موقوفات.
وذكر ابن المديني، عن يحيى عن سعيد، عن شعبة، أنه قال: هي خمسة أحاديث وعدها شعبة: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء ما قتل من النعم، والرجل يأتي امرأته وهي حائض.
قتادة عن أبي العالية:
قال شعبة: لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
وحديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر.
وقد خرجا له في الصحيحين عن أبي العالية حديثين آخرين:
أحدهما: حديث دعاء الكرب. والثاني: رؤية النبي ﷺ ليلة أسرى به موسى وغيره من الأنبياء.
[ ٢ / ٨٥١ ]
أبو سفيان طلحة بن نافع:
قال شعبة وابن عيينة: روايته عن جابر إنما هي صحيفة.
ومرادهما: أنه كتاب أخذه فرواه عن جابر، ولم يسمعه.
وروي عن شعبة قال: حديث أبي سفيان عن جابر، إنما هو كتاب سليمان اليشكري.
وقال ابن المديني: قال معلى الرازي، عن يحيى بن أبي زائدة، قال: سمعت يزيد الدالاني، قال: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا اربعة أحاديث.
وذكر الترمذي في علله عن البخاري، قال: كان يزيد أبو خالد الدالاني، يقول: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أشياء. ثم قال البخاري وما يدريه؟ أو ما يرضى أن رأسا برأس حتى يقول مثل هذا؟ يشير البخاري إلى أن أبا خالد في نفسه ليس بقوي، فكيف يتكلم في غيره، وأثبت البخاري سماع أبي سفيان من جابر.
وقال في تاريخه: قال لنا مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
قال: وقال علي: سمعت عبد الرحمن، قال: قال لي هشيم عن أبي العلاء، قال: قال لي أبو سفيان: كنت أحفظ، وكان سليمان اليشكري يكتب يعني عن جابر.
وخرج مسلم حديث أبي سفيان عن جابر، وخرجه البخاري مقرونًا.
الأعمش: قيل أنه لم يسمع من مجاهد إلا أربعة أحاديث:
قاله ابن المبارك عن هشيم.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده، عن وكيع، قال: كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية.
وحكى الكرابيسي أنه سمع علي بن المديني يقول: لم يصح عندنا سماع الأعمش من مجاهد إلا نحوًا من ستة أو سبعة.
قال علي: وكذلك سمعت يحيى وعبد الرحمن يقولان في الأعمش.
وقال الترمذي في علله: قلت للبخاري: يقولون لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث.
قال: ريح، ليس بشيء، لقد عددت له أحاديث كثيرة نحوًا من ثلاثين أو أقل أو أكثر، يقول فيها: (ثنا) مجاهد.
وكذا نقل الكرابيسي عن الشاذكوني أن الأعمش سمع من مجاهد أقل من ثلاثين حديثًا.
ومما اختلف في سماع الأعمش له من مجاهد حديث ابن عمر: "كن في
[ ٢ / ٨٥٣ ]
الدنيا كانك غريب" والبخاري يرى أنه سمعه الأعمش من مجاهد، وخرجه في صحيحه كذلك، وأنكر ذلك جماعة، وقد ذكرناه في كتاب الزهد.
سفيان بن عيينة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ:
قال العقيلي: ليس لسفيان بهذا الإسناد غير أربعة أحاديث:
مثل الجليس الصالح، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، واشفعوا إلي فلتؤجروا، والخازن الأمين.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
قال: ليس عنده غير هذه الأربعة.
وروى إبراهيم بن بشار، عن سفيان بهذا الإسناد حديث "كلكم راع".
قال: وليس له أصل. ولم يتابع إبراهيم عليه أحد عن ابن عيينة.
سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس عن النبي ﷺ:
ذكر بعض الحفاظ أنه لا يصح بهذا الإسناد غير ستة أحاديث أو سبعة قال: وأظهر بعضهم كتابًا كله بهذا الإسناد، فظهر كذبه وافتضح.
هشيم، لم يصح له السماع من الزهري إلا أربعة أحاديث:
منها حديث السقيفة قاله الإمام أحمد.
قال أحمد: وسمع هشيم من جابر يعني الجعفي حديثين.
حجاج بن أرطأة:
قال أبو نعيم، الفضل بن دكين، لم يسمع حجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيد الله العرزمي.
يعني أنه يدلس بقية حديثه عن عمرو عن العرزمي.
الأعمش عن أبي سفيان:
قال الكرابيسي: حدثني علي بن المديني وسليمان الشاذكوني، قالا: روى الأعمش، عن أبي سفيان أكثر من مائة، لم يسمع منها إلا أربعة.
قال علي: سمعت يحيى يقول ذلك.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وذكر البزار في مسنده أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان.
قال: وقد روى عنه نحو مائة حديث.
كذا قال: وهو بعيد.
وحديث الأعمش عن أبي سفيان مخرج في الصحيح.
(معاوية بن سلام بن أبي سلام، عن أبيه سلام، وعن أخيه زيد بن سلام:
وسمع من جده أبي سلام حديثًا واحدًا عن كعب:
قال: "من قال سبحان الله وبحمده مائتي مرة غفرت ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر".
ذكره جعفر الفريابي، عن ابن هشام بن خالد، عن مروان بن محمد الدمشقي) .
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وقال شعبة: أحاديث الحكم، عن مجاهد كتاب، إلا ما قال: سمعت.
(٦) ذكر من عرف بالتدليس وكان له شيوخ لا يدلس عنهم فحديثه عنهم متصل
منهم: هشيم بن بشير:
ذكر أحمد أنه لا يكاد يدلس عن حصين.
وقال البخاري، فيما حكاه عنه الترمذي في علله: لا أعرف لسفيان، يعني الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر شيوخًا كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه.
(٧) ذكر من كان يدلس بعبارة دون عبارة
قال العجلي: إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو، سمع جابرًا فصحيح.
وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابرًا: فليس بشيء.
يشير إلى أنه إذا قال: عن عمرو، فقد سمعه منه، وإذا قال: سمع عمرو جابرًا فلم يسمعه ابن عيينة من عمرو.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
(٨) قاعدة
قال العجلي: كل شيء روى محمد بن سيرين عن عبيدة، يعني السلماني سوى رأيه فهو من علي.
وكل شيء روى إبراهيم النخعي، عن عبيدة سوى رايه فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا، انتهى.
وقد روى ابن سيرين، عن عبيدة، حديثًا مرسلًا عن النبي ﷺ: "فيمن مات له ثلاثة أولاد". وقيل فيه عن علي، ولا يثبت.
وكذلك روى ابن سيرين عن عبيدة حديث أسارى بدر، والصواب إرساله من غير ذكر علي.
وقد ذكرنا الحديث الأول في آخر الجنائز، والثاني في كتاب الجهاد.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وقد روى يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن علي.
"انه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب".
وخالفه ابن علية وغيره، فرووه عن سعيد، عن بي معشر، عن إبراهيم، عن علي مرسلًا. من غير ذكر عبيدة. قال الدراقطني: وهو المحفوظ.
(٩) قاعدة
قال أحمد في رواية ابنه عبد الله: (ثنا) محمد بن فضيل (ثنا) عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر بضعة عشر حديثًا كلها بهذا الإسناد، إلا حديث "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر الحديث".
[ ٢ / ٨٥٩ ]
فإنه قال: عن عمارة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ كذا قال.
يشير أحمد أن هذا قاله ابن فضيل وأن الصحيح خلافه وأنه عن أبي زرعة.
وقد خرجاه في الصحيحين كذلك.
وقد رواه عن عمارة عن أبي زرعة، جرير وعبد الواحد بن زياد.
قال أحمد: و(ثنا) ابن فضيل، (ثنا) أبي، عن عمارة، عن أبي زرعة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا".
قال عبد الله: قال ابي: كل شيء يرويه ابن فضيل عن عمارة، إلا هذا الحديث.
يعني أنه رواه عن أبيه، عن عمارة، وبقية الأحاديث يرويها (ابن) فضيل عن عمارة.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
(١٠)
قاعدة مهمة
حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال واحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص (يفهمون) به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك.
وهذ١ مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع.
فمن ذلك (سعيد) بن سنان، ويقال: سنان بن سعيد يروي عن أنس، ويروي عنه أهل مصر.
قال احمد: تركت حديثه، حديثه مضطرب.
وقال: يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث انس، نقله عبد الله بن احمد عن أبيه.
ومراده أن الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله.
وقال الجوزجاني: احاديثه واهية، لا تشبه أحاديث الناس عن أنس.
شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر.
روى عنه احاديث منها حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا.
[ ٢ / ٨٦١ ]
من قال حين - يسمع النداء "اللهم رب هذه الدعوة التامة " الحديث.
وقد خرجه البخاري في صحيحه.
وله علة ذكرها ابن ابي حاتم، عن أبيه قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان قد عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابًا، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضًا، وانكر بعضًا، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث.
فروى شعيب ذلك الكتاب، ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض على بعض تلك الكتب، فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة.
وهذا الحديث من تلك الأحاديث:
قلت: ومصداق ذلك ما ذكره أبو حاتم: أن شعيب بن أبي حمزة روى
[ ٢ / ٨٦٢ ]
عن ابن المنكدر، عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي.
وروي عن شعيب، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة، فرجع الحديث إلى الأعرج.
وإنما رواه الناس عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.
ومن جملة من رواه عن ألأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة.
وقيل أنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج.
وروى عن محمد بن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي فروة، وابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
ورواه أبو معاوية، عن شعيب، عن إسحاق عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة.
فظهر بهذا أن الحديث عند شعيب عن ابن أبي فروة.
وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث إسحاق بن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة، وابن المنكدر.
فمنهم من ترك إسحاق، وذكر ابن المنكدر (ومنهم من كنى عنه، فقال: عن ابن المنكدر) وآخر.
وكذا وقع في سنن النسائي.
وهذا مما لا يجوز فعله، وهو أن يروي الرجل حديثًا عن إثنين: أحدهما مطعون فيه، والآخر ثقة، فيترك ذكر المطعون فيه، ويذكر الثقة.
وقد نص الإمام أحمد على ذلك، وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة، وهو كما قال. فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولًا عليه.
فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة، وابن المنكدر، ويرجع إلى حديث الأعرج.
ورواية الأعرج له معروفة عن ابن أبي رافع عن علي، وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما.
وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه، وكثرة اضطرابه في ألأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر.
وقد روى هذا الحديث ويزيد بن عياض بن (جعدبة) عن ابن المنكدر،
[ ٢ / ٨٦٤ ]
عن الأعرج، عن (ابن) أبي رافع، عن علي.
وقد كان بعض المدلسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه، ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه، فيظن أنه سمعه منهما، كما روى معمر عن ثابت وأبان وغير واحد. عن أنس عن النبي ﷺ.
"إنه نهى عن الشغار".
قال أحمد: هذا عمل أبان، يعني أنه حديث أبان.
وإنما معمر، يعني لعله دلسه. ذكره الخلال عن هلال بن العلاء الرقي، عن أحمد.
ومن هذا المعنى أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعًا، عن مجاهد، عن أبي معمر، (عن علي) "حديث القيام للجنازة"، قال الحميدي: فكنا إذا وقفنا عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
يعني أن حديث ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد، عن علي منقطعًا.
وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين.
ورواه ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهدًا، وهو وهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله.
معقل بن عبيد الله الجزري:
قد سبق قول الإمام أحمد أن حديثه عن أبي الزبير يشبه حديث ابن لهيعة.
وظهر مصداق قول أحمد أن أحاديثه عن أبي الزبير مثل أحاديث ابن لهيعة سواء، كحديث "اللمعة في الوضوء" وغيره.
وقد كانوا يستدلون باتفاق حديث الرجلين في اللفظ على أن أحدهما أخذه عن صاحبه.
كما قال ابن معين في مطرف بن مازن: إنه قابل كتبه عن ابن جريج
[ ٢ / ٨٦٦ ]
ومعمر، فإذا هي مثل كتب هشام بن يوسف سواء.
وكان هشام يقول: لم يسمعها من ابن جريج ومعمر، إنما أخذها من كتبي.
قال يحيى: فعلمت أن مطرفًا كذاب.
يعني علم صدق قول هشام عنه.
ومن ذلك قول أحمد وأبي حاتم في أحاديث الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر: إنها تشبه أحاديث عبد الله بن عمر.
ومن ذلك ما ذكر البرذعي، قال: قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
قال: وقال لي أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان، انتهى.
(ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة وابن
[ ٢ / ٨٦٧ ]
سمعان) فوجده يشبهه ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم، فخاف أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان ودلساه عن شيوخهما.
ومن ذلك أن مسلمًا خرج في صحيحه عن القواريري عن أبي بكر الحنفي عن عاصم بن محمد العمري، (ثنا) سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: قال الله تعالى: "ابتلى عبدي المؤمن فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أساري ثم ابدلته لحمًا خيرًا من لحمه".
قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الهروي الشهيد ﵀ هذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف.
قال يحيى القطان: ما رايت أحدًا أضعف منه.
ورواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وهو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد، انتهى.
ومن ذلك قول ابن المديني في حديث الفضل بن عباس عن النبي ﷺ في خطبة الوداع الذي رواه القاسم بن يزيد بن عبد الله بن
[ ٢ / ٨٦٨ ]
قسيط، عن ابيه، عن عطاء، عن الفضل: إنه يشبه أحاديث القصاص، وليس يشبه أحاديث عطاء بن أبي رباح.
ومنه قول أبي أحمد الحاكم، في حديث علي الطويل في الدعاء، لحفظ القرآن: إنه يشبه أحاديث القصاص.
ومن ذلك حديث يرويه عمرو بن يزيد الرفاء، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ: ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعملون بالقرآن ما وافق أهوائهم، وما خالف أهوائهم تركوه الحديث.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
قال ابن عدي: هذا يعرف بعمر بن يزيد عن شعبة، وهو بهذا الإسناد باطل.
قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث شعبة. قال: وهذا الكلام عندي - والله أعلم - يشبه كلام عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني وكان يضع الحديث. وقد روى عمرو بن مرة عنه، فلعل هذا الشيخ حمله عن رجل عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسور مرسلًا، وأحاله على شعبة، انتهى.
والأمر على ما ذكره العقيلي ﵀.
وقد روى عمرو بن مرة، عن ابن المسور المدائني، حديثًا آخر، اصله مرسل عن النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، قال النبي ﷺ إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، الحديث.
فهذا هو أصل الحديث، ثم وصله قوم، وجعلوا له إسنادًا موصولًا مع اختلافهم فيه قال الدارقطني: يرويه عمرو بن مرة واختلف عنه.
فرواه مالك بن مغول، عن عمرو بن مرة، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قاله: عبد الله بن محمد بن المغيرة تفرد بذلك.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قاله أبو عبد الرحيم عن زيد.
وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود.
وقال وكيع، عن المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله.
وكلها وهم.
والصواب: عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلًا، عن النبي ﷺ كذلك قاله الثوري.
وعبد الله بن المسور هذا متروك، وهو عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب، انتهى.
والصحيح عن وكيع كما رواه الثوري.
فقد خرجه وكيع في كتاب الزهد، عن المسعودي عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن مسور عن النبي ﷺ مرسلًا.
[ ٢ / ٨٧١ ]
وما ذكره الدارقطني عن وكيع لا يثبت عنه.
ومن ذلك ما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في "كتاب العلل".
قال: حدثني أبو معمر، (ثنا) أبو أسامة، قال كنت عند سفيان الثوري فحدثه زائدة، عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير: (فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا ما شاء الله)، قال: هم الشهداء.
فقال له سفيان: إنك لثقة، وإنك لتحدثنا عن ثقة، وما يقبل قلبي إن هذا من حديث سلمة، فدعا بكتاب فكتب: من سفيان بن سعيد إلى شعبة، وجاء كتاب شعبة:
من شعبة إلى سفيان: إني لم أحدث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عمارة بن أبي حفصة، عم حجر الهجري، عن سعيد بن جبير.
ومن ذلك أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ من الكلام الذي لا يشبه كلامه.
قال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: تعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون مثله كلام النبوة ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
(١١) قواعد في علم الجرح والتعديل
قد ضعف رجال واختلف فيهم. ولكن منهم من روايته عن بعض شيوخه أضعف من روايته عن غيره.
ومنهم من رواية بعض أصحابه عنه أضعف من رواية بعض: فنذكر ههنا جملة من ذلك.
فمنهم عباد بن منصور، قاضي البصرة:
ضعفوه، وأضعف رواياته عن عكرمة.
يقال: إنه أخذها عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عنه.
ومنهم شهر بن حوشب:
مختلف في أمره، لكن رواية عبد الحميد بن بهرام عنه أصح من رواية غيره من أصحابه.
قال يحيى القطان: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام.
وقال احمد: حديثه عن شهر مقارب. كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وهي سبعون حديثًا طوالًا.
وقال أبو حاتم الرازي: عبد الحميد بن بهرام في شهر مثل الليث بن سعد في سعيد المقبري، أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم روى عن شهر
[ ٢ / ٨٧٣ ]
أحسن منها. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: لا، ولا بحديث شهر، ولكن يكتب حديثه.
وقال شعبة: نعم الشيخ عبد الحميد بن بهرام، لكن لا تكتبوا عنه، فإنه يحدث عن شهر.
ومنهم أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي:
ضعيف، ضعفه الأكثرون مطلقًا.
ونقل الترمذي في العلل عن البخاري قال: لا بأس بحديثه إلا ما رواه عنه ابنه محمد، فإنه يروي عنه مناكير.
(١٢) قاعدة في الرواة
رشدين اثنان:
أحدهما رشدين بن كريب، مولى ابن عباس. والثاني: رشدين بن سعد المصري.
وكلاهما ضعيف فهذه الترجمة من الأسماء ليس فيها ثقة، فيما نعلم.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
(١٣) قاعدة
قال إسماعيل بن علية: من كان اسمه عاصمًا ففي حفظه شيء، ذكره ابن عدي في كتابه.
وحكى المروذي عن يحيى بن معين، قال: كل عاصم في الدنيا ضعيف، ولم يوافق أحمد على ذلك، فإن عاصم بن سليمان الأحول عنده ثقة، وذكر له أن ابن معين تكلم فيه، فعجب.
وعاصم بن بهدلة ثقة، إلا أن في حفظه اضطرابًا.
وعاصم بن عمر بن قتادة ثقة أيضًا متفق على حديثه كعاصم الأحول.
وعاصم بن كليب ثقة، وقد وثقه ابن معين أيضًا.
(وعاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: ثقة متفق على حديثه، وممن وثقه ابن معين - أيضًا) .
وأما عاصم بن عمر بن الخطاب فأجل من أن يقال فيه ثقة.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
وفوق هؤلاء من اسمه عاصم من الصحابة، وهم جماعة، ولم يرد ابن معين دخولهم في كلامه قطعًا.
قال أحمد في رواية ابن هانىء: كل أبي فروة ثقة، إلا أبا فروة الجزري، يعني يزيد بن سنان، وقد تقدم ذكره.
(١٥) قاعدة
قال أحمد في رواية ابن هانىء - أيضًا: قال: آل كعب بن مالك كلهم ثقات، كل من روى عنه الحديث، يعني كل من روى عنه الحديث من أولاد كعب بن مالك وذريته فهو ثقة.
(١٦) قاعدة
قال أحمد: كل من روى عنه مالك فهو ثقة.
وقال النسائي: لا نعلم مالكًا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله، فإنه روى عنه حديثًا وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم. وعن شريك بن أبي نمر وهو أصلح من عمرو.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
ولا نعلم مالكًا حدث عن أحد يترك حديثه إلا عن عبد الكريم أبي أمية.
ونقل الترمذي في علله عن البخاري أنه قال: لا نعلم مالكًا حدث عمن يترك حديثه إلا عن عطاء الخراساني.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن عطاء الخراساني ثقة، عالم رباني، وثقة كل الأئمة ما خلا البخاري، ولم يوافق على ما ذكره. وأكثر ما فيه أنه كان في حفظه بعض سوء.
قال شعبة: حدثنا عطاء الخرساني، وكان نسيًا.
وقال ابن معين عنه هو ثبت، وكان كثير الإرسال، نقله عنه الغلابي.
وكان سفيان الثوري يحث على الأخذ عنه، ووثقه الأوزاعي، وأحمد ويحيى، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، والعجلي، والطبراني، (والدارقطني) .
وقد بين الترمذي في علله أن ما ذكره البخاري لا يوافق عليه، وأنه ثقة عند أكثر أهل الحديث.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
قال: ولم أسمع أن أحدًا من المتقدمين تكلم فيه.
وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة ثبت، قال: وهو مشهور، له فضل وعلم ومعروف بالفتوى والجهاد، روى عنه مالك بن أنس وكان مالك ممن ينتفي الرجال.
وأما الحكاية عن سعيد بن المسيب أنه كذبه فيما روى عنه فلا تثبت.
وقد كذب ابن المسيب عكرمة، ولم يتركه البخاري بتكذيبه، بل خرج له، واعتذر عن تكذيب من كذبه في كتاب "القراءة خلف الإمام" وعن تكذيب مالك لابن إسحاق.
قال البخاري: لو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان فرمى صاحيه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها.
وقال إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ. وهما ممن يحتج بهما.
ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم. وتأويل بعضهم في العرض والنفس.
ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة، انتهى.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
وعطاء الخراساني أحق أن يعتذر عما قاله ابن المسيب إن صح، فإنه أعظم وأجل قدرًا من عكرمة، بل لا نسبة بينهما في الدين والورع.
وزعم البخاري أن عبد الكريم أبا أمية مقارب الحديث، وهو عند جميع الأئمة مباعد الحديث جدًا. ليس بين حديثه وبين حديث الثقات قرب البتة.
ومن ذلك قول ابن المديني: كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء.
وهذا على إطلاقه فيه نظر، فإن مالكًا لم يحدث عن سعد بن إبراهيم، وهو ثقة جليل متفق عليه.
ونظير هذا قول عبد الله بن أحمد الدورقي: كل من سكت عنه يحيى بن معين، فهو ثقة.
ومن ذلك قول أبي داود: مشايخ حريز بن عثمان كلهم ثقات.
وقول أبي حاتم في مشايخ سليمان بن حرب كلهم ثقات.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
(١٧) قاعدة
قال الحسين بن فهم: ثلاثة أبيات كانت عند يحيى بن معين من أشر قوم:
المحبر بن قحذم وولده، وعلي بن عاصم وولده، وآل أبي أويس كلهم كانوا عنده ضعافًا جدًا.
أما المحبر بن قحذم فروى عن أبيه قحذم بن سليمان:
قال العقيلي: في حديثهما يعني المحبر وأباه وهم وغلط.
وأما ولد المحبر فلا يعرف منهم سوى داود، وهو ضعيف جدًا، وسئل عنه أحمد، فضحك وقال:
شبه لا شيء، (كان يدري ذاك ايش الحديث؟ ويقول أحمد على الانكار) .
وقال ابن معين عنه: لم يكن كذابًا، وكان قد سمع الحديث بالبصرة، ثم
[ ٢ / ٨٨٠ ]
صار إلى عبادان فصار مع الصوفية فنسي الحديث وجفاه، ثم قدم بغداد فجاءه أصحاب الحديث فجعل يخطىء في الحديث، لأنه لم يجالس أصحاب الحديث.
فأما بدل بن المحبر فثقة بصري ليس بينه وبين هؤلاء قرابة، وقد خرج عنه البخاري في صحيحه.
وأبان بن المحبر شامي، وهو ضعيف، وليس من هؤلاء بشيء.
ومن ولد المحبر بن قحذم الوليد بن هشام القحذمي، وقد روى الوليد بن هشام هذا عن المحبر بن قحذم عن جده، أبي قحذم، سليمان بن ذكوان عن أنس، عن النبي ﷺ أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها.
وأما علي بن عاصم:
فهو علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي يكنى أبا الحسن.
وقد رماه طائفة بالكذب منهم يزيد بن هارون وغيره.
وكذبه - أيضًا - ابن معين.
وكان أحمد يحسن القول فيه، ويوثقه، ويحدث عنه ويقول، أنه يخطىء.
[ ٢ / ٨٨١ ]
وأنكر ذلك ابن معين عليه.
ومما أنكر على علي بن عاصم روايته عن محمد بن سوقة عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله، عن النبي ﷺ: "من عزى مصابا فله مثل أجره".
وقد تابعه عليه قوم من الضعفاء. وقد سبق الكلام عليه مستوفى في كتاب الجنائز.
وأما ولد علي بن عاصم فله ابنان:
أحدهما: اسمه عاصم، وكان ابن معين يذمه، وقال مرة: كذاب ابن كذاب.
وكان أحمد يوثقه ويقول: هو صحيح الحديث قليل الغلط. وقال أيضًا هو أصح حديثًا من أبيه.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
وخرج له البخاري في صحيحه.
والآخر اسمه الحسن، وقد ضعفه ابن معين، وقال: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وقال ابن عدي: الحسن وعاصم ابنا علي خير من أبيهما، وليس لهما من المناكير عشر ما لأبيهما.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: لا يصلح من آل عاصم بن صهيب الرومي أحد أبدًا.
وأما آل أبي أويس:
فأبو أويس اسمه عبد الله بن عبيد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، ابن ابن عم مالك بن أنس.
ضعفه يحيى. وقال مرة: صدوق وليس بحجة.
وقال أحمد: صالح.
وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا.
وقال الفلاس: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق.
وقال أبو حاتم: صالح صدوق، كأنه لين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وليس بالقوي. وخرج حديثه مسلم في صحيحه.
وله ولدان:
أحدهما: إسماعيل بن أبي أويس: وقد خرج حديثه الشيخان في صحيحهما. وضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: مغفل محله الصدق.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وقال البرقاني: قلت للدارقطني: لم ضعف النسائي إسماعيل بن أبي أويس؟.
فقال: ذكر محمد بن موسى الهاشمي، وهذا أحد الأئمة، وكان أبو عبد الرحمن يعني النسائي يخصه ما لم يخص به ولده، فذكر عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: حكى لي سلمة بن شبيب عنه، قال: ثم توقف أبو عبد الرحمن.
قال: فما زلت بعد ذلك أداريه أن يحكي لي الحكاية، حتى قال لي: قال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم.
قلت للدارقطني: من حكى لك هذا عن محمد بن موسى؟
قال: الوزير كتبتها من كتابه وقرأتها عليه، يعني ابن حنرابة.
والثاني أبو بكر: واسمه عبد الحميد. وقد خرج له الشيخان.
ووثقه ابن معين وغيره. وهو أوثق من أبيه بكثير، قاله أبو داود وغيره.
وقال الدارقطني: حجة.
وضعف ابن عبد البر أبا أويس وابنيه، وقال: هم ضعاف لا يحتج بهم، ولعل مستنده في ذلك ما ذكرناه أولًا عن يحيى بن معين. والله أعلم.
ويلتحق بهؤلاء من البيوت الضعفاء، عطية بن سعد العوفي وأولاده.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
(أما عطية) فضعفه غير واحد، وقد تكرر ذكره في الكتاب غير مرة.
وأما أولاده، فقال العقيلي: عبد الله بن عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية، ولا يتابع على حديثه.
ولهما أخ ثالث يقال له: عمرو بن عطية، ويقاربهما في الضعف وقلة الضبط.
وقال البخاري: عبد الله بن عطية بن سعد العوفي عن أخيه الحسن بن عطية، هو أخو محمد، لم يصح حديثه.
والحسن بن عطية الذي روى عنه أخوه عبد الله، ذكره البخاري، وقال: ليس بذاك، وضعفه أبو حاتم. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: أحاديثه ليست نقية.
وخرج له أبو داود حديثًا واحدًا.
ومحمد بن عطية أخوهم الذي أشار إليه البخاري يروي عن أبيه، قال البخاري: يروي عنه أسيد الحمال عجائب. (وذكره العقيلي في الضعفاء فيمن اسمه محمد) .
وكذا ذكره ابن حبان، ولكنه لم يطلق عليه الجرح، لأنه تردد في نسبة النكارة الواقعة في حديثه بين أن تكون منه، أو من أبيه، أو من أسيد بن زيد الراوي عنه.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وخالف في ذلك الدارقطني، وقال: محمد ليس من أولاد عطية لصلبه، إنما هو محمد بن الحسن بن عطية.
ثم قال: (ثنا) أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني، هو ابن عقدة قال: قلت لمحمد بن سعد بن محمد العوفي: محمد بن عطية، الذي روى عنه أسيد بن زيد، من هو؟.
قال: ليس لعطية ابن يقال له محمد، إنما هو جده محمد بن الحسن بن عطية بن سعد نسبه أسيد إلى جده.
وللحسن بن عطية ولدان:
أحدهما: الحسين بن الحسن بن عطية، كان قاضي بغداد.
ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما.
والآخر محمد بن الحسن بن عطية.
قال ابن معين: ليست بمتقن، وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا نفرد، وخرج له أبو داود في كتابه.
وزعم ابن حبان أنه (محمد بن) الحسن بن سعد، ابن أخي عطية بن سعد، ووهمه الدارقطني في ذلك، وقال: إنما هو محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي بلا شك، نسبه محمد بن ربيعة الكلابي كذلك، ونسبه أيضًا
[ ٢ / ٨٨٦ ]
ابن ابنه محمد بن سعيد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد.
ومنهم محمد بن عبيد الله العرزمي. ضعيف الحديث.
وقد ذكرنا له ترجمة مفردة فيما تقدم.
وقد تكرر ذكره في الكتاب كثيرًا.
وابنه، عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله، وابنه محمد بن عبد الرحمن بن محمد كلهم ضعفاء.
قال الدارقطني فيما نقله عنه البرقاني: محمد بن عبد الرحمن متروك، وأبوه وجده، وابن أخي محمد عباد بن أحمد بن عبد الرحمن العرزمي، قال: الدارقطني: هو متروك أيضًا.
وروى ابن شاهين من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة: قال: سمعت أبي يقول: ذكرت لأبي نعيم: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، فقال: كان هؤلاء أهل بيت يتوارثون الضعف قرنًا بعد قرن.
ومنهم ولد عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو حاتم: هم ثلاثة إخوة: محمد وعبد الله وعمران أولاد عبد العزيز بن عمر، وهم ضعفاء الحديث ليس لهم حديث مستقيم. انتهى.
ولعمران ابن يقال له عبد العزيز يكنى بأبي ثابت. ويقال له - أيضًا - ابن أبي ثابت، فإن أباه يكنى بأبي ثابت - أيضًا - وهو - أيضًا - ضعيف جدًا.
ولمحمد بن عبد العزيز ابنان: أحدهما إبراهيم يروي عنه يعقوب الزهري
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وإبراهيم بن المنذر ذكره البخاري في كتاب الضعفاء (وقال: منكر الحديث، سكتوا عنه) .
وقال ابن عدي: منكر الحديث، عامة أحاديثه مناكير، ولا يشبه حديثه حديث أهل الصدق.
وقال يعقوب بن شيبة: لا علم لي به.
والآخر أحمد يروي عن كتاب أبيه، ويروي عنه عبد الله بن شبيب، ويظهر أن جميعهم ضعفاء، لأن أحاديثهم منكرة، لا توافق حديث الثقات.
ومنهم ولد سلمة بن كهيل:
وله ابنان: يحيى ومحمد. فأما يحيى فضعيف جدًا، وأما محمد فقد ضعف - أيضًا - وهو أصلح من يحيى.
وقال أبو زرعة: هو ضعيف قريب من أخيه يعني يحيى.
وليحيى ابن اسمه إسماعيل، قال فيه الدارقطني متروك.
ولإسماعيل بن يحيى ابن اسمه إبراهيم. منكر الحديث، ضعفه غير واحد.
(١٨) قاعدة
في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه.
قد ضعفه الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
فمنها: أحاديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين.
(ضعفهما أحمد ومسلم وغير واحد، وقال: أبو هريرة ينكر المسح على الخفين) فلا يصح له فيه رواية.
ومنها: أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين - أيضًا ـ، أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية.
ومنها: حديث عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء: الأطهار لا الحيض.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
ومنها: حديث طاوس، عن ابن عباس في الطلاق الثلاث. وقد سبق.
ومنها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ في فضل الصلاة على الجنازة.
ذكر الترمذي، عن البخاري أنه قال: ليس بشيء، ابن عمر، أنكر على أبي هريرة حديثه.
ومنها: حديث عائشة: "لا نكاح إلا بولي".
أعله أحمد في رواية عنه بأن عائشة عملت بخلافه.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
ومنها: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لما سئل عن الصبي: ألهذا حج؟ قال: نعم.
رده البخاري بأن ابن عباس كان يقول: أيما صبي حج به ثم أدرك فعليه الحج.
(١٩) قاعدة
في تضعيف أحاديث رويت عن بعض الصحابة، والصحيح عنهم رواية ما يخالفها.
فمن ذلك: حديث سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: "في النهي عن صلاتين: صلاة بعد العصر الحديث".
أنكره أحمد والدارقطني وغيرهما:
قال الدارقطني: المحفوظ عنها أنها قالت: "ما دخل على النبي ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين".
ومن ذلك: حديث يزيد الرشك وقتادة، عن معاذة، عن عائشة: "كان النبي ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله".
أنكره أحمد، والأثرم، وابن عبد البر وغيرهم، وردوه بأن الصحيح عن عائشة قالت: ما سبح رسول الله ﷺ سبحه الضحى قط.
[ ٢ / ٨٩١ ]
فصل
قد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم "علل الحديث"، وشرفه وعزته، وقلة أهله المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين.
وقد صنفت فيه كتب كثيرة مفردة، بعضها غير مرتبة، "كالعلل" المنقولة عن يحيى القطان وعلي بن المديني، وأحمد ويحيى وغيرهم.
وبعضها مرتبة، ثم منها ما رتب:
على المسانيد "كعلل الدارقطني"، وكذلك "مسند علي بن المديني" و"مسند يعقوب بن شيبة". هما في الحقيقة موضوعان لعلل الحديث.
ومنها ما هو مرتب على الأبواب: "كعلل ابن أبي حاتم" و"العلل" لأبي بكر الخلال، وكتاب "العلل" للترمذي، أوله مرتب وآخره غير مرتب.
وقد ذكر أبو داود في رسالته إلى أهل مكة، أنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا.
وهذا كما قال أبو داود فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك، وربما ساء ظنهم بالحديث جملة، إذا سمعوا ذلك.
وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل، وكان مقصوده بذلك الطعن في أهل الحديث جملة، والتشكيك فيه أو الطعن في غير حديث أهل الحجاز، كما فعله حسين الكرابيسي في كتابه الذي سماه "بكتاب المدلسين".
وقد ذكر كتابه هذا للإمام أحمد فذمه ذمًا شديدًا.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
وكذلك أنكره عليه أبو ثور وغيره من العلماء.
قال المروذي: مضيت إلى الكرابيسي، وهو إذ ذاك مستور يذب عن السنة، ويظهر نصرة أبي عبد الله، فقلت له: إن كتاب المدلسين يريدون أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهر أنك قد ندمت حتى أخبر أبا عبد الله.
فقال لي: إن أبا عبد الله رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه.
وقال: قد سألني أبو ثور وابن عقيل، وحبيش أن أضرب على هذا الكتاب فأبيت عليهم. وقلت: بل أزيد فيه.
ولج في ذلك وأبي أن يرجع عنه، فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يدري من وضع الكتاب، وكان في الكتاب الطعن على الأعمش والنصرة للحسن بن صالح، وكان في الكتاب: إن قلتم: إن الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج فهذا ابن الزبير قد خرج.
فلما قرىء على أبي عبد الله، قال: هذا جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذروا عن هذا، ونهى عنه.
وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث، كابن عباد الصاحب، ونحوه.
وكذلك بعض أهل الحديث ينقل منه دسائس، إما أنه يخفي عليه أمرها، أو لا يخفى عليه، في الطعن في الأعمش، ونحوه كيعقوب الفسوي، وغيره.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظًا لسنة النبي ﷺ وصيانة لها، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعلنة، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات. فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله ﷺ حقًا وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
خاتمة
وقد انتهى الكلام على كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى ورضي عنه - والله تعالى المسؤول أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وموجبًا للفوز برضوانه في جنات النعيم، وأن ينفع به صاحبه وكاتبه وقارئه، في الدنيا والآخرة وأن يجعله سببًا لإحياء علوم السنن التي هي مهجورة دائرة، وان لا يجعل ما علمنا وبالًا علينا، وأن لا يجعل سعينا ونصبنا في العلم يذهب ضلالًا، بمنه وكرمه، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، لا يرد سؤالًا ولا يخيب آمالًا.
ووجدت في آخر نسخة من نسخ الترمذي مما كتب باليمن بثغر عدن ما هذا صورته:
أنشدنا الفقيه الحافظ أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى التجيبي لنفسه في مدح أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵁:
(كتاب الترمذي رياض علم حكت أزهاره زهر النجوم)
[ ٢ / ٨٩٥ ]
(به الألفاظ واضحة أبينت بألقاب أقيمت كالرسوم)
(فأعلاها الصحاح وقد أنـ ـارت نجومًا للخصوص وللعموم)
(ومن حسن يليها أو غريب وقد بان الصحيح من السقيم)
(فعلله أبو عيسى مبينًا معالمه لطلاب العلوم)
(وطرزه بآراء صحاح تخيرها أولو النظر السليم)
(من العلماء والفقهاء قدمًا وأهل الفضل والنهج القويم)
[ ٢ / ٨٩٦ ]