القلب النقي الزكي له تمييز بين الصدق والكذب
ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها
قال ابن عُروة الحنبلي معلقًا على كلام ابن عبد الهادي في طُرُق معرفة الحديث الموضوع:
(فصل)
قال كاتبُهُ: القلبُ إِذا كان نقيًّا نظيفًا زاكيًا؛ كان له تمييزٌ بين الحقِّ والباطل، والصِّدق والكذب، والهُدى والضَّلال، ولا سيَّما إِذا كان قد حَصَلَ له إِضاءةٌ وذوقٌ مِنْ النُّور النبويِّ، فإِنَّهُ حينئذ يَظهرُ له خبايا الأمور، ودسائسُ الأشياء، والصحيحُ من السقيم.
ولو رُكِّبَ على مَتْنٍ ألفاظُه (^١) موضوعة على الرَّسول ﷺ إِسنادٌ صحيح، أو على مَتْنٍ صحيح إِسنادٌ ضعيف؛ لمَيَّزَ ذلك وعَرَفه، وذَاقَ طعمَه، وميَّزَ بين غَثِّهِ وسمينهِ، وصحيحِهِ وسقيمِهِ، فإِنَّ ألفاظَ الرَّسول ﷺ لا تخفى على عَاقلٍ ذَاقَها. ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: «اتقوا فِرَاسَةَ المؤمن، فإِنَّهُ يَنْظُرُ بنُورِ اللهِ» (^٢) رواه الترمذيُّ مِنْ حديث أبي سعيد.
_________________
(١) «ألفاظه» في (ك): ألفاظ.
(٢) رواه الترمذي (٣١٢٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ رقم (١٥٢٩)، والطبري في «تفسيره» (١٤/ ٤٦) ط/ البابي الحلبي (الحجر: ٧٥)، والعُقَيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/ ١٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٨١ - ٢٨٢) وغيرهم عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به. قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه مِنْ هذا الوجه. وانظر: «السلسلة الضعيفة» للعلامة الألباني -﵀- رقم (١٨٢١).
[ ٤٩ ]
وقال جماعةٌ مِنْ السَّلف في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أي: للمُتَفَرِّسين (^١).
وقال معاذُ بن جَبَل: إِنَّ للحقِّ منارًا كمَنَارِ الطَّريق.
وإِذا كان الكُفَّار لمَّا سمِعُوا القرآنَ في حَالِ كُفرِهم قالوا: إِنَّ له لحَلَاوة، وإِنَّ عليه لطَلَاوة، وإِنَّ أسفلَه لمُغْدِق، وإِنَّ أعلاه لمُورق، وإِنَّ له لثَمَرة، وإِنَّ له في القلوب لصَولَة؛ ليست بصولَة مُبطل (^٢). فما الظَّنُّ بالمؤمن التَّقيِّ النَّقيِّ، الذي له عقلٌ تامٌّ عند
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٤/ ٤٥ - ٤٦) ط/ البابي الحلبي (الحجر: ٧٥) عن قيس وابن أبي نجيح وابن جُريج، عن مجاهد. ورواه أبو نُعيم في «الحلية» (٣/ ١٩٤)، ومن طريقه المِزيُّ في «تهذيب الكمال» (٥/ ٨٤) عن جعفر بن محمد الصادق.
(٢) رواه الحاكم (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، والواحدي في «أسباب النزول» ص (٢٩٥)، من طريق عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي .. فذكره. قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. قلت: هكذا رواه معمر بن راشد عن أيوب متصلًا. قال يحيى بن معين: إِذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه؛ إِلا عن الزهري وابن طاوُس، فإِنَّ حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٢٤٥. وأيوب بصري! وخالفه عن أيوب نفسِه: حماد بن زيد، فرواه عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا. فيما رواه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ١٩٩). قال يحيى بن معين: ليس أحدٌ في أيوب أثبت من حماد بن زيد. «الجرح والتعديل» ٣/ رقم (٦١٧). ورواه معمر -أيضًا- عن عباد بن منصور، عن عكرمة، مرسلًا. =
[ ٥٠ ]
القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف
وُرُودِ الشُّبُهَات، وبَصَرٌ نافذٌ عند وُرُودِ الشَّهوات؟
قال بعضُ السَّلف: إِنَّ العبدَ ليَهُمُّ بالكذب، فأعرفُ مُراده قبل أنْ يتكلَّم. وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. وقد كان عُمر بن الخطَّاب له حَظٌّ مِنْ ذلك، كقصَّته مع سَوَاد بن قَارب (^١) وغيره.
فإِنَّ القلبَ الصافي له شعورٌ بالزَّيغ والانحراف في الأقوال والأعمال. فإِذا سَمِعَ الحديثَ؛ عَرَفَ مخرجَه مِنْ أين، وإِنْ لم يتكلَّم فيه الحفاظ وأهلُ النَّقْد.
فمَنْ كانت أعمالُه خالصةً لله، موافقةً للسُنَّة، مَيَّزَ بين الأشياء؛ كذِبِها وصِدْقِها، بشواهدَ تظهر له على صفحات الوجوه وفَلَتات الألسِنَة.
قال شاهُ الكرماني (^٢): مَنْ عَمَرَ باطنَهُ بدوام المُراقبة، وظاهرَهُ
_________________
(١) فيما رواه ابن جرير الطبري (٢٩/ ١٥٦) ط/ البابي الحلبي (المدثر: ١٨ - ٢٥). قال البيهقي عن هذ الأوجه المرسلة: وكل ذلك يؤكد بعضه بعضًا. ثم رواه البيهقي من طريق ابن إِسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس به. ومحمد بن أبي محمد هذا؛ قال الذهبي في «الميزان»: لا يُعرف. () رواه البخاري (٣٨٦٦) عن عبد الله بن عمر قال: بينما عُمر جالس إِذْ مَرَّ به رجل جميل، فقال عُمر: لقد أخطأ ظني، أو إِنْ هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم .. الحديث. قال الحافظ: هذا الرجل هو سواد بن قارب «الفتح» ٧/ ١٧٩. وقد بسط الحافظ ابن حجر طرق قصة سواد بن قارب في «الإصابة» (٣/ ٢١٩) ط/ دار النهضة.
(٢) هو أبو الفوارس، شاه بن شجاع الكرماني. يقال: إِنْ أصله من مَرو. من =
[ ٥١ ]
باتِّباع السُّنَّة، وغَضَّ بصرَهُ عن المحارم، وعوَّد نفسه أكلَ الحلال، لم تُخطئ له فِرَاسة (^١).
فالله سبحانه هو الذي يخلق الرُّعبَ والظُّلمة في قلوب الكافرين، والنُّورَ والبُرهانَ في قلوب المتَّقين. ولهذا ذَكَرَ الله أيةَ النور عقيب غَضِّ البصر وكَفِّ النفس عن المحارم.
وكذلك إِذا كان العبدُ صَدوق اللسان؛ كان أقوى له وأتَمَّ على معرفة الأكاذيب والموضوعات، فإِنَّ الجزاءَ مِنْ جنس العمل.
فيُثيبُ اللهُ الصادق حلاوة الصِّدق، ويَجِدُ للكذب مَضَاضةً ومرارة يَنْبُو عنها سمعُه، ولا يقبلها عقلُه.
ولما قَدِمَ وَفْدُ هوازن على النَّبيِّ ﷺ مسلمين، وسألوه أن يَرُدَّ عليهم سَبْيَهم ومالَهم، قال لهم: «أَحَبُّ الحديثِ إِليَّ أصدقُه» (^٢).
ولهذا كان كعبُ بن مالك بعد أنْ عَمِيَ إِذا تكلَّم الرَّجُلُ بين يديه بالكذب؛ يقول له: اسْكُتْ؛ إِنِّي لأجدُ مِنْ فيكَ رائحةَ الكذبِ. وإِذا سَمِعَ حديثًا مكذوبًا عَرَفَ كذِبَه. وذلك أَنَّه أجمعَ الصِّدق لرسول الله ﷺ لمَّا قَدِمَ مِنْ غزوة تبوك، وأنزل الله
_________________
(١) مشايخ الصوفية. مات قبل الثلاث مئة. انظر: «طبقات الصوفية» للسُّلمي ص (١٩٢)، «حلية الأولياء» (١٠/ ٢٣٧). () رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٣٧).
(٢) رواه البخاري (٢٣٠٧، ٢٣٠٨).
[ ٥٢ ]
يلهم الله الصادق الزكي معرفة الصدق من الكذب
﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (^١) [التوبة: ١١٩].
فإِنَّ الله سبحانه يُلهِمُ الصَّادقَ الزَّكيَّ معرفةَ الصِّدقِ مِنْ الكذب، كما في الحديث: «الصِّدقُ طُمأنينةٌ، والكَذِبُ رِيْبَةٌ» (^٢). وقال لوَابِصَةَ: «اسْتَفْتِ قلبَك» (^٣). وقد تَرَكَ النَّبيُّ ﷺ
_________________
(١) قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه؛ رواها البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩). وقال كعب بعد أنْ نزلت توبته: «يا رسول الله، إِنْ الله إِنما نجَّاني بالصِّدق، وإِنَّ من توبتي أن لا أحدِّث إِلا صِدقًا ما بقيت. فوالله ما أعلمُ أحدًا من المسلمين أبلاه اللهُ في صِدْق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني».
(٢) رواه أبو داود الطيالسي (١١٧٨)، وعبد الرزاق ٣/ (٤٩٨٤)، وأحمد (١/ ٢٠٠)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، والترمذي (٢٥١٨)، والطحاوي في «بيان المشكل» ٥/ (٢١٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٤٨)، وأبو يعلى (٦٧٦٢)، وابن حبان ٢/ (٧٢٢)، والحاكم (٢/ ١٣) و(٤/ ٩٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٧٥)، وغيرهم كثير، عن: بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوراء السعدي، عن الحسن بن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ، به. والحديث صحَّحه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حجر. انظر: «نتائج الأفكار» (٢/ ١٣٩). وله متابعات وشواهد بسطتها في تخريج أحاديث «شفاء العليل» ص (٣٣٦).
(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٢٨)، والدارمي (٢٥٧٥) ت/ حسين أسد، وأبو يعلى (١٥٨٦، ١٥٨٧)، والطحاوي في «بيان المشكل» ٥/ (٢١٣٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٢٠/ (٤٠٣) عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز الفهري، عن وَابصة بن معبد الأسدي، به مرفوعًا. قال ابنُ رجب الحنبلي: «في إِسناد هذا الحديث أمران؛ يوجب كلٌّ منهما ضعفه: =
[ ٥٣ ]
سبب دخول الزيغ والانحراف على الإنسان
قصة رجل يستطيع أن يميز بين كلام الرسول - ﷺ - وكلام غيره دون أن يسمع في ذلك بشيء
أُمَّتَه على البيضاء، ليلُها كنهارها. وهذا مِنْ أدلِّ الأشياء على ما قُلنا.
وإِنَّما يُؤتى الإِنسانُ، ويَدخلُ الزيفُ عليه والباطلُ مِنْ نَقْصِ متابعتِهِ للرَّسولِ ﷺ، بخلاف المؤمنِ المحسنِ؛ المتَّبعِ له في أقوالِه وأفعالِه. فإِنَّ أقوالَ الرَّسولِ ﷺ عليها جَلالةٌ ولها نَاموسٌ.
ولقد رأيتُ رَجُلًا إِذا سَمِعَ حديثًا مرويًّا عن النَّبيِّ ﷺ، وكان ليس مما قاله؛ يردُّه، ويقول: هذا موضوع أو ضعيف أو غريب. مِنْ غير أنْ يسمعَ في ذلك بشيء، فيُكشف عنه، فإِذا هو كما قال، وكان قَلَّ أنْ يخطئ في هذا الباب!
فإِذا قيل له: مِنْ أين لك هذا؟
يقول: كلامُ الرَّسولِ ﷺ عليه جَلالةٌ، وفيه فُحولةٌ ليست لغيره مِنْ النَّاس، وكذلك كلامُ (^١) أصحابِهِ.
وكنت أكشفُ عمَّا يقول، فأجِدُه غالبًا كما قال. وكان من أتبع النَّاس للسُّنَّة، وأقلاهم للبِدَعِ والأهواءِ. وكذلك كان يقعُ هذا كثيرًا.
_________________
(١) أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب، فإِنه رواه عن قوم لم يسمعهم (كذا! ولعلها: يُسمِّهم). والثاني: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن حبان أيضًا. وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وبعض طُرُقِه جيدة». «جامع العُلوم والحكم» الحديث (٢٧). () «كلام» في (ك): لكلام.
[ ٥٤ ]
أقام الله لهذا الدين من يحميه من وضع الوضاعين
فإِنَّ الدِّين هو فِعْلُ ما أَمَرَ الله به، وتَرْكُ ما نهى الله عنه، فمَنْ تلبَّس في باطنِه بالإِخلاص والصِّدق، وفي ظاهره بالشَّرع؛ لانت له الأشياءُ، ووَضَحَتْ على ما هي عليه. عكس حال أهل الضَّلال والبِدَع الذين يتكلَّمون بالكَذِب والتَّحريف، فيُدْخِلُون في دِيْن الله ما ليس منه.
وانظر ألفاظَ القرآن؛ لمَّا كانت محفوظةً منقولةً بالتواتر، لم يطمع مُبْطِلٌ ولا غيرُه في إِبطال شيء منه، ولا في زيادة شيء فيه، بخلاف الحديثِ، أو كثير منه، فإِن المُحرِّفين والوضَّاعين تصرَّفوا فيه بالزيادة والنُّقصان، والكذب والوَضْع في مُتُونه وأسانيده.
ولكن؛ أقام اللهُ له مَنْ ينفي عنه تحريف الغاَلين وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، ويحميه مِنْ وَضْعِ الوضَّاعين. فَبيَّنوا ما أَدخلَ أهلُ الكذب والوَضْعِ فيه، وأهلُ التَّحريف في معانيه، كمَن صنَّف في الصَّحيح؛ كالبخاريِّ ومُسلم وابنِ خزيمةَ وأبي حَاتم ابن حِبَّان (^١) وابن مَنْده والحاكم وأبي عَوانة، ونحو هؤلاء مِمَّنْ تكلَّم على الحديث الصَّحيح.
وكذلك أهلُ السُّنن؛ كأبي داود والنَّسائيِّ والتِّرمذيِّ وابن ماجه.
وكذلك أهلُ المَسَانيد؛ كمُسند أحمد ونحوه. وكمالك، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شَيبة وغيرهم. مِمَّنْ تكلَّم على الحديث.
وكذلك الذين تكلَّموا على الرِّجَال وأسانيدها؛ كيحيى بن سعيد
_________________
(١) زاد في الأصل بعد هذا الموضع: «وابن ماجه» والظاهر أن الناسخ قد انتقل نظره سهوًا إلى السطر الذي يليه.
[ ٥٥ ]
كتابي "وسيلة المتعبدين" و"تنقلات الأنوار" فيهما كثير من الموضوعات
إنكار العلماء على الصوفية إيرادهم الأحاديث الموضوعة
الأنصاري، ويحيى القطَّان، وشُعبة، وسفيان، وسفيان (^١)، وابن مَعِين، وابنِ المَدِيني، وابن مَهْدي وغيرهم.
فهؤلاء وأمثالهم هم أهل الذَّبِّ عن أحاديث رسُولِ الله ﷺ.
عكس حال مَنْ صنَّف كُتُبًا فيها مِنْ الموضوعات شيء كثير، وهُو لا يُميِّز ولا يعرفُ الموضوعَ والمكذوبَ مِنْ غيره، فيجيء الغِرُّ الجاهلُ فيرى حديثًا في كتابٍ مصنَّفٍ فيغترُّ به وينقلُه، وهؤلاء كثير أيضًا، مثل: مُصنِّف كتاب «وسيلة المتعبدين» الذي صنَّفه الشيخ: عُمر المَوْصلي (^٢). ومثل: «تنقلات الأنوار» للبكري، الذي وضع فيه مِنْ الكذب ما لا يخفى على مَنْ له أدنى مِسْكة عَقْلٍ.
بل قد أنكرَ العُلماء على أهلِ (^٣) التَّصوف كثيرًا مما ذكروه في كتبهم مِنْ الأحاديث التي يعلمون (^٤) أنها من الموضوعات، ومِن
تفاسير آيات يعلمون أَنَّها مخالفة، مع أَنَّهم قومٌ أحبُّوا الأعمالَ.
_________________
(١) كذا في الأصل و(ك) «سفيان وسفيان» مكرر، ويُحمل على: سفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عُيينة.
(٢) هو شيخ الموصل، أبو حفص، معين الدين، عمر بن خضر الإِربلي، الموصلي، الملَّاء. كان صالحًا زاهدًا، له أخبار مع نور الدين زنكي، أمر الملك نور الدين زنكي نوابه في الموصل أن لا يبرموا أمرًا حتى يعلموا الشيخ عمر الموصلي به. توفي سنة (٥٧٠ هـ). وذكر الزركلي أنه يوجد بضعة أجزاء مخطوطة من كتابه «وسيلة المتعبدين في سيرة سيد المرسلين» في معهد المخطوطات. «البداية والنهاية» (١٦/ ٤٤٦) ط/ هجر. «الأعلام» (٥/ ٦٠).
(٣) في الأصل: «أقل» والمثبت من (ك).
(٤) «يعلمون» في الأصل و(ك): يعلموا.
[ ٥٦ ]
معنى قول الإمام أحمد: ثلاثة علوم ليس لها أصول
وكذلك أهلُ التفسير، يضعون في تفاسيرهم أحاديثَ مكذوبة.
وكذلك كثيرٌ من الفقهاء؛ يستدلُّون في كُتُبهم على المسائل بأحاديثَ ضعيفةٍ أو مكذوبةٍ، ومَن لم يميِّز يَقَع في غلط عظيم، فالله المستعان.
وقد فَرَّقَ اللهُ بين الحَقِّ والباطل بأهلِ النُّور والإِيمان والنَّقْد، العَارفين بالنَّقْلِ، والذَّائِقين كلامَ الرَّسولِ ﷺ بالعقل.
وقد صَنَّفوا في ذلك كُتُبًا في الجرح والتعديل. فهذا العِلم مُسَلَّمٌ لهم، لهم فيه طُرُقٌ ومعارف يختصُّون بها. وقد قال الإِمام أحمد: ثلاثةُ (^١) عُلوم ليس لها أُصُول: المغازي والملاحم والتفسير. ومعنى ذلك: أَنَّ الغالب عليها أَنَّها مرسلَة.
وكذلك «قِصص الأنبياء» للبخاري (^٢) والثعلبي (^٣) فيها ما فيها.
والمقصود: أَنَّ الصَّادق تَمُرُّ به أحاديثُ يقطعُ قلبُه بأَنَّها موضوعة أو ضعيفة.
_________________
(١) «ثلاثة» في الأصل و(ك): ثلاث.
(٢) «للبخاري» كذا في الأصل، وفي (ك): للكسائي. ولعله إِسحاق بن بشر بن محمد بن عبد الله بن سالم البخاري، مصنِّف كتاب «المبتدأ» وهو كتاب مشهور حدَّث فيه ببلايا وموضوعات. قال ابن المديني: كذاب. قال الدارقطني: متروك الحديث. انظر: «السير» ٩/ ٤٧٧.
(٣) هو أبو إِسحاق، أحمد بن محمد بن إِبراهيم النيسابوري. وكتابه المشار إِليه اسمه «العرائس في قصص الأنبياء». توفي سنة سبع وعشرين وأربع مئة. «السير» ١٧/ ٤٣٥.
[ ٥٧ ]
الصفحة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
إذا اجتهد العبد في طاعة الله كان ترجيحه أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة
قال شيخ الإِسلام أبو العبَّاس ابن تيمية: القلبُ المعمور بالتقوى؛ إِذا رجَّح بمجرد دِراية (^١) فهو ترجيح شرعي. قال: فمتى ما وقَعَ عنده، وحصل في قلبه ما يظَنُّ معه أَنَّ هذا الأمرَ، أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله؛ كان هذا ترجيحًا بدليل شرعي.
والذين أنكروا كون الإِلهام ليس طريقًا إِلى الحقائق مطلقًا أخطؤوا. فإِذا اجتهد العبدُ في طاعة الله وتقواه، كان ترجيحُه لما رَجَّحَ أقوى مِنْ أدلَّةٍ كثيرةٍ ضعيفةٍ، فإِلهامُ مثل هذا دليلٌ في حَقِّه، وهو أقوى مِنْ كثير من الأقيسةِ الضَّعيفةِ والموهومة، والظَّواهر والاستصحاباتِ الكثيرة التي يَحتجُّ بها كثيرٌ مِنْ الخائضين في المذاهب والخِلاف وأصول الفقه.
وقد قال عُمر بن الخطَّاب: اقتربُوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإِنهم تتجلَّى لهم أمورٌ صادقة.
وحديث مكحول المرفوع: «ما أخلص عبدٌ العبادةَ للهِ تعالى أربعينَ يومًا؛ إِلا أجرى اللهُ الحِكمةَ على قلبِهِ، وأنطقَ بها لِسانَهُ» (^٢).
_________________
(١) «دراية» في ك: «رأيه».
(٢) رواه الحسين المروزي في «زوائد الزهد» لابن المبارك (١٠١٤)، وهناد بن السري في «الزهد» له (٦٩٠)، وأبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ٢٣١)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٧٠) عن أبي معاوية وأبي خالد الأحمر، عن حجاج، عن مكحول به. حجاج هو ابن أرطاة: يخطئ ويدلس. ومكحول تابعي وقد أرسله. وروي عن مكحول مسندًا متصلًا. رواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في =
[ ٥٨ ]
وفي رواية: «إِلا ظهرت ينابيعُ الحِكمةِ مِنْ قلبهِ على لِسانهِ».
وقال أبو سُليمان الدَّاراني: إِنَّ القُلوبَ إِذا أجمعت على التَّقوى جَالت الملكوتَ، ورجعتْ إِلى صاحِبِها بِطُرَفِ الفوائد، مِنْ غير أن يُؤدِّي إِليها عالمٌ عِلمًا (^١).
وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «الصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقةُ
_________________
(١) «الموضوعات» ٣/ (١٦٢٨) من طريق يزيد الواسطي، عن مكحول، عن أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ﷺ، به. قال أبو نعيم: كذا رواه يزيد الواسطي. ورواه ابن هارون، ورواه أبو معاوية عن الحجاج فأرسله. قال ابن الجوزي: يزيد الواسطي هو يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: كان كثير الخطأ وفاحش الوهم، خالف الثقات في المرويات، ولا يجوز الاحتجاج به. وحجاج مجروح .. ولا يصح لقاء مكحول لأبي أيوب. وروي من حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري. فأما حديث ابن عباس؛ فرواه القضاعي في «مسند الشهاب» (٤٦٦)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ (١٦٣٠) من طريق سوَّار بن مصعب، عن ثابت البناني، عن مقسم، عن ابن عباس، به مرفوعًا. قال ابن الجوزي: قال أحمد ويحيى والنسائي: سوَّار بن مصعب متروك الحديث. وقال يحيى مرَّة: ليس بثقة؛ ولا يكتب حديثه. وأما حديث أبي موسى الأشعري؛ فرواه ابن عَدي في «الكامل» (٦/ ٥٣٣) - ترجمة عبد الملك بن مهران، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ (١٦٢٩) من طريق عبد الملك بن مهران، ثنا معن بن عبد الرحمن، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري به. قال ابن عَدي: هذا متنه منكر، وعبد الملك بن مهران مجهول ليس بالمعروف. () رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٤) من طريق أحمد بن أبي الحواري، عن أبي سليمان.
[ ٥٩ ]
من معه نور وبرهان يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها
بُرهانٌ، والصَّبرُ ضِياءٌ» (^١). ومَنْ معه نورٌ وبُرهان وضِياء؛ كيفَ لا يعرفُ حقائقَ الأشياء مِنْ فحوى كلامِ أصحابها؛ ولا سيَّما الأحاديث النبويَّة؟ فإِنَّه يعرفُ ذلك معرفةً تامّةً؛ لأنه قاصدٌ العملَ بها، فتتساعد في حَقِّهِ هذه الأشياء مع الاقتداء ومحبَّةِ اللهِ ورسولِهِ، حتى إِنَّ المُحبَّ يعرِفُ مِنْ فحوى كلام محبُوبه مرادَه منه تلويحًا لا تصريحًا.
والعينُ تعرف مِنْ عَيني محدِّثها … إِنْ كان مِنْ حزبها أو من أعاديها
وكما قيل (^٢):
إِنارةُ العقلِ مكسوفٌ بطوع هوًى … وعقلُ عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: «لا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إِليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّه، فإِذا أحببتُهُ كنت سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَهُ التي يبطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها» (^٣). ومَن كان توفيق (^٤) الله له كذلك، فكيف لا يكون ذا بصيرةٍ نافذةٍ، ونَفْسٍ فعَّالة.
وإِذا كان الإِثمُ والبِرُّ في صُدور الخَلْقِ له تردُّدٌ وجَولان، فكيف حالُ مَنِ اللهُ سمعُه وبصرُه، وهو في قلبِهِ. وقد قال ابنُ مسعود: الإِثمُ حَواز (^٥)
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري.
(٢) «كما قيل» ليست في الأصل، واستدركت من (ك).
(٣) رواه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) في الأصل: «يوفق». والمثبت من (ك).
(٥) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الواو، وهو ما يحوزها ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن. وقيل: بتخفيف الواو، وتشديد الزاي، جمع حازّة، وهي الأمور التي =
[ ٦٠ ]
الحديث الصدق تطمئن إليه النفس والقلب
القلوبِ (^١). وقد قدَّمنا أَنَّ الكذب رِيبة، والصِّدق طُمأنينة. فالحديث الصِّدق تطمئنُّ إِليه النَّفْسُ، ويطمئنُّ إِليه القلبُ.
_________________
(١) تحزُّ في القلوب، وتحك وتؤثر، وتتخالج في القلوب أن تكون معاصي. وهذا أشهر. انظر «النهاية» (١/ ٣٧٧)، و«الترغيب والترهيب» (٢٨٤٨). () رواه الإِمام أحمد [انظر «جامع العلوم والحكم» الحديث (٢٧)]، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٣٤، ١٣٥) عن جرير. ورواه ابن أبي عمر العدني في «مسنده» [انظر «المطالب العالية» (١٦٠٥)] عن سفيان بن عُيينة. ورواه الطبراني في «الكبير» ٩/ (٨٧٤٨) عن زائدة. كلهم (جرير، وسفيان، وزائدة) عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، به موقوفًا. ورواه الطبراني في «الكبير» ٩/ (٨٧٤٩) عن زائدة، عن الأعمش، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، به موقوفًا. خالفهم: سعيد بن منصور. فرواه عن سفيان، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ. به مرفوعًا! فيما رواه البيهقي في «شُعب الإِيمان» ١٠/ (٥٠٥١). ورواية الجماعة أَولى بالصواب. قال المنذري: قيل: إِنَّ صوابه موقوف. «الترغيب والترهيب» (٢٨٤٨). قال ابن رجب: صَحَّ عن ابن مسعود، واحتجَّ به الإِمام أحمد. «جامع العلوم والحكم» حديث رقم (٢٧). قلت: احتجَّ به الإِمام أحمد في عدَّة مواضع. انظر «الورع» له ص (٤٣، ٤٥، ٤٩). قال العراقي: المعروف أنه من قول ابن مسعود .. وإسناده صحيح. «تخريج أحاديث الإحياء» جمع/ الحداد، رقم (٨٠).
[ ٦١ ]
الفطرة إذا لم تستحل شاهدت الأشياء على ما هي عليه
وأيضًا: فإِنَّ الله فَطَرَ عبادَه على الحقِّ، فإِذا لم تستحل (^١) الفِطرة؛ شاهدت الأشياء على ما هي عليه، فأنكرتْ منكرَها، وعرفتْ معروفها. قال عُمرُ: الحقُّ أبلجُ، لا يخفى على فَطِنٍ.
فإِذا كانت الفِطْرَةُ مستقيمةً على الحقيقة، منوَّرة بنور القرآن، تجلَّت لها الأشياءُ على ما هي عليه في تلك المرايا الصقيلة (^٢)، وانتفت (^٣) عنها ظُلمات الجهالات، فرأت الأمورَ عِيانًا مع غيبها عن غيرها.
وفي «السُّنَنِ» و«المُسند» وغيرِه عن النَّوَّاس بن سَمْعَان، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ضَرَبَ اللهُ مثلًا صِراطًا مُستقيمًا، وعلى جَنْبَتَي الصِّراط سُورانِ، وفي السُّورين أبوابٌ مُفتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتورٌ مُرْخاةٌ، ودَاعٍ يدعو على رأسِ الصِّراطِ، ودَاعٍ يدعو مِنْ فوقِ [الصِّراطِ] (^٤)، فالصِّراطُ المستقيمُ هو الإِسلامُ، والسُّتورُ المُرْخَاةُ حُدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفتَّحةُ مَحَارِمُ اللهِ، فإِذا أراد العبدُ أنْ يفتحَ بابًا من تِلكَ الأبوابِ ناداه المُنادي: يا عبدَ اللهِ، لا تفتَحْهُ، فإِنَّك إِنْ تفتَحْهُ تَلِجْهُ، والدَّاعي على رأس الصِّراطِ كتابُ اللهِ، والدَّاعي فوقَ الصِّراطِ واعظُ اللهِ في قلبِ كُلِّ مؤمن» (^٥).
_________________
(١) في الأصل: «تستحيل» والمثبت من (ك).
(٢) «الصقيلة» مكانها بياض في الأصل، في حين أُلحقت في هامش (ك) وظهر منها: (الصـ قـ لـ) ولعل المراد ما أثبته.
(٣) في الأصل و(ك): انتقفت.
(٤) زيادة من «المسند» للإِمام أحمد.
(٥) رواه الإِمام أحمد (٤/ ١٨٢)، والطبري في «تفسيره» (١/ ٧٥) ط/ البابي الحلبي - (الفاتحة: ٦)، والطحاوي في «بيان المشكل» ٥/ (٢١٤١)، =
[ ٦٢ ]
فقد بَيَّنَ في هذا الحديثِ العظيمِ -الذي مَنْ عَرَفَهُ انتفع به انتفاعًا بالغًا؛ إِنْ ساعدَه التوفيقُ، واستغنى به عن عُلومٍ كثيرةٍ- أَنَّ في قلبِ كُلِّ مؤمن واعظًا (^١)، والوعظُ: هو الأمرُ والنَّهيُ، والتَّرغيبُ والتَّرهيبُ، وإِذا كان القلبُ معمورًا بالتَّقوى انجلت له الأمورُ وانكشفت، بخلاف القلبِ الخَراب المظلم. قال حذيفةُ بن اليَمان: إِنَّ في قلبِ المؤمنِ سِراجًا يَزْهَرُ (^٢).
وفي الحديث الصحيح: «أَنَّ الدَّجَّال مكتوبٌ بين عينيه:
_________________
(١) و(٢١٤٢)، وابن أبي عاصم في «السُّنة» (١٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣٣)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٢٠٢٤)، والرامهرمزي في «الأمثال» (٣)، والحاكم (١/ ٧٣) وغيرهم. عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، به. ورواه أحمد (٤/ ١٨٣)، والترمذي (٢٨٥٩)، وابن أبي عاصم في «السُّنة» (١٨)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ (١١٢٣٣)، والطحاوي في «بيان المشكل» ٥/ (٢١٤٣) عن بقية بن الوليد، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس، به. قال الترمذي: حديث حسن غريب. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم؛ ولا أعرف له علّة. ووافقه الذهبي. قال ابن كثير: إِسناده حسن صحيح. «التفسير» (الفاتحة: ٦). () في الأصل و(ك): واعظ.
(٢) رواه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (١٤٣٩)، وعبد الله بن أحمد في «السُّنة» (٨٢٠) - عن أبيه وِجادة، وأبو بكر بن أبي شيبة (١١/ ٣٦) و(١٥/ ١٠٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٧٦) عن عَمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن حذيفة، به.
[ ٦٣ ]
كلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له
كافر، يقرؤه كُلُّ مؤمن، قارئٍ وغيرِ قارئ» (^١). فدلَّ على أَنَّ المؤمنَ يتبيَّن له ما لا يتبيَّنُ لغيره. ولا سيَّما في الفِتن، وينكشفُ له حالُ الكذَّاب الوضَّاع على الله ورسولِه. فإِنَّ الدَّجَّال أكذبُ خَلْقِ اللهِ؛ مع أَنَّ الله يُجْرِي على يديه أمورًا هائلةً، ومخاريقَ مزلزلةً، حتى إِنَّ مَنْ رآه افتُتِنَ به، فيكشِفُها اللهُ للمؤمن حتى يعتقد كَذِبَها وبُطلانها.
وكلما قَوِيَ الإِيمانُ في القلب؛ قَوِيَ انكشافُ الأمورِ له وعرفَ حقائقَها من بواطلها. وكلما ضَعُفَ الإِيمانُ ضَعُفَ الكشفُ. وذلك مثل السِّراج القوي والسِّراج الضَّعيف في البيت المُظلم، ولهذا قال بعضُ السَّلفِ في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] قال: هو المؤمنُ ينطقُ بالحِكمة المطابقةِ للحقِّ، وإِنْ لم يسمع فيها بالأثر. فإِذا سَمِعَ فيها بالأثر؛ كان نورًا على نور. فالإِيمانُ الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن. فالإِلهام القلبي تارة يكون مِنْ جِنْسِ القولِ والعِلم والظَّنِّ؛ أَنَّ هذا القولَ كَذِبٌ، وأَنَّ هذا العملَ باطلٌ، أو هذا أرجح مِنْ هذا وأصوب.
وفي «الصَّحيح» عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُونَ، فإِنْ يكن في أُمَّتي منهم أحدٌ فعُمَرُ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١١٣١) من حديث أنس بن مالك؛ دون قوله: «يقرؤه كل مؤمن؛ قارئ.». ورواه مسلم (٢٩٣٤) من حديث حذيفة؛ إِلا أنه قال: «كاتب وغير كاتب». مكان: «قارئ وغير قارئ».
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة. ورواه مسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة.
[ ٦٤ ]
تعريف المحدث
والمُحَدَّثُ: هو المُلْهَمُ المخاطَبُ في سِرِّه، وما قال عُمرُ لشيءٍ إِنِّي لأظنُّه كذا وكذا؛ إِلا كان كما ظَنَّ. وكانوا يَرَون أَنَّ السَّكينةَ تنطِقُ على قلبه ولسانه.
وأيضًا: فإِذا كانت الأمورُ الكونيَّةُ، قد تنكشِفُ للعبد المؤمن لقوَّة إِيمانه يقينًا وظنًّا، فالأمورُ الدِّينيَّةُ كَشْفُها له أَيسرُ بطريق الأَولى، فإِنَّه إِلى كَشْفِها أحوج. فالمؤمنُ تقعُ في قلبه أدلَّةٌ على الأشياء؛ لا يمكنه التعبيرُ عنها في الغالب، فإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لا يمكنه إِبَانةُ المعاني القائمةِ بقلبِه، فإِذا تكلَّم الكاذبُ بين يدي الصَّادق، عرف كذِبَه مِنْ فحوى كلامِه، فتدخُلُ عليه نخوةُ الحياءِ الإِيماني فتمنعُه البيانَ، ولكن هو في نَفْسِهِ قد أَخَذَ حِذْرَهُ منه، وربما لَوَّحَ أو صَرَّحَ به خوفًا مِنْ الله، وشفقةً على خَلْقِ الله؛ ليحذروا مِنْ روايته أو العمل به.
وكثيرٌ من أهل الإِيمان والكشف يُلقي اللهُ في قلبه أَنَّ هذا الطعامَ حرامٌ، وأَنَّ هذا الرَّجُلَ كافرٌ، أو فاسقٌ، أو دَيَّوثٌ، أو لُوطي، أو خمَّار، أو مُغَنِّي، أو كاذب، مِنْ غير دليل ظاهر، بل بما يُلقي الله في قلبه. وكذلك بالعكس، يُلقي في قلبه حُجَّةً (^١) لشخص، وأَنَّه مِنْ أولياء الله، وأَنَّ هذا الرَّجُلَ صالح، وهذا الطعامَ حلالٌ، وهذا القولَ صِدْقٌ. فهذا وأمثالُه لا يجوز أن يُستبعد في حَقِّ أولياء الله المؤمنين المتِّقين، وقِصَّة الخَضِر مع موسى هي مِنْ هذا الباب، وأَنَّ الخَضِر عَلِم هذه الأحوال المعينة (^٢) بما أطلعه اللهُ عليه. وهذا باب واسع يطولُ بَسْطُهُ، قد نَبَّهنا فيه على نُكَتٍ شريفةٍ تُطلِعُك على ما وراءَها (^٣).
_________________
(١) «حجة» في «مجموع الفتاوى»: «محبة».
(٢) «المعينة» كذا في الأصل و(ك)، ولعلَّ الصواب: المغيبة.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٤٢ - ٤٨).
[ ٦٥ ]
أهل الإيمان والتقوى والصدق والإخلاص؛ لهم اطلاعات وكشف وفراسات وإلهامات يلقيها الله في قلوبهم
والمقصود: قول المؤلِّف الشَّارح: إِنَّ الحديثّ الموضوعَ يُعرف كونه موضوعًا إِما بإِقرار واضعه، أو بركاكة لفظه، أو غير ذلك. وقد أشرنا فيما كتبنا فيما تقدَّم أَنَّ أهل الإِيمان والتقوى والصِدْق والإِخلاص؛ لهم اطِّلاعاتٌ وكشفٌ وفِرَاساتٌ وإِلهاماتٌ يُلقيها اللهُ في قُلوبِهم، يَعرفون بها صِدْقَ الصادق، وكَذِبَ الكاذب، ووَضْعَ الوضَّاعين، وصحيح الأخبار وكاذبها.
وقد كان أبو سليمان الداراني يُسمِّي أحمدَ بن عاصم الأنطاكي (^١): جاسوسَ القلوب؛ لِحدَّة فِرَاسته. فعليك يا أخي بالصِّدق، وإِيَّاك والكذب، فإِنَّه مجانبُ الإِيمان. واللهُ سبحانه أعلمُ بالصَّواب، وإِليه المنقلبُ والمآبُ، والحمدُ لله رَبِّ العالمين.
ولنرجعْ الآن إِلى الكلام الذي كُنَّا بصَدَدِهِ مِنْ معرفة الحديث.
_________________
(١) هو الإِمام، القُدوة، الواعظ، الزاهد. كان من طبقة الحارث المحاسبي وبشر الحافي. قال ابن كثير: له كلام حسن في الزهد ومعاملات القلوب. قال الذهبي: لعله بقي إِلى نحو الثلاثين ومِئتين. انظر: «الحلية» (٩/ ٢٨٠)، و«السير» (١٠/ ٤٨٧) و(١١/ ٤٠٩) و«البداية والنهاية» (١٤/ ٣٥٧) ط/ هجر.
[ ٦٦ ]