من مراتب التدليس: أن هناك محدثين اتهموا بالتدليس وليسوا مدلسين، كالإمام البخاري والإمام مسلم والدارقطني وأيوب السختياني، والراجح أنهم لم يكونوا مدلسين؛ وقد أجيب عن اتهامهم بإجابات معلومة.
[ ٧ / ١ ]
محدثون اتهموا بالتدليس
المرتبة الأولى من مراتب التدليس: قوم أرسلوا، فاتهمهم العلماء بالتدليس، وسنبين كيف ذلك.
[ ٧ / ٢ ]
اتهام أيوب السختياني بالتدليس
من الذين اتهموا بالتدليس: أيوب السختياني وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري، وكان زاهدًا عالمًا ثقة فاضلًا ورعًا، وكان أبعد الناس عن حب الظهور؛ ولذلك قال: لو صدق العبد ما أحب الشهرة، ولما سألوه عن علامة الصدق قال: علامة الصدق عدم حب الشهرة إلا إذا أراد الله ذلك له، فكان أيوب السختياني ثقة إمامًا، قال ابن عيينة: لحقت به فلم أر مثله، وأيوب السختياني رأى أنسًا، قال ابن حبان: رأى أنسًا وروى عنه بعض الأحاديث، فقال بعض العلماء: هو دلس عن أنس؛ لأنه لم يسمع من أنس شيئًا.
فـ أيوب السختياني رأى أنسًا وروى عنه بعض الأحاديث، وقال المصنف: ما رأيت له إلا حديثًا واحدًا عن أنس، وقال ابن حجر: أكثر من حديث.
فروى عن أنس، وقال العلماء: لم يسمع من أنس، فاتهموه بالتدليس، وكان هذا عنه نادرًا، فلذلك وضعوه في المرتبة الأولى، ونحن أردنا أن نبين أن هناك صنفًا رابعًا اتهموا بالتدليس، وبعد التحقيق وجدنا أن الحق أنهم غير مدلسين.
أيوب السختياني الثقة الثبت الفحل الزاهد العابد الورع اتهموه بالتدليس؛ لأنه قالوا: رأى أنسًا وروى عنه أحاديث ولم يسمع منه.
[ ٧ / ٣ ]
الرد على من اتهم أيوب السختياني بالتدليس
هذه المسألة معقدة، ونريد الآن الرد عليها من وجهين، قلنا: ابن حبان قال: رأى أنسًا، ثم روى عنه أحاديث، وقالوا: لم يسمع منه، وهذا له توجيهان: التوجيه الأول: توجيه البخاري ومسلم من حيث المعاصرة واللقيا.
فرواية الراوي عن شيخه الذي لقيه، من كلام البخاري، على أساس أنه اشترط اللقيا، فقال: الذي لقيه، ما قال: سمع منه، وأما على كلام مسلم ستقول: الذي عاصره، هذا الفرق بينهما، ووجه هذه المسألة: نقول: إذا قلنا بقول البخاري -وهي اللقيا- يكون هذا يُروى عنه تدليسًا؛ لأنه معاصر له، نقول: الرد في هذا عن أيوب السختياني من وجهين: الوجه الأول: تدقيق النظر في مسألة اللقيا ومسألة المعاصرة، فعند من يقول باللقيا فإنه سيقول: هذا تدليس، وعند من يقول بالمعاصرة سيقول: ليس بتدليس، بل يحمل هذا على التصريح بالسماع، وهذا كلام مسلم، وقلنا: إن هذا أوسع وأشمل، والعلماء رجحوا هذا القول: وإن قالوا: الأدق قول البخاري.
والوجه الثاني: نقول: هذا الذي حدث من أيوب إن قلنا: إنه لم يسمع من أنس، فإن هذا ليس بتدليس، وإنما هو إرسال خفي وأنزلتموه أنتم منزلة التدليس؛ لأنه عاصر أنس ولم يسمع منه، ولا توجد رواية أثبتت السماع، ولا عالم من علماء الجرح والتعديل قالوا: إنه سمع مرة واحدة منه، وقد روى عنه بالعنعنة، فنقول: هذا يسمى إرسالًا.
إذًا: أنس عاصره أيوب ورآه، وأيوب هذا من صغار التابعين وليس من كبار التابعين، ونقول: إن اللقيا كثيرة مع أنسًا؛ لأن أنس من المعمرين، وأيوب السختياني من صغار التابعين رأى أنسًا، إذًا: المعاصرة موجودة، ولكنْ لم تثبت رواية واحدة يقول فيها أيوب: حدثني أنس، إذًا: الإجابة من وجهين: الأول: إما أن نتكلم عن اللقيا والمعاصرة ونرجح كلام مسلم، وإما أن ننظر فيها من الوجه الثاني: وهو أن تكون هذه رواية الراوي عن شيخ معاصر لم يسمع منه ما لم يسمع منه، وهذا يسمى إرسالًا خفيًا، وبهذا يصح لنا أن نقول: أيوب أرسل عن أنس ولا نقول: دلَّس عنه.
فإذا سأل سائل: ما الفرق بين أن أقول: أيوب دلس عن أنس، أو أيوب أرسل عن أنس؟ أقول: إن الحفظ غير العلم، الحفظ يثبت العلم، لكن الحفظ غير العلم، فالعلم شيء والحفظ شيء، إذًا: لا بد من التدريب على التطبيق، فالفقه الذي نحن نأخذه، أضرب لكم به مثلًا: رجل أراد التوضؤ، وأراد الاغتسال، وأراد أن يفعل كذا وكذا، حتى يكون تطبيقًا عمليًا، وأنت إذا كنت تعلم الفرق بين الإرسال والتدليس، سوف آتي وأقول لك: ما الفرق بين الإرسال والتدليس؟ أنا أقول لك: أيوب قالوا عنه: يرسل عن أنس، ويدلس عن أنس، ما هو الفرق بينهما؟
الجواب
يتفقان ويفترقان، يتفقان إذا قلنا: إن أيوب قال: عن أنس، في الإرسال والتدليس، إذًا أتى بصيغة توهم السماع، وهي (عن)، ويفترقان، إذًا لما أقول: أيوب دلس، إذًا أيوب سمع أحاديث عن أنس وثبت السماع له، وهناك أحاديث ثبت عدم سماعه لها، فأتى بها بالعنعنة بالصيغة الموهمة.
الثاني: نقول: لا، الراجح أن أيوب أرسل عن أنس، معنى ذلك: أن أيوب أتى بالعنعنة برواية عن أنس وهو لم يسمعْ منه شيئًا البتة وكان معاصرًا له، فنقول: أرسل عنه.
إذًا: الأصل في ذلك أن أيوب السختياني الصحيح أنه يوضع في مرتبة الذين يرسلون لا الذين يدلسون، ولا يصح اتهامه بالتدليس.
[ ٧ / ٤ ]
اتهام الدارقطني ﵀ بالتدليس
أيضًا الدارقطني ممن اتهم بالتدليس؛ وذلك لأنه كان يروي عن البغوي، قال ابن طاهر: الدارقطني يدلس تدليسًا خفيًا، يقول فيما لم يسمعه من البغوي: قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان، فيوهم أنه سمع منه، وقد أجبنا عن مثل هذا، والصحيح الراجح: أن الدارقطني لا يتهم بالتدليس، والوحيد الذي وضعه في مراتب التدليس هو ابن حجر، ولم يضع أحد من العلماء الدارقطني في المدلسين.
[ ٧ / ٥ ]
اتهام البخاري ﵀ بالتدليس
من هؤلاء أيضًا أمير المؤمنين في الحديث، جبل الحفظ البخاري، هذا الفتى الفذ، اتهمه ابن منده، وابن حزم نقل هذا، فـ ابن منده اتهم البخاري ومسلمًا بالتدليس، فقال: إن البخاري في أجزاء أخذها إجازة أو مناولة أو مذاكرة، يقول: قال فلان، قال الشيخ فلان، كما أخذ على البخاري في حديث: قال هشام بن عمار، قال الحجاج بن منهال، قال: فهذا تدليس من البخاري، واتهم مسلمًا بنفس الاتهام.
[ ٧ / ٦ ]
الرد على من اتهم البخاري بالتدليس
والصحيح الراجح في الكلام على البخاري: أنه يروي الأحاديث تعليقًا، وبعضهم أجاب بأن قال: كانت هذه الرواية من البخاري في المذاكرة، أي: أخذها منه في مجلس التحديث، أخذها من شيخه مذاكرة، فما كان يأخذه مذاكرة يقول: قال، وما كان يأخذه في مجلس التحديث يقول: حدثنا، ويقول: سمعت، وإجابات أخرى أيضًا أن هذا تعليق، والتعليق له دواعيه؛ لأنه كان يعلق في المتابعات، والمتابعات يغتفر له فيها ما لا يغتفر في الأصل، هذه القاعدة عند المحدثين وعند الأصوليين.
وقالوا أيضًا: كان يعلق لأمور أخرى، ليس نحن الآن بصدد تفصيلها؛ لأنه ليس الكلام على معلقات البخاري الآن، لكن الغرض المقصود أنه كان يعلق لأمور عنده، فقالوا: إن خضتم في اتهام البخاري بالتدليس في قوله: (قال) عن شيخ من شيوخه، فنحن نقول: إن لم يكن تدليسًا في الإسناد فتدليس الشيوخ يلزم البخاري، قالوا: وقد دلس عن شيخه الفذ وهو الذهلي، كأن يقول: محمد بن عبد ال له أو محمد بن يحيى أو محمد ويسكت ولا ينسبه، قالوا: وهذا يُعَدُّ تدليسًا، والإجابة عن البخاري في مثل هذا، قد أجبنا عنه قبل ذلك، فهم قالوا: البخاري مدلس من وجهين: الوجه الأول: يروي عن بعض المشايخ بصيغة توهم السماع، فيقول: قال هشام بن عمار، قال الحجاج بن منهال.
قلنا: أولًا: الحجاج بن منهال أو هشام بن عمار شيخان مباشران للبخاري، فهو أخذ منهم، فلا يلزم أن نقول: إن البخاري دلس هذا الحديث ولم يسمعه منهم، بل يمكن أن يكون سماعه مذاكرة، أو يكون أتى لهذا الحديث متابعات، أو علقه البخاري لأمور أخرى عنده.
قالوا: إذًاَ: إذا فات عنه هذا، فيتهم من أمر آخر وهو تدليس الشيوخ؛ لأنه كان يقول: محمد ولا ينسبه، محمد بن عبد الله ولا يعرفه بـ محمد بن يحيى، فنقول: لا يتهم بتدليس الشيوخ، وقد أجبنا عن هذه المسألة قبل ذلك.
وقد كان البخاري متأولًا، فله تأويله، ولم يكن يطرح أحاديثه، بل كان يروي عنه ديانة، وهذا الإنصاف من البخاري، وكان يفعل ذلك ويعمي باسمه وبكنيته، لأنه لو ذكره باسمه لقالوا: قد عدلت الرجل، فيكون كلامه فيك صدقًا، فأنت إذًا تقول بخلق القرآن، فهو سيخشى على نفسه بتعديله له أن يصدق الناس كلامه في البخاري، فكان يعمي عنه، وكان لا يطرح الرواية عنه ديانة منه.
[ ٧ / ٧ ]
الرد على من اتهم مسلمًا بالتدليس
وكذلك وصفهم مسلمًا بهذا الاتهام، واتهمه أيضًا ابن منده وقال: إن مسلمًا في مقدمة الصحيح كان يروي عن شيوخه بصيغة: قال، وهذا تدليس، وهو لم يسمع منهم، والعراقي قد كفانا الرد بفضل الله، وقال: هذا الكلام من الخطأ بمكان على مسلم بالذات؛ لأن مسلمًا لم يكن عنده معلقات، فـ مسلم لم يقل: قال، في أي شيخ من شيوخه، فكل رواية في مسلم عن شيخ من شيوخه: سمعت، حدثني، أخبرني، أخبرنا، أنبأنا، حدثنا.
واتهموا أيضًا عبد الرزاق ومعمرًا، وستراجعون هذا في الكتاب، هذا هو الأولى.
وفي كل أسبوع سنأخذ راويًا من الرواة في مرتبة من المراتب نتكلم عنه في الترجمة، ونبين إن كان يدافع عنه أو يقال: إن عنعنته لا تمر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٧ / ٨ ]