التدليس هو رواية الراوي من شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، وهو أنواع، والمدلسون على مراتب، وحكم التدليس يختلف باختلاف نوعه وحال المدلس، وقد بين المحدثون حكم رواية المدلس إذا عنعن ولم يصرح بالتحديث.
[ ٤ / ١ ]
تعريف التدليس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
التدليس مأخوذ من الدلس، والدلس: هو اختلاط الظلمة، وقيل: هو من التغطية والإخفاء والستر، والظلمة فيها ذلك أيضًا.
ومن التدليس أن يبيع رجل سلعة لرجل ويخفي ما فيها من العيوب، فيجعل للمشتري الخيار في رد البيع، فهذا تدليس من البائع؛ لأنه أخفى عيب هذه السلعة، فكأن المدلس يخفي عيب الإسناد.
أما في الاصطلاح فاختلف العلماء في تعريف التدليس على أربعة أقوال، وهذه الأقوال لا تخرج عن النظر في السماع والمعاصرة والإدراك: القول الأول: قول كثير من أئمة الحديث وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر وهو: رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه.
يعني: تلميذ سمع من شيخه أحاديث ورواها هذا التلميذ عنه، ثم روى أحاديث أخرى لم يسمعها التلميذ عن شيخه بل أخذها بواسطة ثم رواها عنه بدون الواسطة، مثلًا: ابن عيينة يجلس في مجلس الزهري، وابن عيينة يروي عن الزهري، وهو ثقة لازم الزهري مدة وأخذ من أحاديثه ثم عن له أمر فرحل، فلما رحل كان الزهري يعقد مجالس التحديث، ثم رجع ابن عيينة من سفره فيجد أحاديث كثيرة قد فاتته، فيكتب الأحاديث التي فاتته من التلميذ الذي سمعها من الزهري، ثم يقول ابن عيينة: أنا أروي عن الزهري مباشرة، وأروي عنه بعلو، فكيف أنزل وأروي عنه بواسطة؟! فيأتي إلى التلميذ فيسقطه من الرواية ولا يذكره، فيقول ابن عيينة: عن الزهري، فيحدث عنه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع وعدمه وهي: عن، أو يقول: قال الزهري، ولا يصرح بالتحديث، وهذا القول رجحه الحافظ ابن حجر.
القول الثاني: التدليس هو رواية الراوي عمن عاصره ولقيه ما لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع، مثلًا: الأعمش عاصر أنس بن مالك ولم يسمع منه، فيقول الأعمش: قال أنس بن مالك سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا.
والأعمش مدلس، ورواية الأعمش عمن عاصره بصيغة ليس فيها التصريح بالسماع يعتبر تدليسًا.
القول الثالث: هو رواية الراوي عن رجل لم يسمع منه بصيغة توهم السماع، كـ مالك عن سعيد بن جبير مثلًا، أو الثوري عن إبراهيم النخعي، وهذا توسع غير مرضي؛ لأنهم ما اشترطوا المعاصرة ولا اللقاء.
ومعنى ذلك أنهم أدخلوا تحت التدليس الإرسال الخفي.
القول الرابع: أن يروي عن أي راو فوق طبقته، ولو طبقة شيوخ شيوخه، بصيغة توهم السماع، ومعنى هذا أنه سيدخل في تدليس الإرسال المطلق، وعلى هذا لن يسلم أحد من التدليس، فمثلًا: مالك قد يرسل عن سعيد بن المسيب، وهو لم يعاصره، فعلى التعريف سيكون مالك مدلسًا.
وأيضًا سعيد بن المسيب يقول: عن النبي ﷺ، فعلى هذا سيقال عن سعيد بن المسيب أعلم التابعين: مدلس، فهذا توسع من بعض العلماء غير مرضي؛ لأنه سيدخل في التدليس كثير من المحدثين الذين يرسلون؛ وفي التراجم يقولون عن الراوي: ثقة ثابت يرسل كثيرًا، مثل عامر بن شراحيل الشعبي، وهذا ليس قدحًا، فـ مالك معلوم أنه ليس معاصرًا لـ ابن المسيب، وظاهر جدًا أن هناك واسطة سقطت بين مالك وبين سعيد بن المسيب.
وأيضًا معلوم أن ابن المسيب لم يعاصر رسول الله ﷺ، فهناك واسطة سقطت، فلا يمكن أن نقول: هذا فيه إخفاء وفيه تدليس.
فهذا التعريف ليس بسديد، ولا يدخل في تعاريف التدليس، فتنحصر التعاريف الصحيحة في التدليس على ثلاثة أقوال: الأول وهو المعتمد: رواية الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، الثاني: رواية الراوي عمن عاصره وأدركه ما لم يسمع منه، الثالث: رواية الراوي عن رجل لم يسمع مه بصيغة توهم السماع.
وفي التعريف الثاني ليس شيخًا مباشرًا له، فلم يسمع منه، فهناك معاصرة لكنه لم يسمع منه، كـ الأعمش عن أنس ما لم يسمعه منه، والتعريف الثالث وإن كان له وجاهة لكنه سيخلط بين التدليس وبين الإرسال الخفي، فيصفو لنا تعريفان: التعريف الأول والثاني، والفرق بين التدليس والمرسل الخفي: أن التدليس هو الراوية عمن عاصره ولقيه، والمرسل الخفي هو الرواية عمن عاصره ولم يلقه.
إذًا: التعريف المعتمد في التدليس هو: رواية الراوي عمن لقيه أو عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة توهم السماع.
[ ٤ / ٢ ]
أنواع التدليس
التدليس ينقسم إلى نوعين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وبعضهم يجعل التدليس ثلاثة أقسام: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية.
والصحيح الراجح المعتمد عند المحققين أن التدليس تدليسان: تدليس إسناد وتدليس شيوخ، ويندرج تحت تدليس الإسناد: تدليس العطف وتدليس السكوت.
[ ٤ / ٣ ]
حكم المدلس
هل المدلس مجروح أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: قول الأصوليين، قالوا: المدلس مجروح مطلقًا، وهو قول بعض المحدثين، ووجهة نظر هؤلاء العلماء: أن المدلس يخفي الإسناد على الواقف على الإسناد، وعلى الناقد الذي يريد أن يغربل الأحاديث ويميز الأحاديث الصحيحة عن الأحاديث الضعيفة، فيخفي عليه البحث عن هذا الإسناد.
القول الثاني: القبول مطلقًا، قالوا: وليس التدليس بجرح بحال من الأحوال؛ لأن المدلس كالمرسل، هذا يسقط وهذا يسقط، وباتفاق المحدثين أن الذي يرسل غير مجروح.
القول الثالث: التفصيل، قالوا: ينظر في هذا المدلس؛ لأن المدلسين لهم أحوال: الأول: مدلس لا يدلس إلا عن ثقة، مثل ابن عيينة فإنه لا يدلس إلا عن ثقة.
الثاني: يدلس وإذا روجع ذكر من أسقط، مثلًا: إذا روى زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ، فإن قيل لـ زيد بن أسلم: سمعت هذا من أبيك؟ يقول: لا، سمعته من فلان عن أبي.
وقد ورد أن ابن عيينة روى حديثًا وأسقط فيه ثلاثة رواة، فلما روجع بين من حدث عنه.
الرابع: إذا دلس لا يدلس إلا عن الضعفاء، ويسوي فيسقط ضعيفًا بين ثقتين، وهذا شر التدليس، أي: يروي إسنادًا فيه ثقتان بينهما راو ضعيف، فيسقط الضعيف، ويكون الثقة الأول معاصرًا للثقة الثاني، وإلا سيتهم بالكذب، فيسقط الضعيف الذي بينهما.
فالأول الذي لا يدلس إلا عن ثقة كـ ابن عيينة معدل مطلقًا، فهذا يقبل ولا كلام في أحاديثه وإن عنعن.
والثاني الذي تدليسه قليل كنقطة من بحر، مثل الزهري، فتدليسه قليل بالنسبة لرواياته التي ملأت الكتب، فهذا تقبل روايته ولا يقدح فيه.
والثالث الذي يدلس وإذا روجع رجع وبين، فهذا ينظر فيمن أسقطه، فإن كان عامة من يسقط من الضعفاء فلا يقبل حديثه، وهذا جرح عند بعض العلماء، والصحيح أنه ليس بمجروح.
والرابع الذي يدلس كثيرًا عن الضعفاء وغير الضعفاء كـ الأعمش، فبعض العلماء قبلوا حديثه مطلقًا، وبعضهم قالوا: لا تقبل عنعنته بحال من الأحوال، وقيل: قد تقبل في الصحيحين ولا تقبل في غير الصحيحين، وهذا من باب إحسان الظن بالصحيحين.
والصحيح الراجح في الأعمش وأمثال الأعمش من المكثرين من التدليس: أنه لا تقبل عنعنتهم إلا في حالات خاصة، مثل: إن كان يدلس عن شيخ أكثر الحديث عنه، فطول الملازمة والصحبة تغفر له هذا التدليس، وهذا ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال، كـ الأعمش مع أبي وائل ومع أبي صالح.
وقد كان شعبة من أشد الناس على المدلسين، وقال: التدليس أخو الكذب، وقال عن نفسه: لئن يزني خير له من أن يدلس، وجاء الشافعي فقبل كلام شعبة ورجحه وأخذ به وقال: التدليس أخو الكذب، فجعل التدليس جرحًا، وهؤلاء هم الذي تشددوا وقالوا: لا تقبل أي عنعنة بحال من الأحوال من مدلس، سواء كان يدلس عن ثقة أو عن ضعيف، وهذا الكلام غير مقبول؛ لأنه تشدد ظاهر، والعلماء تتبعوا عنعنة المحدثين المدلسين فوجدوا منهم من لا يدلس إلا عن ثقة، ومنهم من يدلس قليلًا، ويكون ذلك مغمورًا في بحر أحاديثه، ولو رددنا حديثه فسنرد كثيرًا من الأحاديث التي تحتاج إليها الأمة مثل أحاديث الزهري.
[ ٤ / ٤ ]
أحاديث المدلسين المعنعنة في الصحيحين
جاءت روايات مدلسين في الصحيحين بالعنعنة، فكثير من أهل العلم يرون أن رواية المدلس في الصحيحين مقبولة، سواء كان يدلس عن ضعفاء أو غير ضعفاء، إحسانًا للظن بالصحيحين، فمثلًا: أبو الزبير يدلس عن جابر، وإذا عنعن عن جابر لا يقبل حديثه؛ لأن أبا الزبير يدلس عن ضعفاء، لكن روى له مسلم بالعنعنة، فقالوا: مسلم رجل نقاد، وليس بحافظ فقط، فهو ينتقي من أحاديث أبي الزبير ما سمعها من جابر، فكأنه يقول: هذه الرواية جاءت من طريق آخر صرح أبو الزبير بالتحديث عن جابر، فهذا اعتذار لـ مسلم حيث قد روى في صحيحه كثيرًا من أحاديث أبي الزبير عن جابر.
وبعض العلماء يرون أن الصحيحين كغيرهما، فلا نقبل عنعنة المدلس إلا إذا صرح بالتحديث، وبعض رواة الصحيحين من المدلسين تقبل روايتهم بالعنعنة لقرائن، فمثلًا الليث لا يحدث عن أبي الزبير عن جابر إلا بما سمعه أبو الزبير من جابر؛ لأنه طلب منه أن يميز له ما سمعه منه مما لم يسمعه منه.
فرواية الليث عن أبي الزبير عن جابر تقبل سواء في الصحيحين أو في غير الصحيحين؛ لأن الليث قد كفانا تدليس أبي الزبير عن جابر.
وقال شعبة كفيتكم تدليس ثلاثة: قتادة، وأبي إسحاق، والأعمش.
فإن وجدنا قتادة يروي عنه شعبة فلا ننظر في عنعنته سواء في الصحيحين أو في غير الصحيحين.
والصحيح أن الصحيحين كغيرهما، لكن ليس لأي إنسان أن يدخل في هذا الباب ويرد أحاديث بالعنعنة في الصحيحين، إلا أن ينظر في أقوال المتقدمين الذين استدركوا على البخاري بعض الأحاديث، واستدركوا على مسلم بعض الأحاديث، مثل الدارقطني والحافظ ابن حجر والإمام النووي، فقد كانوا يعتذرون لـ مسلم في بعض الأحايين، ويقرون الدارقطني في بعض الأحايين.
فرد أحاديث في الصحيحين بسبب عنعنة المدلس لا تكون إلا من المتقدمين لا من المتأخرين؛ لأن المتقدم هو الذي عاصر الرواية، وهو الذي عنده الملكة والدربة التي يمكن أن يقطع بضعف حديث موجود في الصحيحين، وهذه الروايات التي أخذت على مسلم بسبب تدليس الإسناد أو أخذت على البخاري بسبب تدليس الإسناد قليلة جدًا.
[ ٤ / ٥ ]