لقد اهتم العلماء المتقدمون رحمهم الله تعالى بأحاديث رسول الله ﷺ، فوضعوا لذلك قواعد عظيمة؛ ليميزوا كلام رسول الله ﷺ من كلام غيره، وليميزوا أيضًا الحديث الصحيح من الضعيف، وسواء كان ذلك فيما يتعلق بالمتن أو بالسند، ومن هذه القواعد الجليلة: عرض السنة على القرآن.
[ ٤ / ١ ]
قاعدة عرض السنة على الكتاب وأمثلتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع حديث النبي ﷺ ونظر الصحابة، في التفتيش العميق لمعرفة صحة هذه الأحاديث أو ضعفها، وقد قلنا مرارًا أن للصحابة الكرام قواعد مهمة قعدوها في تنقية أحاديث النبي ﷺ؛ ليعلموا هل هذا الحديث قاله رسول الله أم لم يقله رسول الله ﷺ.
ومن هذه القواعد: قاعدة عرض السنة على الكتاب، ومن أمثلة ذلك:
[ ٤ / ٢ ]
حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، وحديث: (لا يدخل الجنة ولد زنا)
حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، وفي رواية: (لا يدخل الجنة ولد زنا).
فهذا الحديث مخالف ومصادم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؛ لذلك رده العلماء ولم يحتجوا به.
[ ٤ / ٣ ]
حديث المطلقة ثلاثًا لها النفقة والسكنى
ومثال آخر: في المطلقة ثلاثًا هل لها النفقة والسكنى أم لا، فجاء في صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس: (أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ إلا أن تكون حاملًا)، والقرآن أثبت أن لها النفقة والسكنى، ولذلك قال عمر بن الخطاب: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت؟ فحكم العلماء على هذه الزيادة في مسلم بأنها ضعيفة؛ لأنها شاذة.
والقاعدة الثانية: النظر العقلي.
ولنا وقفه مع مسألة العقل، إذ العقل لا يكون حاكمًا على سنة النبي ﷺ، فالنظر لا يمكن أن يكون حاكمًا على الأثر، وإنما الأثر هو الحاكم على النظر، ولذلك ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابًا مكونًا من أحد عشر مجلدًا أسماه: (درء تعارض العقل مع النقل)، فالعقل السليم السديد لا يمكن أن يعارض النص الصريح، والعقل لا بد أن يوافق النص، لكن الصحابة رضوان الله عليهم دائمًا إذا استغربوا شيئًا نظروا بدقة نظر إلى كلام النبي ﷺ فيعرفون هل هذا من كلامه أو ليس من كلامه؟ وهل هذه الأحكام يمكن أن تكون أحكام النبي أو لا تكون أحكام النبي ﷺ؟ وأيضًا استخداموا العقل في محله الصحيح وهو: الإجابة عن بعض الروايات التي يمكن أن تستنكر.
[ ٤ / ٤ ]
حديث الوضوء مما مسته النار
مثال ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ عندما حدث عائشة وابن عباس: (أن النبي ﷺ أمر بالوضوء مما مسته النار)، فابن عباس ﵁ نظر إلى هذا الحديث نظرة تمحيصية عقلية فقال: انظر ما تقول يا أبا هريرة! فقد نظر بعقله إلى الحديث لكن لم يرده، بل وافق عليه في هذا كما سنبين.
فهو بعقله نظر إلى هذا الحديث فقال: نتوضأ مما مست النار لماذا؟! قال: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم، يعني: الماء الساخن؟ يعني هل في الماء الساخن نجاسة؟ وهل الدهن فيه نجاسة؟ وما الذي يدعوني إلى أن أتوضأ مما مسته النار؟ ولذلك نجد أن أبا هريرة قد أصل لنا أصلًا ليس بعده أصل، وقعد لنا قاعدة لكل امرئ يحترم ويقدر ويعظم حديث النبي ﷺ، ويعرف كيف الطريق إلى صحة الحديث أو ترك الحديث؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله فلا تضرب له الأمثال.
وانظروا هنا إلى فصل النزاع، وكيف أنه قيّد وحدّ العقل حتى وإن لم تستطع أن تتدبر وتتفهم ما أمر به النبي ﷺ، وكأن ابن عباس ضرب لنا مثلًا وهو: أن الأصل في الأحكام التعليل، أي: أن تكون معللة، فما العلة التي من أجلها نتوضأ مما مسته النار؟ ليس هناك علة لا نجاسة ولا انتقاض وضوء ولا شيء آخر، فـ ابن عباس ﵁ كأنه يقول: إن معظم الأحكام معللة ولا علة هنا، فلا يكون النبي ﷺ قد قال هذا الحديث.
وأراد أن يوهم أبا هريرة، فقال له أبو هريرة مؤصلًا أصلًا آخر للذين يتعلمون كيف يدارسون حديث النبي ﷺ: يا ابن أخي! إن حدثتك بحديث عن رسول الله فلا تضرب له الأمثال، وإنما قل: سمعت وأطعت، وهذه قوة من أبي هريرة ﵁ وأرضاه، لكن هو شاهد أيضًا إلى أن مدخل العقل أن ينظر إلى هذه المسألة، هل يقبلها العقل أم لا؟ فإن لم يقبلها العقل ولم يستطع أن يتفهمها ويعقلها مع ثبوتها فلا بد أن يقول: سمعت وأطعت.
[ ٤ / ٥ ]
حديث الغسل من غسل الميت
مثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: (من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).
ومقصودنا هنا المتون لا الأسانيد، وأما أسانيد هذه الأحاديث فضعيفة.
فـ عائشة ﵂ نظرت نظرة متفحصة في متن هذا الحديث فقالت: أنجس أبو هريرة الميت؟! وكذلك ابن عباس ﵁ ما سمع هذا الحديث قال: أمن عيدان أحملها أتوضأ؟ فهنا كان النظر قويًا مع السيدة عائشة وابن عباس ﵄؛ لأن النظر في التعليل يدل على أنه لا حاجة للغسل من تغسيل الميت، ولا لزوم للوضوء من حمله؛ إذ قد بين النبي ﷺ نواقض الوضوء ولم يذكر منها هذا.
فهذه دلالة كبيرة جدًا على أن الصحابة كانوا أيضًا يمحصون النظر، لكن بتأدب مع حديث النبي ﷺ، فيوهمون الراوي أو يناقشون الراوي في المتن، فإن استطاع أن يجيب لهم عن الإشكالات أخذوا الحديث سمعًا وطاعة، ولم يكن الصحابة عند ظهور هذه الأمور المشكلة يبادرون كما يبادر الجهلاء والمغرضين إلى رد حديث النبي ﷺ، أو رد كلام البخاري كما بينا قبل ذلك، فهم لم يكونوا كذلك وإنما أخذوا ينظرون ويقولون: كيف نجيب عن هذه الأدلة؟ لأننا نعلم أن الحديث إذا ثبت عن النبي ﷺ فهو حق، فلا بد أن نجيب عن هذه الأدلة، فأعملوا النظر في الأدلة، ولما رأوا أن هناك اختلافًا وتعارضًا في الظاهر بين الأدلة قالوا: ننظر نظرة ممحصة، وهنا مجال للعقل الصحيح كي يجيب عن هذه الافتراضات وعن هذه الإشكالات، حتى تصفو لنا أحاديث النبي التي هي من مشكاة واحدة.
[ ٤ / ٦ ]
أحاديث النهي عن استقبال واستدبار القبلة ببول أو غائط
مثال آخر: أحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، فهي تدع العقل يتحير فيها، قال النبي ﷺ: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها).
والحديث يحمل على العموم سواء كان ذلك في الصحراء أو في البنيان، ويعضد هذا العموم فهم الراوي وعمله، والقاعدة عند المحدثين: أن الراوي أعلم بما روى، والراوي هنا هو أبو أيوب ﵁، حيث قال: فذهبنا إلى الشام فوجدنا المراحيض قد بينت مستقبلة بيت المقدس مستدبرة القبلة، فكنا ننحرف ونستغفر الله.
ومعنى ذلك: أن أبا أيوب يرى أن ذلك على العموم، سواء في الكنف أو في الصحاري، والحديث يدل على التحريم.
فانظروا إلى عقول الصحابة، وكيف يتعاملون مع الأحاديث، فهم لم يردوها بسوء أدب مع حديث النبي ﷺ، وكذلك لم تجعلهم العاطفة يصححون حديثًا موضوعًا، فـ ابن عمر ﵁ وأرضاه (رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة).
فهذا تصريح من ابن عمر بأن النبي ﷺ فعل ذلك، فالنبي ﷺ قد فعل شيئًا ونهى عنه! فيكون قد عارض فعله قوله.
وهنا ننظر في هذا، فإما أن نرد هذا أو نرد هذا، أو نجمع بين الأدلة، ولا مجال للعقل هنا أن يرد الحديث، فننظر كيف أن ابن عمر يتعامل مع هذه الأحاديث، وهو قد علم أن النبي ﷺ نهى عنه الاستقبال والاستدبار، فقام في الصحراء وأراد أن يقضي حاجته، فأخذ راحلته فجعلها ساترًا له مقابلة للقبلة، ثم قعد يقضي حاجته، فجاء نافع فأنكر عليه فقال: يا ابن عمر! أما علمت أن رسول الله قد نهى عن الاستقبال والاستدبار للقبلة في قضاء الحاجة.
فقال ابن عمر: هذا في الصحراء لا في البنيان.
وكأن ابن عمر يقول: أنت ما فهمت عن رسول الله ﷺ ما قاله، فالنهي في الحديث إذا لم يكن بينك وبين القبلة ساتر، وأما إذا كان هناك ساتر بينك وبين القبلة فلا يحرم.
فانظروا إلى ابن عمر كيف جمع بين الروايتين، فالمرء ربما إذا نظر إلى الروايتين فسيقول: لا بد أن أرد حديثًا من الحديثين، لكن الصحيح والراجح: أن العقل مجاله هنا أن يجيب عن هذه الإشكالات، وأن يزيل الغمة التي تحدث بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وعند ذلك اختلف الفقهاء اختلافًا شديدًا في هذه المسألة، والغرض المقصود هنا أن ابن عمر لم يضرب الحديث بالحديث، لكن قال: هذا الحديث له موضع وذاك الحديث له موضع آخر، وكأنه قال: العموم الذي رواه أبو أيوب مخصوص بالبنيان.
لذا: فلو أن رجلًا دخل الحمام في بيته، وهذه الحمامات أو المراحيض قد تكون مستقبلة للقبلة أو مستدبرة لها، فيجوز له قضاء الحاجة ولا إثم عليه؛ لأن هناك ما يحجبه عن القبلة وهو: البنيان، كما فعل النبي ﷺ عندما ارتقى ابن عمر فرآه يقضي حاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة.
[ ٤ / ٧ ]
حديث النهي عن الشرب قائمًا
مثال آخر: حديث النهي عن الشرب قائمًا، وكيف يحل هذا الإشكال؟ حيث ورد من حديث أنس أن النبي ﷺ مر على رجل وهو يشرب قائمًا فقال له: (تريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه يشرب معك من هو شر منه، الشيطان).
ففي الحديث دلالة على الحرمة وأنه لا يجوز الشرب قائمًا، لكن قد ثبت عن النبي ﷺ (أنه شرب قائمًا من شن معلقة).
فهنا الصحابة أدخلوا العقل لقبول الأحاديث لا لردها كما يفعل الجهال اليوم، حيث إنهم يردون حديث النبي ﷺ إذا تعارض -في نظرهم وإلا فليس هناك تعارض- مع عقولهم القاصرة.
فجاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أرضاه: أنه توضأ ثم شرب قائمًا وقال: لأنكلن بأناس يمنعون الشرب قائمًا.
فهذا فهم من علي بن أبي طالب ثم قال: (شرب النبي ﷺ قائمًا)، وقد نهى عن ذلك، إذًا: فأكثر وأشد أحواله أن يكون الشرب قائمًا على الكراهة لا على التحريم، والمقصود من هذا كيف يفعل الصحابة في توجيه التعارض وتوجيه الخلاف أو الإشكال الذي يظهر في أحاديث النبي ﷺ.
مثال آخر: وردت أدلة للنهي عن التبول قائمًا، أولًا: من فعل النبي ﷺ، فعن عائشة بينت أن النبي ﷺ لم يبل قائمًا، بل كان يبول قاعدًا.
[ ٤ / ٨ ]
حديث النهي عن البول قائمًا
ثانيًا: من قوله، فقد جاء حديث بسند ضعيف من حديث عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ نهى عن التبول قائمًا.
وفي المقابل: ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ بال قائمًا.
فنحتاج الآن إلى التوجيه، فإما أن نرد هذا أو نرد ذاك، والصواب ألا نرد حديثًا، بل نُعْمِل العقل لقبول هذه الأحاديث؛ لأنها خرجت من مشكاة واحد.
فالتوجيه هنا: أن حديث عمر ضعيف لا يحتج به، ويبقى لنا فعل النبي ﷺ أنه بال قاعدًا وقائمًا، فتعارض الفعلان، فننظر في الهيئة والحالة التي بال عليها النبي ﷺ قائمًا، فنجد أنه بال على سباطة قوم رخوة تمتص الماء، والرشاش لا يعود منها على الثوب، فإن كان كذلك جاز له أن يبول قائمًا، وإن كانت الأرض صلبة فالرشاش سيعود على الثوب، فتقع النجاسة على الثوب، ولا يصح للإنسان أن يبول قائمًا عند ذلك، فلا يجوز أن يصلي الإنسان في ثوب نجس، لذلك يلزمه أن يجلس حتى يأمن من عودة النجاسة عليه.
[ ٤ / ٩ ]
حديث الوضوء مما مست النار
أما الرد على حديث أبي هريرة السابق: (الوضوء مما مسته النار) فهو منسوخ عند الجمهور، وقالوا: هو منسوخ كلية في لحم الجزور وفي غيره، والصحيح والراجح ما رجحته الحنابلة؛ لأن نسخ دار على كل مسخن إلا لحم الجزور فلحم الجزور يجب على من أكل لحم الجزور أن يتوضأ لماذا؟ لذا ورد في السنن أن النبي ﷺ سأله أحدهم فقال: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت -فخيرهم- فقال له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: توضأ).
فخيره في الوضوء من لحم الغنم، والتخيير يدل على الجواز، بينما أمره بالوضوء من لحوم الإبل.
وأما حديث (من غسل ميتًا فليغتسل) فهو حديث ضعيف، والصحيح الراجح: أنه لا يفعل شيئًا من ذلك، بل من غسل ميتًا فله أن يصلي ولا يتوضأ، ومن حمل ميتًا أيضًا فلا يلزمه الوضوء، لكن إن فعل ذلك على سبيل الاستحباب فله ذلك لكن لا يلزمه.
فنرى هنا كيف أن المحدثين أنفقوا الغالي والرخيص من أجل حديث النبي ﷺ، ومن أجل التفتيش على الحديث الصحيح والحديث الضعيف، ومن أجل الحفاظ على هذه المشكاة، وهذا العلم الغزير من رسول الله؛ لأن الأحكام كلها تتعلق بصحة حديث النبي ﷺ، فللمحدثين قواعد ينظرون فيها لغربلة أحاديث النبي ﷺ، سواء في المتون أو الأسانيد، فأما الأسانيد فكتب الجرح والتعديل كثيرة جدًا في ذلك، وأساليب التضعيف كثيرة جدًا، وهذا إن شاء الله لعلنا ندرسه بعدما نتكلم على كيفية نقد المتون.
[ ٤ / ١٠ ]
قاعدة ليس كل حديث صح سنده يصح متنه وأمثلتها
ننشغل الآن بمسألة نقد المتون، فهم كما قلت: أنفقوا كل ما يملكون من أجل نقد الأسانيد والمتون، ووجد من المحدثين من انشغل بنقد المتون عن نقد الأسانيد، إلا القليل منهم ممن جمع بين نقد المتون والأسانيد، وهذا انطلاقًا من قاعدة قعدها العلماء ألا وهي: ليس كل حديث صح سنده يصح متنه.
[ ٤ / ١١ ]
حديث زواج النبي ﷺ من ميمونة وهو حلال
مثال ذلك: حديث أبي رافع ﵁ الله عنه عندما عقد للنبي ﷺ على ميمونة وهو حلال، فخالف في ذلك ابن عباس ﵁ فقال: إن النبي ﷺ عقد على ميمونة وهو محرم، فـ ابن عباس قد خالف أبا رافع وخالف صاحبة القصة ميمونة ﵂ التي قالت: (ما عقد عليّ النبي ﷺ إلا وهو حلال)، فحديث ابن عباس سنده صحيح لكن متنه فيه شذوذ؛ لأن ابن عباس خالف في ذلك كما ذكرنا.
[ ٤ / ١٢ ]
حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة
وأظهر مثالين في ذلك: الأول: حديث في الصحيحين قال النبي ﷺ: (يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب) ثم بينهم بقوله (هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون).
هو فانفرد مسلم برواية (لا يرقون).
فهي شاذة، لأن النبي ﷺ قد رقى، وجبريل ﵇ قد رقى، وأمر النبي ﷺ بالرقية، فكيف نقول: بأن ذلك قدح في التوكل! فهذه الزيادة شاذة.
[ ٤ / ١٣ ]
حديث افتتاح الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين)
الثاني: حديث البسملة، وهو من حديث أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ، وخلف أبي بكر وعمر كلهم يفتتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ولا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١].
فدل ذلك على أن هذه الزيادة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] شاذة وأسانيد التي فيها ذكر البسملة موجودة في مسلم، ولكن المتن شاذ؛ لأنه مخالف الروايات الثقات.
[ ٤ / ١٤ ]
بيان العلماء الذين اشتغلوا بنقد المتن والسند معًا
وهنا
السؤال
من الذي انشغل بنقد المتن مع نقد السند؟
و
الجواب
اشتغل بذلك ابن الجوزي وابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، فقد انشغلا جدًا بمسألة المتون، وأيضًا بالأسانيد، وكذلك الإمام الشوكاني.
فهؤلاء نظروا إلى المتون ومحصوا النظر فيها، هل تصح عن النبي أو لا تصح، وهذه القواعد التي أخذوها عن السلف لم يحيدوا عنها قيد شعرة، فهي قواعد وضعها علماء الإسلام من عهد الصحابة ومن بعدهم، فصاروا على نهجهم.
[ ٤ / ١٥ ]
قاعدة عرض السنة على الكتاب وضوابطها وأمثلتها
فالقاعدة الأولى عند الصحابة للتمحيص والنظر في نقد المتون هي: عرض السنة على الكتاب، لكن لهذا العرض على الكتاب ضوابط، حتى لا ندخل في مذهب القرآنيين.
ومن هذه الضوابط: أن يكون الحديث قد خالف الكتاب من كل وجه.
ونذكر أمثلة على ذلك:
[ ٤ / ١٦ ]
المثال الأول: حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)
المثال الأول: حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، أي: الزاني والزانية وولد الزنا، وحديث: (لا يدخل الجنة ولد زنا).
فهذا الحديث مخالف للكتاب من كل وجه فلذلك رُدَّ.
[ ٤ / ١٧ ]
المثال الثاني: حديث: (استأذنت ربي أن أذهب إلى قبر أمي فأحياها الله)
حديث عائشة في السنن أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أذهب إلى قبر أمي فأذن لي، فأحياها الله فدعوتها إلى الإسلام فأسلمت، ثم ردها).
وهذا الحديث يردده السفهاء والمبتدعة، وقد صححه الإمام السيوطي عليه رحمة الله تعالى.
فـ ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وقال: هذا الحديث لا يصحح إلا من رجل عديم العلم قليل الفهم.
وهذا كلام جيد جدًا لمن يتصدى لهذا الحديث ويصححه؛ لأن ذلك يصادم مصادمة صريحة لكتاب الله جل في علاه، وذلك أن الله جل في علاه كتب على نفسه أن من مات لا يرجع إلى هذه الدنيا، فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
وهناك حديث عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسند صحيح: (أنه لا أحد إذا مات ورأى الجنة يتمنى أن يرجع إلى هذه الدنيا إلا الشهيد، فيتمنى أن يرجع ليقتل مرة ثانية في سبيل الله سبحانه جل في علاه).
إذًا: فهذا تصريح بأن الله جل وعلا كتب على نفسه أن من أماته فلا يرده مرة ثانية، فهذا أولًا.
والأمر الثاني: أن من مات فقد عاين الغيب وأصبح الغيب بالنسبة له شهادة، فلا يحتاج إلى تمحيص نظر في تصديقه؛ لأنه قد عاين الغيب.
وأيضًا ناهيك على التصريح بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وهي قد ماتت كافرة، ومن مات وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم، ولا يمكن أن ترد.
وأما الإمام الشوكاني فقد نظر في المتن -ناهيك عن أن إسناده مهلهل- فوجده يصادم الكتاب من كل وجه، فقال: لا يمكن أن يصح هذا الحديث، فهو كلام باطل؛ لأنه مصادم لكتاب الله جل في علاه من كل وجه.
فانظروا كيف أن المحدثين ينظرون إلى حديث النبي فمحصون النظر فيه تضعيفًا وتصحيحًا، فإن خالف الكتاب من كل وجه أصبح هذا الحديث لا قيمة له، ويكونون مردودًا؛ لأن الكتاب نقل إلينا بالتواتر فأصبح كالجبل الأشم الشامخ، فلا أحد يستطيع أن يتكلم فيه، فإن خولف من كل وجه فلا يمكن أن يكون هذا قد قاله النبي ﷺ؛ لأن السنة من الله كما أن الكتاب من الله، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ولذلك فإن السنة لا يمكن أن تصادم القرآن، ولذا قال الشوكاني: هذا الحديث موضوع.
وهذه المسألة صعبة جدًا، وهي على أهل البدع أصعب ما تكون؛ لأنهم كما قلت يتبنون أن أم النبي وأن أبا النبي في الجنة وليسا في النار، وأن الله قد أحياهما للنبي فأسلما على يديه محتجين بهذا الحديث الباطل.
وأقول: إن حكم أم النبي وحكم أبي النبي ﷺوإن استغرب المستغربون- أنهما في النار خالدين مخلدين فيها نعوذ بالله من ذلك، فحكمة الله اقتضت ذلك، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
وحديث أن النبي ﷺ قال: (إن أبي وأباك في النار) صريح جدًا في هذه المسألة.
وهنا يأتي إشكال من أهل البدع والضلالة في هذا الباب، فإنهم يقولون لنا: ماذا تقولون في أهل الفترة؟ وهل والد النبي ﷺ من أهل الفترة؟ فنقول: أهل السنة والجماعة يرون أن أهل الفترة ممتحنون يوم القيامة، فمن أطاع ربه منهم دخل الجنة، ومن عصى ربه منهم دخل النار.
وقبل الجواب عن هذا الإشكال نقول: أهل الفترة هم الذين م يبعث إليهم رسول، فإذا قلنا: لم يبعث لهم رسول فأبوا النبي ﷺ من أهل الفترة، وهنا
السؤال
هل أهل الفترة مطالبون بديانة معينة كدين عيسى أو دين موسى أو دين إبراهيم، فإذا كان لهم ديانة فليسو من أهل الفترة، وهنا عندنا دليلان متعارضان: الأول: أنهم من أهل الفترة؛ لأنهم لم يبعث لهم رسول، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
والثاني: ليسوا من أهل الفترة؛ لأنهم على دين إبراهيم ﵇ كما سنبين، إذًا فكيف حل هذا الإشكال؟
و
الجواب
أولًا: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ليس المقصود به الرسول بذاته، وإلا فإن الأمريكان الآن والروس الكفار مثلًا: سيكونون من أهل الفترة؛ لأنهم ما جاءهم رسول!! ولو قلنا: بأن ذات الرسول هي المقصودة في الآية فمعنى ذلك: أنه لا يمكن أن تقام الحجة إلا بالرسول، لكان المقصود بالآية هو: بلاغ الحجة، أي: أن تبلغ الحجة والرسالة، سواء كانت من الرسول، أو من وكيل الرسول، أو من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (بلغوا عني ولو آية) وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨].
فالعلماء هم الذين يقومون مقام الرسل في تبليغ الرسالة، فتنقطع الحجة بذلك.
وهنا نقول: إن والدي النبي ﷺ ما جاءهما رسول، فإن جاءتهما الحجة فهما ليسا من أهل الفترة، وإن لم تأت إليهما الحجة فهما من أهل الفترة، وهذا الذي أشكل على ابن كثير، ولذلك كان يقول: عصر ما قبل النبوة في مكة اخلتط فيه الأمران فكان فيهم من أهل الفترة حقًا؛ لأنه لم يأتهم الدين الصحيح، وفيهم من أتاه الدين الصحيح.
فوالدا النبي ﷺ جزمًا قد أتاهما الدين الصحيح والحجة الصحيحة، وهي: التوحيد، ولاسيما وأن كل إنسان كان له أن يتعبد بشريعة نبي من الأنبياء، لكن لا بد أن يكون على أصل الدين، وهو: التوحيد، ولذلك كان ورقة بن نوفل يهوديًا، ثم تنصر وأخذ بشريعة النصرانية، لكنه كان على دين التوحيد.
وأهل مكة بلغهم دين إبراهيم ﵇، لكنهم لوَّثوا دين إبراهيم، فأدخلوا على التوحيد الشرك.
ولذلك فالنبي ﷺ لما وجد التصاوير التي صورت في الكعبة كصورة إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام والعياذ بالله فقال: (كذبوا والله، قد علموا أنه لم يستقسم بالأزلام قط)، إذًا فهذه فيه دلالة من النبي على أن أهل مكة قد وصلهم دين إبراهيم النقي ولم يأخذوا به، والدليل الذي يؤكد ذلك أن النبي ﷺ جزم بأن أباه في النار فقال: (إن أبي وأباك في النار).
ففيه دلالة على أنهم قد بلغتهم الحجة؛ لأننا نقول: بأن الله لا يعذب أحدًا لم تبلغه الحجة، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٨ - ٩].
فلو احتجوا وقالوا: لم يأتنا نبي لكان لهم الحجة على الله، لحديث النبي ﷺ أنه قال في أهل الفترة: (ثلاثة أو أربعة لهم الحجة على الله ومنهم رجل لم يأته النذير، فيقول: لم يأتني رسولك، فتكون له الحجة على الله يوم القيامة، فيختبره الله فيقول له: أدخل النار، فإن دخلها كانت بردًا وسلامًا عليه، ثم بعد ذلك يدخل الجنة).
فهنا نرى أن السبب بين في أن دين إبراهيم قد وصلهم، وقد جزم بأن أباه في النار، وجزم أيضًا بأن أمه في النار عندما قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، ثم استأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي).
وهذا الحديث يعضد القول بأن دين إبراهيم قد بلغ أم النبي ﷺ، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ مَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣].
والشاهد هنا: «لِلْمُشْرِكِينَ»، فقد منع النبي ﷺ أن يستغفر لها؛ لأنها كانت مشركة، ولا توسم بأنها مشركة إلا إذا أتاها التوحيد فأشركت، فاستحقت النار، فهذه دلالة واضحة على أن أم النبي ﷺ في النار، وهذه حكمة الله البالغة، ونحمد الله على نعمة الإسلام ليل نهار، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فعم النبي في النار، وأم النبي في النار، وأبو النبي في النار، وجد النبي في النار، ولن يشفع النسب في ذلك؛ لأنه ليس بين الله وبين عباده نسب.
[ ٤ / ١٨ ]
المثال الثالث: حديث أن الخضر لا زال حيًا
المثل الثالث: الذي محصه المحدثون فعرضوه على الكتاب، فوجدوه قد خالف الكتاب من كل وجه فردوه وقالوا: هذا موضوع: (أن النبي ﷺ أخبرنا بأن الخضر يلقى إلياس كل يوم أو كل عام)، ففي الحديث دلالة على حياة الخضر، وقد تمسك بهذا الصوفية، وأن الخضر ما زال إلى الآن حيًا، وقال به بعض أهل السنة والجماعة.
فهل فعلًا أن الخضر لا زال حيًا أم لا؟ وهل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فيها دلالة على أن الخضر قد مات؟ ليس في الآية دلالة على أن الخضر قد مات، لأنه قد يموت بعد ذلك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وعلى هذا فلا نرد هذا الحديث بل نقبله.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] والدليل على أن الخضر قد مات قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد ﷺ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤] الآية، فالخضر داخل تحت هذه الآية؛ لأنه قبل النبي ﷺ، أي: لا بد أن يموت.
ومن أظهر الأدلة على أن الخضر قد مات قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١]، فيجب على الخضر إن كان حيًا أن يبايع النبي ﷺ، وأن يناصره، ولكن لم يحدث ذلك، فدل ذلك على موت الخضر.
إذًا: فهذا الحديث من كل وجه يخالف القرآن، فلا بد أن نرده ونقول: إن لم يكن موضوعًا فهو ضعيف لا يؤخذ به؛ لأنه خالف صريح الكتاب.
[ ٤ / ١٩ ]
المثال الرابع: حديث: (من أكل مع مغفور)
المثل الرابع: حديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل مع مغفور له فقد غفر له).
فلو أن رجلًا نظر إلى رجل صالح ولي من أولياء الله قد ظهرت كرامته، وقلنا: قد غفر له، أو إذا شهد النبي ﷺ للرجل بأنه مغفور له، فهل الأكل معه يجرك لأن تأخذ حكمه، فتكون مغفورًا لك؟ وإذا نظرنا إلى التقعيد العلمي الذي قعده لنا المحدثون فإننا نجد أن هذا الحديث قد خالف القرآن من كل وجه، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] فالمغفور له هذا بما كسب، وأما الثاني فكيف يكون مغفورًا له وهو لم يعمل، ولم يشهد له النبي ﷺ بذلك؟ وأيضًا هذا الحديث مصادم لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩].
وهناك آية صريحة تثبت أن أهل الفساد لن ينفعهم أهل الصلاح، وهي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠].
فالمرأة تأكل معه، وتشرب معه، وتنام معه، ومع ذلك هي في النار، فهذا صريح من الله جل في علاه يبين أن كل نفس تؤخذ بما كسبت.
[ ٤ / ٢٠ ]
المثال الخامس: حديث: (سب أصحابي ذنب لا يغتفر)
المثل الخامس: حديث النبي ﷺ: (سب أصحابي ذنب لا يغتفر) قال ابن تيمية: الوضع يلوح عليه.
فهو مصادم لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ويمكن الجمع بين الدليلين، فنقول: من سب الصحابة لدينهم وأعمالهم فهو كافر، لكن لو سب الصحابة للمشاحنات التي وقعت بينهم فهذا فسق، كأن يسب مثلًا: أتباع معاوية وأتباع علي ﵃ أجمعين، فهذا فسق كما ذكرنا، وصاحبه على خطر عظيم، لكن لا يكفر.
[ ٤ / ٢١ ]
المثال السادس: حديث: (الإيمان كالجبال الرواسي لا يزول ولا ينقص)
المثال السادس: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان في القلب كالجبال الرواسي لا يزيد ولا ينقص).
فهذا يلوح عليه علامات الضعف، وهو مصادم لقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤].
وهذه الآية صريحة جدًا في أن الإيمان يزداد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦].
ولا يمكن الجمع بينه وبين الآيات؛ لأن فيه مخالفة لصريح الكتاب وصريح السنة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] ففي هذه الآية دلالة صريحة كما كذرنا على أن الإيمان يزداد.
وكذلك الإيمان ينقص، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥] وبذلك أصبح هذا الحديث مخالف للكتاب من كل وجه، فيضعف بذلك ويرد ولا يؤخذ به، لأنه لا يمكن أن تخالف السنة الكتاب، فالسنة قد خرجت من نفس المشكاة التي خرج منها الكتاب؛ فالكتاب والسنة صنوان لا يمكن أن يختلفا، وما كان ظاهره المخالفة فإنه يحل بالتقييد والتخصيص والإطلاق وغير ذلك من علاقة السنة بالكتاب.
[ ٤ / ٢٢ ]