من أهم العلوم التي يجب الاهتمام بها نقد متون السنة، وذلك بعرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض؛ ليتبين كلام النبي ﷺ من غيره، وليعرف الإدراج والتصحيف والاضطراب والقلب في المتون؛ لتكون السنة نقية خالية مما يشوبها ويكدر صفوها.
[ ٥ / ١ ]
ظهور البدع وسبب ذلك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن البدعة قد أطلت برأسها على هذه الأمة، ولا أرى أحدًا يدافع عن السنة، وهذا بسبب ضعف طلاب العلم، فقد أتتنا ورقة من رجل يدافع عن بدعته، وقد تقدم أن بينا أن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، وذلك لأن صاحبها ينافح ويدافع عنها، بل ويقاتل عليها، فأصحاب البدع ليسوا بأغرار وليسوا بجهال، فقد أوتوا فهومًا، فتراهم يوظفون الأدلة حتى ينتصروا لبدعتهم، ومع ذلك فأهل السنة والجماعة الذين سيرهم الله على الدرب الصحيح، وعلى الطريق المستقيم والمنهج القويم لا يستطيعون الذب عن سنتهم، ولا الذب عن طريقتهم التي هي طريقة السلف، فيا حسرة على الإخوة الذين ضعفت هممهم، والذين تركوا الطلب، أو ما طلبوا العلم طلبًا صحيحًا حتى يدافعوا عن هذا الدين! إن هذا زمن قد عز فيه طلبة العلم وصاروا ندرة، وهناك غربة ثالثة، وهي أن الإخوة الذين يزعمون أنهم يطلبون العلم يطلبونه طلبًا ليس صحيحًا، ولا يتقنونه ولا يصبرون على طلبه، وقد بينت كثيرًا بأن العلم لن يأتيك وأنت على السرير أبدًا، بل البد أن تصبر على الطرق ولا بد أن تلج، فمع الصبر النصر، ومع الصبر الظفر فطلبة العلم كلما سمعوا قواعد أصولية أو قواعد حديثية قالوا: نحن لا نفهم هذا الكلام ولا نريده؛ لأنهم أدمنوا على الجلوس في مجالس الوعظ والتذكير دون مجالس العلم والطلب والمنهجية، مع أن مجالس الطلب والمنهجية هي التي تثمر، بخلاف الذي يجلس يبكي أو يتباكى من كلمات رقراقة يسمعها، فيخرج بعد ذلك فإذا صادف غير ذلك فيمكن أن يطيش به؛ لأنهم سائرون مع كل ريح فلا يستطيعون أن يثبتوا أمام أي شيء، وهذا هو الذي يحدث الآن، فطلبة العقيدة الذين يزعمون أنهم من السلفية بمكان يرون أهل البدعة ينتشرون ويدافعون عن بدعتهم، ولا يستطيع أحد الرد عليهم، فإذا كان صاحب الحق ضعيفًا لا يستطيع أن يرد بقوة أو بعلم فسيضيع الحق، ويضيع أهله.
فأنا أريد من الإخوة أن تصبروا على الطلب حتى يستوي طلبة العلم على سوقهم، فيستطيعون الذب عن دين الله جل في علاه، ويكونون شموسًا في سماء الإسلام تشرق على المؤمنين، فيستنيروا ويستضيئوا بهم.
وقد بين الشافعي أهم مميزات الطالب، أو ما يصل به الطالب إلى الارتقاء في الطلب، فالأمر الأول: أنه لا بد من الذكاء، وهذا الذكاء له مواطن، فالذكاء في اختيار الأستاذ، والذكاء في اختيار المادة، والذكاء في اختيار الطريق، ثم الذكاء لما يأتيك من النصوص.
والأمر الثاني: طول الملازمة والصبر، فلا بد من الصبر على الطلب فـ الشافعي أخذته أمه من فلسطين، ودخلت به مكة ليأخذ العلم من شيخه الزنجي، فحفظ القرآن وعمره سبع سنين، ثم ذهب يطلب الحديث عند مالك ومالك نفسه قال له: إنه سيكون لك شأن، ولم يبح له الفتوى، ثم بعدما أخذ من مالك قال: أستأذنك في الخروج إلى العراق، وهو يريد أن يذهب إلى الكوفة لينظر في مدرسة الرأي، فـ مالك قسم ماله شطرين: الشطر له ولأولاده والشطر الثاني للشافعي، وذهب الشافعي فدرس في مدرسة الرأي ورجع وقد جمع بين الحديث والرأي.
فلا بد من القوة في طالب العلم، وإن وجدته قويًا في المصطلح قويًا في الأصول، فاعلم أنه طالب علم وبالإمكان أن يكون من علماء الأمة، وأما غير ذلك فاغسل يدك منه، واعلم أنه سيكون ضعيفًا ولو في جانب من الجوانب، والأصل أنه لا بد من إتقان العقيدة.
إذن فلا بد من الإتقان، ولا بد من الصبر، ولا بد للسلفية أن ترجع كما كانت أولًا، فقد كانت المنهج الوحيد الذي يعلم الإنسان ألا يحك رأسه إلا بدليل، فهذا أحمد بن حنبل يقول: لا تأخذوا عني ولا عن سفيان ولا عن الشافعي وخذوا من حيث أخذوا، هذا هو العلم.
فطالب العلم هو الذي يعرف كيف يميز، أما الذي لا يميز فما زال موجودًا في منطقة الوسط لم يتحرك يمينًا ولا يسارًا؛ لأنه لا يعرف التمييز، فتراه لا يعرف كيف يطلب العلم، فعليه أن يقف على الخط الصحيح حتى يصل إلى منزلة طالب العلم المحترم الذي يميز بين الأدلة، ويستطاع أن يعتمد عليه، ويرجع إليه في المسائل المعضلات، وقد رأينا في مرحلة من المراحل انعدام الشيوخ؛ بسبب موتهم، فأين الذين يخرجون العلماء بعد موت هؤلاء، فالسعودية -مثلًا- لما كان ابن باز موجودًا فيها وابن عثيمين فيها علم، فلما غابت شموس العلماء أصبح كل متنطع يتكلم في الدين وكل طالب علم غير متقن يتكلم في الدين، بل حتى العوام، ومما هالني أنني تكلمت مع أحد الإخوة في مسألة البيوع وهي: أن بيع التقسيط في الذهب حرام، وهو لا يعرف أن شراء الذهب بالتقسيط ربا، ومع ذلك فهو ملتح وجالس في الأسواق يبيع ويشتري في الربا ويقع في الحرام! ولم يكلف نفسه فيجلس للتعلم، فأنت يا طالب العلم قد اصطفاك الله ولم يجعلك من الرعاع، فقد جاء عن علي ﵁ الله أنه قال: الناس ثلاثة أصناف: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
فإذا كنت لا هذا ولا ذاك، فلماذا لا تكلف نفسك فتذهب لتستفتي من يفتيك بفتوى ترضي الله ورسوله، فاستفت الذي لا يتكلم إلا بقال الله وقال الرسول.
فالجهل قد تعمق فينا وكاد يودي بالأمة، والله الذي لا إله إلا هو إن الأمة لا تموت إلا بنكاية الجهل، ولذلك ترى الدنيا تؤذن بالخراب عند ارتفاع العلم وظهور الجهل، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم وينتشر الجهل، وإن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا -وفي رواية أخرى قال: لم يبق عالم- اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
فالشاهد من هذا أن: الأمة بل الدنيا بأسرها تؤذن بالخراب عند رفع العلم، فياحسرة على العلم، فقد أصبح الناس لا يقدرون العلم، ولا يقدرون أهل العلم، وقد اختلط الحابل بالنابل، فلا يميز طالب العلم من الداعية والواعظ، وقد ذكرت لكم أن مصطفى الرافعي كان رجلًا أديبًا وليس له علاقة بالعلم، ولكنه كان من الذين يميزون بين الوعاظ وبين أهل العلم، وكان في كتابه تاريخ العرب يتكلم بدقة في التفريق بين القصاصين وبين أهل العلم، وكان يبين أن المجلس كان يكتظ بطلبة العلم عند أهل العلم.
فالقاص هو الذي يأتي بالأحاديث الموضوعة ويختلف الروايات حتى يؤثر في العامة، وهذا القاص لا يرجع إليه في العلم، ولذلك ترى أن الصحابة والتابعين ما كانوا يلتفون إلا حول أهل العلم.
فلنرجع إلى ذلك حتى تشرق شمس العزة مرة ثانية على هذه الأمة، وقد تكلمنا قبل عن كيفية أن المحدثين أنفقوا كل غالٍ ونفيس في طلب العلم، وأنهم كانوا يغربلون الروايات لتميز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف، ولمعرفة ما تكلم به النبي ﷺ وما لم يتكلم به؛ حفظًا وحراسة لعرين السنة، وحفظًا لكلام النبي ﷺ.
فهذه المسألة ليست بالهينة، فقد قال النبي ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).
[ ٥ / ٢ ]
طرق حراسة حديث رسول الله ﷺ
وهناك طرق لحراسة حديث النبي ﷺ، ومن هذه الطرق: جمع الطرق، كما قال ابن المديني: لا تعرف علل الحديث إلا بجمع الطرق.
يعني: أنك تجمع كل طرق الحديث ثم تنظر فيها حتى يتبين لك الصحيح من السقيم.
فبجمع الطرق تجني فوائد جمة، منها: معرفة المدرج من غيره، ومعرفة المضطرب من غيره، ومعرفة المقلوب من غيره، ومعرفة المصحف، ومعرفة الشذوذ وزيادة الثقة، ومعرفة التدليس والتصريح بالسماع، ومعرفة الإرسال سواء الإرسال الخفي أو الإرسال الجلي، فمعرفة أنواع الضعف في الحديث لا يستطيعها إلا من جمع شتات الطرق ونظر في كل طريق، فعلم المزيد في متصل الأسانيد، وعلم الزيادات، وعلم الإدراج، وهذا يعرفه المحدثون بطول السفر والرحلة، فقد أنفقوا أموالهم في سبيل علم الحديث، فهذا يحيى بن معين أنفق ألف ألف درهم -أي: مليون درهم- على حديث النبي ﷺ، بل ليس على الحديث فقط، بل وعلى رجال السند؛ حتى يميز بين المتقن الضابط الثقة، وبين الصدوق الذي يهم، وبين الضعيف المجروح، وبين الكذاب الوضاع، فأنفق كل هذه الأموال من أجل أن يعلم أن هذا الراوي متقن أو ليس بمتقن.
والبخاري أنفق ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم لمعرفة حديث النبي ولمعرفة الرجال، وكتاب التاريخ الكبير شاهد على ذلك.
وهناك قصة لطيفة كانت بين إسحاق بن راهويه وبين أحمد، لنعلم كيف يرجع العلماء إذا وقعوا في الخطأ إلى الحق، فـ إسحاق بن راهويه كان مع أحمد بن حنبل في مكة فذهبا لسماع الحديث من ابن عيينة شيخ الشافعي، فقال أحمد لـ إسحاق: تعال سأريك رجلًا لم تر عينك مثله، قال: من؟ قال: هذا، فنظر إلى الشافعي فوجدوه صغير السن، فقال إسحاق: أأترك ابن عيينة وأذهب إلى هذا الحدث الشاب الصغير؟ فقال أحمد -لأن الله أعطاه تركيزًا في العلم وأعطاه تقى وأعطاه علمًا، فإن فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو خذه من غيره بنزول، وإن فاتك العلم من هذا الشاب لن تجده عند غيره.
فانظروا إلى دقة النظر، وهذا هو الذي أقره إسحاق بعدما قابل الشافعي.
إذا فاتك الحديث بعلو السند فستجده بسند نازل فتنزل بطبقة عن المحدث، فإذا كان بين سفيان بن عيينة وبين النبي ثلاثة فسيكون بين تلميذ ابن عيينة وبين النبي أربعة.
والعلو ممدوح عند المحدثين، ودليل ذلك قول أحد المحدثين عند موته لما سئل: ما تشتهي؟ قال: بيت خالٍ وإسناد عالٍ، فهو يتمنى أن يعلو السند بينه وبين النبي ﷺ.
فـ أحمد بين لـ إسحاق أن فقه المتن مهم جدًا، فإذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه، وفهم المتن مهم جدًا، وهنا فهم المتن محله العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وهذا كان عند الشافعي، فذهب إسحاق فجلس كما قال له أحمد، فحدثت مناظرة بين الشافعي وإسحاق؛ لأن الشافعي يقول: إن مساكن مكة ممكن أن تباع وتشترى، وكان إسحاق بن راهويه فقيهًا ويرى أنها لا تباع ولا تشترى، فتكلم عن الشافعي بكلام لا يليق، فـ الشافعي كان فطنًا ففهم أنه يرطن رطن أهل فارس على الشافعي، فقال الشافعي: تناظر؟ قال: أناظر، فقال: قد حدثني ابن عيينة عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ترك لنا عقيل من رباع) يعني: من بيوت، فقال: هذا الحديث هو دليلي، فنظر إسحاق بن راهويه نظرة إلى الشافعي وكأنه يقلل من شأنه، لأن ابن راهويه ما فقه الحديث وما فهمه، فقال: يا هذا! حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة أنها كانت لا ترى بيع بيوت مكة.
وحدثني فلان عن فلان عن الزبير بن العوام أنه ما كان يرى ذلك، وحدثني فلان وعدد خمسة من الصحابة أنهم كانوا لا يرون ذلك.
فضحك الشافعي فقال: من هذا؟ قالوا: هذا إسحاق بن راهويه.
قال: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك، فقال: ليتني بك طفلًا صغيرًا أعرك أذنك، وهذه تربية قوية من الشافعي لـ إسحاق، ولذلك إسحاق لما خرج قال: ليتني لازمت هذا الرجل، فقال: ليتني بك طفلًا صغيرًا أعرك أذنك، أقول لك: قال رسول الله وتقول لي: قالت: عائشة، وتقول لي قال الزبير؟! فهذه دفاع عن السنة، فلما ولى إسحاق وجلس مع أحمد قال: والله! ما فهمت هذا الحديث إلا الآن، ليتني لا زمت هذا الرجل.
وقيل: إن إسحاق أخذ كتب الشافعي فأكب عليها حتى يتعلم الفقه على يد الشافعي.
فالمقصود: أن هؤلاء العلماء كانوا يفعلون ذلك ويعرفون مقدار أهل العلم ويجلسون أمامهم ويتعلمون منهم العلم.
وأما تفسير الحديث: فالنبي ﷺ قيل له إذا نزلت مكة فأين المكان الذي تنزل فيه؟ فقال: (ما ترك لنا عقيل من رباع) لأن عقيلًا كان على الكفر آنذاك، ومات أبو طالب وترك البيوت التي كانوا يملكونها في مكة، فورثها عقيل، فباعها عقيل فأقر النبي ﷺ الورث، وأقر أيضًا البيع، فلما فقه إسحاق ذلك انكب على كتب الشافعي.
فالمقصود أن هؤلاء كانوا يعرفون مقدار العلماء فيجلسون معهم، ويعرفون كيف يمحصون النظر في أهل العلم الذين يأخذون منهم العلم.
وإسحاق -هو شيخ البخاري - نظر في التاريخ الكبير للبخاري فدخل به على أمير في خراسان فقال له: سأريك سحرًا أرأيت هذا؟ فـ البخاري أنفق ماله للمتن ولعلم الرجال، والتاريخ الكبير شاهد على ذلك، وكذلك يحيى بن معين.
فكانوا ينفقون أموالهم من أجل معرفة الرجال، ومن أجل المتون.
[ ٥ / ٣ ]
تعريف المدرج
ومبحثنا في المتون في معرفة المدرج من الطرق، ومعرفة المضطرب والمقلوب، فنقول: أولًا: معرفة المدرج، الإدراج لغة: إدخال الشيء في الشيء.
وأما اصطلاحًا: فإن الإدراج أو المدرج هو: دخول ما ليس من كلام النبي في كلام النبي دون فاصل أو دون تبيين، يعني: دخول كلام في المتن ليس منه دون فاصل أو دون تبيين بأن هذا الكلام ليس من كلام النبي ﷺ.
[ ٥ / ٤ ]
أسباب الإدراج
إن أسباب الإدراج كثيرة منها: تطوع الراوي بتفسير لغة الحديث، بأن تأتي كلمات من النبي ﷺ لا تفهم، فلدخول العجمة في الناس يريد الراوي أن يبين للناس معنى هذه الكلمة، فيفسر الكلمة في الحديث ولا يفصل بينها وبين قول النبي ﷺ.
ومنهما: ذهول الراوي، فينظر الشيخ في شيء -مثلًا- يعجبه فيتكلم به، فالسامع يظن أن هذا من حديث النبي ﷺ.
ومنها: أن يتبين الراوي حكمًا معينًا فيتكلم بهذا الحكم وهو يروي الحديث دون أن يفصل بين كلامه وبين كلام النبي ﷺ.
وهذا يستوجب الضعف؛ لأنه نسب للنبي كلامًا ليس من كلامه.
فإن قيل: هل يحكم على كل الحديث بالضعف؟ ف
الجواب
إنما يحكم بالضعف على جزئية الإدراج، لا سيما أنه قد جاءت روايات أخرى تبين صحة الحديث دون هذه اللفظة.
مثال ذلك: حديث عائشة ﵂ وأرضاها في بدء الوحي قالت: (وكان النبي يتحنث الليالي في غار حراء، قالت: ويتحنث يتعبد)، هذه الرواية جاءت من طريق الزهري بهذا النص، ثم في الروايات الأخريات التي جمعها العلماء وجدوا أن الرواية من غير طريق الزهري فيها قول عائشة وكان يتحنث دون أن تقول: والتحنث هو التعبد، فعلمنا أن هذه الزيادة من الزهري زادها تفسيرًا لمن يسمع منه الحديث، فإنهم قالوا له: ما التحنث؟ فقال: والتحنث التعبد، فالسامع كتب الحديث عن الزهري على أن كل هذا من كلام النبي ﷺ، فالعلماء لما جمعوا الطرق وجدوا أن الثقات الأثبات رووا هذا الحديث من غير كلمة التحنث، فعلموا أن تفسير التحنث هذا مدرج من كلام الزهري.
وحديث عائشة هذا الذي تتحدث فيه عن النبي ﷺ هو مرفوع حكمًا، وليس مرفوعًا تصريحًا؛ لأن التصريح فيما إذا قالت: قال رسول الله ﷺ، أو فعل رسول الله ﷺ، أو أقر رسول الله ﷺ، وأما الحكمي فمثل أن تذكر كلامًا ليس محلًا للاجتهاد، ولا يمكن أن يقال إلا عن طريق الوحي، كقول ابن مسعود: (ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، وهذا الكلام من ابن مسعود له حكم المرفوع.
وحديث عائشة وإن كان مرسلًا لكن القاعدة عند العلماء: أن مرسل الصحابي صحيح؛ لأن الله أنزل عدالتهم من فوق سبع سماوات، وإن كان بعض المحدثين قد خالف في ذلك وقال: مرسل الصحابي كغيره، ونقول له: لا؛ لأن الأصل أن الصحابي إذا أخذ فإنه يأخذ من صحابي ولا يأخذ من تابعي، فالأصل أنه يأخذ بعلو ولا يأخذ بنزول، وإذا قلت لنا بأن ابن عباس أو غير ابن عباس قد أخذ بنزول، فنقول: إن هذا نادر، والنادر لا حكم له، فالصحيح أن مرسل الصحابي صحيح.
وعلى هذا فحديث عائشة ﵂ وأرضاها وإن كان مرسلًا فهو صحيح.
[ ٥ / ٥ ]
أمثلة على المدرج
وبجمع الروايات يتبين لنا الإدراج، فمثلًا: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه الذي رواه شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ الله عنه قال: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فهذا الكلام كله كأنه من كلام رسول الله ﷺ، لكن العالم النحرير الذي اجتهد وجمع الطرق ومحص النظر وجد في الرواية التي رواها آدم عن شعبة قال: فقال محمد بن زياد: فقال أبو هريرة: أسبغوا الوضوء؛ فإني سمعت أبا القاسم يقول: (ويل للأعقاب من النار)، فالمدرج في الحديث قوله: (أسبغوا) وهذا من قول أبي هريرة.
فإذا روى الراوي وجاءك المحدث أو الخطيب فقال: قد قال رسول الله ﷺ: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فقل له: لا بد أن تفصل كلام أبي هريرة عن كلام النبي ﷺ.
فلا تنسب قول أبي هريرة إلى النبي؛ حتى لا تكون ممن ينطبق عليه حديث النبي ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وإن كان مخطئًا لكنه لا يؤاخذ بإذن الله على ذلك، لكن لا بد أن يحرر المقام.
وأيضًا من الأمثلة التي تبين لنا كيف كان العلماء يعرفون الإدراج من خلال جمع الطرق، حديث ابن مسعود في التشهد، فـ ابن مسعود هو أروى الناس في باب التشهد، فقد روى ابن مسعود هذا الحديث وقال بعدما روى الحديث ونسبه إلى رسول الله: (فإذا فرغت فقد قضيت صلاتك، فإن شئت فقم وإن شئت فامكث).
أي: كن على ما أنت عليه، فإن شئت فقم، وإن شئت لم تقم.
فتعلق الأحناف بهذا الحديث؛ لأنهم قالوا: لو أخرج الريح بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فصلاته صحيحة؛ لأنه قد انتهى من صلاته بنص الرواية، فإنه قال: فقد فرغت من صلاتك أو فقد قضيت صلاتك.
فهذا الحديث فتش عنه العلماء الجهابذة حتى يفصلوا بين قول النبي وقول غير النبي ﷺ، وأتوا بالأسانيد عن علقمة، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود؛ فإنه بعدما روى حديث النبي ﷺ (التحيات لله) فقال ابن مسعود: فإذا فرغت فقد قضيت صلاتك، فإن شئت قم وإن شئت لم تقم.
ولذلك أجمع الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من قول ابن مسعود، ولا تدخل في الحكم ولا تنتهي الصلاة إلا بالتسليم؛ لقول النبي ﷺ: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم).
وأيضًا من الأمثلة التي تثبت لنا الإدراج حديث فضالة عن النبي ﷺ قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء لله جل في علاه) فقال: والزعيم الحميل، وهذا الحديث أيضًا بجمع العلماء لطرقه وجدوا أن قول: الزعيم الحميل ليس من قول النبي، بل هو من قول الراوي الذي أدرج في قوله النبي غير قوله.
وهنا بعض الأمور التي اتخذها العلماء ليعرفوا الإدراج، منها: استحالة قول النبي هذا القول، فمثلًا: في حديث أبي هريرة أنه تكلم بكلام وتمنى أمنية لا يمكن أن يتمناها رسول الله ﷺ، فهذا يستحيل أن ينسب للنبي ﷺ، ونص حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (للملوك أجران) ثم قال: (ولولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لتمنيت أن أموت وأنا مملوك).
فالإدراج من قوله: (ولولا الجهاد) إذ كيف يتمنى النبي ﷺ أن يكون مملوكًا وهو أكرم الخلق على الله وهو سيد الأولين والآخرين، فيستحيل أن تكون هذه أمنية النبي ﷺ.
والأمر الثاني: أنه لما بعث وأوحي إليه كانت أمه قد ماتت، بل لما استأذن الله جل في علاه أن يستغفر لها لم يأذن الله له أن يستغفر لأمه.
وأيضًا جاء في حديث آخر عن ابن مسعود في قول النبي ﷺ: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، ونبدأ بذكر معنى الحديث فنقول: الطيرة التي هي التشاؤم، وهي سوء ظن بالله جل في علاه، وسوء الظن بالله معصية، وهي شرك أصغر، وقد كان بعضهم يتشاءم من الطير، فإذا ذهب الطير يمينًا تيمن وقال: هذه بركة فيسافر، وإذا ذهب يسارًا تشاءهم وقال: لا تكون البركة في الشمال، فلا يخرج، فهذا شرك أصغر؛ لكونه اتخذ سببًا لم يشرعه الله جل في علاه، والذين يعتقدون أن النفع والضر بيد الله لا يفعلون ذلك، فمن اعتقد بأن النفع والضر بيد الله ثم اتخذ سببًا لم يشرعه الله فقد أشرك شركًا أصغر مثل أن يقول: يوم الأربعاء يوم نحس تنزل فيه البلايا، أو ينظر إلى امرأة عجوز فيقول: أنا لن أذهب إلى العمل اليوم؛ لأن هذه المرأة شؤم علي ستأتيني بالفقر، كما يقولون.
فنقول له: من الذي بيده الفقر هل هي المرأة؟ فيقول: لا، بل ذلك بيد الله جل في علاه، لكن المرأة هذه سبب، فإن اعتقد أن المرأة سبب والاعتقاد عنده أن النفع والضر بيد الله فهذا شرك أصغر.
وأما إذا كان الاعتقاد في الطير نفسها أو في المرأة نفسها أو في المتشاءم به بأنه هو الذي ينفع ويضر فهذا اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فيصبح بذلك كافرًا كفرًا أكبر، وتصير الطيرة هنا شركًا أكبر.
فقوله في هذا الحديث: (الطيرة شرك وما منا) أي: وما منا إلا ويقع في التشاؤم، وهذا هو الذي يثبت لك أنها ليست بشرك أكبر.
وقوله: (ولكن يذهبه التوكل) هذا فيه خلاف عريض بين المحدثين فيمن قاله، والصحيح الراجح أن هذا من قول ابن مسعود، فقوله: (الطيرة شرك) من قول النبي، لكن قوله: (وما منا إلا) من قول ابن مسعود يعني: أنه يقع في قلبه التشاؤم، وهذا سوء ظن بالله، وهذا قادح في التوكل، وهذا لا يمكن أن يكون عند كامل التوحيد رسول الله ﷺ، بل هذا من عند الصحابة، لكنهم يدفعونه بالتوكل، ولذلك بين النبي ﷺ أن من وقع في قلبه شيء من الطيرة فليقل: (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يأتي بالخير غيرك، ولا إله غيرك) فهذا توحيد خالص.
فأنت يا ربنا الذي تتحكم في الكون يمينًا ويسارًا، وأنت الذي تنفع وأنت الذي تضر، وهذه الكلمات كلها تبين أن عليك أن تعتقد وتسير ولا يمنعك التطير، فإن منعك فقد وقعت في الطيرة؛ لأن الطيرة هي التي تحرك صاحبها إقبالًا أو إدبارًا، لكن لو وقع في قلبه شيء ولم تؤثر عليه إقبالًا ولا إدبارًا فليس هذا من التشاؤم، ولا يقع تحت طائلة الحديث.
والمقصود: أن العلماء نظروا في هذا الحديث فقالوا: يستحيل أن يقع هذا في قلب النبي ﷺ، فيكون هذا الكلام جزمًا من كلام ابن مسعود وليس من كلام النبي ﷺ.
[ ٥ / ٦ ]
معرفة الحديث المضطرب
لكي يكون الحديث مضطربًا لا بد من شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون رواياته ظاهرها التعارض.
الشرط الثاني: التساوي في القوة، بمعنى أن هذه الرواية في الصحيح وهذه في الصحيح، وهذا الراوي ثقة ثبت، والآخر ثقة ثبت، فلا تأتي بصدوق يهم وتعارض به الثقة الثبت.
الشرط الثالث: عدم إمكان الجمع.
والاضطراب أيضًا يضعف به الحديث، ويجعلنا نتوقف فيه، والاضطراب محل تفصيله في المصطلح لكن بعض العلماء لم يجد مثلًا على الاضطراب، وذلك لأن كثيرًا من العلماء -ومنهم الشافعي، وهو أولهم وسيدهم- كان يقول: ائتوني بأي أدلة ظاهرها التعارض أجمع لكم بينها.
وهناك كتاب مشهور جدًا في الجمع بين الأدلة المختلفة، وهو كتاب (تأويل مختلف الأحاديث) لـ ابن قتيبة وكتابه هذا من أمتع الكتب في ذلك، ومقصوده الجمع بين الروايات.
وهناك حديث يمكن أن نجعله مثلًا على المضطرب وهو حديث فاطمة بنت قيس عند الترمذي وابن ماجة وفيه: (أن النبي ﷺ سئل: هل في المال حق سوى الزكاة؟) فجاءت رواية عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: (إن في المال لحقًا سوى الزكاة) فأثبتت هذه الرواية أن في المال حقًا سوى الزكاة، قال: (إن في المال لحقًا سوى الزكاة، وقرأ قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]) إلى آخر الآيات.
والرواية الثانية جاءت أيضًا عند ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ: (ليس في المال حق سوى الزكاة)، ففي الرواية الأولى إثبات حق آخر غير الزكاة، وفي الرواية الثانية نفي أي حق سوى الزكاة.
وهذا يعد من الاضطراب، ولذلك ضعف العلماء هذا الحديث؛ لأن الروايتين في القوة سواء، ولم يستطع أحد الجمع بينهما إلا بتعسر.
[ ٥ / ٧ ]
أهمية معرفة التصحيف
المسألة الثالثة: الكلام عن التصحيف، والتصحيف هو الخطأ في الصحيفة، فترى الراوي يسمع من الشيخ الكلمة فيصحفها ولا يستطيع أنه يقرأها قراءة صحيحة، ولذلك أمثلة كثيرة منها: وهم الراوي في قول النبي ﷺ: (من صام رمضان فأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر) فجاء الراوي فقال: (من صام رمضان فأتبعه شيئًا من شوال فكأنما صام الدهر)، فصحف (ستًا) إلى (شيئًا).
وقد كان كثير من القصاصين يصحفون أحاديث النبي ﷺ، ومن أشهر أمثلة ذلك: حديث النبي ﷺ: (إذا أتيتم المسجد فعليكم بالسكينة والوقار) فبعض المصحفين قرأها: (بالسكينة والفأر).
وبعض المعاصرين قرأ قول الله تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨] فقال: اهبط بِسُلَّم.
والتصحيف أكثر من ذلك، لكن المراد هنا تصحيف المحدثين، وقد اعتنى به المحدثون، وليس المحدثون فقط، بل اعتنى به أيضًا أهل اللغة، وهم أقوى الناس على ضبط هذه المسائل.
وهناك أيضًا حديث صحفه عبد الله ابن لهيعة، وهذا الرواي كان يتلقن، أي: أنه بعدما يأتي بالترجمة الصحيحة إذا لقنته غيره فإنه يتلقن، وكان مصريًا وكان الشيخ أحمد شاكر يصحح حديثه، لكن العلماء يضعفون حديث ابن لهيعة، وكان مدلسًا، وكان أيضًا ضعيف الحفظ، فـ ابن لهيعة صحف حديث زيد بن ثابت فقال: (احتجم النبي في المسجد) فشرع الحجامة بهذا الحديث في المسجد، وقد يسيل الدم في المسجد فيتسخ بذلك، فهو شرع ذلك بهذا التصحيف، والصحيح في الرواية: (احتجر) فصحف احتجر إلى احتجم التي هي بالميم، والصحيح (احتجر) يعني: اتخذ حجرة من حصير في الاعتكاف، فكأنه احتجر حجرة، والله أعلم.
فهذا التصحيف أيضًا من الضعف بمكان، وأهل العلم من أهل اللغة هم الذين تتبعوا هذا وخدموا السنة، فجزاهم الله عن سنة النبي ﷺ خيرًا ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام الذي انبرى لذلك وأتى بغريب الحديث، وبين التصحيف من غيره، والخطابي من المحدثين أيضًا انبرى لهذا الأمر، فالتصحيف يعرف بجمع الطرق وبجمع الروايات.
والخطأ في الصحيفة معناه: أن يصحف إما في حرف، أو في نقطة، أو في الكلمة كلها، فيصحفها بأن يغيرها، أو يغير من شكلها، أو يغير من حروفها، أو يغير من النقط التي فيها والتي تبين الكلمة من غيرها.
[ ٥ / ٨ ]
أهمية معرفة القلب
ومما ينبغي معرفته أيضًا: المقلوب، والقلب لغة هو تحويل الشيء عن وجهه، فتجعل الأيمن أيسر.
وأما القلب اصطلاحًا: فهو التقديم والتأخير في السند أو المتن.
والذي يهمنا هو القلب في المتن، والقلب هذا يعرف بجمع الطرق.
[ ٥ / ٩ ]
أمثلة على الحديث المقلوب
ومن أمثلة المقلوب: الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجل أنفق نفقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) فالقلب هنا في قوله: (حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شمال) وقد عرفنا ذلك بجمعنا طرق الحديث، فعند الجمع وجدنا رواية أخرى متفق عليها في البخاري ومسلم: (حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).
فهذه رواية تدل على أن الحديث قد انقلب على الراوي فقال «حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله).
وأيضًا من الأمثلة على القلب حديث أبي هريرة لما فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فقال: (أما النار فيخلق الله لها خلقًا وأما الجنة فما ربك بظلام للعبيد) فهذا فيه قلب، فالله لا يخلق خلقًا ليعذبهم؛ فإن الله قال عن نفسه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠].
فانظر ماذا يترتب على القلب في الحديث، فهو وإن لم يكن كذبًا على رسول الله لكنه يؤدي بالمرء أن يعتقد اعتقادًا فاسدًا، فهنا يعتقد أن الله يخلق الخلق ليلقيهم في النار، وهذا تعذيب لهم بغير ذنب، فهذا ظلم والله منزه عنه، وإنما الله يخلق خلقًا ليمتعهم، وهذا من فضل رحمته وكرمه؛ فإن الجنة يبقى فيها متسع فيخلق الله خلقًا للجنة يتمتعون فيها، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن لا يخلق خلقًا يعذبهم بالنار، فهذا قلب، ولذلك لما جمع المحدثون الروايات قالوا: هذا الحديث انقلب على الرواة، والصحيح في تفسير قول الله تعالى: «هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» أنه قال: (فأما الجنة فيخلق الله لها خلقًا يمتعهم برحمته، وأما النار فما ربك بظلام للعبيد) أي: لا يخلق لها خلقًا يعذبهم بها، بل يضع قدمه المقدسة في النار فتقول: قط قط، أي: حسبي.
[ ٥ / ١٠ ]