من المقاييس والمعايير التي وضعها العلماء لمعرفة عدم ثبوت الأحاديث عن رسول الله ﷺ: ركاكة اللفظ، فوجود الركاكة في لفظ الحديث تجعلنا نحكم على الحديث بالضعف؛ لأن النبي ﷺ هو أفصح من نطق بالضاد، وقد أوتي جوامع الكلم.
[ ٧ / ١ ]
ركاكة اللفظ مقياس لنقد متون السنة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: مازلنا في طرق نقد متون السنة، وكيف أن هؤلاء الجهابذة باعوا أنفسهم رخيصة حتى ينقحوا أحاديث النبي ﷺ ويغربلوها فيخرجوا لنا الصحيح منها من السقيم، ويبينوا للناس هل ينسب هذا الكلام لرسول الله أو لا ينسب؟ من القواعد التي قعدها المحدثون لتنقية أحاديث النبي ﷺ بالنظر إلى المتون لا بالنظر إلى الأسانيد: ركاكة اللفظ.
فمعلوم أن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد، والله تعالى آتاه أجزل الكلام وأوجز الكلام وأحسن الكلام ﷺ بأبي هو وأمي، فكلمة واحدة وجيزة تجمع فوائد جمة، وهذا الشافعي ﵁ وأرضاه ورحمه الله كان يتدبر في حديث واحد من أحاديث النبي ﷺ ألا وهو: (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستخرج منه أكثر من مائة مسألة.
فالذين نهلوا من بحر علم النبي ﷺ وتدربوا على أحاديثه ﷺ لا يمكن أن يفوتهم شيء من كلامه، مما جعلهم يفرقون بين قول النبي ﷺ وبين قول غيره، وكان عند المحدثين القوة التي حباها الله إياهم ليفرقوا بين قول النبي وقول غير النبي؛ حفاظًا على حديث النبي، وأيضًا عملًا بقول النبي ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، وأيضًا حديث النبي ﷺ: (من روى عني حديثًا يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
[ ٧ / ٢ ]
نقد الأحاديث الداعية إلى النظر إلى الوجه الحسن
من هذه الأحاديث التي فيها ركاكة في اللفظ وسماجة في القول، والتي يبعد كثيرًا عن أن تكون من قول النبي ﷺ ما اختلقه أصحاب الشياطين ونسبوه إلى النبي ﷺ بهتانًا وزورًا: (عليكم بالوجوه الملاح؛ فإن الله يستحيي أن يعذب وجهًا مليحًا بالنار).
فهذا الكلام تلوح عليه ركاكة اللفظ، مما تجعلك تقول: هذا لا يمكن أن ينسب إلى النبي ﷺ، وهل رسول ﷺ الذي بين أن كل البشر لآدم وآدم من تراب، ولا فرق بين أعجمي على عربي إلا بالتقوى، هل النبي ﷺ يرى بأن الله جل في علاه يربط الثواب والعقاب والجنة والنار بحسن الوجه؟! ومن الذي خلق هذا الوجه؟ إنه الله جل في علاه، هذا سيفتح مجالًا كبيرًا للجبرية، فعندهم أن مسألة الثواب والعقاب ليس بأيديهم ولا بعملهم، فلما تقول: إن الله جل وعلا يدخل الجنة من كان حسن الوجه، ويدخل النار من كان ذميم الوجه، ويدور الثواب والعقاب على مثل هذا الكلام السامج الذي لا يمكن أن ينسب لرسول الله ﷺ، فإن هذا يفتح الباب لمذهب الجبر، والذي يجعلنا نرده هو أن هذه الألفاظ لا يمكن أن تخرج عن رسول الله، ولا يمكن أن تكون تحت مسمى هذه الشريعة الغراء.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (النظر إلى الوجه الجميل عبادة) وعلى هذا يصير الفساق والفجار هم أعبد الناس في الأرض لو صححنا هذا الحديث، فالفساق والفجار بموجب هذا الحديث لا يتركون صورة لامرأة عارية إلا ويحدقون فيها البصر، ولا ينامون إلا وصور العاريات السفيهات على الحائط ينظرون إليها صباح مساء، فهل رسول الله ﷺ يفتح هذا المجال لهذا الفاسق الفاجر أن ينظر في وجوه اللاتي يفعلن الفاحشة أو الساقطات ويقول: (النظر إلى الوجه الجميل عبادة؟ فهذا لا يمكن أن يكون من قول النبي ﷺ).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن)، فهذه الأحاديث لا يمكن أن تصحح ولا يمكن أن تنسب للنبي ﷺ، لاسيما وهو قد أوتي جوامع الكلم، ومثل هذه الألفاظ تفتح الباب على مصراعيه والعياذ بالله للفجار والفساق، ولا يمكن أن يتصور بأن حكمة الله تربط الثواب والعقاب بحسن الوجه أو ذمامة الوجه نعوذ بالله من ذلك، يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
[ ٧ / ٣ ]
نقد حديث: (أربع لا تشبع من أربع)
أيضًا: ترى بعض أصحاب المهن كالخضري والحلواني وغير هؤلاء كل منهم ينشر أحاديثه حتى يروج لبضاعته، فهذا رجل مزارع يقول: (أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر).
يعني المشاءون بين الناس بالنميمة على هذا هم أفضل الناس على ذلك؛ لأنه قال: (وأذن من خبر)، وهذا يشبه كلام مسيلمة الكذاب، وهذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ، وإنما هو من وحي الشياطين.
وأيضًا قال أحد المزارعين: (لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، ما أكله جائع إلا شبع)! يعني: الشبع لا يكون إلا في الأرز فقط!
[ ٧ / ٤ ]
نقد حديث: (لا تسبوا الديك)
هذا مثالًا آخر لهؤلاء التجار ينسب للنبي ﷺ يقول: (لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب).
يعني: أن الديك أفضل من البشر؛ لأن الريش واللحم يشترى بالذهب، فهل هذا الكلام يكون من النبي ﷺ؟! وهل النبي ﷺ يقول: الديك صديقي! نعوذ بالله ونبرأ إلى الله من أن ينسب هذا الكلام إلى النبي ﷺ، فهذا كلام سخيف يترفع الإنسان العاقل عن أن ينطق به، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ أن يتكلم بمثل هذا الكلام، لاسيما وأن كلام النبي ﷺ وحي من الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
[ ٧ / ٥ ]
نقد حديث الهريسة
أيضًا: نأتي إلى المجال الآخر: مجال السكر والحلوانية، فيقول حلواني حتى يروج لسلعته، وينسب الكلام للنبي ﷺ، يقول: (أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع).
ومثل هذا الكلام السامج يجعل السفهاء البله حين يسمعون به يأتون بالهريسة في كل يوم في وقت الصبوح والغداء والعشاء؛ من أجل أن يقوى أحدهم في مسألة النكاح، ويقول: أعطيت قوة أربعين رجلًا.
وهناك رواية أخرى لمثل هذا الحلواني يقول: (الهريسة تشد الظهر)، فهو يروج لبضاعته، فهذا جبريل ينزل من سبع سماوات من أجل الهريسة! أيها الغبي السفيه! فهل مثل هذا الكلام ينسب للنبي ﷺ؟ فهذا سفه والعياذ بالله!
[ ٧ / ٦ ]
نقد حديث: (الباذنجان لما أكل له)
أيضًا: أصحاب الخضروات يقولون: (الباذنجان لما أكل له) فهل يعقل أن يكون هذا الكلام قاله النبي ﷺ، والشيء الوحيد الذي جاء فيه البركة بحق هو ماء زمزم، فهذا الرجل صاحب الباذنجان نظر إلى قول النبي ﷺ: (ماء زمزم لما شرب له) فقال: (الباذنجان لما أكل له)، وبعضهم كان يقول: (الباذنجان يأتي بالسم) فيحرم الباذنجان، فقال صاحب الباذنجان: (الباذنجان شفاء من كل داء) يعني: أن أي مريض لو أكل من الباذنجان فإنه يشفى، نعم نقول: إذا أتى الشرع بذلك على الرحب والسعة، لكن لا يمكن أن يقال هذا الكلام من فم رسول الله ﷺ كما قلت، لاسيما وهو أفصح من نطق بالضاد.
[ ٧ / ٧ ]
نقد حديث (عليكم بالعدس)
أيضًا: يقول البقال: (عليكم بالعدس؛ فإنه مبارك، يرقق القلب، ويكثر الدمع، وقد قدس على لسان سبعين نبيًا)، بالنظر إلى لفظ هذا الحديث نجد عليه عدة مآخذ: المأخذ الأول: أنه لا توجد أدنى بلاغة في متن هذا الحديث المكذوب.
المأخذ الثاني: أن العدس أدنى لا أعلى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] إذًا: العدس أدنى في كتاب الله، فكيف تأتي أنت أيها الغافل المتغافل وتجعل العدس أعلى ومباركًا وقدسه أكثر من سبعين نبي؟! المأخذ الثالث: أن ركاكة اللفظ تلوح عليه، وتبين بأن هذا ليس من كلام النبي ﷺ.
المأخذ الرابع: أنه لا يمكن أن نقول بأن العدس تدمع منه العين، إلا أن تدمع العين من رائحة البصل، لكن ليس من رقة القلب.
[ ٧ / ٨ ]
نقد حديث: (السواك يزيد في فصاحة الرجل)
أيضًا: أن الواضع لهذا الحديث لم يتعلم الفصاحة؛ لأن الله ﷿ يربط المقدمات والنتائج والأسباب بالمسببات، وهذا الرجل الذي فيه عجمة وأراد الفصاحة يقول لنا في هذا الحديث: (السواك يزيد في فصاحة الرجل) إذًا: لن تجد رجلًا عييًا بحال من الأحوال، وهذا كلام لا يمكن أن ينسب للنبي ﷺ.
[ ٧ / ٩ ]
نقد حديث: (أكل السمك يذهب الحسد، ويقوي الجسد)
أيضًا: من هذه الأحاديث السمجة التي لا يمكن أن تنسب إلى رسول الله ﷺ قول أصحاب السمك فيما ينسبونه إلى النبي ﷺ قال: (أكل السمك يذهب الحسد، ويقوي الجسد) يعني: أكل السمك فيه نوع من القوة ويذهب العين، مع أن العين لا تذهب إلا بالرقية الشرعية، وهذا ممكن أن ندخله في قاعدة: عرض الحديث على القرآن.
فإذا عرضنا هذا الحديث على القرآن وجدنا أن الله جل وعلا جعل الدواء النافع للحسد في المعوذتين، ولو عرضنا ذلك على السنة -وكان صحيحًا- لأكل النبي ﷺ السمك وأكثر منه؛ لأن النبي ﷺ سحر، ولما سحر جاءه جبريل يرقيه، فهل رقاه بزيت السمك أم أن جبريل رقاه بالرقية الشرعية؟ لقد رقاه بالرقية الشرعية، فهذا الحديث مخالف للقرآن والحديث مع ركاكة اللفظ.
[ ٧ / ١٠ ]
نقد حديث: (اللهم أنت حي لا تموت)
معروف أن هناك أسماء لله يستجيب الدعاء إذا دعي بها كالاسم الأعظم، فهذا الرجل كان يحلو له أن يبين أسماء لله غير التي نعرفها، فيقول: (اللهم أنت حي لا تموت، وندي لا تنفذ، وقريب لا تبعد، ووفي لا تخلف، ومعروف لا تنكر، ووتر لا تستأمر، ومحتجب لا ترى، ودائم لا تفنى، وباقٍ لا تبلى، وواحد لا شبه لك، ومقتدر لا تنازع، قال: من دعا بها عند منامه بعث الله له بكل حرف منها سبعمائة ألف ملك من الروحانيين، وجوههم أحسن من الشمس والقمر) فهذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ، وفيه عدة مآخذ: الأول: ركاكة اللفظ، فهذه ليست من أسماء الله جل في علاه.
الثاني: القاعدة في أسماء الله وصفاته أنها توقيفية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٧ / ١١ ]