شرح قول المصنف: "فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك، والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع والخامس ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل .. "
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
تقبل خبره أو تقول: لا بد من معرفة حاله الباطنة؟ يمكن يزاول منكرات في الباطن، يمكن أنه فاسق في الباطن، لا شك أن الفسق يمنع القبول، لكن هل هذا الفسق متحقق في هذا الرجل؟ ما لم تثبت العدالة فلا يظن عدم الفسق؛ لأنه أمر مغيب عنا فكيف نقبله؟ هذا قول الأكثر، وللأمر بالتثبت في قبول الأخبار في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [(٦) سورة الحجرات] قال إمام الحرمين: "الذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته وهو المقطوع به عندنا"، وقال الرافعي: "وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة وهو بعيد"، القول الثاني: يرى جماعة من العلماء أن رواية المستور مقبولة، وبه يقول الحنفية وابن حبان، وعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:
أولًا: لأن الناس في أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب الطعن، ولم يكلف الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم.
[ ٧ / ١ ]
الأمر الثاني: أن الرسول -﵊- كان يعمل بالظاهر، ويتبرأ من علم الباطن «هلا شققت عن قلبه؟» يعني لما قال: "لا إله إلا الله" في الظاهر، قال له الصحابي: "إنه إنما قالها معتصمًا بها من السيف" قال: «هلا شققت عن قلبه؟» يعني عليك أن تحكم بالظاهر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [(١٠١) سورة التوبة] في الحديث: «هلا شققت عن قلبه؟» ولذا قال النووي: "الأصح قبول رواية المستور" والراجح -والله أعلم- قبول رواية المستور، يعني نحن مكلفون برد خبر الفاسق، إننا ما عندنا فسق الآن، ظاهره في العدالة ولسنا مكلفين بالحكم على الباطن، وإنما نحن مكلفون بالحكم على الظاهر، والراجح قبول رواية المستور لقوة الأدلة على قبوله، ويجاب عما استدل به أصحاب الرأي الأول: بأن سبب التثبت هو الفسق فإذا انتفى الفسق كما هنا انتفى وجوب التثبت.
بقيت مسألة وهي: أن الجهالة إذا حكم على الراوي بها، تجدون في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: سألت أبي عن فلان فقال: "مجهول" في أكثر من ألف وخمسمائة راوي قال عنه أبو حاتم: "مجهول"، وتبعه الذهبي في كثير من هؤلاء الرواة، وفي كتب الرجال كلها الحكم على كثير من الرواة بالجهالة، هل الجهالة الموجودة في هذه الكتب جرح أو هي عدم علم بحال الراوي؟ هل هي جرح أو عدم علم بحال الراوي، نعم؟ يأتي في مراتب الجرح والتعديل أن المجهول من ألفاظ الجرح، المجهول من ألفاظ الجرح، ويأتينا في النخبة قول الحافظ: ومن المهم معرفة أحوال الرواة جرحًا أو تعديلًا أو جهالة، فجعل الجهالة قسيم للجرح وليست منه، وليست بقسم من الجرح، يقول أبو حاتم في كثير من الرواة: "فلان مجهول، أي لا أعرفه"، فمقتضى هذا أنها عدم علم بحال الراوي، لكن مقتضى صنيعهم وإدخالهم لفظ المجهول في مراتب الجرح يدل على أنه جرح.
[ ٧ / ٢ ]
ما الذي يترتب على هذا الكلام؟ يترتب عليه أننا إذا درسنا إسناد ووجدنا فيه راوي قيل عنه في كتب الجرح والتعديل: "مجهول" إن قلنا: الجهالة جرح نقول: الحديث ضعيف؛ لأن فيه راوٍ مجهول، وإذا قلنا: عدم علم بحال الراوي قلنا: الحكم التوقف حتى نعرف حال هذا الراوي المجهول، فرق بين الحكم بالضعف مباشرة وبين التوقف حتى نتبين، وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان -إن شاء الله تعالى-.
البدعة:
الوجه التاسع من أوجه الطعن في الراوي البدعة: والبدعة في الأصل: اختراع الشيء لا على مثال سابق، اختراع الشيء لا على مثال سابق، يقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدع طريقة لم يسبقه إليها سابق، سواءً كانت هذه الطريقة مذمومة أو ممدوحة، وأكثر ما يستعمل الابتداع عرفًا في الذم، والله -﷾- بديع السماوات والأرض، يعني هو الخالق والمخترع لهما لا على مثال سابق، فعيل: بمعنى مفعِل، أبدع فهو مبدع.
واصطلاحًا: كل ما أحدث في الدين بعد النبي -﵊-، كل ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من كتاب أو سنة فهو بدعة.
عرفها الشاطبي بأنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية -يعني يتعبد بها مخترعها- يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، والابتداع شامل لما تخترعه القلوب، وتنطق به الألسنة، وتفعله الجوارح، كما قرره الطرطوشي، يعني الابتداع يكون في الأقوال والعقائد والأفعال.
تقسيم البدع: بعض العلماء قسم البدع إلى قسمين: بدع حسنة، وبدع قبيحة سيئة، قال ابن الأثير: "البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله -ﷺ- فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه ورسوله فهو في حيز المدح" فقسم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة، هل يوافق على هذا الكلام؟ "ما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه رسوله فهو في حيز المدح" هذا بدعة؟ هذا واقع فيما ندب ، في عموم النصوص ليس بقول مخترع.
[ ٧ / ٣ ]
من القسم الأول وهي البدعة الممدوحة، البدعة الحسنة قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- في قيام رمضان: "نعمت البدعة هذه، نعمت البدعة هذه" رواه البخاري، فهي بدعة حسنة، ويدل على القسم الثاني: قوله -ﷺ-: «كل بدعة ضلالة» رواه مسلم، قسم البدع العز بن عبد السلام إلى خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، ثم قال: "والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرع، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة"، ثم مثل لهذه الأقسام بأمثلة.
لكن الشاطبي -رحمه الله تعالى- لم يرتضِ هذا التقسيم بل رده وقوض دعائمه في الاعتصام حيث يقول: "هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة".
يقول العز بن عبد السلام: "فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة" والشاطبي يقول: "إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة"، كيف نسميها بدعة وفي قواعد الشرع وعموماته ما يدل على وجوبها؟ "ولو كان العمل داخلًا في عموم المأمور به أو المخير فيه فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين" كلام صحيح.
يعني كيف نقول بدعة واجبة بدعة مستحبة؟ من الذي أوجبها؟ إذا قلنا: بدعة واجبة من الذي أوجبها؟ إن كان الذي أوجبها الشارع ولو بالعموم يعني يشملها عموم نصوص فليست ببدعة، سبق لها شرعية من الشرع، فليست ببدعة، فإذا قلنا: إن هذه بدعة واجبة جمع بين متناقضين، إذًا كيف نجيب عن قول عمر في صلاة التراويح: "نعمت البدعة" سماها بدعة ومدحها فدل على أن من البدع ما يمدح، كيف نجيب؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
طيب، هو سماها بدعة.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٧ / ٤ ]
بدعة لغوية، البدعة في اللغة: ما عمل على غير مثال سابق، ما عمل على غير مثال سابق، هذه عملت على غير مثال سابق؟ أو عملت على مثال سبق من فعل النبي -﵊- في ليلتين أو ثلاثة؟ وكونه عدل عنها لا رغبة عنها ونسخًا لها وإنما خشية أن تفرض.
الإجابة عن قول عمر -﵁- حمل شيخ الإسلام ابن تيمية البدعة في قول عمر في اقتضاء الصراط المستقيم على البدعة اللغوية لا الشرعية، حيث قال في معرض رده التقسيم المذكور: "أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية: فهي ما لم يدل عليه دليل شرعي، وذلك أن البدعة –هذا كلام شيخ الإسلام- في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق"، هل صلاة التراويح عملت على غير مثال سابق ليتم ما قاله شيخ الإسلام؟ نعم؟
طيب حمل شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- البدعة في قول عمر إنما يتم لو لم يصلِ الرسول -﵊- صلاة التراويح قبل عمر، نعم، لو لم يفعلها النبي -﵊- قلنا: صحيح هذه الصلاة ما عملت على مثال سابق، فتصير بدعة لغوية، أو على الأقل لو لم يصلها جماعة، يعني صلاها النبي -﵊- منفرد، وعمر جمع لها الناس فصار الابتداع في جمع الناس عليها، لكن النبي -﵊- فعلها وفعلها جماعة، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- فعلها على مثال سابق، وهو فعل الرسول -﵊- وتعليله الترك بخشية أن تفرض، إذًا هي ليست بدعة لا لغوية ولا شرعية؛ لأنها من حيث اللغة لا ينطبق عليها التعريف اللغوي؛ لأنها عملت على مثال سباق، والشرعية سبقت شرعيتها من فعله -﵊-.
[ ٧ / ٥ ]
الأولى بل أولى ما يقال في قول عمر: "نعمت البدعة" أن يحمل على المشاكلة في التعبير، فكأن عمر -﵁- خشي أن يقال له: ابتدعت يا عمر، أو كأن قائلًا قال لعمر -﵁-: ابتدعت يا عمر، فمن باب المشاكلة والمجانسة في التعبير قال: "نعمت البدعة"، في بعض الروايات: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة" فقال عمر -﵁- على سبيل التنزل والمشاكلة: "نعمت البدعة" كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] السيئة الأولى سيئة بلا شك، لكن الثانية هي سيئة؟ نعم، ليست سيئة يعني معاقبة الجاني سيئة؟ إقامة الحدود سيئة؟ لا، يقول الشاعر:
قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
هذا مشاكلة في التعبير ومجانسة، فالسيئة الثانية ليست بسيئة في الحقيقة، فمعاقبة الجاني حسنة للأمر به، لكنه سمي سيئة للمجانسة في التعبير والمشاكلة، وكذلك الجبة والقميص لا يتصور طبخهما، بل المقصود في حقهما الخياطة، فسمى الخياطة طبخًا للمشاكلة في التعبير، والله أعلم، هذا أولى ما يقال في كلام عمر -﵁-.
إذا عُلم هذا فالمبتدع في اصطلاح المحدثين كما قال السخاوي -وهو مأخوذ من تعريف الحافظ للبدعة-: "من اعتقد ما أحدث في الدين بعد النبي -ﷺ- بنوع شبهة لا بمعاندة"، وحكم رواية المبتدع سيأتي الحديث عنه حيث ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى-.
سوء الحفظ:
[ ٧ / ٦ ]
والوجه العاشر من أوجه الطعن في الراوي سوء الحفظ: والحفظ يطلق على الحراسة والاستظهار، يقال: حفظت الشيء حفظًا أي حرسته، وحفظته بمعنى استظهرته وهو التعاهد وقلة الغفلة، والتحفظ قلة الغفلة في الكلام، والتيقظ من السقطة، ورجل حافظ، وقوم حفاظ وهم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا، وقل ما ينسون شيئًا يعونه، ويطلق الحفظ على هيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، ويطلق الحفظ على هيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، يعني الحفظ يطلق على الغريزة الحافظة، كما يطلق على ضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان ثم هو أيضًا يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، كل هذا يقال له: حفظ، حفظ الأمانة حفظ، حفظ المتاع حفظ، حفظ المحفوظ في الصدر حفظ، والمراد به هنا ما يقابل النسيان، وهو ضبط الشيء في النفس، وسوء الحفظ قلته ورداءته.
لا شك أن الناس يتفاوتون في هذه الملكة التي هي ملكة الحفظ، يتباينون تباينًا كبيرًا، فمن الناس من رزقه الله تميز في هذه الجهة فيحفظ الكلام لأول مرة، ومنهم من يحفظ من مرتين، ومنهم من يحفظ بثلاث، ومنهم من يحفظ لخمس، ومنهم من يحفظ لعشر، ومنهم من لا يحفظ ولا لمائة، لا شك أن الناس يتفاوتون، يوجد في السلف من يحفظ الكلام الكثير بمجرد سماعه، بل وجد منهم من يدخل أصبعيه في أذنيه إذا دخل السوق لئلا يحفظ كل ما يقال من خير وشر، الشعبي -رحمه الله تعالى- عرف عنه قوة الحفظ، كثير من السلف يحفظون، ووجد من يحفظ القضايا بلغاتها.
[ ٧ / ٧ ]
اختصم رجلان من العجم بلغتهما فطلبت البينة، طلب القاضي البينة، قالوا: ما عندنا بينة إلا شخص عربي ما ندري ..، ما يفهم ويش إحنا نقول؟ فجيء بهذا العربي فسئل ماذا حصل؟ فذكر كل ما حصل حفظ، هو ما يدري إيش معناه؟ قال: هذا قال كذا ثم رد عليه هذا بكذا، وهذاك قال كذا ثم رد عليه ..، حفظ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ [(٤) سورة الجمعة] يوجد في بعض تراجم الناس في كتب التراجم يقول: "ومن فضل محفوظاته كتاب الأغاني"، هذا تكميل هذا، يعني حفظ المهمات كلها وما بقي عليه إلا الأغاني فحفظه، مطبوع في أربعة وعشرين مجلد كبار، نعم، وبعض الناس يكرر الفاتحة عشرات بل مئات ولا يستطيع أن يحفظ، فيقال له: اذكر الله بدل الفاتحة، أكثر من الذكر يوجه إلى هذا، وبعض الناس يعاني من ضعف الحافظة، كم من مسلم يتمنى أن لو حفظ القرآن ولا يتيسر له ذلك، إما بسببه وانشغاله وعدم اكتراثه واهتمامه، أو بتركيبه حيث جعل الله حافظة من الضعف بحيث لا يستطيع أن يحفظ ما يريد، والناس يتفاوتون، والحفظ نعمة من نعم الله -﷿- على العبد، ضريبتها شكرها، شكر هذه النعمة، وألا تستعمل إلا فيما يرضي الله -﷿-، بعض الناس يعرض عن النعم، مثل نعمة الحفظ، لكن إيش همه؟ همه يحفظ ما ذكر في الجرائد، أو ما قيل في الأخبار، ويردده في المجالس، أو يحفظ المقطعات الغنائية، أو غير ذلك مما يضره ولا ينفعه، والله المستعان.
أقول: هذه نعمة ينبغي أن تصرف فيما خلقت له هذه النعمة، كسائر النعم شكرًا للمنعم، واعترافًا بفضل ذي الفضل، يوجد الآن –ولله الحمد- من يتجه إلى الحفظ، كان الناس يظنون أن حفظ الكتب الكبيرة أساطير ما يمكن، يعني حينما تذكر في تراجم أهل العلم يظنونها من باب المبالغة، يحفظ الكتب الستة ما هو بصحيح! لكن الناس أعداء لما يجهلون، هذا ينظر في محيطه، كنا إلى عهد قريب من ينتسب إلى العلم تجد أعظم ما يطمح إليه حفظ القرآن مع البلوغ والزاد وما أشبه ذلك على هذه المتون الصغيرة، وهذا فيه خير كثير، لكن الناس لما جربوا حفظ الكتب حفظوا، وجد أن الأمة ما زالت بخير ولله الحمد.
[ ٧ / ٨ ]
المقصود أن هذه الملكة نعمة وهي تزيد بالتمرين، قابلة للزيادة فلا يأس، كما أنها تضعف بالإهمال، يعني شخص أهمل الحافظة سنين، ثم يريد أن يحفظ نعم بالتدريج تعود وبالتمرين تزيد، وإن كان الأصل أن قوي الحافظة قوي الحافظة، ضعيف الحافظة ضعيف، لكن هذا بإهماله تضعف حافظته، وذاك بمثابرته تزيد حافظته، فأهل العلم يذكرون طرق للحفظ فيذكرون الظروف المناسبة والأوقات المناسبة للحفظ، فيجعلون أول النهار أنسب وقت للحفظ، يعني إذا أخذ القدر الكافي من النوم واستجم ذهنه وفكره، فإنه أكثر استعدادًا للحفظ من آخره بعد مزاولة الأعمال، المكان الضيق للحفظ أنسب من المكان الفسيح الواسع، الترديد والتعاهد مع الفهم يعين على الحفظ، فهم الكلام المراد حفظه يعين على الحفظ.
السلف كانوا يأخذون العلم بالتدريج، فيقرءون عشر آيات ويفهمونها ويحفظونها ولا يتجاوزونها إلى غيرها حتى يعرفوا ما فيها من علم وعمل، وذكروا في آداب المتعلم أن الإنسان إذا أراد أن يحفظ يحدد القدر الذي يغلب على ظنه أن حافظته تسعفه في حفظه، فلنقل مثلًا: خمس آيات، عشر آيات، ثم يردد هذه العشر آيات حتى يحفظها في اليوم الأول، ويجزم أنه ضبطها وأتقنها، من الغد يراجع ما حفظه بالأمس خمس مرات، ثم يحفظ نصيب اليوم حتى يجزم بأنه ضبطه وأتقنه، في اليوم الثالث يقرأ نصيب اليوم الأول أربع مرات، ونصيب اليوم الثاني بالأمس خمس مرات، ثم يأتي إلى وظيفة اليوم حتى يضبطها ويتقنها، وفي اليوم الرابع يأتي إلى نصيب اليوم الأول يراجعه ثلاث مرات، ونصيب اليوم الثاني أربع مرات، ونصيب اليوم الثالث خمس مرات، ثم بعد ذلك يأتي إلى نصيب يومه وهكذا، حتى في اليوم الخامس ينتهي من نصيب اليوم الأول، ما يراجعه خلاص ما يحتاج إلى مراجعة، في اليوم السادس نصيب اليوم الثاني ما يحتاج إلى مراجعة، في اليوم السابع نصيب .. وهكذا، يقولون: بهذه الطريقة يثبت الحفظ، وليبدأ طالب العلم بالأهم.
بالمهم المهم ابدأ لتدركه وقدم النص والآراء فاتهمِ
لا بد من البداءة بالمهم؛ لئلا يضيع الوقت وأنت ما حصلت شيء، فلتكن البداءة بكتاب الله -﷿-، وسنة رسوله -﵊-، وما يعين على فهم هذين المصدرين.
[ ٧ / ٩ ]
الناس قاطبة يقررون أن الصغير أقوى في الحفظ من الكبير، وأن الحافظة تضعف كغيرها من القوى، البصر يضعف، السمع يضعف، جميع الجوارح تضعف ومنها الحافظة، والناس كلهم على هذا، والواقع يشهد له، الصغير يحفظ بسرعة، إذا كبر قليلًا ضعف، إذا كبر، إذا كبر .. إلى آخره، إلى أن تكثر مشاغله فلا يكاد يحفظ شيئًا، ثم يبدأ بعد ذلك بنسيان ما حفظ، يبدأ عاد بالمحو والإزالة.
الماوردي في أدب الدنيا والدين يقرر أن الحافظة لا تتغير، الحافظة عند الكبير والصغير لا تتغير واحدة، حافظة الإنسان هي هي من يولد إلى أن يموت، إلا إذا طرأ عليه خرف أو اختلاط أو ما أشبه ذلك، يقول: "ليست الحافظة هي التي تتغير، إنما الظروف هي التي تتغير" شخص همه نفسه فقط، ليست لديه أي التزامات، لا شك أنه يحفظ أكثر من الشخص الذي كثرت مشاغله، والشخص في أول العمر مشاغله أقل بكثير من مشاغله في منتصف عمره، أو في آخره.
[ ٧ / ١٠ ]
يقول: الظروف هي المؤثرة على الحفظ، وليس ضعف الحافظة، لكن عامة الناس على خلاف قوله، لا شك أن قول الماوردي يبعث الأمل في النفس بمن بلغ الخمسين والستين ألا ييأس، نقول: مسألة ظروف خلاص أتجرد وأنقطع للحفظ، إيش المانع؟ ونعرف شخص حفظ القرآن بعد الخمسين، وصالح بن كيسان بدأ التعلم بعد التسعين لما بلغ تسعين اتجه إلى العلم، وقيل في سنه أقل من ذلك قيل: سبعين، وقيل: خمسين، لكن أقل ما قيل: الخمسين، فاتجه إلى حفظ السنة حتى عد من كبار الآخذين عن الزهري وعمره تسعين سنة، يعني لو قيل لواحد، قال: ما. . . . . . . . . العمر كثر ما مضى، تعلم في هذا الوقت تعب ليس وراءه أرب، نقول: لا، ما دام بقي في العمر يوم واحد تعلم، وما يدريك، أقل الأحوال أن تدخل في الوعد: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» ما قال من صار عالمًا ما يلزم، «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» ونرى في عوام المسلمين كبار السن من يئس من الحفظ ولو الشيء اليسير من القرآن فتجدهم في الأماكن الفاضلة والأزمنة الشريفة يلتفتون يمنة ويسرة، وينظرون إلى القراء بحسرة، لكن بإمكانهم أن يتعلموا، لو يحفظ كل يوم آية ويرددها ثم يضيف إليها أخرى من الغد، والآن -ولله الحمد- البيوت مملوءة ممن يقرأ ويكتب، فلو قال الجد مثلًا لحفيده: أقرأني سورة الفاتحة، ورددها عليه مرارًا وسجلها له وصار يرددها يعني يحفظها، ثم السورة التي تليها وهكذا، عجائز في السبعين والثمانين حفظت الأجزاء، ولله الحمد والمنة، هذا موجود، عجائز كبار من النسوة التحقن بدور التحفيظ النسائية وحفظن من القرآن ما يكفيهن، أما أن يجلس المسلم يلتفت يمنة ويسرة ينظر إلى الناس وهم يقرءون بحسرة وهو محروم من هذه النعمة، بكل حرف عشر حسنات، الختمة الواحدة فيها ثلاثة ملايين حسنة، وهذا الخطاب إذا وجه للعامي فطالب العلم أولى به وأحرى.
[ ٧ / ١١ ]
يوجد شخص بلغ السبعين من عمره وكان له صديق ناصح له، هذا الشخص الذي بلغ السبعين لا يقرأ –أمي- ولا يكتب، وأولاده أصغرهم من بلغ العشرين، فنصحه بأن يتزوج، وأن يحفظ جزأين من القرآن، قال: وما يدريك هؤلاء الأولاد يكبرون وينشغلون في أولادهم، والزوجة تهرم وتحتاج إلى من يعولها ويخدمها وتبقى أنت بدون خادم، فلو تزوجت وحفظت لك جزأين من القرآن فالذي حصل أنه تزوج ورزق بذرية من الصغار خدموه في آخر عمره، وحفظ جزأين فكف بصره فصار يردد هذين الجزأين، هذه نعمة كبيرة من الله -﷾-، يعني لو كف وهو ما يحفظ شيء، أو بلغ التسعين وهو يحتاج إلى من يعوله وأولاده في أعمالهم ووظائفهم وأولادهم وأسرهم، وزوجته بجانبه تحتاج إلى من يعولها، فعلى الإنسان أن ينتبه لنفسه ويحتاط لها، ويقدم لآخرته، ولا شك أن الدنيا مدبرة، والآخرة مقبلة، وعلينا أن نكون من أبناء الآخرة لا من أبناء الدنيا، والله المستعان.
المراد بسوء الحفظ هنا: ما يقابل النسيان، وهو ضبط الشيء في النفس، وسوء الحفظ قلته ورداءته، وسيء الحفظ هو من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطأه، فلا يقال لمن وقع له الخطأ مرة أو مرتين: إنه سيء الحفظ؛ لأن الإنسان ليس بمعصوم من الخطأ.
وقسم العلماء سوء الحفظ إلى قسمين: الأول: لازم غير منفك للراوي في جميع حالاته ومن غير أن يعرض له أي سبب، يعني من ولادته سيء الحفظ، والثاني: طارئ على الراوي إما لكبر سنه أو ذهاب بصره أو لاحتراق كتبه التي يعتمد عليها أو غير ذلك، وهذا القسم ما يسمى بالاختلاط، نعم، بعض الناس إذا حصل له أدنى مصيبة أصيب باختلال في حفظه، نسي، فمن فقد الدراهم بعض الناس فقد مبلغ من المال فاختلط، نسي كل اللي هو حافظ، وآخر نهق حمار فاختلط، وكثير من الناس وهو يقرأ القرآن فاتح المصحف بين يديه إذا حرك الباب نسي هل هو في آخر الصفحة أو في أولها؟ واقع إلا ما هو بواقع؟ هذا واقع مع الأسف، إذا حركت النعال وإلا كان المكيف قافل ثم اشتغل يضيع كل ما عمله، والله المستعان.
والاختلاط هو عدم انتظام القول كما في الحاوي في الطب، وسيأتي الكلام على حكم رواية سيء الحفظ بنوعيه: اللازم والطارئ حيث يذكره الحافظ -رحمه الله تعالى-.
[ ٧ / ١٢ ]
سم.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك، والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع والخامس ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل، ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير فالمقلوب، أو بزيادة راو فالمزيد في متصل الأسانيد، أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب، وقد يقع الإبدال عمدًا امتحانًا أو بتغيير مع بقاء السياق فالمصحف والمحرف".
بعد أن أنهى الحافظ -رحمه الله تعالى- أوجه الطعن في الراوي على سبيل اللف أخذ ينشر ما يتعلق بهذه الأوجه ويبينها بالتفصيل، فقال -رحمه الله تعالى-: "فالأول الموضوع" يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أن حديث صاحب الوجه الأول من أوجه الطعن وهو الكذب على رسول الله -ﷺ- يسمى الموضوع، وهذا الشروع منه -رحمه الله تعالى- في تفصيل ما أجمله في الأوجه العشرة.
تعريف الموضوع:
فالموضوع: اسم مفعول يقال: وضع الشيء من يده يضعه وضعًا، وموضعًا وموضوعًا حطه، ويقولون: في حسبه ضعة انحطاط ولؤم وخسة، وقد وضع الدين أي أسقطه، قال ابن دحية: "الموضوع الملصق، يقال: وضع فلان على فلان عارًا إذا ألصقه به، والوضع أيضًا الحق والإسقاط".
واصطلاحًا: هو المختلق المصنوع المفترى على رسول الله -ﷺ-، سمي بذلك لأن الأحاديث التي اختلقها الفسقة ساقطة ومنحطة عن رسول الله -ﷺ- إذ هي كلام غيره، وقد استنكر العلماء على الخطابي وابن الصلاح قولهما إنه شر الأحاديث الضعيفة، الموضوع شر الأحاديث، فهم بهذه العبارة يجعلون الموضوع من الحديث، واستنكر عليهما؛ لأن الموضوع ليس من الحديث النبوي، وأفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه، أفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه، وقد أجيب بأنهما لم يقصدا بالأحاديث الأحاديث النبوية، بل مرادهما ما هو أعم من ذلك، وهو ما يتحدث به، ما يتحدث به يشمل ما يضاف إلى النبي -﵊-، وما يضاف إلى غيره، أو سمي بذلك تجاوزًا حسب دعوى من اختلقه.
أسباب الوضع:
[ ٧ / ١٣ ]
أسباب الوضع: الأسباب التي حملت بعض الناس على اختلاق الأحاديث وافترائها على رسول الله -ﷺ- كثيرة جدًا، لكن يمكن أن نجمل أهمهما فيما يلي:
الأول: التقرب إلى الله تعالى بوضع الحديث ترغيبًا للناس في الخيرات، وترهيبًا من فعل المنكرات، وهؤلاء قوم ينسبون إلى الزهد والصلاح، وهم شر أنواع الوضاعين لقبول الناس موضوعاتهم ثقة بهم، ومن هؤلاء أبو عصمة نوح بن أبي مريم، لا شك أن عامة الناس يثقون بمن يؤثر الآخرة على الدنيا، الناس يثقون به، الزاهد الذي لا نظر له في الدنيا، بل متجه بكليته إلى الآخرة، مثل هذا محل عناية من الناس يحترمونه ويقدرونه ويثقون بكلامه، فمثل هذا إذا صاحب هذا الزهد جهل وأراد أن ينفع الدين، ويفتري ويكذب على النبي -﵊- من أجل أن يرد الناس إلى الدين مثل هذا يثق به الناس فصار ضررهم أشد من غيرهم.
السبب الثاني: قصد الواضع إفساد الدين على أهله، وتشكيكهم فيه وهذا إنما صدر عن الزنادقة كعبد الكريم بن أبي العوجاء ومحمد بن سعيد المصلوب.
الأمر الثالث: الانتصار للمذاهب، ولا سيما أصحاب الأهواء والبدع كالخطابية وبعض السالمية، فقد وضعوا أحاديث نصرة لمذاهبهم، أو ثلبًا لمخالفهم، فقد روي عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته فقال: "انظروا هذا الحديث ممن تأخذون، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا" وهذا موجود في أهل الأهواء والبدع بكثرة يستجيزون وضع الأحاديث نصرة لمذاهبهم، ويوجد مع الأسف الشديد في بعض من ينتسب إلى الفقهاء الأربعة من يضع الحديث تأييدًا لمذهبه، أو تنقصًا لمذهب غيره، ذكر عن بعض الحنفية أنه إذا كان الحكم يدل عليه القياس الجلي فلا مانع من أن تركب له إسناد وتضيفه إلى النبي -﵊-، هذا ضلال، نسأل الله العافية.
وضع في مثالب الأئمة: "يكون في أمتي شخص يقال له: محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" أعوذ بالله هذا الإمام الشافعي.
[ ٧ / ١٤ ]
بعض الجهال من المنتسبين إلى المذاهب الأخرى من باب التنافس بعض المساكين يظن أنه لا يرتفع إلا بغمط الآخرين، وإمامه ومتبوعه لا يرتفع إلا إذا تنقص الآخرين هذا الكلام ليس بصحيح، مع الأسف الشديد نجد بعض طلاب العلم إذا سئل عن بعض الناس غمطه حقه، يظن بذلك أنه يرتفع هو، لا والله، بل العكس، يرتفع لو ذكر أخاه بما يدافع به عن عرضه، ويذب عنه وينزله منزلته من غير تنقص ولا إطراء، فإذا مدح أخاه ارتفع بذلك، أعني الأمر سهل إذا كان شخص يشجع النادي الفلاني وآخر يشجع النادي الفلاني ووقع هذا في هذا عادي النفوس مجبولة على هذا، لكن ممن ينتسب إلى العلم يضع الحديث في مثالب الإمام الفلاني لأنه خالف إمامه بمسائل، أو من باب المشادة والمشاحة، ونعرف أنه في هذا الباب يقع الإنسان في الخطأ في باب المفاضلة والمشاحة، ولذا جاء النهي عن التفضيل بين الأنبياء لما قال اليهودي: "والذي فضل موسى على البشر" فلطمه مسلم، فشكاه إلى النبي -﵊- قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» وقال في الحديث الآخر: «لا تفضلوني على يونس بن متى» هذا متى؟ هذا في باب المشادة والمشاحة لئلا يتطرق الطرف الثاني إلى تنقص الكامل، لكن إذا سلمت المسألة من المشاحة صارت من طرف واحد لا مانع من التفضيل وإنزال الناس منازلهم، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٢٥٣) سورة البقرة] والله المستعان.
من الأسباب التي حملت الوضاعين على الوضع: الرغبة في التكسب والارتزاق كبعض القصاص الذين يتكسبون بالتحدث إلى الناس فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة حتى يستمع إليهم، حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم، وقد اشتهر بذلك جماعة منهم أبو سعيد المدائني.
الخامس: قصد الواضع التزلف إلى الخلفاء والنفاق لهم لتتسع لهم مجالسهم وتنفق سوقه عندهم.
[ ٧ / ١٥ ]
المشكلة أن هؤلاء السمار الذين ينادمون الكبار تجدهم يتقربون إليهم بكل شيء، بكل ما يتمكنون إليه ليتمكنوا من قلوبهم ويعطوهم، يتزلفون، ومسألة الارتزاق بالدين مسألة معروفة قديمًا وحديثًا، بعض الناس يرتزق وراء هذا الدين، يتكسب من ورائه، فتجده يبرر لهؤلاء الخلفاء والأمراء بعض أعمالهم المحرمة، وإن كان من أهل العلم لكنه مرتزق، يعني إذا كلم الوالي عن الربا مثلًا وانتشاره في بلد من البلدان، فجاء هذا المرتزق المتزلف فقال: النبي -﵊- في الحديث الصحيح يقول: «إنما الربا في النسيئة»، يعني ربا الفضل الذي تزاوله البنوك ما فيه شيء، هذا مرتزق بلا شك، وإلا لا يمكن أن ينفك ربا الفضل لا سيما ما تزاوله البنوك عن ربا النسيئة، لا يمكن، ما يمكن أن تأتي إلى البنك تقول: أعطني عشرة وأعطك إحدى عشر أو العكس، يمكن هذا؟ ما يمكن، لا بد من ربا النسيئة، نعم ربا الفضل يتصور في الأنواع الأخرى، لكن أكثر صور الربا التي تزاولها البنوك إنما هي في النقود، في الفلوس، ولا يمكن أن يأتي شخص فيقول: أعطني كذا وأعطيك أكثر أو أقل، فالتزلف إلى الخلفاء والأمراء لتتسع مجالسهم وينبسطوا إليهم، لكن الله -﷾- يعامل هؤلاء على نقيض قصدهم، فمجرد ما يفهم مقصده وهدفه لا شك أنه يسقط من أعين هؤلاء الخلفاء، يعني مسئول كبير اتصل على واحد وقصده الاختبار لبعض من ينتسب إلى العلم بحضرة مجموعة من الناس وقال لهم: إني أريد أن أختبر المشايخ وأنتم تسمعون، ضغط الاسبكر وقال ، على الشيخ الفلاني وقال له: أنا أريد أن أعتمر وعندنا خدم من ذكور وإناث لكنهم غير مسلمين، فكان الجواب: ما داموا معك يا طويل العمر الحمد لله، ويش ما داموا معك تذهب إلى مكة بكفار؟ ضغط على ثاني وقال: نريد أن نعتمر ومعنا خدم غير مسلمين ولا نقدر نخليهم؟ قال: أولًا: من الذي أدخلهم جزيرة العرب، لا يجوز إدخالهم جزيرة العرب، شوف فرق الجواب عن الجواب، وهم يريدون أن يختبروا هؤلاء، ولا شك أن الثاني أرفع عندهم من الأول، وإن جاء لهم بما يريدون، فهذا المتزلف المسكين وإن ظن أنه يقرب من قلوب هؤلاء لكنهم يميزون، ليسوا ببله ما يفهمون، يفهمون، وهم ينزلون الناس
[ ٧ / ١٦ ]
منازلهم، ومن حفظ دين الله حفظه الله بلا شك، ومن ضيع الدين ضيعه الله، والله المستعان.
قصد الواضع الشهرة ومحبة الظهور حيث جعل بعضهم لذي الإسناد الضعيف إسنادًا صحيحًا مشهورًا، وجعل بعضهم للحديث إسنادًا غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب منه سماعه، بعض الناس يركب إسناد على حديث وهو ليس له على شان يقال: إنه لا يروى هذا الحديث بهذا الإسناد إلا من طريقه، فيجتمع عليه الناس ليأخذوه منه، وهذا يقصد الشهرة، ومن قصد الشهرة ألبسه الله ثوب المذلة في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية، هذه أسباب دفعت أصحابها إلى تعمد الكذب على رسول الله -ﷺ-، لكن هناك أسباب أوقعت أصحابها في الكذب من غير تعمد ولا قصد من أهمهما:
غلبة الزهد والعبادة على بعض الناس حتى جعلتهم يغفلون عن الحفظ والتمييز، حتى صار الطابع لكثير من الزهاد الغفلة.
الأمر الثاني: ضياع الكتب أو احتراقها ممن يعتمد عليها ثم بعد ذلك يحدث من حفظه فيقع الغلط في كلامه، وذلك مثل عبد الله بن لهيعة.
الثالث: الاختلاط، فقد حصل لقوم ثقات أن اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم، خلطوا في الرواية، وقلبوا المرويات، وذلك مثل إسماعيل بن عياش وغيره، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا يسأل يقول: تخريج البخاري ومسلم لأحاديث الوحدان هل يكفي لتوثيق الراوي إذا روى في غير الصحيحين؟
لا شك أن تخريج البخاري ومسلم للراوي توثيق وتقوية له، فرواة الصحيحين كما قرر أهل العلم جازوا القنطرة، لكن يبقى أن الاحتياط والنظر في أحاديث غير الصحيحين آكد وأقوى، فننظر في هذا الحديث الذي رواه ذلك الراوي هل ووفق عليه؟ هل خولف؟ يبقى أن ينظر له من عدة جهات، وبقدر ما عند الشيخين من الاحتياط والتحري خرجوا لرواة تكلم فيهم كما تقدم، لكنهم حينما يخرجون لمثل هؤلاء إنما ينتقون من أحاديثهم، ينتقون من أحاديثهم ولا يخرجون لهم كل ما يروون، فقد يكون الراوي ثقة وهو في حديث أضبط منه في حديث آخر، فلا بد من النظر إلى الحديث والراوي من وجوه متعددة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ١٧ ]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بم يعرف الوضع؟
عرفنا الخبر الموضوع، المكذوب، الملصق، المنسوب إلى النبي -﵊- زورًا وبهتانًا، وعرفنا الأسباب الأسباب الحاملة لمن اقترف هذه الجريمة إلى ما صنع، والآن نعرض إلى شيء يعرف به الحديث الموضوع:
ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في المنار المنيف أن من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وله اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول -ﷺ- وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث يصير كأنه مخالط للرسول -ﷺ- كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول -﵊- وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، يقول: وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح، ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم.
هذا ظاهر لو أن شخصًا أحضر آخر ليخدمه بالأجرة ولزمه في الخدمة أكثر الوقت فإنه لا يحتاج إلى وقت طويل حتى يعرف ما يحب هذا الرجل وما يكره، وما يأكل وما يمنع منه إلى غير ذلك، ويعرف أن مثل هذا القول يمكن أن يصدر عنه، إذا درس وضعه ونفسيته وما لا يمكن أن ينسب إليه، وهذا إدراكه سهل بالنسبة للمتبوعين مع من يتبعون، والعلماء الفقهاء التابعون للمذاهب يعرفون ما يمكن أن ينسب إلى إمامهم وما لا ينسب، فلو جاء شخص نسب إلى الإمام أحمد قولًا لا يجري على قواعده وأصوله لبادر الحنابلة بتكذيبه، وهكذا بقيت المذاهب، وذلك لأنهم عرفوا ما يعجب الإمام أحمد وما لا يعجبه، وعرفوا أصوله وفروعه، كذلكم من اعتنى بسنة النبي -﵊- فإنه مع العناية والتحري وطول المذاكرة والمدارسة يعرف ما يمكن أن يضاف إلى النبي -﵊- وما لا يمكن أن يضاف إليه.
[ ٧ / ١٨ ]
يقول السراج البلقيني: إن لأئمة الحديث علامات يعرفون بها الموضوع، وشاهد ذلك أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنين وعرف ما يحب وما يكره فجاء إنسان وادعى أنه يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال: إنه يكرهه، وعلى ضوء تلك المعرفة من قبل هؤلاء النقاد مع خشيتهم من التباس الأمر على من يأتي بعدهم، هبوا لوضع علامات يعرف بها الموضوع، ويميز بها بين الصحيح من غيره، من هذه العلامات وإن لم تكن علامة إلا أنها يعرف بها أن الخبر موضوع:
إقرار الواضع: بأن يقر الواضع أنه وضع الحديث بعينه، كإقرار عمر بن صبح بأنه وضع خطبة نسبها إلى رسول الله -ﷺ-، إقرار الواضع، يعني إذا قال الواضع: إنه كذب على النبي -﵊- فوضع هذا الحديث، هل يكفي إقراره للحكم على الخبر بأنه موضوع؟ نقول: نعم يكفي إذا لم يعرف إلا من طريقه، نحكم عليه بأنه موضوع، إذا لم نعرفه إلا من طريقه، أما إذا ورد من طرق أخرى يثبت بها فلا.
ابن دقيق العيد قال: "وهذا" يعني إقرار الواضع يعني أن إقرار الواضع "كاف في تركه "وهذا -يعني إقرار الواضع- كاف في تركه، لكنه ليس بقاطع في كونه موضعًا لجواز أن يكون كاذبًا في هذا الإقرار" كاذبًا في هذا الإقرار، متى يتصور أنه كاذب؟ إذا أراد أن يفوت على الأمة العمل بهذا الخبر، فلو افترضنا أن جهميًا قال: أنا وضعت حديث ينسبه إلى النبي -﵊- يذم الجهمية، يذم به الجهمية، أو يذم به القدرية، لو قال معتزلي: إنه هو الذي وضع حديث: «القدرية مجوس هذه الأمة» يصدق؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩ ]
لماذا؟ هو يريد أن يبطل العمل بهذا الحديث أو يريد أن يقوي العمل بهذا الحديث، نعم؟ لو جاء شخص مثلًا حنفي إلى حديث يستدل به المالكية على مسألة يختلفون فيها مع الحنفية، فقال الحنفي: إنه هو الذي وضع هذا الحديث من أجل أن يبطل العمل به على المالكية، ما يصدق في إقراره، ومثله لو حصل الخلاف بين سني ومعتزلي فقال المعتزلي: أنه هو الذي وضع الحديث الذي يحتج به السني أو العكس، لا يقبل إقراره؛ لأنه يريد أن يفوت العمل بهذا الحديث الذي هو حجة عليه، يقول ابن حجر: "وقد فهم منعه –يعني كلام ابن دقيق العيد- بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلًا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب وهو هنا كذلك" الحكم معلق بالظن، حينما أقر أنه وضع هذا الخبر يغلب على الظن أن الخبر موضوع، لكن من هذا الطريق، من طريقه يغلب على الظن أنه موضوع، لكن لو ثبت لنا من طريق غيره نعم عملنا به، وكون الحديث يروى من طرق صحيحة ويأتي من طريق كذاب لا يضره، يقول: "ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به".
لو وجد قتيل لا يعلم قاتله، فجاء شخص يريد أن ينتحر فقال: بدلًا من أن ينتحر بدون مقابل لعله يكون سبب في إنقاذ القاتل الحقيقي وقدم نفسه وقال: إنه هو القاتل، أو قدم نفسه وقال: إنه زنى وهو محصن ليرجم، وبدلًا من أن ينتحر بنفسه يتخلص من هذه الحياة على حد زعمه، وينقذ القاتل الحقيقي، يؤاخذ بإقراره، يؤاخذ بإقراره؛ لأن إقراره يورث غلبة ظن، وإلا لو قلنا: إنه احتمال أن يكون كاذبًا لما اعتمد شيء من الإقرارات، والإقرار كما هو معروف أقوى من البينات.
[ ٧ / ٢٠ ]
الأمر الثاني: ما يتنزل منزلة إقراره كأن يحدث بحديث عن شيخ ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخًا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره في الوضع، يعني لو روى حديث عن شخص قلنا: متى مات هذا الشخص؟ قال: سنة مائة، وأنت متى ولدت؟ قال: سنة مائة وعشر كيف تروي عنه؟ هذا ينزل منزلة الإقرار، هو ما أقر بالوضع، لكنه في حكم الواضع.
الأمر الثالث: ما يؤخذ من حال الراوي بحيث تقوم قرينة من حاله تدل على أن ذلك المروي موضوع، من أمثلته ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي أنه قال: كنا عند سعد بن طريف فجاءه ابنه يبكي فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، هذه قرينة لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المساكين"، الظرف الذي قيل فيه هذا الكلام قرينة على أنه كاذب لأخزينهم اليوم.
الأمر الرابع: ما يؤخذ من حال المروي، وله عدة وجوه، منها: ركاكة معنى الحديث، سواءً ضم إليها ركاكة لفظه أم لا، أما ركاكة اللفظ وحدها فلا تكفي دليلًا على الوضع عند جمهور المحدثين الذين جوزوا الرواية بالمعنى؛ لأن هذه الركاكة يحتمل أن تكون من تصرف الرواة، لا سيما والرواية بالمعنى جائزة عند الجمهور.
كون الحديث مناقضًا لما جاء به القرآن الكريم أو السنة الصحيحة الصريحة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله -ﷺ- منه بريء.
[ ٧ / ٢١ ]
مخالفة الحديث لصريح العقل، في هذا يقول ابن الجوزي: "كل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع فلا تتكلف اعتباره"، لكن أي عقل يعتبر في مخالفة مثل هذه الأحاديث؟ الكلام على العقل الصريح، السليم، الذي لم تجتله الشياطين بالشهوات والشبهات، وليس في هذا مدخل لمن يسمي نفسه بالعقلاني، أو العقلانيين أن يعارضوا السنن بعقولهم المفتونة الضالة، كمن يعترض على حديث الذباب، يقول: لا أعتقد أن النبي -﵊- يقول هذا الكلام في حال كونه مبلغًا عن الله، وإلا فمن أين للذباب أن يدرك الجناح الذي فيه الداء والجناح الذي فيه الدواء؟ بعقله يرد الحديث الصحيح، هذا الكلام باطل لا شك أن لمثل هذه الحشرات والحيوانات قوى مدركة، وإلا فمن أين للنملة إذا أدخلت قوتها أن تقسم الحبة إلى نصفين لئلا تنبت؟ المقصود بالعقل الذي ينظر في الخبر الذي يخالفه العقل الصريح، فالعقل الصريح السليم من الأهواء، الباقي على الفطرة المستقيمة مثل هذا ينظر إليه، ولا يوجد خبر صحيح يناقض العقل الصريح.
لشيخ الإسلام -﵀- كتاب عظيم اسمه: (درء معارضة العقل للنقل) ما يمكن أن يعارض العقل الصريح النقل الصحيح، واسم الكتاب كما في بعض النسخ: (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول).
[ ٧ / ٢٢ ]
مخالفة الحديث للحس والمشاهدة وحقائق التاريخ: نعم إذا تضمن الحديث مخالفة للحس والمشاهدة لا شك أنه علامة على أنه غير ثابت، وهذه الأحاديث التي يحكم عليها بهذه القواعد هي الأحاديث التي لا تثبت بالأسانيد، أم الأحاديث التي تصح أسانيدها فإنها لا تعارض بمثل هذا، بل ينظر في الحس، أي حس وأي مشاهدة، وإلا قال بعضهم في حديث مخرج في صحيح البخاري: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» قالوا: هذا مخالف للواقع، «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» يقول بعض المفتونين: هذا مخالف للواقع كيف؟ «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» وغاندي حكمت الهنود سنين وأفلحوا، وتاتشر حكمت الانجليز وأفلحوا، وجلدمائير حكمت اليهود وهزمت العرب، إذًا الحديث هذا غير صحيح؛ لأنه مخالف للواقع والحس، نقول: أي واقع تعيشه أيها المسكين، تعارض حديث في صحيح البخاري بمثل هذه الفاجرات العاهرات، نسأل الله العافية، العبرة بالمسلمين الذين للرجال على النساء القوامة، أما بالنسبة للكفار مع أن عموم الحديث يتناولهم فكثير منهم أقل مرتبة من النساء؛ لأنهم في أحكام الحيوانات بل هم أضل، إذا مسخت الفطر قالت مثل هذا الكلام، نسأل الله السلامة والعافية.
من الأمارات كون المروي خبرًا عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله ثم لا يرويه إلا واحد، فإن انفرد هذا الواحد برواية هذا الحديث مع جسامة موضوعه وعظيم شأنه دل على أن هذا الواحد مختلق كذاب.
[ ٧ / ٢٣ ]
ونكرر ونعيد أنه إذا لم يوجد الحديث في دواوين السنة المعتبرة بالأسانيد الصحيحة فإنا نجري عليه هذه القواعد، وإلا فأي أمر جسيم أعظم من النية المشترطة لجميع العبادات، ولم ينقلها عن النبي -﵊- إلا عمر بن الخطاب، وقد خطب به عمر بن الخطاب على المنبر فلم ينقله عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم ينقله عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم ينقله عنه إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، هذا شرط لكل عبادة، هذه أمر جسيم، وتتوافر الدواعي على نقله وما نقله إلا هؤلاء، والحديث صحيح مجمع على صحته، لماذا؟ لأنه ثابت الأسانيد في الصحيح في دواوين الإسلام المعتبرة، لكن لو وقفنا على حديث لا يوجد في دواوين الإسلام إما في كتاب تاريخ أو في كتاب أدب أو ما أشبه ذلك، أو يتناقله الناس نعرضه على هذه القواعد، ونحكم عليه بذلك، يعني كون الخطيب يقتل على المنبر ولا ينقل الخبر من الحاضرين إلا واحد لا شك أن هذه أمارة على أنه كذب، لكن هذا الكلام لا يطرد في الأحاديث التي تروى بالأسانيد الصحيحة.
أن يكون المروي قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الهين اليسير، ومثاله: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهوِ في النار سبعين خريفًا» يعني إذا رتب الوعيد الشديد على أمر هين يسير إذا كان هذا الوعيد جاء بسند صحيح وفي ديوان معتبر من دواوين السنة ما المانع؟ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [(٢٣) سورة الأنبياء] «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا» كلمة، لكنها من سخط الله، أمر هين يسير، لكنه لا يلقي لها بالًا «فيهوي فيها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» هذا في صحيح البخاري، هل نقول: إن هذا شيء عظيم على عمل يسير؟ ما نقول مثل هذا أبدًا، قد يخلد الشخص في النار بسبب كلمة يكفر بها، وهي كلمة أمر يسير.
[ ٧ / ٢٤ ]
بالمناسبة الثوم الوارد في الخبر الموضوع السابق لما سئل عنه النبي -﵊- كما في صحيح مسلم أحرام هو؟ قال: «لا أحرم ما أحل الله»، وهنا يقول: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهوِ في النار سبعين خريفًا» هذه أمارة على وضعه، لكن «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا تكون من سخط الله يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» هذا في البخاري، هل يستطيع أحد أن يطبق عليه مثل هذه القاعدة؟ لا، فهذه القواعد لأحاديث لا تروى بأسانيد ولا توجد في دواوين الإسلام.
أو يتضمن الإفراط بالوعد العظيم على الفعل القليل، ومثاله: «من صلى الضحى كذا وكذا أعطي ثواب سبعين نبيًا» مثل هذا الكلام يمكن أن يصدر من النبي -﵊-؟ وأن العبد لو عُمِّر عمر الدنيا ومكث ساجدًا وقلنا: إن هذا مشروع بالنسبة له هل يساوي ثواب نبي واحد؟ لا يمكن، والله المستعان.
ليس من هذا ما يروى بالأسانيد الصحيحة في كتب السنة في الصحيحين وغيرهما: «من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» سبحان الله وبحمد في دقيقة ونصف تقال مائة مرة، هذا ثواب عظيم على أمر يسير، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، كم من محروم يسمع مثل هذا الكلام ولا يقوله، وليس من ذلك: «من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه يذكر الله حتى إذا طلعت الشمس صلى ركعتين كان له أجر حجة تامة» ليس من هذا، والحديث قابل للتحسين.
من السهل اليسير على الناس أن يذهب إلى مكة ويأخذ عمرة أو يأخذ حجة سهل ميسر على نفسه، لكن من يجلس بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس؟ هذا من أشق الأمور على النفس، لا سيما من لم يتعود ذلك ويمرن نفسه على ذلك، من السهولة بمكان أن تركب السيارة وتنتقل من بلد إلى بلد، لكن من الصعوبة أن تقوم من فراشك إذا بقي على صلاة الصبح ساعة وتصلي ما كتب لك، أعمال يسيرة لكنها بالنسبة لمن يسرها الله عليه، وإلا فالجنة حفت بالمكاره كما هو معلوم.
المقصود أن مثل هذه القواعد لا تطبق على الأحاديث التي تروى بأسانيد ثابتة في الكتب المعتبرة مهما تضمنت من الوعد أو من الوعيد.
[ ٧ / ٢٥ ]
من الأمارات الدالة على وضع الحديث: عدم وجود الحديث في بطون الأسفار بعد تدوين السنن، فإذا فتشت هذه الأسفار وهذه الكتب المعتمدة عند أهل العلم، ولم يظفر به فيها، فإنه يعلم كذبه، لعلمنا أن الأخبار قد دونت، ما نقله ابن الصلاح عن البيهقي، يعني إذا سمعنا حديث وبحثنا عنه في الكتب ما وجدناه، من أين جاء به صاحبه؟ لا بد أن يكون موضوعًا؛ لأن السنة دونت.
ولا يقول قائل: إن الأئمة يحفظون مئات الألوف من الأحاديث ولا وصلنا إلا عشر ذلك، نقول: لا، الأمة معصومة من أن تفرط بشيء من دينها، بل الدين كله محفوظ، ما فرط بشيء منه، لكن الأئمة يحفظون الأحاديث بأسانيدها، فرب حديث يروى من مائة طريق يعدونه مائة حديث، ولا يتصور أن الأمة بكاملها فرطت بشيء من دينها، فإذا نقل الحديث من تقوم به الحجة اكتفوا به عن غيره، وغير ذلك من العلامات التي نصبها الأئمة دلائل على وضع الحديث وليس معنى ذلك أن هذه العلامات يسيرة معلومة لكل إنسان، وإنما ذلك لجهابذة الحديث فقط، فهم الذين لديهم الأدوات الصحيحة التي يميزون بها صحيح حديث رسول الله -ﷺ- من غيره تمييزًا دقيقًا، ليس لكل أحد أن يقول: أنا أعرف من خلال هذه العلامات أن أطبق على الأحاديث التي تمر علي، يأتي إلى حديث في السنن؟ نقول: لا، هذا حديث تضمن وعد عظيم على عمل يسير، أو وعيد، أو مخالف للحس والمشاهدة، أي حس؟ مخالف للمعقول أي عقل؟ هذا للأئمة.
[ ٧ / ٢٦ ]
حكم رواية الحديث الموضوع: اتفق العلماء على تحريم رواية الأحاديث الموضوعة مع العلم بوضعها، سواءً كانت في الأحكام، أم في القصص والترغيب والترهيب ونحوها، إلا مع بيان وضعها، فمن بين فهو مثاب على صنيعه فإنه ينفي الزغل عن سنة رسول الله -ﷺ-، وأما من يرويه من غير أن يبين حاله فهو آثم شديد الإثم لحديث: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَين» «أو الكاذبِين» رواه مسلم في مقدمة الصحيح، وبهذا نعلم خطأ من أورد الموضوعات من المفسرين كالنقاش والثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي، وإسماعيل حقي وغيرهم، هؤلاء أوردوا أحاديث موضوعة في فضائل السور، النقاش والثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي، هؤلاء أوردوها وسكتوا، أما إسماعيل حقي فأوردها وجاء بالحجة السخيفة التي احتج بها من يقول: إننا لا نكذب على النبي -﵊- بل نكذب له، قال: إن كانت ثابتة فبها ونعمت وإن لم تكن ثابتة فقد قال الأول: إننا لم نكذب على النبي وإنما كذبنا له، وهذا جهل، جهل شديد، الدين ليس بحاجة إلى دعاية أبدًا، الدين كامل شامل، ليس بحاجة إلى ترويج بالأقوال الباطلة المزيفة، وكذلك من أوردها من الفقهاء والمؤرخين والأدباء وغيرهم، كثير في كتب هؤلاء، كتب الفقه كتب التاريخ، الأدب، فيها موضوعات كثيرة، فلا يجوز أن تروى هذه الأحاديث الموضوعة إلا مقرونة ببيان كذبها، ولا يجوز للخطيب أن يلقي على الناس في خطبة الجمعة أحاديث لا يعرف حكمها، لعموم حديث: «من حدث عني بحديث يرى -ما يلزم أن يرى هو لو رآه بعض السامعين- يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين» لا بد أن يتأكد مما يلقي، إذا روى حديثًا موضوعًا لتحذير الناس منه لا بد أن يبين أنه موضوع، في السابق كان الأئمة يكتفون بذكر الإسناد؛ لأن الناس يعرفون من خلال الإسناد يعرفون درجة الحديث، ثم بعد ذلكم لما حذفت الأسانيد واختصرت، صار الناس يكتفون بقولهم: هذا حديث صحيح، هذا حديث ضعيف، هذا حديث موضوع، لكن آل الأمر إلى أن لا تعرف هذه الاصطلاحات، يعني ما يكفي أن يؤتى بحديث موضوع على المنبر ويقول الخطيب: هذا حديث موضوع، عامة الناس لا يعرفون موضوع، الموضوع، إيش الموضوع؟
[ ٧ / ٢٧ ]
لا بد أن يقول: هذا مكذوب على النبي -﵊-، يأتي بكلام يفهمه المخاطب.
وقد حصل أن الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- سئل عن حديث فقال: "هذا حديث مكذوب لا أصل له"، فقام إليه شخص ممن ينتسب إلى العلم من الأعاجم، فقال: "كيف تقول يا شيخ: هذا مكذوب وهو موجود في كتب السنة بالأسانيد يروى بالأسانيد؟ فأحضره من الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، والآن عامة الناس بل كثير من المثقفين ما يعرف معنى كلمة موضوع، فعلى هذا لا بد من البيان، والله المستعان.
المتروك:
قال الحافظ: "والثاني: المتروك" الثاني يعني حديث المتهم بالكذب يسمى المتروك، وهو في اللغة: اسم مفعول من الترك يقال: تركه يتركه تركًا وتركانًا، واتركه كافتعله، والتريكة كسفينة البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ، والتريك العنقود إذا أكل ما عليه، فهي فعيل بمعنى مفعول، فكل هذه متروكة، فالعنقود إذا أكل ما عليه، البيضة إذا خرج منها الفرخ كلها متروكة؛ لأنها لا فائدة فيها، فالمتروك ما لا فائدة فيه.
واصطلاحًا: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب، وعرفنا متى يتهم الراوي بالكذب؟ إذا روى حديثًا مخالف للقواعد بحيث لا يروى إلا من طريقه يتهم بالكذب، إذا كان مشتهرًا بالكذب في كلامه مع الناس، في كلامه العادي، ولم يعرف عنه الكذب في حديث النبي -﵊- مثل هذا يتهم بالكذب.
وهذا النوع مستقل ذكره الحافظ، وإن لم يذكره قبله ابن الصلاح ولا النووي، ومثاله: ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس -﵄- أن النبي -﵊- كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر، فهذا الحديث متروك؛ لأنه من رواية إبراهيم بن عثمان العبسي، وهو متروك الحديث كما في التقريب وغيره.
[ ٧ / ٢٨ ]
رتبة الحديث المتروك: تقدم أن شر الأحاديث الموضوع، وعرفنا ما نوقش به الخطابي وابن الصلاح في إضافتهم الموضوع إلى الأحاديث، شر الأحاديث الموضوع، وقلنا: إنه يراد بالأحاديث هنا أعم من المرفوع إلى النبي -﵊-، بل يشمل ما يتحدث به، ويليه المتروك، يلي الموضوع المتروك، ولذا جعله الحافظ ابن حجر -رحمة الله عليه- بعد الموضوع، جعل المتهم بالكذب بعد الكاذب أو الكذاب، وجعل المتروك بعد الموضوع، يليه المتروك ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب، وسيأتي بيانها -إن شاء الله تعالى-، لذا يرى العلماء أن المتروك لا يصلح للاعتبار، يعني لو وجدنا حديث متروك وآخر متروك وثالث متروك، وعاشر متروك، هل ترتقي هذه الأحاديث بمجموعها إلى الحسن لغيره؟ لا، الحديث المتروك لا يصلح للاعتبار؛ لأن وجوده كعدمه، ودليل ذلك أن الترمذي لم يعتبر رواية الحسن بن دينار عن ابن سيرين؛ لأن الحسن متروك الحديث، ولذلك قال -أي الترمذي- بعد رواية حديث: «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما» قال: هذا حديث غريب لا نعرفه بإسناد إلا من هذا الوجه، وقد أوضح السيوطي عبارة الترمذي هذه بقوله: "أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك لا يصلح للمتابعات" يعني وجوده مثل عدمه.
المنكر:
"والثالث: المنكر على رأي"، الثالث بعد المتهم بالكذب، فاحش الغلط، "وكذا الرابع والخامس"، الغفلة والفسق، يعني أن الوجه الثالث من أوجه الطعن في الراوي وهو فحش الغلط حديثه يسمى المنكر، على رأي من لا يشترط قيد المخالفة.
[ ٧ / ٢٩ ]
تقدم لنا في المنكر أنه ما يرويه الضعيف مخالفًا فيه الثقات على ما تقدم، "فإن خولف بأرجح" يعني الثقة "فالراجح المحفوظ" والمرجوح الشاذ، ومع الضعف فالراجح المعروف، والمرجوح المنكر، هذا مع قيد المخالفة فيما قرره الحافظ فيما تقدم، ولذا قال هنا: "المنكر على رأي"، على رأي من لا يشترط قيد المخالفة، وكذا الوجهان الرابع والخامس وهما كثرة الغفلة والفسق، فإن حديث كثير الغفلة المغفل والفاسق يسمى المنكر، وقد تقدم الكلام على المنكر.
المعلل:
يقول الحافظ: "ثم الوهم" "ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل"، يعني إذا قامت القرائن على وهم الراوي من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث أو نحو ذلك من القوادح فإنه يسمى المعلل، والمعلل اسم مفعول ولا يوجد في كتب اللغة علل إلا بمعنى ألهى بالشيء وشغله به، من تعليل الصبي بالطعام، وأما معلول فهو موجود في كلام كثير من اللغويين والمحدثين، ولم يرتضيها كثير من أهل العلم، قال ابن الصلاح: إنه مرذول، يعني إذا قيل: هذا حديث معلول، هو موجود في كلام أهل العلم لكنه من حيث اللغة مرذول، وقال النووي: لحن، وقال الحريري: لا وجه لهذا الكلام البتة، والأولى في تسمية هذا النوع أن يقال: معل، بلام واحدة، رجحه الحافظ العراقي، وهو اسم مفعول من عل يعل واعتل وأعله الله فهو معل بلام واحدة، وهو الأكثر عند اللغويين والمحدثين؛ لأنهم يقولون: أعله فلان بكذا فهو معل.
[ ٧ / ٣٠ ]
واصطلاحًا: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، والعلة: عبارة عن سبب خفي غامض يقدح في الحديث، سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث الذي ظاهره السلامة، وعلل الحديث من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها وأشرفها، حتى قال ابن مهدي: "لأن أعرف علة حديث واحد أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي" أعرف علة حديث واحد أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي، من يقول هذا الكلام؟ ابن مهدي، لكن هذا بالنسبة لابن مهدي ومن في حكم ابن مهدي، أما طالب العلم المبتدئ يكتب عشرين حديث من الأحاديث الصحيحة ويفهم ما اشتملت عليه من أحكام وآداب أفضل له من أن يعرف علة حديث واحد بل أحاديث، إذا أتقن الأحاديث الصحيحة وتفقه عليها وعرف كيف يعمل بها؟ يتجه إلى الأحاديث المعلة، فالمعل من أغمض أنواع علوم الحديث لا ينوء به إلا الأئمة الكبار، ومن تصدى لهذا العلم وأفرغ نفسه لهذا نعم، هذه مرحلة متقدمة، ولذا لو قال طالب: إنه يريد أن يبدأ بالإلزامات والتتبع للدارقطني، أو يبدأ بعلل ابن أبي حاتم، أو يبدأ بعلل الدارقطني قبل الصحيحين، قلنا له: لا، هذا المنهج ليس بسليم، نقول: ابدأ بالصحيحين واحفظ ما تستطيع حفظه من أحاديثهما، وافهم هذه الأحاديث واستنبط واعمل، ثم بعد ذلك إذا تأهلت لمعرفة العلل وفهمها، هذا فرق، ثم يأتي يكون حكمك ما قاله ابن مهدي: "لأن أعرف علة حديث واحد أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي"، أما شخص فارغ من الأحاديث ما يحفظ شيء ولا يفهم شيء يأتي إلى العلل، نقول: لا، ولا يقوم بهذا النوع إلا من رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وغيرهم.
أجناس العلل:
[ ٧ / ٣١ ]
أجناس العلل: للعلل أجناس كثيرة ذكر الحاكم في معرفة علوم الحديث عشرة منها على سبيل التمثيل لا الحصر، أي لا يمكن حصرها لدقة هذا النوع من أنواع علوم الحديث وخفائه، بل مجرد ما يشتمل الحديث على سبب يخرجه من حال الصحة إلى حال الضعف فإنهم يسمونه معلًا، ولذا نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ والجهالة وغيرها، هذه علل تقدح في صحة الأحاديث، لكنها علل ظاهرة وليست خفية، وقد أطلق بعضهم اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، قال أبو يعلى الخليلي: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، هناك علل لكنها ليست قادحة، يعني إذا جاء الحديث عن سفيان، ولم نستطع أن نميز سفيان هل هو ابن عيينة أو الثوري؟ هذا لا يقدح في الحديث لكنه علة، يعني ما استطعنا أن نميز، إذا جاء من طريق حماد هل هو ابن سلمة أو حماد بن زيد ولم نستطع نقول: هذه علة لكنها ليست بقادحة، ولذا قيدوا العلل المشترط انتفاؤها لصحة الخبر بكونها قادحة.
فالأول المتصل الإسنادِ بنقل عدل ضابط الفؤادِ
عن مثله من غير ما شذوذِ وعلة قادحة فتوذي
أما العلل غير القادحة فإنها لا تؤثر، سمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث، سمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث، في علل الجامع لما ذكر حديث: «الماء من الماء» قال: "وقد بينا علته في الكتاب"، بينا علته في الكتاب، وهو في الكتاب في جامعه ذكر أن الحديث منسوخ، فهذه علة الحديث، فالترمذي يسمي النسخ علة، لا شك أنه علة بالنسبة للعمل، وأما بالنسبة للصحة فالحديث صحيح.
أقسام المعل: ينقسم المعل بحسب موقع العلة إلى ثلاثة أقسام:
[ ٧ / ٣٢ ]
الأول: المعل في السند، ومثاله: ما روى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» فهذا الحديث ظاهره الصحة، حتى اغتر به غير واحد من الحفاظ كالترمذي وغيره فصححوه، لكن فيه علة خفية قادحة، والصواب فيه ما رواه وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هنا قال: عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، والصواب: عن سهيل عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسبب تصويب هذه الرواية قول البخاري: "لا أعلم لموسى سماعًا من سهيل" لا أعلم لموسى سماعًا من سهيل؛ لأنه إذا لم يكن معروفًا بالأخذ عنه وجاءت عنه رواية خالف راويها من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه رجحت رواية الملازم، فبهذا يوجه تعليل البخاري، وأما من صححه فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة بل يجوز أنه عند موسى بن عقبة على وجهين، ولا شك أن مثل هذا الكلام في غاية الدقة، ما المانع أن يصحح الحديث من الوجهين؟ ويكون موسى بن عقبة ثبت سماعه لسهيل خلافًا لما يقوله البخاري هذا رأي البخاري، لكن رأي غيره أن موسى سمع من سهيل، ويكون الحديث مروي على الوجهين: من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ومن طريق سهيل عن عون إلى آخره.
[ ٧ / ٣٣ ]
الثاني: المعل في المتن، ومثاله: ما روى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه» فلما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كلهم أئمة ثقات، لما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة صحح الحديث جماعة وقالوا: هو على شرط الشيخين؛ لأن الشيخين قد أخرجا لرجاله، أخرجا عن معمر وعن الزهري وعن سعيد وعن أبي هريرة، فهو على شرط الشيخين إذا نظرنا إلى الإسناد، لكن أئمة الحديث طعنوا فيه ولم يروه صحيحًا بل رأوه خطأً محضًا، والثقة الضابط قد يخطئ، قال الترمذي: "هذا خطأ أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله -ﷺ- سئل عن فارة سقطت في سمن فقال: «ألقوها وما حولها، فاطرحوه وكلوا سمنكم» يعني من غير تفريق بين المائع والجامد، رواه البخاري.
الثالث: المعل في السند والمتن معًا، ومثاله: حديث بقية عن يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فقد أدرك» قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: "هذا خطأ في المتن والإسناد، إنما هو الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة" يعني وليس الزهري عن سالم عن أبيه، الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: «من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها» «من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها» فعلة الإسناد كونه قيل: عن الزهري عن سالم عن أبيه، وحقيقته إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعلة المتن كونه (من أدرك ركعة من صلاة الجمعة) وصوابه الركعة مطلقة من أي صلاة كانت، «من أدرك من صلاة -أي صلاة كانت- ركعة فقد أدركها» وأما قوله: «من صلاة الجمعة» فليس هذا في الحديث فوهم في كليهما في السند والمتن، ونقل ابن الجوزي عن ابن حبان أن هذا الحديث خطأ إنما الخبر: «من أدرك من الصلاة ركعة» وذكر الجمعة أربعة أنفس عن الزهري عن أبي سلمة كلهم ضعفاء.
[ ٧ / ٣٤ ]
بم تعرف العلة؟
تعرف العلة في الحديث بأمور منها: الإلهام من الله -﷾-، الإلهام من الله -﷾-، لكن هذه الدعوى قد يدعيها الجهال يقول: هو ملهم، أنا أدرك لهذا الحديث علة، ولا أستطيع التعبير عنها، كما يقوله الأئمة الكبار، يعلون الحديث يقولون: هذا خطأ، لكن تسأله لماذا خطأ؟ ما يعرف، الله أعلم، فالأئمة الكبار هم محل هذا الإلهام، أما الجهال ليسو بأهل لمثل هذا الإلهام، وأسوأ منهم من يصحح ويضعف بطريق الكشف، يزعم أنه رأى النبي -﵊- فقال له: حديث كذا. . . . . . . . . كذا، وحديث كذا كذا، اعمل بكذا، واترك كذا، هذا لا شك أنه من تلبيس الشيطان، والدين كامل، والرؤيا رؤيا النبي -﵊- حق، لكنها لا يثبت بها شرع، لا يثبت بها شرع، فبموته -﵊- كمل الدين، وانقطع الوحي، فنقول: الإلهام من الله -﷾- الناشئ عن الإخلاص لله -﷿- فبه يستطيع المحدث -بهذا القيد- التمييز بين صحيح الحديث من عليله، وقد لا يستطيع المحدث التعبير عن إقامة حجة على دعواه، قال عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة علل الحديث إلهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة"، كثير من الناس يجزم بأن هذا الكلام خطأ، لكن كيف خطأ؟ لا يستطيع أن يعبر، لا يستطيع أن يعبر، "فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك" لكن يكفي أن تذهب لابن مهدي فيقول لك: الحديث معلول، تسأله عن الحجة لا
[ ٧ / ٣٥ ]