فإن كان عالمًا وبحديثه عارفًا:
فاستماعه إلى القارئ وإقراره بالمقروء عليه بقوله: نعم، أو ما في معناه، مغنٍ عما عداه، سواءً كان القارئ من أهل المعرفة بدقائق المحدثين، أو لم يكن بها من العارفين، أو قرأه على الأصل أو من الفرع المنسوخ منه، فإنه يعرف حديثه ويرد عليه الخطأ والتصحيف، والخطل والتحريف، ولا يروي إلا
[ ٤٣ ]
على شرط الصحة.
هذا ظاهر بينٌ.
وإن كان الراوي شيخًا صحيح السماع، إلا أنه لا يعرف حديثه:
فالاعتماد في روايته على المفيد عنه لا عليه، يقلده السامعون فيما يقرؤه وينتخبه، بعد تيقنهم أنه ثقةٌ عارفٌ بحديث الشيخ، غير منحرفٍ في أركان الحديث وقواعد الرواية والتحديث عن نهج الصواب والطريق المهيع.
إلا أنه مع ذلك كله لا يستغني عن إعلام الشيخ حال القراءة أن الجزء عمن سمعه ومن الذي به حدثه.
وإن كان تخريجًا عن شيوخٍ (شتى)، وفوائد من رواياتٍ متفاوتةٍ:
فلا بد أيضًا من أن يتوقف في ابتداء حديث كل شيخٍ على حدة، ويتأنى في ذكر اسمه من غير إدراجٍ ولا إدغامٍ -كما يتأتى له، وجرت به عادة
[ ٤٤ ]
القراء- بحديثٍ في أثناء القراءة، حتى يعلم الشيخ من ابتداء الجزء إلى انتهائه بإعلامه إياه.
وهذا القدر كافٍ لا يحتاج معه إلى ما هو أكثر منه أصلًا.
وقراءته عليه من أصل سماعه، أو من فرعه المنقول من الأصل المقابل به سيان.
على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم.
ولم يزل الحفاظ قديمًا وحديثًا يخرجون للشيوخ من الأصول، فتصير تلك الفروع بعد المقابلة بها أصولًا، وهل كانت الأصول أولًا إلا فروعًا؟ !
منهم إبراهيم بن أورمة الأصبهاني، وأبو زرعة الرازي، وأبو مسعود أحمد ابن الفرات الرازي الضبي نزيل أصبهان، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وصالح بن محمد البغدادي جزرة -المقيم بما وراء النهر-، وأبو محمد البلاذري، وأبو علي النيسابوري، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، وأبو القاسم الطبراني الثاوي بأصبهان، وعمر بن جعفر البصري، ومحمد بن المظفر البغدادي، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو عبد الله بن بكير، وأبو عبد الله بن منده
[ ٤٥ ]
الأصبهاني، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وخلف بن محمد بن علي الواسطي، وعبد الغني بن سعيد المصري، وأبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه وأبو نعيم الأصبهانيان، وأبو علي الوخشي البلخي، وأبو الفضل الفلكي الهمداني، وأبو نصر السجزي الوائلي، وأبو عبد الله الصوري، وأبو بكر الخطيب البغدادي، (فيمن) قبلهم، ومن بعدهم.
وكذلك قراءته عليه من الفرع المكتوب من الأصل قبل المقابلة، وأحد الحفاظ المبرزين ينظر فيه ويضبط له، حتى يصححه: بمثابة القراءة من الأصل أو الفرع المقابل المصحح، إذ القصد من ذلك كله حصول السماع على وجه الصحة.
ولعمري، إن وقوفه على اسمه في الجزء في حالة السماع منه مما لا يضر، بل ينفع! لأنه ليس بشرطٍ لا يصح السماع دونه، إذ لو كان شرطًا لذكروه في الكتب المصنفة، ولم يذكروه أصلًا والبتة.
فإما أن يكون الشيخ أميًا لا يفرق بين الصحيح من سماعه وبين السقيم:
فإعطاؤه الجزء حتى ينظر اسمه، ويقال: الآن صح السماع، ومن لم يفعل ذلك عيب عليه، فهذا نوعٌ من العبث! لم نعهد عليه أحدًا من حفاظ عصرنا، لا في بلدٍ دخلته، ولا في أصبهان مصرنا، ولا حكي أيضًا لنا عن أحدٍ من المتقدمين قبلنا.
[ ٤٦ ]
قصة يرويها المصنف تبين ذلك
ولربما أقر هذا الشيخ الأمي في بعض الأحايين لشيءٍ قرئ عليه بعد وقوفه على اسمه في طرر جزءٍ أو كتابٍ كتب عنه، فيؤدي إقراره إلى إسقاطه! -وترك الرواية عنه أولى- وإلى ضعف روايته.
هذا وقد مقل اسمه في الجزء بخط من نقل عنه.
مثلًا:
إذا كان القارئ عليه أو المنتخب له مغفلًا، غير بصيرٍ بأسباب الرواية، ولا معدودًا في جملة أرباب الدراية، وظفر بكتابٍ قرئ على شيخ من شيوخه في مجالس شتى وأوقاتٍ مختلفة، ويرى فيه علاماتٍ وبلاغاتٍ، وفي بعضها سماع هذا الشيخ مثبتٌ، فيشتبه عليه، فيترك ما هو من سماعه، ويكتب ما ليس بمسموعٍ (لم يقره) عليه، زعمًا منه أنه صحيح!
وهذا ما شاهدته أنا في العراق، وذلك أنه كان لي بلدي صالحٌ دينٌ حريصٌ على التحصيل، رحل معي من أصبهان سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة إلى الشيخ أبي الخطاب نصر بن أحمد البطر الرازي لكتاب الدعاء وغيره من أمالي القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، وكان آخر
[ ٤٧ ]
من حدث في الدنيا بحديثه عاليًا عن أبي محمد بن البيع عنه -﵏-
فكان يسمع بقراءتي عليه وعلى غيره من شيوخ بغداد، وأقابل معه، وأدله على المهمات والكتب الكبار التي لا أقدر أنا على نسخها في تلك الأيام، طمعًا في أن أنسخها من نسخةٍ بعد قضاء الوطر والعود إلى الوطن.
فعزم على التوجه إلى بيت الله الحرام، وإسقاط الفرض عنه في ذلك العام، إذ لم يكن قد حج بمضي.
وكتب باجتيازه بالكوفة وبعد رجوعه من الحجاز عن أبي البقاء المعمر بن محمد بن علي الحبال أجزاءً من مسند أبي عمرو أحمد ابن حازم بن أبي غرزة الغفاري، من رواية جناح بن نذير
[ ٤٨ ]
المحاربي، ورواية زيد بن أبي هاشم العلوي، جميعًا عن محمد بن علي ابن دحيم الشيباني عنه، واستجاز لي من الشيخ.
فلما وصل إلى مدينة السلام عرضها علي، وفرحت بها له ولي.
ثم إنه أقبل على النسخ والسماع على عادته المستمرة، وتمادى في المكث واللبث، إلى أن قدم علينا هذا الشيخ من الكوفة، فاجتمع عليه أصحاب الحديث لعلو سنده، ولم يك صاحب أصولٍ ولا ذا معرفةٍ بالحديث، إلا أن شيخنا أبا الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي الحافظ -الملقب بأبي الكوفي- كان قد كتب له جزئين، وكانا معه.
فأحضرت تلك الأجزاء برمتها، وقرأها الشيخ أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي الحافظ مع جزئه، ونسخها قومٌ، ونسخت
[ ٤٩ ]
أنا بعضها اعتمادًا على ديانة هذا الكاتب وأمانته.
فلما كانت سنة سبعٍ وتسعين، قدم الشيخ والدي بغداد مودعًا بيت الله الحرام، وتربة رسوله عليه أفضل الصلاة [والسلام]، فألح علي أن أصحبه، وبالغ في ذلك، وامتنعت لما كنت بصدده من التفقه والاشتغال بالحديث وقراءة الأدب، فأبى إلا الخروج معه! وأعانه على ذلك الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن أبي المظفر السمعاني، إمام أصحاب الشافعي بمروٍ ونواحي خراسان.
[ ٥٠ ]
وكان قد قدم بغداد حاجًا ونفرٌ من حفاظ أصبهان وغيرها، فلم أستصوب مخالفتهم ولا استحسنتها، إذ كانوا يدعون إلى الخير.
فخرجت حاجًا معه ﵀.
فعند وصولنا إلى الكوفة سمعنا من أبي البقاء هذا وأبي وآخرين مروا قريبًا.
ثم إني بعد قفولي عن الحجاز ووصولي إلى الكوفة شتوت بها، واستوفيت عن محدثيها، واستعرت الأصول وطالعتها.
[ ٥١ ]
فأخرج لي الشريف عمر الموسوي النحوي في جملة ما أخرج جزءًا فيه بلاغاتٌ عن جناحٍ وابن أبي هاشم، وكان في بعض الجزء سماع المعمر عن ابن أبي هاشم.
وكان الأصبهاني المذكور آنفًا قد اشتبهت عليه البلاغات! ولم يمكنه إخراج الصحيح من ذلك، ولا راجع أبيًا الحافظ، فكتب ما ليس من سماعه عن جناح، وترك ما هو سماعه عن ابن أبي هاشم!
فشكرت الله تعالى كيف بان لي الصحيح، وكتبت مسموعه من الجزء، وقرأته عليه، وكان معي منه حديثٌ في تخريج، فضربت عليه هناك بالكوفة، ومزقت بعد رجوعي إلى بغداذ ما كنت قد كتبته خطأً وغلطًا، اعتمادًا على نسخ بلديي الصالح.
ولله در القائل، على الرأي الكامل لا الفائل:
وللحروب رجال يعرفون بها وللدواوين كتابٌ وحساب
[ ٥٢ ]
وقد ذكرت أنا هذا المعنى في جملة أبيات من اللزوم ببردعة، فقلت -والله تعالى أعلى ذكرًا وأقوم قيلًا-:
ترى فئةً لدى الهيجاء أسدًا وآلافًا منازلهم حجال
وأقوامًا خواطرهم جماد وقومًا جل شعرهم ارتجال
وللديوان كتابٌ كفاةٌ تعنوا في تأدبهم وجالوا
وللأخبار والسنن الجلايا ومعرفة الرجال كذا رجال
تعالى الله لم يخلق كفاءً وفي هذا البساط لنا مجال
فالأولى والأصوب في حق أمثال هؤلاء الشيوخ أن يقتصر على ما قدمته من الاعتماد على المفيد عنهم، الحافظ لسماعاتهم، المتحري عن معرفةٍ لا
[ ٥٣ ]