يدعوه التوفيق إلى الاجتماع بغيره من العلماء والبحث معهم فيها، أو إلى مكاتبتهم في ذلك.
هذا مع تيسر طرق المواصلات في هذه الأعصار، فأصبحت المسافة التي كانت لا تُقْطَع إلا في أشهر أو سنين، مع المشاق والمخاوف والعوائق والقواطع تُقْطَع الآن في أيام، مع الأمن والراحة، وكذلك حال المكاتبات.
ولقد كان العالم يبيع ضنائنه لكي يتزوَّد لسفر بعيد ليجتمع بعالم آخر، وكثيرًا ما كانت تعرض لهم المشاق الشديدة في البر والبحر، ويُعرّضون أنفسهم للمهالك، كلُّ ذلك رغبةً في العلم.
حتى لقد كان بعض الصحابة ــ ﵃ ــ يسافر من المدينة إلى مصر ليجتمع بصحابي آخر هنالك ليستثبته في حديث واحد سمعاه معًا من النبي - ﷺ -!!
ففي "مسند الإمام أحمد" (ج ٤، ص ٦٢) و(ج ٥، ص ٣٧٥) (^١) من طريق عبدالملك بن عُمير عن مُنيب (^٢) عن عمه قال: بلغ رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أنه يحدث فرحل إليه وهو بمصر، فسأله عن الحديث، فقال: نعم سمعت النبي - ﷺ - يقول: "من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة". قال: وأنا سمعته من النبي ﵌.
_________________
(١) (١٦٥٩٦ و٢٣١٨٥).
(٢) وقع في النسخة المطبوعة في الموضع الأول: "مسيب"، وفي الثاني: "هييب"، وفي "تعجيل المنفعة" المطبوع بمطبعتنا ــ دائرة المعارف ــ: "منيب" ذكره بعد منصور. [المؤلف].
[ ١٥ / ٤٢٠ ]
وفي "المسند" أيضًا (جلد ٤، ص ١٥٣) (^١) عن ابن جريج قال: سمعت أبا سعيد (^٢) يحدث عن عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فأتى عقبة، قال: حدِّثْنا ما سمعتَ من النبي - ﷺ - لم يبق أحدٌ سمعه. قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَنْ سَتَر على مؤمن في الدنيا ستره الله يوم القيامة". فأتى راحلته فركب ورجع. وعقبةُ بن عامر كان بمصر.
لمّا بلغتُ إلى هنا انتبهت لاتفاق عجيب، وهو أنّ الآثار التي استشهدت بها تدور على مصر، فالليث بن سعد مصري، والشافعي استوطن مصر، والأثران اللذان نقلتهما عن "المسند" كانت الرحلة فيهما إلى مصر، و"المسند" طبع مصر، وكتابا "تهذيب التهذيب" و"تعجيل المنفعة" كلاهما من تأليف الحافظ ابن حجر المصري! !
وفي "سنن أبي داود" (^٣) وغيرها عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إنّي جئتك من مدينة رسول الله ﵊؛ لحديث بلغني أنّك تحدّثه عن رسول الله - ﷺ -، ما جئت لحاجة ــ يعني غير ذلك ــ.
هكذا كان القوم، فأصبح أحدنا يتثاقل عن بضع خطوات يمشيها إلى عالم، أو يضنّ ببضعة أَفْلُس يبتاع بها طوابع للبريد ليكتب بها إلى عالم.
_________________
(١) (١٧٣٩١).
(٢) كذا في "المسند" المطبوع، وفي "تهذيب التهذيب" المطبوع بمطبعتنا ــ دائرة المعارف ــ: (أبو سعد الأعمى)، وفي "تعجيل المنفعة": (أبو سعد، ويقال: أبو سعيد). [المؤلف].
(٣) (٣٦٤١).
[ ١٥ / ٤٢١ ]