الْمطلب الأول: معنى الطّرق:
التَّمْهِيد: التَّعْرِيف بطرق التَّخْرِيج:
الْمطلب الأول: معنى الطّرق:
الطّرق، جمع طَرِيق، وَهِي السَّبِيل والسيرة وَالْمذهب، قَالَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي - ت٣٩٣هـ -: "الطَّرِيق: السَّبِيل، يذكر وَيُؤَنث، تَقول: الطَّرِيق الْأَعْظَم، وَالطَّرِيق الْعُظْمَى، وَالْجمع: أَطْرِقَه، وطُرق"١، وَقَالَ أَيْضا: "وطَرِيقة الرجل: مذْهبه، يُقَال: مَا زَالَ فلَان على طَريقَة وَاحِدَة، أَي: على حَالَة وَاحِدَة"، وَقَالَ ابْن مَنْظُور: "الطَّرِيقَة: السِّيرَة وَالْحَال"٢.
_________________
(١) الصِّحَاح ١٥١٣، مَادَّة: طرق.
(٢) اللِّسَان ١٠/٢٢١، مَادَّة: طرق.
[ ٩٧ ]
الْمطلب الثَّانِي: معنى التَّخْرِيج:
لُغَة: الْخُرُوج مُقَابل الدُّخُول، وَهُوَ يتَضَمَّن معنى الظُّهُور وَالْبَيَان، والتخريج فِي أصل اللُّغَة من خَرَج، قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: أَحْمد بن فَارس بن زَكَرِيَّا - ت ٣٩٥هـ -: "الْخَاء وَالرَّاء وَالْجِيم أصلان، وَقد يُمكن الْجمع بَينهمَا، إِلَّا أنّا سلكنا الطَّرِيق الْوَاضِح، فَالْأول: النفاذُ عَن الشَّيْء، وَالثَّانِي: اخْتِلَاف لَونَين".
ثمَّ يَقُول من الأول: "فُلانُ خِرِّيجُ فُلان: إِذا كَانَ يتَعَلَّم مِنْهُ، كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أخرجه من حدِّ الجهلِ".
وَيَقُول من الثَّانِي: "أَرضُ مخرَّجةٌ، إِذا كَانَ نبتُها فِي مَكَان دون مَكَان، وخَرَّجَتِ الراعية المرتَعَ، إِذا أَكَلَت بَعْضهَا وتَرَكت بَعْضًا"٣، وَقد جَاءَ المعنيان فِي معاجم اللُّغَة وقواميسها اللاحقة.
اصْطِلَاحا: اسْتَعْملهُ أهل الحَدِيث فِي عدَّة معَان اصطلاحية، مِنْهَا الرِّوَايَة بِالْإِسْنَادِ، والعزو إِلَى المصادر، ويجمعها أَنه: بَيَان مصَادر الحَدِيث وَإِسْنَاده، وَمَتنه
_________________
(١) مُعْجم مقاييس اللُّغَة، ٤/٢٩١، مَادَّة: خرج.
[ ٩٧ ]
ودرجته بِحَسب الْحَاجة١.
_________________
(١) يحْتَاج: "معنى التَّخْرِيج عِنْد الْمُحدثين" إِلَى تأصيل وتحرير فِي ضوء صَنِيع الْمُحدثين الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم والمتأخرين، بِحَيْثُ يكون مَعْنَاهُ الاصطلاحي شَامِلًا لأكْثر استعمالاتهم لَهُ، إِذْ الأَصْل فِي التَّخْرِيج، أَنه: الرِّوَايَة بِالْإِسْنَادِ، وَمِنْه قَول الإِمَام مُسلم (مُقَدّمَة صَحِيحه ١/٧): "فَأَما مَا كَانَ مِنْهَا عَن قوم هم عِنْد أهل الحَدِيث متهمون فلسنا نتشاغل بتخريج حَدِيثهمْ"، وَقَول الْحَاكِم (فِي مُسْتَدْركه ١/١٤): "حَدِيث لم يُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ"، وَقَول مُحَمَّد بن سعد الباوَرْدي (كَمَا فِي عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح ٣٧): "مَذْهَب أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ أَن يُخَرِّج عَن كل من لم يجمع على تَركه"، وَقَول ابْن مَنْدَه (كَمَا فِي عُلُوم الحَدِيث ٣٧): "كَذَلِك أَبُو دَاوُد يُخَرّج الْإِسْنَاد الضَّعِيف"، وَقَول ابْن الصّلاح: "عَادَتهم أَن يُخَرِّجوا فِي مُسْند كل صَحَابِيّ مَا رَوَوْهُ من حَدِيثه"، وَقَول الْعِرَاقِيّ (فِي التَّقْيِيد والإيضاح ٤): "إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يُخَرِّج أمثل مَا ورد"، وَقَول الْحَافِظ ابْن حجر (فِي النكت على عُلُوم الحَدِيث ١/٤٤٧): "الْبَزَّار.. يُخَرِّج الْإِسْنَاد وَيعْتَذر عَن تَخْرِيجه بِأَنَّهُ لم يعرفهُ إِلَّا من ذَلِك الْوَجْه"، وَقَوله (فِي هدي الساري ٣٥٠): "أَكثر الشَّيْخَانِ من تَخْرِيج مثل هَذَا". وَاسْتَعْملهُ متأخرو أهل الحَدِيث فِي استنباط أَسَانِيد مروياتهم من كتب الْأَجْزَاء والمشيخات وَنَحْوهَا (انْظُر كَلَام السخاوي فِي فتح المغيث ٣/٣١٨)، واستعملوه أَيْضا فِي عزو الحَدِيث إِلَى مصدره أَو الدّلَالَة على مَوْضِعه فِيهِ، وَهَذَا كُله بديل عَن الرِّوَايَة بِالْإِسْنَادِ، وَفرع لَهَا، يَقُول الْخَطِيب التبريزي فِي ذَلِك (مُقَدّمَة مشكاة المصابيح ١/٦، وَهُوَ فِي تَخْرِيج أَحَادِيث مصابيح السّنة لِلْبَغوِيِّ): "إِنِّي إِذا نسبت الحَدِيث إِلَيْهِم كَأَنِّي أسندت إِلَى النَّبِي ﷺ". وَقد حررت معنى التَّخْرِيج عِنْد الْمُحدثين فِي بحث مُفْرد، اسْمه "التَّخْرِيج عِنْد الْمُحدثين، مَعَانِيه، ومصادره، ووظائفه"، وَهُوَ مُحَكَّم، قيد النشر فِي الْعدَد الثَّامِن وَالْعِشْرين فِي " مجلة جَامِعَة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية". وَقد ذكرت فِيهِ نماذج من أَقْوَال الْمُحدثين غير مَا سبق، وَقربت مِنْهُ هُنَا مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ.
[ ٩٨ ]
الْمطلب الثَّالِث: معنى طرق التَّخْرِيج:
طرق التَّخْرِيج، هِيَ: سُبل الدّلَالَة على إِسْنَاد الحَدِيث، وَمَتنه، وموضعه فِي مصادره.
ويرتبط معنى الطّرق بمعاني التَّخْرِيج، وَلِهَذَا جَاءَ مَعْنَاهَا شَامِلًا، فَيدْخل فِيهَا: مسالك الْمُحدثين فِي الدّلَالَة على أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها، ومسالك الْوُصُول إِلَيْهَا فِي مؤلفاتهم الحديثية، وَالدّلَالَة على موضعهَا فِيهَا، والأخير من بَاب التَّوَسُّع فِي التَّعْبِير، حَيْثُ يُسَمَّى الشَّيْء باسم مَا قرب مِنْهُ، وَهَذَا مَعْرُوف فِي أصل اللُّغَة، وَله نَظَائِر، مثل إِطْلَاق الراوية على المزادة، وعَلى الْبَعِير الَّذِي يحملهَا، قَالَ ابْن سَيّده: "الراوية: المزادة فِيهَا المَاء، ويُسمَّى الْبَعِير راوية على تَسْمِيَة الشَّيْء باسم غَيره لقُرْبه مِنْهُ"١.
_________________
(١) لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، مَادَّة: روى، ١٤/٣٤٦.
[ ٩٩ ]
الْمطلب الرَّابِع: طرق التَّخْرِيج إِجْمَالا:
تستنبط طرق التَّخْرِيج من مناهج تَرْتِيب المصادر الحديثية، حَيْثُ تَنْحَصِر فِي مسلكين أساسين:
أَحدهمَا: التَّخْرِيج من طَرِيق الْإِسْنَاد، وَهَذَا الْبَحْث يتَعَلَّق بِبَعْض فروعه.
وَالْآخر: التَّخْرِيج من طَرِيق الْمَتْن.
وتندرج تحتهما جَمِيع طرق التَّخْرِيج التفصيلية، وَقد جَاءَت الْإِشَارَة إِلَى أصُول مناهج تَرْتِيب المصادر الحديثية فِي كَلَام أهل الحَدِيث، حَيْثُ يَقُول الإِمَام أَبُو بكر: أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ - ت٤٦٣هـ -: "من الْعلمَاء من يخْتَار تصنيف السّنَن وتخريجها على الْأَحْكَام وَطَرِيقَة الْفِقْه، وَمِنْهُم من يخْتَار تخريجها على الْمسند، وَضم أَحَادِيث كل وَاحِد من الصَّحَابَة بَعْضهَا إِلَى بعض"٢، وَيَقُول الْحَافِظ: أَبُو عَمْرو: عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الشَهْرَزوري الْمَشْهُور بِابْن الصّلاح - ت ٦٤٣هـ -: "وللعلماء بِالْحَدِيثِ فِي تصنيفه طريقتان: إِحْدَاهمَا: التصنيف على الْأَبْوَاب، وَهُوَ: تَخْرِيجه على أَحْكَام الْفِقْه وَغَيرهَا، وتنويعه أنواعًا، وَجمع مَا ورد فِي كل حكم وكل نوع فِي بَاب فباب، وَالثَّانيَِة: تصنيفه على المسانيد وَجمع حَدِيث كل صَحَابِيّ وَحده، وَإِن اخْتلفت أَنْوَاعه"٣.
_________________
(١) الْجَامِع لأخلاق الرَّاوِي وآداب السَّامع ٢/٢٨٤.
(٢) عُلُوم الحَدِيث ٢٥٣.
[ ٩٩ ]
وَأَشَارَ آخَرُونَ إِلَى بعض التفصيلات فِي ذَلِك، حَيْثُ يَقُول الْحَافِظ أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي - ت ٨٥٢هـ -: "وتصنيفه إِمَّا على المسانيد، أَو الْأَبْوَاب، أَو الْعِلَل، أَو الْأَطْرَاف"١، وَيَقُول السخاوي: "وَلَهُم طَريقَة أُخْرَى فِي جمع الحَدِيث وَهِي جمعه على حُرُوف المعجم فَيجْعَل حَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، فِي الْهمزَة، كَأبي مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس وَكَذَا عمل ابْن طَاهِر فِي أَحَادِيث الْكَامِل لِابْنِ عدي"٢، ثمَّ قَالَ: "وَمِنْهُم من يرتب على الْكَلِمَات لَكِن غير متقيد بحروف مُقْتَصرا على أَلْفَاظ النُّبُوَّة فَقَط كالشهاب والمشارق للصنعاني وَهُوَ أحسنهما وأجمعهما لاقتصاره على الصَّحِيح خَاصَّة ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يلم بغريب الحَدِيث وَإِعْرَابه أَو أَحْكَامه وآرائه فِيهِ"٣.
وَمن الجدير بِالذكر أَن المُخَرِّج بحاجة أَيْضا إِلَى معرفَة مشتملات هَذِه المصادر الحديثية؛ لأثرها فِي تَحْدِيد الْفَائِدَة المرجوة من كل وَاحِد مِنْهَا، وَقد اُعتنى بِهَذَا الْجَانِب فِي مَوْضُوعَات هَذَا الْبَحْث.
وَمن صور التَّخْرِيج من خلال إِسْنَاد الحَدِيث: التَّخْرِيج بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى - وَهُوَ أقرب الروَاة إِلَى الْمَتْن - سَوَاء أَكَانَ صحابيًا أَو تابعيًا أَو غَيرهمَا، وتندرج ضمنهَا عدَّة طرق تفصيلية، مِنْهَا:
١ - التَّخْرِيج من طَرِيق المسانيد.
٢ - التَّخْرِيج من طَرِيق معرفَة الصَّحَابَة.
٣ - التَّخْرِيج من طَرِيق أَطْرَاف الْأَحَادِيث الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى.
٤ - التَّخْرِيج من طَرِيق الْعِلَل الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى.
٥ - التَّخْرِيج من طَرِيق غَرِيب أَلْفَاظ الحَدِيث الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى.
٦ - التَّخْرِيج من طَرِيق الفهارس والموسوعات الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى.
وَهِي الَّتِي سيتم - إِن شَاءَ الله - بَيَانهَا فِي الْفُصُول الْآتِيَة.
_________________
(١) نُخبة الْفِكر - مَعَ شرحها - ٢٠٨
(٢) فتح المغيث ٢/٣٣٨.
(٣) فتح المغيث ٢/٣٤٢.
[ ١٠٠ ]