المبحث الأول: التَّعْرِيف بالمسانيد إِجْمَالا:
الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا:
المبحث الأول: التَّعْرِيف بالمسانيد إِجْمَالا١:
الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا:
لُغَة: المسانيد أَو المساند جمع مُسْند وَهُوَ مَأْخُوذ من السَّنَد، أَي المعتمد، قَالَ الْجَوْهَرِي: "السَّنَد مَا قابلك من الْجَبَل وَعلا عَن السَّطْح، وَفُلَان سَنَده أَي: معتمده"٢.
اصْطِلَاحا: الْمسند هُوَ الْكتاب الَّذِي يروي مُؤَلفه أَحَادِيث كل صَحَابِيّ على حِدة، كَمَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "مِنْهُم من يخْتَار تخريجها على الْمسند، وَضم أَحَادِيث كل وَاحِد من الصَّحَابَة بَعْضهَا إِلَى بعض"٣.
_________________
(١) قد فصلت مَا يتَعَلَّق بالمسانيد إِجْمَالا فِي بحث مُفْرد، اسْمه: "المسانيد، نشأتها، وأنواعها، وَطَرِيقَة ترتيبها"، وَهُوَ منشور فِي الْعدَد السَّادِس وَالْعِشْرين من "مجلة جَامِعَة الإِمَام مُحَمَّد ابْن سعود الإسلامية".
(٢) الصِّحَاح، مَادَّة: سَنَد، ٢/٤٨٩.
(٣) الْجَامِع لأخلاق الرَّاوِي ٢/٢٨٤.
[ ١٠٣ ]
الْمطلب الثَّانِي: مرتبتها بَين المصادر الحديثية:
تعْتَبر المؤلفات على المسانيد من جِهَة الثُّبُوت وَعَدَمه فِي الْمرتبَة التالية للمصنفات على الْأَبْوَاب هَذَا من حَيْثُ الأَصْل، يَقُول الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "وَمِمَّا يَتْلُو الصَّحِيحَيْنِ: سنَن أبي دَاوُد السجسْتانِي وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَوي٤ وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ، وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة النَّيْسَابُورِي، الَّذِي شَرط فِيهِ على نَفسه إِخْرَاج مَا اتَّصل سَنَده بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل إِلَى النَّبِي ﷺ، ثمَّ كتب المسانيد الْكِبَار"٥، وَذَلِكَ من أجل عناية أَصْحَابهَا - فِي الْغَالِب - بِجمع مرويات كل صَحَابِيّ دون النّظر إِلَى الصِّحَّة وَعدمهَا.
_________________
(١) صَحَّ، يُقال أَيْضا: النَّسَائِيّ نِسْبَة إِلَى مَدِينَة: نَسَا، والأجود الأول، قَالَ ابْن نَاصِر الدّين (فِي توضيح المشتبه ٩/٧٣): "هُوَ الأجود فِي النِّسْبَة إِلَى نَسَا" يَعْنِي: النسوي.
(٢) الْجَامِع لأخلاق الرَّاوِي وآداب السَّامع ٢/١٨٥
[ ١٠٣ ]
الْمطلب الثَّالِث: جهود الْمُحَقِّقين فِي تقريبها:
يواجه الباحث مشقة فِي الْوُصُول إِلَى مظان الحَدِيث فِي المسانيد؛ بِسَبَب طَريقَة تأليفها، حَيْثُ يضيع على الباحث كثير من الْوَقْت وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الصَّحَابِيّ من المكثرين فِي الرِّوَايَة.
[ ١٠٣ ]
المبحث الثَّانِي: التَّعْرِيف بأشهر المسانيد تَفْصِيلًا:
الْمطلب الأول: مُسْند الإِمَام الْحميدِي:
المبحث الثَّانِي: التَّعْرِيف١ بأشهر المسانيد تَفْصِيلًا:
الْمطلب الأول: مُسْند الإِمَام الحُميدي.
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ الحُميدي:
هُوَ: أَبُو بكر: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، واشتهر بالحميدي.
روى عَن: سُفْيَان بن عُيينة - ت ١٩٨ هـ -، وَقد أَكثر عَنهُ الحُميدي حَتَّى ذكر الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي - ت ٢٠٤هـ - أَن الحُميدي يحفظ لِسُفْيَان: عشرَة آلَاف حَدِيث، وروى أَيْضا عَن الإِمَام الشَّافِعِي نَفسه وَعَن شَيْخه: وَكِيع بن الْجراح - ت ١٩٧هـ -، وَغَيرهم.
وروى عَنهُ: الإِمَام أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ - ت ٢٥٦هـ -، وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة: عبيد الله بن عبد الْكَرِيم الرَّازِيّ - ت ٢٦٤هـ -، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ - ت ٢٧٧هـ -، وَغَيرهم.
وَهُوَ: إِمَام فَقِيه، وثقة حَافظ فِي الحَدِيث، قَالَ الإِمَام أَحْمد - ت ٢٤١هـ -: "الحُميدي عندنَا إِمَام"٢، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "أثبت النَّاس فِي ابْن عُيينة: الْحميدِي، وَهُوَ رَئِيس أَصْحَاب ابْن عُيينة، وَهُوَ ثِقَة إِمَام"٣، وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وافتتح الإِمَام البُخَارِيّ بروايته أول حَدِيث فِي الْجَامِع الصَّحِيح، فروى عَنهُ حَدِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، وَيَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان الذَّهَبِيّ - ت٧٤٨هـ -: "هَذَا أول شَيْء افْتتح بِهِ البُخَارِيّ صَحِيحه فصيره كالخطبة لَهُ، وَعدل عَن رِوَايَته افتتاحًا بِحَدِيث مَالك الإِمَام إِلَى هَذَا الْإِسْنَاد؛ لجلالة الحُميدي وتقدمه؛ وَلِأَن إِسْنَاده هَذَا عزيزُ الْمثل جدا لَيْسَ بِهِ عنعنة أبدا، بل كل وَاحِد مِنْهُم صرح بِالسَّمَاعِ لَهُ"٤، وَتُوفِّي الحُميدي سنة: ٢١٩هـ.
_________________
(١) اقتصرت فِي التَّعْرِيف بهَا على مَاله صلَة بطرق التَّخْرِيج.
(٢) تَهْذِيب الْكَمَال ١٤/٥١٣.
(٣) الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٥/٥٧.
(٤) سير أَعْلَام النبلاء ١٠/٦٢٠
[ ١٠٦ ]
التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ:
أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند:
ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام الْحميدِي عَن شَيْخه سُفْيَان ابْن عُيينة - فِي الْغَالِب - مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة، ومُعَلَّة.
ثَالِثا: مرتبَة الْكتاب بَين المسانيد، وَبَيَان شَرط مُؤَلفه فِيهِ:
الْكتاب من المسانيد المعلة، وَلِهَذَا يعْتَبر أعلا من مرتبَة المسانيد الَّتِي جمعت الثَّابِت وَغَيره، وَبِدُون تَمْيِيز للمعل، وَأما شَرط مُؤَلفه، فَالَّذِي يظْهر من خلال الْمسند المطبوع أَنه قصره فِي الْغَالِب على مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَبَيَان عللها.
رَابِعا: بَيَان مشتملاته:
روى الحُميدي بِإِسْنَادِهِ عَن: "١٨٠" صحابيًا - بِحَسب المطبوع -، وَلم يخرج أَحَادِيث طَلْحَة بن عبيد الله ﵁، وَهُوَ أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ.
وَعدد الْأَحَادِيث على حسب ترقيم محققه (حبيب الرَّحْمَن الأعظمي): "١٣٠٠"، واستدرك أَيْضا: حَدِيثا وَاحِدًا وجده فِي بعض النّسخ، وَنبهَ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْعدَد بالمكرر، وَيدخل فِيهِ: الْمَرْفُوع، والمرسل، وَالْمَوْقُوف، والمقطوع، وَغَيرهَا، على حسب صَنِيع الْمُحَقق، وَالَّذِي يظْهر أَن الْمُحَقق حدثت لَهُ بعض الأوهام فِي ترقيمه، وَترك بعض الْأَسَانِيد بِدُونِ عد، مَعَ أَنه رقم أَمْثَالهَا، وَقد فَاتَهُ (٦٨) حَدِيثا وإسنادًا لم يرقمها، فاستدرك بَعْضهَا على نَفسه بعد نِهَايَة الترقيم مثل صَنِيعه عِنْد حَدِيث ١٩٥، حَيْثُ وضع بعده (١٩٥/١، ١٩٥/٢)، وَرُبمَا أَرَادَ بذلك المكرر، لكنه ترك أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل١، وعَلى ذَلِك فعدد أَحَادِيثه - باطراح زِيَادَة أبي عَليّ ابْن الصَّواف -: "١٣٦٨" حَدِيثا.
وتضمن مُسْند الحُميدي زِيَادَة لأبي عَليّ: مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن الصَّواف، -
_________________
(١) انْظُر: (عقب ح ١، ١٧، ٨٧، ١٠٥، ١٤٣، ١٩٥/١، ١٩٥/٢، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٧، ٢٣٣، ٢٤٣، ٢٥١، ٢٥٤، ٢٥٩، ٢٨٩، ٢٩٢، ٣٠٤، ٣٣٣، ٣٤٢، ٣٦٤، ٣٧٧، ٤٣٢، ٤٤٠، ٤٥١، ٤٥٢، ٤٦١، ٤٧٢، ٤٨٩، ٤٩٠، ٤٩٢، ٥٠٢، ٥٠٤، ٥٠٧، ٥٣٣، ٥٧٨، ٦٠٦، ٦٢٢، ٦٢٤، ٦٣٥، ٦٤٨، ٦٥٦، ٦٦٨، ٦٧٢، ٧١٦، ٧٤٥، ٧٥٦، ٧٥٧، ٧٨١، ٨١٣، ٨٢٣/٢، ٨٢٣/٣، ٨٣٧، ٨٤٣، ٨٥٣، ٨٩٨، (وَهنا مَجْمُوعَة أَحَادِيث، وعددها: ٦ من غير الْإِسْنَاد المرقم)، ٩١٩/٢، ٩١٩/٣، ٩١٩/٤، ٩١٩/٥، ٩٧٩، ٩٨٣، ١٠٤٧) .
[ ١٠٧ ]
ت ٣٥٩ هـ - وَهُوَ: الرَّاوِي عَن تلميذ الإِمَام الحُميدي، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي أَحَادِيث عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ١ حَيْثُ يَقُول أَبُو عَليّ ابْن الصَّواف: "ثَنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْبَصْرِيّ، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن بشار الرَّمَادِي، ثَنَا سُفْيَان بن عُيينة عَن ابْن أبي نجيح، عَن أَبِيه، قَالَ: أَخْبرنِي من سمع عَليّ بن أبي طَالب على مِنْبَر الْكُوفَة، فَذكر مَعْنَاهُ" يَعْنِي حَدِيث خِطبة عَليّ لفاطمة ﵄.
وَفِي مَوضِع آخر٢ يَقُول أَبُو عَليّ الصَّواف: "حَدثنَا بشر بن مُوسَى - وَهُوَ رَاوِي الْمسند عَن الْحميدِي - قَالَ: ثَنَا سُفْيَان قَالَ: ثَنَا عَمْرو"، كَذَا جَاءَ، وَلَا ريب أَنه سقط اسْم الْحميدِي من هَذَا الْإِسْنَاد؛ لِأَن بَين بشر وسُفْيَان بن عُيينة مفازة، فبشر مَاتَ سنة: ٢٨٨هـ، وسُفْيَان مَاتَ سنة: ١٩٨هـ.
واشتمل بِخَاصَّة على مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة وعللها وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهَا، وَلَيْسَ بِبَعِيد القَوْل بِأَن هَذَا الْكتاب أفرده الحُميدي لترتيب مرويات شَيْخه: الْمَذْكُور على مسانيد الصَّحَابَة، حَيْثُ إِن غَالب مروياته فِي هَذَا الْمسند عَن شَيْخه سُفْيَان، وَأما مروياته فِيهِ عَن غَيره، فعددها: " ٤٨ " حَدِيثا٣، وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ لمجموع مرويات الْكتاب، وَهِي: "١٣٦٨" حَدِيثا على الصَّوَاب فِي عَددهَا، كَمَا سبق، فَتُصْبِح نسبتها أقل من: ٤ .
ويتنبه إِلَى أَنه قرن سُفْيَان بِغَيْرِهِ فِي أَرْبَعَة أَحَادِيث مِنْهَا، كَمَا أَن مَجْمُوعَة من هَذِه الْأَحَادِيث، سَاقهَا الحُميدي أثْنَاء بَيَانه لعلل أَحَادِيث شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، فَكَأَنَّهُ ذكرهَا تبعا، وَيحْتَمل أَيْضا أَن اسْم سُفْيَان سقط من الْإِسْنَاد فِي بَعْضهَا.
_________________
(١) عقب: ح ٣٨، ١/٢٣ (٢/٥٢٩/١٢٥٧) .
(٢) انْظُر: (ح ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ١١، ٥١، ٥٢، ٥٨، ٥٩، ٦٢، ٦٣، ٧٠، ٧٣، ١٢٦، ١٣٣، ١٣٩، ١٥٢، ١٥٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٢٨ - مقرون -، ٢٩٤، ٣٠، ٣٣٥، ٣٤٩، ٣٧٠، ٣٨١، ٣٨٢، ٤٣٣، ٤٣٨، ٤٣٩، ٥٢٥، ٥٤٠، ٦١٥، ٦٤٣، ٦٤٥ - مقرون -، ٦٤٨ - مقرون - ٧٠٣، ٧١٢ - مقرون -، ٧٦٠، ٩٠، ٩٢١، ٩٤٤، ١٠٠١، ١٠٣١، ١٢٠٦) .
[ ١٠٨ ]
وَمن المرويات الَّتِي بَيَّن اخْتِلَاف الروَاة فِيهَا، مَا أخرج بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق أبي عبيد: سعيد بن عُبيد الحَدِيث الطَّوِيل، وَفِيه يَقُول أَبُو عُبيد: "ثمَّ شهِدت الْعِيد مَعَ عَليّ بن أبي طَالب، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة، قَالَ: لَا يأكلن أحدكُم من لحم نُسُكه فَوق ثَلَاث"١، ثمَّ قَالَ الْحميدِي: "قلت لِسُفْيَان: إِنَّهُم يرفعون هَذِه الْكَلِمَة عَن عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ سُفْيَان: لَا أحفظها مَرْفُوعَة، وَهِي مَنْسُوخَة"٢.
واشتمل أَيْضا على الْمَرْفُوع وَهُوَ غَالب الْكتاب، وعَلى قَلِيل من الْمُرْسل٣، وَالْمَوْقُوف٤، والمقطوع٥.
واشتمل الْمسند أَيْضا على بعض أَقْوَال الحُميدي نَفسه كبيانه لأحاديث لم يسْمعهَا من سُفْيَان بن عُيينة٦، وتسميته لرجل فِي الْإِسْنَاد٧، وَشَرحه لبَعض الْأَلْفَاظ الغريبة٨، وَبَعض اختياراته٩، وعَلى سؤالاته لشيخه سُفْيَان بن عُيينة،
_________________
(١) (١/٦/٨) .
(٢) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: "١٠، ١٧، ٢٣، ٤٩، ٥١، ٥٢، ٦١، ٦٩، ٨٣، ٨٧، ٨٩، ٩٤، ١٠٥، ١١٦، ١٤٣، ١٤٨، ١٧٧، ٢١٩، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٥، ٢٥٠، ٢٦٨، ٢٨٠، ٢٨٢، ٢٨٩، ٢٩٢، ٢٩٣، ٣٠٤، ٣٠٦، ٣١٢، ٣١٥، ٣٣٨، ٣٤١، ٣٤٨، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٩١، ٤٠٥، ٤١١، ٤٢٠، ٤٢٦، ٤٣٣، ٤٥٢، ٤٥١، ٤٦١، ٤٧٢، ٤٨٠، ٤٨٩، ٤٩٠، ٤٩٥".
(٣) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: (عقب ح ٣٤٨، و٤٢٦، ٤٣٢) .
(٤) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: (ح ٢٣، ٢٩، ٣٠، ٤٦، ٧٢، ٨٩، ٣٣٣، ٣٧٣، ٦٥٦، ٦٦) .
(٥) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: (عقب ح ٧٤، وعقب ح٢١٩، ٢٦٩، ٢٩٧، ٣٠٤، ٣٣٥، ٣٧٣، ٤٢٩، ٥٠٥، وَالطَّرِيق الآخر لحَدِيث ٦٢٤) .
(٦) انْظُر: ح ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٦٨، ٣٢٨
(٧) انْظُر: ح ٧٨٠
(٨) انْظُر: ح ٣٢٨، ٣٣٧، ٣٤٤
(٩) انْظُر: ح ٤٧
[ ١٠٩ ]
وَذكر شَيْء من أَحْوَاله، وأقواله، وَهِي كَثِيرَة، وفيهَا مَا يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ والعلل، وَشرح الْغَرِيب، وَالْفِقْه، وَمن ذَلِك: حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁، وَفِيه: أَن رجلا أهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة مَعًا، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: "هُديت لسنة نبيك " فَقَالَ سُفْيَان - بعده -: "يَعْنِي أَنه قد جُمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة مَعَ النَّبِي ﷺ، وَأَجَازَهُ، وَلَيْسَ أَنه فعله هُوَ"، وَمِنْه أَيْضا: بَيَانه أَن سُفْيَان بن عُيينة يَقُول أَحْيَانًا عَن متن الحَدِيث: "لم أحفظه"، وَيُرِيد أَنه لم يحفظه مطولا، مثل مَا روى١ عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيث: التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي أَفعَال يَوْم النَّحْر، ثمَّ قَالَ الحُميدي بعده: "فَقيل لِسُفْيَان: هَذَا مِمَّا حفظت من الزُّهْرِيّ؟، فَقَالَ: نعم، كَأَنَّهُ - كَذَا فِي المطبوع - يسمعهُ إِلَّا أَنه طَوِيل، فَحفِظت هَذَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ بلَيْل: فَإِن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يحدث عَنْك أَنَّك قلت: لم أحفظه، فَقَالَ: صدق، لم أحفظ كُله، وَأما هَذَا فقد أتقنته"٢.
خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه:
اقْتصر الإِمَام الحُميدي فِي غَالب مُسْنده على مروياته عَن شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، ورتبها على مسانيد الصَّحَابَة، ورتب مرويات المكثرين مِنْهُم على الْأَبْوَاب، أما على وَجه التَّفْصِيل، فترتيبه على النَّحْو التَّالِي:
١ - رتب المرويات بِحَسب مسانيد الصَّحَابَة، وَرُبمَا روى فِي مُسْند صَحَابِيّ حَدِيث صَحَابِيّ آخر؛ لتَعلق ذَلِك بِالْمَتْنِ، أَو بِقصَّة فِي الْإِسْنَاد، وَلم يذكر فِي مسانيد كثير من الصَّحَابَة الَّذين أخرج لَهُم، إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين، وَكَذَا اقْتصر فِي المكثرين مِنْهُم على مَجْمُوعَة أَحَادِيث لَيست بالكثيرة بِالنِّسْبَةِ لعدد مروياتهم الْمَعْرُوفَة، وَالَّذِي يظْهر أَنه إِمَّا خص كِتَابه هَذَا بمرويات سُفْيَان بن عُيينة لَهُم، أَو أَنه انتقى مَا أوردهُ من مرويات ابْن عُيينة، بِدَلِيل مَا تقدم من أَن الإِمَام الشَّافِعِي ذكر أَن الحُميدي يحفظ لِسُفْيَان: عشرَة آلَاف حَدِيث.
_________________
(١) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: (ح ٨، ١٧، ١٨، - شرح الْغَرِيب، وَفقه -، ٤٩، ٥٢، ٦٦، ٨٣، ٨٧، ٩٤، ٩٦، ١٠٥، ١١٤، - شرح غَرِيب -، ١٢٨، ١٣٣، ٢٥٩، ٢٧٠، =٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، - شرح غَرِيب - ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٩، ٢٩٣، ٢٩٧، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٢، ٣١٥، ٣٢٨، ٣٣٨، ٣٣٩ - رُؤْيا -، ٣٤١، ٣٤، ٣٤٨، ٣٥٤، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨٧، ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠٥، ٤٠٨، ٤١١، ٤١٢، ٤٢٠، ٤٢٨، ٤٤٣ - شرح غَرِيب -، ٤٥٤، ٤٥٦، ٤٥٩، ٤٦١، ٤٦٨، ٤٧٢، ٤٧٣ - فقه -، ٤٧٤، ٤٩٠، ٤٩٢ - مَنْهَج لِسُفْيَان فِي الرِّوَايَة الْمَجْمُوعَة، والمفردة -) .
[ ١١٠ ]
٢ - رتب أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على أَبْوَاب الْفِقْه فِي الْغَالِب، وَهَذَا يظْهر من سرده للأحاديث فِي مُسْند الصَّحَابِيّ، وَمن ذَلِك صَنِيعه فِي مُسْند عَائِشَة ﵂، حَيْثُ بَدَأَ بِأَحَادِيث الْوضُوء١، ثمَّ بوب بِأَحَادِيث الصَّلَاة، وَأَحَادِيث الصّيام، وَالْحج، والجنائز، والأقضية، وَكَذَا صنع فِي مُسْند عبد الله بن عَبَّاس ﵄، حَيْثُ بوب بِأَحَادِيث الْحَج، وَبَوَّبَ أَيْضا فِيهِ فَقَالَ: "أَحَادِيث ابْن عَبَّاس ﵄ الَّتِي قَالَ فِيهَا: سَمِعت رَسُول الله ﷺ، وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ"٢، ومسند أبي هُرَيْرَة ﵁ حَيْثُ بوب (بالجنائز، وَالْجهَاد، والأقضية، وجامع أبي هُرَيْرَة ﵁) وَغير ذَلِك.
٣ - بَدَأَ مسانيد الرِّجَال بِالْعشرَةِ المبشرين بِالْجنَّةِ، إِلَّا طَلْحَة بن عُبيد الله ﵁ فَلم يذكرهُ، وَلَعَلَّه لم يظفر بِرِوَايَة من طَرِيقه، أَو لم يظفر بذلك من مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة لأحاديث طَلْحَة ﵁، ثمَّ سَاق بعد ذَلِك بَقِيَّة مسانيد الصَّحَابَة من غير اسْتِيعَاب، وَجمع مسانيد الصحابيات رضوَان الله عَلَيْهِنَّ فِي مَوضِع فِي أثْنَاء أَوَائِل مسانيد الرِّجَال، وابتدأها بِأَحَادِيث أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِنَّ، وقدّم عَائِشَة ﵂، ثمَّ بَقِيَّة النِّسَاء من غير اسْتِيعَاب.
سادسًا: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث:
يروي الإِمَام الحُميدي عَن شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة - فِي الْغَالِب - الْأَحَادِيث مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة، مُرَتبا أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على الْأَبْوَاب.
سابعًا: أهم مميزاته:
يخْتَص مُسْند الإِمَام الحُميدي بميزات مهمة، أبرزها:
أ - يعْتَبر من مصَادر السّنة المسندة الأصيلة؛ لِأَن الْحميدِي يروي فِيهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك أَثَره فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتنًا.
ب - يُعَد من مظان الْإِسْنَاد العالي، لتقدم وَفَاة الْحميدِي.
ج - جمعه مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، مَعَ بَيَان عللها وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهَا.
_________________
(١) نبه الْمُحَقق إِلَى أَن فِي بعض النّسخ - المخطوطة - تبويب بذلك فِي الْمَتْن، والمحقق تَارَة يَجْعَلهَا فِي الْمَتْن، وَتارَة يُشِير إِلَيْهَا فِي الْهَامِش، وَالْأولَى إبْقَاء تبويبات النّسخ المخطوطة فِي الْمَتْن. (١/٢٢٠) .
[ ١١١ ]
د - تضمنه سؤالاته لشيخه: سُفْيَان بن عُيينة، وَبَيَان أَقْوَاله وأحواله فِي الرِّوَايَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا.
هـ - تَرْتِيب أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على الْأَبْوَاب.
والْعِنَايَة الْبَالِغَة بِبَيَان زيادات الروَاة - فِي مرويات سُفْيَان ابْن عُيينة - وَفصل المدرج من الْمَرْفُوع، وَسِيَاق الْمُتُون المطولة، وقصص الْإِسْنَاد والمتن - وَهِي تَتَضَمَّن الْمَوْقُوف وَغَيره - والعناية بِسَمَاع المدلسين.
ز - ترتيبه الْأَحَادِيث بعدة اعتبارات مجتمعة، فَهُوَ:
مُفْرد بمرويات سُفْيَان بن عُيَيْنَة شيخ الحمُيدي، فَيدْخل ضمن المؤلفات المختصة بالترتيب على الرَّاوِي الْأَدْنَى، كَمَا أَنه رتب هَذِه المرويات على الصَّحَابَة، فَيلْحق بالمؤلفات الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى، ورتب مرويات مكثري الصَّحَابَة، على الْأَبْوَاب، فيشار إِلَيْهِ فِيمَا رُتِّب على الْأَبْوَاب.
ثامنًا: رِوَايَة الْمسند:
الْكتاب المطبوع من رِوَايَة أبي مَنْصُور بن أَحْمد الْخياط، عَن أبي طَاهِر: عبد الْغفار بن مُحَمَّد الْمُؤَدب، عَن أبي عَليّ بن الصَّواف، عَن بشر بن مُوسَى الْأَسدي، عَن الْحميدِي.
تاسعًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
لقد طبع الْكتاب ونشره الْمجْلس العلمي بالباكستان عَام ١٣٨٢هـ، بتحقيق الْعَلامَة حبيب الرَّحْمَن الأعظمي، وَهُوَ فِي مجلدين، ورقّم أَحَادِيثه وَوضع لَهُ ثَلَاثَة فهارس: فهرس الموضوعات، وفهرس الْأَحَادِيث على الْأَبْوَاب، وفهرس أَعْلَام الْمُتُون، وَقد سبق بَيَان جهود أُخْرَى لأهل الْعلم فِي تقريبه١.
_________________
(١) ص:١٠٢، ١٠٣.
[ ١١٢ ]
الْمطلب الثَّانِي: مُسْند الإِمَام أبي عبد الله: أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ:
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ أَحْمد:
هُوَ: أَبُو عبد الله: أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هِلَال الذُّهْلِي الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، واشتهر بنسبته إِلَى جده: أَحْمد ابْن حَنْبَل، ولد سنة: ١٦٤هـ.
[ ١١٢ ]
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة١، وَهَذَا فِي الْغَالِب، وَلَا سِيمَا: من حَدَّث عَنهُ الإِمَام أَحْمد وَهُوَ حَيّ، قَالَ ابْنه عبد الله: "كَانَ أبي إِذا رَضِي عَن إِنْسَان وَكَانَ عِنْده ثِقَة حَدَّث عَنهُ وَهُوَ حَيّ"٢، وَقد أَكثر الإِمَام أَحْمد من الرِّوَايَة عَن شُيُوخ فِي الْمسند وَغَيره، وَهُوَ دَلِيل على ثقتهم عِنْده، حَيْثُ إِن الْمَعْرُوف عَن الْمُحدثين أَن الْأَئِمَّة الْحفاظ إِذا أَكْثرُوا من الرِّوَايَة عَن راو، فَهُوَ دَلِيل على إتقانه عِنْدهم، وَمن هَؤُلَاءِ الَّذين أَكثر عَنْهُم الإِمَام أَحْمد: عَفَّان بن مُسلم - ت٢١٩هـ وَقد روى عَنهُ (١٩٨٢) حَدِيثا، ووكيع بن الْجراح - ت ١٩٧هـ - وروى عَنهُ (١٨٩٥) حَدِيثا، وغُنْدَر، وَهُوَ لقب: مُحَمَّد بن جَعْفَر - ١٩٢هـ - وروى عَنهُ (١٧٦٤) حَدِيثا، وَعبد الرَّزَّاق بن همام - الصَّنْعَانِيّ - ت ٢١١هـ - وروى عَنهُ (١٥٦١) حَدِيثا، وَيحيى بن سعيد القطّان - ت ١٩٨هـ - وروى عَنهُ (١٣٣١) حَدِيثا، وَيزِيد ابْن هَارُون - ت٢٠٦هـ - وروى عَنهُ (١٢٨٠) حَدِيثا، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي - ت ١٩٨هـ - وروى عَنهُ (١٠٣٨) حَدِيثا، وسُفْيَان بن عُيينة - ت١٩٨هـ - وروى عَنهُ (٧٥٩) حَدِيثا، وَغَيرهم كثير من أجِلِّة الشُّيُوخ٣، وَقد بلغ عدد شُيُوخ الإِمَام أَحْمد الَّذين روى عَنْهُم فِي الْمسند: (٢٩٢) ١.
وروى عَنهُ: ابْنه عبد الله - ت٢٩٠هـ - وَابْنه صَالح - ت ٢٦٦هـ - وَابْن عَمه حَنْبَل بن إِسْحَاق بن حَنْبَل - ٢٧٣هـ -، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، - ت ٢٥٦هـ، وَالْإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيري، - ت ٢٦١ هـ -، وَالْإِمَام أَبُو دَاوُد: سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي (صَاحب السّنَن)، - ت ٢٧٥هـ -، وَأَبُو الْقَاسِم: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ - ت ٣١٧هـ -، وَهُوَ آخر من حدث عَنهُ، قَالَه المِزي٤.
وَكَانَ: شيخ الْإِسْلَام وَإِمَام الْأمة فِي وقته وعالمها وفقيهها وحافظها وعابدها وزاهدها، نَاصِر السّنة وقامع الْبِدْعَة، قَالَ أبوحاتم: مُحَمَّد بن حبَان البُستي - ت ٣٥٤هـ، صَاحب الصَّحِيح -: "كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل حَافِظًا متقنًا، ورعًا، فَقِيها، لَازِما للورع الْخَفي، مواظبًا على الْعِبَادَة الدائمة، بِهِ أغاث الله جلّ وَعلا
_________________
(١) انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/١١٣، وَفتح المغيث ١/٣١٦، وَغَيرهمَا.
(٢) الْعِلَل ٣١٠.
(٣) انْظُر: مُعْجم شُيُوخ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند، للدكتور عَامر حسن صبري.
(٤) تَهْذِيب الْكَمَال - عِنْد تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمد - (١/٤٤١) .
[ ١١٣ ]
أمة مُحَمَّد ﷺ وَذَلِكَ أَنه ثَبت فِي المحنة، وبذل نَفسه لله ﷿ وَجعله علما يقْتَدى بِهِ"١، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ: "كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يحفظ ألف ألف - صَحَّ - حَدِيث فَقيل مَا يدْريك؟ قَالَ: ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب"٢، وعقب على ذَلِك الذَّهَبِيّ فَقَالَ: "هَذِه حِكَايَة صَحِيحَة فِي سَعَة علم أبي عبد الله، وَكَانُوا يَعُدُّون فِي ذَلِك المكرر، والأثر، وفتوى التَّابِعِيّ، وَمَا فُسِّرَ، وَنَحْو ذَلِك، وَإِلَّا فالمتون المرفوعة القوية لَا تبلغ عشر معشار ذَلِك"٣، وَقَالَ أَبُو زرْعَة أَيْضا: "كَانَ أَحْمد صَاحب حفظ، وَصَاحب فقه، وَصَاحب معرفَة، مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثل أَحْمد فِي الْعلم والزهد وَالْفِقْه والمعرفة وكل خير"٤، وَقَالَ الشَّافِعِي: "خرجت من بَغْدَاد، فَمَا خَلَّفْتُ بهَا رجلا أفضل وَلَا أعلم وَلَا أفقه وَلَا أتقى من أَحْمد بن حَنْبَل"٥، وَتُوفِّي سنة: ٢٤١هـ.
التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ:
أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند.
ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام أَحْمد مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة.
ثَالِثا: مرتبته بَين المسانيد:
يعد مُسْند الإِمَام أَحْمد من أَعلَى المسانيد المنتقاة، قَالَ الذَّهَبِيّ: "إِنَّه محتوٍ على أَكثر الحَدِيث النَّبَوِيّ، وقّلَّ أَن يثبت حَدِيث إِلَّا وَهُوَ فِيهِ وقَلَّ أَن تَجِد فِيهِ خَبرا سَاقِطا"٦، وَلَا يلْزم من انتقائه صِحَة جَمِيع مروياته، بل فِيهِ الضَّعِيف وَقَلِيل من الْمَوْضُوع، يَقُول الْحَافِظ إِسْمَاعِيل بن عمر بن كثير الدِّمَشْقِي - ت
_________________
(١) الثِّقَات ٨/١٨.
(٢) الْجرْح وَالتَّعْدِيل ١/٢٩٦.
(٣) سير أَعْلَام النبلاء ١١/١٨٧.
(٤) الْجرْح وَالتَّعْدِيل ١/٢٩٦.
(٥) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٤١٩.
(٦) كَمَا فِي المصعد الأحمد لِابْنِ الْجَزرِي ٣٤.
[ ١١٤ ]
٧٧٤ - هـ - عَنهُ: "فِيهِ أَحَادِيث ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَة"١، وَيَقُول شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية - ت ٧٢٨هـ -: "لَيْسَ كل حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل وَنَحْوه يَقُول: إِنَّه صَحِيح، بل وَلَا كل حَدِيث رَوَاهُ فِي مُسْنده، يَقُول: إِنَّه صَحِيح، بل أَحَادِيث مُسْنده قد يكون فِي بَعْضهَا عِلة تدل على أَنه ضَعِيف - بل بَاطِل لَكِن غالبها وجمهورها أَحَادِيث جَيِّدَة يُحتج بهَا، وَهِي أَجود من أَحَادِيث سنَن أبي دَاوُد"٢، وَالْأَصْل فِي هَذِه المسانيد جمع مرويات كل صَحَابِيّ على حِدة بغض النّظر عَن الثُّبُوت وَعَدَمه.
وَقد أفرد الْحَافِظ ابْن حجر جُزْءا سَمَّاهُ: "القَوْل المُسَدَّد فِي الذب عَن مُسْند الإِمَام أَحْمد"٣، وَذكر فِيهِ الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة والواهية الَّتِي اُنتقدت فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، وَأجَاب عَنْهَا، وَلَكِن لَا تَخْلُو إجَابَته فِي بعض الْمَوَاضِع من تَأمل، إِذْ حَسَّن أَحَادِيث كَانَ قد حكم عَلَيْهَا بِالْوَضْعِ فريق من الْأَئِمَّة كشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية٤.
رَابِعا: مشتملاته:
ذكر الْعَلامَة مُحَمَّد بن جَابر الْوَادي آشي - ت٧٤٩هـ - أَن عدد مسانيد الإِمَام أَحْمد سِتَّة عشر مُسْندًا٥، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "مُسْند أَحْمد يشْتَمل على ثَمَانِيَة عشر مُسْندًا، وَرُبمَا أضيف بَعْضهَا إِلَى بعض"٦، وَفِي مَوضِع آخر ذكر أَنَّهَا: سَبْعَة عشر مُسْندًا٧، وبتوجيه ابْن حجر يجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال.
وَتلك الأرقام هِيَ لأعداد المسانيد الرئيسة الَّتِي جعلهَا الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده كالكتب وَترْجم بهَا كَقَوْلِه - مثلا -: "مُسْند بني هَاشم" والحقيقة أَنه يُدخل تحتهَا عدَّة مسانيد للصحابة، وَلكنه رُبمَا اقْتصر على مرويات صَحَابِيّ وَاحِد فِيهَا
_________________
(١) اخْتِصَار عُلُوم الحَدِيث ٣١.
(٢) منهاج السّنة ٧/٢٢٣.
(٣) مطبوع، نشرته إدارة ترجمان السّنة فِي باكستان، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.
(٤) انْظُر: منهاج السّنة ٣/١٠، وَمَا ذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي ص ١٨.
(٥) برنامجه ١٩٨.
(٦) المعجم المؤسس ٢/٣٢.
(٧) إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ ١/١٧٢.
[ ١١٥ ]
إِذا كَانَ من المكثرين، ويترجم لَهُ بقوله: "حَدِيث ابْن عَبَّاس" - مثلا -، وَأما عدد مسانيده من حَيْثُ التَّفْصِيل، على حسب مَا أوردهُ الْحَافِظ عَليّ بن الْحُسَيْن ابْن عَسَاكِر، - ت٥٧١هـ - فَهِيَ: ١٠٥٦ مُسْندًا١.
وَقد ذكر أهل الْعلم أَن الْمسند يشْتَمل على ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث غير المكرر، وَأَرْبَعين ألفا مَعَ المكرر، وَمَا يزِيد على ثَلَاث مئة حَدِيث ثلاثية الْإِسْنَاد، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْدهم فِي وصف الْمسند٢، وَلَكِن عدد أَحَادِيث الْمسند المطبوع أقل من ذَلِك، وَيحْتَمل ذَلِك عدَّة أُمُور مِنْهَا:
أ - كَون النُّسْخَة المخطوطة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي الطباعة نَاقِصَة.
ب - رُبمَا تمّ اعْتِبَار مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث حَدِيثا وَاحِدًا، بَيْنَمَا هِيَ أَكثر من ذَلِك كمرويات النّسخ.
ج - رُبمَا لم يتم اعْتِبَار المرويات الَّتِي يَسُوقهَا الإِمَام أَحْمد من أَقْوَال التَّابِعين وَنَحْوهم فِي شرح الْغَرِيب، وَنَحْو ذَلِك.
وَقد اشْتَمَل الْمسند كَذَلِك على مرويات للْإِمَام أَحْمد من غير الْمسند، وَهِي الْأَحَادِيث الَّتِي قَامَ ابْنه عبد الله بنقلها إِلَى مرويات الْمسند، وَهَذَا النَّوْع من المرويات قَلِيل، وَمن أمثلته قَول عبد الله: "حَدثنِي أبي حَدثنَا عَليّ بن ثَابت الْجَزرِي، عَن نَاصح أبي عبد الله، عَن سماك بن حَرْب، عَن جَابر بن سَمُرَة أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لِأَن يُؤَدب الرجل وَلَده الحَدِيث، ثمَّ قَالَ عبد الله: وَهَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أبي فِي مُسْنده من أجل نَاصح؛ لِأَنَّهُ ضَعِيف فِي الحَدِيث، وأملاه عليَّ فِي النَّوَادِر"٣، وَمِنْه أَيْضا قَول عبد الله: "حَدثنِي أبي أملاه علينا من النَّوَادِر، قَالَ: كتب إليَّ أَبُو تَوْبَة"٤.
_________________
(١) تَرْتِيب أَسمَاء الصَّحَابَة الَّذين أخرج حَدِيثهمْ أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند ١٧١.
(٢) انْظُر: تَرْتِيب أَسمَاء الصَّحَابَة الَّذين أخرج حَدِيثهمْ أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند لِابْنِ عَسَاكِر ٣٣، وخصائص الْمسند لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ ٢٣، والتذكرة فِي معرفَة رجال الْكتب الْعشْرَة للحسيني ١/٣
(٣) فِي ٥/٩٦.
(٤) ٤/١٠٣
[ ١١٦ ]
كَمَا تضمن مُسْند الإِمَام أَحْمد زيادات لِابْنِهِ عبد الله - رَاوِي الْمسند عَن أَبِيه - لم يروها وَالِده قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: "لَهُ زيادات كَثِيرَة فِي مُسْند وَالِده"١، هَذَا بِالنّظرِ إِلَى عَددهَا ذَاتهَا، وَلكنهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ لعدد مرويات الْمسند.
وزيادات عبد الله على أَنْوَاع مِنْهَا: أَحَادِيث تَامَّة إِسْنَادًا ومتنًا، وَأَحَادِيث شَارك وَالِده فِيهَا، وَزَاد عَلَيْهِ بعض الْأَلْفَاظ، والصحابي فِيهَا وَاحِد، وَأَحَادِيث أُخْرَى من رِوَايَة غير الصَّحَابِيّ الَّذِي روى حَدِيثه وَالِده، والمتن وَاحِد٢، وطرق أُخْرَى لأحاديث رَوَاهَا وَالِده، مثل قَول الإِمَام أَحْمد: "حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَفَّان، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد "٣ ثمَّ قَالَ عبد الله بعده: "حَدثنَا عبيد الله بن عمر القواريري حَدثنَا حَمَّاد بن زيد" وسَاق بَاقِي الْإِسْنَاد بِمثل رِوَايَة وَالِده٤، وَهَذَا أشبه بالمستخرج على مُسْند وَالِده.
وَفِي الْمسند كَذَلِك زيادات قَليلَة لأبي بكر: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك القَطِيعي - ت ٣٦٨هـ - رَاوِي الْمسند عَن عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه، يَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "فِيهِ من زيادات وَلَده عبد الله، وَشَيْء يسير من زيادات أبي بكر القَطِيعي الرَّازِيّ، عَن عبد الله"٥، وَقد توهم قوم كثرتها فأغربوا، وعدَّها آخَرُونَ فألحقوا بهَا زيادات لعبد الله بن أَحْمد٦، وَكَانَ للسقط دوره فِي ذَلِك، وَفِي المطبوع من الْمسند مَوضِع وَاحِد على الصَّوَاب وَهُوَ قَول أبي بكر القَطِيعي: "حَدثنَا الْفضل بن الْحباب، حَدثنَا القعْنبِي، حَدثنَا شُعْبَة، حَدثنَا مَنْصُور، عَن ربعي، عَن أبي مَسْعُود، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مِمَّا أدْرك النَّاس من كَلَام النُّبُوَّة"٧، ويتنبه إِلَى أَن رَاوِي الْمسند
_________________
(١) سير أَعْلَام النبلاء ١٣/٥٢٤
(٢) وَهَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة يصل عَددهَا إِلَى (٢٣٢) حَدِيثا تَقْرِيبًا، انْظُر: كتاب زَوَائِد عبد الله بن أَحْمد للدكتور: عَامر حُسَيْن صبري.
(٣) (١/٦١) .
(٤) انْظُر أَيْضا: ١/٧٤، ٢١٢، ٢/٢٢٨.
(٥) المعجم المفهرس ١٢٩
(٦) انْظُر: زَوَائِد عبد الله بن أَحْمد للدكتور: عَامر حُسَيْن صبري ١١٩، وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وجهوده فِي الحَدِيث وعلومه للدكتور: عبد الرَّحْمَن الفريوائي ١/٥٥٠.
(٧) (٥/٢٧٣) .
[ ١١٧ ]
عَنهُ ينْسبهُ بقوله: "قَالَ: ابْن مَالك"، وَابْن مَالك هُوَ القَطِيعي، ويضاف إِلَى مَا سبق أَرْبَعَة أَحَادِيث من زيادات أبي بكر بن مَالك القَطِيعي أَيْضا، أوردهَا الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه: إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ١، وَنبهَ الْمُحَقق إِلَى أَنه لم يجدهَا فِي الْمسند المطبوع.
وَمِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْمسند الْمَرْفُوع، وَهُوَ الْغَالِب، وعَلى قَلِيل من الْمُرْسل مثل: مُرْسل إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ أَن النَّبِي ﷺ: "كَانَ إِذا سجد رُؤي بَيَاض إبطَيْهِ٢"٣، وَقَلِيل من الْمَوْقُوف، مثل: فعل أنس بن مَالك ﵁ فِي الاستشراف فِي الصَّلَاة٤، وعَلى الْمَقْطُوع، مثل: أَقْوَال عَطاء٥، وَعِكْرِمَة٦، وَالقَاسِم بن أبي بَزَّة٧ وَغَيرهم، وَقد بوب الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه: إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأَطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ فَقَالَ: "فصل فِي الْمَوْقُوفَات غير مَا تقدم"٨ يَعْنِي غير مَا تقدم من المرويات الْمَوْقُوفَة الَّتِي ذكرهَا فِي كِتَابه هَذَا، وَبَوَّبَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر فَقَالَ: "ذكر مَا وَقع فِيهِ من الْمَرَاسِيل والموقوفات بِغَيْر اسْتِيعَاب"٩، وَأَرَادَ الْحَافِظ ابْن حجر بالموقوف عُمُوم الْأَقْوَال الَّتِي رَوَاهَا الإِمَام أَحْمد مَا عدا الْمَرْفُوع والمرسل.
وَمِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْمسند: أَقْوَال لبَعض الْأَئِمَّة، مثل قَول للْإِمَام مَالك فِي
_________________
(١) انْظُر: رقم ١٥٥، ٧٧٨١، ٨٨٢، ١٢١١١. (١/٣٦٤) .
(٢) وَانْظُر أَيْضا: مُرْسل إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن جَعْفَر (٣/٤٥٠)، وثابت البُناني (٣/٢٤٣)، ومرسل جَعْفَر بن مُحَمَّد (١/٢٦٧) .
(٣) (١/٤٢٩) .
(٤) (١/٣٥٣) .
(٥) (٥/٢٤) .
(٦) (٥/٢٤) .
(٧) (٨/٣٦٩) .
(٨) (٩/٤٩٠) .
[ ١١٨ ]
تَفْسِير آيَة١ وأقوال للْإِمَام أَحْمد نَفسه، مثل: بَيَانه مَا يعجب عبد الرَّزَّاق من الحَدِيث٢، وتواريخ موت بعض الْحفاظ٣، وَذكر هُنَا بداية طلبه للْحَدِيث، وَبَيَانه لما كَانَ يلقى من الْمَشَقَّة فِي بعض رحلاته العلمية٤، وَكَلَامه عَن بعض الروَاة٥، واستحسانه فعل مَن جعل سنة الْمغرب من صلوَات الْبيُوت٦، وقصة لبَعض أَصْحَاب الحَدِيث مَعَ أبي الْأَشْهب٧، وَبَيَان لصدق مُحَمَّد بن إِسْحَاق٨.
خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه:
رتب الإِمَام أَحْمد أَحَادِيث كِتَابه على مسانيد الصَّحَابَة، وَقسمهَا بضع عشرَة مُسْندًا، من المسانيد أَو مجاميع المسانيد الرئيسة، وَقد عدّها الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن جَابر الْوَادي آشي فَقَالَ: "مُسْند الإِمَام أبي عبد الله: أَحْمد بن حَنْبَل الْمُشْتَمل على سِتَّة عشر مُسْندًا: الأول: مُسْند الْعَبَّاس وبنيه، الثَّانِي: مُسْند أهل الْبَيْت، وهم الْعشْرَة، الثَّالِث: مُسْند ابْن عَبَّاس وَحده، الرَّابِع: مُسْند أبي هُرَيْرَة، الْخَامِس: مُسْند ابْن مَسْعُود، السَّادِس: مُسْند ابْن عمر، السَّابِع: لجَابِر بن عبد الله، الثَّامِن: لأنس بن مَالك، التَّاسِع: لعَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ مَعًا، الْعَاشِر: لعَائِشَة، الْحَادِي عشر: للمدنيين والمكيين، الثَّانِي عشر: للشاميين، الثَّالِث عشر: للبصريين، الرَّابِع عشر: للكوفيين، الْخَامِس عشر: للْأَنْصَار، السَّادِس عشر: مُسْند النِّسَاء"٩ اهـ.
_________________
(١) (١/٦٣)، وَقَول يحيى بن سعيد القطّان (٤/٢٦٧)، وَشعْبَة بن الْحجَّاج (١/٣٤٣) . (٢/٣١٨) .
(٢) (٣/٩٧) .
(٣) (٣/٢٩٧) .
(٤) (٣/٣١٠)، و(٥/١٠٣) و(٥/١١٤) .
(٥) (٥/٤٢٠) .
(٦) (٤/٢٧) .
(٧) (٣/٣١٠)، و(٥/١٠٣) و(٥/١١٤) .
(٨) برنامجه ١٩٨.
[ ١١٩ ]
وعَدَّها الْحَافِظ ابْن حجر، فَقَالَ: "هَذِه أَسمَاء المسانيد الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا أصل الْمسند: مُسْند: الْعشْرَة وَمَا مَعَه، ومسند: أهل الْبَيْت، وَفِيه: الْعَبَّاس وبنيه، ومسند: عبد الله ابْن عَبَّاس، ومسند: ابْن مَسْعُود، ومسند: أبي هُرَيْرَة، ومسند: عبد الله بن عمر، ومسند: جَابر، ومسند: الْأَنْصَار، ومسند: المكيين والمدنيين، ومسند: الْكُوفِيّين ومسند: الْبَصرِيين، ومسند: الشاميين، ومسند: عَائِشَة، ومسند: النِّسَاء"١، وَعدد مَا ذكر ابْن حجر هُنَا (١٧) مُسْندًا، وَذكر الْحَافِظ فِي مَوضِع آخرأنه اشْتَمَل على ثَمَانِيَة عشر مُسْندًا، وَقَالَ "رُبمَا أُضيف بَعْضهَا إِلَى بعض"٢، وَبِهَذَا يُوَجه الِاخْتِلَاف فِي عدد المسانيد الرئيسة فِي الْكتاب، لَكِن يظْهر فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي تَرْتِيب هَذِه المسانيد، فالوادي آشي بَدَأَ بِمُسْنَد الْعَبَّاس وبنيه، وَابْن حجر بَدَأَ بِالْعشرَةِ وَهُوَ يُوَافق المطبوع، بَيْنَمَا لم يرد ذكر الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ فِي وصف الْوَادي آشي إِلَّا قَوْله فِي الثَّانِي: "مُسْند أهل الْبَيْت، وهم الْعشْرَة"، وَالْعشرَة غير أهل الْبَيْت، فَلَعَلَّهُ أضافهم هُنَا كَمَا أَشَارَ ابْن حجر، وَمن الْمَعْلُوم أَن الإِمَام أَحْمد توفّي قبل تهذيبه وترتيبه، وَإِنَّمَا قَرَأَهُ لأهل بَيته قبل ذَلِك خوفًا من الْعَوَائِق الْعَارِضَة، وَقد أجَاب الإِمَام ابْن عَسَاكِر بِهَذَا٣
وَمن خلال مَا سبق يتَبَيَّن:
١ - أَن الْمسند مقسم إِلَى عدَّة مساند رئيسة، وَهِي الَّتِي ترْجم لَهَا غَالِبا بقوله مثلا: "مُسْند الْعشْرَة وَمَا مَعَه، ومسند أهل الْبَيْت" وَهِي تشْتَمل على مَجْمُوعَة من مرويات عدد من الصَّحَابَة، وَقد بوب أَيْضا على مرويات صَحَابِيّ وَاحِد بقوله: "مُسْند"، مثل: "مُسْند عبد الله بن عَبَّاس، ومسند ابْن مَسْعُود، ومسند أبي هُرَيْرَة"، ويلحظ أَن هَؤُلَاءِ الَّذين أفردهم بِهَذَا التَّبْوِيب من المكثرين فِي الْغَالِب، وَفِي المسانيد الَّتِي يترجم بهَا ويبوب وَهِي جَامِعَة كَقَوْلِه: "مُسْند الْعشْرَة"، يفصل مرويات كل صَحَابِيّ على حِدة، ويبوب عَلَيْهَا بقوله: "حَدِيث أبي بكر، وَحَدِيث عمر بن الْخطاب".
٢ - بُدء الرِّجَال بِالْعشرَةِ المبشرين بِالْجنَّةِ، وَقدم حَدِيث الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء، ثمَّ رُتبت
_________________
(١) إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأَطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ ١/١٧٣.
(٢) الْمجمع المؤسس (٢/٣٢) .
(٣) تَرْتِيب أَسمَاء الصَّحَابَة الَّذين أخرج حَدِيثهمْ أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند ٣٣.
[ ١٢٠ ]
الْبَقِيَّة بعد ذَلِك بِحَسب الْبلدَانِ، مثل قَوْله: مُسْند الْبَصرِيين١، ومسند المكيين٢، ومسند الْمَدَنِيين٣، ومسند الْكُوفِيّين٤، أَو بِحَسب الْقَبَائِل، وَأهل بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥، وَالْأَنْصَار٦ وَغير ذَلِك، وَرُبمَا كُررت مرويات الصَّحَابِيّ فِي أَكثر من مَوضِع تَارَة بِاعْتِبَار بَلَده، وَتارَة بِاعْتِبَار قبيلته، أَو أسبقيته فِي الْإِسْلَام، وَمن ذَلِك أَنه أخرج مرويات حَارِث بن أُقَيْش فِي مُسْند الْأَنْصَار٧، ثمَّ أخرجهَا فِي مُسْند الشاميين٨، وَكَذَا حَارِث بن زِيَاد الْأنْصَارِيّ، أخرج لَهُ فِي موضِعين: مُسْند المكيين٩، ومسند الشاميين١٠، وَقد رتب ابْنه عبد الله مسانيد المقلين، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: "لم يرتب - يَعْنِي الإِمَام أَحْمد - مسانيد المقلين، فرتبها وَلَده عبد الله، فَوَقع مِنْهُ إغفال كَبِير من جعل الْمدنِي فِي الشَّامي، وَنَحْو ذَلِك"١١.
وَأما مرويات النِّسَاء فقد فُرقت فِي المطبوع من الْمسند فِي عدَّة مَوَاضِع١٢، وجُمعت مرويات أكثرهن فِي أَوَاخِر الْمسند١٣ متتابعة، وقُدِّم: حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا١٤، ثمَّ: حَدِيث فَاطِمَة ﵂ بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم١٥، إِلَى بَقِيَّة أَحَادِيث أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَبَقِيَّة النِّسَاء رضوَان الله عَلَيْهِنَّ، وتُرجم
_________________
(١) (٤/٤١٩) . (٣/٤٠٠) .
(٢) (٤/٢) .
(٣) (٤/٢٣٩)
(٤) (١/١٩٩) .
(٥) (٥/١١٣) .
(٦) (٤/٢١٢) .
(٧) (٥/٣١٢) .
(٨) (٣/٤٢٩) .
(٩) (٤/٢٢١) .
(١٠) المعجم المفهرس (١/١٩٩) .
(١١) ٤/٦٤، ٦٨، ٥/٣٧٧، وَغَيرهَا.
(١٢) (٦/٢٩) .
(١٣) (٦/٢٩) .
(١٤) (٦/٢٨٢) .
[ ١٢١ ]
لأحاديث المبهمات من أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي مَوَاضِع أُخْرَى، مثل قَوْله١: "حَدِيث بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ".
٣ - ترْجم أَيْضا لمسانيد المبهمين والمبهمات من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، بِحَسب مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة، كَقَوْلِه: "حَدِيث رجل من أَصْحَاب النَّبِي"٢.
٤ - فِي آخر الْمسند٣ بعد مرويات النِّسَاء، أخرج مرويات أَرْبَعَة من الصَّحَابَة، حَيْثُ ترْجم لأولهم فَقَالَ: "حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة ﵁"٤، ثمَّ: "حَدِيث أبي بكر بن أبي زُهير الثَّقَفِيّ ﵁"٥، ثمَّ: "حَدِيث وَالِد: بعجة بن عبد الله ﵁"٦، ثمَّ: "حَدِيث شَدَّاد ابْن الْهَاد ﵁"٧، وَبِه ختم الْمسند المطبوع، وَأَحَادِيث صَفْوَان جَاءَت فِي مَوضِع آخر٨، وَكَذَا أَبُو بكر بن أبي زُهير٩، وَشَدَّاد بن الْهَاد١٠.
سادسًا: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث:
يروي بِإِسْنَادِهِ الْأَحَادِيث مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة - كَمَا تقدم -.
سابعًا: أهم مميزاته:
١ - يعْتَبر مُسْند الإِمَام أَحْمد من المصادر الحديثية المسندة، وَلذَلِك أَثَره فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتنًا.
٢ - يُعَدُّ من أنقى المسانيد، حَيْثُ إِن الإِمَام أَحْمد انتخبه من أَكثر من سَبْعمِائة وَخمسين ألف حَدِيث، كَمَا ذكر الإِمَام أَحْمد نَفسه١١، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "لَا يشك منصف أَن مُسْنده أنقى أَحَادِيث وأتقن رجَالًا من غَيره وَهَذَا يدل
_________________
(١) فِي: ٤/٦٨، ٥/٢٧١، ٢٧٠، ٣٨٠، ٦/٢٨٨، ٤٢٣.
(٢) (٥/٣٧١) .
(٣) (٦/٤٦٤) .
(٤) (٦/٤٦٤) .
(٥) (٦/٤٦٦) .
(٦) (٦/٤٦٦) .
(٧) (٦/٤٦٧) .
(٨) مُسْند المكيين ٣/٤٠٠.
(٩) (٣/٤١٦) .
(١٠) (٣/٤٩٣) .
(١١) انْظُر: خَصَائِص الْمسند لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ ٢١.
[ ١٢٢ ]
على أَنه انتخبه"١.
٣ - يعْتَبر من الموسوعات الحديثية الجامعة المسندة؛ لِأَنَّهُ احتوى غَالب المرويات وأصولها الثَّابِتَة، فَلَا يكَاد يُوجد حَدِيث صَحِيح إِلَّا وَهُوَ فِيهِ بنصه، أَو أَصله، أَو نَظِيره، أَو شَاهده٢، وَيَقُول ابْن الْجَزرِي: "مَا من حَدِيث غَالِبا إِلَّا وَله أصل فِي هَذَا الْمسند"٣، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن كثير: "يُوجد فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من الْأَسَانِيد والمتون شَيْء كثير مِمَّا يوازي كثيرا من أَحَادِيث مُسلم بل وَالْبُخَارِيّ أَيْضا، وَلَيْسَت عِنْدهمَا، وَلَا عِنْد أَحدهمَا، بل لم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب الْكتب الْأَرْبَعَة"٤.
ثامنًا: رِوَايَة الْمسند:
الْمسند من رِوَايَة أبي بكر: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك بن شبيب الْبَغْدَادِيّ القَطِيعي - ت ٣٦٨هـ -، عَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ - ت٢٩٠هـ - عَن أَبِيه.
تاسعًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
تمّ نشر الْكتاب فِي عدَّة طبعات سَابِقَة مِنْهَا:
أ - الطبعة الأولى بِمصْر فِي المطبعة الميمنية سنة ١٣١٣هـ، وَهِي الَّتِي صورتهَا بعد ذَلِك دَار الْفِكر والمكتب الإسلامي وَكِلَاهُمَا فِي بيروت، وَهِي فِي سِتَّة مجلدات، وطبع مَعَه فِي حَاشِيَته كتاب "كنز الْعمَّال" لعَلي بن حسام الدّين الْهِنْدِيّ - ت ٩٧٥هـ -، وَهِي أشهر طبعاته الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول وَالَّتِي يُعزى إِلَيْهَا فِي أَكثر كتب المعاجم والفهارس وَنَحْوهَا، وفيهَا سقط يظْهر فِي عدَّة مَوَاضِع بمقارنتها بِمَا فِي المصادر الفرعية، وَيبين ذَلِك بوضوح كتاب: (إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ) لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي بتحقيق الدكتور زُهير بن نَاصِر النَّاصِر، حَيْثُ يُوجد فِيهِ مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث الَّتِي سَقَطت من الْمسند المطبوع، كَمَا نبه إِلَى ذَلِك الْمُحَقق، وَلأبي عبد الله: مَحْمُود بن مُحَمَّد الْحداد سلسلة من الاستدراكات على الطبعة السَّابِقَة، مِنْهَا كِتَابه: "صلَة الْمسند
_________________
(١) النكت على كتاب ابْن الصّلاح ١٤٩.
(٢) انْظُر للفائدة فِي هَذَا الْبَاب: كتاب الفروسية لِابْنِ قيم الجوزية - مُحَمَّد بن أبي بكر، ت ٧٥١هـ – ص: ٦٩
(٣) المصعد الأحمد ١/٣١.
(٤) اخْتِصَار عُلُوم الحَدِيث ٢٧.
[ ١٢٣ ]
السَّاقِط من نشرة مُسْند الإِمَام أَحْمد" واستدرك فِيهِ الْجُزْء الْخَامِس عشر من مُسْند الْأَنْصَار وَغَيره، حَيْثُ سقط من المطبوع، كَمَا استدرك أَيْضا قِطْعَة من مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ، سَقَطت من مُسْند الإِمَام أَحْمد المطبوع.
كَمَا لَا تسلم هَذِه الطبعة من التَّصْحِيف والتداخل، فَرُبمَا تصحفت لَفْظَة: "ابْن" إِلَى "عَن" وَالْعَكْس، وتداخلت الصفحات فِي مَوَاضِع، مِمَّا يرهق الباحث ويوقعه فِي الْإِشْكَال عِنْد دراسة الْإِسْنَاد والتخريج.
ب - الطبعة المحققة لأبي الأشبال: أَحْمد مُحَمَّد شَاكر - ت ١٣٧٧هـ - فحقق النَّص، وقابله على نسخ خطية، ورقم الْأَحَادِيث، وخَرَّج بَعْضهَا، وَتكلم على أَحْوَال رواتها، وَوضع فهارس علمية دقيقة فِي آخر كل مُجَلد، وَمَات - يرحمه الله - قبل أَن يتمه، والمطبوع مِنْهُ إِلَى مُسْند أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي سَبْعَة عشر مجلدًا وَهُوَ يوازي من الطبعة السَّابِقَة (٢/٣٩٧) .
ج - طبعة بعناية مُحَمَّد سليم إِبْرَاهِيم سمارة، وَآخَرين، بإشراف الدكتور سمير طه المجذوب، وَهِي الطبعة الأولى - لَهُم - فِي عَام ١٤١٣هـ، بالمكتب الإسلامي فِي بيروت، وَالَّذِي يظْهر أَنهم اعتمدوا الطبعة الميمنية الْقَدِيمَة، وَزَادُوا فِيهَا ترقيم الْأَحَادِيث، وَوضع فهارس للمتون على حسب أوائلها.
د - طبعة مؤسسة الرسَالَة فِي بيروت وَهِي أفضل الطبعات إِلَى الْآن، وَقد أشرف على إصدارها معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وأشرف على تحقيقها وَتَخْرِيج نصوصها وَالتَّعْلِيق عَلَيْهَا الْعَلامَة شُعَيْب الأرنؤوط، مَعَ مَجْمُوعَة من الْعلمَاء.
وتميزت هَذِه الطبعة بالعناية الفائقة فِي تَحْقِيق النَّص على عدَّة نسخ خطية، وتجنبت كثيرا من التصحيفات الَّتِي وَقعت فِي الطبعات السَّابِقَة، كَمَا تُمم كثير من الْمَوَاضِع الساقطة من المسانيد فِي الْكتاب، مَعَ تَخْرِيج الْأَحَادِيث تخريجًا شَامِلًا، وإعداد فهارس متنوعة، وَقد ظَهرت فِي المكتبات غَالب أَجزَاء هَذِه الطبعة١.
_________________
(١) وَقد سبق بَيَان جهود أُخْرَى لأهل الْعلم فِي تقريبه، ص: ١٦
[ ١٢٤ ]
الْمطلب الثَّالِث: مُسْند الإِمَام أبي يعلى الْموصِلِي:
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ أبي يعلى:
هُوَ: أَحْمد بن عَليّ بن الْمثنى بن يحيى التَّمِيمِي الْموصِلِي، واشتهر بِأبي يعلى الْموصِلِي، ولد سنة ٢١٠هـ.
روى عَن الإِمَام أبي بكر: أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل - ت ٢٨٧هـ -، وَالْإِمَام يحيى بن معِين - ت ٢٣٣هـ -، وَالْإِمَام: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْمَدِينِيّ - ت ٢٣٤هـ -، وَالْإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ - ت ٢٤١هـ -، وَالْإِمَام أَحْمد بن منيع الْبَغَوِيّ الْأَصَم، صَاحب الْمسند - ت ٢٤٤هـ -، وَغَيرهم.
وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حَاتِم: مُحَمَّد بن حبَان بن أَحْمد التَّمِيمِي البُستي - ت ٣٥٤هـ -، وَالْإِمَام أَبُو الْقَاسِم: سُلَيْمَان بن أَحْمد الطَّبَرَانِيّ - ت٣٦٠هـ -، وَالْإِمَام أَبُو أَحْمد: عبد الله بن عدي الْجِرْجَانِيّ - ت٣٦٥هـ -، وَالْإِمَام أَبُو بكر: أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ - ت٣٧١هـ، وَالْإِمَام أَبُو عَمْرو: مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْدان الحِيْري - ت ٣٧٦هـ، وَالْإِمَام أَبُو بكر: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عَاصِم الْأَصْبَهَانِيّ ابْن الْمُقْرِئ - ت ٣٨١هـ، وَغَيرهم.
وَهُوَ: الإِمَام الْحَافِظ الثِّقَة الْمَأْمُون، قَالَ: عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ - ت ٣٨٥هـ -: "ثِقَة مَأْمُون موثوق بِهِ"١، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ: "من المتقنين فِي الرِّوَايَات المواظبين على رِعَايَة الدّين، وَأَسْبَاب الطَّاعَات"٢، وَقَالَ أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن عبد الله الْحَاكِم - ت٤٠٥ هـ -: "ثِقَة مَأْمُون"٣، وَتُوفِّي فِي سنة: ٣٠٧هـ.
التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ٤:
_________________
(١) سُؤَالَات السُّلمي لَهُ ١.
(٢) ٨/٥٥.
(٣) سُؤَالَات السِّجزي لَهُ ٥٠
(٤) الْكَلَام عَنهُ بِحَسب الرِّوَايَة الْمُخْتَصر المطبوعة، وَهِي رِوَايَة: أبي عمر: مُحَمَّد بن حَمْدان الحِيْري.
[ ١٢٥ ]
أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند، وَله رِوَايَتَانِ: مختصرة ومطولة١.
ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام أبي يعلى مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة.
ثَالِثا: مرتبته بَين المسانيد:
يعْتَبر مُسْند أبي يعلى من المسانيد الجامعة، وَقد نبه الْعَلامَة حُسَيْن سليم أَسد - مُحَقّق الرِّوَايَة المختصرة لمُسْند أبي يعلى - على قلَّة الْأَحَادِيث الضعيفة فِيهِ٢، وَيَقُول إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْحَافِظ: "قَرَأت المسانيد كمسند الْعَدنِي، ومسند أَحْمد بن مَنيع، وَهِي كالأنهار، ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مُجْتَمع الْأَنْهَار"، وَقد علق الذَّهَبِيّ فَقَالَ: "صدق، وَلَا سِيمَا مُسْنده الَّذِي عِنْد أهل أَصْبَهَان من طَرِيق ابْن الْمُقْرِئ عَنهُ، فَإِنَّهُ كَبِير جدا، بِخِلَاف الْمسند الَّذِي روينَاهُ من طَرِيق أبي عَمْرو بن حَمْدان عَنهُ، فَإِنَّهُ مُخْتَصر"٣.
رَابِعا: مشتملاته:
عدد الصَّحَابَة الَّذين أخرج لَهُم: (٢١٠) صحابيًا، وَعدد أَحَادِيثه: (٧٥٥٥) حَدِيثا أغلبها من الْمَرْفُوع.
خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه:
رتب الإِمَام أَبُو يعلى المرويات على مسانيد الصَّحَابَة، ورتب مرويات المكثرين مِنْهُم على التراجم٤ فِي الْغَالِب، حَيْثُ:
١ - بَدَأَ الرِّجَال بمرويات الْعشْرَة - إِلَّا عُثْمَان ﵁ -، ثمَّ بمرويات مَجْمُوعَة من الصَّحَابَة المقلين٥، ثمَّ المكثرين من الصَّحَابَة، وهم: جَابر بن عبد الله، ثمَّ عبد الله بن عَبَّاس، ثمَّ أنس بن مَالك، ثمَّ عَائِشَة، ثمَّ عبد الله بن مَسْعُود، ثمَّ ابْن عمر،
_________________
(١) سَيَأْتِي - إِن شَاءَ الله - توضيح ذَلِك فِي ص:
(٢) ١/٢١.
(٣) كَمَا فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٤/١٨٠.
(٤) يَعْنِي على حسب الروَاة عَنْهُم.
(٥) (٣/٥ إِلَى ٣/٢٧٦) .
[ ١٢٦ ]
ثمَّ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُم١، ثمَّ بمجموعة من قرَابَة النَّبِي ﷺ وَآل بَيته٢، وهم: الْفضل بن عَبَّاس، وَفَاطِمَة، وَالْحسن وَالْحُسَيْن، وَعبد الله بن جَعْفَر، وَعبد الله بن الزبير ﵃، ثمَّ بمجموعة من الصَّحَابَة المقلين أَيْضا وَالَّذِي يظْهر أَنه اعْتبر أهل الْقَبَائِل مِنْهُم، وَذكر مَعَهم بعض المبهمين٣، ثمَّ عَاد إِلَى النِّسَاء وبدأهن بأمهات الْمُؤمنِينَ - فِي الْغَالِب - إِلَّا عَائِشَة حَيْثُ تقدّمت مَعَ المكثرين -، ثمَّ بِبَقِيَّة النِّسَاء، والمبهمات٤، ثمَّ عَاد إِلَى الرِّجَال٥.
٢ - رتب مرويات المكثرين بِحَسب الروَاة عَنْهُم، وَهَذَا يظْهر فِي مُسْند جَابر بن عبد الله٦، وَأنس بن مَالك٧ – مثلا -، وَقد ترْجم بالرواة عَن أنس فِي مُسْنده بعنوان ظَاهر.
٣ - بَدْء مسانيد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ، بِتَقْدِيم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، إِلَّا أَنه لم تُذكر مرويات: عُثْمَان ﵁، وَقد جَاءَ فِي حَاشِيَة المخطوط، بعد نِهَايَة مُسْند عمر بن الْخطاب: "مُسْند عُثْمَان ﵁ لم يكن من سَماع أبي سعد الجَنْزَروذي - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد -، عَن أبي عَمْرو بن حَمْدان"، ثمَّ أورد مرويات بَقِيَّة الرِّجَال من الصَّحَابَة، وَالَّذِي يظْهر أَنه اعْتبر فيهم بعض الْأَوْصَاف فِي الْغَالِب، مثل: كَثْرَة المرويات، والقبائل، وَأهل الْقَرَابَة وَآل الْبَيْت.
٤ - وضع مُسْند عَائِشَة ﵂ فِي مسانيد المكثرين، وَأما بَقِيَّة النِّسَاء، فَذَكرهنَّ مجتمعات فِي أَوَاخِر الْكتاب تَقْرِيبًا، وبدأهن بأمهات الْمُؤمنِينَ فِي الْغَالِب.
_________________
(١) من ٣/٢٧٦) . (١٢/٧٩) .
(٢) (١٢/٢٠٣إِلَى ٢٩٨) .
(٣) (١٢/٣٠٢) .
(٤) (١٣/من ١٠٠، إِلَى ٥٥٠) .
(٥) (٤/١٠) .
(٦) (٥/٣٠٢) .
[ ١٢٧ ]
٥ - ترْجم لمسانيد المبهمين والمبهمات، وَمن ذَلِك قَوْله: "رجل غير مُسمَّى عَن النَّبِي ﷺ"١، وَختم الْكتاب بمرويات مَجْمُوعَة من رجال الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، بعد نِهَايَة مرويات النِّسَاء٢.
سادسًا: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث:
يروي الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ إِلَى منتهاه.
سابعًا: أهم مميزاته:
يُعتبر من المصادر الحديثية الأصيلة المسندة الَّتِي لَهَا أثر فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتنًا.
ب - إِثْبَات صُحْبَة عدد من الصَّحَابَة، إِذا ثَبت الْإِسْنَاد إِلَيْهِ.
ج - احتواؤه على مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والزائدة على مرويات الْكتب السِّتَّة.
ثامنًا: رِوَايَات الْمسند:
لمُسْند أبي يعلى رِوَايَتَانِ على الْمَشْهُور:
الأولى: الرِّوَايَة المختصرة، وَهِي رِوَايَة أبي عَمْرو: مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْدان الحِيري - ت ٣٧٦هـ - عَن أبي يعلى الْموصِلِي٣، وَهِي الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا - الْحَافِظ عَليّ ابْن أبي بكر الهيثمي - ت ٨٠٧هـ - فِي كِتَابه: مجمع الزَّوَائِد ومنبع الْفَوَائِد٤، ذكر ذَلِك ابْن حجر٥.
الثَّانِيَة: الرِّوَايَة المطولة وتُسمى "الْمسند الْكَبِير"، وَهِي رِوَايَة أبي بكر: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عَاصِم بن الْمُقْرِئ الْأَصْبَهَانِيّ - ت ٣٨١هـ - عَن أبي يعلى الْموصِلِي، وَاعْتمد عَلَيْهَا الهيثمي فِي كِتَابه: الْمَقْصد الْعلي فِي زَوَائِد أبي يعلى الْموصِلِي، والعلامة أَبُو الْعَبَّاس: أَحْمد بن أبي بكر البُوصيري - ت ٨٤٠هـ -، فِي كِتَابه: إتحاف السَّادة المهرة بزوائد المسانيد الْعشْرَة، ومختصره، وَذكر
_________________
(١) (١٢/٢١٦) . (١٣/من ١٠٠، إِلَى ٥٥٠) .
(٢) وَهِي الَّتِي حققها، الْعَلامَة حُسَيْن سليم أَسد، ونشرتها دَار الْمَأْمُون للتراث، الطبعة الأولى لعام ١٤٠٤هـ.
(٣) وَهُوَ فِي زَوَائِد عدَّة مصَادر مُسندَة، مِنْهَا مُسْند أبي يعلى على الْكتب السِّتَّة.
(٤) مُقَدّمَة: المطالب الْعَالِيَة (١/٤٧) .
[ ١٢٨ ]
ذَلِك فِي آخرهما١، وَاعْتمد عَلَيْهَا أَيْضا الْحَافِظ ابْن حجر فِي تتبعه لما فَاتَ الهيثمي، وَقد أودعها ابْن حجر كِتَابه: المطالب الْعَالِيَة بزوائد المسانيد الثَّمَانِية.
تاسعًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ.
إِضَافَة إِلَى جهود أهل الْعلم السَّابِقين٢ فِي تقريب مُسْند أبي يعلي فقد قَامَ الْعَلامَة حُسَيْن سليم أَسد بتحقيقه على حسب الرِّوَايَة المختصرة - وَهِي رِوَايَة أبي عَمْرو بن حَمْدان عَن أبي يعلى -، وطُبع الْكتاب فِي دَار الْمَأْمُون للتراث، الطبعة الأولى لعام ١٤٠٤هـ، وَقد اعتنى الْمُحَقق بتحقيق النَّص، وَتَخْرِيج الْأَحَادِيث، وترقيمها، وَأعد فهارس متنوعة، مِنْهَا: فهرس للأحاديث، وفهرس للصحابة الَّذين روى لَهُم أَبُو يعلى فِي مُسْنده.
_________________
(١) ١٠/٥٣٦، والمختصر (١٠/٦٩١) .
(٢) ص: ١٦
[ ١٢٩ ]
الْمطلب الرَّابِع: مُسْند الإِمَام أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ:
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ الطَّيَالِسِيّ:
هُوَ: أَبُو دَاوُد: سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْجَارُود الْفَارِسِي ثمَّ الْأَسدي الْبَصْرِيّ، ولد سنة ١٣٣هـ.
روى عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج - ت١٦٠هـ -، وسُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ - ت ١٦١هـ، وَعبد الله بن الْمُبَارك - ت ١٨١هـ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة - ت ١٩٨هـ، وَغَيرهم.
وروى عَنهُ: مُحَمَّد بن سعد بن منيع الْكَاتِب صَاحب الطَّبَقَات - ت ٢٣٠هـ -، وَالْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، وَيُونُس بن حبيب بن عبد القاهر الْعجلِيّ مَوْلَاهُم الْأَصْبَهَانِيّ أَبُو بشر - ت ٢٦٧هـ -، وَهُوَ رَاوِي الْمسند عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وعباس بن مُحَمَّد الدُّوري - ت ٢٧١ هـ.
وَهُوَ: الإِمَام الْحَافِظ الثِّقَة المكثر، قَالَ الإِمَام أَحْمد: "ثِقَة صَدُوق"٣، وَقَالَ النَّسَائِيّ - ت ٣٠٣هـ -: " ثِقَة من أصدق النَّاس لهجة"٤، وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: " كَانَ حَافِظًا مكثرًا ثِقَة ثبتًا "٥، وَقَالَ عمر بن شَبَّة - ت ٢٦٢هـ -: " كتبُوا عَن أبي دَاوُد بأصبهان أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث،
_________________
(١) كَمَا فِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/٢٧٤
(٢) كَمَا فِي الْمصدر السَّابِق.
(٣) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٩/٢٤
[ ١٢٩ ]
وَلَيْسَ كَانَ مَعَه كتاب"١، وَتُوفِّي فِي سنة: ٢٠٤هـ.
التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ:
أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند.
ثَانِيًا: نسبته إِلَى الْمُؤلف:
يُفِيد الْمُحَقِّقُونَ من أهل الحَدِيث أَن الإِمَام الطَّيَالِسِيّ لم يؤلف الْمسند، وَإِنَّمَا اكْتفى من ذَلِك بروايته، فقد قَالَ عمر بن شَبَّة: "كتبُوا عَن أبي دَاوُد بأصبهان أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، وَلَيْسَ كَانَ مَعَه كتاب"٢، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: "سمع يُونُس بن حبيب عدَّة مجَالِس مفرقة فَهِيَ الْمسند الَّذِي وَقع لنا"، ثمَّ قَالَ: "روى٣ عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ مُسْندًا فِي مُجَلد كَبِير"٤.
وكما ذكر أَيْضا أَن جَامع الْمسند من رِوَايَة يُونُس هُوَ: أَبُو مَسْعُود الرَّازِيّ٥، قَالَ أَبُو نعيم: أَحْمد بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ، - ت ٤٣٠هـ -: "صنَّف أَبُو مَسْعُود الرَّازِيّ ليونس بن حبيب مُسْند أبي دَاوُد"٦.
وَهُوَ قرين ليونس بن حبيب، كَمَا أَنه مَشْهُور بِمَعْرِفَة تَخْرِيج الْأَسَانِيد - رِوَايَتهَا من بطُون الْأَجْزَاء -، فصنيعه هَذَا من بَاب التَّخْرِيج للأقران، وَالْمَعْرُوف أَن الإِمَام الطَّيَالِسِيّ مكثر جدا من الرِّوَايَة، وَيَقُول السخاوي: "لَوْلَا أَن الْجَامِع لمُسْند الطَّيَالِسِيّ غَيره بِحَسب مَا وَقع لَهُ - يَعْنِي الْجَامِع - بِخُصُوصِهِ من حَدِيثه، لَا بِالنّظرِ لجَمِيع مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ، فَإِنَّهُ مكثر جدا، لَكَانَ أول مُسْند، فَإِن الطَّيَالِسِيّ مُتَقَدم على هَؤُلَاءِ"٧.
وَلَعَلَّ الرَّاجِح أَن: الَّذِي رتب هَذِه المرويات - وَهِي جُزْء من مرويات
_________________
(١) كَمَا فِي الْمصدر السَّابِق.
(٢) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٩/٢٧.
(٣) يَعْنِي يُونُس.
(٤) سير أَعْلَام النبلاء ٩/٣٨٢
(٥) هُوَ: الْحَافِظ أَحْمد بن الْفُرَات بن خَالِد الضَّبِّيّ، الرَّازِيّ ثمَّ الْأَصْبَهَانِيّ، سمع من أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَغَيره، وَمَات سنة ٢٥٨هـ (انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٤/٣٤٣) .
(٦) كَمَا فِي تَارِيخ بَغْدَاد ٩/٢٧.
(٧) فتح المغيث ٢/٣٤٠
[ ١٣٠ ]
أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ - وصنفها على المسانيد، هُوَ: أَبُو مَسْعُود: الرَّازِيّ، حَيْثُ خرج ليونس بن حبيب - وَهُوَ قرينه - مروياته عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ.
ثَالِثا: مَوْضُوعه:
مرويات يُونُس بن حبيب عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة - بِخَاصَّة - مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة.
رَابِعا: مرتبته بَين كتب المسانيد، وَشرط جَامعه فِيهِ:
يعْتَبر الْكتاب من المسانيد المعلَّة، وَأما شَرط جَامعه ومخرجه، فَهُوَ: تَخْرِيج مَا رَوَاهُ يُونُس بن حبيب عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ خَاصَّة، وَتَخْرِيج غَالب مرويات شُعْبَة ابْن الْحجَّاج الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنهُ، مَعَ بَيَان اخْتِلَاف الروَاة فِيهَا.
خَامِسًا: بَيَان مشتملاته:
١ - عدد الصَّحَابَة الَّذين روى الطَّيَالِسِيّ لَهُم فِيهِ (٢٦٧) صحابيًا، ويضاف إِلَيْهِم: عشرَة مسانيد على الْأَقَل سَقَطت من المطبوع، وَعدد أَحَادِيثه (٢٧٦٧) حَدِيثا، وَفِيه أَحَادِيث لم ترقم١، واشتمل على زيادات ليونس بن حبيب، وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ لمرويات الْكتاب٢.
٢ - اشْتَمَل الْمسند على الْأَحَادِيث المرفوعة وَهِي الْغَالِبَة فِيهِ، وعَلى قَلِيل من الْمُرْسل لَا سِيمَا عِنْد ذكر اخْتِلَاف الروَاة٣، وَالْمَوْقُوف٤، والمقطوع٥، وَالْمُعَلّق بِخَاصَّة عِنْد ذكر اخْتِلَاف الروَاة٦.
وَأكْثر مرويات أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِيهِ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج٧، وَفِيه بَيَان اخْتِلَاف الروَاة وَعلل الْأَحَادِيث٨، وَبَيَان لبَعض أَقْوَال أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ٩.
_________________
(١) من ذَلِك مثلا: مَا بعد (ح ٣٧٩)، و(ح ٥٨١) .
(٢) من ذَلِك: ح ٣٦٤، ٣٧١، ٤٣١، ٥١٥، ٥٣٧، ٥٨٩.
(٣) من ذَلِك: ح ٥٤٩.
(٤) من ذَلِك: ح ٤، و٤٠٧.
(٥) من ذَلِك: ح ٥٥١.
(٦) من ذَلِك: عقب ح ٣٩٣، ٣٩٩، ٤٠٧، ٤٦٤.
(٧) مِنْهَا: ح ٣٧٣، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٨٧.
(٨) من ذَلِك: ح ٣٩٣، ٤٠٧، ٤٦٤، ٤٧١، ٤٧٢، ٤٧٧، ٥١٣، ٥١٥.
(٩) من ذَلِك: شَرحه للغريب عِنْد ح ٤١١، ٦١٩، وَتَسْمِيَة مُبْهَم عِنْد ح ٥٤٢.
[ ١٣١ ]
سادسًا: طَريقَة ترتيبه:
عُني جَامع الْمسند بِأَكْثَرَ مرويات أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة، ورُتبت على مسانيد الصَّحَابَة، كَمَا رُتبت مرويات المكثرين مِنْهُم على حسب من روى عَنْهُم، وتفصيل ذَلِك كَمَا يَلِي:
١ - رُتبت المرويات فِيهِ على حسب مسانيد الصَّحَابَة، حَيْثُ بُدئ بمرويات الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ١، ثمَّ بمرويات المتوسطين والمقلين٢، وأولهم: عبد الله ابْن مَسْعُود ﵁، وَبعدهَا مرويات الْآحَاد وهم من لم يروِ إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين٣، ثمَّ
مرويات النِّسَاء مجتمعات٤، ثمَّ مرويات المكثرين من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم.
وَرُبمَا رُوي فِي مُسْند صَحَابِيّ، حَدِيث صَحَابِيّ آخر، لتَعلق ذَلِك بِالْمَتْنِ أَو بِقصَّة الْإِسْنَاد، كَمَا أَنه قد يذكر حَدِيث صَحَابِيّ فِي موضِعين، مثل حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ٥.
٢ - رتبت مرويات المكثرين، بِحَسب من روى عَنْهُم، حَيْثُ: بُدئ بِرِوَايَة الرِّجَال عَن الصَّحَابَة، ثمَّ بِرِوَايَة الْأَفْرَاد عَن الصَّحَابَة، ثمَّ بِرِوَايَة النِّسَاء عَن الصَّحَابَة، وَقد صنع ذَلِك فِيمَن تعدّدت مروياتهم من المقلين أَيْضا فِي الْغَالِب، وَتمّ جمع المكثرين فِي مَوضِع وَاحِد مُتَتَابعين فِي آخر الْمسند.
٣ - بُدِئَ تَرْتِيب الرِّجَال بمسانيد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ، وقُدم فيهم
_________________
(١) إِلَى ص: ٣٣
(٢) إِلَى ص: ١٦٢ تَقْرِيبًا.
(٣) من (ص: ١٦٢) تَقْرِيبًا إِلَى (ص: ١٩٦)، وَفِي بداية الْجُزْء الْخَامِس من المطبوع (كَمَا فِي ص: ١٤٩ من المطبوع) كُتب: "فِيهِ مسانيد المقلين والآحاد"، وَكَذَا فِي بداية الْجُزْء السَّادِس ص: ١٧٣ كتب أَيْضا: "جمَاعَة من المقلين والآحاد، وَشَيْء من حَدِيث عَائِشَة ﵂".
(٤) من ص: ١٩٦.
(٥) انْظُر: ص: (١٢٦)، وص: (١٧٧) .
[ ١٣٢ ]
الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء رضوَان الله عَلَيْهِم١، ثمَّ بمرويات المتوسطين والمقلين من الصَّحَابَة، ثمَّ مرويات الْآحَاد مِنْهُم، ثمَّ مرويات النِّسَاء ثمَّ مرويات المكثرين من الصَّحَابَة، وهم: جَابر بن عبد الله٢، ثمَّ عبد الله بن عمر٣، ثمَّ أنس بن مَالك٤، ثمَّ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ٥، ثمَّ أَبُو هُرَيْرَة٦، ثمَّ ابْن عَبَّاس٧، وَبِه خُتم الْمسند.
٤ - ذُكرت النِّسَاء فِي مَوضِع وَاحِد مجتمعات، أثْنَاء مرويات الرِّجَال، بَين مرويات الْآحَاد من الصَّحَابَة، ومرويات المكثرين مِنْهُم، وقُدم فِيهِنَّ: فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ، ثمَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، ثمَّ بَقِيَّة مرويات الصحابيات رضوَان الله عَلَيْهِنَّ.
٥ - تمت التَّرْجَمَة لمسانيد المبهمين والمبهمات رضوَان الله عَلَيْهِم، بِحَسب مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة، كَقَوْلِه: "عَم كثير بن الصَّلْت"٨.
سابعًا: طَريقَة تَخْرِيج الحَدِيث فِيهِ:
يروي الإِمَام الطَّيَالِسِيّ الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ، وَقد رتبه جَامعه بِحَسب مسانيد الصَّحَابَة.
ثامنًا: أهم مميزاته:
١ - يعْتَبر من المصادر الحديثية المسندة.
٢ - يعْتَبر من مصَادر معرفَة مرويات شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَبَيَان اخْتِلَاف الروَاة فِيهَا.
٣ - يُعَدُّ من مصَادر معرفَة الْعِلَل وَاخْتِلَاف الروَاة.
٤ - الإفادة فِي معرفَة الصَّحَابَة، إِذا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَيْهِم.
٥ - ضمه زَوَائِد مُتعَدِّدَة على السِّتَّة.
_________________
(١) إِلَى (ص: ٣٣) .
(٢) ص: ٢٣٢.
(٣) ص: ٢٤٨.
(٤) ص: ٢٦٤.
(٥) ص: ٢٩٧.
(٦) ص: ٣٠٣.
(٧) ص: ٣٣٩.
(٨) ص: ١٩٤.
[ ١٣٣ ]
تاسعًا: رِوَايَة الْمسند:
الْمسند الَّذِي بَين أَيْدِينَا من رِوَايَة١: أبي الْحجَّاج: يُوسُف بن خَلِيل بن عبد الله الدِّمَشْقِي، عَن أبي المكارم: أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد - صَحَّ - بن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن مُحَمَّد ابْن قيس اللبان - ت ٥٩٧هـ - الْمعدل، وَأبي سعيد: خَلِيل بن أبي جَابر بن أبي الْفَتْح الرَّازِيّ كِلَاهُمَا - أَبُو المكارم، وَأَبُو سعيد - عَن أبي عَليّ: الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن الْحداد الْمُقْرِئ، عَن أبي نعيم: أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْأَصْبَهَانِيّ - صَاحب الْحِلْية - عَن أبي مُحَمَّد: عبد الله بن جَعْفَر بن أَحْمد بن فَارس، عَن أبي بسر: يُونُس بن حبيب بن عبد القاهر، عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ.
عاشرًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
طبع الْمسند فِي مطبعة دَائِرَة المعارف النظامية بِمَدِينَة حيدر آباد فِي الْهِنْد، سنة ١٣٢١هـ، تَحت إشراف مُحَمَّد أنوار الله خَان، وَمُحَمّد عبد القيوم، وَقد رقما الْأَحَادِيث وَألْحق الْمُصَحح للنسخة: أَبُو الْحسن فهرسًا بآخر الْكتاب على أَسمَاء مسانيد أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، من الصَّحَابَة وَكَذَا الروَاة عَنْهُم من التَّابِعين الَّذين ترْجم بهم، وميز بَين الصَّحَابِيّ والتابعي دَاخل الفهرس، ورتبه ترتيبًا هجائيًا، وَهَذِه الطبعة هِيَ الَّتِي نشرتها دَار الْمعرفَة فِي بيروت، بعناية الْأُسْتَاذ وليد رَاشد الجبلاوي فِي مُجَلد وَاحِد كَبِير يتكون من أحد عشر جُزْءا حديثيًا، إِلَّا أَنه يُوجد فِي هَذِه الطبعة سقط: عشرَة مسانيد تَقْرِيبًا، وفيهَا بعض الأخطاء من تدَاخل بعض الْأَسَانِيد مَعَ متون أُخْرَى٢.
_________________
(١) كَمَا فِي ص: ٢، وص: ١١٩.
(٢) وَقد تقدم ذكر بَيَان جهود أُخْرَى لأهل الْعلم فِي تقريبه فِي ص: ١٦.
[ ١٣٤ ]
المبحث الثَّالِث: طَريقَة الْوُصُول إِلَى الحَدِيث فِي المسانيد:
لما كَانَت المسانيد السَّابِقَة مرتبَة على الصَّحَابَة فِي الْغَالِب، فالاستفادة مِنْهَا مُبَاشرَة تتَوَقَّف - من حَيْثُ الأَصْل - على معرفَة الصَّحَابِيّ الَّذِي يُراد تَخْرِيج حَدِيثه، بِحَيْثُ يُسْتَفَاد من اسْم الصَّحَابِيّ فِي الْوُصُول إِلَى مَوضِع مروياته دَاخل الْمسند بِوَاسِطَة الفهارس والمداخل المقربة، لَكِن تُوجد مشاق فِي الْوُصُول إِلَى مَوضِع الحَدِيث دَاخل مرويات الصَّحَابِيّ المكثر أَو الْمُتَوَسّط، مِمَّا يُضطر مَعَه إِلَى اسْتِخْدَام طرق ومسالك أُخْرَى بِحَيْثُ يتم الْوُصُول إِلَى البغية بِأَقَلّ جهد وَوقت، ويتطلب ذَلِك: معرفَة جهود الْعلمَاء الَّذين عنوا بتقريب الْمَادَّة العلمية للمسانيد.
وَيُمكن التَّمْثِيل للتخريج من المسانيد، بتخريج: مَا رَوَاهُ الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ ﵁ قَالَ: "حَرَّم رَسُول الله ﷺ لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة"، إِذْ يُمكن أَن يتَوَصَّل إِلَى الحَدِيث فِي مُسْند الإِمَام الحُميدي، بِوَاسِطَة الرَّاوِي الْأَعْلَى الْمَذْكُور سَابِقًا، وَهُوَ الحكم بن عَمْرو ﵁، وَيُسْتَفَاد من اسْمه فِي الْوُقُوف على مروياته فِي أحد المسانيد من خلال الفهارس المبينة لمواضع مرويات الصَّحَابَة فِيهَا، مثل كتاب: "مُعْجم مسانيد كتب الحَدِيث"، للتوني حَيْثُ أَحَالهُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الصُّورَة: "الْحميدِي ٢/٣٧٩ (٨٥٩) "، وَيُرِيد أَن لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا رقمه: ٨٥٩ فِي المجلد الثَّانِي، فِي صفحة: ٣٧٩، وَبعد الرُّجُوع إِلَيْهِ تبين أَنه الحَدِيث الْمَطْلُوب.
وَهَكَذَا يصنع عِنْد التَّخْرِيج من بَقِيَّة المسانيد، ويفضل أَن يُقَال: "أخرجه" أَو: "خَرَّجه"، أَو: "رَوَاهُ"، وَيذكر صَاحب الْمسند وَبَقِيَّة عناصر الإحالة والتوثيق.
[ ١٣٥ ]