المبحث الأول: التَّعْرِيف بالأطراف:
الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا:
المبحث الأول: التَّعْرِيف بالأطراف
الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا:
لُغَة: الْأَطْرَاف جمع طَرَف، وَهُوَ: نَاحيَة الشَّيْء، قَالَ ابْن السِّكيت: "الطَّرَف: النَّاحِيَة من النواحي"١، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: "الطَّرَف بِالتَّحْرِيكِ: النَّاحِيَة من النواحي، والطائفة من الشَّيْء"٢، وأطراف الأَرْض: نَوَاحِيهَا٣، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ٤.
اصْطِلَاحا: الْأَطْرَاف جمع طرف، وَهُوَ: الْجُزْء من متن الحَدِيث الدَّال على بَقِيَّته مَعَ ذكر طرقه، يَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "أَو يجمعه على الْأَطْرَاف، فيذكر طرف الحَدِيث الدَّال على بَقِيَّته، وَيجمع أسانيده، إِمَّا مستوعبًا وَإِمَّا متقيدًا بكتب مَخْصُوصَة"٥، وَيَقُول مُحَمَّد بن جَعْفَر الكتاني عَنْهَا: "هِيَ: الَّتِي يقْتَصر فِيهَا على ذكر طرف الحَدِيث الدَّال على بَقِيَّته مَعَ الْجمع لأسانيده، إِمَّا على سَبِيل الِاسْتِيعَاب أَو على جِهَة التقيد بكتب مَخْصُوصَة"٦.
_________________
(١) تَهْذِيب اللُّغَة للأزهري، مَادَّة: طرف ١٣/٣١٩.
(٢) الصِّحَاح، مَادَّة: طرف ٤/١٣٩٣.
(٣) تَهْذِيب اللُّغَة للأزهري، مَادَّة: طرف ١٣/٣١٩.
(٤) آيَة ٤١ من سُورَة الرَّعْد.
(٥) نخبة الْفِكر ٢٠٩، وَهَذَا الْمَعْنى ذكره أَيْضا: السخاوي فِي فتح المغيث ٣/٣٢٢، وزَكَرِيا الْأنْصَارِيّ فِي فتح الْبَاقِي ٢/٢٤٧، والسيوطي فِي تدريب الرَّاوِي ٢/١٥٥، والصنعاني فِي توضيح الأفكار ٢/٣٩٠.
(٦) الرسَالَة المستطرفة ١٦٨.
[ ١٥٥ ]
الْمطلب الثَّانِي: نشأتها:
يعْتَبر فن كِتَابَة أَطْرَاف الحَدِيث من الْفُنُون الَّتِي عرفهَا متقدمو الْمُحدثين، فقد قَالَ أَبُو خَيْثَمَة: زُهَيْر بن حَرْب - ت ٢٣٤هـ -: "ثَنَا جرير، عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم - النَّخعِيّ - قَالَ: لَا بَأْس بِكِتَابَة الْأَطْرَاف"١ ٢، وَقد بَين ابْن حجر الْمَقْصُود بذلك فَقَالَ: "عَنى بذلك مَا كَانَ السّلف يصنعونه من كِتَابَة أَطْرَاف الْأَحَادِيث ليذاكروا بهَا الشُّيُوخ فيحدثوهم بهَا".
وَقد ألّف فِيهَا أهل الحَدِيث كتبا مُتعَدِّدَة، مثل:
١ - أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ، لأبي مَسْعُود: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الدِّمَشْقِي – ت ٤٠١هـ -.
٢ - أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ، لأبي مُحَمَّد: خلف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حمدون الوَاسِطِيّ - ت ٤٠١هـ -، وَقَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: "هُوَ أقل أوهامًا من أَطْرَاف أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي"٣.
٣ - أَطْرَاف الْكتب السِّتَّة، لِلْحَافِظِ أبي الْفضل: مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي، الْمَعْرُوف بِابْن القيسراني - ت ٥٠٧هـ -، وَقَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: "قَالَ ابْن عَسَاكِر: أَخطَأ فِي مَوَاضِع خطأ فَاحِشا"٤.
_________________
(١) كتاب الْعلم ٣٢.
(٢) إِسْنَاده صَحِيح قَالَه الْحَافِظ ابْن حجر فِي مُقَدّمَة كِتَابه إتحاف المهرة ١/١٥٨.
(٣) تذكرة الْحفاظ ١٠٦٨.
(٤) سير أَعْلَام النبلاء ١٩/٣٦٤.
[ ١٥٦ ]
٤ - أَطْرَاف الغرائب والأفراد١، لِابْنِ القيسراني الْمَقْدِسِي أَيْضا ٢.
٥ - الإشراف على معرفَة الْأَطْرَاف، لِلْحَافِظِ ابْن عَسَاكِر، وَهُوَ فِي أَطْرَاف السّنَن الْأَرْبَعَة.
٦ - أَطْرَاف السِّتَّة، لأبي بكر: مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الْمصْرِيّ الْقُسْطَلَانِيّ - ت ٦٨٦هـ٣.
_________________
(١) كتاب: «الْأَفْرَاد والغرائب من حَدِيث رَسُول الله ﷺ»، ويُسمى أَيْضا: «الْفَوَائِد الْأَفْرَاد»، لِلْحَافِظِ أبي الْحسن: عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ – ت٣٨٥هـ -، وَهُوَ فِي مائَة جُزْء، قَالَه ابْن حجر (فِي المعجم المُفهرس ٩٨٥)، وَيُوجد بعضه مخطوطًا فِي دَار الْكتب بِالْقَاهِرَةِ برقم (١٥٥٨، ١/٤٠٩) ورقم (٣٤١ ضمن مَجْمُوع)، وَفِي الظَّاهِرِيَّة بِدِمَشْق (ضمن مَجْمُوع ٢٥/١، ٥٦/١) . وَهَذَا الْكتاب غير مُرَتّب، فَلَا يُمكن الْوُصُول إِلَى الحَدِيث فِيهِ إِلَّا بعد مشقة وتعب، فَقَامَ الْحَافِظ ابْن القيسراني الْمَقْدِسِي بِاخْتِصَار أسانيده ومتونه، وترتيب أَطْرَافه بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى، وَجعله فِي خَمْسَة فُصُول، فالفصل الأول مِنْهَا: فِي مسانيد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ – رضوَان الله عَلَيْهِم -، وَالثَّانِي: فِي مسانيد أَصْحَاب الْأَسْمَاء من الصَّحَابَة – رضوَان الله عَلَيْهِم -، وَالثَّالِث: فِي أَصْحَاب الكني مِنْهُم – رضوَان الله عَلَيْهِم -، وَالرَّابِع: فِي مسانيد النِّسَاء الصحابيات - رضوَان الله عَلَيْهِنَّ -، وابتدأها بصاحبات الْأَسْمَاء ثمَّ الكني، وَالْخَامِس: فِي الْمَرَاسِيل والمبهمين، ورتب الْفُصُول الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة بِحَسب حُرُوف المعجم مراعيًا الْحَرْف الأول فَقَط، وَقسم مرويات المكثرين بِحَسب من روى عَنْهُم، ورتب هَؤُلَاءِ الروَاة على حُرُوف المعجم مراعيًا الْحَرْف الأول.
(٢) وَهُوَ مطبوع فِي دَار الْكتب العلمية فِي بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، بتحقيق: مَحْمُود مُحَمَّد مَحْمُود حسن نصار وَالسَّيِّد يُوسُف، كَمَا قَامَ بتحقيقه مَجْمُوعَة من طلاب الدراسات الْعليا فِي جَامِعَة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية، قسم السّنة وعلومها بالرياض.
(٣) ذكره ابْن حجر فِي إتحاف المهرة ١/١٥٨.
[ ١٥٧ ]
٧ - تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف للْإِمَام المِزِّي١.
٨ - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أَطْرَاف الْعشْرَة، لِلْحَافِظِ ابْن حجر٢.
٩ - إطراف المسْنِد المعتلي بأطراف المُسنَد الْحَنْبَلِيّ، لِلْحَافِظِ ابْن حجر.
١٠ - ذخائر الْمَوَارِيث فِي الدّلَالَة على مَوَاضِع الحَدِيث، للعلامة عبد الْغَنِيّ ابْن إِسْمَاعِيل بن عبد الْغَنِيّ الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي الطرابلسي - ت١١٤٣هـ -، وَهُوَ فِي أَطْرَاف الْكتب السِّتَّة، وموطأ الإِمَام مَالك من رِوَايَة يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ، وَهُوَ مُخْتَصر جدا.
_________________
(١) سَيَأْتِي التَّعْرِيف بِهِ - إِن شَاءَ الله - فِي ص: ٦٢.
(٢) سَيَأْتِي - إِن شَاءَ الله - التَّعْرِيف بِهِ فِي ص: ٧١.
[ ١٥٨ ]
الْمطلب الثَّالِث: فوائدها:
لكتب الْأَطْرَاف فؤائد نافعة للباحثين بِخَاصَّة، وَمِنْهَا:
١ - تُقرب الْمَادَّة العلمية الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا المصادر الأصيلة المسندة، من مرويات وَنَحْوهَا، فَهِيَ تبين مظان الحَدِيث فِي المصادر الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الْكتاب الْمُؤلف فِي الْأَطْرَاف.
٢ - تفِيد فِي معرفَة طرق حَدِيث كل صَحَابِيّ، فِي مَكَان وَاحِد مجتمعة، وَمَا يتبع ذَلِك من تَسْمِيَة الروَاة، وَمَعْرِفَة الروَاة عَن الْمُخْتَلطين، ومرويات المدلسين، والمتابعات الَّتِي ينجبر بهَا الْإِسْنَاد، والطرق والاختلافات الَّتِي يُعل بهَا الْإِسْنَاد والْحَدِيث.
٣ - معرفَة الْغَرِيب الْمُطلق والمقيد من الْأَسَانِيد.
٤ - معرفَة فوارق النّسخ المخطوطة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا مؤلف الْأَطْرَاف، ومقارنة ذَلِك بالمطبوع، وَالْوُقُوف على زيادات رُوَاة الْمصدر الْأَصْلِيّ بَعضهم على بعض
[ ١٥٨ ]
المبحث الثَّانِي: التَّعْرِيف بأشهر المؤلفات فِيهَا:
الْمطلب الأول: تحفة الْأَشْرَاف، للْإِمَام المِزِّي:
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ المِزِّي:
هُوَ: يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي، أَبُو الْحجَّاج، واشتهر بنسبته: المِزِّي، بِكَسْر الْمِيم، وَتَشْديد الزَّاي الْمَكْسُورَة، نِسْبَة إِلَى قَرْيَة كَبِيرَة من قرى دمشق١، وَولد سنة: ٦٥٤هـ.
وَمن شُيُوخه: الإِمَام النَّوَوِيّ، والحافظ عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي الْفَخر ابْن البُخَارِيّ - ت ٦٩٠هـ -، وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَالْإِمَام أبي مُحَمَّد: الْقَاسِم بن مُحَمَّد البِرْزالي - ت ٧٣٩هـ -، وَالْإِمَام الذَّهَبِيّ، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الْأَوَاخِر هم من شُيُوخه وتلاميذه فِي الْوَقْت نَفسه حَيْثُ أَخذ عَنْهُم وَأخذُوا عَنهُ.
وَمن تلاميذه: الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح: مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد - صَحَّ ثَلَاث - ابْن عبد الله بن مُحَمَّد الشَّافِعِي بن سَيِّد النَّاس اليَعْمَري - ت٧٣٤هـ -، وَالْإِمَام أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الهادي - ت٧٤٤هـ - والعلامة تَقِيّ الدّين عَليّ بن عبد الْكَافِي السُّبُكي الْمصْرِيّ - ت ٧٥٦هـ -، والحافظ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كَيْكَلْدي العلائي - ت٧٦١هـ -، والحافظ مُغُلْطَاي بن قِلِيج٢ الْحَنَفِيّ، - ت ٧٦٢هـ -، وصهره الإِمَام الْحَافِظ ابْن كثير.
_________________
(١) انْظُر: الْأَنْسَاب للسمعاني (١٢/٢٣٤)، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت بن عبد الله الْحَمَوِيّ (٥/ ١٤٤)، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لِلْحَافِظِ ابْن حجر (٤/١٣٥٩) .
(٢) وَمَعْنَاهُ: السَّيْف باللغة التركية.
[ ١٥٩ ]
وَهُوَ: الإِمَام الْحَافِظ السلَفِي الْمَشْهُور، تأثر بشيخ الْإِسْلَام ابْن تيميَّة وَنَصره، فآذاه أهل الْبدع أذية شَدِيدَة، وَقد شهد بإمامته الْكثير، يَقُول السُّبُكي: "حَافظ زَمَاننَا، حَامِل راية السّنة وَالْجَمَاعَة، إِمَام حَافظ"١، وَقَالَ ابْن سَيِّد النَّاس اليَعْمَري: "وجدت بِدِمَشْق الْحَافِظ المقدَّم، وَالْإِمَام الَّذِي فاق من تَأَخّر وَتقدم بَحر الْعلم الزاخر الْقَائِل من رَآهُ: كم ترك الْأَوَائِل للأواخر"٢، وَيَقُول ابْن عبد الْهَادِي: "شَيخنَا الإِمَام الْحَافِظ الْحجَّة النَّاقِد الأوحد البارع مُحدث الشَّام وَكَانَ إِمَامًا فِي السّنة، مَاشِيا على طَريقَة سلف الْأمة"٣، وَيَقُول الذَّهَبِيّ: "الإِمَام الْعَلامَة الْحَافِظ النَّاقِد الْمُحَقق الْمُفِيد مُحدث الشَّام إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي معرفَة الرِّجَال وطبقاتهم"٤، وَتُوفِّي سنة: ٧٤٢ هـ.
التَّعْرِيف بكتابه تحفة الْأَشْرَاف:
أَولا: اسْمه:
تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف، حَيْثُ يَقُول المِزِّي: "وسميته: تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف"٥، وَقد وَردت هَذِه التَّسْمِيَة فِي كَلَام أهل الْعلم مِنْهُم: ابْن حجر٦، والذهبي٧ وَغَيرهمَا، وَيرد عِنْد بعض أهل الْعلم اختصارًا باسم: "الْأَطْرَاف".
_________________
(١) طَبَقَات الشَّافِعِيَّة ١٠/٣٩٥.
(٢) كَمَا فِي: فَوَات الوفيات ٤/٣٥٤.
(٣) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث ٤/٢٧٥.
(٤) المعجم الْمُخْتَص بالمحدثين ٢٩٩.
(٥) مقدمته (١/٥) .
(٦) النكت الظراف على الْأَطْرَاف (١/٤)، وَكتابه إتحاف المهرة ١/١٥٨.
(٧) تذكرة الْحفاظ (٤/١٤٩٨) .
[ ١٦٠ ]
ثَانِيًا: مَوْضُوعه:
الدَّالَّة على مَوَاضِع مرويات الْكتب السِّتَّة ولواحقها، من خلال ذكر أطرافها المُرتَّبة على الرَّاوِي الْأَعْلَى ترتيبًا معجميًا.
ثَالِثا: مكانته وثناء أهل الْعلم عَلَيْهِ:
يَقُول ابْن عبد الْهَادِي عَن المِزِّي: "صَنَّف كتاب تَهْذِيب الْكَمَال فِي أَسمَاء الرِّجَال فِي مئتين وَخمسين جُزْءا، وَهُوَ كتاب حافل عديم النّظر، وَكتاب الْأَطْرَاف فِي سِتَّة وَثَمَانِينَ جُزْءا، وأوضح فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ مشكلات لم يسْبق إِلَيْهَا"١، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "إِن من الْكتب الجليلة المصنَّفة فِي عُلُوم الحَدِيث كتاب تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف تأليف شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أبي الْحجَّاج: يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف المِزِّي، وَقد حصل الِانْتِفَاع بِهِ شرقًا وغربًا، وتنافس الْعلمَاء فِي تَحْصِيله بعدا وقربًا"٢، وَيَقُول أَيْضا عَنهُ: "كثر النَّفْع بِهِ"٣.
رَابِعا: مشتملاته:
أَفَادَ الْحَافِظ المِزِّي من مؤلفات سابقيه فِي الْأَطْرَاف، وَزَاد عَلَيْهِم، وبَيَّن مَا وَجَد فِي كتبهمْ من أَوْهَام وأخطاء، وَنبهَ إِلَى ذَلِك فِي مُقَدّمَة كِتَابه تحفة الْأَشْرَاف فَقَالَ: "مُعْتَمدًا عَامَّة ذَلِك على: كتاب أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي٤، وَكتاب خلف الوَاسِطِيّ٥ فِي أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ، وعَلى كتاب أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر٦ فِي
_________________
(١) طَبَقَات عُلَمَاء الحَدِيث (٤/٢٧٦) .
(٢) النكت الظراف على الْأَطْرَاف (١/٤) .
(٣) إتحاف المهرة (١/١٥٨) .
(٤) هُوَ: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الْحَافِظ المجود البارع - ت ٤٠١هـ -، انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٦/١٧٢، وَتَذْكِرَة الْحفاظ ٣/١٠٦٨، وسير أَعْلَام النبلاء ١٧/٢٢٧.
(٥) هُوَ: خلف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حمدون الْحَافِظ النَّاقِد - ت ٤٠١هـ -، انْظُر: أَخْبَار أَصْبَهَان ١/١٣٠، وتاريخ بَغْدَاد ٨/٣٣٤، وسير أَعْلَام النبلاء ١٧/٢٦٠.
(٦) هُوَ: عَليّ بن الْحسن بن هبة الله الدِّمَشْقِي، الإِمَام الْعَلامَة الْحَافِظ الْكَبِير المجود مُحدث الشَّام وَصَاحب «تَارِيخ دمشق»، - ت ٥٧١ هـ -، انْظُر: المنتظم، لِابْنِ الْجَوْزِيّ ١٠/٢٦١، والمستفاد من ذيل تَارِيخ بَغْدَاد ١٨٦، وسير أَعْلَام النبلاء ٢٠/٥٤٤
[ ١٦١ ]
كتب السّنَن"١.
وَقد اشْتَمَل الْكتاب على جمع جمّ غزير من المحتويات الجليلة على هَذَا النَّحْو:
١ - اشْتَمَل على الْكتب السِّتَّة ولواحقها٢، وزوائد ألحقها المِزِّي نَفسه بهَا، واستخدم العلامات٣ فِي الْعزو إِلَى المصادر، كَمَا يَلِي:
صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ "خَ"، وَمَا اسْتشْهد بِهِ تَعْلِيقا: "خت"، وصحيح مُسلم ومقدمته: "م"، وَسنَن أبي دَاوُد: "د"، وَمَا أخرجه فِي الْمَرَاسِيل: "مد"، وجامع التِّرْمِذِيّ: "ت"، وَمَا أخرجه فِي الشَّمَائِل: "تمّ"، وَالسّنَن الصُّغْرَى والكبرى للنسائي: "س"، وَمَا أخرجه فِي كتاب "عمل يَوْم وَلَيْلَة": " سي "، وَسنَن ابْن مَاجَه: "ق"، وَمَا رَوَاهُ هَؤُلَاءِ السِّتَّة: "ع"، وَزَاد على ذَلِك: أَحَادِيث يذكرهَا، وعلامتها: "ز"، وَقد نبه إِلَى استدراكاته على الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر، بِحرف: "كـ" وَهُوَ الْكَاف.
٢ - عدد أَحَادِيث الْكتاب (١٩٥٩٥) حَدِيثا مَعَ المكررات، وَعدد مسانيده (١٣٩٥)، مِنْهَا (٩٩٥) مُسْندًا للصحابة رجَالًا وَنسَاء رضوَان الله عَلَيْهِم، وَالْبَاقِي (٤٠٠) من مَرَاسِيل التَّابِعين وَمن بعدهمْ٤.
٣ - يعْتَبر مدخلًا ومقربًا للمادة الحديثية فِي الْكتب السِّتَّة ولواحقها، وَلِهَذَا فقد اشْتَمَل على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف والمرسل والمقطوع تبعا لما احتوته هَذِه المصادر، وَقد أفرد المِزِّي قسما خَاصّا للمراسيل فِي آخر تحفة الْأَشْرَاف.
_________________
(١) (١/٤) .
(٢) كَمَا نبه إِلَى ذَلِك (فِي مُقَدّمَة تحفة الْأَشْرَاف ١/٣) .
(٣) الرموز.
(٤) انْظُر مُقَدّمَة محققه: عبد الصَّمد شرف الدّين (١/١٣) .
[ ١٦٢ ]
٤ - اعتنى المِزِّي بالعلل وَاخْتِلَاف الروَاة عناية كَبِيرَة، وَمِثَال ذَلِك قَوْله عَن حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ: "هَكَذَا روى غير وَاحِد عَن الْأَعْمَش، وروى الثَّوْريّ وَغَيره هَذَا الحَدِيث عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم أَن النَّبِي ﷺ: مُرْسلا ١"٢.
٥ - اشْتَمَل على أَقْوَال المِزِّي فِي عدَّة فنون، وَمن ذَلِك: تَرْجَمَة الرَّاوِي الْأَعْلَى فِي بداية كل مُسْند، كَمَا يترجم أَحْيَانًا لبَعض الروَاة أثْنَاء إِيرَاد طرقهم كَقَوْلِه: "سعيد بن عبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ ابْن عبد الْملك أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، نزيل أنطاكية"٣، وَقَوله فِي أثْنَاء حَدِيث: "عَن أبي وهب الْجُشَمِي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة٤"٥، وتسميته وتعريفه للرواة الَّذين يقسم عِنْدهم مرويات المكثرين، وَحكمه أَحْيَانًا على بعض الروَاة كَقَوْلِه: "إِسْحَاق بن عمر - أحد المجاهيل - عَن عَائِشَة"٦، وَبَيَانه لأوهام من سبقه فِي التَّأْلِيف على الْأَطْرَاف، كَقَوْلِه: "هَذَا وهم من أبي الْقَاسِم - ﵀ - فَإِن الْكَلَام على حَدِيث النَّضر بن شُمَيْل، إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِيث: قيس بن سعد عَن عَطاء٧"٨، وَهُوَ يَسُوق ذَلِك بأدب جم، كَقَوْلِه: "قد وهما جَمِيعًا فِي ذَلِك، وَالله يغْفر لنا وَلَهُمَا بفضله وَرَحمته٩"١٠، وَبَيَانه لأوهام رُوَاة الْكتب السِّتَّة ولواحقها كَقَوْلِه: "وَقع فِي بعض النّسخ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهُوَ وهم"١١، وَبَيَانه لزيادات رُوَاة
_________________
(١) (١١/٣٥٩/١٥٩٤٩) .
(٢) وَانْظُر أَيْضا:١١/٣٦٣/ ١٥٩٩٧، و١١/٣٧٥/١٦٠٠٦، و١/٥٥.
(٣) عِنْد حَدِيث رقم (١٥٩١٣، ١١/٣٤٧) .
(٤) (١٥٥١٩، ١١/١١٣) .
(٥) وَانْظُر أَيْضا: ١١/٢٠٢/١٥٦٦٦، و١١/٤٢٨/١٦١٦٥.
(٦) فِي ١١/٣٥٠/١٥٩٢٢.
(٧) (١١/٣٥٤/١٥٩٤٠) .
(٨) وَانْظُر أَيْضا:١١/٣٦٦/١٥٩٧٣، ١١/٣٧٨/١٦٠١٤، ١١/٣٨٣/١٦٠٣٢.
(٩) (١١/٣٧٨/١٦٠١٤) .
(١٠) وَانْظُر أَيْضا: (١١/٢٨٦/١٥٨٠٢) .
(١١) (١١/٣٤٥/١٥٩١٠) .
[ ١٦٣ ]
الْكتب السِّتَّة ولواحقها، كَقَوْلِه مثلا: "حَدِيث: س، فِي رِوَايَة ابْن الْأَحْمَر١ وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم"٢، وَبَيَانه لكَلَام الْأَئِمَّة على الحَدِيث وَلَا سِيمَا فِي هَذِه المصادر الَّتِي صنع أطرافها، وَمِنْه قَوْله: "قَالَ أَبُو دَاوُد: إِبْرَاهِيم لم يسمع من عَائِشَة"٣، وَشَرحه لما يحْتَاج إِلَى توضيح من عِبَارَات الروَاة، وَمن ذَلِك مَا جَاءَ عِنْد النَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى: "وَفِيه قَالَ شُرَيْح: إِنِّي أهم أَن أضربك بِهَذَا الْقوس" قَالَ المِزِّي بعده: "على سَبِيل الْإِنْكَار لذَلِك"، وَبَيَانه لأحاديث النّسخ والمتون الْمُقطعَة: كَقَوْلِه: "هُوَ طرف من حَدِيث تقدم"٤، وَكَثِيرًا مَا يسْتَدرك المِزِّي هَذَا على الْحَافِظ أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر الَّذِي كَانَ ألف فِي أَطْرَاف السّنَن قَبله.
خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه:
قسم المِزِّي الْكتاب إِلَى قسمَيْنِ: المسانيد، والمراسيل، ورتبه بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى معجميًا، على هَذَا النَّحْو:
١ - جعل المسانيد على نَوْعَيْنِ:
الأول: مسانيد الرِّجَال وابتدأها بأصحاب الْأَسْمَاء، ثمَّ الكنى، ثمَّ المبهمين، ورتبهم بِحَسب من روى عَنْهُم.
الثَّانِي: مسانيد النِّسَاء وابتدأها بصاحبات الْأَسْمَاء، ثمَّ الكنى، ثمَّ بالمبهمات، ورتبهن أَيْضا بِحَسب من روى عَنْهُن.
ورتب الْمَرَاسِيل كطريقة تَرْتِيب المسانيد، ويوضح ذَلِك مَا يَلِي:
_________________
(١) هُوَ: مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة بن عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي المرواني الْقُرْطُبِيّ، أبوبكر الْحَافِظ الثِّقَة مُحدث الأندلس، أشهر رُوَاة السّنَن الْكُبْرَى للنسئي، وَهُوَ الَّذِي أَدخل السّنَن الْكُبْرَى إِلَى الأندلس، وَمَات سنة: ٣٥٨هـ، انْظُر: بغية الملتمس لِأَحْمَد بن يحيى ابْن عميرَة الضَّبِّيّ، ١١٦.
(٢) (١/٨/١) .
(٣) (١١/٣٤٨/١٥٩١٥) .
(٤) (١١/٣٥٣/١٥٩٣٣) .
[ ١٦٤ ]
٢ - رتب مرويات المكثرين على التراجم بِحَيْثُ يقسم مرويات المكثر عِنْد مُسْنده بِحَسب الروَاة عَنهُ من الصَّحَابَة أَو التَّابِعين، فَإِن كَانَت أَحَادِيث هَؤُلَاءِ عَنهُ كَثِيرَة، قسمهَا بدورها بِحَسب من روى عَنْهُم، وَهَكَذَا من بعدهمْ، إِذا كَانَت مروياتهم كَثِيرَة، وَرُبمَا وصل فِي التَّقْسِيم إِلَى الطَّبَقَة الرَّابِعَة أَو الْخَامِسَة من الأتباع، كصنيعه فِي الكنى عِنْد مُسْند أبي هُرَيْرَة ﵁ حَيْثُ بوب بقوله: "وَمن مُسْند أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ"١، ثمَّ قسم مروياته على حسب الروَاة عَنهُ؛ لِأَنَّهُ مكثر، وَبَوَّبَ بذلك، فَقَالَ: "إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي هُرَيْرَة" وسَاق أَحَادِيث إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي هُرَيْرَة، وَعند ذكره لمرويات حميد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، قسم مرويات حميد على حسب من روى عَنهُ، وَبَوَّبَ فَقَالَ: "سعد بن إِبْرَاهِيم عَن عَمه حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة"٢ وسَاق مروياته، وَهَكَذَا ذكر غَيره من الروَاة عَن حميد بن عبد الرحمن الزُّهْرِيّ، وَعند ذكره لمرويات أبي صَالح:
_________________
(١) (٩/٢٩٢) . (٩/٣٢٥) .
[ ١٦٥ ]
ذكْوَان السمان عَن أبي هُرَيْرَة١، قسم مرويات أبي صَالح على حسب من روى عَنهُ، وَعند ذكر أحدهم، وَهُوَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش، قسم مروياته أَيْضا وَبَوَّبَ بذلك فَقَالَ: "سُلَيْمَان الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة"٢، ثمَّ سَاق مرويات إِبْرَاهِيم هَذَا، ثمَّ بوب بقوله: "أَسْبَاط بن مُحَمَّد، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة" وسَاق مروياته، وَهَكَذَا، ورتب جَمِيع ذَلِك على حُرُوف المعجم مبتدءًا بأصحاب الْأَسْمَاء، ثمَّ الكنى، ثمَّ المبهمين، وَيقدم الرِّجَال ثمَّ النِّسَاء.
٣ - عِنْد إِيرَاده للمرويات دَاخل كل تَرْجَمَة يبْدَأ أَولا بالأحاديث الَّتِي كثر مخرجوها من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة ولواحقها، بِحَيْثُ يبْدَأ بِمَا رَوَاهُ السِّتَّة، ثمَّ بِمَا رَوَاهُ الْخَمْسَة وَهَكَذَا، وَيعْتَبر فِي ذَلِك المكانة العلمية للمصدر بِمَعْنى أَنه يقدم مَا روى البُخَارِيّ وَمُسلم على مَا رَوَاهُ الْأَرْبَعَة أَصْحَاب السّنَن، وَهَكَذَا يصنع فِي مصَادر الحَدِيث الْوَاحِد.
ويسوق فِي كل حَدِيث طرقه عِنْد أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، على طَريقَة المخرجين بالمقارنة بَين الطّرق، وَبَيَان مداراتها، والمقارنة بَين الْأَلْفَاظ دون حَاجَة إِلَى الإطالة بِذكر صِيغ الْأَدَاء، وألفاظ الْمُتُون، كَمَا صنع عِنْد ذكره لمرويات: شُعْبَة بن الْحجَّاج، عَن قَتَادَة، عَن أنس بن مَالك ﵁ حَيْثُ ذكر من مرويات شُعْبَة: حَدِيث "اعتدلوا فِي السُّجُود، وَلَا يبسط أحدكُم ذِرَاعَيْهِ " وَقَالَ: "خَ فِي الصَّلَاة عَن بنْدَار، وم فِيهِ عَن بنْدَار وَأبي مُوسَى كِلَاهُمَا عَن غُنْدر، وَعَن أبي بكر، عَن وَكِيع، وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، د فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، ت فِيهِ عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي دَاوُد، س فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود فرقهما وَكِلَاهُمَا عَن خَالِد بن الْحَارِث، خمستهم عَنهُ بِهِ"٣، وعود الضَّمِير فِي قَوْله: "فِيهِ" على كتاب الصَّلَاة، الَّذِي تقدم ذكره، وَيعود فِي قَوْله: "خمستهم"،
_________________
(١) (٩/٣٤١) .
(٢) (٩/٣٦٤) .
(٣) (١/٣٢١) .
[ ١٦٦ ]
على: غُنْدر، ووكيع، وخَالِد بن الْحَارِث، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَأبي دَاوُد، وَفِي قَوْله: "عَنهُ"، على شُعْبَة، وَهُوَ الَّذِي بوب المرويات باسمه، وَفِي قَوْله: "بِهِ" على بَقِيَّة الْإِسْنَاد الْمَذْكُور عِنْد التَّبْوِيب عَن شُعْبَة حَيْثُ إِنَّه: عَن قَتَادَة عَن أنس وعَلى الحَدِيث أَيْضا، يُوضح ذَلِك مَا يَلِي:
٤ - يحِيل المِزِّي فِي الكنى على مَا ذكر فِي الْأَسْمَاء، وَالْعَكْس، وَمن ذَلِك قَوْله فِي الكنى: "أَبُو بكر الصّديق، واسْمه عبد الله بن عُثْمَان، تقدم فِي حرف الْعين"١،
_________________
(١) (٩/١٣٠) .
[ ١٦٧ ]
وَكَقَوْلِه عِنْد تَرْجَمَة خرَاش أبي سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ: "يَأْتِي فِي الكنى"١، وَكَذَا يحِيل فِي الْمَعْرُوف بلقبه على اسْمه، كَقَوْلِه "الأشجع الْمصْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ، اسْمه الْمُنْذر، يَأْتِي فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله"٢، ويُحيل عِنْد مَنْ حَدَثَ وَهْمٌ فِي اسْمه كَقَوْلِه: "خَالِد العداء عَن النَّبِي ﷺ، هُوَ وهم سَيَأْتِي فِي مُسْند العداء بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ"٣، ويُحيل أَيْضا عِنْد ذكر أَطْرَاف الحَدِيث على الْمُتَقَدّم والمتأخر، وَمن ذَلِك: قَوْله عِنْد ذكر أَسَانِيد حَدِيث: "سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله"٤، وَفِي مَوضِع آخر قَالَ: "رَوَاهُ خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، عَن حُصَين، عَن هِلَال، عَن زَاذَان، عَن عَائِشَة، وَسَيَأْتِي"٥
سادسًا: طَرِيقَته فِي تَخْرِيج الحَدِيث، وَبَيَان مَوْضِعه:
يَعْزُو الْحَافِظ المِزِّي إِلَى المصادر السِّتَّة ولواحقها، بعلامة٦ وَضعهَا لكل وَاحِد مِنْهَا، ثمَّ: يبين مَوضِع الحَدِيث بِذكر اسْم الْكتاب التفصيلي (كتاب الصَّلَاة، أَو الصّيام، أَو الزَّكَاة، أَو النِّكَاح) دَاخل هَذِه المصادر الَّتِي يوردها بالعلامات الَّتِي تقدم ذكرهَا، وَقد أضَاف عبد الصَّمد شرف الدّين فِي تَحْقِيقه بَين قوسين (١٣: ٦) رقم الْبَاب، والْحَدِيث عِنْد كل مَوضِع يَعْزُو إِلَيْهِ المِزِّي، فالرقم الْوَاحِد: (١٧) رقم: الْبَاب، مَا عدا صَحِيح مُسلم، فَفِيهِ الرقم الْمُنْفَرد للْحَدِيث، كَمَا أضَاف الدكتور: بشار عواد فِي تَحْقِيقه رقم الْجُزْء، والصفحة، والْحَدِيث فِي أشهر طبعات الْكتب السِّتَّة ولواحقها.
سابعًا: أهم مميزاته:
_________________
(١) (٣/١٢٠) .
(٢) (١/٧٦) .
(٣) (٣/١١٠) .
(٤) (١١/٣٤٧/١٥٩١٤) .
(٥) (١٥٥٧٥) .
(٦) رمز.
[ ١٦٨ ]
١ - معرفَة حَدِيث الصَّحَابِيّ أَو الرَّاوِي الْأَعْلَى عِنْد أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة ولواحقها، وَهَذَا لَهُ فَوَائده المتعددة الْمُتَعَلّقَة بِالْإِسْنَادِ والمتن، من تَسْمِيَة الروَاة، وَمَعْرِفَة اتِّصَال أسانيدهم، وزوائدهم الإسنادية والمتنية.
٢ - معرفَة الْأَسَانِيد الَّتِي احْتج بهَا البُخَارِيّ وَمُسلم على صُورَة الِانْفِرَاد، وعَلى صُورَة الِاجْتِمَاع.
٣ - ضبط أَسمَاء الروَاة وألفاظ الْمُتُون وَمَعْرِفَة المتصحف من غَيره.
٤ - معرفَة زيادات رُوَاة الْكتب السِّتَّة وأوهامهم.
٥ - معرفَة الْأَحَادِيث المخرجة فِي الْكتب السِّتَّة ولواحقها، وَمَعْرِفَة الْأَحَادِيث الَّتِي لم تخرج فِيهَا، ويقيد ذَلِك بِحَدِيث راوٍ أَعلَى مَخْصُوص.
ثامنًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
صحّح الْكتاب وعلق عَلَيْهِ الْعَلامَة عبد الصَّمد شرف الدّين، وطُبع بمساعدة وزارة المعارف لحكومة الْهِنْد، وَتَحْت إشراف: جمعية المكتبة السعيدة فِي حيدر آباد، ونشره: الدَّار الْقيمَة بهيوندي بمباي الْهِنْد، لأوّل مرّة، عَام ١٣٨٤هـ.
وَقد قَامَ الْمُحَقق بترقيم المسانيد وَالْأَحَادِيث، كَمَا أضَاف عِنْد كل حَدِيث (يعزوه المِزِّي إِلَى الْكتاب التفصيلي فِي المصادر): ذكر رقم الْبَاب، والْحَدِيث.
كَمَا أعد الْمُحَقق: فهرسًا للرواة فِي بداية كل مُجَلد، يُبين مواضعهم، وأضاف كشافًا يبين أَسمَاء الْكتب التفصيلية، والأبواب فِي الْكتب السِّتَّة، على حسب الطبعات الَّتِي رَجَعَ إِلَيْهَا، كَمَا ألحق فِي الْهَامِش كتاب: "النكت الظراف على الْأَطْرَاف" وَهُوَ اسْتِدْرَاك الْحَافِظ ابْن حجر على تحفة الْأَشْرَاف.
كَمَا حَقَّقَهُ، وَضبط نَصًّه، وعلق عَلَيْهِ الدكتور: بشار عواد مَعْرُوف، ونشرته: دَار الغرب الإسلامي فِي بيروت، الطبعة الأولى عَام ١٩٩٩م، وَقد عُني الدكتور بشار عواد مَعْرُوف بتحقيق النَّص فِي ضوء عدد من النّسخ الخطية، وَمِنْهَا: قسم كَبِير بِخَط مُؤَلفه، وَنسخ كَامِلَة لتلاميذه ورفاقه كُتبت فِي حَيَاته، وقُوبلت على نُسْخَة الْمُؤلف، وبَيَّن الْمُحَقق مَوَاضِع أَحَادِيث التُّحْفَة فِي أشهر طبعات الْكتب السِّتَّة ولواحقها بِذكر الْجُزْء، والصفحة، ورقم الحَدِيث، وبَيَّن
[ ١٦٩ ]
موَاضعهَا أَيْضا فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، والمسند الْجَامِع للدكتور بشار نَفسه - مَعَ عدد من الباحثين -، حَيْثُ اشْتَمَل على أَحَادِيث: (٢١) مصدرا١، وَقد ربط الدكتور طرق الحَدِيث الْوَاحِد بإحالة بَعْضهَا إِلَى الْبَعْض، بِحَيْثُ يقف الْقَارئ على جَمِيع الطّرق الْمَذْكُورَة فِي التُّحْفَة عِنْد وُصُوله إِلَى أَي طَرِيق من تِلْكَ الطّرق.
وَقد أعد أَيْضا فهرسًا للرواة فِي نِهَايَة كل مُجَلد، وفهرسًا للأحاديث والْآثَار بِحَسب أوائلها، فِي آخر الْكتاب.
وعُني أهل الْعلم أَيْضا بتقريبه، وَمن ذَلِك: تَرْتِيب المرويات الْمَذْكُورَة فِيهِ على أَوَائِل ألفاظها، مثل كتاب فهارس تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِفَة الْأَطْرَاف، أعدهَا: مُحَمَّد عبد الْقَادِر عطا.
وَمِنْه أَيْضا إِفْرَاد الروَاة الأعلون بفهرس خَاص، مثل كتاب مُعْجم مسانيد كتب الحَدِيث لأبي الْفِدَاء: سامي التُوني، حَيْثُ يبين مَوضِع مرويات الصَّحَابَة فِي المسانيد، وَالتَّابِعِينَ فِي الْمَرَاسِيل فِي تحفة الْأَشْرَاف، ورتبهم على حُرُوف المعجم بِدُونِ ذكر مروياتهم.
_________________
(١) سَيَأْتِي ذكره فِي ص: ٩٩
[ ١٧٠ ]
الْمطلب الثَّانِي: إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أَطْرَاف الْعشْرَة، لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي:
التَّعْرِيف بِالْحَافِظِ ابْن حجر:
هُوَ: أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي، أَبُو الْفضل، وَيعرف بِابْن حجر، وَهُوَ لقب أَو اسْم لبَعض أجداده على خلاف، ولد سنة ٧٧٣ هـ.
وَمن شُيُوخه: الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ، وَمُحَمّد بن يَعْقُوب الشِّيرَازِيّ الفيروزآبادي - ت ٨١٧ هـ -، وَعمر بن عَليّ بن أَحْمد بن المُلَقِّن الْمصْرِيّ الشَّافِعِي - ت ٨٠٤هـ -، وَغَيرهم.
[ ١٧٠ ]
وَمن تلاميذه: السخاوي، وزَكَرِيا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ - ت ٩٢٦هـ -، وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد – صَحَّ - بن عبد الله بن فَهد الْمَكِّيّ - ت ٨٧١هـ -، وَغَيرهم.
وَهُوَ: الْحَافِظ عَلَم عَالم متبحر ناقد متقن أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، قَالَ تِلْمِيذه السخاوي: "اعتنى بِهَذَا الْفَنّ أعظم عناية إِلَى أَن بلغ الْغَايَة القصوى فِي الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة، وفَاق كثيرا من الرِّجَال وَحَازَ شرف الرُّتْبَة فِي الْحَال والمآل، شيخ الْإِسْلَام، وأوحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام حَافظ الْعَصْر، وخاتمة الْمُجْتَهدين حَامِل راية الْعلم والأثر"١، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: "انْتَهَت إِلَيْهِ الرحلة والرئاسة فِي الحَدِيث فِي الدُّنْيَا بأسرها، فَلم يكن فِي عصره حَافظ سواهُ"٢، وَقَالَ: " إِمَام هَذَا الْفَنّ للمقتدين، ومقدم عَسَاكِر الْمُحدثين، وعمدة الْوُجُود فِي التوهية والتصحيح "٣، وَقَالَ عبد الحي الكتاني - ت ١٣٠٤هـ -: "كل تصانيفه تشهد بِأَنَّهُ إِمَام الْحفاظ، مُحَقّق الْمُحدثين، زبدة الناقدين، لم يخلف بعده مثله"٤، وَتُوفِّي سنة: ٨٥٢ هـ.
التَّعْرِيف بكتابه:
أَولا: اسْم الْكتاب: إتحاف المهرة بالفوائد المُبْتَكرة من أَطْرَاف الْعشْرَة، وَقد صرح بذلك مُؤَلفه ابْن حجر فِي مقدمته٥.
ثَانِيًا: مَوْضُوعه: أَطْرَاف مرويات مَجْمُوعَة من المصادر الحديثية، مُرتبة بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى
_________________
(١) الْجَوَاهِر والدرر فِي تَرْجَمَة شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر ١/٥٣
(٢) حسن المحاضرة ١/٣٦٣.
(٣) نظم العقيان ٤٥.
(٤) التعليقات السّنيَّة ١٦.
(٥) (١/١٦٩) .
[ ١٧١ ]
ثَالِثا: مكانته العلمية: تبرز مكانة الْكتاب من جِهَتَيْنِ:
الأولى: كَون مُؤَلفه هُوَ الْحَافِظ ابْن حجر، الَّذِي لَا يشق لَهُ غُبَار فِي علم الحَدِيث وَعلله وأطرافه.
وَالثَّانيَِة: مَنْهَج الْكتاب، حَيْثُ إِنَّه امتداد لمنهج المِزِّي فِي التَّرْتِيب بِحَسب الْأَطْرَاف، وَتقدم مَا لهَذِهِ الطَّرِيقَة من فَوَائِد متنوعة، إِضَافَة إِلَى أَن الْحَافِظ ابْن حجر قد ضمن كِتَابه أَطْرَاف مرويات أصُول ودواوين الحَدِيث النَّبَوِيّ، الَّتِي فُقِد جُزء مِنْهَا١.
رَابِعا: مشتملاته:
اسْتَفَادَ ابْن حجر من مَنْهَج تَرْتِيب تحفة الْأَشْرَاف للْإِمَام المِزِّي قَائِلا: "جمعت أطرافها على طَريقَة الْحَافِظ أبي الْحجَّاج المِزِّي وترتيبه"٢.
١ - يتَبَيَّن من اسْم الْكتاب أَن المصادر الحديثية المسندة الَّتِي عمل أطرافها عشرَة مصَادر، وَزَاد عَلَيْهَا مصدر حادي عشر جبرا لنَقص أحد هَذِه الْعشْرَة كَمَا نبه إِلَى ذَلِك فِي مُقَدّمَة كِتَابه٣، واستخدم الرقوم٤ فِي الْعزو إِلَى هَذِه المصادر، كَمَا يَلِي: موطأ الإِمَام مَالك - ت١٧٩هـ - "ط"، ومسند حَدِيث الإِمَام الشَّافِعِي: "ش"، ومسند الإِمَام أَحْمد: "حم"، ولزيادات ابْنه عبد الله "عَم"، ومسند الدَّارمِيّ - ت ٢٥٥هـ -: "مي"، والمنتقى لِابْنِ الْجَارُود - ت ٣٠٧هـ -: "جا "، وَمَا وجد من صَحِيح ابْن خُزَيْمَة - ت٣١١هـ - ٥: "خَز"،
_________________
(١) سَيَأْتِي - إِن شَاءَ الله - مَا يزِيد فِي بَيَان مكانة هَذَا الْكتاب عِنْد ذكر فَوَائده.
(٢) (١/١٥٨)
(٣) (١/١٦٠) .
(٤) العلامات أَو الرموز.
(٥) نبه فِي الْمُقدمَة (١/١٥٩) إِلَى أَنه وقف على ربع الْعِبَادَات بكامله، ومواضع مفرقة من غَيره.
[ ١٧٢ ]
وصحيح أبي عوَانَة - ت ٣١٦هـ١ -: "عه"، وَشرح مَعَاني الْآثَار للطحاوي - ت ٣٢١هـ -: "طح"، وصحيح ابْن حبَان - ت ٣٥٤هـ -: "حب"، ومستدرك الْحَاكِم - ت٤٠٥هـ -: "كم"، ثمَّ أرْدف هَذِه الْعشْرَة بسنن الدَّارَقُطْنِيّ - ت ٣٨٥هـ - وَاخْتَارَ رقمًا لَهُ: "قطّ"، وَجعله جَابِرا لما فَاتَ من الْوُقُوف على صَحِيح ابْن خُزَيْمَة كَامِلا ٢.
وَلم يقْتَصر الْحَافِظ ابْن حجر فِي أثْنَاء عمله على المصادر السَّابِقَة، وَإِنَّمَا زَاد فِي الْأَطْرَاف والتخريج محتوى مصَادر أُخْرَى٣، مِنْهَا: فَضَائِل الْقُرْآن لأبي عبيد - ت ٢٢٤هـ -، ومصنف ابْن أبي شيبَة - ت ٢٣٥هـ -، ومسند إِسْحَاق بن راهُوْيَه - ت ٢٣٨هـ -، وَالْأَدب الْمُفْرد للْبُخَارِيّ، ومسند الْحَارِث بن أبي أُسَامَة - ت٢٨٢هـ -، ومسند الْبَزَّار، ومسند أبي يعلى الْموصِلِي، وتهذيب الْآثَار لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ - ت٣١٠هـ -، وَكتاب السياسة وَكتاب التَّوَكُّل وَكِلَاهُمَا لِابْنِ خُزَيْمَة، وَكتاب رَوْضَة الْعُقَلَاء وَكتاب الصَّلَاة وَكِلَاهُمَا لِابْنِ حبَان، ومعاجم الطَّبَرَانِيّ الثَّلَاثَة، وَكتاب الدُّعَاء لَهُ أَيْضا، والحلية لأبي نُعيم، وَشعب الْإِيمَان وَالسّنَن الْكُبْرَى وَكِلَاهُمَا للبيهقي - ت ٤٥٨هـ -، وَفضل الْعلم لِابْنِ عبد الْبر، ذَاكِرًا من الْأَحَادِيث الْمَرْفُوع والمرسل وَالْمَوْقُوف والمقطوع تبعا للمصادر الَّتِي عمل أطرافها.
٢ - اشْتَمَل على أَقْوَال لِابْنِ حجر فِي عدَّة فنون، مِنْهَا: بَيَانه لعلل الْأَحَادِيث وَاخْتِلَاف رواتها، مثل صَنِيعه عِنْد الحَدِيث الَّذِي أخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرطهمَا، حَيْثُ تعقبه بقوله: "لكنه مَعْلُول، قد بَين علته التِّرْمِذِيّ
_________________
(١) كَذَا سَمَّاهُ ابْن حجر ١/١٥٩، ١٦٢ وَقَالَ: «هُوَ كالمستخرج» .
(٢) نبه إِلَى ذَلِك فِي مُقَدّمَة الْكتاب (١/١٦٠)
(٣) نبه إِلَى ذَلِك د. زُهَيْر النَّاصِر فِي مُقَدّمَة تَحْقِيقه لإتحاف المهرة (١/١٠٤) .
[ ١٧٣ ]
فِي جَامعه"١، وَقَوله عِنْد آخر: "غَرِيب جدا"٢، وَبَيَانه لما للْحَدِيث من طرق، مثل قَوْله: "وَله طرق فِي تَرْجَمَة قَتَادَة عَن أنس"٣، وَبَيَانه لأحوال بعض الروَاة كَقَوْلِه: "دَاوُد: ضَعِيف جدا"٤، وَكَقَوْلِه: "فِي سِيَاقه صُورَة انْقِطَاع، وَرِجَاله ثِقَات"٥، واستدراكه على كَلَام أهل الْعلم فِي بعض الْفُنُون، مثل صَنِيعه عِنْد الحَدِيث الَّذِي أخرجه الْبَزَّار وذَكَر أَن حَمَّاد بن زيد قد تفرد بِهِ عَن ثَابت، فَقَالَ ابْن حجر: "لم يتفرد بِهِ عَنهُ، بل رَوَاهُ مُحَمَّد بن زِيَاد عَن ثَابت أَيْضا"٦.
٣ - اشْتَمَل الإتحاف على أَقْوَال الْمُحدثين وَلَا سِيمَا: أَصْحَاب المصادر الَّتِي عمل الْحَافِظ أطرافها، مثل: تصحيحات الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك٧، مَعَ أَنه يتعقبه إِذا لم يُوَافقهُ كصنيعه عِنْد تَصْحِيح الْحَاكِم لحَدِيث٨ فَقَالَ: "بل فِيهِ ضعف وَانْقِطَاع؛ لِأَن حجاج بن نصير وَشَيْخه ضعيفان، وَإِسْحَاق لم يسمع من عبَادَة"٩، وَمثل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ على الْأَحَادِيث، وَمِنْهَا قَوْله: "عُثْمَان هُوَ الوقاصي: مَتْرُوك الحَدِيث"١٠، وَقَوله: "الْحسن بن دِينَار وَالْحسن بن عمَارَة
_________________
(١) عِنْد (ح ١١) .
(٢) عِنْد (ح ١٠١٢)
(٣) عِنْد (ح ١٠١١) .
(٤) عِنْد (ح ٥٩) .
(٥) عِنْد حَدِيث (٤٤٣) .
(٦) انْظُر: ح ١، ٦٠، ٣٩٩
(٧) (٦٠)
(٨) وَانْظُر أَيْضا: (ح ٢٣٤)، وَغَيره.
(٩) (١٧٥) .
[ ١٧٤ ]
عيفان"١، وَقَوله: "تفرد بِهِ مُبشر عَن أَبِيه"٢، وَمثل كَلَام الْبَزَّار، كَقَوْلِه: "إِسْنَاده حسن"٣، وَمثل كَلَام الْعِمَاد بن كثير الَّذِي نَقله قَوْله: "هَذَا حَدِيث مُنكر جدا يشبه أَن يكون مَوْضُوعا من بعض الشِّيعَة الغلاة، وَإِنَّمَا هَذِه صِفَات رَسُول الله ﷺ لَا صِفَات عَليّ، قَالَه الْعِمَاد ابْن كثير"٤.
خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه:
رتب الْحَافِظ ابْن حجر إتحافه، كترتيب المِزِّي لتحفته، وَقد تقدم بَيَان قَوْله٥، وتفصيل تَرْتِيب التُّحْفَة٦، غير أَن كتاب ابْن حجر لم يكمل صدوره مطبوعًا إِلَى الْآن٧، وَرَغمَ ذَلِك فقد نبه محققه الدكتور زُهَيْر النَّاصِر فِي مُقَدّمَة هَذَا السّفر٨ إِلَى وجود فوارق بَين تحفة الْأَشْرَاف وإتحاف المهرة، وَلَعَلَّ ذَلِك يعود إِلَى أَن الْحَافِظ ابْن حجر توفّي قبل تحريره كَمَا قَالَه السخاوي٩، أما أبرز تِلْكَ الفوارق، فَهِيَ:
١ - أَن الْحَافِظ ابْن حجر ترك مَوَاضِع مُتعَدِّدَة تتَعَلَّق بمرويات المكثرين والمتوسطين من الصَّحَابَة، لم يرتبها بِحَسب التَّابِعين وأتباعهم، بِخِلَاف صَنِيع المِزِّي، مَعَ أَن الْحَافِظ اشْترط ذَلِك حَيْثُ يَقُول فِي مقدمته: "ثمَّ إِن كَانَ حَدِيث التَّابِعِيّ كثيرا، رتبته على أَسمَاء الروَاة عَنهُ غَالِبا، وَكَذَا الصَّحَابِيّ الْمُتَوَسّط"١٠.
_________________
(١) (٢١٤) .
(٢) (٢١٩) .
(٣) (ح ٢٢٥) .
(٤) عِنْد (ح٢٣٣) .
(٥) ص: ١٨.
(٦) ص: ٦٥
(٧) عَام ١٤٢٠هـ.
(٨) (١/١٠٤) .
(٩) الْجَوَاهِر والدرر ٢/٦٧٢.
(١٠) (١/١٥٩) .
[ ١٧٥ ]
٢ - أَن الْحَافِظ ابْن حجر رُبمَا رتب مرويات التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، على الْأَبْوَاب مثل صَنِيعه فِي مرويات: "عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس".
٣ - أَن الْحَافِظ اشْترط فِي مقدمته سِيَاق صِيغ الْأَدَاء كَمَا جَاءَت فِي المصادر حَيْثُ يَقُول: "أسوق أَلْفَاظ الصِّيَغ فِي الْإِسْنَاد غَالِبا لتظهر فَائِدَة مَا يصرِّح بِهِ المدلس"١، وَنبهَ الدكتور زُهَيْر النَّاصِر٢ إِلَى أَنه لم يلْتَزم بذلك فِي الْغَالِب، حَيْثُ عبر فِي مَوَاضِع كَثِيرَة بالعنعنة كطريقة المِزِّي.
سادسًا: طَرِيقَته فِي تَخْرِيج الحَدِيث:
يَعْزُو الْحَافِظ الْأَحَادِيث إِلَى مصادرها عزوًا إجماليًا، مَبْنِيا اسْم الْكتاب التفصيلي فِي المصادر المخرجة على الْأَبْوَاب مثل أَن يَقُول: "فِي الصّيام"، ويعزو إِلَى التقاسيم والأنواع - الْمَعْرُوف بِصَحِيح ابْن حبَان - بحسبها كَأَن يَقُول "حب فِي الثَّامِن من الْخَامِس"، كَمَا يَعْزُو إِلَى المسانيد إِجْمَالا، ويسوق أَسَانِيد المصادر الَّتِي خَرّج أطرافها، أَو الَّتِي يَعْزُو إِلَيْهَا، ويميز زيادات عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بقوله: "رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زياداته"، ويستخدم الْحُرُوف عَلامَة لأسماء المصادر، وَقدم لكل ذَلِك بِذكر٣ أسانيده إِلَى المصادر الَّتِي عمل أطرافها.
سابعًا: أهم مميزاته:
١ - يعْتَبر مكملًا للنقص الَّذِي لحق بالمصادر المطبوعة الَّتِي عمل ابْن حجر أطرافها، أَو عزى إِلَيْهَا، مثل: مُسْند الإِمَام أَحْمد، ومستدرك الْحَاكِم، وصحيح ابْن خُزَيْمَة، وصحيح أبي عوَانَة - المطبوع باسم الْمُسْتَخْرج - وَغَيرهَا، وَقد نبه الَّذين اعتنوا
_________________
(١) (١/١٥٩) .
(٢) فِي الْمصدر السَّابِق ١/١٠٤.
(٣) (١/١٦٠) .
[ ١٧٦ ]
اعتنوا بتحقيق هَذَا الْكتب فِي مَرْكَز خدمَة السّنة بِالْمَدِينَةِ المنورة إِلَى وجود زيادات فِي الإتحاف سَقَطت من المطبوع من هَذِه المصادر.
٢ - يعْتَبر موسوعة لأطراف الحَدِيث فقد اشْتَمَل على أَطْرَاف عدَّة مصَادر زَائِدَة عَن الْكتب السِّتَّة الَّتِي عمل المِزِّي أطرافها، وَبِهَذَا سهل على الباحثين الْوُصُول إِلَى مرويات الصَّحَابَة وَغَيرهم - فِي هَذِه المصادر - بطريقة ميسرَة، وَلَا سِيمَا كتاب التقاسيم والأنواع لِابْنِ حبَان.
وَتعْتَبر الْكتب الَّتِي عمل أطرافها كل من الإِمَام المِزِّي وَابْن حجر أُمَّهَات وأصول الحَدِيث النَّبَوِيّ، فقلَّ أَن تَجِد حَدِيثا ثَابتا فِي غَيرهَا إِلَّا وَله أصل فِيهَا.
ثامنًا: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
تحظى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة بعناية كَبِيرَة فِي المملكة الْعَرَبيَّة السعودية بتوجيهات سامية، وضع أساسها الْملك عبد الْعَزِيز - يرحمه الله - وتوالت على رعايتها الْأَيْدِي الأمنية من وُلَاة أَمر هَذِه الْبِلَاد - وفقهم الله لكل خير -، وَمن هَذِه المآثر المتعددة جَاءَت فكرة إنْشَاء مَرْكَز خدمَة السّنة والسيرة النَّبَوِيَّة الَّذِي تشرف عَلَيْهِ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالتعاون مَعَ الجامعة الإسلامية فِي الْمَدِينَة المنورة، وَقد أَخذ المركز على عَاتِقه إِخْرَاج مصَادر السّنة النَّبَوِيَّة الَّتِي لم تَرَ النُّور بعد، وَكَانَ من ذَلِك تَحْقِيق كتاب إتحاف المهرة وإخراجه، فشارك المشرف على أَعمال الباحثين فِي المركز الدكتور زُهَيْر النَّاصِر فِي تَحْقِيق جُزْء مِنْهُ، إِلَى جَانب مَجْمُوعَة من أساتذة الجامعة وَغَيرهم، وَأعد المركز فهارس للْكتاب مُتعَدِّدَة بِحَسب الموضوعات، وبحسب الرَّاوِي الْأَعْلَى – مُجَردا - وبحسب أَوَائِل أَلْفَاظ الْمُتُون، مِمَّا ييسر الاستفادة مِنْهُ.
[ ١٧٧ ]
الْمطلب الثَّالِث: إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ لِلْحَافِظِ ابْن حجر:
هَذَا الْكتاب جليل الْفَائِدَة، وَقد احتوى على أَطْرَاف مرويات الإِمَام أَحْمد، وزيادات ابْنه عبد الله، وزيادات أبي بكر ابْن مَالك القَطِيعي، فِي الْمسند، قَالَ عَنهُ
[ ١٧٧ ]
السخاوي: "كَانَ حَافظ الْوَقْت شَيْخه الزين الْعِرَاقِيّ كثير الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فِي إمْلَائِهِ وَغَيرهَا"١.
١ - طَريقَة ترتيبه:
قَسّم ابْن حجر الْكتاب قِسمين: الأول: الْمُتَّصِل من الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف والمقطوع، الثَّانِي: الْمُرْسل وَبَعض الْمَوْقُوف والمقطوع حَيْثُ يَقُول عَن هَذَا الْقسم: "ذكر مَا وَقع فِيهِ من الْمَرَاسِيل والموقوفات بِغَيْر اسْتِيعَاب"٢، كَمَا أَنه ذكر الْمَوْقُوف فِي آخر مسانيد الرِّجَال بقوله: "فصل فِي الْمَوْقُوفَات غير مَا تقدم"٣ وَألْحق بذلك الْمَقْطُوع.
وقَسم الْمُتَّصِل بأنواعه السَّابِقَة قِسمين: الأول: الرِّجَال من الصَّحَابَة، أَصْحَاب الْأَسْمَاء، ثمَّ أَصْحَاب الكنى، ثمَّ المبهمون، ورتب المبهمين على حسب أَسمَاء مَن رَوَى عَنْهُم، وَالثَّانِي: النِّسَاء من الصَّحَابَة، ورتبهن كَمَا رتب الرِّجَال.
وَإِذا كَانَ الرَّاوِي مكثرًا فَإِنَّهُ يرتب مروياته على إِحْدَى الطريقتين: الأولى: بِحَسب الروَاة عَنهُ، الثَّانِيَة: بِحَسب أَوَائِل أَلْفَاظ متون الْأَحَادِيث، وَهَذَا فِي الْغَالِب، حَيْثُ تُوجد مرويات لبَعض المكثرين لم يرتبها، مُرَتبا كل من سبق على حُرُوف الهجاء فِي الْغَالِب.
٢ - طَرِيقَته فِي تَخْرِيج الحَدِيث:
يَعْزُو الْحَافِظ ابْن حجر الحَدِيث فِي كِتَابه هَذَا إِلَى مَوْضِعه من المسانيد الرئيسة السَّبْعَة عشر الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا مُسْند الإِمَام أَحْمد، وَالْتزم الْحَافِظ ابْن حجر بَيَان من أخرج الحَدِيث غير الإِمَام أَحْمد، واستخدم العلامات لجَمِيع المصادر عِنْد
_________________
(١) الْجَوَاهِر والدرر ٢/٦٧٢ (٩/٤٩٠) .
(٢) (٨/٣٦٩) .
[ ١٧٨ ]
بداية كل الحَدِيث، فرقم: للْبُخَارِيّ (خَ)، وَلمُسلم (م)، وَلأبي دَاوُد (د)، وللنسائي (س)، وللترمذي (ت)، وَلابْن مَاجَه (ق)، وَلابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (خَز)، وَلأبي عوَانَة فِي صَحِيحه (عه)، وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه (حب)، وللحاكم فِي مُسْتَدْركه (ك)، وللدارقطني فِي سنَنه (قطّ)، وللدارمي فِي جَامعه (مي) وَقد بَين ذَلِك١، وسَاق أسانيده إِلَى مُسْند الإِمَام أَحْمد٢.
_________________
(١) (١/١٧٦) . (١/١٧٠) .
[ ١٧٩ ]
الْمطلب الرَّابِع: جَامع المسانيد للْإِمَام ابْن كثير، وَهُوَ مُلْحق بكتب الْأَطْرَاف٣:
التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ ابْن كثير:
هُوَ: إِسْمَاعِيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن درع الْقرشِي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي، عماد الدّين، أَبُو الْفِدَاء، واشتهر بِابْن كثير، ولد سنة ٧٠١هـ على خلاف فِي ذَلِك.
وَمن شُيُوخه: شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَالْإِمَام الذَّهَبِيّ، وَالْإِمَام المِزِّي، وَابْن كثير صهر الإِمَام المِزِّي.
وَمن تلاميذه: أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن عبد الله الْمصْرِيّ الزَّرْكَشِيّ - ت ٧٩٤هـ -، والحافظ عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن الْكرْدِي الْعِرَاقِيّ - ت ٨٠٦هـ -، وَأَبُو المحاسن: مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن ابْن حَمْزَة الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي، - ت ٧٦٥هـ -، وَغَيرهم.
وَهُوَ: إِمَام حَافظ وفقيه ومفسر ومؤرخ، قَالَ شَيْخه الذَّهَبِيّ: "الإِمَام الْفَقِيه
_________________
(١) لِأَنَّهُ يذكر متون الْأَحَادِيث كَامِلَة، بَيْنَمَا كتب الْأَطْرَاف تُعنى بِذكر أطرافها، ويشترك الْجَامِع مَعهَا فِي طَريقَة ترتيبها.
[ ١٧٩ ]
الْمُحدث الأوحد البارع فَقِيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقاد"١، وَقَالَ تِلْمِيذه أَبُو المحاسن الْحُسَيْنِي: "الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ الْمُفِيد البارع وبرع فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وأمعن فِي الرِّجَال والعلل"٢، وَتُوفِّي سنة ٧٧٤هـ.
التَّعْرِيف بكتابه:
أَولا: اسْم الْكتاب: جَامع المسانيد وَالسّنَن الْهَادِي لأَقوم سَنَن، حَيْثُ قَالَ فِي مقدمته: "وَسميت كتابي هَذَا: جَامع المسانيد وَالسّنَن الْهَادِي لأَقوم سَنَن، وَهُوَ: الْمسند الْكَبِير"٣.
ثَانِيًا: مَوْضُوعه: الدّلَالَة على مرويات الْكتب السِّتَّة، وَبَعض المسانيد ومعجم الطَّبَرَانِيّ، من خلال ذكر متونها كَامِلَة وطرقها، مرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى.
ثَالِثا: بَيَان مشتملاته:
لقد اسْتَفَادَ ابْن كثير من صَنِيع شَيْخه الإِمَام المِزِّي فِي تحفة الْأَشْرَاف، حَيْثُ يظْهر ذَلِك من خلال ترتيبه لكتابه جَامع المسانيد، كَمَا أَنه يَعْزُو إِلَيْهِ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة، وَيُشِير إِلَى ذَلِك بقوله: "قَالَ شَيخنَا" وَيُرِيد المِزِّي، ويحيل فِي مَوَاضِع أُخْرَى على كِتَابه الْأَطْرَاف٤، وَقد نسخ ابْن كثير كتاب تحفة الْأَشْرَاف، ونسخته مَشْهُورَة ٥، كَمَا أَنه اسْتَفَادَ من صَنِيع الْحَافِظ الصَّامِت٦ كَذَلِك،
_________________
(١) المعجم الْمُخْتَص بالمحدثين ٧٤.
(٢) ذيل تذكرة الْحفاظ ٥٧.
(٣) (١/١١) .
(٤) انْظُر: (١/٧٥، ١٣٩، ١٩٨، ٢١٥) .
(٥) انْظُر مُقَدّمَة جَامع المسانيد ١/٢٣٧، للدكتور عبد الْمُعْطِي قلعجي.
(٦) لقب بذلك لقلَّة كَلَامه، وَهُوَ: مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله الْمَقْدِسِي ثمَّ الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ، الإِمَام الصَّالح الْوَرع - ت ٧٨٩هـ -، انْظُر: المصعد الأحمد لِابْنِ الْجَزرِي ٣٩، والدر الكامنة لِابْنِ حجر ٤/٨٤/ ٣٧٦٨.
[ ١٨٠ ]
حَيْثُ رتب أَطْرَاف مُسْند الإِمَام أَحْمد على مُعْجم الصَّحَابَة١، يَقُول ابْن الْجَزرِي: "رتبه على مُعْجم الصَّحَابَة، ورتب الروَاة كَذَلِك، كترتيب الْأَطْرَاف، تَعب فِيهِ تعبًا كثيرا، ثمَّ إِن شَيخنَا الإِمَام مؤرخ الْإِسْلَام حَافظ الشَّام عماد الدّين أَبَا الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عمر بن كثير - رَحمَه الله تَعَالَى - أَخذ هَذَا الْكتاب المرتَّب من مُؤَلفه، وأضاف إِلَيْهِ أَحَادِيث الْكتب السِّتَّة، ومعجم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير، ومسند الْبَزَّار، ومسند أبي يعلى الْموصِلِي، وأجهد نَفسه كثيرا، وتعب فِيهِ تعبًا عَظِيما، فجَاء لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَالم"٢، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "لما رتب الْحَافِظ شمس الدّين ابْن الْمُحب الْمَعْرُوف بالصامت مُسْند أَحْمد على تَرْتِيب حُرُوف المعجم، حَتَّى فِي التَّابِعين المكثرين عَن الصَّحَابَة، أعجب ابْن كثير فأستحسنه، وَرَأَيْت النُّسْخَة بِدِمَشْق بِخَط وَلَده عمر، فَألْحق ابْن كثير مَا استحسنه فِي الهوامش من الْكتب السِّتَّة ومسندي أبي يعلى وَالْبَزَّار ومعجمي الطَّبَرَانِيّ مَا لَيْسَ فِي الْمسند، وسمى الْكتاب: جَامع المسانيد وَالسّنَن"٣.
١ - احتوى الْجَامِع على الْكتب السِّتَّة، ومسند الإِمَام أَحْمد وَالْبَزَّار، وَأَبُو يعلى، ومعجم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير، وَغَيرهَا حَيْثُ يَقُول: "وَرُبمَا زِدْت عَلَيْهَا من غَيرهَا"٤، وَهَذَا يظْهر أَيْضا من خلال صَنِيعه فِي هَذَا الْكتاب، حَيْثُ زَاد مصَادر أُخْرَى مِنْهَا: "معرفَة الصَّحَابَة لأبي نُعيم"، وَأكْثر مِنْهُ٥، وموطأ
_________________
(١) مثل صَنِيع المِزِّي فِي كِتَابه تحفة الْأَشْرَاف.
(٢) المصعد الأحمد فِي ختم مُسْند الإِمَام أَحْمد ٣٩.
(٣) إنباء الْغمر بأبناء الْعُمر ١/٤٧.
(٤) ١/١٠٤٧.
(٥) انْظُر على سَبِيل الْمِثَال ١/٢٣، ٢٥، ٢٨، ١٧٩
[ ١٨١ ]
مَالك١، ومسند الطَّيَالِسِيّ٢، وَإِسْحَاق بن راهُوْيَه٣، ومستدرك الْحَاكِم٤، وصحيح ابْن خُزَيْمَة٥ وَغَيرهَا.
٢ - اشْتَمَل على مَا يزِيد عَن (١٠٠.٠٠٠) حَدِيث، حَيْثُ يَقُول ابْن كثير فِي مقدمته: "هَذِه الْكتب الْعشْرَة تشْتَمل على أربى من مائَة ألف حَدِيث بالمكررة"٦، ويضاف إِلَيْهَا أَيْضا مرويات المصادر الْأُخْرَى الَّتِي ألحقها أثْنَاء عمله فِي الْكتاب، وَفِيه الْمَرْفُوع والمرسل وَالْمَوْقُوف والمقطوع، تبعا للمصادر الَّتِي عمل أطرافها.
رَابِعا: طَريقَة ترتيبه:
رتب الْحَافِظ ابْن كثير مرويات المصادر الَّتِي عمل أطرافها، بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى، وقسّم كِتَابه ثَلَاثَة أَقسَام:
الأول: المقلون من الرِّوَايَة، وَألْحق بهم متوسطي الرِّوَايَة، وهم من بلغت مروياتهم دون الْألف فِي الْغَالِب.
الثَّانِي: الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الْأَرْبَعَة، ورتبهم على الْأَفْضَلِيَّة بَينهم.
الثَّالِث: المكثرون وهم من زَادَت مروياته عَن الْألف فِي الْغَالِب، كأنس بن مَالك، وَجَابِر، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعبد الله بن مَسْعُود، وَأبي هُرَيْرَة، وَعَائِشَة ﵃،
_________________
(١) (١/١٦) .
(٢) (١/٣٤) .
(٣) (١/٣٦) .
(٤) (١/٢٩٥) .
(٥) (١/٣١٦) .
(٦) (١/١٠) .
[ ١٨٢ ]
ورتبهم على هَذَا النَّحْو السَّابِق، وَعدد مرويات عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - على حسب المطبوع من الْجَامِع -: (٨٧٩) حَدِيثا.
هَذَا على وَجه الْإِجْمَال، أما تَفْصِيله، فَكَمَا يَلِي:
أ - رتب مرويات المصادر الَّتِي عمل أطرافها على الرَّاوِي الْأَعْلَى، جاعلًا مُسْند الإِمَام أَحْمد أصلا، فَإِن وجد رَاوِيا أَعلَى زَائِد عَن ذَلِك فِي بَقِيَّة تِلْكَ المصادر ذكره بِحَسب ترتيبه، وَكَذَا صنع فِي طبقَة التَّابِعين الَّذين فَرَّع بهم فِي التراجم.
ب - قَسم المقلين قِسمين:
الأول: الرِّجَال، وَقدم أَصْحَاب الْأَسْمَاء ثمَّ الكنى، ثمَّ المبهمين، ورتبهم بِحَسب الروَاة عَنْهُم، وَالثَّانِي: النِّسَاء، ورتبهن كترتيب الرِّجَال.
جـ - رتب مرويات كل صَحَابِيّ بِحَسب من روى عَنهُ مثل طَريقَة شَيْخه الْحَافِظ المِزِّي فِي تحفة الْأَشْرَاف، إِلَّا أَنه اقْتصر على طبقَة وَاحِدَة.
د - رتب مَا سبق على حُرُوف المعجم.
هـ - جعل مُسْند الإِمَام أَحْمد هُوَ الأَصْل فِي ذَلِك، من جِهَتَيْنِ: الأولى: المسانيد التفصيلية الَّتِي احتوى عَلَيْهَا الْمسند، الثَّانِيَة: المرويات الَّتِي احتوى عَلَيْهَا الْمسند نَفسه، ثمَّ سَار على الْمنْهَج التَّالِي: يُعرِّف بالصحابي على حسب مَا فِي كتاب أَسد الغابة فِي معرفَة الصَّحَابَة لِابْنِ الْأَثِير، ثمَّ يذكر مرويات هَذَا الصَّحَابِيّ عِنْد الإِمَام أَحْمد - على حسب التَّرْتِيب السَّابِق، فِي فقرة (ب)، وَيذكر إِسْنَاد الحَدِيث وَمَتنه كَمَا جَاءَ عِنْد الإِمَام أَحْمد، وَيبين بعده من أخرجه من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وَإِذا انْتَهَت مرويات الصَّحَابِيّ عِنْد الإِمَام أَحْمد، أعقبها بِمَا زَاد على ذَلِك عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير، ثمَّ بِمَا زَاد على ذَلِك عِنْد الْبَزَّار فِي مُسْنده (الْبَحْر الزاخر)، ثمَّ بِمَا زَاد عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، ثمَّ إِنَّه يضيف مَا زَاد على ذَلِك من الْكتب السِّتَّة، والمصادر الْأُخْرَى الَّتِي عمل أطرافها، بِحَسب مَا يُنَاسِبه من التَّرْتِيب، ويخرجها جَمِيعًا كَمَا سبق ذكره.
[ ١٨٣ ]
خَامِسًا: طَرِيقَته فِي تَخْرِيج الحَدِيث وَبَيَان مَوْضِعه:
يَسُوق ابْن كثير الحَدِيث فِي جَامعه - إِسْنَادًا ومتنًا - كَمَا جَاءَ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، وَكَذَا صنع فِي زَوَائِد المصادر الْأُخْرَى الَّتِي عمل أطرافها، مُبينًا موضعهَا فِي الْكتب السِّتَّة ولواحقها بالعزو الإجمالي.
سادسًا: ذكر جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ:
شَارك فِي تَحْقِيق: "جَامع المسانيد" مَجْمُوعَة من طلاب الجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنورة فِي رسائل جامعية عَام ١٤٠٥هـ، كَمَا حَقَّقَهُ الدكتور عبد المعطي أَمِين قلعجي فِيمَا يُقَارب أَرْبَعِينَ مجلدًا، ويطبع أَيْضا بتحقيق الدكتور عبد الْملك بن دهيش.
وَنبهَ الدكتور قلعجي فِي مُقَدّمَة تَحْقِيقه للْكتاب١ إِلَى أَنه صنع فهرسًا للرواة التَّابِعين عَن الصَّحَابَة، وفهرسًا لأطراف الحَدِيث، كَمَا أضَاف إِلَى ذَلِك فِي أثْنَاء تَحْقِيقه فهرسًا للأحاديث بِحَسب الموضوعات، فِي المجلد السَّابِع عشر فَمَا بعده.
_________________
(١) (١/٢٦٢) .
[ ١٨٤ ]
المبحث الثَّالِث: طَريقَة الْوُصُول إِلَى الحَدِيث فِيهَا:
لكتب الْأَطْرَاف عدَّة مدَاخِل١ يُمكن الْوُصُول مِنْهَا إِلَى الحَدِيث الْمَطْلُوب أبرزها:
من طَرِيق الرَّاوِي الْأَعْلَى، وَذَلِكَ بِالرُّجُوعِ الْمُبَاشر إِلَيْهَا، كالحديث الَّذِي رَوَاهُ قيس ابْن أبي حَازِم عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا ولي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ"، فيستفاد من اسْم صَحَابِيّ الحَدِيث، وَهُوَ: "عَمْرو ابْن الْعَاصِ ﵁"، بِالرُّجُوعِ إِلَى مَوضِع مُسْنده فِي تحفة الْأَشْرَاف، وَهُوَ فِي: حرف الْعين الَّتِي بعْدهَا مِيم، ثمَّ رَاء؛ لِأَن المِزِّي رتب على حُرُوف المعجم، مراعيًا الْحَرْف الأول فَمَا بعده.
وَإِذا وُصل إِلَى الحَدِيث، بُحث بعد ذَلِك عَن: مرويات قيس بن أبي حَازِم، عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁؛ لِأَن المِزِّي قسم مرويات عَمْرو بن الْعَاصِ بِحَسب الروَاة عَنهُ؛ لِأَنَّهُ مكثر، ورتب هَؤُلَاءِ الروَاة عَنهُ على حُرُوف المعجم أَيْضا، والْحَدِيث مَذْكُور مَعهَا٢، ثمَّ يُسْتَفَاد من عزو المِزِّي وتوضيح الْمُحَقق: فِي الْوُصُول إِلَى مَوضِع الحَدِيث فِي الْكتب السِّتَّة ولواحقها، وَذَلِكَ حسب الخطوات التالية:
١ - معرفَة أَسمَاء الْأَبْوَاب الَّتِي أحَال إِلَيْهَا الْمُحَقق بالأرقام الْمَذْكُورَة بَين قوسين، وَيتم ذَلِك بِالرُّجُوعِ إِلَى "الْكَشَّاف" وَهُوَ المجلد الرَّابِع عشر الَّذِي أعده الْمُحَقق ليبين فِيهِ أرقام الْكتب والأبواب الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا كل مصدر من المصادر السِّتَّة ولواحقها.
وَقد بَدَأَ الْمُحَقق بِذكر فهرس إجمالي خَاص بأسماء الْكتب الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا كل مصدر، مَعَ بَيَان أرقامها، ثمَّ أعقبه بفهرس تفصيلي لأسماء الْكتب والأبواب
_________________
(١) يُمكن أَن يُوصل إِلَى الحَدِيث من طَرِيق أول لفظ متن الحَدِيث، وَذَلِكَ باستخدام الفهارس الَّتِي رتبت أحاديثها بِحَسب أَوَائِل أَلْفَاظ متونها.
(٢) ح ١٠٧٤٤.
[ ١٨٥ ]
فِي الْمصدر السَّابِق، ورتب فهارس المصادر على النَّحْو التَّالِي: فهرس لصحيح البُخَارِيّ، ثمَّ لصحيح مُسلم، ثمَّ لسنن أبي دَاوُد، ثمَّ لسنن التِّرْمِذِيّ، ثمَّ لسنن النَّسَائِيّ الْكُبْرَى، ثمَّ الصُّغْرَى - الْمُجْتَبى -، ثمَّ لسنن ابْن مَاجَه، ثمَّ لمراسيل أبي دَاوُد، ثمَّ لشمائل التِّرْمِذِيّ.
٢ - يُرجع إِلَى فهرس أَسمَاء الْكتب الإجمالي للمصدر الَّذِي يُراد تَخْرِيج الحَدِيث مِنْهُ، بِحَيْثُ يتَوَصَّل من خلاله إِلَى معرفَة رقم الْكتاب الَّذِي يُفِيد فِي معرفَة مَوضِع الْكتاب فِي الفهرس التفصيلي.
وَمن الجدير بِالذكر أَن هَذِه الخطوات تسلك عِنْد الرُّجُوع إِلَى تحفة الْأَشْرَاف بتحقيق الْعَلامَة عبد الصَّمد شرف الدّين، وَأما الدكتور: بشار عواد مَعْرُوف، فَإِنَّهُ عِنْد تَحْقِيقه للْكتاب بَين مَوضِع الحَدِيث بِذكر رقم الْجُزْء، والصفحة، والْحَدِيث فِي أشهر طبعات الْكتب السِّتَّة ولواحقها١، بِحَيْثُ أغْنى الْقَارئ عَن هَذِه الخطوات، وَاخْتصرَ عَلَيْهِ الْوَقْت، ووفر لَهُ الْجهد.
فَإِذا وُجد الحَدِيث فِي كتب الْأَطْرَاف، وَوجد أَيْضا فِي الْمصدر الْمسند عُزي إِلَى الْمصدر الْمسند، وَإِن لم يُوجد - فِي الْمصدر الْمسند المطبوع - فَيمكن أَن يُعزى إِلَيْهِ أَيْضا مَعَ التَّنْبِيه إِلَى أَنه مُسْتَفَاد من كتب الْأَطْرَاف، كَأَن يُقَال: "أخرجه الْحَارِث بن أبي أُسَامَة كَمَا فِي إتحاف المهرة".
_________________
(١) تقدم بَيَان منهجه فِي التَّحْقِيق، ص: ٦٩
[ ١٨٦ ]