﷽
أحمدك- اللهُمَّ على متواتر نعمائك (^١) ومستفيض إحسانك وآلائِك، وأشكُرُكَ على ما مَنَحْتَنَا به من الحديث الصحيح، ومَيَّزْتَنَا به من المَنْطِق الفصيح، وأصلِّي وأسلِّم على سَنَدِ كلِّ مُرْسَل، والعُرْوَةِ الوُثْقَى لمن تمسَّك به وتَوَسَّل (^٢)، صاحبِ الخُلُق الحَسَن، ومَنْ تَسَلْسَلَتْ بوجوده أنواعُ المِنَن،
_________________
(١) قوله: على متواتر نعمائك … إلى آخره. فيه براعة الاستهلال، وهي كون نتين الكلام مناسب للمقصود.
(٢) التوسل بذات النبي ﷺ مما لم يشرعه الله ﷿، ولا يجوز التوسل لا بالنبي ﷺ ولا بغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلفظ التوسل" بالشخص و"التوجه" به والسؤال به فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة:
(٣) يراد به التسبب به، لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي مجيبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
(٤) ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته، أو لمجرد الإقسام به على الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه. ونهوا عنه، وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام. اه. "اقتضاء الصراط المستقيم" ص (٤١٦) وانظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص: (٢٣٧ - ٢٣٨)، وقد نقل كلام شيخ الإسلام الذي ذكرته بالنص. وقال العلامة عبد العزيز بن باز -متع الله بحياته- في سياق جوابٍ له عن أنواع التوسل المشروع والممنوع: "أما التوسل بجاهه ﷺ، أو بذاته، أو بحقه، أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين أو ذواتهم أو حقهم، فمن البدع التي لا أصل لها؛ بل من وسائل الشرك، لأن الصحابة ﵃ وهم أعلم الناس بالرسول ﷺ؛ وبحقه لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه". اه "فتاوى مهمة تتعلق بالعقيدة" ص (٢٣). وقال العلامة الألبانى -متع الله بحياته- بعد أن ذكر أقسام التوسل المشروع، قال: "وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف، والذي نعتقده وندين الله تعالى به أنه غير جائز ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل، تقوم به الحجة، وقد أنكره العلماء المحققون في العصور الإسلامية المتعاقبة، مع أنه قد قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز الإمام أحمد التوسل بالرسول ﷺ وحده فقط، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني التوسل به وبغيره عن الأنبياء والصالحين، ولكننا -كشأننا في جميع الأمور الخلافية- ندور مع الدليل حيث دار، ولا نتعصب للرجال، ولا ننحاز لأحد إلا للحق كما نراه ونعتقده، وقد رأينا في قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلًا صحيحًا يُعتد به، ونحنُ نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح، من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات". ثم شرع يردها ويفندها. "التوسل أحكامه وأنواعه" ص (٤٦ - ٤٧). وقد بينا في المقدمة أن الشارح (الألوسي) قد مر بعدة مراحل حتى استقر على عقيدة أهل السنة، وأن كتابه هذا كان مما ألف في أوائل حياته. وقد نقَّد مثل هذه الأقوال في كُتبه المتأخرة، ك "غاية" الأماني في الرد على النبهاني وغيرها.
[ ٧٩ ]
وارتفعَتْ بِبِعْثته جميعُ المِحَن (^١)، المنقطِعِ إلى الله، والمُتَّصِلِ بعبادة مولاه، جَلَّ شأنه وعُلَاه، وعلى آله الذين يَكِلُّ مَتْنُ الدهر عن حَمْل مناقبهم،
_________________
(١) قوله ﵀: "ومن تسلسلت بوجوده أنواع المنن، وارتفعت ببِعْثته جميع المحن" فيه مجاوزة للحد، وقد قال رسول الله ﷺ فيما صح عنه: "لا تطروني كما أطرت النصاري عيسى بن مريم". وكذا في ثنايا سجعات هذه المقدمة ألفاظٌ أُخر العدول عنها أولى وأسلم.
[ ٨٠ ]
وشريفِ خصالهم، وينحني كاهلُ الأزمنة عن رفَعْ محاسنهم، ومَزِيِد كمالهم، شموسِ فَلَكِ الهداية، وبدور سماء الرواية والدراية، وعلى أصحابه الذين رَوُوْا من زلاله، ورَوَوْا عنه جميعَ أفعاله وأقواله، باعوا عزيز نفوسِهِمْ، حتَّى غدا غَرِيبُ الدِّين بهم موصولَ الرَّحِم، وكَشَفُوا غَيَاهِبَ الجهالات حتى اتضح بذلك كل مُشْكِلٍ ومُعْضَلٍ ومُدْلَهِمّ؛ وبعد:
فيقول الفقيرُ إلى الله تعالى، الهادي: السيدُ محمود شُكْرِي بْنُ السيّدِ عبد اللهِ بهاء الدِّينِ بْن أبي الثَّنَاءِ شِهَابِ الدِّينِ، الحُسَيْنِيُّ، الآلُوسِيُّ، البغداديُّ:
إن أحقَّ العلومِ بالتقديم، وأَجْدَرَ الفضائل بالتَّبْجيل والتعظيم، وأحْسَنَ ما تُصْرَفُ له الأعمار، وتُوَجَّهُ إليه الهِمَم والأفكار، الاشتغالُ بعلْمِ الحَدِيث، الممدوحِ في القديم والحديث؛ كيف لا: وهُوَ الذي يُعْرَفُ به سائر التكاليف والأحكام، ويتميَّزُ به الحقُّ من الباطل والحلالُ من الحرام، والعارفُ به مرفوعُ القَدْر في كلِّ قَرْنٍ وعَصْر [من الكامل]:
أَهْلُ الْحَدِيِثِ عِصَابَةُ الْحَقِّ … فَاَزُوا بدَعْوَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ
فَوُجُوهُهُمْ زُهْرٌ مُنَضَّرَةٌ … لأْلَاؤُهَا كَتَأَلُّقِ الْبَرْقِ (^١).
لاسيَّما عِلْمُ أصوله الذّي هو مَبْنَاه، وأساسُهُ الذي يَقُوم عليه أوَّلُهُ
_________________
(١) يشير في البيت الأول إلى قوله ﷺ لا تزال عصابةٌ من أمتي على الحق ظاهرين. أخرجه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (١٩٢٢)، وابن حبان (٣٨٣٧)، والطبراني (١٨٩١)، من حديث جابر بن سمرة، وأخرجه مسلم (١٩٢٤) عن عقبه بن عامر، وله شواهد أخرى كثيرة عن جماعة من الصحابة. أما في البيت الثاني: إلى قوله ﷺ: "نضر الله امرءً سمع مقالتى فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَ مُبلغ أوعى من سامع" أخرجه الترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠)، وأحمد (٥/ ١٨٣)، والدارمي (١/ ٧٥)، وابن حبان (٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٤)، ولأبي عمرو أحمد بن محمد المديني (ت-٣٣٣) جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وهو مطبوع بتحقيق بدر البدر طبع دار ابن حزم عام ١٤١٥ ولشيخنا العلامة عبد المحسني بن حمد العباد دراسة بعنوان "حديث نصر الله امرءًا سمع مقالتي ووعاها. رواية ودراية"مطبوع عام ١٤٠١ والطحاوي في مشكل الآثار. (١/ ٢٣٢)، من حديث زيد بن ثابت ﵁.
[ ٨١ ]
ومُنْتَهَاه، ويتميَّز به القِشْرُ من اللُّبَاب، ويَرْتَفِعُ به عن الأبصار الحِجَاب، به يَتَبَيَّنُ ما يُقْبَلُ من الكلام، ويُعْرَفُ ما لَهُ مِنَ الأنواع والأَقْسَام؛ وتظهرُ لطائِفُه، وتَبْرُزُ نُكَتُهُ وطرائفه، وقد كَثُرَ فيه التأليف؛ وأُشْبِعَ الكلامُ عليه في التَّصَانيف، حتَّى لم يَبْقَ فيه قَوْلٌ لقائل، ولا نَظَرٌ في مسألةٍ من المسائل، وهكذا كلُّ عِلْمٍ من العلوم؛ مِنْ منطوقها والمفهوم؛ فصار المتصدِّي -اليَوْمَ- لتأليف كتاب؛ كالراقم على الماء عند ذوي الأَلْبَاب، بَيْدَ أنِّي وجَدَتُّ مَتْنًا جامعًا لعرَرِ هذا الفنِّ وقواعِدِه، حاويًا لفرائِدِ مَسَائِلِهِ وفوائِدِه، مشتملًا على مباحثَ هي لُبَابُ آراء المحدِّثين، من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليس له نَظيرٌ في بَابِه، ولا مُمَاثلٌ له ولا مُشَابِه، بوجازة لَفْظٍ تتحيَّرُ فيه الألباب، وحُسْنِ سَبْكٍ يُقْضَى منه العَجَبُ العُجَاب، للعالم العَلاَّمهْ؛ والكامل الفَهَّامهْ، مولانا الشَّيْخِ عبد الوَهَّابِ بَرَكَاتٍ الشَّافعيِّ الأحمديّ، عليه رحمة مولاه الأبديّ.
ولم أَظْفَرْ على شَرْحٍ له تنشرحُ قلوبُ الطَّالبِينَ بَمْكُنونِ فرائِدِه، ويَظْهَرُ من مطويِّ إشاراتِهِ مَنْشُورُ فوائِدِه، مع أنَّه لا ينبغي أن يُتْرَكَ مِثْلُ هذا ويُهْمَل، ولا يليقُ أنْ يُعْرَضَ عنه ويُغْفَل.
فحدَّثَتْنِي نَفْسي، وسَارَّني حَدْسي، بما يستوجبُ الاستغفار، ويُطْلَبُ منه الفِرَار، ممُّا تَشْتَدُّ إليه الضرورة: من شَرْحٍ يُذَلِّل من اللفظ صِعَابَه، ويكشفُ عَنْ وَجْه المعاني نِقَابَه؛ حيثُ إِنَّ ذلكَ مسلكٌ خطير، لا يَسْلُكُهُ إلا خبير، وإِنِّيٍ وإنْ بذلْتُ في تحصيل هذا الفنِّ شَطْرًا من الزمان، لَسْتُ مِنْ فُرْسَان هذا الميدان، فَضَرَبْتُ عن ذلك صَفْحًا، وخاطَبْتُ نفسي بما
[ ٨٢ ]
يَرْدَعُهَا تخويفًا ونُصْعَا، على أنَّ مِثْلَ هذا الفنِّ قد نَضَبَ اليوم مَاؤُه، وذهَبَ والأمْرُ لِلَّهِ تعالى رُوَاؤُه، وعَرَا أزهارَهُ الذُّبُول، وتُرِكَ في زوايا الخُمُول، والمتحدِّثُ به مُنْتَقَص، والمُشْتَغِلُ فيه منغَّص، وإنَّ الرغبات -اليَوْمَ- ممتدَّةٌ أعناقُهَا نَحْوَ تحصيل الأموالُّ؛ والتفاخُرِ للأنْذَال والأرزال (^١)؛ فما أفادَتْ مدافَعَتي، ولم ينفعْ نُصْحِي ولا مؤاخَذَتِي؛ بل كَثُرَ الإلحاح، وزاد الاقْتِرَاح، وأكَّدَ ذلك الداعِيَ وافرُ رَغْبة بعض الإخوان، ومزيدُ حَثِّي وتَشْويقي على ما هنالك في كل آن، فَرَكِبْتُ تلكَ الشدائدَ والأخْطَار، واقتحمْتُ هَاتِيكَ الزَّوايا القرار، وكَلَّفْتُ نَفْسي فوق الطاقَهْ، وشَدَدتُّ عَلى كاهل العَزْم نِطَاقَهْ، حِرْصًا على ألاَّ يَبْقَى مِثْلُ هذا الكتاب، مضروبًا علَيْهِ من الخُمُولِ باب، وخدمةً للإخوان، إن وقع ذلك لَدَيْهِمْ في حَيِّزِ الاِسْتِحْسان، وسَمَّيْتُه: "عِقْدَ الدُّرَر، فيِ شَرْح مُخْتَصَرِ نُخْبَةِ الْفِكَر"
والله أسْأل أن ييسِّر لي ذلك، ويسهِّلَ لي هاتيك المسالك، وأنْ ينفَعَ به
_________________
(١) قال الإمام الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) بعد أن ذكر رجال الطبقة الثامنة في كتابه "تذكرة الحفاظ": "فهؤلاء المسمون في هذه الطبقة هم ثقات الحفاظ ولعل قد أهملنا طائفة من نظرائهم فإن المجلس الواحد في هذا الوقت كان يجتمع فيه أزيد من عشرة الآف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن، وبينهم نحو من مائتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم وصار علماء العصر في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع، من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعقلوا أكثرها فعم البلاء واستحكمت الأهواء، ولاحت مباديء رفع العلم وقبضه من الناس. فرحم الله امرءًا أقبل على شأنه، وقصر من لسانه، وأقبل على تلاوة قرآنه وبكى على زمانه وأدمن النظر في الصحيحين، وعبد الله قبل أن يبغته الأجل اللهم فوفق وارحم". اه. "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٥٣٠). قلتُ: هذا كلام الألوسي المتوفى سنة والذهبي من قبله المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) فماذا نقول نحن في هذا الزمان فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٨٣ ]
العباد، وأَنْ يجعله ذُخْرًا إلى يَوْم التَّنَاد.
قال المصنِّف عليه الرحْمَة -: "بسْم اللَّهِ الرَّحْمن الرَّحيم"
لا يخفى أن الكلام على البَسْملة ونحوهَا شهير، لا حاجَةَ لنا [إليه] في مثل هذا التقرير، فالأَوْلَى بنا الاكتفاءُ بما لابُدَّ من ذِكْره، وهو تحقيقُ الخَبَرِ والإنشاء في الجملة المقدَّرة بها البسملَةُ - أعني: قولنًا: "أُؤَلِّفُ مستعينًا أو متبِّركًا باسم الله … إلخ"؛ فنقول: لا شكَّ أن قولنَا: "مستعينًا" أو "متبرِّكًا" حالٌ من فاعل "أُؤَلِّف" وقد تقرَّر أن الحال قَيْدٌ في عاملها، فههنا: مُقيَّد وقَيْد.
والأَوَّل: خبر، لصِدْقِ حَدِّ الخبر عليه، وهو: ما يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر دالِّه، ولا شُبْهَةَ أنَّ الدالَّ يتحقَّق خارجًا بدون ذِكْر "أُؤَلِّف".
والثاني: إنشاءٌ؛ لِصِدْق حَدِّ الإنشاء عليه؛ وهو: ما يتحقَّقُ مدلولُهُ بذكْرِ دالِّهِ؛ ولا شكَّ أن كُلًا من الاستعانة والتبرُّك، لا يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه؛ وهو قولنا: "مستعينًا" أو "متبرِّكًا".
فقد أتَّضَحَ محَلُّ الخبريَّة والإنشائيَّة في جُمْلة البَسْملة، وسقَطَ استشكالُ كَوْنِهَا إنشائيَّةً؛ بأنَّ شأن الإنشاء لا يتحقَّق مدلوله بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه، والأمْرُ -هنا- ليس كذلك؛ لتحقُّق التأليف بدُون ذكْر "أُؤَلِّف"، وكونُهَا خبريَّةً بأنَّ الخَبَرَ شأنُهُ تحقُّقُ مدلوِلِه بدون ذِكْرِ اللفْظِ الدالِّ عليه، وما هنا: ليس كذلكَ؛ لأنَّ الاستعانَةَ -مثلًا- لا يتحقَّق مدلولُهَا بدون ذِكْر اللفظ الدالِّ عليها، والقَوْلُ بأنَّ الجملة بتمامها إنشائيةٌ؛ تبعًا لإنشاء المتعلَّق -: غَيْرُ سَدِيد.
وفي هذا المقامِ زيادَةُ تحقيقٍ ذكرْتُهُ في "كَنْز السعادة" (^١).
_________________
(١) هو كتاب "كنز السعادة، في شرح كلمتي الشهادة" منه نسخة خطية في مكتبة المتحف العراقي برقم ٨٦٩٤، وتقع في (٥٦) ورقة وقد فرغ من كتابتها في سنة ١٢٩٨ هـ.
[ ٨٤ ]
"وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آله وَصِحْبه وَسَلَّمَ:
جملةٌ خبريَّةٌ لفظًا، إنشائيةَّ معنًى، لقَصْد الدعاء، ولم تُذْكَرْ في الصَّدْر الأوَّل في صدر الرسائل؛ بل إنما حَدَثَتْ في زمن ولاية بني هاشِمٍ، - أعني: بني العباس.
واختلف في أوَّل من كَتَبَ هذا فقيل: السَّفَّاح (^١)، وقيل: هارُونُ الرَّشِيدٌ (^٢)، ثُمَّ مضى العمل على استحبابه، ومِنَ العلماء مَنْ يختِمُ بها الكتابَ أيضًا.
وفي عَطْفها على البَسْملة خلافٌ، ورأيتُ في "بدائع الفوائد" (^٣) للحافظ
_________________
(١) هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي العباس المنصور ولد سنة خمس وتسعين هو مؤسس دولة بني العباس، قال الذهبي في "العبر": كان طويلًا مهيبًا أسمر خفيف اللحية، رجب الجبهة، وكان يخالط أبهة الملك بزي أولي النسك، ذا حزمٍ وعزم ودهاءٍ ورأيٍ وشجاعةٍ وعقل، وفيه جبروتٌ وظلم. اه مات سنة ثمان وخمسين ومئة، وله ثلاثٌ وستون سنة، وكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة. انظر ترجمته في: "تاريخ الطبري" (٧/ ٤٦٩) "تاريخ بغداد" (١٠/ ٥٣) "العبر" (١/ ٢٢٨).
(٢) هو هارون بن المهدي محمد، بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي العباسي، روى عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة روى عنه: ابنه المأمون وغيره، قال الذهبي: كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذاحج وجهاد، وغزوٍ وشجاعةٍ ورأي، قيل: إنه "كان يُصلي في خلافته في كل يوم مئة ركعة إلى أن مات، ويتصدق بألف، وكان يحبُّ العلماء، ويُعظم حُرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لاسيما إذا وُعِظ". توفي سنة ثلاث وتسعين ومئة وكانت خلافته، ثلاثًا وعشرين سنة انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (١٤/ ١٥) و"العبر" (١/ ٢٤٣) و"سير أعلام النبلاء" (٩/ ٢٨٦).
(٣) هو أحد كتب العلامة ابن القيم وقد حوى نكات وقواعد، في النحو واللغة وغيرهما، وهو مطبوع في مجلدين.
[ ٨٥ ]
ابن القيِّم (^١) - قدَّس اللَّه سرَّه، ونوَّر ضريحه: "قولُ المصنِّفين: "بسْمِ الله الرحمن الرحيم، وصلى اللَّه على محمَّد وآله" قد استشكَلَهُ طائفةٌ، وقالوا: الفِعْلُ بعد الواو دعاءٌ بالصَّلاةِ، والتسميةُ قبْلَهُ خَبَرٌ، والدعاءُ لا يَحْسُنُ عطفُهُ على الخَبَرِ، فلو قلُتَ: "مَرَرْتُ بزيْدٍ، وغَفَرَ الله لك" لكانَ غَثًّا من الكلام، والتسميةُ في معنى الخَبَر؛ لأنَّ المعنى: "أفعَلُ كذا باسم الله"، وحجَّة مَنْ أثبتها الاقتداءُ بالسلف.
والجوابُ عمَّا قاله هؤلاء: أنَّ الواو لم تعْطِف دعاءً على خبر وإنَّما عَطَفَتِ الجملة على كلامٍ مَحْكِيٍّ؛ كأنك تقول: "قلْتُ: باسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على محمَّد" أو: أقولُ هذا وهذا، أو: أكتُبُ هذا وهذا" (^٢). انتهى.
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي شمس الدين المشهور بابن قيم الجوزية، ولد سنة إحدي وتسعين وستمئة سمع الشهاب النابلسي، وعيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدائم، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية من سنة ٧١٢ هـ إلى وفاته سنة ٧٢٨ هـ وانتفع به قال ابن رجب: "تفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه: وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية … " قال: "وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، وإلانابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له …، وصنف ﵀ تصانيف كثيرة جدًا في أنواع العلم وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب مالم يحصل لغيره ومنها: تهذيب سنن أبي داود، زاد المعاد في هدي خير العباد، مدارج السالكين، حادي الأرواح، غيرها كثير توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين وسبع مئة انظر ترجمته في: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٤٧) "البداية والنهاية" (١٤/ ٢٣٤) "الدرر الكامنة" (٤/ ٢١) "شذرات الذهب" (٦/ ١٦٨) "
(٢) "بدائع الفوائد" لابن القيم (١/ ٢٢).
[ ٨٦ ]
"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ": قال النوويُّ (^١): "يستحبُّ الحمْدُ في ابتداء الكُتُب المصنَّفة؛ وكذا في ابتداء دُرُوس المدرِّسين، وقراءةِ الطالبين بَيْنَ يَدَىِ المعلِّمين؛ سواءٌ قرَأَ حديثًا أو فِقْهًا أو غَيْرَهُمَا، وأحسَنُ العبارات في ذلك: الحَمْدُ للَّهِ ربِّ العالميِن" (^٢). انتهى.
ولم يخالف المصنِّفُ بتَقْديم البَسْملة، وجملةِ الصلاة [على الحَمْدَلة]-: قولهُ- ﷺ: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيِه بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ" (^٣)؛ لحمل الابتداءِ فيه على الإضافيِّ.
_________________
(١) هو الإمام محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، قال فيه الذهبي: الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام، سمع من الرضي ابن برهان، وزين الدين بن عبد الدائم، وجمال الدين ابن الصيرفي وغيرهم. قال تلميذه ابن العطار: كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله، وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب، وله تصانيف كثيرة، منها: "شرح صحيح مسلم" "رياض الصالحين"، "الأزكار"، "الأربعين"، "الإرشاد"، "المجموع"، "روضة الطالبين" وغيرها كثيرتوفي ﵀ سنة ست وسبعين وست مئة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧٠).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات انظر المجموع (١/ ٥) وشرح صحيح مسلم (١/ ٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠) وابن ماجة (١٨٩٤) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٨٩٤) وأحمد (٢/ ٣٥٩) والدارقطني (١/ ٢٢٩) وابن حبان (٥٧٨ - موارد) والبيهقي (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩) كلهم من طريق الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن ا لنبي ﷺ مرسلًا وكذا قال البيهقي في سننه، وقال الدارقطني: تفرد به قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأرسله غيره عن الزهري عن النبي ﷺ وقرة ليس بقوي في الحديث والمرسل هو الصواب. اه ورجح المرسل أيضًا في "العلل" (٨/ ٢٩ - ٣٠) فقال: يرويه الأوزاعي واختلف عنه، فرواه عبيد الله بن موسى وابن أبي العشرين والوليد بن مسلم وابن المبارك وأبو المغيرة عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ورواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري كذلك ولم يذكر قرة، ورواه وكيع عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري قال رسول الله ﷺ والحديث ضعفه الألباني في "الإرواء" رقم (٢).
[ ٨٧ ]
وغَيَّرَ الأسلوبَ في الجُمَلِ؛ قَصْدًا لموافقةِ حَمْدِهِ حمْدَ الله تعالَى في كتابه جَلّ شأنه، وتَنْشيطًا للقارئين.
وفي الحَمْدِ كلامٌ لا يَسَعُهُ هذا المقام؛ كيف لا، وقد شَبِعَتْ مِنْه بُطُون المطوَّلات، وضاق عن الإحاطة به نطاقُ العبارات.
"وَالصَّلاة وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبه أَجْمَعِينَ":
كرَّرها؛ جَرْيًا على العادة المأْلُوفة في ورودها بعد الحَمْد، واختارَ الجملةَ الأسْميةَ؛ لأنَّها أَبْلَغ، ولِتُوافِقَ جُمْلةَ الحمد، وكونُهُ ﵊ سيِّدَ المرسلين-: مما لانزاع فيه عند المحقِّقين؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للِنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
والآلُ عند إمامنا الشافعيِّ (^١) ﵁: مؤمنو بني هاشم والمُطَّلِب؛ كما دلَّ عليه مجموعُ أحاديثَ صحيحةٍ؛ لكنْ بالنِّسْبة إلى الزَّكَاة
_________________
(١) هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي المطلبي أبو عبد الله ناصر الحديث، أخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزَّنجي مفتى مكة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعمه محمد بن علي بن شافع، وسفيان بن عيينة، وفُضيل بن عياض وغيرهم، حدث عنه الحُميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم وأحمد بن حنبل، وأبو يعقوب البويطي، وأبو ثور، وحرملة بن يحيى، وعبد العزيز الكناني وغيرهم، قال الذهبي: "صنف التصانيف ودون العلم ورد على الأئمة متبعًا للأثر وصنف في أصول الفقه وفُروعه، وبَعدُ صيته، وتكاثر عليه الطلبة". قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيتُ أعقل ولا أفقه من الشافعي وأنا أدعو الله له أخصه به وحده في كل صلاة، وقال النسائي: كان الشافعي عندنا أحد العلماء ثقة مأمونًا، وقال ابن عبد الحكم: إن كان أحد من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء توفي ﵀ سنة أربع ومئتين. انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" (١/ ٤٢)، "تاريخ بغداد" (٢/ ٥٦)، "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٥)، "تهذيب التهذيب" (٩/ ٢٣).
[ ٨٨ ]
والفَىْء دون مقام الدعاء؛ ومِنْ ثَمَّ: أختار النووي (^٢) في "شرح مسلم" (^٣) والأزهري (^٤) وغيرُهُمَا من المحقِّقيِن، أنهم هنا: كُلُّ مؤمنٍ تَقِيٍّ، لقوله -صلى الله تعالى عليه وسَّلم- "آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ" (^٥) لكنْ سنده ضعيفٌ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) شرح صحيح مسلم (٢/ ١٢٤). وانظر المجموع ١/ ١٢٠.
(٣) محمد بن أحمد بن الأزهري بن طلحة الأزهري اللغوي الشافعي الهروي سمع ببلده من الحسين بن إدريس، ومحمد بن عبد الرحمن السامي وعدة، وسمع ببغداد من أبي القاسم البغوي، وابن السراج وغيرهم. روى عنه: أبو عبيد الهَروي مؤلف الغريبَين، وأبو يعقوب الِقَراب، وأبو ذر عبدُ بن أحمد الحافظ، وسعيد بن عثمان القرشي وآخرون. كان رأسًا في اللغة والفقه، من تصانيفه: تهذيب اللغة، وكتاب التفسير وكتاب تفسير ألفاظ مختصر المزني المسمي بالزاهر، وشرح ديوان أبي تمام وغيرها. توفى سنة ٣٧١ هـ، وقيل سنة ٣٧٠ هـ. انظر ترجمته في: "بغية الوعاة" (٢٩) "معجم الأدباء" (١٧/ ١٦٤) "وفيات الأعيان" (٤/ ٣٣٤) "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٣١٥) "العبر" (٢/ ٣٥٦) "شذرات الذهب" (٣/ ٧٢).
(٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٨٧)، وتمام في فوائده كما في المقاصد الحسنة ص (٥)، وأبو بكر الشافعي في الرباعيات، وأبو الشيخ في عواليه، وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح المعاني كما في "الضعيفة" (١٣٠٤) كلهم من طريق نافع أبي هرمز عن أنس قال: "قيل يا رسول الله: من آل محمد قال كل تقي" قال العقيلي: لا يتابع عليه -أي نافع- والحديث ذكره البيهقي في الشعب (٢/ ٢٢٥) وقال: أبو هرمز ضعفه أهل العلم بالحديث وتركوه ونافع ضعفه أحمد وجماعة وكذبه ابن معين، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. وينظر "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٥٥) و"الميزان" (٩٠٠٧) و"المغني" (٢/ ٦٩٣). وللحديث طريق آخر عن أنس، أخرجه الطبراني في "الصغير" (١/ ١١٥) وفي "الأوسط" (٣٣٣٢) من طريق نعيم بن حماد ثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس به. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٢): "وفيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف". اه قلت: بل هو وضاع، قال الحافظ في التقريب (ص- ٥٦٧): "كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع". وزيادة على نوح فشيخه نعيم ضعيف. وقد توبع نوح على هذا الحديث تابعه النضر بن محمد الشيباني عند الديلمي كما في المقاصد (ص: ٥) لكن في إسناد هذه المتابعة محمد بن مزاحم وهو متروك، والنضر غير معروف، قاله العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٣٠٤). وللحديث طريق ثالث ذكره الشيخ الألباني وعزاه لأبي بكر الشافعي في "الرباعيات" وقال الألباني: إسناده واهٍ جدًا، وفيه محمد بن سليمان بن هشام أبو جعفر الخزاز المعروف بابن بنت مطر الوراق وهو متهم. والحديث ضعف أسانيده السخاوي في "المقاصد" (ص-٦٠٥). والشيخ الألباني في "الضعيفة" (١٣٠٤) وقال: "وجملة القول أن الحديث ضعيفٌ جدًا لشدة ضعف رواته وتجرده من شاهد يعتبر به".
[ ٨٩ ]
"الصَّحْب" اسْمُ جمعٍ ل"صاحب"؛ كما قال سيبويه (^١)، أوجَمْعٌ له؛ كما قال الأخفش (^٢)؛ وبه جزم الجوهريُّ (^٣)، ومعناه العُرْفِيُّ معلومٌ.
_________________
(١) هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قَنبر الفارسي ثم البصري، قال الذهبي: طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل عصره، وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يُدرك شأوه فيه، استملى على حماد بن سلمة، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر، والخليل، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، قال إبراهيم الحربي: سمي سيبويه، لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين بديع الحسن، وقيل: كان فيه مع فَرْطِ ذكائه حُبْسةٌ في عبارته، وانطلاقٌ في قلمه. قيل مات سنة ثمانين ومئة وقيل ثمان وثمانين ومئة. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (١٢/ ١٩٥)، "معجم الأدباء" (١٦/ ١١٤) "إنباه الرواة"- للقفطي (٢/ ٣٤٦) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٣٥١) "بغية الوعاة" (٢/ ٢٢٩).
(٢) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي النحوي، أبو الحسن الأخفش الأوسط، أخذ النحو عن سيبويه وصحب الخليل، وكان معلمًا لولد الكسائي. وقد سمى بالأخفش أحد عشر نحويًا ذكرهم السيوطي في "المزهر" ثم قال: "حيث أطلق في كتب النحو الأخفش، فهو الأوسط". أشهر كتبه. تفسير معاني القرآن، والاشتقاق، وغيرها توفي سنة عشر ومئتين وقيل غير ذلك انظر ترجمته في "بغية الوعاة" (١/ ٥٩٠) "المزهر" (٢/ ٤٠٥) "إنباه الرواة" (٢/ ٣٦).
(٣) هو إسماعيل بن حماد التركي أبو نصر صاحب كتاب "الصحاح"، وأحد من يُضرب به المثل في ضبط اللغة، وكان يحبُ الأسفار والتغرُّب، دخل بلاد ربيعة ومُضر في تطلُّب لسان العرب، ودار الشام والعراق، ثم عاد إلى خُراسان، فأقام بنيسابور يُدرس ويصنف ويُعلم الكتابة، وينسخُ المصاحف. وقد أخذ العربية عن أبي سعيد السِّيرافي، وأبي علي الفارسي، وخاله صاحب"ديوان الأدب" أبي إبراهيم الفارابي، قال القفطي: مات سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" (٦/ ١٥١)، "إنباه الرواة" (١/ ١٩٤) "بغية الوعاة" (١/ ٤٤٦) "شذرات الذهب" (٣/ ١٤٢). وانظر: المصباح المنير (١/ ٣٣٣، القاموس المحيط (١/ ٩١) "مقدمة ابن الصلاح" (٢٩٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ٣٥)، البحر المحيط (٤/ ٣٠١) إرشاد الفحول (٧٠) والمجموع (١/ ١٢٠).
[ ٩٠ ]
وعِدَّة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- عِنْدَ وفاتِهِ ﵊ مائةٌ وأربعةَ عَشَرَ ألفًا؛ على ما ذكره بعضُ المحقِّقين (^١).
وإفتاءُ العِزِّ بن عبد السَّلام (^٢) بأنَّ الأَوْلَى الاُقتصارُ على ما وَرَدَ من ذِكْر
_________________
(١) هذا قول أبي زرعة الرازي وقد نقله عنه النووي في "التقريب" مع ينظر التدريب (٢/ ٢٢٠). وقد اعترض على هذا الحافظ العراقي فقال في "التقييد والإيضاح" ص (٣٠٥ - ٣٠٦): وفي هذا التحديد بهذا العدد نظر كبير وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البوادى والقرى والموجود عن أبي زرعة بالأسانيد المتصلة إليه ترك التحديد في ذلك وأنهم يزيدون على مائة ألف كما رواه أبو موسى المديني في ذيله على الصحابة لابن منده باسناده إلى أبي جعفر أحمد بن عيسى الهمداني قال: قال أبو زرعة: توفي النبي ﷺ ومن رآه سمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وكل قد روى عنه سماعًا أو رؤية: انتهى، وهذا قريب لكونه لا تحديد فيه بهذا القدر الخاص وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة فلم أقف له على إسناد ولا هو في كتب التواريخ المشهورة.
(٢) هو الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن المعروف بعز الدين أبو محمد السلمي الشافعي الملقب بسلطان العلماء سمع على أبي الحسين أحمد بن الموازيني، والخُشُوعي، وسمع القاسم بن عساكر، وابن طَبَرْزَد وجماعة، روى عنه: تقي الدين ابن دقيق العيد، وهو الذي لقبه بسلطان العلماء، وهبة الله القفطي وأبو الحسين اليونيني، مهر في العربية ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب وبلغ رتبه الاجتهاد، وصار رأس الشافعية في وقته، وكان عاقلًا ناسكًا، ورعًا زاهدًا متقشفًا، أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر، لا يخافُ في الله لومة لائم، له مصنفات كثيرة منها: "قواعد الأحكام"، بداية السول في تفضيل الرسول وكتاب "شجرة المعارف" "والإمام في أدلة الأحكام" وغيرها كثير. توفي ﵀ سنة ٦٦٠ هـ. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" ١٣/ ٣٣٥ "طبقات الشافعية" للسبكي (٨/ ٢٠٩) "العبر" (٥/ ٢٦٠) "مفتاح السعادة" (٢/ ٣٥٣).
[ ٩١ ]
الآلِ والأزواجِ، والذُّرِّيَّة دون الأصحاب-: محمولٌ على صلاة التشهُّد، دون الصلاة خارجَ الصلاة.
وهذه الجملة -أيضًا- خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، فكأنه قال: "اللهُمَّ، صلِّ وسلِّم على سيِّد المرسلين" أي: اللهمَّ، عَظِّمْةُ في الدنيا: بإعلاءِ ذِكْره، وإظهار دينه، وإبقاءِ شَرِيعته، وفي الآخرة: بتَشْفيعه في أُمتَّه، وإجزالِ أَجْره، ومَثُوبته، وإبداءِ فَضْله للأوَّلين والآخرين- بالمقام المحمود، وتَقْديِمهِ على كافَّة المقرَّبين الشهود. إنتهى.
وتفسيرُهَا بالتعظيمَ كُلٍّ بحَسَبِ ما يليقُ به؛ كما ذكره الهَيْتَمِيّ (^١).
وذَهَبَ جماعةٌ كثيرون إلى أنَّها مِنْهُ تعالى الرحمةُ، ومِنَ الملائكةِ استغفارٌ، ومن غيرهما تضُّرعٌ ودعاءٌ، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ لايَسَعُهُ هذا المقام (^٢).
ومعنى "السَّلام": التحيَّةُ؛ وهو المراد من سلام الله تعالى عَلَى أنبيائه؛
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي شهاب الدين والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من أقليم الغربية بمصر أخذ عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والشمس السمهودي، والشهاب الرملي وغيرهم، من تصانيفه: تحفة المحتاج لشرح المنهاج للنووي. الصواعق المحرقة، الإعلام بقواطع الإسلام، الزواجر عن اقتراف الكبائر، وغيرها، مات سنة ثلاث وسبعين وتسع مئة. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٨/ ٣٧٠)، "البدر الطالع" (١/ ١٠٩).
(٢) انظر لذلك "بدائع الفوائد" ص ٢٢، "جلاء الأفهام" ص ٧٢، و"القول البديع": ٧٥.
[ ٩٢ ]
فاندَفَعَ استشكالُ سلام اللَّهِ عليهم بأنَّهُ دعاء، وهو لا يُتَصوَّرُ من الله تعالى إليهم، لأنَّهُ المُطَّلَبُ، والله مَدْعُوٌّ ومطلوبٌ منه، لا داعٍ وطالب.
وقيل: المرادُ اسمُهُ تعالى، فتأويل "السلامِ" كما قال المجد اللغوي (^١).
والحافظ السخاوي (^٢): "لاخَلَوْتَ من الخيرات والبركات، وسَلِمْتَ من المكاره والآفات، إِذْ كان اسْمُ الله إنما يُذْكَرُ على الأمور؛ توقُّعًا لاجتماع
_________________
(١) هو محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي مجد الدين الفيروزأبادي ولد بفارس واهتم به والده وأسمعه في صغره، ورحل في طلب العلم فرحل إلى العراق والشام واليمن وغيرها، وسمع من التقي السبكي وابن القيم، وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، والعلائي وغيرهم وأخذ عنه جهابذة عصرهم كالحافظ ابن حجر، والصلاح الصفدي، وابن عقيل النحوي، والجمال الأسنوي وغيرهم قال التقي الكَرْماني. كان عديم النظير في زمانه نظمًا ونثرًا، … جاب البلاد، وسار إلى الجبال والوهاد، ورحل وأطال النَّجعَة، واجتمع بمشايخ كثيرة عزيزة: وعَظُمَ بالبلاد. اه إلا أنه كان معظمًا لابن عربي صاحب وحدة الوجود وألف في نصرة مذهبه، ومن تصاينفه: "القاموس المحيط"، "بصائر ذوي التمييز" "سفر السعادة"، "عدة الحكام في شرح عمدة الأحكام". وغيرها توفي في زبيد سنة سبعة عشر وثمان مئة. انظر ترجمته في: إنباء الغمر (٧/ ١٥٩) لابن حجر، "الضوء اللامع" (١٠/ ٧٩) للسخاوي، "بغية الوعاة" (١/ ٢٧٣) "مفتاح السعادة" (١/ ١١٩) "البدر الطالع" (٢/ ٢٨٠).
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن الملقب بشمس الدين أبو الخير السخاوي القاهري الشافعي، أخد عن النور البلبيسي، والزين عبد الغني الهيثمي، والتقي الشمني، ولازم الحافظ ابن حجر وانتفع به أشد الانتفاع، وقد سمع منه معظم مصنفاته، وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف، وتدرب به في طريق أصحاب الحديث، ومعرفة العالي والنازل، والكشف عن التراجم والمتون، وغير ذلك. من تصانيف السخاوي: "الضوء اللامع" لأهل القرن التاسع، والذيل على رفع الإصر عن قضاة مصر، و"القول البديع" في الصلاة على الحبيب الشفيع، والمقاصد الحسنة وغيرها كثير توفي بالمدينة النبوية سنة اثنتين وتسع مئة. انظر ترجمته في: "الضوء اللامع" (٨/ ٢)، "البدر الطالع" (٢/ ١٨٤)، "شذرات الذهب" (٨/ ١٥) الأعلام (٦/ ١٩٤) معجم المؤلفين (١٠/ ١٥٠).
[ ٩٣ ]
معاني الخير والبَرَكَة، وانتفاء عوارض الْخَلَلِ والفساد عنها". (^١)
وقيل: هو بمعنى السلامة من النقائص؛ فإذا قُلْتَ: "اللهمَّ، سلِّمْ على محمَّد" فإنما تريد: اللهمَّ، اكتُبْ لمحمَّد في دعوته وأُمَّته وذِكْره- السلامَةَ من كُلِّ نقص؛ فتزدادُ دَعْوَتُهُ على مَمَرِّ الأيام عُلُوا، وأُمَّتُهُ تكاثُرا، وذِكْرُهُ ارتفاعًا.
قال السخاويُّ: "ويحتمل أن يكونَ مِنَ المسالمة والاِنقياد؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدِوُ فيِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا، قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] " (^٢)؛ فمعنى السلام -على هذا- اللهمَّ، صَيِّرِ العِبَادَ.
مُنْقَادين مُذْعِنِين له ولشريعته.
وجَمَعَ بين الصلاة والسلام؛ لكراهةِ إفراد: أحدهما عن الآخر؛ كما صرَّح بها الإمام النووي (^٣) في "الأذكار" (^٤) وغيره؛ مستدلاًّ بورود الأمَرْ بها في قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ لكنْ قال الحافظ السخاويُّ.
في "القول البديع" (^٥): إن مَحَلَّ ذلك فيما إذا لَمْ يَردْ الاقتصارُ فيه؛ كالقنوت؛ على أن بعضهم توقَّف في إطلاق الكراهة؛ قال: لو صلَّى في وقْتٍ، وسلَّم في وقتٍ آخر -فإنه يكونُ ممتثلًا.
: "أَمَّا بَعْدُ":
كلمةٌ يُؤْتَى بها؛ للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر؛ فلا يُؤْتَى بها في أول الكلام، وكان النبيُّ ﷺ يأتي بها في خُطَبِه وكُتُبِهِ، فهي سُنَّةٌ، وكذلكَ
_________________
(١) "القول البديع" ص ٧٥.
(٢) "القول البديع" ص: ٧٥.
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) الأذكار ص (١٢٠).
(٥) "القول البديع" ص: ٣٥ ونقل نحو هذا عن شيخه الحافظ ابن حجر.
[ ٩٤ ]
الصحابةُ ﵃ حتَّى رَوَى بعضُ الحُفَّاظ ذلك عن أربعين صحابيًّا (^١).
"فهذه كلماتٌ":
الكلامُ علَى مثل هذه الإشارة شهيرٌ، قلَّما تجد كتابًا خاليًا عن ذِكْره.
وكلمات: من جموع القِلَّة، يُطْلَق على ثلاثة وعَشَرَةٍ وما بينهما؛ كجَمْع المذكَّر السالم، وفي "شرح الرضيِّ" (^٢): أنَّ الظاهر أنَّهما -أي: جَمْعَيِ السلامةِ- لمُطْلَق الجمع من غير نظر، لا القلَّة والكَثْرة، فيَصْلُحَان لهما، والحقُّ الأوَّل؛ وَهُوَ الذي ذَهَبَ إليه الشيخ ابن الحاجب (^٣) - رَوَّحَ الله تعالى رُوحَهُ- وعليه: فالتعبير به؛ ترغيبًا لِحِفْظها، وأنَّها لا تحتاج في
_________________
(١) نقل الحافظ في فتح الباري (٢/ ٤٧٠): "قال سيبويه: أما بعد معناها؛ مهما يكن من شيء بعد، وقال أبو إسحاق- هو الزجاج -: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال أما بعد … " ثم ذكر الأقوال في أول من قالها، وقال بعد ذلك: "وقد تتبع طرق الأحاديث التي وقع فيها "أما بعد "الحافظ عبد القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له، فأخره عن اثنين وثلاثين صحابيًا. منها ما أخرجه من طريق ابن جريج عن محمد بن سيرين عن المسور بن مخرمة: "كان النبي ﷺ إذا خطب خطبة قال: أما بعد" ورجاله ثقات وظاهره المواظبة على ذلك". اه وينظر. الإرواء. رقم ٧.
(٢) الرضي هو محمد بن الحسن الاستراباذي من تصانيفه "شرح الشافية لابن الحاجب في التصريف"، "شرح الكافية" لابن الحاجب في النحو، وغيرها. توفي سنة (٦٨٦ هـ)، انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٥/ ٣٩٥)، "بغية الوعاة" (٢٤٨).
(٣) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر، أبو عمرو، جمال الدين المالكي المعروف بابن الحاجب، قال أبو شامة: "كان ركنًا من أركان الدين في العلم والعمل، بارعًا في العلوم الأصولية وتحقيق علم العربية ومذهب الإمام مالك. له تصانيف مفيدة، منها: "الجامع بين الأمهات" "المختصر في أصول الفقه" "الكافية" النحو، و"الشافية" في الصرف. توفي سنة ست وأربعين وست مئة. انظر ترجمته في: "الديباج المذهب" (٢/ ٨٦) "شذرات الذهب" (٥/ ٢٣٤) "وفيات الأعيان" (٢/ ٤١٣) ".
[ ٩٥ ]
تعلُّمها إلى فسيح مُدَّة -كما في غيرها من الكتب المؤلَّفة في هذا الفَنِّ- كما لا يَخْفَى؛ فهي مثلُ قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤].
"سَمَّيْتُهَا: المُخْتَصَر، مِنْ نُخْبَةِ الْفِكَر":
الاسم: هو المجموع، وأسماء الكُتُب والرسائل: قيل: هي أعلامٌ شخصيَّة، وقيل: جِنْسيَّة، وقد بيَّنَ ذلك العلاَّمة عصام الدين (^١) في شرحه على "العَضُديَّة (^٢)، في عِلْم الوَضْع" (^٣)، أَتَمَّ بيان.
_________________
(١) هو عصام الدين إبراهيم بن محمد الاسفرائيني من علماء خراسان وما وراء النهر، قال ابن العماد: هو من بيت علم ونشأ وهو طالبًا للعلم فحصل وبرع وفاق أقرانه، وصار مشارًا إليه بالبنان، وكان بحرًا في العلوم، له التصانيف الحسنة النافعة في كل فن من تصانيفه: "شرح الشمائل للترمذي"، "شرح الكافية في النحو" و"شرح العضدية"، وشرح لكتاب تلخيص المفتاح، توفي في حدود سنة ٩٥١ هـ انظر ترجمته في "شذرات الذهب" (٨/ ٢٩١).
(٢) وتعرف بالرسالة العضدية في علم الوضع أو الرسالة الوضعية مؤلفها هو عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي الشيرازي وإيج من نواحي شيراز تتلمذ على زين الدين السهنكي أحد تلامذة البيضاوي، مات مسجونًا سنة ٧٥٦، ومن أبرز تلامذته شمس الدين الكرماني وسعد الدين التفتازاني. انظر "طبقات الشافعية" (١٠/ ٤٦) "الدرر الكامنة" (٣/ ١١٠). "البدر الطالع" (١/ ٣٢٦)، ورسالته الوضعية مطبوعة ضمن مجموع مهمات المتون. وانظر كشف الظنون (١/ ٨٧٧).
(٣) قال طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة (١/ ١٢٥): "هو علمٌ باحث عن تفسير الوضع، وتقسيمه إلى الشخصي، والنوعي، والعام والخاص، وبيان حال وضع الذوات، والهيئات، إلى غير ذلك من الأحوال. وموضوعه وغايته، ومنفعته، لا يخفى على المتدرب. وهذا علم "نافع في العاية إلا أنه لم يدون بعد، ولقد ذكر نبذًا"منها مولانا عضد الدين في رسالته: "الوضعية"لكنها قطرة من البحر، ورشفة من ذلك النهر "اه.
[ ٩٦ ]
والاختصارُ يُطْلَقُ ويراد به تارةً: حَذْفُ ما يُسْتَعْننَى [عنه] وذكْرُ ما لابدَّ مِنْه، وتارةً: التعبيرُ عن المعنَى المراد بأقَلَّ من عبارة المتعارف، والظاهر: أنَّ المراد به هنا الأوَّل.
و"نُخْبَة الفِكَر": هو كتابُ العالم العلاَّمة، البحَرْ الفهامةْ، جامع المعقول والمنقول؛ جاوي الفُرُوع والأصول، حُجَّة وَقْتِهِ، وفريد عصره، شيخ الإسلام، الشيخ الحافظ مولانا أَحْمَد، الشهير بابْن حَجَرٍ العسقلانيِّ -روَّح الله تعالى رُوحَهُ فلقَدْ كان إمامًا في كل فَنٍّ، ولا سيَّما في علْمِ الحديث؛ فلقد شرح "البُخَارِيَّ" بشَرْح ليس له نظير، حتى قيل: "إنَّ مَنْ شرح البخاريَّ بعده، فهو عيالٌ عليه"، وقد اشتهَرَ شرقًا وغربًا، وذلك فضْلُ الله يُؤْتيه من يشاء، وليس مِثْلُ هذا المقام يَسَعُ ذِكْرَ مزاياه وعَدَّ مؤلفاتِهِ، وقد اعتذروا عما وقَعَ له -عليه الرَّحْمَة- في هذا الكتاب وشَرْحِهِ له؛ بأنه قد أَلَّفَه وهُوَ على جَنَاحِ السَّفَر (^١)، كذا ذكره لي بعْضُ الفضلاء.
_________________
(١) نقل العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير في شرحه على نظم نخبة الفكر المسمى إسبال المطر ص (٩) عن العلامة محمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير- وكان من المعاصرين للحافظ ابن حجر-: "أن الحافظ كتب في سفره إلى مكة المكرمة سنة سبع عشرة وثمان مئة من الهجرة مختصرًا بديعًا في علوم الحديث". اه وأشار إلى ذلك الأمير الصنعاني في نظمه لنخبة الفكر فقال: وبَعدُ فالنخبة في علم الأثر … مُختصرٌ يا حبذا من مختصر ألفها الحافظ في حال السفر … وهو الشهاب بن علي بن حجر بينما ذكر الحافظ السخاوي في كتابه الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر أن الحافظ فرغ من تأليفها سنة اثنتي عشرة وثمان مئة. وانظر شرح نخبة الفكر "للشيخ عبد الكريم الأثري ص (١٩) ".
[ ٩٧ ]
فإن قيل: كَيْفَ فَعَلَ ذلك المصنِّف؛ ومن شأنِ مَنْ نَقَلَ كلامَ غيره: أن يَشْرَحَهُ ويفسِّرهُ ولا يَخْتَصِرَهُ، ونَرَى كثيرًا من الناس - كالمصنِّف- يَنْقُلُون كلامَ غيرهم ويختصرونه، فكيف ساغَ لَهُمْ ذلك؟! وأيُّ فائدة في الاختصار؟!
فالجواب: أنَّ من اختَصَرَ لم يَنْقُلِ اللفظ، وإنما ينقل المعنَى بلَفْظٍ أقلَّ من لَفظْ الأَصْل وأخْصَرَ؛ وإنما يفعل ذلك لأنه محمودٌ مرغُوبٌ فيه؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في وصَفْ الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]؛ فاكتفى بهذا عن شَرْحٍ طويل، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فيِ الِقْصَاصِ حَيَاةٌ ياَ أُوِلي الألَبْابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ومعناه: أنَّ القاتلَ إذاعلم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ - كَفَّ عن القتل؛ فلا يقتل؛ فاخْتُصِرَ هذا كلُّهُ في قوله تعالى: ﴿فيِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يعني: حياةَ القاتل والمَقْتُول. وقال ﷺ: "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا". (^١).
ولأن العادة أنَّ الإنسانَ يَمَلُّ الكلامَ الطويل، وتسْأمهُ نفسه، ويميل إلى الكلام القليلِ المختصر، إذا كان مفهومًا؛ فلهذا تُخْتَصَرُ الكتب.
كذا حقَّقه العلاَّمة أبو يَعْلَى محمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ الفَرَّاءُ (^٢) في شرحه على
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى كما في مجمع الزوائد (١/ ١٨٧) من طريق خالد بن عرفطة عن عمر مرفوعًا وقال الهيثمي: "وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة". اه وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٦٠) رقم (١٤٣٦) من طريق علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن عمر مرفوعًا. وقال السخاوي: وهو مرسل وفي سنده من لم أعرفه، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا مثله بَلفظ: أعطيت جوامع الحديث بدل الكلم. اه
(٢) هو القاضي أبو يعلى؛ محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي، الحنبلي، ابن الفرَّاءِ سمع على بن عمر الحربي، وإسماعيل بن سويد، وعيسى بن الوزير. حدث عنه: الخطيب البغدادي وأبو الخطاب الكَلْوَذَاني، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو العز بن كادش وغيرهم. أفتى ودرَّس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، مع معرفةٍ. بعلوم القرآن وتفسيره، والنظر والأصول … وكان ذا عبادةٍ وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة … وكان متعففًا، نَزِه النفس كبير القدر، ثَخين الوَرَع وقال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة من تصانيفه أحكام القرآن ومسائل الإيمان، والمعتمد، والرد على الجهمية والعدة في أصول الفقه وغيرها. مات سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٥٦)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠)، الأنساب (٩/ ٢٤٦). "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٨٩)، الوافي بالوفيات (٣/ ٧)، "شذرات الذهب" (٣/ ٣٠٦).
[ ٩٨ ]
"مختصر الْخِرَقِيِّ (^١) ".
ثم أعْلَمْ: أنَّ المصنِّف -عليه الرحمة- لما قصد الاختصار في رسالتِهِ، تَرَكَ تعريفَ هذا الفنِّ، وغايتَهُ، وموضوعه، ونحْوَ ذلك، ولا بأْسَ أن نَذْكُرَهَا في ضِمْن ثلاث فوائد:
الفائدة الأُولى: في بيان حَدِّ هذا الفَنِّ، وموضوعِهِ، وغايته:
قال الحافظ السُّيوطي (^٢) -عليه الرحمة- في شَرْحِهِ على ألفيَّته المسمَّاةِ
_________________
(١) قال ابن بدران: اشتهر في مذهب الإمام أحمد عند المتقدمين والمتوسطين مختصر الخرقي، ولم يُخدم كتاب في المذهب مثل هذا المختصر، ولا اعتني بكتاب مثل ما اعتنى به. قال ابي بدران: ومما اطلعنا عليه من شروح الخرقي شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراءالبغدادي وهو مجلدين ضخمين، وبعض نسخه في أربع مجلدات، وطريقته أنه يذكر المسألة من "الخرقي" ثم يذكر من خالف فيها ثم يقول، ودليلنا، فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس، على طريقة الجدل. والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص (٢١٤، ٢١٦).
(٢) هو جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي الشافعي -نسبة إلى أَسْيُوط بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه، وهو اسم لمدينة غربي النيل من نواحي صعيد مصر، ويقال لها سيوط بغير همز - كان أبوه من فقهاء الشافعية، مات وابنه عمره خمس سنوات حفظ السيوطي القرآن وهو ابن ثمان، ثم حفظ: العمدة، ومنهاج الفقه، ومنهاج الأصول، وألفية ابن مالك، وسمع ولازم شيوخ عدة منهم سراج الدين البلقيني، وابنه علم الدين، والشرف المناوي، وتقي الدين الشمني، والبهان البقاعي وغيرهم، ورحل إلى الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب وبلاد التكرور، وإلى المحلة ودمياط والفيوم من المدن المصرية، وله مصنفات كثيرة شهيرة في شتى العلوم منها في علم الحديث: ألفية الحديث. و"تدريب الراوي"، المدرج إلى المدرج، إسعاف المبطأ برجال الموطأ. الروض المكلل والورد المعلل في المصطلح وزوائد الرجال على "تهذيب الكمال" واللمع في أسماء من وضع، مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة وغيرها كثير، وقد جرت بينه وبين معاصريه خطوبٌ وأمور ذات شجون. مات سنة (٩١١ هـ)، وقد ترجم لنفسه في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ".
[ ٩٩ ]
ب "نَظْم الدُّرَر" (^١): "أحسنُ حُدُودِهِ: قولُ الشيْخِ عِزِّ الدين بْنِ جَمَاعة" (^٢):
_________________
(١) أما ألفية السيوطي في علم المصطلح فمشهورة معروفة وعليها عدة شروحات منها شرح الشيخ محمد محفوظ بن عبد الله التِّرمسي في "منهج ذوي النظر"، وكذلك شرحها الشيخ: أحمد بن محمد شاكر. عليه ﵀ وكذا الشيخ آدم الأثيوبي في مجلدين. أما شرح السيوطي فقد سماه "البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر" ولم يكمله، وقد حقق الجزء الموجود من هذا الشرح في رسالتان علميتان في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- أما الرسالة الأولى فبتحقيق شيخي المفضال الشيخ أنيس بن أحمد طاهر الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية، والرسالة الثانية بتحقيق شيخي المفضال عبد الباري بن العلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري محدث المدينة النبوية عليه رحمة الله وحفظ الله من بقي بها من أهل العلم من الشرور والآفات.
(٢) هو عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني المعروف بعز الدين بن جماعة الكناني الشافعي المصري أخذ عن عمر بن القواس، والأبرقوهي، وأبي الفضل بن عساكر، والحافظ شرف الدين الدمياطي وجماعة، وسمع بدمشق والحرمين والقاهرة، وولي قضاء الديار المصرية قال الحسيني استقضي مرارًا، ودرس: وأفتى، وصنف التصانيف المفيدة منها المنسك الكبير على المذاهب الأربعة وغيره، وتنقل في الولايات الرفيعة، حج وجاور بالحجاز غير مرة … مات بمكة سنة سبع وستين وسبعمئة. انظر ترجمته في ذيل "تذكرة الحفاظ" للحسيني ص ٤١) وكذلك ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ص: (٣٦٣).
[ ١٠٠ ]
"عِلْمٌ بقوانينَ يُعْرَفُ بها أحوالُ السَّنَدِ والمَتْنِ، وموضوعُهُ: السَّنَدُ والمَتْن، وغايتُهُ: معرفةُ الصَّحيحِ مِنْ غيره" (^١).
ثم نَقَلَ عن الحافظ ابْن حَجَر؛ أنه قال: "أَوْلَى تعاريفه أن يقال: مَعْرِفَةُ القواعدِ المعرِّفَةِ لحال الراوي والمَرْوِيِّ" (^٢)، قال (^٣): "وإنْ شئْتَ حذفتَ لفظ "مَعْرِفة" فقلتَ: "القواعد" "، قال: وفي عبارة له -أي لابن حَجَر-: "القَوَاعِدُ الَّتي يُتَوَصَّلُ بها إلَى معرفة حال الراوي والمرويِّ" (^٤).
وحَدُّ ابْنِ جماعة أقرَبُ منه؛ من جهة أنه يدخل تحته أحوال السَّنَد التي […] (^٥) حال الرجال؛ كصيغ الأداء؛ بدليل المغايرة بينهما في نوع المسلسل، ولا يدخُلُ ذلك في حال الراوي والمرويِّ؛ لاختصاص المرويِّ في المتن.
والتعبير ب"العلم" أحسنُ من التعبير ب"المعرفة"؛ لأن المراد منها الصناعةُ لا الوصفُ القائمُ بالعالم؛ وكذا في حدود سائر العلوم. انتهى.
وقال ابْنُ الأَكْفاني (^٦) في "إرشاد القاصد" (^٧): "علم الحديث الخاصّ
_________________
(١) انظر ""تدريب الراوي"" (١/ ٤١).
(٢) ""النكت على ابن الصلاح" " (١/ ٢٢٥).
(٣) أي السيوطي.
(٤) ""النكت على ابن الصلاح" " (١/ ٢٢٥).
(٥) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها: "تُبين".
(٦) محمد بن إبراهيم بن ساعد السنجاري الأصل المصري، المعروف بابن الأكفاني، ولد بسنجار، وطلب العلم ونبغ في عدة علوم واشتغل بالطب والأدب والتاريخ، قال الحافظ ابن حجر، من تصانيفه: إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، وهو كتاب نفيس، ونخب الذخائر في معرفة الجواهر واللباب في الحساب، ومات في الطاعون سنة (٧٤٩ هـ). انظر ترجمته في "الدرر الكامنة" (٣/ ٢٧٩)، الوافي بالوفيات (٢/ ٢٥) "البدر الطالع" الشوكاني (٢/ ٧٩).
(٧) ذكره صاحب "كشف الظنون" (١/ ٦٦) وقال إرشاد القاصد إلى أسنى المطالب، ذكر فيه أنواع العلوم وأصنافها، وهو مأخذ "مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده، وجملة ما فيه ستون علمًا منها عشرة أصلية، سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامه، وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل، وذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف. اه
[ ١٠١ ]
بالرواية: عِلْمٌ يشتملُ على نقْلِ أقوالِ النبيِّ ﷺ وأفعالِهِ، ورواتِها، وضبطِها، وتحرير ألفاظِها، وعلْمُ الحديثِ الخاصُّ باّلدراية عِلْمٌ يُعْرَفُ منه حقيقةُ الرواية، وشروطُهَا، وأنواعُهَا، وأحكامُهَا، وحالُ الرواةِ، وشروطُهُم، وأصنافُ" المرويَّات، وما يتعلَّق بها (^١).
فحقيقةُ الرواية نقل السنَّة ونَحْوِها، وإسنادُ ذلك إلى مَنْ عُزِيَ إليه بتحديثٍ أو إخبار أو غَيْرِ ذلك.
وشروطها_: تحمُّلُ راويها لما يَرْويه بنَوْع من أنواع التحمُّل: من سماع أو عَرْضٍ أو إجازةٍ أو نحوِها.
وأنوعها: الأتِّصال والانقطاعُ ونحوُهُما.
وأحكامها: القَبُول والرَّدّ.
وحال الرواة -العدالةَ والجَرْحَ- وشروطُهُمْ في التحمُّل والأداء، وأصنافُ والمرويَّاتِ من المسانيد والمعاجِمِ، وغَيْرِها- أحاديثَ أو آثارًا أو غيْرَهُما- وما يتعلَّق بها-: هو معرفةُ اصطلاح أهلها (^٢).
وقال "الكَرْمَانِىّ" (^٣) في شَرْح البخاريِّ (^٤): "عْلَمْ: أن علْمَ الحديث
_________________
(١) نقل السيوطي كلام ابن الأكفاني هذا في تعريف علم الحديث روايةً ودراية في ""تدريب الراوي"" (١/ ٤٠) وانظر "توجيه النظر" -للجزائري (٢٢).
(٢) انظر المرجع السابق.
(٣) هو محمد بن يوسف بن علي الكرماني ثم البغدادي، أخذ عن أبيه بهاء الدين وجماعة، ببلده ثم ارتحل إلى شيراز، فأخذ عن القاضي عضد الدين، ولازمه اثنتي عشرة سنة حتى قرأ عليه تصانيفه ثم حج واستوطن بغداد، ودخل الشام ومصر، سمع منه جماعة منهم القاضي محب الدين البغدادي، وولده الشيخ تقي الدين يحيى الكرماني، من تصانيفه: "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري"، حاشية على تفسير البيضاوي، شرح المواقف للإيجي في علم الكلام، توفي سنة ست وثمانين وسبع مئة انظر ترجمته في: "الدرر الكامنة" (٤/ ٣١٠)، "بغية الوعاة" (١٢٠)، "البدر الطالع" (٢/ ٢٩٢).
(٤) واسمه "الكواكب الدراري" قال العلامة عبد السلام المباركفوري: "وهو شرح مشهور متوسط جامع للفوائد والزوائد ونافع لأهل العلم، وقد أثبت في أول هذا الشرح أن علم الحديث أفضل العلوم، وصحيح البخاري أعلى وأفضل كتاب في الحديث من حيث العدالة والضبط … وقد قدم فيه المؤلف البارع حلولًا طيبة للمسائل النحوية الصعبة والألفاظ المشكلة والغريبة، وضبط أيضًا الروايات وأسماء الرجال وألقاب الرواة بأحسن طريق، وجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وقد فرغ من تأليف هذا الكتاب في مكة المكرمة سنة ٧٧٥ هـ، ولكن الحافظ ابن حجر قال في "الدرر الكامنة": بأيه قد وقعت فيه أوهام كثيرة مع أن الشرح مفيد جدًا". اه "سيرة الإمام البخاري" ص (١٩١).
[ ١٠٢ ]
موضوعُهُ: ذاتُ رسول الله ﷺ من حيثُ أنَّه رسول الله وحَدُّهُ: علْمٌ يُعْرَف به أقوالُ الرسوِل، وأفعالُهُ، وأحوالُهُ، وغايته: الفَوْز بسعادة الدارَيْن". (^١) انتهى.
وهذا الحدُّ مع شموله لعلْمِ الاستنباط: غير محرَّر، ولم يزلِ العَلاَّمة الكَافِيَجِيُّ (^٢) يتعجَّب من قوله: "إنَّ موضوَع علْمِ الحديث ذاتُ الرسول"؛ ويقول: "هذا حَرِيُّ أن يكونَ موضوعَ الطِّبِّ".
والغاية التي ذكرها: هي غايةُ كلِّ علمٍ شرعيٍّ، وليستِ الغايةُ التي تُذْكَرُ في العلوم هي التي الغايَةُ الأخروية أثرها أولازمها.
_________________
(١) "الكواكب الدراري" (١/ ٢٥).
(٢) هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي، المعروف بمحيي الدين الكافيجي، سمى بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو لابن الحاجب ولد ببلاد الروم، أخذ عن الشمس الفناري، والبرهان أمير حيدر الخافي وعبد الواحد الكوتائي وغيرهم ورحل إلى الشام والقدس والقاهرة واشتهر فيها قال السخاوي: تصدى للتدريس والإفتاء والتأليف وخضعت له الرجال وذلت له الأعناق، وصار إلى صِيت عظيم وجلالة وشاع ذكره وانتشرت تلامذته، وزادت تصانيفه على المائة منها شرح القواعد الكبرى لابن هشام، شرح الهداية حاشية على تفسير البيضاوي، والمختصر في علم الأثر، والمختصر المفيد في علم التاريخ وغيرها توفي سنة ٨٧٩ هـ. انظر ترجمته في: "الضوء اللامع" (٧/ ٢٥٩)، حسن المعاضرة (١/ ٣١٧)، البدر الطالع (٢/ ١٧١) "شذرات الذهب" (٧/ ٣٢٦).
[ ١٠٣ ]
الفائدة الثانية [في بيان] أوَّلِ من ابتدأ بتَصْنيف هذا العلْمِ:
اعلم: أن أوَّل من صنَّف فيه (^١) القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرْ مُزِيُّ (^٢)؛ لكنَّه لم
_________________
(١) قلت قول الشارح "اعلم أن أول من صنف فيه" مشعرة "بالأولية المطلقة، وفي هذا نظر، بينما عبارة الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر" أدق، حيث قال ص (١٥): "فمن أول من صنف في ذلك" فكلامه مشعر أن هناك من صنف غيره وهو من أوائلهم". وقال علي القارى في "شرحه على "نزهة النظر"" ص (٩) ما نصه: "فممن صنف" وفي نسخة فمن أول ما صُنف "في ذلك" أي في اصطلاح أهل الحديث "القاضي أبو محمد" … وفي الكلام إشعار بوجود تعدد التصنيف في قرن القاضي، وعدم تحقق الأولية. اه فلأهل العلم قبل "الرامهرمزي" كلامٌ كثير في أصول الحديث، كالإمام الشافعي المتوفي سنة (٢٠٤) في كتابه "الرسالة". والإمام مسلم بن الحجاج المتوفي سنة (٢٦١ هـ) في مقدمة صحيحه. وغيره. ولعل الرامهرمزي هو أول من دون في أصول الحديث كتابًا مستقلًا. وانظر مقدمة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ل"اختصار علوم الحديث" لابن كثير ص (٩). "النكت على نزهة " النظر للحلبي ص (٤٦).
(٢) هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاَّد الفارسي أبو محمد الرَّمَهرْمُزيُّ. سمع أباه ومحمد بن عبد الله مطيَّنًا الحضرمي، وأبا الحصين الوادعي، ومحمد بن حيان المازني، وزكريا السَّاجي، وأبا القاسم البغوي وغيرهم. حدث عنه: أبو الحسِين محمد بن أحمد الصيداوي والحسن بن الليث الشيرازي، وأبو بكر محمد بن موسى بن مردويه، وآخرون. قال فيه الذهبي: "الإمام الحافظ البارع، محدث العجم … وكان أحد الأثبات". ومن تصانيفه: كتاب "أمثال الحديث" وهو مطبوع. كتاب "الرقى" والتعازي، وكتاب "أدب الناطق". قال الذهبي: وقد ذكر أبو القاسم بن مندة في "الوفيات" له أنه عاش إلى قريب الستين وثلاث مئة بمدينة رامهرمز. انظر ترجمته في: "الأنساب" (٦/ ٥٢)، "معجم الأدباء" (٩/ ٥)، "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٠٥)، "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٧٣)، الوافي بالوفيات (١٢/ ٦٤)، "شذرات الذهب" (٣/ ٣٠).
[ ١٠٤ ]
يستوعبْ (^١)، ثم الحاكم أبو عبد الله (^٢)، وكتابُه غيْرُ مهذَّب ولا مرتَّب (^٣)،
_________________
(١) قال العلامة الألباني في حواشيه على "نزهة النظر". "أي: لم يأت بالاصطلاحات كلها؛ لأنه من أول من صنف في هذا العلم". اه نقلًا عن النكت على "نزهة النظر" -لعلي بن حسن الحلبي ص (٤٧). وقد طبع كتاب الرامهرمزي، وعنوانه كاملًا "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" طبع في مجلد بتحقيق الدكتور/ محمد عجاج الخطيب - في دمشق. وكتاب الرامهرمزي هذا قال فيه الذهبي: "ما أحسنه من كتاب وقيل إن السِّلفي كان لا يكاد يفارق كمه- يعني في بعض عمره-". وقال أيضًا في سياق كلامه عن الرامهرمزي: "وأول طلبه لهذا الشأن في سنة تسعين ومئتين، وهو حدث فكتب وجمع وصنف، وساد أصحاب الحديث، وكتابه المذكور ينبيء بإمامته". اه من "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٧٣).
(٢) هو الإمام محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدُويه بن نُعيم الإمام الحافظ أبو عبد الله بن البَيِّع الضَّبِّي النيسابوري قال الذهبي: طلب هذا الشأن في صغره بعناية والده وخاله، … ولحق الأسانيد العالية بخراسان والعراق وماوراءَ النهر، وحدَّث عن أبيه، وكان أبوه قد رأى مسلمًا صاحب "الصحيح"، وعن محمد بن علي المُذَكرِّ، ومحمد بن عبد الله الصَّفَّار، وأبي بكر النجاد، وعبد الباقي بن قانع وخَلق. حدث عنه: الدارقطني وهو من شيوخه، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلى، وأبو بكر البيهقي. من تصانيفه: "المستدرك على الصحيحين" و"معرفة علوم الحديث"، و"الإكليل"، و"تاريخ النيسابوريين" وغيرها. توفي ﵀ سنة ٤٠٥ هـ. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٧٣)، الأنساب (٢/ ٣٧٠). "وفيات الأعيان" (٤/ ٢٨٠)، "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ١٦٢)، الوافي بالوفيات (٣/ ٣٢٠)، "شذرات الذهب" (٣/ ١٧٦).
(٣) كتابه هو "معرفة علوم الحديث" وقد طبع في الهند في دائرة المعارف العثمانية -بتصحيح د. السيد معظم حسين وقد تعرض للكلام عليه الأستاذ -الدكتور/ محمود الطحان في أطروحته للدكتوراه "الخطيب وأثره في علوم الحديث " وقارن بين كتاب الحاكم، وكتاب الكفاية للخطيب وكان مما قاله حول ترتيب كتاب الحاكم، وأن الكتاب لم يهذب: "أما من جهة الترتيب فإنه غير مرتب، فنجده بدأ الأنواع بذكر العالي والنازل وهي من صفات الإسناد ثم أتبعها بنوع "صدق المحدث" وهو بحث يتعلق بالراوي، ثم أتبعه بنوع "المسانيد من الأسانيد" وهو من صفات السند، ثم اتبعه بنوع "الموقوفات من الروايات" وهو من صفات المتن وهكذا ينتقل من بحث يتعلق بالسند إلى بحث يتعلق بالمتن إلى بحث يتعلق بالراوي بدون التزام أي ترتيب، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه النقطة حينما قال عن الحاكم بأنه "لم يرتب" في هذا الكتاب والحاكم ﵀ يكثر من سرد الأمثلة، المتماثلة، للمسألة الواحدة، وهو وإن دل على سعة إطلاع الحاكم وطول باعه؛ إلا إن صناعة التصنيف لا تقتضي ذكر كل هذه الأمثلة بدون حاجة. وقد أشار الحافظ إلى هذه النقطة كذلك فقال عن الحاكم في معرض وصفه لكتابه هذا: "لكنه لم يهذب". اه من "الخطيب واثره في علوم الحديث".
[ ١٠٥ ]
ثم أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ (^١)، ثم الخطيبُ البَغْدَادِيُّ (^٢)؛ فعمل في قوانين
_________________
(١) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى، قال الذهبي: الإمام الحافظ الثقة العلامة أبو نعيم الأصبهاني وكان أبوه من علماء المحدثين والرحالين، فاستجاز له جماعة من كبار المُسندين، وسمع من عبد الله بن جعفر بن فارس، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد الحاكم، وأبي بكر الآجري وخلق. روى عنه: أبو سعد الماليني، وأبو بكر الخطيب، وأبو علي الوخشي، وأبو صالح المؤذن وغيرهم، من مصنفاته: "حلية الأولياء، والمستخرج على الصحيحين وتاريخ أصبهان، ودلائل النبوة". وغيرها. مات سنة ثلاثين وأربع مئة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" (١/ ٩١)، "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٤٥٣)، الوافي بالوفيات (٧/ ٨١). "شذرات الذهب" (٣/ ٢٤٥). أما كتابه فذكره الذهبي في السير (٧/ ٤٥٦) وسماه: "علوم الحديث" وذكره أبو سعد السمعاني في التحبير (١/ ١٨١) وسماه "معرفة علوم الحديث على كتاب الحاكم" وقد ذكر الحافظ ابن حجر في النزهة ص (١٦) أن كتاب أبو نعيم مستخرج على كتاب الحاكم. والمستخرج هو: "كتاب يروي فيه صاحبه أحاديث وآثار كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل" انظر "تدريب الراوي" (١/ ١١١) فكتاب الحاكم ألفه بأسانيده، فاستخرج عليه أبو نعيم بأسانيد لنفسه، على المنهج الذي سبق بيانه. وانظر "النكت على "نزهة النظر"" لعلي بن حسن الحلبي: ص (٤٧).
(٢) هو الإمام أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، قال الذهبي: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، صاحب التصانيف، وخاتمة الحُفاظ، سمع: أباعمر بن مهدي الفارسي، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين بن المُتَيم والحافظ أباحازم العَبدوي، وخلقًا. حدث عنه: أبو بكر البَرْقَاني؛ وهو من شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا، هبة الله بن الأكفاني، وأبو الفضل بن خيرون وغيرهم. قال ابن ما كولا: "كان أبو بكر آخر الأعيان، ممن شاهدناه معرفة" وحفظًا وإتقانا، وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ وتَفننًا في عِلله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره ومَطروحه. وتصانيفه كثيرة منها "تاريخ بغداد"، "شرف أصحاب الحديث"، "الكفاية"، "الجامع"، "السابق واللاحق" "المتفق والمفترق" "الأسماء المبهمة"، "اقتضاء العلم العمل"، وغيرها كثير انظرها في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" وتارخ الأدب العربي لبروكلمان (٦/ ٦٢). وتوفي الخطيب ﵀ سنة ثلاث وستين وأربع مئة أنظر ترجمته في: الأنساب (٥/ ١٥١)، "وفيات الأعيان" (١/ ٩٢) "المستفاد من ذيل تاريخ بغداد" (٥٤)، "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٢٧٠) "البداية والنهاية" (١٢/ ١٠١).
[ ١٠٦ ]
الرِّوَاية كتابًا سمَّاه: "الكِفَاية" (^١)، وفي آدابها كتابًا سماه: "الجامع؛ لآداب الشَّيْخ والسامح" (^٢) وقَلَّ فَنٌّ من فنون الحديث إلاَّ وصنَّف فيه كتابًا مفردًا (^٣)؛
_________________
(١) هو كتاب "الكفاية في علم الرواية" وقد طبع عدة طبعات منها طبعة في حيدر آباد الدكن سنة ١٣٥٧ هـ وهو بحاجة إلى مزيد عناية وتحقيق. قال ابن الجوزي في المنتظم: "الكفاية في معرفة أصول علم الرواية" يعرض الخطيب فيه تفصيلًا للشروط الواجب توافرها في عالم الحديث، وهو يدل على حرصه الشديد على تنقية الحديث. اه المنتظم (٨/ ٢٦٧).
(٢) هو أحد مصنفات الخطيب، وقد استوفى فيه ذكر ما ينبغي للمحدث وطالب الحديث أن يتحليا به من الآداب والواجبات والأصول التي تقتضيها صنعة التحديث، وقد طبع الكتاب عدة طبعات، إحداها بتحقيق د/ محمود الطحان طبع مكتبة المعارف بالرياض.
(٣) انظر جملة من مصنفات الخطيب والكلام عليها في: "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٢٨٩ - ٢٩٢) و"وفيات الأعيان" (١/ ٩٢) وكتاب الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها للأستاذ يوسف العش ص: (١٢٠ - ١٣٤) وبلغ عدد ما أحصاه من مؤلفات الخطيب واحدًا وسبعين مؤلفًا، وعين أماكن وجودها في مكتبات العالم، وكذلك فعل الدكتور أكرم العمري في كتابه "موارد الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ص: (٥٥ - ٨٤) وذكر أن مؤلفات الخطيب بلغت ستة وثمانين مصنفًا. وكذلك الدكتور محمود الطحان في كتابه" الخطيب البغدادي وكتابه الكفاية" وقد بلغ عدد ما أحصاه من مصنفات الخطيب أكثر من ثمانين مصنفًا.
[ ١٠٧ ]
حتَّى قال الحافظ أبو بكر بْنُ نُقْطَةَ (^١): "كُلُّ من أنْصَفَ، عَلِمَ أن المحدِّثين بعده عيالٌ على كُتُبه" (^٢)، ثم ألَّف من تأخَّر عنه كالقاضي "عياض" (^٣) كتابه "الإلماع" (^٤)
_________________
(١) هو محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي "أبو بكر بن نُقْطة" سمع من يحيى بن بَوش، وسمع من أبي أحمد بن سُكينة، وأبي الفتح المَنْدَائي وابن طَبَرْزَذ وعدة. أخذ عنه السيف أحمد بن المجد، والمنذري، والشرف حسين الإربلي، سئل عنه الضياء، فقال: حافظٌ دَيِّن، ثقة، ذو مروءة وكرم. وقال البرْزالي: ثقةٌ دين، مُفيد. من تصانيفه: "التقييد في معرفة رواة الكتب والمسانيد" و"ذيل على الإكمال" لابن ماكولا و"الملتقط مما في كتب الخطيب وغيره من الوهم والخطأ"، وكتابٌ لطيف في الأنساب. توفي ﵀ سنة تسع وعشرين وست مئة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان": (٤/ ٣٩٢) "سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٣٤٧)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٢)، و"شذرات الذهب" (٥/ ١٣٣).
(٢) انظر كلامه في "التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد" (١/ ١٧٠) وكذا قال في "تكملة الإكمال" (١/ ١٠٣).
(٣) هو القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي المالكي، قال ابن خلكان: "هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم، وأنسابهم". روى عن أبي بحر بن العاص، والقاضي أبي علي بن سُكَّرة الصَّدفي، وأبي محمد بن عتاب وغيرهم، وحدث عنه خلقٌ منهم: عبد الله بن محمد الأشيري، وأبو جعفر بن القصير الغرناطي والحافظ خلف بن بشكوال، وولده القاضي محمد بن عياض وغيرهم. من تصانيفه: "الإكمال في شرح صحيح مسلم" ومشارق الأنوار و"الشفا" في التعريف بحقوق المصطفى وغيرها، مات سنة أربع وخمس مئة انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال (٢/ ٤٥٣)، "وفيات الأعيان" (٣/ ٤٨٣)، "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٣٠٤). الديباج المذهب (٢/ ٤٦).
(٤) هو كتاب"الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" وقد ذكر في مقدمته أن راغبًا رغب إليه في تلخيص فصول في معرفة الضبط وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها وما يصح وما يتزيف، وما يتفق من وجوهها وما يختلف، فأجابه القاضي إلى ما طلب لأنه "لم يعتن أحد بالفصل الذي رغبته كما يجب، ولا وقفت فيه على تصنيف يجد فيه الراعب ما رغب" قال: "وجمعتُ في ذلك نكتًا غريبة من مقدمات علم الأثر وأصوله، وقدمت بين يدي ذلك كله أبوابًا مختصرة في عظم شأن علم الحديث وشرف أهله، ووجوب السماع والأداء له ونقله، والأمر بالضبط والوعي والإتقان وختمته بباب في أحاديث غريبة ونكت مفيدة عجيبة، من آداب المحدثين وسيرهم، وشوارد من أقاصيصهم وخبرهم" انظر الإلماع ص: (٤ - ٥). وقد طبع بتحقيق الأستاذ: السيد أحمد صقر ﵀ سنة (١٣٨٩ هـ) ".
[ ١٠٨ ]
وأبو حفص الميانجي (^١) جُزْءًا سمَّاه "الإيضاح لما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُهُ" (^٢)، وآخرون، إلى أن جاء الإمام تَقِيُّ الدينِ ابْنُ الصَّلَاح (^٣)؛
_________________
(١) وهو أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي شيخ الحرم تناول من أبي عبد الله الرازي سداسياته وسمع من جماعة توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ترجمته في "العبر" (٣/ ٨٣) "تاريخ مكة" (٣/ ٢٣) "العقد الثمين" (٦/ ٣٣٤) "شذرات الذهب" (٤/ ٢٧٢) "معجم البلدان" (٥/ ٢٧٧).
(٢) وهو جزء لطيفٌ موجز قال مؤلفه في آخره (ص ٣٠): "وهذه نُبذةٌ يستفيدُ منها المبتدي، ويتذكر بها العالم المُنتهي، وتدعو إلى الرَّغبة في التبحر في هذا العلم". اه وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٩٦٧ بتحقيق الاستاذ صبحي السامرائي. وأعاد طبعه الأخ علي بن حسن الحلبي سنة (١٤٠٤) ضمن مجموع فيه "ثلاث رسائل في علوم الحديث". وقد قال العلامة الألباني في حواشيه على "النزهة": "وفيها فوائد لا بأس بها، إلا أن فيها بعض الأحاديث الضعيفة والمنكرة" أه انظر النكت على النزهة ص (٥٠) للحلبي وفي "النكت على ابن الصلاح" للحافظ ابن حجر (١/ ٢٤١)، "و"تدريب الراوي"" (١/ ٧١) بعض آراء الميانجي وكلام له وتعقباتٍ عليه".
(٣) هو عثمان بن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكُردي الشَّهرزوريُّ الموصلي الشافعي تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح. ولد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وتفقه على والده بشَهرزور، ثم اشتغل بالموصل مدة، وسمع من عبيد الله ابن السمين، ونصر بن سلامة الهيتي وغيرهما. حدث عنه: الإمام شمس الدين بن نوح المقدسي، والإمام كمال الدين سلاّرُ، وتقي الدين بن رزين وغيرهم، قال ابن خلكان: "كان تقي الدين أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في عدة فنون، وكانت فتاويه مُسددة، وهو أحد شيوخي الذين انتفعتُ بهم". توفي سنة ثلاث وأربعين وست مئة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" (٢/ ٢٤٣) "سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ١٤٠)، "شذرات الذهب" (٥/ ٢٢١).
[ ١٠٩ ]
فجمَعَ - لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديث بالمدرسة الأَشْرفيَّة (^١) في دِمِشْقَ - كتابَهُ المشهورَ (^٢)؛ فهذَّب فنونَهُ، وأملاه شيئًا فشيئًا، واعتنىَ بتصانيف الخطيبِ المفرَّقة؛ فجمَعَ شَتَاتَ مقاصدها، وضَمَّ إليها (^٣) فوائِدَ من غيرها؛ فجمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فعَكَفَ الناسُ علَيْه؛ واتَّخَذُوُه أصْلًا يُرْجَعُ إليه؛ فلا يحصى كَمْ ناظم له ومختَصِرٍ ومُنَكِّتٍ.
فَمِمَّنِ اختصره "النوويُّ" (^٤). في "الإرشاد" (^٥)، ثم "التقريب" (^٦)
_________________
(١) وهي الأولى المبنية سنة ٦٢٨ هـ)، وأما المدرسة الأشرفية الثانية؛ فبنيت سنة (٦٣٤ هـ)؛ كما في "الدارس في تاريخ المدارس" (١/ ١٩ و٤٧) للنعيمي وفي التعليق على منادمة الأطلال ص (٢٤) لعبد القادر بدران: فيها الآن مدرسة إعدادية للعلوم الشرعية، يُنفقُ عليها جماعة من أهل الخير، وتُقام فيها الجمعة".
(٢) هو المعروف "ب" "مقدمة ابن الصلاح" وله عدة طبعات.
(٣) في الأصل "إليه" والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في ""نزهة النظر" (١٧).
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) واسمه كاملًا "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق" وقد طبع في مجلدين بتحقيق عبد الباري السلفي.
(٦) واسمه كاملًا: "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير" وقد شرحه السيوطي في "تدريب الراوي" قال النووي في مقدمة تقريبه: "وهذا كتاب أختصرته من كتاب الإرشاد الذي اختصرته" من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح ﵁، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود، وأحرص على إيضاح العبارة، وعلى الله الكريم الاعتماد".
[ ١١٠ ]
وابنُ دقيقِ العِيدِ (^١) في "الأقترَاح" (^٢)، والمُحِبُّ إبراهيمُ بْنُ محمَّدٍ الطَّبَرِيُّ (^٣). في "الملخَّص" و"البُرْهَانِ"، وإبراهيمُ بْنُ عُمَرَ الجَعْبَرِيُّ (^٤)
_________________
(١) هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، تقي الدين أبو الفتح المعروف بابن دقيق العيد، سمع من ابن المقير، وحدَّث عن ابن الجميزي، وسبط السلفي، وابن عبد الدائم، وغيرهم، روى عنه: قاضي القضاة علاء الدين القونوي، وعلم الدين بن الأخنائي، وقطب الدين الحلبي وغيرهم، قال قطب الدين الحلبي "كان الشيخ تقي الدين إمام أهل زمانه وممن فاق بالعلم والزهد على أقرانه عارفًا بالمذهبين إمامًا في الأصلين حافظًا متقنًا في الحديث وعلومه، ويضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ والإتقان والتحري، شديد الخوف دائم الذكر لا ينام الليلا إلا قليلًا، ويقطعه فيما بين مطالعة "وتلاوة" وذكر وتهجد، حتى صار السهر له عادة وأوقاته كلهًا معمورة، لم يُر في عصره مثله". من تصانيفه: "شرح عمدة الأحكام" و"الإلمام" "والإمام في الأحكام" وغيرها، توفي سنة اثنتين وسبع مئة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٨١)، "طبقات الشافعية" للسبكي (٩/ ٢٠٧)، الديباج المذهب. لابن فرحون (٢/ ٣١٨) "الدرر الكامنة" لابن حجر (٥/ ٣٤٨).
(٢) هو كتاب "الاقتراح في بيان الاصطلاح" قال ابن دقيق في مقدمته: "هذه نبذُ من فنونٍ مهمة في علوم الحديث، يستعان بها على فهم مصطلحات أهله ومراتبهم على سبيل الاختصار والإيجاز، ليكون كالمدخل إلى التوسع في هذا الفن إنشاء الله تعالى" ص (١٥١) وقد طبع الكتاب سنة ١٤٠٢ هـ طبعته وزارة الأوقاف العراقية بتحقيق الأستاذ/ قحطان عبد الرحمن الدوري.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي الشافعي قال ابن العماد: "شيخ الإسلام وإمام المقام كان صاحب حديث وفقه وإخلاص وتأله، روى عن شعيب الزعفراني، وابن الجميزي، وعبد الرحمن بن أبي حرمي من تصانيفه مختصر شرح السنة للبغوي والتساعيات توفي سنة (٧٢٢ هـ) " انظر ترجمته في "شذرات الذهب" (٦/ ٥٦).
(٤) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجَعْبري يقال له ابن السراج، واشتهر بالجعبري، سمع في صباه من كمال الدين محمد بن سالم المنبجي، ورحل إلى بغداد فسمع بها من الكمال ابن وضاح والعماد بن أشرف العلوي وغيرهم. قال الذهبي في المعجم المختص شيخ بلد الخليل له التصانيف المتقنة وفي القراءات والحديث والأصول والعربية والتاريخ وغير ذلك، وله مؤلف في علوم الحديث. اه وقد ولد بجعبر، وسكن دمشق مدة ثم ولي مشيخة الخليل إلى أن مات بها. من تصانيفه: نزهة البررة في القراءات العشرة، عقود الجمان في تجويد القرآن، رسوم التحديث في علوم الحديث مواليد أئمة المسانيد وغيرها قال ابن حجر: بعد أن ذكر بعض تصانيفه: إلى غير ذلك من التصانيف المختصرة التي تقارب المئة توفي سنة ٧٣٢ هـ. انظر ترجمته في "البداية والنهاية" (١٤/ ١٦٠) "الدرر الكامنة" لابن حجر (١/ ١٥٠) طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٢١) "شذرات الذهب" (٦/ ١٧).
[ ١١١ ]
في "رُسُومِ التحديث" (^١)، والعِزُّ بْنُ جماعة (^٢). في "الإقناع" (^٣)، الكَافيَجيُّ (^٤) في "المُخْتَصَر" (^٥)، وغيرُهُمْ.
ومن المُنَكتِن عليه: العِرَاقِيُّ (^٦)،
_________________
(١) ذكره غير واحد ممن ترجم للجَعْبري في ترجمته منهم الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" (١/ ١٥٠).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) لم أقف على أن للعز بن جماعة مختصر لابن الصلاح باسم "الإقناع" والمعلوم المشهور أن الذي اختصر ابن الصلاح هو بدر الدين بن جماعة جدُ العز بن جماعة في كتاب "المنهل الروي". وقد شرح "المنهل" العز بن جماعة "الحفيد في كتاب المنهج السوي".
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) وهي رسالة صغيرة طبعت سنة ١٤١٧ هـ في دار الرشد -بالرياض تحقيق د/ علي الزوين.
(٦) هو الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي المصري الشافعي، أخذ عن ناصر الدين بن سمعون، والشهاب أحمد بن يوسف السمين وعلاء الدين بن التركماني الحنفي، وكان في أول أمره مقبلًا على القراءات "ثم طلب الحديث ورحل في طلبه. قال ابن فهد: "كان ﵀ صالحًا خيرًا دينًا ورعًا عفيفًا صينًا متواضعًا، من تصانيفه: تخريج أحاديث الأحياء، تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وشرحه في "طرح التثريب"، "وألفية الحديث" وشرحها، "و"التقييد والإيضاح"" وتخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي" وغيرها كثير، مات ﵀ في القاهرة سنة ست وثمان مئة. انظر ترجمته في لحظ الألحاظ (٢٢٠) لابن فهد، و"الضوء اللامع" (٤/ ١٧١) للسخاوي، وذيل "تذكرة الحفاظ" (٣٧٠). أما نكته على "مقدمة ابن الصلاح" فسماها: " "التقييد والإيضاح" لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح". وقال الشيخ الألباني في "حواشيه على النزهة"، عن كتاب "التقييد والإيضاح" طبع أكثر من طبعة، من أتقنها طبعة حلب سنة ١٣٥٠ هـ، بتحقيق شيخي إجازة الشيخ الفاضل محمد راغب الحلبي رحمه الله تعالى.
[ ١١٢ ]
والزَّرْكَشِيُّ (^١)، والعِزُّ بْنُ جماعَةَ (^٢)، والحافظ ابْنُ حَجَر (^٣)، وقال (^٤): "إنَّهُ لم يَحْصُلُ ترتيبُهُ على الوَضْع اللائق؛ بأن يَذْكُرَ ما يتعلَّق بالمَتْن وَحْدَهُ، وما يتعلَّقُ بالسَّنَدِ وحده، وما يَشْتَرِكَان فيه، وما يختصُّ بكيفيَّة التحمُّل والأداء وَحْده، وما يختصُّ بصفات الرُّوَاة وَحْدَها؛ لأنه جَمَعَ متفرِّقَاتِ هذا الفنِّ من كُتُبٍ مطوَّلة، في هذا الحَجْم اللطيف، ورأَى أنَّ تحصيَلُه وإلقًاءَهُ إلى طالبه: أهَمُّ من تأخير ذلك إلى أنْ تحصُلَ العنايةُ التامَّةُ بحُسْن ترتيبه" (^٥).
_________________
(١) هو محمد بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي ولد في مصر وطلب بها العلم فأخذ عن الشيخين سراج الدين البلقيني والحافظ علاء الدين مغلطاي ورحل وأخذ في حلب عن الأذرعي وعن الحافظ ابن كثير في دمشق ثم عاد إلى القاهرة، من تصانيفه: البرهان في علوم القرآن، والبحر المحيط في أصول الفقه، وخادم الرافعي، والتنقيح في شرح الجامع الصحيح البخاري، سلاسل الذهب في الأصول، توفي سنة (٧٩٤) انظر ترجمته في "الدرر الكامنة" (٣/ ٣٩٧) "شذرات الذهب" (٦/ ٣٣٥).
(٢) تقدمت ترجمته، وله شرح على مختصر جده بدر الدين بن جماعة واسمه "المنهج السوي".
(٣) في كتابه المطبوع باسم ""النكت على ابن الصلاح""، وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق الشيخ ربيع بن هادي.
(٤) أي ابن حجر في نكته على ابن الصلاح.
(٥) النكت (١/ ٢٣٢).
[ ١١٣ ]
قال (^١): "ورأيتُ بخَطِّ صاحبه (^٢) المحدِّث فخر الدين عُمَرَ بِنْ يحيى الكَرْخِيّ (^٣): ما يصرِّح بأنَّ الشيْخَ كان إذا حرَّر نَوْعًا من الأنواع، واستوفى في التعريفِ به، وأورد أمثلتَهُ، وما يتعلَّق به [أمْلَاه] (^٤)، ثم انتقَلَ إلَى نَوْعٍ آخَرَ؛ ولأجل هذا: احتاج إلَى سَرْد أنواعه في خُطْبة الكتاب؛ لأنه صنَّفها بعد فراغه مِنْ إملائه؛ ليكونَ عِنْوانًا للأنواع، ولو كانَتْ محرَّرة التَّرتيبِ على الوَجْه المناسب، ما كان في سرْدِهِ للأنواعِ في الخُطْبة كَبِيرُ فائدة " (^٥)، وقد تبعه على هذا الترتيب جماعةٌ.
الفائدة الثالثة: في بيان آداب طالب عِلْم الحديث.
اعْلَمْ: أنه لابُدَّ لطالبه أنْ يُخْلِصَ النيَّة في طلبه لله تعالى؛ إِذِ النفْعُ به -بل وبسائر العُلُوم- متوقِّفٌ على الإخلاصِ فيه، والإعراضِ عن الأغَرْاض الدُّنْيَويَّة؛ قال رسول الله ﷺ "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَي بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلا يُصِيبَ بِهِ عَرْضًا مِنَ الدُّنْيَا-: لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ
_________________
(١) أي الحافظ ابن حجر بعد كلامه السابق مباشرة.
(٢) أي: صاحب ابن الصلاح.
(٣) هو عمر بن يحيى بن عمر بن حَمَد، فخر الدين الكرخي نزيل دمشق، ولد بالكرخ سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وقدم إلى دمشق، ولزم الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وتفقه عليه، وسمع من ابن الزَّبيدي، وابن اللتي، والبهاء عبد الرحمن المقدسي. حدث عنه: أبو الحسن بن العطار وغيره، وقد زوجه ابن الصلاح بابنته، مات سنة تسعين وست مئة. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" (٣/ ٣٢٦)، "العبر" (٥/ ٣٦٩) "طبقات الشافعية" (٨/ ٣٤٤)، "شذرات الذهب" (٥/ ٤١٧).
(٤) زيادة لازمة من "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٢٣٣).
(٥) ""النكت على ابن الصلاح"": (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
[ ١١٤ ]
أَيْ: رِيحَهَا- يَوْمَ الْقيَامَةِ" (^١)، وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ (^٢): "مَنْ تعلَّم عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ الله والدَّارَ الآخرةَ، آتاه اللهُ مِنْ العلْم ما يحتاجُ إلَيْه" (^٣).
وينبغي له -أيضًا- أنْ يَجِدَّ ويَجْتهدَ في طلبه، وأن يَحْرِصَ عليه مِنْ غَيْر تأخُّر ولا توقُّف؛ فمن جَدَّ وَجَدَ؛ قال رسول الله ﷺ: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واَسْتِعَنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ" (^٤)، وقال -أيضًا-: "التُّؤَدَةُ في كُلِّ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجة (٢٥٢) وأحمد (٢/ ٣٣٨) وابن أبي شيبة (٨/ ٧٣١)، وأبو يعلى (٦٣٧٣). وابن حبان (٧٨). والحاكم (١/ ٨٥)، والخطيب في تاريخه (٥/ ٣٤٦). (٨/ ٧٨) وفي اقتضاء العلم العمل رقم "١٠٢" وابن عبد البر في جامع بيان العلم (ص: ٢٣٠) والبيهقي في الشعب (١٧٧٠) كلهم من طريق فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وكذا حكم على إسناده بالصحة في كتاب الكبائر ص: ١٢٠ وصححه ابن حبان، والشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩) وكذلك في تخريج أحاديث إقتضاء العلم العمل ص (٦٥).
(٢) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخَّعي الإمام الحافظ، روى عن خاله، ومسروق، وعلقمة بن قيس وعَبيدة السَّلماني، وأبي زُرعة البَجلي، روى عنه: الحكم بن عُتيبة، وعمرو بن مرة، وحماد بن أبي سليمان، وسماك بن حرب، ومنصور بن المعتمر وغيرهم. قال الإمام أحمد: كان إبراهيم ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة. مات سنة ستٍ وتسعين. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٦/ ٢٧٠)، "تاريخ البخاري" (١/ ٣٣٣) "تهذيب التهذيب" (١/ ١٧٧).
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ١٠٤) بنحوه.
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) وابن ماجة (٩/ ١) وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٦) وابن حبان (٥٧٢٢) والطحاوي في "الأسماء والصفات" (٢٦٢) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٨٩)، وفي "الأسماء والصفات" (١/ ٢٦٣) من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرص على ما تنتفع به واستعن بالله ولا تعجز … "الحديث. وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٦، ٣٧٠) وابن ماجة ٤١٦٨ والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٦٢٣، ٦٢٤) والطحاوي في مشكل الآثار رقم (٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١) وابن حبان (٥٧٢١) وأبو نعيم في "الحالية" (١٠/ ٢٩٦) من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة به.
[ ١١٥ ]
شَيْءٍ خَيْرٌ، إِلاَّ عَمَلَ الآخِرَةِ (^١)، وقال يحيى بن أبي كَثِير (^٢) "لا ينال العلم براحة الجسم" (^٣): وقال الشافعي (^٤): "لا ينَالُ العِلْمَ من يطلُبُه بالتملُّل- وفي رواية: بالمَلَل- وغِنَى النَّفسْ؛ فيُفْلِحَ؛ ولكنْ مَنْ طَلَبَهُ بذلَّةِ النفْسِ، وضِيقِ العَيْش، وخِدْمِة العلمِ- أفْلَحَ" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨١٠) والحاكم (١/ ٦٢) وأبو يعلى (٢/ ١٢٣) رقم (٧٩٢) والبيهقي في الزهد رقم (٧١٣) وفي الآداب (ص ١٢٤)، وفي السنن الكبرى (١٠/ ١٩٤) كلهم من طريق الأعمش عن مالك بن الحارث عن مصعب بن سعد عن أبيه به، قال الأعمش: "ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ " وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وتعقبهما الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ٤٠٣) فقال "وفيه نظر فإن مالكًا هذا وهو السلمي الرقي إنما روى له البخاري في الأدب المفرد فهو على شرط مسلم وحده".
(٢) هو يحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي الإمام الحافظ. روى عن أبي أمامة الباهلي مرسلًا، وعن أنس بن مالك، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قتادة، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الله، ومعمر، والأوزاعي، وهشام بن أبي عبد الله وخلق، قال أحمد: هو من أثبت الناس، وقال أبو حاتم: هو إمام لا يروي إلا عن ثقة، وقد نالته محنةٌ، وضُرب لكلامه في ولاة الجور، قال الذهبي: وكان طلابة للعلم حجة. قال الفلاس: مات سنة تسع وعشرين ومئة. انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٥٥٥). "التاريخ الكبير" (٨/ ٣٠١) "تهذيب التهذيب" (١١/ ٢٦٨).
(٣) انظر ""تدريب الراوي"" (٢/ ١٤١).
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) انظر ""تدريب الراوي"" (٢/ ١٤١).
[ ١١٦ ]
وينبغي له -أيضًا- أنْ يلازمَ مَشَايخ مِصْره؛ ليأخذ عنهم ما يُهِمُّ من الأسانيد العالية، لا ما انفَرَدَ به بعضُهُمْ؛ قال أبو عُبَيْدَةَ (^١): "مَنْ شَغَلَ نفَسُه بَغْير المُهِمِّ، أضَرَّ بالمُهِمِّ"، وإن استوَى جماعةٌ في السند، وأَرَدتَّ الاقتصارَ على أحدِهِمْ- فاختَرِ المشهورَ مِنْهُمْ في طلبِ الحديثِ، والمشارَ إلَيْه بالاتفاق فيه والمَعْرفِة له، وإن تساوَوْا في ذلك، فالأشرَفُ ذو النَّسَب منهم، فإنْ تَسَاوَوْا في ذلك فالأسنُّ.
ثُمَّ إذا استَوْفَى مَرْوِيَّ مَشَايِخ مِصره، فَلْيَشُدَّ الرحالَ لغَيْر بلده؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ عُلُوِّ الإسناد وعلْمِ الطائفتَيْنِ؛ ولخَبَرِ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيِهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلىَ الْجَنَّةِ" (^٢)، وقد رَحَلَ جابر بْنُ عبد الله
_________________
(١) هو معمر بن المثنى أبو عبيدة البصري الإمام النحوي حدث عن هشام بن عروة، ورؤبة بن الحجاج، وأبي عمرو بن العلاء، حدث عنه: علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعمر بن شبة، وعدة، قال يعقوب بن شيبة: سمعتُ علي بن المديني ذكر أباعبيدة، فأحسنى ذكره، وصحح روايته، وقال: لا يحكي عن العرب إلا الشيء الصحيح. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال الذهبي: قد كان هذا المرءُ من بُحور العلم، ومع ذلك فلم يكن بالماهر بكتاب الله، ولا العارف بسنة رسول الله ﷺ ولا البصير بالفقه واختلاف أئمة الاجتهاد. مات سنة عشر ومئة. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (١٣/ ٢٥٢)، "معجم الأدباء" (٩/ ١٥٤) "إنباه الرواة" (٣/ ٢٧٦، "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٤٤٥) "شذرات الذهب" (٢/ ٢٤).
(٢) أخرجه مسلم (٣٨/ ٢٦٩٩) والترمذي (٢٩٤٥) وابن ماجه (٢٢٥) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا مطولًا، وفيه: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" وأخرجه أبو داود (٣٦٤٣)، والترمذي (٢٦٤٦) وأحمد (٢/ ٤٠٧) والدارمي (١/ ٩٩). والحاكم (١/ ٨٨ - ٨٩)، وابن حبان (٨٤) من الطريق السابق بلفظ مختصر: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله به طريقًا من طرق الجنة ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".
[ ١١٧ ]
[إلى] (^١) ابْن أنيس ﵁ مسيرَةَ شَهْرٍ في حديثٍ واحد (^٢).
_________________
(١) ما بين المعكوفين غير موجودة في المخطوط والسياق يقتضيه.
(٢) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٥) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (٩٧٠) وفي خلق أفعال العباد رقم (٥٩) من طريق همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، وعلقه البخاري في صحيحه (١/ ٢٣٤) فقال: "ورحل جابر بن عبد الله ميسرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وحسن إسناده الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد. رقم (٧٤٦). وقال الحافظ في "تغليق التعليق" (٥/ ٣٥٦): وقد وجدت لعبد الله بن محمد بن عقيل متابعًا فيه، ثم ساقه من طريق الطبراني في "مسند الشاميين" وعزاه في الفتح (١/ ٢٣٤) إلى تمام في "الفوائد" من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر فذكر نحوه وقال في الفتح: وإسناده صالح. قلتُ وأسوق هنا لفظ حديث جابر إتمامًا للفائدة وزيادةً في الاعتبار، عن جابر بن عبد الله قال: بَلَغني حديث عن رجل، سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسِرتُ إليه شهرًا حتى قدمتُ عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلتُ للبواب قل له جابرٌ على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نَعم فخرج يطأ ثوبه: فاعتنقني واعتنقته فقلت حديثا بلغني عنك، أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيتُ أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يحشرُ الناسُ يوم القيامة، أو قال: العِباد، عُراةً غُرلًا بُهمًا. قال: قُلنا: وما بُهْما؟ قال: ليس معهم شيءٌ، ثم يُناديهم بصوتٍ يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الدَّيانُ، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌ حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يَدخل الجَنة، ولأحدٍ من أهل النار عنده حقٌ حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ غُرلًا بُهما؟ قال: بالحسنات والسيئات". تنبيه: قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٣٥): ووهم ابن بطال فزعم أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر على المسلم. وهو انتقالٌ من حديثٍ إلى حديث. فإن الراحل في حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري، رحل فيه إلى عقبة بن عامر الجهني أخرجه أحمد بسند منقطع، وأخرجه الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد قال: أتاني جابر فقال لي: حديث بلغني أنك ترويه في الستر … فذكره. اه.
[ ١١٨ ]
وإذا رحَلَ، فليسلكْ ما سلك في مصْرِهِ من الابتداء بالأهمِّ فالأهَمِّ.
وليعمَلْ بما سمع من الأحاديث التَّي يُعْمَلُ فيها في الفضائل والترغيبات؛ فقَدْ رُوِيَ؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، مَا يَنْفِي عَنيِّ حُجَّةَ الجَهْل؟ قال: "الْعِلْمُ"، قَالَ فَمَا يَنْفِي عَنِّي حُجَّةَ الْعِلْمِ؟ قَالَ: "العَمَلُ" (^١)، وقال: إبراهيمُ بْنُ إسماعيلَ بْنِ مجمِّعٍ (^٢): "كنَّا نستعينُ على حفْظِ الحديث بالعَمَل به" (^٣)، وقال الإمام أحمد (^٤): "ما كتبتُ حديثًا إلا وقَدْ عِملْتُ به حتىَّ مرَّبي في الحديث؛ أنَّ النبيَّ ﷺ: "احْتَجَمَ فَأعَطْىَ أباطَيْبَة دِينَارًا"، فأعطيْتُ الحَجَّام دينارًا حين احتجمت" (^٥)، وعن عمرو بْن قيسٍ المُلَائِيِّ (^٦)، قال: "إذا بلغَكَ
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١) عن علي معلقًا، ورواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١/ ٨٩) بإسناده عن علي مرفوعًا.
(٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، أبو إسحاق المدني، روى عن الزهري، وأبي الزبيره وعمرو بن دينار، وغيرهم، وعنه الداروردي، وابن حازم، وأبو نعيم، وعدة. قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وقال أبو حاتم: كثير الوهم ليس بالقوي يُكتب حديثه ولا يُحتج به. "تهذيب التهذيب" (١/ ٩٥).
(٣) أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل ص (٩٠) وفي "الجامع" (١٧٨٩).
(٤) هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي البغدادي الإمامخ الحجة شيخ الإسلام سمع: بشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة وغيرهم روى عنه الجماعة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم، قال العجلي: ثقة ثبتٌ في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع الآثار، صاحب سنة وخير، وقال النسائي: جَمَع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه والورع والزهد والصبر. مات ﵀ سنة ٢٤١ انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٧/ ٣٥٤) "الجرح والتعديل" (١/ ٢٩٢) "طبقات الحنابلة" (١/ ٤) "تهذيب التهذيب" (١/ ١٠٧).
(٥) ينظر الجامع - الخطيب (١٨٤).
(٦) هو عمرو بن قيس المُلائي -بضم الميم وتخفيف اللام والمد (وقد تصحف في المخطوط إلى "الملامي) " حدث عن عكرمة والحكم بن عُتيبة، وعطاء، وأبي إسحاق السبيعي، وليس هو بالمكثر. حدث عنه: سفيان الثوري وصحبه زمانا، وأبو خالد الأحمر، وأسباط بن محمد وآخرون. قال أبو زرعة: ثقةٌ مأمون وقال أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ثقة، وقال ابن حبان في الثقات كان من ثقات كان من ثقات أهل الكوفة ومتقنيهم وعباد أهل بلده وقرائهم قال ابن حجر: أرخه بعضهم سنة ستٍ وأربعين ومئة. انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" (٦/ ٣٦٣)، "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٥٤)، "تهذيب التهذيب" (٨/ ٧٧).
[ ١١٩ ]
شيْءٌ من الخبر، فاعمَلْ به -ولو مرةً- تكُنْ من أهله" (^١).
وينبغي له أيضًا أن يُجِلَّ الشيْخَ ولا يُضْجِرَهُ؛ فإنَّ الإضجار -كما قال الخطيبُ- يُغَيِّرُ الأفهام، ويُفِسْدُ الأخلاق، ويُحِيل الطِّبَاع؛ ويُخْشَى - كما قال ابن الصلاح- على فاعل ذلك: أن يُحْرَمَ الانتفاع.
وينبغي له أيضًا ألاَّ يتكبَّر في الطلب، ولا يستَحْيِيَ فيه؛ ففي البخاريِّ: قال مجاهد (^٢): "لايَنَالُ العِلْمَ مستَحٍ ولا متكبِّرٌ" (^٣)، وعن عُمَرَ (^٤)
_________________
(١) "الجامع" للخطيب (١٨٤) وانظر ""تدريب الراوي"" (٢/ ١٤٤).
(٢) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، وعن أبي هريرة وعائشة، وسعد بن أبي وقاص حدث عنه: عكرمة، وطاووس. وعطاء، وهم من أقرانه، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم بن عتيبة وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. ﵀. انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٥/ ٤٦٦) "وتاريخ البخاري" (٧/ ٤١١)، و"تهذيب التهذيب" (١٠/ ٣٧).
(٣) علقه البخاري (١/ ٣٠٨) كتاب العلم: باب الحياء في العلم، وقال الحافظ، قول مجاهد هذا وصله أبو نعيم في الحلية من طريق على بن المديني عن ابن عيينة عن منصور عنه، وهو إسناد صحيح على شرط المصنف -أي البخاري-. اه
(٤) هو فاروق الإسلام عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر ﵁، وأبي بن كعب، روى عنه أولاده: عبد الله وعاصم وحفصة وروى عنه أيضًا عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم قال الزبير بن بكار: كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية وقال ابن عبد البر: كان إسلامه عزًا ظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ، وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وولي الخلافة بعد أبي بكر، بويع له يوم مات أبو بكر فسار أحسن سيرة وفتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر ودون الدواوين وأرخ التاريخ، وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظًا. وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر قال ابن حجر: ومناقبه وفضائل كثيرة جدًا مشهورة، ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقيل ستة أشهر وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وقيل لثلاث، سنة ثلاث وعشرين. انظر "تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٧١).
[ ١٢٠ ]
وابِنِهِ (^١) ﵄: "مَنْ رَقَّ وجهه، دَقَّ عِلْمُهُ" (^٢)؛ وهذا لا ينافي كونَ الحياء من الإيمانِ؛ لأنَّ ذلك شرعيٌّ يقَعُ على وجه الإجلال والاحترام للأكابر؛ وهو محمودٌ، والذي هنا ليس بشرعيٍّ؛ بل سببٌ لتَرْكِهِ، وهو مذمومٌ.
وينبغي له أيضًا ألا يكَتُمَ ما علم؛ ففي الحديث الصحيح:
_________________
(١) هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشي العدوي أبو عبد الرحمن، أسلم قديمًا وهو صغير، وهاجر مع أبيه واستصغر في أحد ثم شهد الخندق وبيعة الرضوان والمشاهد بعدها. روى عن النبي ﷺ، وعن أبيه وعمه زيد، وأخته حفصة، وأبي بكر وعثمان، وعلي وسعيد وبلال، وزيد بن ثابت وغيرهم. وعنه أولاده: بلال وحمزة وزيد وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر، وروى عنه أيضًا عروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. قالت حفصة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن عبد الله رجل صالح" قال أبو نعيم: أعطى ابن عمر القوة في الجهاد والعبادة والبضاع والمعرفة بالآخرة والإيثار لها وكان من التمسك بآثار النبي ﷺ بالسبيل المتين ومامات حتى أعتق ألف إنسان أو أزيد، قال الزبير بن بكار: مات سنة ثلاث وسبعين وكذا أرخه غير واحد، وقال ابن سعد: مات سنة أربع. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (٥/ ٢٩١).
(٢) أخرجه الدارمي (١/ ١٣٧) باب البلاغ عن رسول الله ﷺ، وتعليم السنن: وانظر "تدريب الراوي" (٢/ ١٤٧).
[ ١٢١ ]
"الدِّينُ النَّصِيحَةُ" (^١)، وعن يحيى بن مَعِين (^٢): "مَنْ بَخِلَ بالحديثِ، وكَتَمَ على الناس سماعَهُمْ -لم يُفْلِحْ"، وعن
ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "يا إخْوَانِي، تناصَحُوا في العلْم، ولا يكتُمْ بَعْضُكُم بعضًا؛ فإنَّ خيانَةَ الرجل في عِلْمِهِ أشدُّ من خيانته في مالِهِ" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٥/ ٥٥) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٥٦) وأحمد (٤/ ١٠٢)، والحميدي (٨٣٧) وأبو عوانة (١/ ٣٦ - ٣٧) والبخاري في التاريخ الصغير (٢/ ٣٤) وأبو عبيد في الأموال رقم (١) وأبو يعلى (٧١٩٤) وابن حبان في روضة العقلاء (ص: ١٩٤) والطبراني في الكبير (٢/ ٥٢، ٥٤) والبيهقي في "الشعب" (٧٤٠١) والبغوي في "شرح السنة" (٦/ ٤٨٥) والقضاعي في "مسند الشهاب". رقم (١٧، ١٨) كلهم من حديث تميم الداري.
(٢) هو يحيى بن معين بن عون أبو زكريا، الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، سمع ابن المبارك، وهشيم، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وابن مهدي، روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وعدة من أقرانه، وروى عنه: البخاري ومسلم وأبو داود، وعباس الدوري وغيرهم قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن يحيى، فقال: إمام، وقال النسائي أبو زكريا أحد الأئمة في الحديث ثقة مأمون. وقال ابن حبان في الثقات: "كان من أهل الدين والفضل وممن رفض الدنيا في جمع السنن وكثرت عنايته بها وجمعه وحفظه إياها حتى صار علمًا يقتدى به في الأخبار، وإمامًا يرجع إليه في الآثار". اه وقال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بمدينة رسول الله ﷺ انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٧/ ٣٥٤) "تاريخ بغداد" (١٤/ ١٧٧) "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٤٢٩)، "تهذيب التهذيب" (١١/ ٢٨٠).
(٣) أخرجه الخطيب في ""تاريخ بغداد" (٦/ ٣٨٩) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤٥٦) وابن الشجري في "الأمالي" (ص: ٩) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا عبد القدوس بن حبيب الكلاعي ثنا عكرمة عن ابن عباس به. قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: تفرد به عبد القدوس قال ابن المبارك: لأن أقطع الطريق أحب إلي من أن أروي عن عبد القدوس، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه. اه وأخرجه الطبراني في "الكبير". (١١٧٠١) من طريق مصعب بن سلام عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس به مرفوعًا. وقد جزم السيوطي في "اللآلي" (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨) بأن أباسعد هو سعيد بن المرزبان البقال، قال: وهو صدوق مدلس. وسبقه إلى ذلك الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٧٥) والهيثمي في "المجمع" (١/ ١٤١) وأن ابن المرزبان قد تابع عبد القدوس على هذا الحديث. وتعقبهم الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٧٨٣) أن أباسعد هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعي فليراجع. وللحديث طريق آخر أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٠) وفي إسناده الحسن بن زياد اللؤلؤي وهو كذاب ثم هو منقطع بين الضحاك وابن عباس، والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بالوضع وينظر "الفوائد المجموعة" (ص ٢٧٤٠) "وتنزيه الشريعة" (١/ ٢٦١) "والسلسلة الضعيفة" (٧٨٣).
[ ١٢٢ ]
نَعَمْ: له الكتْمُ عمَّىْ لم يره أهْلًا، أو يكون ممَّنْ لا يقبَلُ الصَّوَاب إذا أرشده إليه، أو نحو ذلك؛ فعن الخليل بن أحمد (^١)؛ أنه قال لأبي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنَّى (^٢): "لا ترون على مُعْجَبٍ خَطَأً؛ فيستفيدَ مِنْكَ علمًا، ويتخذَكَ به عَدُوًّا" (^٣).
وينبغي له أيضًا أن يكتُبَ ما يستفيدُهُ؛ فالفائدة ضالَّة المؤمن؛ حيثما وجَدَها التقطَهَا؛ وهكذا كانت سيرَةُ السَّلَف الصالح، فكَمْ من كبير رَوَى عن صغير؛ وهذا رسول الله ﷺ قرَأَ مع عظيم منزلته على أُبَيِّ بن كَعْب (^٤)؛ فعل ذلك ليتأسَّى به غيرُهُ، ولا يستنكفَ الكبير أنْ يأخذ العلم
_________________
(١) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، الإمام صاحبُ العربية منشيء علم العروض، حدث عن أيوب السختياني، وعاصم الأحول، والعوام بن حوشب، أخذ عنه سيبويه النحو، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي، والأصمعي، وآخرون. قال الذهبي: كان رأسًا في لسان العرب، دينًا، ورعًا، قانعًا متواضعًا، كبير الشأن … وكان ﵀ مفرط الذكاء صنف كتاب العين، ولم يتمه، مات سنة سبعين ومئة انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" (١١/ ٧٢)، "إنباه الرواة" (١/ ٣٤١) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٤٢٩)، "بغية الوعاة" (١/ ٥٥٧)، "شذرات الذهب" (١/ ٢٧٥).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) انظر "تدريب الراوي" (٢/ ١٤٧).
(٤) هو الصحابي الجليل أبي بن كعب بن قيس أبو المنذر، روى عن النبي ﷺ، روى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب وأنس بن مالك، وسهل ابن سعد، وغيرهم، شهد بدرًا والعقبة الثانية وقال عمر بن الخطاب: سيد المسلمين أبي بن كعب قال الهيثم بن عدي: مات سنة (١٩)، وقيل سنة (٣٢) في خلافة عثمان قال الحافظ ابن حجر: وفي موته اختلافٌ كثير جدًا، الأكثر على أنه في خلافة عمر، وروى ابن سعد في الطبقات بإسنادٍ رجاله ثقات لكن فيه إرسال: أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته، قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا. انظر "الإصابة" (١/ ١٩)، "الاستيعاب" (١/ ٤٧) "تهذيب التهذيب" (١/ ١٦٩). أما حديث قراءة النبي ﷺ على أبي فأخرجه أحمد (٥/ ١٢٢)، والبخاري في خلق أفعال العباد ص (٦٨). عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﵎ أمرني أن أعرض القرآن عليك. قال: وسماني لك ربِّي ﵎؟ قال: ﴿بفضل الله وبرحمته فبذلك "فلتفرحوا"﴾ هكذا قرأها أبي".
[ ١٢٣ ]
عمَّنْ دونه، مع ما فيه من ترغيب الصغير في الازْدياد إذا رأَى الكبيرَ يَأْخُذُ عنه، وقال وكيع (^١): "لا يكونُ الرجُلُ عالمًا حَتَّى يأخُذَ عمن هو فوقَهُ، وعمَّن هو دونَهُ، وعمن هو مِثْلُهُ" (^٢)، ولتكنْ همَّةُ الطالب تحصيلَ الفائدة.
وينبغي له أيضًا حفْظُ الأحاديث تدريجًا، فذلك أدعَى لتحصيله، وعدمِ نِسْيانه، وألاَّ ياخذَ ما لا يطيقُهُ؛ لخَبَر: "خُذُوا مِنَ الِعْلْم مَا تُطِيقُونَ" (^٣)، وعن الثوري (^٤) قال: "كنْتُ آتيِ
_________________
(١) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي أحد الأعلام، سمع من هشام بن عروة، وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، والأوزاعي وغيرهم، حدث عنه سفيان الثوري وهو من شيوخه، وابن المبارك، ويحيى بن آدم وعبد الرحمن بن مهدي، والحميدي وغيرهم. قال العجلي: وكيع كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ الحديث، وكان مفتيًا توفي سنة سبع وتسعين ومئة وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٤). "التاريخ الكبير" (٨/ ١٧٩) "تهذيب الكمال" (١٤٦٢). "تهذيب التهذيب" (١١/ ١٢٣).
(٢) أخرجه الخطيب في "الجامع" (١/ ٢١٦).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. ولكن أخرج أحمد) (٦/ ٨٤، ١٨٩، ٢٤٤)، والبخاري (١٩٧٠) ومسلم (٢/ ٨١١)، وابن خزيمة (١٢٨٣)، وابن حبان (٣٥٣) عن عائشة "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملو".
(٤) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله، حدَّثَ عن أبيه وحبيب بن أبي ثابت، وزياد بن عِلَاقة، وعنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع وخلق، قال شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد، مات سنة إحدى وستين ومائة. انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٦/ ٣٧١)، "التاريخ الكبير" (١/ ٧١٣) "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٠٦). "تهذيب التهذيب" (٤/ ١١١).
[ ١٢٤ ]
الأعمش (^١) ومنصورًا (^٢)، فأسمَعُ أربعةَ أحاديثَ أو خمْسَةً، ثم أنصرفُ، كراهية أن تكثُرَ وتُفْلِت" (^٣)، وعن الزُّهْرِي (^٤)، قال: "مَنْ طلَبَ العلْمَ جملةً فاته جملةً، وإنما يُدْرَكُ العلْمُ؛ حديثٌ أو
_________________
(١) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، رأى أنس بن مالك وروى عنه، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وأبي صالح السمان ومجاهد وغيرهم، روى عنه: الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن أبي النجود وغيرهم. قال يحيى القطان عن الأعمش: هو علامة الإسلام، وقال النسائي: ثقةٌ ثبت. قال أبو عوانة مات سنة سبع وأربعين ومئة. وقال وكيع وغيره سنة ثمان. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٦/ ٣٤٢) "تاريخ بغداد" (٩/ ٣) "تذكرة الحفاظ" (١/ ١٥٤) "تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٢٢).
(٢) هو منصور بن المعتمر أبو عتاب السُلمي الكوفي روى عن أبي وائل، وربعي بن حِراش، وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه: أيوب السختياني وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي وشعبة والسفيانان وغيرهم وقال بعض العلماء: أصح الأسانيد مطلقًا، سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وقال يحيى بن معين: لم يكن أحدٌ أعلم بحديث منصور من الثوري. قال العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة لا يختلف فيه أحد، صالحٌ متعبد، أكُره على القضاء فقضى شهرين، قال ابن معين: مات سنة ثلاثٍو ثلاثين ومئة، وفيها أرخه محمد بن عبد الله بن نمير، وشباب العصفري. انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٦/ ٣٣٧) "التاريخ الكبير" (٧/ ٣٤٦) "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٤٠٢).
(٣) رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " (١/ ٢٣٢).
(٤) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله أبو بكر القرشي الزهري المدني نزيل الشام، روى عن ابن عمر وجابر: وروى عن سهل بن سعد، وأنس بن مالك، وغيرهم وعنه: عمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وقتادة، وابن إسحاق وغيرهم، قال ابن المديني له نحو من ألفي حديث، وقال الليث بن سعد: ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهاب، يُحدث في الترغيب، فتقول لا يُحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه. قال ابن سعد وغيره مات سنة أربع وعشرين ومئة وقيل ثلاث وعشرين. انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" (١/ ٢٢٠) "الجرح والتعديل" (٨/ ٧١)، "تذكرة الحفاظ" (١/ ١٠٨)، "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٣٢٦)، "تهذيب الكمال" (١٢٦٨)، "تهذيب التهذيب" (٩/ ٤٤٥).
[ ١٢٥ ]
حديثان" (^١)، وعنه أيضًا: "إنَّ هذا العلْمَ إنْ أخذْتَهُ بالمكاثرة له، غلَبَكَ، ولكنْ خُذْهُ مع الأيامِ والليالي أَخْذًا رفيقًا؛ تَظْفَرْ به" (^٢).
ثمَّ المذاكرةٌ بعد الحفْظِ مع الطلبة، ثم مع نفْسِهِ؛ إذ المذاكرةُ تُعِينُ على ثُبُوت المحفوظ، وعن علي (^٣) ﵁ قال: "تذاكَرُوا هذا الحديثَ، إلاَّ تفعلوا يَدْرُسْ" (^٤)، وعن ابن مسعود (^٥) ﵁ قال: "تذاكَرُوا
_________________
(١) أخرجه الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٣٢).
(٢) "الجامع" - للخطيب (١/ ٢٣٢).
(٣) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو الحسن الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ روى عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر، وعمر، والمقداد، وعنه. أولاده، الحسن، والحسين، ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية وعمر، وفاطمة وابن ابنه محمد بن عمر بن علي، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري وغيرهم. كان له من الولد الذكور أحد عشر، قال ابن عبد البر: قد أجمعوا أنه أول من صلى القبلتين وهاجر وشهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر وأحد والخندق، وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله ﷺ بيده في مواطن كثيرة. اه قتل ﵀ ورضي عنه شهيدًا. سنة أربعين. انظر: "تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٣٤).
(٤) أخرجه الدارمي (١/ ١٥٠)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٥)، الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (٥٤٥)، والحاكم في "المعرفة" (٦٠)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٦٨٧)، والخطيب في "الجامع" (١/ ٢٣٦).
(٥) هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بن غَافل بن حبيب الهذلي، وأمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيلٍ أيضًا لها صحبة، أسلم بمكة قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان صاحب نَعل رسول الله ﷺ. روى عن النبي ﷺ، وعن سعد بن معاذ، وعمر، وصفوان بن عسال وعنه ابناه عبد الرحمن وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو سعيد الخدري وأنس وجابر وابن عمر وغيرهم من الصحابة وعلقمة والأسود بن يزيد، ومسروق، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وغيرهم من التابعين، قال البخاري مات بالمدينة قبل عثمان وقال أبو نعيم، وغير واحد مات سنة اثنتين وثلاثين وقال يحيى بن بكير سنة (٣٣)، وقيل مات بالكوفة قال الحافظ والأول أثبت "تهذيب التهذيب" (٦/ ٢٦).
[ ١٢٦ ]
هذا العلْمَ؛ فاحياؤُهُ مذاكرتُهُ" (^١)، وعن الخليل بن أحمد (^٢) قال: "ذاكرْ بعلْمِكَ، تَذْكُرْ ما عندك، وتَسْتَفِدْ ما ليس عندك" (^٣).
وبَقِيَتْ آدابٌ كثيرة مذكورةٌ في المطَّولات (^٤)؛ وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن اتصَفَ بها تيك الصفات، ولنَرْجِعْ من بعده لِذكْرِ ما نَحْن بصدده:
_________________
(١) أخرجه الدارمي (١/ ١٥٠)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص (٥٤٦) عنه بنحوه.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ٢٧٣).
(٤) ومن ذلك "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للحافظ الخطيب البغدادي "وجامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البر "وتذكرة السامع والمتكلم" لبدر الدين بن جماعة، وكلها مطبوعة.
[ ١٢٧ ]