وأشار إلى الثاني بقوله:
"وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ، فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مَا كَانَ رَاوِيهِ رَاوِيًا لَهُ عَمَّنْ لم تَثْبُتْ معاصرتُهُ أصْلا؛ بحيْثُ لا يشتَبِهُ إرسالُهُ باتصِّالِهِ على أهْلِ الحديث، والمرادُ بالإرسَالِ - هنا -: مطلق الانقطاعِ، وهو مغايرٌ للمُرْسَل السابق.
مثاله: ما رواه ابن مَاجَهَّ، من حديث عُمَرَ بْنِ عبد العزيز، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحرس" (^٢)، قال الحافظُ
_________________
(١) "مقدمة ابن الصلاح" (٤٨٣ - ٤٨٤)، "اختصار علوم الحديث" لابن كثير (١٧٢) "التقيد والإيضاح" -للعراقي (٢٩٠)، "فتح المغيث" - للعقراقي (٣٣٩)، "نزهة النظر" لابن حجر (٤٣)، "فتح المغيث" - للسغاوي (٦٩ - ٧٤)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (٢/ ٢٠٥)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (١١٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٢٥) كتاب الجهاد: باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله حديث (٢٧٦٩) والدارمي (٢/ ٢٠٣) وأبو يعلى (١٧٥٠) والبيهقي (٩/ ١٤٩) من طريق صالح بن محمد بن زائدة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر مرفوعًا. وعمر بن عبد العزيز لم يلق عقبة بن عامر كما سيأتي من قول المزني ﵀ وقال الذهبي في "السيرة" (٥/ ١١٤): وأرسل عن عقبة بن عامر. وللحديث علة أخرى غير الانقطاع نبه عليها البوصيري. فقال في الزوائد (٢/ ٣٩٤). هذا إسناد ضعيف صالح بن محمد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم. اه
[ ٢٨٣ ]
أبو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ (^١) في "الأطراف" (^٢): إنَّ عُمَرَ لم يلْقَ عقبة" (^٣)
وعدم اللَّقْيِ يُعْرَفُ بتصريح إمامٍ مُطَّلِعٍ عليه؛ كقول المِزِّيِّ، في عَدَمِ لقاءِ عُمَرَ لعقبة، أو بإخبار الراوي عن نَفْسه بعدمِ اللَّقْيِ.
واعلَمْ: أنَّ كثيرًا من المحدِّثين جعَلُوا المرسَلَ الخفيَّ مع المدلَّس قسمًا واحدًا، لكنَّ الحقَّ ما ذكره الحافظ ابن حَجَرٍ في شَرْحه، وجرى عليه المصنِّف؛ من الفَرْق بينهما؛ حيث قال: "وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللقَاءِ مَعَ المُعَاصَرَةِ: في التَّدْلِيسِ فَقَطْ-: إِطْبَاقُ أَهْلِ العلْمِ
_________________
(١) هو يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي الدمشقي أبو الحجاج المزي، قال الذهبي: شيخنا الإمام العالم الحبر الحافظ الأوحد، محدث الشام … وكان ثقة حجة كثير العلم حسن الأخلاق كثير السكوت قليل الكلام سمع المسند والكتب الستة، ومعجم الطبراني، وسمع صحيح مسلم من الإربلي، ورحل سنة ثلاث وثمانين، فسمع من العز الحراني، وأبي بكر الأنماطي، وغازي، وهذه الطبقة، وسمع بالحرمين وحلب، وحماة وبعلبك، وغير ذلك … ترافق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية … من تصانيفه كتاب "تهذيب الكمال" و"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"، توفى في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٩٨).
(٢) أي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" وهو مطبوع في أربعة عشر مجلدا، بتحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدين.
(٣) "تحفة الأشراف" (٧/ ٣١٤).
[ ٢٨٤ ]
بالحديثِ على أنَّ رواية المُخَضْرِمَينَ (^١) كأبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (^٢) وقَيْسِ بْنِ أبي حازم (^٣)، عن النبي ﷺ من قبيل الإرسالِ، لا من قبيل التَّدْليس، ولو كان مُجَرَّد المعاصرة يَكْفي في التدليسِ، لكان هؤلاءِ مدلِّسين؛ لأنَّهُمْ عاصروا النبيَّ ﷺ قَطْعًا، لكنْ لم يُعْرَفُ هل لَقُوهُ أم لا.
وممَّنْ قال باشتراطِ اللقاءِ في التدليسِ فقطِ: الإمامُ الشافعيُّ، وأبو بكرٍ البَزَّارُ، وكلامُ الخطيبِ في "الكفاية" يقتضيه؛ وهو المعتَمَدُ" (^٤).
أقولُ: ولا يَرِدُ عليه: "إنَّما لم يُطْلَقْ على روايةِ المُخَضْرَمِينَ اسْمُ "التدليسِ"؛ صيانةً لأهل ذلك القَرْنِ عن بَشَاعة هذا اللفْظِ؛ بدليل أنه لا
_________________
(١) قال الحاكم في "علوم الحديث" ص (٤٤): "هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة ﷺ وليست لهم صحبة، منهم أبو رجاء العُطاردي، وأبو وائل الأسدي، وسويد بن غَفَلة، وأبو عثمان النهدي وغيرهم من التابعين". اه
(٢) هو عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - أبو عثمان النَّهْدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته سكن الكوفة ثم البصرة، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله ﷺ، ولم يلقه، روى عن عمر، وعلي، وسعد، وسعيد، وطلحة، وجماعة من الصحابة، قال أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي: ثقة، قال ابن معين وغيره، مات سنة مئة، وقال خليفة: مات بعد سنة مئة، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (١٧/ ٤٢٤).
(٣) هو قيس بن أبي حازم البَجلي الأحْمَسي أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية ورحل إلى النبي ﷺ ليبايعه فقُبض وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال إن لقيس رؤية، ولم يثبت، روى عن أبيه، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وسعد. والزبير، وغيرهم، قال ابن معين: هو أوثق من الزهري، وقال مرة: ثقة، وقال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد أذى نفسه كذا قال. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين. وقيل غير ذلك. انظر "تهذيب الكمال" (٢٤/ ١٠)، "تهذيب التهذيب" (٨/ ٣٣٥).
(٤) "نزهة النظر" ص (٤٣).
[ ٢٨٥ ]
يُطْلَقُ التدليسُ على مَنْ حدَّث عن النبيِّ ﷺ بشيْءٍ لم يسمعْهُ منه، ولو كان حَدُّهُ صادقًا عليه، وأُطْلِق عليه: مُرْسَلُ الصحابيِّ؛ لأنه لا فَرْقَ بين الصحابة وبين هؤلاءِ؛ لأنَّ حديثَ الصحابة كُلَّهُ مقبولٌ؛ لأنهُمْ إنَّما يُرْسِلُون عن مِثْلِهِمْ، وكلُّهم عدولٌ - كما مرَّ غيْرَ مَّرةٍ - وقد تُتُبِّعَ ما أسندوه عن التابعين، فلمْ يوجَدْ فيه حكْمٌ؛ إنما هو أخبارُ الأُمَمِ ونحوها، والتدليسُ إنما هو لأنَّه يوجبُ التوقُّفَ في قَبُولِ ما كان مِنْ خبره بصيغة مُحْتَمِلَةٍ؛ لاحتمال أن يكونَ حّذَفَ الذي حدَّث به، وهو ضعيفٌ، وهذا الاحتمالُ بعَيْنه يمكنُ في المُخَضْرَمِين؛ فإنهم رَوَوْا عن التابعين، فأكْثَرُوا عن الضعفاء وغيِرِهِمْ؛ فلم يَبْقَ إلا التفُّريق بين اللَّقْي وعدمِهِ".
[ ٢٨٦ ]