وما سقَطَ منه اثنانِ فأكثَرُ، مع التوالي -: فهو المُعْضَلُ - بفتح الضاد - من: أَعْضَلَهُ فلانٌ، أي: أعياه؛ فهو مُعْضَلٌ، أي: مُعْيًا؛ لأن المحدِّث الذي حدَّث به أعضَلَهُ وأعياه؛ فلم ينتفعْ من يَرْويه عنه، وقد يقالُ: المعضَلُ، للمُشْكِلِ أيضًا، وهو - حينئذ - بكسر الضاد، أو بفتحها؛ على أنه مشتَرَكٌ فيه؛ وعليه بعضُ المحقِّقين.
واصطلاحًا: ما يستَفَادُ من كلامِ المصنِّف؛ من أنه: الذي سقَطَ مه راويانِ على التوالِي.
مثالُ ذلك: روايَةُ الشافعيِّ، عن مالك، عن أبي هريرة (^٢)؛
_________________
(١) معرفة علوم الحديث - للحاكم (٣٦)، "مقدمة ابن الصلاح" (٢١٦ - ٢٢٩) الاقتراح - لابن دقيق العيد (١٩٢)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (٥٣) "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (٤٨)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (٨١)، "فتح المغيث" - للعراقي (٧٣)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (٢/ ٥٧٥)، "نزهة النظر" - لابن حجر (٤٢) "تدريب الراوي" - للسيوطي (١/ ٢١١)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (١١٣)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (١/ ٢٢٣)، توجيه النظر - للجزائري (١٦٨)، منهج ذوي النظر - للترمسي، "لقط الدرر" - للعدوي (٦٥)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (٦٢).
(٢) إذ هذا إسنادٌ منقطع وصوابه الشافعي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقد قال البخاري أنه أصح الأسانيد عن أبي هريرة. انظر التهذيب (٥/ ١٨٣) ترجمة أبي الزناد، ومعرفة علوم الحديث (٣٦) للحاكم.
[ ٢٥٨ ]
بإسقاط أبي الزِّنَاد (^١)، والأعرجِ. (^٢)
واعلَمْ: أنَّ أبا الحسنِ التِّبْرِيزِيَّ (^٣) خَصَّ في كتابه "الكافي" (^٤) في علوم
_________________
(١) في (خ) الزناد بدون أبي، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان القرشي، روى عن أنس وعائشة بنت سعد، وأبي أمامة سعد بن حنيف، وعروة بن الزبير والأعرج وهو راويته، وعنه ابناه عبد الرحمن وأبو القاسم، وصالح بن كيسان، والأعمش، والسفيانان، ومالك. قال أحمد: ثقة، وقال: كان سفيان يسميه أمير المؤمنين، وقال العجلي مدني تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عن الثقات، قال ابن معين وغيره مات سنة (١٣١)، وقيل مات سنة (١٣٢). انظر "تهذيب التهذيب" (٥/ ١٨٢).
(٢) وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وابن عباس، وغيرهم، روى عنه صالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ومحمد بن إسحاق وغيرهم، قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال المقدمي: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة قيل له فالأعرج؟ قال دون هؤلاء وهو ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة قال ابن يونس وغير واحد مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. انظر "تهذيب التهذيب" (٦/ ٢٥٧).
(٣) هو علي بن عبد الله بن أبي الحسن الأردبيلي التبريزي، أبو الحسن تاج الدين الشافعي، قال ابن العماد: نزيل تبريز أحد شيوخ العلم المشهورين بتلك البلاد، والتصدي لشغل الطلبة أخذ عن القاضي ناصر الدين البيضاوي، وشرح منهاجه، والحاوي الصغير ولم يكمله … ". اه قال ابن حجر: "اختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا مفيدًا". اه وقال العراقي: "كان من خيار العلماء دينًا ومروءةً فانتفع الناس به". اه وقال الذهبي: "حصل جملةً من كتب الحديث وشغل في فنون، وناظر وكثرت طلبته" توفي في القاهرة سنة ست وأربعين وسبع مئة. انظر "الدرر الكامنة" (٣/ ٧٣)، "شذرات الذهب" (٦/ ١٤٨).
(٤) منه نسخة خطية بمكتبة "طبقوسراي" باسطنبول رقم (١٩٧)، وعنه نسخة بمعهد المخطوطات رقم (٣٦٣). ولعله هو "مختصر علوم الحديث" الذي ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة التبريزي في "الدرر الكامنة" (٣/ ٧٣).
[ ٢٥٩ ]
الحديث المُعْضَلَ - وكذا المنقَطِعَ - بما بَيْنَ طرفَيِ الإسنادِ، وابنُ الصلاحِ لم يخصَّهما بذلك؛ فما حُذِفَ من أول إسنادِهِ واحدٌ، فهو منقطعٌ، عند ابن الصلاح، وما حذف من أوله اثنان متواليانِ، فهو المعضَلُ عنده، وعند التِّبْريزيِّ: كلاهُمَا معلَّق.
وأنَّ الجَوْزَقَانِيَّ (^١) قال في مقدِّمة كتابه في "المَوْضُوعات" (^٢): "المعضَلُ أسوأ حالا من المنْقَطِعِ، والمنقطعُ أسوأ حالا من المرسَلِ، والمرسَلُ لا تقُومُ به حجَّةٌ" انتهى، وإنَّما يكونُ المعضَلُ أسوَأَ حالا من المنقطعِ، إذا كان الانقطاعُ في موضِعِ واحدٍ، أما إذا كان في موضَعْينِ أو أكثَرَ - فإنه يساوي المُعْضَلَ في سوء الحالِ، وإنما قيَّدتُّهُ بقَيْد التوالي المستفادِ من مقابِلِهِ وقسيمِهِ؛ ليخرج - حينئذ - المُنْقَطِع الذي سيجيء ذِكْره.
وبعض المحدِّثين أطلق، وقال: "هُوَ ما سقَطَ منه اثنانِ فصاعدًا في الموضِعِ الواحدِ، من أي موضعٍ كان، وإن تعدَّدتِ المواضعُ، سواءٌ كان الساقطُ الصحابيَّ أو التابعيَّ أم غيرهما"؛ فيدخل فيه - كما قال ابن الصَّلاح - قول المصنِّف: "قال رَسُولُ الله ﷺ أي: كما قال مثلَهُ في المرسَلِ والمنقطع" انتهى.
ومِنَ المعضَلِ قسمٌ ثانٍ، وهو: حذفُ لفظِ النبيِّ والصحابيِّ، ووقْفُ
_________________
(١) وهو الحسين بن إبراهيم بن الحسين الهَمداني الجوزقاني قال ابن النجار: كتب وحصل، وصنف، وأجاد تصنيف كتاب الموضوعات حدثنا عنه عبد الرزاق الجيلي وروى عنه أيضًا ابن طاهر المقدسي، ويحيى بن أحمد الغَضائري، وشيرويه الديلمي، وغيرهم. توفي سنة ثلاثٍ وأربعين وخمس مئة. انظر ترجمته في: "الأنساب" (٣/ ٣٥٦)، "اللباب" (١/ ٣٠٧)، "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٣٠٨)، "لسان الميزان" (٢/ ٢٦٩)، "شذرات الذهب" (٤/ ١٣٦).
(٢) وهو مطبوع بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن الفريوائي.
[ ٢٦٠ ]
مَتْنِهِ على التابعيِّ؛ كقولِ الأعمش، عن الشعبي: " يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا؟ _! فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتُهُ!! فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ؛ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لِسَانُهُ، فَيَقُولُ لِجَوَارِحِهِ: أبْعَدَكُنَّ اللهُ، مَا خَاصَمْتُ إِلا فِيكُنَّ" رواه الحاكم، وقال عَقِبَهُ: أَعْضَلَهُ الأعمشُ، وهو عند الشعبيِّ متصلٌ مسنَدٌ، رواه مسلم من حديثِ فُضَيْل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس، قال: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْروُنَ مِمَّا ضَحِكْتُ؟ " قُلْنَا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يَقُولُ يَأ رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إِلا مِنِّي فَيَقُولُ: "كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ شَهِيدًا، وبَالْكِرامِ الكَاتِبِينَ عَلَيْكَ شُهُودًا"؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يُقالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي" (^١) الحديث نحوه.
قال ابن الصَّلاح: "وهذا - أي: جعْلُ القسْمِ الذي حُذِفَ فيه النبيُّ والصحابيُّ من المعضل - حينئذ حَسَنٌ؛ لأن هذا الانقطاعَ باثنَيْن الصحابيِّ والنبيِّ؛ فذاك باتفاقٍ، اسم المعضل أولى.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٠)، وأبو يعلى (٣٩٧٥، ٣٩٧٧)، وابن حبان (٧٣٥٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢١٧) من حديث أنس ﵁.
[ ٢٦١ ]