كل حَدِيث اتَّصل إِسْنَاده بَين من رَوَاهُ وَالنَّبِيّ ﷺ لم يلْزم الْعَمَل بِهِ إِلَّا بعد ثُبُوت عَدَالَة رِجَاله، وَيجب النّظر فِي أَحْوَالهم سوى الصَّحَابِيّ الَّذِي رَفعه إِلَى النَّبِي لِأَن عَدَالَة الصَّحَابَة ثَابِتَة مَعْلُومَة بتعديل الله لَهُم وإخباره عَن طهارتهم واختياره لَهُم فِي نَص الْقُرْآن فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١ وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢ وَهَذَا اللَّفْظ وَإِن كَانَ عَاما فَالْمُرَاد بِهِ الْخَاص، وَقيل هُوَ وَارِد فِي الصَّحَابَة دون غَيرهم، وَقَوله ﷾: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٣ وَقَوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤ وَقَوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥.. وَقَوله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٦ فِي آيَات كَثِيرَة يكثر إيرادها وَيطول
_________________
(١) ١ سُورَة آل عمرَان آيَة (١١٠) ٢ سُورَة الْبَقَرَة آيَة (١٣٤) ٣ سُورَة الْفَتْح آيَة (١٨) ٤ سُورَة التَّوْبَة آيَة (١٠٠) ٥ سُورَة آيَة الْأَنْفَال آيَة (٦٤) ٦ سُورَة الْحَشْر آيَة (٨،٩)
[ ٥٩ ]
تعدادها، وَوصف رَسُول الله ﷺ الصَّحَابَة مثل ذَلِك أطنب فِي تعظيمهم وَأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِم، فَمن الْأَخْبَار المستفيضة عَنهُ فِي هَذَا الْمَعْنى مَا رَوَاهُ مُسلم بِسَنَدِهِ عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي عَن عبد الله ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "خير أمتِي الْقرن الَّذِي يلوني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يَجِيء قوم تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه وَيَمِينه شَهَادَته" وروى بِسَنَدِهِ عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ: قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي النَّاس خير قَالَ: "قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يَجِيء قوم تبدر شَهَادَة أحدهم يَمِينه وتبدر يَمِينه شَهَادَته فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَة أَو فِي الرَّابِعَة، قَالَ ثمَّ يتَخَلَّف من بعدهمْ خلف تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه وَيَمِينه شَهَادَته" وروى أَيْضا عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَة أَو فِي الربعة قَالَ ثمَّ يتَخَلَّف من بعدهمْ خلف تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه وَيَمِينه شَهَادَته" كَذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن بعدة رِوَايَات وفيهَا وَالله أعلم أذكر الثَّالِث أم لَا..
وَلَكِن رِوَايَة عَائِشَة ﵂ خلت من الشَّك فِي الْعدَد قَالَت سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ أَي النَّاس خير قَالَ: "الْقرن الَّذِي أَنا فِيهِ ثمَّ الثَّانِي وَالثَّالِث" ١ وَقد حفظه كَذَلِك عبد الله بن مَسْعُود وَعمْرَان بن حُصَيْن وَبِه رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ٢ قَالَ النَّوَوِيّ بعد ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي تَحْدِيد مُدَّة الْقرن: "وَالصَّحِيح أَن قرنه ﷺ الصَّحَابَة وَالثَّانِي التابعون وَالثَّالِث تابعوهم..".
قَالَ ابْن الْقيم: "فقد اتّفقت الْأَحَادِيث على قرنين بعد قرنه ﷺ إِلَّا حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ شكّ فِيهِ، وَأما ذكر الْقرن الرَّابِع فَلم يذكر إِلَّا فِي رِوَايَة فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن لَكِن فِي الصَّحِيحَيْنِ لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "يَأْتِي على النَّاس زمَان فيغزوا فِئَام من النَّاس فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى رَسُول الله فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم ثمَّ يغزوا فِئَام من النَّاس فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى من صحب رَسُول الله فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم ثمَّ يغزوا فِئَام من النَّاس فَيُقَال لَهُم هَل فِيكُم من رأى من صحب صحب رَسُول الله ﷺ فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم" فَهَذَا فِيهِ ذكر قرنين بعده كَمَا فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة وَرَوَاهُ مُسلم.. فَذكر فِيهِ ثَلَاثَة بعده وَلَفْظَة " يَأْتِي على النَّاس زمَان يبْعَث مِنْهُم الْبَعْث فَيَقُولُونَ أنظر هَل تَجِدُونَ فِيكُم أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فيوجد الرجل فَيفتح لَهُم بِهِ ثمَّ يبْعَث الْبَعْث الثَّانِي فَيَقُولُونَ هَل فِيكُم من رأى أَصْحَاب رَسُول الله فَيفتح لَهُم ثمَّ يبْعَث الْبَعْث الثَّالِث فَيُقَال انْظُرُوا هَل ترَوْنَ فيهم من رأى أَصْحَاب أَصْحَاب رَسُول الله فَيفتح لَهُم ثمَّ يكون الْبَعْث الرَّابِع فَيُقَال أَن انْظُرُوا هَل ترَوْنَ فيمَ أحدا رأى من رأى أحدا رأى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فيوجد الرجل فَيفتح لَهُ" ٣.
_________________
(١) ١ صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ جـ ص ٨٣،٨٩ ٢ الْكِفَايَة للخطيب (ص ٩٤) ٣ صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ جـ ١٦ ص ٨٤ وتهذيب السّنَن لِابْنِ الْقيم جـ ٧ حَدِيث ٤٤٩١
[ ٦٠ ]