سبّ الصَّحَابَة ﵃ من فواحش الْمُحرمَات سَوَاء من لابس الْفِتَن مِنْهُم وَغَيره لأَنهم مجتهدون فِي تِلْكَ الحروب متأولون، فَكَانَت لكل طَائِفَة شُبْهَة اعتقدت تصويب أَنْفسهَا عَلَيْهَا وَكلهمْ عدُول وَلم يخرج شَيْء من ذَلِك أحدا مِنْهُم عَن الْعَدَالَة لأَنهم مجتهدون كَمَا قُلْنَا اخْتلفُوا فِي مسَائِل من مَحل الِاجْتِهَاد كَمَا اخْتلف المجتهدون بعدهمْ فِي مسَائِل من الدِّمَاء وَغَيرهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك نقص أحد مِنْهُم، يَقُول النَّوَوِيّ: "وَاعْلَم أَن سَبَب تِلْكَ الحروب أَن القضايا كَانَت مشتبهة فلشدة اشتباهها اخْتلف اجتهادهم وصاروا ثَلَاثَة أَقسَام قسم ظهر لَهُم بِالِاجْتِهَادِ أَن الْحق فِي هَذَا الطّرف وَأَن مخالفه بَاغ فَوَجَبَ عَلَيْهِم نصرته وقتال الْبَاغِي عَلَيْهِ فِيمَا اعتقدوه فَفَعَلُوا ذَلِك وَلم يكن يحل لمن هَذِه صفته التَّأَخُّر عَن مساعدة إِمَام الْعدْل فِي قتال الْبُغَاة فِي اعْتِقَاده، وَقسم عكس هَؤُلَاءِ ظهر لَهُم بِالِاجْتِهَادِ أَن الْحق فِي الطّرف الآخر فَوَجَبَ عَلَيْهِم مساعدته وقتال الْبَاغِي عَلَيْهِ، وَقسم ثَالِث اشتبهت عَلَيْهِم الْقَضِيَّة وتحيروا
[ ٦٠ ]
فِيهَا وَلم يظْهر لَهُم تَرْجِيح أحد الطَّرفَيْنِ فاعتزوا الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ هَذَا الاعتزال هُوَ الْوَاجِب فِي حَقهم لِأَنَّهُ لَا يحل الْإِقْدَام على قتال مُسلم حَتَّى يظْهر أَنه مُسْتَحقّ لذَلِك وَلَو ظهر لهَؤُلَاء رُجْحَان أحد الطَّرفَيْنِ وَأَن الْحق مَعَه لما جَازَ لَهُم التَّأَخُّر عَن نصرته فِي قتال الْبُغَاة عَلَيْهِ فكلهم معذورون ﵃..".
وَلِهَذَا اتّفق أهل الْحق وَمن يعْتد بِهِ فِي الْإِجْمَاع على قبُول شهاداتهم ورواياتهم وَكَمَال عدالتهم ﵃ أَجْمَعِينَ وَعَن تَحْرِيم سبهم روى مُسلم بِسَنَدِهِ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ: رَسُول الله صلى عَلَيْهِ سلم: " لَا تسبوا أَصْحَابِي، لَا تسبوا أَصْحَابِي، فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَابًا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه.." وروى بِسَنَدِهِ عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ: كَانَ بَين خَالِد بن الْوَلِيد وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف شَيْء فَسَبهُ خَالِد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "لَا تسبوا أحدا من أَصْحَابِي فَإِن أحدكُم لَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه.." قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَسَب الصَّحَابَة من الْمعاصِي الْكَبَائِر ومذهبنا وَمذهب جُمْهُور أَنه يُعَزّر وَلَا يقتل وَقَالَ الْمَالِكِيَّة يقتل"١ قَالَ الْخطابِيّ: النصيف بِمَعْنى النّصْف كَمَا قَالُوا الثمين بِمَعْنى الثّمن وَالْمعْنَى أَن جهد الْمقل مِنْهُم واليسير من النَّفَقَة الَّذِي أنفقوه فِي سَبِيل الله مَعَ شدَّة الْعَيْش والضيق الَّذِي كَانُوا فِيهِ أوفى عِنْد الله وأزكى من الْكثير الَّذِي يُنْفِقهُ من بعدهمْ" ٢.
قَالَ القَاضِي عِيَاض: "وَيُؤَيّد هَذَا مَا جَاءَ عَن الْجُمْهُور من تَفْضِيل الصَّحَابَة كلهم على جَمِيع من بعدهمْ، وَسبب تَفْضِيلهمْ نَفَقَتهم أَنَّهَا كَانَت فِي وَقت الضَّرُورَة وضيق الْحَال بِخِلَاف غَيرهم، وَلِأَن إنفاقهم كَانَ فِي نصرته ﷺ وحمايته، وَذَلِكَ مَعْدُوم بعده وَكَذَلِكَ جهادهم وَسَائِر طاعاتهم وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا..﴾ الْآيَة ٣ هَذَا كُله مَعَ مَا كَانَ فِي أنفسهم من الشَّفَقَة والتودد والخشوع والتواضع وإيثار الْجِهَاد فِي الله حق جهاده وفضيلة الصَّحَابَة وَلَو لَحْظَة لَا يوازيها عمل وَلَا تنَال درجتها بِشَيْء والفضائل لَا تُؤْخَذ بِقِيَاس، ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء". وروى الْخَطِيب بِسَنَدِهِ عَن أبي زرْعَة يَقُول: "إِذا رَأَيْت الرجل ينتقص أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَاعْلَم أَنه زنديق.. وَذَلِكَ أَن الرَّسُول ﷺ عندنَا حق وَالْقُرْآن حق وَإِنَّمَا أُدي إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآن وَالسّنَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ سلم، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الْكتاب وَالسّنة وَالْجرْح بهم أولى وهم زنادقة" ٤.
_________________
(١) ١ صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ جـ ١٦ ص ٩٢ ٢ مُخْتَصر الْمُزنِيّ مَعَ معالم السّنَن جـ ٧ حَدِيث ٤٤٩٣ ص ٣٤ ٣ الْحَدِيد آيَة ١٠ ٤ الْكِفَايَة للخطيب الْبَغْدَادِيّ ص ٩٧
[ ٦١ ]