الفصل الأول: في تعريف العلة
تعريف العلة لغة
الباب الأول: العلة: تعريفها وأقسامها وبيان أهمية معرفتها وأسبابها ومواضعها
الفصل الأول: في تعريف العلة
تعريف العلة لغة:
يظهر من النظر في أقوال اللغويين أن مادة (عَلَّ) تأتي لثلاثة معان:
الأول: العَلَل وهي الشربة الثانية، ويقال: عَلَلٌ بعد نَهْلٍ، والفعل يَعُلُّون.
والثاني: العائق يَعوق، قال الخليل: العِلَّة حَدَثٌ يَشغَل صاحِبَه عن وجْهه، ويقال: اعتلَّه عن كذا أي اعتاقه.
والثالث: العلة: المرض وصاحبها مُعْتَلّ. قال ابن الأعرابي: علَّ المريض يَعِلُّ عِلَّة فهو عَلِيلٌ، ورَجُلٌ عُلَلَة، أي كثير العِلَل.
ومن هذا الباب وهو باب الضَّعف؛ العَلّ من الرجال: المُسِنّ الذي تضاءل وصَغُر جسمه. وقال ابن الأعرابي: العَلّ الضعيف من كبر أو مرض (١) .
وصيغة الصفة من العلة بمعنى المرض: معتل كما سبق وهو من اعتلَّ.
وقال الفيروزابادي: والعِلة بالكسر المرض. علَّ يَعِلُّ واعتلَّ، وأعلّه الله فهو مُعَلّ وعليل، ولا تقل: معلول. والمتكلمون يقولونها ولست منه على ثَلَجٍ (٢) .
وذكر ابن منظور كلمة "معلول" بمعنى المصاب بالعلة، ثم قال: والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في مثل هذا كثيرًا.
_________________
(١) انظر "معجم مقاييس اللغة" (٤/١٢-١٥) .
(٢) القاموس المحيط (٤/٢١) .
[ ٧ ]
قال ابن سِيده: وبالجملة فلستُ منها على ثقة ولا على ثَلَج، لأن المعروف إنما هو أعلَّه الله فهو مُعَلّ، اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسْلول من أنه جاء على جَنَنْتُه وسَلَلْتُه (١) .
وقد تَبع ابنَ سيده فيما يظهر الفيروز آبادي، فقال في "القاموس": ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها ولستُ منه على ثلَج (٢) .
ووافق ابن الصلاح على تخطئة إطلاق معلول على الحديث الذي فيه عِلّة حيث قال: ويسميه أهل الحديث "المعلول" وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العلة، والمعلول مرذول عند أهل اللغة والعربية (٣) .
وكذلك لحَّنه النووي في تقريبه (٤) .
ولكننا نقول: إن استعمال أهل الحديث كلمة المعلول بالمعنى الذي أرادوه ليس مخالفًا للغة، لأنه قد استعملها أبو إسحاق الزجاج اللغوي في علم العروض قريبًا من المعنى الذي عناه أهل الحديث (٥) .
ونقل الشيخ طاهر الجزائري عن ابن القوطية (٦) وهو من أهل اللغة: عَلّ الإنسان: مَرِضَ، والشيءُ أصابته العلة، فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه
_________________
(١) لسان العرب (١١/٤٧١) .
(٢) القاموس المحيط (٤/٢١) .
(٣) علوم الحديث (ص٨١) .
(٤) تقريب النواوي مع تدريب الراوي ١/٤٠٧ (ط، دار العاصمة) .
(٥) انظر فتح المغيث للسخاوي (١/٢١٠) .
(٦) هومحمد بن عبد العزيز الأندلسي القرطبي النحوي علامة الأدب أبوبكر، كذا وصفه الذهبي في السير (١٦/٢٢٠) وقال: كان رأسًا في اللغة والنحوحافظ الحديث إخباريًا ماهرًا، توفي في ربيع الأول سنة ٣٦٧هـ.
[ ٨ ]
غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن مع ثبوته لغةً، ومَنْ حفظ حجة على من لم يحفظ (١) .
وأما استعمال أهل الحديث "معلول" الذي أشار إليه من أشار فهو كما أشار (٢) .
_________________
(١) توجيه النظر (ص٢٦٤) .
(٢) التقييد والإيضاح (ص١١٨،١١٧) .
[ ٩ ]
والعلة في اصطلاح أهل الحديث:
بمعنى فن خاص من فنون المصطلح، فهي عبارةٌ عن أسباب خفية قادحة في صحة الحديث، مع أن ظاهره السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر (٣) .
أو نقول: العلة في اصطلاح أئمة الحديث: عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي: قدحت في صحته (٤) .
وأما بالمعنى العام فتطلق العلة على كل سبب جارح قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا.
قال ابن الصلاح: “قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف. المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ "العلة" في الأصل؛ ولذلك نجد في كتب الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمَّى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
_________________
(١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص٨١) .
(٢) توضيح الأفكار (٢/٢٦-٢٧) .
[ ٩ ]
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح على ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو شاذ" (١) .
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٨٤) .
[ ١٠ ]
الفصل الثاني: في أقسام العلة
قال ابن الصلاح: "ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف. وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن" (١) .
قال ابن حجر في نكته: "إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح، وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصه، وقد تستلزم القدح في المتن، وكذا القول في المتن سواء. فالأقسام على هذا ستة:
١- فمثال ما وقعت في الإسناد ولم تقدح مطلقًا: ما يوجد مثلًا من حديث مدلّس بالعنعنة، فإن ذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحفّ الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.
٢- ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق؛ فإن أبدل راوٍ ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضًا، إن لم يكن له طرق أخرى صحيحة كما روى يعلى بن عبيد الطنافسي عن الثوري عن
_________________
(١) علوم الحديث (ص٨٢) .
[ ١١ ]
عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنما هو عبد الله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري (١) . يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأن عبد الله وعَمْرًا كلاهما ثقة.
٣- تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقًا للثقة في نعته.
ومثال ذلك ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر - وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.
٤- ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد، ولا تَقْدَح فيهما، ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها. وسنزيد ذلك إيضاحًا في النوع الآتي إن شاء الله تعالى.
٥- ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح: (ص٨٢) .
[ ١٢ ]
الذي ظنه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد.
٦- ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن، واستلزمت القدح في الإسناد، ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس ﵁ وهي قوله: "لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" فإن أصل الحديث في الصحيحين، فلفظ البخاري: "كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين" (١) .
_________________
(١) النكت لابن حجر (٢/٧٤٦-٧٤٨)، ومقدمة علل الدارقطني (١/٣٩-٤٢) لأخينا محفوظ الرحمن السلفي رحمة الله عليه.
[ ١٣ ]
الفصل الثالث: أهمية علم علل الحديث
تظهر أهمية علم علل الحديث من تعريف العلة وهي سبب خفي قادح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.
ولما كان هذا العلم خفيًا غامضًا، كان إدراكه من أصعب الأمور، ولما كانت العلة تكثر في أحاديث الثقات فيعتمد عامة الناظرين على كون الثقة ثقةً ويقبلون حديثه تحسينًا للظن به وبحديثه فيصححون المعلول، وفيه من الخطورة ما لا يقادر قدرُه، بحيث يُنسب إلى النبي ﷺ قول أو فعل أو تقرير أو شيء آخر، ممَّا لم يثبت عنه ﷺ.
ولذا لم يقم بهذا العبء الكبير إ لا جهابذة الحديث، قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: "إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرًا يسيرًا من كثير ممن يَدَّعي علم الحديث" (١) .
وقال الحاكم: "معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل، وإنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعِلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات، أن يحدثوا بحديث له عِلَّةٌ فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولًا" (٢) .
وقال الإمام أحمد: "ومن يَعْرى من الخطأ والتصحيفر" (٣)؟
_________________
(١) شرح العلل للترمذي (١/٣٣-٣٤) .
(٢) معرفة علوم الحديث (ص١١٢-١١٣) .
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٢٥٢) .
[ ١٤ ]
وقال الإمام مسلم: "ومما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل- إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله، فكيف بمن وصفت لك ممن طريقه الغفلة والسهو في ذلك" (١)؟
ومن أهميته أن هذا العلم خاص بأهل الحديث الذين أخرجهم الله لحفظ سنة نبيه ﷺ، لا يصحّ لمن ليس له عناية خاصة بهذا العلم أن يتكلم فيه بالتصحيح والتسقيم.
قال الإمام مسلم: "واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون لها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصرٍ من لدن النبي ﷺ إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب إلى معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقلة الأخبار وحُمّال الآثار، وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميّزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح، وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكي نثبته لمَن جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبّه، على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم والدلائل التي بها أثبتوا الناقل للخبر من نقلته، أو أسقطوا من أسقطوا منهم، والكلام في تفسير ذلك يكثر، وقد شرحناه في مواضع غير هذا وبالله التوفيق" (٢) .
_________________
(١) التمييز (ص١٢٤)، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. ط١.
(٢) التمييز (ص١٧١) .
[ ١٥ ]
من أهمية علم علل الحديث: أنه علم دقيق لا يقوم به إلا الفطاحل من العلماء
قال ابن الصلاح: "اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب" (١) .
وقال أبو عبد الله بن منده: "إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرًا يسيرًا من كثير ممن يدّعي علم الحديث، فأمّا شأن الناس ممن يَدَّعي كثرة كتابة الحديث أو أنه متفقه في علم الشافعي، أو أبي حنيفة، متبع لكلام الحارث المحاسبي، والجنيد، وذي النون، وأهل الخواطر، فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذه من أهله وأهل المعرفة فحينئذٍ يتكلم بمعرفته" (٢) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلِّل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة" (٣) .
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي ﵀ يقول: "جاءني رجل من جِلَّة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعَرَضَه عَليّ فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ، قد دَخَل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديثٌ باطل، وقلت في
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٩٠) من طبعة / نور الدين عتر.
(٢) شرح علل الحديث لابن رجب (٦١-٦٢) .
(٣) معرفة علوم الحديث للحاكم (١١٢- ١١٣) .
[ ١٦ ]
بعضه: هذا حديثٌ منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح، فقال لي: من أين عَلِمْت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب، أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت، وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري ما هذا الجزء من رواية مَن هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدّعي الغيب؟ قال: قلت: ما هذا ادّعاء علم الغيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سَلْ عمّا قلت من يُحْسِن مثل ما أُحْسِن، فإن اتفقنا علمتَ أنّا لم نُجازِفْ، ولم نَقُلْهُ إلا بفهم. قال: من هو الذي يُحسِن مثل ما تُحْسِن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قُلتَ؟ قُلتُ: نعم، قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رَجَع إليَّ وقد كتب ألفاظ ما تكلّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلتُ: إنه باطل. قال أبو زرعة: هو كذب. قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلتُ: إنه منكر، قال: هو منكر كما قلت، وما قلت: إنه صِحاحٌ، قال أبو زرعة: هو، صحاح. فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: ذلك أنا لم نُجازفْ، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا. والدليل على صحّة ما نقوله بأن دينارًا نَبَهْرجًا يحمل إلى الناقد. فيقول: هذا دينارٌ نَبَهْرج، هل كنتَ حاضرًا حين بُهْرِج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بَهْرجَه: أني بهرجتُ هذا الدينار؟ قال: لا. قيل: فمِن أين قُلتَ: إن هذا نبهرج؟ قال: علمًا رُزِقتُ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك، قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحدٍ من البصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت. فإن قيل له: من أين علمتَ أن هذا زجَاج، وأن هذا ياقوت، هل حضرت الموضع
[ ١٧ ]
الذي صُنِع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا. قيل له: فهل أعلمك الذي صاغَه بأنه صَاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علمٌ رُزِقتُ، وكذلك نحنُ رُزقنا علمًا، لا يتهيّأ لنا أن نُخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا منكر إلا بما نعرفه" (١) .
وقال ابن حجر: "المعلّل وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رَزَقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا وحفظًا واسعًا ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة، ومَلَكَةً قويّة بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل الشأن كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني،. وقد تقصر عبارة المُعَلِّل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم" (٢) .
هذه نصوص جهابذة علم الحديث تدل على ما عانوه وعالجوه، وقد أخبروا عن تجربة وخبرة ومراس.
وهنا تنبيه: ينبغي أن نفهم كلام الأئمة: ابن مهدي وأبي حاتم وابن حجر في أنه قد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم - على وجهه الصحيح، وهو أنه قد يُعَلِّل المُعَلِّل ولا حجة له فيه، في حينه حتى يُقنِع المخاطب، فقد تحصَّل له ملكة قوية راسخة، حتى إنه بمجرد النظر في إسناد الحديث ومتنه تظهر له صحته أو ضعفه فيحكم في أول وهلة ببصيرته أنه صحيح أو معلول، ولكن إذا طلبت منه حجة فلابُدَّ أن يذكرها ويذكر تفاصيلها وأدلتها.
_________________
(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص٣٤٩-٣٥١) .
(٢) نزهة النظر (ص٨٤)، مكتبة الغزالي دمشق.
[ ١٨ ]
فلا يمكن أن نجد حديثًا معللًا إلا دونه سبب لا يظهر لعامة الناس، لكن يختصر المعلل الحكمَ فيذكر حكمه بدون إبداء السبب.
وقد استدلَّ بقول ابن مهدي بَعضُ من له هوى في إنكار الحديث فتوسّع في تفسيره والاستدلال به فقال: إن المحدث قد يرى الحديث المتفق على صحته أنه ضعيف فهو ضعيف عنده، وبالعكس، ولا يستطيع إقامة الحجة على ذلك، وهو معذور في حكمه هذا، كالصيرفي الناقد يحكم على الدراهم بالزيف والصالح ويعجز عن إبانة السبب.
فنقول: ليس الأمر كما ذكر وفَهِم هذا البعض، فالواقع يخالف قوله، فهذه كتب العلل أمامنا إن وجد الإيجاز والاختصار في بعض المواضع منها نجد التفصيل في مواضع أخرى، فمثل المعلل كمثل الطبيب الحاذق إذا عرض له شخص ظاهره السلامة من الأمراض، لا يظهر المرض فيه لعامة الناس، فينظر فيه أوّل نظرة، ويبدي رأيه إجمالًا: أن فيه مرض كذا، فإذا أجرى له الفحص والفَسْر والتحليل والأشعة والاختبار يظهر صدق قوله بوضوح.
كما قال نعيم بن حماد: "قلت لابن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون" (١) .
فالأمر كما قال الحاكم: "والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير، وليس لهذا العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (٢) .
_________________
(١) انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (١/١٩٩) .
(٢) معرفة علوم الحديث (ص٦٠، ١١٣) .
[ ١٩ ]
الفصل الرابع: مواضع العلة في الحديث
مدخل
الفصل الرابع: مواضع العلة في الحديث
والمراد بالعلة هنا: السبب الخفي القادح في صحة الحديث.
يبدو لي أن العلة تجري في الحديث في جميع شروط الحديث الصحيح التي اشترطها الأئمة في تعريف الحديث الصحيح.
وهو: ما رواه عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ. مع القول بأن العلة تدخل في أحاديث الثقات وهي خفية، فقد يكون الراوي مهملًا يوافق في اسم الثقة غير الثقة، أو من المتفق والمفترق، فيظن الناظر أن الواقع في السند غير الثقة.
وكذلك القول في تمام الضبط، فقد يكون مشتهرًا بالضبط والتوثق ولكنه يكون قد أخطأ في حديث بذاته.
والضبط نوعان:
ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
وضبط كتاب: وهو صيانة الراوي كتابه لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي أو يروي منه. وقُيد بالتام في تعريف الحديث الصحيح إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك (١) .
وفي هذا الجانب أيضًا تدخل العلة في حديث الثقة، فالبشر مهما أوتي من حفظ وضبط وذاكرة قوية فقد يأبى الله أن تكون العصمة إلا لأنبيائه الذين عصمهم من الخطأ والزلل، وتأتي أمثلة لذلك إن شاء الله.
_________________
(١) نزهة النظر (ص٨٣) .
[ ٢٠ ]
وضبط الكتاب قد يعتوره بعض الخلل في المقابلة والتصحيح، وقد يتمكن أحدٌ من المفسدين من كتاب الشيخ فيفسد عليه كتابه، ولذلك كانوا يبخلون عن إعارة كتبهم، وعدمُ إعارتهم للكتاب كان يعد مدحًا فيهم.
قال الإمام أحمد: قال أبو قطن (عمرو بن الهيثم) - وكان ثبتًا -: "ما أعرت كتابي أحدًا قط" (١) .
وقال علي بن قادم: سمعت سفيان يقول: "لا تُعِرْ أحدًا كتابًا". وقال الربيع بن سليمان: كتب إليّ البويطي: "احفظ كتبك، فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد مثله" (٢) .
وكأن هذا -والله أعلم- خوفًا من ضياع الكتب، وكذلك من التغيير والتبديل.
وكان بعض ضعاف النفوس يُدخل في كتب الناس أحاديث ليست من أحاديثهم، منهم حبيب بن أبي حبيب أبو محمد المصري وقيل المدني كاتب مالك، قال ابن حبان: كان يورّق بالمدينة على الشيوخ، ويروي عن الثقات الموضوعات، كان يدخل عليهم ما ليس من حديثهم، وسماع ابن بكير وقتيبة كان بعَرْض ابن حبيب، ذكره الذهبي في "الميزان" (٣) .
وقال ابن حبان في مقدمة كتابه "المجروحين": "وجماعة من أهل المدينة امتحنوا حبيب بن أبي حبيب الورّاق، كان يُدْخل عليهم الحديث، فمن سمع بقراءته عليهم فسماعه لا شيء. كذلك كان عبد الله بن ربيعة القدامي
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال (١/٣٣٥)، رقم النص: ٦٧٨.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/٢٤١) .
(٣) ميزان الاعتدال (١/٤٥٢) .
[ ٢١ ]
بالمصيصة، كان له ابن سوء يُدخل عليه الحديث عن مالك وإبراهيم بن سعد وذويهم، وكان منهم سفيان بن وكيع بن الجرّاح – وكان له وراق يقال له: (قرطمة)، يدخل عليه الحديث في جماعة مثل هؤلاء، ويكثر عددهم.
أخبرني محمد بن عبد السلام ببيروت، حدثنا جعفر بن أبان الحافظ، قال: سألتُ ابن نمير عن قيس بن الربيع، فقال: كان له ابنٌ هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كُتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيّرها" (١) .
وشرط الاتصال تدخل العلة فيه في أحاديث الثقات المعروفين حتى في رواياتهم عن مشايخهم الذين لازموهم، ورافقوهم في الحل والترحال، فقد تفوت روايات عنهم لم يتمكنوا من سماعهم لها.
ومادام هذا الفوت قد حصل للصحابة الذين صحبوا النبي ﷺ وربما لازموه، وقد تأتي أسباب للغياب يغيب أحدهم عن بعض المجالس، فيروي الرواية عن الصحابي عن النبي ﷺ وسميت مراسيل الصحابة، ولها حكم خاص عند أهل الحديث، فما دام هذا يحصل في الصحابة ففي غيرهم من باب أولى.
وقد يخفى عدم السماع خفاءً شديدًا في صورة المرسل الخفي والتدليس.
وشرط عدم الشذوذ واضح في صحة الخبر، وإنما قلنا: إن الشذوذ علة من العلل، لأنه يكون خفيًا ولا يظهر إلا بعد جمع الروايات والطرق الكثيرة حتى تثبت مخالفته لمن هو أوثق منه.
فقد يجد الناظر حديثًا قد شذ فيه وخالف فردٌ عدة رواة، ولكنه لم يجمع الطرق فقد يخفى الأمر عليه، ويحكم على الحديث بالصحة.
_________________
(١) المجروحين (١/٧٧-٧٨) .
[ ٢٢ ]
فمع وجود الشروط الأخرى قد يفقد الحديث شرط عدم الشذوذ فتعلّ الرواية بالضعف، وقد لا تظهر العلة والشذوذ إلا بعد النظر الشديد ومضي الزمن البعيد.
قال علي بن المديني: ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة (١) .
روى ابن حبان في كتاب "المجروحين" قال: "حدثنا عبد الله بن قحطبة بفم الصلح قال: حدثنا أحمد بن زكريا الواسطي قال: سمعت أبا الحارث الورّاق يقول: جلسنا على باب شعبة نتذاكر السنة فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أي أبواب الجنة شاء"، فخرج شعبة بن الحجاج، وأنا أحدِّث بهذا الحديث فصفعني ثم قال: يا مجنون: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر فقلت: يا أبا إسحاق سمعتَ عبد الله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ فقال: اسكت، فقلت (٢): لا أسكت، فالتفت إلى مِسْعر بن كدام فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حَيّ بمكة فخرجت إلى مكة، فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديث الوضوء؟ فقال: عقبة بن عامر، فقلت: يرحمك الله سمعتَ منه؟ قال: لا، حدثني سعد ابن إبراهيم، فمضيت فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلتُ: حديث الوضوء؟ فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مِخْراق، فانحدرت إلى البصرة، فلقيت زياد ابن مخراق -وأنا شَحِب اللون وسخ الثياب كثير الشعر- فقال:
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/٢٥٧) .
(٢) القائل هو شعبة.
[ ٢٣ ]
فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بُدٌّ، قال: لا حتى تذهب وتدخل الحمام، وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسَّلْتُ ثيابي ثم أتيته فقال: حدثني شهر ابن حوشب، قلت: شهر بن حوشب عمّن؟ قال: عن أبي ريحانة، قلت: هذا حديث صَعِد ثم نزل دمّروا عليه، ليس له أصل" (١) .
فهذا الحديث لم تظهر لشعبة علته إلا بعد فترة وبعد كدّ وسفرات ورحلات.
وينبغي أن يذكر أن أسباب ردّ الحديث كما ذكر ابن حجر اثنان:
١- السقط في الإسناد.
٢- الطعن في الراوي.
ثم السقط: إما أن يكون ظاهرًا أو خفيًا، فالسقط الظاهر يشمل المعلق والمرسل والمعضل والمنقطع.
والسقط الخفي يشمل المدلَّس، الذي يرد بصيغة من صيغ الأداء، والرواية تحتمل وقوع اللقي بين المدلِّس، ومن أسند عنه، كعن وقال، وكذلك يشمل السقط الخفي المرسل الخفي، إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه بل بينه وبينه واسطة.
والفرق بين المدلَّس والمرسل الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي.
_________________
(١) المجروحين (١/٢٨) .
[ ٢٤ ]
ثم الطعن في الراوي: إما أن يكون في عدالته أو في ضبطه، والطعن في العدالة يشمل:
١- كذب الراوي في حديث النبي ﷺ.
٢- كونه متهمًا بالكذب بأن يكون معروفًا بالكذب في كلامه، لا في حديث النبي ﷺ.
أو روى حديثًا مخالفًا للقواعد المعلومة، ولا يروى هذا الحديث إلا من جهته.
٣- الفسق بارتكاب الكبائر قولًا أو فعلًا.
٤- البدعة: وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ بنوع شبهة لا بمعاندة.
٥- الجهالة: بأن لا يعرف في الراوي تعديل ولا تجريح معين.
وأما الطعن في ضبط الراوي فيشمل:
١- فحش غلطه أي غلبة خطئه على صوابه.
٢- غفلته عن الإتقان.
٣- وهمه بأن يروي على سبيل التوهم.
٤- مخالفته للرواة الآخرين.
والمخالفة تشمل أنواعًا:
١- أن يخالف الراوي في تغيير سياق الإسناد أو المتن فيسمى: المدرج.
٢- أن يخالف الراوي بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم في الإسناد أو المتن، فيسمى: مقلوبًا.
٣- أن يزيد راويًا في الإسناد ما لم يزده الآخرون فيسمى: المزيد في متصل الأسانيد.
[ ٢٥ ]
٤- أن يخالف الرواة بإبدال راوٍ براوٍ أو برواة في إسناد واحد، وكذلك إبدال شيء في متن الحديث الواحد مرة بلفظ ومرة بلفظ آخر، فيسمى: مضطربًا.
٥- كذلك يخطئ في الكلمة فيغير سياقها فيسمى: المصحف والمحرف (١) .
وفي هذه الأقسام المردودة من الأحاديث يدخل في باب علل الحديث كل ما فيه خفاء وعدم ظهور، وسيكون الكلام فيما ظهر الخفاء فيه فقط.
_________________
(١) ينظر نزهة النظر (ص١٠٨، وما بعدها) ففيه خلاصة لما جاء في الكتب المطولة في المصطلح.
[ ٢٦ ]
أسباب العلة في الحديث:
إن أهم أسباب العلة القادحة في الحديث:
١- الخطأ والنسيان الذي لا يسلم منه أي بشر مع كونه موصوفًا بالضبط التامّ.
ومثل هذا الخطأ يكون نادرًا من الثقة، ومع ذلك ليس من المعقول ولا من المشروع أن يصحح خطأهُ، ويستر عليه ولا يُبين، فالمنهج السليم أن يُعيَّن ويُبيَّن للناس حتى لا يتتابعوا في الخطأ.
قال ابن معين: "من لم يخطئ فهو كذاب".
وقال ابن المبارك: "من يسلم من الوهم؟ ".
وقد وهّمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم، وقد جمع الزركشي جزءًا في ذلك.
[ ٢٦ ]
ووهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم" (١) .
وهذا شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام ﵀ قال فيه عبد الرحمن بن مهدي: "كان سفيان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث".
وقال الشافعي: "لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق، كان يجيء إلى الرجل فيقول: لا تحدث، وإلا استعديت عليك السلطان"، وقال أحمد أيضًا: "شعبة أعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم ولم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، كان قُسِمَ له من هذا حظ" (٢) .
وقال أحمد أيضًا: "كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن (يعني في الرجال) وبصره في الحديث وتثبته وتنقيته للرجال" (٣)، ولكن مع ذلك قد ضبط الأئمة أخطاءً عليه، وسجلوها في أقوالهم ومصنفاتهم.
ومعلوم أنه من أشد الناس على التدليس والمدلسين، ومع ذلك روى عن شيوخ ولم يسمع منهم.
قال الإمام أحمد: "أخطأ شعبة في اسم خالد بن علقمة فقال: مالك بن عُرفُطة، وأخطأ أيضًا في سلَم بن عبد الرحمن، فقال: عبد الله بن يزيد في حديث الشكال في الخيل (٤) قلب اسمه.
_________________
(١) شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ١٥٩ – ١٦٠) .
(٢) تقدمة الجرح والتعديل (ص/١٢) وما بعده مع أقوال طيبة كثيرة.
(٣) العلل ومعرفة الرجال (٢ / ٥٣٩) النص [٣٥٥٧] .
(٤) أما طريق شعبة عن عبد الله بن يزيد فأخرجه النسائي في باب الخيل (٦ / ٢١٩) وأحمد في مسنده (٢/ ٢٠٥) والمزي في تهذيب الكمال (٢ / ٧٥٦) وأشار إليه الترمذي في الجهاد (٣ / ٢٠٤) وانظر مسائل ابن هاني (٢ / ٢٤٦)، ونحوه قول ابن معين في تاريخه النص [٣١٣٦] وطريق سلم بن عبد الرحمن أخرجه مسلم في الإمارة (٣ / ٤٩٤) وأحمد (٢ / ٢٥٠ – ٤٦٧) وأبوداود في الجهاد (٣ / ٢٣) والترمذي في الجهاد (٣ / ٢٠٤) والنسائي في الخيل (٦ / ٢١٩) كلهم من طريق سفيان عن سلم بن عبد الرحمن عن أبي زرعة عن أبي هريرة كان النبي ﷺ، وعند بعضهم زيادة: والشكال أن يكون التحجيل في الفرس في رجله اليمنى وفي يده اليسرى أوفي يده اليمنى ورجله اليسرى.
[ ٢٧ ]
وأخطأ شعبة: في اسم أبي الثورين فقال: أبو السوَّار، وإنما هو أبو الثورين.
قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي من هذا أبو الثورين؟ فقال: رجل من أهل مكة مشهور، اسمه محمد بن عبد الرحمن من قُريْش، قلت لأبي: إن عبد الرحمن ابن مهدي زعم أن شعبة لم يخطئ في كنيته فقال: هو أبو السوار.
قال أبي: عبد الرحمن لا يدري أو كلمه نحوها" (١) .
وقال أحمد أيضًا: "أخطأ شعبة في حديث علي بن زيد عن يوسف بن مهران فقال: يوسف بن ماهك وهو خطأ إنما هو ابن مهران" (٢)، ولذلك كانت الرواية من الكتب أصح وأقوى من الرواية بالحفظ قال الخطيب: الاحتياط للمحدث، والأولى به أن يروي من كتابه ليَسْلَم من الوهم والغلط، ويكون جديرًا بالبُعد من الزلل.
ثم ذكر بإسناده عن أبي زرعة قال: سمعت أبا نعيم، وذكر عنده حماد بن زيد، وابن عُلية، وأن حمادًا أحفظ عن أيوب وابن عُلية كَتَبَ، فقال: ضَمِنتُ لك أن كل من لا يرجع إلى الكتاب لا يؤمن عليه الزلل ثم ذكر بإسناده عن
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (١ /٥١٦) النص [١٢١٠] وينظر تعليق المحقق جزاه الله خيرًا.
(٢) العلل ومعرفة الرجال (٢/١٥٧) النص [١٨٥٩] وينظر أيضًا في خطئه في النصوص رقم [١٩٠٣-١٩٣٢-١٩٣٥-٢٢٨٤-٥٤٩٠-٥٦٩٥] .
[ ٢٨ ]
أحمد بن حنبل: ما كان أحدٌ أقل سقطًا من ابن المبارك: كان رجُلًا يحدث من كتاب، ومن حدَّث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء (١) .
٢- من أسباب وقوع العلل في الحديث: خفة ضبط الراوي.
ونعني بالخفة في الضبط ما يعبّر عن صاحبها بالصدوق أو بـ"لا بأس به" أو "ليس به بأس" أو نحوهما.
وهو الراوي الذي جعل الأئمة حديثه حسنًا لذاته، وهو الذي قال ابن حجر في حديثه: فإن خف الضبط أي قلَّ فهو الحسن لذاته (٢) .
وما مقدار خفة الضبط؟ لا نجد له ضابطًا في كلام الأئمة إلا ما يذكره الأئمة في ترجمة الراوي بعد سبر مروياته، له أحاديث أنكرت عليه، مثل ما قال ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن بشار أبي إسحاق الرمادي.
وإبراهيم بن بشار هذا، لا أعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وباقي حديثه عن ابن عيينة وأبي معاوية وغيرهما من الثقات، وهو مستقيم في غير ذلك عندنا من أهل الصدق (٣) .
وقال في ترجمة أزور بن غالب بن تميم البصري بعد ما ذكر له حديثًا: "وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على أنس فهو منكر؛ لأنه لا يعرف للصحابة الخوض في القرآن.
والحديثان الآخران اللذان أمْلَيْتُهُمَا قبل هذا لم يروهما عن الأزور غير يحيى ابن سُليَمْ، وهو من حديث سليمان التيمي لا يروى إلا من هذا الطريق،
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/١٠)، مع أقوال أخرى في المسألة.
(٢) نزهة النظر ص (٩١) .
(٣) الكامل (١ / ٢٦٥ – ٢٦٦) .
[ ٢٩ ]
والأزور بن غالب غير ما ذكرت من رواية يحيى بن سليم عنه أحاديث معدودة يسيرة: غير محفوظة، وأرجو أن لا بأس به" (١) .
فإذا كان الراوي يروي مائة حديث، وأخطأ في حديثين أو ثلاثة؛ لا نطرح باقي مروياته إذا تعينت تلك الروايات التي أخطأ فيها فقد أمِنّا حفظه وضبطه للروايات الأخرى فتكون صحيحة أو حسنة.
ولكن يجب على المحدث أن يضبط تلك الروايات التي حكم الأئمة عليها بالخطأ حتى لا يُصحّح حديثًا خطأ. وهذا لا يحصل لعامة المشتغلين في الحديث، فقد يصحح حديثًا خطأً للراوي لأنه خفي عليه خطؤه.
٣- من أهم أسباب العلة في الحديث: اختلاط الراوي أو تغيره بآخرته، وهذا السبب متعلق بالضبط أيضًا.
والاختلاط:
قال ابن منظور اختلط فلان: أي فَسَدَ عقله، ورجلٌ خَلط بَيّن الخلاطة، أحمق مخالط العقل.
ويقال: خولط الرجل فهو مخالط، واختلط عقله فهو مختلط إذا تغيّر عقله (٢) .
والاختلاط في اصطلاح أهل الحديث: هو كون الراوي ثقة حافظًا، ثم يطرأ سوء الحفظ عليه لسبب من الأسباب.
_________________
(١) الكامل (١ / ٢٦٥ – ٢٦٦) .
(٢) لسان العرب (٧/٢٩٤ – ٢٩٥)، انظر نحوه في القاموس (٢ / ٩٢)، ومثله في تاج العروس (٥/١٣٤) .
[ ٣٠ ]
قال ابن حجر: "ثم سوء الحفظ إن كان لازمًا فهو الشاذ على رأي بعض أهل الحديث.
أو كان سوء الحفظ طارئًا على الراوي: إما لكبره أو لذهاب بصره أو لاحتراق كتبه أو عدمها بأن كان يعتمدها، فرجع إلى حفظه، فساء فهذا هو المختلط" (١) .
والاختلاط في الإنسان أمر كوني قدري لا يلام عليه، ولكن الكلام على روايته، فالمُضْعِفُ لرواية الشيخ: أن يروي شيئًا حين اختلاطه، ولم يتميز من روى عنه قبل الاختلاط ممن روى عنه بعد الاختلاط.
وللاختلاط أسباب وعوارض كما أشار إليه ابن حجر، ولكن لمعرفة وقت الاختلاط ومراحل اختلاط الراوي، طرق مختلفة، وجهود مباركة لأئمتنا، حتى نجد أحدهم يصف بعض المختلطين بأنه بدأ يختلط قليلًا، ولم يختلط، واختلط حتى لا يفهم شيئًا.
فالاختلاط حالة نفسية تطرأ على الإنسان لأسباب وعوارض تؤثر في عقله وحفظه وينظر تفاصيل هذا الفن في الكتب المخصصة له.
فالمختلط له أحوال:
١- أن يكون الراوي عنه سمع منه قبل الاختلاط، ولم يسمع منه بعد الاختلاط فهذا روايته عنه صحيحة.
قال أحمد بن حنبل: "سمع وكيع من المسعودي بالكوفة قديمًا وأبي نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعُهُ جيد" (٢) .
_________________
(١) نزهة النظر (ص ١٣٩) .
(٢) العلل ومعرفة الرجال (١ / ٣٢٥) النص [٥٧٥] .
[ ٣١ ]
وأورده ابن الكيال، وقال: "وعلى هذا تُقبل روايةُ كل من سمع منه بالكوفة والبصرة وقبل أن يقدم بغداد، كأميّة بن خالد، وبشر بن المفضل، وجعفر بن عون، وخالد بن الحارث، وسفيان الثوري، وأبي قتيبة سلم بن قتيبة، وطَلْق بن غنام، وعبد الله بن رجاء، وعثمان بن عُمر بن فارس: وعمرو ابن مرزوق، وعمرو بن الهيثم، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن ومعاذ بن معاذ العنبري، والنضر بن شميل، ويزيد بن زُرَيْع" (١) .
وكذلك أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي أبو عُبيد الله المصري ابن أخي عبد الله بن وهب المصري، روى عنه مسلم ﵀ (٢) . وذكر الحاكم: أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر (٣) .
وكذلك إذا ثبت لدينا أن الراوي عن المختلط روى عنه، ومات قبل اختلاط شيخه المختلط.
وهذا سعيد بن عبد العزيز التنوخي كان فقيهًا مفتي دمشق وعالمها بعد الأوزاعي.
مات سنة (١٦٧هـ) ولم يذكر ابن الكيال من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط.
قال الدكتور عبد القيوم في تعليقه على الكواكب النيرات: "لم يذكر المؤلف ﵀ من سمع منه قبل الاختلاط وبعده، وقد بحثت كثيرًا فما
_________________
(١) الكواكب النيرات (٢٩٣ – ٢٩٥) .
(٢) تقريب التهذيب (ص ٩٤) .
(٣) ينظر مقدمة شرح صحيح مسلم (١ / ٢٥) .
[ ٣٢ ]
وجَدْتُ من أئمة هذا الشأن نصًّا في المطلوب، إلا أن المزي رحمه الله تعالى ذكر شعبة وسفيان الثوري من جملة تلامذته وهما قد تُوفِّيا قبل سعيد بن عبد العزيز لسنواتٍ؛ لأن شعبة توفي في سنة (١٦٠هـ) والثوري في سنة (١٦١هـ) وبذلك نستطيع أن نقول: إنهما رَوَيا عنه قبل اختلاطه" (١) .
قلت: هذا استنباط جيد مقبول في محله، ولا يقال: لعل اختلاط سعيد التنوخي استمر أكثر من سبع سنواتٍ أو ست سنوات، لأنه لو كان الأمر كذلك لاشتهر عند الأئمة، ولَنَصُّوا عليه فالظاهر أن سماع شعبة والثوري في حال صحته.
٢- أن يكون الراوي عن المخلط سمع منه بعد اختلاطه.
فهذا تُرد روايته وتضعف بانفراده كسائر مَنْ عُرِفَتْ رواياتهم عن المخلطين حال الاختلاط.
فمنهم سعيد بن أبي عروبة أبو النضر (٢) البصري فقد نص الأئمة على من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط.
٣- أن يكون الراوي عن المختلط سمع منه قبل الاختلاط وبعده.
فلم تتميز روايته كرواية أبي عوانة: وضاح بن عبد الله اليشكري، قال ابن معين: كان عطاء بن السائب قد اختلط، قال: سَمِعْتُ من عَبيدة ثلاثين حديثًا، فقلت: (عباس الدوري) ليحيى: فما سمع منه جرير وذووه ليس هو صحيح؟ قال: لا. ماروى هو وخالد الطحان -كأنه يُضَعِّفُهم- إلا من سمع منه قديمًا.
_________________
(١) الكواكب النيرات والتعليق عليه، ترجمة سعيد بن عبد العزيز التنوخي.
(٢) الكواكب النيرات (ص ١٩٠) وما بعدها.
[ ٣٣ ]
قال يحيى: وقد سمع أبو عوانة منه في الصحة وفي الاختلاط جميعًا (١) .
ونُقل عن ابن معين: قوله: لم يسمع عطاء من يعلى بن مُرَّةَ، واختلط وما سمع منه جرير ليس من صحيح حديثه، وسمع منه أبو عوانة في الصحة والاختلاط، فلا يحتج بحديثه (٢) .
٤- أن يكون روى الراوي عن المختلط قبل الاختلاط وبعده، ولكنه تميّزت أحاديثه فما ميز من رواياته قبل الاختلاط فهو صحيح، وما لا فهو ضعيف.
٥- أن يكون الراوي عن المختلط سمع منه بعد الاختلاط لكن لم يرو رواياته التي سمع منه في الاختلاط، فهذا كأنه لم يرو عنه مطلقًا.
قال أبو داود: “إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر وسمعت منه تلك الأيام ورميت به” (٣) (٤) .
٦- أن يكون الراوي المختلط لم يحدث حال اختلاطه فهذا جميع رواياته مقبولة صحيحة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: “جرير بن حازم (أبو النضر العتكي الأزدي) اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في اختلاطه شيئًا” (٥) . وكإبراهيم بن أبي العباس السامري.
_________________
(١) تاريخ ابن معين برواية الدوري رقم (١٥٧٧) (٢ / ٤٠٣) تحقيق وترتيب د / أحمد نور سيف.
(٢) الكواكب النيرات (ص ٣٢٣) .
(٣) تاريخ بغداد (٦ / ٣٥٥) .
(٤) كذلك عبدة بن سُليمان قال: إنه سمع سعيد بن أبي عروبة في الاختلاط إلا أنه لم يحدث بما سمع منه في الاختلاط. الكواكب النيرات (ص ١٩٦) .
(٥) الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٥) .
[ ٣٤ ]
قال ابن سعد: “اختلط في آخر عمره فحجبه أهله في منزله حتى مات” (١) .
وأورده الذهبي في الميزان ثم قال: “فما ضره الاختلاط، وعامة من يموت يختلط قبل موته، وإنما المضعف للشيخ أن يروي شيئًا زمن اختلاطه” (٢) .
٧- أن يكون الراوي المختلط لم يحدث إلا من كتابه فهذا لا يتطرق إليه الضعف مثل عبد الرزاق فقد روى عن مصنفه حال اختلاطه.
قال البخاري: “ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح” (٣) .
وقال السخاوي: “وقال الحاكم: قلت للدارقطني أيدخل في الصحيح (يعني حديث عبد الرزاق الصنعاني) قال: إي والله وكأنهم لم يبالوا بتغير عبد الرزاق لكونه إنما حدثه من كتبه لا من حفظه قاله المصنف” (٤) .
وهناك قصة طريفة في مسائل البرذعي لأبي زرعة:
قال البرذعي: قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغيّر؟ فقال: نعم، كنا أنكرناه بآخره غير أنه كان لا يحدث إلا من كتاب به ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمتَ؟ قال: أتيته ذات يوم وأبو حاتم فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا، فإذا ابنته قد خفّت، وقالت له: يا أبت، إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يُغلِّطوك أو يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي يعني علي بن قرة
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٧/٣٤٦) .
(٢) ميزان الاعتدال (١/٣٩) .
(٣) ميزان الاعتدال (٢/٦١٠) .
(٤) فتح المغيث (٣/٣٤١) .
[ ٣٥ ]
– فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك، فقالت: لست أدعك تخرج فإني لا آمنهم عليك، فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه ولم تدعه، قال أبو زرعة: فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي، قال أبو زرعة: فجعلت أعجب من صرامتها وصيانتها أباها (١) .
حكم رواية المختلط:
قال ابن حجر: “والحكم فيه أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميّز، قُبل، وإذا لم يتميز تُوقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه” (٢) .
يعني: إذا عرف عن طريق تلامذته أن هذا الحديث بعينه أخذ عنه التلميذ قبل الاختلاط يكون مقبولًا صحيحًا.
وإذا عرف أن التلميذ أخذ عنه بعد الاختلاط، توقف فيه ولم يعمل به، وإذا لم يعمل به، صار في حيّز المردود.
وكذلك إذا لم يعرف، هل أخذ منه التلميذ هذا الحديث بعينه قبل الاختلاط أو بعده، توقف فيه حتى يوجد له متابعات وشواهد توافقه، فتقويه وتصححه، وإلا يبقَ متوقفًا فيه غير معمول به.
وهذا هو مقصود من قال: ترد روايته، أو تسقط روايته.
قال ابن الصلاح: “والحكم فيهم (أي المختلطين)، أن يقبل حديث من
_________________
(١) أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي (ص٥٧٥-٥٧٦)، تحقيق الدكتور: سعدي الهاشمي.
(٢) نزهة النظر (ص١٣٩) .
[ ٣٦ ]
أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يعرف هل أُخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده” (١) .
وقال السخاوي: “فما روى المتصف بذلك في حال اختلاطه، أو أبهم الأمر فيه وأشكل بحيث لم يعلم أروايته صدرت في حال اتصافه به أو قبله؟ سقط حديثه في الصورتين، بخلاف ما رواه قبل الاختلاط لثقته، هكذا أطلقوه” (٢) . وقال نحوه في "فتح الباقي" (٣) .
فليس قصدهم رَدَّ رواية المختلط الذي روى عنه تلميذه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره هل سمع قبل أو بعد؟ وإنما المقصود: أن حديث المختلط من هذا النوع لا يقبل بانفراده، ويبقى متوقفًا فيه للاعتبار، ليس مردودًا مطلقًا، ولا ساقطًا.
٤- ومن أسباب العلة في الحديث: الاضطراب، وهو داخل في عدم تمام الضبط
وهذه العلة أيضًا من الأسباب الخفية المضعّفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر إلا بجمع الطرق والأسانيد وألفاظ المتون.
والاضطراب: افتعال من ضرب، فأصل الكلمة اضْتَرَب، فأُبدلت التاء طاءً، فصار اضطرب فهو مضطرب.
والاضطراب يأتي بمعنى الاختلاف، يقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب أمره اختلّ واضطرب تحرك وماج (٤) .
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٣٥٢) .
(٢) فتح المغيث (٣/٣٢٣-٣٣٣) .
(٣) فتح الباقي المطبوع بحاشية التبصرة والتذكرة (٣/٢٦٤) .
(٤) تهذيب اللغة (١٢/٢٠)، ومختار الصحاح (ص٣٧٩) .
[ ٣٧ ]
وأما تعريف المضطرب اصطلاحًا:
فقد قال ابن الصلاح: “المضطرب من الحديث، هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له.
وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان” (١) .
والاضطراب قد يكون في السند، وقد يكون في المتن، وتارة فيهما.
قال ابن الصلاح: “يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يكون على شخص واحد، وقد يكون على أكثر من ذلك” (٢) .
وحكمه: أنه سبب مُضَعَّفٌ للحديث.
قال ابن الصلاح: “والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط” (٣) . وتأتي أمثلته في الباب الثاني إن شاء الله.
٥- ومن أسباب العلة: ما يتعلق بشرط الاتصال: وهو الانقطاع.
فإن كان ظاهرًا لا يدخل في تعريف العلة، ولكن إذا كان الانقطاع خفيًا وهو: الذي يسمى مرسلًا خفيًا فيدخل في صميم تعريف العلة وهو ما إذا كان الانقطاع بين طالب وشيخه الذي سمع منه الكثير، ولازمه، فإذا كان مثل هذا التلميذ روى عن شيخه بواسطة، ثم حذف الواسطة، دخلت العلة هنا، فلا ينتبه لها إلا من له درك وجُهد في جمع الطرق الكثيرة. هذا إذا لم يكن التلميذ معروفًا بالتدليس.
وكذلك إذا كان الراوي أو التلميذ معاصرًا، لكنه لم يلق الشيخ وهو في
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٨٤) .
(٢) علوم الحديث (ص٨٥) .
(٣) علوم الحديث (ص٨٥) .
[ ٣٨ ]
طبقة تلاميذ الشيخ فالانقطاع قد يخفى على الكثير. وكونه منقطعًا في هذه الصورة أمر واضح، إذا ثبت لدى الناس عامة أنه لم يلقه مطلقًا أما إذا كان إمكان السماع حاصلًا ولم نتيقن بسماعه من الشيخ، فإمكان عدم السماع أيضًا حاصل.
ولذا جعل الأئمة شرط البخاري في اشتراط ثبوت اللُّقِيِّ ولو مرة شرطًاً أشد وأسد وأقوى من شرط مسلم الذي اكتفى بالمعاصرة.
ودع عنك قول من يقول: ليس ذلك شرط البخاري، فالأئمة كادوا أن يجمعوا على حكاية هذا القول ونسبته إلى البخاري وصنيعه في صحيحه يدل عليه كما يدل عليه عمله في تراجم الرواة في تواريخه، فلا يقال: إن الانقطاع علة ظاهرة لا خفية، فلا يكون علة من علل الحديث على اصطلاح القوم، فقد رأيت أنه قد يخفى الانقطاع، فيدخل في تعريف العلة التي هي القادحة الخفية.
وستأتي الأمثلة عليه في الباب الثاني إن شاء الله.
ويدخل في هذه الصورة ما إذا روي الحديث مرسلًا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند ويوصل من وجه آخر ظاهره الصحة، ففيه انقطاع خفي تدخل العلة فيه، وتخفى على كثيرين، ولا تظهر هذه العلة إلا للعالم الخبير بعد سبر الطرق المختلفة على الراوي الذي عليه مدار الرواية.
لأن الثقة قد يَهِمُ فيوصل المرسل، فيدخل الحديث في قسم الضعيف للانقطاع بين التابعي وبين النبي ﷺ، ففقد شرط الاتصال على التعريف الراجح للمرسل وهو: ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ (١) .
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح لابن حجر (٢/٥٤٦) .
[ ٣٩ ]
ولا يقال في تعريف المرسل: ما منه الصحابي سقط، لأنه لو تعين لنا أن الصحابي ﵁ هو الساقط، لما ضُعّف المرسل، كأن يظهر من طرق أخرى ذكر التابعي للصحابي في هذه الرواية ذاتها، أو أن يصف التابعي الصحابي بوصف الصحبة كـ"عن صالح بن خوَّات، عمن صلَّى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع" (١)، أو غزا مع النبي ﷺ، أو وفد إلى رسول الله ﷺ، فإن لم يصفه بالصحبة فلا يكون موصولًا، لاحتمال أن يكون المحذوف تابعيًا آخر، فيحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الاحتمال الثاني، يحتمل أن يكون حمل الرواية عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد إما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وإما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض (٢) .
روى الذهبي في "معجم شيوخه" من طريق الإمام أحمد (٣) قال حَدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة عن منصور عن هلال بن يساف عن الربيع ابن خثيم عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ قل هو الله أحد في ليلة فقد قرأ ثلث القرآن.
ثم قال الذهبي: “هذا حديث صالح الإسناد من الأفراد، ولا نعلم حديثًا بين أحمد بن حنبل وبين النبي ﷺ فيه تسعة أنفس سواه، وهو مما اجتمع في سنده ستة تابعيون يروي بعضهم عن بعض.
_________________
(١) متفق عليه، بلوغ المرام مع السبل (٢/٥٩) .
(٢) نزهة النظر (ص١١٠) .
(٣) مسند أحمد (٥/ ٤١٩) .
[ ٤٠ ]
وهذا لا نظير له، فإن منصور بن المعتمر معدود في صغار التابعين، وقد أخرجه الترمذي، والنسائي، من طريق زائدة، وحسنه الترمذي مع أنه معلل” (١) .
٦- ومن أهم أسباب العلة: الشذوذ.
والشذوذ لغة: الانفراد، شذ عنه يَشِذُّ ويَشُذُّ شُذوذًا انفرد عن الجمهور ونَدَرَ فهو شاذ (٢) .
وأمَّا في اصطلاح أهل الحديث فقد اختلف تعريف الشاذ في كتبهم.
قال الحاكم: “فأَمَّا الشاذ فإنه حديثٌ يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابِعٌ لذلك الثقة” (٣) .
فيظهر من تعريفه أن الشاذ هو الحديث الذي انفرد به الثقة خالف أم لم يخالف.
ولكن الذي يظهر لي: أن الحاكم أيضًا يشترط المخالفة في الشذوذ وذلك كما يأتي عن الشافعي وذلك لأمرين:
الأول: قوله: "ليس له أصل متابع" فكأنه قال: لم يخالف فلو كان له أصل متابع لما كان مخالفًا.
الثاني: أنه ذكر بعد تعريفه قول الشافعي -﵀- مستشهدًا به، فالذي يظهر أنه يشير إلى شرط المخالفة في الشاذ مثل الشافعي والله أعلم.
وعرفه الخليلي فقال: “إن الشاذ ما ليس له إسناد إلا واحد، يشذُّ بذلك
_________________
(١) معجم شيوخ الذهبي (٢/ ٢٨٩) .
(٢) لسان العرب (٣/ ٤٩٤) .
(٣) معرفة علوم الحديث (ص ١١٩) .
[ ٤١ ]
شيخ ثقة أو غير ثقة، فما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به ويرد ما شذ به غيره” (١) .
وعرفه الإمام الشافعي بقوله: “ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث. ذكره الحاكم بإسناده عنه بعد تعريفه” (٢) .
وهذا التعريف الأخير هو الذي اختاره العلماء قديمًا وحديثًا وكان العمل في رد ما خالف فيه الثقة لا ما انفرد به غير مخالف.
قال ابن الصلاح: “قلت: أمَّا ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذٌّ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فَيُشْكل بما يتفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث.
وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر”أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته” تفرد به عبد الله بن دينار.
وحديث مالك عن الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه مغفر" تفرد به مالك عن الزهري، فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس له إلا إسناد واحد تفرد به ثقة.
_________________
(١) الإرشاد للخليلي (١/ ١٧٦) .
(٢) معرفة علوم الحديث (ص ١١٩)،ونحوه في علوم الحديث لابن الصلاح (ص ٦٨) .
[ ٤٢ ]
وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة، وقد قال مسلم بن الحجاج:
للزهري نحوٌ من تسعين حرفًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد. والله أعلم.
فهذا الذي ذكرنا وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم بل الأمر على تفصيل نبيّنه" (١) .
فالذي اصطلح عليه العلماء هو قول الشافعي - ﵀- في تعريف الشاذ وهو: ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه. قال ابن حجر: "فإن خولف أي الراوي بأرجح منه، لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله -وهو المرجوح- يقال له: الشاذ" (٢) .
والشذوذ يدخل في العلة الخفية لأنه قد لا يظهر لعامة الناس إلا بعد جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف الرواة والاختلاف عليهم من الرواة عنهم.
قال الخطيب البغدادي: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط" (٣) .
وقال علي بن المديني –﵀-: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه" (٤) .
_________________
(١) علوم الحديث لا بن الصلاح (ص٦٩- ٧٠) .
(٢) نزهة النظر (ص٩٧) .
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٩٥) .
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢١٢) .
[ ٤٣ ]
وقال عبد الله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" (١) .
وقال ابن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه".
وقال أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٢) .
ولا شك أن جمع الطرق المختلفة وموازنة بعضها ببعض، ثم النظر في النقلة واختلافهم ثم وزن هؤلاء بميزان الترجيح كل هذا من مهمة المحدث الجهبذ لا يستطيع أن يقوم به عامة المحدثين ولذلك نجد أفذاذًا وأفرادًا معدودين قد دخلوا في هذا المضمار وسدد الله أقوالهم ووفقهم لتقعيد قواعد في معرفة الصحيح من حديث رسول الله ﷺ على قواعد فطرية تقبلها العقول السليمة.
كما نجد أن هذا العلم وهو معرفة الخطأ من الصواب في روايات الراوي يحتاج إلى سبر روايات الراوي الواحد، بحيث يقدر الإمام المحدث أن يقول: روى حديثين أو ثلاثة أو عشرة.
ثم عرض روايته على روايات غيره ممن هم أصوب منه، حفظًا ونقلًا ومعرفة موافقة بعضهم لبعض أو مخالفتهم، أعظم وسيلة لمعرفة الخطأ من الصواب.
قال ابن حبان: "سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتاب حماد بن سلمة فقال: ما سمعتها من
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٩٦) .
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢١٢) .
[ ٤٤ ]
أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة فقال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو وهم، وانحدر إلى البصرة واسمع من التبوذكي فقال: شأنك فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن عشر فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حماد فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه" (١) .
وقال الإمام أحمد: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري فقال: علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك بن أنس وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري في حديث كذا وحديث كذا فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا.
وفي كتاب التمييز للإمام مسلم أمثلة كثيرة وفيرة لهذا الجانب.
قال الإمام مسلم: "ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها.
حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا العنبس يقول: حدثني علقمة بن
_________________
(١) كتاب المجروحين لابن حبان (١/ ٣٢) .
[ ٤٥ ]
وائل، عن وائل، عن النبي ﷺ. وثنا إسحاق، أنا أبو عامر، ثنا شعبة عن سلمة، سمعت حجرًا أبا العنبس يحدث عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ بهذا الحديث. كلهم عن شعبة، عن سلمة، عن حجر، عن علقمة، عن وائل، إلا إسحاق عن أبي عامر، فإنه لم يذكر علقمة، وذكر الباقون كلهم علقمة.
قال مسلم: أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته (١) .
وسنذكر إن شاء الله رواية من حديث شعبة فيها فأصابه.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، فقالوا: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل قال: سمعت النبي ﷺ قرأ "ولا الضالين" قال: "آمين". يمد بها صوته" (٢) .
ثم ذكر رواية أخرى قال: حدثنا أبو كريب ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر بآمين.
وقد روى عن وائل ما يدل على ذلك (٣) .
يشير به الإمام مسلم إلى ما أخرجه الدارقطني، فقد روى فيه عبد الجبار ابن وائل عن أبيه وفيه مد بها صوته (٤) .
_________________
(١) قال الترمذي في سننه ٢: ٢٨ كتاب الصلاة باب ماجاء في التأمين وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة ابن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي ﷺ قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: آمين وخفض بها صوته.
(٢) التمييز (ص١٣٣- ١٣٤) وحاشيته.
(٣) التمييز (ص١٣٣- ١٣٤) وحاشيته.
(٤) سنن الدارقطني (١/٣٢٤) .
[ ٤٦ ]
ثم ذكر الإمام مسلم شاهدًا مخالفًا لرواية شعبة فقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما أخبراه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" (١) .
_________________
(١) التمييز (ص ١٣٤) .
[ ٤٧ ]