الفصل الأول: في ذكر أمثلة للأحاديث التي وقعت العلة فيها في معرفة العدل من غيره
مثال العلة في معرفة الراوي العدل من غيره.
ما ذكره العلامة المحدث محمد ناصر الدين في سلسلته الضعيفة حديث: “اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر” ثم قال: موضوع، أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل رقم (٩٣) حدثنا دحيم، ثنا عبد الله بن يوسف عن الهيثم بن حميد قال: سمعت رجلًا يحدث مكحولًا عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ فذكره.
قلت: هو إسناد ضعيف رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم.
والحديث قال المنذري في الترغيب (١: ٨٨): "رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به"
وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٠٩): "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون".
قلت: في قوليهما إشعار لطيف بأن إسناده لا يخلو من ضعف ولا سيما قول الهيثمي: "ورجاله موثقون" فإنه لا يقول هذا عادة إلا فيمن كان فيه توثيق غير معتبر.
فقول المناوي في "فيض القدير": رمز المصنف لحسنه وهو أعلى من ذلك، ثم ذكر قول المنذري والهيثمي المتقدم فأقول: إنه لا وجه لتحسينه بله تصحيحه لما ذكرنا، ومن المؤسف أن الجزء الذي فيه مسند أبي أمامة من المعجم الكبير ليس في المكتبة الظاهرية عمرها الله تعالى؛ ولذلك فإني غير
[ ٤٩ ]
مطمئن لتحسين السيوطي للحديث فضلًا عن تصحيح المناوي له، ولا سيما مع كشف إسناد ابن أبي عاصم عن علته. والله أعلم.
ثم طبع المعجم الكبير بهمة أخينا الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي فرأيت الحديث فيه (٨/ ١٥٧) (رقم ٧٦٠٥)، قال: حدثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن يوسف بإسناده المتقدم عن ابن أبي عاصم.
وبهذا الإسناد أخرجه الطبراني أيضًا في مسند الشاميين (ص٦٥٥) وقد عرفت علته وهي الرجل الذي لم يسم، وقد سماه إسماعيل بن إبراهيم فقال: ثنا أيوب عن مكحول به.
أخرجه الطبراني أيضًا رقم (٧٦٠٧) وإسماعيل هذا هو أبو إبراهيم الترجماني وهو من رجال النسائي وقال هو وغيره: لا بأس به.
وشيخه أيوب هو ابن مدرك الحنفي كما في الميزان، وقال: قال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: كذاب، وقال النسائي وأبو حاتم: متروك.
وبهذا يتبين خطأ قول المنذري والهيثمي المتقدم، بله ميل المناوي إلى تصحيحه، فقد تبين أن الرجل الذي لم يسم في الطريق الأولى إنما هو أيوب ابن مدرك في الطريق الأخرى وهو متهم ولعل المناوي تبين له هذا الذي ذكرته بعد الذي قاله في الفيض فقد رأيته بيض للحديث في التيسير ولم يحسنه، ومنشأ هذا الخطأ في نقدي: أنهم رأوا (أيوب) هذا جاء في السند غير منسوب، فتوهموا أنه أيوب بن أبي علقمة، وهو ثقة حجة، وساعدهم على ذلك أنهم رأوا الراوي عنه إسماعيل بن إبراهيم، فتوهموا أيضًا أنه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) وهو ثقة حافظ؛ لأنهم رأوا في ترجمته أنه روى عن أيوب وهو السختياني وكل ذلك خطأ، وإنما هذا أبو
[ ٥٠ ]
إبراهيم الترجماني كما تقدم وشيخه أيوب هو ابن مدرك، وليس السختياني كما جاء مصرحًا بهذا كله في الطبراني في حديث آخر قبل هذا.
وقال أيضا: ً ثم إن للحديث علة أخرى عند ابن حبان ألا وهي الانقطاع. فقد قال في ترجمة ابن مدرك هذا من كتابه الضعفاء (١: ١٦٨) يروي المناكير عن المشاهير ويدعي شيوخًالم يرهم ويزعم أنه سمع منهم روى عن مكحول نسخة موضوعة ولم يره.
ثم قال الشيخ: واعلم أيها القارئ الكريم أن مثل هذا التحقيق يكشف لطالب هذا العلم الشريف أهمية تتبع طرق الحديث، والتعرف على هوية رواته، فإن ذلك يساعد مساعدة كبيرة جدًا على الكشف عن علة الحديث، التي تستلزم الحكم على الحديث بالسقوط " (١) .
وعكسه قد يكون الراوي ثقة فيظنه البعض ضعيفًا؛ لاشتباهه ولاشتراكهما في الاسم، وبخاصة إذا ورد غير منسوب إلى أبيه أو إلى ما يميزه عن سميه، ذكر السيوطي عن ابن فيل في جزئه حديثًا من طريق المؤمل بن إسماعيل عن عبد الكريم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مرتد أعرابيًا بعد هجرة، ولا ولد زنى، ولا من أتى ذات محرم"، ثم قال: لا يصح، عبد الكريم متروك" (٢) .
وهنا ذهب ظن السيوطي أن عبد الكريم هو ابن أبي المخارق وهوضعيف وله فيه عذره، فهو ليس منسوبًا. وهذا الموضع يشتبه الأمر على كثيرين، وإنما
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٤/ ٢٦٢- ٢٦٤) رقم الحديث (١٧٨٢) .
(٢) اللآلئ المصنوعة (٢/ ١٩٢) .
[ ٥١ ]
كان يعرف عبد الكريم بوجهه الصحيح بعد التتبع وبعد الجمع لطرق الحديث.
فقد ظهر بعد التتبع أن تعيينه بعبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف خطأ، وإنما هو عبد الكريم بن مالك الجزري الثقة المشهور، وقد جاء مصرحًا بنسبه عند أبي نعيم في الحلية، فقد رواه من طريق مؤمل أيضًا، ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو به.
وهذا النوع من الخطأ خطير جدًا، فإذا توهم الراوي في تعيين الراوي فقد ينقلب الإسناد من الضعف إلى الصحة وبالعكس، كما هو واضح ومغبته واضحة.
وروى الإمام أبو عبد الله بن ماجه حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن شعيب بن شابور حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن سعيد بن أبي سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك قال: إني لتحت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليّ لعابها فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث" قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣: ١٤٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ومحمد بن شعيب وثقه دحيم وأبو داود، وباقي الإسناد على شرط البخاري.
ولكن قال ابن حجر في "النكت الظراف" في الكلام على ترجمة الحافظ المزي لسعيد بن أبي سعيد المقبري:
قلت: وهو سعيد بن أبي سعيد الساحلي شامي، وأما المقبري فهو مدني، وقد أوضحت ذلك في التهذيب.
وفي حاشية "تحفة الأشراف" حاشية بخط ابن عبد الهادي: سعيد بن أبي سعيد راوي هذه الأحاديث عن أنس ليس هو المقبري أحد الثقات، وإنما هو
[ ٥٢ ]
الساحلي وهو غير محتج به كذلك جاء مصرحا به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١) .
ومن أمثلة العلة في تعيين العدل من غيره:
ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: "لا يتوارث أهل ملتين المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرثها من ديتها ومالها مالم يقتل أحدهما صاحبه عمدًا، فإن قتل أحدهما صاحبه عمدًا لم يرث من ديته وماله وإن قتل صاحبه خطأً ورث من ماله ولم يرث من ديته".
أخرجه ابن ماجه وابن الجارود في المنتقى والدارقطني في سننه والبيهقي (٢) .
كلهم من طريق الحسن بن صالح عن محمد بن سعيد عن عمرو بن شعيب قال: أخبرني أبي عن جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وهذا الحديث فيه الحسن بن صالح العجلي وهو الحسن بن سلمة بن صالح العجلي قال ابن حجر: مجهول (٣) .
ولكن رواه محمد بن يحيى الذهلي كما عند ابن ماجه، ولكن سمى شيخه عمر بن سعيد محمد بن سعيد هذا هو الصواب، وقد قيل عمر بن سعيد وهو خطأ والصواب محمد كما صوَّبه الذهبي في "الكاشف" (٤) .
_________________
(١) انظر أحاديث معلة ظاهرها الصحة للشيخ مقبل بن هادي الوادعي (ص ٤٤- ٤٥) .
(٢) سنن ابن ماجه (٢/ ٩١٤) كتاب الفرائض، باب: ميراث القاتل، والمنتقى (ص ٣٥٨)،وسنن الدارقطني (٤/ ٧٢- ٧٣)، وسنن البيهقي (٩/ ٢٦٣) .
(٣) التقريب ص٢٣٨تحقيق أبوالأشبال.
(٤) الكاشف ٢/٣١٢.
[ ٥٣ ]
ومحمد بن سعيد هل هو الشامي المصلوب وهو مكذب ذكر بوضع الحديث (١)؟
وبه قال غير واحد: قال البوصيري في الزوائد: “في إسناده محمد بن سعيد وهو المصلوب، قال أحمد: حديثه موضوع” (٢) .
وكذا قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني في تخريج "مشكاة المصابيح": هو محمد بن سعيد المصلوب: قال أحمد: حديثه موضوع (٣)، وبناءً عليه حكم في ضعيف ابن ماجه بأنه موضوع (٤) .
وكذا قلده بعض من علق على الكاشف للذهبي والصواب أنه ليس محمد ابن سعيد المصلوب الشامي المقتول بالزندقة بل هو محمد بن سعيد الطائفي أبو سعيد المؤذن صدوق (٥) أو ثقة. والذي بينه هو الدارقطني ﵀ فقد أخرجه في سننه ثم قال: محمد بن سعيد الطائفي ثقة ثم بإسناد آخر عن الحسن ابن صالح وقال بإسناده مثله، محمد بن سعيد الطائفي ثقة (٦) .
فقد ظهر بهذا أن محمد بن سعيد هذا ليس المتروك بل هو ثقة أو صدوق فيكون الحكم على الحديث يختلف من الضعف جدًا إلى الصحة أو الحسن، إذا لم تكن في الإسناد علة أخرى.
_________________
(١) تقريب التهذيب (ص ٨٤٧) .
(٢) حاشية سنن ابن ماجه (٢/ ٩١٤) .
(٣) مشكاة المصابيح (٢/ ١٤٩) تعليقًا على حديث أبي هريرة برقم (٣٠٤٨) .
(٤) ضعيف سنن ابن ماجه رقم (٥٤٤) .
(٥) تقريب التهذيب (ص ٨٤٨) .
(٦) سنن الدارقطني (٤/ ٧٣) .
[ ٥٤ ]
ومن هذا النوع ما أورده العلامة الألباني في "الصحيحة" قال: زيادة ومغفرته في رد السلام ثم قال: كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.
قال الشيخ: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/١/٣٣٠) قال: قال محمد: حدثنا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن هارون بن سعد عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال: فذكره.
ثم قال: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم من رجال التهذيب غير إبراهيم بن المختار وهو الرازي، روى عنه جماعة من الثقات ذكرهم ابن أبي حاتم (١/١/١٣٨) ثم قال: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث، وهو أحبُّ إليَّ من سلمة بن الفضل وعلى بن مجاهد.
ومحمد الراوي عنه هو ابن سعيد بن الأصبهاني وهو من شيوخ البخاري في الصحيح، فالإسناد متصل غير معلق (١) .
قلت: قد صحح الألباني -﵀- هذا الحديث، واستنبط منه جواز زيادة ومغفرته في السلام بناءً على ثقة رجاله، والمسألة تتعلق بالوصول إلى طرق الحديث المختلفة، حتى تظهر علة الحديث إن كانت فيه، فقد أخرجه البيهقي في شعبه من طريق علي بن الحسين بن حسان قال: نا محمد بن حميد قال: نا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن هارون بن سعد عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم به.
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٣)، رقم (١٤٤٩) .
[ ٥٥ ]
ثم قال: تابعه محمد بن غالب عن محمد بن حميد، وهذا إنْ صَحَّ قلنا به غير أن في إسناده إلى شعبة من لا يحتج به (١) .
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال: حدثنا محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني وجعفر بن أحمد بن سنان الواسطي قالا: ثنا محمد بن حميد الرازي ثنا إبراهيم بن المختار به (٢) .
ففيه نسبته إلى الرازي فلا شك أنه ليس محمد بن سعيد بن الأصبهاني، الثقة بل هو محمد بن حميد الرازي قال فيه في "التقريب": محمد بن حميد بن حيان الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه (٣) .
وما دام قد تبين أن مدار الحديث على راو ضعيف، فيكون إسناد الحديث ضعيفًا.
ولا يغض هذا من منزلة العلامة الألباني في الحديث فقد وقع فيه الكبار قبله، وهذا الهيثمي ذكر الحديث في مجمع الزوائد وقال: وفيه إبراهيم بن المختار وثقه أبو داود وأبو حاتم، وقال ابن معين ليس بذاك وبقية رجاله ثقات (٤) .
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي (١٥/ ٣٩٩- ٤٠٠)، طبعة دار السلفية وفي طبعة زغلول (٦/٤٥٦) أزهر بن المختار بدل إبراهيم وهوخطأ.
(٢) المعجم الكبير (٥/ ٢٠٢) رقم (٥٠١٥) .
(٣) تقريب التهذيب (ص ٨٣٩) .
(٤) مجمع الزوائد (٢/ ١٤٦) .
[ ٥٦ ]
الفصل الثاني: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل ضبط الراوي
من أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين:
قال ابن معين: حديث أبى البداح يرويه مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا الجمار ليلًا.
ثم قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا.
قال ابن معين: وكلام سفيان هذا خطأ إنما هو كما قال مالك بن أنس، فكان سفيان لا يضبطه، كان إذا حدث به يقول: ذهب عليّ من هذا الحديث شيء (١) .
ومن أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين:
ما ذكره عبد الله عن أبيه قال سألت أبي عن حديث هشيم (٢) عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النبي ﷺ في الرفع، قال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن
_________________
(١) تاريخ ابن معين براوية الدوري (١/٢٤١- ٢٤٢) .
(٢) أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/٢٤٤)، عن خالد بن عبد الله والبيهقي في سننه من طريق جرير كلاهما عن حصين عن عمروبن مرة قال: دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده.
[ ٥٧ ]
وائل عن النبي ﷺ، خالف حصين شعبة، شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟
ويبدو في هذا النص أن الإمام أحمد يرى أن حصينا قد أخذ الدرب المعروف والجادة المسلوكة: علقمة بن وائل عن أبيه، وتوهم حصين فيه، وأما شعبة فهو أحفظ وأثبت، فالإسناد كما روى شعبة لا كما روى حصين.
وهذا الباب يحتاج من العالم المتصدي لبيان معرفة طبقات الرواة ومراتب أعيان الثقات وبيان مراتبهم في الحفظ ومن يرجح قوله منهم عند الإطلاق، فيجب على المحدث أن يعتني بمعرفة مراتبهم ومن أوثق من غيره في فلان ومَنْ كان يخطئ في فلان (١) .
ويدخل هذا الباب في الشاذ أيضًا حيث تكون الموازنة بين الحافظ والأحفظ، كما يأتي إن شاء الله أمثلته.
ومثال عدم الضبط في المتن: رفع ما ليس بمرفوع.
حديث: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
ذكر ابن حجر في "التلخيص الحبير" طرفًا منه ثم قال: “أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي قلابة عن أنس: "أرحم أمتي
_________________
(١) ينظر هذا الباب في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص ٤٧) وما بعدها.
[ ٥٨ ]
بأمتي أبو بكر" الحديث وفيه "وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت" صححه الترمذي والحاكم وابن حبان، وفي رواية للحاكم "أفرض أمتي زيد" وصححها أيضًا، وقد أعلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنس صحيح إلا أنه قيل لم يسمع منه هذا.
وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في العلل ورجح هو وغيره كالبيهقي والخطيب في المدرج أن الموصول منه ذكر أبي عبيدة، والباقي مرسل" (١) .
ورجح ابن المواق وغيره رواية الموصول.
وأخرج البخاري في باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح من طريق خالد عن أبي قلابة جزء “إن لكل أمة أمينا ” إلخ فقط.
قال ابن حجر في الفتح بعد ذكر الحديث بكامله: “إسناده صحيح. إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله أعلم” (٢) .
ومن أوهام الثقات: رواية الإسناد لمتن آخر.
قال ابن أبي حاتم: “سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال: ”زوال الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها”.
_________________
(١) التلخيص الحبير (٣/ ٧٩) .
(٢) فتح الباري (٧/ ٩٢- ٩٣) مع صحيح البخاري.
[ ٥٩ ]
فقالا: هذا خطأ إنما هو: أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة فقال: "ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها".
فقلت لهما: الوهم ممن؟ قالا: من القرقساني” (١) .
وبه عَلَّلَه الإمام أحمد، كما في "المنتخب من العلل" للخلال (٢) .
وبه علله ابن حبان في المجروحين فقال: وهذا المتن بهذا الإسناد باطل (٣) .
ومما يدخل في عدم تمام الضبط: الاضطراب.
وهذه العلة من الأسباب الخفية المضعفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر، إلا بجمع الطرق والأسانيد كما تقدم في الباب الأول، ومعرفة الاختلاف على الراوي الذي عليه مدار الرواية، حتى يتعين موضع الاضطراب في السند أو المتن، وممن هو؟
مثاله: ما أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن ماجه والدارقطني وأحمد كلهم من طريق وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: "أراهم قد فعلوا استقبلوا بمقعدتي القبلة" (٤) .
وأورده ابن أبي حاتم (٥) من طريق حماد وفيه عن عراك سمعت عائشة مرفوعًا.
_________________
(١) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ١٣٥) .
(٢) المنتخب من العلل (ص ٤٣) .
(٣) المجروحين (٢/ ٢٩٤) .
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١١)، وسنن ابن ماجه (١/٢٠٥)، ومسند أحمد (٦/١٣٧) وسنن الدارقطني (١/ ٦٠) .
(٥) العلل (١/ ٢٩) .
[ ٦٠ ]
قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عندي عن عائشة من قولها (١) .
وكذا أشار ابن حجر إلى الاضطراب في هذا الحديث في ترجمة خالد بن أبي الصلت (٢) .
ولا يظهر هذا الاضطراب إلا بعد جمع طرق الحديث، فجمعناها فوجدنا الاضطراب فيه واضحًا.
١- فقد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد عن رجل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "ما استقبلت القبلة بفرجي منذ كذا وكذا " فحدث عراك بن مالك عن عائشة أن النبي ﷺ (٣) قال وكذا عند الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حماد عن خالد.
٢- وأخرجه الطحاوي أيضًا من طريق آخر عن حمّاد عن خالد الحذّاء عن خالد بن أبي الصلت وفيه، فحدث عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعًا (٤) .
فزاد فيه عروة بن الزبير، بين عراك وعائشة.
٣- وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، من طريق وهب عن خالد عن رجل أن عراكًا حدث عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ (٥) .
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٨٥) تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٢) تهذيب التهذيب (٣/ ٩٧- ٩٨) .
(٣) مسند أحمد (٦/١٨٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/١٥١)، بهذا الإسناد قول عمر بن عبد العزيز فقط وشرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٤) .
(٤) شرح معاني الآثار (٤/٢٣٤) .
(٥) التاريخ الكبير (٢/١٥٨)، وينظر تهذيب السنن لابن القيم (١/٢١)، وتحفة الأحوذي (١/١٩) .
[ ٦١ ]
فهذه الألفاظ المختلفة عن خالد بن أبي الصلت، تدل على عدم ضبطه واضطرابه، فالاضطراب من العلل الخفية التي لا تظهر إلا بالمتابعات وجمع الطرق والشواهد، ومعرفة الراوي الذي عليه مدار الاختلاف لمعرفة صاحب العهدة في الاضطراب.
ومن أمثلة المضطرب:
سئل الداقطني عن حديث المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن جده عبد الرحمن عن النبي ﷺ " لا يغرم السارق" فقال: يرويه مفضل بن فضالة واختلف عنه:
١- فقيل عنه عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور عن عبد الرحمن بن عوف.
٢- وقيل عنه عن المسور عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف ولا يثبت القول.
٣- وقيل عنه عن سعيد بن إبراهيم قال أبو صالح الحراني: كذا كان في كتاب المفضل عن سعيد بن إبراهيم.
٤- وقيل عنه عن يونس عن الزهري عن سعيد بن إبراهيم ولا يصح هذا القول.
٥- وقال ابن لهيعة عن سعيد بن إبراهيم عن المسور بن مخرمة عن النبي ﷺ. ولا يصح أيضًا، وهو مضطرب غير ثابت (١) .
_________________
(١) العلل الواردة في الأحاديث (٤/ ٢٩٤- ٢٩٥) .
[ ٦٢ ]
فقد حكم الدارقطني ﵀ على الحديث بالاضطراب، وجعل العهدة فيه على المفضل بن فضالة لكون مدار الاختلاف عليه، فهو الذي اضطرب. وروى عن يونس على أوجه مختلفة لا يمكن ترجيح بعضها على بعض وشرحها ودراستها تطول.
ومن أمثلة المضطرب ما ذكره ابن أبي حاتم في علله قال:
١- "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين مَوْجُوءَيْن (١) " الحديث.
٢- وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه جابر عن النبي ﷺ.
٣- وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة عن النبي ﷺ.
٤- ورواه عبيد الله بن عمر وسعيد بن سلمة فقالا: عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن علي بن حسين عن أبي رافع عن النبي ﷺ.
قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء.
قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه.
قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.
قال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات” (٢) .
_________________
(١) أي: خَصِيَّيْن. (النهاية: وجأ) .
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٩- ٤٤) .
[ ٦٣ ]
فهذا الحديث روي من أربعة وجوه كلها مختلفة، فرأى أبو زرعة أن العهدة فيه على ابن عقيل، هو الذي لم يضبط، وكان يخلط، وذكره الدارقطني في العلل وقال “والاضطراب فيه من ابن عقيل” (١) .
_________________
(١) العلل الواردة في الأحاديث (٩/ ٣١٩- ٣٢٠) .
[ ٦٤ ]
الفصل الثالث: في ذكر أمثلة وقعت العلة الخفية فيها لأجل عدم الاتصال
١- مثال العلة في اتصال السند إذا ثبت فيه انقطاع ظاهره السلامة والانقطاع هو عدم سماع بعض الرواة من البعض، فهو بحسب موقعه في الإسناد يتنوع إلى أنواع ويسمى بأسماء مختلفة:
١- إذا كان الانقطاع من آخر السند الذي في طرفه الصحابي والنبي ﷺ، فيسمى مرسلًا.
٢- إذا كان الانقطاع في وسط السند وكان الساقط واحدًا أو أكثر ولكن من غير التوالي، فيسمى منقطعًا.
٣- إذا كان الانقطاع من وسط السند باثنين على التوالي، فيسمى معضلًا.
٤- إذا كان الانقطاع من أول السند كُلًا أو بعضًا منه، فيسمى معلقًا.
٥- إذا كان الراوي معروفًا بالتدليس ففيه خوف الانقطاع فيحكم له بالانقطاع حتى يثبت له سماعه من شيخه.
ولا يدخل في البحث الخاص بالعلة، إلا ما كان الانقطاع فيه خفيًا لا ظاهرًا.
ولذلك لا نذكر من الأمثلة إلا ما كان الانقطاع فيها خفيًا.
مثال الانقطاع الذي فيه إمكان الانقطاع وعدمه: ما رواه مدلّس، مثل: أبي إسحاق السبيعي، روى الترمذي قال: حدثنا عبدُ بن حميد، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال:
[ ٦٥ ]
مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرّمَ الخمر، فلما حُرّمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر. فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣]، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب.
فنرى أن الترمذي يحسن ويصحح الحديث، وذكر -فيما يظهر والله أعلم- رواية شعبة عن أبي إسحاق بعدها متابعة لإسرائيل لرفع الاختلاط والتدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث؛ لأن شعبة كان أشد الناس على التدليس والمدلسين، ولأنه سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه فيما يظهر.
فقال حدثنا بندار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء فذكره ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
ولكن هنا خفي الاتصال، وظهر للناظر فيه أن شعبة لم يكن يروي عن المدلسين ومن أوثق الناس فالحديث صحيح، ولكن قد ظهر الانقطاع الخفي بعد جمع الطرق، فقد روى أبو يعلى في مسنده بعد إخراجه هذا الحديث: شعبة قال لأبي إسحاق: أسمعته من البراء؟ قال: لا (١) . وعليه فالحديث منقطع.
وهذا النوع من الانقطاع الخفي.
وأخرجه الدارقطني في سننه (٢) من ثلاث طرق:
الأولى: من طريق معاوية بن سعيد التُجيببي ثنا الزهري عن أم عبد الله الدوسية.
_________________
(١) مسند أبي يعلى (٣/٢٦٦) .
(٢) وانظر أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص٦٥-٦٦) .
[ ٦٦ ]
الثانية: من طريق الحكم بن عبد الله بن سعد عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم".
وقال الدارقطني في الثانية أي التي فيها التحديث: لا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه عنه متروك.
وقال في الثالثة: الزهري لا يصح سماعه من الدوسية، والحكم هذا متروك (١) .
فهنا قد يخفى هذا الانقطاع، فإن الزهري وصف بتدليس قليل وبخاصة مع تصريح التحديث في بعض الروايات، فهذا النوع من الانقطاع الخفي داخل في العلة.
ومن أمثلة العلة في اتصال السند إذا ثبت الانقطاع فيه وظاهره السلامة منه:
ما رواه أبو داود: قال حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: ثنا عبد الرزاق -قال أحمد- ثنا معمر أخبرني أشعث، وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يبولن أحدكم في مستحَمِّه ثم يَغْتَسِل فيه"، وفي رواية: "ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه" (٢) .
قال الحاكم في المستدرك: ”صحيح على شرطهما“، ووافقه الذهبي (٣) .
_________________
(١) سنن الدارقطني (٢/١٩) .
(٢) سنن أبي داود (١/٧) باب في البول في المستحم، وهوفي مسند أحمد (٥/٥٦) .
(٣) مستدرك الحاكم (١/١٦٧) .
[ ٦٧ ]
وقال المنذري في الترغيب: “إسناده صحيح متصل”.
وهذا الإسناد الذي حكموا عليه بالصحة لا شك أن رجاله ثقات ولكن له علة خفية، وهي عنعنة الحسن وهو البصري.
قال الذهبي فيه: “كان الحسن البصري كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان، ضَعُفَ احتجاجه، ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه” (١) .
وهو وإن كانوا قد ذكروا له سماعًا من عبد الله بن مُغَفَّل، فليس معنى ذلك أن كل حديث له عنه موصول سمعه منه، بل لا بُدّ من تصريحه بالسماع من كل صحابي، يروي عنه ليكون حجة خاليًا من عِلَّةٍ، هذا هو الذي يقتضيه علم مصطلح الحديث (٢) .
ومن أمثلته: قال مُهنّا قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي روّاد عن عبيد الله بن عُمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان"، فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روَّاد من عُبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه سمعه من إنسان فحدث به (٣) .
والانقطاع في الإسناد سبب مضعف للحديث كما هو واضح وهو قد يكون ظاهرًا وقد يكون خفيًا.
_________________
(١) ميزان الاعتدال (١/٥٢٧) .
(٢) ينظر ضعيف سنن أبي داود (١/١٨) .
(٣) المنتخب من العلل للخلال (ص٢٢٧) .
[ ٦٨ ]
وهنا علّل الأئمة في الأحاديث المذكورة لخفاء الانقطاع.
ومن أمثلته ما ذكره الحاكم في "معرفته" بإسناده عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من جلس مجلسًا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذاك".
قال أبو عبد الله: “هذا حديثٌ مَنْ تأمَّله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة، ثم ذكر بإسناده أن مسلمًا جاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبِّل رجلك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، فذكر الحديث بإسناد البخاري فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب قال: ثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله، قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيل” (١) .
وكان الانقطاع هنا خفيًّا جدًا، حتى أظهره أمير المؤمنين في الحديث: البخاري؛ لأن سهيلًا وموسى بن عقبة متعاصران، فقد مات سهيل بن أبي صالح سنة ١٣٨؟ تقريبًا، ومات موسى بن عقبة قريبًا من سنة ١٤١؟، وسهيل لم يوصف بالتدليس فيما أعلم، وأما موسى بن عقبة فقد تُكلِّم في روايته عن الزهري فقط، ولم يتكلم أحد في روايته عن سهيل، وكلاهما مدني، فتعليل البخاري الحديث بالانقطاع بينهما -وقد كان خفيًا شديدًا- له اعتباره، فقد خفي هذا الانقطاع حتى على مسلم ﵀.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (١١٣-١١٤) .
[ ٦٩ ]
ويدخل في علة الانقطاع روايات شيوخ ثقات قد سمعوا من شيوخهم أحاديث كثيرة فإذا روى أحدهم من أحد شيوخه حديثًا لم يسمع منه، خفي على الناظر عدم السماع وحكم على الحديث بالاتصال والصحة في حين أن الحديث فقد شرط الاتصال.
وهذا النوع من العلة لا يظهر إلا للجهابذة الذين يتتبعون روايات الشيخ واحدة واحدة.
قال الإمام أحمد: قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدًا -يعني ابن أسلم- سمعته من عبد الله -يعني ابن عمر- حديث: "دخل النبي ﷺ مسجد بني عمرو ابن عوف، وهِبْتُ أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة سمعتَه من عبد الله بن عمر؟ فقال: أما أنا فقد رأيته وكلّمته".
قال أحمد أيضًا: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ توضأ (١) .
قال سفيان حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه.
قال أحمد: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث، وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاث مرار.
قال: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ في الحمّام والمقبرة. قال الإمام أحمد: قد حدثنا به سفيان دلّسه (٢) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/٦٦) أبواب الطهارة، باب ما جاء فيمن توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثًا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه وغَسل رجليه مرتين، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) العلل ومعرفة الرجال (١/١٩١-١٩٢) .
[ ٧٠ ]
وأخرج الترمذي من طريق إبراهيم النخعي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: "للمسافر ثلاثة وللمقيم يوم"، ثم قال: وقد روى الحكم بن (عتيبة) وحماد عن إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت، ولا يصح.
وقال: قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح (١) .
_________________
(١) سنن الترمذي (١/١٦٠)، أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، وأخرجه أحمد (٥/٢١٥،٢١٣)، والبيهقي (١/٢٧٨) من هذا الطريق.
[ ٧١ ]
الفصل الرابع: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل الشذوذ
وأما الشذوذ فقد مضى تعريفه، كما مضى ذكر الراجح في تعريفه، وهو: اشتراط مخالفة الراوي الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفته جماعة من الثقات.
وهذا السبب كاد أن يكون هو السبب الغالب في إثبات علة الحديث، لذا نرى الأئمة إذا ذكروا حديثًا في بعض الأحيان من طريق واحد أو إسناد خاص أو ذكروا المتن بلفظ خاص فيحشدون لَه طرقًا كثيرة لإثبات العلة وتعيين الصواب فيه.
وهذه سيما يتميز بها كتاب "العلل" للدارقطني، ومن قبل كتاب "التمييز" للإمام مسلم ﵀.
والشذوذ قد يكون في الإسناد بذكر راوٍ تفرد عنه أحد الرواة في حين خالفه الأكثرون.
وقد يكون في المتن برفع موقوف أو وقف مرفوع أو إرسال موصول، أو وصل مرسل.
وقد مضى قول الأئمة: السبيل إلى معرفة علة الحديث أن تجمع بين طرقه وتنظر في اختلاف رواته وتعتبر أي الخطأ والصواب بمكانهم من الحفظ.
وقال ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (١) .
_________________
(١) توضيح الأفكار (٢/٢٨-٢٩) .
[ ٧٢ ]
فأول حديث في علل الدارقطني: سئل الشيخ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الحافظ عن حديث عمر بن الخطاب عن أبي بكر في تزويج النبي ﷺ حفصة وقول أبي بكر لعمر: "لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ عليّ، إلا أني علمتُ أن رسول الله ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشِيَ سرَّ رسول الله ﷺ ولو تركها لقَبِلْتها".
قال: يرويه الزهري عن سالم عن أبيه عن عُمر "تأيّمتْ حَفْصة من خُنَيْس (١) بن حذافة السَّهْمي. وهو حديث صحيح من حديث الزهري رواه عنه جماعة من الثقات الحفاظ فاتفقوا على إسناده منهم:
شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويونس وعُقيل ومحمد بن أخي الزهري، وسفيان ين حُسَين، والوليد بن محمد الموقري وعبد الله بن أبي زياد الرصافي، وغيرهم عن الزهري فاتفقوا على لفظ واحد في قول أبي بكر لعمر: “لم يمنعني أن أرجع إليك شيئًا إلا أني قد كنت علمت أن رسول الله ﷺ ذكر حفصة”.
ورواه معمر بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد فجوّده وأسنده، وقال فيه: “لم يمنعني أن أرجع إليك شيئًا إلا أني كنتُ سمعتُ رسول الله ﷺ يذكرها، ولم أكن أفشي سرَّ رسول الله ﷺ“.
وهو حديث صحيح عن الزهري أخرجه البخاري في الصحيح من حديث معمر ومن حديث صالح بن كيسان وشعيب عن الزهري.
إلا أن معمرًا قال: فيما حكى عنه هشام بن يوسف – قال فيه: حُبيش ابن حذافة، صحّف فيه.
_________________
(١) بخاء معجمة ونون وسين مهملة مصغرًا، (المغني في الضبط: ص٩٥) .
[ ٧٣ ]
وأما عبد الرزاق فقال عن معمر: خُنيس بن حذافة أو حذيفة. والصحيح أنه خُنَيس بن حذافة بن قيس السهمي أخو عبد الله بن حذافة (١) .
ثم ذكر الدارقطني بعده الاختلافات الأخرى في الرواية، فالذي يظهر أن الدارقطني ﵀ ساق هذا القول لبيان أمرين: الأول: الاختلاف في قوله: “لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ”، وهو لفظ الجماعة.
الثاني: في اسم زوج حفصة، فقال الجماعة أن اسمه خنيس بن حذافة، وقال معمر وحده حُبيش بن حذافة، وبه قضى للجماعة، وأثبت به تشذيذه لمعمر في هذين اللفظين، والله أعلم.
مثال آخر:
سئل الدارقطني عن حديث عمر عن أبي بكر عن النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث.
فقال: هو حديث يرويه الزهري، واختلف عنه:
فمِمّن رواه على الصواب: شعيب بن أبي حمزة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن الوليد الزبيدي وعُقَيْل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد، وسفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، ومحمد ابن إسحاق، وجعفر بن بُرقان، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم.
فرووه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال: قال عمر لأبي بكر.
واختلف عن سفيان بن حُسين.
_________________
(١) العلل الواردة في الأحاديث (١/١٥٣، وما بعدها) .
[ ٧٤ ]
فأسنده عنه محمد بن يزيد الواسطي عن الزهري عن عبيد الله، عن أبي هريرة، وأرسله يزيد بن هارون، فأسقط منه أبا هريرة.
ورواه معمر بن راشد واختلف عنه، فأسنده رباح بن زيد عن معمر عن الزهري عن عُبَيْد الله عن أبي هريرة بمتابعة من تقدم حديثه.
وأرسله عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عُبَيْد الله، لم يذكر أبا هريرة.
ورواه عمران القطان عن مَعْمر، وقال: عن الزهري عن أنس بن مالك عن أبي بكر، ووهم فيه على معمر.
ورواه يحيى بن أبي أُنَيْسة عن الزُهْري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ووهم أيضًا في ذكر سعيد.
ورواه صالح بن أبي الأخضر فقال: عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة.
ورواه الوليد بن مسلم عن شُعَيْب ومرزوق بن أبي الهذيل وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.
ووهم فيه على شعيب وعلى ابن عُيينة، لأن شعيبًا يرويه عن الزهري عن عُبيد الله عن أبي هريرة.
وابن عيينة يرويه عن الزهري مرسلًا لا يذكر فوقه أحدًا.
والقول الأول هو الصواب (١) .
فهنا جمع الدارقطني ﵀ أحد عشر طريقًا لهذا الحديث عن الزهري
_________________
(١) علل الدارقطني (١/١٦٢-١٦٦) .
[ ٧٥ ]
وقضى لهم بالصواب ووهم الآخرين - ومنهم بعض الثقات المعروفين؛ مثل معمر بن راشد وسفيان بن عيينة - لأنهم شذوا في رواياتهم عن الزهري، وخالفوا جماعة كثيرين.
وإن قال أحد إن الزهري كثير الشيوخ وكثير الرواية، فمن الممكن أن (تُسَلّم) بعض الروايات الأخرى التي يصح إسنادها إلى الزهري، ويقال: إن هذه الطرق أيضًا صحيحة، والله أعلم.
[ ٧٦ ]
ومن أمثلة علة الشذوذ:
سئل الدارقطني عن حديث حمران عن عثمان عن النبي ﷺ، قال: "من علم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
فقال يرويه شعبة، واختلف عنه.
فرواه عبد الله بن حمران، عن شعبة، عن بيان عن بشر، عن حمران عن عثمان.
وخالفه غندر وعبد الصمد وغيرهما رووه عن شعبة عن خالد الحذاء عن أبي بشر (العنبري) الوليد بن مسلم عن حمران وهو الصواب (١) .
قلت: طريق عبد الله بن حمران، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢) .
وكذلك طريق غندر هو وأحمد (٣) .
وقال النسائي: حديث عبد الله بن حمران خطأ، والصواب طريق غندر.
والطبراني في جزء من حديثه عن النسائي وقال: لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا عبد الله بن حمران (٤) .
ويدخل في باب العلة كل ما خالف فيه راو مقبول من هو أوثق. فتدخل الأنواع الأخرى التي ذكرت سابقًا في المخالفة أعني المنكر والمقلوب والمدرج، والمزيد في متصل الأسانيد والمصحّف والمحرّف.
_________________
(١) العلل الواردة في الأحاديث (٣/١٩) .
(٢) عمل اليوم والليلة (ص٥٩٧-٥٩٨) .
(٣) مسند أحمد (١/٦٥) .
(٤) نقلًا عن تعليق محقق علل الدارقطني (٢/١٩) .
[ ٧٧ ]
الفصل الخامس: تعليل الحديث بعلل عامة
هذا وقد يعلل الحديث بعلل أخرى غير ما ذكرت مأخوذة من شرط الصحيح، فتدخل تلك العلل في اشتراط عدم كونه معللًا في تعريف الصحيح.
كما قال ابن رجب ﵀: حُذَّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك.
وهذا مما لا يعبّر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم كما سبق ذكره في غير موضع.
قلت: وهذا القول ليس على عمومه ولكن له أصل في مواضع كثيرة والشأن فيه للقرائن، فقد تدل قرينةٌ على صدق قول المحدث فيقبل تعليله، وقد لا تدل قرينة فربما يرد تعليله (١) .
ومن أمثلته: أن يروى الحديث بالمعنى، أو يختصر فتدخل العلة في هذا التصرف.
قال الترمذي: فأما من أقام الإسناد وحفظه وغيّر اللفظ فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغيَّر به المعنى.
وقال ابن رجب في شرحه: وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصيرًا بالمعاني، عالمًا بما يُحيل المعنى، وما لايحيله، نص على ذلك الشافعي.
_________________
(١) شرح علل الترمذي (٢/٧٥٦) .
[ ٧٨ ]
وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيّروا المعنى، مثل ما اختصر بعضهم حديث عائشة في حيضها في الحج أن النبي ﷺ قال لها – وكانت حائضًا -:“انقضي شعر رأسك وامتشطي”، وأدخله في أبواب غسل الحيض (١) .
وقد أنكر أحمد ذلك على من فعله، لأنه يُخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام وهي حائض.
وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد رسول النبي ﷺ – يريد زكاة الفطر – فصحّف "نؤديه"، فقال: "نورّثه"، ثم فسّره من عنده فقال: يعني: الجدّ، كل هذا تصرف سيئ لا يجوز مثله (٢) .
ومن هذا النوع من التعليل: مخالفة الراوي مرويه.
فالأصل فيه أن العبرة بما روى لا بما رأى، لأنه قد ينسى مرويَّه فيخالفه، فيكون من باب من حدث ونسي.
ولكن قد تدل القرائن فتكون مخالفته علة في تصحيح حديثه، قال ابن رجب:
في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وقد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا، فمنها: أحاديث أبي هريرة في
_________________
(١) نعم، أخرجه البخاري في أبواب الحيض، باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، وباب نقض المرأة شعرها عند غسل الحيض.
(٢) شرح علل الترمذي (١/١٤٧/١٤٩) .
[ ٧٩ ]
المسح على الخفين ضعفها أحمد ومسلم وغير واحد، وقالوا: أبو هريرة ينكر المسح على الخفين فلا يصح له فيه رواية.
ومنها أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين أيضًا أنكرها أحمد، وقال ابن عُمر أنكر على سعيد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية.
ومنها حديث عائشة عن النبي ﷺ قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: "الأقراء: الأطهار لا الحيض".
وذكر ابن رجب أمثلة أخرى (١) .
والذي يقال: إن مخالفة الراوي لروايته تكون علة إذا دلت قرائن تظهر أنه نسي ولم يتذكر روايته، أو لم يكن حمل الرواية على محامل أخرى غير الظاهر والله أعلم.
هذا وقد مرت الإشارة إلى أن العلة هي سبب خفي قادح في صحة الحديث، ولكن قد يسمي علة كل سبب مضعف للحديث ظاهرًا كان أم خفيًا، وهذا أمر شائع عند أهل الحديث.
وإظهار العلل الخفية له دور بارز في حفظ سنة رسول الله ﷺ وجمعها ومنعها، فبهذا العمل الجليل تصان السنة من أن يُدخل فيها أحدٌ ما ليس منها، سهوًا أو عمدًا.
_________________
(١) ينظر شرح علل ابن رجب (٢/٧٩٦-٨٠١) .
[ ٨٠ ]