[ ١ ]
الحَدِيثُ وَالسُنَّةِ:
لو أخذنا بالرأي السائد بين المُحَدِّثِينَ، ولا سيما المتأخرين منهم، لرأينا الحَدِيثَ وَالسُنَّةَ مُتَرَادِفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، يوضع أحدهما مكان الآخر: ففي كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبي - ﷺ -، بَيْدَ أنَّ رَدَّ هذين اللفظين إلى أصولهما التاريخية يُؤَكِّدُ وجود بعض الفروق الدقيقة بين الاستعمالين لغة واصطلاحًا.
فالحديث - كما لاحظ أبو البقاء (١) - «هُوَ اسْمٌ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَهُوَ الإِخْبَارُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ تَقْرِيرٌ نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ
_________________
(١) أبو البقاء هو أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، كان من قضاة الأحناف وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٠٩٢ هـ وهو قاض بالقدس (انظر " هدية العارفين ": ١/ ٢٢٩ و" إيضاح المكنون ": ١/ ٢٥١ / ٢٨٠).
[ ٣ ]
وَالسَّلاَمُ -» (١). ومعنى «الإِخْبَارِ» في وصف الحديث كان معروفًا للعرب في الجاهلية منذ كانوا يطلقون على «أيامهم المشهورة» اسم «الأحاديث» (٢).
ولعل الفَرَّاءَ (٣) قد تَنَبَّهَ إلى هذا المعنى حين رأى أَنَّ «وَاحِدَ الأَحَادِيثِ أُحْدُوثَةٌ، ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ» (٤). ومن هنا شاع على الألسنة: «صَارَ أُحْدُوثَةً» (٥) أو «صَارَ حَدِيثًا» (٦) إذا ضُرِبَ به المثل. واستعمل الشاعر أبو كلدة في بيت واحد المثل والأحدوثة في بيت واحد المثل والأحدوثة كأنما ليشير إلى ترادفهما فقال:
وَلاَ تُصْبِحُوا أُحْدُوثَةً مِثْلَ قَائِلٍ بِهِ يَضْرِبُ الأَمْثَالَ مَنْ يَتَمَثَّلُ (٧)
وكيفما تُقَلِّبُ مادة «الحَدِيثِ» تجد معنى «الإِخْبَارِ» وَاضِحًا فيها حتى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٩).
وقد استشعر بعض العلماء في مادة «الحَدِيثِ» معنى «الجِدَّةِ»، فأطلقوه
_________________
(١) " كليات أبي البقاء ": ص ١٥٢ (ط. الأميرية سنة ١٢٨٠ هـ).
(٢) " فتوح البلدان " للبلاذري: ص ٢٩.
(٣) هو يحيى بن زياد الديلمي، أحد نُحاة الكوفة وأئمتها المشهورين في اللغة، له كتاب في معاني القرآن. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٠٧ (انظر " طبقات الزبيدي ": ١٤٦).
(٤) انظر: " قواعد التحديث ": ص ٢٥.
(٥) " الأغاني ": ٢١/ ١٥٠.
(٦) " الأغاني ": ١٤/ ٤٧.
(٧) " الأغاني ": ١٠/ ١٢٠.
(٨) [سورة الطور، الآية: ٣٤].
(٩) [سورة الزمر، الآية: ٢٣].
[ ٤ ]
على ما يقابل القديم، وهم يريدون بالقديم كتاب الله، وبالجديد ما أضيف إلى رسول الله. قال شيخ الإسلام ابن حجر في " شرح البخاري ": «المُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لأَنَّهُ قَدِيمٌ» (١) وهذا يُفَسِّرُ لنا - إلى حد كبير - تَوَرُّعَ كثير من العلماء من إطلاق اسم الحديث على كتاب الله واستبدالهم «كَلاَمَ اللهِ» بحديث الله. وفي " سنن ابن ماجه " رواية لحديث نبوي تكاد تقطع بضرورة هذا الورع وهذا الأدب في التعبير: عن عبد الله بن مسعود أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلاَمُ وَالْهَدْيُ. فَأَحْسَنُ الْكَلاَمِ كَلاَمُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» (٢).
وإذا وجدنا في جُلِّ كتب السُنَنِ «إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ» ثم لا حظنا تَفَرُّدَ ابن ماجه برواية «أَحْسَنُ الْكَلاَمِ» أدركنا أنه ليس بمستبعد أَنْ يكون الورع حمله على إيثار هذا التعبير، وكان أقل ما نستنبطه من ذلك أَنَّ في العلماء مَنْ تَحَرَّجَ من إطلاق اسم الحديث على كتاب الله القديم.
والنبي - ﷺ - سَمَّى بنفسه قوله «حَدِيثًا» وكاد بهذه التسمية يُمَيِّزُ ما أضيف إليه عما عداه، حتى كأنه وضع الأصول لما اصطلحوا فيما بعد على تسميته «بِالحَدِيثِ». جاءه أبو هريرة يسأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة، فكان جوابه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «أَنَّهُ عَلِمَ أَنْ لَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَرْصِهِ عَلَىَ طَلَبِ الحَدِيثِ» (٣).
_________________
(١) " التدريب ": ٤.
(٢) " سنن ابن ماجه ": ١/ ١٨، رقم الحديث ٤٦ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(٣) " صحيح البخاري ". كتاب الرقاق. رقم ٥١.
[ ٥ ]
وَالسُنَّةُ - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها - تبعًا لمعناها اللغوي - كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي - ﷺ - في سيرته المُطَهَّرَة، لأَنَّ معنى السُنَّةِ لغة الطريقة. فإذا كان الحديث عَامًّا يشمل قول النبي وفعله، فَالسُنَّةُ خَاصَّةٌ بأعمال النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين ندرك قول المُحَدِّثِينَ أَحْيَانًا: «هَذَا الحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالسُنَّةِ وَالإِجْمَاعِ»، أو قولهم: «إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَإِمَامٌ فِي السُنَّةِ، وَإِمَامٌ فِيهِمَا مَعًا» (١) وأغرب من هذا كله أَنَّ أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صَحَّ أنْ يذكر ابن النديم كِتَابًا بعنوان " كتاب السُنن بشواهد الحديث " (٢).
وحين عَبَّرَ الإسلام عن الطريقة بِالسُنَّةِ لم يفاجئ العرب، فلقد عرفوها بهذا المعنى كما عرفوا نقيضها وهي البدعة (٣). وكان في وسعهم أَنْ يفهموا منها هذا المعنى حتى عند إضافتها إلى اسم الجلالة في مثل قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (٤). أما الذين سمعوا لفظها من النبي - ﷺ - في مثل قوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» (٥)، فما كان لهم حِينَئِذٍ أَنْ يَتَرَدَّدُوا في انصرافها إلى أسلوبه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وطريقته في حياته الخاصة والعامة.
_________________
(١) من ذلك ما يراه عبد الرحمن بن مهدي (- ١٩٨) «مِنْ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَالأَوْزَاعِيَّ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَلَيْسَ بإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا». انظر " الزرقاني على الموطأ ": ١/ ٤ وقابله بـ «Trad Islam.١٢، ١٤» .
(٢) " الفهرست " لابن النديم: ص ٢٢٠.
(٣) انظر " الأغاني ": ٧/ ١١٩ وفيما يتعلق بالبدعة: ٧/ ١١٤.
(٤) [سورة الأحزاب، الآيتان: ٣٨ و٦٢].
(٥) سنن ابن ماجه ١/ ١٦ رقم الحديث ٤٢.
[ ٦ ]
وَالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ كانت - كما سنرى - أحرص البلاد على السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ حتى سميت «دَارَ السُنَّةِ» (١). وفي جنباتها المشرفة بدأ مفهوم «السُنَّةِ» يأخذ شَكْلًا سِيَاسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا إلى جانب الشكل الديني الأساسي: فالرسول - ﷺ - يُصَرِّحُ بأنَّ «مَنْ أَحْدَثَ فِي المَدِينَةِ حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٢). وَكَأَنَّ في هذا الحديث إيماء إلى براءة الله ورسوله من كل مُنْشَقٍّ على الجماعة، خالع يد الطاعة، مُؤْثِرٌ البِدْعَةَ عَلَى السُنَّةِ. فلينصح الأب ابنه: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالحَدَثَ»، وليستجب الابن لأبيه مُكْبِرًا تَقيُّدَهُ بِالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ: «وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الحَدَثُ فِي الإِسْلاَمِ» (٣)، وليقل المتهم في دينه مُدَافِعًا عن نفسه: «مَا أَحْدَثْتُ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا وَلاَ أَخْرَجْتُ مِنْ طَاعَةٍ يَدًا» (٤).
ما أسرع ما انتقل المسلمون إذن من المعنى الإقليمي الضيق إلى المعنى الشامل الواسع! إنهم لا يخشون إحداث الحَدَثِ في المدينة وحدها «دَارَ السُنَّةِ»، بل يخشون الحدث في الإسلام كله، في كل بلد بلغته الدعوة المباركة، فالمبدأ عام شامل، وقد وضعه الرسول - ﷺ - بنفسه مُذْ قال: «شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» (٥) وقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٦).
_________________
(١) راجع فصل - الرحلة في طلب الحديث - من هذا الكتاب.
(٢) " صحيح البخاري ". الاعتصام. رقم ٦.
(٣) " سنن الترمذي ": ١/ ٥١.
(٤) " الأغاني ": ٢١/ ١٤٤.
(٥) " سنن ابن ماجه ": ١/ ١٧ رقم ٤٥.
(٦) " سنن أبي داود ": ٤/ ٢٨٠ رقم ٤٦٠٦.
[ ٧ ]
ولم يكن لهذا المبدأ النبوي الصريح إلاَّ نتيجة واحدة حاسمة: فعلى قدر الخوف من إحداث الحدث في الإسلام كانت الرغبة في المحافظة على سُنَّةِ رسول الله. وَإِنَّ كل مؤمن لا يظل قلبه ونظره معلقين بشخص الرسول، ولا يصوغ نفسه وعمله وفق الخلق النبوي، ووفق ما جرت به السُنَّةُ (١) أو مضت عليه (٢) ليس صادق الإيمان ولا هو من المُقرَّبِينَ.
وإذا كان هذا الرجل من المشتغلين بالحديث النبوي زادت تبعته، فما يفعل شَيْئًا لم يفعله رسول الله - ﷺ -، بل يَتَرَدَّدُ في كثير من الأمور قبل الإقدام عليها ليعرف أقربها إلى السُنَّةِ، من تشميره ثيابه (٣)، وطرقه الباب للاستئذان على المحدث (٤)، وإفشائه السلام غير مجاوز القدر المُسْتَحَبَّ من رفع الصوت به (٥)، وجلوسه حيث ينتهي به المجلس (٦) وامتناعه من الجلوس في صدر الحَلَقَةِ أو وسطها (٧) أو بين اثنين بغير إذنهما (٨) وما شابه هذه الخصال النَّبَوِيَّةِ التي اشتمل عليها كتاب الأدب في جميع كتب «السُنَنِ».
وحين بَعُدَ العهد بالوحي وبرسول الله - ﷺ - أضحى التشبه بالسلف الصالح
_________________
(١) " البخاري ". الاعتصام. رقم ٤.
(٢) " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٦٨ رقم ٢٢٥٠.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٢/ ٢٢.
(٤) " الجامع ": ٢/ ٢٤.
(٥) " الجامع ": ٢/ ٢٦.
(٦) " الجامع ": ٢/ ٢٨.
(٧) " الجامع ": ٢/ ٢٨ أَيْضًا.
(٨) " الجامع ": ٢/ ٢٩.
[ ٨ ]
ضَرْبًا من التأسي بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. وصار هؤلاء المُتشبِّهُونَ بالسلف ينسبون إليه فَيُسَمَّوْنَ «السَّلَفِيِّينَ» (١)، وباتت حياتهم وَقْفًا على إحياء السُنَّةِ وإماتة البدعة (٢)، وكان المُتدَيِّنُونَ الصادقون ينظرون إليهم نظرة إجلال وإكبار في مختلف العصور، غير أنهم لم يسلموا من أذى المبتدعة وأهل الأهواء، ولا من غُلاَةِ المُتَصَوِّفِينَ، ولا من الأدباء المُتَطَرِّفِينَ. ومضى السَّلَفِيُّونَ لا يبالون بشيء من أذى العامة، فحسبهم شَرَفًا أنهم حفظوا سُنَنَ الهُدَى حِينَ ضَيَّعَهَا النَّاسُ!
ولئن أطلقت السُنَّةُ في كثير من المواطن على غير ما أطلق الحديث، فَإِنَّ الشعور بتساويهما في الدلالة أو تقاربهما على - الأقل - كان دائمًا يساور نُقَّادَ الحديث، فهل السُنَّة العملية إلاَّ الطريقة النَّبَوِيَّةَ التي كان الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - يُؤَيِّدُهَا بأقواله الحكيمة وأحاديثه الرشيدة المُوَجَّهَةِ؟ وهل موضوع الحديث يغاير موضوع السُنَّة؟ ألا يدوران كلاهما حول محور واحد؟ ألا ينتهيان أَخِيرًا إلى النَّبِيِّ الكَرِيمِ في أقواله المُؤيِّدَةِ لأعماله، وفي أعماله المُؤيِّدَةِ لأقواله؟
حين جالت هذه الأسئلة في أذهان النُقَّادِ لم يجدوا بَأْسًا فِي أنْ يُصَرِّحُوا
_________________
(١) " المشتبه في أسماء الرجال " للذهبي، نشر جنغ Jong، ص ٢٦٩.
(٢) وعلى طريقة المستشرقين في إحصاء الجزئيات واستقراء التفصيلات، قام جولدتسيهر بجمع طائفة حسنة من المعلومات عن إحياء السُنَّةِ في مختلف العصور الإسلامية، وليس لنا اعتراض على النتيجة التي خرج بها من دراسته لهذه الناحية بالذات، فقد أثبت أنَّ إحياء السُنَّةِ كان يرادف غالبًا العمل على نشرها وتثبيتها في نفوس الأفراد. وانظر: Muhammedanisches Recht، in Theorie und Wirklich Keit (Zeitschrift f. vergleich) .Rechtswissenschatt، VIII، ٤٠٩ sq.
[ ٩ ]
بحقيقة لا ترد: إذا تناسينا مَوْرِدَيْ التسميتين كان الحديث وَالسُنَّةُ شَيْئًا وَاحِدًا، فليقل أكثر المُحَدِّثِينَ: إنهما مترادفان.
الخَبَرُ وَالأَثَرُ:
والخبر أجدر من السُنَّةِ أَنْ يرادف الحديث، فما التحديث إلاَّ الإخبار، وما حديث النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إلاَّ الخبر المرفوع إليه. غير أَنَّ إطلاق اسم الإخباري على من يشتغل بالتواريخ ونحوها حمل بعض العلماء على تخصيص المشتغل بِالسُنَّةِ بلقب «المُحَدِّثِ» لتمييزه عن «الإِخْبَارِيِّ» وعلى تسمية ما جاء عنه «حَدِيثًا»، لتمييزه عن «الخَبَرِ» الذي يجيء عن غيره. وهذا يُفَسِّرُ قولهم: «بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ وَلاَ عَكْسَ» (١).
وَالمُحَدِّثُونَ الذين انتصروا لترادف الحديث والخبر لاحظوا - إلى جانب المدلول اللغوي المتماثل بين اللفظين - أَنَّ الرُوَّاةَ لم يكتفوا بنقل المرفوع إلى النَّبِيِّ - ﷺ -
بل عُنُوا معه بنقل الموقوف على الصحابي والمقطوع على التابعي: فقد رَوَوْا إذن ما جاء عن النَّبِيِّ وما جاء عن غيره، والرواية إخبار هنا وهناك، فَلاَ ضَيْرَ في تسمية الحديث خَبَرًا، والخبر حَدِيثًا.
ومن خلال الرواية نفسها نظروا إلى الأثر، فهو مرادف للخبر وَالسُنَّةِ وَالحَدِيثِ، «يُقَالُ: أَثَرْتُ الحَدِيثَ: بِمَعْنَى رَوَيْتُهُ، وَيُسَمَّى المُحدِّثُ أَثَرِيًّا
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ص ٤.
[ ١٠ ]
نِسْبَةً لِلأَثَرِ» (١). فلا مسوغ لتخصيص الأثر بما أضيف للسلف من الصحابة والتابعين، إذ أنَّ الموقوف والمقطوع روايتان مأثورتان كالمرفوع، إلاَّ أَنَّ الموقوف يُعْزَى إلى صحابي، والمقطوع يُعْزَى إلى التابعين، بينما ينتهي المرفوع إلى الرسول الكريم - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. وهنالك اصطلاحات في بيان الفرق بين كل من الخبر والأثر لن تخوض فيها، ولن نماري فيها أصحابها (٢)، فقد أخذنا برأي الجمهور في تساوي هذه المصطلحات جَمِيعًا في إفادة التحديث والإخبار، وعليهما مدار البحث في علم أصول الحديث.
الحَدِيثُ القُدْسِيُّ:
وكان رسول - ﷺ - يُلْقِي أَحْيَانًا على أصحابه مواعظ يحكيها عن ربه - ﷿ - ليست وَحْيًا مُنَزَّلًا فَيُسَمُّوهَا قُرْآنًا، ولا قولًا صَرِيحًا يسنده - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إلى نفسه إسنادًا مباشرًا فَيُسَمُّوهَا حَدِيثًا عَادِيًّا، وإنما هي أحاديث يحرص النَّبِيُّ على تصديرها بعبارة تدل على نسبتها إلى الله، لكي يشير إلى أَنَّ عمله الأوحد فيها حكايتها عن الله بأسلوب يختلف اختلافًا ظَاهِرًا عن أسلوب القرآن، ولكن فيه - مع ذلك - نفحة من عالم القدس، ونورًا من عالم الغيب، وهيبة من ذوي الجلال والإكرام.
تلك هي الأحاديث القدسية، التي تُسَمَّى أَيْضًا إِلَهِيَّةً وَرَبَّانِيَّةً.
_________________
(١) " التقريب ": ص ٤.
(٢) من تلك الاصطلاحات أنَّ المُحَدِّثِينَ يُسمُّون المرفوع والموقوف بالأثر، وأنَّ فقهاء خُرَاسَانَ يُسَمُّونَ الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر: انظر " التدريب ": ص ٤.
[ ١١ ]
مثالها ما أخرجه مسلم في " صحيحه " عن أبي ذر - ﵁ - عن النَّبِي - ﷺ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ اللهِ - ﷿ -: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ (١) إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ» (٢).
والصيغة التي صدر بها النَّبِي - ﷺ - هذا الحديث القدسي هي - كما لاحظنا - «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ» وهي العبارة التي آثرها السلف في رواية هذه الأحاديث. أما الخلف فلهم طريقة خاصة في التعبير عن هذه الأقوال القدسية الربانية، إذْ يَقُولُونَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -».
_________________
(١) المخيط: الإبرة، ما يخاط به.
(٢) " رياض الصالحين " للنووي: ص ٧٣.
[ ١٢ ]
وَالمُؤَدَّى واحد من كلتا العبارتين، وكل ما بينهما من فرق إنما هو تمييز بين اصطلاحين.
وحكاية النَّبِيِّ - ﷺ - عن ربه في هذا الضرب من الأحاديث القدسية اتخذت حُجَّةً للعلماء القائلين: إنَّ اللفظ في الحديث القدسي من الله - ﷿ -. غير أنَّ كَثِيرًا من العلماء يرون أَنَّ الصياغة في «القدسي» لِلْنَّبِيِّ وَأَنَّ المعنى للهِ وإلى هذا الرأي جنح أبو البقاء حين قال بصراحة ووُضوح: «إِنَّ القُرْآنَ مَا كَانَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِوَحْيٍ جَلِيٍّ، وَأَمَّا الحَدِيثَ القُدْسِيَّ فَهُوَ مَا كَانَ لَفْظُهُ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولَ، وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِالإِلْهَامِ أَوْ بِالمَنَامِ» (١).
_________________
(١) " كليات أبي البقاء ": ص ٢٨٨.
[ ١٣ ]
الفَصْلُ الثَّانِي: حَوْلَ تَدْوِينِ الحَدِيثِ:
مَعْرِفَةُ العَرَبِ لِلْكِتَابَةِ قَبْلَ الإِسْلاَمِ:
لن نغلو في وصف العرب - قبيل الإسلام - بجهل الكتابة وعدم التمرس بها، لِنُدْرَةِ أَدَوَاتِهَا المُتَيَسِّرَةِ لديهم وتعويلهم على الذاكرة في حفظ آثارهم ورواية آدابهم، فَمِمَّا لا ريب فيه أنَّ شمال الجزيرة العربية عرف الكتابة والقراءة، وَأَنَّ مكة بمركزها التجاري الممتاز شهدت من القارئين الكاتبين قبيل البعثة أكثر مِمَّا شهدت المدينة، وإنا لنستبعد ألاَّ يَكُونَ في ذلك الحين بمكة - كما جاء في بعض الأخبار - «إِلاَّ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ» (١)، لأنَّ هَذِهِ الأَخْبَارَ إِذَا صَحَّتْ أَسَانِيدُهَا لاَ تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ إِحْصَاءً دَقِيقًا أَوْ اسْتِقْرَاءً
_________________
(١) انظر على سبيل المثال (" صحيفة همام بن منبه ": ص ٢) كيف لا يزال الدكتور حميد الله يُرَدِّدُ هَذَا الخَبَرَ مُقْتَنِعًا بِهِ، ثم قارن بـ: H. Lammens، La Mecque à la veille de l'hégire، Beyrouth ١٩٢٤. p. ١٢٢. وَالمُؤَرِّخُونَ مولعون بترداد هذه العبارة: «وَكَانَتْ الكِتَابَةُ فِي العَرَبِ قَلِيلَةً» ومثالًا على هذا راجع " ابن سعد ": ٣/ ٢ ص ١٤٨.
[ ١٤ ]
شاملًا، فما فيها إلاَّ دلالة ظنية غامضة لا يحسن مع مثلها القطع في هذا الموضوع الخطير. غير أننا لا نملك من الحجج والبراهين، العقلية والنقلية، ما نؤكد به كثرة القارئين الكاتبين في تلك الفترة من حياة العرب، ولا شيء يدعونا إلى الغلو في أمر الكتابة واعتقاد كثرتها في شبه الجزيرة العربية إلاَّ أنْ يصيبنا من الجهالة العمياء ما يغرينا باتباع المستشرقين الذين يزعمون أنَّ وصف العرب «بِالأُمِيِّينَ» في القرآن (١) لا ينافي معرفتهم القراءة والكتابة، فما الأُمِيُّ عندهم إلاَّ الذي يجهل الشريعة الإلهية، وما كان محمد - ﷺ - «أُمِيًّا» (٢) إلاَّ لأنه نَبِيُّ هؤلاء «الأُمِيِّينَ» الوَثَنِيِّينَ «الذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللهُ، وَلاَ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللهُ، فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ» (٣).
والواقع أَنَّ هذا الرابط المضطرب بين «الأُمِيِّ» عندما يوصف به النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وبين «الأُمِيِّينَ» وَصْفًا للعرب، ليس من المنطق في شيء، لأنه تجزئة لا مسوغ لها في أصل اللغة ولا وحي السياق للفظ قرآني واحد ينبغي تفسيره
_________________
(١) [سورة الجمعة، الآية:١].
(٢) [سورة الأعراف، الآية:٢].
(٣) وتفسير «الأميِّين» على هذا النحو جاء في بعض روايات الطبري عن ابن عباس (١/ ٢٩٦) في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٨]. ووجد المستشرقون في هذا التأويل مسوغًا لزعمهم أنَّ رسول الله - ﷺ - كان كاتبًا قارئًا، وأنَّ وصفه بالأميَّة - كوصف العرب بها - لا ينافي معرفة القراءة والكتابة، انظر: Paret. Encycl. de lislam. IV، ١٠٧٠. Horovitz. koranische Untersuchungen. Berlin. ١٩٢٤. p. ٥٢. وكان يحسن بالمستشرقين أنْ يقرأوا " تفسير الطبري " في الصفحة نفسها ليروا أنه يُضَعِّفُ هذا الرأي.
[ ١٥ ]
بمعنى واحد لا بمعنيين متباينين: فإما أَنْ يكون الأُمِيَّ هو الذي يجهل الشريعة الإلهية، أو هو الذي يجهل القراءة والكتابة، ومن هنا يكبر خطأ المُفَسِّرِينَ الذِينَ أَوَّلُوا «الأُمِيِّينَ» العرب بِجَهَلَةِ الشريعة الإلهية على حين أوَّلُوا النَّبِيَّ «الأُمِيَّ» بالذي لا يعرف القراءة والكتابة. أما خطأ المستشرقين فَمُرَكَّبٌ مُضَاعَفٌ، لأنهم عَوَّلُوا فيه على رأي ضعيف شطروه شطرين، ثم آمنوا ببعضه وكفروا ببعض وجاؤوا على الأثر برأيهم الصبياني: فأما العرب - بزعمهم - فهم أميُّون لجهلهم للشريعة الإلهية، وأما النَّبِيُّ فَأُمِيٌّ نسبة إلى هؤلاء الجاهلين، لتعليمه إياهم شريعة الله، فهو نبي هؤلاء الجاهلين، أو نَبِيُّ هؤلاء الأُمِيِّينَ!
فهل بعد هذين التفسيرين من تناقض!
إنما ينقذنا من هذا الهذيان وضوح النص القرآني، فهو أصرح مِنْ أنْ يُؤَوَّلَ، ولفظ «الأُمِيِّ» فيه سواء أكان وصفًا للعرب أم لِلْنَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لا يعني إلاَّ الذي يجهل القراءة والكتابة، وهو ما فهمه جمهور المُفَسِّرِينَ وما عليه علماء الأُمَّةِ إلى يومنا هذا (١). وحِينَئِذٍ لا يكون في وصف العرب «بِالأُمِيِّينَ» غُلُوٌّ في جهلهم الكتابة، إذ الأُمِيَّةُ بهذا المعنى كانت غالبة على كثرتهم، وإنما يكون الغُلُوُّ يَقينًا فِي ادِّعَاءِ كثرة الكتابة وأدواتها بين العرب، وفي الزعم القائل إنهم لم يجهلوا الكتابة بل جهلوا شريعة الله، لأنَّ أَحَدًا مِنَ البَاحِثِينَ لم يأت ببرهان على هذا الرأي العقيم.
• • •
_________________
(١) راجع " تفسير الطبري ": ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ١٦ ]
أَسْبَابُ قِلَّةِ الكِتَابَةِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ - ﷺ -:
وَأَيًّا ما تكن معرفة العرب للكتابة قُبيل الإسلام، فَإِنَّ الكاتبين كانوا أكثر عَدَدًا في مكة منهم في المدينة، يشهد لذلك أَنَّ رسول الله - ﷺ - أذن لأسرى «بدر» المكيين بِأَنْ يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (١). وحسبنا أَنَّ كَتَبَةَ الوحي بين يدي الرسول - ﷺ - بلغ عددهم أربعين رَجُلًا (٢)، وأنَّ كَثِيرًا منهم كانوا مَكِيِّينَ، وهم الذين كتبو القسم المكي من القرآن قبل هجرته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إلى المدينة. بَيْدَ أَنَّ المسلمين ما كادوا يَسْتَقِرُّونَ في المدينة حتى بُدِّلَتْ الحال غير الحال، فكثر فيهم الكاتبون مُذْ أنشأ الرسول - ﷺ - في مسجده صُفَّةً كَانَ الكَاتِبُ المُحْسِنُ عبد الله بن سعيد بن العاص يُعَلِّمُ فيها الراغبين الكتابة والخط (٣). وأكبر الظن أَنَّ المساجد التسعة التي كانت بالمدينة على عهد رسول الله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - (٤) اتخذت مدارس لنشر العلم، يزيدنا اعْتِقَادًا بهذا أَنَّ رسول الله كان يأمر الصبيان أَنْ يتدارسوا في مسجد حَيِّهِمْ (٥). ومن المعلوم أَيْضًا أَنَّ الرسول
_________________
(١) انظر " الروض الأُنُف " على سيرة ابن هشام لِلْسُّهَيْلِي: ٢/ ٩٢ و" طبقات " ابن سعد: ٢/ ١ ص ١٤.
(٢) راجع كتابنا " مباحث في علوم القرآن ": ص ٦٦. ط ٢.
(٣) " الاستيعاب في أسماء الأصحاب " لابن عبد البر: ٢/ ٣٦٦ «هامش " الإصابة " لابن حجر، ط. مصطفى محمد سَنَةَ ١٣٥٨» وعبارة ابن عبد البر: «وَأَمَرَهُ - أَيْ أَمَرَ النَّبِيُّ عَبْدَ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ - أَنْ يُعَلِّمَ الكِتَابَةَ بِالمَدِينَةِ، وَكَانَ كَاتِبًا مُحْسِنًا».
(٤) " أنساب الأشراف " (مخطوطة القاهرة): ١/ ٤٢٠ «ذكره حميد الله، " صحيفة همام ": ص ٦ حاشية د».
(٥) راجع " التراتيب الإدارية " للكتاني: ١/ ٤١.
[ ١٧ ]
- ﷺ - أَمَرَ فِي السَنَةِ الأولى للهجرة بإحصاء المسلمين في المدينة رجالًا وأطفالًا، ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا. ورواية " البخاري " في «باب كتابة الإمام للناس» من صحيحه صريحة في أَنَّ هذا الإحصاء كُتِبَ وَدُوِّنَ: فقد قال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ مِنَ النَّاسِ، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ» (١).
فإذا رأينا - بعد ذلك - أَنَّ تعويل الصحابة في حفظ الحديث إنما كان على الاستظهار في الصدور لا على الكتابة في السطور، صار لِزَامًا علينا أَنْ نلمس لتعليل ذلك غير الأسباب التقليدية التي يشير إليها الباحثون عادةً كلما عرضوا لهذا الموضوع: فما نستطيع أنْ نتابعهم فيما يزعمونه مِنْ أَنَّ قِلَّةَ التدوين على عهد رسول الله - ﷺ - تعود بالدرجة الأولى إلى نُدْرَةِ وسائل الكتابة، لأنها لم تك قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قِلَّةٌ نسبية قد تكون أحد العوامل في إهمال الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللِّخَافِ وَالعُسُبِ وَالأَكْتَافِ وَالأَقْتَابِ وَقِطَعِ الأَدِيمِ (٢).
ولو أَنَّ بواعثهم النفسية على تدوين الحديث كانت تضارع بواعثهم على كتابة القرآن حماسة وقوة لاصطنعوا الوسائل لذلك ولم يتركوا سبيلًا إلاَّ سلكوها، بَيْدَ أنهم - من تلقاء أنفسهم وبتوجيه مِنْ نَبِيِّهِمْ - نهجوا في جمع الحديث مَنْهَجًا يختلف كَثِيرًا عن طريقتهم في جمع القرآن.
كانوا من تلقاء أنفسهم منصرفين إلى تَلَقِّي القرآن، مشغولين بجمعه في
_________________
(١) انظر " صحيفة همام ": ص ٩ وقارن بـ " صحيح مسلم " كتاب الإيمان، باب جواز الاستسرار بالإيمان للخائف: ٢/ ١٧٨ " بشرح النووي ".
(٢) راجع كتابنا " مباحث في علوم القرآن ": ص ٦٧، ط ٢.
[ ١٨ ]
الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جُلَّ أوقاتهم، كما يملك عليهم كل مشاعرهم، وحديث رسول الله حِينَئِذٍ أكثر مِنْ أَنْ يُحْصُوهُ، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فَأَنَّى لِلْكَتَبَةِ مِنْهُمْ الوَقْتُ لمتابعة الرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أَوْ يُقِرُّ الناس عليه! وإذا اندفع بعض هؤلاء الكاتبين إلى تقييد جميع ما سمعه ورآه من النَّبِيِّ العظيم، فهل يمكن أَنْ يتماثلوا كلهم في هذا الاندفاع بحيث لا يفوت أَحَدًا منهم شيء؟
إِنَّ الأقرب إلى المنطق والصواب أَنَّ أَفْرَادًا منهم وجدوا من البواعث النفسية ما حملهم على العناية بكتابة أكثر ما سمعوه - وربما كل ما سمعوه - وَأَقَرَّهُمْ على ذلك رسول الله - ﷺ - حِينَ أُمِنَ الْتِبَاسُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شُغْلًا لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أُمِيٍّ يحفظ من القرآن والحديث مَا تَيَسَّرَ له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره.
وانصراف الصحابة إلى القرآن جَمْعًا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شيء سواه، كان جُزْءًا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأُمِيِّينَ وَالكَاتِبِينَ: وهو توجيه مُتَدَرِّجٌ من الحياة والأحياء، متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أَنْ يجمد على صورة واحدة، بَلْ رُوعِيَ فيه الزمان، وَرُوعِيَتْ الأشخاص،
[ ١٩ ]
فنهى الرسول - ﷺ - عن كتابة الأحاديث أَوَّلَ نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كُتِبَ هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن (١)، وقال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٢)، ثُمَّ أَذِنَ بذلك إِذْنًا عَامًّا حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون (٣) وَأَمِنَ
_________________
(١) وقد أشار إلى ذلك الخطابي في " مَعَالِمِ السُنَنْ ": ٤/ ١٨٤ فقال: «وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَنَّمَا نَهَىَ أَنْ يُكْتَبَ الحَدِيْثُ مَعَ القُرْآنِ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، لِئَلاَّ يَخْتَلِطَ بِهِ، وَيَشْتَبِهَ عَلَىَ القَارِئِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الكِتَابِ مَحْظُورًا، وَتَقْيِيدُ العِلْمِ بِالخَطِّ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلاَ».
(٢) " صحيح مسلم ": ٨/ ٢٢٩ من حديث أبي سعيد الخُدري. وانظر ما يقاربه في " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٧٠ و" تقييد العلم " للخطيب البغدادي: ص ٢٩ إلى ٣٢ حَيْثُ يَذْكُرُ عَدَدًا مِنَ الرِّوَايَاتِ المُمَاثِلَةِ كُلِّهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَدْ أَعَلَّ بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ وَوَقَفَهُ على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره. ولكن العَلاَّمَةُ أَحْمَدُ شَاكِرْ يَرَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ جَيِّدٍ، وَأَنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ. انظر " الباعث الحثيث ": ص ١٤٩. وَيُؤكِّدُ صحَّتَهُ - فِي نَظَرِنَا - انْسِجَامَهُ مَعَ حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ نَفْسَهُ إذْ يَقُولُ: «اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ أَكْتُبَ الحَدِيثَ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي». (" تقييد العلم ": ٢٢ وقارن بـ " الإلماع " للقاضي عياض، مخطوطة الظاهرية ورقة ٢٧ وجه أول). وقد ظل أبو سعيد الخُدري مُتَشَدِّدًا في أمر كتابة الأحاديث لأنه كان يخشى أَنْ يضاهي الحديث بالقرآن، وقد صَرَّحَ بذلك لأبي نضرة حين طلب منه اكتاب الحديث فقال: «لاَ نَكتُبُكُمْ، وَلاَ نَجْعَلَهَا مَصَاحِفَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَدِّثُنَا فَنَحْفَظَ، فَاحْفَظُوا عَنَّا كَمَا كُنَّا نَحْفَظُ عَنْ نَبِيِّكُمْ». انظر " ذم الكلام " للهروي. مخطوطة الظاهرية، ورقة ٦٢ الوجه الثاني. والمشهور أَنَّ حديث النهي عن الكتابة رواه أبو سعيد الخُدري كما رأينا، غير أَنَّ بعض الصحابة الآخرين - كما يظهر - رَوَوْا في هذا الموضوع أحاديث متشابهة، كما نُقِلَ عن أبي هريرة، انظر " تقييد العلم ": ٣٣ - ٣٤، وابن عباس وابن عمر " مجمع الزوائد ": ١/ ١٥٠، وزيد بن ثابت " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٣.
(٣) وكان الرامهرمزي يرمي إلى هذا حين عَلَّقَ على حديث أبي سعيد في النهي عن =
[ ٢٠ ]
اختلاطه بسواه فقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (١)، وحفظ عنه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - المنعُ من كتابة أحاديثه بوجه عام لأنَّ كلامه كان مُوجَّهًا إلى عامة أصحابه، وفيهم الثقة والأوثق، والصالح والأصلح، والضابط والأشد ضبطًا، والحافظ والأمتن حفظًا، وأذِنَ في الوقت نفسه لبعض أفرادهم إذنًا خاصًا، لتظاهر الكتابة الحفظ إنْ كانوا ضابطين (٢) أو تساعدهم على زيادة
_________________
(١) = الكتابة بقوله: «وحديث أبي سعيد: " حرصنا أنْ يأذن لنا النَّبِي - ﷺ - في الكتاب فأبى "، فأحسبه أنه كان محفوظًا في أول الهجرة، وحين كان لا يؤمَنُ الاشتغال به عن القرآن» " المحدث الفاصل: ٤ / ورقة ٦ وجه أول.
(٢) " جامع بيان العلم " لابن عبد البر: ١/ ٧٢ و" تقييد العلم ": ٦٩ و" المحدث الفاصل " للرامهُرْمُزي، مخطوطة الظاهرية جـ ٤ ورقة ٢ وجه أول. غير أنَّ السيد رشيد رضا تكلم على الحديث «مجلة المنار: ١٠/ ٧٦٣ - ٧٦٦» فضعَّفَهُ من رواية عبد الحميد بن سليمان الخُزاعي لأنَّ الذهبي تكلَّم فيه، وضعَّفَهُ أَيْضًا من رواية عبد الله بن المؤمل، وفي هذا الأخير قال الإمام أحمد: «أحاديثه مناكير»، انظر " مجمع الزوائد ": ١/ ١٥٢. وكلام السيد رشيد رضا يتناول الحديث، من هذين الطريقين، فلا يلزم منه تضعيف جميع الطرق الأخرى التي ورد بها كالطريق الذي تفرَّدَ به إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي ذئب عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» - " تقييد العلم ": ص ٦٩. وسنرى أنَّ هذا الحديث شاع كَثِيرًا على ألْسِنَةِ الصحابة حتى رواه بعض المُحَدِّثِينَ موقوفًا على عدد منهم، فهو في الأصل مرفوع إلى النَّبِي - ﷺ - ولكن تناقله بين الصحابة أوهم وقفه عليهم. ولذلك قال السيوطي في " التدريب ": ص ١٥٠: «قد رواه الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفًا». ومِمَّا يشبه أنْ يكون إذنًا عامًا بالكتابة ما أورده الرامهرمزي في " المحدث الفاصل ": جـ ٤ ورقة ٣ وجه ١، والسيوطي في " تدريب الراوي " ص ١٥٠ عن رافع بن خديج أَنَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ قال: «اكْتُبُوا وَلاَ حَرَجَ». وللسيد رشيد رضا رأي في تضعيف هذا الحديث (مجلة " المنار ": ١٠/ ٧٦٣).
(٣) كما سنرى في إذن الرسول - ﷺ - لعبد الله بن عمرو بن العاص بالكتابة، فكانت ثمرة هذا الإذن النبوي «الصحيفة الصادقة». وسنتكلَّمُ عنها وعن ابن عمرو قريبًا في موضوع أنسب. وقد لاحظ ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " ص ٢٦٦ ط. مصر =
[ ٢١ ]
الضبط إنْ خيف نسيانهم ولم يوثق بحفظهم (١)، فكان إذنه لهؤلاء وأولئك أشبه بالاستثناء الذي خصَّ به - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - نفرًا من أصحابه لأسباب وجيهة قدَّرَ أهميتها تبعًا للظروف والأشخاص.
والقول بالنسخ في هذا الموضوع - أعني القول بنسخ أحاديث الإذن بالكتابة لأحاديث النهي عنها (٢) - لا يراد منه إلاَّ ما أشرنا إليه من التدرُّج الحكيم في معالجة هذه القضية البالغية الخطورة. وتخصيص بعض الصحابة بالإذن
_________________
(١) = ١٢٢٦ هـ) أنَّ من الممكن أنْ يكون رسول الله - ﷺ -: «خصَّ بهذا عبد الله بن عمرو لأنه كان قارئًا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميِّين، لا يكتب منهم إلاَّ الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجِّي: فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له».
(٢) ويذكرون في هذا حديثًا عن أبي هريرة أنَّ رجلًا من الأنصار جلس إلى رسول الله - ﷺ -، فيسمع منه الحديث يعجبه، ولا يقدر على حفظه، فشكا ذلك إلى النَّبِي - ﷺ -، فقال: «استَعِنْ بِيَمِينك»، انظر " تقييد العلم ": ص ٦٧ و" سنن الترمذي ": ٢/ ١١ ط. مصر سنة ١٢٩٢ و" معالم السُنن ": ٤/ ١٨٤. غير أنَّ في سند هذا الحديث الخليل بن مرة. وفيه يقول البخاري: «إنه منكر الحديث». والخطيب يرويه في " تقييد العلم ": ص ٦٦ بسند ليس فيه الخليل بن مرة هذا. ويذكره السيوطي في " تدريب الراوي ": ص ١٥٠ دورن سند، فلا يحسن التسرُّع بإنكاره وتضعيفه بجميع طرقه. ولعلَّنا لا نبعد إذا استنتجنا من مجموعة النصوص والوثائق السابقة أنَّ رسول الله - ﷺ - أمسى في سنواته الأخيرة يُجِيزُ الكتابة عنه، كما في حديث أبي شاة رجل من اليمن. فبعد أنْ فتح اللهُ على رسوله مكة قام في الناس خطيبًا، حتى إذا أتمَّ خطبته قام أبو شاة فقال: «اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ» فقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ». راجع تفصيل الخبر ونص الخطبة النَّبَوِيَّةِ في " تقييد العلم ": ص ٨٩ وقارن بـ " فتح الباري ": ١/ ١٨٤ و" سُنن الترمذي": ٢/ ١١٠ و" علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٧٠ و" جامع بيان العلم ": ١/ ٧٠ و" المحدث الفاصل ": ٤ الورقة الأولى الوجه الثاني.
(٣) انظر " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة: ص ٣٦٥ و" الباعث الحثيث ": ص ١٤٩.
[ ٢٢ ]
في وقت النهي العام لا يعارض القول بالنسخ لأنَّ إبطال المنسوخ بالناسخ لا علاقة له ولا تأثير في تخصيص بعض أفراد العام قبل نسخه. وعلى هذا الأساس نجمع بين الآراء والتوجيهات المختلفة التي يُخيَّلُ إلى الباحث السطحي أنها متضاربة، مع أنَّ التوفيق بينها سهل مُيَسَّرٌ كما رأينا، فالعبرة بما انتهى إليه الموضوع آخر الأمر واستقرَّتْ عليه الأُمَّةُ، وهو اتفاق الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الأحاديث. ولقد قال ابن الصلاح: «ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (١).
الصُّحُفُ المَكْتُوبَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
من المؤكَّد - على كل حال - أنَّ بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته - ﷺ -، ومنهم من كتبها بإذن خاص من الرسول مُسْتَثْنَى من النهي العام كما أوضحنا، بَيْدَ أنَّ أكثرهُم قيَّدُوا ما جمعوه في السنوات الأخيرة من حياته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بعد أنْ أذن بالكتابة لكل من رغب فيها وقدر عليها (٢)، ولدينا أخبار عن هذه الصحف تتفاوت أسانيدها قوة وضُعفًا، ومع أنَّ أسانيد بعضها قوية جدًا فنحن لا نملك اليوم شيئًا محسُوسًا من آثارها
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٧١.
(٢) ومما يستأنس به على إجازة النَّبِي - ﷺ - في أخريات حياته بالكتابة - بعد أنْ أمن اختلاط السُنَّةِ بالقرآن - أنه قُبيْلَ وفاته أراد أنْ يكتب للمسلمين كتابًا لا يضلُّون بعده، ولم يَرَ بأسًا في ذلك. انظر تفصيل الخبر في " تاريخ الطبري ": ١/ ٤ ص ١٨٠٦ - ١٨٠٧.
[ ٢٣ ]
وإنْ كنا لا نرتاب في تحقيق كتابتها في حياته - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -، وفي تناقل الناس لها زمنًا غير قليل بعد وفاته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ولحاقه بالرفيق الأعلى.
روى الترمذي (١) أنَّ سعد بن عبادة الأنصاري كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسُننه (٢)، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي من هذه الصحيفة (٣). ويروي البخاري (٤) أنَّ هذه الصحيفة كانت نُسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى (٥) الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرؤون عليه ما جمعه بخطه (٦).
_________________
(١) الترمذي: هو محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى بن الضحاك السُلَمِي - بضم السين نسبة إلى بني سُليْمٍ - صاحب السُنن الشهير، ويُسمَّى كتابه " الجامع الكبير " أَيْضًا. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٧٩ هـ وقيل سَنَةَ ٢٧٥ هـ. ولنا إليه وإلى كتابه عودة عند الكلام على الحديث الحسن وعلى أهم كتب الرواية.
(٢) " سُنن الترمذي "، كتاب الأحكام، باب اليمين مع الشاهد (انظر " صحيفة همام ": ص ١٦) وقارن بـ Goldziher، Etudes sur la Tradition Islamique، p. ١١. ويؤكِّدُ الأستاذ عبد الصمد صارم في كتابه بالهندية " عرض الأنوار " المعروف بـ " تاريخ القرآن " طبع دهلي سَنَةَ ١٣٥٩ هـ ص ١٣٧ وما بعدها أنه رأى ذكر كتاب سعد بن عُبادة في " مسند أحمد " راجع " صحيفة همام ": ص ١٧. وجدير بالذكر انَّ ابن حجر في " تهذيب التهذيب ": ٣/ ٤٥٧ رقم ٨٨٣ يجزم بأن سعد بن عُبادَةَ كان من «كُتَّابِ الجَاهِلِيَّةِ». وقد توفي سعد في حُوران نحو سَنَةِ ١٥ هـ.
(٣) " صحيفة همام ": ص ١٦ نقلًا عن مناظر أحسن كيلاني في كتابه " تدوين حديث " باللغة الهندية.
(٤) سنعرض لترجمة الإمام البخاري في الفصل المناسب عند الحديث عن أهم كتب الرواية.
(٥) " صحيح البخاري "، كتاب الجهاد، باب الصبر على القتال، ذكره محمد زبير الصديقي في كتابه " السير الحثيث في تاريخ تدوين الحديث ": ص ٩.
(٦) كما في عدة أبواب من " صحيح البخاري "، ويظهر ذلك بوضوح في الرواية =
[ ٢٤ ]
وسمُرة بن جندب (- ٦٠ هـ) كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه (١)، وهي - على ما يظن - الرسالة التي بعثها سمُرة إلى بنيه (٢)، وهي التي يقول فيها ابن سيرين (٣): «فِي رِسَالَةِ سَمُرَةَ إِلَى بَنِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ» (٤).
_________________
(١) = التالية عن موسى بن عُقبة صاحب " المغازي ": «عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبًا له، أنَّ عبد الله بن أبي أوفى كتب فقرأته - وفي رواية - كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته. فإذا فيه أنَّ رسول الله - ﷺ - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: " أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الاَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ "»، راجع " صحيح البخاري "، باب لا تتمنوا لقاء العدو، وباب إذا لم يقاتل أول النهار، وباب الصبر على القتال.
(٢) " تهذيب التهذيب ": ٤/ ١٩٨.
(٣) قارن بـ Tradition Islamique، p. ١١
(٤) هو محمد بن سيرين البصري، يُكنَّى أبا بكر. كان إمام عصره في علوم الدين بالبصرة. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١١٠ هـ (تهذيب التهذيب: ٩/ ٢١٤).
(٥) " تهذيب التهذيب ": ٤/ ٢٣٦ رقم ٤٠٢، والمعروف عن محمد بن سيرين أنه كان يكره كتابة العلم، فقد تحدَّثَ عن وجهة نظر الناهين عن الكتابة فقال: «وكانوا يرون أنَّ بني إسرائيل إنما ضلُّوا بكتب ورثوها» " تقييد العلم ": ص ٦١ وقال يومًا لعبيدة: «اكتب منك ما أسمع؟ قال: لا، قال: وجدت كتابًا أنظر فيه؟ قال: لا» (انظر " تقييد العلم ": ص ٤٥ وقارن بـ " سنن الدارمي ": ١/ ١٢١) وانظر عن كراهته الكتابة بصورة عامة (" علل الحديث " لابن حنبل: ورقة ٦ الوجه الأول، مخطوطة الظاهرية، مجموع ٤٠ و" المحدث الفاصل ": ٤ الورقة ٥ الوجه الأول و" طبقات ابن سعد ": ٧/ ١ ص ١٤١). ولكن ابن سيرين «لم ير بأسًا، إذا سمع الرجل الحديث، أنْ يكتبه، فإذا حفظه محاه» كما روى عنه يحيى بن عتيق في " تقييد العلم ": ص ٦٠ وحماد بن زيد في " المحدث الفاصل ": ٤ الورقة ٥ الوجه الثاني. ولعلَّهُ بدأ أمره يكتب أو يقرأ من الكتب، ولذلك عرف مضمون رسالة سَمُرَةَ إلى بنيه، وقدر ما فيها من العلم الكثير.
[ ٢٥ ]
وكان لجابر بن عبد الله (- ٧٨ هـ) صحيفة أَيْضًا (١)، ويرى مسلم (٢) في " صحيحه " أنها في مناسك الحج (٣)، ويحتمل أنْ يكون في بعض أحاديثها ذكر حجَّة الوداع التي ألقى فيها الرسول - ﷺ - خطبته الجامعة، ويوشك هذا الاحتمال أنْ يصبح يقينًا إذا عرفنا أنَّ التابعي الجليل قتادة بن دعامة السَدُوسي (- ١١٨ هـ) كان يُكْبِرُ من قيمة هذه الصحيفة ويقول: «لأَنَا بِصَحِيفَةِ جَابِرٍ أَحْفَظ مِنِّي مَن سُورَة البَقَرَةِ» (٤) ولا يبعد أنْ تكون الأحاديث التي رواها سليمان بن قيس اليشكري (٥) - وهو أحد تلامذة جابر - منقولة عن هاتيك الصحيفة (٦). وجدير بنا أنْ نُقِيمَ وَزْنًا للرواية التي تُصوِّرُ لنا وهب بن منبه (- ١١٤ هـ) يروي أحاديث جابر من إملائه (٧) حين يعقد جابر حلقة في المسجد النبوي، فيحتمل أنْ تكون هذه الأحاديث منقولة من صحيفة جابر أَيْضًا. وأقل ما يستنتج من هذا أَنَّ تلك الصحيفة كانت معروفة مشهورة بين الناس، وأنَّ من الممكن أَنْ يكون بعض تلامذة جابر قَدْ نَسَخُوهَا (٨) وإنْ كنا لا نملك أَثَرًا مَحْسُوسًا مِنْ نَسْخِهِمْ.
_________________
(١) " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٣٤٤، و" تذكرة الحُفاظ ": ١/ ١١٠.
(٢) سَتَرِدُ ترجمة الإمام مسلم في فصل «أَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ».
(٣) " صحيفة همام ": ص ١٤.
(٤) " التاريخ الكبير " للبخاري: ٤/ ١٨٢ ط. الهند.
(٥) ولا ريب أنَّ سليمان اليشكري كان يكتب الحديث، فحين قَالَ أَبُو بِشْرٍ لأَبِي سُفْيَانَ: «مَالِي لاَ أَرَاكَ تُحَدِّثُ كَمَا يُحَدِّثُ سُلَيْمَانُ اليَشْكُرِيُّ؟»، قَالَ أَبُو سُفْيَانُ: «إِنَّ سُلَيْمَانَ [اليَشْكُرِيُّ] كَانَ يَكْتُبُ وَلَمْ أَكُنْ أَكْتُبُ» " تقييد العلم ": ص ١٠٨.
(٦) " تهذيب التهذيب ": ٤/ ٢١٥ رقم ٣٦٩.
(٧) " تهذيب التهذيب " أَيْضًا، ترجمة وهب بن منبه. وانظر " صحيفة همام ": ص ١٤.
(٨) ومن تلامذة جابر من كبار التابعين محمد بن الحنفية (- ٨٠) ومحمد بن علي =
[ ٢٦ ]
ومن أشهر الصحفة المكتوبة في العصر النبوي «الصحيفة الصادقة» التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص (٦٥) من رسول الله - ﷺ - (١). وقد اشتملت على ألف حديث كما يقول ابن الأثير (٢)، وإذا لم تصل هذه الصحيفة - كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة في " مسند الإمام أحمد " (٣) حتى ليصح أنَّ نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثتب كتابة الحديث على عهده - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. ويزيدنا اطمئنانًا إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعية محتومة لفتوى النَّبِي - ﷺ - لعبد الله
_________________
(١) = أبو جعفر الباقر (- ١١٤) وعبد الله بن محمد بن عقيل (ترجمته في " خلاصة التذهيب ") وكان هؤلاء الأعلام الثلاثة «ينطلقون إلى جابر، فيسألونه عن سُنن رسول الله - ﷺ -. وعن صلاته، فيكتبون عنه ويتعلَّمُون». انظر " تقييد العلم ": ص ١٠٤ وقارن بـ " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٣٤٤ و" المحديث الفاصل ": ٤ ورقة ٣ وجه ١. والسؤال الذي يجدر بنا أنْ نطرحه الآن بعد قراءة هذا النص: إذا كان هؤلاء الأعلام يكتبون عن جابر وَيَتَعَلَّمُونَ، أفلم يُفكِّرْ أحدٌ منهم بكتابة صحيفته عنه أو أحاديث منها؟
(٢) قد صرَّحَ عبد الله بن عمرو بكتابة هذه الصحيفة بنفسه فقال: «الصادقة صحيفة كتبتُها من رسول الله - ﷺ -» " تقييد العلم ": ص ٨٤، وكان ابن عمرو يعظِّمُ أمر هذه الصحيفة ويقول: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلاَّ خَصْلَتَانِ الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَّا الوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا».انظر " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٣ وقارن بـ " المحدث الفاصل " جـ ٤ ورقة ٢ وجه ٢ و" سنن الدارمي ": ١/ ١٢٧. وتضعيف السيد رشيد رضا لهذا الحديث (في مجلة " المنار ": المجلد ١٠ ص ٧٦٦) - لوجود الليث في إسناده - لا ينبغي أنْ يكون له أثر في إضعاف سائر الروايات التي تُصَوِّرُ عبد الله بن عمرو يعني بصحفته الصادقة عناية خاصة، ويعنى - بتعبير أدق - بكتابة ما كان يسمعه من الرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فيها، فقد ثبتت هذه الفكرة في عدد من المصادر الموثوقة وقد أشرنا إلى أهمها.
(٣) ابن الأثير في " أُسْد الغابة " ترجمة عبد الله بن عمرو: ٣/ ٢٣٣.
(٤) انظر مسند عبد الله بن عمرو في " مسند الإمام أحمد ": ٢/ ١٥٨ - ٢٢٦.
[ ٢٧ ]
ابن عمرو وإرشاده الحكيم له، فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في شأن الكتابة قائلًا أكتُبُ كلَّ ما أسمع؟ قال: «نَعَمْ»، قال: في الرضى والغضب؟ قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا» (١). ويُخَيَّلُ إلينا أنه لا بُدَّ أنْ يكون عبد الله بن عمرو قد أخذ في كتابة الأحاديث بعد هذه الفتوى الصريحة من الرسول الكريم وتلك الصحيفة الصادقة كانت ثمرة هذه الفتوى. وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف أَيْضًا قول أبي هريرة الصحابي الجليل: «ما من أصحاب رسول الله - ﷺ - أحد أكثر حديثًا عنه مني إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب» (٢).
_________________
(١) " جامع بيان العلم " لابن عبد البر: ١/ ٧١ وانظر ما يقارب معناه في " مسند أحمد ": ٢/ ٢٠٧ و" تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة: ص ٣٦٥ و" مستدرك الحاكم ": ١/ ١٠٥ و" الإلماع " ورقة ٢٦ وجه ٢ و" المحدث الفاصل ": ٤ / ورقة ٢ وجه ١. وفي بعض هذه الروايات أنَّ عبد الله بن عمرو كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله - ﷺ - فنهته قريش لأنه بشر يتكلَّمُ في الرضى والغضب، فأمسك عن الكتاب وذكر لرسول الله ذلك فأجابه بنحوه، وقال له: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ».
(٢) " تقييد العلم ": ص ٨٢ وقارن بـ " جامع العلم ": ١/ ٧٠ و" مسند أحمد ": ٢/ ٢٤٨ و" الإصابة ": ٤/ ١١٢ و" فتح الباري ": ١/ ١٨٤ ويُشير ابن حجر في (الفتح في الصفحة المذكورة) إلى معرفة عبد الله بن عمرو بالكتب، ومنها ما كان خاصًا بأهل الكتاب. ويظهر أنَّ بعض الطرق التي ورد بها الحديث لا تخلو من ضعف وعلة. ففي " علل الحديث " لابن حنبل، ورقة ٦ وجه ١، ما يستنتج هذا الحديث برواية محمد بن إسحاق بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، غير أنَّ في سياق الخبر ما يوحي بأنَّ ابن علية لم يكن يتَّهم عمرًا بالكذب، وإنما حمله على ذلك كراهيته لكتابة الحديث، فقد جاء في هذا السياق: «روى إسماعيل عن عمرو بن شعيب، ولكن كان مذهب محمد بن سيرين وأيوب وابن عون ألاَّ يكتبوا». وحسبنا أنَّ البخاري أورد هذا الحديث في " صحيحه " في «باب العلم».
[ ٢٨ ]
وأكبر الظن أنَّ عمرو بن شعيب (- ١٢٠ هـ) - وهو حفيد عبد الله بن عمرو - إنما كان يروي فيما بعد من أحاديث هذه الصحيفة قارئًا أو حافظًا من أصلها (١). وقد أتيح للتابعي الجليل مجاهد بن جبر (- ١٠٣ هـ) أنْ يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو (٢).
ولقد شاعت في عصر الصحابة صيحفة خطيرة الشأن أمر النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه شيء بـ «دستور» للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة: وهي الصحيفة التي دوَّن فيها كتاب رسول الله حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة. ولفظ الكتابة صريح في
_________________
(١) " تهذيب التهذيب ": ٨/ ٤٨ - ٥٥ رقم ٨٠ وقارن بـ " صحيفة همام ": ص ٢ وبجولدتسيهر Tradition Islamique، p. ١١ وجدير بالذكر أنه متى قيل: صحيفة عمرو بن شعيب فهي في الحقيقة صحيفة عبد الله بن عمرو يرويها عنه حفيده ابن شعيب.
(٢) " تهذيب التهذيب ": ٨/ ٥٤ و" المحدث الفاصل ": ٤ ورقة ٢ وجه ٢ و" طبقات ابن سعد ": ٢/ ٢ ص ١٢٥ وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزِّ الناس عليه بتناولها. ورؤية مجاهد لها لم تكن إلاَّ عرضًا فإنه قال: أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَتَنَاوَلْتُ صَحِيفَةً مِنْ تَحْتِ مَفْرَشِهِ، فَمَنَعَنِي، قُلْتُ: مَا كُنْتَ تَمْنَعُنِي شَيْئًا، قَالَ: «هَذِهِ الصَّادِقَةُ، هَذِهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ » الخبر - " تقييد العلم ": ص ٨٤. أما الصحيفة التي ألقاها عبد الله بن عمرو إلى أبي راشد الحبراني - وفيها الذكر الذي يدعو به المؤمن إذا أصبح وإذا أمسى - فيغلب على الظن أنها إحدى الصحف الكثيرة التي لم يكن ابن عمرو يمنعها الناس، فما هي بالصحيفة الصادقة ولا قطعة منها. واقرأ الخبر كله مع صيغة الدعاء المذكور في " تقييد العلم ": ص ٨٥. وليس في وسعنا أنْ نقطع بوصف الطريقة التي كان ابن عمرو يُمْلِي بها أحاديثه على الناس، هل كان ذلك من حفظه أم كان ينظر في صحيفته الصادقة أو في أحد صحفه الأخرى الكثيرة. بَيْدَ أنَّ مما لا ريب فيه أنه كان يملي الحديث، وقد نقل عنه كتابان (انظر: " خطط المقريزي ": ٢/ ٣٣٢) بولاق سنة ١٢٧٠.
[ ٢٩ ]
مطلعها: «هذا كتاب محمد النَّبِي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمَّةٌ واحدة من دون الناس» (١). وقد تكرَّرت فيها عبارة (أهل هذه الصحيفة) خمس مرات، فلم يكن بُدّ من الاعتراف بكتابتها. ولقد بلغ من شهرة أمرها أنها أصبحت تقرن وحدها بكتاب الله لتواترها وكثرة ما فيها من أحكام الإسلام وكلياته الكبرى. ولعلَّ عليّ بن أبي طالب لم يكن يقصد سواها حين سُئِلَ: هل عندكم كتاب؟ فأجاب: لا، إلاَّ كتاب الله أو فهم أعطية رجل مسلم وما في هذه الصحيفة. فلما قيل له: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «الْعَقْلُ (٢)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (٣) وكانت هذه الأمور جزءًا مُهِمًّا مِمَّا اشتملت عليه الصحيفة المذكورة (٤).
وعبد الله بن عباس (- ٦٩هـ) عني بكتابة الكثير من سُنَّةِ الرسول وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم (٥). ولقد تواتر أنه ترك حين وفاته حِمْل بعير من كتبه (٦). وكان تلميذه سعيد بن جُبير (- ٩٥ هـ) يكتب عنه ما يُملي عليه، فإذا نفد القرطاس كتب على لباسه ونعله وربما على كَفِّهِ ثم نسخه
_________________
(١) الرواية هنا عن أبي عُبيد وابن هشام. راجع " الوثائق السياسية في العهد النبوي " للدكتور محمد حميد الله رقم ١.
(٢) يُراد بالعقل هنا المعاقل والديات.
(٣) " فتح الباري": ١/ ١٨٢ «باب كتابة العلم» وراجع أَيْضًا «باب فكاك الأسير».
(٤) لأنَّ أكثر ما ورد في هذه الصحيفة يتعلق بالمعاقل والديات. ويحسن مراجعتها في " الوثائق السياسية " لحميد الله رقم ١.
(٥) " طبقات ابن سعد ": ٢/ ٢ ص ١٢٣ وقارن بما ذكره محمد زبير الصديقي في " السير الحثيث: ص ٩ نقلًا عن كتاب " العلل " للترمذي.
(٦) انظر " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٢١٦ و" تقييد العلم ": ص ١٣٦ و" شذرات الذهب ": ١/ ١١٤.
[ ٣٠ ]
في الصحف عند عودته إلى بيته (١). ولا ريب أنَّ صحف ابن عباس ظلت معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن، فقد ورثها ابنه عليٌّ (٢)، وتعاقب الناس على الرواية منها والأخذ عنها حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته. ولكننا - مع ذلك - لا نستطيع تحديد الزمن الذي تلفت فيه تلك الصحف ولا الصورة التي تلفت عليها (٣).
صَحِيفَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ:
وكذلك تلفت الصحف الكثيرة التي جمعها الصحابي الجليل أبو هريرة (- ٥٨ هـ) (٤) إلاَّ صحيفة واحدة رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه (٥) المتوفَّى سَنَةَ ١٠١ هـ (٦) ثم نسبت إليه فقيل: صحيفة همام وهي في الحقيقة
_________________
(١) كما في " سنن الدارمي ": ١/ ١٢٨ و" ابن سعد ": ٦/ ١٧٩.
(٢) " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٢١٦ «وكان عليّ بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إلى كُريب: ابعث إليَّ بصحيفة كذا وكذا، فينسخها ويبعث بها» " تقييد العلم ": ص ١٣٦.
(٣) ومن المؤسف أنَّ ورع بعض الصحابة كان يحملهم على إتلاف ما كتبوه من الأحاديث لأنفسهم مخافة أنْ تكون الذاكرة قد خانتهم فلم يوردوه بلفظ بينهم: ففي " طبقات الحفاظ ": ١/ ٥ أنَّ أبا بكر الصدِّيق جمع أحاديث النَّبِي - ﷺ - في كتاب فبلغ عددها خمسمائة حديث، ثم أتلفه مخافة أنْ يكون كتب شيئًا لم يحفظه جيِّدًا.
(٤) انظر ترجمته في " تهذيب التهذيب ": ١٢/ ٢٦٥ رقم ١٢١٦وكانت صحفه كثيرة جدًا. وقد رآها ابن وهب (" فتح الباري ": ١/ ١٨٤) وعمرو بن أمية الضمري (" جامع بيان العلم ": ١/ ٧٤).
(٥) ومن أوهام «بروكلمان» أنه نسب هذه الصحيفة إلى همام بن منده المتوفى سنة ١٥١ هـ ولم يُصَحِّحْ ذلك في الطبعة الثانية ولا الذيل، انظر: Brockelmann، Geschischte des Arab. Litter، ١، ٣٥٤.
(٦) آثرنا بما في " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٣٩٦ لتحديد وفاة همام، لأنَّ هذه =
[ ٣١ ]
صحيفة أبي هريرة لهمام. ولا يمكننا أنْ نسلك هذه الصحيفة في عداد ما كتب في العصر النبوي، لأنَّ همامًا ولد قبيل سنة ٤٠ وتوفي شيخه أبو هريرة سنة ٥٨، فلا بدَّ أنْ يكون تدوينه لهذه الصحيفة قبل وفاة شيخه - لأنها سماعه منه بعد مجالسته إياه - أي في منتصف القرن الهجري الأول، وتلك نتيجة علمية باهرة تقطع بتدوين الحديث في عصر مُبكِّرٍ، وتُصَحِّحُ الخطأ الشائع: أنَّ الحديث لم يُدَوَّنْ إلاَّ في أوائل القرن الهجري الثاني.
وإنما كانت لهذه الصحيفة مكانة خاصة في تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودوَّنها همام عن أبي هريرة، فكانت جديرة باسم «الصحيفة الصحيحة» (١) على مثال «الصحيفة الصادقة» لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد سبقت الإشارة إليها. وعثر على هذه الصحيفة الباحث المُحَقِّق الدكتور محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (٢)، وزادنا ثقة بما جاء فيها أنها برُمَّتِها ماثلة في " مسند أحمد " (٣)، وأنَّ كَثِيرًا من أحاديثها مروي في " صحيح البخاري " في أبواب مختلفة (٤)، وتعداد هذه الصحيفة ١٣٨ حديثًا (٥)
_________________
(١) = الطبقات هي أقدم المصادر. وعند ابن حجر والنووي وسواهما توفي همام سَنَةَ ١٣١ هـ، ولعله تصحيف لقول ابن سعد (مات سَنَةَ إحدى أو اثنتين ومائة) وانظر التصحيحات الملحقة بـ " صحيفة همام ": ص ٢.
(٢) كما في " كشف الظنون ".
(٣) انظر وصف المخطوطتين في " صحيفة همام ": ص ٢١ - ٢٢.
(٤) " مسند أحمد ": ٢/ ٣١٢ - ٣١٩.
(٥) " صحيح البخاري ": ط. مصر سنة ١٣١٣ جـ ١ ص ٣٤، ٣٩، ٥٦، ٦٤، ٩١، جـ ٤ ص ٥٦، ٦٣، ٨٦ ومواضيع أخرى أَيْضًا.
(٦) وهذا التعداد أَيْضًا يحقق نسبة هذه الصحيفة إلى همام من ناحية، وتداولها بين =
[ ٣٢ ]
ولدينا من الأخبار مَا يُؤَكِّدُ وُلُوعَ هَمَّامٍ بِالكُتُبِ وَاقْتِنَائِهَا وَإِمْلاَئِهَا، فَقَدْ كَانَ «يَشْتَرِي الكُتُبَ لأَخِيهِ وَهْبٌ» (١) وكان يخرج إلى الناس الكتب والكراريس فَيُمْلِي منها الأحاديث (٢).
مَوْقِفُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنْ تَدْوِينِ الحَدِيثِ:
ليس علينا إذن أنْ ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى - كما هو الشائع - بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه. وليس علينا أنْ ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مُبَكِّرٍ جريًا وراء بعض المستشرقين كجولدتسيهر Goldziher وشبرنجر Springer، لأنَّ كتبنا وأخبارنا ووثائقنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النَّبِي نفسه وليس على رأس المائة الثانية للهجرة كما يمنُّ علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق - فوق ذلك - بصدق جميع الوقائع والأقوال والسير والتصرفات التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السُنَّة جميعًا لا في بعضها دون بعض كما يظن دوزي Dozy.
إنَّ هؤلاء المستشرقين لم تجشَّمُوا جمع الأدلة والبراهين على إثبات تدوين السُنَّة لإسداء خدماتهم الخاصة إلينا أدبنا وشريعتنا، بل لهم أغراض
_________________
(١) = الناس من ناحية ثانية، لأنه التعداد المحفوظ في الكتب الموثوقة. فقد جاء في " تهذيب التهذيب ": ١١/ ٦٧ رقم ١٠٦: «فجالس - أي همام - أبا هريرة فسمع منه أحاديث وهي نحو من أربعين ومائة حديث بإسناد واحد».
(٢) " تهذيب التهذيب ": ١١/ ٦٧ رقم ١٠٦.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي: جـ ٨ وقة ١١٢.
[ ٣٣ ]
إليها يهدفون، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون.
أما جولدتسيهر فعقد فصلًا خاصًا لكتابة الحديث في أبحاثه Muhammedanische Studien التي ترجم المجلد الثاني منها إلى الفرنسية (١). وفي هذا الفصل (p. ٢٤١ - ٢٥٠) أتى بأدلة كثيرة على تدوين الحديث في أول االقرن الهجري الثاني، وكان في الفصل الأول من الكتاب نفسه (p. ١٠ - ١٢) قد سرد طائفة من الأخبار تشير إلى بعض الصحف التي دوَّنت في عهد الرسول - ﷺ -، ولكنه أحاطها بكثير من التشكك في أمرها، والريبة في صحتها. وقد رمى بهذا إلى غرضين، أحدهما إضعاف الثقة باستظهار السُنَّة وحفظها في الصدور، لتعويل الناس في القرن الهجري الثاني على الكتابة، والآخر وصم السُنَّة كلها بالاختلاق، والوضع على ألسنة المدونين لها الذين لم يجمعوا منها إلاَّ ما يوافق أهواءهم ويعبر عن آرائهم ووجهات نظرهم في الحياة. لذلك أطلنا الحديث عن الصحف المكتوبة في عهده - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لنضع بين يدي القارئ الأسانيد التاريخية الموثوقة التي تثبت بدء الشروع في كتابة الأحاديث في حياته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وتؤكِّدَ تسلسل الرواية حفظًا وضبطًا في الوقت نفسه.
وشبرنجر في كتابه " الحديث عند العرب " (٢) يحاول تفنيد المعتقد الخاطئ عن وصول السُنَّة بطريق المشافهة وحدها، ويجمع الكثير من الأدلَّة على تدوين الأحاديث والتعويل على هذا التدوين في عصر مبكِّرٍ يبدأ أَيْضًا في مطلع القرن
_________________
(١) ترجمها Leon Bercher سنة ١٩٥٢ م بعنوان: Etudes sur la Tradition Islamique، Maisonneuve، Paris.
(٢) Springer، das Traditionsvesen beiden Arabern، ١٨٥٦، ١ - ١٧ dans Uber das Traditionsvesen beiden Arabern
[ ٣٤ ]
الهجري الثاني وليس في حياة الرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -. وغايته لا تختلف في شيء عن غاية جولدتسيهر.
وأما دوزي فَلَعَلَّهُ يخدع برأيه المعتدل كَثِيرًا من علمائنا فضلًا عن أوساط المُتعلِّمِينَ فينا، فقد كان هذا المستشرق يعترف بصحة قسم كبير من السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ التي حفظت في الصدور وَدُوِّنَتْ في الكتب بدقة بالغة وعناية لا نظير لها «وما كان يعجب لكثير من الموضوعات والمكذوبات تَتَخَلَّلُ كُتُبَ الحديث - فتلك كما يقول طبيعة الأشياء نفسها - بل للكثير من الروايات الصحيحة الموثوقة التي لا يرقى إليها الشك (ونصف " صحيح البخاري " على الأقل جدير بهذا الوصف عند أشد المُحَدِّثِينَ غُلُوًّا في النقد) مع أنها تشتمل على أمور كثيرة يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم ترد فيها» (١).
فلم يكن غرض هذا المستشرق خَالِصًا للعلم والبحث المُجَرَّدِ حين مال إلى الاعتراف بصحة ذلك النصيب الكبير من السُنَّةِ، وإنما كان يُفكِّرُ أَوَّلًا وَآخِرًا بما اشتملت عليه هذه السُنَّةُ الصَّحِيحَةُ، من نظرات مُسْتَقِلَّةٍ في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يدرأ عنها استقلالها النقد والتجريح لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المعجز، ولم تُصَوِّرْ حياة الغرب الطليقة من كل قيد!
لن نكون عالة على هؤلاء المستشرقين في تحقيق شيء يتعلق بماضي ثقافتنا
_________________
(١) عِبَارَةُ دُوزِي فِي الأَصْلِ أَوْقَحُ مِنْ أَنْ نُورِدَهَا عَلَى حَالِهَا. وَمَنْ رَغِبَ فِي الاطِّلاَعِ عَلَى آرَاءِ هَؤُلاَءِ النَّاسِ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ: Dozy، Essai sur L'Histoire de l'Islamisme، traduit par V.Chauvin، p. ١٢٤.
[ ٣٥ ]
وستكون منهم على حذر في كل ما يؤرِّخُونه لحضارتنا - فما انتظرنا اعترافاتهم بتدوين الحديث، وما خفيت علينا الغاية من هذه الاعترافات، وسواء علينا أأقرُّوا أم جحدوا، فإنَّ رب الدار أدرى بالذي فيها، وإنَّ كتبنا الأمينة الموثوقة نطقت بوجود صحف مكتوبة في الحديث على عهده - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وما يدرينا لعل جميع هذه الصحف ماثلة في كتب المسانيد في بطون مخطوطات الحديث المبثوثة في مكتبات العالم كما مثلت في " مسند ابن حنبل " صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفة أبي هريرة لهمام!.
ومن الآراء التي تَخَبَّطَ فيها المستشرقون على غير هدى من منطق سليم أو نقل صحيح أنَّ الأحاديث الواردة في شأن تدوين العلم حثًا عليه أو نهيًا عنه إنما كانت أثرًا من آثار تسابق أهل الحديث في جانب آخر إلى وضع الأقوال المؤيِّدة لنزعتَيْهِم المُتباينتين. فأهل الحديث ينزعون إلى جواز تقييد السُنَّة ليكون مستندًا بين أيديهم لصحتها والاحتجاج بها، وأهل الرأي - على العكس - ينزعون إلى النهي عن الكتابة وإثبات عدم تقييد العلم تمهيدًا لإنكار صحته وإنكار الاحتجاج به (١). وقد توَلَّى كِبْرَ هذا الضلال العلمي جولدتسيهر Goldziher بعد اطلاعه على مقال في «نشأة
_________________
(١) Goldziher، Etudes sur la Tradition Islamique، p. ٢٤٥ - ٢٥٠. وقارن أَيْضًا بما كتبته الباحثة روث مكنسون متأثرة فيه برأي جولدتسيهر في مقالاتها: Ruth Mackenson، Arabic books and librairies in the Omayad period (in AJSL، vol. L. II-LIV، ٢٤٥ - ٢٥٣; vol. L. III، ٢٣٩ - ٢٤٩ ; vol. L IV ٤١ - ٦١) .
[ ٣٦ ]
الكتابة وتطورها» لسلفه المستشرق شبرنجر Springer (١) الذي اكتشف سنة ١٨٥٥ م كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي. غير أنَّ منهج المستشرقين يختلف اختلافًا جوهريًا في هذا الموضوع. أما شبرنجر فقد استنتج من نشأة الكتابة عند العرب ومن خلال النصوص الواردة في الكتاب المذكور أنَّ الحديث لا بُدَّ أنْ يكون دُوِّنَ منه الكثير في عهد الرسول - ﷺ - وكان هذا ما يعنيه أولًا وبالذات. وأما جولدتسيهر فقد ارتاب في صحة جميع تلك النصوص، ورأى أنَّ بعضها وضعه أهل الحديث، وبعضها الآخر وضعه أهل الرأي.
وقد قيَّضَ الله لهذا الكتاب أنْ يُنشَرَ في دمشق نشرًا علميًا دقيقًا، وإذا بناشره المُحقِّق الدكتور يوسف العش يورد في مقدمته براهين لا تحتمل النقاش على خطأ جولدتسيهر في رأيه، إذ أثبت أنَّ النزاع حول جواز الكتابة أو المنع منها لم يكن ضربًا من التسابق بين أهل الحديث وأهل الرأي «لأنَّ من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة كعيسى بن يونس (- ١٨٧ هـ) وحماد بن زيد (- ١٧٩ هـ) وعبد الله بن إدريس (- ١٩٢ هـ) وسفيان الثوري (- ١٦١ هـ) وبينهم من أقرَّها كحماد بن سَلَمَة (- ١٦٧ هـ) والليث بن سعد (- ١٧٥ هـ) وزائدة بن قدامة (- ١٦١ هـ) ويحيى بن الليمان (- ١٨٩ هـ) وغيرهم. ومن المُحَدِّثِينَ من كره الكتابة كابن عُلية (- ٢٠٠ هـ) وهُشيم بن بشير (- ١٨٣ هـ) وعاصم بن
_________________
(١) Springer، Origin and progress of writing،in the journal of the Asiatic society of Bengal، xxv، ٣٠٣ - ٣٢٩.
[ ٣٧ ]
ضمرة (- ١٧٤ هـ) وغيرهم. ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (- ١٩٧ هـ) وعكرمة بن عمار (- ١٥٩ هـ) ومالك بن أنس (- ١٧٩ هـ) وغيرهم» (١).
ووفق الدكتور العش في تفسيره تطور موقف الصدر الأول من تقييد العلم محبة وبُغضًا، إلاَّ أنه يتفق وتطور الحياة الإسلامية السياسية والاجتماعية، ولسنا نشاطره رأيه في إيجاب هذا التقسيم، لأنه في ذاته مجرَّد اقتراح أو اصطلاح، فقد جعل الأجيال أربعة وحدَّدَ لكل جيل أربعين سنة (٢)، وربما كان هذا التحديد «يوافق المدة التي يستطيع أنْ ينقطع فيها العالم في حقل العلم، ويوافق طبقات العلماء ونقل بعضهم عن بعض» (٣)، ولكنه - على كل حال - تحديد زمني محصور في نطاق الزمن وحده، فأقل ما يفترض فيه الدقة التامة - وهي غير ميسَّرة - فقد تخالف وفيات بعض الرُواة هذا التحديد الزمني في قليل أو كثير فلا يسلم القول بهذا التقسيم. ويبدو لنا أنه ما يزال في وسعنا الاستفادة من
_________________
(١) " تقييد العلم " للخطيب البغدادي. مقدمة الناشر: ص ٢١ - ٢٢.
(٢) وإليك هذه الأجيال الأربعة كما أوردها الدكتور العش في مقدمة " تقييد العلم ": ص ١٧.
(٣) عهد الرسول والصحابة الأولين، وينتهي حوالي سنة ٤٠ هـ بوفاة آخر الخلفاء الراشدين.
(٤) عند التابعين المتأخِّرين وينتهي حوالي سنة ٨٠ في أواخر عهد عبد الملك بن مروان.
(٥) عهد التابعين المتأخرين وينتهي حوالي سنة ١٢٠ في أواخر خلافة هشام بن عبد الملك.
(٦) عهد الخالفين وينتهي حوالي سنة ١٦٠.
(٧) " تقييد العلم ". مقدمة الناشر: ص ١٧.
[ ٣٨ ]
تقسيمات القدامى مع اعتبار الأطوار الاجتماعية التي تعاقبت على طبقاتهم المعروفة المشهورة، فجعلتهم يقفون من تقييد العلم مواقف متباينة، يؤيِّدُون الكتابة تارة ويكرهونها تارة أخرى. فهناك الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، ولقد رأينا أنَّ الكتابة كانت أمرًا واقعًا في عهد الصحابة، في حياته - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -، ولكنها لم تكن كثيرة، فالصحف التي وصفها - مهما نطل الحديث عنها - كانت قليلة، وقد علَّلْنا تلك القلَّة تعليلًا مناسبًا. وكان يعنينا شيء واحد هو إثبات خطأ الاعتقاد بتناقل الحديث عن طريق الحفظ وحده.
عَصْرُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ:
حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغيَّر الحال كَثِيرًا، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدُّدِ في الرواية والتورع عن الكتابة امتدادًا لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول، فهذا أبو بكر يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها (١)، وهذا عمر بن الخطاب لا يلبث أنْ يعدل عن كتابة السُنن بعد أنْ عزم على تدوينها. وعن عُروة بن الزبير أنَّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السُنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - فأشار عليه عامتهم بذلك فلبث عمر شهرًا يستخير الله في ذلك شاكًا فيه، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: «إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السُنن ما قد علمتم. ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم، قد كتبوا مع كتاب الله
_________________
(١) " تذكرة الحُفاظ ": ١/ ٥.
[ ٣٩ ]
كُتُبًا، فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألْبس كتاب الله بشيء أبدًا، فترك كتاب السُنن» (١).
والخلفاء الراشدون لم يتشدَّدُوا في أمر الكتابة وحدها، بل بلغ بهم الورع أنْ راحوا يتشدّدُون حتى في الرواية، فلم يعط أبو بكر الجدَّةَ سُدُسَ الميراث إلاَّ بعد أنْ شهد المغيرة بن شُعبة ومحمد بن مسلمة أنَّ الرسول أعطاها السُدُس (٢)، ولم يتساهل عمر مع أبي موسى الأشعري حين روى حديث الاستئذان، بل هدّدَهُ بتغزيره إنْ لم يشهد أحد من الصحابة على صحة سماعه، وقال له: «أقم عليه البيِّنَةَ وإلاَّ أوجعتك» (٣).
فإذا رأينا كلًا من أبي بكر وعمر - بعد هذا - يكتبان الحديث أو ينصحان بكتابته (٤)، وأنَّ كَثِيرًا من كبار الصحابة في عصرهما كانوا كذلك ينصحون بالكتابة ويأمرون بها أمرًا صريحًا، أدركنا علة ذلك التشدُّدِ الذي وصفناه قبل، وثبت لنا - كما قال إسماعيل بن إبراهيم بن عُلية البصري (- ٢٠٠ هـ) -
_________________
(١) " تقييد العلم ": ص ٥٠ وانظر ما يقاربه في " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٤ و" طبقات ابن سعد ": ٣/ ١ ص ٢٠٦ و" كنز العمال " للمتقي الهندي: ٥/ ٢٣٩.
(٢) " المختصر في علم رجال الأثر " لعبد الوهاب عبد اللطيف: ص ٧٩.
(٣) " صحيح مسلم ": ٦/ ١٧٧ وقد شهد له أبو سعيد الخُدري بصحة سماعه.
(٤) انظر مثلًا في المخطوطة (جمع الجوامع للسيوطي - الظاهرية حديث ١٩٦) الوجه الثاني من الورقة ١٠٨ كيف أن أبا بكر كتب لأنس كتابًا فيه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - على المسلمين، وراجع في مستدرك الحاكم ١/ ١٠٦ وجامع بيان العلم ١/ ٧٢ والمحدث الفاصل للرامهرمزي - مخطوطة الظاهرية حديث ٤٠٠ قول عمر بن الخطاب "قيدوا العلم بالكتاب". وكذلك علي بن أبي طالب حض على كتابة العلم، وشاعت عنه العبارة التي يرددها كثير من الصحابة "قيدوا العلم بالكتاب" انظر تقييد العلم ص ٩٠ ومعادن الجوهر للأمين العاملي ١/ ٣ دمشق ١٣٤٧. ُ
[ ٤٠ ]
أنَّ الصحابة «إِنَّمَا كَرِهُوَا الكِتَابَةَ، لأَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا الكُتُبَ فَأُعْجِبُوا بِهَا فَكَانُوا يَكْرَهُوَنَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهَا عَنِ الْقُرْآنِ» (١) وكما قال الخطيب البغدادي: «إِنَّ كَرَاهَةَ مَنْ كَرِهَ الكِتَابَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ، إِنَّمَا هِيَ لِئَلاَّ يُضَاهِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى غَيْرَهُ، أَوْ يُشْتَغَلَ عَنْ القُرْآنِ بِسِوَاهُ» (٢).
عَصْرُ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ:
وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين هالتنا تلك الروايات المتضافرة على كراهة كبار التابعين وأوساطهم وأواخرهم للكتابة، ثم لا نلبث أنْ نجد كَثِيرًا منهم يتساهلون في أمرها، أو يرخِّصُون بها، أو يحُضُّون عليها، ونجدها أصبحت أمرًا «رَسْمِيًّا» في عصر أوساطهم، فيُخَيَّلُ إلينا أنَّ التضارب قائم في هذه الروايات، وأنه لا يمكن أنْ يستنتج منها حكم تاريخي موثوق. ولكن الموضوع أهون من هذا، فإنَّ الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين على الكراهة هي التي حملت التابعين عليها، فإذا بطلت أسباب هذه الكراهة قال الحميع قولًا واحدًا، وأخذوا به وأجمعوا عليه: وهو جواز كتابة العلم، بل إيثار تقييده والتشجيع عليه.
ففي عصر كبار التابعين حتى آخر المائة الأولى امتنع كثيرون عن الإكتاب: منهم عُبيدة بن عمرو السلماني المرادي (- ٧٢ هـ) وإبراهيم بن يزيد التيمي
_________________
(١) " تقييد العلم ": ص ٥٧ وقارن بـ " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٩٦.
(٢) " تقييد العلم ": ص ٥٧.
[ ٤١ ]
(- ٩٢ هـ) وجابر بن زيد (- ٩٣ هـ) وإبراهيم بن يزيد النخعي (- ٩٦ هـ) وهم قوم لما يجدوا الضرورة الملجئة إلى الإكتاب بل ما تزال الأخبار عن الخلفاء الراشدين وكراهتهم الكتابة قريبة عهد منهم، شديد الشيوع في عصرهم، توحي بالكثير من ورع هؤلاء السادة الأخيار، فلا غرو أن يتأسَّوْا بهم ويقولوا بقولهم. ولا عجب أنْ يعد الواحد منهم تخليد كتاب عنه خطأ وإثمًا: ولذلك قال عُبيدة لإبراهيم: «لاَ تُخَلِّدَنَّ عَنِّي كِتَابًا» حين علم أنه يكتب عنده (١). وإذا بإبراهيم يقف عند هذه الوصية ويقول بعدها: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ» (٢).
ومما زاد في كراهة القوم للكتابة أنَّ آراءهم الشخصية بدأت تشتهر، فكانوا يخشون إذا كتب الناس عنهم الأحاديث أن يكتبوا إلى جانبها هاتيك الآراء. ولدينا من الأخبار ما يؤكد هذا ويثبته، ولعل من أوضحه في عصر كبار التابعين ما رَوَوْا من أنه قيل لجابر بن زيد (- ٩٣ هـ): إنهم يكتبون رأيك، فقال مستنكرًا: «يَكْتُبُونَ مَا عَسَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْهُ غَدًا؟!» (٣).
واستنكار هؤلاء جميعًا الكتابة عنهم يعني من طريق غير مباشر أنَّ في
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٧ و" تقييد العلم ": ص ٤٦ وعُبيدة هو الذي ورد اسمه آنفًا (عُبيدة بن عمرو السلماني المُرادي) وقد دعا عُبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال: «أخشى أنْ يليها أحد بعدي، فيضعوها في غير موضعها» " طبقات ابن سعد ": ٦/ ٦٣. وفي " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٧ ما يقاربه. أما إبراهيم فهو ابن يزيد النخعي. وانظر في كراهة إبراهيم التيمي للكتابة " سنن الدارمي ": ١/ ١٢٢ في كراهة جابر بن زيد لها " جامع بيان العلم ": ٢/ ٣١.
(٢) " تقييد العلم ": ص ٦٠.
(٣) " جامع بيان العلم ": ٢/ ٣١ وراجع ما يقوله بهذا الصدد الدكتور يوسف العش في مقدمة نشره لـ " تقييد العلم ": ص ٢٠.
[ ٤٢ ]
القوم من بدأ يستسيغ التدوين. ولا سيما حين يكون مُجرَّدًا من الآراء الشخصية مقتصرًا على الأحاديث نفسها، لأنَّ محاولات الكتابة هي التي حملت هؤلاء العلماء على استنكارها، فهم لم يستنكروها نظريًا من حيث المبدأ بل تشدَّدُوا في أمرها عمليًا عند التطبيق. فلا يدهشنا بعد ذلك أنْ نجد لسعيد بن جُبير (- ٩٥ هـ) نقلين في شأن الكتابة يوهمان التضارب ولا تضارب، فهو تارة ينقل عن ابن عباس أنه كان ينهى عن كتابة العلم وأنه قال: «إِنَّمَا أَضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمُ الكَتْبُ» (١) وتارة ينقل عنه أنه قال: «خَيْرُ مَا قُيِّدَ بِهِ العِلْمُ الكِتَابُ» (٢): فالنهي ينصرف إلى ما تشتمل عليه الكتب من آراء خاصة. والنصيحة بالكتابة تنصرف إلى العلم بسُنَّة رسول الله - ﷺ -، ولذلك لم يكتف سعيد بن جبير بالكتابة بل بالغ في الحرص عليها فقال: «كُنْتُ أَسِيرُ بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْهُمَا، فَأكْتُبُهُ عَلَى وَاسِطَةِ الرَّحْلِ حَتَّى أَنْزِلَ فَأَكْتُبَهُ» (٣).
ولما بدأ الناس يفرِّقُون بين فكرة النهي عن كتابة الأحاديث وفكرة النهي عن كتابة الآراء الشخصية، أصبح كثير من أوساط التابعين في أول المائة الثانية لا يرون بأسًا في تقييد العلم، ويرخصون لتلامذتهم بتقييده، كما رخص سعيد بن المسيب (- ١٠٥ هـ) لعبد الرحمن بن حرملة بذلك حين شكا إليه سوء
_________________
(١) " تقييد العلم ": ص ٤٣ وفي معناه ما جاء في " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٥.
(٢) " تقييد العلم ": ص ٩٢.
(٣) " تقييد العلم ": ص ١٠٣ وانظر ما يقاربه في " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٢. وعلى هذا الأساس، يمكننا التوفيق بين قول كثير بن أفلح (- ٦٣ هـ): «كنا نكتب عند زيد بن ثابت» - " تقييد العلم ": ص ١٠٢ وبين ما علمناه من رواية زيد بن ثابت حديث النهي عن الكتابة (راجع ما سبق أنْ ذكرناه في أول البحث).
[ ٤٣ ]
الحفظ (١). وراح الشعبي (- ١٠٤ هـ) يُرَدِّدُ العبارة المشهورة التي كانت صدى لحديث مرفوع إلى الرسول تناقله الصحابة والتابعون: «الكِتَابُ قَيْدُ العِلْمِ» (٢). وينبه على فائدة الكتابة فيقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، شَيْئًا فَاكْتُبُوهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» (٣)، ويظهر أنه كتب بنفسه بعض العلم فقد وجدوا له بعد موته كتابًا في الفرائض والجراحات (٤). أما مجاهد بن جبر المكي (- ١٠٣ هـ) فكان يصعد بالناس إلى غرفته فَيُخْرِجُ إليهم كُتُبَهُ فينسخون منها (٥)، ومضى عطاء بن أبي رباح (- ١١٤ هـ) يكتب لنفسه ويأذن بالكتابة لسواه (٦)، وقتادة بن دعامة السدُوسي (- ١١٨ هـ) لَمْ يَتَرَدَّدْ في إجابة الذي استفتاه في الكتابة بقوله الصريح له: «وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَكْتُبَ وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنَّهُ يَكْتُبُ: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾» (٧).
وأغلب الظن أنَّ الخليفة الورع التقي عمر بن عبد العزيز (- ١٠١ هـ) حين أمر رَسْمِيًّا بالشروع في تدوين الحديث إنما استند إلى آراء العلماء، ولعله لم يقدم
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٣ و" تقييد العلم: ص ٩٩.
(٢) " تقييد العلم ": ص ٩٩ والعبارة المشهورة عن الرسول في هذا هي كما رأينا «قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ».
(٣) " تقييد العلم ": ص ١٠٠.
(٤) " تاريخ بغداد ": ١١/ ٢٣٢.
(٥) انظر " سنن الدارمي ": ١/ ١٢٨ و" تقييد العلم ": ص ١٠٥. على أَنَّ في " سنن الدارمي " نفسها: ١/ ١٢١ ما يشير إلى كره مجاهد أنْ يكتب العلم في الكراريس.
(٦) انظر " الإلماع " للقاضي عياض: ورقة ٢٧ الوجه الأول و" سنن الدارمي ": ١/ ١٢٥.
(٧) [طه: ٥٢] وانظر " تقييد العلم ": ص ١٠٣ ويروي عنه الدارمي في " سننه ": ١/ ١٢٠ - مع ذلك - ما يفيد كراهته الكتابة.
[ ٤٤ ]
على ذلك إلاَّ بعد أنْ استشارهم أو اطمأنَّ - على الأقل - إلى تأييد كثرتهم (١)، وإنْ كانت الأخبار المتضافرة توحي بتفرده في هذه الفكرة لما له في القلوب من منزلة، ولا سيما بين معاصريه الواثقين بِتُقَاهُ وَوَرِعِهِ.
ويتضح من جملة الأخبار المروية في هذا الشأن أنَّ خوف عمر من دُرُوسَ العِلْمِ وذهاب أهله هو الذي حمله على الأمر بالتدوين، فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى المَدِينَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَأْمُرُهُ: «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ أَوْ حَدِيثِ عَمْرَةَ [بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ] فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي قَدْ خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ أَهْلِهِ» (٢). وعَمْرَة المذكورة هنا هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وقد ضُمَّ إليها بعض الروايات اسم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق (- ١٠٧) وكلاهما من تلاميذ عائشة، فكانا أعلم الناس بأحاديثها عن رسول الله. ولقد قام أبو بكر بن حزم بما عهد إليه عمر، ولكن هذا الخليفة العظيم لحق بربه قبل أنْ يطلعه عامله على نتائج سعيه (٣).
على أَنَّ عمر كان قد كتب إلى أهل الآفاق وإلى عُمَّالِهِ في الأمصار بمثل ما كتب إلى ابن حزم (٤)، وكان أول من استجاب له في حياته وَحَقَّقَ له غايته عالم
_________________
(١) وإنما قلنا «تأييد كثرتهم» لأنَّ بعض العلماء أظهروا كراهتهم للتدوين في وجه عمر بن عبد العزيز، فقد رَوَوْا عن عبيد الله (- ١٠٦) أنه دخل على عمر بن عبد العزيز، فأجلس قومًا يكتبون ما يقول، فلما أراد أَنْ يقوم قَالَ لَهُ عُمَرُ: «صَنَعْنَا شَيْئًا»، قَالَ: «وَمَا هُوَ يَا ابْنَ عَبْدِ العَزِيزِ؟»، قَالَ: «[كَتَبْنَا] مَا قُلْتَ»، قَالَ: «وَأَيْنَ هُوَ؟»، قَالَ: «فَجِيءَ بِهِ فَخُرِّقَ»." تقييد العلم ": ص ٤٥.
(٢) انظر " طبقات " ابن سعد: ٢/ ٢ ص ١٣٤.
(٣) انظر " مفتاح السُنَّة " لمحمد عبد العزيز الخولي: ص ٢٠ (الطبعة الثالثة).
(٤) " الرسالة المستطرفة ": ص ٤.
[ ٤٥ ]
الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزُهري المدني (- ١٢٤ هـ) الذي دَوَّنَ له في ذلك كتابًا (١)، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دَفْتَرًا من دفاتره (٢). وَحُقَّ لِلْزُّهْرِيِّ أنْ يفخر بعمله قائلًا: «لَمْ يُدوِّنْ هَذَا العِلْمَ أَحَدٌ قَبْلَ تَدْوِينِي» (٣).
وَقَدْ يُخَيَّلُ للباحث عندما يبلغ هذه المرحلة من الدراسة أَنَّ فكرة كره التدوين قد اختفت إلى الأبد، وأنها في هذا العصر بدأت تُنْسَى، ثم لا يلبث أَنْ يسمع بنغمتها الرتيبة تتعالى حتى على لسان الذين رَخَّصُوا في التدوين أو حَضُّوا عليه أو أسهموا فيه. بل لَيَسْمَعَنَّ البَاحِثُ معها نغمة جديدة من الندم والحسرة عند الذين شاركوا في التدوين خاصة، فكأنهم لم ينهضوا بالأمر من تلقاء أنفسهم، بل بتحريض الأمراء وائتمارًا بأمرهم.
قال الزُهري: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَلاَّ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ» (٤). وهو في الواقع ما منع أحدًا من المسلمين كتابة شيء، ولا منع نفسه حين كان يغلو في الكتابة حتى ليكتب الحديث في ظهر نعله مخافة أن يفوته (٥)، غير أَنَّ عَامِلًا آخر ربما شارك إكراه الأمراء في
_________________
(١) " الرسالة المستطرفة ": ص ٤.
(٢) " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٦.
(٣) " الرسالة المستطرفة ": ص ٤.
(٤) " طبقات " ابن سعد: ٢/ ٢ ص ١٣٥ وفي كتاب " الأموال " للقاسم بن سلام: ص ٥٧٨ (طبعة مصر ١٣٥٣) تخصيص اسم عمر بن عبد العزيز من بين الأمراء، ومثل ذلك في " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٦.
(٥) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٠٣ و" تقييد العلم ". وليست الصحيفة المحفوظة عنه - التي يقول فيها الخطيب البغدادي أنها تحوي ثلاثمائة حديث - إلاَّ نموذجًا من صحفه الكثيرة التي قيد بها علمه الغزير. (انظر: " تاريخ بغداد ": ١٤/ ٨٧).
[ ٤٦ ]
الإقبال على كتابة العلم والإذن بها، وهو تمييز حديث رسول الله مما وضع في فيه ولم يقله، وإنه لأمر أَقَضَّ مضجع الزُهري، فانطلق يقول كاظمًا غيظه: «لَوْلاَ أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لاَ نَعْرِفُهَا، مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (١).
ولقد يكون رأي الزُهري هذا هو رأي أكثر العلماء في ذلك العصر، فالحرص على كلام رسول الله أنْ يضيع كالخوف عليه أنْ يشيع فيه غير الصحيح كانا عاملين كبيرين في توجيه العلماء نحول القول بكتابة الحديث تارة والنهي عنها تارة أخرى. فإذا كنا رأينا اسمي سعيد بن المسيب والشعبي بين أسماء المُرَخِّصِينَ في الكتابة فلن نعدم روايات تُصَوِّرُهُمَا لنا مستنكرين لها (٢)، وقل مثل ذلك في مجاهد وقتادة (٣)، حتى القاسم بن محمد بن أبي بكر (- ١٠٧ هـ) الذي أمر عمر بن عبد العزيز بجمع ما عنده من الأحاديث والروايات عن عائشة اشتهر عنه القول بكره التدوين (٤)، وهكذا جمعوا وَدَوَّنُوا عن أشخاص كانوا يكرهون الجمع والتدوين. ولقد عَبَّرَ عن خوفهم من نتائج هذا التدوين الضحاك بن مزاحم الهلالي (- ١٠٥ هـ) حين طفق ينادي الناس: «لاَ تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ
_________________
(١) " تقييد العلم ": ص ١٠٨.
(٢) انظر كراهة سعيد بن المسيب للكتابة " تذكرة الحُفاظ ": ١/ ١٠٥ وفي كراهة الشعبي لها " المحدث الفاصل ": ٤/ ٥ الوجه الأول.
(٣) انظر في كره مُجاهد كتابة العلم في الكراريس " سنن الدارمي ": ١/ ١٢١ وقد سبق أنْ نبَّهْنا على أنَّ في " سُنن الدارمي " نفسها: ١/ ١٢٨ ما يشير إلى عناية مجاهد بالكتابة. وانظر في كره قتادة للكتابة " سنن الدارمي ": ١/ ١٢٠.
(٤) انظر " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٧ و" تقييد العلم ": ص ٤٦.
[ ٤٧ ]
المَصَاحِفِ» (١) مع أنه حين لا موضع للخوف أملى على الناس مناسك الحج (٢).
وإذا كان أوساط التابعين قد بدؤوا يحذرون وضع الوَضَّاعِينَ فإن أواخر التابعين أمسوا يصادفون كَثِيرًا من نماذج الوَضَّاعِينَ وصور وضعهم تَأْيِيدًا لِلْفِرَقِ وَالشِّيعِ المختلفة، فقد أمسى لِزَامًا أَنْ يشيع التدوين وينتشر في عصرهم حِفْظًا لِلْنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ من عبث العابثين. وميزة التدوين في هذا العصر أنَّ الحديث كان ممزوجًا غالبًا بفتاوى الصحابة والتابعين: كما في " موطأ مالك " إمام المدينة (- ١٧٩).
وفي عصر أتباع التابعين، مِمَّنْ كانوا على رأس المائتين، عُنِيَ العلماء بتأليف المسانيد خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، مقصورة على السُنَّة النَّبَوِيَّةِ وحدها. وأول من ألَّفَ تلك المسانيد أبو داوود الطيالسي (- ٢٠٤ هـ) (٣). ويعتبر " مسند أحمد بن حنبل " (- ٢٤١ هـ) أوْفَى تلك المسانيد وأوسعها، إلاَّ أنَّ هذا الإمام معدود من أتباع التابعين لأنَّ وفاته بعد العشرين والمائتين.
وَلَمْ تُدَوَّنْ السُنَّةُ الصحيحة وحدها مُرَتَّبَةً على الأبواب إلاَّ في عصر أتباع أتباع التابعين مِمَّنْ عاصر البخاري. وفي هذا العصر ألفت الكتب الستة الصحيحة. وسندرس ما يتعلق بها وبأصحابها (البخاري ومسلم والترمذي وأبي داوود، وابن ماجه والنسائي) في فصل «أَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ».
أما المُتَأَخِّرُونَ عن عصر الرواية فيكون عملهم - في نهاية المطاف - تهذيبًا وشرحًا واختصارًا للكتب الصحيحة المشهورة، فيجمع أبو عبد الله
_________________
(١) " تقييد العلم ": ص ٤٧.
(٢) " جامع بيان العلم ": ١/ ٧٢.
(٣) وقد طبع هذا المسند في حيدر آباد بالهند سَنَةَ ١٣٢١ هـ.
[ ٤٨ ]
الحُميدي (- ٤٤٨ هـ) " الصحيحين " على ترتيب المسانيد، ثم أبو السعادات مبارك بن الأثير (- ٦٠٦ هـ) " الكتب الستة " بترتيب الأبواب، ثم نور الدين علي الهيثمي (- ٨٠٧ هـ) ما زاد عن " الكتب الستة " من المُصَنَّفَاتِ المَشْهُورَةِ في " مجمع الزوائد " (١)، وأخيرًا السيوطي (- ٩١١ هـ) " الكتب الستة " و" المسانيد العشرة " وغيرها مِمَّا يزيد على خمسين مُصَنَّفًا في " جمع الجوامع " المُسَمَّى بـ " الجامع الكبير " (٢).
وهكذا، مَرَّ الحديث النبوي بمراحل طويلة حتى وصل إلينا مُحَرَّرًا مَضْبُوطًا، وساعدت الطباعة الحديثة على نشر هذا التراث الإسلامي العظيم.
_________________
(١) وقد نشره حسام الدين القدسي سنة ١٣٥٢ هـ.
(٢) انظر في «الظاهرية»، حديث ١٩٦ مخطوطة " جمع الجوامع " والموجود منه جـ ٣.
[ ٤٩ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ:
الطَّابَعُ الإِقْلِيمِيُّ فِي نَشْأَةِ الحَدِيثِ:
في المدينة المنورة «دَارُ السُنَّةِ» (١) التي عَظَّمَ الرسول - ﷺ - حُرْمَتَهَا ما بين حَرَّتَيْهَا وحماها كله (٢) نشأ الحديث نشأته الأولى، فكان الصحابة يتناقلونه فيها مشافهة وَتَلْقينًا، وإليهم كان يفزع التابعون ليأخذوه من أفواههم بالتلقين أَيْضًا، فَاتَّسَمَ الحديث - في مطلع فجره - بالطابع الإقليمي. وظلت رحاب المدينة مقدسة في عيون الرُوَّاةِ، وما فتئت تهفو إليها القلوب، لأنها الإقليم المبارك الذي اتسعت فيه آفاق الدعوة الإسلامية بعد الهجرة النَّبَوِيَّةِ. وأضحى أبناء الأقاليم الأخرى إذا حجوا بيت الله الحرام لا يلبثون أن يولوا وجوههم شطر المدينة ليسمعوا من أفواه أهليها (٣)، وقد يرحلون إليها
_________________
(١) " تاريخ الطبري ": ص ١٨٢.
(٢) راجع في " مسند أحمد "، طبعة شاكر، ج ٢ ص ١٩٨ و١٩٩ الحديث رقم ٩٥٩ وفيه يقول رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ، وَإِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن حَرَّتَيْهَا وَحِمَاهَا كُلّه، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا، وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتهَا إلاَّ لِمَنْ أَشَارَ بِهَا» الحديث بإسناد صحيح.
(٣) كما رووا عن أبي العالية أنه قال: «كنا نسمع الرواية عن أصحاب =
[ ٥٠ ]
من الأمصار النائية ليأخذوا ما تفرد به رُواتها (١) وأمسى بعض الأئمة لايرون بأسا في الاعتراف بأنهم حجُّوا بيت الله ابتغاء السماع من علماء الحجاز، وهم يقصدون علماء المدينة الثقات الضابطين (٢) ولعل علي ابن المديني (٣) كان يرقي إلى هذا حين قال: «حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلاَّ أَنْ أَسْمَعَ!» (٤).
وإذا كان أهل المدينة قد تَفَرَّدُوا - أول نشأة الحديث - برواية أكثر السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (٥)، فَإِنَّ بعض الأمصار الأخرى بدأت تَتَفَرَّدُ كذلك - في عصر
_________________
(١) = رسول الله - ﷺ - بالبصرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعنا من أفواههم» انظر مخطوطة " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩/ ١٦٨ وجه ٢. وأبو العالية هو التابعي الجليل رفيع بن مهران الرياحي المتوفى سَنَةَ ٩٢.
(٢) ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حكى عن عبد الملك بن حبيب أنه «حَجَّ فأخذ عن عبد الملك بن الماجشون وأسند السُنَّةَ وأصبغ بن الفرج وطبقتهم ورجع إلى الأندلس بعلم جمٍّ» " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٥٣٧. ط ٣ وإليها جميع أحالاتنا في هذا الفصل، ولزيادة الإيضاح ارجع إلى جريدة المراجع في آخر الكتاب. وعبد الملك بن حبيب هو عالم الأندلس وفقيهها الكبير، ويُكنَّى أبا مروان السلمي ثم المرداسي الأندلسي القرطبي. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٣٨.
(٣) وذلك يعني أنَّ السماع في المدينة كان أكثر منه في مكة، وهو ما قصده المؤرِّخُون من وصف المدينة بأنه «دَارُ السُنَّةِ» فلا ينبغي أن يستنتج من كلامنا تحديد أي البلدين كان له السبق في تدوين الحديث، فالسماع بالتلقين غير الكتابة مع التدوين.
(٤) هو علي بن عبد الله بن جعفر، وَيُكَنَّى أبا جعفر، سعدي بالولاء، وكان أخذ شيوخ البخاري. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٣٤ (شذرات الذهب: ٢/ ٨١).
(٥) " سنن الترمذي ": ١/ ١٩٦.
(٦) ولذلك نصادف كَثِيرًا من كتب السُنَنِ «وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ» كما في " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٧٠ رقم الحديث ٢٥٤ (راجع ط / ٢ سنة ١٣٦٩ هـ. بتحقيق محيي الدين عبد الحميد) وإليه جميع إحالتنا). =
[ ٥١ ]
مبكر - بطائفة من الأحاديث تشتهر في إقليمها أولًا، ثم تستفيض بعد مدة تطول أو تقصر على ألسنة الرُواة في كثير من البلدان: وفي بطون كتب الحديث ألوان من التعبير توحي بهذا التفرُّد الإقليمي في رواية السُنن، فهذا مِمَّا تَفَرَّدَ به أهل البصرة (١)، وهذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيه أحد (٢)، وهذا حديث حمصي (٣).
ولم يكن بُدٌّ من أن يختلف المحدثون حول هذا التفرد في الرواية، تَبَعًا للإقليم الذي اختص بها. فالراوي الواحد يقبل حديثه ويُعدُّ مقاربًا للصحة إذا أخذه أهل هذا المصر، ويردّ ويعتبر منكرًا إذا تلقَّاه أهل مصر آخر. وذلك يفسِّرُ لنا تفسيرًا منطقيًا واضحًا موقف الإمام البخاري من زهير بن محمد حيث يقول: «زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ، وَرِوَايَةُ [أَهْلِ العِرَاقِ أَشْبَهُ]» (٤)، فقد اختلف حكم البخاري على هذا الرجل تَبَعًا لاختلاف الإقليم الذي أخذ عنه، لأنَّ هذا الإمام العظيم - بمعرفة الرجال، وَتَشَدُّدِهِ في شروط الرواة والمرويات - كان أقدر علماء عصره على تجريح شخص
_________________
(١) = ومن ذلك قول أبي داود: «أَهْلُ المَدِينَةِ يَقْرَؤُونَ ﴿[مَلِكِ] (*) يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ حُجَّةٌ لَهُمْ» انظر " سنن أبي داود ": ١/ ٤١٦ رقم الحديث ١١٧٣.
(٢) انظر " سنن أبي داود ": ١/ ٧٦ رقم الحديث ١٥٥ و١/ ١٤٠ رقم الحديث ٣٣٣.
(٣) " سنن أبي داود ": ١/ ٥٦ رقم الحديث ٩١.
(٤) عن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام يوم السبت، يقول ابن شهاب: «هذا حديث حمصي». " سنن أبي داود ": ٢/ ٤٣١ رقم الحديث ٢٤٢٣.
(٥) " سنن الترمذي ": ١/ ٦٠ في حديث عائشة: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺكَانَ يُسَلِّمُ فِى الصَّلاَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ شَيْئًا». وفي سند الحديث زهير بن محمد هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع (مَلِيكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وإن كانت هذه إحدى القراءات، وهو خطأ في الطباعة، والصواب (مَلِكِ) كما ورد في " سنن أبي داود "، انظر " السنن " لأبي داود السجستاني، تحقيق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، (٢) كتاب الصلاة (٢٦٠) باب رفع اليدين في الاستسقاء، حديث رقم ١١٧٣، ١/ ٤٨٣، الطبعة الأولى: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، نشر دار ابن حزم. بيروت - لبنان.
[ ٥٢ ]
وتعديل آخر، أو على تَوْهين الشخص نفسه لعلة خفية تارة وتوثيقه لأمور كثيرة يقدِّرُها تارة أخرى (١).
الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ:
وما كان لِلْرُوَّاةِ - تجاه هذا التفرد الإقليمي في الرواية - أنْ يقنعوا بأخذ العلم من أهل بلدهم (٢)، ولا يأخذه من المدينة وحدها سواء أكانت بعيدة عن مصرهم أم قريبة منه، فأصبحت الرحلة في طلب الحديث إلى البلاد النائية أشهى أمانيهم، فبها استطاعوا أنْ يتلقوا العلم من أفواه الرعيل الأول من الرُواة، وبها تحقق لهم ما كانوا يعتقدونه من أنَّ «حُصُولَ المَلَكَاتِ عَنْ المُبَاشَرَةِ وَالتَّلْقِينِ أَشَدُّ اسْتِحْكَامًا وَأَقْوَى رُسُوخًا» (٣).
ولقد بدأ طلب العلم بالمشافهة في القرن الهجري الأول، فكان الصحابي الجليل أبو الدرداء (٤) يقول: «لَوْ أَعْيَتْنِي آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا
_________________
(١) وذهب الإمام أحمد في الاختلاف حول زهير بن محمد مذهبًا آخر فقال: «كان زهير بن محمد الذي وقع عندهم ليس الذي يروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه» " سنن الترمذي ": ١/ ٦٠.
(٢) وإن كان العلماء يستحبُّون للطالب الاقتصار على حديث بلده وتمهره في معرفته إذا كان المقصود من الرحلة متحقِّقًا بين علماء عصره. قال الخطيب البغدادي: «المقصود في الرحلة في طلب الحديث أمران أحدهما تحصيل علو الإسناد وقدم السماع، والثاني لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، والاقتصار على ما في البلد أولى» " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩ / ورقة ١٦٧ وجه ٢.
(٣) " مقدمة ابن خلدون ": ص ٥٤١ ط. مصطفى محمد بالقاهرة، بلا تاريخ.
(٤) واسم هذا الصحابي الجليل عويمر بن زيد تُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٢ هـ.
[ ٥٣ ]
يَفْتَحُهَا عَلَيَّ إِلاَّ رَجُلٌ بِبِرْكِ الغِمَادِ لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ» (١). والصحابي العليم جابر بن عبد الله (- ٧٨ هـ) ابتاع بَعِيرًا فَشَدَّ عليه رحله وسار شَهْرًا حتى قدم الشام ليسأل عبد الله بن أُنيْس عن حديث في القصاص (٢). وكانت الرحلة في حديث واحد مألوفة عند كثير من السلف، فعن سعيد بن المسيب (- ١٠٥ هـ): «إِنْ كُنْتُ لأَرْحَلُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (٣)، وَعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ (- نحو ١٠٤ هـ): «لَقَدْ أَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ ثَلاَثًا مَا لِي حَاجَةً إِلاَّ رَجُلٌ عِنْدَهُ [حَدِيثٌ يَقْدَمُ]، فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ» (٤). والرواية التالية عن مكحول: (- نحو ١١٢ هـ) تصلح مِثَالًا وَاضِحًا للرحلة في حديث واحد ربما لا يلقي إليه أحدنا بالًا، ونحسبه هَيِّنًا وهو عند الله عظيم. قَالَ مَكْحُولٌ: «كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ فَأَعْتَقَتْنِي، فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْعِرَاقَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنِ النَّفَلِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ،
_________________
(١) " معجم البلدان " لياقوت: ١/ ٥٩٠. وبرك الغماد - بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دُريد بضمها ن والكسر أشهر - هو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر (معجم البلدان: ١/ ٥٨٩).
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩ / ورقة ١٦٨ وجه ٢، وانظر ترجمة جابر بن عبد الله في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٤٣ رقم ٢١.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩ / ورقة ١٦٩ وجه ١ وراجع ترجمة سعيد بن المسيب في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٥٤ رقم ٣٨.
(٤) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩ / ورقة ١٦٩ وجه ١ وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري.
[ ٥٤ ]
حَتَّى [لَقِيتُ] شَيْخًا يُقَالُ لَه زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النَّفَلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ (الْفِهْرِيَّ) يَقُولُ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» (١). ولعل هذا الظمأ إلى طلب العلم أَنْ يكون السبب في سفر عبدان (٢) إلى البصرة ثماني عشرة مَرَّةً ليسمع ما يرويه أهل هذا المصر من السُنَنِ التِي تَفَرَّدَ بها أيوب (٣).
واختلفت أشكال الرحلة وصورها باختلاف الأشخاص والأمصار والأجيال فكان في الراحلين من يمشي على رجليه (٤)، ومن يرتحل وهو ابن خمس عشرة سَنَةً أو ابن عشرين (٥)، ومن يوصف بأنه أحد من رحل وتعب (٦)، أو بأنَّ له رحلة واسعة (٧)، أو أنه أكثر وأكثر الترحال (٨)، أو أنَّ له العناية التامة
_________________
(١) " سنن أبي داود ": ٣/ ١٠٦ رقم الحديث ٢٧٥٠ وأخرجه " ابن ماجه " بمعناه: ٢/ ٩٥١ - ٩٥٢ ومكحول هو عالم أهل الشام أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي الفقيه الحافظ. (انظر ترجمته في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٠٧ رقم ٩٦).
(٢) عبدان هو أحمد بن موسى الجواليقي (- ٣٠٦ هـ).
(٣) " معجم البلدان ": ١/ ٤١٤ وأيوب هو العالم الثقة الكبير أيوب بن كيسان السختياني، أبو بكر (- ١٣١ هـ)
(٤) كما قيل في أبي موسى الفقيه الحافظ عبد الله بن عبد الغني (- ٦٢٩ هـ). انظر " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٤٠٩.
(٥) انظر ترجمة كل من أبي يعلى الموصلي الحافظ الثقة المشهور المتوفى ٣٠٧ هـ (" تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٧٠٨). ومحمد بن علي الملقب بأبي النرسي (- ٥١٠ هـ). " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٢٦١.
(٦) كالمفيد أبي البركات ابن المبارك السقطي (- ٥٠٩ هـ) " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٢٦٠. أثناء الحديث عن الذين ماتوا سنة ٥٠٩.
(٧) كما في ترجمة الشيرازي أبي يعقوب يوسف بن أحمد إبراهيم الصوفي (- ٥٨٥). " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٣٥٧. وابن متويه إبراهيم بن محمد الأصبهاني (- ٣٠٢ هـ) " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٧٤٠.
(٨) كما في ترجمة الترمذي الكبير المتوفى سنة بضع وأربعين ومائتين. " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٧٤٠.
[ ٥٥ ]
بطلب الحديث والرحلة (١)، أو أنه بقي في الرحلة بضع عشرة سنة (٢)، وكان يقال في أمثال هؤلاء أَحْيَانًا: تُضرب إليه آباط المطيِّ أو أكباد المطيِّ (٣)، أو رحل الناس إليه (٤)، أو كانت الرحلة إليه في زمانه (٥).
وواضح أنَّ لقب «الرحَّال والرحَّالة، والجوَّال والجوَّالة» كان وقفًا على كبار المُحَدِّثِينَ أمثل من ذكرنا ممن تحمَّل المشاق، وسافر إلى الآفاق، طلبًا لأحاديث تقل أو تكثر، فكان الناس يسألون عن نوع المشقات التي مَرَّ بها هؤلاء المحدثون، وكان الذي يوصف بأنه «طوَّاف الأقاليم» موضع الإكبار والإجلال في جميع العصور.
ولا ريب أنَّ بعض هؤلاء الجوالين قد طوَّفوا بالشرق وبالغرب مرارًا. وإنَّ المستشرق جولدتسيهر Goldziher - على ولوعه بإنكار أخبار القوم - لا يفوته أنْ يعترف بأنَّ «الرحَّالين الذين يقولون إنهم طافوا الشرق والغرب أربع مرات ليسوا - مبعدين ولا مغالين» (٦).
_________________
(١) كما قالوا في البجيري: «الحافظ الإمام الكبير أبي حفص عمر بن محمد بن بجير الهمذاني السمرقندي. مُحَدِّثُ ما وراء النهر. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٣١١ هـ» " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٧٢٠.
(٢) كأبي طاهر السِلفي - بكسر السين نسبة إلى جده سلفة - الحافظ العلاَّمة شيخ الإسلام عماد الدين أحمد بن محمد الأصبهاني الجرواءاني. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٧٦. انظر " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٢٩٨ رقم ١٢٩٨.
(٣) " معجم البلدان " لياقوت: ١/ ٦٦٤.
(٤) " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٨٠٧.
(٥) كما قالوا في ابن حبيش أبي القاسم عبد الرحمن الأندلسي (- ٥٨٤ هـ) انظر " تذكرة الحفاظ ": ٤/ ١٣٥٤.
(٦) Goldziher، Etudes sur la Tradition Islamique، p. ٢٢٠.
[ ٥٦ ]
أثر هذه الرحلات في توحيد النصوص والتشريعات:
وإذا كان هؤلاء المشهورون بالطلب والرحلة (١) قد وثَّقُوا الأواصر بين بلدان العالم الاسلامي فذلك أمر واضح تفرضه طبائع الأشياء، وما كانت النتيجة لتتم على غير هذه الصورة، لأنَّ طواف الكثير منهم بالأقاليم ربط بين المشرق والمغرب (٢)، وألغى السدود والحدود، وجعل هذا العالم الاسلامي أشبه بالمدينة الواحدة، تنطوي قلوب أبنائها جميعا على مبادئ واحدة وتعاليم مماثلة. بيد أنَّ أثر هذه الرحلات كان في الحديث نفسه - نصًا وروحًا - أبلغ منه في أمصار: فلقد كانت هذه الرحلات تمهيدًا لطبع الحديث بطابع مشترك تتماثل فيه النصوص والتشريعات، وإنْ كانت أصول روايتها مختلفة المصادر حين تفرد بها أول الأمر إقليم واحد لم يَشْرَكه أحد. وكان
_________________
(١) " معجم البلدان " لياقوت: ٣/ ٥٢٨ أثناء الحديث عن طرطوس ومن خرجت من مشاهير المُحَدِّثِينَ.
(٢) لأنَّ العلماء - بتنقلهم في الأمصار الإسلامية - لم يجدوا الفرصة للاستقرار في بلدهم ن فبينا يكون أحدهم في العراق إذا هو في الشام، وما يكاد يحل في الشام حتى يرحل إلى الأندلس، وفيما هو في الأندلس إذا هو في مصر. ويكثر في كتب الطبقات والتراجم نسبة الحافظ إلى بلده والإشارة إلى البلد الذي نزله: فنزار بن عبد العزيز بغدادي قدم مصر (" تاريخ بغداد ": ١٣/ ٤٣٧) ونائل بن نجيح الحنفي بصري ورد بغداد (" تاريخ بغداد ": ١٣/ ٤٣٤) وعلي بن معبد الرقي نزيل مصر (" [تذكرة] الحفاظ ": ٢/ ٥٥٠). والجوزجاني نزيل دمشق (" [تذكرة] الحفاظ ": ٢/ ٥٤٩) وابن واصل السدوسي البصري نزيل بغداد (" [تذكرة] الحفاظ ": ١/ ٣١٣) وعلي بن سعد العسكري نزيل الري (" [تذكرة] الحفاظ ": ٢/ ٧٤٩) وأحمد بن عبد الله العجلي الكوفي نزيل طرابلس الغرب (" الحفاظ ": ٢/ ٥٦٠) ومكي بن إبراهيم البلخي قدم بغداد (" [تاريخ] بغداد ": ١٣/ ١١٨).
[ ٥٧ ]
أقل ما يفترض في هذا التفرد الإقليمي. اختلاف العبارات باختلاف الرُواةفي الأقاليم، ولكن هذه الروايات المتباينة أخذت في التقارب شيئًا فشيئًا حتى أمكن صهرها في قالب واحد، وخيَّل إلى سامعها أو قارئها للمرة الأولى أنها رواية مصر واحد لا عدة أمصار.
والأمثلة على هذا كثيرة، غير أننا نجتزئ منها بذكر حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى» لأهميته في نظر المُحَدِّثِينَ. فعبد الرحمن بن مهدي (- ١٩٨ هـ) يقول: «مَا يَنْبَغِي لِمُصَنِّفٍ أَنْ يُصَنِّفَ شَيْئًا مِنْ أَبْوَابِ العِلْمِ إِلاَّ وَيَبْتَدِئُ بِهَذَا الحَدِيثِ» (١). وبمثل هذا صرَّح البخاري في قوله: «من أراد أنْ يصنِّف كتابًا فليبدأ بحديث " الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ "» (٢)، وهو الحديث الذي افتتح به البخاري " صحيحه " - كما هو معلوم - فشرع بتطبيق هذا المبدأ على نفسه، وبه افتتح العلماء الكثير من مصنَّفات الحديث أخذًا بهذه الوصية الكريمة.
وحين يجد القارئ في كتب السُنن أنَّ حديث النية طليعة هذه الكتب، وأنَّ متنه يكاد يكون واحدًا فيها جميعًا، يُخيَّلُ إليه أنَّ شروط التواتر متوافرة فيه، وأنه لا بد أنْ يكون قد رواه الجمع الكثير عن الجمع الكثير، والحق أنَّ هذا الحديث - كَمَا قَالَ البَزَّارُ (٣) في " مُسْنَدِهِ " - «لاَ يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ
_________________
(١) " الجامع لأخلاق الراوي ": ١٠/ ١٩٣ وجه ٢.
(٢) المصدر نفسه، وفي الصفحة ذاتها.
(٣) هو الحافظ الشهير أحمد بن عمرو بن عبد الخالق. ويُكنَّى أبا بكر. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٩٢ وله مسندان: كبير وصغير. ويُسَمَّى الكبير " البحر الزخَّار " و" الكبير المُعلَّل ". وفيه يتكلم في تفرد بعض رُواة الحديث ومتابعة غيره عليه، كما رأينا في تفرَّد عمر بحديث النية. وانظر " الرسالة المستطرفة ": ص ٥١.
[ ٥٨ ]
عُمَرَ، وَلاَ عَنْ عُمَرَ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ، وَلاَ عَنْ عَلْقَمَةَ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَلاَ عَنْ مُحَمَّدٍ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى» (١): فلا يكون متواترًا (٢) لانفراد عمر به. وهو - فوق هذا - لم يكن معروفًا إلاَّ في المدينة، ولكنه استفاض بعد ذلك في سائر الأمصار بصيغته المشهورة، فكان دليلًا واضحًا على ما للرحلات من أثر في توحيد نص الأحاديث ونقلها من طابعها الإقليمي الأصلي إلى الطابع العام المشترك: ولذلك تشابهت الروايات الماثلة في الكتب الصحيحة. حول الموضوع الواحد إلاَّ في بعض الفروق الدقيقة اليسيرة التي لم يفت المُحَدِّثِينَ التنبيه عليها، ولم يكن سبب هذا التشابه النادر العجيب إلاَّ تلاقي الرُواة حي يرتحل بعضهم إلى بعض، أو يُلَقِّنَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَيُحَدِّثُونَ الناس في الذهاب والاياب (٣).
ولم يقف أثر هذه الرحلات عند حد التشابه بين النصوص، أو التوحيد بينها أَحْيَانًا، كما في حديث النية هذا، بل تَعَدَّاهُ إلى وحدة التشريع ووحدة الاعتقاد:
_________________
(١) ذكره السيوطي في " التدريب ": ص ٨٣، غير أنَّ ابا القاسم بن منده يرى أنَّ حديث النية رواه سبعة عشر آخر من الصحابة (راجع أسماءهم في " التدريب ": ص ٨٢) فعمر - في نظره - لم ينفرد به، ثم يرى أنه رواه عن عمر غير علقمة وعن علقمة غير محمد، وغن محمد غير يحيى (أَيْضًا " التدريب ": ص ٨٢). وحسبنا الحافظ العراقي يرد مثل هذا الرأي ويُنَبِّهُ على أنَّ من سمى من الصحابة لم يرووا ذلك الحديث بعينه، بل رَوَوْا حَدِيثًا آخر يصح إيراده في ذلك الباب. ولم يصح حديث النية من طريق عن عمر إلاَّ الطريق المتقدمة. ذكره السيوطي في " التدريب ": ص ٨٣. ويحسن قراءة كل ما يتعلق بهذا الحديث في ص ٨٢ - ٨٣ في " التدريب ".
(٢) " التقريب ": ص ١٩٣.
(٣) وعبارة «حَدَّثَ النَّاسَ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ» مألوفة في كتب التاريخ والتراجم. ومثالًا عليها اقرأ ما في " تاريخ بغداد ": ١٣/ ١١٨ في ترجمة مكي بن إبراهيم البلخي (- ٢١٥ هـ).
[ ٥٩ ]
فمن هذا الحديث اسننبط العلماء كَثِيرًا من المسائل الفقهية التي صدروا فيها عن سماحة الاسلام في معالجة الضمير البشري وتعويله على القلوب والسرائر لا على الصور والأشكال (١).
وإذا كان للرحلات مثل هذا الأثر في توحيد التشريع والاعتقاد، فلا بد من التشدُّدِ في الأسانيد، لمعرفة كل رجل ورد اسمه في سلسلة الإسناد، لأنَّ «مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» كما يقول علي بن المديني (٢). لذلك اشترطوا لقبول رواية الطالب الذي يزعم أنه رحل في الحديث وتعب أنْ يسرد من حفظه أسماء سلسلة الإسناد جميعًا، ثم يضيف اليها في آخرها اسمه، لِيُعْلَمَ أنْ قد سمع حقًا مايرويه، وإلاَّ عُدَّ متساهلًا وترك الاحتجاج بحديثه (٣)، ولو كان إمامًا واسع العلم مشهودأ له بالفضل. فالذهبي (٤) يقول في ابن لهيعة (١٧٤ هـ) «الإمام الكبير قاضي الديار المصرية» (٥)، ويروي عن ابن حنبل أنه قال فيه: «مَا كَانَ
_________________
(١) ومن أطرف ما نذكره - في هذا المجال - أنَّ المستشرق ابن الورد Ahlward استقصى في بعض مباحثه سبعين مسألة فقهية استنبطها الإمام الشافعي من حديث النية. وانظر: Ahlwardt،II، ١٦٥.no. ١٦٢ وقد وفق في هذا البحث، لأنه جمع واستقصاه لما ورد عن الإمام الشافعي من غير مناقشة. ولو بدأ يناقش لوقع فيما يقع فيه إخوانه المستشرقين من الخطأ والزلل.
(٢) راجع قوله في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٩/ ١٦٤ وجه ١.
(٣) وتجد في " الكفاية للخطيب البغدادي ": ص ١٥٢ بابًا خاصًا في ترك الاحتجاج بمن عرف بالتساهل في رواية الحديث.
(٤) هو الحافظ شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي، من أشطر كتبه " ميزان الاعتدال " و" تذكرة الحفاظ " تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٤٨.
(٥) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٣٨.
[ ٦٠ ]
مُحَدِّثُ مِصْرَ إِلاَّ ابْنَ لَهِيعَةَ» وَلَكِنَّ هذا الإمام الكبير المُحَدِّثَ لا يلبث أنْ يُرْمَى بالتساهل في نظر الذهبي نفسه فيقول: «يُرْوَى حَدِيثُهُ فِي المُتَابَعَاتِ وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ» (١) ويقول: «وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ باِلمُتْقَنِ» (٢)، ذلك بأنَّ ابن لهيعة - كما يقول الخطيب البغدادي - «وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاؤُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ المَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ» (٣). قال يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ: «جَاءَ قَوْمٌ، وَمَعَهُمْ جُزْءٌ، فَقَالُوا: سَمِعْنَاهُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَجِئْتُ إِلَى ابْنِ لَهِيعَةَ فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَدَّثْتَ بِهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِكَ، وَلاَ سَمِعْتَهَا أَنْتَ قَطُّ؟، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ يَجِيئُونِي بِكِتَابٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ، فَأُحَدِّثُهُمْ بِهِ» (٤).
ولا ريب أنَّ كَثِيرًا من المبالغات تحف أخبار الرحَّالين، وإنْ كان لا بُدَّ أنْ يكون لها في أصلها سندٌ صحيح. فهذا حجاج بن الشاعر يقول: «جَمَعَتْ لِي أُمَّي مِائَة رَغِيفٍ فَجَعَلَتْهَا فِي جِرَابٍ، وَانْحَدَرْتُ إِلَى شَبَابَة بِالمَدَائِنِ، فأقمتُ بِبَابِهِ مِائَة يَوِمٍ، كُلَّ يَوْمٍ أَجِيءُ بِرَغِيفٍ فَأَغْمِسُهُ فِي دِجْلَةَ فَآكُلُهُ، فَلَمَّا نَفِدَتْ خَرَجْتُ» (٥). وهذا أحمد بن الفرات (٦) يخبر بنفسه بأنه «كَتَبَ عَنْ أَلْفٍ
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٣٩.
(٢) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٣٨.
(٣) " الكفاية ": ص ١٥٢.
(٤) المصدر نفسه، والصفحة ذاتها.
(٥) " طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص ١٠٦ (بتحقيق أحمد عبيد، مطبعة الاعتدال بدمشق، سنة ١٣٥٠ هـ).
(٦) هو الحافظ الحُجَّة أبو مسعود الرازي مُحَدِّثُ أصبهان وصاحب التصانيف. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٥٨ هـ.
[ ٦١ ]
وَسَبْعٍ وَمِائَةَ شَيْخٍ» (١) على حين لم نعرف من أسماء شيوخ الإمام البخاري الذين تَلَقَّى عنهم وأخذ من أفواههم - عند جمع " صحيحه " - إِلاَّ أَلْفًا وزيادة قليلة (٢). وقالوا في أبي عبد الله بن منده (- ٣٩٥ هـ): إنه ختام الرَّاحلين (٣)، لأنه «لَمَّا رَجَعَ مِنَ الرِّحْلَة الطَّوِيلَةِ كَانَتْ كُتُبُهُ عِدَّةَ أَحْمَالٍ حَتَّى قَِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ حِمْلًا» (٤).
وحين صُنِّفَتْ كتب الحديث لم تُغْنِ عن الرحلة في طلب العلم، فلقد كانت الكتب لتيسر التحصيل على المتساهل، أما الذي كان يلتمس شرف العلم وكرامته فلم يكن ليرضى بما يقرؤه في الكتب بل ظلت أشهى أمانيه الرحلة في طلب الحديث.
الرِّحْلَةُ لِلْمُتَاجَرَةِ بِالحَدِيثِ:
ولئن كان هؤلاء الرحَّالون إنما يطلبون الحديث ابتغاء الاتساع في المعرفة، فإنَّ كَثِيرًا غيرهم بدؤوا يطلبونه متاجرةً به: فيعقوب بن إبراهيم بن سعد كان يحفظ الحديث الذي رواه أبو هريرة وفيه ينهى الرسول - ﷺ - عن الاغتسال
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٥٤٤.
(٢) وقد عرفنا ذلك من قول الإمام البخاري نفسه: «كَتَبْتُ عَنْ أَلْفِ نَفَرٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَزِيَادَةٍ» ثم يُؤَكِّدُ أنه لم يكتب إلاَّ عمَّنْ قال: «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ». انظر حوادث سَنَةَ ٢٥٦ في " شذرات الذهب ": ٢/ ١٣٤ وانظر " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ٥٥٥. وسماعات البخاري من البلدان المختلفة.
(٣) " تذكرة الحفاظ ": ٣/ ١٠٣٢. وفيها ترجمته.
(٤) " تذكرة الحفاظ ": ٣/ ١٠٣٢.
[ ٦٢ ]
في الماء الدائم إذا أصابته نجاسة، «وكان يعقوب لا يُحَدِّثُ بهذا الحديث إلاَّ بدينار» (١). وأمر أبي نعيم الفضل بن دُكين أغرب من هذا فإنه إمام حافظ ثقة (٢)، ولكنه ضرب الرقم القياسي في الخبرة بالشؤون المالية، فهذا أحد تلاميذه علي بن جعفر بن خالد يقول: «كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ الفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ الْقُرَشِيِّ نَكْتُبُ عَنْهُ الحَدِيثَ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنَّا الدَّرَاهِمَ الصِّحَاحَ، فَإِذَا كَانَ مَعَنَا دَرَاهِمُ مَكْسُورَةً يَأْخُذُ عَلَيْهَا صَرْفًا» (٣). ولذلك كان شُعبة بن الحجاج (٤) ينصح بأخذ الحديث من الغَنِيِّ المُوسِرِ لأنه يستغني عن الكذب فيقول لعليٍّ بن عاصم: «عَلَيْكَ بِعُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ فَإِنَّهُ غَنِيُّ لاَ يَكْذِبُ!» فيرُدُّ عليه عليُّ بن عاصم قائلًا: «كَمْ مِنْ غَنِيٍّ يَكْذِبُ!» (٥) ويقول شُعْبَةُ مُؤَكِّدًا رَأْيَهُ: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِ الفُقَرَاءِ شَيْئًا» (٦).
ولقد قام العلماء - في مختلف العصور - في وجه هؤلاء المتاجرين بالحديث
_________________
(١) انظر " سنن النسائي بشرح السيوطي ": ١/ ٤٩ و" الكفاية ": ص ١٥٦.
(٢) راجع ترجمته في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٣٧٢.
(٣) " الكفاية ": ص ١٥٦ وانظر في " الباعث الحثيث ": ص ١١٦ ما يتعلَّق بموقف ابن دُكين من أخذ الأجر على الحديث.
(٤) هو شُعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي الواسطي، ويُكَنَّى أبا بسطام: مُحَدِّثُ البصرة وأمير المؤمنين في الحديث. رأى أنس بن مالك - ﵁ -، وسمع أربع مائة من التابعين، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٠ هـ.
(٥) " الكفاية ": ص ١٥٥.
(٦) " الكفاية ": ص ١٥٦.
[ ٦٣ ]
يضربون على أيديهم، وينصحون طلبة العلم قائلين: «يَا ابْنَ آدَمَ عِلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا» (١). ويستندون في هذا إلى أنَّ التعليم مَجَّانًا وارد في الكتب السماوية، فعن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: «مَكْتُوبٌ فِي الكُتُبِ: يَا ابْنَ آدَمَ عِلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا» (٢). ولهذا القول أصل صحيح معروف في الكتب السماوية، ففي آخر سفر من أسفار الكتاب المقدس «Deutéronome»: «إِنَّمَا عَلَّمْتُكُمْ بِأَمْرِ رَبِّي» (٣). ويستندون أَحْيَانًا أخرى إلى الحديث النبوي نفسه ليجزموا بحرمة أخذ الأجر على تعليم العلم، ففي " سُنن أبي داود " أنَّ الصحابي الجليل عُبادة بن الصامت - ﵁ - علَّمَ ناسًا من أهل الصُفَّة الكتاب والقرآن، فأهدى إليه رجل منهم قوسًا رمزًا للشكر وعرفان الجميل، وَإِذَا عُبَادَةُ يَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي أَمْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، فَيُفْْتِيهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بِلَهْجَةٍ شَدِيدَةٍ جَازِمَةٍ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (٤). وكان لأمثال هذا الحديث أثر بليغ في نفوس العلماء وَالرُوَّاةِ، فكانوا يعدُّون الهدية رشوة إنْ أهداها طالب الحديث، ويرفضون أنْ يلقوا إليه شيئًا منه إلاَّ إذا عاهدهم ألاَّ يهديهم شَيْئًا.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَسْمَعُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ (- ١٦٧ هـ) فَرَكِبَ بَحْرَ الصِّينِ فَقَدِمَ، فَأَهْدَى إِلَى حَمَّادٍ فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ: " اخْتَرْ، إِنْ شِئْتَ
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٥٤.
(٢) انظر " الكفاية ": ص ١٥٣.
(٣) وقد أشار جولدتسيهر إلى صحة هذا الأمر في الحاشية الثالثة ص ٢٢٥ في كتابه " Etudes sur la Tradition Islamique ".
(٤) " سنن أبي داود ": ٣/ ٣٦٠ رقم الحديث ٣٤١٦. كتاب الإجارة. باب من كسب العلم.
[ ٦٤ ]
قَبِلْتُهَا وَلَمْ أُحَدِّثْكَ أَبَدًا، وَإِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ وَلَمْ أَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ، فَقَالَ: لاَ تَقْبَلِ الهَدِيَّةَ وَحَدِّثْنِي، فَرَدَّ الْهَدِيَّةَ وَحَدَّثَهُ» (١). وتتَّخذ هذه الفكرة سبيلًا آخر إلى تقبيح المُتَاجِرِينَ بالحديث في مثل قول الإمام أحمد حِينَ سُئِلَ:
يُكْتَبُ عَمَّنْ يَبِيعُ الحَدِيثَ؟ فَقَدْ أَجَابَ: «لاَ، وَلاَ كَرَامَةَ» (٢)!.
ولعلَّ بائعي الحديث والمتاجرين به - رغم جشعهم الظاهر أَحْيَانًا - لم يكونوا دائمًا من الكَذَّابِينَ أَوْ الوَضَّاعِينَ: ولعلَّ كَثِيرًا منهم كانوا ثقات ضابطين، ولكنه المال يثني أعناق الرجال، وكانت لهؤلاء فلسفتهم الخاصة، فهم قد تَجَشَّمُوا المشاق وركبوا الأهوال ورحلوا في طلب الحديث، «لا يعوقهم فقر، ولا يفت في عزمهم صعوبة الطريق وأخطاره، سواء عليهم الصحراء وَحَرِّهَا، والبحار وأمواجها، إذ تغلغل في نفوسهم اعتقاد أنَّ طلب العلم جهاد، فمن مات في سبيله مات شهيدًا» (٣)، بينما كان سائر الآخذين عنهم قابعين في دورهم، آمنين في سربهم، فهم لا يريدون أنْ يكونوا سواء مع هؤلاء. ونحن لا نعدم في كتبنا الأمينة أخبارًا تشير إلى الأصول المنهجيَّة التي كان يَتَّبِعُهَا هؤلاء الرُواة في استقصاء الحديث النبوي، وهي أصول كانت تُكَبِّدُهُمْ من العناء الشيء الكثير، وهي لو قورنت بشيء في عصرنا الحديث لكانت أشبه بأساليب الناشرين الذين أصبحت أعمالهم وقفًا على البحث عن كنوز المخطوطات لنشرها
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٥٣ كراهة أخذ الأجر على التحديث ومن قال: «لاَ يُسْمَعُ مِنْ فَاعِلِ [ذَلِكَ]».
(٢) " الكفاية ": ص ٥٤.
(٣) " ضُحى الإسلام ":٢/ ٧٢.
[ ٦٥ ]
ثم بيعها بأغلى الأثمان. والطريقة التي وصل بها العلماء إلى أحاديث علي بن الجعد (- ٢٣٠ هـ) تُوَضِّحُ لنا الكثير من فلسفة المتاجرين بالحديث في تلك الأيام: «قال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سمعت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي صاحبنا يقول: دخلت بغداد وسمعتُ ما قدرت عليه من المشايخ، ثم خرجت أريد الموصل، فدخلت صريفين فَبَتَّ في مسجد بها، فدخل أبو محمد الصريفيني وَأَمَّ النَاسَ فتقدَّمتُ إليه وقلتُ له: سمعتَ شيئًا من الحديث؟ فقال: كان أبي يحملني إلى أبي حفص الكتاني وابن حَبَّابَةَ وغيرهما، وعندي أجزاء. قلتُ: أخرجها حتى أنظر فيها، فأخرج إليَّ حزمة منها كتاب عَلِيٍّ بن الجعد بالتمام مع غيره من الأجزاء، فقرأته عليه، ثم كتبت إلى أهل بغداد فرحلوا إليه وأحضره الكبراء من أهل بغداد، فكل من سمعته من الصريفيني فالمِنَّةُ لأبي القاسم الشيرازي فلقد كان من هذا الشأن بمكان» (١).
وتنصرم الأعوام، وتتعاقب الأجيال، وإذا بتلك الرحلات العلمية في طلب الحديث تصبح ضربًا من الرحلات الرياضية يطلب بها بُعْدُ الصِّيتِ، فكان بعض من لا خلاق لهم يرحلون إلى اقصى الأقاليم لا ليحفظوا الأحاديث ويعملوا بما فيها بل لتظهر أسماؤهم في سلسلة الإسناد، ولا سيما فيما لم يكن مشهورًا من الأحاديث. وهذه الرحلات الرياضية - إنْ صحَّ التعبير - كثرت في القرن الهجري الثالث، وانتهى إلى أسوأ النتائج في القرن الهجري الخامس،
_________________
(١) " معجم البلدان " لياقوت: ٣/ ٣٨٥.
[ ٦٦ ]
حتى ضَجَّ منها العلماء المخلصون بالأمصار، وراحوا يقاومونها بكل ما أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ.
مُقَاوَمَةُ المُتَسَاهِلِينَ بِالحَدِيثِ:
من هؤلاء العلماء أبو بكر أحمد المعروف بالخطيب البغدادي (- ٤٦٣ هـ) فقد أشار إلى هذه الحال المخزية التي وصل إليها الذين يُسَمُّونَ أنفسهم في عهده رُواة الحديث بُهتانًا وزُورًا، فقال في كتابه " الكفاية في علم الرواية " في المقدمة: « وَقَدِ اسْتَفْرَغَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وُسْعَهَا فِي كَتْبِ الأَحَادِيثِ وَالمُثَابَرَةِ عَلَى جَمْعِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيَنْظُرُوا نَظَرَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، وَتَمْيِيزِ سَبِيلِ الْمَرْذُولِ وَالرَّضِيِّ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِي السُّنَنِ مِنْ الأَحْكَامِ، وَإِثَارَةِ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ، بَلْ قَنَعُوا مِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى كَتْبِهِ فِي الصُّحُفِ وَرَسْمِهِ، فَهُمْ أَغْمَارٌ، وَحَمَلَةُ أَسْفَارٍ، قَدْ تَحَمَّلُوا الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ، وَسَافَرُوا إِلَى الْبِلْدَانِ الْبَعِيدَةِ، وَهَانَ عَلَيْهِمُ الدَّأَبُ وَالكَلاَلُ، وَاسْتَوطَئُوا مَرَاكِبَ الْحِلِّ وَالاِرْتِحَالِ، وَبَذَلُوا الأَنْفُسَ وَالأَمْوَالَ، وَرَكِبُوا الْمَخَاوِفَ وَالأَهْوَالَ، شُعْثَ الرُّؤُوسِ، شُحْبَ الأَلْوَانِ، خُمْصَ الْبُطُونِ، نَوَاحِلُ الأَبْدَانِ، يَقْطَعُونَ أَوْقَاتَهُمْ بِالسَّيْرِ فِي الْبِلاَدِ لِمَا عَلاَ مِنَ الإِسْنَادِ، لاَ يُرِيدُونَ شَيْئًا سِوَاهُ وَلاَ يَبْتَغُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ، يَحْمِلُونَ عَمَّنْ لاَ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُ، وَيَسْمَعُونَ مِمَّنْ لاَ تَجُوزُ أَمَانَتُهُ، وَيَرْوُونَ عَمَّنْ لاَ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ حَدِيثِهِ، وَلاَ يَتَيَقَّنُ ثُبُوتُ مَسْمُوعِهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَنْ لاَ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ صَحِيفَتِهِ، وَلاَ يَقُومُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمَاعِ
[ ٦٧ ]
وَالإِجَازَةِ، وَلاَ [يُمَيِّزُ] بَيْنَ المُسْنَدِ وَالمُرْسَلِ وَالمَقْطُوعِ وَالمُتَّصِلِ، وَلاَ يَحْفَظُ اسْمَ شَيْخِهِ الَّذِي حَدَّثَهُ حَتَّى يَسْتَثْبِتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَكْتُبُونَ عَنِ الْفَاسِقِ فِي فِعْلِهِ، الْمَذْمُومِ فِي مَذْهَبِهِ، وَعَنِ الْمُبْتَدِعِ فِي دِينِهِ، الْمَقْطُوعُ عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَالْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ وَاجِبًا، إِذَا كَانَ السَّمَاعُ ثَابِتًا، وَالإِسْنَادُ مُتَقَدِّمًا عَالِيًا » إلخ (١).
ولم يكن التظاهر بالورع مُجديًا، ولا الإكثار من التعبد شافعًا لرواة الغرائب والمناكير، فإنَّ لنقاد الحديث حَدْسًا داخليًا يشبه الإلهام كان يبعثهم على الحيطة في روايات هؤلاء المغْربين والاحتراس في قبولها، وقد يبلغ بهم الحذر أشُدَّهُ فيفرُّون منها ويرفضون تحمُّلها وأداءها: لم يردوارواية معلَّى بن هلال لفسقه أو قلَّة ضبطه، فهو الزاهد العابد المشهور بالصلاح، الذي كان يُصَلِّي في يومه مائة ركعة، وإنما رَدُّوها لإكثاره من رواية غريب الحديث (٢). ولقد أمسى هؤلاء النُقَّادُ يستحبُّون رواية المشاهير، و«كَانُوا يَكْرَهُونَ - إِذَا اجْتَمَعُوا - أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ حَدِيثِهِ أَوْ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ» (٣) وما كان «الأحسن» عندهم إلاَّ «الغريب» لأنَّ الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهورالمعروف (٤)، ولا سيما في نظر العوامِّ الذين يكبر في عيونهم عادة ما يجهلون.
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٣ و٤.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٧/ ١٢٧ وجه أول. وعبارة الخطيب: «مَا أَفْسَدَهُ عِنْدَ النَّاسِ إِلاَّ رِوَايَةُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ».
(٣) " الجامع ": ٧/ ١٢٧ وجه ٢.
(٤) " الجامع ": ٧/ ١٢٧ وجه ٢ أَيْضًا.
[ ٦٨ ]
قيل لشُعبة بن الحجاج: ما لك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان وهو حسن الحديث؟ فقال: «مِنْ حُسْنِهَا فَرَرْتُ»! (١).
والفرار من التحديث بالغريب كان أصدق تعبير عن تخوف العلماء من التدليس الذي يقع فيه رُواة الغرائب والمناكير ساهين أو مُتَعَمِّدِينَ، فإنَّ أمثال هؤلاء الرواة أكثر تعرضًا لضروب التدليس من سائر المُحَدِّثِينَ: إذ يركبون الأهوال في طلب الحديث ملتمسين غرابته قبل صحته، باحثين عن ندرته قبل اتصال سنده، ليباهوا به الخاصة ويتعالوا به على العامة، من أجل ذلك استخفَّ النقاد بهم ولم يقيموا لهم وزنًا، وطعنوا في عدالتهم وَرَمَوْهُمْ بالكذب مصداقًا لقول الإمام أبي حنيفة: «مَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الحَدِيثِ كُذِّبَ» (٢).
وتجريح النُقَّاد للمدلس في الحديث طلبًا للغرائب وحرصًا عليها يبدو أمرًا طبيعيًا، فما أسرع الفضيحة إلى المدلس يكشف بها الستر عن نفسه (٣)! حتى إذا افتضح وعُرِفَ عنه الكذب كان من عقوبته أنْ يردَّ عليه صدقه ولا تذكر محاسنه (٤)، ولا يقبل حديثه بعد ذلك أبدًا (٥).
والمدلِّسون في الحديث تباهيًا ورئاء الناس كانوا أَحْيَانًا من أوقح من رأتْ
_________________
(١) " الجامع ": ٧/ ١٢٧ وجه ٢.
(٢) " الجامع ": ٨/ ١٤٦ وجه ١.
(٣) كما قال سُفيان الثوري (- ١٦١ هـ): «مَنْ كَذَبَ فِي الحَدِيثِ افْتَضَحَ». " الكفاية ": ص ١١٧.
(٤) وقد رَوَوْا عن عبد الله بن المبارك (- ١٨١ هـ) أنه قال: «مِنْ عُقُوبَةِ الكَذَّابِ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ صِدْقُهُ»، ورأى غيره أنَّ «مِنْ عُقُوبَةِ الفَاسِقِ المُبْتَدِعِ ألاَّ تُذْكَرَ لَهُ مَحَاسِنَهُ». انظر: " الكفاية ": ص ١١٧.
(٥) " الكفاية ": ص ١١٨.
[ ٦٩ ]
عين أو سمعتْ أذن،، فيحدث أحدهم عن رجل يدَّعي سماعه وهو لم يدركه، ويختلف أسماء أشخاص وأماكن لا يعرف عنها شيئًا، أو يعظَّم المروي عنه بصفات حسان ينسجها له بخياله الحصيب، أو ينسب إليه أعمالًا صالحات ليس لها أصل صحيح، حَدَّثَ عُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ الْكَلاَعِيُّ، قَالَ: «قَدِمَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ مُوسَى حِمْصَ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا شَيْخُكُمُ الصَّالِحُ، حَدَّثَنَا شَيْخُكُمُ الصَّالِحُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ، قُلْتُ لَهُ: مَنْ شَيْخُنَا هَذَا الصَّالِحُ؟ سَمِّهِ لَنَا نَعْرِفُهُ، (قَالَ): فَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، قُلْتُ لَهُ: فِي أَيِّ سَنَةٍ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: لَقِيتُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، قُلْتُ: فَأَيْنَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: لَقِيتُهُ فِي غَزَاةِ أَرْمِينِيَّةَ، (قَالَ): فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا شَيْخُ، وَلاَ تَكْذِبْ، مَاتَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَقِيتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَأَزِيدُكَ أُخْرَى إَنَّهُ لَمْ يَغْزُ أَرْمِينِيَّةَ قَطُّ، كَانَ يَغْزُو الرُّومَ» (١).
وواضح من هذه القصة أنَّ جهل الرُواة بتاريخ وفاة المروي عنه كان دليلًا قاطعًا على وقوع الكذب والتدليس (٢). ولذلك اشترط نُقَّادُ الحديث معرفة
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١١٩.
(٢) ولا يستغرب هذا الكذب ولا الجهل الذي كان سببًا فيه وعِلَّةُ له. حين وصف بهما رجل مغمور كعمر بن موسى لا يعرف عن ترجمته إلاَّ الشيء اليسير. ولكن العجب العجاب من عالم مشهور كالسمعاني (عبد الكريم، المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٦٣، صاحب كتاب " الأنساب ") إذا صَحَّ ما يرميه به أبو الفرج بن الجوزي من الكذب الصراح والتدليس الأقبح: يوم أمسك بيد شيخ له في بغداد، ثم عَبَرَ معه إلى الضفة الأخرى من نهر عيسى، ثم راح يُحَدِّثُ عنه قائلًا: «سمعتُ من الشيخ فلان فيما وراء النهر كذا وكذا»، يوهم بذلك أنه سمع منه في الموضع المسمَّى «ما وراء النهر». وحين وجد جولدتسيهر هذه القصة تُحْكَى في (" الكامل " لابن الأثير: ١١/ ١٢٥) تَشَبَّثَ بها وغدا يُضَخِّمُهَا كدأب المستشرقين ليتَّخذها ذريعة إلى التشكيك بأمانتنا العلمية في رواية =
[ ٧٠ ]
الرجال وتاريخهم وطبقاتهم والعناية بمواليدهم ووفياتهم، وقال سُفيان الثوري (- ٦١ هـ) موضِّحًا سبب الاشتغال بهذا كله: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمُ التَّارِيخَ» (١)، بل استعمل نُقَّادُ الحديث التحديد الجغرافي أَيْضًا لفضح الكذَّابين وكشف أساليبهم في الوضع أو التدليس، فلا يذكر ثقاتهم إسنادًا فيه رجال رحلوا وأكثروا الترحل وطوفوا بالأقاليم إلاَّ قيدوا أسماء هؤلاء الرجال باسم البلد الذي حدَّثُوا فيه (٢).
ومهما يكن من الرحلة في الحديث متاجرة به وتكسُّبًا، أو طلبًا للشهرة وافتخارًا، فإنَّ الورعين الذين كانوا يحدِّثُون احتسابا لوجه الله هم الذين ملأوا الأرض علمًا بِسُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، ولقد كانوا في كل زمان ومكان أكثر من أنْ يخفوا، وأجل آثارًا من أنْ يهملوا، وأقوى نفوسًا من أنْ يسدل عليهم التاريخ ستار النسيان. وحسبنا - للاستدلال على دقة المُحَدِّثِينَ في قبول الروايات - أنهم صَرَّحُوا «بِأَنَّ الْكَاذِبَ فِي غَيْرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) = الحديث. غير أنه ما لبث أنْ نكص على عقبيه لما رأى ابن الأثير في السياق نفسه يَرُدُّ فرية ابن الجوزي عن السمعاني ويرى أنَّ صاحب " الأنساب " أسمى من أنْ يكذب. وأنه رحل حقًا إلى «ما وراء النهر»، وأنَّ له في ذلك الموضع شيوخا معروفين. وإنما رماه ابن الجوزي بذلك لاختلافهما في المذهب، فالسمعاني كان شافعيًا، وابن الجوزي كان حنبليًا. وقارن بـ Goldziher، Etudes sur la Tradition Islamique، p. ٢٢٩ - ٢٣٠. ومن المعروف أنَّ ابن الجوزي كان يتسرَّعُ في الحُكم بالوضع حتى قيل: «لاَ عِبْرَةَ بِمَوْضُوعَاتِهِ».
(٢) " الكفاية ": ص ١١٩.
(٣) من الأمثلة على هذا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الِعيَاضِيِّ، وَالحَسَنُ بْنِ حَفْصٍ الْنَّهْرَوَانِيُّ بِسَمَرْقَنْدَ (" تاريخ بغداد " ١٣/ ٤٣٦). أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَرِيرِيُّ، بِبَغْدَادَ (" الكفاية ": ص ١٢٣). أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ (" الجامع ": ٨/ ١٥٧ وجه ٢) وسمع الإمام البخاري ببغداد من طائفة منهم أحمد بن حنبل (" شذرات الذهب " ٢/ ٥٧ - ٦٠) وسمع بمكة من الحميدي (" طبقات الشافعية ": ص ٥). ولذلك كان المحدثون يمتحنون الراوي بالسؤال عن الموضع الذي سمع فيه (" الجامع ": ١/ ١٧ وجه ١ و٢).
[ ٧١ ]
تُرَدُّ رِوَايَتُهُ» (١)، وأنَّ «السَّفَهَ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَيُوجِبُ رَدَّ الرِّوَايَةِ» (٢). فكل من يجري على لسانه شيء من الكلام البذيء أو العبارات المبتذلة ينفر منه المحدثون ويتركون الرواية عنه. رَوَوْا عن الإمام البخاري أنه رَدَّ حديث النضر بن مطرف، لأنَّ يحيى بن سعيد القطان (- ١١٣ هـ) ترك الرواية عنه. أما يحيى فقد بيَّن سبب إهماله حديث النضر بقوله: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ لَمْ أُحَدِّثْكُمْ فَأُمِّي زَانِيَةٌ» (*)، قَالَ يَحْيَى: «تَرَكْتُ حَدِيثَهُ لِهَذَا» (٣).
ويشبه هذا ما رَوَوْا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى رَجُلًا يَقْدَمُ مِنْ مَكَّةَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ فَسَمِعْتُ مِنْهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَافْتَرَى عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَفْتَرِي عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ غَاظَنِي، (قَالَ): قُلْتُ: يَغِيظُكَ فَتَفْتَرِي عَلَيْهِ؟! فَآلَيْتُ أَلاَّ أُحَدِّثَ عَنْهُ». فَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: «فِي صَدْرِي عَنْهُ أَرْبَعُمِائَةٍ، لاَ وَاللَّهِ لاَ حَدَّثْتُكُمْ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (٤).
فالافتراء على إنسان ولو غاظ الراوي سفه يسقط العدالة، لأنَّ هؤلاء الرُواة كانوا يتميَّزون بمكارم الأخلاق، ولهم آداب خاصة ومناهج في التربية والتعليم ينفردون بها من بين سائر العلماء من قُدَامَى وَمُحْدَثِينَ، في الشرق والغرب (٥).
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١١٧.
(٢) " الكفاية ": ص ١١٥.
(٣) " الكفاية ": ص ١١٥.
(٤) " الكفاية ": ص ١١٥.
(٥) ولعل خير كتاب يعالج مناهج المُحَدِّثِينَ في التربية والتعليم هو " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ. وهو في مكتبة البلدية بالإسكندرية (برقم ٧١١. ٣ مج) مخطوط يقع في عشرة أجزاء صغيرة. وقد تفضَّل الزميل الدكتور يوسف العش بإعارتنا نسخته المُصَوَّرة عن هذا الكتاب، فله جزيل الشكر وجزاه الله خيرًا. والقارئ الكريم لاحظ بلا ريب أننا أكثرنا الاستشهاد من هذا المخطوط القيِّم الذي ضبطنا عبارته وحققناه وسننشره إنْ شاء الله.
[ ٧٢ ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ: دَوْرُ الحَدِيثِ وَأَلْقَابِ المُحَدِّثِينَ:
في القرن الهجري السادس امتازت الحياة الإسلامية بظاهرة. جديدة أضعفت بعض الشيء الرحلة في طلب الحديث: فحتى أوائل هذا القرن لم تكن في المجتمع الإسلامي مدارس خاصة لتلقِّي الحديث، فكان الطلبة يضطرُّون إلى الارتحال والتجوال، وإنما كانت المدارس التي تتعمق في الفقه ومذاهبه وآرائه والمجتهدين فيه تؤسس في كل مكان، لتزوِّد جهاز الدولة بالقُضاة والمتشرِّعين.
ولقد أنشئت أول دار للحديث في القرن الهجرى السادس تحقيقًا لرغبة نور الدين محمود بن أبي سعيد زنكي (- ٥٦٩ هـ) الذي خَلَّدَ اسمه بإنشاء المدرسة النورية في دمشق. وكان ابن عساكر صاحب " تاريخ دمشق " من شيوخ هذه المدرسة (١).
_________________
(١) (Wustenfeld، die Akademien der Araber und ihre Lehrer، p.٦٩ (ef.Tradit. Islam، ٢٣١ note ١. وكتاب وستنفلد المذكور من أطرف ما أُلِّفَ في وصف دور العلم عند العرب والترجمة لشيوخها. أما ابن عساكر فهو أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي الشافعي خاتمة الجهابذة الحُفَّاظ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٧١ هـ.
[ ٧٣ ]
وبعد عشرات السنين، قامت في القاهرة دار للحديث بأمر الملك الأيُّوبي الكامل ناصر الدين، وقد تم تأسيسها سَنَةَ ٦٢٢ هـ، وكان أول أستاذ فيها أبا الخطاب بن دحية (١).
وبعد أربع سنوات من تأسيس المدرسة الكاملية، نشأت ني دمشق المدرسة الأشرفية سنة ٦٢٦ هـ، فكان أول شيوخها أبا عمرو بن الصلاح (٢). وَدَرَّسَ في هذه الدار أَيْضًا الإمام النووي (٣).
ولقد قامت في دمشق دُورٌ أخرى للحديث، ولكنها لم تكن ذات شأن عظيم (٤). وهذه الدُورُ جميعًا لم تطل حياتها، لأنها لم تك كمدارس الفقه والأحكام وسيلة إلى المناصب والقضاء، والحظوة عند الخلفاء، ثم هي - فوق ذلك - لم تك تشفي غلة الورعين من طلاب الحديث. الذين ظلوا يُؤْثِرُونَ الرحلة والطواف بالأقاليم.
_________________
(١) هو الحافظ عمر بن الحسن المشهور بابن دحية. وهو أندلسي بلنسي، نسبة إلى بلنسة مدينة شرق الأندلس. توفي بالقاهرة سَنَةَ ٦٣٣ هـ. له " التنوير في مولد السراج المنير ". ويفهم من " خطط المقريزي ": ٢/ ٣٧٥ أنَّ فتى ليس له من ابن آدم إلاَّ الشكل خلف ابن دحية في التدريس بالكاملية.
(٢) هو الحافظ المعروف أبو عمرو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري المشهور بابن الصلاح. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٦٤٣ هـ.
(٣) هو الإمام محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. له في علوم الحديث تصانيف كثيرة أشهرها " شرح صحيح مسلم "، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٦٧٦ هـ.
(٤) وقد تناول هذه الدور بالدراسة الإحصائية الدقيقة (Michael Meschaka's Cultur-Statistik von Damaskus (ef. Tradit. Islam، ٢٣٢ note ١.
[ ٧٤ ]
أَلْقَابُ المُحَدِّثِينَ:
وكما أطلق العلماء على الرحالين في طلب الحديث ألقابًا مختلفة، تبعًا لنشاطهم في الرحلة والتجوال، أطلقوا على الدارسين في بلدهم أو في الأقاليم المجاورة له ألقابًا «رسميَّة» كانوا يستحسنون إلحاقها باسمائهم عند ترجمتهم لتعرف طبقاتهم ودرجاتهم وطرق تحمُّلهم للحديث وأدائه.
وأشهر الألقاب التي نَبَّهُوا على التمييز بينها ثلاثة: المُسْنِدُ وَالمُحَدِّثُ وَالحَافِظُ. فَالمُسْنِدُ هو من يروي الحديث بإسناده، سواء أكان عنده علم به أم ليس له إلاَّ مُجَرَّدَ روايته (١).
وَالمُحَدِّثُ أرفع منه بحيث عَرَفَ الأسانيد والعِلَلَ، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحَفِظَ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع " الكتب الستة " و" مسند أحمد بن حنبل و" سُنَنَ البيهقي " و" معجم الطبراني "، وَضَمَّ إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية (٢).
أما الحافظ فهو أعلاهم درجةً وأرفعهم مقامًا: فمن صفاته أنْ يكون عارفًا
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ص ٤.
(٢) " تدريب الراوي ": ص ٦. وعبارة القاسمي في " قواعد التحديث ": ص ٥٣، مقتبسة من هنا بتصرف. فقد ذكرت فيها المسانيد والمعجم والأجزاء دون تحديد. وليس هنا موضع الحديث في الفَرْقِ بين أنواع هذه الكتب والتصانيف. وسنتحدَّثُ عنها وعن أصحابها في باب خاص.
[ ٧٥ ]
بسُنن رسول الله - ﷺ -، بصيرًا بطرقها، مُمَيِّزًا لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صِحَّتِهِ، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في حال نقلته، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حُجَّةٌ، وفلان ثقة، ومقبول، ووسط، ولا بأس به، وصَدُوقٌ، وصالحٌ، وشيخ، وليِّنٌ، وضعيف، ومتروك، وذاهب الحديث، وَيُمَيِّزُ الروايات بتغاير العبارات: نحو عن فلان، وأن فلانًا؛ ويعرف اختلاف الحكم في ذلك بين أنْ يكون المُسَمَّى صحابيًا أو تابعيًا، والحكم في قول الراوى: قال فلان، وعن فلان، وأنَّ ذلك مقبول من المُدَلِّسِن َدون إثبات
السماع على اليقين، ويعرف اللفظة في الحديث تكون وَهْمًا وما عداها صحيحًا، وَيُمَيِّزُ الألفاظ التي أدرجت في المتون فصارت بعضها لاتصالها بها، ويكون قد أنعم النظر في حال الرُواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه، لانه علم لا يعلق إلا بمن وقف نفسه عليه، ولم يَضُمَّ غيره من العلوم إليه» (١). ولعل أهم صفات الحافظ - كما يستنبط من أقوال العلماء وتعاريفهم - أنَّه يتوسَّع في أسماء الرجال حتى يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه عن كل طبقة أكثر مِمَّا يجهله (٢). ويعتقد كثير من نُقَّاِد الحديث أنَّ الذين يجوز تسميتهم «بالحُفَّاظ»، قليلون في كل زمان ومكان وبما «يتعذَّر وجودهم» (٣)، لما يشترط لهم من نادر الصفات وسعة العلم. وحسبك أنَّ الوصف بالحفظ على الاطلاق ينصرف
_________________
(١) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٨/ ١٥٠ وجه ٢.
(٢) " التدريب ": ص ٧ وقارن بـ " قواعد التحديث ": ص ٥٣.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٨/ ١٥٩ وجه ١.
[ ٧٦ ]
إلى أهل الحديث خاصة، فلا يقول قارئ القرآن: لقني فلان الحافظ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ (١).
وذهب الناس يغلون في الحفاظ كل مذهب، فقد عدت كنب الإمام أحمد في اليوم الذى مات فيه، فبلغت اثني عشر حملًا، ما على ظهر كتاب منها «حَدَّثَ فُلاَنٌ» ولا في بطنه «أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ»، وكل ذلك كان يحفظه من ظهر قلبه (٢). قال: يحيى بن معين (٣): «كَتَبْتُ بِيَدِي هَذِهِ سِتُّ مِائَةُ أَلْفَ حَدِيثٍ» (٤) ولا عجب في ذلك، فقد ترك يحيى أكثر من مائة قمطر وأربعة عشر قمطرًا مملوءة كتبًا (٥) وَأَمْرُ بن عُقدة (٦) ليس أقل عجبًا، لأنَّ الأخبار تصوره حافظًا أربع مائة ألف حديث أملاها من حفظه على إخوة أربعة، ولا يبعد أنْ يكون حافظًا غيرها. قال عبد الله القادسي - وهو أحد هؤلاء الأربعة -: «أقمتُ مع إخوتي بالكوفة عِدَّةَ سنين فكتب عن ابن عُقْدَةَ، فلما أردنا الانصراف وَدَّعُنَاهُ، فقال ابن عُقْدَةَ: قد اكتفيتم بما سمعتم، أقلُّ شيخ سمعت منه، عندي عنه مائة ألف حديث. (قال): فقلت: أيها الشيخ، نحن إخوة أربعة، قد كتب كل
_________________
(١) " الجامع ": ٨/ ١٥٢ وجه ١.
(٢) " الجامع ": ٨/ ١٥١ وجه ١.
(٣) هو سَيِّدُ الحفاظ، وإإمام الجرح والتعديل، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد الغطفاني مولاهم، البغدادي، توفي بالمدينة سَنَةَ ٢٣٣ هـ.
(٤) " الجامع ": ٨/ ١٥١ وجه ٢. وفي " التدريب ": ص ٨ «أنَّ ابن معين كتب بيده ألف حديث».
(٥) " الجامع ": ٨/ ١٥١ وجه ٢. وفي " التدريب ": ص ٨ «أنَّ ابن معين كتب بيده ألف حديث».
(٦) هو الحافظ الجامع المصنف أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، أبو العباس، مولى بني هاشم، المعروف بابن عُقْدَةَ. توفي عام ٣٨٢ هـ (" الرسالة المستطرفة ": ص ٨٤).
[ ٧٧ ]
واحد منا عنك مائة ألف حديث!» (١).
وحين ينسب إلى أحد هؤلاء الحفاظ عدد عظيم من الأحاديث كتبه بيده أو أملاه على تلاميذه، فهو يحفظه غالبًا من ظهر قلبه. قال أَبُو زُرْعَةَ (٢): «مَا فِي بَيْتِي سَوَادٌ عَلَى بَيَاضٍ إِلاَّ وَأَحْفَظُهُ» (٣) وقال الشعبي: " ما كتبتُ سوادًا في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته» (٤)
ومن الحفاظ من كان يستعين على حفظ الحديث بكتابته، فإذا أتقن حفظه محاه أو دعا بمقراض فقرضه خوفًا من أنْ يَتَّكِلَ القلب عليه، منهم سفيان الثوري (٥)، وعاصم بن ضمرة (٦)، وخالد الحذاء (٧) وقد شاع على ألسنة الناس: بئس المستودع العلم القراطيس! (٨).
وكان في العلماء من يميل إلى تحديد العدد المحفوظ من الحديث الذى يستحق
_________________
(١) " الجامع ": ٨/ ١٥٢ وجه ١ و٢.
(٢) هو أبو زرعة الرازي، عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ القرشي بالولاء، الحافظ الثقة المشهور. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٦٤ هـ (" الرسالة المستطرفة ": ص ٤٨). وكان الإمام أحمد يقول: «صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَسْرٍ وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ» (" التدريب ": ص ٨ ").
(٣) " الجامع ": ٨/ ١٥٢ وجه ١.
(٤) " تدريب الراوي ": ص ٨.
(٥) انظر " سُنن الدارمي ": ١/ ١٢٥.
(٦) " المحدث الفاصل " للرامهرمزي: ٤/ ٥ وجه ١، وتوفي عاصم سَنَةَ ١٧٤ هـ.
(٧) " تقييد العلم ": ص ٥٩. والحذاء هو خالد بن مهران، المتوفَّى سَنَةَ ١٤١ هـ. ومن الذين كانوا يكتبون ويمحون ابن شهاب (انظر " جامع بيان العلم ":١/ ٦٦) وابن سيرين (" المحدث الفاصل ": ٤/ ٥ وجه ٢).
(٨) " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٩.
[ ٧٨ ]
جامعه أنْ يُسَمَّى «حَافِظًا». فقال الحاكم (١) في " المدخل ": «كَانَ الوَاحِدُ مِنَ الحُفَّاظِ يَحْفَظُ خَمْسَ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ» (٢). ورأى غيره أنَّ الحَدَّ الأدنى ينبغي أَلاَّ يَقِلَّ عن عشرين ألفًا، وَلَكِنَّ فتح الدين بن سيد الناس (٣) يلاحظ أنَّ هذه القضية نِسْبِيَّةٌ، وأنَّ لكل زمن اصطلاحًا وتحديدًا، فيقول: «أَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ صَاحِبَ حَدِيثٍ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الإِمْلاَءِ، فَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَتِهِمْ» (٤).
وإذا كان العدد المحفوظ يتردد بين مئات الألوف وعشراتها - وهو فرق عظيم جِدًّا - فإن لهذا التردد تعليلًا واضحًا، فحين تذكر المئات يشمل الحفظ المرفوع إلى النَّبِي - ﷺ -، والموقوف على الصحابي، والمقطوع على التابعي. نسب الإمام أحمد إلى أَبِي زُرْعَةَ أنه كان يحفظ سبع مائة ألف، ففسر البيهقي (٥) ذلك بقوله: «أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» (٦). وقد يشمل حِينَئِذٍ الصحيح وغير الصحيح. قال الإمام البخاري:
_________________
(١) هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، المعروف بالحاكم النيسابوري وَبِابْنِ البَيِّعِ، صاحب التصانيف الشهيرة، وأهمها " المستدرك على الصحيحين " و" المدخل ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٠٥ هـ.
(٢) " تدريب الراوي ": ص ٨.
(٣) هو أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المشهور بِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، اليعمري الأندلسي الأصل، المصري الشافعي، أحد الأعلام الحُفَّاظِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٣٤ هـ. له " عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ".
(٤) " تدريب الراوي ": ص ٧.
(٥) سَتَرِدُ ترجمة البيهقي.
(٦) " تدريب الراوي ": ص ٨.
[ ٧٩ ]
«أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ» (١).
وكأنهم - حين يقتصرون على عشرات الألوف - لا يريدون إلا ما صَحَّ من الأحاديث المرفوعة.
والورعون من الحُفَّاظِ ما كانوا ليرضوا عن غلو الناس في شأنهم لو كان لهم الخيرة من أمرهم، فإن واحدهم يكون عنده الحديث فيسوقه الناس بالقرعة حتى يخرجه أو يرويه (٢). ويكتب أحدهم أو يحفظ مئات الألوف فلا يروي إلا عشراتها، أو يحفظ عشرات الألوف فلا يُحَدِّثُ إلا بآحادها، وَهُمْ يشترطون على أنفسهم - فوق هذا كله - التعمق في العلم والفهم والدراية، لا مجرد الإكثار التوسع في الرواية (٣).
رِوَايَةُ الحَدِيثِ بِالحِفْظِ:
ويزداد إكبارنا لهؤلاء الحفاظ إذا عرفنا أن العلماء كانوا - ولا سيما في بادئ الأمر - يَتَشَدَّدُونَ في الرواية باللفظ والنص، ولا يتساهلون حتى بالواو والفاء. فكانوا يرون أن على المُؤَدِّي أن يروي ما تَحَمَّلَهُ باللفظ الذي تَلَقَّاهُ من شيخه دون تغيير ولا حذف ولا زيادة. واستدلوا على ذلك بقوله - ﷺ -: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ حَدِيثًا فَأَدَّى كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (٤)، وبتعليمه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - الصحابة الحِرْصَ على لفظه النبوي، كما فعل مع البراء بن عازب حين أعاد أمامه قراءة الدعاء الذي عَلَّمَهُ إياه عند أخذ المَضْجَعِ
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ص ٨ أَيْضًا.
(٢) " الجامع ": ٨/ ١٥١ وجه ٢.
(٣) " الجامع ": ٨/ ١٥١ وجه ١.
(٤) " الكفاية ": ص ١٧٣.
[ ٨٠ ]
فأورده كما تعلمه منه، إلا أنه قال: «وَرَسُولِكَ» بَدَلًا مِنْ «وَنَبِيِّكَ» فنبهه - ﷺ - قائلًا بيده في صدره: «وَنَبِيِّكَ» (١).
ولذلك آثر أكثر اصحابة التشدد في الرواية باللفظ. قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ فَقَالَ: «مَا بِي أَلاَّ أَكُونَ سَمِعْتُ مِثْلَ مَا سَمِعُوا، أَوْ حَضَرْتُ مِثْلَ مَا حَضَرُوا، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَسِ الأَمْرُ بَعْدُ، وَالنَّاسُ مُتَمَاسِكُونَ، فَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَكْفِينِي، وَأَكْرَهُ التَّزَيُّدَ وَالنُّقْصَانَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» (٢).
وعلى هذا الأساس راح بعض الصحابة يُصَحِّحُ ما يسمعه من الرُوَّاةِ من تغيير اللفظ النبوي بالتقديم والتأخير، أو استبدال كلمة بمرادفها، قَالَ عُبَيْدٌ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ يَقُصُّ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الرَابِضَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيْلَكُمْ، لاَ تَكْذِبُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِنَّمَا قَالَ - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ» (٣)، وسمع ابن عمر أَيْضًا رجلًا يُرَدِّدُ حديث الأركان الخمسة، فَقَدَّمَ بعضًا مخالفًا بذلك الرواية التي سمعها ابن عمر بنفسه من رسول الله - ﷺ - فقال له: «اجْعَلْ صِيَامَ رَمَضَانَ آخِرَهُنَّ،
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٧٥. عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَرَاءُ كَيْفَ تَقُولُ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (قَالَ): قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا، فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، [رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ]، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ "، فَقُلْتُ كَمَا عَلَّمَنِي غَيْرَ أَنِّي قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: «وَبِنَبِيِّكَ».
(٢) " الكفاية ": ص ١٧٢.
(٣) " الكفاية ": ص ١٧٣.
[ ٨١ ]
كَمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).
وفي عصر التابعين وأتباع التابعين ظَلَّ كثير من الرُوَّاةِ يُؤَدِّ حديث رسول الله بلفظه ونصه، وإن كان آخرون منهم لا يَرَوْنَ بأسًا بالرواية على المعنى، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «[أَدْرَكْتُ سِتَّةً]، ثَلاَثَةٌ مِنْهُمْ يُشَدِّدُونَ فِي الحُرُوفِ، وَثَلاَثَةٌ يُرَخِّصُونَ فِي المَعَانِي، [وَكَانَ] أَصْحَابَ الحُرُوفِ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، » (٢).
ولقد صَوَّرَ الأعمش تَشَدُّدَ الرُوَّاةِ بالحروف، فحمد لهم هذا التَشَدُّدَ وَتَغَنَّى به قائلًا: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ عِنْدَ أَقْوَامٍ كَانَ أَحَدُهُمْ لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَاوًا أَوْ أَلِفًا أَوْ دَالًا، وَإِنَّ أَحَدَهُمُ الْيَوْمَ يَحْلِفُ عَلَى السَّمَكَةِ أَنَّهَا سَمِينَةٌ وَإِنَّهَا لَمَهْزُولَةٌ» (٣).
فَلاَ غَرْوَ إذا حرص هؤلاء الورعون على قول النَّبِي - ﷺ -: «يَنْتَبِذُ» لا «يَنْبُذُ» (٤)، وَلاَ غَرْوَ إذا أظهروا شكهم بعبارة صريحة، فقال الراوي: «أَسْلَمُ وَغِفَارٌ أَوْ غِفَارٌ وَأَسْلَمُ» (٥) أو «نَمَى خَيْرًا» أو «نَمَّى خَيْرًا» (٦) بالتشديد أو التخفيف. وإن الأمر لأجدر بالحرص والعناية عند الرواة من هذا كله، فبعضهم يَتَحَرَّجُ من تغيير اللحن، ويبقي كلام الراوي صحابيًا كان
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٧٦. وابن عمر هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٣ هـ.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٥/ ١٠١ وجه ١.
(٣) " الكفاية ": ص ١٧٨. والأعمش هو سليمان بن مهران (- ١٤٨ هـ).
(٤) " الكفاية ": ص ١٧٨.
(٥) " الكفاية ": ص ١٧٩.
(٦) " الكفاية ": ص ١٨٠.
[ ٨٢ ]
أو تابعيًا على حاله، لأن القوم حَدَّثُوهُ هكذا، فلا ضير من استعمال «حَوْثَ» بَدَلًا مِنْ «حَيْثُ» (١) أو «لَغَيْتُ» بَدَلًا مِنْ «لَغَوْتُ» (٢) و«عَوْثَاءُ السَّفَرِ» بَدَلًا مِنْ «وَعْثَائِهِ» (٣). ولذلك رَوَوْا عن ابن سيرين أنه «كَانَ يَلْحَنُ كَمَا يَلْحَنُ الرَّاوِي» (٤). وَفَسَّرَ الإِمَامً ُأَبُو عُبَيْدٍ ظاهرة إبقاء اللحن على حاله بقوله: «لأَهْلِ الحَدِيثِ لُغَةٌ، وَلأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةٌ، وَلُغَةُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْيَسُ، وَلاَ تَجِدُ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِ لُغَةِ [أَهْلِ] الحَدِيثِ لأَجْلِ السَّمَاعِ» (٥).
ثم رأى العلماء أن يُمَيِّزُوا في هذا الموضوع بين لحن يحيل المعنى وآخر لا يحيله فرأوا أنه لاَ بُدَّ من تغيير اللحن الذي يفسد المعنى (٦)، وقالوا بضرورة رَدِّ الحديث إلى الصواب، إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب (٧).
أما الطائفة التي لم تر بأسًا في رواية الحديث بالمعنى، فإنها اشترطت لذلك شروطًا، منها أن يكون الراوي عالمًا بالنحو والصرف وعلوم اللغة عارفًا بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، بصيرًا بمدى التفاوت بينها، قادرًا على أن يؤدِّي الحديث أداءً خاليًا من اللحن، لأن رسول الله - ﷺ - أفصح من نطق بالضاد. فمن الكذب
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٨٢.
(٢) " الكفاية ": ص ١٨٣.
(٣) " الكفاية ": ص ١٨٠.
(٤) " الكفاية ": ص ١٨٦.
(٥) " الكفاية ": ص ١٨٢. وأبو عبيد هو القاسم بن سلام، أحد كبار الأئمة في الحديث واللغة، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٢٣ هـ.
(٦) " الكفاية ": ص ١٨٨.
(٧) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٦/ ١٠٣ وجه ١.
[ ٨٣ ]
عليه أن يضع المؤدي في فيه لحنًا يستحيل أن يقع منه. قال الأصمعي: «أَخْشَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ العَرَبِيَّةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ: " مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ» (١).
وإذ كانت علوم العربية متشعبة، والإحاطة بها وبالفوارق الدقيقة بين ألفاظها ومدلولاتها شِبْهَ مستحيلة، منع بعض العلماء غير الصحابة من رواية الحديث بالمعنى، لأن «جِبِلَّتَهُمْ عَرَبِيَّةٌ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ». قال القاضي أبو بكر بن العربي (٢): «إِنَّ هَذَا الْخِلاَفَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ تَبْدِيلُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا كُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ الأَخْذِ بِالْحَدِيثِ؛ إذْ كُلُّ أَحَدٍ إلَى زَمَانِنَا هَذَا قَدْ بَدَّلَ مَا نَقَلَ، وَجَعَلَ الحَرْفَ بَدَلَ الْحَرْفِ فِيمَا [رَوَاهُ]؛ فَيَكُونُ خُرُوجًا مِنْ الإِخْبَارِ بِالْجُمْلَةِ. وَالصَّحَابَةُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَصَاحَةُ وَالْبَلاَغَةُ؛ إذْ جِبِلَّتُهُمْ عَرَبِيَّةٌ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَفِعْلَهُ، فَأَفَادَتْهُمْ الْمُشَاهَدَةُ عَقْلَ المَعْنَى جُمْلَةً، وَاسْتِيفَاءَ المَقْصَدِ كُلِّهِ؛ وَلَيْسَ مَنْ أَخْبَرَ كَمَنْ عَايَنَ.
أَلاَ تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِكَذَا "، وَ" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ كَذَا "، وَلاَ يَذْكُرُونَ
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٦٢.
(٢) هو محمد بن عبد الله المعافري المعروف بابن العربي، من مشاهير فقهاء إشبيلية. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٤٤ هـ.
[ ٨٤ ]
لَفْظَهُ،؟ وَكَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا وَنَقْلًا لاَزِمًا؛ وَهَذَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِيبَ فِيهِ مُنْصِفٌ لِبَيَانِهِ» (١).
ووقف الإمام مالك من الرواية بالمعنى موقفًا وسطًا، فأجازها فيما لم يرفع إلى رسول الله، وَتَشَدَّدَ في منعها في الأحاديث المرفوعة، حتى كان - ﵁ - وَرَعًا مِنْهُ وَاحْتِيَاطًا - يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله - ﷺ - كما روى عنه البيهقي في " مدخله " (٢).
على أن ابن الصلاح لا يرى ضرورة للتشدد في رواية الحديث بالمعنى في المرفوع دون سواه، وإنما يشترط على من يريد الأداء بالمعنى في المرفوع وغيره اكتساب العلم بالعربية والقدرة على التصرف الصحيح فيها على الوجه الذي ذكرناه، فإنه يقول: «ومنعه بعضهم في حديث رسول الله - ﷺ - وأجازه في غيره والأصح جواز ذلك في الجميع، إذا كان عالمًا بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكَثِيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن مُعَوِّلَهُمْ كان على المعنى دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يُغَيِّرَ لفظ شيء من كتاب مُصَنَّفٍ ويثبت بَدَلَهُ فيه لفظًا آخر بمعناه: فإن الرواية بالمعنى رَخَّصَ فِيهَا مَنْ رَخَّصَ، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من
_________________
(١) " أحكام القرآن ": ١/ ١٠.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ١٥٨، وقارن بـ " الكفاية ": ص ١٧٩.
[ ٨٥ ]
الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ، فليس يملك تغيير تصنيف غيره» (١).
والرواية بالمعنى ينبغي أن تظل مُقَيَّدَةً ببعض العبارات الدَالَّةِ على الحِيطَةِ وَالوَرَعِ، فعلى راوي الحديث إذا شك في لفظ من روايته أن يتبعه بقوله: «أَوْ كَمَا قَالَ»، «أَوْ كَمَا وَرَدَ» (٢).
وأكثر الرُوَّاةِ يحرصون على أن يؤدوا الحديث تَامًّا بجميع ألفاظه، ويرون في ذلك ضربًا من العناية باللفظ النبوي، إلا أن بعض العلماء يتساهلون في اختصار الحديث، فيحذفون بعضه، ويقطعونه، وَيَرْوُونَهُ تَفَارِيقَ في مناسبات مختلفة، كما صنع البخاري في " صحيحه ". وَلَمْ يَرَ الأئمة في صنيع البخاري موضعًا للنقد، لأنهم لاحظوا أنه لا يتساهل في ذلك إلا إذا كان قد أورد الخبر تَامًّا في رواية أخرى. ولذلك لم يُجَوِّزُوا اختصار الحديث إذا لم يرد تَامًّا من طريق أخرى، لئلا يكون ذلك كتمانًا لما يجب تبليغه (٣).
وهذا التساهل في أداء الحديث كان نتيجة طبيعية للتساهل عند تحمله: فمن قبل أن يقدم بعض الأئمة على إباحة الأداء بالمعنى، أو على الإذن باختصار المروي وتقطيعه، تَرَخَّصَ كثير منهم في تحمل الحديث بضروب جديدة من السماع في شيء، ولم يكن ترخصهم هذا - في نظر الجمهور - سيء الأثر ولا شديد الخطر.
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٨٩.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ١٦١.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ١٦١.
[ ٨٦ ]
أخذت هذه الرحلة في طلب الحديث تضعف شيئًا فشيئًا، وبات الرحالون أنفسهم لا يستطيعون أن يُعَوِّلُوا على المشافهة والتلقي المباشر، فقد يضربون أكباد المطي إلى إمام عظيم حتى إذا أصبحوا تلقاء وجهه قنعوا منه بكتاب يعرضونه عليه، أو بإجازة يخصهم بها، أو بأجزاء حديثية يناولهم إياها مع إذنه لهم بروايتها، وقد يتطوع هذا الإمام نفسه بإعلامهم بمروياته، أو الوصية لهم ببعض مكتوباته، فيتلقفونها تلقفًا ويروونها مطمئنين كما لو كان صاحبها قد أجازهم بها بعبارة صريحة لا لُبْسَ فيها ولا إبهام. بل لقد أمسى المتأخرون لا يجدون حاجة للرحلة ولا لتحمل مشاق مذ أصبح حقًا لهم ولغيرهم أن يَرْوُوا كل ما يجدون من الكتب والمخطوطات سواء أَلَقُوا أصحابها أم لم يَلْقُوهُمْ. وذلك كله يعني أن السماع لم يعد - كما في فجر الإسلام - الصورة الوحيدة لتحمل الحديث وأدائه، وإنما أضحى إحدى الطرق الثمان التي استقرأها نُقَّادُ الحديث.
وبحثنا التالي سيدور حول هذه الطرق الثمان، وبدراستها وتتبع اصطلاحاتها ودقة التمييز بين عباراتها سيجد القارئ نفسه على موعد مع المُحَدِّثِينَ لأول مرة، فليحضر القلب وليرهف السمع، فإن لهؤلاء العلماء لغتهم الخاصة التي إن لم تطرب بإيقاعها الحلو كلغة الشعر والموسيقى، فهي تعجب بمحتواها العميق كلغة فذة في فن النقد والتحليل!.
[ ٨٧ ]
الفَصْلُ الخَامِسُ: تَحَمُّلُ الحَدِيثِ وَصُوَرُهُ:
أَوَّلًا - السَّمَاعُ:
من المشافهة والسماع المباشر - على طريقة الرعيل الأول من الرُوَّاةِ - انتقل طلاب العلم إلى أخذ الحديث عن طريق القراءة، أو الإجازة، أو المناولة، أو المكاتبة، أو الإعلام، أو الوصية، أو الوجادة. وهذه الصور السبع - مع إضافة السماع إليها - هي صور التحمل الثمان التي تحدد مناهج القوم في التعليم (١).
ولعل من نافلة القول أن نشير مرة أخرى إلى أن السماع أعلى هذه الصور وأرفعها وأقواها. غير أن من الضروري أن ننظر الآن إلى السماع نظرة خاصة من زاوية المُحَدِّثِينَ، ومن خلال تعاريفهم واصطلاحاتهم. عندئذٍ يتبين لنا أن السماع هو أن يسمع المتحمل من لفظ شيخه، سواء أَحَدَّثَهُ الشيخ من كتاب يقرؤه أم من محفوظاته وسواء أَأَمْلَى عليه أم لم يُمْلِ عليه (٢).
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٢٩.
(٢) قارن بتعريف السماع في " التدريب ": ص ١٢٩.
[ ٨٨ ]
ومن المعروف في لسان العرب أن قول الراوي: حَدَّثَنَا فلان أو أخبرنا أو أنبأنا أو ذكر لنا أو قال لنا تفيد معنى التحديث، فهي عند علماء اللغة تساوي قول الراوي: «سَمِعْتُ فُلاَنًا قَالَ: سَمِعْتُ فُلاَنًا». وأوشك كثير من المُحَدِّثِينَ أن يجروا على طريقة علماء اللغة في اصطلاحاتهم، حتى لم يُفَرِّقُوا بين العبارات المذكورة، وراح كل يستخدم إحدى هذه العبارات على سواء، وروي عن كثير من المتقدمين أنهم كانوا «يقولون في غالب حديثهم الذي يَرْوُونَهُ (أَخْبَرَنَا) وَلاَ يَكَادُونَ يَقُولُونَ: (حَدَّثَنَا)» (١). وقال رجل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، إن عبد الرزاق (٢) ما كان يقول: (حَدَّثَنَا)، كان يقول: (أَخْبَرَنَا)، فقال أحمد بن حنبل: «حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَاحِدٌ» (٣). وقد يكون إيثار هؤلاء المتقدمين (أَخْبَرَنَا) على الألفاظ الأخرى التي تفيد
_________________
(١) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٦/ ١١٢ وجه ١. وفي هذه الصفحة يذكر الخطيب من هؤلاء التقدمين الذين لا يفرقون بين «حَدَّثَنَا» و«أَخْبَرَنَا» ويقولون: الثانية دون الأولى: حماد بن سلمة، وَهُشَيْمٌ بن بشير، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد بن هارون، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن راهويه، وعمر بن عوف، وأبا مسعود أحمد بن الفرات، ومحمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس. وقارن بـ " الكفاية ": ص ٢٨٤، ٢٨٥.
(٢) هو العالم الفقيه الكبير عبد الرزاق بن همام بن نافع، المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢١١ هـ.
(٣) " الكفاية ": ص ٢٨٦. ويظهر أن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أدخلا عبارة «حَدَّثَنَا» وطلبا من أهل العلم أن يستعملوها في رواياتهم وإن كانا يقولان بِتَسَاوِي جميع هذه العبارات في إفادة التحديث والسماع. قال محمد بن رافع: «كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ «أَخْبَرَنَا» حَتَّى قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فَقَالاَ لَهُ: قُلْ " حَدَّثَنَا ". فَكُلُّ مَا سَمِعْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ قَالَ " حَدَّثَنَا "، وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: " أَخْبَرَنَا " ». انظر " الكفاية ": ص ٢٨٦.
[ ٨٩ ]
التحديث لغة بسبب شيوعها وكثرة استعمالها (١). وقد يكون التعبير بـ «أَخْبَرَنَا» أوسع وأشمل من التلفظ بغيرها، فَنُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ (٢) يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ (٣) يَقُولُ قَطُّ: (حَدَّثَنَا)، كَأَنَّهُ يَرَى (أَخْبَرَنَا) أَوْسَعَ!» (٤).
وإذ تساوت هذه العبارات جميعًا في إفادة التحديث والسماع، فلا ضير أن يقول القاضي عياض (٥) يقول علماء اللغة، فيرى أن لا خلاف - عندما يكون السماع من لفظ المسمع أو من كتاب - أن يقول السامع: (حَدَّثَنَا) و(أَخْبَرَنَا) و(قَالَ لَنَا) و(ذَكَرَ لَنَا فُلاَنٌ) (٦).
غير أن نُقَّادَ الحديث يفضلون دفع كل لُبْسٍ وإبهام، فيقولون: ينبغي أن يُبَيِّنَ السماع كيف كان، فما سُمِعَ من لفظ المُتَحَدِّثِ قيل فيه (حَدَّثَنَا)، وما قُرِئَ عليه قال الراوي فيه: (قَرَأْتُ) إن كان سمعه بقراءته، ويقول فيما سمعه بقراءة غيره (قُرِئَ وَأَنَا أَسْمَعُ) (٧).
والأكثرون على تقديم لفظ (سَمِعْتُ) على الألفاظ الباقية، إذ لا يكاد
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٢٨٤.
(٢) هو نُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ بن معاوية بن [الحارث]، الخُزاعي المروزي أبو عبد الله نزيل مصر، أول من جمع المسند. توفي محبوسًا بسامرا سَنَةَ ٢٢٨ هـ " الرسالة المستطرفة ": ص ٣٧.
(٣) هو الإمام الكبير عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٨١ هـ.
(٤) " الكفاية ": ص ٢٨٥.
(٥) هو العالم الثقة الكبير. القاضي عياض بن موسى صاحب " الشفا في شمائل المصطفى " و" الإلماع في أصول السماع " ومنه نسخة في الظاهرية. حديث ٤٠٦. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٤٤ هـ.
(٦) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٢٢.
(٧) " الجامع لأخلاق الراوي ": ٦/ ١١٢ وجه ١. وقد عقد الخطيب لذلك فصلًا في " الكفاية ": ص ٢٩٩ - ٢٠١.
[ ٩٠ ]
أحد بقولها في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، فكانت لذلك أرفع من سواها (١). ثم يتلوها قول (حَدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي) ثم (أَخْبَرَنَا وَأَخْبَرَنِي) (٢) مع ضرورة التمييز بين حالتي الإفراد والجمع. وفي ذلك يقول عبد الله بن وهب (٣) صاحب الإمام مالك (٤): «إِنَّمَا [هُوَ] أَرْبَعَةٌ: إِذَا قُلْتُ: (حَدَّثَنِي) فَهُوَ مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الْعَالِمِ وَحْدِي، وَإِذَا قُلْتُ: (حَدَّثَنَا) فَهُوَ مَا سَمِعْتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا قُلْتُ: (أَخْبَرَنِي) فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَإِذَا قُلْتُ (أَخْبَرَنَا) فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَأَنَا أَسْمَعُ» (٥).
وَيَلِي لَفْظَيْ التَّحْدِيثِ وَالإِخْبَارِ (نَبَّأَنَا وَأَنْبَأَنَا) وهما قليلان في الاستعمال (٦)، والنية هي الفارقة بين جميع هذه الاصطلاحات على الحقيقة (٧) ولذلك تشدد
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٢٨٤.
(٢) " التدريب ": ص ١٣٠.
(٣) هو الإمام الحافظ عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفهري مولاهم، المصري الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، حَدَّثَ عن خلق كثير بمصر والحرمين وَصَنَّفَ " مُوَطَّأً " كبيرًا. قال فيه أبو زُرعة: «نظرت في ثلاثين ألف حديث لابن وهب، ولا أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له. توفي ابن وهب سَنَةَ ١٩٧ هـ. راجع ترجمته في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٠٤ - ٢٠٦.
(٤) هو إمام أهل المدينة، وأمير المؤمنين في الحديث، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وَيُكَنَّى أبا عبد الله، استغرق تأليفه " الموطأ " أربعين سَنَةً عرضه خلالها على سبعين من فقهاء المدينة. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٧٩ هـ.
(٥) " الكفاية ": ص ٢٩٤، وفي الإسناد أحمد بن عبد الرحمن قَالَ: «سَمِعْتُ عَمِّي»، وعمه هو ابن وهب الذي ترجمنا له في الحاشية قبل السابقة.
(٦) " التدريب ": ص ١٢٠.
(٧) " الكفاية ": ص ٢٨٧.
[ ٩١ ]
الرُوَّاةُ مع المدلسين فلم يقبلوا منهم حَدِيثًا حتى يقول قائلهم: (حَدَّثَنِي) أو (سَمِعْتُ) (١). وصيغة الإفراد في التحديث أعلى العبارات في نظر الحافظ ابن كثير (- ٧٧٤ هـ) ففي قول الراوي (حَدَّثَنَا) أو (أَخْبَرنَا) احتمال أن يكون في جمع كثير، وربما لا يكون الشيخ قصده بذلك. ولا يعين قَصْدَ الشيخ له إلا الإفراد (٢).
وقول المُحَدِّثِ: أعلى مَنْزِلَةً من قوله: (حَدَّثَنَا فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ) إذ كانت «عَنْ» مُسْتَعْمَلَةً في تدليس ما ليس بسماع (٣). وقد لاحظ بعض الشعراء المتأخرين هذا حين قال:
يَتَأَدَّى إِلَيَّ عَنْكَ مَلِيحٌ مِنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِنْ بَيَانِ
بَيْنَ قَوْلِ الفَقِيهِ «حَدَّثَنَا سُفْيَانُ» فَرْقٌ وَبَيْنَ «عَنْ» سُفْيَانِ (٤).
ويجوز أخيرًا في السماع أن يقول الرَّاوِي: (قَالَ لَنَا فُلاَنٌ) أو (قَالَ لِي) أو (ذَكَرَ لِي)، إذ هي في الاتصال مثل (حَدَّثَنَا) وإن كانت أشبه بسماع المذاكرة (٥).
وأضعف هذه العبارات جميعًا أن يقول الرَّاوي (قَالَ) أو (ذَكَرَ) من غير (لِي) لأنها توهم التدليس. وإلى هذا أشار حَمَّادٌ حين قال: «إِنِّي أَكْرَهُ إِذَا كُنْتُ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَيُّوبَ (٦) حَدِيثًا أَنْ أَقُولَ: (قَالَ أَيُّوبُ كَذَا وَكَذَا)،
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٢٩٢.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٢٢.
(٣) " الكفاية ": ص ٢٨٩.
(٤) " الكفاية ": ص ٢٩١.
(٥) " الكفاية ": ص ١٣٠.
(٦) هُوَ أَيُّوبُ السَّخْتَيَانِي، وقد سبقت ترجمته.
[ ٩٢ ]
فَيَظُنُّ النَّاسُ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ "» (١). وكانت عبارة شُعبة بن الحجاج (٢) أشد في ذلك وأعنف حين قال: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ: (قَالَ فُلاَنٌ)، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ!» (٣).
ونعود مرة أخرى لِنُؤَكِّدَ أن جميع هذه الألفاظ عند علماء اللسان عبارة عن التحديث، وأنها في الأصل مثل (سَمعت فلانا قال: سمعت فلانا)، وإنما الخلاف فيها بين نُقَّادِ الحديث في استعمالها من جهة العرف والعادة (٤).
ثَانِيًا: القِرَاءَةُ:
لا حاجة بنا إلى تعريف القراءة، فمن الواضح أن حقيقتها المستمدة من لفظها هي قراءة التلميذ على الشيخ حِفْظًا من قلبه أو من كتاب ينظر فيه (٥). وإذ كان التلميذ يعرض بهذا النوع من التَحَمُّلِ قراءته على الشيخ، سميت القراءة عَرْضًا لدى كثير من المُحَدِّثِينَ (٦).
وإذا لم يقرأ التلميذ من حفظه أو من كتاب بين يديه، وإنما سمع غيره يقرأ على الشيخ، فإنه يشترط في شيخه حِينَئِذٍ أن يكون حافظًا لهذا المقروء عليه، أو مُتَمَكِّنًا من مقابلته على أصله الصحيح إن لزم الرجوع إلى هذا الأصل بأيدي تلامذته الآخرين الثقات الضابطين، أو واحد منهم على الأقل (٧). والقراءة
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٢٩٠.
(٢) سبقت ترجمته.
(٣) " الكفاية ": ص ٢١٠.
(٤) " الكفاية ": ص ٢٨٨.
(٥) " التدريب ": ص ١٣١.
(٦) " التدريب ": ص ١٣٠.
(٧) " الباعث الحثيث ": ص ١٢٣.
[ ٩٣ ]
من الكتاب أفضل، لأن العرض به أوثق من الحفظ وآمن. ولذلك يقول الحافظ ابن حجر (١): «يَنْبَغِي تَرْجِيحَ الإِمْسَاكِ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا عَلَى الحِفْظِ لأَنَّهُ خَوَّانٌ» (٢) وغني عن البيان أنه يريد بـ «الإِمْسَاكِ» هنا إمساك الأصل المكتوب.
والرأي المختار أن القراءة دون السماع، فهي تليها في الدرجة الثانية (٣)، لكن بعضهم يذهب إلى مساواتها للسماع (٤)، وهؤلاء لا يرون بَأْسًا أن يقول التلميذ الذي قرأ على الشيخ عندما يريد أن يُؤَدِّي إلى غيره الرواية عنه: سمعت (مُطْلَقًا) من غير تقييدها بقوله: قراءة الشيخ (٥).
ويبالغ بعض المُحَدِّثِينَ في شأن القراءة فَيُقَدِّمَهَا عَلَى السَّمَاعِ (٦).
وعلى الرأي الصحيح المختار أن للتلميذ عند أداء روايته أن يقول إن قرأ بنفسه: «قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ يَسْمَعُ» وإن كان القارئ سواه: «قُرِئَ
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني هو شيخ الإسلام أحمد بن علي بن محمد بن علي شهاب الدين أبو الفضل، من أئمة الحديث وحفاظه. وهو عسقلاني الأصل، منسوب إلى آل حجر، كثير التصانيف، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٨٥٢ هـ (" الرسالة المستطرفة ": ص ١٢١، ١٢٢).
(٢) " التدريب ": ص ١٣١.
(٣) وهو رأي جمهور أهل المشرق. (" التقريب ": ص ١٣٢).
(٤) وهو رأي الإمام مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومعظم علماء الحجاز والكوفة. وهو كذلك رأي الإمام البخاري (" التقريب ": ص ١٣٢)
(٥) " اختصار علوم الحديث: ص ١٢٤.
(٦) وقد حُكِيَ هذا القول عن كثير من العلماء منهم أبو حنيفة وابن أبي ذئب. روى البيهقي في " المدخل " عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، [وَهِشَامٌ]، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَبَاحِ يَقُولُونَ: " قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ الْعَالِمِ عَلَيْكَ "» ذكره في " التدريب ": ص ١٣٢.
[ ٩٤ ]
على الشيخ وهو يسمع وأنا كذلك أسمع». وَجَوَّزَ كثير من أهل الحديث أن يقول التلميذ عند الأداء: حدثنا الشيخ قراءة عليه «أَوْ» أخبرنا قراءة عليه «أَوْ» سمعت من الشيخ قراءة عليه يذكر هذا القيد الأخير إلزامًا، لأن عدم ذكره يوهم حصول «السَّمَاعِ» الذي هو أعلى صور التحمل على التحقيق (١). ونحن لم ننس بعد أن «أًخْبَرَنَا» و«حَدَّثَنَا» و«سَمِعْتُ» صيغ اصطلاحية تفيد «السَّمَاعَ» عند الإطلاق.
ثَالِثًا: الإِجَازَةُ:
لاحضنا في «السَّمَاعِ» أن المُتَحَمِّلَ يسمع من لفظ الشيخ، وفي «القِرَاءَةِ» أن التلميذ يعرض على شيخه قراءته، فكلتا الصورتين تشمل على الرواية مع الإسناد المتصل، إما من النطق والمشافهة، وإما من النقل الصحيح. والإجازة لا تشتمل على شيء من هذا، لأنها عبارة عن إذن الشيخ لتلميذه برواية مسموعاته أو مؤلفاته، ولو لم يسمعها منه ولم يقرأها عليه. لذلك يعترض ابن حزم على الإجازة ويراها «بِدْعَةً غَيْرَ جَائِزَةٍ»، ويزيد بعضهم على ذلك فيقول مُتَشَدِّدًا في إنكارها: «مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ "، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ "، لأَنَّ الشَّرْعَ لاَ يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يَسْمَعْ» (٢).
وهذه مغالاة، فإن بعض صور الإجازة لا يبلغ هذا الحد من ضعف الرواية،
_________________
(١) " الباعث الحثيث ": ص ١٢٥ وقارن بـ " التدريب ": ص ١٣٢.
(٢) " التدريب ": ص ١٣١.
[ ٩٥ ]
فمن الصور المقبولة في الإجازة لدى الجمهور، دونما تردد (١).
إجازة كتاب معين أو كتب معينة لشخص معين أو أشخاص معينين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان (مع ذكر اسمه ومميزاته) رواية " صحيح مسلم " أو " سنن أبي داود أو " الكتب الستة " أو ما اشتملت عليه مُدَوَّنَاتِي، وهي كذا وكذا.
ويتوسع كثيرون فيقبلون كذلك إجازة شخص معين، أو أشخاص معينين بشيء مُبْهَمٍ غير معين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان جميع مسموعاتي أو مروياتي أو ما شابه ذلك من العبارات الغامضة. فقبول هذه الصورة قائم على ضرب من الاتساع في تفهم معنى الإجازة.
أما الإجازة بمجهول لمجهول ففاسدة اتفاقًا. وأما الإجازات العامة كأن يقول الشيخ: أجزت برواية كذا «النَّاسَ» أو «المُسْلِمِينَ» أو «المَوْجُودِينَ» أو «أَهْلَ عَصْرِي» أو «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ» أو «مَنْ شَاءَ» أو «شَاءَ فُلاَنٌ» فالتحقيق أنها غير جائزة، وإن قال بعضهم بجوازها.
والأصل في الإجازة أن ينطق الشيخ بلفظها الصريح شفاهًا أمام تلميذه، فإن أجازه كتابة من غير نطق لم تصح عند المُتَشَدِّدِينَ. غير أن الأرجح مساواة الكتابة للنطق في هذا الموضوع.
والإجازة حتى في صورها المقبولة ليست في قوة القراءة فضلًا على السماع،
_________________
(١) انظر في هذه الصور " التدريب ": ص ١٣٧ وما بعدها وقارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ١٣٢.
[ ٩٦ ]
فهي تأتي بعدها في الدرجة الثالثة بين درجات تحمل الحديث (١).
رَابِعًا: المُنَاوَلَةُ:
يريدون بالمناولة أن يعطي الشيخ تلميذه كتابًا أو حديثًا مكتوبًا ليقوم بأدائه وروايته عنه. وهي على صور متعددة تتفاوت قوة وضعفًا. فأعلى صورها وأقواها أن يناول الشيخ تليمذه الكتاب أو الحديث المكتوب ويقول له: قد ملكتك إياه وأجزتك بروايته فخذه عني (٢). وَتُسَمَّى هذه الصورة «مُنَاوَلَةٌ مَعَ الإِجَازَةِ» وقد غَالَى بعضهم في شأنها فجعلها «أرفع من السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع» لكن الإمام النووي يفصل في هذه القضية بقوله: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْ السَّمَاعِ وَالقِرَاءَةِ» (٣).
ويقارب «المُنَاوَلَةَ مَعَ الإِجَازَةِ» أن يقول الشيخ لتلميذه: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ فَانْسُخْهُ وَرَاجِعْهُ ثُمَّ رُدَّهُ إِلَيَّ».
ودون هاتين الصورتين أن يأتي التلميذ شيخه بكتاب من سماع شيخه، فيأخذه منه ويتأمله ثم يقول له: «ارْوِ هَذَا عَنِّي».
ودون هذه الصور بلا ريب أن يأتي التليمذ شيخه بكتاب يلتمس منه أن يناوله إياه فيجيبه الشيخ إلى رغبته دون أن ينظر في الكتاب أو يراجعه أو يقابله.
خَامِسًا: المُكَاتَبَةُ:
هي أن يكتب الشيخ بخطه أو يُكَلِّفَ غيره بأن يكتب عنه بعض حديثه
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٣٨.
(٢) قارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ١٣٧.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ١٣٨.
[ ٩٧ ]
لشخص حاضر بين يديه يلتقي العلم عليه، أو لشخص غائب عنه ترسل الكتابة إليه (١). وقوة الثقة بها لا يتطرق إليها شك بالنسبة إلى الحاضر المكتوب له لأنه يرى بنفسه خط الشيخ أو خط كاتبه بحضور الشيخ وإقراره. وأما بالنسبة إلى الغائب المكتوب له، فإن الثقة بالمكاتبة لا تضعف خلافًا لما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، لأن أمانة الرسول كافية في إقناع المرسل إليه بأن المكتوب من خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ (٢) وفي هذه الحال يشترط أن يكون الكاتب والرسول ثقتين عدلين.
وقد تشدد بعضهم فاشترط في «المُكَاتَبَةِ» أن تكون مقرونة بـ «الإِجَازَةِ» وهو تشدد لا مسوغ له، لأن أكابر الرُوَّاةِ أخذوا بالمكاتبة وحدها غير مقرونة، فهذا البخاري يروي في كتاب (الأيمان والنذور) أنه كتب إلى محمد بن بشار وروى حديثه (٣). وهذا مسلم يقول في " صحيحه ": [عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ:] «كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلاَمِي نَافِعٍ، أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ » (٤) الخ الحديث.
ولا ريب أن المكاتبة مع الإجازة أقوى من المكاتبة وحدها، بل يذهب بعضهم إلى ترجيح المكاتبة المقرونة بالإجازة حتى على السماع نفسه (٥).
_________________
(١) قارن بـ " توضيح الأفكار ": ٢/ ٢٣٨ و" التدريب ": ص ١٤٦.
(٢) والحق أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه الالتباس كما لاحظ ابن الصلاح. (انظر " التدريب ": ص ١٤٦).
(٣) " توضيح الأفكار ": ٢/ ٣٣٩ راجع الحاشية.
(٤) " تدريب الراوي ": ص ١٤٧.
(٥) " الباعث الحثيث ": ص ١٤٠.
[ ٩٨ ]
ومن التوسع الذي يستحسن تجنبه أن يقول المُؤَدِّي عن طريق المكاتبة: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، إطلاقًا، لما في هذه الألفاظ من إيهام السماع، أما إذا قَيَّدَهَا بلفظ المكاتبة فلا حرج عليه. ومن الدقة في تعبيره أن يقول: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ أَوْ أَخْبَرَنِي كِتَابَةً بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ فُلاَنٍ الذِي حَمَلَهُ إِلَيَّ رَسُولُهُ أَوْ رَسُولِي فُلاَنٌ، فِي مَجْلِسِهِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ سِوَاهُ، بِكَذَا وَكَذَا (١).
سَادِسًا: الإِعْلاَمُ:
يراد بالإعلام اكتفاء الشيخ بإخبار تلميذه بأن هذا الكتاب أو هذا الحديث من مروياته أو من سماعه من فلان، من غير أن يُصَرِّحَ بإجازته له في أدائه (٢). والأكثرون على جواز هذه الصورة من صور التَحَمُّلِ ما دامت الثقة بالشيخ متوفرة، لأن هذه الثقة تمنعه من أن «يُعْلِمَ» تليمذه بما ليس من مروياته، وكأنه بمجرد إعلامه إياه بما صح سماعه يومئ إلى رضاه عن تحمله له وأدائه: فالإجازة بالرواية مفهومة ضِمْنًا وإن لم يذكرها الشيخ صراحة، ولذلك منع كثير من المُحَدِّثِينَ الرواية بالإعلام إن صَرَّحَ الشَّيْخُ لتلميذه بعدم سماحه له بالرواية عنه قائلًا له: «هذه سماعي أو هذه مروياتي، ولكني أمنعك من روايتها عني، أو لا أبيحها لك، أو لا أجيزها لك، أو لكن لا تُؤَدِّهَا عني» واستدلوا على هذا المنع بأن رواية كهذه بكون أشبه شيء «بالشهادة على الشهادة»، فإن الشاهد الثاني لا تصح شهادته إلا إذا أذن له الشاهد الأول بأن يشهد على شهادته (٣)،
_________________
(١) قارن بـ " توضيح الأفكار ": ٢/ ٣٤١ و" اختصار علوم الحديث ": ص ١٣٩.
(٢) " التدريب ": ص ١٤٨.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ١٤٠.
[ ٩٩ ]
لكن القاضي عياضًا لا يُصَحِّحُ هذا القياس، ولا يرى وَجْهًا للمُشابهة بين الشهادة على الشهادة وبين الإعلام على هذا النحو «لأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مَعَ الإِذْنِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْحَدِيثُ عَنِ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِذْنٍ بِاتِّفَاقٍ، وَأَيْضًا فَالشَّهَادَةُ تَفْتَرِقُ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ الوُجُوهِ» (١).
واستدلالُ القاضي عياض صريح في تسويغه الرواية بالاعلام ولو كان التلميذ ممنوعًا من شيخه من الأداء عنه. ويرى بعض الظاهرية (٢) أنَّ نَهْيَ الشيخ تلميذه عن رواية ما أعلمه به مُسَاوٍ لِنَهْيِهِ إِيَّاهُ عن رواية ما سمعه منه سَمَاعًا حَقِيقِيًّا (٣).
سَابِعًا: الوَصِيَّةُ:
الوصية صورة نادرة من صور التحمل يراد بها تصريح الشيخ عند سفره أو على فراش موته بأنه يوصي لفلان بكتاب مُعَيَّنٍ كان يرويه (٤).
وقد أباح بعض السلف للشخص المُوصَى لَهُ رواية ذلك الكتاب عن الموصى، لأنهم رأوا في هذه الوصية شبهًا من الإعلام وضربًا من المناولة، فكان الشيخ بوصيته هذه قد ناول تلميذه شيئًا مُعَيَّنًا وأعلمه بأنه من مروياته، غير أنَّ ألفاظه لم تكن واضحة في ذلك (٥).
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٤٨.
(٢) الظاهرية هم أتباع داود بن علي الظاهري (- ٢٧٠ هـ)، سُمُّوا بذلك لأنهم يقفون عند ظاهر النصوص.
(٣) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٤٠.
(٤) " التدريب ": ص ١٤٨.
(٥) " الباعث الحثيث ": ص ١٤١.
[ ١٠٠ ]
وَالمُسَوِّغُونَ للرواية بالوصية نعترفون - مع ذلك - بأن من أضعف صور التحمل، فهي دون المناولة والإعلام رغم شبهها بهما من بعض الوجوه. وابن الصلاح لا يرى وجهًا للمشابهة بين الوصية من جانب، وبين المناولة والإعلام من جانب آخر، ويشدد النكير على القائلين بهذه المشابهة فيقول: «وقد احتج بعضهم لذلك، فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة. ولا يصح ذلك فإن لقول من جَوَّزَ الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا» (١).
وعلى المُوصَى لَهُ عند أداء روايته أن يلتزم عبارة المُوصِي، فلا يزيد عليها ولا ينقص منها، لأن الوصية بالعلم كالوصية بالمال يجب أن تكون معروفة المعالم معينة المقدار، فلا بد أن يكون الشيء المُوصَى به واضحًا أنه كتاب أو كتب أو أنه حديث أو أحاديث أو مسموعات أو مرويات ن وفقًا للتعبير الذي تلفظ به الشيخ المُوصِي.
ثَامِنًا: الوِجَادَةُ:
الوِجَادَةُ - بكسر الواو - مصدر مولد غير مسموع من العرب اصطلح المُحَدِّثُونَ على إطلاقه على أخذ العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة (٢)، وذلك إذا وجد الشخص حديثًا بخط شيخ كان قد لقيه فألف خطه وعرفه ووثق به، أو لم يلقه ولكنه استيقن من أن هذا المخطوط صحيح النسبة إليه، وكذلك إذا وجد بعض الأحاديث في كتب مشهورة لمؤلفين
_________________
(١) " توضيح الأفكار ": ٢/ ٣٤٤ (في الحاشية).
(٢) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٦٧.
[ ١٠١ ]
مشهورين. فللشخص الذي تقع يده على شيء من هذا أن يرويه عن الشيخ على سبيل الحكاية، فيورد إسناد الحديث كما وجده ويقول: وجدت بخط فلان، أو بخط يغلب على ظني أنه خط فلان، أو في الصحيح المشهور، ويسوق الحديث مثلما كان يصنع عبد الله بن أحمد بن حنبل، فإنه كان كثيرًا ما يقول: «وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ » الخ السند والمتن (١).
ولا يجوز أن يقول الراوي عند أدائه: عن فلان، أو حدثنا أو أخبرنا فلان أو سمعت منه، أو وجدت بخطه و«شَاكٌّ فِي ذَلِكَ» فهذا كله تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه (٢)، وله أن يقول: «قَالَ فُلاَنٌ، أَوْ بَلَغَنِي أَنَّ فُلاَنًا قَالَ، أَوْ كَتَبَ الشَّيْخُ بِخَطِّهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ»، ومن هنا نُقَدِّرُ مدى الخطأ الذي يقع فيه كثير من كُتَّابِنَا وَمُؤَرِّخِينَا المعاصرين حين يقولون في كتبهم أو في أحاديثهم العادية: حَدَّثَنَا الطبري أو ابن حجر أو الحافظ العراقي مثلًا (٣).
وَالوِجَادَةُ - حين تُفْهَمُ على وجهها الصحيح - لا يجوز الشك بقيمتها صورة من صور التحمل، فجميع ما ننقله اليوم من كتب الحديث الصحيحة ضرب من «الوِجَادَةِ» لأن حُفَّاظَ الحديث عن طريق التلقين والسماع أصبحوا نادرين جِدًّا في حياتنا الإسلامية بعد أن انتشرت الطباعة وأضحى الرجوع إلى أمهات كتب الحديث سهلًا ميسورًا. وقد سبق أن جزم ابن الصلاح بأن مذهب وجوب العمل بالوجادة «هُوَ الَّذِي لاَ يَتَّجِهُ غَيْرُهُ فِي الأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ،
_________________
(١) قارن بـ " التدريب ": ص ١٤٨، ١٤٩.
(٢) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٦٨.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ١٤٤.
[ ١٠٢ ]
فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لانْسَدَّ بَابُ الْعَمَلِ بِالمَنْقُولِ، لِتَعَذُّرِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ فِيهَا» (١).
وقد استدل العماد بن كثير (٢) للعمل بالوجادة بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ قَالُوا: الْمَلاَئِكَةُ قَالَ: «وَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»؟ وَذَكَرُوا الأَنْبِيَاءَ فَقَالَ: «وَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ؟ قَالَ: «وَكَيْفَ لاَ تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟». قَالُوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدَكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِهَا» (٣). فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة. وقد استحسن البُلْقِينِي هذا الاستنباط (٤). ولم يكن الأمر محوجًا إلى هذا كله، فوجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ، وثقه المكلف بأن ما وصل إليه علمه صحت نسبته إلى رسول اللهِ - ﷺ - (٥).
والحق أن تشدد السلف في بعض صور تحمل الحديث وأدائه، كالوجادة والوصية والإعلام، كان له ما يُسَوِّغُهُ في حياتهم وظروفهم، فقد كان الحديث شغلهم الشاغل، وكانوا أشد منا حاجة إلى حفظه وروايته، لضعف وسائل التدوين والكتابة لديهم، ونحن نجد لزامًا علينا أن ننشط في حفظ الحديث
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٦٩.
(٢) هو الإمام المحدث المفسر، عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن الشيخ أبي حفص شهاب الدين عمر، صاحب التصانيف الكثيرة. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٧٤ هـ.
(٣) " توضيح الأفكار ": ٢/ ٣٤٩ وقارن بـ " تفسير ابن كثير ": ١/ ٧٤، ٧٥، طبعة المنار.
(٤) " التدريب ": ص ١٤٩. وَالبُلْقِينِي هو عبد الرحمن بن عمر بن رسلان، أبو الفضل جلال الدين. برع في الفقه والأصول والعربية والتفسير. من كتبه " الإفهام لما في صحيح البخاري من الإيهام ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ٨٢٤ هـ (" شذرات الذهب ": ٧/ ١٦٦).
(٥) " الباعث الحثيث ": ص ١٤٤.
[ ١٠٣ ]
والتدقيق في طرق تحمله وروايته، ولكن تيسر الطباعة يقوم عنا بعبء كبير من أعباء حفظ الحديث وصيانته.
صُوَرُ الأَدَاءِ:
-------------
إن جميع الصور الثمان التي اصطلح عليها المُحَدِّثُونَ لبيان طريقة التحمل تصلح لتصوير حالات الأداء، والأداء هو رواية الحديث للتلميذ، والمؤدي إلى من دونه كان متحملًا حديث من هو فوقه، فالشخص الواحد يكون في الوقت نفسه متحملًا ومؤديًا، باعتبار الشيخ مَرَّةً والتلميذ مَرَّةً أخرى: كأن يكون أبو بكر متحملًا حديثًا عن رسول الله - ﷺ -، فيكون أبو بكر تلميذًا، والرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - شَيْخًا. فإذا أدى أبو بكر إلى عَلِيٍّ مثلًا ما تَحَمَّلَهُ، صار أبو بكر شيخًا مُؤَدِّيًا، وَعَلِيٌّ تلميذًا مُتَحَمِّلًا.
لهذا الاعتبار كان لاَ بُدَّ أن ينظر إلى الأداء على أنه امتداد للتحمل، فللشخص الذي كان أهلًا للتحمل بإحدى الصور الثمان أن يؤدي ما تحمله بواحدة من هذه الصور إذا لم يكن فيه صفة تمنع أهليته للأداء أو تضعفها.
[ ١٠٤ ]