[ ١٣٩ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَقْسَامُ الحَدِيثِ:
الحديث إما مقبول وهو الصحيح، وإما مردود وهو الضعيف: هذا هو القسم الطبيعي الذي تندرج تحت نوعيه أقسام كثيرة أخرى تتفاوت صحة وضعفًا بتفاوت أحوال الرواة وأحوال متون الأحاديث.
لكن المحدثين اصطلحوا على تقسيم ثلاثي للحديث آثروه على التقسيم الثنائي السابق، فأصبح الحديث لا يخرج عن أحد هذه الأقسام الرئيسية: فهو إما صحيح، وإما حسن، وإما ضعيف (١).
وظاهر أن «الحَسَنَ» يكون - على الرأي الأول - تابعًا لأحد القسمين، فهو إما نوع من الصحيح - كما ينقل الذهبي عن البخاري ومسلم - (٢) وإما نوع من الضعيف الذي لا يترك العمل به (٣) بل هو - كما قال أحمد بن حنبل -
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٣ وقارن بـ " توضيح الأفكار ": ١/ ٧.
(٢) وحجة الذهبي في ذلك أن البخاري ومسلمًا أخرجا أحاديث راويها خفيف الضبط ولكنه غير مُتَّهَمٍ بالكذب، غير أنهما اشترطا أن تُعْضَدَ بسند آخر من كل وجه. ولما كان كِتَابَا هذين الإمامين لا يشتملان إلا على أحاديث [صَحِيحَةٍ]- ولذلك سُمِّيَا بالصحيحين - فإن ما فيهما من الأحاديث التي تغلب عليها صفة الحسن جدير أن يعتبر صحيحًا.
(٣) لأنهم قَسَّمُوا الضعيف إلى متروك العمل به، وهو ما كان راويه مُتَّهَمًا بالكذب أو =
[ ١٤١ ]
أجدر أن يعمل به من القياس. وأما على الرأي الثاني فيكون «الحَسَنُ» قسمًا قائمًا برأسه دون الصحيح وأعلى من الضعيف.
وأما الموضوع - وهو المختلق على رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أو على غيره من الصحابة والتابعين - فلم نذكره بين أقسام الحديث، لأنه ليس حديثًا في الواقع ونفس الأمر، وإنما هو لدى مختلقه فقط في حكم الحديث (١)، وإثبات وضعه هو الذي يسقط عنه صفة «الحَدِيثِ». أما قبل إثبات وضعه فلنا أن نُسَمِّيهِ «حَدِيثًا» انتظارًا لما تسفر عنه نتيجة البحث فيه، فأما أن تثبت فيه صفة الضعف، فَيُسَمَّى «حَدِيثًا ضَعِيفًا» قَطْعًا. فإذا سمعت أو قرأت هذه العبارة: «حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ» فالغرض من ذكر لفظ «الحَدِيثِ» فيها الحكم عليه بحرمة نقله وروايته.
وأقسام الحديث الثلاثة تشتمل على أنواع كثيرة تندرج تحتها، ومن هذه الأنواع ما هو خالص للصحة أو للحسن أو للضعف، وما هو مشترك بين الصحيح والحسن فقط، ثم ما هو مشترك - أخيرًا - بين الثلاثة على السواء: الصحيح والحسن والضعيف. وحول ألقاب هذه الأنواع (الخالصة لأقسام الحديث تارة، أو المشتركة بينها تارة أخرى) وضعت المصطلحات الكثيرة،
_________________
(١) = كثير الغلط، وقسم غير متروك وهو «الحَسَنُ» لأن راويه ليس مُتَّهَمًا بالكذب ولا كثير الغلط، وإنما هو خفيف الضبط فحسب.
(٢) وعبارتنا هذه لا ينبغي أن تستغرب بعد قول السيوطي في " التدريب ": ص ١٣ ما نصه: «وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْضُوعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِحَدِيثٍ اصْطِلَاحًا، بَلْ بِزَعْمِ وَاضِعِهِ».
[ ١٤٢ ]
فَسَمَّاهَا بعضهم علومًا، وبعضهم أنواعًا، واتفق هؤلاء وأولئك على أنها من الكثرة بحيث لا تعد ولا تحصر (١)، حتى قال الحازمي [فِي كِتَابِ " الْعُجَالَةِ "] (٢): «عِلْمُ الْحَدِيثِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ تَبْلُغُ مِائَةً، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ لَوْ أَنْفَقَ الطَّالِبُ فِيهِ عُمُرَهُ لَمَا أَدْرَكَ نِهَايَتَهُ» (٣).
وحين ألف ابن الصلاح كتابه " علوم الحديث " ذكر من هذه الأنواع خمسة وستين ثم قال: «وَلَيْسَ ذَلِكَ بِآخِرِ المُمْكِنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّنْوِيعِ إِلَى مَا لاَ يُحْصَى، إِذْ لاَ تُحْصَى أَحْوَالُ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَصِفَاتُهُمْ، وَأَحْوَالُ مُتُونِ الحَدِيثِ، وَصِفَاتُهَا» (٤). ولكن ابن كثير - في اختصاره لهذا الكتاب - لاحظ إمكان دمج بعض هذه الأنواع في بعض، وأخذ على ابن الصلاح بسطه كل هذه التقاسيم، ورتبها ترتيبًا جديدًا على ما هو الأنسب في نظره (٥)، ولنا، مع ذلك، ملاحظات على ترتيبه، فلن نأخذ به جملة وتفصيلًا وإن كنا سنسير غالبًا في هَدْيِهِ.
ويبدو لنا أن العَلاَّمَةَ جمال الدين القاسمي (٦) في " قواعد التحديث " كان
_________________
(١) " التدريب ": ص ٩.
(٢) الحازمي هو الإمام الحافظ النسابة، أبو بكر محمد بن موسى بن حازم الهمذاني، المُتَوَفَّى ببغداد سَنَةَ ٥٨٤ هـ. وله كتب كثيرة منها " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ". ومنها " العجالة ".
(٣) " التدريب ": ص ٩.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٩، ٢٠.
(٥) نفسه: ص ٢٠.
(٦) جمال الدين القاسمي هو عَلاَّمَةُ الشام، ونادرة الأيام، صاحب التصانيف الكثيرة، الذي تُوُفِّيَ منذ عهد قريب سَنَةَ ١٣٣٢ هـ.
[ ١٤٣ ]
أقرب إلى المنطق حين ذكر ألقابًا للحديث تشمل الصحيح والحسن (١)، وأنواعًا تشترك في الصحيح والحسن والضعيف (٢)، ثم أنواعًا تختص بالضعيف (٣). ولاستحساننا هذا التقسيم سيظهر على كتابنا هذا أثر واضح منه، إلا أن القارئ الكريم لن يخفى عليه أننا لسنا دائمًا على وفاق مع عَلاَّمَةِ الشام في مصطلحاته وتقاسيمه. ولقد قال علماؤنا القُدَامَى: «لاَ مُشَاحَّةَ فِي الاصْطِلاَحِ» فاستخرنا الله - ﷿ - في أن نعرض للناس مصطلحات الحديث بعبارة واضحة، وتقسيم لا لُبْسَ فيه، ولا تتداخل الأنواع والألقاب فيه قانعين من مباحثه بأهمها، مستغنين عما نظنه قليل الفائدة من النقاش اللفظي والجدل العقيم.
_________________
(١) " قواعد التحديث ": ص ٨٨.
(٢) نفسه: ص ١٠٤.
(٣) نفسه: ص ١١١.
[ ١٤٤ ]
الفَصْلُ الثَّانِي: القِسْمُ الأَوَّلُ - الحَدِيثِ الصَّحِيحُ:
عَرَّفُوا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ: «الحَدِيثُ المُسْنَدُ الذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَوْ إِلَى مُنْتَهَاهُ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَلاَ يَكُونُ شَاذًّا، وَلاَ مُعَلَّلًا» (١).
وفي هذا التعريف أمور تنبغي ملاحظتها:
١ - أن الحديث الصحيح «مُسْنَدٌ» (٢) - وهو ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه - ولذلك يقال في وصفه أيضًا: إنه متصل أو موصول: فالحديث المرسل الذي سقط منه الصحابي فقد الاتصال في السند، فهو على الأرجح ضعيف وليس بصحيح. وكذلك الحديث المنقطع ليس بصحيح، لأن رجلًا سقط من إسناده، أو لأن رجلًا مُبْهَمًا ذكر في هذا الإسناد، والإبهام أشبه بالسقوط. وَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي «المُعْضَلِ» لأنه الحديث الذي سقط من إسناده اثنان فأكثر.
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢١.
(٢) وَيُفَرِّقُ العلماء أحيانًا بين المسند والمتصل، بملاحظة الرفع في المسند، فهو مرفوع إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، أما المتصل فهو ما اتصل سنده بسماع كل واحد من رُوَاتِهِ مِمَّنْ فوقه سواء أكان مرفوعًا إلى النبي أم موقوفًا على التابعي: (راجع " التدريب ": ص ٦٠) وسنعرض لهذا الموضوع بشيء من التفصيل في «القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف».
[ ١٤٥ ]
٢ - أن الحديث الصحيح لا يكون «شَاذًّا»، وهو ما رواه الثقة مُخَالِفًا رواية الثقات، كما سنرى في بحث الشذوذ.
٣ - أن الحديث الصحيح لا يكون مُعَلَّلًا - وهو الذي اكتشفت فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ تقدح في صِحَّتِهِ ' وإن كان يبدو في الظاهر سليمًا من العلل.
٤ - أن رجال السند في الصحيح كلهم عدول ضابطون. فإن فقدت في أحدهم صفة من صفات العدالة أو الضبط ضُعِّفَ الحَدِيثُ وَلَمْ يُصَحَّحْ. وقد عرفنا في (فصل شروط الراوي) المراد من العدالة والضبط.
والصحيح على قسمين: صحيح لذاته وصحيح لغيره. فالصحيح لذاته هو ما اشتمل من صفات القبول على أعلاها، أما الصحيح لغيره فهو ما صُحِّحَ لأمر أجنبي عنه، إذا لم يشتمل من صفات القبول على أعلاها، كالحسن فإنه إذا رُوِيَ من غير وجه ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة (١).
وكما يوصف الصحيح بأنه مُسْنَدٌ وَمُتَّصِلٌ، يوصف بأنه متواتر أو آحادي، ويجوز وصفه بأنه غريب أو مشهور (٢). وسنرى أن ثمة ألقابًا يشترك فيها كل من الصحيح والحسن، وأن اصطلاحات أخرى تشمل الصحيح والحسن والضعيف.
فالمتواتر هو الحديث الصحيح الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطؤهم على الكذب، عن جمع مثلهم في أول السند ووسطه وآخره (٣). وإنما قلنا في
_________________
(١) " قواعد التحديث ": ص ٥٦.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢١.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٣.
[ ١٤٦ ]
التعريف: «جَمْعٌ يُحِيلُ العَقْلُ وَالعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ» لنتخلص من تلك الآراء المتضاربة حول تحديد عدد هذا الجمع تحديدًا «كَيْفِيًّا» ليس عليه دليل صريح. فمنهم من يرى أن أقل العدد الذي يثبت به التواتر: أربعة، لقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١) في الشهادة على حصول الزنى، ومنهم من يقول: خمسة، كما في آيات الملاعنة (٢). ومنهم من يقول: عشرة، لأن ما دون العشرة آحاد، ولا يُسَمَّى الجمع جمعًا إلا بها أو بما فوقها. ومنهم من يقول: اثنا عشر، لقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٣). ومنهم من يقول: عشرون، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٤). ومنهم من يقول: أربعون، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥). وكان عددهم عند نزول الآية قد بلغ أربعين رجلًا بإسلام عمر، ومنهم من يقول: سبعون، لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٦). وقال بعضهم: بل ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا وامرأتان، على عدد أهل بَدْرٍ. وهذه الاستدلالات كلها - وإن تك مستنبطة من القرآن -
_________________
(١) [سورة النور، الآية: ١٣].
(٢) وذلك في قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة النور، الآيات: ٦ - ٩].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ١٢].
(٤) [سورة الأنفال، الآية: ٦٥].
(٥) [سورة الأنفال، الآية: ٦٤].
(٦) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٥].
[ ١٤٧ ]
ليست صريحة الدلالة، لأن الكل عدد منها علاقة بالحادثة الخاصة التي ذكر فيها. فالأرجح في تعريف المتواتر أن يلاحظ فيه مجرد روايته لتعين عدد هذا الجمع. وقد قال ابن حجر: «لاَ مَعْنَى لِتَعْيِينِ العَدَدِ عَلَى الصَّحِيحِ» (١).
وينقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، فالمتواتر اللفظي هو الذي رواه الجمع المذكور في أول السند ووسطه وآخره بلفظ واحد، وصورة واحدة وهو كما يقول ابن الصلاح: «عَزِيزٌ جِدًّا، بَلْ لاَ يَكَادُ يُوجَدُ. وَمَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرَازِ مِثَالٍ لِذَلِكَ أَعْيَاهُ تَطَلُّبُهُ» (٢). والأكثرون على أنه - باشتراط المطابقة اللفظية فيه من كل وجه - يستحيل وجوده في غير القرآن الكريم. وبعض العلماء يُؤَكِّدُونَ أن في الحديث النبوي نفسه غير قليل من المتواتر اللفظي، ويسوقون للدلالة على ذلك أمثال حديث «انْشِقَاقِ القَمَرِ»، وَ«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»، وَ«مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، وَ«الشَفَاعَةِ»، وَ«أَنِينِ الجِذْعِ»، وَ«المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ»، وَ«الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ»، وَ«نَبْعِ المَاءِ مِنْ أَصَابِعِهِ - ﷺ -»، وَ«رَدِّ عَيْنِ قَتَادَةَ»، وَ«إِطْعَامِ الجَيْشِ الكَثِيرِ مِنَ الزَّادِ القَلِيلِ» (٣). ومن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي السيوطي (٤).
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٣.
(٢) غير أن ابن الصلاح يستثني من ذلك حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، ويذكر من رواته اثنين وستين من الصحابة. (قارن بـ " التدريب ": ص ١٩٠).
(٣) انظر تفصيل ذلك في " التدريب ": ص ١٩٠.
(٤) هو العَلاَّمَةُ عبد الرحمن جلال السيوطي (- ٩١١ هـ) صاحب التصانيف الكثيرة في التفسير والحديث واللغة، وله في مصطلح الحديث " ألفية "، و" تدريب الراوي ".
[ ١٤٨ ]
في " الأزهار المتناثرة، في الأخبار المتواترة " (١)، والقاضي عياض في " الشفاء ". ويبدو أن الحافظ ابن حجر نفسه يجنح إلى هذا المذهب، فقد ذكر في " شرح النخبة " أَنَّ «مِن أَحْسَنَ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كونُ المُتواتِرِ مَوجودًا، وُجودَ كَثْرةٍ في الأَحاديثِ، أَنَّ الكُتُبَ المَشْهُورَةَ المُتَداوَلَةَ بأَيدي أَهْلِ العِلْمِ شَرْقًا وغَرْبًا، المَقْطوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًا تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ إِلَى آخِرِ الشُّرُوطِ، أَفَادَ العِلْمَ اليَقِينِيَّ بِصِحَّتِهِ إِلَى قَائِلِهِ» (٢).
وأشار في " شرح البخاري " إلى أن حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا» رواه أكثر من أربعين صحابيًا، بينهم العشرة المُبَشَّرُونَ بالجنة (٣).
أما المتواتر المعنوي فمن الواضح أنه لا يشترط في روايته المطابقة اللفظية، وإنما يكتفي فيه بأداء المعنى ولو اختلفت رواياته، عن الجمع الذين يحيل العقل والعادة تواطؤهم على الكذب. وهو كثير جِدًّا ليس في وسع أحد إنكاره. ومثاله: «أَحَادِيثَ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ» فقد رُوِيَ عنه - ﷺ - نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء. وقد جمعها السيوطي في جزء لكنها في قضايا مختلفة،
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٩٠.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٤، ٥.
(٣) العشرة المبشرون بالجنة هم: «الخلفاء الراشدون الأربعة ثم سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح». وقال بعض العلماء: «رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ، وَفِي " شَرْحِ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": رَوَاهُ نَحْوُ مِائَتَيْنِ». قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ: «وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْنِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي مُطْلَقِ الكَذِبِ، وَالخَاصُّ بِهَذَا المَتْنِ رِوَايَةُ بِضْعَةٍ وَسَبْعِينَ صَحَابِيًّا: [العَشَرَةُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ]» وقد سرد السيوطي أسماءهم (في " التدريب ": ص ١٩٠).
[ ١٤٩ ]
فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء - تواتر باعتبار المجموع (١). ويرى بعضهم أن تلك الأحاديث التي يستشهد بها نفر من العلماء على وجود التواتر اللفظي ليست في الحقيقة إلا متواترة المعنى، ولكن استفاضة محتواها واشتهاره غطيا على اختلاف الروايات في بعض ألفاظها.
ومن علماء الحديث من لا يرى بأسًا في أن يكون المتواتر المعنوي في أوله آحاديًا (٢)، ثم يشتهر بعد الطبقة الأولى ويستفيض ن فيسلكون حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عداد ما تواتر معنى، مع أنه لم يروه إلا عمر بن الخطاب، ولم يروه عن عمر إلا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، وإنما طرأت له الشهرة من عند يحيى (٣).
والمحدثون لا يذكرون «المُتَوَاتِرَ» باسمه الخاص المشعر بمعناه، وإنما يتبعون فيه الفقهاء والأصوليين: لأَنَّ التَّوَاتُرَ لَيْسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ، لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ مِنْ حَيثُ صِفَاتُ الرِّجَالِ وَصِيَغُ الأَدَاءِ، وَالمُتَواتِرُ لاَ يُبْحَثُ عَنْ رِجالِهِ، بَلْ يَجِبُ
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٩١.
(٢) والحديث الآحادي - في الاصطلاح - ما لم يجمع شروط التواتر، وقد يتفرد به واحد فيكون غريبًا أو يعزز برواية فأكثر فيكون عزيزًا، أو يستفيض فيكون مشهورًا. فلا يفيد وصفه بالآحادي أنه خبر الواحد دائمًا. (قارن بـ " شرح النخبة ": ص ٦).
(٣) " التدريب ": ص ١٨٩. وقارن بـ " توضيح الأفكار ": ١/ ٢٤.
[ ١٥٠ ]
العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ» (١).
ولا خلاف بين المحدثين في أن كُلًاّ من المتواتر اللفظي والمعنوي يوجب العلم القطعي اليقيني، وإنما هم يختلفون في الحديث الصحيح الآحادي هل يفيد الظن أم القطع، فالنووي في " التقريب " يراه ظني الثبوت، وأكثر أهل الحديث يقطعون منه بما أخرجه الشيخان، البخاري ومسلم، وبعضهم يُرَجِّحُونَ أن الآحادي الصحيح، سواء أأخرجه الشيخان أم سواهما، يفيد العلم القطعي اليقيني كالمتواتر بقسميه عَلَى حَدٍّ [سَوَاءٍ]. قال ابن حزم (٢): «إَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ مَعًا» (٣).
ورأي ابن حزم أجدر بالاتباع، إذ لا معنى لتخصيص أحاديث " الصحيحين " بإفادة القطع، لأن ما ثبت صحته في غيرهما ينبغي أن يحكم عليه بما حكم عليه فيهما، فما للكتابين من منزلة خاصة في قلوب المؤمنين لا ينبغي أن يقلل من قيمة الصحيح في الكتب الأخرى، كما أنه لا معنى للقول بظنية الحديث الآحادي بعد ثبوت صحته، لأن ما اشترط فيه لقبول صحته يزيل كل معاني الظن، ويستوجب وقوع العلم اليقيني به (٤).
والحديث الصحيح يُسَمَّى «غَرِيبًا» إذا تفرد بروايته واحد ثقة، وتكون
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٤.
(٢) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره. أشهر مصنفاته " المُحَلًَّى " و" الفصل في الملل والأهواء والنحل ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٥٦ هـ.
(٣) " الإحكام ": ١/ ١١٩ - ١٣٧ وفيه [بَحْثٌ] قَيِّمٌ في هذا الموضوع. وانظر " إغاثة اللهفان " لابن القيم: ص ١٦٠ (ط. الميمنية بالقاهرة).
(٤) قارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ٣٩.
[ ١٥١ ]
غرابته في المتن تارة، وفي الإسناد تارة أخرى (١).
وَيُسَمَّى «مَشْهُورًا» إذا اشتركت جماعة في روايته عن الشيخ الثقة (٢).
ومن غريب أمر المحدثين أن بعضهم اشترط، في تعريف الصحيح، أن يكون «عَزِيزًا» (٣)، وإليه يُومِئُ كلام الحاكم أبي عبد الله في " معرفة علوم الحديث " حيث قال: «وَصِفَةُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحَابِيُّ زَائِلٌ عَنْهُ اسْمُ الجَهَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ تَابِعِيَّانِ [عَدْلاَنِ]، ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ» (٤).
ولا حاجة إلى هذا الاصطلاح الخاص بعد الذي أوضحناه من تفرقة العلماء بين تعديل الراوي وتزكية الشاهد.
والإمام البخاري هو أول من صَنَّفَ في «الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ» الذي يخلو من الإرسال والانقطاع والبلاغات. أما التعاليق التي أدخلها في " جامعه " فما أوردها إلا استئناسًا، واستشهادًا، فَذِكْرُهَا فِيهِ لا يخرجه عن كونه جَرَّدَ الصحيح (٥). ولا يعد الإمام مالك أول من صنف في الصحيح، لأنه لم يفرده بل أدخل فيه - تَبَعًا لِمَنْهَجِهِ - المراسيل والمقاطيع والبلاغات. ثم تلا البخاري تلميذه الإمام مسلم في تصنيف الصحيح (٦)، وتتابع التأليف بعد ذلك في الصحيح
_________________
(١) سيأتي تفصيل «الغَرِيبِ» في «القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف».
(٢) وسنزيد «المَشْهُورَ» تفصيلًا في «القسم المشترك» أيضًا.
(٣) وهو - كما سنرى - الحديث الذي لا يرويه أقل من اثنين، وَسُمِّيَ بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عَزَّ: أي قوي بمجيئه من طريق أخرى (" شرح النخبة ": ص ٥).
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ص ٦٢ وقارن بـ " شرح النخبة ": ص ٥.
(٥) " التدريب ": ص ٢٤، ٢٥.
(٦) " التدريب ": ص ٢٥.
[ ١٥٢ ]
وما يقاربه على النحو الذي فَصَّلْنَاهُ في فصل «أَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ».
غير أن درجة الصحة ليست واحدة في كل ما سُمِّيَ صحيحًا، ولا في جميع الكتب المشتملة على الصحيح، بل المحدثون يعرفون الصحيح والأصح، كما سنرى أنهم يعرفون الضعيف والأضعف، وهو يعتقدون أن رُتَبَ الصحيح تتفاوت بتفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة (١)، ولم يسع النووي، تجاه هذا التفاوت، إلا أن يُقَسِّمَ الصحيح سبعة أقسام: ١ - أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ٢ - ما انفرد به البخاري، ٣ - ثم ما انفرد به مسلم، ٤ - ثم ما كان على شرطهما وإن لم يُخْرِجَاهُ، ٥ - ثم على شرط البخاري، ٦ - ثم على شرط مسلم، ٧ - ثم ما صححه غيرهما من الأئمة (٢).
وتتفاوت كذلك رُتَبُ الصحيح بتفاوت الأمصار التي روته، ويوشك أكثر العلماء أن يجزموا بأن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة فهي دَارُ السُنَّةِ المُشَرَّفَةِ. قال ابن تيمية (٣): «اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ أَهْلُ المَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ البَصْرَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ» وقال الخطيب: أَصَحُّ طُرُقِ السُّنَنِ مَا يَرْوِيهِ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٩.
(٢) " قواعد التحديث ": ص ٥٩. وقد نقله القاسمي من " التدريب ": ص ٣٧.
(٣) هو الإمام المجد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي صاحب التآليف الكثيرة المفيدة. وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٢٨ هـ. وقد وضع المستشرق الفرنسي هنري لاوست كتابًا قَيِّمًا في سيرة ابن تيمية وعقائده السياسية والاجتماعية Henri Laoust، Essai sur les doctrines sociales et politiques d'Ibn Taimaya.
[ ١٥٣ ]
أَهْلُ الحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَإِنَّ التَّدْلِيسَ عَنْهُمْ قَلِيلٌ، وَالكَذِبَ وَوَضْعَ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَزِيزٌ.
وَلأَهْلِ اليَمَنِ رِوَايَاتٌ جَيِّدَةٌ، وَطُرُقٌ صَحِيحَةٌ، إِلاَّ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى أَهْلِ الحِجَازِ أَيْضًا. وَلأَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِالأَسَانِيدِ الوَاضِحَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مَعَ إِكْثَارِهِمْ. وَالْكُوفِيُّونَ مِثْلُهُمْ فِي الكَثْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ رِوَايَاتِهِمْ كَثِيرَةُ الدَّغَلِ، قَلِيلَةُ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعِلَلِ.
وَحَدِيثُ الشَّامِيِّينَ أَكْثَرُهُ مَرَاسِيلُ وَمَقَاطِيعُ، وَمَا اتَّصَلَ مِنْهُ مِمَّا أَسْنَدَهُ الثِّقَاتُ فَإِنَّهُ صَالِحٌ. وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاعِظِ» (١).
واختلف أئمة الحديث في أصح الأسانيد، فذكر كل منهم ما أدى إليه اجتهاده. ولكل صحابي رواة من التابعين، ولهم أتباع وأكثرهم ثقات، فلا يمكن أن يُقْطَعَ الحكم في أصح الأسانيد لصحابي واحد (٢).
وقد يعدل نقاد الحديث عن قولهم «حَدِيثٌ صَحِيحٌ» إلى قولهم: «صَحِيحُ الإِسْنَادِ»، قاصدين من ذلك إلى الحكم بصحة السند من غير أن يستلزم صحة المتن، لجواز أن يكون في المتن شذوذ أو علة. وإذا أرادوا صحة السند والمتن معًا أَوْرَدُوا العبارة المطلقة أرقى من قولهم: «صَحِيحُ الإِسْنَادِ» بهذا التقييد. ولذلك قال السيوطي في " ألفيته ":
_________________
(١) ذكره القاسمي في " قواعد التحديث ": ص ٥٨.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ٥٤، ٥٥ وقارن بـ " توضيح الأفكار ": ١/ ٣٣. وقد نصوا - مع ذلك - على أسانيد جمعها العَلاَّمَةُ أحمد شاكر وزاد عليها قليلًا. (انظر " الباعث الحثيث ": ص ٢٢ - ٢٥).
[ ١٥٤ ]
وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ
لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ وَاحْكُمِ لِلْمَتْنِ إِنْ أُطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي (١).
وإذا قال المُحَدِّثُونَ: «أَصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ كَذَا» فلا يلزم من هذا التعبير صحة الحديث، فإنهم يقولونه وإن كان الحديث ضعيفًا، ومرادهم أرجح ما في الباب أو أَقَلُّهُ ضعفًا (٢).
_________________
(١) " ألفية السيوطي "، البيتان ١٠٤ و١٠٥ ص ٥٥ (وانظر الهامش أيضًا).
(٢) " قواعد التحديث ": ص ٥٩ نقلًا عن النووي.
[ ١٥٥ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: الحَدِيثُ الحَسَنُ:
الحدث الحسن هو ما اتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط، وَسَلِمَ من الشذوذ وَالعِلَّةِ (١). وأهم ما في هذا التعريف، لرفع الالتباس بين الصحيح والحسن، أن العدل في الحسن خفيف الضبط، بينا هو في الصحيح تام الضبط. وَكِلاَ التقسيمين سالم من الشذوذ والعلة، وكلاهما يُحْتَجُّ بِهِ ويستشهد بمضمونه.
والحديث الحسن نوعان: حسن لذاته، وحسن لغيره.
وإذا أطلق الحديث الحسن [انصرف] إلى الحسن لذاته، فلا داعي إلى تعريفه مرة أخرى. وإنما سُمِّيَ «حَسَنًا لِذَاتِهِ» لأن حُسْنَهُ ناشئ عن شيء داخل فيه، ذاتي له، لا من شيء خارج عنه (٢): فهو قد بلغ - بنفسه - درجة الصحيح في شروطه، وإن كان أخف مه بضبط رجاله.
أما الحسن لغيره فهو ما في إسناده مستور لم تتحقق أهليته ولا عدم أهليته غير أنه ليس مُغَفَّلًا كثير الخطأ ولا مُتَّهَمًا بالكذب، ويكون متنه مُعَضَّدًا بمتابع
_________________
(١) قارن " شرح النخبة ": ص ١١ بـ " ألفية السيوطي ": ص ٤٢ هامش.
(٢) " شرح النخبة ": ص ١١.
[ ١٥٦ ]
أو شاهد (١). ويدور حول تعريف الحسن بقسميه جدل لا نرى ضرورة للخوض فيه، ولا ثمرة ترجى منه (٢).
و" جامع الترمذي " أصل في معرفة الحديث الحسن وإن أخذوا عليه تعريفه له. وهو الذي نَوَّهَ بذكره (٣). وهو أول من عُرِفَ أنه قَسَّمَ الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف. والضعيف عندهم كان على نوعين: ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه، وهو الواهي (٤).
في " جامع الترمذي " عبارتان يحسن أن تفهما بوضوح، وإلا أوقعتا القارئ في اللُّبْسِ والإبهام، إحداهما: حديث حسن صحيح، والأخرى حديث حسن صحيح غريب. وأفضل ما يجاب به عن الأول أن الرواية التي وصفت
_________________
(١) " توضيح الأفكار ": ١/ ١٨٨. وسنتكلم في «القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف» عن كل من المتابع والشاهد. وحسبنا الآن أن نفهم من هذين اللفظين مجرد اعتضاد الحسن لغيره برواية أخرى مماثلة تتابع لفظه، أو تشهد لمعناه، ليصبح صالحًا للاعتبار.
(٢) تناول هذا الجدل تعريف الخطابي للحسن، ومأخذ العلماء عليه، ثم تعريف الترمذي ونقدهم له، ثم محاولة التوفيق بين التعريفين (انظر على سبيل المثال " التدريب ": ص ٤٩ - ٥٢). وقد عَلَّلَ المحدثون هذا الاضطراب في تعريف الحسن بتوسط هذا المصطلح بين الصحيح والضعيف عند الناظر، حتى كأنه شيء ينقدح في نفس الحافظ وربما قصرت عبارته عن بيانه. أما نحن ففضلنا أن نختصر الطريق فتركنا الجدل واخترنا ما بدا لنا أبسط التعاريف واضبطها لحدود الحسن.
(٣) " اختصار علوم الحديث " و" شرحه ": ص ٤٣.
(٤) من قول شيخ الإسلام ابن تيمية في إحدى فتاويه. " قواعد التحديث ": ص ٨٣.
[ ١٥٧ ]
«بِالحُسْنِ» ثبتت من طريق أخرى لها شروط «الصِحَّةِ»، فما يقول فيه الترمذي: «حَسَنٌ صَحِيحٌ» أعلى عنده من الحسن ودون الصحيح (١). وقد أزال الحافظ ابن حجر كل إشكال حول هذا البحث حين قال: «وَشِبْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الرَّاوِي: صَدُوقٌ فَقَطْ، وَصَدُوقٌ ضَابِطٌ، فَإِنَّ الأَوَّلَ قَاصِرٌ [عَنْ] دَرَجَةِ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَالثَّانِيَ مِنْهُمْ. فَكَمَا أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يُشْكِلُ، فَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ» (٢).
وأما وصف الحسن الصحيح بالغرابة فقائم على أن الصحيح يروى أحيانًا من وجه واحد فيكون غريبًا، فالحسن الذي هو دون الصحيح أجدر أن يوصف كذلك بأنه غريب. ولابن حجر مذهب آخر في تعليل هذا المصطلح، فهو يرى أن الترمذي «لَمْ يُعَرِّفْ الحسن مطلقًا، وإنما عَرَّفَهُ بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه «حَسَنٌ» من غير صفة أخرى، وذلك أن يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها: صحيح، وفي بعضها: غريب، وفي بعضها: حسن صحيح، وفي بعضها: حسن صحيح غريب. وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه (*): «وَمَا [ذَكَرْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ] (حَدِيثٌ حَسَنٌ) فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا، كُلُّ حَدِيث يُرْوَى [لاَ يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ] بِالكَذِبِ وَلاَ يُكُونُ [الحَدِيثُ] شَاذًّا [وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَاكَ] فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ». فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّفَ الذي يقول
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٤٧.
(٢) ذكره في " التدريب ": ص ٥٣. (*) [انظر " كتاب العلل " بآخر " سنن الترمذي ": ٥/ ٧٥٨، تحقيق أحمد شاكر وآخرون (تحقيق إبراهيم عطوة عوض)، دار إحياء التراث العربي].
[ ١٥٨ ]
فيه: حسن فقط. أما ما يقول فيه: حسن صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، فلم يُعَرِّجْ على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط، أو غريب فقط. وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عن أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: حَسَنٌ فقط، إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد. ولذلك قَيَّدَهُ بقوله «عِنْدَنًا»، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي (١)» (٢).
والحسن لذاته إذا رُوِيَ من وجه آخر، تَرَقَّى من الحسن إلى الصحيح لقوته من الجهتين، فيعتضد أحدهما بالآخر، وذلك لأن الراوي في الحسن متأخر عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورًا بالصدق والستر، فإذا رُوِيَ حديثه من غير وجه، ولو وجهًا واحدًا، قوي بالمتابعة وزال ما كان يخشى عليه من جهة سوء حفظ راويه ن فارتفع حديثه من درجة الحسن إلى الصحيح. مثاله حديث: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ». فإن طريق هذا المتن: محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عنه - ﷺ -. ومحمد بن عمرو مُتَّهَمٌ في الحفظ والضبط والإتقان وإن وَثَّقَهُ كثيرون. فهذا الحديث حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَصَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، لأنه مروي عن شيخ محمد وعن شيخ شيخه،
_________________
(١) الخطابي: هو الحافظ حمد - بفتح الميم بغير همزة - كما رواه عبد الله أنه سئل الخطابي عن اسمه فقال: اسمي حمد، ولكن الناس كتبوا أحمد فتركته عليه. والخطابي فقيه أديب مُحَدِّثٌ له مؤلفات منها: " معالم السنن " على أبي داود، وهو مطبوع. وله " أعلام السنن " في شرح " البخاري "، وغير ذلك، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٨٨ بمدينة بُسْتْ وإليها ينسب أحيانًا فيقال: «البُسْتِي».
(٢) " شرح النخبة ": ص ١٢.
[ ١٥٩ ]
وقد رواه أيضًا عن أبي هريرة كثيرون منهم الأعرج بن هرمز وسعيد المقبري (١).
وإلى جانب الترمذي الذي كان أول من نَوَّهَ بالحديث الحسن نجد في الطبقة التي سبقته كأحمد والبخاري، وفي متفرقات من كلام مشايخه، أحاديث تغلب عليها صفة الحسن (٢)، فهي دون الصحيح، وأعلى من الضعيف. ونحن لا نستغرب وجود الحسن في " صحيح البخاري " - فضلًا عن " مسند أحمد " - بعد أن أوردنا حُجَّةَ الذهبي في أن الحسن نوع من أنواع الصحيح.
ويرى ابن الصلاح أن من مظان الحسن " سنن أبي داود "، لأنه يروي عنه أنه قال: «ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ. وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ» (٣). فَيُعَقِّبُ ابن الصلاح على عبارة أبي داود هذه بقوله: «فَمَا وَجَدْنَاهُ [فِي كِتَابِهِ] مَذْكُورًا (مُطْلَقًا) وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ " الصَّحِيحَيْنِ " وَلاَ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَحَدٌ، فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ» (٤). وظاهر أن تعقيب ابن الصلاح مُسْتَمَدٌّ من منهجه الذي سار عليه من ضرورة منع المتأخرين من الحكم على حديث ما بالصحة إذا لم يكن في أحد " الصحيحين " ولم يَنُصَّ أحد من الأئمة على صحته. ولذلك يرى أن ما صححه الحاكم من الأحاديث، ولم نجد لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا
_________________
(١) " التدريب ": ص ٥٧.
(٢) " اختصار علوم الحديث " و" شرحه ": ص ٤٣.
(٣) " التدريب ": ص ٥٥ وقارن بـ " توضيح الأفكار ": ١/ ١٩٦.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٤٤.
[ ١٦٠ ]
تضعيفًا حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه. والحق ما ذهب إليه الحافظ العراقي (١) من إباحة الحكم بالصحة أو الضعف على حديث ما للخبير المُتَمَرِّسِ الذي يستطيع أن يُدَقِّقَ في الفحص عن الأسانيد والعلل (٢).
وللبغوي (٣) في كتابه " مصابيح السنة " اصطلاح خاص في تمييز الصحيح والحسن، فأما الصحيح فهو ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وأما الحسن فهو ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما. وقد اعترض عليه كثيرون، ولم يجدوا مسوغًا لاصطلاحه الخاص، ولا سيما لأن " مصابيحه " لَمْ تَخْلُ، كما قال النووي، من الأحاديث المنكرة التي انفرد بروايتها رَاوٍ ليس بالعدل ولا بالضابط (٤).
أَلْقَابٌ تَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالحَسَنَ:
حين يصف النُقَّادُ حديثًا ما بـ «الصِحَّةِ» أو «الحُسْنِ» يرونه - في الوقت نفسه - صالحًا للاتصال بألقاب أخرى توحي جميعًا بقبوله وإمكان الاحتجاج به: ومن هذه الألفاظ المستعملة في الخبر المقبول: جَيِّدٌ، وَمُجَوَّدٌ، وَقَوِيٌّ، وَثَابِتٌ، وَمَحْفُوظٌ، وَمَعْرُوفٌ، وَصَالِحٌ، وَمُسْتَحْسَنٌ.
ويلاحظ في هذه الألقاب أن المعنى اللغوي أغلب عليها من مصطلح
_________________
(١) هو العَلاَّمَةُ الحافظ عبد الرحيم بن الحسين، زين الدين البغدادي العراقي، كان إمامًا مُقْرِئًا فَقِيهًا أصوليًا شافعي المذهب. له كتب كثيرة في علوم الحديث، و" ألفيته " مشهورة. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٨٠٦ هـ.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ٢٩.
(٣) هو الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود الفَرَّاءُ البغوي، سَنَةَ ٥١٦ هـ.
(٤) " التدريب ": ص ٥٥.
[ ١٦١ ]
المحدثين: ففيها تنوع في التعبير يتجلى بوضوح في الألفاظ الأربعة الأولى، عندما يقارن المُجَوَّدَ بِالجَيِّدِ ن والثابت بالقوي. ويستأنس لذلك بقول الإمام أحمد: «أَجْوَدُ الأَسَانِيدِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ» عوضًا عن «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ» (١) وقد حكى ابن الصلاح هذه العبارة عن أحمد كما أخرجها عنه الحاكم أبو عبد الله، فاستنتج منها بعض العلماء أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجَيِّدِ والصحيح (٢). ثم إن الترمذي عَبَّرَ أحيانًا بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ» بدلًا من عبارته المشهورة التي أشرنا إليها «حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وكأنه عدل عن اصطلاحه المشهور لارتقاء الحديث عنده عن الحسن لذاته وتردده في بلوغ الصحيح، فهو حسن لذاته وصحيح لغيره. وذلك يعني أن التعبير بالجودة يشمل الحسن كالصحيح.
وَيُخَيَّلُ إلينا أن السيوطي يرمي إلى هذا حين يقول: «إِلاَّ أَنَّ الْجِهْبِذَ مِنْهُمْ لاَ يَعْدِلُ عَنْ صَحِيحٍ إِلَى جَيِّدٍ إِلاَّ لِنُكْتَةٍ، كَأَنْ يَرْتَقِيَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنِ الحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَيَتَرَدَّدُ فِي بُلُوغِهِ الصَّحِيحَ، فَالوَصْفُ بِهِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الوَصْفِ (بِصَحِيحٍ)،
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث: ص ٥٤. ومما يستأنس به أيضًا على غلبة المعنى اللغوي على هذه الألقاب تعبير المحدثين عما يعجبهم من الروايات «بِجِيَادِ الأَحَادِيثِ وَعُيُونِهَا» = " الجامع ": ٧/ ١٢٧ أو قول أحدهم: «لاَ حَدِيثَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا» = " الجامع ": ٧/ ١٣٤. بل لقد بلغ بهم الانطباع بلغة الحديث ومصطلحه أن صاروا يحكمون على ما يستحسنونه من الآراء والتوجيهات يمثل قولهم: «هَذَا جَيِّدٌ حَسَنٌ» = " التوضيح ": ١/ ٣٢٧. وحتى في التدليس - وهو من أسباب ضعف الحديث كما سنرى - استخدم النُقَّادُ لَفْظَيْ الجَوْدَةِ وَالتَّجْوِيدِ. يقولون: جَوَّدَ السَّنَدَ إذا أسقط منه الضعفاء وذكر الأجواد على طريقة تدليس التسوية (انظر " توضيح الأفكار ": ١/ ٣٧).
(٢) " التدريب ": ص ٥٨.
[ ١٦٢ ]
وَكَذَا القَوِيُّ» (١). ولا بد أن يسترعي انتباهنا قوله في ختام عبارته: «وَكَذَا القَوِيُّ» فهو يُسَوِّي بين «الجَوْدَةِ» وَ«القُوَّةِ»، فلا يتعذر علينا - قياسًا على هذا - أن نرى التساوي أوضح بين «التَّجْوِيدِ» وَ«الجَوْدَةِ» وَبَيْنَ «الثُّبُوتِ» وَ«القُوَّةِ»، فهي جميعًا صفات للحديث المقبول سواء أكان صحيحًا أم حسنًا.
وفي تعريف كل من الحسن والصحيح نبهنا على سلامتها من الشذوذ، فلا يكون أحدهما شَاذًّا ولا منكرًا، وإنما يوصفان بِنَقِيضَيْهِمَا وهما المحفوظ والمعروف. قال ابن حجر: «وَزِيَادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقعْ مُنَافِيَةً لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ، فإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ فَالرَّاجِحُ الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ الشَّاذُّ، وَمَعَ الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُنْكَرُ» (٢).
أما وصف كل من الصحيح والحسن بـ «الصَّالِحِ» فواضح في نفسه، لأن المراد صلاحيتهما للاحتجاج (٣). وعلى هذا يقول المُحَدِّثُونَ في " سنن أبي داود ": إن أحاديثه صالحة، لأنها تشمل الصحيح والحسن.
وإذا قالوا: «هَذَا حَدِيثٌ مُسْتَحْسَنٌ» (٤)، فذلك لا يعين أنه «حَسَنٌ» بالمعنى الاصطلاحي الذي أوضحناه، بل يحتمل الصحة كالحسن، فليس الحسن إلا الجودة، ولا الاستحسان إلا الاستجادة. وما كان أيسر هذه التعابير ومشتقاتها على المُحَدِّثِينَ وما كان أدق حسهم عند تمييزها مما يشبهها على أَلْسِنَةِ
_________________
(١) نفسه: ص ٥٨.
(٢) " شرح النخبة ": ص ١٢ - ١٤. وقارن بـ " ألفية السيوطي " ص ٩٣ هامش.
(٣) وربما استعمل في ضعيف يصلح للاعتبار. (انظر " التدريب ": ص ٥٨).
(٤) " الجامع ": ٧/ ١٣٥ وجه ١ و٢.
[ ١٦٣ ]
العامة! قَالَ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ: «كُنَّا فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أَحْسَنَهُ!؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: " [أَتَقُولُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَحْسَنَهُ؟] أَلاَ قُلْتَ: هُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْجَوْهَرِ، أَحْسَنُ مِنَ الدُّرِّ، أَحْسَنُ مِنَ الْيَاقُوتِ، أَحْسَنُ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا» (١).
ومن المباحث المشتركة بين الصحيح والحسن أن حكمنا بالصحة أو بالحسن على أحد الأسانيد لا يلزم منه حكمنا بذلك على المتن، فقد يكون شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا. وقد أشرنا إلى هذا في بحث الصحيح. وإنما ذكرناه ههنا مرة أخرى لنظهرك على شيء من التداخل أو التشابك المنطقي بين الصحيح والحسن، ولنضع بين يديك مِقْيَاسًا للمحدثين يراعي الجوهر قبل العرض، والمضمون قبل الشكل، حين يقولون: «مَا كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدًا صَحَّ مَتْنًا» (٢).
_________________
(١) " الجامع ": ٧/ ١٣٥ وجه ١.
(٢) انظر " توضيح الأفكار ": ١/ ١٩٣ و" اختصار علوم الحديث ": ص ٤٦.
[ ١٦٤ ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ: الحَدِيثُ الضَّعِيفُ:
الحديث الضعيف ثالث أقسام الحديث، وخير تعريف له هو: «مَا لَمْ يَجْمَعْ صِفَةَ الصَّحِيحِ أَوِ الحَسَنِ» (١). وقد حاول بعضهم أن يجمع الصور العقلية لأقسام الحديث الضعيف من خلال فقده شروط الصحة والحسن فخرج بإحدى وثمانين وثلاث مائة صورة (٣٨١) أكثرها غير واقعي ولا يحمل عنوانًا مُعَيَّنًا بين أقسام الحديث الضعيف المصطلح عليها لدى المشتغلين بهذا العلم (٢). ويرى ابن الصلاح أن الصور التي يمكن وقوعها في الحديث الضعيف لا تزيد عن اثنتين وأربعين صورة شرحها وَبَيَّنَ طريقة تخريجها لها، وبها أخذ الحافظ العراقي، ولكننا لن نسرد منها إلا ما أخذ اسمًا خَاصًّا به، فمثله لا يجوز أن نجهله. وأما ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخص باسم معين فإننا نكتفي بمجرد الإشارة الإجمالية إليه.
_________________
(١) " التدريب ": ص ٥٩.
(٢) وفي هذا التقسيم يقول ابن حجر: «تَعَبٌ لَيْسَ وَرَاءَهُ أَرَبٌ». " ألفية السيوطي ": هامش ٥٨.
[ ١٦٥ ]
أَنْوَاعٌ تَخْتَصُّ بِالضَّعِيفِ:
الأَوَّلُ - المُرْسَلُ:
المشهور في تعريفه أنه ما سقط منه الصحابي كقول نافع: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك (١).
فهو إذن مرفوع التابعي مطلقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا (٢). وسبب ضعفه فقد الاتصال في السند، وإنما سُمَّيَ «مُرْسَلًا» لأن رَاوِيهِ أرسله وأطلقه فلم يُقَيِّدْهُ بالصحابي الذي تَحَمَّلَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (٣).
والمرسل ليس حُجَّةً فِي الدِّينِ. وهذا هو الرأي الذي «اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُفَّاظُ الحَدِيثِ وَنُقَّادُ الأَثَرِ، وَتَدَاوَلُوهُ فِي تَصَانِيفِهِمْ» (٤) وأشار مسلم في مقدمة " صحيحه " إلى أَنَّ «المُرْسَلَ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ».
وأكثر أهل العلم يحتجون بمراسيل الصحابة، فلا يرونها ضعيفة، لأن الصحابي الذي يروي حديثًا لم يتيسر له سماعه بنفسه مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غالبًا ما تكون روايته عن صحابي آخر قد تحقق أَخْذُهُ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ -، فسقوط الصحابي الآخر من السند لا يضر كما أن جهل حاله لا يضعف الحديث، فثبوت شرف الصحبة له كاف في تعديله. قال السيوطي في " التدريب ":
_________________
(١) " قواعد التحديث ": ص ١١٤.
(٢) " شرح النخبة ": ص ١٧.
(٣) " توضيح الأفكار ": ١/ ٢٨٤.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٢.
[ ١٦٦ ]
«وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ - أَيْ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ - مَا لاَ يُحْصَى، لأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِهِمْ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَرِوَايَاتُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ نَادِرَةٌ، وَإِذَا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا، بَلْ أَكْثَرُ مَا رَوَاهُ الصَّحَابَةُ، عَنِ التَّابِعِينَ لَيْسَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةً، بَلْ إِسْرَائِيلِيَّاتٌ، أَوْ حِكَايَاتٌ، أَوْ مَوْقُوفَاتٌ» (١).
ويتعذر إنكار مراسيل الصحابة، فأكثر الرواية عن ابن عباس مرسلة لِصِغَرِ سِنِّهِ في حياة رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فقد تُوُفِّيَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وسن ابن عباس لا تزيد عن ثلاث عشرة سَنَةً (٢).
والمرسل مراتب، أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب؛ ويليها من كان يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد؛ ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن. وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة، والزهري، وحميد الطويل، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين (٣).
_________________
(١) " التدريب ": ص ٧١. وقارن بـ " شرح التنقيح " للقرافي: ص ١٦٤ (القاهرة. المطبعة الخيرية سَنَةَ ١٣٠٦ هـ). وقد أخذ على ابن الصلاح تعليله مراسيل الصحابة برواية بعضهم عن بعض (إطلاقًا). والصواب أن يقال: «إِنَّ غَالِبَ رِوَايَتَهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ لاَ كُلَّهَا» راجع " توضيح الأفكار ": ١/ ٣١٧. ومن العلماء من يُشَدِّدُ في «مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ» ويرى في هذا التعبير تَجَوُّزًا وَتَسَامُحًا، إذ لا مرسل للصحابة على الحقيقة: انظر " التوضيح ": ١/ ٢٩٥.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٢٩١. ولقد تساهل بعض العلماء فقبلوا مراسيل أئمة الحديث، الموثوق بهم المعروف تَحَرِّيهِمْ. (انظر " التوضيح " أَيْضًا: ١/ ٢٨٧).
(٣) " قواعد التحديث ": ص ١٢٥، ١٢٦ نقلًا عن السخاوي في " فتح المغيث " على هامش " ألفية العراقي " الهند - دلهي. طبع حجر. وقد اعترض على ذكر الزُّهْرِي بين صغار التابعين، لأنه لقي من الصحابة ثلاثة عشر فأكثر. وقال ابن خِلِّكَانْ: «أَنَّهُ رَأَى عَشْرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ»: (انظر " التوضيح ": ١/ ٢٨٥).
[ ١٦٧ ]
والمرسل إذا أسند عن ثقات يَتَقَوَّى وتنكشف صحته، إذ يجمع حينئذٍ صورتين، صورة الإرسال وصورة الإسناد، فإذا عارضهما مسند آخر كان أرجح منه، لاعتضاد المرسل بالمسند المتصل إلى منتهاه (١).
الثَّانِي - المُنْقَطِعُ:
أشهر تعريف له أنه «الحَدِيثُ الذِي سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ رَجُلٌ، أَوْ ذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ» (٢). وسبب ضعفه فَقْدَهُ الاتصال في السند، فهو كالمرسل من هذه الناحية.
ومثال ما سقط من إسناده رجل الحديث الذي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». فقد سقط من إسناده شريك بين الثوري وبين أبي إسحاق، لأن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك هذا سمعه من أبي إسحاق.
ومثال ما ذكر فيه رجل مُبْهَمٌ حديث: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ» الذي رواه أَبُو العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عن رجلين عن شداد بن أوس (٣) فمن هُمَا هَذَانِ الرَّجُلاَنِ؟ إنهما مبهمان وقد ذُكِرَا في السند. وقد اتفق في هذا الحديث أنهما رجلان اثنان، وقد تكون الرواية في أحاديث أخر مفردة عن رجل واحد مُبْهَمٍ. والذي يعنينا هنا وصف الإبهام في بعض حلقات السند.
_________________
(١) " التوضيح ": ١/ ٢٨٩.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٣.
(٣) نفسه: ص ٥٤. وقارن بـ " معرفة علوم الحديث ": ص ٢٧.
[ ١٦٨ ]
وقد يُرْوَى الحديث وفي إسناده رجل غير مُسَمَّى وليس بمنقطع. مثاله حَدَّثَنَا شَيْخٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُخَيَّرُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالْفُجُورِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيَخْتَرِ الْعَجْزَ عَلَى الْفُجُورِ» لأن هذا الرجل المبهم قد ذكر في رواية أخرى فإذا هو أَبُو عُمَرَ الْجَدَلِيُّ، ولا يقف على هذا النوع مِنَ الْمُنْقَطِعِ إِلاَّ الحَافِظُ الفَهِمُ المُتَبَحِّرُ فِي الصَّنْعَةِ (١).
وتماثل المنقطع والمرسل في سبب الضعف، وهو نقد الاتصال في السند، جعل الحافظ الخطيب البغدادي يقول في كتابه " الكفاية في علم الرواية ": «وَالمُنْقَطِعُ مِثْلُ المُرْسَلِ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ [التَّابِعِينَ] عَنِ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ أَنْ يَرْوِيَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ» (٢). وهذا الاستعمال الغالب الذي يشير إليه الخطيب لا يتفق من كل وجه وتعريف المنقطع الذي قدمناه، فهو اصطلاح خاص بالنسبة إلى وصف يغلب كثيرًا على الأحاديث المنقطعة.
الثَّالِثُ - المُعْضَلُ:
هو الحديث الذي سقط منه راويان فأكثر بشرط التوالي (٣)، وهو
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ٢٨.
(٢) " الكفاية ": ص ٢١.
(٣) " التدريب ": ص ٧٣. أما إذا لم يتوال فهو منقطع كما رأينا في الرجلين المُبْهَمَيْنِ عن شداد بن أوس. وقارن بـ " شرح النخبة ": ص ١٨.
[ ١٦٩ ]
صورة أشد استغلاقًا وإبهامًا من المنقطع، ومن هنا جاءت تسميته بِالمُعْضَلِ (١). ويعتبر قسمًا من المنقطع لكن بوجه خاص لأن كل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلًا (٢) وفقد الاتصال في سنده هو سبب ضعفه، كما قلنا في المرسل والمنقطع. ومن المعضل ما أرسله تابع التابعي: مثال ذلك ما رواه الأَعْمَشُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
الأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ » لأن الشعبي إنما رواه عن أنس. وأنس رواه عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فقد أعضل الأعمش الحديث بإسقاطه أَنَسًا وَرَسُولَ اللهِ - ﷺ - من إسناده (٣).
والمعضل أسوأ حالًا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالًا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حُجَّةٌ وإنما يكون المعضل أسوأ حالًا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، فأما إذا في موضعين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال (٤).
الرَّابِعُ - المُدَلَّسُ:
المدلس قسمان (٥)، أحدهما مدلس الإسناد، وهو الحديث الذي يُؤَدِّيهِ الراوي عمن عاصره ولقيه مع أنه لم يصح له سماعه منه، أو عمن عاصره ولكنه لَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أنه سمعه من لفظه. مثال ذلك: قَوْلُ عَلِيٍّ بْنِ خَشْرَمَ: «كُنَّا عِنْدَ
_________________
(١) وهو من حيث الاشتقاق مشكل (" التوضيح ": ١/ ٣٢٧).
(٢) نفسه: ١/ ٣٢٤.
(٣) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٥.
(٤) " التوضيح ": ١/ ٣٢٩.
(٥) " التوضيح ": ١/ ٣٥٠.
[ ١٧٠ ]
سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: " قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا "، فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الرَزَّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْهُ» (١). فسفيان قد عاصر الزهري ولقيه، ولكنه لم يأخذ عنه فيصح سماعه منه، وإنما أخذ عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق أخذ عن معمر، ومعمر أخذ عن الزهري، فالتدليس هنا إسقاط سفيان شيخيه وإيراده الحديث بصيغة توهم سماعه من الزهري مباشرة.
وهذا أشد قسمي التدليس وأشنعهما وأدلهما على الكذب. قَالَ شُعْبَةُ: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (٢). وَقَالَ: «التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ» (٣). وكان الشافعي يَرُدُّ مُطْلَقًا من عرف بالتدليس في الإسناد ولو مرة واحدة، ولكن أكثر العلماء على أن الراوي الذي نسب إلى التدليس يقبل من روايته ما صرح فيه بلفظ السماع، ويرد منها ما كانت عبارته محتملة مبهمة (٤).
وقد تتبع الحاكم البلاد التي أكثرت من رواية هذا القسم من التدليس، والبلاد التي لم يعرف فيها هذا الكذب في الرواية، فرأى أَنَّ «أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، [لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ] أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلاَدُ فَارِسَ، وَخُوزِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ - لاَ [يُعْلَمُ] أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَّا مَدِينَةُ [السَّلاَمِ] بَغْدَادَ، فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، [إِلاَّ] أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيِّ الْوَاسِطِيِّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا» (٥).
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٨.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٣٦٦.
(٣) وقد قال هذا شُعْبَةُ، ونقله الشافعي، وليس قائله (انظر " الباعث الحثيث: ص ٥٨).
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٨.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١١، ١١٢.
[ ١٧١ ]
أما القسم الثاني فهو تدليس الشيوخ. وهو أن يصف راويه بأوصاف أعظم من حقيقته أو يسميه بغير كنيته، قاصدًا إلى تعمية أمره. من ذلك أن يقول: حدثنا العلامة الثبت، أو الحافظ الضابط. ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مجاهد المقرئ عن أبي بكر بن أبي داوود قال: «حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله»، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر قال: «حدثنا محمد بن سند» فنسبه إلى جد له، ولم ينسبه إلى أبيه، وهو الاسم الذي يشتهر به (١).
ويرى ابن الصلاح أن الخطيب البغدادي: «كَانَ لَهْجًا بِهَذَا التَّقْسِيمِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ» (٢)، وينقل عنه بعض الأمثلة في ذلك: منها أن الخطيب يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفاسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.
ويروي أيضًا عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع شخص واحد.
ويروي كذلك عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد.
ونحن في الواقع نُجِلُّ الحافظ الخطيب عن أن يكون قصده تعمية أمر واحد من هؤلاء الشيوخ، ولكنا لا نكتم استغرابنا من ذكره هذه الأسماء التي
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٩.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٣٦٩.
[ ١٧٢ ]
يصعب معها معرفة الشيخ، مع أنها شخص واحد، وهو يعلم أنها شخص واحد، وأن كثيرين لا يفطنون لذلك.
ويفرع بعض العلماء عن التدليس أبوابًا متعددة منها ما يسمونه بتدليس العطف، كأن يقول الراوي: «حدثنا فلان وفلان»، ومع أنه لم يسمع من الثاني المعطوف (١).
ومن ذلك تدليس السكوت، كأن يقول: «سَمِعْتُ» أو «حَدَّثَنَا» أو «حَدَّثَنِي» ثم يسكت ثم يقول: «الأَعْمَشُ» مثلًا، موهمًا أنه قد سمع منه، مع أنه لم يصح له سماع منه.
ومن ذلك تدليس التسوية، وهو أن يحمله على إسقاطه غير شيخه ضعفه أو صغر سنه فيجعل الحديث مَرْوِيًّا عن الثقات فقط، ليحكم عليه بالقبول والصحة. وهذا شر أنواع التدليس، لأن فيه تغريرًا شديدًا. وممن اشتهر بذلك الوليد بن مسلم، فكان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ولا يذكر إلا الثقات، فسئل عن ذلك، فأجاب: «إن الأوزاعي أسمى من أن يروي عن مثل هؤلاء!» فقيل له: «فإذا روى عن هؤلاء، وهو ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي الثقات، ضعف الأوزاعي؟ فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول».
وعبارات المدلسين تنطوي على خبث شديد، فقد يعمد بعضهم إلى لفظ مبهم متشابه يلوي به لسانه تعظيمًا لشيخه من خلال تعظيم البلد أو الحي الذي ينسب إليه: كما إذا قال المصري: «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِالأَنْدَلُسِ» فأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: «بِزِقَاقِ حَلَبْ» وأراد موضعًا بالقاهرة، أو
_________________
(١) انظر في هذا النوع والنوعين التاليين " الباعث الحثيث ": ص ٦٠.
[ ١٧٣ ]
قال البغدادي: «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ» وأراد نهر دجلة (١)، أوقال: «بِالرِقَّةِ» وأراد بستانًا على شاطئ دجلة، أو قال الدمشقي: «حَدَّثَنِي بِالكَرْكِ» وأراد كرك نوح وهو بالقرب من دمشق، ففي ذلك كله إيهام الرحلة في طلب الحديث. والحافظ ابن حجر يطلق على هذا التمويه اسم «تدليس البلاد»، ويلحقه بـ «تدليس الشيوخ» (٢).
وكان بعض المدلسين من أئمة الحديث يجدون في التدليس متعة نفسية، فلا يحلو لهم الدعابة إلا بهذا الضرب من الرواية المبهمة يخوضون فيه متساهلين ثم يندمون ويتوبون، قيل لِهُشَيْمٍ بْنِ بَشِيرٍ (٣): مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا؟ يَعْنِي التَّدْلِيسَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَشْهَى شَيْءٍ!» (٤). واجتمع نفر من أصحاب هُشيم هذا يومًا على أَلاَّ يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: «حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ»، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمُ الْيَوْمَ؟» فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: «لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: «حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ» غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِي! (٥).
_________________
(١) راجع قصة السمعاني فيما وراء النهر: ص ٧٠ ح ٢ من كتابنا هذا.
(٢) انظر تفصيل هذا في " التوضيح ": ١/ ٣٧٢.
(٣) هو الحافظ الكبير هُشيم بن بشير بن أبي خازم، سمع الزهري وعمرو بن دينار ومنصور ابن زاذان وحصين بن عبد الرحمن وأبا بشر وأيوب السختياني وخلقًا كثيرًا. قال فيه الذهبي: «لا نزاع في أنه كان من الحفاظ، إلا أنه كثير التدليس، روى عن جماعة لم يسمع منهم». توفي سنة ١٨٣ هـ. (راجع ترجمته في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٤٨).
(٤) " الكفاية ": ص ٣٦١.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٠٥ وقارن بـ " التدريب ": ص ٧٩. ويسمى هذا النوع من التدليس «تدليس العطف»، كما رأينا، لأن هُشيمًا هنا قال: «حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ» وهو لم يسمع من (مغيرة) المعطوف حرفًا واحدًا. أما حصين فقد سمع منه الكثير، فهو حصين بن عبد الرحمن المذكور في سماعات هُشيم في الحاشية ٣. وعبارة =
[ ١٧٤ ]
أدرك هشيم إذن أن للمزاح بالتدليس حدودًا، فاعترف بنفسه بأن ما ادعى سماعه غير مسموع له!! وكذلك كان المدلسون يعترفون بتدليسهم ولا سيما إذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم ويلح في مراجعتهم (١). بل كانوا غالبًا يعدلون عن عبارتهم المبهمة إلى التصريح بحقيقة ما سمعوه، محذرين الناس من رواية ما دلسوا فيه. قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: «كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ (٢) فَقَالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمُ الزُّهْرِيُّ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَلاَ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ» (٣).
وقد يستغرب وقوع التدليس من مثل هذين الإمامين، ابن عُيينة وهُشيم لما وصفا به من الأمانة والحفظ والضبط، ولا غرابة فما أقل الذين سلموا من التدليس! (٤) حتى ابن عباس - ﵄ - ما سمع من النبي - ﷺ - إلا أحاديث
_________________
(١) = السيوطي في " التدريب " تقطع بهذا، فقد قال هشيم: «كُلُّ مَا قُلْتُ فِيهِ ( وَفُلاَنٌ) فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ».
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٠٤ ونقله في " التدريب ": ص ٧٩.
(٣) هو العلامة الحافظ شيخ الإسلام سفيان بن عيينة بن ميمون، أبو محمد الهلالي الكوفي، سمع عمرو بن دينار والزهري وزياد بن علاقة وأبا إسحاق والأسود بن قيس، وزيد بن أسلم وعبد اله بن دينار والمنصور بن المعتمر وعبد الرحمن بن القاسم. اتفقت الأئمة على الاحتجاج به، ولكنه كان مدلسًا على الثقات. توفي سَنَةَ ١٩٨ هـ (" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٦٢).
(٤) " التوضيح ": ١/ ٣٥١، و" التدريب ": ص ٧٨. وهذا ما يسمونه «تدليس القطع» لقطع الراوي أداة الرواية، فهو يكتفي بتسمية شيخه قائلًا « فُلاَنٌ» كما قال ابن عيينة: « الزُّهْرِيِّ» فلم يعين: هل حدثه به الزهري أم قاله له أم سمعه منه. وقد سبق أن استشهدنا (ص ١٧١) على تدليس الإسناد برواية تشبه هذه وليست مثلها تمامًا، وإنما أعدنا ذكرها هنا لاستنتاج حكم جديد.
(٥) " التدريب ": ص ٧٧ وفيه: «قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وَعَلَى هَذَا فَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، لاَ مَالِكٌ، وَلاَ غَيْرُهُ!».
[ ١٧٥ ]
يسيرة (- قَالَ بَعْضُهُمْ: «أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ» -)، وبقية أحاديثه سمعها عن الصحابة عن النبي - ﷺ -، وهو لا يكاد يذكر من بينه وبين النبي، وإنما يقول: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -» (١).
وابن عيينة وهشيم، فوق ذلك، كلاهما من رواة " الصحيحين " وذلك شرف عظيم لهما كان لا بد أن يهيب بأئمة الحديث إلى الدفاع عنهما وعن أمثالهما من رواة " الصحيحين " المشاهير بالتدليس كالأعمش (٢) وقتادة (٣) والحسن البصري (٤) وعبد الرزاق (٥) والوليد بن مسلم (٦).
_________________
(١) " التوضيح ": ١/ ٣٤٧. ويرى بعضهم أن هذا إلى مراسيل الصحابة أقرب منه إلى التدليس. والعلماء يحتجون بمراسيل الصحابة كما رأينا. وهم في الوقت نفسه يفرقون بين المرسل والمدلس على النحو الذي سنوضحه، ولا ريب أن أكثر الرواية عن ابن عباس مرسلة، لما ذكرناه سابقًا، إلا أن إرسال بعضها ضربًا من الخفاء يكاد يلحقها بالتدليس، ونقول مرة أخرى: ما أقل من سلم من التدليس!.
(٢) الأعمش هو سليمان بن مهران الكوفي، أصله من بلاد الري، رأى أنس بن مالك وحفظ عنه، أحد الأعلام، معدود في صغار التابعين، ما نقموا منه إلا التدليس كما في " الميزان ". قال الذهبي: «رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ ضَعِيفٍ فَلاَ يَدْرِي، فَمَتَى قَالَ " حَدَّثَنَاهُ " فَلاَ كَلاَمَ، وَمَتَى قَالَ " عَنْ " تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالُ التَّدْلِيسِ». توفي سَنَةَ ١٤٨ هـ.
(٣) هو قتادة بن دعامة بن عزيز، [السدوسي] البصري الضرير الأكمه، الحافظ العلامة الثقة، حدث عن عبد الله بن سرجس وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبي الطفيل. وكان قتادة معروفًا بالتدليس. قال ابن معين: «لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَلاَ مِنْ مُجَاهِدٍ». وقال شعبة: «لاَ يُعْرَفُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي رَافِعٍ». مات بواسط في الطاعون سَنَةَ ١١٨ هـ. وقيل سَنَةَ ١١٧ هـ.
(٤) هو الحسن بن أي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار. أحد كبار التابعين وعلمائهم المشهورين بالزهد. في " الميزان ": «ثِقَةٌ لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَإِذَا قَالَ: " حَدَّثَنَا " فَهُوَ حُجَّةٌ بِلاَ نِزَاعٍ». توفي سَنَةَ ١١٠.
(٥) هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني. في " الميزان ": «أَحَدُ الأَعْلاَمِ الثِّقَاتِ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَاتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَدْلِيسِهِ». توفي سَنَةَ ٢١١ هـ.
(٦) الوليد بن مسلم هو أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، في " الميزان ": «أَحَدُ
[ ١٧٦ ]
واعتذروا عن ابن عيينة اعتذارًا خاصًا، فقبلوا تدليسه (١)، لأنه إذا وقف أحال على ابن جُريج ومعمر (٢) ونظرائهما.: وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) قَالَ: «وَهَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَلاَ يُدَلِّسُ إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ مُتْقِنٍ، وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ خَبَرٌ دَلَّسَ فِيهِ إِلاَّ وَقَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ، عَنْ ثِقَةٍ مِثْلِ ثِقَتِهِ» (٤).
واعتذروا عن رواة " الصحيحين " المشاهير بالتدليس اعتذارًا عَامًّا، بأن تدليسهم ضرب من الإبهام وليس كذبًا، فما رووه يعرف فيه السماع، كسمعت وحدثنا وأخبرنا ونحوها (٥). ويحتمل أن الشيخين، البخاري ومسلمًا،
_________________
(١) = الأعلام، وعالم أهل الشام. ثم قال: قال أبو مسهر: الوليد مدلس، وربما دلس عن الكذابين، فإذا قال: «الوَلِيدُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ» فليس يعتمد لأنه يدلس عن الكذابين، وإذا قال: «حَدَّثَنَا» فهو حجة. توفي سَنَةَ ١٩٥ هـ. (قارن بـ " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٣٠٢).
(٢) جميع هؤلاء الأئمة المشاهير بالتدليس من رواة " الصحيحين ". وقد أشار إلى ذلك صاحب " توضيح الأفكار ": ١/ ٣٥٣، ٣٥٤. وذكر السيوطي بعضهم في " التدريب ": ص ٨٠.
(٣) ابْنُ جُرَيْجٍ هو الفقيه المكي عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الرومي الأموي مولاهم، أول من صنف الكتب. توفي سَنَةَ ١٥٠ هـ (" تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٦٩، ١٧٠). ومعمر هو الإمام الحجة أحد الأعلام، معمر بن راشد، أبو عروة الأزدي مولاهم، توفي سنة ١٥٣ على الأرجح (" تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٩٠، ١٩١).
(٤) هو أحد الحفاظ الكبار صاحب التصانيف العديدة، محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ الميني الدارمي البُسْتِيِّ - بضم الباء وإسكان السين - أبو حاتم. له " التقاسيم والأنواع " في خمس مجلدات، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد. توفي سنة ٣٥٤ هـ.
(٥) " التدريب ": ص ٧٩.
(٦) نفسه: ص ٨٠.
[ ١٧٧ ]
لم يعرفا سماع ذلك المدلس الذي رويا عنه، لكن عرفا لحديثه من المتابعات ما يدل على صحته، فاختار إسناد الحديث إلى المدلس لجلالته وأمانته وانتفاء تهمة الضعف عن حديثه، ولم يكن في المتابعين الثقات من يماثل المدلس ولا يقاربه فضلًا وشهرة (١).
ويرى بعض النقاد أن ما رمي به بعض رواة " الصحيحين " من التدليس أجدر أن يطلق عليه اسم المرسل الخفي، وأنشأوا يفرقون بين المدلس والمرسل الخفي تفرقة دقيقة، فالتدليس يختص بمن روى عمن عُرِفَ لقاؤه إياه، فأما من عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي.
قال الحافظ ابن حجر: «وَمَنْ أَدْخَلَ فِي تَعْرِيفِ التَّدْلِيسِ المُعاصَرَةَ، وَلَوْ بِغَيْرِ لُقِيٍّ، لَزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ. والصَّوابُ التَّفرقةُ بينَهُما» (٢). ثم يستدل على اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي (٣) وقيس بن أبي حازم (٤) عن النبي - ﷺ - من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان
_________________
(١) انظر " التوضيح ": ١/ ٣٥٦.
(٢) " شرح النخبة ": ص ١٨.
(٣) أبو عثمان النهدي هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُلٍّ البصري، أدرك زمن النبي - ﷺوارتحل زمن عمر فسمع منه ومن جماعة من الصحابة، توفي سنة ١٠٠ هـ أو بعدها بقليل (" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٦٥).
(٤) هو قيس بن أبي حازم، أبو عبد الله الأحمسي الكوفي، محدث الكوفة، سار ليدرك النبي - ﷺ - وليبايعه، فتوفي نبي الله وقيس في الطريق، سمع أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وعدة من الكبار. قال الذهبي: «حَدِيثُهُ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي كُلِّ دَوَاوِينِ الإِسْلاَمِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٩٧ وَقِيلَ سَنَةَ ٩٨ هـ». (" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٦١).
[ ١٧٨ ]
هؤلاء مدلسين، لأنهم عاصروا النبي - ﷺ - قطعًا، ولكن لا يعرف هل لقوه أم لا (١).
والقول الفصل للخطيب البغدادي في التفرقة بين المدلس والمرسل إطلاقًا: أن الراوي «لَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ [يَسْمَعْهُ] مِنَ الشَّيْخِ الَّذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ وَكَشَفَ ذَلِكَ لَصَارَ بِبَيَانِهِ مُرْسِلًا لِلْحَدِيثِ غَيْرَ مُدَلِّسٍ فِيهِ لأَنَّ الإِرْسَالَ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ بِإِيهَامٍ مِنَ الْمُرْسِلِ كَوْنَهُ سَامِعًا مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَمُلاَقِيًا لِمَنْ لَمْ يَلْقَهُ إِلاَّ أَنَّ التَّدْلِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُتَضَمِّنٌ لِلإِرْسَالِ لاَ مَحَالَةَ مِنْ حَيْثُ كَانَ المُدَلِّسُ مُمْسِكًا عَنْ ذِكْرِ مَنْ [بَيْنَهُ] وَبَيْنَ مَنْ دَلَّسَ عَنْهُ وَإِنَّمَا [يَفْرِقُ] حَالُهُ حَالَ المُرْسِلِ [بِإِيهَامِهِ] السَّمَاعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَقَطْ، وَهُوَ المُوهِنُ لأَمْرِهِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذَا التَّدْلِيسِ مُتَضَمِّنًا لِلإِرْسَالِ، وَالإِرْسَالُ لاَ يَتَضَمَّنُ التَّدْلِيسَ لأَنَّهُ لاَ يَقْتَضِي إِيهَامَ السَّمَاعِ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ: وَلِهَذَا المَعْنَى لَمْ يَذُمَّ العُلَمَاءُ مَنْ أَرْسَلَ الحَدِيثَ وَذَمُّوا مَنْ دَلَّسَهُ» (٢)
وسبب ضعف المدلس بأنواعه واضح، فلم يثبت لرواته شرط الثقة.
وما أحكم ابن المبارك حين قال:
دَلَّسَ لِلنَّاسِ أَحَادِيثَهُ وَاللَّهُ لاَ يَقْبَلُ تَدْلِيسًا (٣)
الخَامِسُ - المُعَلَّلُ: (٤)
هو الحديث الذي اكتشفت فيه علة تقدح في صحته، وإن كان يبدو في
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ١٩.
(٢) " الكفاية ": ص ٣٥٧.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٠٣.
(٤) ويسمى «المَعْلُولُ» أيضًا كما وقع في عبارة البخاري والترمذي والحاكم. والأجود =
[ ١٧٩ ]
الظاهر سليمًا من العلل (١).
واكتشاف علة الحديث يحتاج إلى اطلاع واسع، وذاكرة طيبة، وفهم دقيق، لأن العلة نفسها سبب غامض يخفى حتى على المشتغلين بعلوم الحديث. قال ابن حجر: «وَهُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنواعِ عُلومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا، وَلاَ يَقُومُ بِهِ إلاَّ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى فهْمًا ثاقِبًا، وَحِفْظًا وَاسِعًا، وَمَعْرِفةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قويَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ» (٢).
ولقد يتمكن الخبير المتمرس بهذا الفن من معرفة إحدى العلل الغامضة بضرب من الإلهام يشرح اللهُ به صدره. ولا غرو، فالمعرفة بالحديث ليست تلقينًا، وإنما هو علم يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب (٣). قال عبد الرحمن بن مهدي (٤): «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَوْ قُلْتَ لِلْعَالِمِ يُعَلِّلُ الحَدِيثَ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟، لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» (٥). وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: «إِنَّكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ: هَذَا صَحِيحٌ وَهَذَا
_________________
(١) = فيه أيضًا «مُعَلٌّ» بلام واحدة، لأنه مفعول أعل قياسًا. وأما «مُعَلَّلٌ» فهو مفعول علل، وهو لغة بمعنى أَلْهَاهُ بِالشَّيْءِ وَشَغَلَهُ، وليس هذا الفعل بمستعمل في كلامهم. انظر " التدريب ": ص ٨٨.
(٢) [قَارِنْ] بـ " التدريب ": ص ٨٩.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٢١ وعنه في " التوضيح ": ٢/ ٢٩.
(٤) " الجامع ": ٩/ ١٧٧.
(٥) هو الحافظ الكبير الإمام عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري، مولى الأزد، وقيل: مولى بني العنبر. قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: «هُوَ أَفْقَهُ مِنْ يَحْيَى القَطَّانِ وأَثْبَتُ مِنْ وَكِيْعٍ». توفي سَنَةَ ١٩٨ هـ (انظر ترجمته في " تذكر الحفاظ ": ١/ ٣٢٩).
(٦) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٣.
[ ١٨٠ ]
لَمْ يَثْبُتْ، فَعَمَّنْ تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَتَيْتَ النَّاقِدَ فَأَرَيْتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جِيدٌ، وَهَذَا بَهْرَجٌ أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ [عَمَّنْ] ذَلِكَ، أَوْ تُسْلِمُ [الأَمْرَ إِلَيْهِ؟] قَالَ: لاَ، بَلْ [كُنْتُ] أُسْلِمُ الأَمْرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ لِطُولِ المُجَالَسَةِ وَالمُنَاظَرَةِ [وَالْخُبْرِ بِهِ]» (١). ولذلك قال الخطيب البغدادي: «يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الذِي يَنْتَقِدُ الدَّرَاهِمِ فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ فِيهَا الزَّيْفُ وَالبَهْرَجُ وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ» (٢).
ودقة هذا الفن وصعوبته واعتماده على طول الممارسة كانت سببًا في قلة التأليف فيه (٣). وَأَجَلُّ كتاب في هذا الموضوع " كتاب العلل " لعلي بن المديني شيخ البخاري (٤). ويلي ذلك كتاب بالعنوان نفسه للخلال (٥)، وآخر لابن أبي حاتم (٦) وقد طبع الأخير في مصر في مجلدين. ومما وصل إلينا في ذلك كتاب " العلل " في آخر " سنن الترمذي "، لكنه مختصر، وقد شرحه ابن رجب (٧). ونعلم أن للإمام أحمد بن حنبل كتابًا في العلل، وهو مخطوط (٨).
_________________
(١) انظر " التدريب ": ص ٨٩، وعنه في " الباعث الحثيث ": ص ٧١. وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: «لأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيثٍ [هُوَ عِنْدِي] أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْتُبَ عِشْرِينَ حَدِيثًا لَيْسَ عِنْدِي» " الجامع [لأخلاق الراوي وآداب السامع] ": ١٠/ ١٩١، ومثله باللفظ في " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٢.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ٧/ ١٢٨ وجه ١.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٢١.
(٤) " التدريب ": ص ٩١ وقد سبقت ترجمة ابن المديني.
(٥) هو أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي، أبو بكر، المعروف بالخلال، وكتابه يقع في عدة مجلدات (" الرسالة المستطرفة ": ص ١١١).
(٦) " الرسالة المستطرفة ": ص ١١١.
(٧) هو الحافظ زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين بن محمد البغدادي الدمشقي الحنبلي المعروف بابن رجب المتوفى سنة ٩٧٥ هـ (" الرسالة المستطرفة ": ص ١١١).
(٨) مخطوط الظاهرية، مجموع ٤٠ وهو عبارة عن ٢٣ ورقة من القطع الصغير، مضموم إلى مجلد يشتمل على عدة رسائل تبلغ ٣٢٥ ورقة بخطوط مختلفة.
[ ١٨١ ]
وأن لأبي الحسن الدارقطني (١) كتابًا جليلًا في هذا الباب أعجز به من يريد أن يأتي بعده (٢)، إلا أنه ليس من جمعه، بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني (٣). وتنسب أيضًا كتب في علل الحديث إلى كل من البخاري ويعقوب ابن أبي شيبة (٤)، والساجي (٥) وابن الجوزي (٦) وابن حجر (٧).
وأكثر ما يتطرق التعليل إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرًا، وحينئذٍ تدرك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه الناقد على وهم وقع، بإرسال موصول أو وقف مرفوع، أو دخول حديث في حديث، بحيث يغلب على ظنه أن الحديث غير صحيح، أو يتردد فيتوقف فيه (٨) ولكثرة تطرق التعليل إلى الإسناد، يستحب أن يصنف المسند
_________________
(١) هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن، المشهور بالدارقطني، نسبة إلى دار القطن ببغداد. أمير المؤمنين في الحديث، صاحب " السنن "، توفي سنة ٣٨٥ (" الرسالة المستطرفة ": ص ١٩).
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٧٠.
(٣) " الرسالة المستطرفة ": ص ١١١.
(٤) " شرح النخبة ": ص ٢١.
(٥) والساجي هو أبو يحيى، زكريا بن يحيى الضبي البصري، مُحَدِّثُ البصرة، المتوفى سنة ٣٠٧. قال الذهبي: «لَهُ كِتَابٌ جَلِيلٌ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ فِي هَذَا الفَنِّ». (" الرسالة المستطرفة ": ص ١١١).
(٦) واسم كتابه " العلل المتناهية في الأحاديث الواهية " وقد انتقد عليها، (" الرسالة المستطرفة ": ص ١١١).
(٧) واسم كتابه " الزهر المطلول في الخبر المعلول ". (" التدريب ": ص ٩١).
(٨) " التدريب ": ص ٨٩ وعنه في " التوضيح ": ٢/ ٢٧، ٢٨.
[ ١٨٢ ]
معللًا (١)، كما يستحب للراوي إذا روى حديثًا معلولًا أن يبين علته (٢).
والطريق إلى معرفة المعلل جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم. قال علي بن المديني: «البَابُ إِذَا لَمْ [تُجْمَعْ] طُرُقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ» (٣).
وقد قسم الحاكم النيسابوري في كتابه " معرفة علوم الحديث " العلل إلى عشرة أقسام، وذكر لكل قسم منها مثلًا يوضحه (٤)، ثم قال «وَبَقِيَتْ أَجْنَاسٌ لَمْ نَذْكُرْهَا، وَإِنَّمَا جَعَلْتُهَا مِثَالًا لأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مَعْلُولَةٍ لِيَهْتَدِيَ إِلَيْهَا المُتَبَحِّرُ فِي هَذَا العِلْمِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ العُلُومِ» (٥).
ولكن أنواع العلل غير محصورة في هذا العشر التي ذكرها الحاكم، ولذلك سنكتفي بذكر أهم أمثلتها لتوضيح هذه الأسباب الخفية القادحة في الحديث.
من ذلك أن يكون حديث ما محفوظًا عن صحابي ثم يروى عن آخر لاختلاف بلد الراويين أو الرواة، كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق
_________________
(١) " الجامع ": ١٠/ ١٩١. ومعنى تصنيف المسند معللًا بيان علله. وقد أفرد الخطيب بَابًا لبيان علل المسند في " الجامع ": ١٠/ ١٩١.
(٢) " الجامع ": ٧/ ١٢٧ وجه ٢.
(٣) " التدريب ": ص ٨٩.
(٤) هذه الأقسام العشرة المذكورة في كتاب " معرفة علوم الحديث " للحاكم من ص ١١٣ إلى ١١٩. والسيوطي في " التدريب " يذكر هذه الأقسام نقلًا عن الحاكم ويتبعها بأمثلته: ص ٩١ إلى ٩٣.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٩.
[ ١٨٣ ]
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، مَرْفُوعًا: «إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». فالناظر في هذا الإسناد يحسبه أول الأمر مرويًا على شرط الصحيح، ولكن فيه رواية المدني عن كوفي، ومن المشهور أن المدنيين إذا رووا عن الكوفيين زلقوا (١).
ومن ذلك الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله، كحديث أبي شهاب عن سفيان الثوري عن الحجاج بن الفرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ». ويرى الحاكم أن علته هي فيما أسند عن محمد بن كثير: حدثنا سفيان الثوري عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة (٢).
ومن ذلك أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة، فعلتها أنه لم يسمعها منه كحديث يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ » الحديث (٣). قال الحاكم: «قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الحَدِيثَ». ثم أسند عن يحيى قال: «حُدِّثْتُ عَنْ
_________________
(١) نفسه: ص ١١٥.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٧. ويرى العلامة أحمد شاكر أن العلة التي أعل بها الحاكم الحديث غير جيدة، لأن له شواهد ومتابعات، انظر " الباعث الحثيث ": ص ٧٦.
(٣) تتمة الحديث: «وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ»
[ ١٨٤ ]
أَنَسٍ» فذكره (١).
ومن ذلك أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه، كحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ». فقد روي ان مسلمًا جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: «هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ " حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: ثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ لاَ يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [سَمَاعًا] مِنْ سُهَيْلٍ» (٢).
وعلى المشتغل بدراسة الحديث حين يقرأ هذه العبارة: «هَذَ الحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِفُلاَنٍ» أن يتريث فيها فلا يستعجل الحكم بوجود علة قادحة في الحديث من نوع العلل المصطلح عليها، لأن بعض العلماء يطلقون العلة على غير معناها الاصطلاحاي (٣)، فلا تزيد في نظرهم حينئذٍ عن السبب الظاهر (لا الخفي) الذي يجرح راوي الحديث بضعف الذاكرة أو الكذب. ووجود سبب ظاهر لضعف الحديث يمنع وصفه بالمعلل، لأن العلة لا تكون إلا سببًا غامضًا خفيًا كما أوضحنا في الأمثلة. غير أن بعض النقاد يرى أن الاحتراز بالعلة الخفية من باب التعريف
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٧، ١١٨.
(٢) نفسه: ص ١١٣، ١١٤.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ٧٧.
[ ١٨٥ ]
الأغلبي، فهناك علل ظاهرة غير خفية (١). قد أطلق أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد " «العِلَّةَ» على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: «مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ مَا هُوَ صَحِيحٌ مَعْلُولٌ» كما قال بعضهم: «مِنَ الصَّحِيحِ مَا هُوَ شَاذٌّ» ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح، ومثل له بحديث مالك في " الموطأ " أنه قال: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ» فرواه مالك مُعْضَلًا هكذا في " الموطأ "، فقد رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. وصار الحديث بعد بيان إسناده صحيحًا. قال بعضهم: «وَذَلِكَ عَكْسَ المَعْلُولِ، فَإِنَّهُ مَا ظَاهِرُهُ السَّلاَمَةُ، فَاطُّلِعَ فِيهِ بَعْدَ الفَحْصِ عَلَى قَادِحٍ. وَهَذَا مَعْلُولٌ ظَاهِرُهُ الإِعْلاَلُ بِالإِعْضَالِ، فَلَمَّا فُتِّشَ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ» (٢).
والمعلول لا يشمل كل مردود، فالمنقطع ليس معلولًا، والحديث الذي في رواته مجهول أو مضعف ليس معلولًا، وإنما سمي معلولًا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك (٣). قال الحاكم أبو عبد الله: «وَإِنَّمَا يُعَلَّلُ الحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ لَيْسَ لِلْجَرْحِ فِيهَا مَدْخَلٌ، فَإِنَّ حَدِيثَ المَجْرُوحِ سَاقِطٌ وَاهٍ، وَ[أَمَّا] عِلَّةٌ الحَدِيثِ [فَإِنَّهُ] يَكْثُرُ فِي أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَنْ يُحَدِّثُوا بِحَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَيَخْفَى عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ،
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ٢٧.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ٧٧، ٧٨. وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ٣٣، ٣٤.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٢٧.
[ ١٨٦ ]
فَيَصِيرُ الحَدِيثُ مَعْلُولًا، وَالحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا الحِفْظُ، وَالفَهْمُ، وَالمَعْرِفَةُ» (١).
السَّادِسُ - المُضْطَرِبُ: (٢)
الحديث المضطرب هو الذي تتعدد رواياته، وهي - على تعددها - متساوية متعادلة لايمكن ترجيح إحداها بشيء من وجوه الرجيح، وقد يرويه راو واحد مرتين أو أكثر، أو يرويه اثنان أو رواة متعددون (٣).
ومنشأ الضعف فيه ما يقع من الاختلاف حول حفظ رواته وضبطهم (٤) لأن انتفاء هذا الاختلاف معناه رجحان إحدى الروايات بما ثبت لراويها من حفظ أو ضبط أو طول سماع لمن أدى عنه. لذلك لا يسمى «مُضْطَرِبًا» إذا ترجحت فيه إحدى الروايتين أو الروايات (٥).
والاضطراب يقع في الإسناد غالبًا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٢، ١١٣.
(٢) وهو مأخوذ م اختلال الأمر وفساد نظامه، وأصله اضطراب الموج لكثرة حركته وضرب بعضه بعضًا، ولو كان «المُضْطَرِبُ» مفتوح الراء لكان اسم مكان للاضطراب، ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي، لأن الحديث في الحقيقة موضع يظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة. (انظر " ألفية السيوطي ": ص ١١٨ هامش).
(٣) قارن بـ " التدريب ": ص ٩٣.
(٤) " التوضيح ": ٢/ ٤٧ وإشعار المضطرب بعدم ضبط رواته واضح، سواء أكان راويه واحدًا أم كثيرين. فلا يتصور الضبط في الشخص الواحد إذا تعددت روايته للشيء نفسه، لأن هذا التعدد ضرب من التناقض. أما إذا كان راوي المضطرب أكثر من واحد فكلهم يشتركون في عدم الضبط، وإنما يزول عن بعضهم بالترجيح.
(٥) " التدريب ": ص ٩٣.
[ ١٨٧ ]
المحدث على الحديث بالاضطراب في المتن وحده دون الإسناد (١).
فمن الاضطراب في الإسناد حديث أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا "».
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مُرْسَلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مَوْصُولًا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لاَ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذَّرٌ» (٢).
وقد يتبادر إلى ذهن الباحث - في مثل هذا الإسناد المضطرب - أن الاختلاف فيه على هذه الأوجه المتباينة، العشرة كما أحصاها الدارقطني، لا ينبغي أن يمنع صحة الحديث، ما دام مرددًا بين ثقات متساوين يتعذر بينهم الترجيح. وهذا الفهم المتبادر مقبول إجمالًا، غير أن الحكم على الحديث، عند التعارض مثلًا، لا بد أن يصنف رواياته درجات فيها الصحيح وفيها الأصح، «فحديث لم يختلف فيه عن راويه أصلًا أصح من حديث اختلف فيه في الجملة» (٣). ومن هنا كان مجرد الاضطراب في الإسناد أمارة على الضعف، لأن تساوي [الروايات] في الدرجة وعدم تعارضها يمنعان الحكم باْيها صح، فكأن تعادلها في الصحة تعادل في الضعف إذ لا مرجح للأخذ بواحدة منها
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٢) " التدريب ": ص ٩٤.
(٣) نسبه في " التوضيح ": ٢/ ٤٧ إلى الحافظ ابن حجر عن الحافظ العلائي: وهو صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله، الدمشقي ثم المقدسي، الشافعي، المتوفىببيت المقدس سَنَةَ ٧٦١ هـ. ومن تآليفه " جامع التحصيل في أحكام المراسيل ". و" اختصار جامع الأصول " لابن الأثير الجزري. ترجمته في " الرسالة المستطرفة ": ص ٦٢، ٦٣.
[ ١٨٨ ]
وإغفال سائرها (١).
ومثال الاضطراب في المتن حديث البسملة الذي أخرجه مسلم في " صحيحه " من رواية الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: " صَلَّيْتُ خَلَفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا ".
فهذه العبارة الأخيرة الي ينص فيها الراوي على نفي قراءة البسملة هي المتن المضطرب في هذا الحديث: لأن مسلمًا والبخاري اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه لا يتعرض فيها لذكر البسملة
بنفي أو إثبات، وإنما يكتفي الراوي بقوله: «فكانوا يستفتحون القراءة بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» يقصد أن الفاتحة هي السورة التي كانوا يستفتحون بها. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن ترجيح الحديث المتفق عليه، فلم نصف الحديث الأول بالاضطراب، ولكن رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فأجاب أنه لا يحفظ في
ذلك شيئًا عن رسول الله - ﷺ -، وتردد مثله في هذه المسالة يحسب له حسابه، فأصبح عسيرًا أو متعذرًا ترجيح ما يتعلق بالبسملة إثباتًا أو نفيًا، وتعذر الترجيح كان السبب المباشر في وصفنا لمتن الحديث الأول بالاضطراب.
_________________
(١) ومما أخذه الحافظ ابن حجر عن الحافظ العلائي صور الاضطراب في السند، إذ عد منها سِتًّا:
(٢) تعارض الوصل والإرسال، ٢ - تعارض الوقف والرفع، ٣ - تعارض الاتصال والانقطاع، ٤ - أن يروي الحديث قوم عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر عن صحابي بعينه، ٥ - زيادة رجل في أحد الإسنادين، ٦ - الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف. (وتجد هذه الصور الست مع أمثلتها في " التوضيح ": ٢/ ٣٨ - ٤٧).
[ ١٨٩ ]
وهذا المثال يصلح شاهدًا لوقوع العلة في متن الحديث، ولذلك يذكره في الحديث المعلل كل من ابن الصلاح في كتاب " علوم الحديث " والحافظ العراقي في " شرحه لكتاب ابن الصلاح " (١) والسيوطي في " التدريب " (٢). ولا غرابة في ذلك، فإن الاضطراب نوع من الإعلال، والبحثان متقاربان (٣). وقد قال العلائي في المضطرب ما عرفنا عن ابن حجر أنه قاله في المعلل: «وَهَذَا الفَنُّ أَغْمَضُ أَنْوَاعِ الحَدِيثِ وَأَدَقُّهَا مَسْلَكًا، وَلاَ يَقُومُ بِهِ إِلاَّ مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمًا غَامِضًا (*) وَاطِّلاَعًا حَاوِيًا وَإِدْرَاكًا لِمَرَاتِبِ الرُوَاةِ، وَمَعْرِفَةً ثَاقِبَةً» (٤).
وهنا ندرك سر اعتماد ابن حجر في تأليف كتابه " المقترب في بيان المضطرب " (٥) على كتاب " العلل " للدارقطني (٦)، فالموضوع متقارب، والأمثلة متشابهة. ولعل هذا يعطينا فكرة عن رغبة أهل الحديث في تفريع الأقسام، وتنويع أوصاف الروايات ولو أمكن تشابكها أو تداخل بعض أقسامها. ولا يتناقض هذا التداخل، مع ما عرفناه عن أهل الحديث من الدقة، لأنهم لاحظوه أثناء التفريع والتنويع، فما كان صَالِحًا لوصفه بالاضطراب من وجه، يصلح لوصفه بالاعتلال من آخر. وهكذا.
_________________
(١) ص ٩٨ - ١٠٣.
(٢) ص ٨٩ - ٩١ غير أن السيوطي يستشهد به - في الوقت نفسه - على مضطرب المتن ويقول: «وَعِنْدِي أَنَّ أَحْسَنَ مِثَالٍ لِذَلِكَ: حَدِيثُ البَسْمَلَةِ السَّابِقِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ أَعَلَّهُ بِالاِضْطِرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالمُضْطَرِبُ يُجَامِعُ المُعَلَّلَ ; لأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ عِلَّتُهُ ذَلِكَ». " التدريب ": ص ٩٥.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٣٧.
(٤) ذكره في " التوضيح ": ٢/ ٣٦، ٣٧.
(٥) " التدريب ": ص ٩٥.
(٦) نفسه: ص ٩١. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في بعض كتب علوم الحديث (غَايِصًا). ويراد بالغامض: المحض.
[ ١٩٠ ]
والاضطراب يدخل في بعض الصور في قسم الصحيح والحسن (١):
وذلك إذا وقع الاختلاف في نسب راو أو اسمه أو اسم أبيه مع أنه راو ثقة، فالحديث الذي هذا شأنه يسمى " مضطربًا " ولكن تسميته بذلك لا تنفي عنه الحكم بالصحة أو الحسن. إنما يكون الاضطراب الموجب للضعف في مثل ما ذكرناه قبل من صور المضطرب مَتْنًا أَوْ سَنَدًا (٢).
السَّابِعُ - المَقْلُوبُ:
المقلوب هو الحديث الذي انقلب فيه على أحد الرواة لفظ في المتن، أو اسم رجل أو نسبه في الإسناد، فقدم ما حقه التأخير، أو أخر ما حقه التقديم، أو وُضِعَ شيء مكان شيء (٣). وواضح من التعريف
أن القلب يكون في المتن كما يكون في الإسناد.
فمثال المقلوب في المتن: ما رواه مسلم فِي السَبْعَةٌ الذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» فالحديث في " الصحيحين " هكذا لفظه: «حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ» (٤).
_________________
(١) عبارة السيوطي في، " التدريب ": ص ٦٥، فيما يتعلق بهذه القضية، منقولة من " مختصر " الزركشي الذي يقول: «وَقَدْ يَدْخُلُ القَلْبُ وَالشُّذُوذُ وَالاِضْطِرَابُ فِي قِسْمِ الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ».
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ٧٨.
(٣) أخذنا هذا التعريف من مجموع ما قيل في اقسام المقلوب.
(٤) عبارة الحديث هي هذه: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ [فِي] المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: =
[ ١٩١ ]
ولكن المتن انقلب على أحد الرواة، فقدم اليمين وَأَخَّرَ الشمال، وكان عليه أن يفعل العكس.
ومثال المقلوب في الإسناد التقديم والتأخير في الأسماء، كَمُرَّةَ بْنَ كَعْبٍ وَكَعْبَ بْنَ مُرَّةَ، لأن أحدهما اسم أبي الاَخر (١). وقد عني بهذا القسم عناية خاصة الخطيب في كتابه " رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب " (٢).
والقلب في المثالين وقع سَهْوًا لاَ عَمْدًا، وكان مع ذلك مُوجِبًا لضعف الحديث ولو أنه وقع عَمْدًا لاَ سَهْوًا، لكان القلب حينئذ ضَرْبًا من الوضع والاختلاق (٣).
من ذلك أن يكون الحديث مشهورًا براو أو بإسناد، فيعمد بعض الوضاعن إلى إبدال الراوي بغيره لأن الناس أشد رغبة في حديثه (٤)، كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم بن عبد الله (٥)، فيجعله عن نافع (٦)، أو يأتي بإسناد مكان
_________________
(١) = إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ - ﷿ -، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». انظر " شرح النخبة ": ص ٢٢ وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ١٠٦.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ٩٧ نقلًا عن " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٤) " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٥) " التوضيح ": ٢/ ٩٩.
(٦) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. من سادات التابعين وعلمائهم، وأحد فقهاء المدينة السبعة. توفي بالمدينة سَنَةَ ١٠٦ هـ. (" تهذيب التهذيب ": ٣/ ٤٣٦).
(٧) هو أحد أئمة التابعين بالمدينة، نافع المدني، أبو عبد الله، أصابه عبد الله بن عمر صغيرًا في بعض مغازيه، وأرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلم أهلها السنن. ثقة كثير الرواية للحديث. توفي سَنَةَ ١١٧ هـ. (انظر " التهذيب ": ١٠/ ٤١٢)»»
[ ١٩٢ ]
إسناد، كما روي عن حماد بن عمرو النَّصِيبِي الكذاب (١) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي الطَّرِيقِ، فَلاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ»: فقد قلب حماد هذا الحديث، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢).
وكان كثير من أهل الحديث يمتحنون الرواة بقلب الأحاديث وإدخالها عليهم (٣)، ليعرفوا مدى قبولهم للتلقين (٤)، غير قاصدين إلى الوضع، ولا معتقدين أن ما قلبوه استقر حديثًا (٥). روى الخطيب من طريق أحمد بن منصور الروباذي قال: خرجت مع أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: «أُرِيدُ أَنْ أَمْتَحِنَ أَبَا نُعَيْمٍ»، فنهاه أحمد، فلم ينته، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على كل عشرة أحاديث حَدِيثًا ليس من حديثه، ثم أتينا أبا نعيم، فخرج إلينا فجلس على دكان حذاء بابه وأقعد أحمد عن يمينه ويحيى عن يساره، وجلست أسفل، فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت، ثم الحادي عشر. فقال أبو نعيم: «لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِي، فَاضْرِبْ»،
_________________
(١) قال فيه البخاري: «مُنْكَرُ الحَدِيثِ». وقال النسائي: «مَتْرُوكٌ». وقال الجوزقاني: «كَانَ يَكْذِبُ». وقال ابن حبان: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ وَضْعًا» (ذكره في " الميزان "). وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ١٠١.
(٢) وبهذا الإسناد الأخير رواه مسلم في " صحيحه " من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن سهيل. وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ١٠١.
(٣) " الجامع ": ١/ ١٧.
(٤) " التوضيح ":٢/ ١٠٢.
(٥) " التدريب ": ص ١٠٧.»»
[ ١٩٣ ]
ثم قرأ العشرة الثانية، وقرأ الحديث الثاني، فقال: «وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِي، فَاضْرِبْ عَلَيْهِ»، ثم قرأ العشرة الثالثة، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم ثم قبض على ذراع أحمد، ثم قال: «أَمَّا هَذَا فَوَرَعُهُ يَمْنَعُهُ عَنْ هَذَا، وَأَمَّا هَذَا - وَأَوْمَأَ إِلَيَّ - فَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ هَذَا، وَلَكِنْ هَذَا مِنْ عَمَلِكَ يَا فَاعِلُ! » ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين حتى قلبه عن الدكان، ثم قام فدخل داره فقال له أحمد: «أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا وَأَقَُلْ لَكَ إِنَّه ثَبْتٌ؟» فَقَالَ يَحْيَى: «هَذِهِ الرَّفْسَةُ أَحَبُّ إِلَيَِّ مِنْ سَفَرِي!» (١)
ولكن النقاد لا يحبون هذا النوع من الأغلوطات لنهي الرسول - ﷺ - عنها (٢). وقد أنكر حرمي على شعبة لما قلب أحاديث عن ابان بن أبي عياش وقال: «يَا بِئْسَ مَا صَنَعَ» (٣).
ومعرفة قلب الحديث تحتاج إلى علم واسع، وتمرس وثيق بالروايات والأسانيد. وإنه ليستدل على مهارة المحدث باكتشافه ما يقع في الأحاديث من قلب. فهذا الخطيب يروي في هذا المجال عن البخارى ما يكبره في أعيننا، ويعظمه في نفوسنا. قال: «فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعُوا - أي علماء بغداد حين قدم عليهم البخاري -، وَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ، فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وَأَسَانِيدَهَا، وَجَعَلُوا مَتْنَ هَذَا الإِسْنَادِ لإِسْنَادٍ آخَرَ، وَإِسْنَادَ هَذَا المَتْنِ لِمَتْنٍ آخَرَ، وَدَفَعُوهَا إِلَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ، إِلَى كُلِّ رَجُلٍ عَشَرَةً، وَأَمَرُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا المَجْلِسَ يُلْقُونَ ذَلِكَ عَلَى البُخَارِيِّ. وَأَخَذُوا الوَعْدَ لِلْمَجْلِسِ، فَحَضَرَ المَجْلِسَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ مِنَ الغُرَبَاءِ مِنْ أَهْلِ
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ١٠٢، ١٠٣.
(٢) نفسه: ٢/ ١٠٢.
(٣) " التدريب ": ص ١٠٧.
[ ١٩٤ ]
خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ وَمِنَ البَغْدَادِيِّينَ. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ بِأَهْلِهِ، انْتُدِبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ العَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَسَأَلَهُ عَنْ آخَرَ فَقَالَ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَمَا زَالَ يُلْقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالبُخَارِيُّ يَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَكَانَ الفُقَهَاءُ مِمَّنْ حَضَرَ المَجْلِسَ يَلْتَفِتُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقُولُونَ: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ يَقْضِي عَلَى البُخَارِيِّ بِالعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ، وَقِلَّةِ الْفَهْمِ. ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ المَقْلُوبَةِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي إِلَيْهِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالْبُخَارِيُّ يَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ إِلَى تَمَامِ العَشَرَةِ، حَتَّى فَرَغُوا كُلُّهُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ المَقْلُوبَةِ، وَالبُخَارِيُّ لاَ يَزِيدُهُمْ عَلَى: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَلَمَّا عَلِمَ البُخَارِيُّ أَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا، الْتَفَتَ إِلَى الأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَمَّا حَدِيثُكَ الأَوَّلُ، فَهُوَ كَذَا، وَحَدِيثُكَ الثَّانِي فَهُوَ كَذَا، وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ عَلَى الوَلاَءِ»، حَتَّى أَتَى عَلَى تَمَامِ العَشَرَةِ، فَرَدَّ كُلَّ مَتْنٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَكُلَّ إِسْنَادٍ إِلَى مَتْنِهِ، وَفَعَلَ بِالآخَرِينَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَدَّ مُتُونَ الأَحَادِيثِ إِلَى أَسَانِيدِهَا، وَأَسَانِيدَهَا إِلَى مُتُونِهَا، فَأَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالحِفْظِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْفَضْلِ (١).
ومنشأ الضعف في الحديث المقلوب قلة الضبط، لما يقع فيه من تقديم وتأخير واستبدال شيء بشيء. وهو - فوق ذلك - يخل بفهم السامع ويحمله على الخطأ (٢).
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٠٦، ١٠٧، و" التوضيح ": ٢/ ١٠٤، و" ألفية السيوطي ": ص ١٢٢ هامش.
(٢) " التوضيح ": ٢/ ١٠٣.
[ ١٩٥ ]
الثَّامِنُ - الشَّاذُّ: (١)
تعريف الشاذ عسير، ولعسره لم يفرده العلماء بالتصنيف (٢)، غير أن أهم ما يلاحظ فيه معنيان: الانفراد والمخالفة، فهو- بصورة عامة - ما رواه الثقة مُخَالِفًا الثقات، وهو - بتعبير أدق - «مَا رَوَاهُ المَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ»، وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن هذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح (٣).
ويوشك ابن حجر، بهذا التعريف المعتمد للشاذ، أن يقرب شقة الخلاف بين اصطلاحيين مشهورين يظن الناس تضاربهما. وقد نسب هذان المصطلحان إلى كل من الإمام الشافعي (٤)، والحاكم.
أما الشافعي فيقول: «لَيْسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ مَا لا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ، هَذَا لَيْسَ بِشَاذٍّ، إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ:
_________________
(١) سمي شَاذًّا لانفراده، لأن الشاذ منفرد عن الجمهور. (" التوضيح ": ١/ ٣٧٧).
(٢) " التدريب ": ص ٨١.
(٣) " شرح النخبة ": ص ١٤.
(٤) الإمام الشافعي أشهر من أن يُعَرَّفَ بِهِ. فهو الإمام الذي ملأ طباق الأرض علمًا، وصاحب المذهب المُسَمَّى باسمه، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وإلى جده الأخير هذا نسب فعرف بالشافعي. وهو قرشي مطلبي مكي، كنيته أبو عبد الله، وكانت أمه أزدية. حدث عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الملك بن الماجشون، وأخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزنجي. له كتب كثيرة في التفسير والحديث والفقه والأدب، ولكن أشهرها " الرسالة "، وله كذلك " الأم " و" المبسوط ". توفي بمصر سَنَةَ ٢٠٤ هـ عن أربع وخمسين سَنَةً.
[ ١٩٦ ]
هَذَا الشَّاذُّ مِنَ الْحَدِيثِ» (١). والناس، في قول الشافعي، هم الثقات، فكأنه يقول: «الشَّاذُّ مَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا الثِّقَاتَ»، وهو إذن لا يلاحظ مطلق التفرد، بل التفرد والمخالفة في آن واحد، إلا أنه لم يصرح بأن المخالفة للأولى أو الأوثق، وإنما هي مخالفة عامة للناس «الثِّقَاتَ».
وبهذا الاصطلاح أخذ كثير من علماء الحجاز (٢)، وانتصر له ابن الصلاح، واستنتج منه ابن كثير أن الثقة إذا روى ما لم يرو غيره «مَقْبُولٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا حَافِظًا، فَإِنَّ هَذَا لَوْ رَدَّ لَرُدَّتْ أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، وَتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ المَسَائِلِ عَنْ الدَّلائِلِ» (٣).
وأكد هذا الاصطلاح العلامة ابن القيم (٤) بعبارة قاطعة فقال: « وَإِنَّمَا الشُّذُوذُ أَنْ يُخَالِفَ الثِّقَاتَ فِيمَا رُوَوْهُ، فَأَمَّا إذَا رَوَى الثِّقَةُ حَديثًا مُنْفَرِدًا بِهِ لَمْ يَرْوِ الثِّقَاتُ خِلاَفَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسَمَّى شَاذًّا. وَإِنْ اِصْطُلِحَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ شَاذًّا بِهَذَا المَعْنًى لَمْ يَكُنْ هَذَا الاِصْطِلاحُ مُوجِبًا لِرَدِّهِ وَلاَ مُسَوِّغًا لَهُ» (٥).
وأما الحاكم فيرى أن «الشَّاذَّ حَدِيثٌ [يَتَفَرَّدُ] بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ مُتَابِعٌ لِذَلِكَ الثِّقَةِ» (٦). فهو يعتبر قيد التفرد بلفظ صريح، أما قيد المخالفة فيعتبره أيضًا - في نظرنا - ولكن بلفظ غير صريح، فلو
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٩. وعنه باختلاف يسير " التدريب ": ص ٨١ و" التوضيح ": ١/ ٣٧٧.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦١.
(٣) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦٢، ٦٣.
(٤) هو الإمام الكبير، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الذرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، الحنبلي، المُتَوَفَّى ٧٥١ هـ.
(٥) " إغاثة اللهفان ": ص ١٦٠ في الرد على من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثًا بأنها كانت واحدة على عهد الرسول وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر.
(٦) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٩.
[ ١٩٧ ]
كان للحديث أصل متابع للراوي الثقة لما كان مخالفًا الناس أو الثقات، والحاكم - كما رأينا - يشترط في الشاذ فقدان الأصل المتابع، فكأنه يشترط المخالفة ويعتبرها. وما لنا نذهب بعيدًا وقد كفانا بنفسه التخبط في فهم تعريفه، فأزال كل لبس حين عقب على ذلك مباشرة بتعريف الشافعي للشاذ، قاصدًا إلى إظهار التماثل بين رأيه ورأي هذا الإمام العظيم، وقد بلغ به استشعاره هذا التماثل حد الإتيان بشاهد واحد على الشاذ، تاركًا لك الخيار أن تجعله مثالًا على تعريفه الخاص أو على تعريف الشافعي. قال: «وَمِثَالُهُ مَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ، فَصَلاهَا مَعَ المَغْرِبِ».
يعلّق الحاكم على هذا المثال بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ رُوَاتُهُ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، وَهُوَ شَاذُّ الإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ لا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً نُعَلِّلَهُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الحَدِيثُ عِنْدَ اللَّيْثِ، [عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ]، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنَا بِهِ الحَدِيثَ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ لَعَلَّلْنَا بِهِ، فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ لَهُ العِلَّتَيْنِ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا، ثُمَّ نَظَرْنَا، فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رِوَايَةً، وَلا وَجَدْنَا هَذَا المَتْنَ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَلا عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ
[ ١٩٨ ]
جَبَلٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، فَقُلْنَا الحَدِيثُ شَاذُّ» (١).
وإنما حرص الحاكم على اْن يقصي عن هذا الحديث معنى العلة، فصرح بأنه لم يعرف له علة يعله بها، وأنه خرج عن أن يكون معلولًا، لما يستشعره في الشاذ من صعوبة تشبه صعوبة المعلل، فهو مما «يَنْقَدِحُ فِي نَفَسِ النَّاقِدِ أَنَّهُ غَلِطَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ» (٢)، ولذلك اضطر الحاكم إلى التفرقة بينهما، فرأى «المَعْلُولَ مَا يُوقَفُ عَلَى عِلَّتِهِ، أَنَّهُ [دَخَلَ] حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ، أَوْ وَهِمَ فِيهِ رَاوٍ أَوْ أَرْسَلَهُ وَاحِدٌ، فَوَصَلَهُ وَاهِمٌ» (٣)، فهو - على خفاء علته وغموضها - يمكن الوقوف عليه، لكن الشاذ «أَدَقُّ مِنَ المُعَلَّلِ، فَلاَ يُوقَفُ عَلَى عِلَّتِهِ، وَلاَ يُتَمَكَّنُ مِنَ الحُكْمِ بِهِ إلاَّ مَنْ مَارَسَ هَذَا الفَنَّ غَايَةَ المُمَارَسَةِ، وَكَانَ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ الفَهْمِ الثَّاقِبِ وَرُسُوخِ القَدَمِ فِي الصِّنَاعَةِ، وَرَزَقَهُ اللهُ نِهَايَةَ المَلَكَةِ» (٤).
ودقة الشاذ تنشأ غالبًا عن تعذر الحكم بفقدان الأصل المتابع له، لما يستدعيه الوقوف على ذلك من البحث والتقصي، ولعل دقة الشاذ أو صعوبته - على هذا النحو الذي بالغ فيه الحاكم - أن تكون السبب الجوهري في الاعتقاد بتفرده في تعريف الشذوذ، وابتعاده فيه عن رأي الجمهور. ولذلك ضعف ابن الصلاح رأي الحاكم، واعترض على تعريفه بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنه
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٩، ١٢٠.
(٢) " التدريب ": ص ٨١. وقارن بـ " ألفية السيوطي ": ص ٩٢ هامش.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ١١٩. وقارن بما ذكرناه في المعلل.
(٤) " التوضيح ": ١/ ٣٧٩. وقارن بما ذكرناه عن علل الحديث.
[ ١٩٩ ]
تفرد به عمر، وعنه علقمة، وعنه محمد بن إبراهيم التَّيْمِيِّ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري (١). على أننا نبهنا إلى بعض المتابعات الغرائب التي أحصاها العلاء لهذا الحديث، واتضح لنا - من تعليقات النقاد - أن الحديث رغم المتابعات لم يصح من طريق عمر إلا الطريق المتقدمة (٢).
ولقد زعم ابن العربي أنه روى حديث النية من ثلاثة عشر طريقًا، فطعن عليه بعض أهل بلدته لما لم يبرز لهم بيان ما ادعاه من الطريق، فقال:
يَا أَهْلَ حِمْصَ (٣) وَمَنْ بِهَا أُوصِيكُمُ بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى وَصِيَّةَ مُشْفِقِ
فَخُذُوا عَنِ العَرَبِيِّ أَسْمَارَ الدُّجَى وَخُذُوا الرِّوَايَةَ عَنْ إِمَامٍ مُتَّقِ
إِنَّ الفَتَى ذَرِبُ اللِّسَانِ مُهَذَّبٌ إِنْ لَمْ يَجِدْ خَبَرًا صَحِيحًا يَخْلَقُ (٤)
وإذا لم يسلم للحاكم حديث النية هذا مثالًا عن الشاذ، لأنه - على تفرده - صحيح، والصحيح لا يكون شَاذًّا، فما أكثر الأمثلة التي ذكرها الجمهور استشهادًا على الشاذ في تعريفه المعتمد، وهي - في الوقت نفسه - صالحة للاستشهاد على تعريف الحاكم، إذ كانت مخالفة الثقات فيها صورة من فقدان الأصول المتابعات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦١. وقارن بما ذكرناه عن الآحادي حين يستفيض: ص ١٥٠.
(٢) راجع ص ٥٩ ح ١ من كتابنا هذا.
(٣) أراد الشاعر بحمص إشبيلية لأنه يقال لها ذلك، وابن العربي من إشبيلية.
(٤) " التوضيح ": ١/ ٣٨١.
[ ٢٠٠ ]
صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ (١): «خَالَفَ عَبْدُ الوَاحِدِ العَدَدَ الكَثِيرَ فِي هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا رَوَوْهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لاَ مِنْ قَوْلِهِ: وَانْفَرَدَ عَبْدُ الوَاحِدِ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتِ أَصْحَابِ الأَعْمَشِ بِهَذَا اللَّفْظِ» (٢).
والنقاد يذكرون في هذا الباب تعريفًا لأَبِي يَعْلَى الخليلي (٣) يحكي به رأي حفّاظ الحديث في الشاذ، فهو عندهم ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به ويرد ما شذ به غير الثقة (٤). وكان على ابن الصلاح والعلماء أن يضعفوا هذا الرأي كما ضعفوا رأي الحاكم، ولكن بين الرأيين فرقًا واضحًا، فإذا أمكن رد تعريف الحاكم إلى رأي الجمهور، فمن المتعذر التوفيق بين ما حكاه الخليلي وما ذهب إليه الجمهور، لأن الخليلي جعل الشاذ مطلق التفرد بدون اعتبار المخالفة (٥)، فيَ حين راعى الجمهور قيد تفرد
الثقة، وقيد مخالفة الثقات. ولا يشفع للخليلي إلا أنه يحكي رأي حفاظ
_________________
(١) الإمام البيهقي هو أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر، منسوب الى بيهق، وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها. وللبيهقي كتب كثيرة قيل إنها نحو الألف، وأشهرها كتاب " السنن الكبرى "، و" دلائل النبوة ". توفي البيهقي سَنَةَ ٤٥٨ هـ. (" الرسالة المستطرفة ": ص ٢٥، ٢٦).
(٢) " التدريب ": ص ٨٢. وهذا مثال على شاذ المتن، لأن عبد الواحد بن زياد تفرد بهذا اللفظ، بينما رواه ثقات أصحاب الأعمش من فعل النبي - ﷺ - لا من قوله.
(٣) هو القاضي الحافظ الخليل بن عبد الله القزويني، المتوفى سنة ٤٤٦ هـ. له " الإرشاد في علماء البلاد " ذكر فيه المحدثين وغيرهم من العلماء على ترتيب البلاد إلى زمانه. ثم رتبه على الحروف ابن قطلوبغا (- ٨٧٩ هـ) (" الرسالة المستطرفة ": ص ٩٧).
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦١.
(٥) " التدريب ": ص ٨١.
[ ٢٠١ ]
الحديث في الشاذ، فما هو عنده بالاصطلاح الخاص، وهو - في الحقيقة - حكى تعريف الشافعي للشاذ الذي أخذ به الجمهور (١) فهو في كلتا الحالتن ليس إلا ناقلًا لآراء العلماء بدقة وأمانة (٢).
على أن تعريف الشاذ - كما حكاه الخليلي - لَوْ سُلِّمَ لترتبت عليه نتائج خطيرة في مصطلح الحديث: فهذا التعريف يسمح في بعض الأحوال بوصف «الصحيح» بالشذوذ. مع أننا اشترطنا في الصحيح سلامته من كل شذوذ، كسلامته من كل علة. إلا اننا - كما رأينا فيما سَمَّاهُ الخليلي بالصحيح المعلول أنه لا يقصد به التَّقَيُّدَ بِالاِصْطِلاَحِ (٣). - نرى هنا فيما يحكيه عن تسمية الصحيح شَاذًّا (إذا لم يكن له إلا إسناد واحد شذ به ثقة)، أنه للمرة الثانية لا يريد التقيد بالاصطلاح العام المشهور، وأنه - رغم حكايته هذا التعريف الغريب للشاذ - ما كان آخذًا إلا برأي الجمهور، يزيدنا ثقة بذلك أنه هو أيضًا حكى ذلك الرأي المشهور.
فالصحيح إذن أنه لا بد في الشاذ من اشتراط التفرد والمخالفة، وبهما نُحِّيَ عن كل حديث وُسِمَ بالصحة، فعد خالصًا للضعف، ووسعنا إدراجه في الأنواع المختصة بالضعيف. أما تفرد الثقة أو غير الثقة، بغير شرط المخالفة، فإنه ضرب من التفرد المطلق الذى يوصف به الحديث «الفرد» وسنذكره
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦١.
(٢) وبهذا دافع صاحب " التوضيح ": ١/ ٣٨٤ عن الخليلي.
(٣) راجع أيضًا أواخر بحث المعلل من كتابنا هذا.
[ ٢٠٢ ]
في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فلا مسوغ لتداخله هنا مع الشاذ بوجه من الوجوه.
وأما التوقف فما شذ به الثقة، وَرَدَّ ما شذ به غير الثقة، فأمران يتعلقان بالاحتجاج وعدمه، فلا أثر لهما في الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف. لذلك عددنا في ألقاب الصحيح والحسن «الصالح» لصلاحيتهما للاحتجاج، فغيرهما - وهو الضعيف - ليس صالحًا ولا يحتج به، بل هو مردود. والخلاصة أن تنوع الأوصاف والألقاب لا يرادف دائمًا تنوع الأقسام والمصطلحات (١).
التَّاسِعُ - المُنْكَرُ:
أدق تعاريف المنكر هو أنه الحديث الذي يرويه الضعيف مُخَالفًا رواية الثقة. وهو يباين الشاذ، إذ أن راوي الشاذ ثقة. بينما راوي المنكر ضعيف غير ثقة. وقد لوحظ في المنكر أنه مقابل للمعروف (٢) كما لوحظ في الشاذ أنه مقابل للمحفوظ (٣)، لأن راوي المناكير إنما يخالف ما عُرِفَ واشتهر وإن
_________________
(١) نعتذر للقارئ الكريم لاضطرارنا إلى مناقشة الآراء المختلفة في الشاذ، فقد وعدناه ألا نخوض في الجدل، ولكن لم يسعنا الإغضاء على ما يظن من تضارب التعاريف حول الشاذ، فحاولنا التوفيق بين تلك الآراء ما أمكن، لاستحالة الأخذ بأحدها دون نقاش.
(٢) لأن المنكر لغة اسم مفعول من أنكره بمعنى جحده أو لم يعرفه. ويلاحظ أن المحدثين يراعون المعنى اللغوي في مصطلحاتهم الخاصة.
(٣) وقد أشرنا إلى ذلك في بحثنا الألقاب المشتركة بين الصحيح والحسن، وراجع ص ١٦١ بوجه خاص.
[ ٢٠٣ ]
لم يحفظ، فالحفظ درجة من الضبط أبعد ما تكون عن مثل هذا الراوي الضعيف. أما راوي الشواذ فهو ثقة، وغالبًا ما يكون مع توثيقه حافظًا ضابطًا، إلا أنه خالف من هو أوثق منه ضبطًا وإتقانًا، فهو لم يخالف ما عرف واشتهر فقط بل خالف ما حفظ وأتقن أيضًا. قال ابن حجر: «وَزِيادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقَعْ مَنَافِيَةً لِرِوَاِيَةِ مِنْ هُوَ أَوْثَقُ، فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحِ مِنْهُ لِمَزِيدِ ضَبْطٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ المَرْجُوحُ يُقَالُ لَهُ الشَّاذُّ. وَإِنَّ وَقَعَتْ المُخَالَفَةُ لَهُ مَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ المُنَكَرُ» (١).
لكن ابن الصلاح ذهب إلى ترادف المنكر والشاذ، إذ نقل عن البَرْدِيجِيِّ (٢) في تعريف المنكر «أَنَّهُ هُوَ الحَديثُ الذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّجُلُ، وَلاَ يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَاِيَتِهِ، لاَ مِنَ الوَجْهِ الذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلاَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ» (٣)، وكأنه بعبارة أوضح لا يلاحظ في المنكر إلا مطلق التفرد. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث (٤). والتفرد على إطلاقه منه المقبول، ومنه المردود «فَإذَا تَفَرَّدَ الرَّاوِي بِشَيْءٍ نُظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مِنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالحِفْظِ لِذَلِكَ وَأَضْبَطَ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُخَالِفَةً لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا هُوَ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ١٢ - ١٤. وقارن مرة أخرى بما ذكرناه ص ١٦١.
(٢) هو الحافظ أبو بكر، أحمد بن هارون البرديجي، نسبة إلى برديج قرب بردعة - بإهمال الدال - بلد بأذربيجان، ويقال له البردعي أيضًا.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٤، ٥.
(٤) نفسه: ٢/ ٦.
[ ٢٠٤ ]
أَمْرٌ رَوَاهُ هُوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الرَّاوِي المُنْفَرِدِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَافِظًا مَوْثُوقًا بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ قَبْلَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُقْدَحْ الاِنْفِرَادُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ لِذَلِكَ الذِي اِنْفَرَدَ بِهِ كَانَ اِنْفِرَادُهُ خَارِمًا لَهُ مُزَحْزِحًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الصَّحِيحِ» (١). ويكاد ابن الصلاح بتفصيله أنواع التفرد المطلق يشير إلى انقسام المنكر إلى ما ينقسم إليه الشاذ. ففي كل منهما مخالفة لمن هو أرجح، وفي كل منهما مقبول ومردود، فلا بدع إذا كان كلام ابن الصلاح صريحًا في أن المنكر والشاذ بمعنى (٢).
ولكن القول بترادف الشاذ والمنكر بعيد، وقد نبه السيوطي على بعده بقوله في " ألفيته ":
المُنْكَرُ الذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
قَابَلَهُ المَعْرُوفُ، وَالذِي رَأَى تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى (٣)
وهو يقصد ابن الصلاح الذي نأى عن الأرجح وَبَعُدَ حين رأى ترادف الاصطلاحين، وهو ما قصده ابن حجر أيضًا حين قال: «وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا» (٤).
ومن أوضح أمثلة المنكر ما رواه ابن أبي حاتم (٥) من طريق حَبيبٍ بْنِ
_________________
(١) " التوضيج ": ٢/ ٤ هامش.
(٢) " التدريب ": ص ٨٢.
(٣) " ألفية السيوطي في مصطلح الحديث ": ص ٩٣، البيتان: ١٨٠، ١٨١.
(٤) " شرح النخبة ": ص ١٤.
(٥) هو الحافظ ابن الحافظ، عبد الرحمن بن أبي حاتم، محمد بن إدريس بن المنذر الرازي. حافظ الري. له مسند في ألف جزء (" الرسالة المستطرفة ": ص ٥٤).
[ ٢٠٥ ]
حبيب - وهو أخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ (١) - عَنْ أَبي إِسْحَاقَ عَنْ العَيْزارِ بنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وَحَجَّ البَيْتَ وَصَامَ وَقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ» قالَ أَبُو حَاتِمٍ: «وَهُوَ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عن أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (٢).
ومما ينبغي التيقظ له أن بعض الأئمة أطلقوا لفظ المنكر على مجرد التفرد (٣)، فكان لا بد من أمارات على النكارة حتى لا تشتبه صورتها بصورة غيرها. وعلامة المنكر في حديث المحدث أنه إذَا عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم يكذبوا فيها (٤).
وقد يذكر المحدثون في اصطلاحهم «هَذَا أَنْكَرَ مَا رَوَاهُ فُلاَنٌ»، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، كَقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ: «أَنْكَرُ مَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا "». قَالَ: «وَهَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ قَوْمٌ فِي صِحَاحِهِمْ» (٥).
العَاشِرُ - المَتْرُوكُ:
المتروك في اصطلاح المحدثين هو «الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِدٌ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ أَوْ ظَاهِرَ الفِسْقِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، أَوْ كَثِيرِ الغَفْلَةِ، أَوْ
_________________
(١) هو أحد القراء السبعة المشاهير، كان مولى لعكرمة بن ربيع التيمي، قرأ على الأعمش عن يحيى بن وثاب.
(٢) " شرح النخبة ": ص ١٤.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٦.
(٤) نفسه: ٢/ ٧.
(٥) " التدريب ": ص ٨٥.
[ ٢٠٦ ]
كَثِيرَ الوَهْمِ» (١)، كَحَدِيثِ صَدَقَةُ بْنَ مُوسَى الدَّقِيقِيِّ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢)، وحديث عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيُّ عَنْ الحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ (٣).
• • •
وهذه الأنواع العشرة التي سلكناها في عداد الضعيف الخالص للضعف، ليست على درجة واحدة من الضعف، بل تتفاوت تَبَعًا لحال رواتها، فمن الضعيف أضعف، كما أن من الصحيح أصح. وقد ساق الحاكم أبو عبد الله تفصيلًا دقيقًا لأوهى أسانيد الرجال والبلاد في كتابه " معرفة علوم الحديث " (٤).
هل الموقوف والمقطوع من الأحاديث الضعيفة؟:
----------------------------------------------
لم نسرد من أقسام الحديث الضعيف حتى الاَن - تَبَعًا لما انتهجناه في مستهل بحثنا له - إلا ما أخذ اسْمًا خَاصًّا به. وأما ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخص باسم معين، فقد اكتفينا بمجرد الإشارة الإجمالية إليه.
وجدير بنا - قبل أن ننتقل إلى (القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف) - أن نثير قضيتن إحداهما تتعلق بالموقوف والمقطوع هل يوصفان بالضعف؟ والأخرى تتصل بحكم رواية الاْحاديث الضعيفة والعمل بها.
_________________
(١) " ألفية السيوطي ": ص ٩٤ هامش.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ٥٧.
(٣) قارن بـ " التدريب ": ص ٨٤ بـ " شرح النخبة ": ص ١٤، و" معرفة علوم الحديث ": ص ٥٦.
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ص ٥٦ - ٥٨.
[ ٢٠٧ ]
يُقْصَدُ بِالْمَوْقُوفِ «مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ فِعْلٍ، كأن يقول الراوي: قال عمر بن الخطاب كذا، أو فعل علي بن أبي طالب كذا، أو فُعِلَ كيت وكيت أمام أبي بكر فأقره ولم ينكره.
فالقول أو الفعل أو التقرير الذي يفترض أن يكون صادرًا عن النبي - ﷺ - نفسه، يصدر في " الموقوف " عن الصحابي. ومن هنا اتجه تفكير بعض العلماء إلى ضعف " الموقوف " (١) لأن للحديث المروي عن رسول الله المنتهي إليه قداسة ليست لحديث سواه ولو كان صحابيًا جليلًا. على أننا لا نجد مسوغًا لإضعاف الموقوف «إِطْلاَقًا» بهذا السبب، لأننا حين نحكم له بالصحة أو الحسن إذا توافرت فيه شروط أحدهما نعلم يقينًا أننا نصحح أو نحسن حديث الصحابي لا حديث رسول الله - ﷺ -، فلم نكذب - والحال هذه - عليه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لا ساهين ولا متعمدين، ولم نضع في فيه ما لم يتلفظ به. ووصفنا «لِلْمَوْقُوفِ» بالصحة أو الحسن لا يعني وجوب عملنا به، وإنما نبيح لأنفسنا العمل بما ثبت منه أنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه (٢)، لأن الصحابي في مثل ذلك لا يقول ولا يفعل ولا يقر إلا ما تحققه بنفسه عن النبي - ﷺ -، وعلى ذلك فقول الصحابي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (٣)، وقوله لمن خرج من المسجد والمؤذن يؤذن: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ
_________________
(١) ولذلك عده القاسمي في الأنواع المختصة بالضعيف. وكذلك فعل بالمقطوع. انظر " قواعد التحديث ": ص ١١١. وقارن بـ ص ١٠ من كتابنا هذا.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٢٦.
(٣) " التوضيح ": ١/ ٢٦٢.
[ ٢٠٨ ]
ﷺ» (١)، كلاهما حديث موقوف، وكلاهما مما يجوز لنا العمل به، وعلينا - مع ذلك - أن نتحفظ في الأحاديث الموقوفة على كعب الأحبار، وابن سلام، وابن عمرو بن العاص، لأنهم من الصحابة الذين اشتهروا برواية الإسرائيليات والأقاصيص، ولا سيما ما يتعلق منها بأشراط الساعة وفتن آخر الزمان. وأغلب الأحاديث التي تشتمل على مثل هذه الأخبار ضعيفة، إن لم نقل موضوعة، لكن ضعفها ليس ناشئًا عن وقفها، أو بعبارة أخرى لم تكن ضعيفة لأنها موقوفة، بل نشأ ضعفها عن شذوذ أو علة أو اضطراب فيها، وإلا فهي قابلة كالأحاديث المرفوعة إلى رسول الله - ﷺ - لأن توصف بالصحة أو الحسن أو الضعف، تَبَعًا لحال أسانيدها ومتونها.
وإذا قال الراوي عن الصحابي «يَرْفَعُ الحَدِيثَ» أو «يَنْمِيهِ» أو «يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ -» فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع (٢). بيد أن إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المرفوع إطلاق غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا قي تفسير القرآن. واختلفوا في بعض المسائل والفروع، كما رأينا بعضهم يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب (٣).
أما الحديث «المقطوع» فهو ما روي عن التابعين من قول أو فعل أو تقرير. وللإمام أبي حنيفة رأي مشهور فيه. فهو- على رغم إدراكه عددًا من الصحابة كأنس بن مالك وعبد الله بن عباس - ﵄ - يقول
_________________
(١) نفسه: ١/ ٢٦٨.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٥٠.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ٥٠.
[ ٢٠٩ ]
قولًا صريحًا: «مَا جَاءَ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابِيِّ تَخَيَّرْنَا مِنْهُ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ التَّابِعِينَ فَهُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ».
وأوضح من قوله هذا أنه يجعل «المَقْطُوعَ» ضعيفًا لا يحتج به.
ولذلك مالت مدرسة الرأي- التي هي مدرسته - إلى تفضيل العمل بالقياس الظاهر على العمل بما ورد «مَقْطُوعًا» عن التابعن. بَيْدَ أَنَّ الرأي المختار أن «المَقْطُوعَ» يوصف كذلك بالصحة أو الحسن أو الضعف - تَبَعًا لحال إسناده ومتنه - وأن تصحيحه أو تحسينه لا يعين أنه مأخوذ عن الصحابة، فضلًا عن النبي - ﷺ -، بل يعين مجرد روايته عن التابعين أنفسهم، فلا يجوز أن نحتج منه إلا بما جاء عن أكابر هؤلاء التابعين كسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي ومسروق (١)، الذين أتيح لهم أن يعاصروا أكابر الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.
رِوَايَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالعَمَلِ بِهَا:
------------------------------------
يتناقل الناس هذه العبارة «يَجُوزُ العَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ»،فيسوغون بها جميع ما يتساهلون في روايته من الأحاديث التي لم تصح عندهم، ويدخلون في الدين كثيرًا من التعاليم التي لا تستند إلى أصل ثابت معروف.
وإن هذه العبارة ليست على مر العصور أكثر من صدى لعبارة أخرى مماثلة لها منسوبة إلى ثلاثة من كبار أئمة الحديث، هم أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن
_________________
(١) سبقت ترجمة ابن المسيب والشعبي، أما النخعي فهو إبراهيم بن يزيد بن قيس الكوفي، فقيه العراق. توفي سَنَةَ ٩٦ هـ، وقال الشعبي عنه حين بلغه وفاته: «مَا تَرَكَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَفْقَهَ»، فَقِيلَ لَهُ: وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ؟ قَالَ: وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَلاَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَلاَ الكُوفَةِ، وَلاَ الحِجَازِ وَلاَ الشَّامَ». وأما مسروق فهو ابن الأجدع بن مالك الكوفي، كان فقيهًا من أصحاب عبد الله بن مسعود. توفي سنة ٦٢ هـ.
[ ٢١٠ ]
مهدي وعبد الله بن المبارك، فقد روي عن هؤلاء أنهم كانوا يقولون: «إِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ شَدَّدْنَا، وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ وَنَحْوِهَا تَسَاهَلْنَا» (١).
على أن عبارة هؤلاء الأئمة لم تفهم على وجهها الصحيح، فغرضهم من التشديد ليس مقابلة أحدهما بالآخر كتقابل الصحيح بالضعيف في نظرنا نحن، وإنما كانوا إذا رَوَوْا في الحلال والحرام يتشددون فلا يحتجون إلا بأعلى درجات الحديث، وهو المتفق في عصرهم على تسميته بـ «الصَّحِيحِ» فإن رَوَوْا في الفضائل ونحوها مما لا يمس الحل والحرمة لم يجدوا ضرورة للتشدد وقصر مروياتهم على الصحيح، بل جنحوا إلى قبول ما هو دونه في الدرجة وهو الحسن الذي لم تكن تسميته قد استقرت في عصرهم، وانما كان يعتبر قِسْمًا من الضعيف، في اصطلاح المتقدمين وإن كان في نظرهم أعلى درجة مما يصطلح بعدهم على وصفه بالضعيف (٢). ولو أن الناس فهموا أن تساهل هؤلاء الاْئمة في الفضائل إنما يعني أخذهم بالحديث الحسن الذي لم يبلغ درجة الصحة، لَمَا طَوَّعَتْ لهم أنفسهم أن يتناقلوا تلك العبارة السالفة: «يَجُوزُ العَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ»، فَمِمَّا لاَ رَيْبَ فِيهِ - في نظر الدين - أن الرواية الضعيفة لا يمكن أن تكون مصدرًا لحكم شرعي ولا لفضيلة خلقية، لأن الظن لايغني من الحق شيئًا، والفضائل كالاْحكام من دعائم الدين الأساسية، ولا يجوز أن يكون بناء هذه الدعائم وَاهِيًا، على شفا جرف هار.
لذلك لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال ولو توافرت له جميع
_________________
(١) قارن بـ " الكفاية ": ص ١٣٣.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ١٠١.
[ ٢١١ ]
الشروط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال. والمشهور أن تلك الشروط ثلاثة:
أولًا - ألا يكون المروي شديد الضعف.
ثانيًا - أن يندرج تحت أصل كلي ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة.
ثالثًا - ألا يعارضه دليل أقوى منه.
لا نسلم برواية الضعيف - رغم هذه الشروط - لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جِدًّا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا - رغم توافر هذه الشروط - لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفًا، وإنما يساورنا دائمًا الشك في أمره، ولا ينفع في الدين إلا اليقن.
ومن هنا وجب علينا - حتى في دراسة الحديث وتدريسه - ضرب أمثلة على الضعيف منه أن نتحاشى عند الاستشهاد به كل عبارة تفيد الجزم والتحقيق فلا ننقل حديثًا تيقنا ضعفه قائلين: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -»، حتى لا نوهم السامع أو القارئ أنه صحيح أو حسن، بل نصرح بضعفه، ونشير إلى نوع الضعف من إعلال وإعضال واضطراب وشذوذ ونحو ذلك إن كنا نعلم هذا يقينًا، ونشفع قولنا بأحكام الحفاظ الذين اطلعوا على الطرق المختلفة التي ورد بها هذا الحديث مما استوجب وصفهم له بالضعف.
ونحن إذا أعدنا النظر في الأمثلة المختلفة لأقسام الحديث الضعيف التي درسناها لاحظنا أن ضعفها يعود تارة إلى الإسناد، وتارة أخرى إلى المتن.
[ ٢١٢ ]
وإن هذه الملاحظة لتوجهنا إلى التزام الكثير من الحيطة في حكمنا على حديث ما بالضعف. فإطلاق الحكم بالضعف ليس من دقة المحدثين في شيء، إذ ليس لهذا الاطلاق معنى إلا ضعف الحديث المبحوث عنه إسنادًا ومتنًا في آن واحد، مع أنه يحتمل أن يكون ضعفه في الإسناد فقط، أو في المتن وحده، بل يحتمل أن يكون ضعفه في إسناد معين، بينما تكون بقية أسانيده صحيحة لا يجوز الحكم بضعفها، فعلينا إذا وجدنا حديثًا بإسناد ضعيف أن ندقق في تعبيرنا فنقول: «إِنَّهُ ضَعِيفٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ» (١). ونحتاط كذلك في الحديث الذي وصف بعض الحفاظ متنه بالضعف فنقول: «لَمْ يَرِدْ هَذَا المَتْنُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةً، كَمَا ذَكَرَ الحَافِظُ فُلاَنٌ فِي كِتَابِهِ كَذَا».
على أن باب الاجتهاد لم يقفل في الحديث كما لم يقفل في الفقه، ويجب أن يظل بابه مفتوحًا في كل من هذين العلمين، فكل من أقبل على علم الحديث رواية ودراية وتوافرت فيه شروط الاجتهاد التى كانت تتوافر في الحفّاظ السالفين، جاز له أن يحكم إطلاقًا بضعف حديث ما إن بحث عن جميع طرقه، وغلب على ظنه أن متنه لم يرد بإسناد آخر صحيح.
والناشئ في علم الحديث إذا نقل رواية لا يعلم حالها، أصحيحة
_________________
(١) " الباعث الحثيث ": ص ٩٩.
[ ٢١٣ ]
هي أم ضعيفة، يجب عليه أن يختار للتعبير عنها صيغة التمريض، فيقول مثلًا: «رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَذَا»، أَوْ «بَلَغَنَا كَذَا» (١).
ولا يجوز له أن يذكر بصيغة التمريض هذه حديثًا صحيحًا يرويه بدون إسناده، لما يوهم ذلك من ضعفه، بل يقول جازمًا: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -».
_________________
(١) انظر في " الباعث الحثيث ": ص ١٠٠ تعليقات العلامة أحمد شاكر.
[ ٢١٤ ]
الفَصْلُ الخَامِسُ: القِسْمُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ وَالضَّعِيفِ:
نذكر في هذا القسم المشترك مصطلحات اتضح لنا - استقراءً وبحثًا - أنها لا تختص بنوع معين من الأنواع الرئيسية الثلاثة، بل تشملها جميعًا على سواء، فتكون ألقابًا وأوصافًا لكل من الصحيح والحسن والضعيف.
وهذه المصطلحات عشرون، عرضنا لاثنين منها، وهما الموقوف والمقطوع، فَلَمْ نَرَ بأسا في اتصافهما بالصحة آو الحسن تارة، وبالضعف تارة أخرى، أما المصطلحات الثمانية عشر الباقية فهي: المرفوع والمسند والمتصل، والمؤنن والمعنعن والمعلق، والفرد والغريب، والعزيز والمشهور والمستفيض، والعالي والنازل، والتابع والشاهد والمدرج، والمسلسل، وَالمُصَحَّفُ.
وسندرس بعض هذه المصطلحات زمرًا ثلاثية حيث تتقارب أو تتداخل، وبعضها الآخر زمرًا ثنائية حيث تتعاكس أو تتقابل، لتسهل المقارنة بين
[ ٢١٥ ]
ألقابها وأوصافها، غير أننا سنخصص كُلًاّ من الثلاثة الأخيرة فيها ببحث مستقل، إذ لا تجاوز ولا تضارب بين المدرج، والمسلسل، والمصحف، فلكل واحد منها مفهوم واضح في نفسه، لا تزيده المقارنة بغيره شيئًا.
أ - ١ و٢ و٣ - المَرْفُوعُ وَالمُسْنَدُ وَالمُتَّصِلُ:
المشهور في المرفوع أنه مما أضيف إلى النبي - ﷺ - خاصة من قول أو فعل أو تقرير، سواء أضافه إليه صحابي أم تابعي أم مَنْ بعدهما، وسواء اتصل إسناده أم لا (١).
وواضح من هذا التعريف أن المرفوع لا يكون متصلًا دائمًا، فقد يسقط منه الصحابي خاصة فيكون مرسلًا، أو يسقط من إسناده رجل أو يذكر فيه رجل مبهم فيكون منقطعًا، أو يسقط اثنان فأكثر فيكون مُعضَلًا، وهو في هذه الحالات الثلاث يوصف بالضعف ولو كان مرفوعًا: فليس مجرد رفع الحديث كافيًا لإطلاق الحكم بصحته، بل لا بد من تتتبع الطريق التي رُفِعَ بها ليتبين اتصاله أو انقطاعه من جهة، وَلِتُعْرَفَ دَرَجَةُ رِجَالِهِ إذا اتصل من جهة ثانية. ومن هنا أمكن دخول المرفوع في هذا القسم المشترك، فإن كان في إسناده انقطاع سمي باسم من أسماء الضعيف، تَبَعًا لنوع الانقطاع وإن اتصل إسناده صلح لأن يوصف بالصحيح والحسن، تَبَعًا لدرجة رجاله في الضبط.
ومثال المرفوع من القول أن يقول الصحابي: سمعت النبي - ﷺ - يقول
_________________
(١) " التوضيح ": ١/ ٢٥٤.
[ ٢١٦ ]
كذا، أو حدثنا رسول الله - ﷺ - بكذا، أو يقول هو أو غيره: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنه قال كذا، أو نحو ذلك.
ومثال المرفوع من الفعل أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل كذا، أو يقول هو أو غيره: كان رسول الله - ﷺ - يفعل كذا.
ومثال المرفوع من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ بحضرة النبي - ﷺ - كذا، أو يقول هو أو غيره: فعل فلان بحضرة النبي كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك (١).
ويلاحظ أن المرفوع يُنْظَرُ فيه إلى حل المتن مع قطع النظر عن الإسناد، فكل ما أضيف إلى النبي - ﷺ - كان مرفوعًا (٢). والقول والفعل والتقرير كلها صالحة لأن تسمى «متن الحديث»، إذ لا علاقة بينها وبين الإسناد حين ينظر إليها لذاتها.
أما المسند فهو - على المعتمد - ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - (٣). إلا أن الخطيب يشترط الرفع اشتراطًا أغلبيًا فيقول: «وَصْفُهُمْ لِلْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُسْنَدٌ، يُرِيدُونَ أَنَّ إِسْنَادَهُ مُتَّصِلٌ بَيْنَ رَاوِيهِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذِهِ العِبَارَةَ هُوَ فِيمَا أُسْنِدَ عَنِ النَّبِيِّ
_________________
(١) هذه الأمثلة الثلاثة ذكرها الحافظ ابن حجر في " شرح النخبة ": ص ٢٦، وهي عنده من النوع الذي انتهى لفظه إلى النبي - ﷺ - تصريحًا. وهو يتبعها بأمثلة ثلاثة لما رفع إلى النبي حُكْمًا من قول أو فعل أو تقرير (٢٧ - ٢٨) وأكثر هذه الأمثلة يرد إلى ما ذكرناه في الموقوف فلم نجد موجبًا لإعادة القول فيه.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٢٥٩.
(٣) قارن " قواعد التحديث ": ص ١٠٤ بـ " التوضيح ": ١/ ٢٥٨
[ ٢١٧ ]
ﷺ خَاصَّةً، وَاتِّصَالُ الإِسْنَادِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ السَّمَاعُ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى العَنْعَنَةِ» (١). والمسند، على الأرجح، لا يرادف المرفوع وإن كان لا بد من شرط الرفع فيه: فقد رأينا إمكان الانقطاع في إسناد المرفوع، إذ يتجه النظر فيه إلى حال متنه فقط، فلا يكون كل مرفوع مُسْنَدًا. على حين يجمع المسند شَرْطَيْ الاتصال والرفع، إذُ ينظر فيه إلى الإسناد والمتن فكل مسند متصل لاتصال سنده إلى منتهاه، وكل مسند مرفوع لانتهاء متنه إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - (٢). ولذلك رأى الحاكم أن المسند لا يستعمل إلا في المرفوع المتصل (٣)، وذكر من شرائطه ألا يكون موقوفًا، ولا مرسلًا، ولا معضلًا، ولا في روايته مدلس (٤)، وألا يكون في إسناده «أُخْبِرْتُ عَنْ فُلاَنٍ»، ولا «حُدِّثْتُ عَنْ فُلاَنٍ» ولا «بَلَغَنِي عَنْ فُلاَنٍ»، ولا «رَفَعَهُ فُلاَنٌ»، ولا «أَظُنُّهُ مَرْفُوعًا»، وغير ذلك مما يفسد به (٥).
وما أكثر الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها على المسند، كما عرفناه وفسرناه.
وقد ذكر الحاكم مثلًا منها ضربه لألوف من الحديث يستدل به على جملتها فقال: «[ذَلِكَ] مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكِ، بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٢١.
(٢) قارن بـ " التوضيح ": ١/ ٢٥٩.
(٣) " التدريب ": ص ٦٠.
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٨.
(٥) نفسه: ص ١٩.
[ ٢١٨ ]
اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَخَرَجَ حَتَّى كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَتِهِ، فَقَالَ: [" يَا كَعْبُ، ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا "، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَيِ الشَّطْرَ]، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَضَاهُ» (١) فَسَمَاعُ الحَاكِمِ «مِنْ ابْنِ السَّمَّاكِ ظَاهِرٌ، [وَسَمَاعَهُ] مِنَ الحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَسَمَاعُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مِنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ عَالٍ لِعُثْمَانَ، وَيُونُسَ مَعْرُوفٌ بِالزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ الزُّهْرِيُّ بِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَبَنُو كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِأَبِيهِمْ، وَكَعْبٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِهِ» (٢).
ولابن عبد البر (٣) رأي طريف في المسند يُسَوِّي به بينه وبين المرفوع، فهو عنده ما جاء عن النبي - ﷺ - خاصة، متصلًا كان أم منقطعًا (٤). ويمثل للمتصل منه بحديث يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -، وللمنقطع منه بحديث مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - (٥)، ويعقب ابن عبد البر على هذا الحديث الأخير بقوله: «فَهَذَا مُسْنَدٌ، لأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -» (٦) ولكن هذا الرأي مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في
_________________
(١) نفسه: ص ١٧، ١٨.
(٢) نفسه: ص ١٩.
(٣) هو يوسف بن عبد الله بن عبد الصمد بن عبد البر النمري القرطبي، صاحب كتاب " الاستيعاب "، و" التمهيد "، و" جامع بيان العلم وفضله ". توفي سَنَةَ ٤٦٣ هـ. (" شذرات الذهب ": ٣/ ٣١٤).
(٤) قارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ٤٨.
(٥) " التدريب ": ص ٦٠.
(٦) " التوضيح ": ١/ ٢٥٨.
[ ٢١٩ ]
مقابلتهم بين المسند والمرسل، يقولون: أسنده فلان، وأرسله فلان (١).
والحق أن المسند لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الانقطاع والإرسال وما أشبههما، بل يجمع في آن واحد الرفع والاتصال. ومن الواضح أن الاتصال كالرفع، ليس كافيًا للحكم على الحديث بالصحة (٢)، وإنما يكون صحيحًا إذا توافرت في رجاله شروط الضبط والحفظ على النحو الذي
شرحناه (٣).
وأما المتصل أو الموصول فهو ما اتصل سنده سواء أكان مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أم موقوفًا على الصحابي أو من دونه (٤). غير أن الخطيب يكاد يسوي بينه وبين المسند، فلا يرى الفرق بينهما إلا في غلبة الاستعمال (٥)، إذ يغلب على المسند أن يكون فيما أسند عن النبي - ﷺ -،فالرفع فيه ليس أكثر من شرط أغلبي. بيد أن هذا اصطلاح للخطيب خاص به كاصطلاحه في التسوية بين المرسل والمنقطع، فقد رأيناه لا يفرق بينهما إلا في غلبة الاستعمال أيضًا. وقد أخذنا في تعريف المسند بالرأي المعتمد الذي يلاحظ فيه اشتراط الرفع اشتراطًا حقيقيًا من كل وجه لا أغلبيًا.
ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد على المتصل في حال الرفع، لأن أمثلة المرفوع تصلح له، فلا مسوغ للتكرار. وكذلك المتصل في حال الوقف تصلح له جميع
_________________
(١) نفسه: ١/ ٢٥٨ أيضًا.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٩.
(٣) راجع بحث (الصحيح) من هذا الكتاب.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٤٨.
(٥) " التوضيح ": ١/ ١٥٥.
[ ٢٢٠ ]
أمثلة الموقوف. وقد ضرب له ابن الصلاح مثلًا بما يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر (١).
أما أقوال التابعين إذا اتصلت الأسانيد بهم فتسمى «متصلة مع التقييد» كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب. ولا يجوز تسميتها «متصلة مع الإطلاق» دون ذكر التابعي الذي انتهى إليه الإسناد، لأن ما ينتهي إلى التابعي يسمونه «المقطوع»، ولا ريب أن المقطوع ضد الموصول لغة وذوقًا، فكرهوا في الاصطلاح أيضًا أن يطلقوا اسم الضد على ضده (٢). ولعلنا، بهذا الاحتراز الدقيق، نفهم جَيِّدًا قول ابن الصلاح: " «وَحَيْثُ يُطْلَقُ المُتَّصِلُ يَقَعُ عَلَى المَرْفُوعِ وَالمَوْقُوفِ» (٣) مع أننا لاحظنا في تعريف المتصل أنه قد يكون موقوفًا على من دون الصحابي، أي مقطوعا على التابعي.
• • •
وخلاصة القول في هذه الزمرة الثلاثية أن المرفوع قد يكون متصلًا وغير متصل، وأن المتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع، وأن السند أعم منهما كليهما، فهو في الوقت نفسه متصل ومرفوع (٤)، وأنها جميعًا صالحة في ذاتها لأن تكون صحيحة أو حسنة أو ضعيفة تَبَعًا لحال رواتها.
_________________
(١) " التدريب ": ص ٦٠.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٢٦٠ وانظر الهامش أيضًا، وقارن بـ " التدريب ": ص ٦٠، ٦١.
(٣) " التوضيح ": ١/ ٢٦٠.
(٤) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ١٠٤.
[ ٢٢١ ]
ب - ٤ و٥ و٦ - المُعَنْعَنُ وَالمُؤَنَّنُ وَالمُعَلَّقُ:
الحديث المعنعن هو - كما يظهر من لفظه - ما يقال في سنده:
«فلان عن فلان» من غير تصريح بالتحديث والسماع (١): وهو - على المعتمد - من قبيل الإسناد المتصل إذا توافرت فيه ثلاثة شروط: عدالة الرواة، وثبوت لقاء الراوي لمن روى عنه، والبراءة من التدليس (٢).
والمعنعن كثر في " الصحيحين "، وهو في " صحيح مسلم " أكثر، لأن مسلمًا لم يشترط ثبوت اللقاء بين الراوي ومن عنعن عنه، بل أنكر في خطبة " صحيحه " هذا الشرط مع أنه مذهب علي بن المديني والبخاري وغيرهما من أئمة المحدثين. وقد بنى مسلم رأيه على ما عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا من أن الرواية بالعنعنة ثابتة والحجة بها لازمة، وهي محمولة أبدًا على سماع الراوي للمروي عنه إذا كانا ثقتين متعاصرين (٣).
ولم يتابع مسلمًا على رأيه أحد، بل انتقدوه فيه وأخذوه عليه، فقال ابن الصلاح: «وَفِيمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ نَظَرٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ القَوْلَ الذِي رَدَّهُ مُسْلِمٌ هُوَ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا العِلْمِ: عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا» (٤). وكانت عبارة النووي في الموضوع نفسه أصرح وأوضح حيث قال: «وَهَذَا الذِي صَارَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ قَدْ أَنْكَرَهُ المُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: هَذَا الذِي صَارَ إِلَيْهِ ضَعِيفٌ
_________________
(١) " التوضيح ": ١/ ٣٣٠.
(٢) انظر " شرح العراقي على علوم الحديث ": ص ٦٧.
(٣) قارن بـ " مقدمة صحيح مسلم ": ١/ ٢٣.
(٤) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٧٢
[ ٢٢٢ ]
وَالذِي رَدَّهُ هُوَ المُخْتَارُ الصَّحِيحُ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا الفَنِّ » (١).
وذهب بعض النقاد إلى أن الحديث المعنعن من قبيل المرسل، فلا يحتج به، وآثرت طائفة منهم الاحتجاج به رغم هذا، فقد رأوا ذلك أكثر ما يكون في مرسل الصحابي، إذا كان لا يعرف اصطلاحًا في الرواية، فتارة يقول: «سَمِعْتُ» وتارة «عَنْ رَسُولِ اللهِ» وتارة «قَالَ رَسُولُ اللهِ». لذلك استحسنوا التفصيل، فرواية الصحابي الذي لازم الرسول - ﷺ - محمولة على السماع بأي عبارة أديت، وإن كان من غير الملازمين احتمل الأمرين، فقد كان عمر - وهو من خواص الصحابة - يتناوب النزول لسماع رسول الله - ﷺ - هو وجارٌ له، فينزل عمر يومًا ويأتي جاره بما استفاده ذلك اليوم، وينزل جاره يومًا فيأتي عمر بما استفاده في ذلك اليوم، كما صرح به البخاري في " صحيحه " (٢). ولكن الإمام النووي يرى أن عَدَّ المعنعن من قبيل المرسل مردود بإجماع السلف (٣).
وقد اعتذروا عن كثرة المعنعن في " الصحيحين "، ولا سيما في " صحيح مسلم "، بما ورد في المستخرجات عليهما من الطرق الكثيرة التي صرح فيها بالتحديث والسماع (٤)، ويشفع لمسلم فوق هذا كثرة طرق الحديث الواحد في " صحيحه " نفسه، وليست كلها بالمعنعنة (٥).
والقول الفصل للحافظ ابن حجر في شرح المواقع الثلاثة: أحدها أنها بمنزلة «حَدَّثَنَا» و«أَخْبَرَنَا». الثاني أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت
_________________
(١) " شرح صحيح مسلم " للنووي: ١/ ١٢٨.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٣٣٥.
(٣) " التوضيح ": ١/ ٣٣٥.
(٤) " قواعد التحديث ": ص ١٠٤.
(٥) " شرح صحيح مسلم " للنووي: ١/ ١٤
[ ٢٢٣ ]
من مُدَلِّسٍ. والثالث أنها بمنزلة «أَخْبَرَنَا» المستعملة في الإجازة، فلا تخرج عن الاتصال، ولكنها دون السماع كما أوضحنا في صور التحمل (١).
أما الحَدِيثُ المُؤَنَّنُ فهو الذي يقال في سنده: «حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أَنَّ فُلاَنًا» وجعله الإمام مالك كالمعنعن، إذ سئل عن قول الراوي: «عَنْ فُلاَنٍ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، أَوْ أَنَّ فُلاَنًا قَالَ كَذَا». فقال: «هُمَا سَوَاءٌ» (٢).
وحمله البَرْدِيجِيُّ (٣) على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى (٤). والحق ما سبق أن أشرنا إليه في بحث (السماع) من أن الألفاظ المختلفة التي يستعملها الراوي عبارة عن التحديث عند علماء اللسان. وإنما الخلاف فيها بين نقاد الحديث من جهة العرف والعادة (٥).
وأما الحَدِيثُ المُعَلَّقُ فهو ما حذف من مبدإ إسناده واحدٌ فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث إلى مَنْ فوق المحذوف من رواته (٦). وهو في " البخاري " كثير جِدًّا. مثاله: وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » الحديث (٧).
_________________
(١) راجع هذه المواقع الثلاثة في " التوضيح ": ١/ ٣٣٦.
(٢) " التوضيح ": ١/ ٣٣٧.
(٣) سبقت ترجمته.
(٤) " التوضيح ": ١/ ٣٣٨.
(٥) " الكفاية ": ص ٢٨٨.
(٦) " قواعد التحديث ": ص ١٠٥.
(٧) " صحيح البخاري ": ٣/ ٦٤، كتاب الوكالة.
[ ٢٢٤ ]
والمعلق في " صحيح البخاري " على نوعين، أحدهما ما يكون في موضع آخر من كتابه موصولًا، فهو يتصرف في إسناده بالاختصار مخافة التطويل، والآخر ما لا يكون إلا معلقًا، فهو يورده بصيغة الجزم ويستفاد منه الصحة إلى من عَلَّقَ عنه. قال النووي: «فَمَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ كَقَالَ، وَفَعَلَ، وَأَمَرَ، وَرَوَى، [وَذَكَرَ فُلاَنٌ] (*)، فَهُوَ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ عَنِ المُضَافِ إِلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِيرَادُهُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّحِيحِ مُشْعِرٌ بِصِحَّةِ أَصْلِهِ إِشْعَارًا يُؤْنَسُ بِهِ وَيُرْكَنُ إِلَيْهِ» (**). وَعَلَى المُدَقِّقِ إذَا رَامَ الاِسْتِدْلاَلَ بِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي رِجَالِهِ وَحَالِ سَنَدِهِ لِيَرَى صَلاَحِيَّتَهُ لِلْحُجَّةِ وَعَدَمِهَا (١).
ويستشعر بعض العلماء في «المُعَلَّقِ» أنه ضرب من «المُنْقَطِعِ»، الذي سقط من إسناده رجل أو ذكر فيه رجل مبهم، فقد لاحظ السيوطي أنه «وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَحَادِيثُ أُبْهِمَ بَعْضُ رِجَالِهَا» وذكر طائفة من هذه الأحاديث في بحث المنقطع (٢)، مع أن النووي يسمي نظائرها معلقات، أو يجعل تسميتها مرددة بين الانقطاع والتعليق، فهو يقول: «قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ » وَيَذْكُرُ الحَدِيثَ ثُمَّ يَقُولُ: «هَكَذَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مُنْقَطِعًا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَاللَّيْثِ وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمَّى مُعَلَّقًا» (٣).
وأهم ما يعنينا في هذه الزمرة الثلاثية أن الحكم عليها بالضعف الخالص ليس من الدقة في شيء، فهي قابلة لأن توصف بالصحة والحسن والضعف، تَبَعًا لحال رواتها أيضًا.
_________________
(١) ذكره في " قواعد التحديث ": ص ١٠٥.
(٢) " التدريب ": ص ١١٧، ١١٨.
(٣) " شرح صحيح مسلم ": ٤/ ٦٣. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) أصل نص النووي كما أثبته [وَذَكَرَ فُلاَنٌ] بينما أورد الدكتور صبحي الصالح قول الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في كتابه " قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ": [وَذَكَرَ مَعْرُوفًا]. (**) إلى هذا الحد ينتهي كلام الإمام النووي، وما بعده فهو من كلا الشيخ محمد جمال الدين القاسمي.
[ ٢٢٥ ]
جـ - ٧ و٨ - الفَرْدُ وَالغَرِيبُ:
بين الفرد والغريب رابط مشترك لغة واصطلاحًا: وهو مفهوم التفرد، وقد سَوَّغَ هذا الرابط لبعض العلماء أن يحكموا بترادف الفرد والغريب، فأنشؤوا يقولون: تفرد به فلان تارة، وأغرب به فلان تارة أخرى، وهو يقصدون شيئًا واحدًا (١).
والحق أن أكثر المحدثين على التغاير بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته: فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق الذي لم يقيد بقيد ما والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي الذي قُيِّدَ بقيد ما، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي الذي قُيِّدَ بالنسبة إلى شيء معين. وإنما يغايرون بينهما عند التسمية الاصطلاحية، فالأصل في مثل هذه التسمية عدم الترادف، أما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون بين التفرد والإغراب (٢).
والفرد المطلق لا يجوز أن يتداخل مع الشاذ، فقد رأينا، في الشاذ شرطين لا بد منهما: التفرد والمخالفة (٣). أما الفرد فلا يلاحظ فيه إلا مطلق التفرد. ومن هنا جاء تعريفهم له بأنه «الحَدِيثُ الذِي اِنْفَرَدَ بِهِ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الطُّرُقُ إِلَيْهِ» (٤). ويحكم له بالصحة أو الحسن أو الضعف تبعًا لحال رواته، وقد مثلوا للفرد المطلق الصحيح بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، فإن
_________________
(١) قارن بـ " التوضيح ": ٢/ ٨ هامش.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٨.
(٣) راجع بحث الشاذ: ص ١٩٦ إلى ٢٠٣.
(٤) " ألفية السيوطي ": ص ٩٥ وانظر الهامش حول البيت ١٨٤.
[ ٢٢٦ ]
هذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر (١). والمعروف عن ابن دينار أنه ثقة ضابط متقن.
والفرد النسبي (أو الغريب كما يسمى في الاصطلاح) لا يجوز أن يتداخل أيضًا مع الشاذ، فلا تشترط فيه المخالفة مع التفرد، وإنما يكون فيه ضرب من التفرد المقيد بِرَاوٍ أو براوية عن رَاوٍ معين أو بأهل بلد أو نحو ذلك، ولذلك عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ «الحَديثُ الذِي يَنْفَرِدُ بِرِوَاِيَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أَيِّ مَوْضِعِ وَقَّعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» (٢). ويقع التفرد في الغريب في أثناء السند فيقيد بالموضع الذى وقع فيه، كأن يروي عن الصحابي أكثر من واحد ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد (٣)، بينما يقع التفرد في الحديث الفرد في أصل السند وهو طرفه الذي فيه الصحابي، وإليه يرجع ولو تعددت الطرق إليه (٤). وحين يكون التقيد في الغريب بأهل بلد ما لا يراد من تفردهم إلا انفراد واحد منهم تَجَوُّزًا (٥). فراوي الغريب شخص واحد على جميع الأحوال.
وأنواع الغريب متكاثرة، وإنما تضبط بنسبة التفرد فيه إلى شيء معين. وأهم هذه الأنواع ثلاثة:
الأول: تفرد شخص عن شخص (٦)، كتفرد عبد الرحمن بن مهدي عن
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٨.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٦.
(٣) نفسه: ص ٨.
(٤) نفسه: ص ٧.
(٥) " التدريب ": ص ٨٨.
(٦) " التوضيح ": ٢/ ١٠. وهذا عند الحاكم هو النوع الثاني الذي سماه «أَحَادِيثُ يَتَفَرَّدُ بِرِوَايَتِهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، عَنْ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ». انظر " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٩.
[ ٢٢٧ ]
الثوري عن واصل بحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، [قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ»]، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» (١). وهذا النوع كثير متعارف عند المحدثين.
الثاني: تفرد أهل بلد عن شخص (٢)، كحديث ابْنِ بُرَيْدَةَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ عَلَى قَضَاءٍ بَعْدَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ]: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: فَاثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، فَأَمَّا الاثْنَانِ: فَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الوَاحِدُ الَّذِي هُوَ فِي الجَنَّةِ، فَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ».قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ الخُرَاسَانِيُّونَ فَإِنَّ رُوَاتَهُ، عَنْ آخِرِهِمْ مَرَاوِزَةٌ (٣).
الثالث: تفرد شخص من أهل بلد عن أهل بلد آخر (٤)، كحديث خَالِدٍ بْنِ نِزَارٍ الأَيْلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الجُمَحِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ، البَلِيغُ الذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ البَاقِرَةِ بِلِسَانِهَا». قَالَ الحَاكِمُ: " وَهَذَا الحَدِيثُ مِنْ أفْرَادِ المِصْرِيِّينَ، عَنِ الْمَكِّيِّينَ، فَإِنَّ خَالِدَ بْنَ نِزَارٍ عِدَادُهُ فِي المِصْرِيِّينَ،
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٠٠.
(٢) " التوضيح ": ٢/ ١٠. وهو عند الحاكم النوع الأول، ويسميه «مَعْرِفَةُ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَفَرَّدُ بِهَا أَهْلُ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ عَنِ الصَّحَابِيِّ». انظر " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٦.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٩. وراجع الطابع الإقليمي في نشأة الحديث أثناء بحث الرحلة في طلبه (ص ٥٠) وأمثلة التفرد في رواية بعض الأمصار للحديث (ص ٥٢). والمراوزة: أبناء مرو.
(٤) " التوضيح ": ٢/ ١٠.
[ ٢٢٨ ]
وَنَافِعَ بْنَ عُمَرَ مَكِّيُّ " (١). وقد عَبَّرَ الحاكم عن هذا النوع الثالث بقوله: «أَحَادِيثُ لأَهْلِ المَدِينَةِ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مَثَلًا، وَأَحَادِيثُ لأَهْلِ مَكَّةَ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَثَلًا، وَأَحَادِيثُ يَنْفَرِدُ بِهَا الخُرَاسَانِيُّونَ، عَنْ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ مَثَلًا، وَهَذَا نَوْعٌ يَعِزُّ وُجُودُهُ وَفَهْمُهُ!» (٢).
كل هذه الأنواع الثلاثة - كما لاحظنا - تفرد بها شخص واحد، وكان التفرد مقيدًا في كل نوع منها بموضع من السند وقع فيه، لم يكن في أصل السند بل في أثنائه. وهذا التقييد الإضافي في الحديث الغريب هو الذي سَوَّغَ تسميته «فَرْدًا نِسْبِيًّا»، وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم الحديث وهو معرفة الأفراد (٣)، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد.
د - ٩ و١٠ و١١ - العَزِيزُ وَالمَشْهُورُ وَالمُسْتَفِيضُ:
يجمع بين هذه الأنواع الثلاثة توسطها بين مصطلحي التفرد النسبط والتواتر المعنوي، ففيها شيء من الغريب (الذي رأينا أنه هو الفرد النسبي)، لأن الغربب إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سُمِّيَ عَزِيزًا، فإن رواه عنه جماعةُ سُمِّيَ مَشْهُورًا (٤)، وإن روته عنه الجماعة وكان في ابتدائه
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٠٢.
(٢) نفسه: ص ١٠٠.
(٣) نفسه: من ص ٩٦ إلى ١٠٢.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٨٧.
[ ٢٢٩ ]
وانتهائه سواءًُ سُمِّيَ مُسْتَفِيضًا (١)، وفيها ضرب من التواتر المعنوي لانتشارها بين الناس بعد أن لوحظ في روايتها التعدد، فَعُزِّزَتْ بأكثر من رَاوٍ، واستفاضت وَكُتِبَتْ لها الشهرة بتناقلها على ألسنة الجماعة.
بيد أن هذه الأنواع الثلاثة ألصق بالغريب منها بالمتواتر، لأن مباحثها تتعلق بالإسناد، وليس للمتواتر صلة بالإسناد (٢)، ثم إن تعدد الرواة فيها، على نِسَبِهِ المتفاوتة، لا يخرجها عن صفة الاَحادية ولا يبلغ بها درجة الجمع المشروط في التواتر، وهي أولًا وآخرًا أسماء للغريب وألقاب حين يرقى عن التفرد بعض الشيء، وهي، لذلك، تحاكي الغريب في انقسامها مثله إلى صحيحة وحسنة وضعيفة.
والناظر العجول في هذه الأنواع الثلاثة يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنها ينبغي أن تكون خالصة للصحيح، فهو يستبعد أن يكون الحديث الذي عَزَّ وَقَوِيَ بمجيئه من طريق أخرى، أو استفاض واشتهر برواية الجماعة له، بمنزلة الحديث الغريب الذي انفرد بروايته شخص واحد. وقد يبدو هذا الاستنتاج منطقيًا صحيحًا لما ألفه الناس في كل زمان ومكان من العناية بالكم والكثرة، ولكن التحقيق العلمي الدقيق يثبت أن مقياس المحدثين في تصحيح الروايات وتضعيفها ليس كَمِّيًّا فَيُعَوَّلُ على الأرقام والأعداد، ويقارن فى الجموع والأفراد: وإنما هو قيمي يُعْنَى بأوصاف الرجال
المذكورين في الأسانيد، أقلة كانوا أم كثيرين. ومن هنا رأينا نُقَّادَهُمْ لا يبالون في المتواتر نفسه بتعيين عدد الجمع الراوي له،
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٥.
(٢) راجع ما فصلناه ص ١٥٠.
[ ٢٣٠ ]
بل يشترطون أَنْ يُؤْمَنَ تَوَاطُؤُ هذا الجمع على الكذب في العرف والعادة (١).
ويسرف الباحث في الظن الخاطئ أحيانًا حين يستنتج أن بعض نقاد الحديث لم يستبعدوا أن يكون لتعدد الرواة أثر في تصحيح الحديث.
وفي كلام الحاكم أبي عبد الله ما يوهم أخذه بهذا المقياس العددي حين اشترط في «الصَّحِيحِ» أن يكون له راويان. وقد أوضحنا اتجاهه هذا في بحث (الصحيح) (٢). على أن من حق الحاكم علينا أن نفسر اتجاهه تفسيرًا سليمًا. فهو إذ يشترط تعزيز الصحيح لا يحكم بتصحيح العزيز، فالصحيح عنده لا بد أن يكون عَزِيزًا ولا يحوز أن يكون فردًا ولا غريبًا، أما العزيز فلا يكون دائمًا صحيحًا، بل المشهور والمستفيض - على تعدد رواتهما واشتراط الجمع فيهما - ليسا دائمًا صحيحين، إذ يكون فيهما الحسن والضعيف، وربما الباطل والموضوع. وعبارة الحاكم في هذا الباب أصرح من أَنْ تُؤَوَّلَ، فهو يقول: «وَالمَشْهُورِ مِنَ الحَدِيثِ غَيْرِ الصَّحِيحِ، فَرُبَّ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ» (٣). ويستشهد الحاكم على ذلك بطائفة من الأحاديث منها الحسان ومنها الضعاف، ثم يقول: «فَكُلُّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَشْهُورَةٌ بِأَسَانِيدِهَا وَطُرُقِهَا وَأَبْوَابٍ يَجْمَعُهَا أَصْحَابُ الحَدِيثِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا تُجْمَعُ طُرُقُهُ فِي جُزْءٍ أَوْ جُزْئَيْنِ، وَلَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ».
ولقد اطلع السيوطي على هذه الأحاديث التي استشهد بها الحاكم، فدقق النظر فيها وأحسن التمييز بينها، وَسَمَّى كُلًاّ منها باسمه الاصطلاحي اللائق به
_________________
(١) قارن بما ذكرناه ص ١٤٩.
(٢) راجع ص ١٥٢.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٢.
[ ٢٣١ ]
وزاد عليها الكثير في كتاب رتبه على حروف المعجم مستدركًا به على الإمام الزركشي ما فاته في " التذكرة في الأحاديث المشتهرة " (١). وفي " التدريب " عدد من هذه الشواهد يمثل بها السيوطي للمشهور في جميع أحواله، صحيحًا وحسنًا وضعيفًا وباطلًا.
فمثال المشهور وهو صحيح حديث: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).
ومثال المشهور وهو حسن حديث «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». فقد قال المِزِّي (٣) «إِنَّ لَهُ طُرُقًا يَرْتَقِي بِهَا إِلَى رُتْبَةِ الحَسَنِ» (٤).
ومثال المشهور وهو ضعيف: «جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا» (٥).
وأمثلة المشهور وهو باطل لا تعد ولا تحصى، وهي بين مرفوعات وموقوفات ومقطوعات، وأكثر ما تشيع على ألسنة العامة. ومنها: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»، «يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ»، «كُنْتُ كَنْزًا لاَ أُعْرَفُ»،
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٨٨.
(٢) قارن " التدريب ": ص ١٨٨ بـ " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٢.
(٣) هو يوسف بن عبد الرحمن، وأبو الحجاج، المعروف بِالمِزِّي (بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة) نسبة إلى المزة قرية بدمشق، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٤٢ هـ بدار الحديث الأشرفين بدمشق (" الرسالة المستطرفة ": ص ١٢٦).
(٤) " التدريب ": ص ١٨٩، وقد ذكره الحاكم في " معرفة علوم الحديث " مكتفيًا بقوله: «لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ».
(٥) " التدريب ": ص ١٨٩.
[ ٢٣٢ ]
«البَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» (١).
واشتهار الحديث أمر نسبي (٢)، فقد يكون مشهورًا بين أهل الحديث خاصة، وقد يكون مشهورًا بينهم وبين غيرهم من العلماء والعامة. ومن هنا قيل: إن حديث «أَبْغَضُ الحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ» مشهور عند الفقهاء، وحديث «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مشهور عند الأصوليين، وحديث «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» مشهور عند النحاة، وحديث «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» مشهور عند العامة. أما حديث «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» فمشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام في آن واحد (٣).
لكن المشهور الاصطلاحي الذي يعرفه نقاد الحديث لا يراد به ما اشتهر على ألسنة الناس من العلماء والعامة، بل الحديث الذي روته الجماعة ثلاثة أو أكثر (٤)، وأمثلته، على كثرتها، لا يقف عليها غير أهل الحديث والمجتهدين في جمعه ومعرفته (٥)، ومن أوضحها حديث أنس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ» أخرجه الشيخان من رواية سلمان التيمي عن أبي مَجْلِزٍ عن أنس (٦). قال الحاكم مُوَضِّحًا
_________________
(١) وقد صرح السيوطي بوضعها فقال: «وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ لاَ أَصْلَ لَهَا». " التدريب ": ص ١٨٩.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٨٥.
(٣) راجع هذا كله مع تفصيلات أخرى في " التدريب ": ص ١٨٩. وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ٤٠٨.
(٤) " التوضيح ": ٢/ ٤٠٩.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٤.
(٦) " التدريب ": ص ١٨٩.
[ ٢٣٣ ]
أسباب وصف هذا الحديث بالشهرة: «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيْرَ أَبِي مِجْلَزٍ، وَرُوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيْرِ التَّيْمِيِّ، وَرُوَاهُ عَنِ التَّيْمِيِّ غَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيْرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ، يَقُولُ: سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَلا يُعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلا يُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ» (١).
وأكثر أمثلة المشهور تصلح للمستفيض، فهما مترادفان على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، لكن الأصح التفرقة بينهما، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سَوَاءٌ، والمشهور أعم من ذلك (٢)، ومنهم من غاير بينهما على كيفية أخرى، فلاحظ أن الجماعة التي تروي المشهور ثلاثة أو أكثر، فطرقه محصورة بأكثر من اثنين، بينما يخصص المستفيض بالأكثر من الثلاثة، فلا يمكن أن تقل طرقه عن ثلاثة (٣). وقد سُمِّيَ بذلك لانتشاره: من فاض الماء يفيض فيضًا، إذا فاض من جوانب الإناء (٤).
ولم يُثِرْ العلماء شبهة حول المشهور ولا المستفيض، فأمثلتهما كثيرة متضافرة، وإنما أثاروا الشبهات حول العزيز، فقد زعم ابْنُ حِبَّانَ البُسْتِيُّ (٥) أن لا وجود أصلًا للحديث العزيز، لاعتقاده أن العزيز ما يرويه اثنان عن اثنين إلى أن
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ٩٣، ٩٤.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٥.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٤٠٢، ٤٠٣ هامش.
(٤) " التدريب ": ص ١٨٨، و" التوضيح ": ٢/ ٤٠٧.
(٥) سبقت ترجمته.
[ ٢٣٤ ]
ينتهي إسناده (١)، وكانه يرى أن تسميته بالعزيز لعزة وجوده وتعذره، لا لقلة وجوده وندرته، وقد رَدَّ رأيه شيخ الإسلام ابن حجر قائلًا: «إن أراد أن رواية اثنين فقط عن اثنين لا توجد أصلًا فيمكن أن يسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة: بألا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة، أن " رسول الله - ﷺ - قال: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» الحديث، ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة» (٢).
ومن الصور النادرة في المصطلح أن يجمع الحديث بين وصفي العزة والشهرة، فَيُسَمَّى عَزِيزًا مَشْهُورًا، وذلك إذا اتضح أنه عزيز في بعض طبقاته برواية اثنين، ومشهور في التي قبلها أو بعدها بروايته عن الأكثر، وَمَثَّلَ له الحافظ العلائي (٣) بحديث: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقال: هو عزيز عن النبي - ﷺ -، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة، ورواه عن أبي هريرة سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برثن (٤).
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ٤٠٥ هامش.
(٢) " نزهة النظر ": ص ٨. ونقلها في " التدريب ": ص ١٩١.
(٣) سبقت ترجمته.
(٤) " التدريب ": ص ١٩٣.
[ ٢٣٥ ]
هـ - ١٢ و١٣ - العَالِي وَالنَّازِلُ:
مضى الورعون من العلماء يرجحون الأخذ ممن عَلاَ إسناده وقرب من
النبي - ﷺ - معتقدين أن «قُرْبَ الإِسْنَادِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ» (١). ولم يكن الإسناد القريب إلى النبي يتيسر لهم دائمًا، فكانوا يلجؤون إلى أقرب الأسانيد من الصحابة والتابعين والعلماء الأعلام: فنشأت بذلك صورتان من الإسناد العالي، إحداهما مطلقة والأخرى نسبية.
فالاسناد العالي المطلق هو ما قرب رجال سنده من رسول الله - ﷺ - بسبب قلة عددهم إذا قيسوا بسند آخر يرد في ذلك الحديث نفسه بعدد كثير (٢).
وهذا النوع من العلو هو أجل الأسانيد شريطة أن يكون بإسناد صحيح نظيف، فلا التفات إليه إذا كان مع ضعف، ولا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعًا من الصحابة كَابْنِ هُدْبَةَ ودينار وخراشة ونعيم بن سالم وأبي الدنيا الأشج. ولذلك قال الحافظ الذهبي: «مَتَى رَأَيْتَ المُحَدِّثِ يَفْرَحُ بِعَوَالِي هَؤُلاَءِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَامِّيٌّ بَعْدُ» (٣).
أما الإسناد العالي النسبي فهو ما قرب رجال سنده من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وابن جريج، ومالك، وشعبة،
وغيرهم، مع صحة الإسناد إليه، أو قربوا من كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة، ك " الكتب الستة "، و" الموطأْ "،
_________________
(١) " الجامع ": ١/ ١٢ وجه ٢.
(٢) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ١٠٨.
(٣) " التدريب ": ص ١٨٤.
[ ٢٣٦ ]
ونحو ذلك (١). وإنما سمي «نِسْبِيًّا»، لأن العلو فيه إضافي لا حقيقي.
وللإسناد العالي النسبي صور كثيرة، أشهرها أن تاتي لحديث رواه " البخاري " مثلًا، فترويه باسنادك إلى شيخ البخاري، أو شيخ شيخه، وهكذا، ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عددًا مما لو رويته من طريق البخاري (٢).
وقد جعل ابن حجر الإسناد العالي النسبي على أربعة أنواع: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة.
فالموافقة هي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه. مثاله أن يروي البخاري عن قتيبة عن مالك حديثًا، فترويه بإسناد آخر عن قتيبة، بعدد أقل مما لو رويته من طريق البخاري عنه (٣).
والبدل هو الوصول إلى شيخ شيخه من غير طريقه أيضًا. ومثاله أن يقع لك الإسناد السابق بعينه من طريق أخرى إلى القعنبي عن مالك، فيكون القعنبي بدلًا فيه من قتيبة (٤).
والمساواة هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين، ومثاله - كما قال ابن حجر - أن يروي النسائي مثلًا حديثًا يقع بينه وبين النبي - ﷺ - فيه أحد عشر نفسًا، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبي - ﷺ -، بيننا فيه وبين النبي - ﷺ - أحدعشر نفسًا فنساوي
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٨٥.
(٢) قارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ١٨٢.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٢١.
(٤) قارن " شرح النخبة ": ص ٣١ بـ " التدريب ": ص ١٨٥.
[ ٢٣٧ ]
النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص (١).
وقال ابن الصلاح: «أَمَّا المُسَاوَاةُ: فَهِيَ فِي أَعْصَارِنَا أَنْ يَقِلَّ العَدَدُ فِي إِسْنَادِكَ لاَ إِلَى شَيْخِ مُسْلِمٍ وَأَمْثَالِهِ، وَلاَ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، بَلْ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، كَالصَّحَابِيِّ، أَوْ مَنْ قَارَبَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِحَيْثُ يَقَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ مَثَلًا مِنَ العَدَدِ مِثْلُ مَا وَقَعَ مِنَ العَدَدِ بَيْنَ مُسْلِمٍ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مُسَاوِيًا لِمُسْلِمٍ مَثَلًا فِي قُرْبِ الإِسْنَادِ وَعَدَدِ رِجَالِهِ» (٢).
والمصافحة هي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، وسميت مصافحة لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا (٣).وإن وقعت المساواة لشيخك كانت لك مصافحة، كأنك صافحت المصنف وأخذت عنه، وإن وقعت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن وقعت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك (٤).
ونسبة العلو في كل من المساواة والمصافحة لا تحتاج إلى إيضاح، فهذان النوعان عاليان بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في إسناده. ولذلك يتعذر وجود هذين النوعين في زماننا، القرن الرابع عشر الهجري، وفيما يقاربه من القرون الماضية، لأن الإسناد بعيد جِدًّا بالنسبة إلينا. ولقد أراد ابن الصلاح أن ينفي عن المساواة والمصافحة حقيقة العلو، فحكم عليهما حُكْمًا وَاحِدًا، ونظر إليهما بمنظار واحد، ثم جزم بأن «هَذَا النَّوْعَ مِنَ العُلُوِّ عُلُوٌّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ، إِذْ لَوْلاَ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٣٢.
(٢) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٢١٩.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٣٢.
(٤) " التدريب ": ص ١٨٦.
[ ٢٣٨ ]
نُزُولُ ذَلِكَ الإِمَامِ فِي إِسْنَادِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ فِي إِسْنَادِكَ» (١).
ومن صور العلو النسبي تقدم وفاة الراوي عمن روى عنه وإن تَسَاوَيَا في العدد. فمن سمع " مسند أحمد " على الحلاوي عن أبي العباس الحلبي عن النجيب أعلى نسبيًا ممن سمعه على الجمال الكتاني عن القرضي عن زينب بنت مكي، لتقدم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين (٢) فهم أقرب إلى أحمد و" مسنده ".
ومن العلو النسبي تقدم السماع (٣): فمن سمع من الشيخ قديمًا كان أعلى ممن سمع منه أخيرًا، كأن يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة مثلًا، والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني (٤).
وولوع المتأخرين من المحدثين بالإسناد العالي مطلقًا ونسبيًا، غلب على الكثيرين منهم حتى صرفهم عن الاشتغال بما هو أهم منه، فتباهوا به مثلما تباهوا بطلب الغرائب والمناكير، كما أوضحنا في فصل (الرحلة في طلب الحديث)، وفصل (شروط الراوى)، «وَإِنَّمَا كانَ العلوُّ مَرْغُوبًا فِيهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ؛ لأنَّهُ مَا مِنْ رَاوٍ مِنْ رِجَالِ الإِسْنَادِ إِلاَّ وَالخَطَأُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا كَثُرَتْ الوَسَائِطُ وَطَالَ السَّنَدُ كَثُرَتْ مَظَانُّ التَّجْوِيزِ، وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَلَّتْ» (٥).
ومن هنا شاع على ألسنة المحدثين أن النازل مفضول (٦). قال السيوطي في ألفيته:
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٢٢٠.
(٢) " التدريب ": ص ١٨٦.
(٣) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٢٢٠.
(٤) " الباعث الحثيث ": ص ١٨٤ وقارن بـ " التدريب ": ص ١٨٧.
(٥) " شرح النخبة ": ص ٣١.
(٦) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٨٤.
[ ٢٣٩ ]
وَطَلَبُ العُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ يُفَضِّلُِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ (١)
وغني عن البيان أن النازل هو ما قابل العالي، وأن تفصيل أقسامه يدرك من تفصيل أنواع العالي التي سبقت الإشارة إليها (٢).
على أن تفضيل العالي على النازل لا ينبغي أن يبقى على إطلاقه، فَرُبَّ إسناد نازل أفضل من عال إذا تميز بفائدة، كما إذا كان رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه أو كانت صورة تحمله أقرب إلى السماع (٣).
قال وكيع (٤) لأصحابه: «" أَيُّمَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ: الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَاِئِلٍ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ؟ " فَقَالُوا: " الأَوَّلُ ". فَقَالَ: " الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَيْخٌ عَنْ شَيْخِ، وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقِيهٌ عَنْ فَقِيهٍ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الفُقَهَاءُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوخُ "» (٥).
وقد استنتج الحافظ السَّلَفِيُّ (٦) من هذا أن «الأَصْلَ الأَخْذُ عَنِ العُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنَ العُلُوِّ عَنِ الجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ العَالِي فِي المَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ!» (٧).
_________________
(١) " ألفية السيوطي ": ص ٢٦٠،البيت ٦٠٤.
(٢) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٢٢٢.
(٣) " التدريب ": ص ١٨٨. وقارن بما ذكرناه (ص ١٣٦) عن تفضيل النزول عن الثقات على العلو عن غير الثقات.
(٤) وهو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، ويكنى أبا سفيان الرؤاسي الكوفي، من قيس عيلان. ولد سَنَةَ ١٢٨ هـ وتوفي سَنَةَ ١٩٨ هـ. وفيه يقول أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: «الثَّبْتُ عِنْدَنَا فِي العِرَاقِ وَكِيعٌ» (" تاريخ بغداد ": ١٣/ ٤٦٦ - ٤٨١).
(٥) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٨٥.
(٦) سبقت ترجمته.
(٧) " التدريب ": ص ١٨٨.
[ ٢٤٠ ]
و- ١٤ و١٥ - المُتَابِعُ وَالشَّاهِدُ:
لا يرى بعض المحدثين بأسًا في إطلاق المتابع على الشاهد، والشاهد على المتابع (١)، ففي كل منهما ضرب من تعزيز الفرد النسبي «الغريب». وذلك لا يعني ترادف الاصطلاحين، فإن بينهما فَرْقًا دَقِيقًا تتباين آراء العلماء في تحديده.
وقد بدا لنا - من خلال الأقوال والأمثلة المحفوظة في هذا الباب - أن الشاهد أعم من المتابع، فهو يشهد للمعنى تارة وللفظ والمعنى كليهما تارة أخرى، على حين تختص المتابعة باللفظ ولا تتعداه إلى المعنى (٢).
ويمكننا الآن - في ضوء هذا التمايز الأساسي - أَنْ نُعَرِّفَ المتابع بأنه ما وافق رَاوِيَهُ رَاوٍ آخَرَ، ممن يصلح أن يُخَرَّجَ حديثه، فرواه عن شيخه أو من فوقه بلفظ مقارب (٣)، وَنُعَرِّفَ الشَّاهِدَ بأنه ما وافق رَاوٍ رَاوِيَهُ عن صحابي آخر بمتن يشبهه في اللفظ والمعنى جميعًا، أو في المعنى ففط (٤).
والمتابع على قسمن: تام وقاصر، والشاهد على نوعين: لفظي ومعنوي.
فالمتابع التام ما جاءت المتابعة فيه للراوي نفسه، ومثاله ما رواه الشافعي في " الأم " عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ»، فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ١٥، وعنه في " التدريب ": ص ٨٥.
(٢) " التدريب ": ص ٨٥.
(٣) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ١٠٩.
(٤) " شرح النخبة ": ص ١٥.
[ ٢٤١ ]
قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فَعَدُّوهُ في غرائبه، لأن أصحاب مالك رَوَوْهُ بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، لكن العلماء وجدوا للشافعي مُتَابِعًا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي (*). كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك (١).
والمتابع القاصر، ما كانت المتابعة فيه لشيخ الراوي فمن فوقه. ومثاله في الحديث الذي تقدم ما ورد في " صحيح ابن خزيمة " من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد اللَه بن عمر بلفظ: «فكَمِّلوا ثلاثينَ»، وفي " صحيح مسلم " من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ «فَاقْدِرُوا ثَلاَثِينَ» (٢).
والشاهد اللفظي هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لفظًا. ومثاله في الحديث الذي قدمناه ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، فذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر سواء (٣).
والشاهد المعنوى هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لا لفظه، ومثاله في الحديث السابق نفسه ما رواه " البخاري " من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ (**) عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» (٤).
وهكذا صلح حديث «رُؤْيَةُ الهِلاَلِ» مثالًا للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ، والشاهد بالمعنى (٥).
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ١٤.
(٢) قارن " التوضيح ": ٢/ ١٤ بـ " شرح النخبة ": ص ١٤.
(٣) " التدريب ": ص ٨٦.
(٤) " شرح النخبة ": ص ١٥.
(٥) " التوضيح ": ٢/ ١٥. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " الموطأ " للإمام مالك برواية القعنبي، تحقيق الدكتور عبد المجيد التركي: (٦) كِتَابُ الصِّيَامِ. بَابُ مَا جَاءَ فِي الهِلاَلِ لِلْفِطْرِ وَالصِّيَامِ، حديث رقم ٤٧١، ص ٣١٩، الطبعة الأولى، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان. (**) في رواية البخاري «فَإِنْ (غُبِّيَ) عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ»، انظر " الجامع الصحيح " للإمام البخاري: (٣٠) كِتَابُ الصَّوْمِ (١١) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، حديث رقم ١٩٠٩ (" فتح الباري " ٤/ ١١٩، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة - بيروت).
[ ٢٤٢ ]
ومن المألوف في كتب مصطلح الحديث أن يذكر الاعتبار إلى جانب المتابع والشاهد، فيظن القارئ العادي أنها أنواع ثلاثة. والحق أن الاعتبار ليس أكثر من وسيلة لمعرفة المتابع والشاهد. قال السيوطي في ألفيته:
الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ (١).
وقال ابن حجر: «وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ لِيُعْلَمَ هَلْ لهُ مُتَابِعٌ أَمْ لاَ هُوَ الاِعْتِبَارُ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلاَحِ: (مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ) قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الاِعْتِبَارَ قَسِيمٌ لَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ هَيْئَةُ التَوَصُّلِ إِلَيْهِمَا» (٢).
ونقاد الحديث لا يتشددون في الشواهد والمتابعات تشددهم في الأصول، فيغتفرون فيها من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفرون في الأصول، وربما وقع في " الصحيحين " شيء من ذلك. ولهذا يقول الدارقطني وأمثاله من النقاد في بعض الضعفاء: «هَذَا يَصْلُحُ لِلاِعْتِبَارِ» و«هَذَا لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ» (٣).
ومتى وُصِفَ الضعيف بأنه «مَتْرُوكَ الحَدِيثِ» فهو لا يصلح للاعتبار. مثاله حديث «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا»، فقد رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: «غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ». فأوضح السيوطي عبارة
_________________
(١) " ألفية السيوطي ": ص ١٠٤، البيت ٢٠٤.
(٢) " نزهة النظر ": ص ٢٣، وقارن بـ " التوضيح ": ٢/ ١١، ١٢.
(٣) " اختصار علوم الحديث ": ص ٦٤.
[ ٢٤٣ ]
الترمذي هذه بقوله: «أَيْ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ، وَإِلاَّ فَقَدَ رَوَاهُ الحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. وَالحَسَنُ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، لاَ يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَاتِ» (١).
ومن أراد تتبع الطرق التي تصلح للشواهد والمتابعات فعليه بالجوامع والمسانيد والأجزاء. وقد أوضحنا المراد منها ص ١٢٢ وما بعدها.
١٦ - المُدْرَجُ:
المدرج هو الحديث الذي اطلع في متنه أو إسناده على زيادة ليست منه (٢). ومورد تسميته واضح، فهو من أدرجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه وضمنته إياه (٣).
ورواة الصحاح والحسان والمسانيد ينبهون غالبًا على كل زيادة في أحاديثهم مهما تكن هينة يسيرة، بالنص على أصحابها، سواء أوقعت تلك الزيادة في المتن أو الإسناد، ذلك بأنهم يخافون إن لم ينصوا على العبارة المدرجة وعلى مدرجيها أن يأتي من ينقلها عن لسانهم غير ملاحظ إدراجها، فيساعدون بذلك - من غير قصد - على الكذب على رسول الله أو على من أدى أحاديث هذا الرسول الكريم. ولا ريب أن تعمد الإدراج ضرب من الكذب والتدليس لا يقدم عليه إلا ضعيف الإيمان مزعزع العقيدة. قَالَ السَّمْعَانِيِّ: «مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ» (٤).
_________________
(١) " الباعث الحثيث ": ص ٦٤ نقلًاَ عن " التدريب ": ص ٨٥.
(٢) قارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ٨٠.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٥٠ هامش.
(٤) " التدريب ": ص ٩٨.
[ ٢٤٤ ]
والإدراج في المتن أكثر ما يكون في آخر الحديث، يتطوع بإدخاله بعض الرواة بعبارة منهم يقصدون بها الايضاح والتفسير. وقد يوجد هذا الإدراج في أول الحديث أو وسطه، ووقوعه أوله أكثر من وسطه (١).
فمن الإدراج في الوسط ما رواه النسائي من حديث فضالة مرفوعًا «أَنَا زَعِيمٌ، - وَالزَّعِيمُ الحَمِيلُ - لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ» (٢). فعبارة «وَالزَّعِيمُ الحَمِيلُ» لم تكن في أصل الحديث من كلام رسول الله - ﷺ -، وإنما هي مدرجة أدخلها ابن وهب - أحد رواة الحديث - تفسيرًا للفظ «زَعِيمٍ» الذي ظنه غير واضح في السياق.
ومن الإدراج في أول الحديث ما رواه الخطيب من طريق أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» فعبارة «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» في أول الحديث ليست من كلام الرسول - ﷺ - الذي لم يزد على أن قال «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ولكن أبا هريرة أدرج العبارة السابقة،
فوهم أبو قطن وشبابة في روايتهما لها عن شعبة، وظناها من قول الرسول - ﷺ - لا من قول أبي هريرة (٣).
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ٥٣ هامش.
(٢) " التدريب ": ص ٩٧.
(٣) عرفنا وقوع الإدراج في هذا الحديث من الروايات الكثيرة الأخرى الخالية من عبارة «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ»، وأجدر تلك الروايات بالعناية والاهتمام بها ما جاء في " صحيح البخاري " عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ ﷺ قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (*). وقد ذكر السيوطي في " التدريب ": ص ٩٦ نقلًا عن الخطيب أن الحديث بروايته الأخيرة «قَدْ رَوَاهُ الجَمُّ الْغَفِيرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَرِوَايَةِ آدَمَ». ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " الجامع الصحيح " للإمام البخاري: (٤) كِتَابُ الوُضُوءِ (٢٩) بَابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ، حديث رقم ١٦٥ (" فتح الباري ": ١/ ٢٦٧، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة - بيروت).
[ ٢٤٥ ]
ومن الإدراج في آخر الحديث ما في " الصحيح " عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ الجِهَادُ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» (١) فرسول الله - ﷺ - اكتفى بقوله: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ» غير أن أبا هريرة تكفل بإيضاح هذين الأجرين بقسمه بتمني الرق، ومثل هذه الأمنية يستحيل أن تساور قلب النبي - ﷺ - الذي جاء بتعاليمه يدعو إلى تحرير الرقيق، فضلًا عن أن أمه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - توفيت وهو صغير، فلا يمكن قطعًا أن تكون العبارة من قوله - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - (٢).
أما مدرج الإسناد فمرجعه في الحقيقة إلى المتن (٣) وأهم صوره اثنتان (٤)، الأولى: أن يجمع راو على إسناد واحد حديثًا ذا أسانيد مختلفة، من غير أن يومئ إلى اختلاف تلك الأسانيد في الأصل (٥).
مثاله: ما رواه الترمذى من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟» الحديث، فإن واصلًا لا يذكر في روايته «عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ» إنما يروي عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، فذكر [عمرو] بن شرحبيل إدراج على رواية منصور والأعمش، يتضح ذلك من رواية يحيى القطان
_________________
(١) " التدريب ": ص ٩٦.
(٢) " التوضيح ": ٢/ ٦٢.
(٣) " الباعث الحثيث ": ص ٨٢.
(٤) ذكر شيخ الإسلام ابن حجر في " شرح النخبة ": ص ٢١، ٢٢ أربع صور لمدرج الإسناد، فتراجع في مواضعها.
(٥) قارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ٨٢.
[ ٢٤٦ ]
عن الثوري هذا الحديث بإسنادين إلى واصل ليس فيهما الإدراج المذكور، أحدهما عن منصور والثانى عن الأعمش، ورواية القطان أخرجها " البخاري " (١). فالإسناد قد تعدد، ولم يشر الراوي إلى تعدده، فأوهم بذلك أن واصلًا روى عن عمرو بن شرحبيل، المذكور صراحة في كل من الإسنادين الآخرين عن منصور والأعمش (٢).
والصورة الثانية أن يكون الحديث عند أحد الرواة بإسناد، ولديه حديث آخر بغير ذلك الإسناد، فيأتي رَاوٍ ويروي عنه أحد الحديثين بإسناده، ويدرج فيه الحديث الآخر من غير بيان. مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعًا: «لاَ تَبَاغَضُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، ولاَ تَنَافَسُوا» الحديث. فابن أبي مريم أدرج في هذا الحديث عبارة ليست منه، وإنما هي من حديث آخر له إسناد آخر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، وهذه العبارة هي «ولاَ تَنَافَسُوا» المعروفة في السند الآخر، كما في " الصحيحين " و" الموطأ " (٣).
ودواعي الإدراج كثيرة، منها تفسير بعض الألفاظ الغريبة في الحديث النبوي، ومنها تبيان حكم شرعي يمهد له الراوي بقول النبي - ﷺ - ويكون ذلك من الإدراج في أول المتن، ومنها استنباط حكم من حديث النبي، وذلك
_________________
(١) راجع في (" التدريب ": ص ٩٨) تفصيل نوع الإدراج في هذه الرواية.
(٢) قارن بـ "الباعث الحثيث ": ص ٨٣.
(٣) " التوضيح ": ٢/ ٦٥. و"حاشية لقط الدرر ": ص ٧٩.
[ ٢٤٧ ]
يكون من الإدراج في وسط المتن أو في آخره (١). وهذه جميعًا من الدواعي التي لا يعجزنا تسويغها للراوي ولو وقعت منه على عمد. ولذلك كان الزهري وغيره من الأئمة لا يرون بأسًا بالإدراج لتفسير الغريب ونحوه مما ذكرناه (٢). أما تعمد الإدراج، لغير هذه الدواعي، فهو حرام بإجماع أهل الحديث والفقه. ومن الواضح أن المدرج الذى أدخلناه هنا في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف هو الذي لا يحاكي أي صورة من صور التدليس، ولا يكون صحيحًا أو حسنًا منه إلا ما عرفت فيه العبارة المدرجة، وَعُلِمَ أن الغرض من ذكرها مجرد الايضاح والتفسير، وأن الحديث في أصله خال منها ليس فيه إلا أقوال النبي الكريم في المرفوع، أو في أقوال صحابته والتابعين في الموقوف والمقطوع.
والطريق إلى معرفة المدرج من وجوه (٣):
الأول: أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي - ﷺ -، كحديث: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا إِلاَّ » فإن العبارة الأخيرة مدرجة، زادها الراوي الصحابي ابن مسعود، إذ لا يصح أن يضاف إلى النبي - ﷺ - شيء من الشرك. ومنه إدراج أبي هريرة تمني الرق في حديث الرسول، كما رأينا قريبًا.
الثاني: أن يصرح الصحابي بأنه يسمع تلك الجملة المدرجة من النبي - ﷺ - كحديث ابن مسعود: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كلمة «مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ»، وأخرى أقولها: «مَنْ مَاتَ لاَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ الجَنَّةَ».
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ٥٢ هامش.
(٢) " التدريب ": ص ٩٨.
(٣) انظر تفصيل هذه الوجوه في " حاشية لقط الدرر ": ص ٩١ و" التوضيح ": ٢/ ٦٢.
[ ٢٤٨ ]
والحديث في " صحيح مسلم " بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى». لكنا لا نستطيع أن نقطع بتعيين الجملة المدرجة هل هي دخول الجنة لمن لا يجعل لله نِدًّا، أو دخول النار فيمن جعل لله نِدًّا، لاختلاف الرواية.
الثالث: أن يصرح بعض الرواة بفصل العبارة المدرجة عن المتن المرفوع، فيضيفها إلى قائلها، ويعين المزيد والمزيد عليه. مثاله قول ابن مسعود بعد روايته حديث النبي في التشهد: «فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ».أخرجه أبوداود، فهذه العبارة مدرجة، وقد قطعت بإدراجها رواية شبابة بن سوار عن ابن مسعود، إذ قال: قال عبد الله: «فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ » الحديث رواه الدارقطني وقال: شبابة ثقة.
١٧ - المُسَلْسَلُ:
هو الحديث المسند المتصل الخالي من التدليس الذي تتكرر في وصف روايته عبارات أو أفعال متماثلة ينقلها كل رَاوٍ عمن فوقه في السند، حتى ينتهي إلى رسول الله (١). وخلوه من التدليس والانقطاع يحمل الناشئ في هذا العلم على الحكم بصحته فورًا فيكون في حكمه هذا متسرعًا، إذ يخفى عليه ما في تسلسل تلك العبارات أو الأفعال المماثلة من إثارة للريبة في اشتمال الرواية حقًا عليها. قال ابن كثير: «وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع. ومع هذا قلما
_________________
(١) قارن بتعريف ابن جماعة للمسلسل في " حاشية لقط الدرر ": ص ١٣٦ فهو يقول: «المُسَلْسَلُ مَا اِتَّفَقَ رُوَاتُهُ عَلَى صِفَةٍ أَوْ حالَةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ».
[ ٢٤٩ ]
يصح حديث بطريق مسلسل» (١). ولقد يكون أصل المتن في حديث من هذا النوع صحيحًا، لسلامته من التدليس، ولكن صفة الضعف تطرأ عليه بمجرد تسلسل بعض الأقوال أو الأفعال في روايته نفسها تسلسلًا كاملًا متماثلًا من كل وجه، لتعذر هذا التسلسل وندرة هذا التماثل في تناقل الأخبار. ومن هنا صحت متون أحاديث كثيرة، من غير أن تكون روايتها نفسها صحيحة بالتسلسل على الوجه الذي وصفناه (٢).
ولذلك قال ابن حجر في المسلسل: «وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الإِسْنَادِ» (٣) بخلاف المرفوع ونحوه فإنه من صفات المتن، وبخلاف الصحيح فإنه من صفاتهما معًا.
مثال الحديث المسلسل الذي تتماثل العبارات في روايته، ويستغرب وقوع التماثل فيه، مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ الأَدَمِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الوَاسِطِيُّ خَادِمُ أَبِي مَنْصُورٍ الشَّنَابُزِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو مَنْصُورٍ: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ مَنْصُورٍ، فَإِنَّ مَنْصُورًا قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ عَلْقَمَةَ، فَإِنَّ عَلْقَمَةَ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ النَّبِيِّ
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٨٩.
(٢) " حاشية لقط الدرر ": ص ١٣٦.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٣٤.
[ ٢٥٠ ]
ﷺ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي: «قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ جَبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ» (١).
ومثال المسلسل الذي تتماثل الأفعال في روايته، ولا يقل عن السابق استغراب وقوع التماثل فيه: ما رواه الحاكم قال: «شَبَّكَ بِيَدِي أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ المُقْرِئُ، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو عُمَرَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ بْنِ بَكْرِ بْنِ الشَّرُودِ الصَّنْعَانِيُّ، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبِي، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبِي، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: شَبَّكَ بِيَدِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَقَالَ صَفْوَانُ: شَبَّكَ بِيَدِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ أَيُّوبُ: شَبَّكَ بِيَدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ، وَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَالمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَآدَمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» (٢).
ولقد استشعر رجال الحديث ما يثيره في النفس تماثل هذه الأفعال والأقوال من الشك فيها والتجريح في رواياتها، فقال الحاكم النيسابوري معلقًا على شواهد ذكرها من هذا الباب ما نصه: «فَهَذِهِ أَنْوَاعُ المُسَلْسَلِ مِنَ الأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ التِي لاَ يَشُوبُهَا تَدْلِيسٌ، وَآثَارُ السَّمَاعِ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ ظَاهِرَةٌ غَيْرَ أَنَّ رَسْمَ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلَيْهَا مُحْكَمٌ، وَإِنِّي لاَ أَحْكُمُ لِبَعْضِ هَذِهِ الأَسَانِيدِ بِالصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهَا لِيُسْتَدَلَّ بِشَوَاهِدِهَا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (٣).
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ٢٠.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ٣٣، ٣٤.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ٣٤.
[ ٢٥١ ]
وإذا كان الحاكم - على حد تعبيره - لا يحكم لبعض تلك الأسانيد التي ذكرها بالصحة، فإن بعضها الآخر لا بد أن يكون حكمه عليها أوفر حَظًّا من الصحيح أو التحسين، وهو بذلك يشير إلى نوع من التسلسل تستدعيه حالة الرواة الضابطين، الذين ثبت لهم الضبط فعلًا، فأدوا جميعًا روايتهم كما تحملوها بعبارات مماثلة كسمعت أو حدثنا أو أخبرنا حتى يصل الحديث مسلسلًا بالعبارة نفسها إلى رسول الله - ﷺ -: فمثل هذا التسلسل في الألفاظ الدالة على صور الأداء ممكن الوقوع، أو هو- على الأقل - أكثر إمكانًا من تماثل ألفاظ الرواية نفسها أو أفعالها لدى الرواة. مثال ذلك قول الحاكم: «سَمِعْتُ أَبَا [الحُسَيْنَ] بْنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سَالِمٍ الأَصْبَهَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَحْيَى بْنَ حَكِيمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَوْنٍ الثَّقَفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: " الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ " قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَرْوَانَ أَوْ ذُكِرَ لَهُ، فَأَرْسَلَ أَوْ أَرْسَلَنِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَحَدَّثَتْنِي، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةَ، فَانْتَشَلَ عَظْمًا أَوْ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (١).
ومن المسلسل الصحيح مسلسل الحفاظ، وهو مما اتفقت فيه صفات الرواة، وكل واحد منهم قد بلغ درجة الحفظ، فهذا النوع من المسلسل مما يفيد العلم القطعي (٢).
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ٣٠.
(٢) " التدريب ": ص ١٩٥.
[ ٢٥٢ ]
لكن أصح حديث مسلسل يروى في الدنيا هو المسلسل بقراءة سورة الصف (١). وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ قَالَ: «قَعَدْنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَذَاكَرْنَا فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ لَعَمِلْنَاهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١، ٢]. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هَكَذَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَكَذَا. قَالَ يَحْيَى: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا أَبُو سَلَمَةَ. قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا الأَوْزَاعِيُّ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ» (٢).
ومن الأحاديث المسلسلة التي حكم النقاد ببطلانها مَتْنًا وَتَسَلْسُلًا الحديث المسلسل بالقسم، وهو أن النبي - ﷺ - قال: «بِاللَّهِ العَظِيمِ لَقَدْ حَدَّثَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وَقَالَ: بِاللَّهِ العَظِيمِ لَقَدْ حَدَّثَنِي مِيكَائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، إِلَى أَنْ يَنْتَهِي إِلَى رَبِّ العِزَّةِ - ﵎ - » الحديث، قال السخاوي: «هَذَا الحَدِيثُ بَاطِلٌ مَتْنًا وَتَسَلْسُلًا» (٣).
والخلاصة، أن الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف لا يكون اعتباطًا، فسلامة الحكم من الخطإ متوقفة - إلى حد بعيد - على تتبع السند والمتن في جميع جوانبهما، تمهيدًا لتوجيه الوصف اللائق بهما في أناة وروية.
_________________
(١) نفسه: ص ١٩٤.
(٢) " حاشية لقط الدرر ": ص ١٣٥.
(٣) نفسه: ص ١٣٦.
[ ٢٥٣ ]
١٨ - المُصَحَّفُ:
ُعني جهابذة الحفاظ عناية بالغة بمعرفة المُصَحَّفِ من الحديث مَتْنًا وَإِسْنَادًا، وَعَدُّوا «مَعْرِفَةَ هَذَا النَّوْعِ مُهِمَّةً» (١) وأكبروا كل من يحذقه، لأن فيه حُكْمًا على كثير من العلماء بالخطأ.
وكان المتقدمون من نقاد الحديث لا يفرقون بين المُصَحَّفِ وَالمُحَرَّفِ، فكلاها يقع فيه الخطأ لأنه مأخوذ عن الصحف، لم ينقل بالمشافهة والسماع. وتبعًا لهذا الترادف بين اللفظين، سَمَّى الإمام العسكري (٢) كتابه في هذه المباحث " التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه " (٣). وهو مِنْ أَجَلِّ التصانيف في بيان ما وقع فيه العلماء من تصحيف القُرْآنِ وَالسُنَّةِ. وأراد العسكري أن يخبر قارئ كتابه بتساوي التصحيف والتحريف في نظره فقال: «شَرَحْتُ فِي كِتَابِي [هَذَا] الأَلْفَاظَ وَالأَسْمَاءَ المُشْكَلَةَ التِي تَتَشَابَهُ فِي صُورَةِ الخَطِّ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٢) هو الإمام اللغوي العلامة أبو أحمد العسكري، الحسن بن عبد الله بن سعيد، انتهت إليه رئاسة التحديث والإملاء، وصنف " صناعة الشعراء " و" الحكم والأمثال "، و" المختلف والمؤتلف ". وأهم كتبه " التصحيف " الذي نذكره في هذا البحث. ومن تلاميذه أبو هلال العسكري صاحب " الصناعتين " واسم أبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، فقد توافق الشيخ والتلميذ في الاسم واسم الأب والنسبة. ولذلك خلط بينهما بروكلمان في (" تاريخ آداب العرب ": ١/ ١٢٧) ثم انتبه إلى ذلك وصححه في الذيل. توفي أبو أحمد العسكري سَنَةَ ٣٨٢ هـ (" بغية الوعاة ": ص ٢٢١).
(٣) طبع هذا الكتاب في مصر طبعًا غير متقن سَنَةَ ١٣٢٦ هـ. وأصله المخطوط موجود في دار الكتب بالقاهرة. ويقع في ١٥٦ ورقة (*). ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) طبع الكتاب باسم " شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف "، تأليف أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (٢٩٣ - ٣٨٢ هـ)، تحقيق عبد العزيز أحمد، الطبعة الأولى: ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م، طبع ونشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
[ ٢٥٤ ]
[فَيَقَعُ] فِيهَا التَّصْحِيفُ، وَيَدْخُلَهَا التَّحْرِيفُ» (١). وقال في موضع آخر: «أَصْلُ هَذَا أَنْ قَوْمًا كَانُوا أَخَذُوا العِلْمَ عَنْ الصُّحُفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلَقَوْا فِيهِ العُلَمَاءَ فَكَانَ يَقَعُ فِيمَا يَرْوُونَهُ التَّغْيِيرَ» (٢).
لكن المتأخرين من الحفاظ مالوا إلى التفرقة بين المصحف والمحرف وإن جاءت تفرقتهم لفظية شكلية، فرأى ابن حجر مثلًا أن ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخطُ سمي «مُصَحَّفًا»، وما كان فيه ذلك في الشكل سمي «مُحَرَّفًا» (٣). فمثال المصحف - على هذا الاصطلاح - حديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» صحفه أبو بكر الصولي فقال «شَيْئًا»، بالشين المعجمة والياء.
ومثال المحرف كحديث جابر: «رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ» صَحَّفَهُ غُنْدُرْ وقال فيه: «أَبِي» بالإضافة، وإنما هو أُبَيٌ بْنُ كَعْبٍ، وأبو جابر كان قد استشهد قبل ذلك بِأُحُدْ (٤).
والأخبار متضافرة على أن التصحيف وقع في القرآن مثلما وقع في الحديث، وكان أكثر المصحفين من المتعالمين بين العامة، الذين لم يكن لهم شيوخ من القراء والحفاظ يوقفونهم على أخطائهم (٥).
قال أبو بكر المعيطي: «عَبَرْتُ (*) بِمُؤَدِّبٍ، وَهُوَ يُمْلِي عَلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: " قُرَّيْقٌ فِي الحَبَّةِ وَقُرَّيْقٌ فِي الشَّعِيرِ! "،
_________________
(١) " التصحيف ": ص ٣.
(٢) نفسه ص ٩.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٢٢.
(٤) " حاشية لقط الدرر ": ص ٩٥.
(٥) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٩٢. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع «عَثَرْتُ» وما أثبته «عَبَرْتُ» بالرجوع إلى " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، (من أخبار المصحفين في القرآن): رقم ٦٤٩، ١/ ٤٦٥، الطبعة الثالثة: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م، نشر مؤسسة الرسالة.
[ ٢٥٥ ]
فَقُلْتُ لَهُ: " يَا هَذَا، مَا قَالَ اللَّهُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فَقَالَ: " أَنْتَ تَقْرَأُ عَلَى حَرْفِ أَبِي عَاصِمِ بْنِ الْعَلاَءِ الكِسَائِيِّ، وَأَنَا أَقْرَأُ عَلَى حَرْفِ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ عَاصِمٍ المَدَنِيِّ! "، فَقُلْتُ: " مَعْرِفَتُكَ بِالقُرَّاءِ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَانْصَرَفْتُ "» (١).
ولم يُحْكَ عن أحد من المحدثين من التصحيف في القرآن أكثر مما حكي عن عثمان بن أبي شيبة (٢). وقد أورد الدارقطني في كتابا " التصحيف" كثيرًا من أخطائه وتحريفاته (٣). من ذلك أنه قرأ على أصحابه في التفسير: «جَعَلَ السَّفِينَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ» فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]، فَقَالَ: " أَنَا وَأَخِي أَبُو بَكْرٍ لاَ نَقْرَأُ لِعَاصِمٍ! " (٤)، وقرأ عليهم في التفسير أيضًا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] فَجَوَّدَ أَوَّلَهَا كَمَا تُجَوَّدُ فواتح السور (الم) كأنها أول سورة البقرة (٥). ومن ذلك أنه قرأ: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسِنَّوْرٍ لَهُ نَابٌ»، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا هُوَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] فَقَالَ: «أَنَا لاَ أَقْرَأُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ، قِرَاءَةُ حَمْزَةَ عِنْدَنَا بِدْعَةٌ!» (٦).
_________________
(١) " الجامع ": ٤/ ٦٤ وجه ١.
(٢) نفسه: ٤/ ٦٣ وجه ٢. وعثمان بن أبي شيبة، هو الحافظ أبو الحسن عثمان بن محمد، وينسب إلى جده أبي شيبة. وهو أخو أبو بكر بن محمد بن أبي شيبة من أصحاب المسانيد وقد توفي عثمان سَنَةَ ٢٣٩ هـ (" الرسالة المستطرفة ": ص ٥٠).
(٣) " التدريب ": ص ١٩٧. وكتاب الدارقطني في " التصحيف " ذكره شيخ الإسلام في " شرح النخبة ": ص ٢٢ مع كتاب العسكري الذي سبقت الإشارة إليه.
(٤) قارن بين " التدريب ": ص ١٩٧ و" الجامع ": ٤/ ٦٤ وجه ١.
(٥) " التدريب ": ص ١٩٧.
(٦) " الجامع ": ٤/ ٦٤ وجه ١.
[ ٢٥٦ ]
على أن ابن كثير لا يصدق هذه الأخبار المنسوبة إلى عثمان بن أبي شيبة، ويدافع عنه دِفَاعًا حَارًّا فيقول: «وَمَا يَنْقُلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّفُ قِرَاءةَ القُرْآنِ فَغَرِيبٌ جِدًّا، لأَنَّ لَهُ كُتَّابًا فِي التَّفْسِيرِ! وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَشْيَاءٌ لاَ تَصْدُرُ عَنْ صِبْيَانِ المَكَاتِبِ!!» (١).
ولئن أحيطت مثل هذه التصحيفات بكثير من الريبة في صحتها، لوقوعها في القرآن وصدورها عن عالم حافظ، مفسر، محدث، فإن من العسر علينا أن ننكر ضروبًا من التصحيف وقعت في متون الأحاديث تارة، وفي أسانيدها تارة أخرى، وإن أي كتاب في مصطلح الحديث ليشتمل من هذا الباب على أمثلة كثيرة. وما أحسن قول الإمام أحمد: «وَمَنْ يَعْرَى عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ»؟! (٢).
والمصحف أكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد (٣): فمن مصحف المتن أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أُجْلِسَ لِلتَّحْدِيثِ شَيْخٌ يُعْرَفُ بِمَحْمِشٍ فحدث أن النبي - ﷺ - قال: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ البَعِيرُ؟!» يُرِيدُ «مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» (٤).
ومنه ما رواه زَكَرِيَّا بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: " صَحَّفَ بَعْضُهُمْ: «لاَ يُوَرَّثُ حَمِيلٌ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ» فَقَالَ: لاَ يَرِثُ جَمِيلٌ إِلاَّ بُثَيْنَةَ " (٥) وصحف
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ١٩٢.
(٢) " التدريب ": ص ١٩٦.
(٣) " شرح النخبة ": ص ٢٢. وإنما قال ابن حجر: «الأسماء التي في الأسانيد» احترازًا من الأسماء التي تذكر في المتون، فإنها من مصحف المتن ولو وقعت في الأسامي.
(٤) النَّغَيْرُ تصغير نغر وهو طائر صغير يشبه العصفور، أحمد المنقار، والحديث مشهور، انظر " معرفة علوم الحديث ": ص ١٤٦ وقارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ١٩٣.
(٥) " الجامع ": ٤/ ٦٢ وجه ٢.
[ ٢٥٧ ]
بعضهم حديث «زُرْ غبًا تزدَدْ حُبًّا»، فَقَالَ: «زَرْعُنَا تَزْدَادُ حِنًّا»، ثم قص قصة طويلة أن قومًا ما كانوا يُؤَدُّونَ عشر غلاتهم ولا يتصدتون، فصارت زروعهم كلها حِنَّاءَ (١).
ومن أطرف ما يروى في تصحيف المتون «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى بَيْتِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ: كَيْفَ حَدَّثَكَ نَافِعٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الذِي نُشِرَتْ فِي أَبِيهِ القِصَّةُ؟ فَقَالَ اللَّيْثُ: " وَيْحَكَ، إِنَّمَا هُوَ فِي الذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٢).
ومن مصحف الإسناد ما رواه محمد بن عبد القدوس المقرئ عن بعض مشايخه أنه قال: «قرأ علينا شيخ ببغداد عن سفيان الثوري عن جلد الجدا عن الجسْر» (٣) يريد «عن سفيان الثورى عن خالد الحذاء، عن الحسن» (٤).
ومنه ما رواه الإمام الشافعي عن تصحيفات الإمام مالك، قَالَ المُزَنِيَّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «صَحَّفَ مَالِكٌ فِي عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَفِي جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَبْرُ بْنُ عَتِيكٍ، وَفِي عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ قُرَيْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ» (٥).
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٤٨، وقارن بـ " التدريب ": ص ١٩٦.
(٢) " الجامع ": ٤/ ٦٢ وجه ٢.
(٣) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٥٢.
(٤) وقد سبقت تراجمهم جميعًا.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٥٠.
[ ٢٥٨ ]
والتصحيف ظاهر في الاسمين الأولين. أما الاسم الثالث فقد علق عليه الحاكم بما نصه: «قَوْلُهُ ﵀ فِي عَبْدِ العَزِيزِ وَهْمٌ، فَإِنَّهٌ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ قُرَيْرٍ، بِلاَ شَكٍّ، وَلَيْسَ بِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ قُرَيْبٍ، فَإِنَّ مَالِكًا لاَ يَرْوِي عَنِ الأَصْمَعِيِّ (١)، وَعَبْدُ العَزِيزِ هَذَا قَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ مَالِكٍ» (٢).
ويشبه هذا مما يرويه المؤلفون في تصحيح السماع: أن شعبة بن الحجاج صَحَّفَ اسم خالد بن علقمة إلى مالك بن عرفطة (٣). ويظهر أنهما شيخان روى شعبة عن أحدهما، وروى غيره عن الآخر، ومالك ابن عرفطة شيخ لشعبة فلا يعقل أن يصحف اسمه سَمَاعًا، ولكن ربما وهم شعبة في الإسناد فوضع اسمًا مكان آخر، فظنه النقاد تصحيفًا (٤).
والأصل في التصحيف أن يكون من أخطاء النظر في الصحف كما رأينا، ومنه كانت تسميته، ولكن منه نوعًا يُسَمَّى تَصْحِيفَ سَمْعٍ: وهو أن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلًا ونقطًا، فيشتبه ذلك على السمع، كحديث عاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: «وَاصِلٌ الأَحْدَبُ» (٥). قال ابن الصلاح:
_________________
(١) يقصد أنه لا يروي عن عبد الملك بن قريب، لأنه أصمعي كما هو معروف.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٥٠.
(٣) انظر " التدريب " مثلًا: ص ١٩٧.
(٤) للعلامة أحمد محمد شاكر تحقيق دقيق حول هذا التصحيف في " شرحه على الترمذي ": (ج ١ ص ٦٧ - ٧٠). وراجع في (" مسند أحمد " بتحقيق شاكر أيضًا) الحديثين رقم ٩٢٨ و٩٨٩ حيث تجد إسنادين في أحدهما خالد بن علقمة، وفي الآخر مالك بن عرفطة.
(٥) " التدريب ": ص ١٩٦، ١٩٧.
[ ٢٥٩ ]
«فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ، لاَ مِنْ تَصْحِيفِ البَصَرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَشْتَبِهُ مِنْ حَيْثُ الكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ سَمْعُ مَنْ رَوَاهُ» (١).
ومن تصحيف السمع أن الأهوازيين صَحَّفُوا بُكَيْرًا إلى أُكَيْلٍ. قال الحاكم: «فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ أَخَذَهُ إِمْلاَءً، سَمِعَ بُكَيْرًا فَتَوَهَّمَهُ أُكَيْلًا» (٢).
وكثرة وقوع التصحيف في أسماء الرواة حملت النقاد على العناية بالمتشابه من هذه الأسماء، بل جاوزوه إلى معرفة المتشابه في قبائل الرواة وبلدانهم وكناهم وصنائعهم (٣) وإلى معرفة من له أسماء متعددة (٤) ومن اشتهر بالاسم دون الكنية (٥)،والمؤتلف والمختلف من الأسماء والألقاب والأنساب (٦)، وصنفوا في ذلك كتبًا كثيرة طُبِعَ بعضها ولا يزال أكثرها مخطوطًا.
والتصحيف في جميع صوره المتعلقة بالمتن، غالبًا ما يغير المعنى، ويشوه الحقائق (٧)، ولا سيما إذا كان المصحف قليل المعرفة، سيء الضبط. ومن
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح ": ص ٢٣٣.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ١٥١.
(٣) نفسه: ص ٢٢١.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٣٥.
(٥) نفسه: ص ٢٤٦.
(٦) " التدريب ": ص ٢٣٥.
(٧) ولذلك يقسمون المصحف إلى مصحف في اللفظ ومصحف في المعنى، انظر " التدريب ": ص ١٩٦، ١٩٧.
[ ٢٦٠ ]
غريب ما يرويه الخطيب في هذا الباب عن أبي موسى محمد بن المثنى العَنزي أنه قال يومًا يفخر بقبيلته: نحن قوم لنا شرف، نحن من عَنَزَةَ. قد صلى النبي - ﷺ - إلينا!»، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى إِلَى عَنَزَةَ، توهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنَزَةُ التي صلى إليها النبي - ﷺ - هي حَرْبَةً كانت تُحْمَلُ بن يديه فَتُنْصَبُ فيصلي إليها! (١).
ولقد يشكل على كثيرين أن يُسْلَكَ المصحف في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف رغم الضعف الظاهر الذي يكاد يطبعه في جميع صوره، فأقل ما يفترضه الباحث فيه أنه يجب أن يكون خالصًا للضعف، إن لم يحكم بأنه موضوع.
وخطأ هذا الافتراض يبدو بكل وضوح منذ البداية، فإنه يقوم على اعتقاد فاسد خلاصته أن المصحفين يُمْنَعُونَ من تحريف الصحيح والحسن، ويؤذن لهم بالتلاعب كما يريدون بالضعيف الواهي من الروايات، وهذا مما يكذبه الواقع، فإن المصحفين لم يكتفوا بجميع أنواع الحديث يحرفونها، بل بلغت الصفاقة ببعضهم حَدًّا لا يطاق حين طوعت لهم أنفسهم التصحيف في كتاب الله. وكما يمتاز القرآن المتواتر من تلك التصحيفات فلا يلتبس بها قط، يمتاز منها الحديث أيضًا صحيحًا وحسنًا وضعيفًا، فيقال: هذا صحيح ولكن صحفه فلان، وهذا حسن وقع فيه تصحيف، كما يقال: هذا ضعيف، صُحِّفَ أَمْ لَمْ يُصَحَّفْ. وبعد، فقد تمت بدراسة «المصحف» المصطلحات العشرون المشتركة بين الصحيح
_________________
(١) " الجامع ": ٤/ ٦٣ وجه ١.
[ ٢٦١ ]
والحسن والضعيف، وقد أدخلنا فيها الموقوف والمقطوع كما أشرنا إلى ذلك في مطلع هذا البحث.
ودراستنا لها زمرًا ثلاثية وثنائية حيث تقاربت أو تعاكست، يسرت علينا بلا ريب فهم تعاريفها وصورها وأمثلتها وأظهرتنا على كثير من المقاييس النقدية التي كان المحدثون يعلون بها آراءهم ووجهات نظرهم، بلسان مبين فيه دقة المؤرخ، وبراعة المنطقي، وبلاغة الخطيب، وأمانة الناقل الذي يعتقد أن هذا الأمر دين!.
[ ٢٦٢ ]
الفَصْلُ السَّادِسُ: المَوْضُوعُ وَأَسْبَابُ الوَضْعِ:
الموضوع هو الخبر الذي يختلقه الكذابون وينسبونه إلى رسول الله - ﷺ - افتراء عليه (١). وأكثر ما يكون هذا الاختلاق من تلقاء نفس الوضاع، بألفاظ من صياغته وإسناد من نسجه. وقد يلجأ بعض المفترين، إذا لم يتح لهم خيال خصيب يقدرهم على الوضع إلى اصطناع إسناد مكذوب ينتهون به إلى النبي - ﷺ - واضعين في فيه حكمة رائعة، أوكلمة جامعة، أو مثلًا موجزًا (٢).
وَلَقَدْ قِيلَ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ المُبَارَكِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ؟ فَقَالَ: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]» (٣).وقد عاش لها الجهابذة حَقًّا، فوضعوا منهجًا علميًا دقيقًا، يميزون به الرواية الصحيحة من المختلقة المفتراة. وقواعد هذا المنهج كثيرة أشهرها الخمس التالية التي يكفي وجود إحداها في خبر ما للحكم بوضعه.
_________________
(١) " التدريب ": ص ٩٨.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٢٠.
(٣) " التدريب ": ص ١٠٢. ونسب هذا القول في (" التوضيح ": ٢/ ٨٩) إلى عبد الرحمن بن مهدي.
[ ٢٦٣ ]
القاعدة الأولى: اعتراف الواضع نفسه، باختلاقه الأحاديث (١)، كما فعل أبو عصمة نوح بن أبي مريم، الملقب بنوح الجامع، فإنه أقر بوضعه على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة (٢).
القاعدة الثانية: أن يكون في المروي لحن في العبارة أو ركة في المعنى (٣)، فذلك مما يستحيل صدوره عن أفصح من نطق بالضاد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وهذه القاعدة يسهل إدراكها على المتمرسين بهذا الفن، فإن للحديث - كَمَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «ضَوْءًا كَضَوْءِ النَّهَارِ تَعْرِفُهُ، وَظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ، تُنْكِرُهُ» (٤).
ونقاد الحديث يولون عنايتهم ركة المعنى قبل ركة اللفظ، لأن فساد المعنى أوضح دليل على الوضع، قال الحافظ ابن حجر: «المَدَارُ فِي الرِّكَّةِ عَلَى رِكَّةِ المَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ دَلَّتْ عَلَى الوَضْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا رِكَّةُ اللَّفْظِ ; لأَنَّ هَذَا الدِّينَ كُلُّهُ مَحَاسِنُ، وَالرِّكَّةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّدَاءَةِ. أَمَّا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَلاَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٢٠.
(٢) " التدريب ": ص ١٠٢. ومن ذلك إقرار عمر بن صبح بن عمران [التميمي] (*) بأنه وضع خطبة للنبي - ﷺ -،،إقرار ميسرة بن عبد ربه الفارسي بأنه وضع في فضل علي بن أبي طالب سبعين حديثًا. أما أبو عصمة فإنما لقب بالجامع لأنه أخذ العلم عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن [ابن] إسحاق، فكأنه جمع الكمالات. قال فيه أبو حاتم: جمع فيه كل شيء إلا الصدق. وقد ولي نوح الجامع قضاء مرو في خلافة المنصور. (انظر " التوضيح ": ٢/ ٨١).
(٣) " التدريب ": ص ٨٨. وقارن بما ذكرناه عن اللحن ص ٨٣.
(٤) " التوضيح ": ٢/ ٩٤. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع (التيمي) والصواب (التميمي) كما أثبته، انظر " تقريب التهذيب " لابن حجر، تحقيق الشيخ محمد عوامة: ص ٤١٤ ترجمة رقم ٤٩٢٢. طبعة دار الرشيد سوريا - حلب، طبعة ثالثة منقحة: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
[ ٢٦٤ ]
أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَغَيَّرَ أَلْفَاظَهُ بِغَيْرِ فَصِيحٍ، ثُمَّ إِنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَاذِبٌ» (١).
القاعدة الثالثة: أن يكون المروي مخالفًا للعقل أو الحس والمشاهدة، غير قابل للتأويل (٢). قِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ عَنْ جَدِّكَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ طَافَتْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّتْ خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (٣). وواضع هذا الخبر، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مشهور بكذبه وافترائه، ففي " التهذيب " نقلًا عن
الإمام الشافعي: «ذَكَرَ رَجُلٌ لِمَالِكٍ حَدِيثًا، مُنْقَطِعًا، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ يُحَدِّثْكَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نُوحٍ!!» (٤).
القاعدة الرابعة: أن يتضمن المروي وعيدًا شديدًا على أمر صغير، أو وعدًا عظيمًا على أمر حقير (٥)، كالخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، في رفقة آلاف من الحور العين، لفعل مندوب أو ترك مكروه (٦)، أو الخلود في
_________________
(١) " التدريب ": ص ٩٩.
(٢) " الكفاية ": ص ١٧، و" شرح النخبة ": ص ٢٠.
(٣) " التهذيب ": ٦/ ١٧٩ وقارن بـ " التدريب ": ص ١٠٠. ومن ذلك ما رواه ابن الجوزي في كتابه " الموضوعات " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الفَرَسَ فَأَجْرَاهَا، فَعَرَقَتْ، ثُمَّ خَلَقَ نَفْسَهُ مِنْهَا!!». ويعلق على هذا السيوطي في (" التدريب ": ص ١٠٠) فيقول: «هَذَا لاَ يَضَعُهُ مُسْلِمٌ، بَلْ وَلاَ عَاقِلٌ، وَالمُتَّهَمُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ، كَانَ زَائِغًا فِي دِينِهِ، وَفِيهِ أَبُو المُهَزِّمِ، قَالَ شُعْبَةُ: " رَأَيْتُهُ، لَوْ أُعْطِيَ دِرْهَمًا وَضَعَ خَمْسِينَ حَدِيثًا "!!».
(٤) " الباعث الحثيث ": ص ٩١.
(٥) قارن بـ " التدريب ": ص ٩٩.
(٦) " لقط الدرر ": ص ٨٣.
[ ٢٦٥ ]
جهنم مع مقت الله وغضبه لترك مندوب أو فعل مكروه. وكان القُصَّاصُ مولعين بوضع أخبار من هذا النوع يستميلون بها قلوب العوام إليهم (١).
القادعة الخامسة: أن يكون واضع الخبر مشهورًا بالكذب، رقيق الدين لا يتورع عن اختلاق الأحاديث والأسانيد انتصارًا لهوى شخصي (٢).
وَقِيلَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الهَرَوِيِّ: أَلاَ تَرَى إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِخُرَاسَانَ؟!، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ الأَزْدِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ، وَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي!!» (٣)، وأغرب من ذلك ما أسنده الحاكم عن سَيْفِ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: " مَالَكَ؟ " قَالَ: " ضَرَبَنِي المُعَلِّمُ " فَقَالَ: " لأُخْزِيَنَّهُمُ اليَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى المِسْكِينِ!» (٤).
وقد بدأ ظهور الوضع في سنة إحدى وأربعين بعد الهجرة، على عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -، حين تنازع المسلمون شِيَعًا وَأَحْزَابًا، وانقسموا سياسيًا إلى جمهور وخوارج وشيعة، «وَرَكِبُوا- كَمَا قَالَ ابْنُ
_________________
(١) " التدريب ": ص ٩٩.
(٢) " شرح النخبة ": ص ٢٠.
(٣) " لسان الميزان ": ٥/ ٧، ٨، وقارن بـ " التدريب ": ص ١٠٠ و" لقط الدرر ": ص ٨٤.
(٤) " التدريب ": ص ١٠٠. وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن حبان: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ». قال فيه يحيى بن معين: «لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ»، أما راوي القصة عنه، سيف بن عمر فقال فيه الحاكم: «اتُّهِمَ بِالزَّنْدَقَةِ، وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ سَاقِطٌ» (وقارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ٨٩).
[ ٢٦٦ ]
عَبَّاسٍ- الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ» من الإكثار من التحديث للأهواء: فكان الانتصار للمذاهب منذ أول الأمر أهم الأسباب الداعية إلى وضع الأخبار واختلاق الأحاديث. ولقد دأب أصحاب الأهواء في مختلف العصور على الافتراء على رسول الله - ﷺ -، حتى قال عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ المُقْرِئُ: «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البِدَعِ رَجَعَ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا هَذَا الحَدِيثَ عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا رَأْيًا جَعَلْنَا لَهُ حَدِيثًا» (١)! وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «أَخْبَرَنِي شَيْخٌ مِنَ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى وَضْعِ الأَحَادِيثِ» (٢).
ومن أصحاب الأهواء الفقهاء الذين يتصدون للدفاع عن مذاهبهم زُورًا وَبُهْتَانًا، فيشحنون كتبهم بالموضوعات، سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضاعون خدمة لهم وتاييدًا لهواهم. وقد تبلغ بهم الجراءة حد الخلط بين أقيستهم وبين أحاديث الرسول - ﷺ -، فيضعون في فيه عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم، وغالبًا ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعنى بالقياس عناية خاصة. قال أبو العباس القرطبي (٣): «اسْتَجَازَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ نِسْبَةَ الحُكْمِ الذِي دَلَّ عَلَيْهِ القِيَاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -[نِسْبَةً قَوْلِيَّةً، فَيَقُولُ فِي ذَلِكَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَذَا].وَلِهَذَا تَرَى كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةً بِأَحَادِيثَ تَشْهَدُ مُتُونُهَا [بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ ; لأَنَّهَا] تُشْبِهُ فَتَاوَى الفُقَهَاءِ، [وَلاَ تَلِيقُ بِجَزَالَةِ كَلاَمِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ] ; وَلأَنَّهُمْ لاَ يُقِيمُونَ لَهَا سَنَدًا [صَحِيحًا]!!»
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٠٣.
(٢) " التدريب ": ص ١٠٣.
(٣) أبو العباس القرطبي هو صاحب كتاب " المفهم شرح صحيح مسلم ". وعبارته هذه عن فقهاء الرأي نقلها عنه السخاوي في " شرحه ألفية العراقي في مصطلح الحديث ": ص ١١١.
[ ٢٦٧ ]
وأدهى من ذلك وَأَمَرُّ ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقربًا إلى الطبقة الحاكمة، وكسبًا للحظوة عندها: كما صنع غياث بن إبراهيم النخَعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حَدِّثْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ». فَأَمَرَ لَهُ المَهْدِيُّ بِبَدْرَةٍ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: «أَشْهَدُ عَلَى قَفَاكَ أَنَّهُ قَفَا كَذَّابٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -»، ثُمَّ أَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ، وَرَفَضَ مَا كَانَ فِيهِ (١).
وأحيانًا، يكون التعالم بين العامة سببًا في وضع الأحاديث، وذلك حين يظهر جاهل بزي العلماء، ويحرص على أن يظل في أعين العامة عالمًا يشار إليه بالبنان، فلا يستر جهله إلا كثرة وضعه للغرائب التي تخلب ألباب العامة في جميع الأجيال. روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ!» وَأَخَذَ فِي قِصَّتِهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً! فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَجَعَلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَنْظُرُ إِلَى أَحْمَدَ. فَقَالَ لَهُ: «حَدَّثْتَهُ بِهَذَا!؟»
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٢٠، و" التدريب ": ص ١٠٣، و" التوضيح ": ٢/ ٧٦. وللحديث أصل في " السنن الأربعة " إلا أن أصحابها لم يذكروا «الجَنَاحَ». انظر " لقط الدرر ": ص ٨٢.
[ ٢٦٨ ]
فَيَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ»، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: «تَعَالَ»، فجاء مُتَوَهِّمًا لِنَوَالٍ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: «مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟!» فَقَالَ: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ». فَقَالَ: «أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -!. فَقَالَ: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ، مَا تَحَقَّقْتُ هَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ! كَأَنْ لَيْسَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا؟. وَقَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ» فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: «دَعْهُ يَقُومُ»، فَقَامَ كَالمُسْتَهْزِئِ بِهِمَا» (١)!!.
والقصاص المتعالمون أصفق الناس وجهًا، وأشدهم وقاحة، وهم يتخذون- لترويج أحاديثهم المختلفة - أسانيد مشهورة يحفظونها كالببغاء ثم يضمونها إلى كل حديث يفترونه كما فعل هذا القاص الوقح مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وَكَمَا فَعَلَ قَاصٌّ آخَرَ حَكَى عَنْه أَبُو حَاتِمٍ البُسْتِي إِقْرَارَهُ بِجَهْلِهِ وَاخْتِلاَقِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدًا، فَقَامَ بَعْدَ الصَّلاَةِ شَابٌّ فَقَالَ: «حَدَثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَثَنَا أَبُو الوَلِيدِ عَنْ شُعَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ» وَذَكَرَ حَدِيثًا، «فَلَمَّا فَرَغَ دَعْوَتُهُ، فَقُلْتُ: " رَأَّيْتَ أَبَا خَلِيفَةً؟ "قَالَ: لاَ، قُلْتُ: " كَيْفَ تَرْوِي عَنْهُ وَلَمْ تَرَهُ؟ " فَقَالَ: إِنَّ المُنَاقَشَةَ مَعَنَا مِنْ قِلَّةِ المُرُوءَةِ! أَنَا أَحْفَظُ هَذَا الإِسْنَادَ، فَكُلَّمَا سَمِعْتُ حَدِيثًا ضَمَمْتُهُ إِلَى هَذَا الإِسْنَادِ!!» (٢).
ومن الغريب حَقًّا أن بعض الزهاد والمتصوفين طوعت لهم أنفسهم وضع
_________________
(١) أحمد محمد شاكر، " شرح ألفية السيوطي في المصطلح ": (ص ٨٧، ٨٨) و" الباعث الحثيث ": ص ٩٣، ٩٤، و" التوضيح ": ٢/ ٧٦، ٧٧.
(٢) " الباعث الحثيث ": ص ٩٣.
[ ٢٦٩ ]
الأحاديث على رسول الله - ﷺ - تَرْغِيبًا للناس في صالح الأعمال، كأن هذه الثروة التي لا يدرك البيان وصفها من أقواله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ونوابغ حِكَمِهِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهِ لم تكفهم ولم تشف صدورهم. واشتغال هؤلاء بالعبادة، واشتهارهم بالزهد والعفة، يحمل العامة على الاغترار بما يختلقونه، فخطرهم من هذه الناحية أشد هَوْلًا مما نتصور. ولقد شَوَّهُوا بجهلهم وجه الإسلام، وأدخلوا في تعاليمه ما ليس منه. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانَ: «مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ [وَالزُّهْدِ]» (١).
ولو ذهبنا نستقصي ما افتراه الوضاعون ونسبوه إلى رسول اللهِ - ﷺ - لما أمكننا إحصاؤه، فالزنادقة وحدهم وضعوا- كما قال حماد بن زيد - أربعة عشر ألف حديث (٢)، وَعَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ (٣) وَضَعَ وَحْدَهُ - بِاعْتِرَافِهِ - أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُخِذَ لِتُضْرَبَ عُنُقُهُ فِي خِلاَفَةِ المَهْدِيِّ صَاحَ قَائِلًا: «لَقَدْ وَضَعْتُ فِيكُمْ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، أَحَرِّمُ فِيهَا الحَلاَلَ وَأُحَلِّلُ الحَرَامَ!»
_________________
(١) " التوضيح ": ٢/ ٧٨. ولقد وجد المستشرق نولدكه في مثل هذه العبارة مادة صالحة للتعليق والتعقيب، مع أنها تشير إلى دقة المقاييس عند رجال الحديث، انظر: Geschischte des Coran. p. XXII
(٢) " التدريب ": ص ١٠٣.
(٣) وهو خال معن بن زائدة الشيباني الأمير المعروف. وقد ضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي أمير مكة. قال الذهبي في " الميزان " في ترجمة عبد الكريم هذا: «زِنْدِيقٌ مُبِينٌ». قارن بـ " التوضيح ": ٢/ ٧٥. ومثله في الزندقة والافتراء محمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب فإنه وضع كذلك أربعة آلاف حديث. ومن الأحاديث التي وضعها ما حكاه عنه الحاكم أبو عبد الله: أَنَّهُ رَوَى عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: «أَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ، لاَ نَبِيَّ بَعْدِي إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ». قال الحاكم معقبًا ومفسرًا: «وَضَعَ هَذَا الاِسْتِثْنَاءَ، لِمَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الإِلْحَادِ، وَالزَّنْدَقَةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى [التَّنَبِّي]». انظر " التدريب ": ص ١٠٣.
[ ٢٧٠ ]
على أننا - نحمد الله - أن حفظ دينه من عبث العابثين، وكلام نبيه من كذب الوضاعين بما قيض للأمة من علماء أمناء مخلصين مازوا الخبيث من الطيب، وعرفونا أسباب الوضع، وَجَرَّحُوا الوضاعين، وكشفوا معايبهم، وَأَلَّفُوا الكتب في الموضوعات يجمعونها، وأحيانًا يحفظونها، لِكَيْلاَ يلتبس عليهم منها شيء.
وأشهر الكتب في بيان الأحاديث المختلفة كتاب " الموضوعات "، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) أخذ أكثره من كتاب " الأباطيل " للجوزقاني، وكان هذا الأخير يحكم بالوضع على كل حديث يخالف السنة النبوية فعلًا أو تركًا (١)، فكان على ابن الجوزى وقد تاثر بمنهجه أن يقع في كثير من الأخطاء التي تشبه أخطاءه هو «أي الجوزقاني»، وهكذا حكم ابن الجوزي بالوضع على بعض الصحاح والحسان. بل لقد حكم بوضع حديث في " صحيح مسلم "، وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ، أَوْشَكْتَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ البَقَرِ» (٢) وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: «وَلَمْ أَقَفْ فِي كِتَابِ " المَوْضُوعَاتِ " لاَبِنَ الجَوْزِيِ عَلَى شَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالوَضْعِ وَهُوَ فِي أَحَدِ " الصَّحِيحَيْنِ " غَيْرَ هَذَا الحَديثِ، وَإِنَّهَا لَغَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْهُ!» (٣). ووجد ابن حجر في تعقبه لابن الجوزى أربعة وعشرين حديثًا من " المسند " أوردها هذا في كتابه على أنها موضوعات، فَرَدَّ عليه حكمه ودافع عن صاحب " المسند " الإمام أحمد بن حنبل في
_________________
(١) " الرسالة المستطرفة ": ص ١١٢. وكان عليه أن يقيد السنة بالمتواترة: (" التوضيح ": ٢/ ٩٦).
(٢) " صحيح مسلم ": ٢/ ٣٥٥.
(٣) ابن حجر العسقلاني: " القول المسدد في الذب عن المسند ": ص ٣١.
[ ٢٧١ ]
كتابه: " القول المسدد في الذب عن المسند" واستطاع السيوطي في " ذيله " على هذا الكتاب أن يستخرج من " موضوعات " ابن الجوزي أربعة عشر حديثًا أخرى كتلك من " المسند " وَنَبَّهَ على عدم جواز وصفها بالوضع، كما أنه ألف " ذيلا " على الكتابين " القول المسدد " و" ذيله " عليه سماه " القول الحسن في الذب عن السنن " استخرج فيه من " موضوعات " ابن الجوزي مائة وبضعة وعشرين حديثًا من " جوامع السنن الأربعة " (الترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه) وأشار كذلك إلى تسرع ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع. وأخيرًا فإن السيوطي رأى أن يلخص كتاب ابن الجوزي ويتتبع أقوال الحفاظ الذين تعقبوا بعض أحاديثه، فسمى تلخيصه بـ " اللآلىء المصنوعة " وسمى إفراده للأحاديث المتعقبة " بذيل اللآلئ المصنوعة " (١).
وبنشاط العلماء في تعقب ابن الجوزي وانتقاد كتابه اِنْتِقَادًا عِلْمِيًّا مُجَرَّدًا، أصبح الانتفاع بمصنفه " الموضوعات " ميسورًا، ولا سيما للمشتغل بعلم الحديث الذي لا يفتأ يتابع أبحاثه برغبة واهتمام. وجدير بالذكر أن الضرر في كتاب ابن الجوزي - قبل تعقب العلماء له - لا يتمثل في إغفاله أشهر الموضوعات والوضاعين، «وَفِيهِ مِنَ الضَّرَرِ - كَمَا يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ - أَنْ يَظُنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ مَوْضُوعًا عَكْسُ الضَّرَرِ بِـ " مُسْتَدْرَكِ " الحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ صَحِيحًا» (٢).
ولا بد من التنبيه على أن بعض ما يسميه العلماء موضوعًا هو إلى المدرج
_________________
(١) قارن " الباعث الحثيث ": ص ٨٧ بـ " التدريب ": ص ١٠١.
(٢) " التدريب ": ص ١٠٠.
[ ٢٧٢ ]
أقرب، وبه أشبه: وذلك حين يحدث الشيخ مثلًا فيسرق إسنادًا معينًا، ثم يعرض له ما يستوجب كلامه في غير سياق الحديث الذي يريد أن يرويه، فيظن السامع أن كلامه العارض هو المتن الذى من أجله ساق الإسناد، فيتحمله منه، ويؤديه عنه. مثاله مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الطَّلْحِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى العَابِدِ الزَّاهِدِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، مَرْفُوعًا «مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ».
قَالَ الحَاكِمُ: دَخَلَ ثَابِتٌ عَلَى شَرِيكٍ وَهُوَ يُمْلِي، وَيَقُولُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَسَكَتَ لِيَكْتُبَ المُسْتَمْلِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ، قَالَ: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ. وَقَصَدَ بِذَلِكَ ثَابِتًا لِزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، فَظَنَّ ثَابِتٌ أَنَّهُ مَتْنُ ذَلِكَ الإِسْنَادِ ; فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ شَرِيكٍ، [فَإِنَّهُ] قَالَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ». فَأَدْرَجَهُ ثَابِتٌ فِي الخَبَرِ، ثُمَّ سَرَقَهُ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَحَدَّثُوا بِهِ، عَنْ شَرِيكٍ (١).
مثل هذا الحديث يرى ابن حجر أنه مدرج، فهو ضعيف، وليس بموضوع، ولكن أبا عمرو بن الصلاح يعتبره نوعًا من الموضوع على غير تعمد، وقد تابعه على ذلك النووي والسيوطي.
والواقع أن من العسير جِدًّا الحكم بالوضع على حديث ما، لأن التسرع في الوصف بالوضع كالتسرع في الوصف بالصحة إنما يصدر عن باحث متساهل يلقي الكلام على عواهنه. أما ما يندرج تحت إحدى القواعد الخمس التي ذكرناها
_________________
(١) " الباعث الحثيث ": ص ٨٤ نقلًا عن " التدريب ": ص ١٠٤.
[ ٢٧٣ ]
فليس من التسرع في شيء الحكم بوضعه، وإننا نكرر مع ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (١).
وغني عن البيان بعد هذا كله أنه محرم علينا أن نروي خبرًا موضوعًا علمنا يقينًا بوضعه إلا مع التنبيه على أنه مختلق مصنوع، لقوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» (٢) وإِنما نتشدد في هذا لكيلا يظن أحد أنه منسوب إلى رسول
الله - ﷺ -، أما روايته للتمثيل على الموضوع فلا ضير فيها، لأن الغرض منها. حينئذٍ التفهيم والتعليم.
_________________
(١) ينقل هذا عن ابن الجوزي السيوطي في كتابه " التدريب ": ص ١٠٠.
(٢) رواه مسلم من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة: (" التوضيح ": ٢/ ٧١) وقوله: «يُرَى» فيه روايتان (بضم الباء وفتحها). وقوله: «الكَاذِبِينَ» فيه روايتان أيضًا: بكسر الباء وبفتحها.
[ ٢٧٤ ]
الفَصْلُ السَّابِعُ: الحَدِيثُ بَيْنَ الشَّكْلِ وَالمَضْمُونِ:
إن نظرة عجلى يلقيها الباحث المنصف على فهرس الموضوعات التفصيلي لهذا الكتاب لتقنعه بأن المكان الذي ينبغي أَنْ يَتَبَوَّأَهُ مصطلح الحديث في تاريخ العلوم يعلو كل مكان سمت إليه فلسفة المصطلحات في مختلف العصور.
فإذا انتقل الباحث من نظرة عجلى في الفهرس إلى نظرة عميقة في بعض ما يستهويه من موضوعات الكتاب، آنس في الجانب التاريخي منه والجوانب التحليلية لمصطلحاته مادة غنية من النقد العلمي الدقيق الذي بناه المحدثون على تمحيص الحقائق لا على تنميق الظواهر: فالمضمون هو الذى يعني هؤلاء النَّقَدَةِ المَهَرَةِ، أما الشكل فلا قيمة له عندهم إلا بمقدار ما يعين على تحقيق ذلك المضمون.
وفي مواطن مختلفة، وعصور متباينة، احتدمت خصومات ثقال طوال حول الشكل والمضمون، أو اللفظ والمحتوى، أو المعنى والمبنى خصومات تناولت الشعر والأدب، وانزلقت إلى العلم والفلسفة، وما فتئ خطرها يمتد إلى كل فن وإلى كل حقيقة في هذا الكون حتى اقتحم عالم الدين، وتعدى حدود الغيب، ففرق في كل دين بين حقائقه المُسَلَّمَةِ، وأصوله المؤصلة، وقواعده
[ ٢٧٥ ]
المرسومة، وبين الوثائق التاريخية التي نقلت هذه الحقائق والأصول والقواعد واللغة المعبرة عن تلك الوثائق، والمنطق الذي يوجه هاتيك اللغة
هذا كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يدرس اليوم بأقلام المستشرقين ومقلديهم من ناشئتنا أحيانًا وقادة الفكر فينا أحيانًا أخرى كما يدرس أي كتاب وضعي لا صلة له بالسماء، فتحشد له الأحكام صريحة عارية، وتلقى عليه الأضواء كشافة ساطعة، وَتُخْضَعَ مَبَاحِثُهُ كلها لطرائق الدراسة العلمية الموضوعية التي يريدها العقل الغربي أو «المستغرب»، شكاكة مرتابة، أو قل مترددة حيرى.
على هذا الأساس غير الفطري، وبهذا المنطق غير الوجداني، وفي نطاق هذا البحث غير الإنساني الأصيل، درس الدارسون القرآن الكريم، وَوَدُّوا لَوْ يلمسون حقائقه بأيديهم، ويتبعون تنرلاته بأبصارهم، ويتعقبونه في مكيه ومدنيه، وناسخه ومنسوخه، وجمعه وترتيبه، وتأويله وتفسيره، ولقد حفظه الذي أنزله من عبث أولئك العابثين، مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فإن يك هذا شأن القرآن، كتاب الله، فلا عجب أَنْ تَخْلُصَ هذه الدراسة النقدية العلمية إلى الحديث النبوي، تماري في أصوله وطرق نقله وحفظه وتلوينه، ومصطلحات علومه وفنونه، وتشكك في صحته مثلما شككت زَمَنًا غير قليل في صحة الشعر الجاهلي. ولا ريب أن السلاح الثقيل لا يفله إلا السلاح الثقيل، وأن الشبهات التي يثيرها العدو العليم أو الصديق الجهول لا تعالج
[ ٢٧٦ ]
بالصراخ والعويل، فما يدفع الباطلَ إلا الحق ولا يدفع الشبهاتِ الحوالك إلا حجج واضحة «لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَضِلُّ فِيهَا إِلاَّ هَالِكٌ»!.
وكما عرضنا في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " (١) شبهات القوم وطوينا في غضونها رَدَّنَا عليها، أو ردها على نفسها - لِوَهَنِهَا وَتَهَافُتِهَا - عرضنا في «علوم الحديث»، أهم الشبهات، وأتبعناها تحليلًا دقيقًا (ما وسعنا الأمر) لحقائق هذه العلوم كما بسطها علماؤنا الأتقياء الأبرار، فَلَمْ نَرَ حاجة - وقد اتضح هذا كله - إلى عقد فصل مستقل لبحث المشكلة الأساسية التي تشغل بال المستشرقين ومقلديهم في ديارنا، ألا وهي مشكلة اللفظ والمحتوى، أو الشكل والمضمون في الحديث ومصطلحه، بل أرسلنا بحثنا على سجيته، وأجريناه إلى غايته، وجئنا هنا نتحدث في «الخاتمة» متعجبين من هؤلاء الناس الذين يظنون مصطلحنا يقوم على الشكل، ويهمل المضمون، أو كما يقولون: يعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون، وأقبلنا عليهم وعلى المخدوعين بهم نؤكد أن ما استقيناه من كتب علمائنا في المصطلح (وكدنا والحمد للهِ لا نغفل واحدًا من أمهاتها مطبوعة ومخطوطة) لا يجوز أن يقال فيه أَبَدًا إِنَّهُ عُنِيَ بِالشَّكْلِ، فما اتجهت عنايته إلا إلى المضمون.
ومع أن النظرة الممعنة في غضون كتابنا هذا كافية لإقناع الباحث المنصف بهذه الحقيقة البديهية، نؤثر في هذه الخاتمة أن نردد لمن ألقى السمع وهو شهيد أصداءً حلوة لطائفة من أقوال المحدثين، ونخطط له مرة أخرى بعض مقاييسهم
_________________
(١) طبع هذا الكتاب في مطبعة جامعة دمشق ١٣٧٧ هـ، ثم طبع الطبعة الثانية سنة ١٣٨١ هـ. وقد طبع مؤخرًا في منشورات دار العلم للملايين ببيروت.
[ ٢٧٧ ]
النقدية الموضوعية، ولن نفتش بعيدًا عن هذه الأقوال والمقاييس فهي بين أيدينا في الصفحات التي يطويها هذا الكتاب بين دفتيه، حتى ليكونن حسبنا أن نشير إلى هاتيك الصفحات، ولتنطقن بَعْدُ بحقائق لا يجحدها إلا مكابر عنيد!.
لقد اعتقد المحدثون أن دراستهم لمتن الحديث وعنايتهم بحفظ كتب الرواية ليستا شيئًا ذا بال إن لم تقترنا بعلم الحديث دراية، الذي هو الدراسة التاريخية التحليلية لأقوال الرسول العظيم وأفعاله، ورأيناهم في علم الحديث دراية يبحثون عن أحوال الراوي والمروي، وما كانوا يقصدون بالراوي إلا حلقة في سلسلة السند، ولا بالمروي إلا متن الحديث فعلم مصطلح الحديث - بطبيعة تعريفه - لا يقتصر على مباحث الإسناد، بل يجاوزها إلى المسائل المتعلقة بالمتن أيضًا. وقد يبدو للباحث - إذا وقف عند الظاهر وحده - أن نقاد الحديث عنوا بالإسناد أكثر من
المتن، ولكن هذا وهم بعيد ما أسرع تبدده لدى البحث العميق، والنظر الدقيق.
إن مباحثهم تدور حول الإسناد والمتن من حيث القبول والرد، ففي حالة القبول يدرسون الصحيح والحسن، وفي حالة الرد يدرسون [الضعيف] والموضوع. ونكاد نلمح في جميع مصطلحاتهم تقسيمًا ثنائيًا مؤلفا من السند والمتن، وأهم ما في هذا الشأن أن المتن يذكر في تقسيمهم كالسند، وإليك البيان والتفصيل:
في بحثهم الصحيح والحسن قضية مشتركة خلاصتها أن الصحة قد تتناول السند والمتن مَعًا، أو السند دون المتن، أو المتن دون السند، ومثلها الحسن في ذلك، فلا يحكم بصحة حديث ولا حسنه إطلاقًا بل يبين نوع صحته أو حسنه
[ ٢٧٨ ]
هل وقع في الإسناد أو المتن، فَمَا كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدًا صَحَّ مَتْنًا.
وحين يكون الصحيح متواترًا لا ينظر فيه إلى إسناده من حيث تعدد رواته واشتراك الجمع فيه، بل ينظر إلى متنه بحيث يؤمن تواطؤ هذا الجمع على الكذب في مثله، لأن الكذب لا يؤمن تواطؤ الجمع عليه فما يخالف الحس أو العقل. والمتواتر، فوق ذلك، ليس من مباحث الإسناد.
والحسن لذاته حين يرقى إلى درجة الصحيح لغيره لا ينظر فيه إلى كثرة طرقه وأسانيده فقط، بل يلاحظ فيه - منذ الخطوة الأولى - أنه كالصحيح لذاته في تجرده من كل شذوذ وعلة، وفي الشذوذ تفرد ومخالفة كثيرًا ما يكونان في المتن، لذلك قالوا: «لاَ يَجِيئُكَ بِالحَدِيثِ الشَاذِّ إِلاَّ الرَّجُلُ الشّاذُّ»، ولذلك أيضًا كرهوا رواية المناكير. وفي العلة ضرب من النقد الذاتي يتناول المتون بالتضعيف من خلال توهن الرواة المدرك بنوع من الإلهام والتعمق في الفهم، لا بحفظ الأسماء والأسانيد.
وفي أكثر أنواع الضعيف تتضح هذه الثنائية، يستوي فيها ما كان خالصًا للضعف وما كان مشتركًا بين الصحيح والحسن والضعيف.
فمرسل الصحابة مقبول رغم انقطاع السند، لأن المتن الذي يحكيه الصحابة لا يعقل أن يكون مُخْتَرَعًا، فإذا كان هؤلاء الصحابة ممن ينلقون الإسرائيليات تشدد العلماء، لأن متونهم قد تخالف متون الأحاديث النبوية ومن هنا تحفظ النقاد في تفسير الصحابة، فلم يطلقوا القول بأن له حكم المرفوع، مخافة تأثر بعضهم بمسلمة أهل الكتاب. ونفى بعضهم أن يكون هنالك شيء يسمى مرسل الصحابة،
[ ٢٧٩ ]
وعدوا مراسيل بعضهم تدليسًا، وقالوا صراحة: «مَا أَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنَ التَّدْلِيسِ!» (١).
ومع اعترافهم بأن التعليل أكثر ما يتطرق إلى الإسناد لم ينفوا تعليل المتن، فقالوا: لا يطلق الحكم بصحة حديث ما لجواز أن يكون فيه علة في متنه. ومع أن الاضطراب أكثر ما يقع في الإسناد، لم يفت النقاد أن ينبهوا على وقوعه في المتن أيضًا، وجاؤوا على ذلك بشواهد.
وقسموا المقلوب إلى قسمين: مقلوب مَتْنًا ومقلوب إسنادًا.
وتشددهم في أداء الحديث باللفظ أكثر ما يتجه إلى المتون، حتى لا يكذب الناس على رسول الله - ﷺ -، ولا سيما إذا لحن الراوي زاعمًا أن خطأه من لفظ الرسول فقد عدوه متعمدًا للكذب، جديرًا بأن يتبوأ مقعده من النار.
وبعض مباحث القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف إنما ينظر فيها إلى حال المتن كالمرفوع مثلًا، فإن للمرفوع إلى النبي - ﷺ - نورًا كنور النهار يعرفه الذوق السليم، فلا يخفى على أحد شيء مما يحمل عليه أو يوضع في
_________________
(١) ومع أن التدليس أخو الكذب، كما نقلنا عن العلماء ص ١٧١، فإنهما ليسا مترادفين على معنى واحد، والمدلس على كل حال ليس هو الموضوع. فالكذب في التدليس ضرب من الخداع، والكذب في الوضع لون من الاختلاق. وقد لاحظ هذا الاختلاف بين الاصطلاحين كل من المستشرقين فرنكل وابن الورد. انظر: Frankel، Diearamaischen Fremdworter im Arabischen ١٨٨ ; Ahlwardt،Verzeichniss der Landbergschen Sammlung arab. Handschriften de la Biblioth royale de Berlin، no ١٤٩. وجولدتسيهر يعرف هذا جيدًا، ولكنه يتعمد الخلط بين الاصطلاحين ليهول في شأن الوضع والوضاعين.
[ ٢٨٠ ]
فيه لأن للموضوع المختلق ظلمة كظلمة الليل، تنكره البصيرة النيرة (١).
وكثير من مباحث هذا القسم المشترك يتناول المتون بالدرجة الأولى، وإن كانت له صور في الأسانيد، كالمدرج مثلًا، فان مدرج الإسناد يرجع في الحقيقة إلى المتن، وكالمصحف أيضًا فإنه أكثر ما يقع في المتون، وكالمسلسل بعد هذا كله فإن أشد شيء إثارة للريبة فيه تماثل العبارات في متونه، وإن كانت صورته الظاهرية ترتد إلى هذا التماثل على ألسنة الرواة، أو بعبارة أخرى إلى سلسلة الإسناد،. ولذلك يقولون: هذا باطل مَتْنَا وَتَسَلْسُلًا، كأن سِرَّ بطلانه ليس مجرد تسلسله إطلاقًا بل تسلسل متنه بهذا الشكل النادر الفريد!.
ومصطلحا الفرد والغريب يخيل إلى الباحث أنهما ليسا أكثر من بحثين خالصين للإسناد، يجمعهما رابط مشترك هو التفرد كما رأينا، ولكن النظرة الفاحصة المدققة ترى القضية ألصق بالمتن منها بالسند، فكما أنكروا رواية الشواذ والمناكير أنكروا الولوع بالأفراد والغرائب، وفروا من حسن هذه الغرائب لمخالفتها متون الروايات العزيزة والمشهورة والمستفيضة.
أما هذه الروايات الثلاث الأخيرة فلم تكن غاية النقاد من مباحثها سوى تقوية الأحاديث الأفراد والغرائب بمتون تشهد لها وتتابعها، وليس تقويتها
_________________
(١) وتمييز المرفوع إلى النبي من الموضوع عليه المنسوب إليه جدًا حتى في اختلاق المواعظ ترغيبًا في الخير ودعوة إلى الفضيلة. وقد وافق الأستاذ أحمد خان بهادر في تصوير هذا الاستعداد الفطري للتمييز بين ما رفع إلى النبي وما نسب إليه. انظر بحثه بالإنكليزية في " قاموس الإسلام " «مادة حديث»: Ahmed Khan Bahadur، Essay on Mohammedan Tradition، in Huges Dictionary of Islam، ٦٤٢ a.
[ ٢٨١ ]
بأسانيد متعددة ورجال كثيرين، فكانت مقاييسهم فيها قيمية، لا كمية عددية، فلا بدع إذا كانت الشهرة نسبية، ولا غرو إذا اشتهرت متون أحاديث عند الفقهاء، وعليها طابعهم، واشتهرت متون عند العامة وعليها ألفاظهم، وعند الصوفية، وبدت موضوعة غالبًا لتأييد أهوائهم.
ولعلنا - على هذا الأساس من العناية الخاصة بالمتون - نفهم تشدد القوم في الأصول أكثر من تشددهم في المتابعات والشواهد، فالأصول ينبغي لها من الثقة بمتونها أكثر مما ينبغي للفروع المقوية للفظها أو المعززة لمعناها، ونفهم أيضًا سر رفضهم متروك الحديث عند الاعتبار، لأن من صفات المتروك عدم الضبط، فحفظ المتون لا يواتيه مهما يبذل من الجهد فيه، فكان أن فرقوا بين صالح للاعتبار وغير صالح. وإذا تذكرنا أن الشاهد عندهم على قسمين: لفظي ومعنوي، وأن اللفظي يتناول متن الحديث نَصًّا، وأن المعنوي يرد إليه لأنه تقوية للمتن نفسه بما يقارب لفظه، وأضفنا إلى ذلك أن في المتابعة أيضًا مقاربة للفظ، أدركنا ما للمتن من قيمة في جميع هذه المصطلحات.
ونحن إلى هذا الحد ليس وراءنا دافع يسوقنا إلى أن نرد للمتن كل مبحث يتعلق بالإسناد، فقد أسلفنا أن الثنائية المؤلفة من المتن والإسناد، بهذا القيد الثنائي، هي التي كانت تسود جميع مسائل هذا الفن، ولا نريد أَبَدًا أن نقلل من شأن الإسناد، فنحن لا نشك ولا نحسب مُنْصِفًا يشك في أن التشدد في الأسانيد ليس عيبًا جسامًا يلام عليه علماؤنا الأخيار، ما دام لا يقصد لذاته، بل للغاية التي أنشأوا لدراسته من أجلها: ألا وهي تمييز الصحيح من الموضوع وترتيب الأحاديث على درجات متفاوتة ليتمكن العلماء من الاستفادة منها في
[ ٢٨٢ ]
التشريع الديني والاجتماعي والاقتصادي والعسكري والسياسي، وهي غاية إنسانية نبيلة رافقت العلوم الإسلامية في جميع ألوانها ومختلف أطوارها، فلا يغض من قيمتها انفراد أمتنا بها، بل هي خصيصة لنا وَمَزِيَّةٌ بَاهَيْنَا وَسَنُبَاهِي بها العالمين أبد الدهر.
على أننا لن نركب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم «الغزير» يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين
السند والمتن مثلًا يفصل بين خصمين لا يلتقيان، أو ضرتين لا تجتمعان (١):
فمقاييس المحدثين في السند لا تفصل عن مقاييسهم في المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم، وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهي بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقي الذي لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند صحيح، وإذن، فكل أبحاث النقاد في رجال الإسناد، وفي شروط الرواة، إنما تؤدي بكل بساطة إلى النتيجة التي لا مفر منها: وهي نقد متون الأحاديث، لمعرفة درجتها من الصحة والحسن والضعف.
وليت القارئ الكريم يعود مرة أخرى إلى مبحث (شروط الراوي)، ويقرؤه بتدبر وتعمق، ليرى رأي العين أن تشدد النقاد في شروط الراوي ليس
_________________
(١) كما فعل شبرنجر في مقاله في، " المجلة الاجتماعية الألمانية الشرقية " عن الحديث عند العرب وإن كان قد حاول أن يهدئ من غلوائه بزعمه أن التشدد في الأسانيد لم يكن يعني المحدثين حقيقة إلا إذا تعلق بالحلال والحرام، انظر: . Zeitschrift der Deutschen Morgenlandischen Gesellschaft، X، p. ١٦. Uber das Tra .ditionswesen bei den Arabern وقد بينا فساد هذا الرأي حين عرضنا لقول الإمام أحمد: «إِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ شَدَّدْنَا، وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ وَنَحْوِهَا تَسَاهَلْنَا». فراجع هذا مرة أخرى ص ٢١١.
[ ٢٨٣ ]
إلا وسيلة لتزكية الخبر المروي، ولقد استوجب هذا التشدد أن تقاس تلك الشروط بمقاييس إنسانية مشتركة، تصلح لأن تأخذ بها كل أمة في القديم والحديث، لاْنها صادرة في أغلب صورها عن منهج موضوعي يتعالى عن الأشخاص، وعن كل ما تفرضه قدسية بعض الأشخاص من التملق والنفاق.
لا قيمة للألقاب في هذا المنهج، فالمقياس نسبي لا ضير معه أن يُرْمَى بعض الصحابة بالتدليس، ولا ضير أن يعزى التصحيف إلى العلماء الأعلام، كالإمام مالك، ولا بأس أن يفضل الإسناد النازل عن الثقات على الإسناد العالي عن غير الثقات، ولا خير في التحديث عن الأحياء، فالمعاصرة حجاب، ولا مانع من وجود أحاديث فيها مقال في كل من " الصحيحين " (١)، وأحاديث ضعيفة في " مسند أحمد " (٢)، بل لا مانع أن يقوم الجدل بصورة عامة حول الحديث الآحادى هل يفيد الظن رغم صحته ورغم جميع الشروط التي روعيت لدى تصحيحه، ورغم انبناء جل التشريع الإسلامي عليه.
ومقياس المحدثين زماني مكاني، أو تاريخي جغرافي، فلما استعمل الرواة الكذب استعمل لهم النقاد التاريخ، واشترطوا معرفة الرجال وطبقاتهم والعناية بمواليدهم ووفياتهم، واشترطوا تقييد أسماء الرجال باسم البلد الذي حَدَّثُوا فيه، وذكروا قصصًا وأخبارًا حكموا عليها بالتدليس بسبب جهل الراوي بتاريخ وفاة المروي عنه، وجعلوا من أمارات الوضع مخالفة الحقائق التاريخية بوجه عام (٣)،
_________________
(١) فقد وجدوا في أحاديث " البخاري " (١١٠) انتقدوها عليه، خَرَّجَ منها " مسلم " (٣٢) حديثًا، وانفرد " البخاري " منها بثمان وسبعين. وليست عللها كلها قادحة كما لاحظ ابن حجر.
(٢) ولذلك هب الكثيرون يدافعون عن " المسند " كما رأينا ص ٢٧٢.
(٣) كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر فهذا كذب من عدة وجوه، أهمها أن فيه =
[ ٢٨٤ ]
وعدوا من صور العلو النسبي تقدم وفاة الراوي وإن تساويا في العدد، وتقدم السماع، وَنَبَّهُوا على أن المدنيين إذا رَوَوْا عن الكوفيين زلقوا، وعلى أن حد السماع خضع لاعتبارات إقليمية، وعلى أن أكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، ولاحظوا أثر المذاهب التي كان لها في بعض العصور والبيئات أنصارًا متحمسون، فكثيرًا ما يكون ذلك سببًا في الحكم بالوضع على مثل هذه الأحاديث، ورأوا إلحاق تدليس البلاد بتدليس الشيوخ، لأن فيه ادعاء رؤية أماكن لم يتح للراوي مشاهدتها.
ومقياس المحدثين نفسي اجتماعي، فحديث الهريسة موضوع، وضعه محمد بن الحجاج اللخمي وكان صاحب هريسة (١) ومثله حديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ !» فقد وضعه سعد بن طريف لما ضربوا ابنه.
وحديث دخوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - حَمَّامًا بِالجُحْفَةِ موضوع باتفاق الحفاظ (٢) لأنه لم يكن على زمانه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - حمامات.
_________________
(١) = شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وفيه كتابة معاوية بن أبي سفيان، وهو إنما أسلم زمن الفتح، والجزية إنما نزلت بعد عام تبوك، وفيه أنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وضع عنهم الكلف والسخر ولم يكن في زمان النبي كلف ولا سخر ولا مكوس. قارن بـ " اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع " للقاوقجي. ومن أجود ما كتب في هذا الباب رسالة الدكتور مصطفى السباعي " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، وهي الرسالة التي تقدم بها لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ في الأزهر، وقد تفضل الزميل الكريم بإطلاعي على رسالته هذه قبل أن تطبع، وكنت في طبعتي الأولى لكتابي هذا قد أشرت في هذا الموضوع إلى عدم تمكني من قراءة رسالة الدكتور السباعي إلا والملازم الأخيرة من كتابي ماثلة للطبع، وذكرت أن الأستاذ وعد بطبع رسالته، وقد طبعت فعلًا وأتيح لي الاطلاع عليها والإفادة منها.
(٢) انظر " تذكرة الموضوعات " للفتني: ص ١٤٥.
(٣) " اللؤلؤ المرصوع ": ص ٣٥.
[ ٢٨٥ ]
والدقة واضحة في هذه المقاييس، فمن كذب مرة واحدة لا يقبل حديثه، ولا يؤخذ الحديث عن غلاط لا يرجع عن خطئه، وَأُذُنُ المحدثين مرهفة لا يفوتها التصحيف ولو كان تصحيف سمع لا تصحيف نظر مثل أكيل وبكير. والتحفظ في الجرح أشد منه في التعديل، لأن المقاييس - على نزعتها الإنسانية السمحة - يجب أن تحجز الناس عن الكذب على رسول الله - ﷺ -، فلا بد من الشدة مع الجميع حتى يؤمن الخطأ والعثار.
أما المتون فكل ما ذكروه في علامات الوضع يتعلق بها ويدور عليها: فاللحن والركة، ومخالفة العقل أو الحس، والمجازفة بالوعد والوعيد، ومزج الكلام البليغ الفطري بعبارات معقدة من عبارات الأصوليين أو المتكلمين (١)، واختلاق الأحاديث تقربًا إلى الطبقة الحاكمة، كلها مباحث تتعلق بالمتن المروي من حيث إدخال أشياء عليه لا تليق بالنبي.
ومن ذلك إدراج بعض العبارات التي يستحيل صدورها عن رسول الله - ﷺ -، كتمنيه الرق في حديث أبي هريرة، ومنه الاعتقاد بأن قلب الحديث عَمْدًا من الكذب، والاعتقاد بأن بقاء التعارض بين حديثين مستحيل، فإما أن يحملا على نسخ أحدهما للاَخر أو تفصيله أو تخصيصه.
إن كل هذا يشير إلى نتيجة واحدة لا مراء فيها: هي أنه إذا كان لا بد من الاختيار بين السند والمتن أيهما تدور عليه مباحث المحدثين، فإنه المتن بلا
_________________
(١) ذكر في " شرح الديباج المذهب ": ص ٥٣: أن من الموضوع ما أورده الأصوليون من قوله - ﷺ -: «إِذَا رُوِيَ الحَدِيثُ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ خَالَفَ فَرُدُّوهُ». قال الخطابي: «وَضَعَهُ الزَّنَادِقَةُ»، وعلى ذلك فقس
[ ٢٨٦ ]
نزاع، وما السند إلا وسيلة إلى الأقوال والمتون.
وإذا انضم إلى هذا كله ورع الرواة في مختلف العصور، وركوبهم المشاق في طلب الرحلة والأحاديث، وشعورهم بقيمة المروي، وبأن هذا الأمر دين، أمكننا أن نقول: إن هذا المصطلح على نحو ما عرفه المحدثون ليس له في الدقة مثيل في التاريخ (١).
فكيف يبيح المستشرقون لأنفسهم بعد أن تجشموا عناء قراءة ما رأينا من المخطوطات والمدونات والصحف أن يزعموا أن لا طريق لصحة المتن سوى الإسناد، وأن العرب لم يعنوا إلا بهذا الاسناد؟ وكيف يجرؤ أكابرهم على المغالطة إلى هذا الحد فيصنفوا الكتب ويكتبوا الأبحاث لمجرد الطعن في الحديث ورجاله (٢)، والنيل من نصوصه ومتونه (٢)؟
وإذا انضم مرة أخرى إلى هذا كله ما حققناه من وجود وثائق تاريخية تثبت كتابة الأحاديث في حياة النبي - ﷺ - وتهدم ما بناه المستشرقون وأعوانهم من أحلام وآمال، وتصور طرق المحدثين ومناهجهم في التربية والتعليم، وتشددهم في الألفاظ التي يفرقون بها بين صور التحمل والأداء، رأينا أن كل
_________________
(١) ولقد اعترف المستشرق جولدتسيهر بذلك، ولكنه أبى أن يجعل الدقة فيه شاملة للمتن والسند. انظر Etudes sur la Trad. Islamique، p ٦
(٢) كطعن جولدتسيهر في الصحابي أبي هريرة: انظر: Zahiriten، ٧٨ - ٧٩. وعنه أخذ أحمد أمين - ﵀ وَغَفَرَ لَهُ - فخاض في ما لم تحمد عقباه. Edw. E.Contributions from original sources to our Knowledge of the Science of Muslim Tradition. in the Journal of the American oriental Society. VII، ١٨٦٢، ٦٠ - ١٤٢.
[ ٢٨٧ ]
ثناء على عمل المحدثين ومصطلحاتهم الدقيقة لا يفي شيئًا مما لهم على ثقافتنا من يد، وعلى الحضارة الإنسانية من فضل، وأيقنا أن دراسة مصطلح الحديث تدعيم لمناهجنا الأصلية في نشر الثقافة وهي مناهج لم يعرفها العالم مطبقة إلا مرة واحدة في عصورنا الذهبية، ولا يمكن أن يطبقها غيرنا، لأنها انبثقت من تفكيرنا القادر على التجريد، ومن ثقافتنا الواسعة الشاملة ومن روح ماضينا المجيد.
وبعد فان المستشرقين قوم يتقنون الحرب وأساليب الهجوم، ويتفوقون في إلقاء الشبهات وبث السموم، ونحن قوم لا نتقن إلا ما نعلم، ولا نعلم إلا ما نعتقد، ولا يعنينا أن نحارب الناس ونجاولهم ونصاولهم حيث لا ضرورة لحرب ولا دافع لجيال أو صيال، بل يعنينا أن يرى الناس الحق كما نراه بعيون ليس عليها غشاوة، وقلوب ليس فيها مرض
وإلى شبابنا العربي المثقف نوجه هذه الكلمات، فهلا ينصتون؟! وهلا يوقنون؟
[ ٢٨٨ ]