[ ١٠٥ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: عِلْمُ الحَدِيثِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً:
ندرس في «الحَدِيثِ» عِلْمَيْنِ رَئِيسِيَيْنِ: أحدهما علم الحديث رواية، والآخر علم الحديث دراية.
فعل الحديث رواية يقوم على النقل المُحَرَّرِ الدقيق لكل ما أضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين، على الرأي المختار (١).
وعلم الحديث دراية، مجموعة من المباحث والمسائل يعرف بها حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد (٢).
فالراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده، سواء أكان رجلًا أم امرأة (٣).
والمروي أعم من أن يكون مضافًا إلى النبي - ﷺ - أو إلى غيره من الصحابة والتابعين.
_________________
(١) " المنهل الحديث ": ص ٣٥ وقارن بتعريف ابن الأكفاني لهذا العلم في (" التدريب ": ص ٣).
(٢) وهو مأخوذ من تعريف ابن حجر كما في " التدريب ": ص ٣، ٤.
(٣) " الكفاية ": ص ٩٧.
[ ١٠٧ ]
أما أحوال الراوي المبحوث عنها (من حيث القبول والرد) فهي معرفة حاله تَحَمُّلًا وَأَدَاءً، وَجَرْحًا وَتَعْدِيلًا، ومعرفة موطنه وأسرته، ومولده ووفاته.
وأما أحوال المروي فهي ما يتعلق بشروط الرواية عند التحمل والأداء، وبالأسانيد من اتصال أو انقطاع أو إعضال أو ما شابه ذلك مما سنراه في الفصول المقبلة.
وإذا قلنا في وصف الراوي أو المروي: «إِنَّهُمَا مَقْبُولاَنِ أَوْ مَرْدُودَانِ» فلسنا نريد بقبولهما العمل بهما، وَبِرَدِّهِمَا عدم جواز العمل بهما، وإنما نقبلهما أو نَرُدَّهُمَا من جهة النقل، فقبولنا الراوي اعتبارنا له وأخذنا بمرويه، وَرَدُّنَا له إسقاطنا اعتباره وإغفالنا مرويه، وقبولنا للمروي اعتقادنا ثبوته، وَرَدُّنَا له شكنا فيه روفضنا صحته.
ويطلق العلماء على علم الحديث دراية اسم «عِلْمَ أُصُولِ الحَدِيثِ» (١).
وإن دراستنا التحليلية - في علم الحديث دراية - هي التي تعنينا في كتابنا هذا، فهي من متن الحديث بمنزلة التفسير للقرآن، أو الأحكام من الوقائع. ولقد كانت - على كثرتها - مستقلة في موضوعها وغايتها ومنهجها. حتى إذا شاع التدوين وكثر التصنيف اتجه كل عالم إلى ناحية،
_________________
(١) " المختصر في علم رجال الأثر " لعبد الوهاب عبد اللطيف: ص ٨.
[ ١٠٨ ]
فكثرت العلوم المتعلقة بهذه الدراسة التحليلية، وانطوت جميعًا تحت اسم واحد هو «عُلُومُ الحَدِيثِ». ونحن فيما يلي نذكر عبارة موجزة عن أهم تلك العلوم.
١ - عِلْمُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
من تلك العلوم «عِلْمُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ» وهو علم يبحث عن الرُوَّاةِ من حيث ما ورد في شأنهم مما يشينهم أو يُزَكِّيهِمْ بألفاظ مخصوصة. وهو ثمرة هذا العلم والمرقاة الكبيرة منه (١).
وقد تكلم في هذا العلم كثيرون منذ عهد الصحابة إلى المتأخرين من المشتغلين بعلوم الحديث.
فمن الصحابة ابن عباس (٩٦ هـ) وأنس بن مالك (٩٣ هـ).
ومن التابعين الشعبي (١٠٤ هـ) وابن سيرين (١١٠ هـ).
وفي آخر عصر التابعين: الأعمش (١٤٨ هـ) وشُعبة (١٦٠ هـ) ومالك (١٧٩ هـ).
ويلي هؤلاء طبقة منها ابن المبارك (١٨١ هـ) وابن عيينة (١٩٧ هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨ هـ). ويبلغ هذا العلم الذروة عند يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) وابن حنبل (٢٤١ هـ).
ومن الكتب الجامعة في الجرح والتعديل " طبقات ابن سعد " الزهري البصري (٢٣٠ هـ) ويقع في ١٥ مجلدًا. وقد اختصره السيوطي (٩١١ هـ) تحت
_________________
(١) كما يقول الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ص ٥٢ - النوع الثامن عشر -. وراجع في " الكفاية " باب الكلام على العدالة وأحكامها: ص ٨١ - ١٠١ وباب الكلام في الجرح وأحكامه: ص ١٠١.
[ ١٠٩ ]
عنوان " [إنجاز] الوعد، المنتقى من طبقات ابن سعد ".
وللبخاري (٢٥٦ هـ) تواريخ ثلاثة فيها تعديل وتجريح (١)، ولعلي بن المديني (٢٣٤ هـ) تاريخ يقع في عشرة أجزاء، ولابن حبان (٣٥٤ هـ) كتاب في أوهام أصحاب التواريخ، في عشرة أجزاء. وللعماد بن كثير (٧٧٤ هـ) كتاب " التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ".
وقد اتجه بعض العلماء إلى التأليف في رجال مخصوصين تعديلًا وتجريحًا. فألف في الثقات فقط كل من العِجْلِي (٣٦١ هـ) وزين الدين قاسم (٣٨٩ هـ)، وألف في الضعفاء والمتروكين كل من البخاري والنسائي وابن الجوزي، وفي المدلسين فقط ألف الإمام الحسين بن علي الكرابيسي صاحب الشافعي، ثم النسائي، ثم الدارقطني، ثم السيوطي.
وقد صَنَّفَ محمد بن طاهر المقدسي في رجال البخاري ومسلم فقط، وَصَنَّفَ الحافظ الذهبي كتابه " الكاشف " في رجال الكتب الستة.
٢ - عِلْمُ رِجَالِ الحَدِيثِ:
وهو علم يعرف به رُوَاةُ الحديث من حيث إنهم رُوَاةٌ للحديث (٢).
وأول من عرف عنه الاشتغال بهذا العلم البخاري (٢٥٦ هـ) وفي " طبقات ابن سعد " (٢٣٠ هـ) الكثير من ذلك.
_________________
(١) طبع منها في الهند " التاريخ الصغير " سَنَةَ ١٣٢٥ هـ والجزءان الأول والرابع من " الكبير " سَنَةَ ١٣٦٠، ١٣٦١ هـ.
(٢) " المنهل الحديث " للزرقاني: ص ١٠ وقارن بـ " الرسالة المستطرفة ": ص ٩٦ - ١٠٠. في فصل «كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم».
[ ١١٠ ]
وفي القرن الهجري السابع جمع عز الدين بن الأثير (٦٣٠ هـ) " أسد الغابة في أسماء الصحابة "، بيد أنه خلط بهم من ليس صحابيًا. وجاء بعده ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) بكتابه " الإصابة في تمييز الصحابة " وقد اختصره تلميذه السيوطي (٩١١ هـ) في كتاب سماه " عين الإصابة ".
٣ - عِلْمُ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ:
وهو علم يبحث عن الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث إمكان الجمع بينها، إما بتقييد مطلقها، أو بتخصيص عَامِّهَا، أو حملها على تعدد الحادثة أو غير ذلك. ويطلق عليه علم تلفيق الحديث (١).
قال النووي في " التقريب ": «هَذَا فَنٌّ مَنْ أَهَمِّ الأَنْوَاعِ، وَيُضْطَرُّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِي حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي المَعْنَى ظَاهِرًا فَيُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُرَجِّحَ أَحَدَهُمَا، وَإِنِّمَا يُكْمِلُ لَهُ الأَئِمَّةُ الجَامِعُونَ بَيْنَ الحَدِيثِ، وَالفِقْهِ، وَالأُصُولِيُّونَ الغَوَّاصُونَ عَلَىَ المَعَانِي، وَصَنَّفَ فِيهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقْصِدْ - ﵀ - اسْتِيفَاءَهُ، بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً يُنَبِّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِهِ» (٢).
ومثال ذلك قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «لاَ عَدْوَى» وقوله في حديث آخر: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» وكلاهما حديث صحيح، فيجمع بينهما بـ «أَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ لاَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُخَالَطَةَ المَرِيضِ [بِهَا] لِلصَّحِيحِ
_________________
(١) قان " المنهل الحديث ": ص ١١ بـ " توضيح الأفكار ": ص ٤٢٣.
(٢) " التدريب ": ص ١٩٧.
[ ١١١ ]
سَبَبًا لإِعْدَائِهِ مَرَضَهُ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَسْبَابِ» (١).
وقد ألف في مختلف الحديث الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) وابن قتيبة (٢٧٦ هـ) وأبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي (٣٠٧ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ).
٤ - عِلْمُ عِلَلِ الحَدِيثِ:
هو علم يبحث عن الأسباب الخفية الغامضة من حيث إنها تقدح في صحة الحديث كوصل منقطع، ورفع موقوف، وإدخال حديث في حديث وما شابه ذلك (٢). وعند الكلام عن (المُعَلَّلِ) من أقسام الحديث الضعيف، سنشير إلى أهم العلل التي توهن الحديث ولو كان في ظاهره سليمًا من كل علة.
وَمِمَّنْ كتب في هذا العلم ابن المديني (٢٣٤ هـ) والإمام مسلم (٢٦١ هـ) وابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ) وعلي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (٣٧٥ هـ) ومحمد بن عبد الله الحاكم (٤٠٥ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ).
٥ - عِلْمُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
يبحث عن بيان ما خفي على كثير من الناس معرفته من حديث رسول الله
_________________
(١) " التدريب ": ص ١٩٨. وقارن بـ " شرح النخبة " لابن حجر: ص ١٥.
(٢) " المنهل الحديث ": ص ١١. وانظر في " الرسالة المستطرفة ": ص ١٠٧ الكُتُبَ المُؤَلَّفَةَ فِي علل الحديث.
[ ١١٢ ]
- ﷺ - بعد أن تَطَرَّقَ الفَسَادُ إلى اللسان العربي (١).
أول من ألف كتابًا في هذا العلم أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري (٢١٠ هـ) ولكن كتابه كان صغيرًا مُوجَزًا، وقد جمع أبو الحسن النضر بن شُميل المازني (٢٠٤ هـ) كتابًا أكبر منه، ثم صنف أبو عُبيد القاسم بن سَلاَّمٍ (٢٢٣ هـ) كتابًا أفنى فيه عمره، وابن قتيبة (٢٧٦ هـ) ثم الزمخشري (٥٣٨ هـ) كتابه " الفائق في غريب الحديث "، ثم مجد الدين المعروف بابن الأثير (٦٠٦ هـ) كتاب " النهاية في غريب الحديث والأثر " وقد ذَيَّلَ الأرموي كتاب " النهاية " هذا، واختصره السيوطي (٩١١ هـ) في كتابه " الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير ".
٦ - عِلْمُ نَاسِخِ الحَدِيثِ وَمَنْسُوخُهُ:
وهو علم يبحث عن الأحاديث المتعارضة التي لا يمكن التوفيق بينها من حيث الحكم على بعضها بأنه ناسخ، وعلى بعضها بأنه منسوخ. فما ثبت تقدمه يقال له منسوخ وما ثبت تأخره يقال له ناسخ (٢).
والناسخ قد يعرف من رسول الله - ﷺ - كقوله: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا مَا بَدَا لَكُمْ» رواه " مسلم " عن بريدة (٣). وَقَدْ يُعْرَفُ الناسخ بالتأريخ
_________________
(١) راجع " الرسالة المستطرفة ": ص ١١٥ و" توضيح الأفكار ": ٢/ ٤١٢.
(٢) " المنهل الحديث ": ص ١١ وقارن بـ " الرسالة المستطرفة ": ص ٦٠.
(٣) " شرح النخبة ": ص ١٦.
[ ١١٣ ]
وعلم السيرة، كما في حديث «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» وذلك في شأن جعفر بن أبي طالب، قبل الفتح، وقول ابن عباس «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ»، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه زمن الفتح.
وقد أَلَّفَ في «ناسخ الحديث ومنسوخه» أحمد بن إسحاق الديناري (٣١٨ هـ) ومحمد بن بحر الأصبهاني (٣٢٢ هـ) وهبة الله بن سلامة (٤١٠ هـ) ومحمد بن موسى الحازمي (٥٨٤ هـ) (١) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ).
_________________
(١) وقد طبع كتاب الحازمي في حيدر آباد ومصر وحلب، واسمه " الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار ".
[ ١١٤ ]
الفَصْلُ الثَّانِي: كِتَابَةُ الحَدِيثِ رِوَايَةً وَمَرَاتِبُهَا:
[أ]- مَرَاتِبُ هَذِهِ الكُتُبُ:
لقد صُنِّفَتْ في الحديث كُتُبٌ كثيرة وصل إلينا بعضها، ولم يصل بعضها الآخر، ولا يزال عدد كبير منها مخطوطًا في المكاتب العالمية، وسيعيش لها الجهابذة من العلماء لينفضوا عنها الغبار وَيُحْيُوا بها التراث الإسلامي العظيم. وكان ينبغي أن تكون كتب الحديث بهذه الكثرة، لأن مجمعة الأحاديث النبوية يتعذر إحصاؤها وضبطها في كتاب يجمعها مهما يكن هذا الكتاب ضخمًا عظيمًا، فالإمام أحمد بن حنبل انتخب " مسنده " وحده من ٧٥٠.٠٠٠ (خمسين ألف وسبع مائة ألف) (١) مع أن أحاديث هذا " المسند " لا تبلغ الأربعين ألفًا (٢).
وقد حاول السيوطي في كتابه " جمع الجوامع " أن يستوعب الأحاديث
_________________
(١) " خصائص المسند " لأبي موسى المديني. انظر " المسند "، طبعة أحمد شاكر، المقدمة: ١/ ٢١.
(٢) يقول العَلاَّمَةُ أحمد شاكر في " المسند ": «هُوَ عَلَى اليَقِينِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِينَ أَلْفًا، وَقَدْ لاَ يَبْلُغُ الأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَسَيَتَبَيَّنُ عَدَدُهُ عِنْدَ تَمَامِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ»: ١/ ٢٣. ولكن مَنِيَّتَهُ عاجلته قبل أن يُتِمَّهُ.
[ ١١٥ ]
النَّبَوِيَّةِ بأسرها، وفقًا لما أداه إليه اجتهاده واطلاعه، فجمع منها مائة ألف حديث ومات قبل أن يتم تصنيفه. وجدير بالذكر أنه كان يقول: «أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ مِائَتَا أَلْفَ حَدِيثٍ وَنَيِّفٍ» (١).
إن هذا المقدار العظيم من الأحاديث التي جمعت من كتب شتى أُلِّفَتْ في أعصر مختلفة لا يمكن أن ينظر إلى مصادره كلها نظرة متساوية، وبعبارة أخرى: لا يمكن أن تكون مصادر الحديث - على اختلافها - ذات طبقة واحدة، ومرتبة واحدة، ولذلك اصطلح العلماء على تقسيم كتب الحديث بالنسبة إلى الصحة والحسن والضعف إلى طبقات (٢):
الطبقة الأولى: تنحصر في " صحيحي البخاري ومسلم " و" موطأ مالك بن أنس "، وفيها من أقسام الحديث: المتواتر، والصحيح الآحادي، والحسن.
الطبقة الثانية: وفيها " جامع الترمذي "، و" سنن أبي داود "، و" مسند أحمد بن حنبل "، و" مُجْتَبَى " النسائي، وهي كتب لم تبلغ مبلغ " الصحيحين " و" الموطأ "، ولكن مُصَنِّفِيهَا لم يرضوا فيها بالتساهل فيما اشترطوه على أنفسهم، وتلقاها مَنْ بَعْدَهُمْ بالقبول، ومنها استمدت أكثر العلوم والأحكام وإن كانت لا تخلو من الضعيف.
_________________
(١) وقد صَرَّحَ السيوطي بذلك فقال: «سَمَّيْتُهُ " جَمْعَ الجَوَامِعِ "، وَقَصَدْتُ فِيهِ جَمْعَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ بِأَسْرِهَا». ويعلق المَنَاوِي على هذه العبارة فيقول: «وَهَذَا حَسْبَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ المُصَنِّفُ، لاَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ».
(٢) قارن بـ " حجة الله البالغة " للإمام الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي: ص ١٠٥ وما بعدها. القاهرة، المطبعة الخيرية، سَنَةَ ١٣٢٢ هـ.
[ ١١٦ ]
والمحدثون يعتمدون على هاتين الطبقتين بوجه خاص، ويستنبطون منهما أصول العقيدة والشريعة.
الطبقة الثالثة: وهي الكتب التي يكثر فيها أنواع الضعيف من شاذ ومنكر ومضطرب، مع استتار حال رجالها وعدم تداول ما شذت به أو انفردت: كـ " مسند ابن أبي شيبة "، و" مسند الطيالسي "، و" مسند عبد بن حُمَيْدٍ "، و" مصنف عبد الرزاق "، وكتب البيهقي والطبراني والطحاوي، وهذه الطبقة لا يستطيع الاعتماد عليها والاستمداد منها إلا جهابذة المحدثين، الذين أفنوا حياتهم في استكمال هذا العلم وتتبع جزئياته.
الطبقة الرابعة: مصنفات هزيلة جمعت في العصور المتأخرة من أفواه القُصَّاصِ وَالوُعَّاظِ والمتصوفة والمؤرخين غير العدول وأصحاب البدع والأهواء كما في تصانيف ابْنِ مَرْدَوَيْهْ وابن شاهين وأبي الشيخ. ومن الواضح أن هذه الطبقة الأخيرة لا يعول عليها أحد من الذين لهم إلمام بالحديث النبوي، لأنها مصدر الأهواء والبدع.
[ب]- التَّعْرِيفُ بِأَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ وَالمَسَانِيدِ:
تعدد أنواع كتب الحديث، كما تعددت طبقاتها، فكان منها كتب الصحاح والجوامع والمسانيد، والمعاجم، والمستدركات، والمستخرجات والأجزاء.
آ - أما كتب الصحاح فهي تشمل " الكتب الستة " للبخاري ومسلم وأبي
[ ١١٧ ]
داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، إلا أن العلماء اختلفوا في ابن ماجه، فجعلوا الكتاب السادس " موطأ الإمام مالك "، كما قال رُزَيْنٌ وابن الأثير، أو " مسند الدارمي " كما قال ابن حجر العسقلاني (١).
وعلى ذلك فإن من الواضح أن عبارة " الكتب الخمسة " تصدق على كتب الأئمة الذين ذكروا قبل ابن ماجه، فإذا قرأنا في ذيل بعض الأحاديث مثل هذه العبارة: «رَوَاهُ الخَمْسَةُ» فمعنى ذلك أن البخاري ومسلمًا وأبا داود والترمذي والنسائي قد اتفقوا جميعًا على رواية هذا الحديث. وعبارة «الصَّحِيحَيْنِ» تطلق على كتابي البخاري (٢) ومسلم (٣)، ويقال في الحديث الذي رَوَيَاهُ «رَوَاهُ الشَّيْخَانِ» أو «مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ».
_________________
(١) " الرسالة المستطرفة ": ص ١٠، ١١.
(٢) الإمام البخاري هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وَيُكَنَّى أبا عبد الله. أخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة من عمره، فكتب عن أكثر من ألف شيخ، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح، وكتابه " الجامع الصحيح " هو أصح الكتب بعد القرآن المجيد، سمعه من أكثر من سبعين ألفًا، وظل يشتغل في جمعه ست عشرة سَنَةً. ولـ " صحيح البخاري " شروح كثيرة ذكر منها صاحب " كشف الظنون " اثنين وثمانين شرحًا، ولكن أفضلها شرح ابن حجر المُسَمَّى " فتح الباري ". ومن مُصَنَّفَاتِ البخاري التواريخ الثلاثة: " الكبير " و" الأوسط " و" الصغير " و" كتاب الكُنَى "، و" كتاب الوحدان "، وكتاب " الأدب المفرد "، و" كتاب الضعفاء ". توفي البخاري سَنَةَ ٢٥٦ هـ في قرية من قُرَى سَمَرْقَنْدْ تُسَمَّى «خَرْتَنْكْ».
(٣) هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، وبنو قشير قبيلة عربية معروفة، النيسابوري، وكنيته أبو الحسن، أجمع العلماء على إمامته في الحديث، وقد رحل كثيرًا في طلبه. ولمسلم كُتُبٌ كثيرة منها " صحيحه " المشهور، وكتاب " العلل " وكتاب " أوهام المحدثين "، وكتاب " من ليس له إلا راو واحد "، وكتاب " طبقات التابعين "، وكتاب " المخضرمين "، وكتاب " المسند الكبير " على أسماء الرجال. وقد توفي الإمام مسلم بنيسابور سَنَةَ ٢٦١ هـ، عن خمس وخمسين سَنَةٍ.
[ ١١٨ ]
وإنما سميت " الكتب الستة " بالصحاح على سبيل التغليب، وإلا فإن كتب " السنن الأربعة " للترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه هي دون " الصحيحين " منزلة، وأقل منهما دقة وضبطًا (١).
ولكل من أصحاب " الكتب الستة " ميزة يعرف بها، فمن أراد التفقه فعليه بـ " صحيح البخاري "، ومن أراد قلة التعليقات فعليه بـ " صحيح مسلم " (٢)، ومن رغب في زيادة معلوماته في فن التحديث فعليه بـ " جامع الترمذي "، ومن قصد إلى حصر أحاديث الأحكام فبغيته لدى أبي داود (٣) في " سننه "، ومن كان يعنيه حسن التبويب في الفقه فابن ماجه (٤) يُلَبِّي رغبته، أما النسائي (٥) فقد توافرت له أكثر هذه المزايا.
_________________
(١) وكتب الصحاح غير " الكتب الستة " - كما ذكر السيوطي في خطبة كتابه " جمع الجوامع " - هي " صحيح ابن خزيمة " أبي بكر محمد بن إسحاق المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ، و" صحيح أبي عوانة " يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١٦ هـ، و" صحيح ابن حبان " محمد بن حبان البُسْتِي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٥٤ هـ، و" الصحاح المختارة " للضياء المقدسي: محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٣٤ هـ، وقارن بـ " الرسالة المستطرفة ": ص ١٦ - ٢١.
(٢) قيل إنها لا تزيد عن أربعة عشر موضعًا، يعلق فيها سند الحديث فيقول: «مُسْلِمٌ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -». وقد سَرَدَهَا الحافظ العراقي في " شرحه لمقدمة ابن الصلاح ". (انظر ص ٢٠، ٢١) طبعة حلب سَنَةَ ١٣٥٠ هـ.
(٣) هو أحد أئمة الحديث المتقنين، الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث، الأزدي، السجستاني، اقتصر في " سننه " على أحاديث الأحكام. وله ملاحظات قَيِّمَةٌ على الرُوَّاةِ والأحاديث، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٧٥ هـ.
(٤) هو الحافظ أبو عبد الله، محمد بن القزويني، المعروف بابن ماجه (بهاء ساكنة وصلًا ووقفًا لأنه اسم أعجمي)، وهو لقب أبيه لا جَدِّهِ. وأول من أضاف " سُنَنَهُ " مكملًا به الأصول الستة أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي في " أطراف الكتب الستة " له وقد تُوُفِّيَ ابن ماجه سَنَةَ ٢٧٥ هـ على الأشهر.
(٥) هو الحافظ أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي، نسبة إلى نَسَاءَ بلدة مشهورة =
[ ١١٩ ]
و" صحيح البخاري " أرجح من " صحيح مسلم "، لأن الإمام البخاري اشترط في إخراجه الحديث شرطين أحدهما معاصرة الراوي لشيخه، والثاني ثبوت سماعه، بينما اكتفى مسلم بمجرد شرط المعاصرة (١).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه " فتح الباري " أن عِدَّةَ أحاديث البخاري بِالمُكَرَّرِ وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (٩٠٨٢)، فيها من المتون الموصولة بلا تكرار (٢٦٠٢) ومن المتون المُعَلَّقَةِ المَرْفُوعَةِ (١٥٩) ولم يتناول ابن حجر بالعَدَّ والاستقصاء ما في " البخاري " من الموقوف على الصحابة والمقطوع على التابعين (٢). أما عِدَّةَ ما في " صحيح مسلم " بلا تكرار فيبلغ نحو أربعة آلاف حديث (٣).
والبخاري قد وضع بنفسه عناوين " صحيحه " فَبَوَّبَهُ بطريقة خاصة تدل على سَعَةِ علمه وفقهه، وهو غالبًا يفتتح الباب بالآيات القرآنية، فيستنبط من ذلك رأيه الفقهي في الأبواب المختلفة. أما مسلم فإنه رَتَّبَ أحاديثه بطريقة خاصة، فجعل كل طائفة من الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد متلاحقة متتابعة من غير أن يُفْرِدَهَا بعنوان لها بنفسه، ولقد بَوَّبَ له " صحيحه " ووضع له
_________________
(١) = بخراسان. و" سننه " أقل السنن حديثًا ضعيفًا بعد " الصحيحين ". وقد جَرَّدَ الصحاح من " سننه الكبرى " فصنع منها كتابًا سَمَّاهُ " المُجْتَبَى " وهو المعدود م الأمهات الكبرى، وأحد " الكتب الستة " عند الإطلاق. وقد تُوُفَّيَ النسائي سَنَةَ ٣٠٣ هـ.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٢. غير أن أبا علي النيسابوري، شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب يُرَجِّحُونَ " صحيح مسلم " على " صحيح البخاري ". الكتابان بإجماع علماء المسلمين أصح كتب الحديث قاطبة.
(٣) " فتح الباري ": ١/ ٤٧٠ - ٤٧٨.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٥.
[ ١٢٠ ]
عناوينه الإمام النووي، فأصبح الانتفاع به أيسر. ولمسلم في " صحيحه " مزايا منها سهولة تناوله، لأنه جعل لكل حديث مَوْضِعًا واحدًا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها وأورد فيه أسانيده المتعددة، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة. ومسلم يُمَيِّزُ بين «حَدَّثَنَا» و«أَخْبَرَنَا» فكان يرى أن «حَدَّثَنَا» لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و«أَخْبَرَنَا» لما قُرِئَ على الشيخ (١).
وهذا مذهب أكثر أصحاب الحديث، ولا سيما الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق. ثم إن مسلمًا يُعْنَى في " صحيحه " بضبط ألفاظ الرواة، كقوله: «حَدَّثَنَا فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَاللَّفْظُ لِفُلاَنٍ قَالَ أَوْ قَالاَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ» (٢).
وإذا كان بين الرواة اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوي أو نسبه أو نحو ذلك فإنه حريص على التنبيه عليه ولو لم يتغير به المعنى (٣) وهذا إن دَلَّ على شيء فعلى ضبطه وأمانته.
وفي كل من " الصحيحين " نجد الإشارة إلى «حَدَّثَنَا» بهذه العبارة «ثَنَا» وإلى «أَخْبَرَنَا» بهذه العبارة «أَنَا» وهما اصطلاحان يُرَادُ بهما الاختصار. ويكثر في " صحيح مسلم " خاصة حرف حاء (ح) يرمز إلى التحول من إسناد إلى إسناد،
_________________
(١) " شرح صحيح مسلم " للنووي: ١/ ١٥١.
(٢) مثاله: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ القَطَّانُ » [" صحيح مسلم "]: (٢٢) [كِتَابُ المُسَاقَاةِ]، (١) بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ: ٥/ ٢٦. [٣/ ١١٨٦، حديث رقم ١٥٥١].
(٣) مثاله: «حَدَّثَنَا [عُبَيْدُ اللهِ] بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، - وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ الأَزْدِيُّ، وَيُقَالُ المَرَاغِيُّ، وَالمَرَاغُ حَيٌّ مِنَ الأَزْدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ » " صحيح مسلم ": (٥) - كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلاَةَ، (٣١) - بَابُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: ٢/ ١٠٤ [حديث رقم ١٧٢، ١/ ٤٢٧].
[ ١٢١ ]
وذلك إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فعلى القارئ إذا انتهى إليها أن يقول (ح) ثم يستمر في قراءة ما بعدها (١).
والبخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث فلقد فاتهما عدد قليل من الأحاديث اعترفا بصحتها مع أنها لم تَرِدْ في كتابيهما، وإنما وردت في كتب " السنن الأربعة " أو سواهما من الكتب المشهود لها بالصحة (٢).
أما " موطأ الإمام مالك " (٣) فإنه يلي " الصحيحين " في الرتبة، على الرأي القائل بأنه سادس " الكتب الستة "، ولم يعد في الكتب الصحاح على رأي الذين يجعلون الأصل السادس " سنن ابن ماجه "، وتعليل ذلك لديهم أن فيه كثيرًا من المراسيل من ناحية، وكثيرًا من الآراء الفقهية من ناحية ثانية، فهو إلى كتب الفقه أقرب (٤).
ب - والجوامع من كتب الحديث تشتمل على جميع أبواب الحديث التي اصطلحوا على أنها ثمانية: باب العقائد، باب الأحكام، باب الرقاق، باب آداب الطعام والشراب، باب التفسير والتاريخ والسير، باب السفر والقيام والقعود (ويُسَمَّى باب الشمائل أيضًا)، باب الفتن، وأخيرًا باب المناقب والمثالب (٥). فالكتاب المشتمل على هذه الأبواب الثمانية يُسَمَّى جامعًا:
_________________
(١) انظر دلالة حاء التحويل: " علوم الحديث ": ص ١٨٢، ١٨٣.
(٢) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٣، ٢٤.
(٣) سبقت ترجمته: ص ٩١ ح ٤.
(٤) " الباعث الحثيث ": ص ٣١، ٣٢.
(٥) قارن " التوضيح ": ٢/ ١٥ بـ " المستطرفة ": ص ٣٢. وهذه الأبواب الثمانية قبل أن تضم بين دَفَّتَيْ «جامع» واحد يجمعها، كان كل منها موضوعًا لكتاب قائم برأسه. ففي العقائد " كتاب التوحيد " لابن خزيمة، وفي الأحكام " كتب السنن الأربعة " التي سبقت الإشارة إليها، لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي الرقاق كتاب " الزهد " للإمام أحمد بن حنبل. وفي الآداب =
[ ١٢٢ ]
كـ " جامع البخاري " و" جامع الترمذي ".
ج - المسانيد: جمع مسند، وهو ما تذكر فيه الأحاديث على أسماء الصحابة حسب السوابق الإسلامية (١)، أو تبعًا للأنساب (٢). ومنها " مسند أبي داود الطيالسي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤، وهو كما ذكرنا سابقًا أول من ألف في المسانيد، ومنها " مسند بقي بن مخلد " المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٩٦ (٣)، ويسمى " مسنده " أيضًا " مُصَنَّفًا " لأنه صنف فيه حديث كل صاحب على أبواب الفقه. وأوفى تلك المسانيد وأوسعها " مسند الإمام أحمد بن حنبل " (٤) وفي هذا المسند (٥) أحاديث صحيحة كثيرة لم تخرج في " الكتب الستة ". وقد قال الإمام أحمد في " مسنده " هذا: «هَذَا الكِتَابُ جَمَعْتُهُ وَانْتَقَيْتُهُ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا فَمَا اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَ
_________________
(١) = كتاب " الأدب المفرد " للبخاري. وفي التفسير كتاب ابن مردويه وابن جرير، وفي السفر والقيام كتاب " الشمائل " للترمذي، وفي الفتن كتاب لنعيم بن حماد، وراجع ما ذكره عن «الجوامع» ٢/ ١٥ في " التوضيح ".
(٢) قال الخطيب: «وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَحَبُّ إِلَيْنَا فِي تَخْرِيجِ الْمُسْنَدِ فَيَبْدَأُ بِالْعَشَرَةِ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - ثُمَّ يُتْبِعُهُمْ بِالْمُقَدَّمِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ» [الجامع لأخلاق الراوي]: ١٠/ ١٩٠ وجه ١.
(٣) وحينئذٍ يبدأ ببني هاشم الأقرب فالأقرب إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في النسب. الجامع: ١٠/ ١٩٠ وجه ١.
(٤) وانظر في وصف " مسند بقي " نفح الطيب ": ١/ ٥٨١ و٢/ ١٣١.
(٥) هو الإمام أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني، المروزي ثم البغدادي. وكنيته أبو عبد الله، كان آية في الحفظ والضبط، وهو من أمراء المؤمنين في الحديث، كتبه كثيرة منها " المسند " و" كتاب العلل "، وكتاب " الزهد " وكتاب " فضائل الصحابة ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٤١ هـ.
(٦) " مسند ابن حنبل " مطبوع في مصر في ستة مجلدات كبار، وقد تم طبعه سَنَةَ ١٣١٣ هـ، والعَلاَّمَةُ أحمد محمد شاكر شرع بطبعه بتحقيق مشكور، ولكن مَنِيَّتَهُ أعجلته عن إتمامه فلم ينشر إلى خمسة عشر مجلدًا.
[ ١٢٣ ]
فِيهِ وَإِلاَّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ» (١). وقد عقب الحافظ الذهبي على ذلك بقوله: «هَذَا القَوْلُ مِنْهُ عَلَى غَالِبِ الأَمْرِ وَإِلاَّ فَلَنَا أَحَادِيثَ قَوِيَّةٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَ" السُّنَنِ " وَالأَجْزَاءِ مَا هِيَ فِي " المُسْنَدِ "» وسنرى في بحث «الموضوع وأسباب الوضع»، أن للحافظ ابن حجر رسالة سماها " القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد " رَدَّ فيها أقوال الزاعمين أن في " المسند " موضوعات، وقد فصل ابن تيمية في هذه القضية فصلًا حكيمًا إذ نفى في كتابه " التوسل والوسيلة " وجود الموضوع في " مسند الإمام أحمد إن كان المراد بالموضوع ما في سنده كَذَّابٌ، «أما إذا كان المراد ما لم يقله النبي - ﷺ -، لغلط راويه وسوء حفظه، ففي " المسند " و" السنن " من ذلك كثير».
د - والمعاجم جمع معجم، وهو ما تذكر فيه الأحاديث على أسماء الشيوخ، أو البلدان، أو القبائل، مرتبة على حروف المعجم (٢).
وأشهر المعاجم " معجم الطبراني الكبير "، و" المتوسط "، و" الصغير ".
هـ - والمستدركات جمع مستدرك، وهو ما استدرك فيه ما فات المؤلف في كتابه على شرطه. وأشهرها " مستدرك الحاكم النيسابوري على الصحيحين "، وقد لَخَّصَهُ الذهبي (٣). غير أن الحاكم ألزم الشيخين بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رُوَاتِهَا عندهما (٤). على أن الضرر في " مستدرك الحاكم " أنه
_________________
(١) راجع مقدمة " المسند "، ط. شاكر: ص ٢١. وكان الإمام أحمد شديد الاعتزاز بمسنده، لإيمانه بأنه جمع السُنَّةَ فأوعاها، فكان يقول لابنه عبد الله راوي " المسند " عنه: «احْتَفِظْ بِهَذَا المُسْنِدِ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِلْنَّاسِ إِمَامًا».
(٢) " الرسالة المستطرفة ": ص ١٠١.
(٣) وهما مطبوعان في الهند.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٦.
[ ١٢٤ ]
كان يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، لأنه يحاول تخريج بعض الأحاديث على شرط الشيخين، وإن كان في كثير من استدراكاته مقال (١).
ووالمستخرجات، وموضوع المستخرج - كما قال العراقي: «أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْكِتَابِ فَيُخَرِّجَ أَحَادِيثَهُ بِأَسَانِيدَ لِنَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ صَاحِبِ الكِتَابِ، فَيَجْتَمِعَ مَعَهُ فِي شَيْخِهِ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ» (٢). من ذلك " مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على البخاري "، و" مستخرج أبي عوانة على مسلم "، و" مستخرج أبي علي الطوسي على الترمذي "، و" مستخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سُنن أبي داود ". قال ابن كثير في " مختصر علوم الحديث " في هذا السياق: «وَكُتُبٌ أُخَرُ الْتَزَمَ أَصْحَابُهَا صِحَّتَهَا كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ البُسْتِيَّ. وَهُمَا خَيْرٌ مِنَ " المُسْتَدْرَكِ " بِكَثِيرٍ وَأَنْظَفُ أَسَانِيدَ وَمُتُونًا» (٣).
ز - الأجزاء، والجزء عندهم تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم، كجزء أبي بكر، أو الأحاديث المتعلقة بمطلب من المطالب، كـ " جزء قيام الليل " للمروزي، و" جزء صلاة الضحى " للسيوطي، ومنه الفوائد الحديثية كالوحدانيات والثنائيات إلى العشاريات. ومنه كتاب " الوحدان " للإمام مسلم (٤).
وكل من علم شروط العمل بالحديث، وكان أهلًا لتحمله وأدائه، جاز له أن ينقل الحديث من الكتب الصحيحة المشهورة، وأن يرويه ويذيع معناه
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ص ١٠٠.
(٢) " التدريب ": ص ٣٣.
(٣) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٧.
(٤) " الرسالة المستطرفة ": ص ٦٤، ٦٥.
[ ١٢٥ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: شُرُوطُ الرَّاوِي وَمَقَايِيسُ المُحَدِّثِينَ:
العقل والضبط والعدالة والإسلام شروط لا بد منها لقبول الرواية، فلو فقدها الراوي أو فقد بعضها رُدَّتْ روايته، وَتُرِكَ حَدِيثُهُ. وإلى هذه الشروط الأربعة تَؤُولُ أقوال نُقَّادُ الحديث من قُدَامَى وَمُتَأَخِّرِينَ. غير أن دقة الاصطلاح هي ميزة المتأخرين الذين اطَّلَعُوا على الكثير من آراء الأوائل وَرَجَّحُوا بينها واختاروا أحدها، أما القدامى فكانوا يقنعون من الموضوع بتطبيقه العملي، فتغنيهم الدُّرْبَةُ والممارسة عن وضع المصطلحات والتدقيق في المقاييس.
قِيلَ لِشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ (- ١٦٠ هـ): مَنِ الَّذِي يُتْرَكُ حَدِيثُهُ؟ فَقَالَ: «إِذَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، مَا لاَ يَعْرِفُهُ الْمَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ، تُرِكَ حَدِيثُهُ، فَإِذَا اتُّهِمَ بِالحَدِيثِ تُرِكَ حَدِيثُهُ، فَإِذَا أَكْثَرَ الغَلَطَ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَإِذَا رَوَى حَدِيثًا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَلَطٌ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَمَا كَانَ غَيْرَ هَذَا فَأَرْوِ عَنْهُ» (١).
ويكاد شعبة بهذا يُصَرِّحُ بشرطين من شروط الراوي الذي يقبل حديثه
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث " للحاكم: ص ٦٢.
[ ١٢٦ ]
وهما الضبط والعدالة، فكثرة الغلط تنافي الضبط، والاتهام في الحديث يعارض العدالة. أما الإسلام والعقل فأمران بديهيان لم يلتزم شُعْبَةُ ذكر لفظهما، إذ كان لا يتصور العدالة من غير إسلام، أو الضبط من غير عقل وتمييز.
لكن المتأخرين من نقاد الحديث - حين أخذوا أنفسهم بدقة المصطلحات ووضوح المقاييس - نَبَّهُوا على الشروط جميعًا، فذكروا البديهيات أحيانًا، ولم يضنوا على طالب هذا العلم بالتبويب والتقسيم.
وشرط العقل يرادف عند المحدثين مقدرة الراوي على التمييز. فيندرج تحته البالغ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً، والصبي المُمَيِّزُ تَحَمُّلًا لاَ أَدَاءً. فقد لُوحِظَ في شرط العقل البلوغ ضِمْنًا، لأن في وسع الصبي أن يتحمل الرواية، ولكنه لا يُؤَدِّيهَا إلا بعد بلوغه (١).
وَمِمَّنْ كثرت الرواية عنه من الصحابة، وكان سماعه في الصغير، أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخُدري. وَكَانَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ يَذْكُرُ أَنَّهُ عَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ دَلْوٍ كَانَ مُعَلَّقًا فِي دَارِهِمْ، وَتُوُفِّيَ [النَّبِيُّ] ﷺ وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ (٢).
ولم يتفق المحدثون على مبلغ السن الذي يستحسن التحديث معه (٣)، فقال قوم: الحَدُّ في السماع خمس عشرة سَنَةً، وقال غيرهم: ثلاث عشرة. وقال جمهور العلماء: يصح السماع لمن سِنُّهُ دون ذلك. وبهذا الرأي الأخير أخذ
_________________
(١) انظر " الكفاية ": ص ٥٤، باب ما جاء في صحة سماع الصغير.
(٢) " الكفاية ": ص ٥٦.
(٣) انظر الآراء المختلفة حول هذه القضية في " الجامع لأخلاق الراوي ": ٤/ ٧١.
[ ١٢٧ ]
الخطيب البغدادي وقال: «وَهَذَا هُوَ عِنْدَنَا الصَّوَابُ» (١).
والحد في السماع خضع لبعض الاعتبارات الإقليمية، فإذا كان أهل البصرة يكتبون الحديث ويسمعونه لعشر سنين (٢)، فما كان الكوفيون ليتساهلوا في ذلك إلا بعد استكمال أحدهم عشرين سَنَةً، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد (٣). أما أهل الشام فما كانوا يكتبون العلم إلا لثلاثين (٤).
ويريدون بضبط الراوي سماعه للرواية كما يجب وفهمه لها فهمًا دقيقًا، وحفظه لها حفظًا كاملًا لا تردد فيه، وثباته على هذا كله من وقت السماع إلى وقت الأداء (٥). فيلاحظ في شرط الضبط قوة الذاكرة ودقة الملاحظة.
ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ الضَّابِطِينَ إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم غالبًا - ولو من حيث المعنى - فضابط ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اخْتَلَّ ضَبْطُهُ وَلَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ (٦).
والحق أن مخالفة الثقات الضابطين ضرب من الانحراف والشذوذ. ولا ريب في أن الذي يتحمل الروايات الشاذة يتحمل وِزْرًا كَبِيرًا وَشَرًّا كَثِيرًا (٧).
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٥٤.
(٢) " الكفاية ": ص ٥٥.
(٣) " الكفاية ": ص ٥٤.
(٤) " الكفاية ": ص ٥٥.
(٥) والمحدثون يُفَرِّقُونَ هنا بين قديم حديث الرجل وجديده، فقد يُضَعَّفُ ضبط الرجل في أواخر أيامه فيقال فيه: «تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ». انظر في (" سنن أبي داود ": ٣/ ٨٥ رقم ٢٦٩٥) كيف رَدَّ حديث أحد الرواة لأنه تَغَيَّرَ ولم يخرج الحديث إلا بأخرة.
(٦) " التدريب ": ص ١١٠.
(٧) " الكفاية ": ص ١٤٠.
[ ١٢٨ ]
قَالَ شُعْبَةُ: «لاَ يَجِيئُكَ الحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلاَّ مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ» (١).
ولقد قَيَّضَ اللهُ للرواية علماء أعلامًا شَدَّدُوا في أمرها، وكانوا في تشددهم حكماء، فلم ينقلوا إلا الصحيح. والصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع (٢). ومن الطبيعي إذن أن يُحَذِّرَ عبد الله بن المبارك من كتابة الحديث أو سماعه عن غلاط لا يرجع، وَكَذَّابٍ، وصاحب بدعة وهوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فَيُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ (٣).
ويريدون بعدالة الراوي استقامة التامة في شؤون الدين، وسلامته من الفسق كله، وسلامته من خوارم المروءة (٤). وقد عَرَّفَ الخطيب البغدادي العدل بأنه «مَنْ عُرِفَ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَتَوَقِّي مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَتَجَنُّبِ الْفَوَاحِشِ الْمُسْقِطَةِ، وَتَحَرِّي الْحَقِّ وَالْوَاجِبِ فِي أَفْعَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، وَالتَّوَقِّي فِي لَفْظِهِ [مَا] يَثْلِمُ الدِّينَ وَالْمُرُوءَةَ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ، وَمَعْرُوفٌ بِالصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ» (٥).
وَفَرَّقُوا بين تعديل الراوي وتزكية الشاهد. وإذا كانت التزكية لا تقبل إلا بشهادة رجلين فتعديل الراوي يثبت بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، حُرًّا أَمْ عَبْدًا، شريطة أن يكون في نفسه عَدْلًا مَرْضِيًّا (٦). وهذا
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٤١.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ص ٥٩.
(٣) " الكفاية ": ص ١٤٣. وراجع في هذه الصفحة ذاتها من " الكفاية " أقوال العلماء في ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه، وكان الوهم غالبًا على روايته.
(٤) قارن بـ " توضيح الأفكار ": ٢/ ١١٨.
(٥) " الكفاية ": ص ٨٠.
(٦) " توضيح الأفكار ": ٢/ ١٢١ وقارن بـ " الفروق " للقرافي: ١/ ٥ - ٢٢، ط. تونس.
[ ١٢٩ ]
هو اختيار الإمام فخر الدين (١)، والسيف الآمدي (٢). على أن بعض العلماء يُسَوِّي بين الشاهد والراوي، فالتعديل يثبت لكليهما بتعريف شخص واحد (٣). وقد انتصر القاضي أبو بكر (٤) لهذا الرأي. وواضح أن تزكية الشاهد ليست هي عين الشهادة، فلا بد من رجلين في الشهادة على جميع الأقوال، أما تزكية الشاهد فهي التي جرى حولها الخلاف ن هل يكفي لإثباتها شخص واحد أم لاَ بُدَّ من شخصين؟.
والمروءة التي ينبغي توافرها في الراوي المعدل كثيرًا ما قيست بالمقاييس الخلقية الإنسانية المشتركة. ويستشهد الخطيب البغدادي على ذلك بقول النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ، فَهُوَ مَنْ كَمُلَتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَوَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ، وَحُرِّمَتْ غَيْبَتُهُ» (٥).
وفي ضوء هذه المقاييس، لم يكن بُدٌّ من غض النظر عن بعض العيوب
_________________
(١) هو الإمام فخر الدين الرازي، محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، إمام كبير في المعقول والمنقول. صاحب " التفسير الكبير المشهور ". له كتب كثيرة منها " نهاية العقول " و" المحصول في علم الأصول " و" كتاب الأربعين في أصول الدين ". تُوُفِّيَ سَنَةَ ٦٠٦ هـ.
(٢) سيف الدين الآمدي: هو أبو الحسن، علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي: من علماء الأصول. له نحو عشرين مُصَنَّفًا منها: " منتهى السول في [علم] الأصول " و" دقائق الحقائق " و" أبكار الأفكار " في علم الكلام. منسوب إلى آمد من «ديار بكر». تُوُفِّيَ سَنَةَ ٦٣١ هـ.
(٣) " توضيح الأفكار ": ٢/ ١٢١.
(٤) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، المشهور بالقاضي الباقلاني. انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة. أشهر كتبه " إعجاز القرآن " تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٠٣ هـ.
(٥) " الكفاية ": ص ٧٨.
[ ١٣٠ ]
التي لا يَعْرَى منها إنسان، وسيظل ما يجهله الناس من سيرة كل عالم وكل رَاوٍ أكثر مِمَّا يعرفونه، «لَيْسَ مِنْ شَرِيفٍ وَلاَ عَالِمٍ وَلاَ ذِي سُلْطَانٍ إِلاَّ وَفِيهِ عَيْبٌ، لاَ بُدَّ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ تُذْكَرُ عُيُوبُهُ» (١). فليكن مقياسًا في تعديل الرواة أن «مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ» كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (٢).
وحسن الظن بالراوي حمل بعض العلماء على التساهل في رواية الحديث عن مستور الحال، وهو كل حامل علم معروف بالعناية فيه، فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يَتَبَيَّنَ جرحه (٣) لقوله - ﷺ -: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ» (٤). لكن المحققين من الأصوليين على رَدِّ كل رواية عن مستور الحال دفعًا للمفسدة (٥)، فلا بد من تعديله والكشف عما يمكن من دخائله. وإن كان التوغل في الكشف عن سريرته ليس من عمل المحدثين في شَيْءٍ.
ولا ريب أن العدالة شيء زائد على مجرد التظاهر بالدين والورع، لا يعرف إلا بتتبع الأفعال، واختبار التصرفات، لتكوين صورة صادقة عن الراوي.
_________________
(١) " الكفاية ": ص ٧٩.
(٢) نفسه: ص ٧٩. فالعبارة كلها منسوبة إلى سعيد بن المسيب، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. كان أحفظ الناس لأحكام الخليفة عمر بن الخطاب حتى سُمِّيَ «رَاوِيَةَ عُمَرَ». وكان - على اشتغاله بالحديث والفقه - يعيش من كسب يده، من التجارة بالزيت. وأكثر أئمة الحديث على وفاته سَنَةَ ١٠٥ كما قال الحاكم (انظر " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٥٦.).
(٣) " توضيح الأفكار ": ٢/ ١٢٦، ١٢٧.
(٤) " الجامع لأخلاق الراوي ": ١/ ١٥ وجه ٢.
(٥) " تدريب الراوي ": ص ١١٥. ِ
[ ١٣١ ]
والبحث عن عدالة المخبر كالبحث عن عدالة الشاهد يتناول ضروبًا من الاستقصاء الدقيق الذي لا يجرح كرامة أحد، بل يُزَكِّي الخبر المروي من خلال تزكية المخبر الراوي: «شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لَهُ: " لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلاَ يَضُرُّكَ أَلاَّ أَعْرِفَكَ، ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا أَعْرِفُهُ. قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالأَمَانَةِ وَالعَدْلِ (*)، قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ "!» (١).
ولا غرابة بعد هذا أن يكره المحدثون الرواية عن أهل الأهواء والبدع (٢)، وعن أهل المجون والخلاعة (٣)، على حين تساهلوا في الرواية عن المشاهير من غير أن يسألوا عن سبب عدالتهم: فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من المحدثين أو غيرهم وشاع الثناء عليه بها لا يحتاج إلى تعديل المُزَكِّينَ، كمالك بن أنس، وسفيان بن عُيَيْنَةَ، وسفيان الثوري (٤)، والأوزاعي (٥)،
_________________
(١) (*) [في رواية (بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ)، انظر " الكفاية " تحقيق وتعليق أبي إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح الدمياطي، الطبعة الأولى: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م، ١/ ٢٧٨، دار الهدى. ميت غمر. مصر].
(٢) " الكفاية ": ص ٨٤.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي ": ١/ ١٨ وجه ١.
(٤) " الكفاية ": ص ١٥٦.
(٥) هو شيخ الإسلام وسيد الحفاظ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، نسبة إلى ثور وهو أبو قبيلة من مضر. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٠ أو ١٦١ هـ (انظر " الرسالة المستطرفة ": ص ٣١).
(٦) هو شيخ الإسلام الحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن محمد المشهور بالأوزاعي، وصفه الوليد بين مزيد فقال: «تَعْجِزُ المُلُوكُ أَنْ تُؤَدِّبَ أَوْلاَدَهَا أَدَبَهُ فِي نَفْسِهِ». تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٥٧ هـ (انظر " تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٧٨ - ١٨٣).
[ ١٣٢ ]
والشافعي، وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد (١)، وشعبة بن الحجاج، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وَعَلِيُّ بن المديني، ويحيى بن مَعِينٍ، وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه (٢) فقال: «مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ؟!» وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ، عَنْ أَبَى عُبَيْدٍ، فَقَالَ: «مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ؟ أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنِ النَّاسِ!» (٣).
ومناهج المحدثين في الجرح أشد منها في التعديل: فهم يقبلون التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور (٤)، أما الجرح فيردونه إذا لم يُبَيِّنْ سببه بيانًا شافيًا، لاعتقادهم بأن الناس يختلفون في إسقاط العدالة والحكم بالفسق، وأن «مَذَاهِبُ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ، وَرُبَّمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّاوِي أَدْنَى مَغْمَزٍ فَتَوَقَّفَ عَنِ الاحْتِجَاجِ بِخَبَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوجِبًا لِرَدِّ الْحَدِيثِ، وَلاَ مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ» (٥).
من ذلك أنهم تشددوا في رواية مرتكب المباحات، كالتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، والتبسط في المداعبة والمزاح (٦)، أما اللعب بالشطرنج
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الفقيه الورع شيخ الديار المصرية، الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٧٥ هـ.
(٢) هو الإمام الحافظ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المعروف بابن راهويه، وَيُكَنَّى أبا يعقوب. كان يحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب. وله " مسند " كبير. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٣٨ هـ. (انظر " الرسالة المستطرفة ": ص ٤٩).
(٣) " تدريب الراوي ": ص ١٠٩.
(٤) وقد عَلَّلَ السيوطي ذلك بكثرة أسباب التعديل حتى يثقل ذكرها ويشق. إذ على المعدل أن يقول: لم يرتكب كذا، فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه. وذلك شاق جِدًّا. (" التدريب ": ص ١١١).
(٥) " الكفاية ": ص ١٠٩.
(٦) " الكفاية ": ص ١١١.
[ ١٣٣ ]
ونحوه، واللهو بآلات الطرب، فأمرهما أشد. قَالَ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ: «لَقِيتُ نَاجِيَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَرَأَيْتُهُ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَرَكْتُهُ فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، ثُمَّ كَتَبْتُ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ»، وَقَالَ شُعْبَةُ أَيْضًا: «أَتَيْتُ مَنْزِلَ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فَسَمِعْتُ فِيهِ صَوْتَ الطُّنْبُورِ، فَرَجَعْتُ. فَهَلاَّ سَأَلْتُ؟ عَسَى أَنْ لاَ يَعْلَمُ هُوَ» (١).
والمعروف في كتب الجرح والتعديل أن مُؤَلِّفِيهَا قَلَّمَا يتعرضون لبيان أسباب الجرح، بل يقتصرون على مجرد قولهم: «فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، وفلان متروك، ونحو ذلك». والناس مع ذلك يُعَوِّلُونَ عليها في رَدِّ حديث الرواة. غير أن التحقيق العلمي الدقيق في موضوع هذه الكتب أثبت أن فائدتها ليست في اعتمادها للحكم بالجرح، بل في إثارة الرِّيبَةِ حول من جَرَّحُوهُ والتوقف في أمره. فلا يقبل حديثه إلا إذا انزاحت هذه الرِّيبَةُ عنه وحصلت الثقة به (٢).
وهذه الشدة المتناهية، والورع الزائد، والدقة البالغة، كلها أثر من شعور النقاد بقيمة المَرْوِيِّ، فما هو بالكلام العادي، ولا بالأشعار والخطب والقصص وإنما هو دين لا يؤخذ إلا بالنقل الأمين، والسماع الصحيح. قال محمد بن سيرين: «إِنَّ هَذَا [الْعِلْمَ] دِينٌ، فَانْظُرُوا مِمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينِكُمْ» (٣). ورفع بعضهم حديثًا إلى رسول الله - ﷺ - بهذا المعنى، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا ابْنَ عُمَرَ دِينُكَ دِينُكَ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ،
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١١١، ١١٢.
(٢) " التدريب ": ص ١١١.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي ": ١/ ١٥ وجه ٢.
[ ١٣٤ ]
خُذْ عَنِ الَّذِينَ اسْتَقَامُوا، وَلاَ تَأْخُذْ عَنِ الذِينَ مَالُوا» (١). وعلى هدي هذه الوصايا، مضى طلاب الحديث يتخيرون الشيوخ إذا تباينت أوصافهم (٢)، فكانوا يُقَدِّمُونَ السماع من الأمناء، ويكرهون النقل والرواية عن الضعفاء (٣)، وَيُرَجِّحُونَ الأخذ عمن علا إسناده وقرب من النبي - ﷺ - معتقدين أَنَّ «قُرْبَ الإِسْنَادِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ» (٤)، وحين لا يتيسر لهم الإسناد القريب إلى النبي نفسه يطلبون أقرب الأسانيد إلى الصحابة أو التابعين أو الأئمة الأعلام، واثقين أن العلم في تلك العصور الذهبية كان «غَضًّا طَرِيًّا، وَالارْتِسَامُ بِهِ مَحْبُوبًا شَهِيًّا، وَالدَّوَاعِي إِلَيْهِ أَكْبَرُ، وَالرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرُ» (٥). واهتمامهم بالأسانيد العالية لم يكن ينصرف إليها لذاتها، بل لما يترتب عليها من قوة الظن بصحة متونها، فما يقيمون وزنًا لإسناد عَالٍ إذا شَكُّوا في رجاله لأن ضعف رجال الإسناد سَيُؤَدِّي ضرورة إلى ضعف المتن المروي، لذلك فَضَّلُوا النزول عن الثقات على العلو عن غير الثقات (٦) وأنشدوا مع أبي بكر بن الأنباري (٧):
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٢١.
(٢) " الجامع ": ١/ ١٤ وجه ٢.
(٣) " الكفاية ": ص ١٣٢.
(٤) كما روي عن محمد بن أسلم الطوسي في " الجامع ": ١/ ١٣ وجه ٢. وفي الصفحة نفسها من هذا المخطوط أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، كَانَ يَقُولُ: «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ». وسندرس في «القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف» أهم ما يتعلق بالحديث العالي والحديث النازل، فانتظر التفصيل هناك.
(٥) " الجامع ": ١/ ١٤ وجه ١.
(٦) " الجامع ": ١/ ١٤ وجه ١.
(٧) هو محمد بن بشار المعروف بأبي بكر بن الأنباري، النحوي المعدود في حفظ الحديث، ومصنف التصانيف الكثيرة. توفي ببغداد سَنَة ٣٢٨ هـ.
[ ١٣٥ ]
عِلْمُ النُّزُولِ اكْتُبُوهُ فَهُوَ يَنْفَعُكُمْ وَتَرْكُكُمْ كَتْبَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ
إِنَّ النُّزُولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبْتٍ أَعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوٍّ غَيْرِ ذِي ثَبَتِ (١).
وعرف بعض نقاد الحديث للأسانيد النازلة مزية لم يعرفوها للعالي من الأسانيد، فرأوا «أَنَّ السَّمَاعَ النَّازِلَ أَفْضَلُ، لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَتَعْدِيلِهِ، وَالاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ رُوَاةِ النَّازِلِ أَكْثَرُ، وَكَانَ الثَّوَابُ فِيهِ أَوْفَرَ» (٢).
وبلغ بالمحدثين حسهم النقدي ذروة لا تسامى حين لاحظوا أن المعاصر حجاب، فكرهوا التحديث عن الأحياء (٣) كأنهم يخشون أثر الحب في حسن الظن وأثر الكره والمنافسة في إساءة الظن بالمروي عنه، فلا تكون أسس الجرح والتعديل سليمة ولا صحيحة. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذَاكَرْتُ الشَّافِعِيَّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ وَأَنَا غُلاَمٌ، فَقَالَ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ. فَقَالَ: «مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ كَمَا حَدَّثْتُكَ. وَإِيَّاكَ وَالرِّوَايَةَ عَنِ الأَحْيَاءِ» (٤). وقال ابْنُ عَوْنٍ: «قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: أَلاَ أُحَدِّثُكَ؟» (قَالَ): فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «أَعَنِ الأَحْيَاءِ تُحَدِّثُنِي أَمْ عَنِ الأَمْوَاتِ؟» قَالَ: «قُلْتُ، لاَ بَلْ عَنِ الأَحْيَاءِ»، قَالَ: «فَلاَ تُحَدِّثْنِي عَنِ الأَحْيَاءِ» (٥).
_________________
(١) " الجامع ": ١/ ١٤ وجه ٢. ويراد بعلم النزول في هذين البيتين معرفة الأسانيد النازلة البعيدة عن النَّبِيِّ - ﷺ - أو عن الأئمة الأعلام.
(٢) " الجامع ": ١/ ١١ وجه ٢.
(٣) " الكفاية ": ص ١٣٩.
(٤) " الكفاية ": ص ١٤٠.
(٥) " الكفاية ": ص ١٣٩.
[ ١٣٦ ]
وَلِنُقَّادِ الحديث اصطلاحات في التعديل والتجريح يدل تنوعها وتغايرهاعلى تباين أحوال الرواة في القوة والضعف، والثقة والريبة. وقد جعل ابن حجر هذه الاصطلاحات اثنتي عشرة مرتبة (١): «١ - الصحابة. ٢ - من أكد مدحه بأفعل التفضيل، كأوثق الناس، أو بتكرار الصفة لفظًا، كثقة ثقة، أومعنى، كثقة حافظ، ٣ - من أفرد بصفة: كثقة، أو متقن، أو ثبت، ٤ - من قصر عمن قبله قليلًا كصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس، ٥ - من قصر عن ذلك قليلًا، كصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة، ويلحق بذلك أهل الأهواء والبدع، ٦ - من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، ويشار إليه بمقبول حيث يتابع، وإلا فَلَيِّنُ الحديث، ٧ - من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، ويشار إليه بمستور، أو مجهول الحال، ٨ - من لم يوجد فيه توثيق معتبر، وجاء فيه تضعيف وإن لم يبين، والإشارة إليه: ضعيف، ٩ - من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، ويقال فيه: مجهول، ١٠ - من لم يُوَثَّقْ البَتَّةَ وَضُعِّفَ مع ذلك بقادح، ويقال فيه متروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط، ١١ - من اتهم بالكذب، ويقال فيه: متهم، ومتهم بالكذب، ١٢ - من أطلق عليه اسم الكذب والوضع، ككذاب، أو وضاع أيضع، أو ما أكذبه! ونحوها».
والدقة في شروط الراوي - في ضوء مصطلحات الناقدين - كانت
_________________
(١) وذلك في خطبة كتابه " تقريب التهذيب ". وقد آثرنا اختصارها على النحو الذي ذكرناه. وقارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ١١٨، ١١٩، وبـ " توضيح الأفكار ": ٢/ ٢٦١ - ٢٧١ وبمقدمة كتاب " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم.
[ ١٣٧ ]
تُرَاعَى حتى أواخر القرن الثالث الهجري بتحفظ شديد، وَحِيطَةٍ بَالِغَةٍ، لتيسر السماع وتداول هذه الألفاظ على ألسنة الشيوخ والتلاميذ. بَيْدَ أَنَّ الرُوَّاةَ اضطروا بعد ذلك إلى كثير من التساهل في هذه الشروط، فاكتفوا في تعديل الراوي بشروط العقل والبلوغ والإسلام والضبط وعدم التظاهر بالفسق لأن الرواية باتت دراسة للكتب، لا نقلًا بالمشافهة والسماع (١).
وأما شرط الإسلام، فهو واضح في نفسه، كما أن الغاية من اشتراطه واضحة: فالراوي يؤدي أحاديث وأخبارًا وآثارًا تتعلق بهذا الدين، وبأحكامه وحكمه وتشريعاته: فالأحوط أن يقوم بهذا الشأن من كان مؤمنًا بهذه العقيدة التي يتحمل مسؤولية تفهيمها للناس. على أن الإسلام يشترط عند أداء الرواية لا عند تحملها (٢)، فقد قبلت رواية جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الطُّورِ» مع أنه كان قد جاء في فداء أسرى بَدْرٍ ولم يكن قد أسلم بعد، وقال عن نفسه - كما في " صحيح البخاري ": «وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي».
_________________
(١) " اختصار علوم الحديث ": ص ١١٩.
(٢) " الكفاية ": ص ٧٦.
[ ١٣٨ ]