إن الكلام في الرواة تعديلًا وتجريحًا ذو شأن كبير، فإن من نتائجه قبول الحديث أو رده، وقبول الحديث معناه قبول ما يفيده من تحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، وإدخال ذلك كله في دائرة الشرع، ثم إن جرح الرواة جرح لا يندمل ويبقى سبة مدى الدهر، فكان لزامًا أن يحاط التعديل والتجريح بسياج من الضوابط والقواعد والآداب تقيه من الزلل والشطط والمحاباة والمغالاة، وتمنع أن يميل صاحبه تأثرًا بالحب أو البغض كالصداقة أو القرابة بين الأفراد، أو التنافس والتباغض بين الأقوام.
وإن لهذه القواعد والآداب آثارا كبيرة في مجالات الرواية والشهادة وتقويم الرجال، فإذا كان الكلام في الرواة أو الشهود منضبطًا بتلك القواعد ومتقيدا بها فإنه يكون مَقْبُولا، وإلا كان من قبيل الكلام المهدر الذي لا يلتفت إليه. من تلك القواعد:
١) الجرح واجب عند الحاجة.
أجمع العلماء على أن الجرح ليس بالغيبة المحرمة، بل هو نصيحة يُعرف بها الحق من الباطل ونوع من التدين، وأما تركه مع العلم بخطورته فإثم وخيانة للشرع وأهله. قال الإمام مسلم «وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم، أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي ليس لها بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه مَنْ قد عرفه، ولم يبين لغيره مِمَّنْ جَهِلَ معرفته، كان آثما
[ ٤٢ ]
بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين.» (١)
وقال الإمام الذهبي في حديث: «من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: الذي حملها في الدنيا: علي»: وقد رواه ابن مردويه من طرق في أمثاله، وما بَيَّنَ بطلانها، إن هذه لخيانة وقلّة وَرَع. (٢) وقال أيضا: «كلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذَّبَّ عن السنة.» (٣)
ولكن العلماء لم يجوزوه مطلقا، وإنما ربطوه بالحاجة الداعية إليه، ولذلك اشترطوا فيه حسن النية وأن يكون خالصا لله تعالى، وكل ما كان بسبب عداوة أو حسد أو تفكه بأعراض الناس أو جريان مع الهوى أو غير ذلك من حظوظ النفس فإثم محرم وإن حصلت به المصلحة بعد ذلك. قال الإمام الشافعي: "من أبغض الرجل لأنه مِنْ بني فلان، فهو متعصب مردود الشهادة".
٢) لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة.
إذا كان جرح الرواة جائزا دفعا للاعتزاز بهم، بل واجبا للحاجة وضرورة شرعية، فإنه مع ذلك لا يجوز إذا كان زائدا عن الحاجة فمن أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص بها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يحصل به الغرض
٣) لا يجوز نقل الجرح فقط فيمن وُجِدَ فيه الجرح والتعديل.
التعديل والتجريح شهادة من الناقد يلزمهما الصدق والتحري والإنصاف، فلا يجوز أن يصدر تعديل أو تجريح يحكمهما الهوى أو المحاباة
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/٢٨.
(٢) ترتيب الموضوعات الكبرى ص ١٨٧.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣/٢٢٨.
[ ٤٣ ]
ونحو ذلك، فلا يحل للناقد أن ينقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما فإن ذلك ظلم له: قال الإمام ابن سيرين (١١٠ هـ): "ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه" (١) . وقال الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "قد أورده العلامة ابن الجوزي في "الضعفاء". ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق" (٢) .
٤) لا يقبل الجرح والتعديل ممن ليست له معرفة بأسبابهما.
اتفق العلماء على عدم قبول الكلام في الرواة الصادر عمن يجهل أسباب الجرح والتزكية، وقال تاج الدين السبكي: "من لا يكون عالما بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد" (٣) .
وقال الحافظ ابن حجر: "وينبغي ألاَّ يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ، فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضيه رد حديث المحدث، كما لا يقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر فأطلق التزكية" (٤) .
٥) لا يعدل ويجرح إلا من كان عدلا غير مجروح.
لا يقبل الجرح والتعديل ممن هو مجروح ساقط العدالة، ففي الحديث: "ألا لا تجوز شهادة الخائن ولا الخائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا الموقوف على حد". (٥)
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب كما نسبه إليه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٩/٢٧٥.
(٢) ميزان الاعتدال ١/٩.
(٣) انظر جمع الجوامع ٢/١١٢.
(٤) شرح نخبة الفكر ص ٤١.
(٥) ابن ماجه كتاب الأحكام باب من لا تجوز شهادته.
[ ٤٤ ]
٦) التعديل مقبول من غير ذكر سببه.
هذا على المذهب الصحيح المشهور كما يقول ابن الصلاح، (١) لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يُحْوِج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا لم يرتكب كذا، فيعدد جميع ما يُفَسَّقُ بفعله أو تركه، وذلك شاق جدا.
٧) لا يقبل الجرح إلا مفسرا مبين السبب (٢) .
والسبب في ذلك يرجع إلى أنه لا يصعب ذكره إذ يجرح الراوي، بالمجرح الواحد. فالراوي قد يكون عدلا، إلا أنه غير متقن مثلا بسبب سوء حفظ أو كثرة غفلة" فيُجرّح بسبب ذلك.
ولا يقبل الجرح إلا مفسرا أيضا لاختلاف الناس فيما يجرح وما لا يجرح. فقد يتكلم بعضهم في الرواة بما لا يوجب الرد تأويلا أو جهلا، فيطلق جرحا مردودا لا يثبت اعتقادا منه أنه مجرح، أو تشددًا منه بحيث يَغْمِز الراوي بالغلطتين والثلاث. (٣) فلا بد إذًا من بيان سبب الجرح ليُنظر فيه أهو جائز مقبول أم لا؟.
٨) لا يقبل التعديل على الإبهام.
التعديل على الإبهام هو أن يقول القائل: حدثني "الثقة"، أو: "من لا
_________________
(١) انظر علوم الحديث ص ١٠٦.
(٢) هذا عند تعارض الجرح والتعديل فلابد أن يكون الجرح مفسرًا على الراجح كما ذكر الباحث، أمّا إذا خلا المجروح من التعديل، فيقبل الجرح وإن لم يفسّر انظر نزهة النظر/١٩٣ وعلوم الحديث لابن الصلاح/١٠٦-١٠٧ (اللجنة العلمية) .
(٣) انظر تقسيم الإمام الذهبي للنقاد الذين تكلموا في الرواة وذكره لقسم متعنت في الجرح متشدد في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث.
[ ٤٥ ]
أتهم"، من غير أن يُسَمِّيه، وقد وقع ذلك عند العديد من الأئمة كمالك في الموطأ، والشافعي. (١)
هذا التعديل مردود إذا لم يصدر عن إمام من النقاد المجتهدين كمالك والشافعي وأحمد، لأن من أُبْهم وعُدِّل فربما لو ذكر بما يُعرف به كان مِمَّن جَرَّحه غيرُه بجرح قادح، لذلك فإن عدم تسميته سبب في إثارة الشك والريبة حوله، وقد توجب التوقف في قبول حديثه.
٩) ليس كل من تُكُلِّم فيه بمجروح
إن مجرد الكلام في الرجل لا يعني أنه مجروح ساقط العدالة، مردود الرواية أو الشهادة، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، وما سلم فاضل من طاعن، ولذلك خُرِّج في الصحيحين لخلق ممن تُكُلِّم فيهم منهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث ابن عبد الله الإيادي، وخالد بن مخلد القطواني وغيرهم.
١٠) لا يقبل جرح الأقران إلا ببينة وحجة.
امتنع علماء الجرح والتعديل من قبول كلام الأقران بعضهم في بعض، واحتاطوا في تقديم الجرح على التعديل فيما دار بينهم من قدح أو خلاف مذهبي أو غير ذلك.
وقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" بابا لكلام العلماء المتعاصرين بعضهم في بعض (٢) .ورأى أن أهل العلم لا يقبل الجرح فيهم إلا ببيان واضح فإذا انضم إلى ذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول.
_________________
(١) انظر مثلا الرسالة ص ٤٤٨-٤٥٠.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/١٥٠ وما بعدها.
[ ٤٦ ]
١١) الجرح (١) مقدم على التعديل ولو كان المعدلون أكثر.
١٢) لا يجوز جَرْحُ مَنْ لا يُحتاج إلى جرحه.
١٣) رواية العدل ليست تعديلا لمن روى عنه.
١٤) عدم العمل بالحديث ليس تجريحا لمن روي عنه.
_________________
(١) ولابد من تقييد ذلك "بالجرح المفسّر"،كما تقدم في التعليق على القاعدة رقم (٧) . (اللجنة العلمية) .
[ ٤٧ ]
آثار علم الجرح والتعديل:
-حفظ السنة النبوية بعيدة عن التغيير والتبديل، سليمة من التزوير والتحوير، ولتكون حجة الله على خلقه ملزمة قاطعة، لا عذر لهم بتجاهلها والتنكر لها. قال الإمام يحيى بن معين: "لولا الجهابذة لكثرت السرقة والزيوف في رواية الشريعة" (١) . وقال الحاكم: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الإسناد، فإن الأخبار إذا تَعَرَّتْ عن وجود الأسانيد فيها كانت بُترًا" (٢) .
- جمع أسماء رواة الأحاديث والآثار، وبيان أحوالهم، تعديلا وتجريحا رغم كثرة عددهم، وتباين أحوالهم في كتب خاصة بهم.
- تبيين أسباب تجريح الرواة، وهي التي تسمى أسباب اختلال العدالة والضبط، وفي المقابل بُينت خصال تشترط في الراوي الثقة.
-إمكان الاطلاع على تلبيس التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة بعد التأكد من سماع الراوي عَمَّنْ يروي عنه أو عدمه.
-معرفة سنة اختلاط الراوي ليحتج بمروياته قبل الاختلاط، وتطرح التي كانت بعد الاختلاط.
-معرفة تاريخ ولادة الرواة وتاريخ وفاتهم، وبذلك يستدل العلماء على
_________________
(١) معرفة السنن والآثار ص ٥.
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٦.
[ ٤٨ ]
كذب الكاذب في روايته عمن لم يدركه (١) .
- معرفة بلدانهم وأوطانهم، وفائدة ذلك الأمن من تداخل الاسمين إذا اتفقا لكن افترقا بالنسبة.
- إحصاء ما لكل صحابي من الرواة من التابعين أو ما يرويه من الأحاديث، وما لكل تابعي من الرواة، حتى إذا ادَّعى مُدَّعٍ روايةَ حديث ما كشفوا أمره، وبيَّنوا صدقه أو كذبه.
- وفي علم الرجال إبراز لمنهج المحدثين، وبيان أنهم لا يخبطون في دين الله خبط عشواء بل كانوا يحكمون الخطة ويحددون المنهج، ثم يخطون إلى أهدافهم بخطى ثابتة وعقل واع، فإذا بهم يدركون الغاية من وجهها الصحيح.
- وفيه إشادة بعبقرية تلك العقول المبدعة التي عرفت كيف تضع المنهج الصحيح لإدراك غاية صحيحة؛ ولذلك فإن هذا المنهج قد تمَّ اعتماده في علم التفسير والقراءات (٢) وعلم اللغة وعلم التاريخ (٣) . وحق لمن ينادي اليوم بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتمحيصه ونفي ما وقع فيه من الأكاذيب، عنه، أن يستند إلى منهج نقاد الحديث، ويخطو خطواتهم، ويسلك سبيلهم ليثبت الحقائق والوقائع مهما كانت طبيعتها، ويبين زيف الأكاذيب والتضليلات.
- تكوين رأي عام واع بمكانة السنة النبوية، ومدرك لخطورة تحريفها
_________________
(١) نزهة النظر ص: ٤٠.
(٢) التفسير ورجاله: محمد الفاضل بن عاشور ص: ٣٩ وما بعدها.
(٣) انظر كتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل لشيخنا الدكتور فاروق حمادة ص ١٠٠ وما بعدها.
[ ٤٩ ]
والكذب على رسول الله ﷺ، فقد ساهم الناس إلى جانب العلماء في الذود عن السنة ومقاومة الوضع والوضّاعين.
وبناء على ذلك فإن من ثمراته أيضا الرد على حملات التشكيك في السنّة التي تقودها الدوائر الاستشراقية، وعلى الشبهات التي يروجها الأدعياء من بني جلدتنا الذين رضعوا من ألبان أعدائنا فأصبحوا يتكلمون، بألسنتهم ويضربون بسيوفهم.
وخلاصة القول: إنه حين نتأمل مليًّا في علم الرجال، وما بذله المحدثون النقاد من جهود طيبة من تجريح وتعديل وتتبع دقيق لأحوال الرواة، ووضع لألوان الكتب وأنواع المصنفات، نوقن إيقانا ثابتا أن الله تعالى تولى حفظ الحديث النبوي بمثل ما تولَّى به كتابه العزيز، وأن شريعة الله كما ذكر ابن الوزير في "الروض الباسم" لا تزال محفوظة، وسنة رسوله لا تبرح بحمد الله محروسة يقوم على ذلك رجال صادقون وَفَّوا بما عاهدوا الله، وانقطعوا لخدمة هذا الدين، إذ حققوا هدفهم المنشود: وهو معرفة أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، وتمّ التمييز بين الثقات والضعفاء منهم، وذلك طريق إلى معرفة الصحيح والسقيم من الأحاديث؛ قال الإمام ابن حبان: "إذ لا يتهيأ معرفة السقيم من الصحيح، ولا استخراج الدليل من الصريح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين وثقاتهم" (١) .
_________________
(١) كتاب المجروحين ١/٤.
[ ٥٠ ]