شعبة ونقد الرواة:
اشتغل شعبة بن الحجاج بالحديث النبوي، وجدّ في طلبه، ولم يزل طول عمره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جمعه لا يشتغل بشيء سواه، ويكتب حتى عمّن دونه في السن والإسناد، فكان مِنْ أشدِّ أصحاب الحديث عنايةً بما سمع، وأحسنهم إتقانًا لما حفظ، وقد سمحت له كثرة الاشتغال بالحديث باكتساب معرفة كبيرة بأحوال الرواة، ودراية فائقة بأحاديث الشيوخ، حتى عُدَّ مِنْ أعلم الناس بالرجال، (١) بل ولُقِّبَ بأمير المؤمنين في الحديث (٢) .
لم تعد مجالس شعبة بن الحجاج تعقد قصد رواية الأحاديث فقط، بل أصبحت تعقد للبحث في أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، حكى أبو زيد الأنصاري النحوي فقال: أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة تعالوا نغتاب الكذابين (٣) .
وقصر المجالس على نقد الرجال أمر ظهر بعد ذلك على يد الطبقة التي تلت شعبة، وعلى رأسها يحيى بن معين والإمام أحمد وابن المديني، يوجه خلالها الطلبة أسئلة تتعلق بالرواة، وردود الشيوخ هي التي يدونها تلامذتهم أو يروونها عنهم بعناوين مختلفة مثل سؤالات أحمد وسؤالات علي بن المديني وغير ذلك.
_________________
(١) تقدمة المعرفة ١٢٧.
(٢) شرف أصحاب الحديث ١٥.
(٣) الكفاية ص: ٤٥.
[ ١٧ ]
من الذي يُترك حديثه في رأي شعبة؟
يرى شعبة أن أصنافًا أربعة من الرواة يترك حديثهم ولا يعتد به:
أولًا: مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب: إن الراوي المتهم بالكذب هو الذي يعرف بكذبه في حديثه العادي بين الناس، فلا يؤتمن حينئذ على حديث رسول الله ﷺ، إذ إن جرأته على الناس دليل على جرأته على الله ورسوله. ولأن العدالة لا تتجزأ، فلا يكون الراوي ثقة عدلًا في جهة، وكذابًا فاسقًا في جهة أخرى، وهذا ما تشترك فيه الرواية والشهادة. وطرح حديث المتهم بالكذب في كلامه العادي مع الناس ضرب من الاحتياط والحذر اللذين مَيَّزا منهج المحدثين في تلقي الأخبار وروايتها، وأضفيا عليه صفة الدقة والسلامة.
ثانيًا: من يكثر الغلط: إن الراوي الذي يتهم بفحش الغلط وتزايده يفقد صفة الضبط فلا يؤخذ بحديثه في معرض الاحتجاج، ولا يعتمد في أحاديث الأحكام، بل يستأنس به استئناسا. (١)
ثالثًا: من يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه، ويقيم على غلطه ويصر على روايته لذلك الحديث، وإن الراوي الذي يعرف عنه هذا الأمر تسقط روايته ولا يكتب عنه بشرط أن يكون ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك.
رابعًا: من روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. (٢)
_________________
(١) انظر كتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل ص: ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) الكفاية ١٤٥، وفتح المغيث ١٦٠-١٦١.
[ ١٨ ]
موقف شعبة من الرواة المدلسين:
ذكر غير واحد أن شعبة بن الحجاج كان من أصدق الناس وأثبتهم في الحديث حتى قال عبد الله بن إدريس: شعبة قبان المحدثين، (١) أي أمينهم. وقال أحمد في معرض المفاضلة بينه وبين سفيان الثوري: « وكان شعبة أثبت منه وأتقى رجلا.» (٢)
ولذلك فقد كان له موقف صارم من التدليس والمدلسين، فكان يجعل التدليس في مرتبة أكبر من الزنى، فهو القائل -إن صحت الرواية عنه-: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وفي رواية أخرى: التدليس في الحديث أشد من الزنى» (٣) .
وقال أيضا مستعظما أمر التدليس مستبعدا إياه: «لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه» (٤) .
منهج شعبة في نقد الرواة
١) الرجوع إلى مصدر الخبر: يعد رجوع المحدث الناقد إلى مصدر الخبر الذي استقى منه الراوي حديثه وسيلة من وسائل التثبت من صدق المخبر وعدالته وضبطه. ولقد كان هذا النهج من ديدن شعبة بن الحجاج وهو القائل في معرض التنويه بمكانة سفيان الثوري: ما حَدَّثني سفيان عن السدي بحديث فسألته عنه إلا كان كما حدثني. (٥)
_________________
(١) التهذيب ٣٤٦.
(٢) المصدر نفسه ٣٤٤.
(٣) التهذيب ١/١٥-١٦ وتقدمة المعرفة ص: ١٧٣.
(٤) التمهيد ١/١٦.
(٥) طبقات ابن سعد ٦/٣٧٢.
[ ١٩ ]
وفي رواية: "ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان" (١)
٢) الرحلة: وذلك من أجل تتبع الحديث الواحد، والرجوع إلى مصدر الخبر للأمن من كذب الراوي أو تدليسه أو غلطه. ولعل رحلة شعبة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم البصرة لتتبُّع حديث واحد، والتأكد من اتصال سنده (٢) وصحته، دليل واضح على عنايته الكبيرة بالحديث النبوي عن طريق التتبع الدقيق لرواته وفحص أحوالهم ومعرفة عدالتهم وضبطهم.
٣) اختبار الراوي: وذلك بمعاودة السماع منه مرات متعددة قصد التأكد من حفظه وضبطه وثبوته على رواية نفس الحديث، وقد كان هذا النهج أيضا من المسائل التي اعتاد عليها شعبة، فسمع مرة حديثا واحدا من طلحة بن مصرف فكان كلما مر عليه يسأله عنه، فقال له: لِمَ يا أبا بسطام؟ قال: "أردت أن أنظر إلى حفظه فإن غيّر شيئا تركته". (٣)
وقال أيضا: "ما رويت عن رجل حديثًا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة، أتيته أكثر من عشر مرار". (٤)
ولذلك لم يكن يقبل الراوي الذي يلقن، قال: كانوا يقولون لسماك:
_________________
(١) تقدمة المعرفة ٦٧.
(٢) انظر المحدث الفاصل، ص ١٣١-١٣٢، والتمهيد، ١/٤٨-٤٩-٥٠.
(٣) الكفاية ١١٣.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٣٤٦.
[ ٢٠ ]
عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن ألقنه. (١)
وقد روى قتادة عن أبي الأسود الدؤلي قال: "إن سَرّك أن يكذب صاحبك فلقِّنه". (٢)
وبالإضافة إلى هذه السبل لمعرفة أحوال الرواة، كان شعبة يرد حديث من يروي ما لا يقبله العقل، قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه يكذب (٣)، بل إن شعبة -مبالغةً في الاحتياط- اشترط في الراوي أن يرى وجه محدثه وقت التلقي، فها هو يوصي أحد تلامذته بذلك قائلا: "إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه، فلا ترو عنه" (٤) .
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٢/٢٣٣.
(٢) المصدر نفسه ٢/٢٣٣.
(٣) المحدث الفاصل ٣١٦.
(٤) المصدر نفسه ٥٩٩، والإلماع ص ١٣٧.
[ ٢١ ]
مكانة شعبة في علم الرجال:
لقد بلغ شعبة بن الحجاج شأوا كبيرا في علم الرجال بفضل هذا التفاني الكبير في تتبع أحوال الرواة، وشدة تمحيصه وتفتيشه وسلوكه مناهج متعددة لكشف صدق الرواة أو كذبهم. لقد أعطت هذه الجهود الكبيرة ثمارها الطيبة ونتائجها المرجوة حيث بلغ من علمه بالرَّاوي أن كان يعرف ما سمع -يعني الراوي- من شيخه وما لم يسمع، فقد روى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء.
وكان من نتائج هذه المعرفة والخبرة الدقيقتين: أن قتادة نفسه كان يسأله
[ ٢١ ]
عن حديثه يعني حديث نفسه. (١)
وقال شعبة أيضا بنفس الروح التي تنم عن هذه المعرفة الكبيرة بالرواة وأحوالهم:" أحاديث محمد بن سيرين عن ابن عباس إنما سمعها محمد عن عكرمة، لقيه أيام المختار وفي رواية أخرى: أحاديث محمد بن سيرين إنما سمعها من عكرمة لقيه أيام المختار ولم يسمع ابن سيرين من ابن عباس شيئا". (٢) وقال أيضا في حق شيخه عطاء بن السائب:"إذا حَدَّثَكَ عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع فقال: زادان وميسرة وأبو البحتري فاتَّقِهْ، كأن الشيخ قد تغير" (٣) . وهذا كلام مَنْ خَبِرَ أحاديث عطاء بن السائب ومحصها حتى غدا عارفا بمواطن الخلل والعلة القادحة فيها.
ولا غرو بعد هذا كله أن يكثر تلاميذه وتكبر حلقات الدروس حوله لأن أصحاب الحديث كانوا يريدون -كما بين ذلك خلف المخرمي- حسن المعرفة بالرجال وبمعرفة الحديث، وهكذا كان هذا المعنى بينا في شعبة، (٤) وأن تُسَجِّل له كتب الرجال والجرح والتعديل أقواله في الرواة وتصبح عمدة من يعدل ويجرّح، فهذا ابن عون يأبى الأخذ من أحد الرواة، ولما قيل له مالك لا تحدث عن فلان قال: لأن أبا بسطام تركه. (٥)
ولا غرو أيضا أن يصفه سفيان بأنه أمير المؤمنين في الحديث، (٦) وأن
_________________
(١) المحدث الفاصل ص: ١٢٧ وص: ١٧٥.
(٢) العلل لابن المديني ص: ٦٠.
(٣) طبقات ابن سعد ٦/٣٣٦.
(٤) تقدمة المعرفة ١٧٦.
(٥) تهذيب التهذيب ٤/٣٣٨.
(٦) شرف أصحاب الحديث ١١٥.
[ ٢٢ ]
يصفه القطان بأنه كان أعلم الناس بالرجال (١) .
ورغم هذه المكانة العليا التي سما إليها فإنه كان متواضعا أشد ما يكون التواضع ومحبًا للحديث وطلاب الحديث، فمن تواضعه ما يحكيه وكيع أنه ذكر حديثا عن أبي إسحاق فقال رجل: إن سفيان خالفك فيه، فقال: دعوه، سفيان أحفظُ مني، وفي رواية:"إذا خالفني سفيان في حديث فالحديث حديثه". (٢)
ومن حبه للحديث والمحدثين قوله: "كل مَنْ كتبت عنه حديثا فأنا له عبد" (٣)، وقوله: "إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه" (٤) .
لقد جادت طبقة شعبة بن الحجاج والطبقة التي تلتها بعدد كبير من الجهابذة النقاد الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحديث النبوي الشريف من التحريف والتزييف. وإن مجرد عرض أسماء بعض هؤلاء الجهابذة يثبت صحة هذا الحكم ويؤكده، إذ لا يماري أحد في مكانة مالك بن أنس (١٧٩هـ)، وسفيان بن عيينة (١٩٨هـ)، وحماد بن زيد (١٧٩هـ)، ووكيع بن الجراح (١٩٩هـ)، وعبد الله بن المبارك (١٨١هـ) وأبي الوليد الطيالسي (٢٢٧هـ)، وأبي داود الطيالسي (٢٠٣هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ)
_________________
(١) تقدمة المعرفة ١٢٧.
(٢) المصدر نفسه ص: ٦٣ وص: ٦٥.
(٣) جامع بيان العلم ١/ص: ١٢٧ وص: ١٣٣، الإلماع ص: ٢٢٧ وص: ٢٣٠.
(٤) سير أعلام النبلاء: (٧/٢٢٥) .
[ ٢٣ ]
ثم إن أغلب هؤلاء النقاد الكبار من تلاميذ وخرّيجي مدرسة شعبة بن الحجاج، وقد ورثوا عنه أسس علم الرجال ونهلوا من معينه الفياض ليتابعوا تشييد أركان هذا العلم باجتهاداتهم ودراساتهم الخاصة التي كانت معالم وشواهد على ما بذلوه من جهود متواصلة، وقد تم بالفعل إرساء أسس هذا العلم وأركانه على يد هذه الطبقة، لينصرف اهتمام من جاء بعدهم إلى جمع آرائهم وأقوالهم وعلى التصنيف في متفرقات ما وضعوه من أسس ودعائم. وحتى تظهر لنا بعض جهود هذه الفئة في نقد الرواة وتتبع أحوالهم، يجدر بي استعراض بعض مساهماتهم في هذا المجال.
أ - مالك بن أنس (١٧٩هـ) (١)
لقد عاصر الإمام مالك شعبة بن الحجاج، بل لقد كان من شيوخه، وإنما ذكرته مع الطبقة التي تلت شعبة لتأخر وفاته بعده بتسع عشرة سنة، ولا شك أنها مليئة بالعطاء، غنية بالمساهمة في علم الرجال.
من الذي يرد حديثه عند مالك؟ يرى الإمام مالك أن الحديث النبوي «لا يؤخذ من أربعة ويؤخذ من سوى ذلك:
- لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه.
- ولا من سفيه معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس.
- ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا أتهمه أن يكذب
_________________
(١) مصادر ترجمته: تقدمة المعرفة ١٩ والانتقاء لابن عبد البر ص ٩-٦٣ والمعارف لابن قتيبة ٤٩٨ والتاريخ لابن معين ٢/٥٤٣-٥٤٦ والحلية ٦/٣١٦ وترتيب المدارك ١/١٠٢-٢٥٤ وصفوة الصفوة ٢/١٧٧ ووفيات الأعيان ٤/١٣٥ وسير أعلام النبلاء ٨/٤٨-١٣٦ وتذكرة الحفاظ ١/٢٠٧ والديباج المذهب ١/٨٢-١٣٩.
[ ٢٤ ]
على رسول الله ﷺ.
-ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة، لا يعرف ما يحدث» (١)
ومن هذا الكلام وغيره مما ورد عن مالك وأضرابه استلهم المحدثون الذين جاؤوا من بعد القواعد ووضعوا الحدود والتعاريف بما تقتضيه صناعة الحدود والتعاريف من عبارات جامعة مانعة وباستعمال مصطلحات اتفق عليها القوم، وهي من صميم لغتهم.
- معرفة مالك بأحوال الرواة: لقد تكلم الإمام مالك في العديد من الرواة مبينا أحوالهم، حاضا على الأخذ والرواية عن بعضهم لعدالتهم وضبطهم، ومحذرا من بعضهم الآخر لضعفهم أو كذبهم.
فعن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل مالكا عن ابن سمعان فقال: كذاب. (٢) وقال بشر بن عمر: نهاني مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى، قلت: من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال: ليس دينه بذاك. وعن هذا الراوي نفسه يسأله يحيى بن سعيد القطان قائلا: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه (٣) .
ولقد انعكست معرفة الإمام مالك بالرواة على روايته للحديث النبوي، فكان لا يشق له غبار في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار والأقضية ووقائع الصحابة، ومعرفة الطرق التي منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة رواة الأحاديث، وفي هذا قال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاءه للرجال
_________________
(١) الكفاية ص: ١٦٠.
(٢) تقدمة المعرفة ٢١.
(٣) تقدمة المعرفة ص: ١٩.
[ ٢٥ ]
وأعلمه بشأنهم (١) . وقال ابن عبد البر: ومن اقتصر على حديث مالك ﵀ فقد كُفِي تعب التفتيش والبحث ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنفصم، لأن مالكا قد انتقد وانتقى، وخلّص ولم يرو إلا عن ثقة حجة (٢) . وكان الإمام أحمد قد أكد هذه المسألة فقال: "كان مالك من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي ألاَّ تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس ولا سيما مديني. (٣) ولهذا فقد استغرب يحيى بن معين حينما سئل عن أحد رجال مالك فقال: أتريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلا أو رجلين (٤) .
بهذا الجواب نفسه وبهذه الثقة نفسها كان الإمام مالك ذاته قد أجاب بشر بن عمر حينما سأله عن رجل، قال مالك: هل رأيته في كتبي، قال: لا، قال: لو كان ثقة رأيته في كتبي (٥) . ولا غرابة في أن يكون مالك بهذه الدراية الكبيرة برواة الحديث النبوي، وبهذا التمحيص والمعرفة لأحوال من يبلّغون عن رسول الله ﷺ، وهو الذي أُثر عنه أنه كان يشدد في الحديث النبوي في الياء والتاء ونحو هذا.
_________________
(١) التمهيد ١/٦٦٥، وتقدمة المعرفة ص: ٢٣.
(٢) التمهيد ١/٦٠.
(٣) تقدمة المعرفة ص: ١٧.
(٤) المصدر نفسه ص: ٢٤.
(٥) مقدمة صحيح مسلم ١/٢٦ وتقدمة المعرفة ص: ٢٤.
[ ٢٦ ]
ب- وكيع بن الجراح (١٩٩هـ) (١)
ساهم وكيع بن الجرّاح في مسيرة علم الرجال مبيّنا أحوال من ينقلون حديث النبي ﷺ بالدقة المعهودة في غيره من النقاد، من ذلك تتبعه لأحاديث الأعمش عن مجاهد فكان يقول: لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث، وفي رواية أخرى عن عمرو بن علي قال: سمعت وكيعا يقول: كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية، ثم حدَّث بها. (٢)
وبنفس هذه الخبرة والتدقيق قال: يحيى بن الضريس من حفاظ الناس لولا أنه غلط في حديثين، فذكر حديثا لمنصور. (٣)
وقد كان وكيع يُنَفِّر من الكذب على رسول الله ﷺ، ويبين خطورة هذا الجرم ونتائجه الوخيمة. وقد تعرض عليه أحاديث المعلّى
ابن هلال فيقول: "قال أبو بكر الصديق: الكذب مجانب للإيمان". (٤) وقوله هذا بمنزلة الحكم على المعلى بن هلال، وهو أيضا جواب توخى منه تذكير الناس بخطورة الكذب في الرواية، وتنفيرهم من الرواية عن الكذَّابين، وقد كان يقول: "هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق". وكان وكيع أيضا إذا أتى على حديث حنظلة بن أبي سفيان يقول: حدثنا حنظلة وكان ثقة ثقة (٥) .
_________________
(١) مصادر ترجمته: الطبقات لابن سعد ٦/٣٩٤، التاريخ الكبير للبخاري ٤/ القسم الثاني ١٧٩، تقدمة المعرفة ٢١٩.
(٢) تقدمة المعرفة ٢٢٤ و٢٢٧.
(٣) المصدر نفسه ص ٢٢٤.
(٤) المصدر نفسه ٢٢٥-٢٢٦.
(٥) تقدمة المعرفة ٢٢٩.
[ ٢٧ ]
ج- عبد الله بن المبارك (١٨١؟) (١)
كان عبد الله بن المبارك من مشاهير الأئمة النقاد في هذه الفترة، فقد عني بنقد الرجال وتتبع أحوالهم من أجل سلامة السنة النبوية وهو الذي -حين قيل له: هذه الأحاديث المصنوعة؟ - قال كلمته المشهورة: "يعيش لها الجهابذة" (٢) . وقال أيضا: ليست جودة الحديث قرب الإسناد، جودة الحديث صحة الرجال (٣) .
وتبعا لذلك فقد بيَّن ابن المبارك مَنْ يؤخذ حديثه ومن يُرَدُّ، بناء على أوصاف حددها فقال: (٤) "يكتب الحديث، إلا عن أربعة:
- غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب بدعة وهو يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدِّث مِنْ حِفْظه.
وقال مرة مجيبا وقد سئل عمن نأخذ؟: "من طلب العلم لله، وكان في إسناده أشد، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة" (٥) .
وقد تصدَّى ابن المبارك كغيره من النقاد للتفتيش عن أحوال الرواة وكشف حقيقتهم للمسلمين عموما ولطلاب الحديث على وجه الخصوص، وهذا الإمام مسلم يذكر في مقدمة صحيحه عدة أمثلة عن نقده للرجال،
_________________
(١) مصادر ترجمته: التاريخ الكبير ٣ القسم الأول، تاريخ بغداد ١٠/١٥٢، تقدمة المعرفة ٢٦٢، تذكرة الحفاظ ١/٢٧٤، التهذيب ٥/٣٦٢، تاريخ التراث العربي ١/٢٧٠.
(٢) الكفاية ٣٧.
(٣) أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني ص: ٥٧.
(٤) الكفاية ص: ١٤٣.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/٢٧٧.
[ ٢٨ ]
وكلها تبرز مدى مساهمته في علم الرجال وباعه الكبير فيه، من ذلك أن أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني سأله قائلا: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء أن من البر بعد البر أن تُصَلِّي لأبويك وتصوم لهما مع صومك؟ فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عَمَّن هذا؟
قال: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال ثقة عمن؟، قال أبو إسحاق: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة عمن؟، قال: قال رسول الله ﷺ.
قال ابن المبارك: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوزَ تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصَّدَقَة اختلاف (١) .
وأخرج مسلم أيضا بسنده إلى علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يَسُبُّ السلف (٢) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم بن حماد قال: قلت لابن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: إن عمرا كان يدعو، يعني إلى القدر (٣) .
ولقد أشاد العلماء بمكانة ابن المبارك وصولته على الضعفاء والوضاعين، فهذا شعبة يقول فيه -وهو شيخه-: «ما قدم علينا من ناحيته مثله» (٤)، وهذا أبو إسحاق الفزاري يقول: «ابن المبارك إمام المسلمين»، ويجلس بين يديه
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/١٦ - وتقدمة المعرفة ص: ٢٧٤.
(٢) مقدمة مسلم ١/١٦.
(٣) تقدمة المعرفة ١٧٣.
(٤) المصدر نفسه ص: ٢٦٥.
[ ٢٩ ]
يسأله، وهو يكبره بعشر سنين (١) . وتأتي شهادة أخرى على لسان أمير المؤمنين هارون الرشيد حينما قال له أحد الزنادقة وقد أخذه ليقتله: أين أنت من ألف حديث وضعتها. فرد عليه الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، ينخلانها ويخرجانها حرفا بحرف؟ (٢) .
وروى الخطيب في «تاريخ بغداد» قصة اجتماع الناس على ابن المبارك على نحو لا يتم لهارون الرشيد رغم الجند والأعوان (٣) .
ولا يستقيم حديث عن علم الرجال في هذه الفترة، وعن مدى مساهمة نقادها الجهابذة دون التعرض بالذكر لعالمين اثنين هما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن ابن مهدي إذ إنهما من أكثر طبقتهما بحثا عن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمجروحين، حتى كان هذا الشأن تخصصا لهم، لم يتعدوه إلى غيره، وكان للناس بهما وثوق فصار مَنْ وثقاه مقبولًا، ومن جَرَّحاه مجروحًا، لا يندمل جرحه.
د - يحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) (٤):
كان يحيى القطان خير خلف لشعبة بن الحجاج بمدينة البصرة، وهي حقيقة أكدها غير واحد (٥) حتى قال فيه الإمام أحمد: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن - يعني في معرفة الحديث ورواته - هو كان صاحب
_________________
(١) المصدر نفسه ص: ١٦٥ وص: ١٧٦.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/٢٧٣.
(٣) تاريخ بغداد ١٠/١٦٦.
(٤) مصادر ترجمته: التاريخ لابن معين ٢/٦٤٥ وطبقات ابن سعد ٧/٢٩٣ وتاريخ خليفة ٤٦٨ وطبقاته، الترجمة: ١٩٠٩ والتاريخ الكبير ٨/٢٧٦ والمعارف ٥١٤ والجرح والتعديل ٩/١٥٠ وتقدمة المعرفة ٢٣٢ وحلية الأولياء ٨/٣٨٠ وتاريخ بغداد ١٤/١٣٥ وسير أعلام النبلاء ٩/١٧٥ وتذكرة الحفاظ ١/٢٩٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢١٦.
(٥) تقدمة المعرفة ٢٣٣.
[ ٣٠ ]
هذا الشأن، فقيل له: ولا هشيم؟ فقال: "هشيم شيخ، وما رأينا مثل يحيى"، وجَعَلَ يرفع أمره (١) .
بل لقد بلغ من مكانته ومعرفته بأحوال الرواة أن كان شعبة بن الحجاج يرتضيه حكما بينه وبين طلبة الحديث إذا اختلف معهم في مسألة من المسائل، فقد روى ابن أبي حاتم أن طلبة الحديث اختلفوا يوما عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان- فلما حضر تحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك (٢) . وهذه غاية المنزلة كما قال ابن أبي حاتم إذ اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من ثقته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة.
وما كان لهذا الجهبذ أن يصل إلى هذا الشأو الكبير في معرفة أحوال الرواة ومروياتهم، وكشف علل الأحاديث وخللها، دون أن يصرف الأيام والشهور، بل السنين الطوال في ملازمة العلماء والشيوخ ينهل منهم العلم والمعارف المختلفة، فقد صرح بأنه اختلف إلى شعبة سنة (٣) . وحرصًا على طلب العلم والصبر عليه، فقد كان يخرج من البيت لطلب الحديث فلا يرجع إلا بعد العتمة (٤) .
ولم تكن هذه الجهود المتواصلة لتذهب سدى، بل لقد أثمرت ثمارها
_________________
(١) المصدر نفسه ٢٣٣.
(٢) المصدر نفسه ٢٣٢ وانظر أيضا تذكرة الحفاظ ١/٢٩٩.
(٣) تقدمة المعرفة ٢٤٩.
(٤) المصدر نفسه ص: ٢٤٩-٢٥٠.
[ ٣١ ]
الطيبة، فها هو يبيّن للمسلمين مَنْ يؤخذ حديثه ومن يرد، ويؤكد عدالة بعض الرواة وضبطهم، ويفضح آخرين ويكشف ضعفهم أو كذبهم، فيقال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله
﷿، فيرد قائلا بكل ثقة واطمئنان: "لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي" (١) .
يبيّن يحيى بن سعيد القطان مَنْ يؤخذ حديثه من الرواة ومَنْ يُرَدُّ، فيقول: (٢) ينبغي في هذا الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.
ولذلك فإنه كان ينصح طلبة الحديث بتجنب الرواية عن المعتمر بن سليمان لأنه كان سيئ الحفظ، (٣)، وبتجنب الرواية عن حنظلة السدوسي لاختلاطه. (٤) وحذرهم من الراوي الذي يقبل التلقين فقال: "إذا كان الشيخ إذا قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد فذاك ليس به بأس". (٥)
كما كان ينصح بتجنب أخذ الحديث عمن ينسب إلى الخير والزهد (٦)،إذلا مجال هنا إلى حسن الظن، وهو الذي كان يقول: "آتَمِنُ
_________________
(١) الكفاية ص: ٣٧.
(٢) المصدر نفسه، ص: ١٦٥.
(٣) الكفاية ص: ٢٢٣.
(٤) المصدر نفسه ص: ١٣٥
(٥) المصدر نفسه ص: ١٤٩.
(٦) التمهيد ١/٥٢: وقد علق ابن عبد البر على كلام القطان فقال: هذا معناه والله أعلم أنه ينسب إلى الخير، وليس كما نسب إليه وظن به، وقد روى عن النبي ﷺ أنه قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا. ومعنى كلام ابن عبد البر أن القول بأن من الوضاعين الزهاد لا يمكن قبوله لأنه لا يجتمع الزهد والكذب على رسول الله ﷺ، ولأن الجهابذة الذين حاربوا الوضع والوضاعين كانوا من كبار الزهاد كمالك وابن المبارك وغيرهما، ومع ذلك فإن عددا من الزهاد غلب عليهم الصلاح والزهد وغفلوا عن الحفظ والضبط والإتقان، قال ابن حبان في سلم بن ميمون الزاهد: "كان من كبار عباد أهل الشام، غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث وإتقانه، فلا يحتج به". وقال ابن يونس المصري في رشدين بن سَعْد بن مفلح المهري أبي الحجاج المصري (١٨٨ هـ): كان رجلا صالحا لا يشك في صلاحه وفضله فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث. أساء فيه يحيى بن معين القول ولم يكن النسائي يرضاه ولا يخرج له. (تهذيب التهذيب ٣/٢٧٨) . ضعفه أيضا أبو زرعة وأبو داود وابن قانع والدارقطني والجوزجاني وأبو حاتم (الجرح والتعديل وميزان الاعتدال ٢/٤٩ وتهذيب التهذيب ٣/٢٧٨) . عقد الخطيب في كتابه الكفاية بابا تحت عنوان: باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية وإن عرف بالصلاح والعبادة، ص ١٥٨. وليس من المدفوع أن يكون مَنْ نُسب إلى الزهد من الضعفاء والمجروحين، وذلك من نتائج صرامة المحدثين علماء الجرح والتعديل وعدم محاباتهم في النقد، وقد جرّحوا أحمد بن محمد بن عمرو الكندي المروزي (٣٢٣ هـ) وكان ممّن ينافحون عن السنة ويردون على المبتدعة؛ قال الدارقطني: كان حافظا عذب اللسان مجردا في السنة والرد على المبتدعة، لكنه كان يضع الأحاديث (تاريخ بغداد ٥/٧٤) وقال ابن حبان: كان ممن يضع المتون ويقلب الأسانيد (كتاب المجروحين ١/١٥٦) وقال أيضا: على أنه كان من أصلب أهل زمانه في السنة وأنصرهم لها، وأذبّهم لحريمها، وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه، فلم يمنعنا ما علمنا من صلابته في السنة ونصرته لها أن نسكت عنه، إذ الدين لا يوجب إلا إظهار مثله فيمن وجد (كتاب المجروحين ١/١٦١-١٦٢) .
[ ٣٢ ]
الرجل على مائة ألف ولا آتَمِنُه على حديث" (١) .
هـ - عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) (٢):
_________________
(١) الكفاية ٢٤٧.
(٢) مصادر ترجمته في التاريخ لابن معين ٢/٣٥٩ وطبقات ابن سعد٧/٢٩٧ والتاريخ الكبير ٢/٢٨٣ والمعارف ٥١٣. تقدمة المعرفة ٢٥١ - تذكرة الحفاظ ١/٣٢٩ وسير أعلام النبلاء ٩/١٩٢.
[ ٣٣ ]
نشأ عبد الرحمن بن مهدي في البصرة أيضا، مشتركا مع يحيى بن سعيد القطان في العديد من الشيوخ وحلقات العلم وطلب الحديث، وتبوأ هو الآخر مرتبة عالية في علم الرجال إلى جانب القطان حتى قال علي بن المديني: «كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس» -قالها مرارًا- (١) بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: "لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله ﷿ أني لم أر أحدًا أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي" (٢) .
قسم عبد الرحمن بن مهدي الرواة من حيث ضبطهم أو عدمه إلى ثلاثة أصناف (٣)، وبيَّن إمكان الرواية عن كل صنف أو ردها فقال: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يُترك حديثه، وآخر يَهِمُ، والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه.
ولذلك فقد كان عبد الرحمن بن مهدي -كما يقول الخطيب البغدادي- لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما بالكذب أو رجلا الغالب عليه الغلط (٤) .
وسأله نعيم بن حماد: كيف تعرف الكَذَّاب؟ قال: "كما يعرف الطبيبُ المجنونَ" (٥) ولا يفهمنّ من هذا الجواب أن معرفة حال الراوي تكون دائما سهلة متيسرة، فغالبا ما يعسر الوصول إليها ولا يتسنى لغير الجهبذ الخبير
_________________
(١) تقدمة المعرفة ٢٥١.
(٢) المصدر نفسه ص: ٢٥٢.
(٣) الكفاية ص: ١٤٣.
(٤) الكفاية ص: ١٤٣.
(٥) تقدمة المعرفة ص: ٢٥٢ - تذكرة الحفاظ ١/٣٣١.
[ ٣٤ ]
بلوغها، فدونها خرط القتاد؛ إذ يستحيل ذلك على من لم يدمن الطلب والفحص، وكتب الأحاديث وحفظها، والمذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان كما قال الإمام الذهبي (١) .
ويحيى بن معين إمام الجرح والتعديل:
تلت طبقة القطان وابن مهدي طبقة أخرى بلغ علم الرجال عندها الذروة، وبدأ التصنيف في هذا العلم في عصرها، ودونت العلل، من هذه الطبقة الإمام يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) والإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) وعلي المديني (٢٣٤ هـ) ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات المتوفى سنة (٢٣٠هـ) ومحمد بن عبد الله بن نمير (١٩٩ هـ) وإسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ) وأبو خيثمة زهير بن حرب (٢٣٤ هـ) .
إلا أنَّ ألزمهم لهذا الشأن وأكثرهم اختصاصا به الإمام أبو زفر يحيى بن معين الذي كان يروي الحديث وينتقد الرواة، فإذا روى كان حجة، وإذا تكلم في أسانيد الرجال كان كالبحر الذي لا تُعَكِّره الدلاء، وكم من عالم شهد له بأنه خلق لهذا الفن (٢) .
سمع من مجموعة كبيرة من الشيوخ، أغلبهم صرفوا همتهم إلى نقد الرواة وتمحيص الروايات، ولاشك أن لهذا الأثر الكبير في نبوغه وبلوغه مرتبة
_________________
(١) انظر تذكرة الحفاظ ١/٤.
(٢) مصادر ترجمته: طبقات ابن سعد ٧/٣٥٤ - التاريخ الكبير للبخاري ٤ القسم الثاني وتقدمة المعرفة ٣١٤-٣١٩ وتاريخ بغداد ١٤/١٧٧-١٧٨ وطبقات الحنابلة ١/٤٠٢ ووفيات الأعيان ٦/١٣٩ وتذكرة الحفاظ ١/٤٥٩ وسير أعلام النبلاء ١١/٧١ وميزان الاعتدال ٤/٤١٠.
[ ٣٥ ]
الإمامة في الجرح والتعديل وتقويم الرجال ومروياتهم؛ ولهذا فإن ما استفاده من شيوخه وما قام به من دراسات وأبحاث حول الروايات ونَقَلَتها كانت حصيلة أساسية استطاع بها خوض لجج هذا الميدان ومتابعة دراسات وجهود من قبله من النقاد.
[ ٣٦ ]
منهجه في هذا الميدان:
- الرحلة: لقد ولع ابن معين بالرحلة في طلب الحديث والسماع من الشيوخ، فرحل إلى الكوفة ثم البصرة، وزار اليمن والشام ومصر، وتردد كثيرا على بلاد الحجاز حيث وافته المنية بالمدينة المنورة. ونظرا لأهمية الرحلة عند ابن معين فإنه كان يقول: أربعة لا يؤنس منهم رشد، فذكرهم، ومنهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.
- الإكثار من كتب الحديث: أدرك ابن معين الأهمية القصوى للإكثار من تدوين الحديث وجمعه والوقوف على أكبر عدد من طرقه، إذ من شأن ذلك التأكدُ مِنْ ثبوتِ الرواية وصحتها وصدق الراوي وضبطه عن طريق كشف ما بالحديث من علة أو خلل أو زيادة أو غير ذلك مما قد يطرأ على المتن أو الإسناد. وفي المثال التالي ما يؤكد هذه الحقيقة، قيل لابن معين: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو من أصحابه؟ فقال: من أصحابه. قيل له: مَنْ أَحَبُّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الأوزاعي وهشام الدستوائي، قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد ليس به بأس (١) .
أدرك أهمية هذا فكان يقول: سيندم المنتخب في الحديث حين لا ينفعه الندم، وكان يقول أيضا: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه (٢) .
_________________
(١) التاريخ ليحيى بن معين برواية الدوري رقم ٥٢٧٩.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠.
[ ٣٦ ]
وقد بلغ مِنْ كثرة ما كتب من الأحاديث وطرقها المتعددة: أنه كان يرى كل حديث ليس عنده فهو كذب، أكد هذا حينما دخل عليه محمد بن نصر الطبري ووجد عنده أسفاطا (١) كثيرة فقال له: «كل حديث لا يوجد هاهنا - وأشار بيده إلى الأسفاط- فهو كذب» (٢) وأيد كثير من العلماء قوله ذلك فقال أحمد: «كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث» . وفي رواية: «فليس هو ثابتا» (٣) .
وقال ابن المديني مؤكدًا كثرةَ كَتْبِه للحديث: "لا نعلم أحدا من لدن آدم ﵇ كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين" (٤) . وصرح ابن معين نفسه بذلك فقال: "كتبت ألف ألف حديث" (٥) .
- الإكثار من كتب الحديث عن الكذّابين: إذ كان يكتب أيضا عن الكذّابين والوضّاعين، ورآه أمرا ضروريا للمحدث الناقد حيث قال: "وأي صاحب حديث لا يكتب عن كذَّاب ألف حديث! " (٦) .
وقد بيّن ابن معين فضل ذلك فقال: "أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده فيجعل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت لا عن أبان» (٧) .
_________________
(١) الأسفاط مفردها سفط وهي الدفاتر، فارسي معرب، قال الأصمعي: هو بالرومية (انظر مختار الصحاح ص ٣٠١ مادة س - ف - ط) .
(٢) تهذيب التهذيب ١١/٢٨٢.
(٣) تاريخ بغداد ١٤/١٨٠.
(٤) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠.
(٥) المصدر نفسه ١/٤٣٠.
(٦) تاريخ بغداد ١/٤٣.
(٧) تهذيب التهذيب ١/١٠١.
[ ٣٧ ]
وإن كتب أحاديث الكذابين تعين النقاد على كشف من يحاول الوضع والكذب عن طريق التستر والانتحال والتلبيس، وتكسبه خبرة ودراية دقيقتين حتى إذا حاول الكذَّابون أو غيرهم رواية تلك الأحاديث سارع إلى كشف حقيقتها وبيان مصدرها.
-اختبار الراوي: كان المحدثون النقاد يختبرون عدالة الراوي وصدقه وضبطه بوسائل مختلفة كمعاودة السماع منه مرات متعددة وطرح أسئلة لاختبار ثباته على المَرْويِّ نفسه، وفي هذا الصدد حُكِيَ قصة امتحان ابن معين بالكوفة (١) .
-طلبه العلم وتفانيه فيه: بهذه الروح المحبة للحديث النبوي ومقاومة الوضع والوضاعين، كان ابن معين يبذل الجهود الكبيرة ويحرص الحرص الشديد على الرحلة وملاقاة الرواة والشيوخ والمذاكرة والحفظ، فيقول: "إني لأحدث بالحديث، فأسهر له مخافة أن أكون قد اخطأت فيه" (٢) .
-إمامته في علم الرجال:
لقد أثمرت جهوده المتواصلة وتضحياته الكبيرة، فبوأته مكانة عالية في علم الجرح والتعديل بعدما أكسبته قدرات عالية من اليقظة والذكاء والمقارنة والمعرفة الكبيرة والخبرة الدقيقة بالروايات وحملتها حتى قال فيه الإمام أحمد: «كان ابن معين أعلمنا بالرجال» (٣) وقال فيه أيضا: "هاهنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يُظْهر كذب الكذابين (٤) .
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢/٣٥٣ والمجروحين ١/٢٣.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/١٨٤، وانظر أيضا تقدمة المعرفة، ص ٣١٦.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/٤٣٠ وتهذيب التهذيب ١١/٢٨٤.
(٤) تاريخ بغداد ١٤/١٨٠. وسير أعلام النبلاء ١١/٨٠.
[ ٣٨ ]
وسماه صاحب الرسالة المستطرفة: "الحافظ المشهور سيد الحفاظ وملكهم وإمام الجرح والتعديل" (١) .
وهذه أمثلة على إمامته في علم الرجال ومعرفته الدقيقة بأحوالهم وبأسمائهم وأنسابهم فعن عباس بن محمد أن يحيى بن معين كان يقول: "إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه، وإسماعيل بن أبان الورّاق ثقة". (٢) فتراه يفرق بين راويين يشتركان في الاسم واسم الأب ولا يصدر هذا التفريق إلا بفضل معرفة دقيقة لأحوال الرواة وأسمائهم وأنسابهم. ومما يضاهي المثال السابق أنَّ مِنْ رواة الحديث راويين يقال لكل واحد منهما: إسماعيل بن مسلم وهما معا بصريان، وكان أحدهما ثقة، والآخر متروك الحديث، فقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: "سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مسلم المكي - وكان قد نزل مكة ونسب إليها- فقال: ليس بشيء، قلت: فإسماعيل بن مسلم العبدي؟ فقال: ثقة" (٣) .
- صرامته وعدم محاباته في الجرح والتعديل:
لقد برهن النقاد المتتبعون لأحوال الرواة عن نزاهة وتجرد كبيرين، وتخلوا عن الأهواء والشهوات والمحاباة، فهذا يحيى بن معين ينعت عبيد بن إسحاق العطار بأنه كَذَّاب. وكان صديقا له، وحين سأله عبد الخالق بن منصور عن علي بن قرين قال له: كذاب، فقال له: يا أبا زكريا إنه ليذكر أنه
_________________
(١) الرسالة المستطرفة ١٢٩.
(٢) الكفاية ٣٧١.
(٣) الكفاية، ٣٧٢.
[ ٣٩ ]
كثير التعاهد لكم، فرد قائلا: صدق إنه ليكثر التعاهد لنا، ولكني أستحي من الله أن أقول إلا الحق (١) .
إن كمال معرفة ابن معين بنقد الرواة، وسعة حفظه وتبحره في هذا الشأن مع ما صاحب ذلك من صرامة في إصدار الحكم على الرواة تعديلا وتجريحا قد أثار الفزع والخوف لدى رواة الأحاديث النبوية، وأرعب قلوبهم.
قال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول مَنْ بَكَّر إليه، فسألته أن يملي علي شيئا، فأخذ الكتاب يملي، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأُذِنَ له والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا بآخر، فذُكر أحمد بن الدورقي، وعبد الله بن الرومي، وزهير بن حرب، وكلهم يدخل والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدقُّ الباب، قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم يسقط الكتاب من يده (٢) .
وعن يحيى بن معين قال: لما قدم عبد الوهاب بن عطاء أتيته فكتبت عنه، فبينما أنا عنده إذ أتاه كتاب من أهله من البصرة فقرأه وأجابهم، فرأيته كتب على ظهره: وقد قدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين والحمد لله رب العالمين (٣) .
- مؤلفاته في علم الرجال:
إن معظم آثار ابن معين هي في ميدان الجرح والتعديل وعلل الأحاديث
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢/٥١.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/١٨١ والتهذيب ١١/٢٨٤.
(٣) تاريخ بغداد ١٤/١٨١ والتهذيب ١١/١٨٤.
[ ٤٠ ]
وما يتعلق بهما، رواها تلامذته، وأتت بأسماء مختلفة منها:
*كتاب التاريخ (١): رواية عباس الدوري عن ابن معين.
* معرفة الرجال: رواية أحمد بن القاسم بن محرز عنه.
* سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين في الرجال.
* تاريخ الدارمي عن ابن معين في الرجال.
* الضعفاء: ذكره له الذهبي في مقدمة كتابه المغني في الضعفاء (٢)، والسخاوي في الإعلان بالتوبيخ (٣) .
وقد ذكر الدكتور فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (٤) أن من آثار ابن معين كتاب "المجروحين" وذكر عدة مراكز لنسخ مخطوطة منه.
_________________
(١) الرسالة المستطرفة ١٢٩. وانظر مقدمة المحقق الأستاذ أحمد محمد نور سيف لكتاب التاريخ، ١/٦١.
(٢) ج ١ ص ٤.
(٣) ص ١٠٩.
(٤) ج ١ ص ٢٩٢.
[ ٤١ ]