مقدمة الشارح
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
[وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
الحمدُ للهِ الذي وَصَلَ مَنِ انْقَطَعَ إِليهِ بدينهِ القويمِ، ورفع مَن أَسندَ أمرَهُ إِليهِ باتباعِ سُنَّةِ نبيِّهِ الكريمِ، وهدى مَن وفقَّهُ إلى طريقٍ (١) مستقيمٍ.
أحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ، وأشكرُهُ عَلَى نَعْمائهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ الواحدُ القهَّارُ، الكريمُ الحليمُ الستَّارُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولهُ، وصفيُّه، وحبيبُه، وخليلُه، صَلَّى اللهُ وسلَّم عَلَيْهِ، وعلى إخوانِه النبيِّينَ، وعلى آلِ كُلٍّ، وسائرِ الصالحينَ.] (٢)
وبعدُ:
فإنَّ ألْفِيَّةَ علمِ الحديثِ المسمَّاةَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ " (٣) للشيخِ الإمامِ الحافِظِ، شيخِ الإسلامِ، أبي الفَضْلِ عبدِ الرَّحيمِ زَيْنِ الدِّينِ بنِ الحسينِ بنِ عبدِ الرَّحمانِ (٤) بنِ أبي بكرِ بنِ إِبْرَاهِيمَ العراقيِّ (٥)؛ لَمَّا اشتملَتْ عَلَى نقولٍ عجيبةٍ، ومسائلَ غريبةٍ، وحدودٍ منيعةٍ، وموضوعاتٍ بديعةٍ، مَعَ كثرةِ علمِها، ووجازةِ نَظْمِها؛ طلبَ مني بعضُ الأعِزَّةِ عليَّ مِنَ الفضلاءِ المتردِّدينَ إليَّ أنْ أضعَ عليها شَرْحًا يَحُلُّ ألفاظَها، ويُبرِّزُ دقائقَها، ويُحَقِّقُ مسائلَها، ويُحرِّرُ دلائِلَها.
فأجبتُه إلى ذَلِكَ، بعونِ القادرِ المالكِ، ضامًّا إِليهِ مِنَ الفوائدِ المُسْتَجادَاتِ (٦) ما تقرُّ بِهِ أعيُنُ أولي الرغباتِ؛ راجيًا بذلك جزيلَ الأجرِ والثوابِ، من فَيضِ مولانا الكريمِ (٧) الوهَّابِ، وسمَّيتُهُ " فَتْحَ الباقي بشرحِ ألفيَّةِ العراقي ".
_________________
(١) في (ع): «صراط».
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ن).
(٣) وقد طبعت بتحقيقنا مفردة، مضبوطة بالشكل، على عدد من النسخ الخطية.
(٤) في (ق): «الرحيم» وهو خطأ.
(٥) انظر ترجمته مفصلة في: الفصل الدراسي من هذا الكتاب ١/ ٨ - ٣١.
(٦) قوله: «المستجادات» أي: الذي (كذا) وجدت جيدة مستحسنة. كما في حاشية (ع).
(٧) في (ص) و(ق): «الأكرم».
[ ١ / ٨٥ ]
واللهَ أَسألُ أَنْ ينفعَ بِهِ، ويجعلَهُ خالِصًا لوجهِه الكريمِ.
وأرويها وشرحَها درايةً وروايةً عَنْ مشايخِ الإسلامِ: الشهابِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ، والشمسِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ القَايَاتيِّ الشافعيَّينِ، والكمالِ مُحَمَّدِ بنِ الهُمامِ الحنفيِّ (١).
بروايةِ الأولِ لهما عَنْ مؤلِّفِهِمَا، والثاني عَنْ ابنِ مُؤَلِّفِهِمَا شيخِ الإسلامِ أبي زُرْعَةَ وليِّ الدينِ (٢)، والثالثِ عَنْهُ، وعَنِ الإمامِ السِّراجِ (٣) قارِئِ " الهدايةِ "، عَنْ مؤلِّفِهِما. وحيثُ أطلقتُ شيخَنا فَمُرادي بِهِ الأولُ.
قَالَ المؤلِّفُ:
(بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) (٤) أي: أؤَلِّفُ. والاسمُ مشتقٌّ من «السُّمُوِّ» [بضمِّ السينِ وكسرِها] (٥)، وَهُوَ: العلوُّ، وَقِيلَ: من «الوَسْمِ» وَهُوَ: العلامةُ (٦).
و(اللهِ) عَلَمٌ على الذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ (٧) لجميعِ المحامدِ.
و(الرحمانِ) و(الرحيمِ) صفتانِ مشتقَّتانِ (٨) بُنِيتا للمبالغةِ من «رَحِمَ» كغضبان من «غَضِبَ».
_________________
(١) انظر ترجمة هؤلاء العلماء الأعلام في قسم الدراسة ١/ ٥٣ - ٥٨.
(٢) في (ق): «ولي الدين العراقي». هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، توفّي سنة (٨٢٦ هـ). انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٨٠، ولحظ الألحاظ: ٢٨٤، والضوء اللامع ٥/ ٢٠٠، وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٢.
(٣) في (ع): «السراجي». وهو سراج الدين، أبو حفص، عمر بن عليّ بن فارس المصري المعروف بـ: (قارئ الهداية)، توفّي سنة (٨٢٩ هـ). انظر: شذرات الذهب ٧/ ١٩١، والأعلام ٥/ ٥٧.
(٤) أثبت البسملة القاضي زكريا هنا. وهي غير موجودة في شرح التبصرة والتذكرة ولا في فتح المغيث. وانظر: النكت الوفية ٤/ أ.
(٥) ما بين المعكوفتين سقط من (ص) و(ق).
(٦) في اشتقاق الاسم بين النحاة خلاف، فذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوسم. انظر تفصيل ذلك في: الإنصاف ١/ ٦ وما بعدها.
(٧) المثبت من (ص) و(ق) و(ع). وفي (م) المستجمع.
(٨) أشار في حاشية (ع) إلى أن في نسخة: «مشبهتان».
[ ١ / ٨٦ ]
والرَّحْمَةُ لغةً (١): رِقَّةُ القلبِ (٢). وَهِيَ كيفيِّةٌ نفسانِيَّةٌ، تستحيلُ في حقِّ اللهِ تعالى (٣)؛ فَتُحْمَلُ عَلَى غايتِها، وَهِيَ الإنعامُ؛ فتكونُ صفةَ فعلٍ، أَوْ الإرادةُ؛ فتكونُ صفةَ ذاتٍ (٤).
والرحمانُ أبلغُ من الرحيمِ؛ لأنَّ زيادةَ البناءِ تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنَى، كَمَا في «قَطَعَ» و«قَطَّعَ» (٥).
١ - يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ (٦) عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسَيْنِ الأَثَريْ
٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذِي الآلاءِ عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ
٣ - ثُمَّ صَلاَةٍ وسَلامٍ دَائِمِ عَلَى نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ
(يَقُوْلُ رَاجِي رَبِّهِ) أي: مُؤمّلُ عفوِ مالكِهِ (المقتدرِ) أي: تامِّ القدرةِ عَلَى مَا يريدُ.
قَالَ النَّاظِمُ في " شرحهِ الكبيرِ " (٧): والمقتدرُ من أسماءِ الجلالِ والعظمةِ.
قَالَ: وَكَانَ المناسبُ لراجي رَبِّهِ أنْ يذكرَ بدلَهُ اسمًا من أسماءِ الرأفةِ والرحمةِ؛ لكنَّ الذي ذكرَهُ أبلغُ في قُوَّةِ الرجاءِ؛ إذ وجودُهُ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجلالِ أدلُّ عَلَى وجودِهِ مَعَ استحضارِ صفاتِ الجمالِ.
(عَبْدُ الرحيمِ) عطفُ بيانٍ عَلَى راجي، أَو بدلٌ مِنْهُ، أَوْ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ (٨). (بنُ الْحُسَيْنِ الأَثَريْ) -بفتح الهمزة والمثلثة-، نسبةً إلى «الأَثَرِ» (٩)، وَهُوَ الأحاديثُ
_________________
(١) «لغة»: سقطت من (ق) و(ص).
(٢) انظر: الصحاح ٥/ ١٩٢٩، واللسان ١٢/ ٢٣١ (رحم).
(٣) في (ص): «في حقه تعالى».
(٤) «ذات»: سقطت من (ص).
(٥) تقرر عند النحاة أنّ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فمّما ذكروه منها صفة «فعّل» أبلغ من صفة «فعل»؛ لأن فيها الفعل وزيادة. انظر: التعبير القرآني: ٣٤.
(٦) في (ع) و(ج): «المقتدري».
(٧) أشار البقاعي في نكته الوفية: ٣/ ب إلى أنه لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة وصل فيها إلى الضّعيف.
(٨) تقديره: «هو».
(٩) انظر: الأنساب ١/ ٨٤، واللباب ١/ ٢٨، ولب اللباب ٦.
[ ١ / ٨٧ ]
مرفوعةً أَوْ موقوفةً (١)، وإن قصَرَهُ بعضُ الفقهاءِ عَلَى الموقوفةِ (٢).
(مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ) الشَّامِلِ للبَسْمَلَةِ، والحَمْدَلَةِ؛ فالمرادُ بَعْدَ ذكرِ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُمَا ذكرُ اللهِ، فيكونُ قَدْ ابتدأَ بهما اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وعملًا بخبرِ: «كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»؛ فَهُوَ أَقْطَعُ».
وَفِي روايةٍ: بِـ: «الحمدُ للهِ» وَفِي روايةٍ: «بِذِكْرِ اللهِ». رواهُ أبو دَاوُدَ وغيرُهُ (٣)، وحسَّنَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ.
والحمدُ لغةً: الثناءُ باللِّسانِ عَلَى الجميلِ الاختياريِّ، عَلَى جهةِ التبجيلِ والتعظيمِ، سواءً أتعلَّقَ (٤) بالفضائلِ أَمْ بالفواضلِ؟
وعُرْفًا: فعلٌ (٥) ينبئُ عَنْ تَعْظيمِ المُنْعِمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الحامدِ، أو غيرِهِ (٦).
وَقَدْ بسطْتُ الكلامَ عَلَيْهِ، وعلى الشكرِ والمدحِ في شرحِ " البهجة " (٧).
(ذِي الآلاءِ) أي: صاحبِ النِّعَمِ. وفي مفردِها لغاتٌ: «أَِلًا» - بِفَتْحِ الهمزةِ وكَسْرِها مَعَ التَّنوين وَعَدمِهِ (٨) فِيْهِمَا -، «وألْي» - بتثليث الهمزة مَعَ سكون اللام والتنوين-، وأشهرُها الأُوْلَى: ألًا (٩) بوزن: رَحًى (١٠).
_________________
(١) وهذا مذهب أهل الحديث. انظر: مقدمة شرح مسلم ١/ ٢٩، والإرشاد ١/ ١٥٩.
(٢) قال النووي: «وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تسمية الموقوف بالأثر، والمضاف إلى رسول الله - ﷺ - بالخبر». الإرشاد ١/ ١٥٨ وانظر: الرسالة ١٨، و٥٠٨.
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٩، وأبو داود (٤٨٤٠)، والنّسائيّ في الكبرى (١٠٣٢٨) و(١٠٣٢٩)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٩٤) و(٤٩٥)، وابن حبان (١)، والدارقطني ١/ ٢٢٩، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٠٨ و٢٠٩ من حديث أبي هريرة. وأخرجه النّسائيّ في الكبرى (١٠٣٣٠) و(١٠٣٣١)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٩٦) و(٤٩٧) من طريق الزهري عن النّبيّ - ﷺ - مرسلًا.
(٤) في (ع) و(ص) و(ق): «تعلق»، والمثبت من (م).
(٥) سقط من (ق).
(٦) انظر: التعريفات: ٥٥.
(٧) هو الغرر البهية في شرح البهجة الوردية. وقد تقدم ذكره في الدراسة ضمن مؤلفاته.
(٨) «وعدمه»: ساقطة من (ق).
(٩) في (م): «وأشهرها: الألى »، وفي (ص) و(ق): «وأشهرها: الأولى ». والمثبت من (ع).
(١٠) انظر: لسان العرب ١٤/ ٤٣، وتاج العروس ١٠/ ٢١ (ألا).
[ ١ / ٨٨ ]
(عَلَى امتنانٍ) مِنْهُ - تعالى - عليَّ. مأخوذٌ من «المنَّة»، وَهِيَ النِّعْمَةُ. وَقِيلَ: النعمةُ الثقيلةُ.
وتطلقُ المنَّةُ عَلَى تَعْدادِ (١) النِّعَمِ، بأنْ يقولَ المُنْعِمُ لمَنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ: فعلتُ مَعَكَ كَذَا وكذا.
وَهُوَ في حقِّ اللهِ - تعالى - صَحِيْحٌ، وفي حقِّ العبدِ قبيحٌ؛ لقولهِ تَعَالَى:
﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالْمَنِّ والأَذَى﴾ (٢).
وتنكيرُ امتنانٍ للتكثيرِ والتعظيمِ. أي: امتناناتٍ كثيرةٍ عظيمةٍ منها: الإلهامُ لتأليفِ هَذَا الكتابِ والإقدارِ عَلَيْهِ، و(عَلَى امتِنَانٍ (٣» صِلةُ (حمدِ).
وإنَّما حُمِدَ عَلَى الامتنانِ، أي: في مقابلتِهِ لا مطلقًا؛ لأنَّ الأوَّلَ واجبٌ والثاني مَنْدوبٌ.
ووصفَ الامتنانَ بما هُوَ شأنهُ فَقَالَ: (جَلَّ) أي: عَظُمَ. (عَنْ إحصاءِ) أي: ضبطٍ بالعدِّ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصَوهَا﴾ (٤).
(ثُمَّ) بَعْدَ (صلاةٍ) وهِيَ من اللهِ: رَحمةٌ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ، ومن الآدمي: تضرُّعٌ ودعاءٌ (٥). (وسلامٍ) أي: تسليمٍ (دائمِ)، كلٍّ منهما (عَلَى نبيِّ الخيرِ) الجامعِ لكُلِّ محمودٍ دنيويٍّ، وأخرويٍّ (ذي المرَاحمِ) جَمْعُ «مَرْحَمَةٍ»، وَهِيَ (٦) بمعنى: الرحمةِ (٧).
ففي خبرِ مسلمٍ: «أنَا نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ». وفي روايةٍ: «الرَّحْمَةِ»، وفي روايةٍ:
«الْمَلْحَمَةِ» (٨). وَهِيَ المعركةُ، والمرادُ بها القتالُ.
_________________
(١) في (ص) و(ق) و(م): «تعديد»، المثبت من (ع). وانظر التاج ٨/ ٣٥٣.
(٢) البقرة: ٢٦٤.
(٣) «امتنان» ساقطة من (ع) و(م).
(٤) إبراهيم: ٣٤.
(٥) انظر: تفسير الطبري ١٢/ ٤٣، والدر المنثور ٦/ ٦٤٦.
(٦) المثبت من (م) وأشار محققها إلى أنها موجودة في إحدى نسخه. وقد سقطت من أصولنا.
(٧) قارن بـ «شرح صَحِيْح مُسْلِم ٥/ ١١٤».
(٨) الذي في صَحِيْح مُسْلِم ٧/ ٩٠ (٢٣٥٥) من حَدِيث أبي موسى الأشعري، قَالَ: كَانَ النّبيّ - ﷺ - يسمي لَنَا نَفْسه أسماء، فَقَالَ: «أنا محمّد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». =
[ ١ / ٨٩ ]
والنَّبيُّ: إنسانٌ أوحيَ إِليهِ بشرعٍ، وإنْ لَمْ يُؤمَرْ بتبليغِهِ، فإنْ أُمِرَ بِهِ؛ فرسولٌ
أَيْضًَا؛ [فالنَّبيُّ أعمُّ من الرسولِ] (١).
وَقَالَ: نبيٌ دُوْنَ رسولٍ (٢)؛ لأنهُ أعمُّ مَعْنًى واستعمالًا، وللتعبيرِ بِهِ في خبرِ: «أنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ» الدالِّ عَلَى وصفهِ بها.
ولفظُهُ: بالهمزِ من النَّبأِ أي: الخبرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مُخْبِرٌ عَنْ اللهِ تعالى، وبلا همزٍ، وَهُوَ الأكثرُ.
قِيلَ: إنَّه مخفَّفُ المهموز بقلبِ (٣) همزتِهِ ياءً.
وَقِيلَ: إنَّهُ الأصلُ مِنَ النَّبْوَةِ - بفتح النونِ وإسكانِ الباءِ - أي: الرِّفعةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ مرفوعُ الرُّتبةِ عَلَى سائرِ الخلقِ (٤).
٤ - فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ
٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ
٦ - لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ وَزِدْتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ
ثُمَّ بَيَّن مَقُولَ الْقَولِ مُنَبِّهًا عَلَى ما حَذَفَهُ مِنْهُ بفاءِ الجَزاءِ، بقوله: (فهذهِ) أي:
_________________
(١) = وهو عند الطيالسي (٤٩٢)، وأحمد ٤/ ٣٩٥ و٤٠٤ و٤٠٧، وابن سعد في الطبقات ١/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن أبي شيبة في المصنف (٣١٦٨٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١١٥٢)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٠٤، والبيهقي في دلائل النبوة ١/ ١٥٦. وجاءت لفظة: «الملحمة» من حديث أبي موسى أيضًا عند علي بن الجعد (٣٣٢٢)، وأحمد ٤/ ٣٩٥، وابن حبان (٦٣٢٣). والحديث صحيح «متفق عليه» من حديث جبير بن مطعم، وهو مخرج عندنا بتوسع في كتاب " شمائل النبي - ﷺ - " (٣٦٦). وهو صحيح أيضًا، من حديث حذيفة بن اليمان، عند أحمد ٥/ ٤٠٥، والترمذي في الشمائل (٣٦٧) و(٣٦٨).
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ص). انظر: شرح المقاصد ٣/ ٦، وقارن بشرح العقيدة الطحاوية١/ ١٥٥.
(٣) المثبت من (ع) و(ص) و(ق). وفي (م): «الرسول».
(٤) في (ق): «قلبت».
(٥) انظر الصحاح ٦/ ٢٥٠٠، ولسان العرب ١٥/ ٣٠٢، والتاج ١٠/ ٣٥٤.
[ ١ / ٩٠ ]
يقولُ بَعْدَ مَا ذَكرَ أمَّا بَعْدُ: فهذهِ (المَقَاصِدُ)، [أي (١): الموجودةُ في كتابِ ابنِ الصَّلاحِ] (٢) (المُهِمّهْ) أي: التي يُهْتَمُّ بها، (تُوضِحُ) أي: تُبيِّنُ لَكَ (مِنْ عِلْمِ الحَديْثِ رَسْمَهْ) أي:
أثرَهُ (٣) الذي تُبْنَى عَلَيْهِ أصولُهُ. يعني: ما خَفيَ عليكَ مِنْهُ.
ومِنْهُ: رسمُ الدارِ، وَهُوَ ما كَانَ من آثارِها لاصقًا بالأرضِ (٤).
وعبَّرَ - كما قَالَ - بالرسمِ هنا إشارةً إلى دُرُوسِ (٥) كثيرٍ من هَذَا العلمِ، وإنَّهُ بقيَتْ مِنْهُ آثارٌ يُهْتَدَى بها، ويُبنَى عليها (٦).
والحديثُ - ويُرادفُه الخبرُ (٧) - عَلَى الصحيحِ: ما أُضيفَ إلى النبيِّ - ﷺ -
- قِيلَ: أَوْ إلى صحابيٍّ، أَوْ إلى مَنْ (٨) دُونَهُ - قولًا، أَوْ فعلًا، أَوْ تقريرًا، أَوْ صفةً. ويُعبَّرُ عَنْ هَذَا بعلمِ الحديثِ رِوَايَةً.
ويُحَدُّ بأنَّهُ: علمٌ يشتملُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ.
وموضوعُه: ذاتُ النبيِّ - ﷺ - من حيثُ إنَّهُ نبيٌّ.
وغايتُه: الفوزُ بسعادةِ الدارينِ (٩).
_________________
(١) سقطت «أي» من (ع).
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ص) و(ق).
(٣) في (ق): «رسمه». وانظر معنى الرسم لغة في: الصحاح ٥/ ١٩٣٢، ولسان العرب ١٢/ ٢٤١ (رسم)، وتعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥.
(٥) أي: اندراس، واندرس الرسم بمعنى: انطمس، انظر: التاج ١٦/ ٧٠ (درس).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٥.
(٧) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٢٢٥، والبحر الذي زخر ١/ ٢٧ - ٢٨، وتدريب الراوي ١/ ٤٠. قال الجزائري في كتابه توجيه النظر ١/ ٤٠: «إن الحديث ما أضيف إلى النّبيّ - ﷺ - فيختص بالمرفوع عند الإطلاق، ولا يراد به الموقوف إلا بقرينة. وأما الخبر فإنه اعمّ، لأنه يطلق على المرفوع والموقوف، فيشمل ما أضيف إلى الصّحابة والتابعين، وعليه يسمّى كل حديث خبرًا، ولا يسمّى كل خبر حديثًا. وقد أطلق بعض العلماء الحديث على المرفوع والموقوف، فيكون مرادفًا للخبر. وقد خصّ بعضهم الحديث بما جاء عن النّبيّ - ﷺ - والخبر بما جاء عن غيره، فيكون مباينًا للخبر».
(٨) «من» سقطت من (ص).
(٩) انظر: مقدمة شرح الكرماني على البخاريّ ١/ ١٢، والتدريب ١/ ٤١.
[ ١ / ٩١ ]
وأما علمُ الحديثِ درايةً - وَهُوَ المرادُ عِنْدَ الإطلاقِ، كما في النَّظْمِ - فَهُوَ: علمٌ يعرفُ بِهِ حالُ الراوي والمرويِّ (١) من حيثُ القبولُ والردُّ.
وموضوعُهُ: الراوي والمرويُّ من حيثُ ذَلِكَ.
وغايتُهُ: معرفةُ ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ.
ومسائلُه: ما يُذكَرُ (٢) في كُتُبِهِ من المقاصدِ.
(نَظَمْتُها) أي: المقاصدَ. أي: جمعتُها عَلَى بحرٍ يُسَمَّى بـ: بحرِ الرَّجَزِ (٣).
(تبصرةً للمُبتدِيْ) - بترك الهمزة - يتبصَّرُ بها ما لَمْ يعلَمْهُ. و(تذكرةً للمُنتهِي) يتذكرُ بها ما عَلِمَهُ وغَفَلَ عَنْهُ.
(و) للراوي (المُسنِدِ) - بكسرِ النونِ -: الذي اعتنى بالإسنادِ خاصَّةً، يتبصَّرُ، أَوْ يتذكرُ بها كيفيَّةَ التحمُّلِ والأداءِ ومتعلقاتِهِمَا (٤).
والمبتدي: مَنْ حَصَّلَ شيئًا ما (٥) من الفنِّ.
والمنتهي: مَنْ حَصَّلَ مِنْهُ أكثرَهُ، وصلَحَ لإفادتِهِ.
والمتوسِّطُ مفهومٌ بالأَوْلَى، فلا (٦) يَخْرُجُ عنهما؛ لأنَّهُ بالنسبةِ لما أتقنَهُ مُنْتَهٍ، ولما لَمْ يُتْقِنْهُ مُبْتَدٍ.
ويُقالُ: مَنْ شَرَعَ في فنٍّ فإنْ لَمْ يستقلَّ بتصوُّرِ (٧) مسائلِهِ فمُبْتَدٍ، وإلاَّ فمُنْتهٍ، إنِ استحضرَ غالبَ أحكامِهِ، وأمْكَنَهُ الاستدلالُ عَلَيْهَا، وإلاَّ فمتوسِّطٌ.
_________________
(١) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٢٢٥، والبحر الذي زخر ١/ ٢٧ - ٢٨، وتدريب الراوي ١/ ٤٠.
(٢) في (ع): «تذكر».
(٣) بعد هذا في (م): [ووزنه مستفعلن ست مرات] وأشار المحقق إلى أنها زيادة من إحدى نسخه ورمز لها بـ (ز). وبحر الرجز أحد بحور الشعر العربي التي اكتشفها الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ هـ).
(٤) قال السيوطي: «المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرّواية وأما المحدث فهو أرفع منه». تدريب الراوي ١/ ٤٣.
(٥) «ما»: سقطت من (ق).
(٦) في (ص) و(ع): «إذ لا».
(٧) في (ع) و(ق): «بتصوير».
[ ١ / ٩٢ ]
وأشارَ بـ " التبصرةِ والتذكرةِ " إلى اسمِ منظومتِهِ.
(لَخَّصْتُ فِيْهَا) عُثْمَانَ أبا عَمْرٍو (ابنَ الصَّلاحِ) أي: مقاصدَ كتابِهِ (١) (أجمعَهْ).
فلا ينافي ذَلِكَ حذفَ كثيرٍ من أمثلتِه، وتعاليلِه، ونسبةِ أقوالٍ لقائلِيها وما تكررَ فِيهِ.
(و) مَعَ تلخيصي مقاصدَهُ فيها، (زِدْ تُها عِلْمًا تَرَاهُ) أي: الزائدَ،
(مَوْضِعَهْ) مُتَميِّزًا (٢) أَوَّلَ كثيرٍ مِنْهُ بـ «قلتُ»، أَوْ بدونِهِ، كأنْ يكونَ حكايةً عَنْ متأخّرٍ، عَنِ ابنِ الصلاحِ، أَوْ تعقُّبًا لكلامِهِ بردٍّ، أَوْ نحوِهِ، أَوْ إيضاحًا لَهُ. وما لَمْ يتميَّزْ سأميِّزُهُ في محالِّهِ (٣).
٧ - فَحَيْثُ جَاءَ الفِعْلُ والضَّميْرُ لِواحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُوْرُ (٤)
٨ - كَـ (قَالَ) أوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ مَا أُرِيْدُ إلاَّ ابْنَ الصَّلاحِ مُبْهَِما
٩ - وَإِنْ يَكُنْ لاثْنَيْنِ نَحْوُ (الْتَزَمَا) فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا
١٠ - وَاللهَ أرجُوْ في أُمُوْرِي كُلِّهَا مُعْتَصَِمًا في صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا
وَقَدِ اصطَلَحَ عَلَى شيءٍ للاختصارِ في نظمه، فبيَّنَهُ بقولِهِ:
(فحيثُ جاءَ الفعلُ والضميرُ) أي: أحدُهما (لواحدٍ) فقطْ (ومَنْ لَهُ) أي: الفعلُ أَوْ الضميرُ (مستورُ) أي: غَيْرُ مذكورٍ، كـ (قَالَ)، وله (أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ، مَا أُريْدُ) بكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ (إلاَّ ابنَ الصَّلاحِ مُبْهَما) بتلكَ الألفَاظِ بفتحِ الهاءِ (٥): حالٌ من
_________________
(١) قال ابن جماعة: «واقتفى آثارهم - يعني الحفاظ المتقدمين - الشّيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع» المنهل الروي: ٢٦. وقال العراقي: «أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعًا». التقييد والإيضاح: ١١، وانظر في أهمية هذا الكتاب ونفاسته مقدمتنا لـ" معرفة أنواع علم الحديث " لابن الصّلاح: ٣٤ - ٣٧.
(٢) في (ق): «مميزًا».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٤) معنى البيت لا يكتمل إلاّ بالبيت الذي بعده، وهو عيبٌ عند العروضيين ويسمّى بـ (التضمين). والتضمين لَيْسَ بَيْن هَذَا البيت والذي بعده فَقَطْ وانما يتكرر كثيرًا في هَذَا النظم، بَلْ في جَمِيْع المنظومات التعليمية كألفية ابن مالك وألفية ابن معطي وغيرهما؟ وانظر الأبيات: ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ٢٧، ٢٨،
(٥) من (مبهما).
[ ١ / ٩٣ ]
مفعولِ «أريدُ» (١)، وبكسرِها: حالٌ من فاعلِهِ (٢)، مَعَ أنَّ هَذَا يُغنِي عَنْهُ إطلاقُ تِلْكَ الألفاظِ: إذِ المتبادرُ مِنْها الإبهامُ.
(وإنْ يَكُنْ) أي (٣): ما ذكر من الفعلِ أَو (٤) الضميرِ (لاثنينِ نحوُ) قولِك: (التَزَما) كقولِهِ: (واقْطَعْ بصحةٍ لِمَا قَدْ أسنَدا) (٥). وقولِه: (وأرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْويُّهُما) (٦). (فَمُسْلِمٌ مَعَ البُخَارِيِّ هُمَا)، وَهُمَا: إماما المحدِّثينَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ المغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَه (٧) الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وأبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحجَّاجِ بنِ مسلمٍ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ.
وقدَّمهُ عَلَى البخاريِّ - مَعَ أنَّ البخاريَّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ رتبةً (٨) - اكتفاءً بما هُوَ معلومٌ، أَوْ بتعبيرِه بـ «مَعَ» المُشْعِرةِ بتبعيِّةِ ما قبلَها لما بعدَها، أَوْ لضرورةِ النَّظْمِ عِندَهُ.
(واللهَ) لا غيرَ (أَرْجوْ) أي: أؤمِّلُ (في أُمُوْرِيْ كُلِّها) الدنيويةِ والأخرويةِ (معتصَمًا) بفتحِ الصادِ تمييزٌ للنسبةِ. أي: أرجوه من جهةِ العِصْمَةِ بمعنى الحِفْظِ.
وبكسرِها (٩) حالٌ من فاعلِ (أرجو) (١٠) بِجَعْلِ العِصْمَةِ بمعنى المنعِ من
المعصيةِ (١١) أي: مانعًا نفسي منها (١٢) بلطفِ اللهِ تعالى في أموري كلِّها.
_________________
(١) وهو ابن الصّلاح صاحب الأصل " معرفة أنواع علم الحديث ".
(٢) وهو النّاظم أي: الحافظ العراقي صاحب " التبصرة والتذكرة ".
(٣) ساقطة من (ص).
(٤) كذلك.
(٥) وهو صدر البيت (٤٠) من متن التبصرة والتذكرة.
(٦) هو صدر البيت (٣٧).
(٧) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الموحدة بعدها هاء، هذا هو المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وقد جاء في ضبطه غير ذلك. هدي الساري: ٤٧٧، وانظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٩٠.
(٨) انظر: نكت الزركشي ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٩) يريد كسر: «معتصمًا»، وانظر: شرح التبصرة ١/ ١٠٩.
(١٠) وهو النّاظم.
(١١) المثبت من (ص) و(ع) و(ق). وفي (م): «العصمة».
(١٢) المثبت من (ص) و(ع) و(ق). وفي (م) «منًّا».
[ ١ / ٩٤ ]
(في صَعْبِها وسَهْلِها) عطفُ بيانٍ عَلَى (في أموري) (١) أَوْ بدلٌ مِنْهُ.
أَقْسَامُ الْحَدِيْثِ
١١ - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ
١٢ - فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَادِ
١٣ - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي
(وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ) أي: الحَدِيثِ. أي: مُعْظَمِ أَهْلِهِ (قَسَّمُوا السُّنَنْ) المضافةَ للنبيِّ - ﷺ - قولًا، أَوْ فعلًا، أَوْ تقريرًا أَوْ صِفَةً أَوَّلًا، وبالذاتِ (إلى: صَحِيحٍ وَضَعيفٍ وَحَسَنْ)؛ لأنَّها إنِ اشتملَت من أوصافِ القبولِ عَلَى أعلاها؛ فالصحيحُ، أَوْ عَلَى أدناها؛ فالحسنُ، أَوْ لَمْ تشتملْ عَلَى شيءٍ منها: فالضعيفُ (٢).
وقدَّمَهُ عَلَى الحسنِ مَعَ أَنَّهُ مؤخّرٌ عَنْهُ رتبةً، بَلْ لا يُسَمَّى سُنةً؛ لضرورةِ النظمِ عندَه، أَوْ لرعايةِ مقابلتِه بالصحيحِ.
قَالَ: وتعبيرِي بالسُّنَّةِ أولى من تعبيرِ الخطَّابيِّ وغيرِهِ بالحديثِ؛ لأنَّهُ لا يختصُّ عِنْدَ بعضِهم بالمرفوعِ، بَلْ يَشْمَلُ الموقوفَ، بخلافِ السُّنَّةِ.
وبما قالَهُ عُرِفَ أنَّ بينَهُمَا عمومًا مطلقًا.
(فالأولُ) يعني: الصحيحَ (٣) المجمعَ عَلَى صحتِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، هُوَ:
المتنُ (المُتَّصِلُ الإسْنَادِ) الذي هُوَ: حكايةُ طريقِ المتنِ، (بِنَقْلِ عَدْلٍ)، وَهُوَ
_________________
(١) في (ص): «على ما في أموري». وفي (ق): «على ما قبله».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، والتقييد ١٩، ونكت الزركشي ١/ ٩١.
(٣) انظر في الصّحيح: معرفة علوم الحديث: ٥٨، وجامع الأصول ١/ ١٦٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٥، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١١٠ - ١٣٦، والتقريب: ٣١ - ٤٢، والاقتراح: ١٥٢، والمنهل الروي: ٣٣، والخلاصة: ٣٥، والموقظة: ٢٤، واختصار علوم الحديث: ٢١، والنكت للزركشي ١/ ٨٨ - ٣٠٣، والمقنع ١/ ٤١ وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، والشذا الفياح ١/ ٦٧ - ١٠٤، ونزهة النظر: ٨٢، والنكت لابن حجر ١/ ٢٣٥ - ٣٨٤، والمختصر للكافيجي: ١١٣، وفتح المغيث ١/ ١٧، وألفية =
[ ١ / ٩٥ ]
مَنْ لَهُ مَلَكَةٌ تحمِلُهُ عَلَى ملازمةِ التَّقْوى والمروءةِ (١). والمرادُ: عدلُ الروايةِ لا عدلُ الشهادةِ؛ فَلا يختصُّ بالذَّكَرِ الحرِّ (٢). (ضَابطِ الفُؤَادِ) أي: حازمِ (٣) القلبِ، (عَنْ) أي: بنقلِ عَدْلٍ عَنْ (مِثْلِهِ) مِنْ أوَّلِ السَّنَدِ إلى آخرِهِ.
بأنْ ينتهيَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - أخذًا مِمَّا قَالهُ الناظمُ آنفًا، أَوْ إلى الصحابيِّ، أَوْ إلى مَنْ دونَهُ؛ ليشمَلَ الموقوفَ وغيرَهُ، كَمَا قالَهُ غيرُه.
ولا يُنافيهِ تفسيرُ السُّنَّةِ بما مرَّ؛ لأنَّ القِسْمَ قَدْ يكونُ أعمَّ مِنَ المُقْسَمِ، كقولِكَ (٤): الحيوانُ إمَّا أبيضُ أَوْ غيرُه، والأبيضُ: إما عاجٌ، أَوْ غيرُه.
(منْ غَيْرِ ما شُذُوذِ) بزيادةِ ما (و) غيرِ (عِلَّةٍ قادحةٍ)، فهذه خمسةُ قيودٍ لا ستةٌ؛ للاغتناءِ بقوله: (بنقلِ عدلٍ) عَنْ قولِه (٥): (عَنْ مِثْلِهِ).
فخرجَ بالأوَّلِ مِنْها: المنقطعُ، والمرسلُ، والمعضلُ الآتي بيانُها في محالِّها (٦).
وبالثَّانِي: ما في سنَدِهِ مَنْ عُرِفَ ضَعْفُهُ، أَوْ جُهِلَتْ عينُهُ أَوْ (٧) حالُهُ، كما سيأتي (٨).
وبالثالثِ: ما في سنَدِهِ مُغَفَّلٌ كثيرُ الخطإِ، وإن عُرِفَ بالصدْقِ والعدالةِ، لعدَمِ ضَبْطِهِ (٩).
_________________
(١) = السيوطي: ٣ - ١٥، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٩٨، والبحر الذي زخر ١/ ١٣٣ - ٨٤٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٧، وظفر الأماني: ١٢٠، وقواعد التحديث: ٧٩، وتوجيه النظر ١/ ١٨٠ - ٣٥٣.
(٢) انظر: نزهة النظر: ٨٣. وفتح المغيث ١/ ٢٧٨، ٢٨٨، وتدريب الراوي ١/ ٣٠٠، ٣٠٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ١١٧، ١١٨.
(٣) قال الزّركشيّ في نكته ١/ ٩٨: «احترز به عما اتصل سنده بغير العدل، وهو قسمان: أحدهما: الحسن، فإنه اتصل سنده لكن لا يخلو عن مستور لم تثبت عدالته. الثّاني: ما اتصل سنده بنقل غير العدل فإنه ضعيف».
(٤) المثبت من أصولنا الخطية، وفي (م): «جازم».
(٥) في (ق): «كقولنا».
(٦) سقطت «عن قوله» من (ق).
(٧) قارن بالتدريب ١/ ٦٣ - ٦٤.
(٨) في (ق): «و».
(٩) قارن بالتدريب ١/ ٦٣ - ٦٤.
(١٠) كذلك.
[ ١ / ٩٦ ]
والضَّبْطُ - كما سيأتي - ضبطُ صَدْرٍ، وَهُوَ: أنْ يُثْبِتَ الراوي ما سمعَهُ بحيثُ يتمكنُ من استحضارِهِ متى شاء.
وضَبْطُ كتابٍ، وَهُوَ: صيانتُهُ عندَهُ منذُ سَمِعَ فيهِ وصحَّحَه، إلى أنْ يؤديَ (١) مِنْهُ (٢).
والمرادُ بالضَّبْطِ (٣): الضَّبْطُ التَّامُّ، كما يُفْهِمُهُ الإطلاقُ المحمولُ عَلَى الكاملِ؛ فيخرجُ الحسَنُ لذاتِه المُشْتَرطِ فِيهِ مُسَمَّى الضَّبْطِ فَقَطْ.
لكن قَدْ يُقالُ: يلزمُ عَلَيْهِ (٤) خروجُه إذَا اعتضدَ وصارَ صحيحًا لغيرِهِ.
ويجابُ: بأنَّ التعريفَ للصحيحِ لذاتِهِ.
وخرجَ بالرَّابعِ: الشَّاذُّ (٥)، وَهُو: ما خالفَ فِيهِ الراوي مَنْ هُوَ أرجحُ مِنْهُ (٦)؛ كما سيأتي في بابهِ مَعَ زيادةٍ.
ولا يرِدُ عَلَيْهِ الشاذُّ الصحيحُ عِنْدَ بعضِهِم؛ لأنَّ التعريفَ للصحيحِ المجمَعِ عَلَى صحتِهِ - كما مرَّ - لا مطلقًا.
وبالخامسِ (٧): ما فِيهِ عِلَّةٌ (٨) قادحةٌ؛ كإرسالِهِ، وسيأتي بيانُها مَعَ بَيَانِ غيرِ القادحةِ.
ومن قيَّدها بكونها خفيَّةً (٩) لَمْ يُردْ إخراجَ الظاهرةِ؛ لأنَّ الخفيَّةَ إذَا أثَّرت فالظاهرةُ أولى، وإنَّما قيَّدَ بِذَلِكَ؛ لأنَّ الظاهرةَ راجعةٌ إلى ضعفِ الرَّاوي، أَوْ عدمِ اتِّصالِ السَّند، وذلك محتَرَزٌ عَنْهُ بما مرَّ.
_________________
(١) في (ق): «يروي».
(٢) نزهة النظر: ٨٣.
(٣) المثبت من (م) وأشار المحقق إلى أنها في إحدى نسخه ورمز لها بـ (د)، وقد سقطت من أصولنا الخطية.
(٤) «عليه» سقطت من (ق).
(٥) انظر: التدريب ١/ ٦٤.
(٦) نزهة النظر: ٨٣.
(٧) انظر: تدريب الراوي ١/ ٦٤.
(٨) في (ق): «علل».
(٩) انظر: التدريب ١/ ٦٧.
[ ١ / ٩٧ ]
(فتوذيْ) أي: العلةُ القادحةُ صِحَّةَ الحديثِ. أي: تمنعُ من الحكمِ والعمل بِهِ، وهذا تصريحٌ (١) بما علِم.
واعْلَمْ: أنَّ الصَّحِيحَ قسمانِ كالحسَنِ؛ لأنَّ المقبولَ من الحَدِيثِ إنِ اشْتَملَ من صفاتِ القبولِ عَلَى أعلاها، فَهُوَ الصَّحِيحُ لذاتِهِ.
أَوْ لا، فإنْ وُجِدَ ما يجبرُ قصورَهُ كَكَثْرةِ الطُّرُقِ؛ فَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْضًَا، لكنْ لا لذاتِهِ (٢).
أَوْ لَمْ يوجدْ ذَلِكَ، فَهُوَ الحَسَنُ لذاتِهِ.
وإنْ قامِتْ قرينةٌ تُرجِّحُ قَبُولَ ما يُتَوقَّفُ فِيهِ، فَهُوَ الحسنُ أَيْضًا، لكنْ لا لذاتِهِ، كَذَا ذكرَهُ شيخُنا (٣).
١٤ - وَبالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا في ظَاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ
١٥ - إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا، وَقَدْ
١٦ - خَاضَ (٤) بهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِكُ عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
١٧ - مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ الشَّافِعِيْ قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ
(وبالصَّحِيحِ والضَّعِيفِ) في قولِهم: هَذَا حديثٌ صحيحٌ، أَوْ ضعيفٌ،
(قَصَدُوا) الصِّحةَ والضعفَ (في ظاهرٍ) أي: فيما ظهرَ (٥) لهُم عملًا (٦) بظاهرِ الإسنادِ (لاَ الْقَطْعَ) بصحتِه، أَوْ ضَعْفِهِ في نفسِ الأمرِ؛ لجوازِ الخطإِ والنسيانِ عَلَى الثقةِ، والضَّبْطِ والصِّدْقِ عَلَى غيرِه (٧).
_________________
(١) في (ع) و(ق): «يصرح».
(٢) انظر: النزهة ٩٢، والتدريب ١/ ٦٨.
(٣) النزهة: ٨٢.
(٤) في النفائس: «خصّ» والوزن بها مستقيم.
(٥) في (ق): «يظهر».
(٦) في (ص): «عملوا».
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٣، والنزهة ٩٣ - ٩٤، والتدريب ١/ ٧٥.
[ ١ / ٩٨ ]
والقطعُ إنَّما يُستفادُ مِنَ المتواترِ (١)، أَوْ مِمَّا احْتَفَّ بالقرائِنِ (٢).
وخالف ابنُ الصَّلاحِ فيما وَجَدَ في " الصَّحِيْحَيْنِ "، أَوْ أحدِهما، فاختارَ القطعَ بصِحَّتِهِ (٣)، وسيأتي بيانُهُ في حكمِ " الصَّحِيْحَيْنِ ".
فـ (بالصَّحيْحِ والضَّعِيفِ) متعلِّقٌ بـ (قَصَدُوا) و(في ظاهرٍ) متعلِّقٌ (٤) بمحذوفٍ، و(القطعَ) معطوفٌ عَلَى المحذوفِ، أَوْ عَلَى محلِّ (في ظاهرٍ) أي: قَصدُوا الصِّحةَ والضعفَ ظاهرًا لا قطعًا.
وسكَتَ كغيرِهِ عَنْ الحَسَنِ، إما لِشُمُولِ الصَّحيحِ لَهُ بأَنْ يُرادَ بِهِ المقبولُ، أَوْ لأنَّهُ يُعْرَفُ بالمقايَسَةِ.
(وَالْمُعتَمَدُ) عَلَيْهِ (إمْسَاكُنا) أي: كفُّنا (عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدْ) معيَّنٍ.
والسنَدُ: الطريقُ الموصِلَةُ إلى المتْنِ. وتقدَّمَ تعريفُ الإسنادِ (٥).
وعبَّرَ عَنْهُ البدرُ بنُ جَمَاعَةَ (٦) بأنَّهُ: «الإخبارُ عَنْ طريقِ المتْنِ، وعن الإسنادِ بأنَّهُ: رفعُ الحديثِ إلى قائِلِهِ».
قَالَ: «والمُحدِّثونَ يسْتَعمِلونَهما لشيءٍ واحدٍ» (٧).
(بأنَّهُ أصَحُّ) الأسانيدِ (مُطلقًا)؛ لأنَّ تفاوتَ مراتبِ الصَّحِيحِ مُرتَّبٌ (٨) عَلَى تمكّن الإسناد من شروطِ الصِّحَّةِ ويَعْسُر الاطِّلاعُ عَلَى ارْتِفاعِ (٩) جَمِيْعِ رِجَالِ تَرْجَمةٍ
_________________
(١) في (ق): «التواتر».
(٢) انظر عن ذلك: شرح عليّ القاري على النخبة: ٤١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٨: إذ قال: «وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به».
(٤) «متعلق»: سقطت من (ص) و(ع).
(٥) انظر: ص ١١٥ من هَذَا الجزء.
(٦) هو بدر الدين، أبو عبد الله، محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، توفّي سنة (٧٧٣ هـ). انظر الدرر الكامنة ٣/ ٢٨٠، وشذرات الذهب ٦/ ١٠٥.
(٧) المنهل الروي ٢٩ - ٣٠.
(٨) في (ص): «تترتب». وفي (ع): «مترتب».
(٩) في (ص) و(ق): «ارتقاء».
[ ١ / ٩٩ ]
واحدةٍ إلى أعلى صفاتِ (١) الكمالِ من سائرِ الوجوهِ (٢) (وَقَدْ خَاضَ) أي: اقْتَحَمَ الغمرات (٣) (بِهِ) أيْ: بالحُكمِ بأنَّهُ أصَحُّ مُطلقًا (قَوْمٌ) فَتَكَلّموا فِيهِ واضطربت فِيهِ أقوالُهُم بِحَسَبِ اجْتِهَادِهم (فَقِيلَ) يعني قَالَ البُخَارِيُّ (٤): أصَحُّ الأسانِيدِ (مَالِكُ عَنْ نافعٍ بِمَا) أي بالذي (رَوَاهُ) لَهُ (النَّاسِكُ) أي: العابدُ (مَوْلاهُ) أيْ: مَوْلى نافعٍ أي: مُعْتِقُهُ -بكسرِ التاءِ-. وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَر بنِ الخطَّابِ، وَكَانَ جديرًا بوصْفِهِ بالنُّسْكِ؛ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِ بِالأخْبارِ النَّبويَّةِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبيُّ - ﷺ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، فَكانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيلِ إلاَّ قليلًا» (٥).
وفي قَوْلِ النّاظمِ في شرْحِهِ (٦): «أصحُّ الأسانيدِ مَا رواهُ مَالِكٌ» تَجَوُّزٌ؛ لأنَّ مَا رواهُ متنٌ لا سندٌ فكانَ حَقُّهُ أنْ يَقُولَ كابنِ الصَّلاحِ: أصحُّ الأسَانِيدِ مَالِكٌ الخ، وكذا الكلامُ في نظائِرِهِ الآتيةِ. (واخْتَرْ) إذَا قُلْتُ بذلِكَ، وزِدْتَ راويًا عَنْ مَالِكٍ (حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ) إمامُنا (الشَّافِعيْ) - بالإسكان - للوزن أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ.
إنَّ أصحَّ الأسانيدِ: الشَّافِعيُّ، عَنْ مالكٍ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ؛ فَقَدْ (٧) قَالَ الأستاذُ أَبُو منصورٍ التميميُّ (٨): إنَّهُ أجلُّ الأسانيدِ، لإجماعِ (٩) أهلِ الحديثِ عَلَى أنَّهُ لَمْ
_________________
(١) في (ق): «طبقات»
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٤.
(٣) قال السيوطي في شرحه لألفية العراقي: ١٠٠: «أي مشوا فيه، من تشبيه المعقول بالمحسوس، للإشارة إلى أن المتكلم في ذلك كالخائض في الماء الماشي في غير مظنة المشي، وهو يؤذن بعدم التمكن، ولهذا اختلفوا فيه على أقوال كثيرة».
(٤) انظر: معرفة علوم الحديث: ٨٩، والكفاية: (٥٦٣ ت، ٣٩٨ هـ).
(٥) أخرجه أحمد ٢/ ١٤٦، والبخاري ٢/ ٦١ (١١٢٢) و٥/ ٣١ (٣٧٣٩) و٩/ ٥١ (٧٠٢٩) وفي رفع اليدين له ٤١، ومسلم ٧/ ١٥٨ (٢٤٧٩) و٧/ ١٥٩ (٢٤٧٩) (١٤٠)، والترمذي (٣٢١)، وابن حبان (٧٠٧٩)، وأبو نعيم ١/ ٣٠٣، والبيهقي ٢/ ٥٠١ من طريق الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٥.
(٧) سقطت من (ق).
(٨) هو عبد القاهر بن طاهر البغدادي. توفّي (٤٢٩). انظر: وفيات الأعيان١/ ٢٩٨، وطبقات السّبكيّ٣/ ٢٣٨.
(٩) قارن في ذلك مع النكت عَلَى ابن الصلاح١/ ٢٦٢ - ٢٦٦ للحافظ ابن حجر العسقلاني، والنكت الوفية ١٥/ب.
[ ١ / ١٠٠ ]
يَكُنْ في الرُّواةِ عَنْ مالكٍ أجلُّ مِنَ الشَّافِعيِّ (١).
فمفعولُ (اخْتَرْ) محذوفٌ، أَوْ مَا بَعْدَهُ بمعنى: اخْتَر مَحَلَّ إسْنَادِ الشَّافِعيِّ المذكورِ، وَهُوَ سَنَدُهُ، أَوْ مَفْعُولُهُ الشَّافِعيّ [أَوْ ضميرٌ يعودُ إِليهِ] (٢) بطريقِ التنازُعِ.
(قلتُ: و) اخْتَرْ أَيْضًا -إذَا قلتَ بذلكَ، وزدتَ راويًا- عَنْ الشَّافِعيِّ حيثُ (عَنْهُ) يُسنِدُ الإمامُ (أَحْمَدُ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبلٍ إنَّ أصحَّ الأسانيدِ: الإمامُ أَحْمَدُ، عَنْ الشَّافِعيِّ، عمَّنْ ذَكَرَ؛ لاتِّفاقِ أهلِ الحديثِ عَلَى أنَّ أجلَّ مَنْ أخذَ عَنْ الشَّافِعيِّ من أهلِ الحديثِ: أَحْمَدُ (٣).
ولم يَقَعْ مِن ذَلِكَ في " مُسْنَدِه " (٤) إلاَّ حديثٌ واحدٌ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الشَّافِعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ - ﵄ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «لاَ يَبِيْعُ (٥) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَنَهى عَنْ حَبَلِ الحَبَلَةِ (٦)، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيْبِ كَيْلًا». وأخرجه البخاريُّ (٧) مفرَّقًا من حديثِ مالكٍ.
_________________
(١) حكاه عن ابن طاهر، ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠، وانظر: النكت ١/ ٢٦٣ وما بعدها.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ع) و(ق).
(٣) انظر: شرح التبصرة ١/ ١١٦.
(٤) في (ع): «في مسند أحمد»، وما أثبتناه من بقية النسخ و(م)، والحديث في مسند أحمد ٢/ ١٠٨ كما ساقه المصنف.
(٥) في (ع): «لا يبع»، وما أثبتناه من بقية النسخ و(م)، وهو الذي عليه أكثر روايات البخاريّ، وكذا هو في مسند أحمد ٢/ ١٠٨، وهو نفي خرج إلى معنى النهي. انظر: فتح الباري ٤/ ٣٥٣، وعمدة القاري ١١/ ٢٥٨.
(٦) بعد هذا في (ع): «وهو نتاج النتاج»، وهو من إدراج بعض النساخ.
(٧) صحيح البخاري ٣/ ٩٠ (٢١٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك ولفظه: «لا يبيع بعضكم على بيع أخيه». وأخرجه في ٣/ ٩١ (٢١٤٢) من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ولفظه: «نهى عن النجش» وأخرجه في ٣/ ٩٥ (٢١٦٥) من طريق عبد الله بن يوسف التنيّسي، عن مالك ولفظه: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق». وأخرجه في ٣/ ٩٦ (٢١٧١) من طريق إسماعيل، ولفظه: «نهى عن المزابنة؛ والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلًا». والحديث قد رواه مجموعًا أحمد بن حنبل كما ذكر المصنف ومن قبله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٧، وقد روي مجزءًا من حديث مالك. =
[ ١ / ١٠١ ]
١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حَنْبَلٍ بالزُّهْرِي عَنْ سَالِمٍ أَيْ: عَنْ أَبيهِ البَرِّ
١٩ - وَقِيْلَ: زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيْريْنَ عَنِ السَّلْمَاني عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّانِ
٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
(وَجَزَمَ) الإمامُ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ (١)، هُوَ (ابنُ حَنْبَلٍ)، وكذا إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ (٢) (بالزُّهْرِي) أي: بأن أصحَّ الأسانيدِ - وإن كَانَتْ عبارةُ الأوَّلِ «أجودُها» - أبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ شهابٍ الزهريُّ، (عَنْ سالِمٍ)، هُوَ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، (أي): راويًا، (عَنْ أبيهِ): عبدِ اللهِ (البَرِّ) - بفتحِ الباءِ -أي (٣): المُحْسِنِ في جميعِ أعمالِ البِرِّ - بكسرِها -.
_________________
(١) = فقوله: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض» أخرجه الشافعي في مسنده ٢/ ١٤٦، وأحمد ٢/ ٧، والدارمي (٢٥٧٠)، والبخاري ٣/ ٩٠ (٢١٣٩) و٩٥ (٢١٦٥)، ومسلم ٤/ ١٣٨ (١٤١٢)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي ٧/ ٢٥٨، والبيهقي ٥/ ٣٤٤. وقوله: «نهى عن النجش» أخرجه الشافعي في مسنده ٢/ ١٤٥، وأحمد ١/ ٦٣ و١٥٦، والدارمي
(٢) ، والبخاري ٣/ ٩١ (٢١٤٢)، ومسلم ٥/ ٥ (١٥١٦). وقوله: «نهى عن بيع حبل الحبلة» أخرجه البخاري ٣/ ٩١ (٢١٤٣)، وابن الجارود في المنتقى (٥١٩). وقوله: «نهى عن المزابنة» أخرجه الشافعي في الرسالة (٩٠٦)، وفي مسنده ٢/ ١٥٣، وأحمد ١/ ٧ و٦٣، والبخاري ٣/ ٩٦ (٢١٧٢)، ومسلم ٥/ ١٥ (١٥٤٢).
(٣) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤، وقال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٣٥: «إنّ الإمام أحمد بن حنبل جزم لذلك».
(٤) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤، والكفاية: (٥٦٣ ت، ٣٩٧ هـ). قال الزركشي في نكته ١/ ١٢٩: «يجوز في (راهويه) فتح الهاء والواو وإسكان الياء، ويجوز ضمّ الهاء وإسكان الواو وفتح الياء، وهذا الثاني هو المختار. وعن الحافظ جمال الدين المزّي أنّه قال: غالب ما عند المحدّثين (فعلويه) - بضم ما قبل الواو - إلاّ (راهويه) فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو». وانظر: الأنساب ٣/ ٣٧، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨، وتدريب الراوي ١/ ٣٣٨. أمّا معناه فقد قال الزركشي ١/ ١٣١: «واعلم أن (راهويه) لقب لجده، وسمّي بذلك؛ لأنه ولد في الطريق، والرهو: الطريق، وكان أبوه يكره أن يسمّى به». وانظر: تهذيب الكمال ١/ ١٧٦.
(٥) كلمة: «أي» سقطت من (ع).
[ ١ / ١٠٢ ]
(وقيلَ:) يعني: وَقَالَ عَبدُ الرَّزاقِ بنُ هَمَّامٍ (١): أصحُّ الأسانيدِ: (زينُ العابِدينَ) عَلِيُّ بنُ الحسينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، (عَنْ أَبِهْ) الحسينِ-بحذفِ الياء عَلَى لغةِ النقصِ- عَلَى حدِّ:
بأبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَمْ [وَمَنْ يُشَاْبِهْ أَبَهُ فَمَاْ ظَلَمْ] (٢)
(عَنْ جَدِّهِ): عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ. (وابْنُ شهابٍ) أي: والحالةُ أنَّ الراوي (عَنْهُ) أي: عَنْ زَيْنِ العَابِدينَ ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ (بِهْ) أي: بالسَّنَدِ المذكورِ.
وحاصلُهُ أنَّ أصحَّ الأسانيدِ: ابنُ شهابٍ، عَنْ زينِ العابدينَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
(أَوْ فابْنُ سيْريْنَ): أَوْ هُنا وفيما يأتي، لَيْستْ للتخييرِ ولا للشكِّ، بَلْ لتنويعِ الخلافِ، كَما قَالَ (٣)، فالمعنى عَلَى الواو يعني. وَقَالَ عَمْرُو (٤) بنُ عليٍّ الفَلاَّسُ (٥)، وغيرُهُ (٦): أصحُّ الأسانيدِ: أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ سيرينَ الأنصاريُّ، (عَنْ) أبي عَمْرٍو عَبيدةَ - بفتح العين (٧) - (السَّلْمَاني) - بإسكان اللام -، عَلَى الصَّحِيح، نِسبةً إلى سَلْمَانَ، حيٍّ مِن مُرَادٍ (٨)، قَالَ ابنُ الأثيرِ: «والمُحَدِّثونَ يفتحون اللام» (٩). (عَنْهُ) أي: عَنْ جدِّ زينِ العابدينَ، وَهُوَ عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ كما مرَّ.
_________________
(١) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: (٥٦٢ ت، ٣٩٧ هـ)
(٢) المثبت من (م) وأشار المحقق إلى إنها زيادة من إحدى نسخه ورمز لها بـ (ط). وقد سقطت من أصولنا. والبيت من شواهد ابن عقيل، وقال عن «أبه» وهذه: لغة نادرة في «أب». انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٥٠.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠، ومغني اللبيب ٨٧ - ٩٥.
(٤) في (ع) و(ق): «عمر».
(٥) معرفة علوم الحديث: ٥٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٩، والاقتراح ١٦٠، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١١٣، والمقنع ١/ ٤٥.
(٦) وهم:
(٧) عليّ بن المديني. انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٩، والباعث الحثيث ١/ ١٠١، والمقنع ١/ ٤٥.
(٨) وسليمان بن حرب. انظر: الكفاية: (٥٦٢ ت، ٣٩٧ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٠، وفتح المغيث ١/ ٢٥، وتدريب الراوي ١/ ٧٧.
(٩) انظر: المؤتلف والمختلف ٣/ ١٥٠٧، والإكمال ٦/ ٤٨.
(١٠) انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٩١، وتذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٥٤٧.
(١١) اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ١٢٧، وانظر: الأنساب ٣/ ٢٩٩.
[ ١ / ١٠٣ ]
(أَوْ) يعني: وَقَالَ يحيى بنُ مَعين: أصحُّ الأسانيدِ: سليمانُ بنُ مِهْرانَ
(الأعمشُ عَنْ ذي الشَّانِ) أي: الحالِ (١) إِبْرَاهِيمَ بنِ يزيدَ بنِ قيسٍ (النَّخَعِيْ) - بالإسكانِ - للوزنِ، أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ نسبةً للنَّخَعِ قبيلةٍ من اليَمَنِ (٢) (عَنِ ابنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ): عبدِ اللهِ (٣).
فجملةُ الأقوالِ التي في النَّظْمِ خَمْسةٌ، وَهِيَ التي حَكَاهَا ابنُ الصَّلاحِ (٤).
قَالَ الناظمُ: «وفي المسْأَلةِ أقوالٌ أُخَرُ ذكرتُها في "الشرحِ الكبيِر"» (٥). جملتُها عَلَى ما ذكرهُ ستةٌ، ويُمْكنُ (٦) الزيادةُ عليها.
(وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ) من زِيادتِه أي: واعْتُبْ (٧) مَنْ عمَّمَ الحكمَ بأصحّيةِ الأسانيدِ في ترجمةٍ واحدةٍ، لصحابيٍّ واحدٍ، بأنْ جعلَهُ عامًّا لجميعِ الأسانيدِ كأنْ يقولَ: أصحُّ الأسانيدِ: مالكٌ عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ كما مرَّ لشدَّةِ الانتشارِ.
والحاكِمُ بِذَلِكَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الخطإِ، كَمَا قِيلَ بمثلهِ في قولهِم: ليسَ في الرُّواةِ مَنْ اسمُهُ كَذَا سِوى فلانٍ.
بَلْ - إنْ كَانَ ولابُدَّ - ينبغي لَهُ أَنْ يُقيِّدَ كُلَّ ترجمةٍ بصحابيِّها، أَوْ بالبلدةِ التي مِنْها أصْحَابُ تِلْكَ الترجمةِ - كما اختارهُ الحاكِمُ (٨) -؛ لأنَّهُ أقَلُّ انتشارًا، فيقولَ: أصحُّ
_________________
(١) قوله: «أي الحال» الصفة العظيمة في العلم والعمل، كما في حاشية (ع).
(٢) انظر: الأنساب ٥/ ٣٦٩، واللباب ٣/ ٣٠٤، ووفيات الأعيان ١/ ١٠٢٥.
(٣) معرفة علوم الحديث: ٥٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٩ - ٩٠.
(٥) انظر: شرح التبصرة ١/ ١٢١، ومحاسن الاصطلاح: ٨٧، والنكت الوفية: ١٨/ أ. وذلك لأن الحافظ العراقي شرح الألفية في أول الأمر شرحًا مبسوطا عرف بالشرح الكبير ثم رأى أنه كبير فشرع في شرح أخصر منه -وهو الشرح المطبوع المشهور- وأشار في لحظ الألحاظ: ٢٣٠ إلى أنه كتب منه نحوًا من ستة كراريس، وذكر البقاعي في النكت الوفية: ٣/ب: أنه لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة وصل فيها إلى الضّعيف، وقد نقل منه نصوصًا في نكته، انظر مثلًا: ٢٢/ ب.
(٦) في (م): «تمكن».
(٧) عتب، يعتب، ويعتب، ولا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بحرف الجر «على» ولكنه لمّا ضمّنه معنى «اللام» عدّاه بنفسه. انظر: الصحاح ١/ ١٧٥، واللسان ١/ ٣٦٥ (عتب)، وجاء في حاشية (ع) تعليق نحو ذلك.
(٨) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٥. وهذا الذي انتهى إليه هو الحق في هذه المسألة، وهو الذي اتفقت عليه كلمة كل من صنف في علم مصطلح الحديث. انظر: شرح التبصرةوالتذكرة١/ ١٢١، والبحر الذي زخر ١/ ٤١٨.
[ ١ / ١٠٤ ]
أسانيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سالمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّه.
وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عُمَرَ: مالكٌ، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ.
وأصحُّ أسانيدِ المكِّيِّينَ: سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عَنْ عَمرِو بنِ دينارٍ، عَنْ جابِرٍ.
وأصحُّ أسانيدِ اليَمانِيِّينَ: مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ.
وأصحُّ أسانيدِ المِصْريِّينَ: الليثُ، عَنْ يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عَنْ أبي الخيرِ، عَنْ عُقْبةَ بنِ عامر. وهكذا (١).
قَالَ النَّوَوِيُّ في "أذكارهِ" (٢): «ولا يلزمُ من هذِهِ العبارة صِحَّةُ الحديثِ؛ فإنهم يقولونَ: «هَذَا أصحُّ مَا جاءَ في البابِ» وإن كَانَ ضعيفًا، ومرادُهُم أرجحُه أَوْ أقلُّه ضَعْفًا». انتهى.
ومِن ذَلِكَ: أصحُّ مسلسلٍ، وسيأتي في مَحلِّهِ.
واقتصرَ في النَّظْمِ عَلَى تكلُّمِهِم - عَلَى اختلافِهِم - في أصحيِّةِ الأسانيدِ؛ لأنَّها الأَهَمُّ، وإلاَّ فَقَدْ تَكَلَّموا عَلَى أوْهَاهَا، كما قَالَ الحاكمُ (٣) وغيرُهُ (٤):
أَوْهَى أسانيدِ أبي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ (٥) بنُ إسماعِيلَ، عَنْ داودَ بنِ يزيدَ الأَوْدِيِّ (٦)، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. وأَوْهَى أسانيدِ ابنِ مَسْعُودٍ: شَرِيْكٌ، عَنْ أبي فَزَارةَ، عَنْ أبِي زيدٍ، عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ. وأَوْهَى أسانيد أنَسٍ: داودُ بنُ المُحَبَّرِ (٧) عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبَانَ بنِ أبي عَيَّاشٍ (٨)، عَنْ أنسٍ. وفائدتُه: ترجيحُ بعضِها عَلَى بعضٍ، وتمييزُ ما يَصْلُحُ للاعتبارِ مما لا يصلحُ لَهُ (٩). واللهُ تَعَالَى هُوَ الموَفِّقُ (١٠).
_________________
(١) لم يذكر القاضي زكريا أثبت أسانيد الشاميين، وأثبت أسانيد الخراسانيين فأجاد وأفاد؛ لما في هذه الأسانيد من مقال، وقد تكلمنا عليها في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٣ - ١٢٤. فراجعه تجد فائدة إن شاء الله.
(٢) الأذكار ١٥٨.
(٣) انظر: معرفة علوم الحديث ٥٦ - ٥٨.
(٤) انظر: محاسن الاصطلاح ٨٧ - ٨٨، وتدريب الراوي ١/ ١٨٠.
(٥) في (ق): «السدي».
(٦) في (ع) و(ق): «الأزدي».
(٧) في (ق): «المجبر»، قال ابن حجر في التقريب (١٨١١): «بمهملة وموحدة مشددة مفتوحة».
(٨) في (ق): «عبّاس».
(٩) «له»: سقطت من (ص).
(١٠) جملة: «والله تعالى هو الموفّق» من (ق) فقط.
[ ١ / ١٠٥ ]
أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
٢٢ - أَوَّلُمَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتَّرْجِيْحِ
٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
(أوَّلُ مَنْ صنَّفَ) في (١) الحديثِ (الصَّحِيحِ) الإمامُ (مُحَمَّدٌ)، هُوَ ابنُ إسماعيلَ البخاريُّ (٢)، ولا يَرِدُ " موطأُ " الإمامِ مَالِكٍ؛ لأنَّهُ وإنْ كَانَ سابِقًا؛ فمؤلِّفُهُ لَمْ يتقيَّد بالصَّحِيحِ الذي مَرَّ تعرِيفُه؛ لأنَّه أدْخلَ فِيهِ المُرسلَ، والبلاغَ، والمقطوعَ، ونحوَها عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ؛ فليس هُوَ أولُ مَنْ صنَّفَ في الصحيحِ (٣)؛ لانصرافِ الصَّحِيحِ بقرينةِ «ال» العهديةِ إلى الصَّحيحِ المذكورِ.
(وخُصَّ) أي: البخارِيُّ، أي (٤): صحيحُهُ (بالتَّرجيحِ) أي: بترجيحِ (٥) مَا أسندَهُ فِيهِ دُوْنَ تعاليقِه، وتراجِمِهِ (٦)، وأقوالِ الصحابةِ، وغيرِهِم عَلَى سائرِ الصِّحَاحِ؛ لِتَقدُّمِهِ عَلَى غيرِهِ في الفنِّ.
(و) الإمامُ (مُسْلِمٌ) أي: صحيحُه (بَعْدُ) أي: بعدَ صحيحِ البُخَارِيِّ وضعًا بلا نزاعٍ، وصِحَّةً؛ كَمَا ذهب إِليهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ المشهورُ (٧).
_________________
(١) المثبت من (ص) و(ع) و(ق) وقد سقطت كلمة «في» من (م).
(٢) قال الإمام النووي في الإرشاد ١/ ١١٦: «أول من صنف الصحيح المجرد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ثم أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري». فقول المصنف: (الصحيح المجرد). قاله زيادة على ابن الصلاح احترازًا عما اعترض به عليه من أن الموطأ صنف قبله في الصحيح. فإنه وإن كان قد ألف قَبْلَ صحيح البُخَارِيّ، لكنه لم يتمخض للصحيح المجرد، بَلْ شمله الإمام مَالِك من البلاغات والمنقطعات والمراسيل.
(٣) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ومقدمة الفتح ٩ - ١٠، والتدريب ١/ ٩٠.
(٤) في (ق): «في».
(٥) في (ع): «ترجيح».
(٦) لأنه وسم كتابه بـ (الجامع الصّحيح المسند) فكل حديث ليس مسندًا فيه فهو ليس من المحكوم بصحته، وإنما ذكره استشهادًا واستئناسًا، ليكون كتابه جامعًا لمعاني الإسلام، ودستورًا للأمة.
(٧) قال الإمام العراقي: «وهو الصحيح». وقال الإمام النووي: «إنه الصواب». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٥، التقريب: ٣٣.
[ ١ / ١٠٦ ]
(وَبَعْضُ) أهلِ (١) (الغَرْبِ مَعْ) حافظِ عصرِهِ (أَبِي عَلِيٍّ) الحسينِ بنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابوريِّ (٢)، شيخِ الحاكمِ (فَضَّلُوا ذَا) أي: صحيحَ مسلمٍ عَلَى صحيحِ البخاريِّ (٣)، لَكِنْ (لَوْ نَفَعْ) تفضيلُهم لقُبِلَ مِنْهُمْ، لكنَّهُ لَمْ ينفعْ؛ لِعَدمِ تصريحِهِم بالتفضيلِ - وإن كَانَ كلامُهم ظاهرًا فِيهِ عُرفًا - ولأنَّ البُخَارِيَّ اشتَرطَ في الصِّحةِ اللُّقِيَّ (٤)، وَمُسْلِمٌ اكتَفَى بالمعاصرةِ، وإمكان اللُّقِيِّ، ولاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ عَلَى أنَّ البُخَارِيَّ أجلُّ مِنْهُ، وأَعْلمُ مِنْهُ بصناعةِ الحَدِيثِ، مَعَ أنَّ مُسلمًا تلميذُهُ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «لولا البخاريُّ لما راحَ مسلمٌ، ولا جاءَ» (٥). وَقِيلَ: هُما سَوَاءٌ (٦). وَقِيلَ: بالوقف. وبالجملةِ فكتاباهُما أصحُّ كُتبِ الحَدِيثِ.
وأمَّا قولُ الشافعيِّ: «مَا عَلَى وجهِ الأرضِ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تعالى أصحُّ من كتابِ مالكٍ» (٧) فذاكَ قبلَ وجودِهِما (٨).
_________________
(١) هو ابن حزم، كما حكاه القاضي عياض في " إكمال المعلم "، عن أبي مروان الطبني قال: «كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم، عن صحيح البخاري» قال ابن حجر: «وعندي أنّ ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطبني، الذي أبهمه القاضي عياض، وقال: قرأت في فهرسة أبي محمد القاسم بن القاسم التجيبي قَالَ: كَانَ أبو محمّد بن حزم يفضل كِتَاب مُسْلِم عَلَى كِتَاب البخاريّ؛ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد». انظر: إكمال المعلم ١/ ٨٠، وهدي الساري: ١٢ - ١٣.
(٢) انظر: السير ١٦/ ٥١ - ٥٩.
(٣) حاول بعض العلماء توجيه هذا الكلام. انظر: صيانة صحيح مسلم ٦٩ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٥، وهدي الساري ١٢، والنّزهة ٨٦، وتدريب الراوي ١/ ٩٣ - ٩٥.
(٤) وهذا المعنى من أقوى مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم، وانظر تفصيل ذلك في النكت لابن حجر ١/ ٢٨٦ - ٢٨٩، وهدي الساري ١١ - ١٣.
(٥) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٢، وتدريب الراوي ١/ ٩٣.
(٦) قال ابن الملقن: «ورأيت لبعض المتأخرين حكاية قول ثالث وهو أنهما سواء، ولم يعزه لأحد»، والمقنع ١/ ٦٠.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٢، وقول الشافعي: أسنده ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٢، والبيهقي في آداب الشافعي ١٩٥، وابن حبان في المجروحين ١/ ٤١. وانظر: التمهيد ١/ ٧٧.
(٨) ولذلك قال ابن حجر: «واعلم أن الشافعي إنما أطلق على (الموطأ) أفضلية الصحة، بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمنه: كجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، وغير ذلك، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه»، انظر: هدي الساري: ١٠.
[ ١ / ١٠٧ ]
وما ذُكِرَ فِيهِمَا من الضُّعفاءِ كمَطرٍ الورَّاقِ، وبَقِيَّةَ، وابنِ إسحاقَ، ونُعْمَانَ بنِ راشدٍ، لَمْ يذكرْ عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ بَلْ عَلَى سبيل المتابعةِ والاستشهادِ، أَوْ ذُكِرَ لعُلوِّ الإسنادِ، أَوْ هُوَ ضعيفٌ عِنْدَ غيرِهما، ثقةٌ عِنْدَهُما (١).
ولا يُقالُ: الجَرْحُ مُقَدَّمٌ [عَلَى التَّعْدِيلِ] (٢)؛ لأنَّ شَرْطَ قَبولِهِ بيانُ السببِ، حَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ (٣)، عَنِ ابنِ الصلاحِ وأقرَّهُ (٤).
ولكنْ قَالَ شيخُنا في تفضيل البُخَارِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ: إنَّ البُخَارِيَّ يَذكُرُ هؤلاءِ غالبًا في المتابعاتِ، والاستشهاداتِ، والتعليقاتِ بخلافِ مُسْلِمٍ، فإنَّهُ يَذْكُرُهُم كثيرًا في الأصولِ والاحتجاجِ (٥). انتهى.
٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلَّمَا عِنْدَ ابنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ
٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ (٦) أَلفِ أَلْفِ
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ لَهَا وَمَوْقُوْفٍ، وفي البُخَارِي
٢٨ - أَرْبَعَةُ الآلافِ (٧) والمُكَرَّرُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفًا ذَكَرُوا
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي ١/ ٩٧ - ٩٨. وجاءت في حاشية نسخة (ق) تعليقة للعلامة الآلوسي. قال - ﵀ -: «وأيضًا إن الذين انفرد البخاري بهم مِمَّنْ تكلم فيهم أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم فإن الَّذِيْنَ انفرد بهم ممن تكلم فيهم أكثرهم ممن لم يعاصروه وبون الأمرين (كذا) كما لا يخفى».
(٢) المثبت من (م) وقد سقط من أصولنا الخطية.
(٣) التقريب: ٩١.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٥.
(٥) النكت لابن حجر ١/ ٢٨٨.
(٦) في (جـ) والنفائس - بفتح العين -، وما أثبتناه من بقية النسخ وهو الصّواب.
(٧) والمعنى: وأربعة آلاف في صحيح البخاريّ.
[ ١ / ١٠٨ ]
(و) مَعَ كَوْنِ كتابَيْهِمَا أصَحَّ (لَمْ يَعُمَّاهُ) أي: الصَّحِيحَ. أي: لَمْ يستوعِبا فيهما كلَّ صَحِيْحٍ عَلَى شرطِهما فضلًا عَنْ مُطلقِه، كما صرَّحا بِذَلِكَ (١).
فإلزامُ الدَّارَقُطْنِيِّ وغيرِهِ إياهُمَا بأحاديثَ عَلَى شرطِهما ليس بلازمٍ (٢).
(وَلكنْ قَلَّمَا) حديثٌ (عِنْدَ) الحافظِ أبي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بنِ يعقوبَ النَّيْسابوريِّ (٣) (ابْنِ الاخْرَمْ) - بالدَّرجِ وبالخاءِ المعجمة - شيخِ الحاكِمِ، وميمُهُ مدغمةٌ في ميمِ (مِنْهُ) أي: مِنَ الصَّحِيحِ (قَدْ فَاتَهُمَا) في كتابَيْهِمَا (٤).
وحقُّ «قَلَّمَا» أنْ يليَها الفعلُ صريحًا (٥)، لكنَّهُ (٦) أخَّرَهُ للضرورةِ عندهُ، كما قِيلَ بِهِ في قَوْلِ المَرَّارِ (٧) (٨):
صَدَدْتِ (٩) فأَطْوَلْتِ (١٠) الصُّدُودَ (١١) وَقَلَّمَا (١٢) وِصَالٌ عَلَى طُوْلِ الصُّدُودِ (١٣) يَدُوْمُ
_________________
(١) انظر: الكامل لابن عدي ١/ ٢٢٦، وفي أسماء من روى عنهم البخاري من مشايخه (ل٤ - أ)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٨ - ٩، والحازمي في شروط الأئمة الخمسة: ٦٢ - ٦٣، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٣. وهدي الساري ١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢٨.
(٢) في كتابه " الإلزامات " فقد ألزمهما بإخراج سبعين حديثًا، وهو أمر لا يلزمهما لأنهما لم يقصدا استيعاب جميع الصحيح.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٥٢ - ٤٦٠.
(٤) انظر: نكت ابن حجر ١/ ٢٩٨، والمقنع ١/ ٦٢.
(٥) انظر: كتاب سيبويه ٣/ ١١٤ - ١١٥، وقال: «وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم».
(٦) في (ق): «لكن».
(٧) هو أبو حسان المرّار بن سعيد بن حبيب الفقعسي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. انظر: الأعلام ٧/ ١٩٩.
(٨) البيت من شواهد سيبويه، وينسب أيضًا لعمر بن أبي ربيعة. انظر: الكتاب ١/ ٣١، ٣/ ١١٥ (طبعة هارون) مع حاشية محققه. والشاهد فيه: أنه تلا «قلما» الفاعل «وصال»، وكان حقه أن يتأخر بعد الفعل «يدوم»، ولكنه ورد ضرورةً.
(٩) المثبت من (ص) و(ع) و(ق)، وفي (م): «صدرت»، خطأ.
(١٠) في (ق): «وأطولت».
(١١) المثبت من (ص) و(ع) و(ق) وفي (م): «الصدور».
(١٢) المثبت من (ق) و(ص) وفي (ع): «فقلما». وفي (م): «قلما».
(١٣) المثبت من (ع) و(ص) وفي (ق): «الزمان». وفي (م): «الصدور».
[ ١ / ١٠٩ ]
فـ «مَا» كافةٌ إن وُصِلَت بـ «قلَّ» كَمَا تَقَرَّرَ، وَفِي نسخةٍ فصلُها عَنْهَا، فهي موصولةٌ، وَهِيَ (١) أولى لسلامتِها مِمَّا (٢) مرَّ (٣).
(وَرُدَّ) أي: ردَّهُ (٤) ابنُ الصلاحِ بأنَّ ذَلِكَ كثيرٌ لا قليلٌ، كما يُعلم (٥) مِنْ (٦) «مستدرَكِ» الحاكمِ عَلَيْهِمَا (٧).
(لكِنْ قَالَ) الشَّيْخُ (٨) (يحيى) النَّوَوِيُّ (البَرُّ) أي: المُحْسِنُ في جميعِ أعمالِ البِرِّ، بَعْدَ تصحيحِه لما قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ:
وَالصَّوَابُ أنَّهُ (لَمْ يَفُتِ) الأصولَ (الخَمْسةَ): الصَّحِيْحَيْنِ، وسننَ أبي دَاوُدَ، والترمذيَّ، والنسائيَّ (إلاَّ النَّزْرُ) أي: القليلُ (٩).
_________________
(١) في (ص) و(ع): «وهذه».
(٢) في (ع) حاشية نصها: «وهذه أولى أي كونها موصولة الخ، فيه نظر؛ إذ يلزم عليه الفصل بين الموصول وصلته بأجنبي وهو ابن الأخرم».
(٣) من قوله: فـ «مَا» كافة إلى قوله: «أولى لسلامتها ممّا مرّ». سقط من (ق).
(٤) «رده»: ساقطة من (ق).
(٥) في (ع) و(ق): «علم».
(٦) في (ق): «في».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٤.
(٨) بعد هذا في (ق) و(ع) و(م): «محيي الدين»، ولم يرد في (ص). وهو الصواب لما ورد عنه -﵀-، أنه قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين. وهو إنما كره هذا اللقب؛ لتواضعه الكبير وأدبه العالي -﵀ -.
(٩) التقريب: ٣٤، وانظر: النكت لابن حجر ١/ ٢٩٨، قلنا: سنن ابن ماجه لم يدخل مع الأصول إلا بعد وقت متأخر، وأول من ضمها الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في أطرافه، وفي كتاب " شروط الأئمة الستة "، وتابعه عليه الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه " الكمال في أسماء الرجال " وهو الذي هذّبه المزي، ولعل السبب في إدخاله مع بقية الأصول كثرة زوائده على بقية الكتب الخمسة، وقرب طريقته إليها. وانظر: نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧. وبعضهم سدّس بالموطأ كرزين العبدري صاحب " تجريد الصحاح "، وابن الأثير في " جامع الأصول "، ومنهم من يجعل سنن الدارمي سادسًا.
[ ١ / ١١٠ ]
(وفِيْهِ) أي: فِي كلامِ النَّوَوِيِّ (مَا فِيْهِ) أي: ضَعْفٌ ظاهرٌ (لِقَولِ الجُعْفِي) أي: البُخَارِيِّ، نسبةً لجدِّ أبيهِ المغيرةِ، لكونِه مَوْلى ليمانٍ الجعفيِّ، والي (١) «بُخارى» (٢): (أَحْفَظُ مِنْهُ) أي: من الصحيحِ (عُشْرَ أَلْفِ ألْفِ) حَدِيثٍ أي: مئةَ ألفٍ كما عَبَّر بها (٣) حَيْثُ قَالَ: «أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ» (٤).
والأصولُ الخمسةُ فضلًا عَنْ " الصحيحينِ " أقلُّ من ذَلِكَ بكثيرٍ؛ ففاتَهما كثيرٌ.
(وعَلَّهُ) لغة في «لَعَلَّ» (٥) أي: وَلَعَلَّ البُخَارِيَّ (أراد) بلوغَ ما حَفِظَهُ من الأحاديثِ العددَ المذكورَ (بالتَّكْرارِ لَها، وَمَوْقُوفٍ) أي: بَعْدَ المُكَرَّرِ والموقوفِ منها.
أي: وما أُلْحِقَ بِهِ من آثارِ الصَّحَابَة، وغيرِهم مَعَ غيرِ المُكَرَّرِ؛ فلا (٦) ينافي كلامَهُ كلامَي ابنِ الأخرمِ والنوويِّ (٧).
عَلَى أَنَّ شيخَنا قَالَ (٨): والظاهرُ أنَّ ابنَ الأخْرَم إنّما أرادَ ما فاتَهُمَا مِمَّا عَرَفاهُ، واطَّلَعا عَلَيْهِ مِمَّا يبلُغُ شرطَهما لا بقيدِ كتابَيْهما، كما فَهِمَهُ ابنُ الصَّلاحِ.
قَالَ: وقولُ النوويِّ: «لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ إلاّ القليلُ» مُرادُه من أحاديثِ الأحكامِ خاصَّةً، أما غيرُها فكثيرٌ (٩).
_________________
(١) أي: حاكم بخارى.
(٢) في (م): «بخارا»، وهي من بلاد ما وراء النهر، مدينة قديمة مشهورة ببساتينها. انظر: معجم البلدان ١/ ٣٥٣، ومراصد الاطلاع ١/ ١٦٩.
(٣) سقطت كلمة «بها» من (ق).
(٤) أسنده إليه ابن عدي في الكامل ١/ ٢٢٦ طبعة أبي سنة، والخطيب البغدادي في تاريخه ٢/ ٢٥، والحازمي في شروط الأئمة الخمسة ٦١، وابن نقطة في التقييد ٣٣، وانظر معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٠.
(٥) في (ع) و(ق): «لعل»، وفي (ص) و(م): «لعله». وانظر: الصحاح ٥/ ١٨١٥.
(٦) في (ص): «لا».
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٠.
(٨) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٢٩٨.
(٩) المصدر السابق.
[ ١ / ١١١ ]
ثُمَّ بيَّنَ الناظِمُ عِدَّةَ أحاديثِ " صَحِيْحِ (١) البُخَارِيِّ " بقولِهِ: (وفي) صحيحِ (البُخَارِي) منها بغيرِ تكرارٍ: (أربعةُ الآلافِ، والمكرَّرُ) منها (فوقَ ثلاثةٍ أُلُوفًا) - بنصبِهِ تمييزًا -، يعني: ثلاثةَ آلافٍ ومئتينِ، وخمسةً وسبعينَ حديثًا عَلَى ما (ذَكَرُوا) أي: جماعةٌ من رُواتِه (٢).
فجملةُ مَا فِيهِ مِنَ المُكَرَّر وَغَيْرِهِ: سبعةُ آلافٍ ومئتانِ وخمسةٌ وسبعونَ. كَذَا جزمَ بِهِ ابنُ الصلاح (٣)، وَمُخْتَصِرُو كلامِهِ (٤).
قَالَ النَّاظِمُ (٥): «هُوَ مسلَّمٌ في رِوَايَة الفِرَبْرِيِّ (٦)، وأما رِوايةُ حمادِ بنِ شاكرٍ، فهي دونَها بمئتي حديثٍ، ودونَ هذِهِ بمئةِ حديثٍ روايةُ إِبْرَاهِيمَ بنِ معقلٍ» (٧).
وردَّهُ شيخُنا بأنَّ عِدَّةَ أحاديثِ البُخَارِيِّ في رِوَايَةِ (٨) الثلاثةِ سواءٌ، وإنما حصلَ الاشتباهُ من جهةِ أنَّ الأَخِيْرَيْنِ فاتَهما من سَماعِ " الصَّحِيحِ " عَلَى البُخَارِيِّ ما ذُكِرَ من آخرِ الكتابِ فرويَاهُ بالإجازةِ؛ فالنَّقْصُ إنَّما هُوَ في السَّماعِ، لا في الكِتَابِ (٩).
_________________
(١) كلمة «صحيح»: سقطت من (ع).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥.
(٤) انظر: الإرشاد ١/ ١٢٠ - ١٢١، اختصار علوم الحديث: ٢٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣١.
(٦) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر الفربريّ، راوي الجامع الصحيح عن البخاري توفي سنة (٣٢٠ هـ). قال صاحب الأنساب ٤/ ٣٣٤ عن الفربريّ: «بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة وبعدها راء أخرى. هذه النسبة إلى فربر، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى»، ومثل هذا في وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٠. وفي التاج ١٣/ ٣١١: =
[ ١ / ١١٢ ]
قَالَ: «والذي تحرَّرَ لي أنَّها بالمُكَرَّرِ - سوى المعلَّقاتِ، والمتابعاتِ، والموقوفاتِ، والمقطوعاتِ - سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعةٌ وتسعونَ حديثًا.
وبغيرِ المكَرَّرِ مِنَ المُتُونِ الموصُولَةِ ألفَانِ وستُّ مئةٍ وحَدِيْثَانِ، ومِنَ المُتُونِ المعلَّقةِ المرفوعةِ التي لَمْ يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ مِنْهُ: مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ.
فمجموعُ غيرِ المكرّرِ ألفانِ وسبعُ مئةٍ وواحدٌ وستون» (١).
قَالَ النَّاظِمُ: «ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ عِدَّةَ أحاديثِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ذكرَ النَّوَوِيُّ أنَّهَا نحوُ: أربعةِ آلافٍ بإسقاطِ المُكَرَّرِ» (٢).
ولم يذكُرْ عدَّتَها بالمكرّرِ، وَهِيَ تزيدُ عَلَى عِدَّةِ كتابِ البُخَارِيِّ، لكَثْرةِ طُرُقِهِ.
قَالَ: «ورأيتُ عَنْ أبِي الفضلِ أَحْمَدَ بنِ سَلَمَةَ (٣): أنَّهَا اثنا عَشَرَ ألفًا».
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ - بَعْدَ نقلِهِ كلامَ ابنِ سَلَمَةَ -: «وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ المَيَانَجِيُّ (٤): إنَّها ثمانيةُ آلافٍ» (٥).
قَالَ: «ولعلَّ هَذَا أقربُ» (٦).
قَالَ شَيْخُنا: «وقولُ الناظِمِ: «وفي البُخاري إلى آخرهِ» جعلَهُ فائدةً
مستقلةً (٧) زائدةً، وليس مرادًا لابنِ الصَّلاحِ. بَلْ هُوَ تَتِمّةُ ردِّهِ لكلامِ ابنِ الأخرمِ؛ بمعنى
_________________
(١) = «فربر، كسبحل، وضبط بالفتح أيضًا، وذكر الحافظ في التبصير الوجهين»، وبالوجهين في سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٢، ومعجم البلدان ٤/ ٢٤٥.
(٢) انظر: هدي الساري: ٤٦٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٩٦، والنكت الوفية: ٢٨/ أ، وقد قام محمد فؤاد عبد الباقي بترقيم كتب صحيح البخاري، وأبوابه وأحاديثه؛ فبلغ عدد الأحاديث سبعة آلاف وخمس مئة وثلاثة وستين حديثًا.
(٣) في (ص): «روايات».
(٤) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٥) هدي الساري: ٤٦٩، وتدريب الراوي ١/ ١٠٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣١.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٧٣.
(٨) هكذا في جميع النسخ الخطية و(م)، ومثله في بعض مصادر ترجمته، وفي (ع) حاشية تؤكد ذلك نصها: «قوله: «الميانجي» بالفتح والتحتية وفتح النون وجيم: نسبة إلى ميانج موضع بالشام، وإلى ميانه بلد بأذربيجان. هـ. أنساب، والمراد هنا الأول». وانظر: الأنساب ٥/ ٣٢٠، واللباب ٣/ ٢٧٨، ومعجم البلدان ٥/ ٢٤٠، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٣٤١. وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النزهة: ٤٩ إلى ميانج، وتابعه شرّاح النزهة على ذلك. انظر مثلًا: شرح عليّ القاري: ١١. وفي بعض مصادر ترجمته: «المَيّانِشي». انظر: معجم البلدان ٥/ ٢٣٩، والعبر ٤/ ٢٤٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ١٩٠، وتاج العروس ١٧/ ٣٩٢.
(٩) انظر: ما لا يسع المحدث جهله: ٢٧، وتدريب الراوي ١/ ١٠٤، وشرح الألفية: ١١٠.
(١٠) النكت للزركشي ١/ ١٩١.
(١١) سقطت من (ق).
[ ١ / ١١٣ ]
أنَّ كلامَهُ يَردُّ بأنَّ مَا فَاتَ البخاريَّ ومسلمًا أكثرُ مِمَّا خَرَّجاهُ، لقولِ البخاريِّ: «أحفظُ مِنْهُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ» (١) وليس في كتابهِ بالنسبةِ إليها إلا القليلُ: فإنَّ جميعَ ما فِيهِ بغيرِ تكرارٍ أربعةُ آلافٍ، وبالتكرارِ نحوُ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يَكُونُ فِيهِ نَحْو ذَلِكَ كما مَرَّ، ففاتهما كثيرٌ لا قليلٌ (٢).
أما أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُطلقًا فابنُ جُريجٍ بمكّةَ (٣)، ومالكٌ وابنُ أبي ذِئْبٍ بالمدينةِ، والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوْبةَ، والربيعُ بنُ صَبِيْحٍ، وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ بالبصرةِ، ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ، وخالدُ بنُ جَمِيْلٍ باليمنِ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ بالرَّيِّ، وابنُ المباركِ بخراسانَ (٤).
وهؤلاء في عصرٍ واحدٍ فلا يُدرَى أيُّهم أسبقُ، ذكرَهُ شيخُنا كالناظم (٥).
الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ
وإنْ لَمْ يَكُن عَلَى شرطِهما:
٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصّْ صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنَّفٍ يُخَصّْ
٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِيْ (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ
٣١ - عَلى تَسَاهُلٍ - وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ
٣٢ - بِعِلَّةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما
(وَخُذْ) بَعْدَ معرفتِك أن مؤلِّفَيْهِما لَمْ يستوعِباه (زِيادةَ الصَّحِيحِ إذْ) أي: حيثُ (تُنَصّْ) أي: تُرفَعُ (صِحَّتُهُ) بأنْ يَنُصَّ عليها إمامٌ معتمَدٌ كأبي داودَ، والتِّرمذيِّ،
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥، وانظر: النكت للزركشي ١/ ١٨٨ - ١٨٩، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٦.
(٢) النكت لابن حجر ١/ ٢٩٨.
(٣) قال الخطيب في الجامع ٢/ ٢٨١: «واختلف في المبتدئ بتصانيف الكتب، والسابق إلى ذلك، فقيل: هو سعيد بن أبي عروبة، وقيل: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج».
(٤) انظر: الجامع ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ وما بعدها، والمحدث الفاصل: ٦١١ - ٦١٣.
(٥) هدي الساري: ٦.
[ ١ / ١١٤ ]
والنَّسائيِّ، والدَّارَقُطْنِيِّ، والخَطَّابيِّ، والبيهقيِّ في مصنَّفاتِهم الشَّهِيرةِ أَوْ في غيرِها (١)، وصحَّ الطريقُ إليهم.
أَوْ ينصَّ عَليْهَا حينئذٍ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُ تصنيفٌ مِنَ الأئِمةِ، كيحيى بنِ سعيدِ القَطَّانِ، وابنِ مَعِينٍ؛ خِلافًا لابنِ الصَّلاحِ حيثُ قَيَّدَ بالمصنفاتِ الشهيرةِ بناءً عَلَى مَا ذهبَ إِليهِ من أَنهُ ليسَ لأحدٍ في هذِهِ الأَعْصارِ أن يُصَحِّحَ الأحاديثَ، كَمَا سيأتي.
وإنما تَبِعَهُ النوويُّ في التَّقْييدِ هُنا (٢) بذلكَ اكتِفاءً بما صحَّحَهُ بَعْدُ مِنْ أنَّ لَهُ ذَلِكَ، فلتؤخذ زيادةُ الصحيحِ من جَمِيْع ذَلِكَ (٣).
(أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ) - بِفَتحِ النُّونِ - (يُخَصّْ بجمْعِهِ) أي: الصَّحِيحَ، (نَحْوَ) صحيحِ الإمامِ مُحَمَّدٍ أبي حاتِمِ (ابنِ حِبَّانَ) - بكسر الحاء -، البُسْتيِّ (الزَّكِيْ) أي: الزاكي. سُمِّي بِهِ لنموِّهِ في الصفاتِ الجميلةِ، ومُصَنَّفُهُ مُسَمًّى بـ: "التقَاسِيمِ والأنواعِ" (٤).
(و) نحوَ صحيحِ الإمامِ مُحَمَّدِ أبي بكرٍ (ابنِ) إسحاقَ بنِ (خُزَيْمَةَ) شيخِ ابنِ حِبَّانَ (٥).
(وَكَالمُسْتَدْرَكِ) عَلَى " الصَّحيحينِ " مِمّا فاتَهُما للحاكِمِ أبي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ االنَّيْسَابوريِّ حالةَ كونِهِ (٦) (عَلَى تَساهُلٍ) مِنْهُ فِيهِ بإدخالِهِ فِيهِ عدَّةَ أحاديثَ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٢.
(٢) في (ق): «هناك».
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠، وتدريب الراوي ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٤) صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد، ولهذا سماه " التقاسيم والأنواع "، وسببه أنه كان عارفًا بالكلام والنحو والفلسفة، والكشف من كتابه عسر جدًا، وقد رتبه بعض المتأخرين وهو الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي وسمى ترتيبه " الإحسان في تقريب ابن حبان ". وهو مرتب على الأبواب وقد طبع بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط، وعمل له الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافًا وجرد الحافظ أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين في مجلد وسماه " موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " وقد طبع بتحقيق السيد أحمد عبد الرزاق.
(٥) صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان، لشدة تحريه، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا ونحو ذلك. انظر: التدريب ١/ ١٠٩.
(٦) في (ق): «حال كونه».
[ ١ / ١١٥ ]
ضعافٍ وموضوعاتٍ إمَّا لأنَّهُ لَمْ يتيسَّرْ لَهُ تحرِيرُهُ، أَوْ لأنَّهُ صنَّفَهُ أواخرَ عُمُرِهِ، وَقَدْ تغيَّر حالُه، أَوْ لغيرِ ذَلِكَ (١).
وبالجُمْلَةِ فَهُوَ معروفٌ عِنْدَ أهلِ العِلمِ بالتَّساهُلِ في التصحيحِ (٢).
(وَ) لهذا (قَالَ) ابنُ الصلاحِ: (ما انفردْ) أي: الحاكمُ (بِهِ) أي: بتصحيحِهِ لا بتخرِيجِهِ فقط، ولا مَا شَارَكَهُ (٣) غيرُهُ في تصحيحِهِ (فَذاكَ) إن لَمْ يَكُن صَحيحًا، فَهُوَ (حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ) - بتشديدِ الدالِ - (بـ) ظهورِ (عِلَّةٍ) توجبُ ضَعْفَهُ (٤).
فابنُ الصَّلاحِ جَعَلَ ما انْفردَ الحاكمُ بتصْحِيحِهِ، ولمْ يكن مَردودًا، دائرًا بَيْنَ الصَّحِيحِ والحسَنِ، احتياطًا، لا حَسَنًا مُطلقًا، كما اقْتَضاهُ النَّظمُ، وإن جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وغيرُه مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تحكُّمًا (٥).
ويُمكِنُ تصحيحُ ذَلِكَ بأنْ يقالَ: إنَّه حَسَنٌ في الحُكْمِ مِن حيثُ الحجِّيَّةُ، وإنْ لَمْ يَتَميَّزْ فِيهِ الصَّحيحُ من الحسَنِ اصطلاحًا.
ثُمَّ بَيَّنَ الناظمُ تحريرَ ذَلِكَ فَقَالَ: (والحقُّ أَنْ) يُتَتَبَّعَ (٦) كتابُهُ بالكشفِ عَنْهُ (٧)
_________________
(١) وقد طبع عدّة طبعات: كلها سقيمة، وهو بحاجة إلى طبعةٍ علميةٍ محققةٍ مدققةٍ تضبط بها أسانيده، ويحكم فيها على متونه بما يليق بها، فإنّ الحاكم أبا عبد الله النيسابوري زعم أنّه استدرك أحاديث على الشيخين، وفيه بلايا من الموضوعات والمنكرات الشنيعات، قال الإمام الذهبي في السير ١٧/ ١٧٥: «في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل؛ فإنّ في كثيرٍ من ذَلِكَ أحاديث في الظاهر عَلَى شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل ضعيفة مؤثرة، وقطعة من الكِتَاب: إسنادها صالح وحسنٌ، وجيّد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكِتَاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذَلِكَ أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قَدْ أفردت مِنْهَا جزءً». وانظر: النكت لابن حجر ١/ ٣١٢ وما بعدها.
(٢) في (ق): «بالصحيح».
(٣) في (ص): «شاركه فيه».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٤، والتدريب ١/ ١٠٧.
(٦) في (ق): «يتبع» خطأ.
(٧) وهذا هو الحقّ؛ فإنّ الحاكم كثير الأوهام، سريع الأحكام في كتابه المستدرك؛ فقد صحّح عددًا من الأحاديث الموضوعة بما لا يخفى على أدنى باحث عدم صحتها. قال الذهبي في السير ١٧/ ١٧٥: «وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء». =
[ ١ / ١١٦ ]
و(يُحْكَمْ) (١) بالجزمِ في لغةٍ أَوْ بالإخفاءِ فيما يأتي عَلَى كُلِّ حديثٍ غيرِ مردودٍ (بما يَليقُ) بِهِ من الصِّحَّةِ، أَوْ الحُسْنِ، أَوْ الضَّعْفِ.
ولما كَانَ رأيُ ابنِ الصلاحِ؛ أنَّه ليسَ لأحدٍ فِي هذِهِ الأعصارِ أَنْ يصحِّحَ حديثًا، قُطِعَ النظرُ عَنْ تتبُّعِ ذَلِكَ (٢).
(و) ابنُ حِبَّانَ (البُسْتيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنِيَّةِ الوقفِ، وبِضمِّ الموحدةِ - نسبةً إلى «بُسْتَ» (٣) مدينةٍ ببلادِ (٤) كابُلَ (٥) (يُداني) أي: يُقاربُ (الحاكِمَا)
- بألفِ الإطلاقِ - في التَّساهُلِ، وإنْ شرطَ في كتابِه ما يقتضي أنَّه لا يتساهَلُ، فَهُوَ أخفُّ تساهلًا من الحاكمِ (٦).
قَالَ الحافظُ أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ (٧) بنُ مُوسَى الحازميُّ: «ابنُ حِبَّانَ أمكنُ في الحديثِ من الحاكمِ» (٨).
وعلى كُلِّ حالٍ لابُدَّ من تتبُّعِ كتابِهِ للتمييزِ أَيْضًا.
_________________
(١) = قلنا: حديث الطير، أخرجه الترمذي في الجامع ٦/ ٨٤ (٣٧٢١)، وفي علله الكبير (٦٩٨) وأبو يعلى في مسنده ٧/ ١٠٥ رقم (٤٠٥٢)، والحاكم في المستدرك ٣/ ١٣٠ - ١٣١. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السّدّيّ إلا من هذا الوجه».
(٢) بعد هذا في (م): «أي يقضى بكل منها». ولم ترد في شيء من أصولنا الخطية.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٥.
(٤) انظر: معجم البلدان ١/ ٤١٤.
(٥) في (ع): «من بلاد».
(٦) بضم الباء الموحدة. معجم البلدان ٤/ ٤٢٦، وانظر: الأنساب: ٥٦٠.
(٧) ابن حبّان محدّثٌ جهبذٌ، واسع الاطلاع كثيرًا، وما نقم عليه من تساهل إنّما هو بسبب توثيقه للمجاهيل، فإن الأصل في الراوي عند ابن حبان العدالة، والجرح طارئ؛ فعلى هَذَا وثّق كثيرًا من المجاهيل. انظر على سبيل المثال: الثّقات ٤/ ٣١٨ و٦/ ١٤٦ و١٦٨ و١٧٨، وأخرج لهم في صحيحه ممّا أدّى إلى انتقاده ووصفه بالتساهل، وكتابه: " المجروحين " يدلّ على رسوخ قدمه وعمق نظره وتضلعه في علل الحديث الذي هو رأس علم الحديث.
(٨) «محمد»: لم ترد في (ص).
(٩) شروط الأئمة الخمسة: ٤٤.
[ ١ / ١١٧ ]
الْمُسْتَخْرَجَاتُ
٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ
٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا إذْ خَالَفتْ لَفْظًا وَمَعْنىً رُبَّمَا
٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ (١) فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقيْ وَمَنْ عَزَا وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِيْ مَيَّزَا
المستخرجاتُ جمعُ مُسْتَخْرَجٍ، وَهُوَ مُشْتقٌّ مِنَ الاستخراجِ، وَهُوَ: أَنْ يأتيَ (٢) حافظٌ إلى " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ " - مثلًا - فيوردُ أحاديثَهُ بأسانيدَ لنفسِهِ من غيرِ طَريقِ البُخَارِيِّ إلى أَنْ يلتقي مَعَهُ في شيخِهِ، أَوْ في مَنْ فَوقَهُ (٣).
قَالَ شيخُنا: «وَشَرْطُهُ: أن لا يصِلَ إلى شيخٍ أبعدَ مَعَ وجودِ سَندٍ يُوصِلُهُ إلى الأقربِ إلا لغرضٍ من عُلُوٍّ (٤) أَوْ زيادةِ حكمٍ، أَوْ نحوِهِ، وإلاَّ فَلا يُسَمَّى مُسْتَخْرَجًا» (٥).
(واسْتَخْرَجُوا) أي: جمعٌ من الحُفَّاظِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لكُلٍّ من البُخَارِيِّ، ومسلمٍ بقرينةِ ما يأتي، وإنْ لَمْ يختصَّ الاستخراجُ بهما، بَلْ ولا بالصحيحِ.
والمخرِّجُونَ علِيهما أَوْ عَلَى أحدِهما كثيرٌ (كأبِي عَوَانَةٍ) - بالصرف
للوزن - يعقوبَ بنِ إسحاقَ الإسْفَرَايِيْنيِّ (٦)، استخرجَ عَلَى " صَحِيْحِ مُسْلِمٍ " (٧).
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ج): «يزيد».
(٢) في (ع): «يأتي إمام».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦، والتدريب ١/ ١١٢، ونكت الزَّرْكَشِيّ١/ ٢٢٩.
(٤) في (م): «علو سندًا».
(٥) في (ع) و(ق): «استخراجًا». وانظر: تدريب الراوي ١/ ١١٢.
(٦) هو الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني، رحل في طلب العلم، وطوّف بالدنيا وعني بهذا الشأن، توفي سنة (٣١٦ هـ). وفيات الأعيان ٦/ ٣٩٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٧٧٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٤٨٧.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ١ / ١١٨ ]
(ونحوِهِ) هَذَا عُلِمَ (١) مِنَ الكَافِ - أي: ونحوِ أبي عَوَانَةَ كأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ إسماعيلَ (٢)، استخرج عَلَى " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ ".
وكأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البَرْقَانيِّ (٣)، وأبي نُعَيمٍ الأصفهانيِّ (٤)، استخرجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى " الصَّحِيْحَيْنِ ".
والمخرِّجُونَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَلتزموا لفظَهما، بَلْ رَوَوْهُما بالألفاظِ التي وَقَعتْ لَهُم عَنْ شيوخِهم (٥).
(و) لهذا قَالَ: كَغيرِهِ للناقلِ مِنَ المُستخرَجاتِ عَلَيْهِمَا: (اجْتَنِبِ) وجوبًا (عَزْوَكَ) أي: نِسْبَتَك (ألفاظَ المُتُونِ) أي: الأحاديثَ التي تنقلُها منها. (لَهُمَا) حيثُ توردُها للحُجَّةِ، كما في المُصنَّف عَلَى أبواب الأحكامِ لا عَلَى غيرها (٦) كالمعاجمِ والمشيخاتِ نَقَلَهُ شيخُنا عَنْ ابنِ دقيقِ العيدِ وأَقَرَّهُ (٧) فَلا تقلْ: أَخْرجَهُ الشيخانِ بهذا اللّفظِ إلاَّ بَعْدَ مُقابلَتِهِ، أَوْ تصريحِ المخرِّج بِهِ (٨).
(إذْ) قَدْ (خَالَفَتْ) أي: المستخرجاتُ " الصحيحينِ " لفظًا كثيرًا لتقيُّدِ مخرِّجيهما بألفاظِ رواتِهم، كَما مَرَّ، (وَمَعْنًى) غيرَ منافٍ قليلًا (ربَّما).
_________________
(١) في نسخة (ق) تعليقة للعلامة الآلوسي قال فيها: «أقول يمكن أن يقال هو معطوف على الصحيح لا على أبي عوانة فلا إشكال بل هو أولى ليفيد أنه كما يجوز الاستخراج على الصحيح يجوز على غيره».
(٢) هو الإمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني توفي سنة (٣٧١ هـ). تاريخ جرجان: ١٠٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٧.
(٣) هو الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي، المعروف بالبرقاني الشافعي توفي سنة (٤٢٥ هـ). تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٣، والأنساب ١/ ٣٣٧، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٤.
(٤) في (ص) و(م): «الأصبهاني»، وكلاهما صحيح. وهو الحافظ الكبير محدث عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصوفي ولد سنة (٣٣٦ هـ) سمع ولقي العديد من المشايخ، وتفرد في الدنيا بإجازات توفي سنة (٤٣٠ هـ). المنتظم ٨/ ١٠٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٢، وشذرات الذهب ٣/ ٢٤٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧.
(٦) في النسخ: «غيرها»، وفي (م): «غيرهما».
(٧) النكت لابن حجر ١/ ٣١١.
(٨) انظر: المقنع ١/ ٧١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧، والتدريب ١/ ١١٢ - ١١٣.
[ ١ / ١١٩ ]
فـ «رُبَّما» داخلةٌ عَلَى (خَالَفَتْ) أي: رُبَّمَا خالفتهما لفظًا ومَعْنًى، وَهِيَ تستعملُ تارةً للتكثيرِ، وتارةً للتقليلِ بناءً عَلَى الأصحِّ أنَّها لا تَخْتَصُّ بأحدِهِما، وَقَدْ استُعملَتْ هنا فِيْهِمَا معًا كَمَا تَقرَّرَ (١)، فَهُوَ من استعمالِ المشْتَركِ في مَعنَيَيْهِ، وإنْ كَانَ الشارحُ جَعلَها مستعلمةً في الثَّاني فَقَطْ (٢).
والمُتونُ: جمعُ «مَتْنٍ» مِنَ المُمَاتَنَةِ، وَهِيَ: المبَاعدةُ في الغايةِ (٣)؛ لأنَّ المتنَ غايةُ السَّندِ.
أو مِنَ المتْنِ، وَهُوَ: ما صلُبَ وارتفعَ مِنَ الأرضِ (٤)؛ لأنَّ راوِي الحَدِيثِ يقوِّيهِ بالسَّندِ، وَيَرفعُه بِهِ (٥) إلى قائِلِه.
(وَمَا تَزِيْدُ) - بالمثناةِ فوقُ أَوْ تحتُ - أي: المستَخْرَجاتُ، أَوْ المستَخْرجُ من تتمَّةِ كلامٍ، أَوْ زيادةِ شرحٍ لحديثٍ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ، وَوُجِدَتْ شروطُ الصِّحَّةِ في رُواةِ المخرِّجِ (فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ) (٦)، ثُمَّ أشارَ إلى فوائدِ الاستخراجِ، فقال:
(فَهُوَ) أي: ما يُزادُ (مَعَ العُلُوِّ) أي: علوِّ الإسْنادِ الذي هُوَ جلُّ قصدِ المخرِّجينَ (من فائدتِهْ) وزادَ لفظةَ «مِنْ» ليفيدَ أنَّ لَهُ فوائدَ أُخرَ، منها: القوَّةُ بكَثْرَةِ الطُّرُقِ للتَّرْجِيحِ عِنْدَ المعارضةِ (٧)، ومنها:
١ - تسميةُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ (٨).
_________________
(١) انظر عن (ربّ): اللسان ١/ ١٩٩، ومغني اللبيب: ١٧٩.
(٢) انظر: الفصول ١/ ٧٦، والبحر المحيط ٢/ ١٢٧.
(٣) الصحاح ٦/ ٢٢٠٠، واللسان ١٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٤) الصحاح ٦/ ٢٢٠٠، واللسان ١٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٥) «به»: سقطت من (ع).
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٧ - ١٣٨ والتعليق عليه.
(٧) انظر: الإرشاد ١/ ١٢٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٨ - ١٣٩، والمقنع ١/ ٧١ - ٧٢.
(٨) المبهم: هو من أبهم ذكره في الحديث من الرجال والنساء، أو: من ذكر بوصف غير دال على ذات معينة. ويقع في المتن والإسناد، مثل جاء رجل، أو عن ابن عم لي، وهكذا. أما المهمل: هو أن يذكر الراوي اسمه من غير نسبة تميزه، وأكثر ما يقع في الإسناد، كأن يكون للراوي أكثر من شيخ يسمى (محمدًا)، فيروي قائلًا: حدثنا محمد. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٧، والشذا الفياح ٢/ ٧٠٣، وتدريب الراوي ٢/ ٣٤٢، وشرح شرح النخبة: ٧١.
[ ١ / ١٢٠ ]
٢ - والتصريحُ بالمدَلِّس.
٣ - واتِّصَالُ المُرْسَل.
٤ - ووصلُ المعلَّق (١).
ومثالُ العلوِّ: أنَّ أبا نُعيمٍ الأصبهانيَّ (٢) - مثلًا - لَوْ رَوى حديثًا عَنْ عبدِ الرَّزاق من طريقِ البخاريِّ - مثلًا - لَمْ يصلْ إِليهِ إلاَّ بأربعةٍ، اثنانِ بينَهُ وبين البخاريِّ، والبخاريُّ (٣) وشيخُهُ.
وإذا رواهُ عَنِ الطَبرانيِّ، عَنْ إسحاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيِّ -بفتحِ الموحَّدةِ- عَنْهُ، وصلَ إِليهِ باثنينِ فَقَطْ.
وأشارَ إلى جَوابِ سؤالٍ بقولِهِ: (وَالأَصْلَ) - بالنصبِ - بقوله: (يَعْني) الإمامُ أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الحُسَينِ (البَيْهَقِيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لنيةِ الوقفِ - نِسْبةً
لـ «بَيْهَقَ» قرىً مجتمعةٍ بنواحي نَيْسَابورَ - في " السُّننِ الكُبرى "، و" المعرفَةِ "، وغيرِهما (وَمَنْ عَزَا) أي: نَسَبَ للشيخينِ، أَوْ أحدِهما، كالإمامِ أبي مُحَمَّدٍ الحُسَينِ بنِ مسعودٍ البَغَوِيِّ، في " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
كأنَّه قِيلَ: فالبَيْهَقِيُّ، والبَغَوِيُّ، وغيرُهما يَرْوونَ الحديثَ بأسانِيدِهم، ثُمَّ يعزونَهُ للشيخينِ أَوْ أحدِهما، مَعَ اختلافِ اللفظِ، أَوْ المعنى (٤).
فأجابَ: بأنَّهم إنَّما عَنَوْا بعَزْوِهم أَصْلَ (٥) الحديثِ، لا عزوَ ألفاظِهِ (٦).
_________________
(١) ولمعرفة المزيد من فوائد المستخرجات انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٣٢١ - ٣٢٣، والبحر الذي زخر (٣/ ٨٩٨ - ٩٠٣) ومقدمة تحفة الأحوذي ١/ ٦٩، وتدريب الراوي ١/ ١١٥ - ١١٦، والتقييد والإيضاح ٣١ - ٣٢، وتوضيح الأفكار ١/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) في (ق): «الأصفهاني»، وكلاهما جائز كما تقدم.
(٣) «البخاري» لم ترد في (ص).
(٤) البيهقي والبغوي يكثران من العزو إلى البخاري ومسلم، أو أحدهما، وكثيرًا من الأحيان يخالف لفظهما لفظ الصحيحين، أو يكون الاختلاف في الألفاظ تطويلًا واختصارًا، وهما إنّما يريدان: أنّ أصل الحديث في الصحيحين لا لفظه؛ لأنّ البيهقي والبغوي إنّما يذكران ألفاظهما عن شيوخهما. ولقد أخطأ الشيخ الهيتي بهجت أبو الطيب خطأً كبيرًا بتخريجه أحاديث السنن الصغرى من الكبرى، وخالف في ذلك منهج المحدّثين، وأتى بشيء جديد لم يسبق إليه.
(٥) المثبت من أصولنا، وفي (م): «أهل» خطأ.
(٦) انظر: النكت الوفية (٣٦ / أ)، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٣٩.
[ ١ / ١٢١ ]
(وَلَيْتَ إذْ زَادَ) الحافظُ أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أبي نَصْرٍ (الحُمَيديْ) (١)
- بالإسكانِ للوزنِ، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ، وبالتَّصْغِيرِ - نسبةً لجدِّهِ الأعلى: حُمَيْدٍ الأندلسيِّ في كتابهِ " الجمعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ " ألفاظًا (٢) (مَيَّزا) أي: ليتَهُ ميَّزَها عَنْ ألفاظِ
" الصَّحِيحِ " في جَمِيْعِ كِتابهِ، وإلا فَقَدْ مَيَّزَ في الأكثر مِنْه، بَلْ قِيلَ: في جَميعِهِ (٣).
فيقول بَعْدَ إيرادِهِ الحديثَ: اقْتَصَرَ مِنْهُ البُخَارِيُّ - مَثلًا - عَلَى كَذَا، أَوْ زادَ فِيهِ فُلاَنٌ كَذَا، أَوْ نحوُ ذَلِكَ.
وَقَدْ لا يُمَيِّزُ فينقلُ مَنْ لا يُمَيِّزُ (٤) بعضَ ما يجِدُهُ فِيهِ عَنِ " الصَّحِيْحَيْنِ "، أَوْ أحدِهما، وَهُوَ مخطئٌ، لكونِه زيادةً ليْسَتْ في واحدٍ منهما.
أما الجمعُ بينهما لعبدِ الحقِّ (٥) ومختصراتُهما، فلَكَ أن تعزوَ منها لَهما، ولو باللفظِ؛ لأنَّهم أتوا فِيها بألفاظِهِما، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ (٦).
ومن نَظْمِ الحُمَيدِيِّ (٧):
لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيْدُ شَيْئًا سِوَى الهَذَيَانِ مِنْ: قِيْلٍ وَقَالِ
فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلاَّ لأَخْذِ العِلْمِ، أَوْ إصْلاَحِ حَالِ
_________________
(١) هو محمّد بن فَتُّوح بن عبد الله بن حميد الأزدي الحميدي، توفّي سنة (٤٨٨ هـ). انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٢٨٢، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٨٢، والعبر ٣/ ٣٢٣.
(٢) «ألفاظًا»: سقطت من (ص).
(٣) الحقّ أنّ الحميدي ميّز جميع الزيادات وعزاها لمخرجيها، فقال في مقدّمة جمعه: «ورّبما أضفنا إلى ذلك نبذًا مما نبهنا له من كتب أبي الحسن الدارقطني، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي بكر الخوارزمي، وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم من الحفاظ الذين عنوا بالصحيح، مما يتعلق بالكتابين من تنبيه على غرض أو تتميم لمحذوف أو زيادة من شرح أو بيان لاسم ونسب أو كلام على إسناد أو تتبع لوهم»، وجلّى الحافظ ابن حجر هذه المسألة بأمثلتها تجلية شافية، فانظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٣٠٠ - ٣١٠، والنكت الوفية: ٣٦ / ب.
(٤) المثبت من أصولنا، وقد سقط من (م).
(٥) هو الإمام الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمان بن عبد الله أبو محمد الأزدي الإشبيلي توفي سنة (٥٨١ هـ). العبر ٣/ ٨٢، وشذرات الذهب ٤/ ٢٧١.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤١.
(٧) البيتان من الوافر، وهما في معجم الأدباء ١٨/ ٢٨٦، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٨٣.
[ ١ / ١٢٢ ]
مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ
٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا
٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفِي
٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
مراتبُ الصَّحِيحِ مُطلقًا، وَهِيَ تتفاوتُ بِحَسَبِ تمكُّنِهِ من شروطِ الصِّحَّةِ، وَعَدم تمكُّنِهِ منها (١).
(وأرفعُ الصَّحِيحِ مرويُّهما) أي: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ؛ لاشتمالهِ عَلَى أعْلى مقتضياتِ الصِّحَّةِ، ويعبَّرُ عَنْهُ (٢) بـ «المتَّفقِ عَلَيْهِ» أي: بما اتَّفَقا عَلَيْهِ، لا بِما اتَّفقَ عَلَيْهِ الأمَّةُ، لَكنَّ اتفاقَهما عَلَيْهِ لازمٌ من ذَلِكَ؛ لاتفاقِها عَلَى تلقِّي ما اتَّفَقَا عَلَيْهِ بالقَبولِ (٣).
(ثُمَّ) مرويُّ (البُخَارِيُّ) وَحْدَهُ؛ لأنَّ شَرْطَهُ أضْيَقُ كما مَرَّ (فَـ) مرويُّ (مُسلِمٌ) وَحْدَهُ لمشاركتِهِ للبخاريِّ في اتِّفاقِ الأمَّةِ عَلَى تلقِّي كِتابِهِ بالقبول.
(فما شَرْطَهُمَا) أي: فما (حَوَى) أي: جَمَعَ شرْطَهُمَا، والمرادُ بِهِ رُواتُهما، أَوْ مثلُهم مَعَ باقي شُروطِ الصَّحِيحِ من اتصالِ السَّندِ، ونفي الشُّذوذِ والعلَّةِ (٤).
(فَـ) مَا حَوَى (شَرْطُ الجُعْفِي) أي: البُخَارِيُّ (فـ) مَا حَوَى شرطُ (مُسْلِمٌ فَـ) مَا حَوَى (شَرْطُ غَيْرٍ) (٥) أي: غيرُهما من سائرِ الأئمَّةِ (٦).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢.
(٢) في (م): «عنها».
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٨.
(٤) هذا مصطلح غير جيد؛ فإنّ البخاري ومسلمًا لا يخرّجان جميع ما روى الراوي، بل ينتقيان من حديثه؛ فعلى هذا لا يصحّ أن يقال: في كلّ سندٍ روي في الصحيحين: صحيح، أو على شرط الشيخين.
(٥) عبارة: «شرط غيرٍ» سقطت من (ص).
(٦) انظر في هذا التقسيم معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٧ - ١٠٨، والتقريب: ٤٠، والمقنع ١/ ٧٥ - ٧٦. وقد ذكر ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح ٣٥٩ - ٥٧٢ لكل قسم من هذه الأقسام أربعين حديثًا، وقد دارت مناقشات بين العلماء حول هذا التقسيم، انظرها في: نكت الزركشي ١/ ٢٥٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٢ مع تعليقنا عليه، ونكت ابن حجر ١/ ٣٦٣، وتوجيه النظر ١/ ٢٩٠ مع تعليقات محققه.
[ ١ / ١٢٣ ]
فهذهِ سبعةُ أقسامٍ، وَهِيَ شاملةٌ للمتواترِ الَّذِي هُوَ أرفعُها، وللمشهورِ (١) وَهُوَ:
«ما لَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ» (٢)، ولما وُصِف بأنَّه أصحُّ الأسانيدِ، ولغيرِها ممَّا أوْرِد عَلَى الحصْرِ فيها (٣).
مَعَ أنَّ المتواترَ لا يضرُّ خروجُه؛ إذ لا يُشتَرَطُ فِيهِ عَدالةُ الراوِي (٤)، فليس هُوَ من الصَّحِيحِ الذي مَرَّ تعريفُهُ.
نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ ما وُصِفَ بأنَّه أصحُّ الأسانيدِ، ولم يُخْرِجْهُ الشيخانِ، ومشهورٌ ليسَ مِنَ المتفقِ عليهِ، ولكنْ توقَّفَ شَيْخُنا في رُتْبَتِهِ هل هِيَ قبلَ (٥) المتّفقِ عَلَيْهِ، أَوْ بعدَهُ؟ (٦)
واعْلَمْ: أنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ للمُفُوَّقِ ما يُصيِّرُهُ فَائِقًا (٧)، كأَنْ يجيءَ من طُرُقٍ يبلغُ بها التواترَ (٨)، أَوْ الشهرةَ القويةَ.
_________________
(١) في (ص): «والمشهور».
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٨، ونزهة النظر: ٦٢، والتدريب ٢/ ١٨٣.
(٣) ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، أو أحدهما، عن بعض من في حفظهم شيء إنما هو انتقاءٌ من صحيح حديثهم؛ فإنّ حديث الضّعيف ليس كلّه خطأ، وإنّما فيه الصّحيح والخطأ، والشيخان ينتقيان من أحاديث من في حفظه شيءٌ، ممّا علم أنّ هذا الرّاوي لم يخطأ فيه، بل هو من صحيح حديثه، وذلك بالموازنة والمقارنة والنظر الثاقب والاطلاع الواسع، وليس ذلك لكلّ أحد. (انظر في انتقاء الشيخين: هدي الساري: ٣٣٨ و٤٠٦ و٤١٤ و٤٢٤ و٤٤٢ و٤٤٤ و٤٤٩، ونصب الراية ١/ ٣٤١، وصيانة صحيح مسلم: ٩٤، والعواصم لابن الوزير ٣/ ٩٦ وما بعدها، وشرح النّوويّ على مسلم ١/ ١٨، وشرح العلل ٢/ ٦١٣، والتنكيل ٢/ ٧٧، وانظر ما كتب في: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ١٩ وما بعدها). قلنا: ولعل هذا يظهر جليًا في كيفية إخراج الإمام البخاري لإسماعيل بن أبي أويس وانظر قصّة ذلك في: هدي الساري: ٣٩٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٣١٠.
(٤) انظر: تدريب الراوي ١/ ١٢٣.
(٥) في (ع) و(ق): «من قبيل».
(٦) نقله السيوطي في التدريب ١/ ١٢٣.
(٧) نزهة النظر: ٩٠، والتدريب ١/ ١٢٤. قال القاري: «يعرض: بفتح الياء وكسر الراء أي: يظهر (للمفوق) أي: للمرجوح من فاق الرجل أصحابه يفوق أي: علاهم بالشرف الخ». شرح النخبة: ٦٩.
(٨) في (ق): «حد التواتر». وفي (م): «المتواتر»، وما أثبتناه من (ص) و(ع).
[ ١ / ١٢٤ ]
كما لَوْ كَانَ الحديثُ الذي لَمْ يُخْرِجْهُ الشيخانِ من ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونِها أصحَّ الأسانيدِ، كمالِكٍ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ؛ فإنَّه يُقَدَّمُ عَلَى ما قبلَهُ، نبَّه عَلَيْهِ شيخُنا (١).
ثُمَّ لَوْ لُوحِظَ الترجيحُ بَيْنَ شروطِ غيرِهما، كما لوحظَ في شروطِهما لزادتِ (٢) الأقسامُ، لكنَّ ما ذُكِر (يَكْفِي) في المقصودِ، والتصريحُ بهذا من زيادتِه.
(وَعِنْدَهُ) أي: ابنُ الصلاحِ (التَّصْحِيحُ)، وكذا التحسينُ والتضعيفُ، (لَيْسَ يُمْكِنُ) حَيْثُ جَنَحَ لمنعِ الحُكْمِ بِذَلِكَ في الأَعْصارِ المتأخّرةِ الشاملةِ لَهُ (في عَصْرِنَا)، واقْتَصرَ فيها عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ في تَصانيفِهم المُعتمدةِ التي يُؤْمَنُ فيها - لشُهْرَتِها - مِنَ التغييرِ والتحريفِ، مُحتجًّا بأنَّه مَا مِنْ إسنادٍ إلاَّ وفي رُواتِه مَنِ اعتمدَ عَلَى ما في كتابِه عَرِيًّا (٣) عَنِ الضبطِ، والإتقانِ.
قَالَ: «فإذا وجدنا حديثًا صَحِيْحَ الإسنادِ، ولم نجدْهُ في أحدِ " الصحيحينِ " ولا منصوصًا عَلَى صِحَّتِهِ في شيءٍ من مُصنَّفاتِ أئمةِ الحديثِ المعتمدةِ المشهورةِ، فإنا لا نتجاسرُ عَلَى جَزْمِ الحُكْمِ بصِحَّتِهِ» (٤).
وصارَ مُعظمُ المقصودِ بما يُتداولُ من الأسانيدِ خارجًا من ذَلِكَ إبقاءً لسلسلةِ الإسنادِ التي خُصَّتْ بها هذِهِ الأُمَّةُ، زادَها اللهُ شَرَفًا.
(وَقَالَ) أَبُو زكريّا (يَحْيَى) النَّوويُّ: الأظهرُ عندي: أنَّ ذَلِكَ (مُمْكنُ) لِمَنْ تمكَّنَ، وقويَتْ مَعْرِفَتُهُ (٥)؛ لأنَّ شروطَهُ لا تختصُّ بمعيَّنٍ من راوٍ، أَوْ غيرِهِ، إذ المقصودُ معانيها في السَّندِ، فإذا وُجِدَتْ فِيهِ رُتِّبَ (٦) عَلَيْهَا (٧) مُقْتَضاها (٨).
_________________
(١) نزهة النظر: ٩٠.
(٢) المثبت من أصولنا. وفي (م): «لذادت».
(٣) في (ق) و(ع): «عاريًا».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠.
(٥) التقريب: ٤١.
(٦) في (ق): «ترتب».
(٧) في (ص): «عليه».
(٨) انظر: التدريب ١/ ١٤٣.
[ ١ / ١٢٥ ]
قَالَ النَّاظِمُ (١): «وعلى هَذَا عملُ أهلِ الحديثِ، فَقَدْ صحَّح غيرُ واحدٍ من المُعاصِرينَ لابنِ الصلاحِ وبعدَهَ أحاديثَ لَمْ نجدْ لمَنْ تقدَّمَهُم فيها تصحيحًا، كأبي الحسنِ ابنِ القَطَّانِ (٢)، والضياءِ المَقْدَسِيِّ (٣)، والزَّكِيِّ عَبْدِ العظيمِ (٤)، ومَنْ بَعْدَهُم» (٥). انتهى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٩.
(٢) هو الحافظ علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن بن القطان الفاسي، توفي سنة (٦٢٨ هـ) صاحب كتاب " بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام " وهو كتاب نفيس؛ فيه الفوائد والعوائد، والنكت العلمية الدقيقة، والمادة الغزيرة في الجرح والتعديل، طبع سنة ١٩٩٧ م. وانظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٠٦، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٧.
(٣) هو الإمام الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي الحنبلي المقدسي، صاحب " المختارة " توفّي سنة (٦٤٣ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٥، والعبر ٥/ ١٧٩، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٦، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢٤.
(٤) هو الحافظ الكبير عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة زكيّ الدين أبو محمد المنذري، صاحب " الترغيب والترهيب "، توفي سنة (٦٥٦ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦، والبداية والنهاية ١٣/ ٢١٢، وشذرات الذهب ٥/ ٢٧٧.
(٥) لم يدرك المصنف -ومن قبله الإمام النّوويّ والعراقي- كلام ابن الصلاح؛ إذ أنّ ابن الصّلاح لم يرد غلق باب التصحيح والتضعيف، وإنّما أراد صعوبة الأمر وليس كلّ واحدٍ يستطيع ذلك، وقد بحث محقق" الشذا الفياح ": صلاح الدين فتحي هلل، هذه المسألة بحثًا مستفيضًا - رأينا نقله بحروفه لفائدته وأهميته -، فقد قال: «لم يحسن التعقّب على ابن الصلاح -﵀- والتشنيع عليه بحجّة أنّه يمنع من التصحيح، ويدعو إلى إغلاق هذا الباب، لأنّ ذلك لم يرد في كلامه أصلًا، كيف وهو يقول: «إذا وجدنا حديثًا صحيح الإسناد لا نتجاسر على جزم الحكم »؟ فلاشكّ أنّ ذلك يحتاج إلى نظرٍ وبصرٍ بالتصحيح. ومثل ذلك قوله في «الفائدة الأولى» (١٥٢): «ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث بأنّه الأصحّ على الإطلاق». وقوله في «نوع الحسن» (١٨٠): «وهذه جملةٌ تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث». وقوله في «نوع الشاذ» (٣٤٣): «إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فانظر في هذا الراوي استحسنّا حديثه ذلك، ولم نحطّه إلى قبيل الحديث الضعيف رددنا ما انفرد به ». وقوله في «معرفة زيادات الثقات» (٢٥٠): «وذلك فنٌ لطيف تستحسن العناية به». =
[ ١ / ١٢٦ ]
_________________
(١) = وقوله في «معرفة الحديث المعلّل» (ص ٢٥٩): « وإنّما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضمّ إلى ذلك تنبّه العارف بهذا الشأن على إرسالٍ في الموصول بحيث يغلب على ظنّه ذلك فيحكم به أو يتردّد فيتوقف فيه». وقوله في «معرفة المضطرب» (ص ٢٦٩): «وإنّما نسمّيه مضطربًا إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجّحت إحداهما الخ». وقوله في «معرفة الموضوع» (ص ٢٧٩): « ولا تحلّ روايته إلا مقرونًا ببيان وضعه ». وقوله في «معرفة المقلوب» (ص ٢٨٧): «وإنّما تقول: قال رسول الله (فيما ظهر لك صحته بطريقه الذي أوضحناه أولًا». فكل ذلك يدلّ على إعمال القواعد والبحث والتفتيش في الأسانيد والحكم عليها بما تستحق حسب القواعد. وهذا خلاف ما فهمه النووي وغيره من كلام ابن الصلاح. وقد صّحح ابن الصلاح وحسّن في كلامه على " الوسيط " للغزالي. والغريب أنّ النووي والعراقي وابن حجر قد وقفوا على كلامه هذا، فنقل منه العراقي في مواضع منها في تخريج الإحياء للغزالي (١/ ٢٠١، ٢١٦، ٢٢٥ ط: الإيمان بالمنصورة)، وقد نقل منه ابن حجر في مواضع لا تحصى من كتابه: " تلخيص الحبير " منها: ١/ ٤٧، ٦٣، ٦٨، ٦٩، ٨٤، ٩٠، ١٢٧، ١٤٣. ط: ابن تيمية. وقد صحّح ابن الصلاح -﵀- وحسّن في كلامه هذا، وذكر ابن حجر متابعة النووي لابن الصلاح -﵏- على بعض أحكامه، فكيف فاتهم ذلك؟! ففهموا أنّ ابن الصّلاح يمنع من التصحيح والتحسين؟! ولابن الصّلاح -﵀ - "أمالي" يتكلم فيها على الأحاديث وقفت على الجزء الثالث منها. ومن نظر فيه رأى نفس عالم محدّث يسرد الحديث وما يشهد له مع الكلام عليه. بل لماذا ألّف ابن الصلاح - ﵀ - " مقدمته " في علوم الحديث؟ ووصف كتابه هذا بكونه: « أباح بأسراره - (يعني: علم الحديث) - الخفيّة وكشف عن مشكلاته الأبيّة، وأحكم معاقده، وقعّد قواعده، وأنار معالمه، وبيّن أحكامه، وفصّل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وفصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفرائده». وذكر أنّ الله ﷿ منّ بهذا الكتاب: «حين كاد الباحث عن مشكله لا يلقى له كاشفًا، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا» كما ذكر ذلك في " مقدمة كتابه " (١٤٦). =
[ ١ / ١٢٧ ]
_________________
(١) = فلماذا ألفه إذًا إذا كان لا يرى جواز التصحيح في هذه الأعصار؟ جواز ذلك لما ألّف للناس كتابًا يعلمهم سبيل التصحيح والتحسين والحكم على الأحاديث بما تستحق. ثم رأيت أبا الحارث علي بن حسن الحلبي - حفظه الله - يقول: «كلام ابن الصلاح يفهم منه التعسير لا مطلق المنع» كما في حاشية " الباعث " ١/ ١١٢ ط دار العاصمة، ولم يذكر دليله على ذلك. هذا وقد استشكل قول ابن الصلاح - ﵀ -: «فآل الأمر في معرفة الصحيح والحسن، إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها، لشهرتها، من التغيير والتحريف». فقال ابن حجر في " النكت " ١/ ٢٧٠: « فيه نظر؛ لأنّه يشعر بالاقتصار على ما يوجد منصوصًا على صحته وردّ ما جمع شروط الصحة إذا لم يوجد النص على صحته من الأئمة المتقدمين الخ». وقال أيضًا ١/ ٢٧١: «كلامه (يعني: ابن الصلاح) يقتضي الحكم بصحة ما نقل عن الأئمة المتقدّمين فيما حكموا بصحته في كتبهم المعتمدة المشهورة والطريق التي وصل إلينا بها كلامهم على الحديث بالصحة وغيرها هي الطريق التي وصلت إلينا بها أحاديثهم، فإن أفاد الإسناد صحة المقالة عنهم، فليفد الصحة بأنّهم حدّثوا بذلك الحديث ويبقى النظر إنما هو في الرجال الذين فوقهم، وأكثر رجال الصحيح كما سنقرره». أهـ. وحمله الدكتور المليباري - حفظه الله - في كتابه " تصحيح الحديث " (٢٦) على أنّ معناه: «معرفة صحة أو حسن أحاديث الأجزاء ونحوها، وليس مطلق الأحاديث». ثم عاد فقال (ص ٢٩): «على أنّ الأمر إذا لم يكن كما ذكرناه سابقًا فلا يخلو قوله: (فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف) من تناقض صريح، كما بينه الحافظ ابن حجر الخ». أ. هـ. والظاهر أنّ مراد ابن الصلاح من قوله: «فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن الخ» مطلق الأحاديث. ويكون قوله: «إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم» بمعنى ما ذكره أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة، لا ما نصّوا على صحته أو حسنه ويؤيده أنه عطف على كلامه هذا قوله: «وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجًا عن ذلك، إبقاء سلسلة الإسناد الخ»، فالمراد معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجًا عن المصّنفات المعتمدة، ويحتمل أن يعود الضمير إلى أبعد مذكور وهو قوله: «إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث، وهذا يحتاج إلى قرينة ومع ذلك لا يستقيم عود الضمير على قوله: «ما نصّ عليه أئمة الحديث» إلا بالمعنى المذكور هنا من تفسير «النصّ» هنا بمعنى ذكر الأسانيد في مصنفاتهم لا بمعنى «النصّ» على الصحة أو الحسن، إذ لم يقل أحد بأنّ ما ورد في الكتب المعتمدة كالسّنن وغيرها مما لم ينصّ على صحته إنّما يتداول من أجل إبقاء سلسلة الإسناد التي خصّت بها هذه الأمة. =
[ ١ / ١٢٨ ]
وما قِيلَ: «مِن أنَّ ذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ دليلًا عَلَى ابنِ الصَّلاح»، فِيهِ وَقْفةٌ.
حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعْلِيْق (١)
٤٠ - وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا كَذَا لَهُ، وَقِيْلَ ظَنًّا وَلَدَى
٤١ - مُحَقِّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ (النَّوَوِيْ) وَفي الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيءٍ قَدْ رُوِيْ
_________________
(١) = ويؤيد ذلك أيضًا عدوله - يعني ابن الصلاح - عن التعبير بالنصّ على الصحة واقتصاره على مجرد النصّ على هذه الأسانيد. ويؤيد ذلك قوله في «الفائدة السابعة» (١٦٩): «وإذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما خرّجه الأئمة في تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكره »، وقوله في «الفائدة الثامنة» (١٧٣): «إذا ظهر - بما قدمناه - انحصار طريق معرفة الصحيح والحسن الآن، في مراجعة الصحيحين وغيرها من الكتب المعتمدة ». وقوله في كلامه على «جواز العمل اعتمادًا على ما يوثق به من الوجادة» (٣٦٠): «قطع بعض المحققين من أصحابه. (يعني: الشافعي). في (أصول الفقه) بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال: «لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدّثين لأبوه». وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنّه لو توقّف العمل فيها على الرواية لانسدّ باب العمل بالمنقول، لتعذّر شرط الرواية فيها على ما تقدّم في النوع الأول». أ. هـ. وعلى هَذَا التأويل المذكور هنا يزول التعارض الظاهري بَيْن أجزاء كلام ابن الصَّلاح - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وهذا التأويل يحتاج إلى تدبّر فَلا تبادر بالإنكار -رعاك الله-. وتبقى بعض أشياء لعلّي أذكرها في موضع آخر يناسبها إن شاء الله ذلك وقدره بمنّه وكرمه ﷾». انتهى كلامه. الشذا الفياح ١/ ٧٧ - ٨٠.
(٢) قال البقاعي: ل ٤٥/ أ: «عطفه التعليق من عطف الخاص على العام، وصرَّح به؛ لأن الصحة والضعف يتجاذبانه، فمن حيث ضمه إلى الصحيح يظن به الصحة ومن حيث قطعه وسوقه غير مساق الكتاب يظن به غير ذلك». جملة ما في صحيح البخاري من التعاليق واحدٌ وأربعون وثلاث مئة وألف حديث، وغالبها مكرر مخرّجٌ في الكتاب أصوله أو متونه، وليس في الكتاب من المتون التي لم تخرّج في الكتاب - ولو من طريق أخرى - إلا مئة وستون حديثًا. وقد جمع الحافظ ابن حجر جميع هذه التعاليق ووصلها في كتاب مستقل سماه: " تغليق التعليق ". أما صحيح مسلم فإنّ التعاليق الواردة فيه اثنا عشر. وكلّ حديث منها رواه متصلًا ثم عقبّه بقوله: «رواه فلان»، غير حديث أبي جهيم فإنّه لم يصله، وعلى هذا فليس في صحيح مسلم بعد المقدمة حديث معلّق لم يصله إلا حديث أبي جهيم. مقدمة شرح النووي ١/ ١٨، والإرشاد ١/ ١٢٧ والتعليق عليه، وهدي الساري: ٤٦٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
٤٢ - مُضَعَّفٌ وَلَهُمَا بِلا سَنَدْ أَشْيَا فَإنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ، أو وَرَدْ
٤٣ - مُمَرَّضًا فَلا، وَلكِنْ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الأصْلِ لَهُ كَـ (يُذْكَرُ)
(حُكْمُ الصَّحِيحينِ) فِيْمَا أُسْنِدَ فِيهِما، وغيرِهِ (و) حُكْمُ (١) (التَّعْلِيْقِ) الواقعِ فيهما مَعَ تعريفه.
(وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا) أي: البخاريُّ وَمُسْلِمٌ مجتمعينِ ومنفردين؛ لتلقِّي الأمَّةِ المعْصُوْمةِ في إجماعِها بخبرِ (٢): «لاَ تَجْتَمِعُ أمَّتِيْ عَلَى ضَلاَلَةٍ» (٣) لذلك بالقَبُولِ.
وهذا (٤) يُفيدُ عِلمًا نظريًا؛ لأنَّ ظنَّ مَنْ هُوَ مَعْصومٌ من الخطإِ لا يُخطِئُ (٥).
(كَذَا لَهُ) أي: لابنِ الصَّلاحِ. أي: كَذَا قالَه تَبَعًا لِجَماعةٍ (٦).
وحاصِلُه: أنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ قَطْعًا، وأنَّهُ يُفيدُ عِلْمًا.
(وَقِيلَ:) صَحيحٌ، أَوْ يُفيدُ (ظَنًّا) بِنَصبِهِ عَلَى الأول تمييزًا، وعلى الثَّاني مفعولًا. (و) هَذَا القولُ (لَدَى) أي: عِنْدَ (مُحقِّقِيهمْ)، وأكثرِهم، هُوَ المُعتبرُ، كما (قَدْ عَزَاهُ) إِليهِم (النَّوويْ) مُحْتَجًّا بأنَّ أخبارَ الآحادِ لا تفيدُ (٧) إلاَّ الظنَّ، ولا يلزمُ من
_________________
(١) في حاشية (ق) تعليقة للعلامة الآلوسي، قال فيها: «قوله وحكم التعليق: أعاد لفظ الحكم للإشارة إلى أن التعليق معطوف على الصحيحين ولا يبعد رفعه بالعطف على حكم بل قيل هو أولى لأن المتن لم يقتصر على حكم التعليق بل ذكر تعريفه أيضًا».
(٢) في (ق) و(ع): «الخبر».
(٣) أخرجه عبد بن حميد (١٢٢٠)، والمزي في تهذيب الكمال ٨/ ٣٠١ من طريق أبي المغيرة عن معان بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى عن أنس. وورد عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمّد - ﷺ -، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار». أخرجه التّرمذي
(٤) ، وفي علله الكبير (٥٩٧)، وقال: «هذا حديث غريب من هذا الوجه».
(٥) في (ص): «وهذا فيما».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٨.
(٧) قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٦: «وقد سبقه إلى نحو ذلك محمّد ابن طاهر المقدسيّ، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف».
(٨) في (ق): (تفيد).
[ ١ / ١٣٠ ]
إجماعِ الأمَّةِ عَلَى العملِ بما فيهما إجماعَها عَلَى أنَّه مقطوعٌ بأنَّه من كلام النَّبيِّ - ﷺ - (١).
(وَفي الصَّحِيْحِ) لكلِّ من البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (بَعْضُ شَيءٍ) من أحاديِثهما (قَدْ رُوِيْ مُضَعَّفٌ) - بالرفع - صفةٌ لـ (بَعْض)، وَفِي نسخةٍ: (مضعفًا) -بالنصب- بالحاليةِ (٢) (٣).
وأشارَ - كَما قَالَ: بـ (بعض شيءٍ) - إلى تَقْليلِ ذَلِكَ، وحاصِلُه استثناءُ ذَلِكَ مِمَّا ذكرَ.
ومِنْ ثَمَّ قَالَ ابنُ الصلاحِ: «سوى أحرفٍ يسيرةٍ، تكلَّم عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ من الحُفَّاظِ، كالدَّارَقُطْنِيِّ، وَهِيَ معروفةٌ عِنْدَ أهلِ هَذَا الشأنِ» (٤).
قَالَ شَيْخُنا: «وسِوى مَا وقعَ التَّجَاذُبُ (٥) بَيْنَ مَدْلولَيهِ حيثُ لا ترجيحَ لاستحالةِ أنْ يُفيْدَ المُتَناقِضَانِ العِلْمَ بصدْقهِمَا، من غَيْرِ ترجيحٍ لأحدهِما عَلَى الآخر» (٦).
قَالَ: «وَقَدْ ضعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ من أحاديثِهِما مئتينِ وَعَشَرة، يختصُّ البخاريُّ بثمانينَ إلا اثنينِ. ومسلمٌ بمئة، ويشتركانِ في اثنينِ وثلاثينَ» (٧).
_________________
(١) قال النّوويّ: «وخالفه - يعني: ابن الصلاح- المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر». التقريب: ٤٠. وبنحو قول النّوويّ قال العز بن عبد السلام، وانظر في هذه المسألة: صيانة صحيح مسلم: ٨٥، وشرح النّوويّ لصحيح مسلم ١/ ١٢٨، وشرحه لصحيح البخاريّ: ٤٠، والباعث الحثيث ٣٥ - ٣٦، والنسخة المحققة ١/ ١٢٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٠١، والمقنع ١/ ٧٦ - ٧٧، والتقييد والإيضاح: ٤١، والنكت لابن حجر ١/ ٣٧١ - ٣٧٦.
(٢) في (ق): «على الحالية».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٥ والتعليق عليه، والنكت الوفية (ل ٤٥/ ب).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨.
(٥) أي: التخالف - كما في نسخة - والمراد: التعارض. شرح عليّ القاري: ٤٣. وكتب فوق هذه الكلمة في نسخة (ق): «التناقض». وفي (ع) حاشية نصها قوله: «التجاذب، أي: التعارض».
(٦) النّزهة: ٧٤ - ٧٥.
(٧) هدي الساري: ٣٤٦.
[ ١ / ١٣١ ]
قَالَ الناظم في نُكَتِهِ: «وَقَدْ أجابَ عنها العلماءُ، وَمَعَ ذَلِكَ فليْسَتْ يسيرةً (١) بَلْ كثيرةً، وَقَدْ جمعتُها في تصنيفٍ مَعَ الجوابِ عنها» (٢).
قُلْتُ: ما رَدَّ بِهِ عَلَى ابنِ الصلاح من أنَّها كثيرةٌ، يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ أَيْضًَا، لموافقتِه كَمَا مَرَّ. فالأَوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثرتَها إنَّمَا هِيَ كثرتُها في نَفْسِهِا، فَلا يُنافي كونَها يسيرةً بالنظر إلى مَا لَمْ يضعَّفْ في " الصَّحِيحينِ " (٣).
ثُمَّ بيَّن حُكمَ التعليقِ الواقعِ فيهما، فَقالَ:
(وَلَهُمَا)، أي: البخاريِّ وَمُسْلِمٍ في " صَحِيحَيْهِما " (بِلا سَنَدْ) أصلًا أَوْ كاملٍ (أَشْيَا) - بالقصرِ للوزنِ، أَوْ لنيةِ الوقفِ -. ك: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -، أَوْ (٤) قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، أَوْ الزُّهْريُّ، أَوْ يُروى عَنْ فُلاَنٍ، أَوْ يُذْكَرُ عَنْهُ، كَما سيأتي، وذلك كثيرٌ في البُخَارِيِّ، قليلٌ في مُسْلِمٍ.
_________________
(١) في (ع): «يسيرة في نفسها».
(٢) التقييد والإيضاح: ٤٢. قلنا: نعم هي ليست باليسيرة، فقد بلغت انتقادات الدارقطني وحده (٢١٨)، وهذا فيما سوى ما انتقده أبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل بن عمار، وأبو علي الجياني. ولربما أراد ابن الصلاح أنها يسيرة نسبيًا إلى ما لا انتقاد عليه. والحقيقة أن هذه الانتقادات تتفرع عن الأقسام الآتية:
(٣) الزيادة التي تقع في بعض الأحاديث. إذ قد ينفرد ثقة بزيادة لا يذكرها من هو مثله أو أحفظ منه، فتحميل هذا الثقة تبعه أنه قد يكون غلط؛ ظن مجرد، وغاية ما فيها أنها زيادة ثقة لا تنافي رواية الأحفظ والأكثر.
(٤) الحديث الذي قد يرويه تابعي، المشهور أن روايته عن صحابي معين سمع منه، فيروي الحديث بواسطة عن ذلك الصَّحَابيّ، فيعلل الأول بزيادة الراوي في الطريق الثانية. وهذا مندفع بأنه لا مانع من كون ذلك التابعي قد سمع ذلك الحديث بعينه من ذلك الصحابي مباشرة ثم سمعه بواسطة وهكذا يكون الأمر فيمن بعدهم.
(٥) أن يشير صاحب الصحيح إلى علته، كأن يرويه مسندًا ثم يذكر أنه روي مرسلًا، فهذا من صاحب الصحيح ترجيح لرواية الواصل على المرسل.
(٦) ما يكون مدارًا للاجتهاد وتكون علته مرجوحة بالنسبة إلى صحته. وانظر: نكت الزركشي ١/ ٢٨٧، والتقييد والإيضاح ٤٢، وابن حجر ١/ ٣٨٠.
(٧) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٣٨٠.
(٨) في (م): «أو كما».
[ ١ / ١٣٢ ]
حَتَّى قَالَ النَّاظِمُ (١): «ليسَ عِنْدَهُ بَعْدَ مُقدِّمةِ الكتابِ حديثٌ لَمْ يُوصلْهُ فِيهِ سِوى موضعٍ واحدٍ في التيمُّمِ، وَهُوَ حَدِيثُ أبي الجُهَيْمِ (٢) بنِ الحارِثِ بنِ الصِّمَّةِ (٣): «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ (٤) الحَدِيثَ».
قَالَ فِيهِ مسلمٌ: «وروى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ» (٥)، ولم يُوصِلْ إسنادَهُ إلى اللَّيْثِ، وَقَدْ أسندَهُ البُخَارِيُّ عَنْ يحيى بنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ (٦).
(فإنْ يَجْزِمْ): المُعُلِّقُ (٧) منها بشيءٍ من ذَلِكَ، ك: «قَالَ» و«ذَكَرَ» و«زادَ» و«رَوَى» فلانٌ (فَصَحِّحْ) (٨) أنتَ عمَّنْ علَّقَهُ عَنْهُ؛ فإنَّ مُعَلِّقَهُ لا يستجيزُ إطلاقَهُ، إلاَّ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ عَنْهُ (٩).
(أَوْ) لَمْ يجزم بِهِ، بَلْ (وَرَدْ مُمَرَّضًا فَلا) تُصَحِّحْهُ عَملًا بِظاهِر الصِّيْغةِ، ولأنَّ استعمالَها في الضَّعيفِ أكثرُ مِنْهُ في الصحيحِ (١٠).
وَحَمَلَ ابنُ الصَّلاح قولَ البُخَارِيِّ: «مَا أَدْخلتُ فِي كِتَابِي الجامِع إلاَّ مَا صَحَّ» (١١)، وقولُ الأئِمَّةِ: «مَا فِيهِ مَحكومٌ بِصحَّتِهِ» عَلَى أنَّ المُرادَ مَقاصدُ الكتابِ ومَوْضُوعُهُ، ومتُونُ الأبوابِ، دُوْنَ التَّراجِمِ ونحوِها (١٢).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) في (م): «الجهم». ويجوز فيه الوجهان، انظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٦١.
(٣) بكسر المهملة وتشديد الميم. التقريب (٨٠٢٥).
(٤) موضع في المدينة. انظر: معجم البلدان ١/ ٢٩٩.
(٥) صحيح مسلم ١/ ١٩٤ (٣٦٩).
(٦) صحيح البخاريّ ١/ ٩٢ عقب (٣٣٧).
(٧) في (م): «أي المعلق».
(٨) في (ق) و(م): «فصححه».
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦١.
(١٠) المصدر السابق.
(١١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٥.
(١٢) المصدر السابق. قلنا: هذا كلام صحيح، فالمحكوم بصحته هو ما روي بالسند المتصل، أما ما ذكر تعليقًا فهو ليس من نمط الصحيح كما سبق بيان ذلك، ولكن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها، وهي أنّه قد تتابع الذين كتبوا في المصطلح، على أن ما ذكره البخاري بصيغة الجزم صحيح إلى من علّقه إليه، ويبقى النظر فيمن أبرز من=
[ ١ / ١٣٣ ]
_________________
(١) = رجاله، وهذا لم يصرّح به البخاري، وإنّما بني على استقراء ناقص غير تام، فالصواب أنّ هذِهِ القاعدة كلية لا أغلبية، وأن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على المروي منها بشيء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص عن حال ما علّقه، وقد علّق البخاريّ حديث عائشة: «كان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه» بصيغة الجزم، مع أنّه لا يصحّ على شرطه، بل على شرط غيره، فخبر عائشة هذا أخرجه مسلم في " صحيحه ". وذكر أيضًا بصيغة الجزم حَدِيث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي - ﷺ -: «الله أحق أن يستحيى منه من الناس»، وهو ليس من شرطه قطعًا، ولهذا لما علّق في النكاح شيئًا من حديث جدّ بهز لم يجزم به، بل قال: ويذكر عن معاوية بن حيدة. وقال في: «باب: العرض في الزكاة»: وقال طاووس: قال معاذ - ﵁ - لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة، ورجاله ثقات إلا أن طاووسًا لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. وعلّق حديث جابر في كتاب العلم بصيغة الجزم، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. وعلّقه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان». وقد قال الحافظ: جزم به حيث ذكر الارتحال فقط؛ لأنّ الإسناد حسنٌ وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به؛ لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الربّ، فإنه يحتاج إلى تأمل، فلا يكفي مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضد. وما علّق بصيغة التمريض، منها ما هو صحيح على شرطه، وقد أورده في موضع آخر من " جامعه " ففيه ١/ ٤٤ في المواقيت، باب: ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا: ويذكر عن أبي موسى قال: كنا نتناوب النبي - ﷺ - عند صلاة العشاء فأعتم بها، وقد رواه موصولًا (٥٦٧) في باب: فضل العشاء ، ولفظه فيه: فكان يتناوب رسول الله - ﷺ - عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم. وقال في كتاب الطب ١٠/ ٧٦، باب: الرقي بفاتحة الكتاب: ويذكر عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، ثم أسنده (٥٧٣٧) في الباب الذي بعده من حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس في قصة، وفيه قوله - ﷺ -: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله». ومما أورده بصيغة التمريض، ولم يورده في موضع آخر من كتابه، وهو صحيح، ما جاء في كتاب الآذان من " صحيحه " ٢/ ٢٠٤: ويذكر عن النبي - ﷺ -: «ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم»، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٣٨) من طريق أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ». وجاء في كتاب الصلاة ٢/ ٢٥٥: ويذكر عن عبد الله بن السائب قرأ النبي - ﷺ - (المؤمنون) في الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى أو هارون أو ذكر عيسى أخذته سلعة، فركع، وهو حديث صحيح أخرجه =
[ ١ / ١٣٤ ]
(وَلكِنْ) إيرادُ المعلِّق لذلك (١) في أثناءِ صَحِيحِه (يُشْعِرُ بِصحَّةِ الأصْلِ لَهُ) إشعارًا يُؤنَسُ بِهِ ويُرْكَنُ إِليهِ (٢).
وألفَاظُ التَّمريضِ: (ك: يُذْكَرُ)، و«يُروى»، و«يُقالُ»، و«ذُكِرَ»، و«رُوِيَ»، و«قِيلَ». وكتعليقِهما تعليقُ كُلِّ مَنِ التزَم الصِّحَّة.
٤٤ - وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقًا عُرِفْ
٤٥ - وَلَوْ إلى آخِرِهِ، أمَّا الَّذِي لِشَيْخِهِ عَزَا بـ (قالَ) فَكَذِي
٤٦ - عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المْعَازِفِ لا تُصْغِ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِفِ
ثُمَّ عرَّف التعليقَ بقولِه: (وإنْ يَكُنْ أوَّلُ) رواةِ (الاسْنَادِ) بدرج الهمزة، من جهة المعلِّقِ (حُذِفْ) واحدًا كَانَ أَوْ أكثرَ، وعزا الحَدِيثَ لمَنْ فَوْقَ المحذوفِ (مَعْ) ذِكْرِ (صِيغَةِ الجَزْمِ)، بَلْ أَوْ صِيغةِ التَّمريضِ، كما قَالَهُ النَّوويُّ وغيرُهُ، (فتعليقًا) أي: فبالتَّعليقِ (عُرِفْ) عِنْدَ أئمَّةِ هَذَا الشأنِ.
(فتعليقًا): منصوبٌ بِنَزْعِ الخافضِ، ويجوز نصبُه بـ (عُرِفَ) بتَضْمينِه مَعْنَى «سُمِّيَ».
والتعليقُ مأخوذٌ من تعليقِ الجدارِ، وتعليقِ الطَّلاقِ (٣)، ونحوِه؛ بجامعِ قَطْعِ الاتِّصَالِ (٤).
_________________
(١) = مسلم (٤٥٥) في الصلاة، باب: القراءة في الصبح، من طرق عن عبد الله بن السائب ، وهذه الأمثلة وغيرها أيضًا تدّل على أنّ استعمال صيغة ما لم يسم فاعله قد يكون لمعنى غير التمريض، كاختصار السند، أو الاقتصار على بعضه، أو إيراد الحديث بالمعنى، وغير ذلك من الوجوه، وهذا شائع ذائع في كتب المتقدمين من الأئمة كالشافعي في " الأم " فإنه يذكر فيه أحاديث كثيرة بصيغة التمريض، وهي في الصحيحين أو أحدهما، وكذلك البغوي في "شرح السنة" حين يطوي السند، يورد الحديث بصيغة التمريض، وكثير مما جاء كذلك صحيح. إفادة من تعليقات الشيخ شعيب الأرنؤوط على العواصم ٣/ ٤٢ - ٤٤.
(٢) في (ق): «كذلك».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٤.
(٤) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٣.
(٥) انظر: النكت الوفية: ٥٣/أ، معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٥، وتعقبه البلقيني في محاسن الاصطلاح: ١٦٢، فراجعه تجد فائدة، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٧.
[ ١ / ١٣٥ ]
(ولو) حَذَفَ رواةَ الإسنادِ من أوَّلهِ (إلى آخِرِهِ) بأَنِ اقتصرَ عَلَى الرسولِ - ﷺ - في المرفوعِ، أَوْ عَلَى الصَّحَابيِّ في الموقوفِ، فإنَّه يُسَمَّى تَعْليقًا (١).
وأمَّا مَا حُذِفَ من آخرِهِ أَوْ أثنائِهِ فَلَيْسَ تَعْليقًا، لاختصاصهِ بألقابٍ غيرِهِ، كالعَضْلِ، والقَطْعِ، والإرسالِ.
(أَمَّا الذِي لشَيْخِهِ)، أي: أَمَّا الذِي (عَزا) هُ مصنِّفٌ لشيخِه (بـ: قَالَ) (٢)، أَوْ زادَ، أَوْ نحوِهِ مِنْ صِيَغِ الجَزْمِ (فكَ) إسنادٍ (ذِي عَنْعَنَةٍ). فيكونُ متصلًا من البُخَارِيِّ، ونَحْوِهِ؛ لِثُبوتِ اللِّقاء، والسَّلامةِ مِنَ التَدْليسِ، إذْ شَرْطُ اتِّصَالِ المُعَنْعَنِ ثبوتُ ذَلِكَ، كما سيأتي في محلِّه؛ فلا يكونُ ذَلِكَ تَعْليقًا (٣).
وَقِيلَ: إنَّه تَعْليقٌ؛ وَعَلَيْهِ جَرى الحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ (٤)، وتوسَّطُ بعضُ مُتَأخّرِي المَغَارِبَةِ، فَوسمَ ذَلِكَ بالتعليقِ المتَّصلِ مِن حَيْثُ الظاهرُ، المنفصلِ من حيثُ المعنى، لكنَّهُ أدرجَ مَعَهُ «قَالَ لي»، ونحوها، مما هُوَ مُتَّصِلٌ جزمًا، ونُوْزِعَ فِيهِ كما سيأتي في أقسامِ التَّحمُّلِ (٥).
والمختارُ الذي لا مَحِيْدَ عَنْهُ، كما قَالَ شيخُنا: «إنَّ حكمَ «قَالَ» في الشيوخِ مثلُ غيرِها من التعاليقِ المجزومةِ» (٦)، وأمثلةُ ذَلِكَ كثيرةٌ.
(كخَبَرِ الْمَعازِفِ) - بفتح الميمِ، وبالزاي والفاءِ - أي: آلاتِ الملاهِي، حيثُ قَالَ البُخَارِيُّ في «بابِ الأشْرِبةِ»: قَالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ابنُ خالدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمانِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بنُ قيسٍ، قَالَ حَدَّثَني عبدُ الرحمانِ بنُ غَنْمٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبُو عامرٍ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأشعريُّ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (٧)،
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٨ والتعليق عليه، والإرشاد ١/ ١٩٤.
(٢) في (م): «يقال».
(٣) قال الإمام العراقي: هكذا جزم به ابن الصلاح في الرابع من التفريعات التي تلي النّوع الحادي عشر. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٩.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٦، والنكت الوفية: ٥٢/ب، والإرشاد ١/ ١٩٣.
(٥) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.
(٦) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢، وفتح الباري ١٠/ ٥٢ - ٥٣.
(٧) المثبت من الأصول وفي (م): «عليه وسلم».
[ ١ / ١٣٦ ]
يَقُولُ: «لَيَكُوْنَنَّ فِيْ أمَّتِيْ أقْوَامٌ يَسْتَحِلُّوْنَ الحِرَ وَالحَرِيْرَ وَالخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (١).
فهذا حُكْمُهُ الاتِّصَالُ، أَوْ التعليقُ عَلَى ما مرَّ؛ لأنَّ هِشامًا من شُيُوخِ البخاريِّ (٢) وَقَدْ عزاهُ إِليهِ بـ «قَالَ» فاعتمدْ ذَلِكَ (٣)، و(لا تُصْغِ)، أي: تَمِلْ (لابْنِ حَزْمٍ) الحافظِ أبي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ سعيدِ بنِ حَزْمٍ، فَهُوَ منسوبٌ لجدِّ أبِيهِ (المُخَالِفِ) في ذَلِكَ، وغيرِهِ؛ لجمودِه عَلَى الظاهرِ، حيثُ حكمَ في موضعٍ من " محلاَّه " (٤) بعدمِ اتِّصَالِ ذَلِكَ.
وقالَ في الحديثِ المذكورِ: إنه مُنْقَطِعٌ، لَمْ يَتَّصِلْ مَا بَيْنَ البُخَارِيِّ، وَصَدَقَةَ.
وحقُّهُ أَنْ يقولَ: «وهِشامٌ» بدلَ: «وصَدَقَةُ».
ولَمْ يَكْتفِ بذلكَ، بَلْ صَرَّحَ لتقريرِ قولِهِ بإباحةِ الملاهي: بأنَّه مَعَ جميعِ ما في هَذَا البابِ موضوعٌ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «ولا التفاتَ إِليهِ في ذَلِكَ، بَلْ أخطأ فِيهِ مِن وُجوهٍ، والحديثُ صَحِيْحٌ مَعروفُ الاتصالِ بشرطِ الصَّحِيحِ» (٥).
_________________
(١) صحيح البخاريّ ٧/ ١٣٨ (٥٥٩٠).
(٢) انظر: التاريخ الصغير ٢/ ٣٨٢، وتهذيب الكمال ٦/ ٢٢٨و٧/ ٤١٢، والكاشف٢/ ٣٣٧، وتهذيب التهذيب ١١/ ٥١، وقد ذكر العيني في عمدة القاري ٢١/ ١٧٥ الأحاديث التي رواها البخاريّ عن هشام بن عمار.
(٣) بعد هذا في (ص): «وإن لم يصرح بالتحديث عنه، أو الإخبار وما يقوم مقامه».
(٤) المحلى ٩/ ٥٩. قلنا: يتعجب على ابن حزم قوله هذا، فقد قال في كتاب الإحكام ١/ ١٥١: «اعلم أن العدل إذا روى عمّن أدركه من العدول فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: أخبرنا، أو حدّثنا، أو عن فلان، أو قال فلان، فكل ذلك محمول على السّماع منه». وانظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧١ - ١٧٢. قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٢: «والحديث متّصل من طرق: من طريق هشام وغيره. قال الإسماعيلي في المستخرج: حدّثنا الحسن، وهو ابن سفيان النسوي الإمام، قال: حدّثنا هشام بن عمار فذكره. وقال الطبراني في مسند الشاميين ١/ ٣٣٤ (٥٨٨) حدّثنا محمّد بن يزيد بن عبد الصمد، قال: حدّثنا هشام بن عمار». ووصل الحديث أيضًا ابن حبان في صحيحه (الإحسان) ٨/ ٢٦٥ (٦٧١٩) والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ٢٨٢ (٣٤١٧). ووصله ابن حجر في تغليق التعليق ٥/ ١٧ - ٢٢، واستوفى الكلام عليه طرقًا وبحثًا. والحديث أيضًا موصول من غير طريق هشام. انظر: تغليق التعليق ٥/ ٢٠ - ٢٢.
[ ١ / ١٣٧ ]
قَالَ: «والبخاريُّ قَدْ يفصلُ ذَلِكَ لكونِ الحديثِ معروفًا من جهة الثقاتِ عَنْ
الراوي الذي علَّقَهُ عَنْهُ، أَوْ لكونِهِ ذكرَهُ في موضعٍ آخرَ من (١) كتابِهِ متصلًا، أَوْ لغيرِ ذَلِكَ من الأسبابِ التي لا يصحَبُها خللُ الانقطاعِ» (٢).
نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ
٤٧ - وَأخْذُ مَتْنٍ مِنْ كِتَابٍ لِعَمَلْ أوِ احْتِجَاجٍ حَيْثُ سَاغَ قَدْ جَعَلْ
٤٨ - عَرْضًا لَهُ عَلى أُصُوْلٍ يُشْتَرَطْ وَقَالَ (يَحْيَى النَّوَوِي): أصْلٍ فَقَطْ
٤٩ - قُلْتُ: (وَلابْنِ خَيْرٍ) امْتِنَاعُ نَقْلٍ (٣) سِوَى مَرْوِيِّهِ إجْمَاعُ
أي: التي صحَّتْ، أَوْ اشتهرَتْ نسبتُها لمصنِّفيها كالصَّحيحَيْن. وقدَّمَ هَذَا عَلَى الحسَنِ المشاركِ للصَّحيحِ في الحُجِّيةِ لمشابهتِهِ للتعليقِ.
(وأخْذُ مَتْنٍ) مبتدأٌ، خبرُهُ: (قَدْ جَعَلْ) إلى آخِرِهِ. أي: وأَخْذُ حديثٍ (مِنْ كِتَابٍ) مِنَ الكُتُبِ المُعتمدةِ (لِعَمَلْ) بمضمونِهِ، (أَوِ احْتِجَاجٍ) بِهِ لذي مَذْهبٍ
(حَيْثُ سَاغَ)، أي: جازَ للآخْذِ ذَلِكَ، بأنْ يكونَ متأهلًا لَهُ، بحيثُ يكونُ عالمًا بِمَضْمُونِ الحَدِيثِ، لَهُ مَلَكَةٌ يَقْوى بها عَلَى مَعرِفةِ المطلوبِ مِنْهُ في ذَلِكَ.
(قَدْ جَعَلْ)، أي: ابنُ الصَّلاحِ (عَرْضًا لَهُ)، أي: مقابلةً للمأخوذِ مَعَ ثقةٍ
(عَلَى أُصُولٍ) صحيحةٍ متعدِّدةٍ، مرويةٍ برواياتٍ متنوعةٍ (٤).
_________________
(١) في (ق) و(ع): «في».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٧٢، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٢.
(٣) المثبت من النسخ و(أ) والنفائس وشرح السيوطي، وفي (ب) و(ج) وشرح التبصرة والتذكرة: «جزمٍ»، وسيشير إليه المصنف أنه عنده كذلك في نسخة.
(٤) قال العراقي في التقييد ٤٣: «ما اشترطه المصنّف من المقابلة بأصول متعددة، قد خالفه فيه الشّيخ محيي الدين النّوويّ، فقال: وإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. قلت: وفي كلام ابن الصلاح في موضع آخر ما يدل على عدم اشتراط تعدد الأصل، فإنه حين تكلم في نوع الحسن أن نسخ التّرمذي تختلف في قوله: حسن أو حسن صحيح، ونحو ذلك. قال: فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه. فقوله هنا: ينبغي، يعطي عدم اشتراط، والله أعلم». =
[ ١ / ١٣٨ ]
أي: أن تنوَّعَتْ، بأنْ تعدَّدَتْ رُوَاتُه كالفِرَبْريِّ، والنَّسَفِيِّ، وحمَّادِ بنِ شاكرٍ، بالنسبةِ لصَحِيْحِ البُخَارِيِّ.
(يُشْتَرَطْ)، أي: جَعَلَهُ شَرْطًا لجوازِ الأخذِ، ليحصلَ بِهِ جبرُ الخللِ الواقعِ في أثناءِ الأسانيدِ.
(وَقَالَ) أَبُو زكريّا (يَحْيَى النَّوَوِيْ) بالإسكانِ للوزن، أَوْ لنيَّةِ الوقفِ: يكفي عَرْضُه عَلَى (أصْلٍ) مُعتمَدٍ (فَقَطْ)، لحصولِ الثِّقةِ بِهِ؛ فلا يُشترَطُ التَّعدُّدُ (١).
عَلَى أنَّ ابنَ الصَّلاحِ، قَالَ بِذلكَ في عرضِ المرويِّ، وكلامُه في قِسْم الحسنِ حين ذكر أنَّ نُسَخَ التِرمذيِّ تَخْتلِفُ في قوله: «حَسَنٌ» أَوْ «حَسَنٌ صَحِيْحٌ» (٢)، أَوْ نحوِهِ؛ قَدْ يُشيرُ - كما قَالَ الناظمُ - إلى حَمْلِ مَا قَالَهُ هنا عَلَى الاستحبابِ (٣)؛ فَلا مخالفةَ.
لكنْ قَدْ يفرّقُ بزيادةِ الاحتياطِ للعملِ، والاحتجاجِ، دُوْنَ الرِّوايةِ، نظرًا للأصلِ فِيْهِمَا، وللوصفِ في الرِّوَايَةِ (٤)، إذْ متنُ الحديثِ أصلٌ (٥)، وسواءٌ فيما ذُكِرَ: أكانَ (٦) الكتابُ المأخوذُ مِنْهُ مرويًا للآخذ أَمْ لا.
_________________
(١) = قلنا: تعقّبه تلميذه ابن حجر فقال في نكته ١/ ٣٨٤: «أقول: ليس بين كلاميه مناقضة، بل كلامه هنا مبني على ما ذهب إليه من عدم الاستقلال بإدراك الصّحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه علل صحّة ذلك بأنه ما من إسناد إلا ونجد فيه خللًا، فقضية ذلك أن لا يعتمد على أحدهما، بل يعتمد على مجموع ما تتفق عليه الأصول المتعددة؛ ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأسانيد. وأما قوله في الموضع الآخر: ينبغي أن تصحح أصلك بعدة أصول، فلا ينافي قوله المتقدم؛ لأن هذه العبارة تستعمل في اللازم أيضًا، والله أعلم». وانظر: التقريب: ٤٢.
(٢) انظر: التدريب ١/ ١٥٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٤.
(٥) بعد هذا في (م): «للمقصود من الخبر في العمل والأصل دون الوصف في الاحتجاج»، وليس في شيء من النسخ الخطية.
(٦) بعد هذا في (م): «وكونه صحيحًا أو حسنًا وصفٌ»، وليس في شيء من النسخ الخطية.
(٧) في (ع) و(ص): «كان» بإسقاط الهمزة.
[ ١ / ١٣٩ ]
(قُلْتُ: ولابنِ خَيْرٍ) - بفتحِ المعجمةِ، وسكونِ التحتيةِ - الحافظِ أبي بكرٍ مُحَمَّدٍ الأَمَوِيِّ - بفتحِ الهمزةِ - الإِشْبِيْليِّ (١). (امْتِنَاعُ) أي: تحريمُ (نَقْلٍ) وفي نسخة
«جَزْمٍ». (سِوَى) أي: غَيْر (مَرْوِيِّهِ) سَوَاء أنَقَلَ (٢) للرِّوايةِ أَمْ لِلْعَملِ، أَمْ لِلاحْتِجاجِ، والامتناعُ فِيهِ عِنْدَهُ (إجماعُ).
وعبارتُهُ (٣): «وَقَدْ اتَّفقَ (٤) العلماءُ - ﵏ - عَلَى أنَّه لا يَصِحُّ لمسلمٍ أنْ يقولَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ - كَذَا، حَتَّى يكونَ عندهُ ذَلِكَ القولُ مَرويًّا، ولو عَلَى أقلِّ وجوهِ الرِّواياتِ؛ لقولِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٥).
_________________
(١) هو الإمام أبو بكر محمد بن خير بن عمر اللمتوني الإشبيلي، مات في ربيع الأول سنة (٥٧٥ هـ). تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٦٦، العبر ٤/ ٢٢٥، طبقات الحفاظ: ٤٨٦.
(٢) في (ق): «نقل».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) تعقّبه الزركشي في نقل الاتفاق، فقد قال السيوطي في شرحه لألفية العراقي: ١٢٦: «قال الزركشي في جزء لَهُ: وما نقله من الإجماع عجيب، إنّما حكي ذلك عن بعض المحدّثين، ثم هو معارض بنقل ابن برهان، وأبي إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها».
(٥) انظر: فهرست ابن خير: ١٦ - ١٧، وقوله هذا وصفه ابن الملقن في " المقنع " ١/ ٧٩ بأنه من النقول الغريبة، ووصف استدلاله بأنّه غير مطابق لما ادّعاه. والحديث صحيح متواتر: وقد ورد عن عدّة من الصحابة - ﵃ -، منهم: جابر بن عبد الله، عند أحمد ٣/ ٢٨٠، والدارمي (٢٣٧)، وابن ماجه (٣٣). وخالد بن عرفطة، عند أحمد ٥/ ٢٩٢. وزيد بن أرقم، عند أحمد ٤/ ٣٦٦. وأبو سعيد الخدري، عند أحمد ٣/ ١٢و٢١و٣٩ و٤٤ و٤٦ و٥٦، ومسلم ٨/ ٢٢٩ عقب (٣٠٠٤). وسلمة بن الأكوع، عند أحمد ٤/ ٤٧ و٥٠، والبخاري ١/ ٣٨ عقب (١٠٩). وابن عبّاس، عند أحمد ١/ ٢٣٣ و٢٦٩، والدارمي (٢٣٨)، والترمذي (٢٩٥٠) و(٢٩٥١). وعبد الله بن عمرو، عند أحمد ٢/ ١٧١. =
[ ١ / ١٤٠ ]
وفي بعضِ الرِّواياتِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» مطلقًا بدون تقييدٍ (١).
وفي مطابقةِ دليلِه لمُدَّعاهُ نظرٌ، إذ لا يُقالُ لِمَنْ نَقَلَ من " صَحِيْح
البُخَارِيِّ " - مثلًا - حديثًا، ولا رِوايةَ لَهُ بِهِ: إنَّه كذبَ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -. وافهمَ قولَه: (نَقْلٍ) أنَّه إذَا وَجَدَ حديثًا لَهُ بِهِ روايةٌ، سَاغَ لَهُ نَقْلُه، وإنْ كَانَ ضَعيفًا، لكنْ لا يجزم بِهِ.
وقضيةُ النُّسْخةِ الثانيةِ، أنَّ لَهُ أَنْ يجزمَ بِهِ، ولَيْسَ مُرادًا.
و(امتناعُ) مبتدأٌ، خَبرُهُ (إجْمَاعُ)، و(لابْنِ خَيْرٍ) صلةُ محذوفٍ أي: إجماعٌ منقولٌ لابن خَيْرٍ، أَوْ خبرٌ للجملةِ بجعلِها في محلِ المبتدإِ أي: هَذَا الكلامُ لابنِ خَيْرٍ.
_________________
(١) = وابن مسعود، عند أحمد ١/ ٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٤، والترمذي (٢٦٥٩). وعقبة بن عامر، عند أحمد ٤/ ١٥٦. وعلي ابن أبي طالب، عند أحمد ١/ ١٣٠. ومعاوية ابن أبي سفيان، عند أحمد ٤/ ١٠٠. ويعلى بن مرّة، عند الدارمي (٢٤٠). والمغيرة بن شعبة عند البخاري ٢/ ١٠٢ (١٢٩١)، ومسلم ١/ ١٠ عقب (٤). وأبو هريرة، عند أحمد ٢/ ٤١٣، والدارمي (٥٩٩)، والبخاري ١/ ٣٨ (١١٠)، ومسلم ١/ ٨ حديث (٣). قلنا: وقد رواها جميعها، ابن الجوزي في تقدمة الموضوعات ١/ ٥٥ - ٩٣ وبسط الكلام في تخريجها اللكنوي في الآثار المرفوعة: ٢١ - ٣٦.
(٢) رواية الإطلاق: أخرجها أحمد ٣/ ١١٦ و١٦٦ و١٧٦، والدارمي (٢٤٢)، وعبد الله ابن أحمد ٣/ ٢٧٨، من حديث أنس بن مالك. وأخرجه أحمد ١/ ١٦٥ و١٦٦، والبخاري ١/ ٣٨ (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١)، من حديث عبد الله بن الزبير، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٠٤)، من حديث أبي قتادة الأنصاري. وأخرجه أحمد ٤/ ١٥٩ و٢٠١، من حديث عقبة بن عامر.
[ ١ / ١٤١ ]
القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ (١)
_________________
(١) انظر في الحسن: جامع الأصول ١/ ١٧٤ - ١٧٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وإرشاد طلاب الحقائق١/ ١٣٧ - ١٥٢، والتقريب: ٤٢ - ٤٩، والاقتراح: ١٦٢، والنفح الشذي ١/ ١٩٦ - ٣٠٨، والمنهل الروي: ٣٥، والخلاصة: ٣٨، والموقظة: ٢٦، واختصار علوم الحديث: ٣٧، ونكت الزركشي ١/ ٣٠٤ - ٣٨٨، والشذا الفياح ١/ ١٠٧ - ١٣٢، والمقنع ١/ ٨٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٧٧، ونزهة النظر: ٩١، ونكت ابن حجر ١/ ٣٨٥ - ٤٩٠، والمختصر: ٧٣، وفتح المغيث ١/ ٦١، وألفية السيوطي: ١٥ - ١٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٢٦، والبحر الذي زخر ٢/ ٨٤٥ - ١٣١٦، وتوضيح الأفكار ١/ ١٥٤، وظفر الأماني: ١٧٤، وقواعد التحديث: ١٠٥، وتوجيه النظر ١/ ٣٥٤ - ٣٩٥. والحديث الحسن: وسطٌ بين الصحيح والضعيف، قال ابن القطّان في " بيان الوهم والإيهام " (١١١٨): «الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف» وبنحوه قال عقب (١١٧٣). وقال عقيب (١٤٣٢): «ونعني بالحسن: ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنًا هكذا؛ إما بأن يكون أحد رواته مختلفًا فيه، وثقّه قوم وضعّفه آخرون، ولا يكون ما ضعّف به جرحًا مفسرًا، فإنّه إن كان مفسرًا قدّم على توثيق من وثّقه، فصار به الحديث ضعيفًا»؛ ولما كان كذلك عسر على أهل العلم تعريفه. قال الحافظ ابن كثير: «وذلك لأنّه أمر نسبيٌ، شيءٌ ينقدح عند الحافظ، ربّما تقصر عبارته عنه». اختصار علوم الحديث: ٣٧. وقال ابن دقيق العيد: «وفي تحرير معناه اضطرابٌ». الاقتراح: ١٦٢. وذلك لأنّه من أدق علوم الحديث وأصعبها؛ لأنّ مداره عَلَى من اختلف فِيهِ، ومن وهم في بَعْض مَا يَرْوِي. فَلا يتمكّن كلّ ناقدٍ من التوفيق بَيْن أقوال المتقدّمين أو ترجيح قولٍ عَلَى قولٍ إلا من رزقه الله علمًا واسعًا بأحوال وقواعد هَذَا الفن ومعرفةٍ قوية بعلم الجرح والتعديل، وأمعن في النظر في كتب العلل، ومارس النقد والتخريج والتعليل عمرًا طويلًا، ومارس كتب الجهابذة النقاد حتّى اختلط بلحمه ودمه، وعرف المتشددين والمتساهلين من المتكلمين في الرّجال، ومن هم وسطٌ في ذَلِكَ؛ كي لا يقع فيما لا تحمد عقباه؛ ولذلك قال الحافظ الذهبي: «ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدةً تندرج كل الأحاديث الحسان فيها؛ فأنا على إياسٍ من ذلك، فكم من حديثٍ تردد فيه الحفاظ هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ؟». الموقظة: ٢٨. =
[ ١ / ١٤٢ ]
٥٠ - وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجًا وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
_________________
(١) = وللحافظ ابن حجر محاولةٌ جيّدةٌ في وضعه تحت قاعدة كليةٍ فقد قال في النخبة: «وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تامّ الضّبط، متّصل السّند غير معللٍ ولا شاذٍ: هو الصّحيح لذاته فإن خفّ الضّبط، فالحسن لذاته». النخبة: ٢٩، ٣٤. وهي محاولة جيدةٌ. وقد مشى أهل المصطلح على هذا من بعده. وحدّوا الحسن لذاته: بأنه ما اتصل سنده بنقل عدلٍ خف ضبطه من غير شذوذٍ ولا علةٍ». وشرط الحسن لذاته نفس شرط الصحيح، إلا أنّ راوي الصحيح تامّ الضبط، وراوي الحسن لذاته خفيف الضبط. وسمّي حسنًا لذاته لأنّ حسنه ناشئ عن توافر شروط خاصّة فيه، لا نتيجة شيء خارج عنه. وقد تبين لنا: أنّ راوي الحسن لذاته هو الراوي الوسط الذي روى جملة من الأحاديث، فأخطأ في بعض ما روى، وتوبع على أكثر ما رواه؛ فراوي الحَسَن: الأصل في روايته المتابعة والمخالفة وَهُوَ الذي يطلق عَلَيْهِ الصدوق، لأنّ الصدوق هُوَ الذي يهم بَعْض الشيء فنزل من رتبة الثقة إلى رتبة الصدوق. فما أخطأ فيه وخولف فيه فهو من ضعيف حديثه، وما توبع عليه ووافقه من هو بمرتبته أو أعلى فهو من صحيح حديثه. أما التي لم نجد لها متابعة ولا شاهدًا فهي التي تسمّى بـ (الحسان)؛ لأنّا لا ندري أأخطأ فيها أم حفظها لعدم وجود المتابع والمخالف؟ وَقَدْ احتفظنا بهذه الأحاديث التي لَمْ نجد لها متابعًا ولا مخالفًا وسمّيناها حسانًا؛ لحسن ظننا بالرواة؛ ولأنّ الأصل في رواية الراوي عدم الخطأ، والخطأ طارئٌ؛ ولأنّ الصدوق هُوَ الذي أكثر مَا يرويه مِمَّا يتابع عَلَيْهِ. فجعلنا مَا تفرد بِهِ من ضمن مَا لَمْ يخطأ فِيهِ تجوزًا؛ لأنّ ذلك هو غالب حديثه، ولاحتياجنا إليه في الفقه. وبمعنى هذا قول الخطّابي: « وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء». ولا بأس أن نحد ذلك بنسبة مئوية فكأنّ راوي الحسن من روى - مثلًا لا حصرًا - مئتي حديث فأخطأ في عشرين حديثًا وتوبع في ثمانين. فالعشرون التي أخطأ فيها من ضعيف حديثه. والثمانون التي توبع عليها من صحيح حديثه. أما المئة الأخرى وهي التي لم نجد لها متابعًا ولا مخالفًا فهي من قبيل (الحسن). ومن حاله كهذا: عاصم ابن أبي النجود، فقد روى جملة كثيرة من الأحاديث فأخطأ في بعض وتوبع على الأكثر فما وجدنا له به متابعًا فهو صحيح، وما وجدنا له به مخالفًا أوثق منه عددًا أو حفظًا فهو من ضعيف حديثه. وما لم نجد له متابعًا ولا مخالفًا فهو (حسن) خلا روايته عن أبي وائل، وزر بن حبيش. وانظر: كتابنا كشف الإيهام الترجمة (٣٢٨). وممن حاله كحال عاصم: «عبيدة بن حميد الكوفي، وسليمان بن عتبة وأيوب ابن هانئ، وداود بن بكر ابن أبي الفرات، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والحارث ابن عبد الرحمن ابن أبي ذباب، ويونس ابن أبي إسحاق، وسماك بن حرب». وهذا الرأي وإن كان بنحو ما انتهى إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلا أننا لم نجد من فصّله هكذا. وهو جدير بالقبول والتداول بين أهل العلم. وقد يتساءل إنسانٌ بأن من قيل فيهم: صدوق أو حسن الحديث قد اختلف المتقدمون في الحكم عليهم تجريحًا وتعديلًا. وجواب ذلك: أنّ الأئمة النقاد قد اطّلعوا على ما أخطأ فيه الراوي وما توبع عليه فكأنّ المجرّح رأى أن ما خولف فيه الراوي هو الغالب من حديثه، والمعدّل كذلك رأى أن ما توبع عليه هو غالب حديثه فحكم كلٌّ بما رآه غالبًا، غير أنا نعلم أنّ فيهم متشددين يغمز الراوي بالجرح وإن كان خطؤه قليلًا، ومنهم متساهلين لا يبالي بكثرة الخطأ، وعند ذلك يؤخذ بقول المتوسطين المعتدلين. ولذا نجد الحافظ ابن عدي في الكامل، والإمام الذهبي في الميزان يسوقان أحيانًا ما أنكر على الراوي الوسط ثم يحكمان بحسن رواياته الأخرى. والله أعلم.
[ ١ / ١٤٣ ]
٥١ - (حَمْدٌ) وَقَالَ (التِّرمِذِيُّ): مَا سَلِمْ مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ
٥٢ - بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
٥٣ - وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
مِن أقسامِ السُّنَنِ: (الحَسَنُ). قَدِ اختلفتْ أقوالُ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ في حَدِّهِ (١)، بالنظرِ لِقسمَيْهِ الآتيينِ، وَقَدْ شَرَعَ في بَيانِهِ، فَقَالَ:
(والحَسَنُ المَعْرُوفُ مَخْرَجًا) بِنَصْبهِ تمييزًا مُحوَّلًا من نائبِ الفاعِلِ أي: المعروفُ مَخْرَجُهُ أي: رجالُهُ، وكلٌّ مِنْهُمْ مَخْرَجٌ خَرَجَ مِنْهُ الحديثُ، ودارَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كنايةٌ عَنِ الاتِّصَالِ: إذِ المرسَلُ، والمنقطعُ، والمُعْضَلُ، والمدلَّسُ - بفتحِ اللامِ - قَبْلَ أَنْ يتبيَّنَ تدليسَهُ لا يُعرفُ مَخْرَجُ الحديثِ مِنْها.
(وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ) بالعدالةِ والضبطِ اشتهارًا دُوْنَ اشتهارِ رجالِ الصَّحِيحِ، (بذاكَ) أي: بما ذكرَ من الاتِّصالِ والشُّهرةِ (حَدْ) الحافظُ أَبُو سليمانَ (حَمْدٌ) - بإسكان الميم - بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الخطَّابِ البُسْتِيُّ، الشافعيُّ، المشهور بـ «الخَطَّابيِّ» نِسبةً إلى جَدِّ أبيهِ (٢).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٠.
(٢) فقد قال في معالم السّنن ١/ ١١: «الحسن: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء». وهذا التعريف نقله الإمام المزي في تهذيب الكمال ١/ ٧١. قال الحافظ العراقي: «ورأيت في كلام بعض المتأخرين أن في قوله: ما عرف مخرجه؛ احترازًا عن المنقطع، وعن حديث المدلس قبل أن يتبين تدليسه. قال ابن دقيق العيد: «ليس في عبارة الخطابيّ كبير تلخيص. وأيضًا فالصحيح قد عرف مخرجه واشتهر رجاله. فيدخل الصّحيح في حد الحسن. قال: وكأنه يريد مما لم يبلغ درجة الصّحيح». قال الشّيخ تاج الدين التبريزي: فيه نظر؛ لأنه - أي: ابن دقيق العيد - ذكر من بَعْدَ: أن الصّحيح أخص من الحَسَن. قَالَ: ودخول الخاص في حد العام ضروري. والتقييد بما يخرجه عَنْهُ مخلٌّ للحدّ وهو اعتراضٌ متجهٌ». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٠ - ١٨١، والاقتراح ١٦٣ - ١٦٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ٣٠٤، والتقييد والإيضاح ٤٣، ونكت ابن حجر ١/ ٣٨٥، والبحر الذي زخر ٣/ ٩٥٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
وبما قرَّرتُه في الاشتهارِ، سقطَ الاعتراضُ بأنَّ الخطَّابيَّ لَمْ يميِّزِ الحَسنَ مِنَ الصَّحِيحِ، ولا من الضَّعِيفِ.
(وَقَالَ) الحافِظُ أَبُو عِيسى مُحَمَّدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرَةَ (التِّرْمِذِيُّ) - بكسرِ التاءِ والميمِ عَلَى المشهورِ، وبالمُعجَمةِ -نسبةً إلى تِرْمِذَ مدينةٍ بطرفِ جَيْحُوْنَ نهرِ بَلْخَ (١) - في " العِللِ " التي في آخر جامعِهِ ما حَاصِلُهُ: الحسنُ عندنا: (ما سَلِمْ مِنَ الشُّذوذِ مَعَ راوٍ) أي: مَعَ أنَّ راويًا من رُواتِهِ (ما اتُّهِمْ بِكَذِبٍ) بأن لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعمُّدُهُ (٢).
ولَمَّا شَمِلَ هَذَا مَا كَانَ بَعْضُ رواتهِ سَيِّيءَ الحِفظِ، أَوْ مستورًا، أَوْ مدلِّسًا بالعَنْعَنَةِ، أَوْ مخْتَلِطًا، شَرَطَ شَرْطًا آخرَ؛ فقالَ: (وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ)، بَلْ جَاءَ مِن وجهٍ آخرَ فأكثرَ، مِثْلَهُ، أَوْ فوقَهُ، بلفظِهِ، أَوْ بِمعناهُ؛ لِيتَرجَّحَ بِهِ أحدُ الاحتمالينِ.
لأنَّ سيِّيءَ الحفظِ -مثلًا- يُحتملُ أَنْ يكونَ ضَبَط مرويَّهُ، ويُحتملُ خلافُه. فإذا وَرَدَ مثلُ ما رَواهُ مِن وجهٍ آخرَ، غَلَبَ عَلَى الظنِّ أنَّه ضَبَطَ.
واعتُرِضَ عَلَيْهِ: بأنَّ مَا حدَّ بِهِ الحَسنَ، لَمْ يميِّزْهُ عَنْ الصَّحِيحِ، وَرَدَّه بأنَّه مَيَّزَهُ عَنْهُ، حيثُ شَرَطَ فِيهِ أن يُرْوَى مِن وجهٍ آخرَ، دُوْنَ الصَّحِيحِ (٣).
رُدَّ بأنّهُ لَمْ يَشترطْ (٤) ذَلِكَ في كلِّ حَسَنٍ، بَلْ فيما قَالَ فِيهِ: حَسَنٌ فَقَطْ، وَهُوَ الحسنُ لغيرهِ، دُوْنَ ما قَالَ فِيهِ: «حَسَنٌ صَحِيْحٌ»، أَوْ «حسنٌ غريبٌ»، أَوْ «حسنٌ صَحِيْحٌ غريبٌ» وَهُوَ الحسنُ لذاتِهِ (٥).
كَمَا أشارَ إلى ذَلِكَ بقولهِ: (قُلتُ: و) مَعَ شَرْطِهِ عَدَمَ التفرَّدِ بِهِ (قَدْ حَسَّنَ) في " جامعِهِ " (بَعضَ ما انْفَرَدْ) بِهِ راويهِ، حيث يَقُولُ عَقِبَ الحَدِيثِ: «حَسَنٌ غَريبٌ،
_________________
(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٢٦.
(٢) الجامع ٦/ ٢٥١ (العلل)
(٣) انظر مناقشات العلماء لتعريف التّرمذي للحديث الحسن في معرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨١ وما بعدها، ونكت الزّركشيّ ١/ ٣٠٧، وتدريب الراوي١/ ١٥٨ وما بعدها، والمنهل الروي ٥٣، وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٠، والنكت لابن حجر ١/ ٣٨٥ وما بعدها.
(٤) في (ص): «يشرط».
(٥) انظر: النزهة: ٩٤.
[ ١ / ١٤٥ ]
لا نعْرِفُهُ إلاَّ مِن هَذَا الوجهِ» فانتقضَ شرطُه المذكورُ (١).
لكِنْ أَجابَ عَنْهُ شيخُنا تَبَعًا لغيرِهِ: «بأنَّه إنَّما حَدَّ مَا يَقُولُ فِيهِ «حَسَنٌ» فَقَطْ، لا الحَسَنُ مُطْلَقًا، إما لغُمُوضِهِ، أَوْ لأنَّهُ اصْطلاحٌ جديدٌ لَهُ» (٢).
(وَقِيلَ)، يَعْني: وَقَالَ الحافِظُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزيِّ في كتابَي (٣) "الموضوعاتِ" (٤) و" العِللِ المُتناهِيةِ " (٥): الحسَنُ (مَا) بِهِ (ضَعْفٌ قَرِيبٌ محتَمَلْ) - بفتح المِيْمِ - (فِيهِ).
فالحَسَنُ لِذاتِهِ ضعيفٌ بالنِّسبةِ للصَّحِيحِ، والحسنُ لغيرِهِ ضَعيفٌ أصالةً، وإنّما طَرأَ عَلَيْهِ الحُسْنُ بما عَضَدَهُ، فاحْتَمَلَ الضّعفَ لوجودِ العاضدِ.
فهذهِ ثلاثةُ أقوالٍ.
(وَمَا بِكُلِّ ذَا) أي: بكُلِّ قولٍ مِنْها (حَدٌّ) صَحِيْحٌ (حَصَلْ) للحَسَنِ، بَلْ هُوَ كَما قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «مُسْتَبْهَمٌ لا يَشْفِي الغَليلَ» (٦).
لأنَّه غَيْرُ جامعٍ لأفرادِ الحَسَنِ في الأولينَ، ولِعَدمِ ضَبْطِ القَدْر المحتَمَلِ في الأخيرِ (٧).
٥٤ - وَقَالَ (٨): بَانَ لي بإمْعَانِ (٩) النَّظَرْ أَنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلٌّ قَدْ ذُكِرْ
_________________
(١) قال الحافظ العراقي: «هذا من الزوائد على ابن الصّلاح. وهو إيراد على التّرمذي، حيث اشترط في الحسن أن يروى من غير وجهٍ نحوه. ومع ذلك فقد حسّن أحاديث لا تروى إلا من وجه واحد». وضرب لذلك مثالًا. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) نزهة النظر: ٩٥.
(٣) في (ق): «كتاب».
(٤) الموضوعات ١/ ٣٥، ونقله العراقي في التقييد والإيضاح: ٦١، وهذا التعريف انتقده السخاوي في فتح المغيث ١/ ٦٦ بقوله: «هذا كلام صحيح في نفسه، لكنه ليس على طريقة التعاريف».
(٥) لم نجده، ولعله مما سقط من المطبوع، وقد ذكره العراقي في التقييد والإيضاح: ٦١.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٢.
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٤.
(٨) في النفائس: «قد بان»، وفي جميع النسخ: «وقال بان»، وهو الصحيح؛ لأن: أنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلٌّ قَدْ ذَكَرْ «ذكر» في نهاية البيت بصيغة الغياب، و«قال» مشعرة به، على العكس من: «قد».
(٩) في نسخة ب وج من متن الألفية: «بإمعاني».
[ ١ / ١٤٦ ]
٥٥ - قِسْمًا، وَزَادَ كَونَهُ مَا عُلِّلا وَلاَ بِنُكْرٍ أوْ شُذُوْذٍ شُمِلاَ
٥٦ - وَالفُقَهَاءُ (١) كلُّهُمْ تَسْتَعمِلُهْ (٢) وَالعُلَمَاءُ الْجُلُّ مِنْهُمْ يَقْبَلُهْ
٥٧ - وَهْوَ بأقْسَامِ الصَّحِيْحِ مُلْحَقُ حُجِّيَّةً وإنْ يَكُنْ لا يَلْحَقُ
(وَقَالَ) أي: ابنُ الصلاحِ (بَانَ) أي: ظَهَرَ (لي بإمْعَانِ) أي: إكثاري (النَّظَرْ) في ذَلِكَ، والبحثِ فِيهِ (٣)، جامعًا بَيْن أطرافِ كلامِهِم، مُلاحظًا فِيهِ مواقعَ استعمالِهم. (أَنَّ لَهُ) أي: للحَسَنِ (قسمينِ) (٤): أحدُهما أي: وَهُوَ المسمَّى بالحسنِ لغيرِهِ: «مَا في إسنادِهِ مستورٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ (٥) أهْليَّتُهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَيْسَ مُغفَّلًا، ولا كثيرَ الخطإِ فِيمَا يَروِيهِ، ولا مُتَّهمًا بالكَذِبِ فِيهِ، ولا يُنْسَبُ إلى مفَسِّقٍ آخَرَ، واعتضدَ بمتابعٍ أَوْ شاهدٍ» (٦).
وثانِيْهِما أي: وَهُوَ المسمَّى بالحسَنِ لذاتِهِ: «ما اشتَهَرَ راويهِ (٧) بالصِّدْقِ والأمَانَةِ، وَلَمْ يَصِلْ في الحفظِ، والإتقانِ، رُتبةَ رجالِ الصَّحِيح».
فالقسمانِ (كُلٌّ) مِنَ التِّرْمِذِيِّ والخَطَّابِيِّ (قَدْ ذَكَرْ) مِنْهُمَا (قِسْمًا)، وتركَ الآخرَ لظهورِهِ عنده، أَوْ لذهولِهِ عَنْهُ، أَوْ لغيرِه (٨).
_________________
(١) انظر: النكت الوفية: ٦٥ / ب.
(٢) في (م): «يستعمله»، وكلاهما جائز.
(٣) المثبت من (ص) و(ق) و(ع) وفي (م): «به».
(٤) اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات، أوردها الزّركشيّ مع أجوبته عنها فانظر: نكته ١/ ٣١٣ - ٣١٧.
(٥) في (ق): «يتحقق».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٣.
(٧) في (ق): «رجاله»، وفي (ع): «رواته»، والأصح «راويه»؛ لأن ضمير الفعل: «يصل» يعود على مفرد لا جمع.
(٨) في (ص): «أي ولغيره»، وفي (ع): «أي أو لغيره».
[ ١ / ١٤٧ ]
فَكَلامُ التِّرْمِذِيِّ يُنَزَّلُ (١) عَلَى الأَوَّلِ، وكلامُ الخَطَّابِيِّ عَلَى الثَّاني (٢).
(وَزَادَ) ابنُ الصَّلاحِ في كُلٍّ مِنْهُمَا (كَوْنَهُ مَا عُلِّلا) بألِفِ الإطلاقِ (وَلاَ بِنُكْرٍ أَوْ (٣) شُذُوذٍ شُمِلاَ) بِبِنائِهِ للمَفْعولِ (٤)، وبألفِ الإطلاقِ، بأَنْ يَسْلَمَ مِن كُلٍّ من الثلاثةِ، لكنْ زيادتُهُ الثَّالِثُ (٥) إنَّمَا هِيَ عَلَى الخَطَّابِيِّ دُوْنَ التِّرْمِذِيِّ، لما مَرَّ.
(والفُقَهاءُ كُلُّهمْ تَسْتَعْمِلُهْ) في الاحتِجاجِ والعَملِ بِهِ، (وَالعُلَمَاءُ) مِنَ المُحدِّثِينَ، وغَيْرِهِم (الجُلُّ) أي: المُعظَمُ (مِنْهُمْ يَقْبَلُهْ) فِيهِمَا أَيْضًَا (٦).
(وَهْوَ) أي: الحسنُ بِقِسْمَيْهِ (بأقسامِ الصَّحِيحِ مُلْحقُ حُجِّيَّةً) أي: في الاحْتِجاجِ بِهِ، (وإن يَكُنْ لا يَلْحَقُ) الصَّحِيحَ رُتْبةً، لضَعْفِ راوِيهِ، أَو انحطاطِ ضَبْطِهِ.
بَلْ قَالَ ابنُ الصلاحِ: «مَنْ سمَّاهُ صَحِيحًا لاندراجِهِ فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ، لا يُنْكِرُ أنَّه دونَهُ، فهذا اخْتَلافٌ في العِبارةِ دُوْنَ المَعْنَى» (٧).
٥٨ - فَإنْ يُقَلْ: يُحْتَجُّ بِالضَّعِيْفِ فَقُلْ: إذا كَانَ مِنَ المَوْصُوْفِ
٥٩ - رُوَاتُهُ بِسُوْءِ حِفْظٍ يُجْبَرُ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ
٦٠ - وَإنْ يَكُنْ لِكَذِبٍ أوْ شَذَّا أوْ قَوِيَ الضَّعْفُ فَلَمْ يُجْبَر ذَا
٦١ - أَلاَ تَرَى الْمُرْسَلَ حَيْثُ أُسْنِدَا أوْ أرْسَلُوا كَمَا يَجِيءُ اعْتُضِدَا
_________________
(١) في (ق) و(ص): «منزل».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٥.
(٣) بعد هذا في (م): «بالدرج».
(٤) ويسمّى أيضًا: مبنيًا للمجهول.
(٥) في (ق): «زيادة الثلاثة» وفي (ع): «زيادة الثّالث». وجاء بعدها في (م): «أي الشذوذ»، وقد سقطت من أصولنا.
(٦) قال العراقي: «البيت الأول مأخوذ من كلام الخطّابيّ. وقد تقدم نقله عنه إلا أنه قال: عامة الفقهاء، وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه. والظاهر أن الخطّابيّ أراد الكلّ. ولو أراد الأكثر لما فرّق بين العلماء والفقهاء». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٧.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٧، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٨٧.
[ ١ / ١٤٨ ]
(فَإنْ يُقَلْ) (١)، فِيْمَا مَرَّ: من أنَّ الحَسَنَ لغيرِهِ يُكْتَفَى فِيهِ بكونِ راويهِ غيرَ متَّهَمٍ، وفي عَاضِدِه بكونِه مِثْلَه، مَعَ أنَّ كلًا مِنْهُمَا ضَعِيْفٌ، لا يُحتجُّ بِهِ: كيفَ (يُحْتَجُّ بِالضَّعِيفِ) إذَا انضمَ إِليهِ ضَعِيْفٌ مَعَ اشتراطِهِم الثِّقةَ في القَبولِ؟
(فَقُلْ): لا مانِعَ مِنْهُ؛ لأنَّ الحديثَ (إذَا كَانَ مِنَ الموْصُوفِ رُوَاتُهُ) واحدٌ أَوْ أكثرُ (بِسُوْءِ حِفْظٍ) أَوْ باختلاطٍ، أَوْ بتدليسٍ، مَعَ اتِّصافِهم بالصِّدقِ والدِّيانةِ، (يُجْبَرُ بكَونِهِ مِنْ غيرِ وجهٍ يُذْكَرُ) فانجبرَ لاكتسابهِ من الهيئةِ المجموعةِ قوةً (٢)، كما في الصَّحِيحِ لغيرِه الآتي بيانُه.
ولأنَّ الحكمَ عَلَيْهِ بالضَّعْفِ إنَّما كَانَ لاحتمالِ ما يمنعُ القُبولَ، فلمَّا جاءَ العاضدُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زوالُ ذَلِكَ الاحتمالِ.
وليسَ هَذَا مِثْلُ شهادةِ غيرِ عدلٍ، انضمَّ إليها شهادةُ مثلِهِ؛ لأنَّ بابَ الشهادةِ أضيقُ من بابِ الروايةِ.
(وإنْ يَكُنْ) ضَعْفُهُ (لِكَذبٍ) في راوِيهِ، (أَوْ شَذَّا) أي: أَوْ شذوذٍ في روايتِه
(أَوْ قَوِيَ الضَّعْفُ) بشيءٍ آخرَ، مما يقتضي الرَّدَّ، (فَلَمْ يُجبَرْ ذَا) أي الضَّعفُ بوجهٍ آخرَ، وإن كَثُرَتْ (٣) طُرُقُهُ.
كحديثِ: «مَنْ حَفِظَ عَلَى أمَّتِيْ أرْبَعِيْنَ حَدِيْثًا مِنْ أمْرِ دِيْنِهَا، بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيْ زُمْرَةِ الفُقَهَاءِ والعُلَمَاءِ» (٤).
_________________
(١) المثبت من أصولنا ومن متن الألفية، وفي (م): «قيل».
(٢) انظر: النزهة: ٩٢.
(٣) المثبت من (ق) و(ع) و(ص): وفي (م): «قويت».
(٤) العلل المتناهية ١/ ١١٩، والتذكرة للزركشي ٢/ ١٨٨٥، والدرر المنتثرة ١/ ٣٨٧، وجاء في نسخة (ق) تعليقة للعلاّمة الآلوسي، قال فيها: «هكذا روي عن عليّ - ﵁ -، وفي رواية بعثه الله فقيهًا عالمًا، وفي رواية أبي الدرداء «وكنت له يوم القيامة شافعًا وشهيدًا»، وفي رواية ابن مسعود: «وقيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت»، وفي رواية ابن عمر «كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء» كذا ذكره بعض المحدّثين، وفي بعض الروايات نوع تخالف وقد يجمع باختلاف المراتب فتدبر».
[ ١ / ١٤٩ ]
فَقَدْ اتَّفقَ الحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهِ؛ لقوَّةِ ضعفِه (١)، وقصورِها من جَبْرِه، بخلافِ مَا مَرَّ؛ لما خفَّ ضَعْفُهُ، وَلَمْ يَقْصُرِ الجابرُ عَنْ جَبْرِهِ، انجبرَ، واعتضدَ.
(ألا تَرى) الحديثَ (المرسلَ) مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَ الشَّافِعيِّ، ومُوَافِقِيْهِ (حَيْثُ
أُسْنِدا) من وجهٍ آخرَ (أَوْ أرسَلُوا) أي: أُرْسِلَ من وجهٍ آخرَ، بأن أرْسَلَهُ مَنْ أخذَ العِلْمَ مِنْ غيرِ رجالِ التَّابعيِّ الأوَّلِ (كما يَجيءُ) بيانُهُ في بابِهِ (اعتضدا)، وصارَ بذلك حُجَّةً.
واعتُرضَ: بأنَّ الحديثَ إذَا أُسندَ، فالاحتجاجُ بالمسندِ.
وأُجيبَ: بأنَّ المرادَ: مُسْندٌ، لا يُحتجُّ بِهِ منفردًا، وبأنَّ ثَمرتَهُ تَظْهَرُ فيما لَوْ عارضَهُ مسندٌ مثلُهُ، فإنَّهُ يُرجِّحُ عَلَيْهِ لاعتضادِهِ بالمرسَلِ.
٦٢ - وَالحَسَنُ: الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَهْ وَالصِّدْقِ رَاوِيهِ، إذَا أَتَى لَهْ
٦٣ - طُرُقٌ اخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ صَحَّحْتُهُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ)
٦٤ - إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو) عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
(وَالحَسنُ) لذاتِهِ الذي (٢) هُوَ (المشْهورُ بالعَدَالَهْ والصِّدقِ راويهِ)، برفعِهِ بـ: (المشهورُ) أي: المشهورُ رواتُه (٣) بِذَلِكَ اشتهارًا دُوْنَ اشتهارِ رجالِ الصَّحِيحِ، كَمَا مرَّ (إذَا أَتَى لَهْ طُرُقٌ اخْرَى) - بالدرج - (نحوُها) أي: نحوُ طريقهِ (من الطُرُقِ) التي دُونَها (صَحَّحْتُهُ) (٤).
فإنْ ساوتْها، أَوْ رجحَتْهَا، فمجيئُهُ من طريقٍ آخرَ كافٍ، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ لغيرِهِ، وما مَرَّ قبلُ، هُوَ الصَّحِيحُ لذاتِه، كَمَا مَرَّ التنبيهُ عَلَيْهِ.
ذَلِكَ (ك: مَتْنِ) أي: حديثِ: «(لَولاَ أنْ أشُقْ) عَلَى أمَّتِي لأمَرْتُهُمٍ بالسِّوَاكِ
_________________
(١) هذا الكلام اقتبسه الشارح من كلام الإمام النّوويّ في ديباجة أربعينه: ٤.
(٢) «الذي» سقطت من (ق).
(٣) في (ق) و(ع): «راويه».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة١/ ١٩١، وللبقاعي تعليق مفيد في هذا الموضع، يراجع النكت الوفية: ٧٠/ أ.
[ ١ / ١٥٠ ]
عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ» (١)، (إذ (٢) تَابَعُوا) راويهِ (مُحَمَّدَ بنَ عَمْرِو) بنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أبي سَلَمَةَ،
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، في شَيخِ شيخِهِ، حَيْثُ رَواهُ جماعةٌ غَيْرُ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ (٣).
(فارْتَقى) من طريقِ مُحَمَّدٍ بهذهِ المتابعاتِ (الصَّحِيحَ يَجْرِي) أي: جاريًا إِليهِ.
ولولاها لَمْ يرتَقِ (٤)؛ لأنَّ راويه مُحَمَّدًا، وإنْ اشتهرَ بالصِّدْقِ، والصِّيانةِ، ووثَّقَهُ بعضُهم لذلك، لَمْ يكنْ متقنًا، حَتَّى ضَعَّفَه بعضُهم لِسُوءِ حِفْظِهِ (٥).
والحديثُ رواهُ الشيخانِ مِن طريقِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ هُرْمُزَ الأعرجِ (٦)، فَهُوَ صَحِيْحٌ لذاتِهِ مِنْ طريقِهِ، صَحِيْحٌ لغيرِهِ، حَسَنٌ لذاتِهِ من طريقِ مُحَمَّدٍ باعتبارَيْنِ (٧).
٦٥ - قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَنِ
٦٦ - فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ
٦٧ - وَمَا بهِ وَهْنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
٦٨ - فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَّحْ وَسَكَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٥٨ و٢٨٧و٣٩٩ و٤٢٩، والترمذي (٢٢)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٤، والطبراني في الأوسط (٧٤٢٠)، والبيهقي ١/ ٣٧، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٨٦.
(٢) في (ق): «إذا».
(٣) منهم: حميد بن عبد الرحمان، وحديثه أخرجه: أحمد في مسنده٢/ ٤٦٠و٥١٧، والنسائي في الكبرى (٣٠٤٣) و(٣٠٤٤) و(٣٠٤٥)، وابن الجارود في المنتقى (٦٣)، وابن خزيمة في صحيحه (١٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣، والطبراني في الأوسط (٧٤٢٠)، والبيهقي في الكبرى١/ ٣٥. وكذلك أخرجه من طريق عطاء مولى أم صبيّة عن أبي هريرة مرفوعًا: أحمد في مسنده ١/ ١٢٠ و٢/ ٥٠٩، والدارمي (١٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٣٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣. والبيهقي في الكبرى ١/ ٣٦. ورواه مالك في الموطأ ١/ ٨٥ (بشرحه تنوير الحوالك) من طريقه موقوفًا على أبي هريرة. قال ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٩٩: «هذا الحديث يدخل في المسند لاتصاله من غير وجه، ولما يدل عليه اللفظ». ثمّ قال: «وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك».
(٤) في (ق): «يرتق إليه».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢.
(٦) صحيح البخاريّ ٢/ ٥ (٨٨٧) و٩/ ١٠٥ (٧٢٣٩)، وصحيح مسلم ١/ ١٥١ (٢٥٢).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٢ - ١٩٤.
[ ١ / ١٥١ ]
(قَالَ) ابنُ الصلاحِ: (ومِنْ (١) مَظِنَّةٍ) - بكسر الظاء - أي: موضعُ الظنِّ، بمعنى: العِلْم (لِلحَسَنِ) أي: ومن مَظَانِّهِ (٢) غيرُ مَا مَرَّ: (جَمْعُ) الإمامِ الحافظِ (أبي داودَ) سليمانَ بنِ الأشعثِ السِّجِسْتَانيِّ، (أيْ فِي) كتابِه (السُّنَنِ، فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرتُ فِيْهِ مَا صَحَّ، أَوْ) ما (قَارَبَ) هُ، يعني: الحسنَ لغيرِه، (أَوْ) ما (يَحْكِيْهِ) أي: يُشْبِهُهُ، يعني: الحسنَ لذاتِهِ، و«أَوْ» للتقسيم.
وعبَّر أَبُو دَاوُدَ بـ «الواو»، وَهِيَ فِيهِ أجودُ مِن «أَوْ»، فَقَالَ: ذكرتُ فِيهِ الصَّحِيحَ، وما يُشْبِهُهُ، وما يُقارِبُهُ (٣).
قَالَ: (وَمَا) كَانَ فِيهِ من حديثٍ (بِهِ وَهْنٌ) أي: ضَعْفٌ (شديدٌ، قُلْتُهُ) أي: بيَّنْتُ وَهْنَهُ أي: إلاَّ أَنْ يكونَ ظاهرًا، فلم أبَيِّنْهُ لظهورِهِ.
(وحَيْثُ لاَ) وَهْنَ بِهِ شديدٌ، ولم أذكرْ فِيهِ شيئًا، (فـ) (٤) هُوَ (صالِحٌ خَرَّجْتُهُ)،
_________________
(١) في (م): «من» بدون (واو).
(٢) قال في الصحاح: «مظنّة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظنّ كونه فيه، والجمع المظانّ»، وقال في اللسان: «المظانّ جمع مظنّة -بكسر الظاء- وهي موضع الشيء ومعدنه، مفعلة من الظن بمعنى: العلم». انظر: الصحاح ٦/ ٢١٦٠، واللسان ١٣/ ٢٧٤ (ظنن).
(٣) هذا النصّ الذي يذكر في كتب المصطلح بلفظ: «ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه»، لم نجده في رسالة أبي داود إلى أهل مكة المطبوع مع مقدّمة عون المعبود ١/ ٥٣، وكذا في المطبوع مع بذل المجهود ١/ ٣٥، ولا في المطبوعة بتحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ. على الرغم من تضافر العديد من كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة. ينظر: التقييد والإيضاح: ٥٥، وفتح المغيث ١/ ٧٧، وكشف الظنون ٢/ ١٠٠٥، وقد رواه عنه الخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٥٧، من طريق ابن داسة، عنه، من غير عزو إلى رسالته، والذي يدّل عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة الخمسة: ٦٧ - ٦٨، أنّ هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود، فإنّه نقل بسنده نصًّا من الرسالة، ثم قال عقبه: «وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنّه قال: سمعت أبا داود يقول: فذكره». وهذا هو مقصد ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١١٩ - ١٢٠، فإنه قال: «وروينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح ». ثم قال: «وروينا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصحّ ما عرفه». وهذا النقل الثاني عن رسالة أبي داود إلى أهل مكّة ١/ ٣٥، فكأنه يشير إلى أنّ الأول ليس في الرسالة. فرحمه الله ما أنبل قصده وأدق مسلكه. وينظر ما كتبه محقق النفح الشذي ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٤) سقطت من (ص).
[ ١ / ١٥٢ ]
وبعضُه أصحُّ مِنْ بعضٍ (١).
قَالَ ابنُ الصلاحِ (٢): (فَـ) عَلَيْهِ: (مَا) وَجَدنَاهُ (بِهِ) أي: بكتابِهِ، (وَلَمْ يُصَحَّحْ) - ببنائِهِ للمفعول - أي: لَمْ يُصَحِّحْهُ أحدٌ مِنَ الشَّيْخينِ، ولا غَيْرِهِما، ممَّنْ يُميِّزُ بَيْنَ (٣) الصَّحِيحِ والحَسَنِ، (وَسَكَتْ) أي (٤): أَبُو داودَ (عَلَيْهِ)، فَهُوَ (عِندهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ)، وإنْ كَانَ فِيهِ مَا ليسَ (٥) بحسَنٍ عِنْدَ غَيرهِ (٦).
قَالَ شيخُنا: «ويمكنُ أَنْ يَكونَ فِيهِ ممّا بِهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ، ما ليسَ بحسنٍ عندَهُ أَيْضًَا» (٧).
٦٩ - و(ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ- : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
٧٠ - وَلِلإِمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّمَا قَوْلُ (٨) (أبي دَاوُدَ) يَحْكِي (مُسْلِما)
_________________
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة، مطبوعة مع بذل المجهود ١/ ٣٥، وفي نص الرسالة التي ساقها السيوطي بسنده في كتابه " البحر الذي زخر " ٣/ ١١١٧. وانظر: النفح الشذي ١/ ٢٠٨، ونكت الزّركشيّ ١/ ٣٣٦ - ٣٤٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٠.
(٣) «بين»: سقطت من (ق).
(٤) «أي»: سقطت من (ص).
(٥) في (ق): «ما ليس فيه».
(٦) فيه نظر، بل هو خطأ محض! لعدّة أمور، يطول المقام في سردها، منها: اختلاف روايات السنن، ففي بعض الروايات من أقوال أبي داود ما ليس في الأخرى، ثمّ إنّ أبا داود قد يضعّف الحديث بالراوي فإذا جاء هذا الراوي بحديث آخر يسكت أحيانًا؛ لأنّه تقدم الكلام عليه عنده، ثم إنّ أبا عبيد الآجري في سؤالاته ينقل كثيرًا من تضعيف أبي داود لبعض الأحاديث، وهو قد سكت عنها في سننه. وقد أطال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ١/ ٤٣٢ - ٤٤٥ في بحث هذه المسألة، وذكر أمثلة كثيرة من الأحاديث الضعيفة التي سكت عنها أبو داود. فينبغي التنبيه على: أنّ سكوت أبي داود لا يستفيد منه كل أحد، فقد قال الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٤٣٩: «فلا ينبغي للناقد أن يقلّده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟».
(٧) النكت ١/ ٤٣٥ بتصرف.
(٨) في نسخة (ب) من متن الألفية: «جمع».
[ ١ / ١٥٣ ]
٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا
(و) اعترضَ الحافظُ (ابنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء وفتح الشين - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ السَّبْتيُّ (١) الإسكندرانيُّ ابنَ الصَّلاحِ حيثُ (قَالَ: وَهْوَ) أي: وَمَا قاله ابنُ رُشيدٍ (٢) (مُتَّجِهْ) كما قالَهُ أَبُو الفتحِ اليَعْمُريُّ: «لا يلزمُ (٣) من كونِ الحديثِ لَمْ ينصَّ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ بضَعْفٍ، ولا غيرُهُ بصِحَّةٍ، أَنْ يكونَ الحديثُ عندَه حَسَنًا» (٤).
بَلْ (قَدْ يبلغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ) أي: أبي دَاوُدَ، وإنْ لَمْ يبلغْهُ عِنْدَ غيرِهِ؛ فالحكمُ لَهُ بالحسنِ، لا بالصحَّةِ تحكُّمٌ.
وجملةُ: (وَهْوَ متَّجِهْ) معترِضةٌ بَيْن القولِ ومقولِهِ، كَمَا أشرتُ إِليهِ. وأجابَ الناظمُ عَنِ الاعتراضِ: «بأنَّ ابنَ الصَّلاحِ إنَّما ذكرَ مالنا أنْ نعرفَ الحديثَ بِهِ عِنْدَ أبي داودَ، والاحتياطُ أَنْ لا يُبْلَغَ (٥) بِهِ (٦) درجةَ الصحةِ، وإنْ جازَ أنْ يبلغَها عِندَهُ؛ لأنَّ عِبارتَهُ: «فَهُوَ صالحٌ» أي: للاحتجاجِ والعملِ بِهِ.
فإن كَانَ يرى الحسنَ رتبةً بَيْن الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ، فالاحتياطُ مَا قالَهُ ابنُ الصلاحِ، أَوْ يرى - كبعضِهم - أنَّهُ ينقسمُ إلى صَحِيْحٍ وضعيفٍ، فما سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ صَحِيْحٌ، والاحتياطُ - أي (٧): عَلَى الرأيينِ - أَنْ يُقالَ: صالحٌ كَما عبَّرَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ» (٨).
أي: لأنا لا نعلمُ أيُّهما رَأْيُهُ.
وَقَدْ أفاد كلامُ أبي داودَ عَلَى الرأي الأولِ مَعَ ما تقرَّرَ: أنَّ الحديثَ إذَا كَانَ بِهِ وَهْنٌ غيرُ شديدٍ، فَهُوَ حَسَنٌ يُحتجُّ بِهِ، سواءٌ أوُجِدَ لَهُ جابرٌ أَمْ لا؟ وإن كَانَ عِنْدَ (٩)
_________________
(١) في (ق): «البستي».
(٢) «ابن رشيد»: لم ترد في (ص) و(ع).
(٣) في (م): «إذ لا يلزم».
(٤) النفح الشذي ١/ ٢١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٨.
(٥) في (ع) و(ص): «نبلغ».
(٦) «به»: لم ترد في (ق).
(٧) «أي»: لم ترد في (ق) و(ع).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٩٨ - ١٩٩، والتقييد والإيضاح: ٥٣.
(٩) في (ص): «عنده».
[ ١ / ١٥٤ ]
غيرِهِ يحتاجُ إلى جابرٍ.
فما في كتابهِ سِتَّةُ أقسامٍ أَوْ ثَمَانِيَة (١):
١ - صَحِيْحٌ لذاتِهِ.
٢ - صَحِيْحٌ لغيرِهِ.
٣ - حَسَنٌ لذاتِهِ.
٤ - حَسَنٌ لغيرِهِ، بلا وَهْنٍ فِيْهِمَا.
٥ - ما بِهِ وَهْنٌ شديدٌ.
٦ - ما بِهِ وَهْنٌ غيرُ شديدٍ.
وهذا قسمانِ:
١ - ما لَهُ جابرٌ.
٢ - وَمَا لا جابرَ لَهُ.
وما قَبْلَهُ قِسمانِ:
١ - ما بَيَّنَ وَهْنَهُ.
٢ - وما لَمْ يُبيِّنْ وَهْنَهُ.
(وللإمام) الحافظِ أبي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ (٢) بنِ أَحْمَدَ ابنِ سيِّدِ الناسِ (اليَعْمُرِيِّ) - بفتحِ الياءِ، مَعَ فَتح الميمِ وضَمِّها - نسبةً إلى يَعْمُرَ بنِ شَدَّاخٍ (٣) - بفتح المعجمةِ، وتشديدِ (٤) المهملةِ، وآخرُه خاءٌ (٥) معجمةٌ - من بني ليث -، اعتراضٌ آخرُ عَلَى ابنِ الصلاحِ، فإنَّه قَالَ (٦):
لَمْ يَرْسُمْ أَبُو دَاوُدَ شيئًا بالحسن، (إنَّما قولُ أبي دَاوُدَ) أي: السابقُ، وَهُوَ: ذكرتُ فِيهِ الصحيحَ، وما يُشْبِهُهُ أي: في الصِّحَّةِ، ويقاربُهُ أي: فِيْهَا، كَمَا دلَّ لِذلِكَ
_________________
(١) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٤٣٥.
(٢) كلمة: «محمّد» الأخيرة: لم ترد في (ص).
(٣) انظر: الاشتقاق لابن دريد: ١٧١، والتاج ٧/ ٢٧٨.
(٤) في (ص): «وتشديد الدال».
(٥) «خاء»: سقطت من (ع) و(ص).
(٦) النفح الشذي ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ١٥٥ ]
قولُهُ: بعضُها أصحُّ من بعضٍ، فإنَّه يُشيرُ إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما، كَما (١) تَقْتَضيهِ صيغةُ أفعلَ في الأكثرِ، (يَحْكِي مُسْلِما) أي: يُشْبِه قولَهُ، (حَيثُ يَقُولُ) أي: مُسلمٌ في " صحيحِه " (٢): (جملةُ الصَّحِيحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ) الإمامِ (مَالِكٍ، والنُّبلا (٣» أي: الفُضلاءِ، كشُعبةَ، والثوريِّ.
٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ)
٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ
٧٤ - هَلاَّ قَضَى عَلَى كِتَابِ (مُسْلِمِ) بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ
(فَاحْتَاجَ) أي: مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ)، عَنْ حَدِيثِ أهلِ الطَّبقَةِ الْعُليا في الحفظِ والإتقان، (إلى) حديثِ مَنْ يَلِيْهِم في ذَلِكَ، كحديثِ (يزيدَ بنِ أبي زيادِ، ونحوِهِ)، ك: ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ، وعطاءِ بنِ السَّائبِ (٤).
(وإنْ يَكُنْ ذُو) أي: صاحبُ (السَّبْقِ) في الحفظِ والإتقانِ، كمالكٍ (٥) (قَدْ فَاتَهُ) أي: سَبَقَ بهما يزيدَ - مثلًا - فَقَدْ (أَدْرَكَ) أي: لحِقَه المسْبُوقُ (بِاسْمِ الصِّدْقِ)، والعدالةِ. فالضميرُ في «فَاتَهُ» عائدٌ لمَنْ ذُكِرَ من يزيدَ، ونحوِهِ، ويجوزُ عودُه لمسلمٍ.
أي: وإنْ يكنْ قَدْ فاتَ مسلمًا الأخْذُ عَنْ ذي السَّبْقِ، لكونِ أحدِهما لَمْ يَسمعْ ذَلِكَ الحديثَ، فَقَدْ أدركَ غَرَضَهُ بالأخذِ عمَّنْ شارَكَ ذا السبقِ في اسمِ الصِّدقِ والعدالةِ.
فمعنى كلامِ مسلمٍ، وأبي داودَ واحدٌ، غَيْرَ أنَّ مسلمًا اشترطَ الصَّحِيحَ، فاجتنبَ حديثَ الطَّبَقَةِ الثالثةِ، وَهُوَ الضَّعِيفُ الواهي، وأتى بالقسمينِ الأخيرين؛ وأبا داودَ لَمْ يشترطْهُ، فذكرَ ما يشتدُّ وَهْنُه عندَهُ، والتزمَ بيانَهُ (٦).
_________________
(١) في (ص): «لما».
(٢) صحيح مسلم ١/ ٥ - ٦ (ط عبد الباقي).
(٣) في (م): «النبلاء» بتجويد الهمزة، خطأ.
(٤) شرح ألفية العراقي للسيوطي: ١٣٤.
(٥) المصدر السابق.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ١ / ١٥٦ ]
فَـ (هَلاّ قَضى) أي: ابنُ الصَّلاح (عَلَى كتابِ مُسْلِم بِما قَضى عَلَيْهِ (١» أي: عَلَى أبي داودَ (بالتحكُّمِ) السابقِ.
فـ: «التَّحَكُّمُ» عائدٌ عَلَى (٢) «مَا» بإقامة الظاهرِ مقامَ المُضْمَرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ عائِدُها محذوفًا، و«التَّحَكُّمُ» بدلٌ مِنْها، أَوْ عطفُ بيانٍ عَلَيْهَا.
وأجابَ الناظمُ عَنْ الاعتراضِ: بأنَّ مسلمًا التزمَ الصحةَ في كتابِه، فليسَ لَنَا أنْ نحكمَ عَلَى حديثٍ فِيهِ بأنَّهُ حَسَنٌ عندَهُ، وأبو دَاوُدَ إنَّما قَالَ: «ما سكَتُّ عَنْهُ، فَهُوَ صالحٌ». والصالحُ يصدقُ بالصحيحِ وبالحسنِ، فالاحتياطُ أَنْ يُحكَمَ عَلَيْهِ بالحسنِ (٣).
٧٥ - وَ(البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصَابحَا إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
٧٦ - أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
٧٧ - كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ (٤) يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
٧٨ - في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ مِنْ رَأيٍ اقْوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
٧٩ - وَالنَّسَئيْ (٥) يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَليْهِ تَرْكًا، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
(و) الإمامُ الحافظُ، مُحْيي السُّنَّةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الحُسَينُ بنُ مسعودٍ (البَغَوِيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لنيِّةِ الوقفِ -، نسبةً إلى «بَغْ» بلدةٍ من بلادِ خُرَاسَانَ، بَيْن مَرْوَ وهراةَ (٦)، (إذ) أي: لكونِهِ (قَسَّمَ) كتابَهُ (المَصَابحا) - بحذف الياء؛ تخفيفًا -، (إلى الصِّحَاحِ والحِسَّانِ جَانِحا) أي: مائلًا إلى (أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ) أي: أَبُو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وغيرُهم (في) كُتُبِ (السُّنَنْ) من مؤلَّفاتِهِم، وإنَّ الصِّحَاحَ مَا
_________________
(١) في (ص): «قضى به».
(٢) «على»: سقطت من (ص).
(٣) التقييد والإيضاح: ٥٤.
(٤) ضبطت في بعض النسخ بالبناء للمجهول، وكلاهما جائز.
(٥) قصد النّسائي وإنما قال: «النسئي»؛ لضرورة الوزن، كما نبّه على ذلك الشارح.
(٦) انظر: معجم البلدان ١/ ٤٦٧، والتاج ١٠/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٥٧ ]
رواهُ الشيخانِ في صَحِيحَيْهما، أَوْ أحدِهما (١).
(رَدَّ) أي: رَدَّهُ (عَلَيْهِ) ابنُ الصَّلاحِ بِأنَّ هَذَا اصطلاحٌ لا يُعْرَفُ، وَليسَ الحَسَنُ عِنْدَ أَهْلِ الحديثِ عبارةً عمَّا في السُّنَنِ، (إذ بها غَيْرُ الحَسَنْ) مِنَ الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ (٢).
فَقَدْ (كَانَ أَبُو داودَ) يتتبعُ مِن حديثِه (أَقْوَى مَا وَجَدْ) فـ (يَرْويهِ، و) يَروي (الضَّعِيفَ) الذي يُجْبَرُ، (حَيْثُ لاَ يَجِدْ في البَابِ) حَدِيثًا (غَيْرَهُ، فَذَاكَ) أي: الضعيفُ (عِنْدَهْ مِنْ رأيٍ) أي: رأيِ (٣) الرجالِ (اقْوَى) -بالدرجِ- كَمَا (قالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ)، وَهُوَ أَبُو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ (٤). وتقديمُ (مِنْ) عَلَى أفعلِ التفضيلِ إذَا لَمْ يَكُنْ مجرورُها اسمَ استفهام -كَمَا هنا- قليلٌ (٥).
(و) كَانَ أَبُو عبدِ الرَّحمانِ أَحْمَدُ بنُ شُعَيْبٍ (النَّسئيْ) -بحذفِ الألفِ، وبالإسكانِ للوزنِ، أَوْ لنيةِ الوقْفِ - لا يَقْتصِرُ في تخريجِهِ عَلَى المتَّفَقِ عَلَى قَبولِهِ، بَلْ (يُخْرِجُ) حَدِيثَ (مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا) أي: أئِمَّةُ الحَدِيثِ (عَلَيْهِ تَرْكًا) أي: عَلَى تركِهِ،
_________________
(١) مصابيح السّنّة ١/ ٢، ١٨٩.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٢، وقد تعقبه البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": ١١١، فقال: «لا يقال الاصطلاحات لا مشاحة فيها، فقد قال البغويّ: أردت بالصحيح ما خرج في كتاب الشيخين، وبالحسن: ما أورده أبو عيسى وأبو داود، وغيرهما، وما كان فيهما من غريب وضعيفٍ أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا». وكذلك رد عليه التاج التبريزي بنحو هذا كما سيأتي. وقد رجعنا إلى مصابيح السّنّة للإمام البغويّ، فوجدنا الحق مع البلقيني، فقد قال البغويّ في ديباجة كتابه: «أعني بالصحاح: ما أخرجه الشيخان، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل الجعفي البخاريّ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - رحمهما الله - في جامعهما أو أحدهما. وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود، ، وما كان فيهما من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا ». المصابيح ١/ ١١٠ وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٣) في (ص): «من رأي».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢١. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٣، والنكت الوفية: ٨٦/ب.
(٥) انظر على سبيل المثال: شرح ابن عقيل ٢/ ١٨٤.
[ ١ / ١٥٨ ]
حَتَّى إنَّه يُخْرِجُ للمجهولينَ (١).
وَهُوَ - كَمَا زادَه الناظمُ - (مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ).
قَالَ شَيْخُنا: فقولُ ابنِ مَنْدَه: «وأبو (٢) داودَ يأخذُ مأخذَ النَّسائيِّ» (٣)، يعني: فِي عَدمِ التقييدِ بالثِّقةِ، وإنِ اخْتَلَفَ صَنيعُهُمَا.
قَالَ: وما رُدَّ بِهِ عَلَى البَغَوِيِّ فِيْمَا مَرَّ، رَدَّه التاجُ التِّبْرِيزيُّ: بأنَّهُ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاحِ، وَقَدْ صرَّح البَغَوِيُّ في أَوَّلِ كتابِه بقوله: أعني بالصِّحاح: كَذَا، وبالحسانِ: كَذَا، وَلَمْ يقلْ أرادَ المُحَدِّثُوْنَ بِهِمَا كَذَا، فلا يَرِدُ عَلَيْهِ شيءٌ مما ذُكِرَ، خصوصًا وَقَدْ قَالَ: ومَا كَانَ فيها من ضَعِيْفٍ، أَوْ غريبٍ أَشرْتُ إِليهِ، وأَعْرضْتُ عَمَّا كَانَ مُنْكَرًا أَوْ مَوْضُوْعًا (٤).
_________________
(١) شروط الأئمة الستة: ١٩ لذا نجد في " سنن النسائي " الصحيح وغير الصحيح، وكتاب النسائي هو "السنن الكبرى" وهو عدّة روايات استعمل منها المزّي في التحفة تسع روايات، وقد طبع الكتاب في دار الكتب العلمية، ١٩٩١، بتحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداري، وسيد كسروي، وهي طبعة ملفقة من عدّة روايات، وفيها من التصحيف والتحريف والسقط ما لا يخفى على أدنى طالب علم. وكتاب "المجتبى" - الذي طبع قديمًا وهو المشهور المتداول، وإليه العزو عند الإطلاق - ليس من اختيار النسائي، بل هو من اختيار تلميذه أبي بكر أحمد بن محمد بن السني. نصّ على هذا الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٣/ ٩٤٠، وَفِي " السّير" ١٤/ ١٣١، وقد أخطأ ابن الأثير في "جامع الأصول" ١/ ١٩٦ - ١٩٧ في أن المجتبى من اختيار النسائي، وأنّه أهدى السنن لأميرٍ فقال: «أصحيح كلّه؟» قال: «لا» قال: فاكتب لنا منه الصّحيح، فجرد المجتبى. وقد ردّ الذهبي هذا في " السير " ١٤/ ١٣١ فقال: « هذا لم يصحّ بل المجتبى اختيار ابن السني». وللشيخ شعيب الأرناؤوط تعليق نفيس في هذا الموضع دبجه يراعه في مراجعته لتهذيب الكمال ١/ ٣٢٨ هامش (٤) بعد قول الدكتور بشّار: «مما يؤسف عليه أن كتاب " السنن الكبرى " لم يصل إلينا، ويظهر أنّه كان عزيزًا في فترات طويلة». والعجب من الشيخ شعيب كيف سكت على هذا الكلام وفيه ما فيه، ولو كان في المقام سعة لتناولناه بالنقد، ولربّما كان السكوت خيرًا من كل كلامٍ.
(٢) في (ق): «أبي».
(٣) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٤٨٤.
(٤) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦.
[ ١ / ١٥٩ ]
٨٠ - وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلًا صَرِيْحَا
٨١ - وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلاَ عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى (١)
٨٢ - كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و(أحْمَدَا) وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا (٢)
٨٣ - والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
٨٤ - وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
(وَمَنْ عَلَيْهَا) أي: كُتُبُ السُّنَنِ كلُّها، أَوْ بعضُها (أطْلَقَ الصَّحِيْحَا)، كالحاكم (٣)، حَيْثُ أَطْلقَهُ عَلَى "سُنَنِ" أبي داودَ، والتِّرْمِذِيِّ، وكابنِ مَنْدَه (٤) حَيْثُ أطلقَهُ عَلَى سُنَنِ أبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيِّ؛ وكأبي طاهرٍ السِّلَفِيِّ (٥)، حَيْثُ قَالَ: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ المشْرقِ والمغْربِ (٦) عَلَى صِحَّةِ الكُتُبِ الخمسةِ (٧)؛ (فَقَدْ أتَى تَسَاهُلًا صَرِيحا)، إذ فِيها مَا صرَّحُوا بأنَّهُ ضَعِيْفٌ، أَوْ منكرٌ، أَوْ نحوُهُ (٨).
_________________
(١) في نسخة (أ) و(ب) و(ج) من متن الألفية و(ص) و(ق) و(ع) و(م): «الجفلا»، والصواب ما أثبتناه، انظر: اللسان ١١/ ١١٤ (جفل).
(٢) هذا البيت ساقط من نسخة (ج) من متن الألفية.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٥ - ١٢٦.
(٤) النكت لابن حجر ١/ ٤٨١.
(٥) بكسر السين وفتح اللام وانظر في سبب هذه النسبة: الأنساب ٣/ ٢٩٧، ووفيات الأعيان ١/ ١٠٧، ونكت الزّركشيّ ١/ ٣٨١، ونكت ابن حجر ١/ ٤٨٩، وتاج العروس ٢٣/ ٤٦٠.
(٦) قول أبي طاهر السلفي، أجاب عنه المصنّف في كتابه " التقييد والإيضاح ": ٦٢ فقال - معقّبًا على ابن الصّلاح-: «وإنّما قال السلفي بصحة أصولها كذا ذكره في مقدّمة الخطّابي (معالم السنن ٤/ ٣٥٧)، فقال: وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفّاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها»، ثم قال المصنف: «ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون صحيحًا»، فلا ندري لماذا جعل المصنف هنا كلامه في موضع النقد مع أنه انتقد غيره على مثله.
(٧) هي الكتب الستّة، خلا ابن ماجه، إذ لم تضف إليها إلا بعد القرن السادس، قال البقاعي في النكت الوفية: ٧٧/ ب: «وأول من ضمّ ابن ماجه إليها ابن طاهر المقدسي؛ فلم يقلّد في ذلك فلما ضمنه الشيخ عبد الغني إليها في كتابه " الكمال " تابعه الناس».
(٨) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٦ «وهذا تساهلٌ؛ لأن فيها ما صرّحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضّعيف». وانظر: النكت لابن حجر ١/ ٤٨٢.
[ ١ / ١٦٠ ]
(وَدُونَها فِي رُتْبَةٍ) أي: رُتْبَةِ الاحتجاجِ (مَا جُعِلا) أي: ما صُنِّفَ (عَلَى المسَانيدِ)، وَهُوَ: مَا أُفْرِدَ فِيهِ حَدِيثُ كُلِّ صَحَابِيٍّ عَلَى حدةٍ من غَيْرِ تَقْيِيْدٍ بما يحتجُّ بِهِ غالبًا؛ فيكونُ عامًّا، بخلافِ مَا صُنِّف عَلَى الأبوابِ، فإنَّه إنما يُذكَرُ فِيهِ مَا يحتجُّ بِهِ غالبًا، فيكونُ خاصًّا.
(فَيُدعَى) أي: فبسببِ عُمومِ مَا في المسانيدِ، يُسَمَّى الحَدِيثُ فيها الدعوةَ (الجَفَلَى) - فتح الجيم والفاء مقصورًا - أي: العامةَ (١).
والنَّقَرَى - بزِنَة الجَفَلَى -: الدعوةُ الخاصَّةُ. يقالُ: فلانٌ يَدْعُو الجَفَلَى، إذَا عَمَّ بدعوتِهِ (٢)، وفلانٌ يَدْعُو النَّقَرَى، إذَا خَصَّ بها قَوْمًا دُوْنَ قومٍ (٣).
قَالَ طَرَفَةُ (٤):
نَحْنُ في المَشْتَاةِ نَدْعو الجَفَلَى لا تَرَى الآدِبَ فينا يَنْتَقِرْ (٥)
والمَشْتَاةُ - بفتح الميم -: الشِّتاءُ (٦)، والآدِبُ اسمُ فاعِلٍ اسمُ من الأدْب -بفتحٍ ثُمَّ سكون-: وَهُوَ (٧) الدعوةُ إلى الطعامِ، كالمأْدُبَةِ، ويقالُ: المَأدُبَةُ للطعامِ الذي يُدْعَى إِليهِ أَيْضًا، ويقالُ في فعلِها: أدَبَه أدْبًا وآدَبَه إيْدابًا، أي: دَعَاْهُ (٨).
_________________
(١) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة١/ ٢٠٧: «كنى به عن بيان كون المسانيد دون السّنن في مرتبة الصّحّة؛ لأن من جمع مُسْنَد الصّحابيّ يجمع فِيهِ مَا يقع لَهُ من حديثه، سواءٌ كَانَ صالحًا للاحتجاج أم لا؟». وقال البقاعي في النكت الوفية: ٧٦/ ب: «فإن من شأن المسند أن يذكر فيه ما ورد عن ذلك الصّحابيّ جميعه فيدعى الحديث فيه الدعوة الجفلى أي: العامة للضيف وغيره بخلاف المرتب على الأبواب؛ فإن شأنه أن يساق الحديث فيه للاحتجاج، والمحتج من شأنه أن لا يورد لإثبات دعواه إلا المقبول، فالمبوب إذا قال: باب كيت وكيت فكأنه قال إنه ادعى أنّ الحكم في المسألة الفلانية كذا وكذا بدليل ما حدثنا فلان عن فلان أن رسول الله - ﷺ - قال كذا وكذا الخ».
(٢) انظر: لسان العرب ١١/ ١١٤ (جفل).
(٣) انظر: المصدر السابق ٥/ ٢٣٠ (نقر).
(٤) وهو: طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي. انظر: الأعلام٣/ ٢٢٥.
(٥) البيت من الرمل، وهو في ديوانه: ٨٤.
(٦) انظر: اللسان ١٤/ ٤٢١ (شتا).
(٧) في (ص) بعد كلمة «هو»: «بفتح الدال وضمها». وفي (ع): «وهي الدعوة».
(٨) انظر: اللسان ٢/ ٥ (أدب).
[ ١ / ١٦١ ]
والمسانيدُ (كمُسْنَدِ) أبي داودَ (الطَّيَالِسِيْ) (١) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنِيَّةِ الوَقْفِ - نسبةً إلى الطَّيَالِسَة التي تُلْبَس عَلَى العمائِمِ (٢).
(و) كمسندِ الإمامِ (أَحْمَدَ) بنِ حنبلٍ (٣).
(وَعَدُّهُ) أي: ابنُ الصَّلاح (للدَّارِمِيِّ) أي: لِمُسْنَدِ الحافظِ أبي مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمانِ الدَّارِمِيِّ نسبةً إلى دارِمِ بنِ مالكٍ، بطنٍ من تميمٍ (٤) - في المسانيدِ (انْتُقِدا) عَلَيْهِ؛ فإنَّه مُرتَّبٌ عَلَى الأبوابِ، لا عَلَى المسانيدِ (٥).
إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فطريقُ مَنْ أرادَ الاحتجاجَ بحديثٍ من السُّنَنِ، أَوْ من المسانيد أنَّه إنْ كَانَ متأهّلًا لمعرفةِ ما يحتجُّ بِهِ مِنْ غيرِهِ، فلا يَحتجُّ بِهِ، حَتَّى ينظرَ في اتِّصالِ إسنادِهِ، وحالِ رُواتِهِ، وإلاّ فإن وَجَدَ أحدًا من الأئِمَّةِ صحَّحَهُ، أَوْ حَسَّنَهُ فَلَهُ تقليدُهُ، وإلاَّ فلا يُحتجُّ بِهِ (٦).
ولَمَّا أنهى الكلامَ عَلَى القسمينِ (٧) عقَّبَهُمَا بما يَتَعلَّقُ بهما، فَقَالَ: (والحُكْمُ) الواقعُ مِنَ المُحَدِّثِ (للإسنادِ بالصِّحَّةِ، أَوْ بالحُسْنِ)، كهذا حَدِيثٌ إسنادُهُ صَحِيْحٌ، أَوْ حَسَنٌ، (دُوْنَ الحُكْمِ) مِنْهُ بذلك (لِلمَتْنِ)، كهذا حَدِيثٌ صَحِيْحٌ، أَوْ حَسَنٌ (رَأَوْا)؛ لأنَّه لا تَلازُمَ بَيْن الإسنادِ، والمتنِ؛ صِحَّةً، ولا حسنًا؛ إذ قَدْ يَصِحُّ الإسنادُ، أَوْ يحسنُ؛ لاجتماعِ شروطِه من الاتصالِ، والعدالَةِ، والضَّبْطِ، دُوْنَ المتنِ، لقادحٍ من شُذُوذٍ، أَوْ علَّةٍ (٨).
_________________
(١) في المطبوع نقص لعدة مسانيد من الصحابة، وهو من رواية يونس بن حبيب، عنه وفي المطبوع قرابة ألف حديث عن شعبة بن الحجّاج شيخ أبي داود، ونحن نواصل السير في تحقيق هذا المسند تحقيقًا علميًا رصينًا، يجلّي نصوصه ويتكلّم على أحاديثه يسّر الله تعالى لنا إكماله وطبعه، بعونه ومنّه وكرمه.
(٢) انظر: الأنساب ٤/ ٦٨.
(٣) مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبع قديمًا بمصر، وهي معروفة بـ (الميمنية)، وطبع أيضًا بتحقيق العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر - ﵀ - ولكنه لم يكمله، ويقوم بتحقيقه الآن الشيخ شعيب الأرنؤوط.
(٤) انظر: الأنساب ٢/ ٥٠٣.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٧، والتقييد والإيضاح: ٥٩، والنكت الوفية ٨١/ ٤، وكتاب الدارمي طبع بشرح وتحقيق السيد أبي عاصم نبيل بن هاشم الغمري في السعودية عام (١٩٩٩م) في عشر مجلدات، انتهى فيه محققه إلى أن اسم الكتاب: " المسند الجامع " معتمدًا في ذلك على نسخه الخطية، والله أعلم.
(٦) انظر: التقييد: ٥٧.
(٧) في (ع): «القسمين الأوليين».
(٨) ولذلك يقول الإمام الزيلعي في نصب الراية١/ ٣٤٧: «وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحّة الحديث، حتّى ينتفي منه الشذوذ والعلة». وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ١٦٢ ]
(و) لكنْ (اقْبَلْهُ) أي: الحكمَ للإسنادِ بذلك في المتن أَيْضًا، (إنْ أَطْلَقَهُ من يُعْتَمَدْ) عَلَيْهِ، (وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ) بِهِ المتنُ؛ إذِ الظَّاهرُ من مِثْلِهِ الحُكْمِ لَهُ بالصِّحَّةِ، أَوْ بالحسنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القادحِ، نظرًا إلى أَنَّ مثلَ مَنْ ذُكرَ (١)، إنَّما يُطلقُ بعدَ الفَحْصِ عَنِ انتفاءِ القادحِ (٢).
٨٥ - وَاسْتُشْكِلَ الحُسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظًا يُرِدْ فَقُلْ: صِفِ
٨٦ - بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وُصِفْ؟
٨٧ - وَ(لأَبِي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَحِ
٨٨ - وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
٨٩ - وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَادِ
(واسْتُشْكِلَ الحُسْنُ) الواقعُ جمعُه في كلامِ التِّرْمِذِيِّ، وغيرِهِ، (مَعَ الصِّحَّةِ في مَتْنٍ) واحدٍ، كهذا حَدِيثٌ «حَسَنٌ صَحِيْحٌ»، لما مَرَّ من أنَّ الحسنَ قاصرٌ عَنْ الصَّحِيحِ، فكيفَ يُجمعُ بَيْنَهُما في حَدِيثٍ واحدٍ؟ (٣)
_________________
(١) في (ق): «ذكرنا».
(٢) قال التاج التبريزي: «ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قولهم: هذا صحيح الإسناد يحتمل كونه شاذًا أو معللًا مردودًا؛ ليكون دُوْنَ قولهم: هَذَا حَدِيث صَحِيْح، فإن صحّة الإسناد مستلزمة بصحة المَتْن دُوْنَ العكس، والحكم بصحة الإسناد مَعَ احتمال عدم صحته بعيد جدًا». البحر الذي زخر ٣/ ١٢٤٩ - ١٢٥٠. قَالَ الزّركشيّ ١/ ٣٦٧ منتصرًا لابن الصّلاح: «هَذَا فِيهِ نظر، وَقَدْ تقدم في كلام المصنف أنهم إذا قالوا: «هَذَا حَدِيث صَحِيْح»، فمرادهم اتصال سنده، لا أنه مَقْطُوْع بِهِ في نَفْس الأمر، وَقَدْ تكرر في كلام المزي والذهبي وغيرهما من المتأخرين «إسناده صالح والمتن منكر». ولكن الحافظ ابن حجر اختار أن التلازم بين الحكم بصحة الإسناد وصحة المتن أغلبي، وما ندّ عن هذه القاعدة قليل لا يصلح التعويل عليه، فضلًا عن تأسيس قاعدة عليه، فقال: «لا نسلم أن عدم العلة هو الأصل، إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصّحيح، فإذا كان قولهم: صحيح الإسناد يحتمل أن يكون مع وجود العلة لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم له بالصحة؟». ومن ثمّ فرق بين حكم الحافظ المعتمد، وبين من عرف من حالة التفريق في الحكم بين السند والمتن وبين من لم يعرف عنه ذلك. النكت ١/ ٤٧٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٠٩ - ٢١٠.
[ ١ / ١٦٣ ]
وجوابُه: أَنْ يُقالَ: قائلُ ذَلِكَ إما يريدُ الحُسْنَ اللُّغويَّ، أَوْ الاصطلاحيَّ. (فَإنْ لَفْظًا) أي: فإن (يُرِدْ) قائلُهُ بالحُسْنِ حُسْنَ لفظِه، فَهُوَ كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ غيرُ مستنْكَرٍ (١)، وبه يزولُ الإشكالُ.
لكن تعقَّبَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (٢)، بأنَّهُ إنْ أرادَ ذَلِكَ (فَقُلْ) لَهُ: (صِف بِهِ) أي: بالحسنِ (الضعيفَ) أي: فيلزمُك أَنْ تُطلقَهُ عَلَى الضَّعِيفِ، وإن بلغَ رُتبةَ الوضعِ، إذَا كَانَ حَسَنَ اللفظِ، ولا قائلَ بِهِ من المُحَدِّثِيْنَ، إذَا جَرَوْا عَلَى اصطلاحِهِم (٣).
(أَوْ) إنْ (يُرِدْ) بِهِ (ما يختلفْ سندُهُ)، بأَنْ يكونَ للحديثِ إسنادٌ حسنٌ، وإسنادٌ صحيحٌ فَجَمَعَ -كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاح- بَيْنَ الوصفينِ، باعتبارِ تعدُّدِ الإسنادينِ، وبه يزولُ الإشكالُ (٤).
لكن تعقَّبَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ أَيْضًا، بأنَّه وإنْ أمكنَ ذَلِكَ فِيْمَا روي من غيرِ وجهٍ لاختلافِ مَخْرَجِهِ، (فكيفَ) يمكنُ (إنْ) حديثُ (فردٌ وُصِفْ)؟ بِذلكَ، بأنْ لا يكونَ لَهُ إلاَّ مَخْرَجٌ واحدٌ؟ (٥)
كَمَا يقعُ في كلامِ التِّرْمِذِيِّ كثيرًا، حَيْثُ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِن هَذَا الوجهِ، أَوْ لا نَعرِفُهُ إلاَّ مِن حَدِيثِ فُلاَنٍ (٦).
(ولأَبِي الفَتْحِ) مُحَمَّدٍ تقي الدِينِ بنِ عَلِيِّ بنِ وَهْبٍ القُشَيْرِيِّ، المعروفِ بابنِ دقيقِ العيدِ، (في) كتابِهِ: (الاقْتِرَاحِ) (٧) في علمِ الحديثِ، جوابٌ عَنْ الإشكالِ (٨) بَعْدَ ردِّهِ الجوابينِ السابقينِ، كَمَا مَرَّ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٥.
(٢) الاقتراح: ١٧٤.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٠.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٥.
(٥) انظر: الاقتراح ١٧٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٠.
(٦) المصادر السابقة، وانظر: النزهة: ٩٤ - ٩٥.
(٧) الاقتراح: ١٧٥ - ١٧٦.
(٨) وهناك أجوبة أخرى تراجع في النكت الوفية: ٨٨/ أ.
[ ١ / ١٦٤ ]
وحاصلُه: (أنَّ انْفِرادَ الحُسْنِ ذُوْ اصطِلاحِ) أي: أنَّ الحسنَ الواقعَ في سَنَدٍ، أَوْ متنٍ، هُوَ للمعنى (١) الاصطلاحيِّ المُشْتَرَطِ فِيهِ القصورُ عَنْ الصِّحَّة، (وإنْ يَكُنْ) أي: الحَدِيثُ (صَحَّ) أي: صَحِيْحًا، (فَليسَ يَلْتَبِسْ) حينئذٍ الجمعُ بينِ الوصفينِ، لحصولِ الحسن لا محالةَ تبعًا للصحَّةِ.
لأنَّ وجودَ الدرجةِ العُلْيا، كالحفظِ والإتقانِ، لا يُنافي وجودَ الدُّنيا، كالصدقِ وَعَدمِ التُّهمةِ بالكَذِبِ؛ فيصحُّ أَنْ يُقالَ في هَذَا: إنَّهُ حَسَنٌ باعتبارِ وُجودِ الصِّفةِ الدنيا، صَحِيْحٌ باعتبارِ وجودِ العليا (٢).
قَالَ: وعلى هَذَا (كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ) و(لاَ يَنْعَكِسْ) أي: وليسَ كُلُّ حسنٍ صَحِيْحًا (٣).
وسبقَهُ إلى ذَلِكَ ابنُ الموَّاقِ (٤)، فَقَالَ: لَمْ يخصَّ التِّرْمِذِيُّ الحَسَنَ بصفةٍ تُميِّزُه عَنْ الصَّحِيحِ، فلا يكونُ صَحِيْحًا إلاَّ وَهُوَ غَيْرُ شاذٍّ، ورواتُه ثِقاتٌ، ولهذا لا يكادُ يقولُ في حديثٍ يُصَحِّحُهُ إلاَّ: «حَدِيثٌ حَسنٌ صَحِيْحٌ»؛ فلا منافاةَ في الجَمْعِ بَينَهُما.
(و) لكنَّ ابنَ سيِّدِ الناسِ (٥)، وغيرَهُ، قَدْ (أوْرَدُوا) عَلَى ذَلِكَ (ما صَحَّ مِنْ) أحاديثِ (أفْرَادِ) أي: ليسَ لها إلاَّ إسنادٌ واحدٌ، (حيثُ اشْتَرطْنَا) كالتِّرْمذيِّ في الحَسَن (غَيْرَ مَا إسْنادِ)، بزيادةِ «مَا».
وحاصلُهُ: أنَّ التِّرْمِذِيَّ، وموافقِيهِ اشترطوا في الحسنِ أن يُرْوَى من غيرِ ما وجهٍ، بخلافِ الصَّحِيحِ، فانتفى أَنْ يكونَ كُلُّ صَحِيْحٍ حسنًا، فالأفراد الصحيحةُ ليستْ حسنةً عندَهُ.
_________________
(١) في (ع) و(ص): «المعنى».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٢، والتقييد والإيضاح: ٦١.
(٣) الاقتراح: ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٢.
(٥) النفح الشذي ١/ ٢٩١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٣.
[ ١ / ١٦٥ ]
فأجابَ عَنْهُ الناظِمُ: «بإنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّما يشترطُ في الحسنِ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يبلغْ رتبةَ الصَّحِيحِ، وإلاَّ فلا يَشْترِطهُ، بدليل قولِه كثيرًا: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ غريبٌ»، فلما ارتفعَ إلى رتبةِ الصِّحَّةِ أثبتَ لَهُ الغرابةَ باعتبارِ فرديَّتِهِ» (١).
هَذَا وَقَدْ أجابَ شيخُنا (٢) عَنْ أصلِ الإشكالِ: «بأنَّ الحَدِيثَ إنْ كَانَ فردًا، فإطلاقُ الوصفينِ من المجتهدِ يَكُونُ لتردُّدِ أئِمَّةِ الحَدِيثِ في حالِ ناقلِهِ، هل اجتمعَتْ فِيهِ شُروطُ الصِّحَّةِ، أَوْ قصرَ عنها؟
فيقولُ فِيهِ: حَسَنٌ باعتبارِ وصفٍ عِنْدَ قومٍ، صَحِيْحٌ باعتبارِ وصفِهِ عِنْدَ قومٍ، غايتُه أنَّه حذفَ مِنْهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أنْ يَقُولَ: «حَسَنٌ أَوْ صَحِيْحٌ».
وَعَلَيْهِ فما قِيلَ فِيهِ: «حَسَنٌ صَحِيْحٌ» دُوْنَ ما قِيلَ فِيهِ: «صَحِيْحٌ»؛ لأنَّ الجزمَ أقوى مِنَ التردُّدِ.
وإنْ لَمْ يَكنْ فَردًا فالإطلاقُ يَكُونُ باعتبارِ إسنادينِ: أحدُهما صَحِيْحٌ، والآخرُ حَسَنٌ.
وَعَلَيْهِ: فما قِيلَ فِيهِ: «حَسَنٌ صَحِيْحٌ» فَوْقَ ما قيلَ فِيهِ: «صَحِيْحٌ»؛ لأنَّ كثرةَ الطُّرُقِ تُقَوِّي».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٥. والذي يبدو لنا، عدم الخوض في تفسير ذلك، فإنه تعب ليس وراءه إربٌ، فالترمذي له اصطلاحاته الخاصّة به، بل إنّه قال: «حسنٌ صحيحٌ» على كثير من الأحاديث التي فيها مقال، فانظر الأحاديث: (٣٢٤) و(٣٥٦) و(٧٨٥) و(٨٧٣) و(٩٨٩) و(٩٠٢) و(١٨٥٣) و(١٨٥٤) و(١٨٥٨) و(١٩٢٤) و(٢٠٠٢) و(٢٠٣٩) و(٢٠٧٨) و(٢٩٢٣) و(٣٣٢٠). لذا فإنّ عددًا من العلماء انتقد الترمذي وعدّه متساهلًا في تصحيح الأحاديث، منهم: الإمام الذهبي في مواضع من " الميزان "، انظر مثلًا: ٣/ ٤٠٧ و٤/ ٤١٦، ونقل في ترجمة كثير بن عبد الله المزني من الميزان ٣/ ٤٠٧: أن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه. وانظر: الجامع الكبير ١/ ٢٥ - ٣٢.
(٢) انظر: النزهة ٩٣ - ٩٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ (١)
٩٠ - أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي:
٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا
٩٢ - سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا
٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي (٢)
٩٤ - وَعَدَّهُ (البُسْتِيُّ) فِيما أوْعَى لِتِسْعَةٍ وَأرْبَعِيْنَ نَوْعَا (٣)
(أمَّا الضَّعِيْفُ، فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الحُسْنِ)، ولا مرتبةَ الصِّحَّةِ المفْهومةِ بالأَوْلَى، (وإنْ بَسْطٌ) لأقسامِه (بُغِي) أي: طُلِبَ، (فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ) أي: شَرْطًا من شروط القبولِ (٤) الشاملِ للصَّحيحِ والحسنِ، وَهِيَ ستَّةٌ:
١ - اتِّصالُ السندِ.
٢ - والعدالةُ.
٣ - والضَّبْطُ.
٤ - وفقدُ الشذوذِ.
٥ - وفَقْدُ العِلَّةِ القادحةِ.
٦ - والعاضدُ عِنْدَ الاحتياجِ إِليهِ.
_________________
(١) انظر في الضعيف: معرفة علوم الحديث: ٥٨، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٢٨، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٣، والتقريب: ٤٩، والاقتراح: ١٧٧، والمنهل الروي: ٣٨، والخلاصة: ٤٤، والموقظة: ٣٣، واختصار علوم الحديث: ٤٤، ونكت الزركشي ١/ ٣٨٩ - ٤٠٤، والشذا الفياح ١/ ١٣٣ - ١٣٦، والمقنع ١/ ١٠٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٦، والمختصر: ١١٧، ونكت ابن حجر ١/ ٤٩١ - ٥٠٥، وفتح المغيث ١/ ٩٣، وألفية السيوطي ١٩ - ٢١، والبحر الذي زخر ٣/ ١٢٨٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤١، وتوضيح الأفكار١/ ٢٤٦، وظفر الأماني: ٢٠٦، وقواعد التحديث: ١٠٨، وتوجيه النظر ٢/ ٥٤٦ - ٧٠٢.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢١٩، والنكت الوفية: ٩٤/ أ.
(٣) للبقاعي تعليق لطيف حول تركيب هذا البيت راجعه في نكته: ٩٤/ ب.
(٤) في (ص): «المقبول».
[ ١ / ١٦٧ ]
وَهِيَ بالنظرِ لانتفائِها انفرادًا واجتماعًا، يتفرعُ (١) منها أقسامٌ:
ففاقدُ واحدٍ منها قِسمٌ: المُرْسَلُ، والمنقطعُ، والمعضل. وإلى قسمي فاقد العدالة الضَّعِيف والمجهول (٢).
(و) فاقدُ (اثنينِ) مِنْها كالاتِّصَالِ مَعَ آخرَ مِنَ الخمسةِ الباقيةِ، كالعدالةِ (٣) (قِسْمٌ غيرُهُ) أي: غيرُ الأَوَّلِ، وتحتَهُ بالنظر إلى ما مَرَّ سِتَّةٌ وثلاثونَ؛ لأنَّك إذَا ضَمَمْتَ إلى كُلِّ واحدٍ مِنَ التِّسْعَةِ كُلَّ واحدٍ مِمَّا بَعْدَهُ بَلَغَ ذَلِكَ (٤).
(وضَمُّوا) واحدًا (سِواهما) أي: سِوَى الاثنينِ (٥) إليهما (٦) (فـ) ذَلِكَ قسمٌ (ثالثٌ)، وتحتَهُ (٧) بالنظر إلى مَا مَرَّ أربعةٌ وثمانونَ؛ لأنَّكَ إذَا ضَمَمْتَ إلى كُلِّ اثنينِ مِنَ التِّسْعَةِ كُلَّ واحدٍ مِمَّا بَعْدَهُما بَلَغَ ذَلِكَ.
(وهَكَذا) افعلْ إلى آخرِ الشروطِ، فخُذْ فاقدَ (٨) شرطٍ آخرَ ضُمَّهُ إلى فاقدِ (٩) الشروطِ الثلاثةِ السابقةِ (١٠). وَهُوَ قِسْمٌ رابعٌ، وتحتُهُ بالنظرِ إلى ما مَرَّ مئة وسِتَّةٌ وعِشْرُونَ؛
_________________
(١) المثبت من (ص) و(ق) و(م): «تتفرع».
(٢) من قوله: «إلى قسمي » إلى هنا سقط من (م)، وهو في جميع النسخ الخطية و(ص) و(ف) و(ع).
(٣) من قوله: «كالاتصال » إلى هنا سقط كله من (ع) و(ق)، وهو من (ص) و(م).
(٤) المثبت من النسخ. وفي (م) بعد: تحته، ما يأتي «ثمانية عشر، باندراج الضّعيف، والمجهول تحت فقد العدالة، لأنك إذا ضربتها مع الأربعة الباقية في الثلاثة الداخلة تحت فقد الاتصال بلغ ذلك».
(٥) بعد هذا في (م): «الذين هما فقد الاتصال، والآخر الذي معه وهو فقد العدالة». وأشار المحقق إلى أنها زيادة من إحدى نسخه ورمز لها بـ (ص).
(٦) بعد هذا في (م): «كفقد الضّبط».
(٧) بعد هذا في (م): «اثنان وأربعون؛ لأنك إذ ضممت إلى كلّ من أقسام فقد الاتصال مع كلّ من قسمي فقد العدالة، وإليه مع فقد الضّبط، وإليه مع فقد العاضد، الشذوذ مرةً، والعلة أخرى في كلّ من إفراد الأحوال الثّلاثة، وضممت إليه أيضًا مع كلّ من قسمي فقد العدالة، فقد الضّبط مرةً، وفقد العاضد أخرى، وإليه مع فقد الضّبط فقد العاضد، وإليه مع الشذوذ؛ العلة، حصل ذلك».
(٨) في (م): «فقد». والمثبت من النسخ.
(٩) كذلك.
(١٠) بعد هذا في (م): «كالشذوذ، فهو قسمٌ رابعٌ وتحته ثمانية وأربعون، لأنّك إذا ضممت إلى كلٍّ من أقسام فقد الاتصال، مع كلّ قسمي فقد العدالة، ومع فقد الضبط، وإليه مَعَ كلّ من قسمي فقد العدالة، ومع فقد العاضد، وإليه مع فقد الضبط، ومع فقد العاضد؛ الشذوذ مرةً، والعلة أخرى، في كلٍّ من =
[ ١ / ١٦٨ ]
لأنَّكَ إذَا ضَمَمْتَ إلى كُلِّ ثلاثةٍ مِنَ التِّسْعَةِ السابقةِ كُلَّ واحدٍ مِمَّا بَعْدَها بَلَغَ ذَلِكَ.
ثُمَّ ارتقِ إلى فاقدِ خمسةٍ، فَصَاعدًا (١) واعملْ إلى انتهائِك من الشرط الأوَّلِ (٢) (و) بَعْدَ انتهائِك مِنْهُ (عُدْ) أي: ارجعْ (لِشَرطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ) بِهِ أَوَّلًا (٣)، (فذا قِسْمٌ سِوَاهَا) أي: الأقسامُ السابقةُ (٤)، (ثُمَّ زِدْ) عَلَيْهِ فاقدَ شَرْطٍ (٥). (غَيْرَ الذي قَدَّمْتُهُ)، لِئَلاَّ يتكرَّرَ (٦)، (ثُمَّ عَلَى ذَا) الحذوِ (فاحتذِيْ) أنتَ (٧) - بذالٍ معجمةٍ - أي فاقتَدِ.
والمعنى: فَتَمِّمْ هَذَا العملَ الذي ابْتَدَأتَهُ بفقدِ الشرطِ المُثنى بِهِ، كَمَا تَمَّمْتَ الأَوَّلَ (٨)، ثُمَّ عُدْ، هكذا إلى أَنْ ينتهي عملُكَ.
وأشارَ ابنُ الصَّلاحِ (٩) إلى كَثْرَةِ الأقسامِ جِدًّا، بالنظرِ إلى أنَّه يَدْخُلُ تحتَ فَقْدِ كُلٍّ مِنَ السِّتَّةِ أقسامٌ كفاقدِ (١٠) العَدالةِ، يدخلُ تحتَهُ: الضَّعِيفُ بكذبٍ راويهِ، أَوْ بتهمتِهِ، أَوْ بفسْقِهِ، بِبِدْعَتِهِ، أَوْ لجهَالةِ عينِه، أَوْ لِجهَالةِ حَالهِ، وذلكَ مَعَ كَثرةِ التَّعَبِ فِيهِ قَليلُ الفائدةِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا، كغيرِهِ.
_________________
(١) = أفراد الأحوال الثَّلاثَة، وضممت إليه أيضًا مَعَ كلٍّ من قسمي فَقَدْ العدالة ومع فَقَدْ الضَّبْط فقد العاضد، وإليه مَعَ كلّ قسمي فَقد العدالة، ومع الشذوذ، وإليه مع فقد الضَّبْط، ومع الشذوذ، وإليه مَعَ فَقَدْ العاضد، ومع الشذوذ؛ العلة في كلٍّ من؟ أفراد الأحوال الثّلاثة، حصل ذلك. ولا يخفى أنك لو ضممت بعض أقسام فقد الاتصال، وقسمي فقد العدالة إلى بعضها، أو إليه، وإلى بقية الشروط زادت الأقسام».
(٢) المثبت من النسخ. وفي (م): «أو ستةٍ».
(٣) المثبت من النسخ. وفي (م): «شرط الاتصال».
(٤) بعد هذا في (م): «كالعدالة».
(٥) بعد هذا في (م): «وتحته اثنان: الضّعيف والمجهول كما مرّ».
(٦) في (م): «مع كلٍّ منهما».
(٧) بعد هذا في (م): «وتحته ثمانيةٌ، لأنك تضم إلى كلٍّ منهما فقد الضبط، أو فقد العاضد أو شذوذ أو علة».
(٨) في (ق): «أي أنت».
(٩) بعد هذا في (م): «بأن تضم إلى فقد العدالة بقسميه، والآخر الذي معه، فقد شرطٍ آخر إلى أن ينتهي العمل».
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٩.
(١١) في (ص) و(ق): «فاقد»، وفي (ع): «فاقد شرط».
[ ١ / ١٦٩ ]
قَالَ النَّاظِمُ (١): وَمِن أقسامِ الضَّعِيفِ مَالَهُ لقبٌ خاصٌّ، كالمضطربِ، والمقلوبِ، والموضوعِ، والمنكرِ، وَهُوَ بمعنى الشاذِّ كَمَا سَيأْتي انتهى.
واعلمْ أَنَّ طريقَ حصرِ الأقسامِ مِن غَيْرِ نظرٍ إلى مَا يَدْخُلُ تحتَ فَقْدِ (٢) كُلٍّ من السِّتَّةِ، أَنْ يُقالَ: الخبرُ الضَّعِيفُ إما أن يَفْقِدَ مِنْها شَرْطًا، أَوْ شَرْطَينِ، أَوْ ثلاثةً أو أربعةً أَوْ خمسةً أَوْ الجميعَ، وإذا سبرتَها بالتركيبِ بَعْدَ كُلٍّ من فاقدِ الاتِّصالِ والعدالةِ واحدًا، بلغتْ ثلاثةً وستينَ.
ففاقدُ واحدٍ مِنْها تحتَهُ سِتةٌ: فاقدُ الأَوَّلِ، وفاقدُ كُلٍّ من بقيَّتِها.
وفاقدُ اثنينِ مِنْها تحتَهُ خمسةَ عَشَرَ: فاقدُ الأَوَّلِ مَعَ الثانِي، أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنَ البقيَّةِ، وفاقدُ الثَّانِي مَعَ الثالثِ، أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثةِ بعدَهُ، وفاقدُ الثَّالِثِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثةِ بعدَهُ، وفاقدُ الرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الأخِيريْنِ.
وفَاقِدُ ثلاثةٍ تحتَهُ عِشْرونَ: فاقدُ الأوَّلَيْن مَعَ كُلٍّ مِنَ البقيّةِ، وفاقدُ الأَوَّلِ والثالثِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الثلاثةِ بَعْدَهُ، وفاقدُ الأَوَّلِ والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الأَوَّلِ والأخيرينِ، وَفاقِدُ الثَّاني والثالثِ مَعَ كُلٍّ من الثلاثةِ بَعْدَهُ، وَفَاقِدُ الثانِي والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الثَّاني والأخيرينِ، وفاقدُ الثالثِ والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الثالثِ والأخيرينِ، وفاقدُ الثلاثةِ الأخيرةِ.
وفاقدُ أربعةٍ تَحْتَهُ خمسةَ عشرَ: فاقدُ الثلاثةِ الأَوَّلِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الثلاثةِ الأخيرةِ، وفاقدُ الأولينِ والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرين، وفاقدُ الأولينِ والأخيرين، وفاقدُ الأولِ والثالثِ والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الأَوَّلِ والثالثِ والأخيرينِ، وفاقدُ الأَوَّلِ والثلاثةِ الأخيرةِ، وفاقدُ الثَّاني والثالثِ والرابعِ مَعَ كُلٍّ من الأخيرينِ، وفاقدُ الثَّاني والثالثِ والأخيرينِ، وفاقدُ الثَّاني والرابعِ والأخيرينِ، وفاقدُ الأربعةِ الأخيرةِ.
وفاقدُ خمسةٍ تحتَهُ ستةٌ: فاقدُ الخمسةِ الأولى (٣)، وفاقدُ الأربعةِ الأولى (٤)
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢١.
(٢) في (ص) و(ع): «فاقد».
(٣) في (ع) و(ق): «الأول».
(٤) في (ق): «الأول».
[ ١ / ١٧٠ ]
والسادسُ، وفاقدُ الثلاثةِ الأولى والأخيرينِ (١)، وفاقدُ الأولينِ والثلاثةِ الأخيرةِ، وفاقدُ الأَوَّلِ والأربعةِ الأخيرةِ، وفاقدُ الخمسةِ الأخيرةِ.
وفاقدُ الجميعِ قسمٌ واحدٌ، صارَتِ الجملةُ مَا قلنا (٢).
(وَعَدَّهُ) أي: قِسْمَ الضعيفِ ابنُ حِبَّانَ (البُسْتيُّ فِيما أوْعَى)، ويقال: «وَعَى» أي: حَفِظَ وجَمَعَ (٣)، (لتسعةٍ) - بزيادةِ اللامِ -، أَوْ بمعنى «إلى»، بتضمينِ «عدَّ، عَدَّى» أي: إلى تسعةٍ (وأربعينَ نوعا)، خمسينَ قِسْمًا، إلاَّ واحدًا، وَلَمْ أرَ لَهُ وَجْهًا (٤).
ولَمَّا فَرَغَ مِن بيانِ الحُكمِ عَلَى المتْنِ، والإسْنادِ، بأنَّهُ صَحِيْحٌ، أَوْ حَسَنٌ، أَوْ ضَعِيْفٌ، أخذَ في بيانِ صِفاتِها، فَقَالَ:
الْمَرْفُوْعُ (٥)
٩٥ - وَسَمِّ مَرْفُوْعًا مُضَافًا لِلنَّبيْ وَاشتَرَطَ (الخَطِيْبُ) رَفْعَ الصَّاحِبِ
_________________
(١) في (م): «بالأخيرين».
(٢) انظر: النكت الوفية: ل ٩١/ أ.
(٣) انظر: لسان العرب ١٥/ ٣٩٦ (وعي).
(٤) هذه الأقسام لم نقف عليها، ولم يقف عليها من قبلنا الحافظ ابن حجر كما ذكر في النكت ١/ ٤٩٢، بل أشار إلى عدم وجود هذه التقسيمات أصلًا؛ إذ غمز من عزاها إلى مقدمة المجروحين - وهو الزّركشيّ في نكته ١/ ٣٩١ -، وبرجوعنا إلى المجروحين ١/ ٦٢ - ٨٨ وجدناه ذكر عشرين نوعًا حسب - هي في حقيقتها الأسباب الموجبة لضعف الرواة -، صدّرها بقوله: «فأما الجرح في الضعفاء فهو على عشرين نوعًا، يجب على كلّ منتحلٍ للسنن طالب لها باحث عنها أن يعرفها».
(٥) انظر في المرفوع: الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٣٤، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٧، والتقريب: ٥٠ - ٥١، والاقتراح: ١٩٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحديث: ٤٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤١١، والشذا الفياح ١/ ١٣٩، والمقنع ١/ ٧٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٢، ونزهة النظر: ١٤٠، ونكت ابن حجر ١/ ٥١١، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث ١/ ٩٨، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٥٤، وظفر الأماني: ٢٢٧، وقواعد التحديث: ١٢٣.
[ ١ / ١٧١ ]
٩٦ - وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذِي الإرْسَالِ فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ
(وَسَمِّ مَرْفُوْعًا مُضَافًا لِلنَّبيْ) - ﷺ - أي: سَمِّ أيُّها الطَالبُ كُلَّ مَا أُضيفَ إلى النَّبيِّ - ﷺ -
قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْريرًا، أَوْ صِفةً تَصْرِيحًا، أَوْ حُكْمًا مرفوعًا، سَواءٌ أَضَافَهُ صَحَابِيٌّ، أمْ (١) غيرُهُ، وَلَو مِنَّا الآنَ.
فَيْدْخُلُ فِيهِ: المُتَّصِلُ، والمُرْسَلُ، وَالمُنْقَطِعُ، والمُعْضَلُ، والمُعَلَّقُ، دُوْنَ الموقُوْفِ والمقْطُوْعِ، وهذا هُوَ المشْهُوْرُ.
(واشْتَرَطَ) فِيهِ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ (الخطيبُ؛ رَفْعَ الصَاحِبِ)، فَيَخْرُجُ مَرْفُوْعُ غَيْرِهِ مِنْ تابعيٍّ، ومَنْ دُوْنَهُ (٢).
قَالَ شَيْخُنا (٣): والظاهرُ أنَّ الخطيبَ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وإنَّ كَلاَمَهُ خَرَجَ مَخْرجَ الغالبِ مِنْ أنَّ مَا يُضافُ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، إنَّما يُضيفَه الصَّحَابيُّ.
(ومَنْ يُقابِلْهُ) أي: المرفوعُ (بِذي الإرْسَالِ) أي: بالمُرسلِ، كأَنْ يَقُوْلَ فِي حَدِيثٍ: رفعَهُ فُلاَنٌ، وأَرْسَلَهُ فُلاَنٌ، (فَقَدْ عَنَى) المُقَابِلَ (بذاك): المَرْفُوعَ (ذا اتِّصَالِ) أي: المتصلُ بالنَّبيِّ - ﷺ -، فَهُوَ رَفْعٌ مَخْصُوْصٌ لِمَا مَرَّ أنَّ (٤) المَرْفُوْعَ أعَمُّ مِنَ المُتَّصِلِ، وَغَيرِهِ، عَلَى أنَّ بعْضَهُمْ جَرى عَلَى ظاهِرِ هَذَا، فقيَّدَ المَرْفُوْعَ بالاتِصَالِ (٥).
_________________
(١) في (ص): «أو».
(٢) الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ).
(٣) النكت ١/ ٥١١، وانظر: النكت الوفية: ١١٧/ ب، وشرح ألفية العراقي للعراقي: ١٤٤، وتدريب الراوي ١/ ١٨٤.
(٤) في (ق): «من أن».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٣.
[ ١ / ١٧٢ ]
الْمُسْنَدُ (١)
٩٧ - وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ لَوْ مَعَ وَقْفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ
_________________
(١) قال الزركشي في نكته ١/ ٤٠٥: «وهو مأخوذ من السند، وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل؛ لأن المسنّد يرفعه إلى قائله، ويجوز أن يكون مأخوذًا من قولهم: فلان سند أي: معتمد. فسمّي الإخبار عن طريق المتن مسندًا؛ لاعتماد النقّاد في الصحة والضعف عليه، وفي أدب الرواية للحفيد: أسندت الحديث أسنده وعزوته أعزوه وأعزيه، والأصل في الحرف راجع إلى المسند وهو الدهر، فيكون معنى إسناد الحديث اتّصاله في الرواية اتّصال أزمنة الدهر بعضها ببعض. وحاصل ما حكاه المصنّف في تعريفه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المتصل إسناده وإن لم يرفع إلى النبي - ﷺ -. والثاني: أنه المرفوع إلى النبي - ﷺ - وإن لم يتصل. والثالث: أنه المتصل المرفوع. ويتفرع على هذه الأقوال أن المرسل هل يسمّى مسندًا؟ فعلى الأول: لا يسمّى؛ لأنه ما اتصل إسناده، وعلى الثاني: يسمّى مسندًا؛ لأنه جاء عن النبي - ﷺ - منقطعًا. وعلى الثالث: لا يسمّى مسندًا أيضًا؛ لأنه فاته شرط الاتصال ووجد فيه الرفع. وينبني عليه أيضًا الموقوف - وهو المروي عن الصحابة - أنه هل يسمى مسندًا؟ فعلى الأول: نعم؛ لاتصال إسناده إلى منتهاه، وعلى الثاني والثالث: لا. وكذلك المعضل - وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر - فعلى الأول والثالث: لا يسمى مسندًا، وعلى الثاني يسمى». وانظر عن معنى المسند لغة: لسان العرب ٣/ ٢٢١، والتاج ٨/ ٢١٥، والبحر الذي زخر ١/ ٣١٥. وانظر في المسند: معرفة علوم الحديث: ١٧، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٨٩، والتمهيد ١/ ٢١، وجامع الأصول ١/ ١٠٧، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٣١ وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٤ - ١٥٦، والتقريب: ٤٩ - ٥٠، والاقتراح: ١٩٦، والمنهل الروي: ٣٩، والخلاصة: ٤٥ والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث: ٤٤، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤٠٥ - ٤٠٩، والشذا الفياح ١/ ١٣٧، والمقنع ١/ ١٠٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤، ونزهة النظر: ١٥٤، ونكت ابن حجر ١/ ٥٠٥ - ٥٠٩، والمختصر: ١١٨، وفتح المغيث ١/ ٩٩، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٤، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٥٨، وظفر الأماني: ٢٢٥، وقواعد التحديث: ١٢٣، وتوجيه النظر ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
[ ١ / ١٧٣ ]
٩٨ - وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا شَرْطٌ بِهِ (الحَاكِمُ) فِيهِ قَطَعَا
المُسْنَدُ (١) -بِفَتحِ النُّونِ- يُقال: لِكِتَابٍ جُمِعَ فِيهِ مَا أَسنَدَهُ الصَّحَابَةُ أي: رَوْوُهُ؛ وللإسنادِ، كمُسندِ الشِهَابِ، وَمُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ أي: إسْنادِ حَديْثِهِما؛ وللحَديْثِ، الآتي تَعْريْفُهُ، وَهُوَ المُرَادُ، وَفيه ثَلاثَةُ أقْوَالٍ، وَقَدْ بَيَّنَها، فقالَ:
(والمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ)، وَقَدْ (٢) عَرفتُه، فَهُمَا عَلَى المشهورِ فِيهِ مُتَرَادِفَانِ (٣).
قَالَ شَيْخُنا: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ (٤) أَنْ يَصْدُقَ عَلَى المُرْسَلِ، والمُعْضَلِ، والمُنْقَطِعِ، إذَا كَانَ مَرْفُوْعًا ولا قَائِلَ بِهِ (٥).
وَهذا القَوْلُ قَوْلُ أبي عُمرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ (٦).
(أَوْ) المُسْنَدُ (مَا قَدْ وُصِلْ) إسنادُهُ مِنْ رَاويهِ إلى مُنْتَهاهُ، و(لَوْ) كَانَ الوَصْلُ (مَعَ وَقْفٍ) عَلَى (٧) صَحَابِيٍّ، أَوْ غيرِهِ، وهذا هُوَ القَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الخطيبِ (٨).
وَعَلَيْهِ فالمُسندُ، والمتَّصِلُ يُطلقانِ عَلَى المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ، لكنَّ اسْتِعْمَالَهُم للمُسنَدِ في الموقوفِ أقَلُّ، كَمَا ذَكرَهُ بقولِهِ:
(وَهوَ) أي: المُسنَدُ أي: اسْتِعْمَالُه (في هَذَا) أي: فِي (٩) المَوْقُوْفِ، (يَقِلْ) أي: قَليْلٌ بخِلافِ المُتَّصِلِ، فَإنَّ اسْتِعْمَاَلهُ في المَرْفُوْعِ، والمَوْقُوْفِ، عَلَى حَدٍّ سَوَاء (١٠).
_________________
(١) كلمة «المسند». لم ترد في (ص) و(ع).
(٢) «وقد»: ساقطة من (ص).
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٥.
(٤) في (ص): «منه».
(٥) نزهة النظر: ١٥٥، والتدريب ١/ ١٨٢.
(٦) التمهيد ١/ ٢١ - ٢٣.
(٧) «على» سقطت من (ق).
(٨) الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ).
(٩) «في»: سقطت من (ق).
(١٠) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفي كَلامِ الخَطيبِ - كَمَا قَالَ النّاظِمُ (١) - مَا يَقْتَضِي أنَّهُ يُدْخِلُ في المُسنَدِ:
المَقْطُوْعَ -وَهُوَ قَوْلُ التَّابِعيِّ- فَيَسْتَعْمِلُ المُسْنَدَ مَثَلًا فِيهِ (٢)، بَلْ وفي قَوْلِ مَنْ بَعْدِ التَّابِعيِّ.
قَالَ: وَكَلامُهم يأباهُ (٣).
قُلتُ: وَيؤيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: (وَلَمْ يَروْا أَنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ) (٤).
(و) القَوْلُ (الثالثُ) وَرَجَّحَهُ جماعةٌ، مِنْهُمْ شَيْخُنا (٥): أنَّهُ (الرَّفعُ) أي: المَرْفُوْعُ (مَعَ الوَصْلِ) مَعَ (٦) اتِّصَالِ إسنادِهِ (٧) (مَعَا)، واجتماعُهُما (شَرْطٌ)، وهذا مَعَ قَوْلِهِ: «مَعَا» تَأْكيْدٌ، و(بِهِ) الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ (الحَاكِمُ) في كتابِهِ " عُلومُ الحَدِيثِ " (٨) (فِيهِ) أي: في المُسْنَدِ، وَلاَ حَاجَةَ إِليهِ (قَطَعا).
والقائلُ بِهِ لاحَظَ الفَرقَ بينَهُ وبين المُتَّصِلِ والمَرْفُوْعِ، مِن حَيْثُ إنَّ المرفوعَ يُنظرُ فِيهِ إلى حَالِ المَتْنِ دُوْنَ الإسْنَادِ مِنْ أنَّه مُتَّصِلٌ أَوْ لا.
والمُتَّصِلُ يُنْظَرُ فِيهِ إلى حَالِ الإسْنَادِ دُوْنَ المتنِ مِنْ أنَّهُ مَرْفُوْعٌ أَوْ لا.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٥.
(٢) في (ع): «فيه مثلًا». وسقطت كلمة «مثلًا» من (ق).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٤.
(٤) البيت رقم (١٠٠).
(٥) فقد قال في النكت على ابن الصّلاح ١/ ٥٠٧: «والذي يظهر لي في الاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم أن المسند عندهم ما أضافه من سمع النّبيّ - ﷺ - إليه بسند ظاهره الاتصال». وقد سبقه ابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٩٦، إذ قال: «المسند: وهو ما اتصل سنده إلى ذكر النّبيّ - ﷺ -. وقال السيوطي: «وهو الأصح». التدريب ١/ ١٨٢ - ١٨٣ وانظر: نخبة الفكر: ١٥٤ (مع شرحها نزهة النظر)، والنكت الوفية: ل ١٣/ أ.
(٦) في (ع) و(ص): «أي: مع».
(٧) في (ق): «سنده».
(٨) معرفة علوم الحديث ١٧ - ١٨، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٣.
[ ١ / ١٧٥ ]
والمُسْنَدُ يُنظرُ فِيهِ إلى الحالينِ مَعًا، فيجمعُ شرطَيِ الرفعِ، والاتِّصالِ فَيَكُوْنُ بينَهُ وبينَ كُلٍّ مِنَ المَرْفُوْعِ والمُتَّصِلِ، عُمومٌ وخُصوصٌ مُطْلَقٌ، فكُلُّ مُسْنَدٍ مَرْفُوْعٌ، ومُتَّصِلٌ، ولا عَكَسَ.
والحاصِلُ: أنَّ بعضَهُم جَعَلَ المُسْنَدَ من صِفاتِ المَتْنِ، وَهُوَ القَوْلُ الأَوَّلُ، فإذا قِيلَ: «هَذَا حَدِيثٌ مُسنَدٌ» عَلِمْنَا أنَّهُ مُضَافٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُرْسَلًا، ومُعْضَلًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وبعضُهُم جَعلَهُ مِن صِفاتِهِ أَيْضًا، لكنْ لَحَظَ فِيهِ صِفةَ الإسنادِ، وَهُوَ القَوْلُ الثَّاني، فإذا قِيلَ: «هَذَا مُسْنَدٌ»، عَلِمْنَا أنَّهُ مُتَّصِلُ الإسنادِ، ثُمَّ قَدْ يكونُ مَرْفُوْعًا، ومَوْقُوْفًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَبَعْضُهم جعلَهُ من صِفاتِهِما مَعًا، وَهُوَ القَوْلُ الثَّالِثُ (١).
الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُوْلُ (٢)
٩٩ - وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلاَ فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُوْلا (٣)
١٠٠ - سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
والمُؤْتَصِلُ - بالفَكِّ والهَمْزِ - كَمَا نَقَلَها البَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعيِّ (٤).
_________________
(١) انظر: النكت لابن حجر ١/ ٥٠٥ - ٥٠٧.
(٢) انظر في المتصل والموصول: التمهيد ١/ ٢٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٣٣، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٥٦، والتقريب: ٥٠، والاقتراح: ١٩٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤٢ واختصار علوم الحديث: ٤٥، والمقنع ١/ ١١٢، ونكت الزركشي ١/ ٤١٠، والشذا الفياح ١/ ١٣٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٧، ونزهة النظر: ٨٣، ونكت ابن حجر ١/ ٥١٠، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث ١/ ١٠٢، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٥، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦٠، وظفر الأماني: ٢٢٦، وقواعد التحديث: ١٢٣.
(٣) مراده: وموصولًا، يعني أنهما اسمان لشيءٍ واحد، مترادفان، لكن النظم ضاق عن إثبات واو العطف. أفاده البقاعي. النكت الوفية: ٩٧/ أ.
(٤) قال الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصّلاح ١/ ٥١٠: «ويقال له: المؤتصل - بالفك والهمز - وهي عبارة الشّافعيّ في " الأم " في مواضع. وقال ابن الحاجب في التصريف له: هي لغة الشّافعيّ». قلنا: انظر في إطلاق الشّافعيّ: " الأم " ٤/ ١٤١ و٦/ ١٠٣ و١٠٤، والرسالة ٤٦٤ فقرة (١٢٧٥). وسنن البيهقيّ الكبرى ٨/ ١٢٥. وانظر: نكت الزّركشيّ ١/ ٤١٠.
[ ١ / ١٧٦ ]
(وإنْ تَصِلْ) أنتَ (بِسَنَدٍ) أي: وإنْ تَرْوِ بإسنادٍ مُتَّصِلٍ، حَدِيثًا (مَنْقُوْلا؛ فَسَمِّهِ) أي: المُسْنَدَ (١): (مُتَّصِلًا مَوْصُولا)، ومُؤتَصِلًا (سواءٌ) في ذَلِكَ (الموقوفُ والمرفوعُ).
فَخَرجَ بقيدِ الاتِّصالِ: المُرْسَلُ، والمُنْقَطِعُ، والمُعْضَلُ، والمُعَلَّقُ، ومُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ قَبْلَ تَبْيِيْنِ سَماعِهِ.
(وَلَمْ يِرَوْا أَنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ) في المَوْصُوْلِ، وإنِ اتَّصَلَ إسنادُهُ إلى قَائِلِه، للتنافُرِ (٢) بَيْن الوَصْلِ والقَطْعِ.
وهذا عِنْدَ الإطلاقِ، أَمَّا مَعَ التَّقْييدِ فجَائِزٌ واقعٌ في كلامِهِم، كقولِهم: هَذَا مُتَّصِلٌ إلى سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، أَوْ إلى الزُّهْريِّ، أَوْ إلى مَالِكٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ (٣).
الْمَوْقُوْفُ (٤)
١٠١ - وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
١٠٢ - وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَرْ وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبَرّْ
(وَسَمِّ بالمَوْقُوفِ مَا قَصَّرْتَهُ بِصَاحِبٍ) أي: عَلَى صَحَابِيٍّ أي (٥): لَمْ يَتَجاوزْ (٦) بِهِ عَنْهُ إلى النَّبيِّ - ﷺ - قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ نحوَه، وَخلا عَنْ قَرينةِ الرفعِ، سَوَاءٌ (وصلتَ)
_________________
(١) في (ع) و(ص): «السّند».
(٢) في (م): «للتنافي».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٨.
(٤) انظر في الموقوف: معرفة علوم الحديث: ١٩، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ٢٥، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٣٦، والإرشاد ١/ ١٥٨، والتقريب: ٥١ - ٥٣، والاقتراح: ١٩٤، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٦٤ والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحَدِيْث: ٤٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤١٢ - ٤١٩، والشذا الفياح ١/ ١٤٠، والمقنع ١/ ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٩، ونزهة النظر: ١٥٤، ونكت ابن حجر ١/ ٥١٢، والمختصر: ١٤٥، وفتح المغيث ١/ ١٠٣، وألفية السيوطي ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٦، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦١، وظفر الأماني: ٣٢٥، وقواعد التحديث: ١٣٠، وتوجيه النظر ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٥) سقطت من (ق).
(٦) في (ص): «تتجاوز».
[ ١ / ١٧٧ ]
السَنَدَ بِهِ، (أَوْ قَطَعْتَهُ).
واشْتِرَاطُ الحَاكِمِ عَدَمَ انْقِطَاعِهِ شَاذٌّ (١).
(وَبَعْضُ أَهْلِ الفِقْهِ) مِنَ الشَّافِعيَّةِ (سَمَّاهُ) أي: المَوْقُوْفَ (الأثرْ) (٢)، وسَمَّى المَرْفُوْعَ: الخَبَرَ (٣).
وأمَّا المُحَدِّثونَ، فقال النَّوَوِيُّ: «إنَّهم يُطْلِقُونَ الأثَرَ عَلَى المَرْفُوْعِ، والمَوْقُوْفِ» (٤).
(وإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ) أي: عَلَى غَيْرِ الصَّحَابيِّ مِن تابعيٍّ، أَوْ مَنْ دُوْنَهُ، وفي نُسْخَةٍ «بتَابعٍ»، (قَيِّدْ) هُ (٥) بِهِ، كقولِكَ: مَوْقُوْفٌ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ وَقَفَهُ فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ (تَبرّْ) بِذَلِكَ (٦) أي: يَزْكُو (٧) بِهِ عَمَلُكَ، ويُمْدَحُ.
الْمَقْطُوْعُ (٨)
١٠٣ - وَسَمِّ بِالمَقْطُوْعِ قَوْلَ التَّابِعي وَفِعْلَهُ، وَقَدْ رَأى (للشَّافِعِي)
_________________
(١) حد الحاكم الموقوف بقوله: «أن يروي الحديث إلى الصّحابيّ من غير إرسال ولا إعضال». معرفة علوم الحديث: ١٩. وقد انتقده الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٥١٢ بقوله: «شرط الحاكم في الموقوف أن يكون إسناده غير منقطع إلى الصحابي، وهو شرط لم يوافقه عليه أحد».
(٢) ورد ذلك أيضًا في كلام الشّافعيّ. انظر: الرسالة الفقرات (٥٩٧) (١٤٦٨).
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٠.
(٤) التقريب: ٥١، وانظر: النكت لابن حجر ١/ ٥١٣، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤١٧.
(٥) سقطت الهاء من (ص) و(ق).
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٠.
(٧) في (م): «يذكو».
(٨) انظر في المقطوع: الجامع لأخلاق الراوي١/ ١٩١، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٣٨، وإرشاد طلاب الحقائق١/ ١٦٦، والتقريب: ٥٣، والاقتراح: ١٩٤، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، واختصار علوم الحديث: ٤٦، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤٢٠ - ٤٣٨، والشذا الفياح ١/ ١٤١ - ١٤٦، والمقنع ١/ ١١٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣١، ونزهة النظر: ١٥٤، ونكت ابن حجر ٢/ ٥١٤ - ٥٣٩، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث ١/ ١٠٥، وألفية السيوطي: ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٦، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٤٩، وظفر الأماني: ٣٤٢، وقواعد التحديث: ١٣٠، وتوجيه النظر ١/ ٤٠١ - ٤٠٣.
[ ١ / ١٧٨ ]
١٠٤ - تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقطِعِ قُلْتُ: وَعَكسُهُ اصطِلاحُ (البَردَعِي)
ويُجْمَعُ (١) عَلَى مَقاطيعَ ومَقاطِعَ (٢).
(وسمِّ بِالمقْطُوعِ قَوْلَ التابِعي، وَفِعْلَهُ) إذَا خَلا ذَلِكَ عَنْ قَرِيْنَةِ الرَّفْعِ، والوَقْفِ.
وكالتَّابعيِّ مَنْ دونَهُ، قالَهُ شيخُنا (٣).
(قَدْ رَأى) أي: ابنُ الصَّلاحِ (للشَّافِعِي) - ﵀ - (تَعْبيرَهُ بِهِ) أي: بالْمَقْطُوْعِ (عَنِ المُنْقَطِعِ) أي: الذي لَمْ يَتَّصِلْ إسنادُهُ (٤).
والمَقْطُوْعُ مِن مَباحثِ المتْنِ، والمُنْقَطِعُ مِنْ مَباحثِ الإسْنَادِ (٥)، وسيأتي بيانُهُ.
وأفادَ ابنُ الصَّلاحِ أنَّه رأى ذَلِكَ لِغيرِ الشَّافِعيِّ أَيْضًَا، مِمَّنْ تَأخَّرَ عَنْهُ (٦).
(قُلْتُ: وَعَكْسُهُ) أي: مَا لِلشَّافِعيِّ (اصْطِلاحُ) الحافظِ أبِي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ هارُوْنَ البَرْدِيْجِيِّ (البَرْدَعِي) -بدالٍ مُهْمَلَةٍ عَلَى الأكثر- نسبةً إلى «بَرْدَعَة» (٧) بلدةٍ مِن أَقْصى بلادِ أذْرَبِيجانَ، حَيْثُ جَعَلَ المُنْقَطِعَ هُوَ قَوْلُ التَّابِعيِّ (٨).
وهذا -كَمَا قَالَ النَّاظِمُ- حَكاهُ ابنُ الصَّلاحِ في مَحَلٍ آخرَ، لكنَّهُ لَمْ يُعيِّنْ قَائِلَهُ، قَالَ: فَأَتيْتُ بـ «قُلْتُ» لأنَّ تَعْيِيْنَ قَائلِهِ مِنْ زِيَادَتِي عَلَيْهِ (٩).
_________________
(١) قبل هذا في (م): «المقطوع».
(٢) وكلاهما جائز كمساند ومسانيد. انظر: نكت الزركشي ١/ ٤٢٠، ومحاسن الاصطلاح: ١٢٥، ونكت ابن حجر ٢/ ٥١٤.
(٣) نزهة النظر: ١٥٤.
(٤) قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢: «ووجدته أيضًا في كلام أبي بكر الحميدي، وأبي الحسن الدّارقطنيّ». وكذا أبو القاسم الطبراني. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٩، والشذا الفياح ١/ ١٥٨، تدريب الراوي ١/ ١٩٤.
(٥) انظر: نزهة النظر: ١٥٤.
(٦) مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ١٣٩.
(٧) ويقال بالذال المعجمة أيضًا. انظر: الأنساب ١/ ٣٢٧ و٣٣٠، ومعجم البلدان ١/ ٣٧٩، وتاج العروس ٢٠/ ٣١٤ - ٣١٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٢.
(٩) المصدر السابق.
[ ١ / ١٧٩ ]
فُرُوْعٌ
١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ نَحْوُ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ
١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ عَلى الصَّحِيْحِ، وهْوَ قَوْلُ الأكْثَرِ
١٠٧ - وَقَوْلُهُ (كُنَّا نَرَى) إنْ كانَ مَعْ عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ
١٠٨ - وَقِيْلَ: لا، أوْ لا فَلا، كَذاكَ (١) لَهْ و(لِلخَطِيْبِ) قُلْتُ: لكِنْ جَعَلَهْ
١٠٩ - مَرفُوعًا (الحَاكِمُ) و(الرَّازِيُّ إبنُ (٢) الخَطِيْبِ)، وَهُوَ القَوِيُّ
(فُروعٌ): جَمْعُ فَرْعٍ. وَهُوَ مَا انْدَرَجَ تَحْتَ أَصْلٍ كُليٍّ، وَهِيَ سَبْعَةٌ:
أَحدُها: (قَوْلُ الصَّحَابيِّ) - ﵁ -: (مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا. كَقُوْلِ عَلِيٍّ - ﵁ -، كَمَا في
" سُنَنِ أبي داودَ ": «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفَّ في الصلاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» (٣).
_________________
(١) هكذا في جميع النسخ الخطية لشرح الألفية، وكذا في نسخة (أ) و(ج) من متن الألفية، وفي نسخة (ب) من متن الألفية: «كذلك»، ولا يستقيم الوزن معها.
(٢) تصير همزة (ابن) همزة قطع لا وصل ليستقيم الوزن.
(٣) سنن أبي داود (٧٥٦)، ورواه أيضًا: عبد الله بن أحمد في زوائده على مسند أبيه ١/ ١١٠، والدارقطني في سننه ١/ ٢٨٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣١، كلهم من طريق عبد الرحمان بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، عن علي. قلنا: هذا إسناد ضعيف؛ عَبْد الرحمان بن إسحاق الكوفي، قَالَ أبو حاتم: منكر الحَدِيْث، وَقَالَ ابن معين: لَيْسَ بشيء (انظر: سُنَن أبي دَاوُد ١/ ٢٠١ عقيب ٧٥٦)، والعلل ومعرفة الرّجال (رِوَايَة المروذي): ٢١٤ (٤٠٥)، وديوان الضعفاء والمتروكين ٢/ ٩١، والكاشف ١/ ٦٢٠، والمغني ٢/ ٣٧٥، ونصب الراية ١/ ٣١٤، والتقريب (٣٧٩٩)، وشيخه زياد بن زيد، هُوَ: السّوائيّ الأعسم: مَجْهُوْل لا يعرف بحال. انظر: ديوان الضعفاء والمتروكين ١/ ٣٠٨، والكاشف ١/ ٤١٠، وميزان الاعتدال ٢/ ٨٩، والتقريب (٢٠٧٨). قال ابن الصّلاح: «فالأصحّ أنه مسندٌ مرفوعٌ؛ لأن الظاهر أنّه لا يريد به إلا سنة رسول الله - ﷺ - وما يجب اتّباعه». انظر معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٣، وما صححه ابن الصّلاح هو الصّواب، فقد نقل الحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٨ الإجماع على ذلك، وقال: «وقد أجمعوا على أن قول الصّحابيّ (سنة): حديث مسند». وقال البيهقيّ: «لا خلاف بين أهل النقل أن الصّحابيّ - ﵁ - إذا قال: أمرنا، أو نهينا، أو من السّنّة كذا، أنه يكون حديثًا مسندًا». انظر: النكت ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣، والنكت الوفية: ٩٩/ أ.
[ ١ / ١٨٠ ]
(أَوْ نَحْوُ: أُمِرْنَا) - ببنائِه للمفعولِ - ك: أُمِرَ فُلاَنٌ، وَكنَّا نُؤْمَرُ، ونُهِيْنَا، كَقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ -، كَمَا فِي " الصَّحِيحينِ ": «أُمِرْنَا أنْ نُخرِجَ فِيْ الْعِيْدَيْنِ الْعَوَاتِقَ (١)، وَذَواتِ الخُدُورِ (٢)، وأُمِرَ الْحُيَّضُ أنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِيْنَ» (٣). و«نُهِيْنَا عَنِ اتِّباعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (٤). ورُخِّصَ، أَوْ أُبيحَ لَنَا، أَوْ أُوْجِبَ لَنَا، أَوْ حُرِّمَ عَلَيْنَا.
كُلٌّ مِنْهُمَا (٥) مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوْفًا لفظًا، (حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَو بَعْدَ) موتِ (النَّبيِّ) - ﷺ -، (قالَهُ) (٦) الصَّحَابيُّ (بأَعْصُرِ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهوَ قَوْلُ الأكْثَرِ) مِنَ العُلَمَاءِ.
_________________
(١) العواتق: جمع عاتقة، وهي الجارية أوّل ما تدرك، أو التي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس. انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٧٨ - ١٧٩، ولسان العرب ١٢/ ١٠٥ - ١٠٦، والقاموس المحيط ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (عتق).
(٢) الخدر: ناحية في البيت يترك عليها ستر، فتكون فيه الجارية البكر، خُدِّرت فهي مخدرة، وجمع الخدر الخدور، قاله ابن الأثير. النهاية ٢/ ١٣، وانظر: الصحاح ٢/ ٦٤٣ (خدر).
(٣) أخرجه الحميدي (٣٦١) و(٣٦٢)، وأحمد ٥/ ٨٤، والدارمي (١٦١٧)، والبخاري ١/ ٨٨ حديث (٣٢٤) و٢/ ٢٥ حديث (٩٧١) و٢/ ٢٦ حديث (٩٧٤) و٢/ ٢٧ حديث (٩٨٠) و٢/ ١٩٦ حديث (١٦٥٢)، وأبو داود (١١٣٧) و(١١٣٨)، وابن ماجه (١٣٠٧)، والترمذي (٥٤٠)، والنسائي ١/ ١٩٣ - ١٩٤ و٣/ ١٨٠، وابن خزيمة (١٤٦٦) و(١٤٦٧) من طرق، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، ومنهم من رواه مطولًا. وأخرجه أحمد ٥/ ٨٥، والبخاري ١/ ٩٩ حديث (٣٥٦) و٢/ ٢٦ حديث (٩٧٤) و٢/ ٢٨ حديث (٩٨١)، ومسلم ٣/ ٢٠ حديث (٨٩٠)، وأبو داود (١١٣٦) و(١١٣٧)، وابن ماجه (١٣٠٨)، والترمذي (٥٣٩)، والنسائي ٣/ ١٨٠، وابن خزيمة (١٤٦٧) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، والروايات مطولة ومختصرة.
(٤) أخرجه البخاري ٢/ ٩٩ حديث (١٢٧٨)، ومسلم ٣/ ٤٧ حديث (٩٣٨)، وأبو داود (٣١٦٧)، وابن ماجه (١٥٧٧) من طريق حفصة بنت سيرين، عن أم عطية. وأخرجه أحمد ٦/ ٤٠٨، ومسلم ٣/ ٤٧ (٩٣٨) من طريق محمد بن سيرين، عن أم عطية. قال الإمام العراقي: «وكلاهما صحيح هو من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث، وهو الصّحيح، وقول أكثر أهل العلم، قاله ابن الصّلاح قال: لأنّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي وهو رسول الله - ﷺ -». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٤٣.
(٥) في (ق) و(ع): «منها».
(٦) في (ق): «أي الصّحابيّ».
[ ١ / ١٨١ ]
سَوَاءٌ أقالَهُ في مَحَلِّ الاحتجاجِ، أَمْ لا، تأمَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُ النَّبيِّ - ﷺ -، أَمْ لاَ؛ لأنَّهُ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عِنْدَ إطلاقِ هذِهِ الألفاظ، لأنَّ مَدْلُولَها مِنْهُ - ﷺ - أصلٌ؛ لأنَّهُ الشَّارعُ، ومِنْ غَيْرِهِ تَبعٌ لَهُ، مَعَ أنَّ الظَّاهرَ أنَّ مقصودَ الصَّحَابيِّ بيانُ الشَّرعِ.
ومُقابلُ الصَّحِيح، وقولِ الأكثر: أنَّه لا يحكمُ لذلك بالرفعِ؛ لاحتمالِ أنَّه من غَيْرِ النَّبيِّ - ﷺ -، كسنَّةِ البلدِ، وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ، وأمرِهم ونهيِهم (١).
فَمَحَلُّ الخِلافِ - كَمَا قَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ - إذَا كَانَ للاجتهادِ في المرويِّ مجالٌ، وإلا فحكْمُهُ الرفعُ قطعًا.
أما إذَا صَرَّحَ الصَّحَابيُّ بالآمرِ، كقوله: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -» فَلَمْ أرَ فِيهِ خلافًا (٢)، ولا يقدحُ فِيهِ مَا حُكِيَ عَنْ داودَ (٣)، وغيرِهِ: أنَّه لَيْسَ بِحُجةٍ؛ لأنَّ عدمَ الحُجِّيةِ لاَ ينافي الرَّفعَ، عَلَى أنَّ النّاظِمَ قَالَ: إنَّهُ ضَعِيْفٌ مردودٌ إلا أَنْ يُرادَ بِكونِهِ «غَيْرَ حُجَّةٍ» أي: في الوجوبِ (٤).
(و) ثانيها: (قَوْلُهُ) أي: الصَّحَابيُّ: (كُنَّا نَرَى)، أَوْ نَفْعَلُ، أَوْ نَقُولُ كَذَا، أَوْ نَحْوُها، فِيهِ اقْوَالٌ:
أَصَحُّها: أنَّهُ (إنْ كَانَ) ذَلِكَ (مَعْ) ذِكْرِ (عَصْرِ النَّبيِّ) - ﷺ - كَقُوْلِ جَابرٍ،
_________________
(١) قال الإمام العراقي: «قال ابن الصباغ في " العدّة ": وحكي عن أبي بكر الصّيرفيّ، وأبي الحسن الكرخيّ وغيرهما أنهم قالوا: يحتمل أن يريد به سنة غير النّبيّ - ﷺ -، فلا يحمل على سنته». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٥ وهو قول كثير من العلماء: كأبي بكر الإسماعيلي من الشافعية، والرازي من الحنفية وابن حزم والغزالي وجماعة من الأصوليين، وأكثر مالكية بغداد، وحكاه إمام الحرمين عن المحققين، وذكر الزّركشيّ أنه قول إمام الحرمين، بل حكى ابن فورك وسليم الرازي وابن القطان والصيدلاني: أنه الجديد من مذهب الشّافعيّ وكذا نسبه المازري إلى أحد قولي الشّافعيّ. انظر: البرهان ١/ ٦٤٩، والمنخول ٢٧٨، والتبصرة في أصول الفقه ٣٣١، وإحكام الأحكام ٢/ ٨٧، والإبهاج ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٣) في (ق): «الداوودي».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٨.
[ ١ / ١٨٢ ]
كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ ": «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ الله - ﷺ -» (١)، فَهُوَ وإنْ كَانَ مَوْقُوْفًا لَفْظًا، (مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ) أي: الصَّحَابيُّ؛ لأنَّ غَرضَهُ بَيَانُ الشَّرْعِ، وذلكَ يتوقَّفُ (٢) عَلَى عِلْمِهِ (٣) - ﷺ - بِهِ، وإقْرارُهُ عَلَيْهِ.
(وَقِيلَ: لا) يَكُونُ مَرْفُوْعًا، بَلْ هُوَ مَوْقُوْفٌ مُطْلقًا، سَوَاءٌ أقُيِّدَ بالعَصْرِ النَّبويِّ، أَمْ لا؟ بخلافِ القولِ المُتَقَدِّمِ، فإنَّهُ إن قيِّدَ بِذَلِكَ فمرفوعٌ كَمَا مَرَّ، (أَوْ لاَ) أي: وإن لَمْ يقيَّدْ بِهِ، (فَلا) يَكُونُ مرفوعًا (٤).
(كَذاكَ لَهْ) أي: لابنِ الصَّلاحِ (٥)، (وللخَطيبِ) المَزيد عَلَيْهِ (٦).
وَقَوْلُه: «أَوْ لاَ»، إلى آخرِهِ، تصريحٌ بما أفهَمَهُ تقييدُهُ «أَوْ لا» بقولِهِ: إنْ كَانَ مَعَ عَصْرِ النَّبيِّ - ﷺ -، وإنَّما صرَّحَ بِهِ ليرتِّبَ (٧) عَلَيْهِ القَوْلَ الثَّالِثَ المَذْكُوْرَ بقولِهِ:
(قُلْتُ: لكنْ جَعَلَهْ) أي: مَا لَمْ يُقيَّدْ بالعَصْر النَّبوي المَفْهُوْمِ مِنْهُ مَا قُيِّدَ بِهِ بالأَوْلَى (مَرْفُوْعًا) الحافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ (الحَاكِمُ، و) (٨) الإمَامُ الفَخْر (الرَّازيُّ) (٩) نِسْبةً - بزيادة الزاي - إلى «الرَّيِّ» مدينةٍ مِن بلادِ الدَّيْلَمِ (١٠) (إبنُ الخَطِيْبِ) بها، (وَهُوَ) بضمِ الهاء (القَوِيُّ) مِن حيثُ المعْنى، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ في " مَجْموعِهِ " (١١).
_________________
(١) صحيح البخاريّ ٧/ ٤٢ (٥٢٠٩)، وصحيح مسلم ٤/ ١٦٠ (١٤٤٠) من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر. وأخرجه مسلم ٤/ ١٦٠ عقب (١٤٤٠) من طريق أبي الزبير، عن جابر. وأخرجه أحمد ٣/ ٣٠٩ و٣٦٨، والنّسائيّ في الكبرى (٩٠٩٢) من طريق عمرو بن دينار، عن جابر.
(٢) في (ق): «متوقف».
(٣) في (ق): «عمله».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠، والتقييد والإيضاح ٦٦، ونكت ابن حجر ٢/ ٥١٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤٢١.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٩ - ١٤٠.
(٦) الكفاية: (٥٩٥ هـ، ٤٢٤ ت).
(٧) في (ق): «ليترتب».
(٨) معرفة علوم الحديث: ٢٢.
(٩) المحصول ٢/ ٢٢١، وانظر: إحكام الأحكام ٢/ ٨٩، وقال ابن الصباغ: «إنه الظاهر». التقييد والإيضاح: ٦٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١.
(١٠) انظر: معجم البلدان ٣/ ١١٦.
(١١) المجموع ١/ ٦٠، وانظر النكت الوفية: ١٠٣/ ب.
[ ١ / ١٨٣ ]
فحصلَ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ (١):
١ - الرفعُ مطلقًا.
٢ - الوقفُ مطلقًا (٢).
٣ - التفصيلُ بَيْن مَا قُيِّد بالعصرِ النَّبويِّ، وما لَمْ يُقيَّدْ بِهِ.
وفيها أَيْضًَا:
رابعٌ، وَهُوَ: إنْ كَانَ الفعلُ مما لا يَخفى غالبًا، فمرفوعٌ، وإلاَّ فموقوفٌ.
وخامسٌ، وَهُوَ: إنْ ذُكرَ في مَعْرضِ الاحتجاجِ فَمَرفوعٌ وإلاَّ فَمَوْقوفٌ.
وسادسٌ، وَهُوَ: إن كَانَ قائلُهُ مجتهدًا، فموقوفٌ، وإلاَّ فمرفوعٌ.
وسابعٌ، وَهُوَ: إنْ قَالَ: «كُنَّا نَرَى»، فموقوفٌ، أَو (٣) «كُنَّا نَفْعَلُ»، أَوْ نحوَهُ فمرفوعٌ؛ لأنَّ «نَرَى» من الرأي، فيحتملُ أنْ يكونَ مستندُهُ استنباطًا، لا توقيفًا.
ثُمَّ مَحلُّ الخلافِ إذَا لَمْ يكنْ في القصَّةِ اطِّلاعُه - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ، وإلاَّ فَحُكْمُهُ الرفعُ قَطْعًا، كقولِ ابنِ عُمَرَ: «كُنَّا نَقُوْلُ، وَرَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الأمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ (٤). وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُوْلُ الله - ﷺ - فَلاَ يُنْكِرُهُ» رواهُ الطبرانيُّ في " مُعْجَمِهِ الكبيرِ" (٥). وبِالجُملةِ مَا قُيِّد مِن ذَلِكَ بالعَصْرِ النَّبويِّ، حُكْمُهُ الرَّفعُ، إما قَطْعًا، أَوْ عَلَى الأصحِّ.
_________________
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٦٦، ونكت ابن حجر ٢/ ٥١٥، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤٢١.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في (ص): «و».
(٤) بعد هذا في (ع): «وعلي»، ولم ترد شيء من النسخ ولا (م) ولا كتب التخريج.
(٥) المعجم الكبير (١٣١٣٢) وأخرجه بنحوه في المعجم الأوسط (٣٣٤ مجمع البحرين)، وفي مسند الشاميين (١٧٦٤)، وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٥٨: «رجاله وثقوا وفيهم خلاف»، وانظر ما كتبه الحافظ في الفتح ٧/ ١٦ عقيب (٣٦٥٥). قال الإمام العراقي: «والحديث في الصّحيح لكن ليس فيه اطّلاع النّبيّ - ﷺ - على ذلك بالتصريح». شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤١. قلنا: - كما أشار إليه العراقي - الحديث في صحيح البخاريّ ٥/ ٥ (٣٦٥٥) و٥/ ١٨ (٣٦٩٨)، وأخرجه أبو داود (٤٦٢٧) و(٤٦٢٨)، والترمذي (٣٧٠٧)، وأبو يعلى (٥٦٠٣)، والمزي في تهذيب الكمال ٥/ ٥٢٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
١١٠ - لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ المُصْطَفَى يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ) مِمَّا وُقِفَا
١١١ - حُكْمًا لَدَى (الحَاكِمِ) و(الخَطِيْبِ) وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْبِ
(لَكنْ حَدِيْثُ: كانَ بَابُ المُصْطَفَى) - ﷺ -، (يُقْرَعُ) مِن أَصْحَابِهِ (بالأظْفَارِ) (١) -تأدُّبًا مَعَهُ، وإجلالًا لَهُ-، (مِمّا وُقِفَا حُكْمًا) أي: حُكْمُهُ الوَقْفُ، (لَدى) أي: عِنْدَ (الحَاكِمِ (٢) والخَطيبِ (٣»، مَعَ أنَّ فِيْهِ ذِكْرَ النَّبيِّ - ﷺ -، خِلافَ مَا مَرَّ عَنْهُما فِيمَا يَشْمَلُهُ.
قَالَ الحَاكِمُ: لأنَّه مَوْقُوْفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكى فِيهِ عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا، وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (٤).
(والرَّفْعُ) فِيهِ (عِنْدَ الشَّيْخِ) ابنِ الصَّلاحِ (٥) (ذُوْ تَصْوِيْبِ). قَالَ وَهُوَ أحرى بكَونِهِ مرفُوعًا مِمَّا مَرَّ؛ لِكَونِهِ أحرى باطِّلاعِهِ - ﷺ -، قَالَ: والحاكِمُ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِهِ مِن قَبيلِ المَرْفُوْعِ، وَقَدْ كُنَّا عَدَدْنا هَذَا فِيْمَا أَخْذَناهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تأوَّلْنا لَهُ عَلَى أنَّه أَرادَ أنَّه لَيْسَ بمُسْنَدٍ لَفْظًا، بَلْ هُوَ كَسَائِرِ مَا مَرَّ، مَوْقُوْفٌ لَفْظًا، وإنَّما جَعَلْنَاهُ (٦) مَرْفُوْعًا مِن حَيْثُ المَعْنَى (٧).
١١٢ - وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابيْ رَفْعًا فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَابِ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١٩ من طريق كيسان مولى هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن المغيرة، به. وكيسان هذا: مجهول الحال، لم يوثّقه سوى ابن حبّان في ثقاته ٧/ ٣٥٨ على عادته في توثيق المجاهيل. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٨٠)، وفي التاريخ الكبير ١/ ٢٢٨، وأبو نعيم في أخبار أصفهان ٢/ ١١٠ و٣٦٥ من طريق أبي بكر الأصفهاني، عن محمد بن مالك بن المنتصر، عن أنس بن مالك، قال: كان بابه يقرع بالأظافير. قلنا: وهو سندٌ ضعيف؛ لجهالة أبي بكر الأصفهاني، وابن المنتصر.
(٢) معرفة علوم الحديث ١٩.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩١ عقب (١٨٩٠).
(٤) معرفة علوم الحديث: ١٩.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٢.
(٦) في (ق): «جعل».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٢، وانظر النكت الوفية: ١٠٥/ أ.
[ ١ / ١٨٥ ]
١١٣ - وَقَوْلُهُمْ (يَرْفَعُهُ) (١) (يَبْلُغُ بِهْ) (روَايَةً) (يَنْمِيْهِ) رَفْعٌ فَانْتَبِهْ
(وَ) أمّا (عَدُّ) تَفْسِيْرِ (مَا فَسَّرهُ الصَّحَابِيْ) الذي شَاهَدَ الْوَحْيَ والتَنْزِيْلَ مِنْ آي القُرآنِ (رَفْعًا) أي: مَرْفُوْعًا، كَمَا صَنَع الْحَاكِمُ (٢)، وَعَزَاهُ للشَّيخينِ، وَهُوَ ثَالِثُ الفُرُوْعِ (فمَحْمُولٌ عَلَى الأسْبَابِ) للنُزُوْلِ، ونحوِها، ممَّا لاَ مَجالَ لِلرَأي فِيهِ.
كَقَوْلِ جَابرٍ: كَانَتْ الْيَهُوْدُ تَقُوْلُ: مَنْ أتَى امْرَأَتَه مِنْ دُبُرِهَا فِيْ قُبُلِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآيةَ (٣).
وَكَتَفْسِيرِه أَمْرًا مُغيَّبًا مِن أمْرِ الدُّنيا، أَوْ الآخرةِ، كَتَعيينِ ثَوَابٍ، أَوْ عِقابٍ.
أما سَائِرُ تفاسيرِهِ التي تَنْشَأُ مِن مَعْرِفَةِ طُرُقِ البلاغَةِ، واللُّغةِ، أَوْ غيرِهما (٤) ممَّا للرَّأي فِيهِ مَجَالٌ، فَمَعْدُوْدٌ مِنَ المَوْقُوْفَاتِ (٥).
(و) رَابِعُها (٦) (قَوْلُهُمْ) أي: الرُّواةُ، كالتَّابِعينَ فمَنْ دُونَهُم بَعْدَ ذكرِ الصَّحَابيِّ: (يَرْفَعُهُ) أي: الحَدِيثَ، أَوْ رفَعَهُ، أَوْ مَرْفُوْعًا، أَوْ (يَبْلُغُ بِهْ)، أَوْ (روايةً) أَوْ يَرْويهِ، أَوْ
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية لشرح الألفية والنسخ الخطية لمتن الألفية، وفي النفائس بزيادة (أو) بعد (يرفعه) ولا يصحّ الوزن بها وإن كانت منوية في المعنى.
(٢) فقد قال في المستدرك: «ليعلم طالب العلم أن تفسير الصّحابيّ الذي شهد الوحي والتزيل عند الشيخين حديث مسندٌ». المستدرك ٢/ ٢٥٨، وبمعناه أيضًا ١/ ٢٧ و١٢٣ و٥٤٢، وكذا في معرفة علوم الحديث: ٢١ بمعناه أيضًا، وانظر كلام الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢، وفتح المغيث ١/ ١٤٣ - ١٤٤، وقارن بالعجاب ٦٨ وما بعدها.
(٣) البقرة: (٢٢٣). وأخرجه الحميدي (١٢٦٣)، وابن أبي شيبة (١٦٦٥٦)، والدارمي (٢٢٢٠)، والبخاري ٦/ ٣٦ حديث (٤٥٢٨)، ومسلم ٤/ ١٥٦ حديث (١٤٣٥)، وأبو داود (٢١٦٣)، وابن ماجه (١٩٢٥)، والترمذي (٢٩٧٨)، والنّسائيّ في الكبرى (١١٠٣٨) (١١٠٣٩) وفي تفسيره (٥٨) و(٥٩)، وأبو يعلى (٢٠٢٤)، والطبري ٢/ ٣٩٦، والطحاوي ٣/ ٤٠، وفي شرح المشكل (٦١١٩)، وابن حبان (٤١٦٩).
(٤) في (م): «أو غيرها».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٥، ولابن حجر كلام مفيد في نكته ٢/ ٤٣١، راجعه تجد فائدة.
(٦) في (م): «رابعًا».
[ ١ / ١٨٦ ]
(يَنْمِيهِ) (١) أي: يَرْفَعُهُ (٢)، أَوْ يُسْنِدُهُ، أَوْ يُؤْثِرُهُ (٣)، كَحديثِ البُخاريِّ، عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: «الشِّفَاءُ فِيْ ثَلاَثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» رَفَعَ الحَدِيثَ (٤).
وكحدِيثِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرجِ، عَن أبِي هُريرةَ، يَبْلُغُ بِهِ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ» (٥).
وفي " الصَّحِيحينِ " بهذا السَّندِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ روايةً: «تُقَاتِلُوْنَ قَوْمًا صِغَارَ الأعْيُنِ» (٦)، وَفيهِمَا (٧): عَن سَعيدِ بنِ المسيِّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ» (٨).
_________________
(١) قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٤٢: «بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم، والاصطلاح في هذه اللفظة موافق للغة، قال أهلها: نميت الحديث إلى غيري نميًا إذا أسندته ورفعته». وانظر: القاموس المحيط ٤/ ٣٩٧، وأوجز المسالك ٣/ ١٧٠.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح١٠/ ٣٣٦ عقب (٥٨٨٩): «وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الرّاوي: رواية، أو يرويه، أو يبلغ به، ونحو ذلك محمول على الرفع».
(٣) يقال: أثر الحديث: حدّث به ورواه، فهو أثر والحديث مأثور. انظر: متن اللغة ١/ ١٤٣.
(٤) صحيح البخاري ٧/ ١٥٨ حديث (٥٦٨٠) و٧/ ١٥٩ حديث (٥٦٨١)، وأخرجه أحمد ١/ ٢٤٥، وابن ماجه (٣٤٩١)، والطبراني في الكبير (١٢٢٤١)، والبيهقي ٩/ ٣٤١، والمزي ٣/ ١٠٠، كلهم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
(٥) أخرجه مسلم ٦/ ٢ حديث (١٨١٨)، وأخرجه الحميدي (١٠٤٤) و(١٠٤٥) وأحمد ٢/ ٢٤٢ و٢٥٧ و٤١٨، والبخاري ٤/ ٢١٧ حديث (٣٤٩٥)، كلهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال النووي في الإرشاد ١/ ١٦٤: فكل هذا وشبهه كناية عن رفع الحديث إلى رسول الله - ﷺ - وحكمه عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا. وإذا قيل عن التابعي: يرفعه، فهو أيضًا مرفوع لكنه مرفوع مرسل
(٦) صحيح البخار ي ٤/ ٥٢ حديث (٢٩٢٨) و٤/ ٢٣٨ حديث (٣٥٨٧)، ومسلم ٨/ ١٨٤ (٢٩١٢)، وأخرجه أيضًا: الحميدي (١١٠١)، وابن أبي شيبة (٣٧٣٤٢)، وأحمد ٢/ ٥٣٠، وابن ماجه
(٧) ، والبيهقي ٩/ ١٧٥، والبغوي (٤٢٤٢).
(٨) هكذا قال، وليس في صحيح مسلم١/ ١٥٢ - ١٥٣ (٢٥٧) ما أشار إليه الشارح إنما فيه بلفظ: «قال»، وفيه٦/ ٢حديث (١٨١٨) في رواية أخرى للحديث المذكور آنفًا في المتن- «الناس تبع لقريش» -: «رواية».
(٩) صحيح البخاريّ ٧/ ٢٠٦ (٥٨٨٩)، وأخرجه أحمد ٢/ ٢٣٩.
[ ١ / ١٨٧ ]
وكحديثِ مَالِكٍ في " الموَطَّإِ " (١)، عَنْ أبي حازمٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ،
قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ»، قَالَ أَبُو حازمٍ: لا أعلمُ إلاَّ أنَّهُ يَنمِيْ ذَلِكَ.
(رَفْعٌ) أي: مَرفوعٌ بلا خِلاَف (٢).
وَقَدْ جَاء بعضُ ذَلِكَ بالتَّصريحِ، فَفي روايةٍ لحديثِ " الصَّحِيحينِ ": «الفِطْرَةُ خَمْسٌ يَبْلُغُ بِهِ النَّبيَّ - ﷺ -» (٣).
وفي أُخْرَى: «قَالَ رَسُوْلُ الله - ﷺ -» (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ لحديثِ سَهْلٍ: «يَنْمِي ذَلِكَ إلى النَّبيِّ - ﷺ -» (٥).
(فانْتَبِهْ) لهذهِ الألفاظِ، ونحوِها، مما اصطلحَ عَلَى الكنايةِ بها عَنْ الرَّفْعِ.
والحاملُ عَلَى العدولِ عَنْ التَّصريحِ بالرَّفْعِ، إما الشَّكُّ في الصِّيغةِ التي سَمِعَ
بها - أهيَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، أَوْ نَبِيُّ اللهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ك: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَني، وَهُوَ ممَّنْ لا يَرى الإبدالَ - وإما التخفيفُ، والاخْتِصارُ، أَوْ غيرُ ذَلِكَ.
_________________
(١) الموطأ (٤٣٧).
(٢) في (م): «خوف».
(٣) الحديث بهذا اللفظ جاء من رواية أبي داود (٤١٩٨)، والبيهقي ١/ ١٤٩، والبغوي (٣١٩٥). فعلى هذا فإن إطلاق الشارح غير صحيح.
(٤) صحيح البخاريّ ٧/ ٢٠٦ (٥٨٩١) و٨/ ٨١ (٦٢٩٧)، وفي الأدب (١٢٩٢)، وصحيح مسلم ١/ ١٥٢ (٢٥٧) (٤٩) و١/ ١٥٣ (٢٥٧) (٥٠). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٤٣)، والحميدي (٩٣٦)، وابن أبي شيبة (٢٠٤٧) و(٢٦٤٦٠) وأحمد ٢/ ٢٢٩ و٢٣٩ و٢٨٣ و٤١٠ و٤٨٩، وابن ماجه (٢٩٢)، والترمذي (٢٧٥٦)، والنّسائيّ ١/ ١٣ و١٤ و٨/ ١٨١، وفي الكبرى (٩) (١٠) و(١١)، وأبو عوانة١/ ١٩٠، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٢٩، وفي شرح المشكل (٦٨٣)، وابن حبان (٥٤٨٨) و(٥٤٨٩) و(٥٤٩٠) و(٥٤٩١)، والبيهقي ٣/ ٢٤٤و٨/ ٣٢٣. وفي بعض الروايات: عن الرسول - ﷺ - أنه قال، وفي بعضها: سمعت رسول الله - ﷺ - قال.
(٥) صحيح البخاري ١/ ١٨٨ (٧٤٠)، وأخرجه أيضًا: الإمام أحمد في مسنده ٥/ ٣٣٦، وأبو عوانة في مسنده ٢/ ٩٧، والطبراني في الكبير (٥٧٧٢)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٢٨، كلهم من طريق مالك. وقد أخرجه عن مالك بدون زيادة اللفظة: أبو مصعب الزهري (٤٢٦)، وسويد بن سعيد (١٣٣)، وعبد الرحمن بن القاسم (٤٠٩)، وعبد الرحمن بن مهدي: عند أحمد ٥/ ٣٣٦، وعمار بن مطرف: عند ابن عبد البر ٢١/ ٩٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ من صَحَابِيٍّ بَعْدَ ذكرِهِ صَحَابِيًا، كَانَ مَرْفُوْعًا أَيْضًا، وعِبارةُ النَّاظِمِ - كغيرِهِ - تَشْمَلُهُ، لكنِّي لَمْ أرَ لَهُ مثالًا.
وَقَدْ يقعُ ذَلِكَ مِنَ الصَّحابيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ النَّبيَّ - ﷺ -، كأنْ يقولَ: «عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - يَرْفَعُهُ»، فهذا في حُكْمِ قولِهِ: عَنْ اللهِ تَعَالَى.
وَمِثَالُهُ: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -، يَرْفَعُهُ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدِيْ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِيْ وَأنَا أنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ» (١) حَدِيثٌ حَسَنٌ رواهُ البزَّارُ في " مُسندِهِ "، وَهُوَ من الأحاديثِ الإلهيةِ، وَقَدْ أفردَها جمعٌ بالجمعِ، نبَّه عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنا (٢).
١١٤ - وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلُ قُلْتُ: (مِنَ السُّنَّةِ) عَنْهُ نَقَلُوْا
١١٥ - تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ نَحْوُ (أُمِرْنَا) (٣) مِنْهُ (للغَزَالي)
(و) خامسُها: مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ: (إنْ يقُلْ) لفظٌ من الألفاظِ المتقدِّمةِ آنفًا مِن راوٍ (عَنْ تابعٍ) أي: تابعيٌّ (فَمُرسلُ) مَرْفُوْعٌ بلا خلافٍ (٤).
(قلتُ): وقولُ الراوِي: (مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا حالةَ كونِه صادرًا (عَنْهُ) أي: عَنِ التَّابِعيِّ، كقولِ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتبةَ التَّابِعيِّ، كَمَا فِي " سُنَنِ البَيْهَقيِّ ": «السُّنَّةُ تَكْبِيْرُ الإِمَامِ، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الأضْحَى حِيْنَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، تِسْعَ تَكْبِيْرَاتٍ» (٥). (نَقَلُوا تصْحِيحَ وَقْفِهِ) عَلَى الصَّحَابيِّ من وجهينِ، حَكَاهُما النَّوَوِيُّ عَنِ الأصْحابِ، أهو مَوْقُوْفٌ مُتَّصِلٌ، أَوْ مَرْفُوْعٌ مُرسلٌ، وَصَحَّحَ هُوَ أَيْضًا: أوَّلَهما (٦).
_________________
(١) (٨٧١ - كشف الأستار) وأخرجه أحمد ٢/ ٣٦١، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٩٤).
(٢) النكت لابن حجر ٢/ ٥٣٩، وانظر: الرسالة المستطرفة: ٨١.
(٣) التقدير: أمرنا بكذا من التابعي.
(٤) انظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٨.
(٥) السّنن الكبرى ٣/ ٢٩٩.
(٦) المجموع ١/ ٤٧، وانظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٩.
[ ١ / ١٨٩ ]
وفرَّقَ النَّاظِمُ (١) بينَهُما، وبينَ مَا قبلَهُما (٢) مِن صِيَغِ (٣) هَذَا الفرعِ، بأنَّ
«يرفعُ الحديثَ» تصريحٌ بالرفعِ (٤)، وقريبٌ مِنْهُ بقيَّةُ الألفاظِ، بخلافِ «من السُّنَّةِ»؛ لاحتمالِ إرادةِ سنَّةِ الخلفاءِ الراشدينِ، وسُنةِ البلدِ، وهذا الاحتمالُ، وإنْ قِيلَ بِهِ في الصَّحَابيِّ، فَهُوَ في التَّابِعيِّ أقْوى، كَمَا لا يَخْفَى.
نَعَمْ، ألْحَقَ الشَّافِعيُّ في " الأُمِّ " بالصَّحَابيِّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ في قولِهِ: «من السُّنَّةِ»، فيحتملُ أنَّهُ مستثنىً مِنَ التَّابعينَ (٥).
والظّاهِرُ: حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اعْتَضدَ بِغيرِهِ، كنَظيرِه في مُرْسَلِهِ، كَمَا سَيأْتِي بيانُه في المُرْسَلِ.
أَمَّا إذَا قَالَ التَّابِعيُّ: «كُنَّا نفعلُ كَذَا، أَوْ نحوَهُ» فَلَيسَ بمرفوعٍ قَطْعًا، ولا بموقوفٍ إن لَمْ يُضِفْهُ إلى زمنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ مَقْطُوْعٌ، فإنْ أضافَهُ احتملَ الوقْفَ (٦) وَعَدمَهُ.
(وَذُو احْتِمالِ) للإرسالِ، والوقفِ (نحوُ أُمِرْنَا) بِكَذا، كأُمِرَ فُلاَنٌ بِكَذا، إذَا أتى (مِنْهُ) أي: مِنَ التَّابِعيِّ، (لِلغَزاليْ) في " المُسْتَصْفَى " وَلَمْ يُصرِّحْ بِترجيحِ واحدٍ مِنْهُمَا، وَلكنْ يُؤخذُ مِن كلامٍ ذَكرَهُ عَقِبَ ذَلِكَ، ترجيحُ أنَّه مرسلٌ مَرْفُوْعٌ (٧).
وَجزمَ ابنُ الصَّبَّاغِ في " العُدَّة " بأنَّهُ مُرسلٌ، وَحَكى فِي حُجَّيةِ مَا يأتِي بِهِ سَعيدُ بنُ المسيِّبِ مِن ذَلِكَ وجهينِ (٨).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٩.
(٢) في (ص) و(ق): «قبلها».
(٣) في (ق): «صنيع».
(٤) انظر: فائدة ذكرها البقاعي في النكت الوفية: ١٠٧/ أ - ب.
(٥) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٧٨.
(٦) في (ق): «الوقوف».
(٧) قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠: «وإذا قال التابعيّ: أمرنا بكذا، ونحوه، فهل يكون موقوفًا، أو مرفوعًا مرسلًا؟ فيه احتمالان لأبي حامد الغزالي في المستصفى ولم يرجح واحدًا من الاحتمالين. وجزم ابن الصباغ في " العدة " بأنه مرسل»، قلنا: انظر: المستصفى ١/ ١٣١.
(٨) انظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٩.
[ ١ / ١٩٠ ]
وَقَولُهُ: (نحوُ أُمِرْنَا) مبتدأٌ، خبرُهُ (ذُو احْتِمَالِ)، و(لِلغَزاليْ) متعلقٌ باحتمالِ، ولامُهُ للاختصاصِ، أَوْ بمعنى «عِنْدَ»، كَمَا في قولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنِيْ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِيْ﴾ (١) أي: عِنْدَهَا.
١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا يُقَالُ رَأيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٧ - مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ (مَنْ أتَى) فَالحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا
١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ مُحَمَّدٌ وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ (٢)
١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، فَالخَطِيْبُ رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ (٣)
(و) سادِسُها (٤): (مَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ) أي: صَحَابِيٍّ مَوْقُوْفًا عَلَيْهِ، (بحيثُ لا يُقال رأيًا) أي: من قِبَلِ الرأي؛ بأنْ لا يكونَ للاجتهادِ فِيهِ مَجالٌ أي: ظاهر (٥)، (حُكْمُهُ: الرفْعُ)، وإن احْتمَلَ أخذُ الصَّحابيِّ لَهُ عَنْ (٦) أَهْلِ الكتابِ، تَحْسينًا لِلظنِّ بِهِ (٧) (عَلَى مَا قَالَ) الإمامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ (فِي الْمَحْصُوْلِ) (٨)، وغيرُهُ، كأبي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ، والحاكِمِ (٩).
(نَحْوُ) قولِ ابنِ مَسْعودٍ: «(مَنْ أتَى) سَاحِرًا، أَوْ عَرَّافًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (١٠). (فَالحاكِمُ: الرَّفْعَ لِهَذَا) الحديثِ (أَثْبَتَا) (١١).
_________________
(١) الفجر: ٢٤.
(٢) في نسخة (ب) من متن الألفية: «الكوفة»، وقد صححت على حاشية الصفحة.
(٣) انظر: النكت الوفية: ١١٢ / أ - ب.
(٤) في (ص) و(ق): «وسادسهما».
(٥) في (ع) و(ق) و(م): «ظاهرًا»، والمثبت من (ص).
(٦) في (م): «من».
(٧) في (ق): «بهم». وانظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٠.
(٨) المحصول ٢/ ٢٢١ (علواني ٢/ق١ ص٦٤٣) وارجع بلا بد إلى النكت الوفية: ١٠٧/ب.
(٩) انظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥١.
(١٠) أخرجه موقوفًا: أبو يعلى الموصلي (٥٤٠٨)، والبزار في مسنده " كشف الأستار " ٢/ ٤٤٣، والطبراني في الكبير (١٠٠٠٥)، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٢٢. وقال المنذري عن رواية البزار وأبي يعلى: «إسناد جيد»، وقال عن رواية الطبراني في المعجم الكبير: «رواته ثقات». الترغيب والترهيب ٤/ ٣٦. وقال الهيثمي: «رجال الكبير والبزار ثقات». وقال عن رواية البزار: «رجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن يريم، وهو ثقة». مجمع الزوائد٥/ ١١٨. وانظر: المطالب العالية ٣/ ١٠٤رقم (٢٥٢٤) و(٢٥٢٥) الطبعة المسندة.
(١١) معرفة علوم الحديث: ٢٢.
[ ١ / ١٩١ ]
وكقولِ أبي هُرَيْرَةَ: «وَمَنْ (١) لَمْ يُجِبِ الدّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ» (٢).
(وَ) سابعُها (٣): (مَا رَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ) - بكسر آخره للوزْنِ - (مُحَمَّدٌ) أي: ابنُ سِيرينَ، (و) رَواهُ (عَنْهُ) أي: عَنْ ابنِ سِيرينَ، (أَهْلُ البَصْرَةِ) - بِفَتحِ الباءِ أشهرُ من ضَمِّها وَكَسْرِها (٤) - و(كرَّرَ) أي: ابنُ سِيرينَ (قَالَ بَعْدُ) أي: بَعْدَ أبِي هُرَيْرَةَ أي: قَالَ بَعْدَهُ: قَالَ: قَالَ.
مِثالُه: مَا رَواهُ الخطيبُ في " كفايتِهِ " (٥) عَنْ مُوسى بنِ هارونَ الحَمَّالِ، عَنْ شَيْخِهِ، عَنْ حمَّادِ بنِ زيدٍ، عَنْ أيوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ: «المَلاَئِكَةُ تَصَلِّيْ عَلَى أحَدِكُمْ مَا دَامَ فِيْ مُصَلاَّهُ» (٦).
_________________
(١) في (ع): «من» بلا واو.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٧٣)، والحميدي (١١٧١)، وأحمد ٢/ ٢٤٠، والدارمي (٢٠٧٢)، والبخاري ٧/ ٣٢ (٥١٧٧)، ومسلم ٤/ ١٥٣ (١٤٣٢) (١٠٧) (١٠٨)، وأبو داود (٣٧٤٢)، وأبو يعلى (٦٢٥٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٠١٦)، والبيهقي ٧/ ٢٦١، والبغوي (٢٣١٥). من طريق الزهري عن عبد الرحمان الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق (١٩٦٦٢)، وأحمد ٢/ ٢٦٧، ومسلم ٤/ ١٥٣ (١٤٣٢) (١٠٩)، وابن حبان (٥٣١٢)، والبيهقي ٧/ ٢٦١ من طريق سعيد بن المسيب، والأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٢/ ٤٠٥ و٤٩٤، وأبو يعلى (٥٨٩١)، وابن حبان (٥٣١٣) من طريق سعيد بن المسيب وحده عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه الحميدي (١١٧٠)، ومسلم٤/ ١٥٤ (١٤٣٢) (١١٠) من طريق ثابت الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة بنحوه.
(٣) في (ق) و(ع): «وسابعهما».
(٤) انظر: معجم البلدان ١/ ٤٣٠، والتاج ١٠/ ٢٠٢.
(٥) في (م): «كفاية».
(٦) الكفاية: (٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ) وأخرجه مسلم ٢/ ١٢٩ عقب (٦٤٩) من طريق أيوب، عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة، ولفظه: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يحدث، وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه».
[ ١ / ١٩٢ ]
وَقَدْ رَواهُ كذلك النَّسائيُّ مِن رِوايةِ ابنِ (١) عُلَيَّةَ، عَنْ أيوبَ (٢)، وَمِن روايةِ النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ، عَنْ ابنِ عَونٍ، كِلاهُما عَنْ ابنِ سِيرينَ (٣).
(فالخطيبُ رَوى) عَنْ مُوسى (بِهِ) أي: فِيْمَا يَرْوِي كَذلك (الرَّفْعَ) فإنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ حَمَّادُ بنُ زيدٍ، والبَصْرِيونَ: «قَالَ: قَالَ»، فَهُوَ مَرْفُوْعٌ (٤).
قَالَ الخطيبُ: قُلتُ للْبَرْقَانيِّ: أَحْسِبُ أنَّ مُوسى عَنَى بهذا القولِ أحاديثَ ابنِ سيرينَ خَاصَّةً، فَقَال: كَذَا يَجِبُ (٥).
قَالَ الخطيبُ: ويُحقِّقُهُ قولُ مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ: كُلُّ مَا حدَّثْتُ (٦) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، فَهُوَ مَرْفُوْعٌ (٧).
وَمِن ذَلِكَ: مَا رَواهُ البُخَارِيُّ، عَنْ سُليمانَ بنِ حَرْبٍ، عَنْ حمَّادٍ، عَنْ
أيوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: «أسْلَمُ، وغِفَارُ، وشيءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ الخ»، الحديثَ (٨).
(وَذَا) أي: تَخْصيصُ الحُكمِ بالرَّفْعِ فيمَا يأتِي، عَنْ ابنِ سِيرينَ مِن رِوَايَةِ أَهْلِ البَصرةِ، بتكريرِ: «قَالَ»، كَمَا صنعَهُ موسى بنُ هارونَ، (عَجِيْبُ)؛ لأنَّ ابنَ سِيرينَ صَرَّحَ بالتَّعميمِ في كُلِّ مَا يَرويهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - كَمَا مَرَّ آنفًا. وَهَذَا آخِرُ زِيادةِ النَّاظِمِ هُنا.
_________________
(١) كلمة «ابن»: سقطت من (ق).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من السّنن الكبرى وهو في تحفة الأشراف١٠/ ٣٣٠حديث (١٤٤١١). وهو في كتاب الملائكة من السّنن الكبرى، وهذا الكتاب ليس من المطبوع، ويضاف إليه كذلك كتاب الرقاق، والشروط، والمواعظ
(٣) ليس في المطبوع من الكبرى وهو في التحفة ١٠/ ٣٤٣ حديث (١٤٤٧٦).
(٤) الكفاية: (٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ).
(٥) المصدر السابق.
(٦) في (ص) و(ع): «حدثت به».
(٧) الكفاية: (٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ).
(٨) أخرجه البخاريّ ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣ عقب (٣٥١٦)، ومسلم ٧/ ١٧٩ عقيب (٢٥٢١)، عن زهير بن حرب ويعقوب الدورقي، كلاهما عن إسماعيل بن علية، وأخرجه أحمد ٢/ ٢٣٠ عن اسماعيل بن علية. وأخرجه أيضًا ٢/ ٤٢٠ و٤٢٢ عن عبد الرزاق - (١٩٨٧٧) - عن معمر عن أيوب، مصرحًا فيه بالرفع. وكذلك أخرجه أبو يعلى (٦٠٥٤) والبغوي (٣٨٥٥) من طريق محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٩٣ ]
الْمُرْسَلُ (١)
١٢٠ - مَرْفُوعُ تَابعٍ عَلى المَشهُوْرِ مُرْسَلٌ او قَيِّدْهُ بِالكَبِيْرِ
١٢١ - أوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ وَالأوَّلُ الأكْثَرُ في استِعْمَالِ
ويُجمَعُ عَلَى: مَرَاسِيلَ، ومَراسِلَ، مأخوذٌ مِنَ الإرسالِ، وَهُوَ: الإطلاقُ (٢). كقوله تَعَالَى: ﴿إنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ﴾ (٣).
فكأنَّ المُرْسِلَ أطلقَ الإسنادَ (٤)، وَلَمْ يقيِّدْهُ بجميعِ الرُّواةِ (٥).
(مَرْفُوْعُ تابعٍ) أي: مَا رفعَهُ تابعيٌّ إلى النَّبيِّ - ﷺ - صَريحًا، أَوْ كنايةً، (عَلَى المشْهُوْرِ) عِنْدَ أئمةِ الحَدِيث (٦) (مُرْسَلٌ).
وَقَيَّدَهُ شَيْخُنا (٧): بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبيِّ - ﷺ -؛ ليَخْرُجَ من لَقيَهُ كافرًا فسمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ أسلمَ بَعْدَ مَوتِهِ - ﷺ -، وحدَّثَ بما سَمِعَ مِنْهُ، كالتَّنُوخِيِّ رسولِ هِرَقْلَ- ورُويَ: قَيْصَرَ -
_________________
(١) انظر في المرسل: معرفة علوم الحديث: ٢٥، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ١٩، وجامع الأصول ١/ ١١٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٤٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٦٧ - ١٧٩، والمجموع شرح المهذب ١/ ٦٠، والتقريب: ٥٤ - ٥٧، والاقتراح: ١٩٢، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، والموقظة: ٣٨، وجامع التحصيل: ٢٣وما بعدها، واختصار علوم الحديث: ٤٧، والبحر المحيط٤/ ٤٠٣، ونكت الزّركشيّ ١/ ٤٣٩ - ٥١٧، والشذا الفياح ١/ ١٤٧ - ١٥٦، والمقنع ١/ ١٢٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٦، ونزهة النظر: ١٠٩، ونكت ابن حجر ٢/ ٥٠٤ - ٥٧١، والمختصر: ١٢٨، وفتح المغيث ١/ ١٢٨، وألفية السيوطي: ٢٥ - ٢٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٥٩، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، وظفر الأماني: ٣٤٣، وقواعد التحديث: ١٣٣، وتوجيه النظر ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
(٢) جامع التحصيل: ١٤، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٤٢.
(٣) مريم: ٨٣.
(٤) النكت لابن حجر ٢/ ٥٤٢.
(٥) في (ص) و(ق): «بجميع رواته».
(٦) في (م): «المحدّثين».
(٧) انظر: النكت ٢/ ٥٤٤.
[ ١ / ١٩٤ ]
فإنَّهُ مَعَ كونِهِ تابعيًّا، محكومٌ لِما سمعَهُ بالاتِّصالِ، لا بالإرسالِ (١).
وخرجَ بالتابعيِّ، مرسلُ الصَّحَابيِّ، وَسَيأْتِي آخِرَ البابِ، ولاَ فَرْقَ في التَّابِعيِّ بَيْنَ الكبيرِ والصَّغِيرِ.
(اوْ) بالدَّرجِ (قَيِّدْهُ) أي: أَوْ المُرْسَلُ مَرْفُوْعُ تابعيٍّ مقيَّدٌ (بالكبيرِ)، فَمَرْفُوعُ الصَّغيرِ لا يُسَمَّى مُرْسَلًا، بَلْ مُنْقَطِعًا (٢).
وظاهرٌ أنَّ ذِكرَ الكبيرِ هُنا، وفَيمَا يأتي جَرى عَلَى الغَالبِ، والمرادُ مَن كانَ جُلُّ روايتِه عَنِ الصَّحابةِ، وفِي كَلامِهم مَا يُشيرُ إِليهِ.
(أَوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ) أي: أَوْ المرسلُ: مَا سَقَطَ مِن سَندِهِ راوٍ واحدٌ (٣)، أَوْ أكثرُ، سواءٌ أكانَ (٤) مِن أوَّلِهِ، أَمْ آخِرِه، أَمْ بينَهُما؛ فَيَشْمَلُ المنقطعَ، والمعضَلَ (٥)، والمعلَّقَ.
وَهذا مَا حَكَاهُ ابنُ الصَّلاحِ (٦) عَنِ الفُقهاءِ والأُصوليِّيْنَ (٧)، والخَطِيْبِ (٨).
وكذا قَالَ النَّوَوِيُّ: المرسلُ عِنْدَ الفُقهاءِ، والأصوليِّينَ، والخطيبِ، وجماعةٍ مِنَ المُحدِّثينَ: مَا انقطعَ إسْنادُهُ عَلَى أيِّ وجهٍ كَانَ، وَخَالفَنا أكثرُ المحدِّثينَ، فَقَالوا: هُوَ روايةُ التَّابعيِّ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - (٩).
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي ١/ ١٩٦.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٨: «هكذا حكاه ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث؛ لأنّ أكثر رواياتهم عَنْ التابعين، وَلَمْ يلقوا من الصّحابة إلا الواحد والاثنين». التمهيد ١/ ٢١. وَقَالَ الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى ابن الصّلاح٢/ ٥٤٣: «وَلَمْ أر تقييده بالكبير صريحًا عَنْ أحد، لَكِنْ نقله ابن عَبْد البر عَنْ قوم». قَالَ ابن الملقن في المقنع١/ ١٢٩: «والمشهور التسوية بَيْن التابعين أجمعين في ذَلِكَ». وانظر: فتح المغيث ١/ ١٣٠.
(٣) في (ق): «ما سقط راو من سنده واحد».
(٤) في (ص) و(ق): «كان».
(٥) «المعضل»: سقطت من (ع).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١٤٩.
(٧) انظر: المستصفى ١/ ١٦٩، وإحكام الأحكام ٢/ ١١٢، وكشف الأسرار ٣/ ٧٢٢.
(٨) الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ).
(٩) المجموع ١/ ٦٠.
[ ١ / ١٩٥ ]
فالمرسلُ (ذو أقوالِ) ثلاثةٍ، الثَّاني: أضيقُها، والثالثُ: أوسعُها، (والأوَّلُ الأكثرُ في استعمالِ) أهلِ الحَدِيثِ. وَمَا رَواهُ تابِعُ التَّابِعيِّ يُسمُّونَهُ مُعضَلًا.
قَالَ النّاظمُ (١): وَسَيَجيئُ في التَّدليسِ، عَنِ ابنِ القَطَّانِ (٢)، أنَّ الإرْسَالَ: روايتُه عَمّن لَمْ يسمَعْ مِنْهُ. فَعليهِ: مَنْ روى عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسمعْ مِنْهُ، بَلْ بينَهُ وبينَهُ فِيهِ واسِطةٌ، لَيْسَ بإرسالٍ، بَلْ تدليسٌ، وَعَلَيْهِ فيكونُ هَذَا قولًا رابعًا. انتهى.
والأوجهُ أنْ يجعَلَ مقيَّدًا للثالثِ، بِأَنْ يُقالَ: مَا سَقطَ مِنْهُ راوٍ (٣) فأكثرُ وخلا عَنِ التدليسِ.
نَعَمْ، قِيلَ المُرسلُ هُوَ المنقطعُ، وَهُوَ: مَا سقطَ مِنْهُ راوٍ واحدٌ، فَعَليهِ، يَكُونُ هَذَا قولًا رابعًا (٤).
١٢٢ - وَاحتَجَّ (مَاِلِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا
١٢٣ - وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ
١٢٤ - وَصَاحِبُ "التَّمهيدِ" عَنهُمْ نَقَلَهْ وَ(مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ
(واحتجَّ) الإمامُ (مَالِكٌ) -هُوَ ابنُ أنسٍ- في المشهورِ عَنْهُ، و(كَذَا) أَبُو حنيفةَ (النعمانُ) ابنُ ثابتٍ، (وتابِعُوهُما) من الفقهاءِ، والأصوليينَ، والمحدّثينَ (٥) (بِهِ) أي: بالمرسلِ، واحتجَّ بِهِ أَيْضًا: أَحْمَدُ في أشهرِ الرِّوايتينِ (٦) عَنْهُ، (ودانوا) بِهِ أي: جَعَلُوهُ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة١/ ٢٦٠. قال البقاعي: ١١٦/أ: «ليس كذلك، بل التحقيق: أنه مقيّد للقول الثّالث؛ كأنه لما قالوا مَا سقط من إسناده راوٍ فأكثر، قَالَ: بشرط أن لا يَكُون تدليسًا، فيحمل ذَلِكَ الإطلاق عَلَى كلامه. وإنما القَوْل الرابع الذي لابدّ مِنْهُ: قَوْل من يسوي بَيْن المُرْسَل والمنقطع إلى آخر الكلام».
(٢) انظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ١٠٥ عقب (٢٣٥٧).
(٣) في (ق): «راوٍ واحد».
(٤) في (م): «فعليه هذا يكون رابعًا»، وقد سقطت هذه الجملة (ق)، وفي (ص): «فعليه يكون هَذَا رابعًا»، والمثبت من (ع).
(٥) انظر: الكفاية (٥٤٧ ت، ٣٨٤ هـ)، والتمهيد ١/ ٣ - ٦.
(٦) وإليه ذهب جمهور المعتزلة وهو اختيار الآمدي، وفصّل عيسى بن أبان -من أئمة الحنفية- فقبل مراسيل القرون الثلاثة الخيرة ومرسل من هو من أئمة النقل مطلقًا، وهذا ما صححه النسفي. وبالغ قوم فعدّوا=
[ ١ / ١٩٦ ]
دينًا يدينونَ بِهِ (١) في الأَحْكامِ، وغَيرِهَا.
(وَرَدَّهُ) أي: الاحتجاجَ بِهِ (جماهِرُ)، بحذفِ الياءِ تخفيفًا، جمعُ جُمْهُورٍ أي: مُعْظَمُ (النُّقَّادِ) مِنَ المُحدِّثينَ؛ كالشافعيِّ (٢)، وَحَكَمُوا بَضعفِهِ (لِلجَهْلِ بالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ) (٣).
فإنَّه يَحْتمِلُ أنْ يَكُونَ تَابعيًّا، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّابِعيُّ ضَعِيْفًا (٤) وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ ثِقَةً، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُوِى عَنْ تابعيٍّ أَيْضًا، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَعِيْفًا، وَهكذا إلى الصَّحَابيِّ، وإنِ اتَّفقَ أنَّ الذي أرْسلَهُ كَانَ لا يَرْوِي إلاّ عَنْ ثِقَةٍ؛ إِذْ التَّوثيقُ فِي المُبْهَمِ غَيْرُ كافٍ، كَمَا سيأتي.
(وَصَاحِبُ الَّتمْهيدِ) وَهُوَ ابنُ عبدِ البَرِّ (عَنْهُمْ) أي: عَنِ المُحدِّثينَ (نَقَلَهْ) أي: ضَعْفَ المُرْسَلِ (٥).
(وَمُسْلِمٌ صَدْرَ الكتابِ) الذي صَنَّفَهُ فِي الصَّحِيحِ، (أَصَّلَهْ) أي: جَعَلَ رَدَّ الاحتجاجِ بِهِ أصْلًا، حَيْثُ قَالَ عَلَى وَجْهِ الإيرادِ عَلَى لِسانِ خَصْمِهِ الذي رَدَّ هُوَ عَلَيْهِ اشتراطِ ثُبوتِ اللِّقاءِ: «والمرسلُ في أصْلِ قَوْلِنا، وقولِ أَهْلِ العِلْمِ بالأخبارِ، لَيْسَ بحُجَّةٍ» (٦)،
_________________
(١) = المرسل أقوى من المسند؛ لأن من أرسل فَقَدْ تكفل، ومن أسند فَقَدْ أحال، واحتجوا: بحسن الظن بالمرسل وأنه لا يرسل إلا عَنْ ثِقَة، فإنه إن كَانَ عدلًا لَمْ يجز لَهُ إسقاط الواسطة وَهُوَ يعلم أنه غَيْر عدلٍ؛ لأن هذا قادح في عدالة المرسل. انظر: التبصرة في أصول الفقه: ٣٢٦، والمحصول ٢/ ٢٢٤، وشرح تنقيح الفصول: ٣٧٩، وإحكام الأحكام ٢/ ١١٢، والمجموع ١/ ٦٠، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٤٢، والإبهاج ٢/ ١١٢، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٩. وانظر: رد الخطيب البغدادي على أصحاب القول الثّاني في الكفاية: (٥٥١ ت، ٣٨٧ هـ).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦١.
(٣) انظر: الرسالة: ٤٦٤.
(٤) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٣: «هو تعليلٌ لردّ المرسل، وذلك أنه تقدم أنّ من شرط الحديث الصّحيح ثقة رجاله. والمرسل سقط منه رجل لا نعلم حاله فعدم معرفة عدالة بعض رواته، وإن اتفق أنّ الذي أرسله كان لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق في الرجل المبهم غير كافٍ».
(٥) نزهة النظر: ١١٠.
(٦) التمهيد ١/ ٥ - ٦. ونقل الزّركشيّ ١/ ٤٩٨ عن ابن خلفون أنه قال في المنتقى: «ولا اختلاف أعلمه بينهم أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متجوز يرسل عن غير الثقات».
(٧) الجامع الصحيح ١/ ٢٤. وقد اعترض بعضهم على ابن الصّلاح بأن مسلمًا حكى هذا القول على لسان خصمه، وليس هو قولًا له؟ = =قال الزّركشيّ ١/ ٤٩٧: (إنه وإن حكاه عن لسان خصمه لكن لمّا لم يعترض عليه بشيء فكأنه ارتضاه؛ فلهذا ساغ لابن الصّلاح عزوه إليه، ويؤيده قول التّرمذي: «الحديث إذا كان مرسلًا فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث»).
[ ١ / ١٩٧ ]
وأَقرَّهُ حِيْنَ رَدَّ كلامَهُ (١).
وَمَا احْتُجَّ بِهِ للقولِ الأوَّلِ مِن أنَّهُ - ﷺ - أَثْنى عَلَى عَصْرِ التَّابِعين (٢)، وَشَهِدَ لَهُ بالخيريَّةِ، ثُمَّ لِلْقَرْنَيْنِ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ، ومِنْ أنَّ تَعالِيقَ البُخَارِيِّ المجزومةَ (٣)، مَحْكُومٌ بَصِحَّتِهَا.
رُدَّ: بأنَّ الحَدِيثَ محمولٌ عَلَى الغالبِ، وإلاّ فَقَدْ وُجِدَ فِي القَرْنَيْنِ مَنْ هُوَ مُتَّصفٌ بالصِّفاتِ المذْمُومةِ. وَتَعاليقُ البُخَارِيِّ قَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهَا (٤)، مِن شَرْطِهِ فِي الرِّجالِ، وَتَقْييدِهِ بالصَّحةِ، بخِلافِ التَّابِعينَ.
١٢٥ - لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
١٢٦ - مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
١٢٧ - و(الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيَّدَا وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا
١٢٨ - وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظِ (٥)
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) في (ق): «عصر الصّحابة والتابعين».
(٣) في (ق): «مجزومة».
(٤) جملة ما في صحيح البخاريّ من التعاليق واحد وأربعون وثلاث مئة وألف حديث، وغالبها مكرر مخرّج في الكتاب أصوله أو متونه، وليس في الكتاب من المتون التي لم تخرج ولو من طريق أخرى إلا مئة وستون حديثًا. وقد جمع الحافظ ابن حجر هذه التعاليق ووصلها في كتاب مستقل سماه " تغليق التعليق "، وهو مطبوع متداول.
(٥) قال البقاعي: ١١٧/ ب: «حكي عن شيخنا البرهان الحلبي أنه قال: بقي على شيخنا - يعني: العراقي - في كلام الشافعي الذي ساقه في جواز العمل بالمرسل شرطان آخران وقد نظمتها فقلت: أو كان قول واحد من صحب خير الأنام عجم وعرب أو كان فتوى جل أهل العلم وشيخنا أهمله في النظم أي: أهمل المذكور وهو الشرطان المذكوران».
[ ١ / ١٩٨ ]
(لكِنْ إذَا صَحَّ لَنَا) أي: أيُّها المُحدِّثُونَ خُصوصًا: الشافعيَّةُ تَبَعًا لإمامِهِم (مَخْرَجُهُ) أي: اتِّصالُ المرسلِ (بمسنَدٍ) يَجِيءُ مِن وَجْهٍ آخرَ، صَحِيْحٍ، أَوْ حَسَنٍ، أَوْ ضَعِيْفٍ يَعْتضِدُ بِهِ، (أَوْ مُرْسَلٍ) آخرَ (يُخْرِجُهُ) أي: يُرْسِلُهُ (مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ) أي: شيوخِ راوِي المُرْسَلِ (الأَوَّلِ)، حَتَّى يظنَّ عَدمُ اتحادِهِما، (نَقْبَلْهُ) بجزْمِهِ جَوابًا لِـ «إذَا» عَلَى مَذْهَبِ الكُوفيينَ، والأخفشِ (١)، وَعَلى مَذْهَبِ غيرِهِم للوزن، كقولِ شاعرٍ (٢):
وإِذا (٣) تُصِبْكَ مُصِيبةٌ فاصْبِرْ لَهَا وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ (٤) فَتَجَمَّلِ (٥) (٦)
وكذا نَقْبَلُهُ إذَا اعْتَضَدَ بموافقةِ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ بِفَتْوى عَوامِّ أَهْلِ
العِلْمِ (٧)، وقوَّة هذِهِ الأربعةِ مُترتِّبةٌ بترتيبها المذكورِ.
(قَلْتُ: الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (لَمْ يُفَصِّلِ) في المُرْسَلِ المعتضدِ بَيْن كبارِ التَّابعينَ، وصِغارِهم (٨)، وَكَأنَّه بَنَاهُ عَلَى المشْهورِ في تَعْريفِهِ، كَمَا مَرَّ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٤.
(٢) في (ص) و(ق): «الشاعر». وفي (ع): «الشاعرة».
(٣) في (م): «وإذ»، وما أثبتناه من بقية النسخ، وهو الموافق لرواية البيت.
(٤) الخصاصة: هي الفقر، وكذا الخصاص. البقاعي: ١١٧/ أ.
(٥) من (ق) و(م)، وفي (ص) و(ع): «فتحمل»، وكلاهما صحيح؛ لأن البيت ورد بالروايتين، وقوله: «فتجمل» أي: فأظهر الجميل ولا تشك حالك إلى غير الذي خلقك. البقاعي: ١١٧/ أ.
(٦) هذا البيت عزاه محقق مغني اللبيب: ١٢٨ لعبد القيس بن خفاف، وقيل لحارثة بن بدر، وهو من البحر الكامل؛ ولكن صدره: استغن ما أغناك ربك بالغنى وفي (ع) حاشية نصها: «وقوله: وإذا تصبك الخ عجز بيت صدره: استغن ما أغناك ربك بالغنى، فعلى أنه قصد الاستشهاد بكل من الشطرين من غير قصد أنهما بيت واحد، وإن أوهمته عبارته».
(٧) في (ع): «البلد».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٢. وقد اعترض بعضهم أن المرسل - وهو ضعيف - كيف يتقوى بمرسل آخر، وهو ضعيف أيضًا، وقد أجاب الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصّلاح ٢/ ٥٦٦ على هذا الاعتراض فقال: «إن المجموع حجة لا مجرد المرسل وحده، ولا النظم وحده، فإن حالة الاجتماع تثير ظنًا غالبًا وهذا شأن لكل ضعيفين اجتمعا».
[ ١ / ١٩٩ ]
(وَ) الإمامُ (الشَّافعيُّ) -الذي أخذَ ابنُ الصَّلاحِ من كَلامِهِ ذَلِكَ- (بِالكِبَارِ) مِنْهُمْ، (قَيَّدَا) المُعْتَضِدَ. (وَمَنْ) أي: وقيَّدَهُ أَيْضًا بمَنْ (رَوَى) مِنْهُمْ (عَنِ الثِّقاتِ أَبَدا)، بحيثُ إذَا سمَّى مَنْ روى عَنْهُ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُوْلًا، ولا مَرْغُوْبًا عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (١).
وَلاَ يَكْفِي قَولُهُ: «لَمْ آخُذ إلاّ عَنِ الثِّقاتِ»، كَمَا تقدَّمتِ الإشَارةُ إِليهِ. وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعيدِ بنِ المسيِّبِ، ومُرْسَلِ غَيْرِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "مَجْمُوْعِهِ" (٢): وَمَا اشتهرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنا من أنَّ مُرْسَلَ سعيدٍ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعيِّ، لَيْسَ كَذلِكَ، بَلْ مُرْسَلُهُ كَمُرْسَلِ غَيْرِهِ، والشَّافِعيُّ إنَّما احْتَجَّ بمراسِيلِهِ التي اعْتَضدَتْ بِغيْرِها، كَمَا قَالَهُ البَيْهَقِيُّ (٣) والخطيبُ البغداديُّ (٤) وغيرُهُما. ثُمَّ قَالَ: وأَمّا قَوْلُ القَفَّالِ: قَالَ الشَّافِعيُّ: «مُرْسَلُ سَعيدٍ عِنْدَنا حُجَّةٌ» فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ (٥)
_________________
(١) الرسالة: ٤٦٣، وانظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٧.
(٢) المجموع ١/ ٦١.
(٣) عزا الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٦٥ قول البيهقيّ هذا في المدخل. ولم نجده فيه، ولعله مما سقط منه.
(٤) الكفاية: (٥٧٢ ت، ٤٠٥ هـ).
(٥) قال الإمام النوويّ: «اشتهر عند فقهاء أصحابنا أنّ مرسل سعيد بن المسيّب حجّة عند الشافعيّ، حتى أنّ كثيرًا منهم لا يعرفون غير ذلك، وليس الأمر على ذلك، وإنّما قال الشافعي - ﵀ - في مختصر المزني: وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسنٌ، فذكر صاحب المهذب وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين لأصحابه. منهم من قال: مراسيله حجة لأنّها فتشت فوجدت مسانيد. ومنهم من قال: ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما نذكره، وإنّما رجّح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح. وحكى الخطيب أبو بكر هذين الوجهين لأصحاب الشافعي، ثم قال: الصحيح من القولين عندنا الثاني؛ لأنّ في مراسيل سعيد مَا لَمْ يوجد مسندًا بحال من وجهٍ يصحّ، وقد جعل الشّافعيّ لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد. وروى البيهقي في مناقبه بإسناده عن الشافعي كلامًا طويلًا، حاصله: أنّه يقبل مرسل التابعي إذا أسنده حافظ غيره أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول أو كان يوافق قول بعض الصحابة، أو أفتى عوام أهل العلم بمعناه. =
[ ١ / ٢٠٠ ]
الذِي قدَّمناهُ عَنِ البَيْهَقِيِّ، والخطيبِ والمحقِّقينَ (١).
قَالَ البَيْهَقِيُّ: وَزِيَادةُ سَعيدٍ فِي هَذَا البابِ عَلَى غَيرِهِ فِيهِ (٢) أنَّه أصحُّ التَّابِعينَ إرْسَالًا فِيْمَا زَعَمَ الحُفَّاظُ (٣).
(وَمَنْ) أي: ومَنْ (٤)، قَيَّدهُ أَيْضًا بمَنْ (إذَا شَارَكَ) مِنْهُمْ (أَهْلَ الحِفْظِ) فِي أحادِيثِهِم، (وَافَقَهُمْ) فَيْهَا، وَلَمْ يُخَالِفْهُم (إلاَّ بِنَقْصِ لَفْظِ) مِن ألْفَاظِهمْ، بحيثُ لاَ يَخْتَلُّ بِهِ المعْنى؛ فَإنّهُ لاَ يَضُرُّ فِي قَبولِ مُرسَلِهِ، وَهَذا آخِرُ زيَادَةِ الناظِم (٥).
ثُمَّ المُرْسَلُ لاَ يَنْحَصِرُ اعْتِضَادُهُ فِيْمَا ذكرَ، بَلْ يعتضِدُ بغيرِهِ، كقياسٍ، وفعلِ صَحَابِيٍّ، وَعَملِ أَهْلِ العَصْرِ.
وكُلُّ مَا اعتضدَ بِهِ المُرْسَلُ، فَهُوَ دالٌّ عَلَى صِحَّةِ مخرجِهِ، فيحتجُّ بِهِ، وَلاَ يحتجُّ بما لَمْ يعتضِدْ.
_________________
(١) = ثم قال البيهقي: فالشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، فإن لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبلها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره. قال: وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها. قال: وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا أنّه أصحّ التابعين إرسالًا فيما زعم الحفّاظ فهذا كلام الخطيب والبيهقي وإليهما المنتهى في التحقيق ومحلهما من العلم. بنصوص الشافعي ومذهبه وطريقته معروف. وأما قول الإمام أبي بكر القفال المروزي في أول شرح التلخيص: قال الشافعي في الرهن الصغير: مرسل ابن المسيب عندنا حجة. فهو محمول على ما ذكره البيهقي والخطيب». انتهى كلام الإمام النووي. ولكن! اعترض عليه العلائي في " جامع التحصيل " على قوله بالتسوية بين مراسيل سعيد ابن المسيب ومراسيل غيره، وتكلّم بكلام نفيس، لا يسع المقال لنقله هنا، فراجعه تجد فائدة -إن شاء الله تعالى-. انظر: مختصر المزني: ٧٨، ومناقب الشافعي ٢/ ٣١، والكفاية: (٥٧١ - ٥٧٢ ت، ٤٠٤ - ٤٠٥ هـ)، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٧٥ - ١٧٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٢١، وجامع التحصيل: ٤٦.
(٢) المجموع ١/ ٦٢.
(٣) «فيه»: سقطت من (ق).
(٤) السّنن الكبرى ٦/ ٤٢ و١٠/ ٢٦٠.
(٥) كلمة «من»: لم ترد في (ص).
(٦) في (ق): «النظم».
[ ١ / ٢٠١ ]
نَعَم: قَالَ التاجُ السُّبْكِيُّ: إنْ دَلَّ عَلَى مَحْظُوْرٍ، وَلَمْ يُوجدْ غيرُهُ؛ فالأظهرُ: وُجوبُ الانكفافِ (١).
يَعْني: احْتِياطًا، وَفِي كَلامِ الإمامِ مَا يُؤيِّدُهُ.
١٢٩ - فَإنْ يُقَلْ: فَالمُسْنَدُ المُعْتَمَدُ فَقُلْ: دَلِيْلانِ بِهِ يَعْتَضِدُ
١٣٠ - وَرَسَمُوا مُنْقَطِعًا (عَنْ رَجُلِ) وَفي الأصُوْلِ نَعْتُهُ: بِالمُرْسَلِ
١٣١ - أمَّا الَّذِي أرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلى الصَّوَابِ
(فَإنْ يُقَلْ): إذَا اعْتَضَدَ المُرْسَلُ بمسْنَدٍ، (فَالمُسندُ) هُوَ (المُعْتَمَدُ) عَلَيْهِ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ، فَلاَ حَاجَةَ للمُرسَلِ.
(فَقُلْ) أخذًا مِن كَلامِ ابنِ الصَّلاحِ: هُمَا (دَليْلاَنِ) إِذِ المُسْنَدُ إنْ كَانَ يُحْتَجُّ بِهِ مُنْفردًا دَليلٌ بِرِأسِهِ، والمُرْسَلُ (بِهِ) أي: بِالمُسنَدِ (٢) (يَعْتَضِدُ)، ويصيرُ دَليلًا آخرَ؛ فَيُرَجَّحُ بهما عِنْدَ مُعارضَةِ حديثٍ واحدٍ (٣).
عَلَى أنَّ الإمَامَ الرَّازِيَّ، خَصَّ الكلامَ بِمُسْنَدٍ لا يُحْتَجُّ بِهِ مُنْفَرِدًا، كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْهُ (٤). وَعَلَيْهِ يَكُونُ اعتضَادُهُ بِهِ، كاعتضادِهِ بمُرسَلٍ آخرَ؛ فَيَكونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعْتَضِدًا بالآخَرِ، وحُجَّةً بِهِ.
(ورَسَمُوا) أي: سَمّى جَمَاعَةٌ مِنَ المُحدِّثينَ (٥) (مُنْقَطِعًا)، قولَهُم (٦): (عَنْ رَجُلِ)،
_________________
(١) جمع الجوامع مع شرح المحلي ٢/ ١٧١.
(٢) انظر: المدخل إلى السّنن: ٩٣، والاعتبار: ٩ - ١٠، المجموع ١/ ٦٢، وجامع التحصيل: ٤١، والتقييد والإيضاح: ٨٦.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٠.
(٤) النكت لابن حجر ٢/ ٥٦٧.
(٥) فقد قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٢٨: «لا يسمّى مرسلًا، بل منقطعًا». وتابعه على ذلك تلميذه البيهقيّ في السّنن الكبرى ٤/ ٥٤ و٧/ ١٣٤. وكلام ابن القطان في كتاب " بيان الوهم والإيهام " ٥/ ٢٠٨ عقب (٢٤٢١) يفهم منه أنه منقطع. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٠.
(٦) في (ع) حاشية نصها: «قوله: «منقطعًا» مفعول ثانٍ لـ: رسموا، قوله: «قولهم» مفعول أول لـ: رسموا».
[ ١ / ٢٠٢ ]
أَوْ شَيْخٍ، أَوْ نَحْوِهِ، مما هُوَ مُبْهَمٌ: فَلَمْ يُسمُّوهُ بالمُرْسَلِ، (وَفِي) كُتُبِ (الأُصُولِ)، كَالبُرهانِ لإمامِ الحَرمينِ (١)، (نَعْتُهُ:) أي: تَسْمِيَتُهُ (بالمُرْسَلِ).
قَالَ النَّاظِمُ: وَكُلٌّ مِنْ هذينِ القَوْلينِ خِلافُ مَا عَلَيْهِ الأكْثرُ، فإنَّ الأكثرَ عَلَى أنَّ هَذَا مُتَّصِلٌ، في إسنَادِهِ مَجْهُوْلٌ (٢).
أي: مُبْهَمٌ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِما إذَا لَمْ يُسَمِّ المُبْهَم في رِوَايَةٍ أُخْرَى، وإلاّ فَلا يَكُونُ مَجْهُوْلًا، وَبِما إذَا صَرَّحَ مَنْ أبهَمَهُ بالتَّحدِيثِ، ونحوِهِ، وإلاّ فَلا يَكُونُ حديثُهُ مُتَّصِلًا؛ لاحتمالِ أنْ يَكُونَ مُدَلِّسًا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الرَّاوي عَنْهُ غَيْرَ تَابِعِيٍّ، أَوْ تابعيًّا، وَلَمْ يَصِفْهُ بالصُّحبَةِ، وإلاَّ فَالحَدِيثُ صَحِيْحٌ؛ لأنَّ الصَّحَابَةَ كلُّهم عُدولٌ (٣).
وَوَقَعَ فِي كَلامِ البَيْهَقِيِّ تَسْمِيَتُهُ أَيْضًا: مُرْسَلًا، وَمُرادُهُ (٤) مجرَّدُ التَّسْمِيةِ، وإلاّ فَهُوَ حُجَّةٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ فِي مَوْضعٍ؛ كَالبُخاريِّ (٥).
لكنْ قَيَّدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعيَّةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ التَّابِعيُّ بالتَّحدِيثِ، ونحوِهِ، فإنْ عَنْعَنَ فَمُرْسَلٌ، لاحتمالِ أنَّهُ رَوى عَنْ (٦) تابعيٍّ.
قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، وَكَلامُ مَنْ أطلقَ مَحْمُوْلٌ عَلَيْهِ (٧).
وَتَوقَّفَ فِيهِ شَيْخُنَا (٨)؛ لأنَّ التَّابِعيَّ إذَا كَانَ سَالِمًا مِنَ التَّدليْسِ، حُمِلَتْ عَنْعَنَتُه عَلَى السَّمَاعِ.
_________________
(١) البرهان ١/ ٤٠٧ (٥٧٣)، وعبارته: «ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله - ﷺ -، أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧١، والتقييد: ٧٣ - ٧٤. وحكاه الرشيد العطّار عن الأكثرين، واختاره العلائي. انظر: غرر الفوائد المجموعة: ١٣٠، جامع التحصيل: ٩٦.
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح: ١٤٢ - ١٤٣، وفتح المغيث ١/ ١٦٩.
(٤) في (ص): «ومرّ أن».
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ١٦٩.
(٦) في (م): «من».
(٧) التقييد والإيضاح: ٧٤.
(٨) نزهة النظر: ١١١.
[ ١ / ٢٠٣ ]
(أمَّا) الحَدِيثُ (الذي أَرْسَلَهُ الصَّحَابيْ) بأَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبيِّ - ﷺ -، إلاّ بِواسِطَةٍ، كَبيرًا كَانَ - كابنِ عُمَرَ، وَجَابرٍ - أَوْ صغيرًا - كابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ - (فَحُكْمُهُ) وإنْ كَانَ مُرْسَلًا؛ (الوَصْلُ)، فَيُحْتَجُّ بِهِ (عَلَى الصَّوَابِ)؛ لأنَّ غَالِبَ رِوايتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وهُمْ عُدولٌ لا يَقْدَحُ (١) فيهِمُ الجَهَالةُ بأعْيَانِهِم (٢).
وَقَوْلُ الأُستاذِ أبي إسحاقَ الإِسْفَرَايِيْنِيِّ، وَغَيرِهِ (٣): «أنَّهُ لا يُحتجُّ بِهِ» ضَعِيْفٌ كَمَا أَشَارَ النَّاظِمُ إلى حِكَايتِهِ، وَرَدَّهُ بِتَعْبيرِهِ: بالصَّوابِ (٤).
نَعَمْ، مَنْ أُحضِرَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - غيرَ مميِّزٍ، ك: عُبيدِ اللهِ بنِ عَديِّ بنِ الخِيَارِ (٥)، فَمُرسَلُهُ غيرُ صَحِيْحٍ (٦) فَلاَ يُحتجُّ بِهِ.
الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ (٧)
١٣٢ - وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ
_________________
(١) في (م): «لا تقدح».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٤، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٢.
(٣) لم ينفرد أبو إسحاق بهذا، بل قال به القاضي أبو الطيب الباقلاني - إلا أن يخبر أنّه لا يروي إلا عن الصحابة - واختاره الغزالي في المستصفى، ونقله ابن بطّال عن الشافعي، وصحّحه ابن برهان، وقال القاضي عبد الوهاب أنّه الظاهر من مذهب الشافعي، وإليه ذهب أبو طالب والحسن الرصاص من أئمة الزيدية، وقال المنصور بالله - منهم -: إنّ عنعنة الصحابي محتملة للاتصال والانقطاع. انظر: التبصرة في أصول الفقه: ٣٢٦، والمستصفى ١/ ١٦٩ - ١٧٠، وجامع التحصيل: ٣٦، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٥٤٧، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٣٥.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٢، وتدريب الراوي ١/ ٢٠٧.
(٥) بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية. التقريب (٤٣٢٠).
(٦) في (ص): «فمرسله غير محتج به».
(٧) انظر في المنقطع: معرفة علوم الحديث: ٢٧ - ٢٩، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١/ ٢١، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ١٥٥، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٨٠ - ١٨٢، والتقريب: ٥٨، والاقتراح: ١٩٢ - ١٩٣، والمنهل الروي: ٤٦ - ٤٧، والخلاصة: ٦٨ - ٦٩، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣١، واختصار علوم الحَدِيْث: ٥٠ - ٥١، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٥ - ١٣، والشذا الفياح ١/ ١٥٧ - ١٥٨، والمقنع ١/ ١٤١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣، ونزهة النظر: ١١٢، ونكت ابن حجر= =٢/ ٥٧٢ - ٥٧٤، والمختصر: ١٣١ - ١٣٢، وفتح المغيث ١/ ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٦٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٢٣، وظفر الأماني: ٣٥٤ - ٣٥٥، وقواعد التحديث: ١٣٠. وانظر في المعضل: معرفة علوم الحديث: ٣٦، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٥٩، والإرشاد ١/ ١٨٣، والتقريب: ٥٩، والاقتراح: ١٩٢، والمنهل الروي: ٤٧، والخلاصة: ٦٨، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣٢ - ٩٦، واختصار علوم الحديث: ٥١، ونكت الزّركشيّ ٢/ ١٤ - ٦٦، والشذا الفياح ١/ ١٥٩ - ١٧٢، والمقنع ١/ ١٤٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٣، ونزهة النظر: ١١٢، ونكت ابن حجر ١/ ٥٧٥ - ٦١٤، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث ١/ ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٦٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٢٣، وظفر الأماني: ٣٥٥، وقواعد التحديث: ١٣٠، وتوجيه النظر ١/ ٤٠٥ - ٤٠٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
١٣٣ - وَقِيْلَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ، وَقَالا: بِأنَّهُ الأقْرَبُ لا استِعمَالا
١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ
١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا
(وَسَمِّ بالْمُنْقَطِعِ) عَلَى المشْهُورِ (الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ) أي: مِنْ سَنَدِهِ (راوٍ فَقَطْ) في المَوضِعِ الوَاحِد مِنْ أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ (١).
وإنْ تَعدَّدتِ المَواضِعُ بحَيثُ لاَ يزيدُ السَّاقِطُ فِي كُلٍّ مِنْها عَلَى واحدٍ؛ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا مِن مَواضِعَ.
وخرجَ بالواحدِ: «المُعْضَلُ»، مَعَ أنَّ الحاكِمَ يُسمِّيهِ مُنْقَطِعًا أَيْضًا، وبما قَبْلَ الصَّحَابيِّ: «المُرْسَلُ» (٢).
(وَقِيلَ): المُنْقَطِعُ (مَا لَمْ يَتَّصِلْ) سَنَدُهُ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْهُ أكثرُ مِن واحدٍ؛ فَيَدخُلُ فِيهِ المُرْسَلُ، والمُعْضَلُ، والمعلَّقُ.
وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (٣).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤.
(٢) معرفة علوم الحديث: ٢٨.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
(وَقَالا) بِألِفِ الإطْلاقِ - أي: ابنُ الصَّلاح (١): (بأنَّهُ) أي: الثَّانِي (الأقرَبُ) مَعْنًى؛ فإنَّ الانقطاعَ ضدُّ الاتِّصالِ، فيَصْدُقُ بالواحدِ، وبالجميعِ (٢) وبما بَينَهُما.
قَالَ: «وَقَدْ صَارَ إِليهِ طَوائفُ مِنَ الفُقَهاءِ، وغيرِهِم» (٣).
(لاَ استِعْمَالا)، بَلْ أكثرُ استعمالِهِم فِيهِ: القولُ الأَوَّلُ؛ فأكثرُ مَا يستعملُ فِيهِ المُنْقَطِعُ مَا رواهُ مَنْ دونِ التَّابِعيِّ، عَنْ الصَّحَابيِّ، كمالكٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، وأكثرُ مَا يستعملُ فِيهِ المُرْسَلُ مَا رَواهُ التَّابِعيُّ، عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - (٤).
(والمُعْضَلُ) - بَفَتْحِ الضَّادِ - مِن «أعْضَلَهُ فَلاَنٌ» أي: أَعْيَاهُ، فَهُوَ مُعْضَلٌ أي: مُعْيًا، فكأنَّ المحدِّثَ الذي حدَّثَ بِهِ أَعْضَلَهُ، وأَعْيَاْهُ؛ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ (٥) مَن يَرويهِ عَنْهُ. هَذَا مَعْناهُ لُغةً (٦).
ومعناهُ اصطلاحًا: (السَّاقِطُ مِنْهُ) أي: مِنْ سَنَدِه (اثنانِ فَصَاعِدًا) - بِنَصْبِهِ بالحاليةِ - أي: فَذَهَبَ السقوطُ صاعدًا في الموضعِ الواحدِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وإنْ تعدّدتِ المواضعُ، سواءٌ كَانَ (٧) السَّاقِطُ الصَّحَابِيَّ والتَّابِعيَّ، أَمْ غَيْرهمَا (٨).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٨، وسبقه الخطيب البغدادي إلى هذا، انظر: الكفاية: (٥٨ت، ٢١هـ).
(٢) في (ص): «وبالجمع».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٨.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٥٨، والمصنف العراقي - ﵀ - لم يتعرض لحكم المنقطع، وهو مقلدٌ في هذا لابن الصّلاح وقد تعقب تلميذُ المصنف الحافظُ ابنُ حجر ابنَ الصّلاح في عدم ذكره حكم المنقطع فقال في النكت ٢/ ٥٧٣: «ثمّ إن المصنف لم يتعرض لحكم المنقطع كما تعرض لحكم المرسل، وحكاية الخلاف في قبوله ورده».
(٥) «به»: سقطت من (ق).
(٦) انظر: لسان العرب ١١/ ٤٥٢ (عضل). وانظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ١٥، ومحاسن الاصطلاح: ١٤٧، والتقييد والإيضاح: ٨١، ونكت ابن حجر ٢/ ٥٨٠، والنكت الوفية: ١٢٦/ أ، وفتح المغيث ١/ ١٥١.
(٧) في (م): «أكان».
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٥.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فَيدْخلُ فِيهِ - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (١) - قولُ المصنِّفينَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - أي: كَمَا قِيلَ بِمِثلِهِ في المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ.
وَقَولُه: «إنَّ المُعْضَلَ لَقَبٌ لِنوعٍ خَاصٍّ مِنَ المُنْقَطِعِ؛ فَكُلُّ مُعْضَلٍ مُنْقَطِعٌ، ولا عَكْسَ» (٢) إنَّما يأتي عَلَى القولِ الثَّانِي في المُنْقَطِعِ.
واعلَمْ: أنَّ المُعْضَلَ يُقالُ للمُشْكِلِ أَيْضًا، وَهُوَ حينئذٍ بكسرِ الضادِ، أَوْ بفتحِها، عَلَى أنَّه مُشتركٌ، نبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنا (٣).
(وَمِنْهُ) أي: مِنَ المعضلِ (قِسْمٌ ثَانِ)، وَهُوَ: (حَذْفُ النَّبيِّ) - ﷺ -، (والصَّحَابيِّ) - ﵁ - (مَعَا، وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَن تَبِعَا) أي: عَلَى التَّابِعيِّ (٤).
كقولِ الأعمشِ، عَنِ الشَّعْبيِّ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، فَيَقُوْلُ: مَا عَمِلْتُهُ؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ، فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لسَانُهُ، فَيَقُوْلُ لِجَوَارِحِهِ: أبْعَدَكُنَّ الله مَا خَاصَمْتُ إلاّ فِيْكُنَّ». رَواهُ الحَاكِمُ (٥).
وَقَالَ عَقِبَهُ (٦): أَعْضَلَهُ الأعمشُ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّعْبيِّ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ، رواهُ مُسْلِمٌ (٧) مِن حَدِيثِ فُضَيْلِ بنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -،
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦١.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦١.
(٣) النكت لابن حجر ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١، وتدريب الراوي ١/ ٢١١، وانظر: محاسن الاصطلاح: ١٤٧، والنكت الوفية: ١٢٦/ أ.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٨. قال ابن حجر ٢/ ٥٨١: «مراده بذلك تخصيص هذا القسم الثّاني من قسمي المعضل، بما اختلف الرواة فيه على التّابعيّ، بأن يكون بعضهم وصله مرفوعًا، وبعضهم وقفه على التّابعيّ، بخلاف القسم الأوّل فإنه أعم من أن يكون له إسناد آخر متصلًا أم لا».
(٥) معرفة علوم الحديث: ٣٨.
(٦) في (م): «عقبة»، وهو تصحيف.
(٧) صحيح مسلم ٨/ ٢١٧ (٢٩٦٩)، والنّسائيّ في الكبرى (١١٦٥٣) من طريق سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل عن الشّعبيّ، عن أنس فذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٥٧٧، وابن أبي الدنيا في التوبة، وابن مردويه في تفسيره-كما ذكره السيوطي في الدر المنثور٧/ ٦٧.
[ ١ / ٢٠٧ ]
فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُوْنَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسَوْلُهُ أعْلَمُ. قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُوْلُ: يَا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِيْ مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُوْلُ: بَلَى. قَالَ: فإنِّي لاَ أُجِيْزُ الْيَوْمَ عَلَى نُفْسِيْ شَاهِدًا إلاَّ مِنِّي. فَيَقُوْلُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيْدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِيْنَ عَلَيْكَ شُهُوْدًا. فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لأرْكَانِهِ: انْطِقِيْ » الحديثَ نحوَهُ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وهذا - أَيْ: جَعْلُ القِسْمِ الَّذي حُذِفَ فِيهِ النَّبيُّ - ﷺ -، والصَّحَابيُّ من المُعْضَلِ - جيِّدٌ حَسَنٌ؛ لأنَّ هَذَا الانقطاعَ بواحدٍ مَضْمُومًا إلى الوَقْفِ، يَشْتَمِلُ عَلَى الانقطاعِ باثنينِ: الصَّحَابيِّ، ورسولِ اللهِ - ﷺ - فَذلِكَ باسْتِحْقَاقِ اسمِ الإعضالِ أَوْلَى» (١).
الْعَنْعَنَةُ
١٣٦ - وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، والِلِّقَا عُلِمْ
١٣٧ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجمَاعَا و(مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجتِمَاعَا
١٣٨ - لكِنْ تَعَاصُرًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ طُوْلُ صَحَابَةٍ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ
١٣٩ - مَعْرِفَةَ الرَّاوِي بِالاخْذِ عَنْهُ، وَقيْلَ: كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ
١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ، وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ
١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيجِ
(العَنْعَنَةُ) وَمَا أُلْحِقَ (٢) بها من المؤنَّنِ.
العَنْعَنَةُ: مَصْدَرُ «عَنْعَنَ الْحَديْثَ»، إذَا رَواهُ بـ «عَنْ»، من غيرِ بيانٍ؛ للتَّحديثِ، أَوْ الإخبارِ، أَوْ السَّمَاعِ (٣).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٢، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٧٩، والمقنع ١/ ١٤٨.
(٢) في (م): «لحق».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٠.
[ ١ / ٢٠٨ ]
(وَصَحَّحُوا) أي: جُمْهُورُ المُحَدِّثينَ، وغيرُهم (وَصْلَ) سندٍ (مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِنْ دُلْسَةٍ) - بضمِّ الدال - بمعنى: تدليسِ (١) (راويهِ) فاعِلُ سَلِمَ، (واللِّقا) (٢) - بالقصرِ للوزنِ - بينَهُ وبينَ مَن عَنْعَنَ عَنْهُ (عُلِمْ) وَهَذا كِنايةٌ عَن سَمَاعِه مِنْهُ (٣).
واحتجّوا لِذلِكَ بأنَّه لَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، لَكَانَ بِعَدمِ ذِكْرِهِ الواسِطةَ بَيْنَهُمَا مدلِّسًا (٤)، والكَلامُ فِيْمَنْ لَمْ يُعرَفْ بالتَّدلِيسِ، والظاهرُ السَّلامةُ مِنْهُ.
(وَبَعْضُهُم) كَالحاكِمِ (٥) والخطيبِ (٦)، (حَكَى بِذَا) أي: في ذَا القَوْلِ (إجماعا) (٧).
_________________
(١) في (ص): «التدليس».
(٢) جوّد الهمزة ناشر (م) مع أن المصنف أشار إلى حذف الهمزة، وله في مثل هذا نظائر كثيرة عز بنا عن التنبيه عليها مخافة تضخم الهوامش.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٤) في (ع): «تدليسًا».
(٥) معرفة علوم الحديث: ٣٤.
(٦) الكفاية: (٤٢١ ت، ٢٩١ هـ).
(٧) وحكي أيضًا عن ابن عبد البر. قال ابن الصلاح: «وكاد أبو عمر بن عبد البر الحافظ يدّعي إجماع أئمة الحديث على ذلك». معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٣. قال الزّركشيّ ٢/ ٢٢: «لا حاجة لقوله: «كاد» فقد ادعاه في أول كتابه التمهيد وعبارته: «أجمع أهل العلم على قبول الإسناد المعنعن بثلاثة شروط: عدالة المخبرين، ولقاء بعضهم بعضًا، وأن يكونوا براء من التدليس». ولم يذكر ابن الصّلاح الشرط الأول ظنًا أنه يؤخذ من الثّالث». وانظر: التمهيد ١/ ١٣، والتقييد: ٨٣. قال ابن حجر ٢/ ٥٨٣: «إنما عبر هنا بقوله: كاد؛ لأن ابن البر إنما جزم بإجماعهم على قبوله، ولا يلزم منه إجماعهم على أنه من قبيل المتّصل». وادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل على ذلك، لكنّه اشترط أن يكون معروفًا بالرواية عنه. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٣، شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨١ - ٢٨٢. وتعقبه ابن حجر في نكته ٢/ ٥٨٣ فقال: «إنما أخذه الداني من كلام الحاكم، ولا شك أن نقله عنه أولى؛ لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه». قلنا: الحق مع ابن حجر، وانظر: معرفة علوم الحديث الحاكم: ٣٤، وكلام الداني قاله في كتاب " القراءات " له كما ذكر ذلك البقاعي في النكت الوفية: ١٢٩/ ب.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وعِبارَةُ الحَاكِمِ: «الأحاديثُ المُعَنْعَنَةُ التي لَيْسَ فِيها تَدْليسٌ مُتَّصلةٌ، بإجماعِ أئمةِ النَّقْلِ» (١).
وَهذا عَلَيْهِ البُخاريُّ وغيرُهُ (٢).
(وَ) لكنْ (مُسْلِمٌ (٣) لَمْ يَشْرِطِ) في الحكمِ باتِّصالِهِ (اجتماعا) أي: لقاءً لَهُمَا، بَلْ أنكرَ اشتراطَهُ، وادَّعى أنَّه قَوْلٌ مخترعٌ، لَمْ يُسْبَقْ قائلُهُ إِليهِ، وأنَّ القَوْلَ الشائعَ المتَّفقَ عَلَيْهِ بَيْن أَهْلِ العِلْمِ بالأخبارِ مَا ذَهَبَ هُوَ إِليهِ (٤). (لكِنْ) اشْتَرطَ (تَعاصُرًا) لَهُما، وإنْ لَمْ يأتِ في خَبَرٍ قَطُّ، أنَّهُما اجْتَمَعَا، أَوْ تَشَافَها (٥).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَفيمَا قَالَهُ نَظَرٌ (٦) أي: لأنَّهم كَثيرًا مَا يُرسِلون مِمَّنْ عَاصَروهُ، وَلَمْ يَلْقَوْهُ (٧)، فاشتُرِطَ لقيُّهما؛ لتُحمَلَ الْعَنْعَنَةُ عَلَى السَّمَاعِ.
(وَقِيلَ): إنَّهُ (يُشْتَرطْ طُوْلُ صَحَابَةٍ) بَيْنَهُمَا، قالَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ (٨).
(وَبَعْضُهُم)، وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانيُّ (٩) (شَرَطْ مَعْرِفَةَ الرَّاوِي) المُعَنْعَن
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٣٤.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٩٥.
(٣) الجامع الصّحيح ١/ ١٣ - ٢٦.
(٤) انظر: إكمال المعلم١/ ١٦٤، وقد عزاه الإمام النّوويّ في التقريب: ٦٠إلى المحققين، وقال في شرحه لصحيح مسلم١/ ٢٥: «والصّحيح الذي عليه وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متّصل ». وقال ابن حجر في النكت٢/ ٥٩٥: «وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشّافعيّ - ﵁ -». وبه قال ابن عبد البر، كما في التمهيد ١/ ٢٦، وانظر: الرسالة للشّافعيّ: ٣٧٨ - ٣٧٩ (١٠٣٢).
(٥) الجامع الصّحيح ١/ ١٣ - ٢٦، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٢.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٩، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٩٦.
(٧) وهكذا قال البقاعي في النكت الوفية: ١٣٠/ ب.
(٨) انظر: قواطع لأدلة ١/ ٣٧٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٦٩، والإرشاد ١/ ١٨٧.
(٩) نقله عنه ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٩. قلنا: في النقل عن أبي عمرو الداني: اضطراب، فهذا الذي حكاه المصنف عنه نقله ابن الصلاح: ١٦٩، في حين أنّه نقل عنه سابقًا في: ١٦٣ - ١٦٤ أنّ العنعنة تحمل على الاتصال بشرط تحقق اللقاء ولو مرّة. بينما نقل ابن رشيد في السنن الأبين: ٣٠ بأنّ مذهبه حمل العنعنة على الاتصال بشرط أن يكون الراوي قد أدرك من عنعن عنه إدراكًا بينًا، ونقل عنه في: ٣٦ ما يدلّ على أنّ مذهبه بأن تحمل العنعنة على الاتّصال، إذا ثبت كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصرٍ واحدٍ، وكان لقاؤهما ممكنًا فالله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢١٠ ]
(بالاخذِ) (١) -بالدرجِ- (عَنْهُ) أي: عمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ، بأنْ كَانَ مَعْرُوفًا بالرِّوَايَةِ عَنْهُ (٢).
(وَقِيْلَ) في السَّندِ المُعَنْعَنِ: (كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ)، وإنْ لَمْ يَكُنْ راوِيهِ مُدلِّسًا، فَهُوَ (مُنْقَطِعٌ)، لا يُحتجُّ بِهِ، (حَتَّى يَبِينَ) أي: يظهرَ (الوصلُ) بمجيئِهِ مِن طَريقٍ آخرَ، أنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ؛ لأنَّ «عَنْ» لا تُشْعِرُ بشيءٍ من أنواعِ التحمُّلِ (٣).
قَالَ النَّوَوِيُّ: وهذا (٤) مَرْدودٌ بإجماعِ السَّلَفِ (٥).
قَالَ شَيْخُنا (٦): وَقَدْ تَرِدُ (٧) «عَنْ»، ولا يُرادُ بِها بَيانُ حُكْمِ اتِّصالٍ، أَوْ انقطاعٍ، بَلْ ذِكْرُ قِصَّةٍ سواءٌ أأدْرَكَها، أَمْ لا؟ بِتَقْديرِ مَحْذُوْفٍ أي: مِن قِصَّة فُلاَنٍ، أَوْ شأنِهِ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ.
مِثَالُهُ: مَا رَواهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في " تاريخِه "، عَنْ أبيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاقَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ: «أنَّه خَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ فَقَتَلُوْهُ» (٨).
فَلَمْ يُرِدْ أَبُو إسْحاقَ بِقولِه: «عَنْ أبي الأحوصِ» أنَّه أخبرَهُ (٩) بِذَلِكَ، وإنْ كَانَ قَدْ لقِيَهُ وسَمِعَ مِنْهُ؛ لأنَّهُ يَسْتَحيلُ أَنْ يَكُونَ أخبرَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وإنَّما أرادَ نَقْلَ ذَلِكَ بتقديرِ مُضافٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تقرَّرَ (١٠).
_________________
(١) جوّد ناشر (م) الهمزة، وهو من ذهوله الشديد.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٣.
(٣) حكاه الرّامهرمزيّ في المحدّث الفاصل: ٤٥٠ عن بعض المتأخرين من الفقهاء، ونقله الخطيب في الكفاية: (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ) عن بعض الفقهاء وأهل الحديث. وقائل هذا القول أبهمه ابن الصّلاح والناظم، وحكاه أيضًا الحارث المحاسبي فيما نقله ابن حجر عن بعض أهل العلم. وانظر: الكفاية: (٤٢٠ ت، ٢٩٠ هـ)، والنكت على كتاب ابن الصّلاح ٢/ ٥٨٤.
(٤) في (ق): «وهو».
(٥) شرح صحيح مسلم ١/ ١٠٩.
(٦) النكت لابن حجر ٢/ ٥٨٦.
(٧) في (ع): «يرد».
(٨) ذكره الحافظ ابن حجر في نكته ٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧.
(٩) في (م): «أخبر».
(١٠) النكت لابن حجر ٢/ ٥٨٧.
[ ١ / ٢١١ ]
(وحكمُ أنَّ) -بِالفَتحِ والتَّشْدِيدِ- نَحْوُ: أنَّ فُلاَنًا قَالَ، (حُكمُ عَنْ) فِيْمَا تقرَّرَ، (فَالجُلُّ) - بضم الجيم - أي: المُعْظَمُ مِنَ العُلَماءِ، ومنهمُ: الإمامُ مَالِكٌ (سَوَّوْا) بَيْنَهُمَا، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابنُ عبدِ البَرَّ في " تمهِيْدِهِ " (١).
وأنَّه لا اعتِبارَ بالحروفِ، والألفاظِ، بَلْ باللِّقاءِ، والمجالسةِ، والسَّمَاعِ، يَعْني مَعَ السَّلامةِ مِنَ التَّدليسِ.
(وَلِلْقَطْعِ) أي: ولانقطاعِ مَا رَواهُ الرَّاوِي بـ «أنَّ» (نَحَا) أي: ذهبَ أَبُو بَكْرٍ (٢) (البَرْدِيْجِيْ) - بفتح الموَحّدة أكثر من كَسْرِهَا، وبالدّالِ المُهْمَلَةِ - نِسْبَةً لِـ «بَرْدِيْجَ» (٣) قريةٍ من قُرَى «طُوْس» (حَتَّى يَبِيْنَ الوَصْلُ) لَهُ بأنَّهُ سَمِعَهُ - مَثَلًا - ممَّنْ رَواهُ عَنْهُ (في التَّخريجِ)، يَعْني فِي (٤) رِوَايَةٍ أُخْرَى (٥).
١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا
١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
_________________
(١) التمهيد ١/ ١٢ - ١٤، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥.
(٢) حكاه عنه ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٦. وبنحو قول البرديجي قال أحمد بن حنبل، كما في تدريب الرّاوي ١/ ٢١٧، وإليه ذهب الطحاوي في شرح المشكل ٥/ ٤٦٣ عقب (٦١٥٨) فقد قال: «الفرق فيما بين (عن) و(أن) في الحديث: أن معنى (عن) على السّماع حتّى يعلم سواه، وأن معنى (أن) على الانقطاع حتّى يعلم ما سواه». وانظر النكت على كتاب ابن الصّلاح ٢/ ٥٩٥. وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٥ مع التعليق عليه.
(٣) برديج: على وزن (فعليل) - بفتح أوله - بليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخًا، ولهذا يقال له: البرديجي والبرذعي، فمن نحا بها نحو أوزان العرب كسر أولها؛ نظرًا إلى أنه ليس في كلامهم (فعليل) - بفتح الفاء - كما أشار إليه الصاغاني، فقال: برديج - بكسر أوله - بليدة بأقصى أذربيجان، والعامة يفتحون باءها. فالمراد أن من نطق بها على مقتضى تسميتها العجمية فتح الباء على الحكاية، ومن سلك بها مسلك أهل العربية كسر الباء. وانظر: الأنساب ١/ ٣٢٨، ومراصد الاطلاع ١/ ١٨١، ونكت الزركشي ٢/ ٣٣، ومحاسن الاصطلاح: ١٥٤، ونكت ابن حجر ٢/ ٥٩٤، وتاج العروس ٥/ ٤٢٠.
(٤) في (ص) و(ع): «وفي».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٥ - ١٦٦، وانظر: النكت لابن حجر ٢/ ٥٩٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
١٤٥ - وَمَا حَكَى عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَلِ) وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّلِ
١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَِنْ (١)
(قَالَ) أي: ابنُ الصَّلاحِ: (وَمِثْلَهُ) أي: مَا نحا إِليهِ البَرْدِيْجِيُّ، (رَأى) (٢) الحافِظُ الفَحْلُ (٣) أَبُو يُوسفَ يَعقوبُ (ابنُ شَيْبَهْ) (٤).
فإنَّه حَكمَ عَلَى رِوَايَةِ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الحنفيَّةِ، عَنْ عَمّارٍ، قَالَ: «أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ -، وَهُوَ يُصَلِّيْ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ» بالاتّصالِ (٥).
وعَلى رِوَايَةِ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عَنْ ابنِ الحنفيّةِ، «أنَّ عمَّارًا مَرَّ بِالنَّبيِّ - ﷺ -، وَهُوَ يُصَلِّيْ» بالإرسالِ، لكونِهِ قَالَ: إنَّ عمَّارًا، وَلَمْ يقلْ: عَنْ عَمَّارٍ (٦).
(كَذَا لَهُ) أي: لابنِ الصَّلاحِ حَيْثُ فَهِمَ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِن مُجرَّدِ لَفْظِهِمَا (وَلَمْ يُصَوِّبْ) أي: يُعَرِّجْ (صَوْبَهُ) أي: صَوْبَ مَقْصَدِ ابنِ (٧) شَيْبَةَ، في الْفَرقِ؛ لأنَّ حُكْمَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثانيةِ بالإرْسَالِ، لَيْسَ مِنْ جِهَةِ تعبيرِ ابنِ الحنفيّةِ بـ «أنَّ»، بَلْ مِن جِهةِ أنَّه لَمْ يُسنِدِ الحكايةَ فِيْهَا إلى عَمَّارٍ بَلْ إلى نَفسِه، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مرورَهُ، بخلافِهِ في الأولى، فإنَّه أسْندَها فِيْهَا إِليهِ، فَكانَتْ مُتَّصِلةً (٨).
_________________
(١) أي: جدير وخليق. انظر: اللسان ١٣/ ٣٤٧ (قمن).
(٢) في (م): «رأي» خطأ.
(٣) يصف هذا الرجل بأنه فحلٌ إشارة إلى أنه قد بلغ الغاية من معرفة هذا الفن، أفاده البقاعي في النكت الوفية: ٣٢/ أ.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٦.
(٥) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٣ من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير. وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١١) من طريق قيس، عن عطاء، عن محمد، عن عمار بن ياسر، فذكره.
(٦) رواه النّسائيّ ٣/ ٦، وفي الكبرى (١١١١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد٢/ ٨١ من حديث عمّار بلفظ: «فلم يرد عليه». وقال: «لعمار عند النّسائيّ: أنه سلم فرد عليه، فيكون هذا ناسخًا لذلك».
(٧) في (م): «ابن أبي»، وَهُوَ خطأ.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٧.
[ ١ / ٢١٣ ]
(قلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَا رَواهُ) مِن قِصَّةٍ، وإنْ لَمْ يُعلمْ أنَّهُ شَاهَدَهَا (بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا)، وَهُوَ السَّلامةُ مِنَ التَدليسِ (يُحْكَمْ)
-بالجزمِ- (لَهُ) أي: لِما رَواهُ (بالوَصْلِ، كَيْفَمَا رَوَى بـ: قَالَ، أَوْ عَنْ، أَوْ بِـ: أنَّ)، أَوْ يذكرُ، أَوْ فعلَ، أَوْ نحوَها (فَسَوَا) -بالقصرِ لُغَةً في مدِّهِ- أي: فكلُّها (١)، كَمَا قَالَ ابنُ عَبْد البرِّ، وغيرُهُ سواءٌ في أنَّهُ يحكمُ لَهُ بالوصلِ صحابيًا كَانَ راويه، أَوْ تابعيًّا (٢).
وَمَنْ لَمْ يُدركْ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ أَوْ تابعيٍّ أَوْ مُنْقَطِعٌ إنْ لَمْ يُسنِدْهُ إلى مَنْ رَواهُ عَنْهُ وإلاَّ فمتصلٌ، وَسَواءٌ في ذَلِكَ أَرْوِيَ بـ: (عَنْ) أم بغيرِها وهذه قاعدةٌ يُعملُ بِهَا. (وَمَا حَكَى (٣» أَي: ابنُ الصَّلاحِ (عَنْ) الإمامِ (أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ) من أَنَّ قَوْلَ عُروةَ: أنَّ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: يا رَسُوْلَ اللهِ، وَقَوْلَهُ: عَنْ عائِشةَ - ﵂ - ليسا سواءً، (وَ) عَنْ (قَوْلِ يَعْقُوبٍ) بنِ شَيْبةَ مِمَّا (٤) قَدَّمْتُهُ (عَلَى ذَا) أي المذكورِ مِنَ القاعدةِ (نَزِّلِ) وتقدَّمَ بيانُ تنزيلِ قَوْلِ يَعْقُوبَ، وأمَّا تنزيلُ قَوْلِ أَحْمَدَ (٥) فعروةُ في اللفظِ الأَوَّلِ لَمْ يُسْنِدْ ذَلِكَ إلى عائشةَ، ولا أدركَ القصةَ فكانَتْ مرسلةً، وَفِي الثَّانِي أسندَهُ إليها بالعنعنةِ فكانتْ متَّصلةً (٦) (وَكَثُرَ) كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٧) بينَ (٨)
_________________
(١) في (ص): «فكل ما».
(٢) التمهيد ١/ ٢٦ - ٢٧.
(٣) في (م): «حكى» خطأ.
(٤) في (ص): «بما».
(٥) كلام أحمد رواه الخطيب في الكفاية: (٥٧٥ ت، ٤٠٨ هـ) بإسناده إلى أبي داود. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٠.
(٦) انظر: كلام الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصّلاح ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١ في هذه المسألة وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٩٠.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤.
(٨) سقطت من (ق).
[ ١ / ٢١٤ ]
المنتسبينَ إلى الحديثِ (استِعْمَالُ عَنْ فِي ذَا الزَّمَنْ) المتأخِّرِ، أي بعدَ الخمسِ مِئةِ (١)
(إِجَازَةً) قَالَ: فإذا قَالَ أحدُهم: قرأتُ عَلَى فلانٍ عَنْ فلانٍ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ فَظُنَّ بِهِ (٢) أنَّهُ رواهُ بالإجازةِ (وَهْوَ) مَعَ ذَلِكَ (بِوَصْلٍ مَا) أي بنوعٍ من الوَصْلِ (قَمَِنْ) - بكسرِ الميمِ وبفتحِها - (٣)، وَهُوَ الأنسبُ هنا، أي: حقيقٌ بِذَلِكَ (٤)، والحاصلُ أنَّ مَا فيهِ «عَنْ» يحكمُ باتِّصالِهِ سَمَاعًا في الزمنِ الْمُتَقدِّمِ، وَهُوَ مَا قدَّمَهُ قَبْلُ وباتِّصالِهِ إجازةً (٥) في الزمنِ المتأخِّرِ وَهُوَ مَا هنا.
وإنَّما أَمَرَ ابنُ الصلاحِ فِيهِ (٦) بالظنِّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجْزِمْ بالحُكمِ بِهِ؛ لأنَّ زَمنَهُ لَمْ يَكُنْ تقرَّرَ فِيهِ اصْطلاحٌ بِذَلِكَ، وَأَمَّا (٧) الآنَ فَقَدْ تَقَرَّرَ، واشتهرَ فَيُجْزَمُ (٨) بِهِ.
قَالَ شَيْخُنا: وَحُكْمُ «أنَّ» فِي ذَلِكَ حكْمُ «عَنْ» إذَا لَمْ يَحْكِ بها الإخبارَ، أَوْ التحديثَ، فإن حَكى بها ذَلِكَ، «ك: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أنَّ فلانًا أَخْبَرَهُ»، فَهُوَ تَصْريحٌ بالسَّمَاعِ.
وَمَا قَالَهُ قَريبٌ مِمّا رَدَّ بِهِ ابنُ الصَّلاح عَلَى الخَطَّابِيِّ في زَعْمِهِ، أنَّ في ذَلِكَ إجازةً، وَسيأتي ذَلِكَ في مَبحثِ: كَيْفَ يَقُولُ (٩) مَنْ رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ؟
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ١٨٨.
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٣٤/ أ: «فظنّ به هو فعل أمرٍ؛ وإنما أمر بالظن، ولم يطلق الحكم؛ لأن في زمنه لم يكن تقرر الاصطلاح أن ذلك للإجازة، وإنما كان قد فشا ذلك الاستعمال فيهم، وأما في هذا الزمان فمتى وجدنا محدّثًا قال: حدّثني فلان مثلًا، عن فلان فإنا نتحقق أن ذلك إجازة؛ لأن الاصطلاح تقرر على ذلك». وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٦٤، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٣١، وفتح المغيث ١/ ١٨٨.
(٣) انظر: الصحاح ٦/ ٢١٨٤، واللسان ١٣/ ٣٤٧ (قمن).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) سقطت من (ص).
(٦) «فيه» سقطت من (ق).
(٧) في (ص): «أما».
(٨) في (م): «فجزم».
(٩) «كيف يقول». سقطت من (ق).
[ ١ / ٢١٥ ]
تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ
١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالُهُ لِلأكْثَرِ
١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
١٤٩ - بِوَصْلِ (١) «لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ» مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَلِ
١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا
١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا
وَقَدْ ذَكَرَ التعارضينِ (٢) بِهَذا الترتيبِ، فَقَالَ:
(واحكُم) أي: اجعلِ الحُكْمَ فِيْمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الثِّقاتُ مِنَ الحديثِ، بأنْ يَرْوِيَه بعضُهم مَوصولًا، وبعضُهم مُرْسَلًا (لِوَصْلِ ثِقَةٍ)، وإنْ كَانَ المُرْسِلُ أكثرَ أَوْ أحْفَظَ (في الأظْهَرِ) عِنْدَ المحقِّقينَ مِن أهلِ الحَدِيثِ؛ لأنَّ مَعَهُ زِيادةَ عِلْمٍ (٣).
(وَقِيلَ: بَلْ إرْسَالُهُ) أي: بَلْ اجعَلِ الحُكمَ لإرسالِ الثِّقَةِ، ونَسَبَهُ الخطيبُ (٤)
_________________
(١) في نسخة أوج من متن الألفية: «لوصل».
(٢) في (ق): «المتعارضين».
(٣) قال السخاوي في فتح المغيث١/ ١٨٩: «وهو الذي صححه الخطيب، وعزاه النووي للمحققين من أصحاب الحديث». وقال ابن الصّلاح: «هو الصّحيح في الفقه وأصوله». معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٢. وانظر مقدمة النّوويّ لشرح مسلم ١/ ١٤٥: فصل زيادات الثّقة مقبولة مطلقًا عند الجماهير الخ. ونص الإمام النووي: «إذا روى العدل الضابط المتقن حديثًا انفرد به، فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه. وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلًا، وبعضهم مرسلًا أو بعضهم موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدّثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ؛ لأنه زيادة ثِقَة، وَهِيَ مقبولة». وانظر: الكفاية: (٥٨٠ - ٥٨١ ت، ٤١١هـ). والنكت٢/ ٦١٢ فَقَدْ تعقّب الحافظُ ابنُ حجر ابنَ الصّلاح في نقله تصحيح الأصوليين والفقهاء.
(٤) الكفاية: (٥٨٤ ت، ٤١٣ هـ).
[ ١ / ٢١٦ ]
(للأكثرِ) مِن أَهْلِ الحَدِيْثِ؛ لأنَّ الإرسالَ نوعُ قَدْحٍ في الحَدِيْثِ، فتقْدِيمُه عَلَى المَوْصُوْلِ (١) مِنْ قَبيلِ تَقْديمِ الجَرْحِ عَلَى التَّعْديلِ.
(وَنَسَبَ) ابنُ الصَّلاحِ (٢) القَوْلَ (الأَوَّلَ لِلنُظَّارِ) - بضمِّ النُّونِ، وتشديدِ الظاء - وَهم هُنا أَهْلُ الفِقْهِ، والأُصولِ (٣) (أَنْ صَحَّحُوْهُ) - بفتحِ الهَمزةِ - بدلُ اشْتمالٍ مِنَ (الأَوَّلِ) أَيْ: تَصْحِيحَهُ (٤).
(وَقَضَى) الإمامُ (البُخَارِيْ) أي: جَعَلَ الحكمَ (بِوَصْلِ) حَدِيثِ: «لاَ نِكَاحَ إلاّ بِوَلِيْ»، الّذي اختُلِفَ فِيهِ عَلَى راويهِ (٥) أبي إسحاقَ السَّبِيْعِيِّ.
فَرواهُ شُعبةُ وَسُفيانُ الثَّوريُّ عَنْهُ، عَنْ أبي بُرَدَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - مُرْسَلًا، وَرواهُ إسرائيلُ بنُ يونسَ فِي آخرينَ عَنْ جَدِّهِ أبي إسحاقَ المذكورِ، عَنْ أبي بُردَة، عَنْ أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - مَوْصُوْلًا، فقدَّم البُخَارِيُّ وصلَهُ، وَقَالَ: الزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ مَقْبولةُ.
(مَعْ) بالإسكانِ (كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ)، وَهُوَ شُعْبةُ، والثَّوْرِيُّ، (كَالْجَبلِ)؛ لأنَّ لَهُمَا الدَّرَجَةَ العَاليَةَ فِي الحِفظِ والإتْقانِ (٦).
_________________
(١) في (ق): «الوصل».
(٢) وابن الصّلاح مسبوق في هذا فقد نقل الحاكم في المدخل إلى الإكليل٢٢٠تصحيح الزيادات عن الفقهاء.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، والمحصول ٢/ ٢٢٩، وكشف الأسرار ٣/ ٢، وجمع الجوامع ٢/ ١٢٦، وشرح النّوويّ على صحيح مسلم ١/ ٢٥. وفي مثل هذه المسألة الخطيرة، يكون الرجوع إلى أهل الشأن من المحدّثين، ونقل النّوويّ خطأ منه نتج عن تقليد للخطيب والحاكم. وانظر في ذلك: بحثًا موسعًا في أثر علل الحديث: ١٩٩ - ٢٤٩، ٢٥٥ - ٢٨٠، ونسبه النّوويّ إلى المحققين من أهل الحديث (شرح النّوويّ على صحيح مسلم ١/ ٢٥)، وفيه نظر شديد: ففي مثل هذه المسألة الخطيرة، إنما يؤخذ قول المحدّثين لا الفقهاء والأصوليين، وما نقله النّوويّ خطأ منه قلد فيه الخطيب والحاكم. وانظر في ذلك: بحثًا موسعًا في أثر علل الحديث: ١٩٩ - ٢٤٩، ٢٥٥ - ٢٨٠.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٢.
(٥) في (ص) و(ق): «رواية».
(٦) هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، والراجح وصله - كما يأتي -: أولًا: تفرّد بإرساله شعبة وسفيان الثوري، واختلف عليهما فيه: فقد رواه عن شعبة موصولًا: =
[ ١ / ٢١٧ ]
_________________
(١) = النعمان بن عبد السلام، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٩ عنه وعن سفيان الثوري مقرونين، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١٠٩، ويزيد بن زريع، عند البزار في مسنده (٣١١١)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٠، والبيهقي في سننه الكبرى ٧/ ١٠٩، ومالك بن سليمان، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/ ٢١٤، عنه وعن إسرائيل، وكذلك رواه عن شعبة موصولًا: محمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن حصين كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٦، فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، ويزيد بن زريع، ومالك بن سليمان، ومحمد بن موسى، ومحمد بن حصين) رووه عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى، مرفوعًا. ورواه عن شعبة مرسلًا: يزيد بن زريع، عند البزار في مسنده (٣١١٠)، ووهب بن جرير، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، ومحمد بن جعفر - غندر -، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٨٠ ت، ٤١١ هـ)، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي - كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨. فهؤلاء خمستهم (يزيد بن زريع، ووهب بن جرير، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي) رووه عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، مرسلًا. أما سفيان الثوري فقد اختلف عليه أيضًا: فرواه عنه موصولًا: النعمان بن عبد السلام، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وبشر بن منصور، عند البزار في مسنده (٣١٠٨)، وابن الجارود في المنتقى (٧٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩ وجعفر بن عون، عند البزار (٣١٠٩)، ومؤمل ابن إسماعيل، عِنْدَ الروياني في مسنده ١/ ٣٠٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٩، وخالد بن عمرو الأموي، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٦/ ٢٧٩. فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، وبشر بن منصور، وجعفر بن عون، ومؤمل ابن إسماعيل، وخالد بن عمر) رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، موصولًا. ورواه عنه مرسلًا: عبد الرحمان بن مهدي، عند البزار في مسنده (٣١٠٧)، وأبو عامر العقدي عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحسين بن حفص، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٩ ت، ٤١١ هـ)، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨. فهذان الإمامان: شعبة وسفيان قد اختلف عليهما فيه كما ترى. وربّما طرق الذين رووه عن سفيان وشعبة موصولًا، لا تصحّ إليهم. وكلام الترمذي يؤيده، فقد قال الإمام الترمذي: «وقد ذكر بعض أصحاب سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبي موسى. ولا يصحّ». (جامع الترمذي عقب حديث: ١١٠٣). =
[ ١ / ٢١٨ ]
_________________
(١) = ثانيًا: سفيان الثوري وشعبة - وإن كانا اثنين - إلا أنّ اجتماعهما في هذا الحديث كواحد؛ لأنّ سماعهما هذا الحديث كان في مجلس واحد عرضًا، فقد قال الترمذي: «ومما يدلّ على ذلك ما حدّثنا محمود بن غيلان. قال: حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي؟ " فقال: نعم. جامع الترمذي عقيب حديث (١١٠٢). ثالثًا: إن الذين رووه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى موصولًا، أكثر عددًا، وهم:
(٢) إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق، عند أحمد في المسند ٤/ ٣٩٤، ٤١٣، والدارمي في سننه (٢١٨٨)، وأبي داود في سننه (٢٠٨٥)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، والبزار (٣١٠٥) و(٣١٠٦)، وابن حبّان في صحيحه (٤٠٨٥)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٧، والخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ).
(٣) يونس ابن أبي إسحاق، عند الترمذي في جامعه (١١٠١)، والبيهقي ٧/ ١٠٩، والخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ)، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٨٥) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ثم قال أبو داود عقبه: "هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة "وسيأتي الكلام عن رواية أبي داود هذه.
(٤) شريك بن عبد الله النخعي، عند الدارمي في سننه (٢١٨٩)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن حبان (٤٠٨٠) و(٤٠٩٠)، والبيهقي ٧/ ١٠٨.
(٥) أبو عوانة - الوضاح بن يزيد اليشكري -، رواه من طريقه الطيالسي في مسنده (٥٢٣)، وابن ماجه في سننه (١٨٨١)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١.
(٦) زهير بن معاوية الجعفي، عند ابن الجارود في المنتقى (٧٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، وابن حبان في صحيحه (٤٠٧٩)، والحاكم ٢/ ١٧١، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٨.
(٧) قيس بن الربيع، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠، والبيهقي ٧/ ١٠٨، والخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٨). رابعًا: كان سماع هؤلاء من أبي إسحاق في مجالس متعددة، قال الترمذي في جامعه ٣/ ٤٠٩ عقب (١١٠٢): «ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - «؟لا نكاح إلا بولي» عندي أصحّ؛ لأنّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة» وانظر: العلل الكبير: ١٥٦. =
[ ١ / ٢١٩ ]
_________________
(١) = خامسًا: كانت طريقة تحمل سفيان الثوري وشعبة للحديث عرضًا على أبي إسحاق، في حين أنّ الباقين تحملوه سماعًا من لفظ أبي إسحاق، ولاشكّ في ترجيح ما تحمل سماعًا على ما تحمل عرضًا عند جمهور المحدثين. سادسًا: إن من الذين رووه متصلًا: إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق، وهو أثبت الناس وأتقنهم لحديث جدّه، ولم يختلف عليه فيه، أما سفيان وشعبة وإن كان إليهما المنتهى في الحفظ والإتقان. فطريقة تحملهما للحديث قد عرفتها، أضف إليها أنّه قد اختلف عليهما فيه. قال عبد الرحمان بن مهدي: (إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ سورة الحمد)، رواه عنه الدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠. وقال صالح جزرة: (إسرائيل أتقن في أبي إسحاق خاصّة) سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال عبد الرحمان بن مهدي: (ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنّه كان يأتي به أتم) جامع الترمذي عقب ١١٠٢)، وسنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال محمد بن مخلد: (قيل لعبد الرحمن - يعني ابن مهدي -: إنّ شعبة وسفيان يوقفانه على أبي بردة، فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليّ من سفيان وشعبة) سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال الإمام الترمذي: (إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق) جامع الترمذي عقب (١١٠٢). سابعًا: في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي، فهو مدلس (جامع التحصيل: ١٠٨، وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١: (وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق) وممن تابعه: ابنه يونس، عن أبي بردة، أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤١٣، ٤١٨، وقد سبق أنّ أبا داود أخرجه عن أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال أبو داود (السنن ٢/ ٢٢٩ عقب ٢٠٨٥): (هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بردة) يعني أنّ يونس يرويه بإسقاط أبي إسحاق، وإسرائيل يذكره، فجمع أبي عبيدة لهما على أسناد واحد خطأ. ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه (عقب ١١٠٢) على نحو ما ذكره أبو داود. قلنا: يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة، فيكون قد سمعه منهما كليهما، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا. انظر: العلل الكبير للترمذي: ١٥٦، وصحيح ابن حبّان (الإحسان ٦/ ١٥٤ عقب ٤٠٧١) قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١ - ١٧٢: "ولست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافًا على عدالة يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بردة " =
[ ١ / ٢٢٠ ]
(وَقِيلَ): الحُكْمُ لما قَالَهُ (الاكْثَرُ) - بالدَّرجِ - مِن وَصْلٍ، أَوْ إرْسَالٍ؛ لأنَّ تطرُّقَ السَّهْوِ، والخَطَإِ إليهِم أبْعَدُ (١).
(وَقِيلَ): الحُكمُ لما قالَهُ (الاحْفَظُ) مِن ذَلِكَ (٢).
فَهذهِ أربعةُ أقوالٍ، وَبقيَ خامسٌ، ذكرَهُ السُّبْكِيُّ (٣)، وَهُوَ: تساويهُما.
وَمَحلُّ الخِلافِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُهُم، فِيْمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ بغيرِ كَثْرةٍ، وَحِفْظٍ، وإتقانٍ، وإلاّ فَالحكمُ دائرٌ مَعَ التَّرجيحِ.
_________________
(١) = ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة، قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٢: (قد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي - ﷺ - عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش)، ثم قال: (وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وعبد الله ابن عمر ) والحديث صحّحه البخاري كما رواه عنه الخطيب فيما سبق، وروى الحاكم أيضًا تصحيحه عن علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي. المستدرك ٢/ ١٧٠. قلنا: مما سبق تبين أنّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله، وأما زعم من زعم أنّ الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة، فهو كلام بعيد مجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره من أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها. والقول بقبولها مطلقًا هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين، قال به الخطيب وشهره، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: (ومن تأمل ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره) فتح الباري (٩/ ٢٢٩ طبعة الكتب العلمية). فالذي نظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقًا ولا يردونها مطلقًا، بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيح: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحيانًا، قال الحافظ ابن حجر: (والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبلٍ، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم- اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم قبول إطلاق الزيادة) نزهة النظر: ٩٦. وهذا هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك، أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة. (وانظر في ذلك بحثًا نافعًا في أثر علل الحديث: ٢٥٤ - ٢٦٣، وفيه كلام نفيس لعلاّمة العراق ومحقق العصر الدكتور هاشم جميل -حفظه الله-).
(٢) نقله الحاكم عن أئمة الحديث. انظر المدخل إلى الإكليل ٤٠ - ٤١.
(٣) نسب الحافظ ابن رجب القول به إلى الإمام أحمد. انظر: شرح علل التّرمذي ٢/ ٦٣٥.
(٤) جمع الجوامع ٢/ ١٢٤.
[ ١ / ٢٢١ ]
فَقَدْ يُقَدَّمُ جَزمًا الوصلُ، أَوْ الإرسالُ لمرجِّحٍ مِن نَحوِ ملازمةٍ، ومِنْ ثَمَّ قَدَّمَ البُخَارِيُّ - كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنا (١) - الإرْسالَ في أحاديثَ، لقرائنَ قامَتْ عندَهُ (٢).
مِنْها: أنَّه ذَكَرَ لأبي داودَ الطَيَالِسِيِّ حَدِيثًا وصَلُهُ، وَقَالَ: «إرسالُهُ أثبتُ» (٣).
(ثُمَّ) إذَا قلنا بأنَّ الحُكْمَ للأحفظِ، (فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ يَقْدَحُ) أي: فَليسَ إرسالُ العَدْلِ الأحفظِ قادِحًا (في أهْليَّةِ الوَاصِلِ)، من ضَبطٍ، وعدالةٍ (٤).
(أَوْ) أي: ولا في (مُسْنَدِهِ) الذي لَمْ يقعْ فِيهِ التَّعارِضُ (عَلَى الأَصَحِّ) لاحتِمالِ إصابَتِهِ، وَوَهَمِ الأحفظِ، بَخلافِ مُسْنَدِهِ الذي وقعَ فِيهِ التَّعارضُ.
وردُّهُ لَيْسَ للقدحِ فِي عَدالتِهِ، بَلْ لِلاحتياطِ.
وَمُقابِلُ الأَصَحِّ يَقُول: يَقدحُ ذَلِكَ فِيْمَا ذُكِرَ نظرًا للظاهرِ.
(وَرَأَوْا) أي: أَهْلُ الحديثِ، فِيْمَا يَخْتلِفُ فِيهِ الثِّقاتُ مِنَ الحديثِ، بأن يَرْوِيَه بَعْضُهم مَرْفُوْعًا، وَبَعْضُهم مَوْقُوْفًا (أنَّ الأصَحَّ: الحُكْمُ لِلرَّفعِ (٥»، لأنَّ راويه مُثْبِتٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النافِي، فَعَلى الساكتِ أوْلَى؛ لأنَّ مَعَهُ زِيَادةَ عِلْمٍ (٦).
_________________
(١) النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧.
(٢) قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٩٣: «فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي، والقطان، وأحمد، والبخاري عدم المراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك، والحديث المذكور لم يحكم له البخاريّ بالوصل المجرد أن الواصل معه زيادة، بل لما انظم لذلك من قرائن رجحته لكون يونس بن أبي إسحاق، وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم، لاسيما وإسرائيل. قال فيه ابن مهدي: إنه كان يحفظ حديث جده، كما يحفظ سورة الحمد ». وانظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٦.
(٣) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٠٧.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠١.
(٥) في (ص): «الرفع».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٣، والتقييد والإيضاح: ٩٤ - ٩٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠١، وتدريب الرّاوي ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَقِيلَ: الحُكمُ لمَنْ وَقَفَ.
وَقِيلَ: للأكثرِ.
وَقِيلَ: للأحفظِ.
وَعَلَيْهِ لا (١) يَقْدَحُ وقْفُ الأحفظِ في أهليَّةِ الرافعِ، ولا في مُسندِهِ عَلَى الأصحِّ، والأولُّ مِنْ كُلٍّ مِنَ التعارُضَيْنِ (٢) أصحُّ.
(وَلَوْ) كَانَ الاختلافُ (مِنْ) راوٍ (واحدٍ في ذَا وذَا) أي: في كُلٍّ مِنْهُمَا، كأنْ يرويه مرةً مَوْصُوْلًا، أو مَرْفُوْعًا، وَمَرةً مُرْسَلًا، أَوْ مَوْقُوْفًا (كَمَا حَكوْا) أي: الْجُمْهُورُ.
وَصَرَّح ابنُ الصَّلاحِ بِتَصْحِيحِهِ (٣)؛ لأنَّ مَعَهُ في حَالةِ الوصْلِ، أَوْ (٤) الرَّفعِ زِيادةَ عِلْمٍ، فَهذا هُوَ الراجِحُ عِنْدَ المحدِّثينَ.
وأمَّا الأصوليونَ (٥)، فصحَّحوا أنَّ الاعتبارَ بِما وَقَعَ مِنْهُ أَكْثرُ. قَالَهُ النَّاظِمُ (٦).
_________________
(١) في (ق): «فلا».
(٢) في (ص) و(ق): «المتعارضين».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٣، وانظر: النكت الوفية للبقاعي: ١٣٦/ ب.
(٤) في (ص): «و».
(٥) انظر في ذلك: المحصول ٢/ ٢٣٥، والإبهاج ٢/ ٣٤٨، ونهاية السول ٣/ ٢٣٠.
(٦) وعبارته: «وأما الأصوليون فصححوا أنّ الاعتبار بما وقع منه أكثر. فإن وقع وصله، أو رفعه أكثر من إرساله، أو وقفه؛ فالحكم للوصل، والرفع. وإن كان الإرسال، أو الوقف أكثر، فالحكم له». شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٢. قلنا: صنيع المحدّثين السابقين يشعر بأنه ليس لذلك ضابط، بل قد تترجح الرّواية المنقطعة إذا كان رواتها أكثر أو أحفظ، وقد تترجح الرّواية الموصولة إذا كان رواتها أكثر عددًا أو أشد ضبطًا وما إلى ذلك من المرجحات. انظر كلام ابن المبارك في سنن النّسائيّ الكبرى ١/ ٦٣٢ عقيب (٢٠٧٢)، وجامع التّرمذي عقيب (٢٩٩٥)، وعلل ابن أبي حاتم ١/ ١٣٨، وأثر علل الحديث ١٧٩ - ١٨٥.
[ ١ / ٢٢٣ ]
التَّدْلِيْسُ (١)
١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ (٢) كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ(أَنْ)
١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالًا، وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ
١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الأعْمَشِ) وَكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
(التَّدْلِيْسُ) هُوَ كَتْمُ العَيْبِ فِي المَبِيْع وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مأخوذٌ من الدَّلَسِ (٣) - بالتحريكِ-وَهُوَ الظُّلمةُ، كأنَّهُ لتغطيتِه عَلَى الواقفِ عَلَى الحديثِ، أَوْ غيرِهِ أظْلَمَ أمْرَهُ (٤).
وَهُوَ (٥) ثلاثةُ أقسامٍ (٦) عَلَى مَا ذكرَهُ النَّاظِمُ (٧):
_________________
(١) انظر في التدليس: معرفة علوم الحديث: ١٠٣، والمدخل إلى الإكليل: ٢٠، والكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ)، والتمهيد ١/ ١٥، وجامع الأصول ١/ ١٦٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٨٤، والإرشاد ١/ ٢٠٥، والتقريب: ٦٣، والاقتراح: ٢٠٩، والمنهل الروي: ٧٢، والخلاصة: ٧٤، والموقظة: ٤٧، وجامع التحصيل: ٩٧، واختصار علوم الحديث: ٥٣، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٦٧ - ١٣٢، والشذا الفياح ١/ ١٧٣ - ١٧٩، والمقنع: ١/ ١٥٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٣، ونزهة النظر: ١١٣، ونكت ابن حجر ٢/ ٦١٤ - ٦٥١، ومقدمة طبقات المدلسين: ١٣، والمختصر: ١٣٢، وفتح المغيث ١/ ١٦٩، وألفية السيوطي: ٣٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٤٦، وظفر الأماني: ٣٧٣، وقواعد التحديث: ١٣٢، وتوجيه النظر ١/ ٤٣١ - ٤٣٣.
(٢) بدرج الهمزة كما سيصرح به الشارح، وذهل ناشر (م)، فأثبت الهمزة في الموضعين.
(٣) في (ص): «التدلس».
(٤) انظر: نكت ابن حجر ٢/ ٦١٤، والنكت الوفية: ١٣٧/أ، وتاج العروس ١٦/ ٨٤.
(٥) بعد هذا في (م): «على».
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٣٧/ أ: «إن أراد أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من كونهما اثنين باعتبار إسقاط الراوي أو ذكره وتعمية وصفه وإن أراد الأنواع فهي أكثر من ثلاثة لما يأتي من تدليس القطع وتدليس العطف».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٣.
[ ١ / ٢٢٤ ]
أحدها: (تدليسُ الاسنادِ (١» - بالدرجِ -، (كمَنْ يُسقِطُ مَنْ حدَّثَهُ) من الثِّقاتِ لصِغَرهِ، أَوْ من الضُّعفاء، وَلَوْ عِنْدَ غَيْرِه فَقَطْ (وَيَرْتَقِي) لشيخِ شيخِهِ فمَنْ فَوْقَهُ، مِمَّنْ عُرِفَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ، وإن اقتضى كلامُ ابنِ الصَّلاحِ أنَّه لَيْسَ بشرطٍ (ب «عَنْ»
و«أنْ») - بتشديدِ النونِ المسَكَّنةِ للوقفِ -، (وَقَالَ) ونحوِها، مِمّا لاَ يَقْتَضِي اتّصَالًا، لئلاَّ يَكُونَ كذبًا (يُوهِمُ) بِذَلِكَ (اتّصَالًا) (٢). فَالتَّدليسُ: أن يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، مُوهِمًا أنَّه سَمِعَهُ مِنْهُ (٣)، وَهذا بخلافِ الإرسالِ الخفيِّ، فإنَّهُ، وإن شَاركَ التَّدليسَ في الانقطاعِ يَخْتَصُّ بمَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاصَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ (٤).
وَمِن تَدْلِيْسِ الإسنادِ: أن يُسْقِطَ الرَّاوِي أداةَ الرِّوَايَةِ مُقْتَصِرًا عَلَى اسمِ الشَّيْخِ، وَيَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيْثِ كَثِيْرًا (٥).
مِثَالُه: مَا قَالَ (٦) ابنُ خَشْرَمٍ: «كُنَّا عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ، فقالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقيلَ لَهُ: حَدَّثكَ الزُّهريُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. فَقِيلَ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ فقال: لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، ولا مِمَّنْ سَمِعَهُ من الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّزاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ»، رَواهُ الحَاكِمُ (٧).
وَسَمَّاهُ شَيْخُنا تَدْلِيْسَ القَطْعِ (٨)، لكنَّه مَثَّلَ لَهُ بِما رَواهُ ابنُ عَديٍّ، وغيرُهُ عَن
_________________
(١) في (م) بتجويد الهمزة، وهو من ذهول الناشر.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٤، والنكت الوفية: ١٣٧/ ب.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٤.
(٤) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦٢٣.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٠٦.
(٦) في (ع) و(ق): «قاله».
(٧) أسند هذه القصة الحاكم في المدخل إلى الإكليل (٢٠ - ٢١)، وفي معرفة علوم الحديث: ١٠٥، والخطيب في الكفاية: (٥١٢ ت، ٣٥٩ هـ)، وانظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ٧٠.
(٨) النكت لابن حجر ٢/ ٦١٧. وقال البقاعي في النكت الوفية (١٣٩/ب): «سماه شيخنا حافظ العصر تدليس القطع فيكون رابعًا».
[ ١ / ٢٢٥ ]
عُمَرَ (١) بنِ عُبَيْدٍ (٢) الطَّنَافِسِيِّ، أنَّه كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، ثُمَّ يِسكُتُ (٣)، وينوي القَطْعَ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشامُ بنُ عُروَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَائِشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عَنْهَا -.
وَمِنْهُ تَدْلِيْسُ العَطْفِ: وَهُوَ أنْ يُصرِّحَ بالتَّحْدِيثِ عَنْ شَيخٍ لَهُ، ويَعْطِفَ عَلَيْهِ شَيْخًا آخرَ لَهُ (٤)، وَلا يَكُونُ سَمِع ذَلِكَ المَرْوِيَّ مِنْهُ (٥).
مثالُهُ: مَا رَواهُ الحَاكِمُ في "عُلومِهِ" (٦)، قَالَ: اجْتَمَعَ أصْحَابُ هُشَيمٍ، فَقَالوا: لاَ نكْتُبُ عَنْهُ اليومَ شيئًا مِمّا يُدلِّسُه، فَفَطِنَ لِذلِكَ، فلمَّا جَلَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، ومُغِيْرَةُ، عَنْ إبراهيمَ، وساقَ عدَّة أحاديثَ، فَلمّا فَرَغَ، قَالَ: هَل دَلَّسْتُ لَكُم شيئًا؟ قالوا: لا. فَقَالَ: بلى كُلُّ مَا حَدَّثتُكُم عَنْ حُصَيْنٍ، فَهُوَ سماعي، وَلَمْ أسمعْ مِن مُغيرةَ مِن ذَلِكَ شيئًا.
وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُوْلٌ عَلَى أنَّه نَوَى القَطْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَفُلانٌ أي: وَحَدَّثَ فُلاَنٌ.
(واخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ) أي: أَهْلِ هَذَا القِسْمِ أيرَدُّ حَديثُهم أَمْ لاَ؟ (فالرَّدُّ) لَهُ
(مُطْلَقًا) أي: سَوَاءٌ أبيَّنوا (٧) الاتّصَالَ، أَمْ لاَ، دَلَّسوا عَنِ الثِّقاتِ، أَمْ غَيْرِهِم، نَدَرَ تدليسُهُمْ أَمْ لا (ثُقِفْ) - بضمِّ المثلثةِ -أي: وُجِدَ (٨) عَنْ جمعٍ مِنَ المُحدِّثينَ (٩) والفُقهاءِ (١٠)، حَتَّى عَنْ بَعْضِ مَن يحتجُّ بالمُرْسَلِ؛ لأنَّ التدليسَ جَرْحٌ، لما فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ
_________________
(١) في (ع) و(ق): «معمر».
(٢) في (ق): «عبد الله».
(٣) في (م): «سكت».
(٤) «له»: سقطت من (ص).
(٥) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٦١٧.
(٦) معرفة علوم الحديث: ١٠٥.
(٧) في (ق) و(ص): «بينوا».
(٨) انظر: اللسان ٩/ ١٩ (ثقف).
(٩) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٦ - ١٨٧. قلنا: وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. انظر الإحكام ١/ ١٤١، وقارن بالعواصم ٨/ ٢٣٦.
(١٠) هذا القول حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص"كَمَا في فتح المغيث١/ ٢٠٣وأمّا ابن السمعاني فشرط فيه ليرد حديثه أن يسأل عن اسم الرّاوي فيكتمه انظر: قواطع الأدلة١/ ٣٢٤، والنكت لابن حجر٢/ ٦٣٢، وقال العلائي: «ينبغي أن ينزل قَوْل من جَعَلَ التّدليس مقتضيًا لجرح فاعله علىمن أكثر التّدليس عن الضعفاء وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم، وكذلك من دلس اسم الضّعيف حتّى لا يعرف» جامع التحصيل: ١١٤.
[ ١ / ٢٢٦ ]
والغشِّ (١).
وَقِيلَ: يُقبل مُطلقًا، كالمُرْسَلِ عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ (٢)، وَقِيلَ: إن لَمْ يدلِّسْ إلاَّ عَنْ الثِّقاتِ - كسُفْيِانَ بنِ عُيَيْنَةَ - قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ، وَقِيلَ: إن نَدَرَ تدليسُه قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ.
(والأكْثَروْنَ) مِنَ المُحدِّثينَ والْفُقهاءِ والأصوليينَ، ومِنْهُم الإمامُ الشَّافِعيُّ (٣) ﵀ (قَبِلُوْا) مِن حَدِيثِهِم (مَا صَرَّحَا) بألفِ الإطلاقِ، (ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ)، ك: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا (٤).
لأنَّ التَّدْلِيْسَ لَيْسَ كَذِبًا، وإنَّما هُوَ تَحسينٌ لِظاهرِ الإسنادِ، وَضَرْبٌ مِنَ الإيهامِ بِلَفْظٍ مُحتملٍ، فإذا صَرَّحَ بوصْلِهِ، قُبِلَ (٥).
(وَصُحِّحَا) بِبِنَائِهِ لِلمَفْعُولِ - أي: هَذَا القولُ، ومِمَّنْ صَحَّحهُ: الخطيبُ (٦)، وابنُ الصَّلاحِ (٧)، لَكنَّهُ لَمْ يعزُه للأكثرينَ، فعزوهُ لَهُم مِن زيادةِ النَّاظِمِ، وَحَكاهُ عَنْ شيخِهِ أبي سعيدٍ العَلاَئِيِّ (٨).
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٠٢.
(٢) الكفاية: (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٣) حكاه أبو سعيد العلائي في جامع التحصيل: ٩٨.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٠. قلنا: الذي صححه المصنف هو الصّحيح؛ لأن التّدليس ليس كذبًا، وإنما هو تحسين لظاهر الإسناد، وضربٌ من الإيهام بلفظٍ محتمل، فإذا صرح قبلوه، واحتجوا به ورد ما أتى فيه باللفظ المحتمل، وممن صححه ابن سعد، والخطيب، وابن عبد البر، وابن الصّلاح، والعلائي، وابن حجر، والسخاوي وهو قول الجماهير، انظر: الرسالة ٣٨٠ (١٠٣٥)، وطبقات ابن سعد ٧/ ٣١٣، والكفاية: (٥١٥ت، ٣٦١ هـ)، والتمهيد ١/ ١٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٩٠، وجامع التحصيل ١١٢، وفتح المغيث ١/ ١٧٥.
(٥) قال الإمام الشافعي في الرسالة (١٠١١ - ١١٣٥): «وأقبل الحديث: حدّثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلسًا ، ومن عرفناه دلّس مرّةً فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة بالكذب فنردّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني، أو سمعت». (ونقله عنه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " ١/ ٤٢).
(٦) الكفاية: (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٧.
(٨) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٠: «وممن حكاه عن جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول شيخنا أبو سعيد العلائي في كتاب المراسيل، وهو قول الشّافعيّ، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم». انظر: جامع مع التحصيل: ٩٨.
[ ١ / ٢٢٧ ]
(وفي) كُتُبِ (الصَّحِيحِ) لكُلِّ مِنَ البُخاريِّ، وَمُسْلِمٍ وغيرِهمَا (عِدَّةٌ) مِنَ الرُّواةِ المُدلِّسينَ، خُرِّجَ فِيْهَا مَا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحديثِ، (ك: «الأعْمَشِ» وك: «هُشَيْمٍ») - بالتَّصْغِيرِ - ابنِ بَشِيْرٍ - بالتَّكبيرِ - (بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأعمشِ، وَقَدْ أخذَ عَنْهُ (١).
(وَفَتِّشِ) أي: الصِّحاحَ تَجِدْ فِيْهَا التَّخريجَ لِكثيرٍ مِمَّا صَرَّحوا فِيهِ بالتَّحْدِيثِ (٢)، بَلْ قَدْ يَقعُ فِيْهَا التَّخريجُ مِن مُعنعنِهِم، لكنَّه مَحْمُوْلٌ - كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ وغيرُهُ - عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهم فِيهِ مِن جهةٍ أُخرى، إذا كَانَ فِي أحاديثِ الأصولِ، لا المُتابعاتِ (٣).
١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ
١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا
١٦٠ - و(الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَةِ
(وَذَمَّهُ)، التَّدْلِيْسَ بأقسامِه نَصًّا فِيْمَا مَرَّ، واقتضاءً فِيْمَا يَأْتِيَ، (شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاجِ (ذُو الرُّسُوْخِ) في الحِفْظِ والإتقانِ.
فروى الشَّافِعيُّ عَنْهُ (٤) أنَّهُ قَالَ: التَّدليسُ أخو الكذبِ (٥)، وَقَالَ: لأِنْ أزني
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١١.
(٣) فتح المغيث ١/ ٢٠٥. قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة١/ ٣١١: «وقوله: وفتّش أي: وفتش في الصّحيح تجد جماعةً منهم، كقتادة والسفيانين، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم. وقال النّوويّ: إنّ مَا في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ: عن، محمولٌ عَلَى ثبوت سماعه من جهة أخرى. وَقَالَ الحافظ أبو محمّد عَبْد الكريم الحلبي في كِتَاب"القدح المعلّى": قَالَ أكثر العُلَمَاء: إن التي في الصّحيحين منزّلة منزلة السّماع». انظر: التقريب: ٦٥، والنكت لابن حجر٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦، والنكت الوفية: ١٤٢/ أ.
(٤) «عنه»: سقطت من (ص).
(٥) أخرجه ابن عدي في تقدمة الكامل ١/ ١٠٧، والبيهقي في مناقب الشّافعيّ ٢/ ٣٥، والخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أحبُّ إليَّ من أَنْ أُدَلِّسَ (١).
وَلَمْ يَنْفَرِدْ شُعْبَةُ بِذمِّه، بَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ (٢)، إلاّ أنَّه مَعَ تَقَدُّمِه زَادَ بِالمُبالغَةِ فِيهِ (٣).
(وَدُوْنَهُ) أي: دُوْنَ القسمِ الأَوَّلِ مِن أقسامِ التَّدلِيس، وَهُوَ ثانِي أَقْسَامِهِ:
(التدليسُ للشيوخِ)، وَهُوَ:
(أَنْ يَصِفَ) المُدلِّسُ (الشيخَ) الذي سَمِعَ ذَلِكَ الحَدِيْثَ مِنْهُ (بِمَا لا يُعْرفُ) أي يَشتَهِرُ (بِهِ) مِن اسمٍ، أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ لَقبٍ، أَوْ نِسبةٍ إلى قَبيلةٍ، أَوْ بلدةٍ، أَوْ صَنْعةٍ، أَوْ نحوِها، كي يُوعِّرَ مَعْرِفَةَ الطَّريقِ عَلَى السَّامِعِ مِنْهُ (٤).
فـ «أَنْ» بمدخولِهما خبرُ مُبتدإٍ مَحْذُوْفٍ، كَمَا تَقَرّرَ، أَوْ بيانٌ لِما قَبْلَها.
وَمِثَالُهُ: قولُ أبي بكرِ بنِ مجاهدٍ المُقْرِئِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي عَبْدِ اللهِ. يُرِيْدُ بِهِ الحافظَ عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السِّجِسْتَانِيَّ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَفيهِ تَضْييعٌ للمَرْوِيِّ عَنْهُ» (٥).
قَالَ النَّاظِمُ: وللمَرْوِيِّ أَيْضًا، بأنْ لا يتنبَّهَ لَهُ، فَيَصِيرُ بَعْضُ رواتِهِ (٦) مَجْهُوْلًا (٧).
(وَذَا) الفِعلُ (بمَقْصِدٍ) -بكسر المُهْمَلَة- أي: باختلافِ مَقْصِدِ حاملٍ لفاعلِه، عَلَيْهِ (يَخْتَلِفُ) حَالُه في الكَراهَةِ.
(فَشَرُّهُ) مَا كَانَ الوصْفُ بِمَا ذَكَرَ، إما (لِلضَّعْفِ) فِي المرويِّ عَنْهُ، لِتَضَمُّنِهِ الخيانةَ، والغِشَّ. وحُكْمُ مَنْ عُرِفَ بِهِ: أَنْ لا يقبلَ خبرُهُ. كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ عَنْ ابنِ الصَّباغِ (٨).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٧٣، وابن عدي في تقدمة الكامل ١/ ١٠٧، والخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ).
(٢) انظر: فتح المغيث١/ ٢٠٨ فقد نقل الإمام السخاوي جملة من أقوال العلماء في ذم التّدليس.
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح: ١٧٠، والنكت الوفية: ١٤٢/ أ.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٦، والنكت الوفية: ١٤٣/ ب، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٧٦.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٠، وانظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ٨.
(٦) في (ق): «راويه».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٣.
(٨) المصدر السابق ١/ ٣١٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَذلكَ حَرامٌ هُنا، وَفيمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ المرويُّ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَ المُدَلِّسِ (١).
(وَ) إمّا (اسْتِصْغَارا) لِلمَرويِّ عَنْهُ سِنًّا، أَوْ تكبُّرًا، بأَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ المُدلِّسِ، أَوْ أَكْبرَ، لكنْ بيَسِيْرٍ، أَوْ بكثيرٍ لَكِنْ تأخَّرتْ وَفاتُهُ حَتَّى شارَكَهُ في الأخذِ عَنْهُ مَنْ هُوَ دونَهُ، وَمَعْلومٌ أنَّ مَن اسْتَصغرَ غَيرَهُ، استكبرَ عَلَيْهِ. فَلو قَالَ بدلَ استصغارًا: استكبارًا (٢) - أي من المدلِّسِ - كَانَ في البيتِ جِنَاسٌ خَطّيٌّ، مَعَ حُصولِ الغَرضِ.
(وَ) إمّا لِكَونِهِ، (كَالْخَطيبِ) أي: كَفِعْلِهِ، (يُوْهِمُ) الفاعلَ بِذلِكَ
(اسْتِكْثَارا) مِنَ الشيوخِ، بِأنْ يروِيَ عَنْ شَيخٍ واحدٍ فِي مَواضِعَ، فَيَصِفَهُ في مَوضِعٍ بصفةٍ، وَفِي آخرَ بأخرى (٣)، يُوهِمُ أنَّه غيرُهُ، كَمَا كَانَ الخطيبُ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤).
(والشَّافِعيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِنيةِ الوقْفِ - (أَثْبَتَهُ)، يعني: تَدْلِيْسَ الإسْنادِ (بِمَرَّةِ) واحدةٍ صَدَرَتْ مِن فَاعِلِهِ، حَيْثُ قَالَ:
«مَن عُرِفَ بالتَّدْلِيْسِ مَرَّةً، لا يُقبلُ مِنْهُ مَا يقبلُ مِن أَهْلِ النَّصيحةِ في الصِّدقِ، حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي، أَوْ سَمِعْتُ» (٥).
_________________
(١) كما فعل عطية العوفي حيث روى عن الكلبي - وهو ضعيف - كناه أبا سعيد، وهو مشهور - بأبي النضر، يوهم أنه يروي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، انظر: الكفاية: (٥٢١ ت، ٣٦٦ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٩.
(٢) في (ق): «واستكبارًا».
(٣) في (ق): «بصفة أخرى».
(٤) قال ابن الصّلاح: «والخطيب البغدادي يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ، والجميع شخص واحد من مشايخه، وكذلك يروي عن الحسن بن محمّد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمّد الخلال، والجميع عبارة عن واحد، ويروي أيضًا عن أبي القاسم التنوخي، وعن عليّ بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسن التنوخي، وعن عليّ بن أبي عليّ المعدل، والجميع شخص واحد وله من ذلك كثير». معرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٠. وقال السيوطي: «وتبع الخطيب في ذلك المحدّثون خصوصًا المتأخرين وآخرهم أبو الفضل ابن حجر، نعم لم أر العراقي في أماليه يصنع شيئًا من ذلك». تدريب الرّاوي ٢/ ٢٧١.
(٥) قال ابن الصّلاح: «الحكم بأنّه لا يقبل من المدلّس حتّى يُبيّن، قد أجراه الشّافعيّ - ﵁ - فيمن عرفناه دلس مرة». معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٠. =
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَذَلكَ لأَنَّهُ بثبوتِ تدليسِه مرَّةً، صَارَ ذَلِكَ ظَاهرَ حَالِهِ في مُعَنْعَناتِهِ، كَمَا أنَّه بثبوتِ اللِّقاءِ، مَرّةً، صَارَ ظاهِرَ حَالِهِ السَّمَاعُ.
القِسْمُ الثَّالِثُ: تَدْلِيْسُ التّسويةِ المُعبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ القُدماءِ بـ «التَّجويدِ» (١)، حَيْثُ قَالوا: «جَوَّدَ فُلاَنٌ» يُريدونَ ذَكَرَ مَنْ فِيهِ مِنَ الأجوادِ، وحَذَفَ الأدنياءِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ:
(قلتُ: وشَرُّها) (٢) أي: أقسامُ التدليسِ، (أَخُو) أي: صاحبُ (التَّسْوِيَةِ)، كأنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا عَنْ ضَعِيْفٍ، بَيْن ثِقَتينِ، لَقِيَ أحدُهُمَا الآخَرَ، فيُسْقِطَ الضَّعِيفَ، ويَرْوِي الحَدِيْثَ عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ (٣) الثَّانِي بِلفظٍ مُحتملٍ؛ فَيسْتوي الإسنادُ كلُّه ثِقاتٌ (٤).
وإنَّما كَانَ هَذَا شرَّ الأقْسَامِ؛ لأنَّ الثِّقةَ الأَوَّلَ، قَدْ لاَ يَكُونُ مَعْرُوفًا بالتَّدْلِيْسِ، وَيَجِدُهُ الواقفُ عَلَى السّنَدِ بَعْدَ التَّسويةِ قَدْ رَواهُ عَنْ ثِقَةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ بالصِّحَّةِ، وَفيهِ غرورٌ شديدٌ.
وخرجَ باللِّقاءِ: الإرسالُ.
وهذا الذي جَعَلهُ قِسْمًا ثالثًا، جعلَهُ شيخُنا نَوعًا مِنَ الأَوَّلِ (٥).
فَالتَّدْلِيْسُ قِسْمانِ: تَدليسُ الإسنادِ، وتدليسُ الشيوخِ، وعليهِما اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ (٦)، والنَّوَوِيُّ (٧).
_________________
(١) = قال الحافظ العراقي: «وممن حكاه عن الشّافعيّ البيهقيّ في المدخل». شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٥، والرسالة ٣٧٩ فقرة (١٠٣٣)، وجامع التحصيل: ٩٩. قلنا: لكن غير الشّافعيّ من أهل العلم اغتفر التّدليس النادر مع الرّواية الواسعة، قال ابن رجب في شرح العلل ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣: «ولم يعتبر الشّافعيّ أن يتكرر التّدليس من الرّاوي، ولا أن يغلب على حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرّة واحدة، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التّدليس على حديث الرجل».
(٢) انظر: فتح المغيث ١/ ٢١٤.
(٣) في (م): «وشرطها».
(٤) بعد هذا في (ص): «عن الثّقة».
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ٢١٤.
(٦) النكت لابن حجر ٢/ ٦١٦.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٤.
(٨) التقريب: ٦٣.
[ ١ / ٢٣١ ]
وفي الحقيقةِ هَذَا الأخيرُ داخلٌ في المُنْقَطِعِ عَلَى قولٍ فِيهِ، لكنْ شرطُهُ (١) أنْ يكونَ الساقطُ ضَعِيْفًا، كَمَا تَقَرَّرَ.
نَعَمْ، بَعْضُهم لَمْ يُقيِّدْهُ بالضَّعِيفِ، بَلْ سوَّى بَيْنَهُ وبينَ الثِّقَةِ (٢).
الشَّاذُّ (٣)
١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ
١٦٢ - والحَاكِمُ (٤) الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ
(وَذُو الشُّذُوذِ) أي: والشَّاذُّ في الحَدِيْثِ اصْطلاحًا:
(مَا يُخَالِفُ) الرَّاوي (الثِّقَهْ فِيهِ) بزيادةٍ، أَوْ نَقْصٍ في السَّنَدِ، أَوْ المَتْنِ
(المَلاَ) بالإسكانِ للوزنِ أَوْ لنية الوقف - أي: الجماعةُ الثِّقاتُ فِيْمَا رَوَوْهُ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا (٥).
_________________
(١) في (ق): «بشرط».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣١٦.
(٣) انظر في الشاذ: معرفة علوم الحديث: ١١٩، وجامع الأصول ١/ ١٧٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٩٢، والإرشاد ١/ ٢١٣، والتقريب: ٦٧، والاقتراح: ١٩٧، والمنهل الروي: ٥٠، والخلاصة: ٦٩، والموقظة: ٤٢، ونظم الفرائد: ٣٦١، واختصار علوم الحديث: ٥٦، ونكت الزّركشيّ ٢/ ١٣٣ - ١٥٤، والشذا الفياح ١/ ١٨٠ - ١٨٤، والمقنع ١/ ١٦٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٠، ونزهة النظر: ٩٧، ونكت ابن حجر ٢/ ٦٥٢ - ٦٧٣، والمختصر: ١٢٤، وفتح المغيث ١/ ١٨٥، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧٧، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٧٧، وظفر الأماني: ٣٥٦، وقواعد التحديث: ١٣٠، وتوجيه النظر ١/ ٤٣٤.
(٤) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٥/ب): «قال شيخنا: أسقط من قول الحاكم قيدًا لابدّ منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلطٌ، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك ويؤيد هذا قوله: وذكر أنه يغاير المعلل فظاهره أنه لا يغايره إلا من هذه الجهة، وهي كونه لم يطّلع على علته، وأما الرد فهما مشتركان فيه، ويوضحه قوله، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك أي: كالمعلل يعني: بل وقف على علته حدسًا».
(٥) انظر: معرفة علوم الحديث: ١١٩، والكفاية: (٢٢٣ ت، ١٤١ هـ) بسنديهما إلى الإمام الشّافعيّ. وأما الخليلي فقد أشرك في هذا التعريف جماعة مع الإمام الشّافعيّ، فقال: «وأما الشاذ فقد قال الشّافعيّ وجماعة من أهل الحجاز». وانظر: الإرشاد ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٢٣٢ ]
(فالشَّافِعيُّ) بِهذا التعريفِ (حَقَّقَهْ)؛ لأنَّ العَددَ أولى بالحِفْظِ مِنَ الواحِدِ.
ويُؤخذُ مِنْهُ أنَّ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةُ فِيهِ الوَاحِدَ الأحْفَظَ شَاذٌّ، وَفِي كَلامِ ابنِ الصَّلاحِ، وغيرِهِ مَا يُفهِمُهُ، وجَرى عَلَيْهِ شَيْخُنا (١).
مِثالُ الشُّذوذِ فِيْ السَّنَدِ: مَا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وغيرُهُ (٣) مِن طَريقِ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إلا مَوْلًى هُوَ أعْتَقَهُ الحَدِيْثَ».
فإنَّ حَمَّادَ بنَ زيدٍ، رَواهُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَوْسَجَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ ابنَ عَبَّاسٍ، لكنْ تابعَ ابنَ عُيَيْنَةَ عَلَى وَصْلِهِ ابنُ جريجٍ، وغيرُهُ.
قَالَ أَبُو حاتِمٍ: المحفوظُ حَدِيثُ ابن عُيَيْنَةَ (٤).
فَحمَّادٌ مَعَ كونِهِ مِن أَهْلِ العَدالةِ، والضَّبْطِ، رجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ رِوَايَةَ مَنْ هُم أكثرُ عَددًا مِنْهُ.
وَمِثالُهُ فِيْ المَتْنِ: زيادةُ يومِ عَرَفَةَ فِيْ حَدِيثِ: «أيَّامُ التَّشْرِيْقِ أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ» (٥)، فإنَّهُ من جميعِ طُرُقِهِ بدونِها، وإنَّما جاءَ بِهَا مُوسى بنُ عُلَيِّ (٦) ابنِ رَبَاحٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ.
_________________
(١) نزهة النظر: ٩٧.
(٢) جامع التّرمذي (٢١٠٦).
(٣) منهم: أخرجه الطيالسيّ (٢٧٣٨)، وعبد الرزاق (١٦١٩١) و(١٦١٩٢)، والحميدي (٥٢٣) وسعيد بن منصور (١٩٤)، وأحمد ١/ ٢٢١ و٣٥٨، وأبو داود (٢٩٠٥)، وابن ماجه (٢٧٤١)، وأبو يعلى (٢٣٩٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٤٠٣، وفي شرح المشكل (٣٨٧٩) و(٣٨٨٠) و(٣٨٨٢) و(٣٨٨٣)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٤١٤، والطبراني في الكبير (١٢٢٠٩) و(١٢٢١٠) و(١٢٢١١) والحاكم ٤/ ٣٤٦، و٣٤٧، والبيهقي ٦/ ٢٤٢، والمزي في تهذيب الكمال ٥/ ٥٠٧.
(٤) علل الحديث ٢/ ٥٢.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٧٧٠) و(١٣٣٨٥) و(١٥٢٦٥)، وأحمد ٤/ ١٥٢، والدارمي (١٧٧١)، وأبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنّسائيّ ٥/ ٢٥٢، وابن خزيمة (٢١٠٠) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٩٦٤)، وفي شرح المعاني ٢/ ٧١، وابن حبان (٣٦٠٤)، والطبراني في الكبير ١٧/ (٨٠٣)، وفي الأوسط (٣٢٠٩)، والحاكم ١/ ٤٣٤، والبيهقي ٤/ ٢٩٨، والبغوي (١٧٩٦).
(٦) بالتصغير، وقد شرحه العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١١ مفصلًا فراجعه مع التعليق عليه تجد فائدة.
[ ١ / ٢٣٣ ]
فحَدِيثُ مُوْسَى شَاذٌّ، لَكِنَّهُ (١) صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢)، والحاكِمُ (٣)، وَقَالَ: إنَّه عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّه «حَسَنٌ صَحِيْحٌ» (٤).
لأنَّهُ (٥) زِيادةُ ثِقَةٍ غيرُ منافيةٍ.
(والحَاكِمُ الخِلافَ فِيهِ) أي: فِيْ الشّاذِّ (٦) (مَا اشْتَرَطْ)، بَلْ قَالَ: «هُوَ مَا انْفردَ بِهِ ثِقةٌ، وَليسَ لَهُ أصْلٌ بمُتابعٍ لِذلِكَ الثِّقَةِ» (٧).
فقيَّدَ بالثِّقةِ دُوْنَ المُخالفةِ.
وَذَكَرَ أنَّهُ يُغايِرُ المعَلَّلَ، بِأَنَّ المعَلَّلَ وُقِفَ عَلَى عِلَّتِهِ الدَّالةِ عَلَى جِهةِ الوَهَمِ فِيهِ، والشَّاذُّ لَمْ يُوْقَفْ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ كَذلِكَ.
(وَلِلخَلِيليْ) -بالإسكانِ لما مَرَّ غَيْرَ مرّةٍ -، نِسبةً لجدِّهِ الأعْلى؛ لأنَّهُ أَبُو يَعْلَى الخَلِيْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الخَلِيْلِ القَزْوِيْنِيُّ - قولٌ ثالثٌ نَسَبَهُ إلى حُفَّاظِ الحَدِيْثِ، وَهُوَ: أنَّ الشَّاذَّ (مُفْردُ الرَّاوِي فَقَطْ) ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ، خَالفَ أَوْ لَمْ يُخالفْ.
فَمَا انفردَ بِهِ الثِّقَةُ يتوقَّفُ فِيهِ، وَلا يَحْتَجُّ بِهِ، لَكِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا، وَمَا انفردَ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ مَتْروكٌ (٨).
١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ وَالهِبَةِ
١٦٤ - وَقَوْلُ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ تِسْعِينَ فَرْدًا كُلُّهَا قَوِيُّ
١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
_________________
(١) في (ق) و(ص): «لكن».
(٢) الإحسان (٣٦٠٤).
(٣) المستدرك ١/ ٤٣٤، ولم يتعقبه الذهبي، وانظر تعليقنا عَلَى شرح التبصرة ١/ ١٤٧.
(٤) جامع التّرمذي ٢/ ١٣٥.
(٥) في (م): «ولعله».
(٦) في (م): «أي: الشاذ».
(٧) معرفة علوم الحديث: ١١٩.
(٨) الإرشاد ١/ ١٧٦، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ
(ورَدَّ) ابنُ الصَّلاحِ (مَا قَالا) أي: الحَاكِمُ والخليليُّ (بِفَرْدِ الثِّقَةِ) (١) المُخَرَّجِ لَهُ فِيْ كُتُبِ الصَّحِيحِ، المشترطِ فِيهِ نفيَ الشذوذِ، فإنَّ العَدَدَ لَيْسَ بشرطٍ فِيهِ عَلَى المعتمدِ (٢).
(ك) حديثِ (النَّهْي عَنْ بَيعِ الوَلاَ) بالقصرِ للوزن (وَالهِبةِ) لَهُ، فإنَّه لَمْ يَصِحَّ إلاَّ مِن رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ (٣) عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَعَ أنَّهُ في"الصَّحِيحينِ" (٤).
(وقولُ) أي: وَرَدَّ أَيْضًا مَا قَالا، بقولِ الإمامِ (مُسْلِمٍ) فِيْ بابِ الأَيمانِ والنُّذُورِ من " صَحيحِهِ ": (رَوَى الزُّهْرِيُّ) نَحْوَ (تِسْعينَ فَرْدًا)، لا يُشارِكُهُ فِيْ روايتِها أحدٌ (كُلُّها قَوِيُّ) إسنادُها (٥).
_________________
(١) في (م): «تفرد الثّقة» خطأ.
(٢) إذ قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٣: «أما ما حكم الشّافعيّ عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الضابط».
(٣) قال مسلم عقب تخريجه: «الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث». وقال التّرمذي عقب (١٢٣٦): «هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر».
(٤) البخاري ٣/ ١٩٢ (٢٥٣٥) و٨/ ١٩٢ (٦٧٥٦)، ومسلم ٤/ ٢١٦ (١٥٠٦)، وأخرجه مالك (٢٢٦٩)، والشافعي ٢/ ٧٢، والطيالسي (١٨٨٥) وعبد الرزاق (١٦١٣٨)، والحميدي (٦٣٩)، وسعيد بن منصور (٢٧٦)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٢١، وأحمد (٢/ ٩ و٧٩ و١٠٧)، والدارمي (٢٥٧٥) و(٣١٦٠) و(٣١٦١)، وأبو دواد (٢٩١٩)، وابن ماجه (٢٧٤٧)، والترمذي (١٢٣٦)، والنسائي ٧/ ٣٠٦، وابن الجارود (٩٧٨)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٩٩٥) و(٤٩٩٦) و(٤٩٩٧) و(٤٩٩٨) و(٤٩٩٩) و(٥٠٠٠) و(٥٠٠١) و(٥٠٠٢) و(٥٠٠٣)، وابن حبان (٤٩٥٥) و(٤٩٥٦) و(٤٩٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣٦٢٥) و(١٣٦٢٦)، وفي الأوسط (٧٩٣٧)، والبيهقي ١٠/ ٢٩٢، والبغوي (٢٢٢٥) و(٢٢٢٦).
(٥) صحيح مسلم ٥/ ٨٢ عقب (١٦٤٧)، وقال البقاعي في النكت الوفية: ١٤٨/ ب: «يتبادر منه قبول نفس المتون، فلا يقال يحتمل أن يراد جودة الأسانيد من الزهري إلى النبي - ﷺ -، بل الظاهر إرادة الجودة في جميع السند من مسلم إلى آخره».
[ ١ / ٢٣٥ ]
(وَ) بَعْدَ ردِّه مَا قَالاَهُ (اخْتَارَ) ممَّا اسْتَخْرَجَهُ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ، (فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ) فِيهِ الثِّقَةُ غيرَهُ، وإنَّما أتى بِشيءٍ انفردَ بِهِ، (أنَّ مَنْ يقرُبُ مِنْ ضَبْطٍ) تامٍّ (فَفَرْدُهُ حَسَنْ) (١).
كَحَديثِ إسرائيلَ، عَنْ يُوسُفَ بنِ أبي بُرْدَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائِشةَ قَالتْ: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ (٢)، قَالَ: غُفْرَانَكَ» (٣).
فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: «حَسَنٌ غَرِيْبٌ، لا نعْرِفُهُ إلاّ مِن حَدِيثِ إسرائيلَ، عَنْ يُوسُفَ، عَنْ أبي بُرْدَةَ» (٤).
(أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ) التَّامَّ (فَصَحِّحْ) أنتَ فَرْدَهُ، كحديثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الولاءِ وَهِبَتِهِ، (أَوْ بَعُدْ عَنْهُ) بأَنْ قلَّ ضَبْطُهُ، (فمِمَّا شذّ) أي: ففرْدُهُ من الشاذِّ (فَاطْرَحْهُ وَرُدْ).
فالشّاذُّ المردودُ كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ قِسْمانِ:
أَحَدُهُما: الحَدِيْثُ الفردُ المُخالِفُ، وَهُوَ مَا عَرَّفَهُ الشَّافِعيُّ.
وَثَانِيَهُمَا: الفردُ الذي لَيْسَ فِيْ راويهِ مِنَ الثِّقَةِ والضَّبْطِ مَا يَقعُ جَابرًا لِما يُوجِبُهُ التفرُّدُ، والشُّذُوذُ مِنَ النَّكارةِ والضَّعْفِ (٥).
وقوله: «ورُدْ» تأكيدٌ وتكملةٌ.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٦ وتعليقنا عليه.
(٢) في (م): «الخلاء».
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة: ٧، وأحمد ٦/ ١٥٥، والدارمي (٦٨٦) والبخاري في الأدب المفرد (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، والنّسائيّ في الكبرى (٩٩٠٧) وفي عمل اليوم والليلة (٧٩)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن الجارود (٤٢)، وابن حبان (١٤٤١)، والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧، والبغوي (١٨٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٨/ ١٨٩. ووقع في رواية ابن أبي شيبة: «يوسف بن أبي برزة».
(٤) الجامع الكبير ١/ ٥٧.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٩٨.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الْمُنْكَرُ (١)
١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ (٢) أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْجِ
١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ فَهْوَ بِمَعْناهُ (٣) كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ
١٦٩ - نَحْوَ «كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ» الخَبَرْ وَمَالِكٍ (٤) سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ
_________________
(١) «قد نوزع في إفراده بنوعٍ، وكلامهم يقتضي أنه: الحديث الذي انفرد به الراوي مخالفًا لِمَا رواهُ مَنْ هو أولى منه بالحفظ والإتقان، أو انفرد به من غير مخالفة لِمَا رواه أحد، لكن هذا التفرد نازل عن درجة الحافظ الضابط. يعرف من ذلك أن المنكر من أقسام الشاذّ فلم يحتج لإفراده». نكت الزركشي ٢/ ١٥٥. وللدكتور حمزة المليباري في كتابه " نظرات جديدة في علوم الحديث ": ٣١، رأي آخر في المنكر، فقال: «وكذلك مصطلح «المنكر»، فإنه عند المتأخرين ما رواه الضعيف مخالفًا للثقات، غير أن المتقدمين لم يتقيّدوا بذلك، وإنما عندهم كل حديث لم يعرف عن مصدره: ثقة كان راويه أم ضعيفًا، خالف غيره أم تفرد. وهناك في كتب العلل والضعفاء أمثلة كثيرة توضح ذلك، وقد ذكرت بعضها في كتابي " الحديث المعلول: قواعد وضوابط ": ٦٦ - ٧٧. فالمنكر في لغة المتقدمين أعمّ منه عند المتأخرين، وهو أقرب إلى معناه اللغوي، فإن المنكر لغة: نَكِرَ الأمرَ نكيرًا وأنكره إنكارًا ونُكْرًا، معناه: جهله. وجاء إطلاقه على هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: «وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ» (يوسف: ٥٨)، وقوله تعالى: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا» (النحل: ٨٣). وعلى هذا فإن المتأخرين خالفوا المتقدمين في مصطلح «المنكر» بتضييق ما وسعوا فيه». وانظر في المنكر: الإرشاد ١/ ٢١٩، والتقريب: ٦٩، والاقتراح: ١٩٨، والمنهل الروي: ٥١، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث: ٥٨، والمقنع ١/ ١٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٩، ونزهة النظر: ٩٨، والمختصر: ١٢٥، وفتح المغيث ١/ ١٩٠، وألفية السيوطي: ٣٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧٩، وفتح الباقي ١/ ١٩٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣، وظفر الأماني: ٣٥٦، وقواعد التحديث: ١٣١، والحديث المعلول قواعد وضوابط: ٦٦ - ٧٧.
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٤٩/أ: «ما أطلقه البرديجي موجود في كلام أحمد؛ فإنه يصف بعض ما تفرد به بعض الثقات بالمنكر، ويحكم على بعض رجال الصحيحين أن لهم مناكير، لكن يعلم من استقراء كلامه أنه لابد مع التفرد من أن ينقدح في النفس أن له علة ولا يقوم عليها دليل».
(٣) قارن بالنكت الوفية (١٤٩/ب)
(٤) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٤٩/ب «قوله: ومالك عطف على كلوا البلح أي: نحو كلوا، ونحو مالك في تسمية ابن عثمان عمر، وهو على حذف مضاف أي ونحو تسمية مالك فكأنه قيل ما سمى قال: سمى ابن عثمان، أو يكون التقدير ونحو مالك في أن سمى، فالحاصل أن مراده نحو هذا الحديث، ونحو هذا السند».
[ ١ / ٢٣٧ ]
١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ «نَزْعِهْ خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ»
(وَالمُنْكَرُ) الحَدِيْثُ (الفَرْدُ)، وَهُوَ: الذي لا يُعرفُ متنُهُ مِن غيرِ جِهةِ راويهِ، (كَذَا) الحافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ هارونَ (البَرْدِيْجِيْ) أَطلقَ (١).
(والصوابُ فِيْ التخريجِ)، يعني: فِيْ المرويِّ كَذلِكَ (إجْراءُ تَفْصِيلٍ لَدَى) أي: عِنْدَ (الشذوذِ مَرْ) حَتَّى إنَّهُ ينقسمُ قسمينِ، كالشاذِّ (٢).
(فَهْوَ بمعناهُ، كَذَا الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (ذكرْ)، فلم يُميِّزْ بَيْنَهُمَا. والمعتمَدُ أنَّهما متميِّزانِ، كَمَا جَرى عَلَيْهِ شَيْخُنا (٣).
فالشَّاذُّ: مَا خالفَ فِيهِ الثِّقَةُ مَنْ هُوَ أوثقُ مِنْهُ، أَوْ تفرَّدَ بِهِ قليلُ الضَّبْطِ، كَمَا مَرَّ (٤).
والمُنكرُ: مَا خالفَ فِيهِ المستورُ، أَوْ الضعيفُ الذي يَنْجَبِرُ بمتابعةِ مِثْلِهِ، أَوْ تفرَّدَ بِهِ الضَّعِيفُ الذي لا (٥) يَنْجَبِرُ بِذَلِكَ.
فَعُلِمَ أنَّهما مُتميِّزانِ، وأنَّ كلًا مِنْهُمَا (٦) قسمانِ.
والمقابلُ للشاذِّ: المحفوظُ، وللمنكرِ: المعروفُ (٧).
وبهذا عُلِمَ تفسيرُ المحفوظِ، والمعروفِ، وَقَدْ أهملَهُما النَّاظِمُ تَبَعًا لابنِ الصَّلاحِ، واللائقُ ذِكْرُهُما، كَمَا ذكرَ مَعَ المُتَّصِلِ مَا يقابلُهُ من المرسلِ، والمنقطعِ، والمعضَلِ.
_________________
(١) روى الحافظ ابن الصلاح هذا القول عن الحافظ أبي بكر البرديجي بلاغا فقال: بلغنا عن أبي بكر البرديجي. معرفة أنواع علوم الحديث: ١٩٩. وانظر نكت الزركشي ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) انظر: معرفة أنواع علوم الحديث: ٢٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٠، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٧٤.
(٣) نزهة النظر: ٩٨. وقال ابن الوزير - متعقبا على ابن الصلاح في تسويته بينهما -: «كان يليق أن لا يجعل نوعا واحده» قلنا: بما أنهما متماثلان عند ابن الصلاح ومن تبعه، كان الأولى دمجهما في مكان واحد، كما فعل الطيبي. انظر الخلاصة ٦٩، وتنقيح الأنظار ٢/ ٥ (مع توضيح الأفكار)، ونزهة النظر ٩٩.
(٤) انظر: نزهة النظر: ٩٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٥.
(٥) في (م): (لم)
(٦) في (ق): «وأنهما»
(٧) انظر: نزهة النظر: ٩٨.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ولكلٍّ من قِسْمَيِ المنكرِ هُوَ بمعنى الشاذِّ أمثلةٌ:
فمثالُ الثَّانِي مِنْهُمَا: (نَحْوُ «كُلُواْ البَلَحَ بِالتَّمْرِ»، الخَبَر) (١) وتمامُه: «فإنَّ ابْنَ آدَمَ إذَا أكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أكَلَ الْجَدَيْدَ بالخَلَقِ! (٢») (٣).
فهذا الحَدِيْثُ مُنْكَرٌ، كَمَا قَالَهُ النَّسائيُّ (٤)، وابنُ الصَّلاح (٥)، وغيرُهما، فإنَّ راويه أبا زُكَيْرٍ وَهُوَ يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسٍ البَصْرِيُّ، عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائِشةَ تفرَّدَ بِهِ، وأخرجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي المتَابَعاتِ (٦)، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يبلُغْ رُتْبَةَ مَن يُحتملُ تفرُّدهُ.
ولأنَّ مَعناهُ رَكِيكٌ لا ينطبقُ عَلَى مَحاسنِ الشَّريعةِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَغْضَبُ من مجرَّدِ حياةِ ابنِ آدمَ، بَلْ حياتُهُ مسلمًا مطيعًا لله تَعَالَى.
ومثالُ الأَوَّل: نَحْوُ (مَالِكٍ) حَيْثُ (سَمَّى ابنَ عُثْمانَ) المعروفَ عِنْدَ غيرِهِ، بعَمْرٍو -بفتح العين- (عُمَرْ) بضمها -فِي روايتهِ- (٧) حديثَ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ
_________________
(١) في (ص): «الخبز»
(٢) المثبت من النسخ وفي (م): «مع الخلق»
(٣) موضوع، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ٢٦، وأقره السيوطي في الللآلئ ٢/ ٢٤٣. أخرجه ابن ماجه (٣٣٣٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٢٤)، وأبو يعلى (٤٣٩٩)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٢٧، وابن حبان في المجروحين ٣/ ١٢٠، وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٩٧، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢١، وفي المعرفة: ١٠٠ - ١٠١، والخطيب في تاريخه ٥/ ٣٥٣، قال أبو حاتم والذهبي: «منكر»، وكذلك استنكره العقيلي وابن عدي، وقال ابن حبان: «وهذا الكلام لا أصل له من كلام رسول الله - ﷺ -» وساقه ابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ٢٥ - ٢٦، والسيوطي في اللآليء المصنوعة ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وذكر أن البلية فيه من أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس المدني.
(٤) لم نجد كلام النسائي في المطبوع من السنن الكبرى، وهو في تحفة الأشراف ١٢/ ٢٢٤ (١٧٣٣٤)
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٢ - ٢٠٣
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٣، والمقنع ١/ ١٨٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٨١، والتقييد والايضاح: ١٠٩، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال: ٤٢٨.
(٧) في (ص): «رواية».
[ ١ / ٢٣٩ ]
المُسْلِمَ» (١) عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ، عَنْ عُمَر بنِ عُثْمانَ، عَنْ أسامةَ بنِ زيدٍ.
_________________
(١) الموطأ (١٤٧٥) «رواية الليثي». وقد أخرجه عن مالك أبو مصعب الزهري (٣٠٦١)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند الجوهري (٢١٠)، والمزي في تهذيب الكمال ٥/ ٤٤٤، وعبد الله بن وهب عند الجوهري (٢١٠)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٢٦٥، ومحمد بن الحسن (٧٢٨)، ومصعب بن عبد الله بن الزبير عن ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ١٦٢، وقد رواه عن الزهري غير مالك جماعة منهم:
(٢) سفيان بن عيينة عند الحميدي (٥٤١)، وأحمد ٥/ ٢٠٠، والدارمي (٣٠٠٥)، ومسلم ٥/ ٥٩ (١٦١٤)، وأبو داود (٢٩٠٩)، وابن ماجه (٢٧٢٩)، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧٦)، وابن الجارود (٩٥٤)، والطبراني (٤١٢)، والبيهقي ٦/ ٢١٨، والمزي في تهذيب الكمال ٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤.
(٣) ومحمد ابن أبي حفصة عند أحمد ٥/ ٢٠١، والبخاري ٥/ ٣٨٧ حديث (٤٢٨٤)، والطبراني (٤١٢).
(٤) ومعمر بن راشد عند أحمد ٥/ ٢٠٨ و٢٠٩، والدارمي (٣٠٠٢)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧٩)، والطبراني (٤١٢)، والبيهقي ٦/ ٢١٨.
(٥) ابن جريج عند عبد الرزاق (٩٨٥٢)، وأحمد ٥/ ٢٠٨، والبخاري ٨/ ١٩٤ حديث (٦٧٦٤)، والبيهقي ٦/ ٢١٧.
(٦) ويونس عند ابن ماجه (٢٧٣٠)، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٠٤)، والدارقطني ٤/ ٦٩، والطبراني (٤١٢) والبيهقي ٦/ ٢١٨.
(٧) وهشيم عند الترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٢)، والطبراني (٣٩١).
(٨) وزمعة بن صالح عند الطبراني في الكبير (٤١٢).
(٩) عبد الله بن بديل بن ورقاء عند الطبراني (٤١٢)
(١٠) عقيل بن خالد عند النسائي في الكبرى (٦٣٧٨)، والطبراني (٤١٢).
(١١) يزيد بن عبد الله بن الهاد عند النسائي في الكبرى (٦٣٧٧) والطبراني (٤١٢).
(١٢) يحيى بن سعيد الأنصاري عند الطبراني (٤١٢).
(١٣) سفيان بن حسين عند الطبراني (٤١٢).
(١٤) صالح بن كيسان عند الطبراني (٤١٢). قال الترمذي بعد أن ساقه من طريق سفيان بن عيينة وهشيم، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، به: «وهذا حديث حسن صحيح، هكذا رواه معمر وغير واحد عن الزهري نحو هذا. وروى مالك عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي - ﷺ -، نحوه. وحديث مالك وهم، وهم فيه مالك، وقد رواه بعضهم عن مالك فقال: عن عمرو بن عثمان، وأكثر أصحاب مالك قالوا: عن مالك، عن عمر بن عثمان، وعمرو بن عثمان هو مشهور من ولد عثمان، ولا يعرف عمر بن عثمان». الترمذي ٣/ ٢١٠ حديث (٢١٠٧م). =
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَعَمْرُو وَعُمَرُ ثِقتانِ، وكلاهما وَلَدُ عُثمانَ، غَيْرَ أنَّ هَذَا الحَدِيْثَ إنَّما هُوَ عَنْ عَمْرٍو - بفتح العينِ - (١).
وَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ، وغيرُهُ عَلَى مَالِكٍ بالوَهَمِ (٢)، وَقَالَ ابنُ
_________________
(١) = وقال ابن عبد البر: «هكذا قال مالك: عمر بن عثمان، وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون: عمرو بن عثمان، وقد رواه ابن بكير عن مالك، على الشك، فقال فيه: عن عمر بن عثمان أو عمرو بن عثمان، والثابت عن مالك: عمر بن عثمان، كما روى يحيى وتابعه وأكثر الرواة، وقال ابن القاسم فيه: عن عمرو بن عثمان، وذكر ابن معين عن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال له: قال لي مالك بن أنس: تراني لا أعرف عمر من عمرو، هذه دار عمر، وهذه دار عمرو. أما أهل النسب فلا يختلفون أن لعثمان ابن عفان ابنا يسمى عمر، وله أيضا ابن يسمى عمرا، وله أيضا: أبان والوليد وسعيد، وكلهم بنو عثمان بن عفان، وقد روي الحديث عن عمر وعمرو وأبان ومالك يقول فيه: عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة، وقد وافقه الشافعي ويحيى ابن سعيد القطان على ذلك، فقال: هو عمر، وأبى أن يرجع، وقال: قد كان لعثمان ابن يقال له عمر، وهذه داره. ومالك لا يكاد يقاس به غيره حفظا وإتقانا؛ لكن الغلط لا يسلم منه أحد، وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا عمرو بالواو، وقال علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، أنه قيل له: إن مالكا يقول في حديث: «لا يرث المسلم الكافر»: عمر بن عثمان، فقال سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة، وتفقدته منه، فما قال إلا عمرو بن عثمان. وممن تابع ابن عيينة على قوله عمرو بن عثمان: معمر، وابن جريج وعقيل، ويونس بن يزيد، وشعيب ابن أبي حمزة، والأوزاعي، والجماعة أولى أن يسلم لها». التمهيد ٩/ ١٦٠ - ١٦٢، وانظر: علل ابن أبي حاتم (١٦٣٥)، وتهذيب الكمال ٥/ ٤٤٤، والتعليق على موطأ مالك رواية الليثي ٢/ ٢١ - ٢٢، وشرح السيوطي: ١٨١ - ١٨٢.
(٢) وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٣) قال الإمام الترمذي - بعد أن ساقه من طريق سفيان بن عيينة وهشيم، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان: «هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواه معمر وغير واحد عن الزهري نحو هذا. وروى مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي - ﷺ - نحوه. وحديث مالك وهم، وهم فيه مالك، وقد رواه بعضهم، عن مالك فقال: عن عمرو بن عثمان. وأكثر أصحاب مالك قالوا: عن مالك، عن عمر بن عثمان. وعمرو بن عثمان بن عفان هو مشهور من ولد عثمان، ولا يعرف عمر بن عثمان». جامع الترمذي عقيب (٢١٠٧م). =
[ ١ / ٢٤١ ]
الصَّلاحِ (١): فَهُوَ مُنْكرٌ. وَكأنَّهُ أرادَ أنَّهُ مُنْكرُ السَّنَدِ، وإلاّ فَهُوَ مُنْتَقَدٌ بقولِ النَّاظِمِ: (قُلْتُ: فَمَاذا) يَلزمُ مِنْ تَفَرُّدِ مَالِكٍ بِذَلِكَ (٢)، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ وَلَدَيْ عُثْمَانَ ثِقةً (٣)؟ غَايتُه أنَّ السَّنَدَ مُنكرٌ، أَوْ شاذٌّ لمخالفةِ مَالِكٍ الثِّقات فِي ذَلِكَ، ولا يلزمُ مِنْهُ نكارةُ المَتْنِ، ولا شذوذُهُ، بدليلِ مَا ذكرَهُ - أعني: ابنَ الصَّلاحِ - فِي المعلَّلِ مِثالًا لما يَكُونُ مَعْلولَ السَّنَدِ، مَعَ صحَّةِ مَتْنِهِ، وَهُوَ خَبرُ «البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» حَيْثُ رَواهُ يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ (٤)، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ.
قَالَ: والعِلَّةُ فِي قولِهِ: عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، وإنَّما هُوَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارِ، والمتنُ صَحِيْحٌ بكلِّ حالٍ؛ فَلاَ يَصْلُحُ ذَلِكَ الخبرُ مِثالًا لمُنكرِ المتنِ (٥).
_________________
(١) = وقال الإمام النسائي في الكبرى عقب (٦٣٧٧): «والصواب من حديث مالك: عمرو ابن عثمان، ولا نعلم أن أحدا من أصحاب الزهري تابعه بعد على ذلك». وقال ابن عبد البر: «هكذا قال مالك: عمر بن عثمان، وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون: عمرو بن عثمان، وقد رواه ابن بكير عن مالك على الشك فقال فيه: عن عمر ابن عثمان أو عمرو بن عثمان والثابت عن مالك: عمر بن عثمان كما روى يحيى وتابعه القعنبي وأكثر الرواة، وقال ابن القاسم فيه: عن عمرو بن عمان. وذكر ابن معين عن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال له: قال لي مالك بن أنس: تراني لا أعرف عمر من عمرو، هذه دار عمر، وهذه دار عمرو ومالك لا يكاد يقاس به غيره حفظا وإتقانا؛ لكن الغلط لا يسلم منه أحد، وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا عمرو بالواو الخ». التمهيد ٩/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث ساق معناه: ٢٠٠
(٣) «بذلك»: لم ترد في (ص).
(٤) انظر شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٦
(٥) رواية يعلى بن عبيد شاذة، أخرجها الطبراني في الكبير (١٣٦٢٩)، وقد تحرف اسم يعلى فيها، ممّا دل على سوء الطبعة.
(٦) هذا الحديث صحيح، رواه عدد كبير من الصحابة يزيد مجموعهم على عشرين، والحديث اعتنى بتخريج طرقه الحافظ الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١ - ٤، والحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير٣/ ٢٣، وللمنذري مؤلف في تخريج طرقه، وهو مخطوط محفوظ بدار صدام للمخطوطات، وانظر تفصيل الروايات والطرق في مسند أبي يعلى ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣، وإتحاف المهرة ٨/ ٥٢٨ حديث (٩٨٩٠)، والمسند الجامع ١٠/ ٤٣٧ حديث (٧٧٢٩)، وكشف الإيهام (٥٤٧).
[ ١ / ٢٤٢ ]
بَلْ مِثالُهُ: (حديثُ: نَزْعِهْ) - ﷺ - (خَاتَمَهُ عِنْدَ) دخولِ (الخَلاَ) - بالقصرِ للوزنِ - (وَوَضْعِهْ) (١).
فإنَّ همَّامَ بنَ يَحْيَى رَواهُ عَنْ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ، كَمَا رَواهُ أصحابُ " السُّنَنِ " الأربعةِ.
فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «إنَّه مُنكرٌ» (٢). قَالَ: وإنَّما يُعرفُ عَنْ ابنِ جُريجٍ، عَنْ زيادِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، اتَّخَذَ خَاتَمًا من وَرِقٍ، ثُمَّ ألْقَاهُ».
قَالَ: والوَهَمُ فِيهِ من همَّامٍ، وَلَمْ يروِهِ غيرُهُ.
لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّه حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيْبٌ (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٩)، وابن ماجه (٣٠٣)، والترمذي (١٧٤٦)، وفي الشمائل (٩٣)، والنّسائيّ ٨/ ١٧٨، وابن حبان (١٤١٠)، والحاكم ١/ ١٨٧، والبيهقي ١/ ٩٤ و٩٥، والبغوي (١٨٩).
(٢) سنن أبي داود ١/ ٥ عقب (١٩). قلنا: جاء في حاشية شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٧ تعليق نصه: «قال الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه: ورواه يحيى بن المتوكل عن ابن جريج، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، فعلى هذا لم ينفرد به همام». نقول: متابعة يحيى - هو ابن المتوكل - أخرجها الحاكم ١/ ١٨٧، والبيهقي ١/ ٩٥، وضعّف البيهقي هذه المتابعة، ونازعه العراقي في التقييد: ١٠٨، بأنّ البيهقي ظنّه أبا عقيل صاحب بهية وهو ضعيف كما في الميزان ٤/ ٤٠٤، والصواب أنّه باهليّ يكنى أبا بكر، قال فيه ابن معين: لا أعرفه (سؤالات ابن الجنيد: ٨٧٩)، قال ابن حجر في نكته ٢/ ٦٧٨: «أراد جهالة عدالته لا جهالة عينه»، وذكره ابن حبان في ثقاته ٧/ ٦١٢، فقال: «يخطئ». وعلى هذا فهو ممن يعتبر به. فلا تصحّ دعوى تفرد همّام به. ومما يزيدنا يقينًا أنّ الخطأ في هذا الحديث ليس من همام، أنّ سماع أهل البصرة من ابن جريج لما قدم عليهم فيه خلل من جهة ابن جريج لا من جهتهم، ويحيى وهمام كلاهما بصري (نكت ابن حجر ٢/ ٦٧٧). والذي يظهر أنّ الخلل في هذا الحديث تدليس ابن جريج، حيث أسقط الواسطة بينه وبين الزهري، وهو زياد بن سعد -على ما صرّح به في الرواية الثانية-. فعلّته الوحيدة تدليس ابن جريج، لذا قال الحافظ في نكته ٢/ ٦٧٨: «ولا علّة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإنْ وجد عنه التصريح بالسماع، فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي»، ومعلوم عند أهل النقد أنّ تدليس ابن جريج من أقبح التدليس. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٦٢ والتعليق عليه.
(٣) الجامع الكبير ٣/ ٣٥٥ عقب (١٧٤٦).
[ ١ / ٢٤٣ ]
قَالَ النَّاظِمُ (١): وَهَمَّامٌ ثقةٌ، احتجَّ بِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ، لكنَّهُ خالفَ الناسَ فِيْمَا ذَكَرُوا (٢).
واعْلَمْ أنَّ مَا ذكرَهُ من ردِّهِ لتمثيلِ ابنِ الصَّلاحِ، ومِنْ تمثيلِهِ بهذا، مبنيٌّ عَلَى أنَّ المنكرَ خاصٌّ بالمتنِ، وأنَّ المخالِفَ يستوي فِيهِ الثِّقَةُ، وغيرُهُ.
والأوَّلُ: ممنوعٌ. والثاني: إنَّما يأتي عَلَى قَوْلِ البَرْدِيْجِيِّ، لاَ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنا، وَلِهذا مَثَّلَ شيخُنا (٣) بِمَا يوافقُ مَا مَرَّ عَنْهُ.
الاعْتِبَارُ (٤) وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ (٥)
اللَّتَانِ يُسْتَفادُ بكُلٍّ مِنْهُمَا التَّقْوِيةُ
١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ
١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ مُعْتَبَرٍ (٦) بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٧.
(٢) في (م): «ذكر».
(٣) في (ص) لم ترد كلمة: «شيخنا».
(٤) قلّد الحافظ العراقي في هذا ابن الصلاح، وقد انتقد الحافظ ابن حجر هذا الصنيع، فقال في نكته على ابن الصَّلاح ٢/ ٦٨١: «هذه العبارة توهم أنّ الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد وليس كذلك، بل الاعتبار هو: الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد؛ وعلى هذا فكان حقّ العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد». وانظر بلابد: النكت الوفية للبقاعي: ١٥٢/ ب، قلنا: لكن صنيع الشارح زكريا الأنصاري أقل اعتراضًا؛ لأنه ذكر عقبه ما يزيل الإشكال الذي استشكله شيخه الحافظ ابن حجر.
(٥) انظر في الاعتبار والمتابعات والشواهد: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٤، وإرشاد طلاب الحقائق١/ ٢٢١ - ٢٢٤، والتقريب: ٧٠، والمنهل الروي: ٥٩، والخلاصة: ٥٧، واختصار علوم الحديث: ٥٩، ونكت الزّركشيّ ٢/ ١٦٩ - ١٧٣، والشذا الفياح ١/ ١٨٩ - ١٩١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٩ - ٣٤٥، ونزهة النظر: ٩٩، ونكت ابن حجر ٢/ ٦٨١، والمختصر: ١٤٢، وفتح المغيث ١/ ١٥٩، وألفية السيوطي: ٥١ - ٥٢، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٨٥ - ١٨٦، وتوضيح الأفكار٢/ ١١، وظفر الأماني: ٣٢٣، وتوجيه النظر ١/ ٤٩٤.
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٥٣/ أ: «يعني بأن يكون أهلًا للعضد بأن يكون فيه قوةٌ فلو قال: أهل العضد فهو تابعٌ لكان أوضح لأنه يتبادر إلى الذهن أن معنى معتبر به معنى الاعتبار».
[ ١ / ٢٤٤ ]
١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِدًا (١)، ثُمَّ إذَا
١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ
(الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ) أي: اختبارُكَ، ونظرُكَ (الحَدِيْثَ) الذي تجدُهُ فِي كُتُبِهِ، بأنْ تَنْظُرَ طُرقَهُ، لتعْرِفَ: (هل شَارَكَ) راويه الذي يُظَنُّ تفرُّدُهُ بِهِ (راوٍ غيرَهُ فِيْمَا حَمَلْ) مِن ذَلِكَ الحَدِيْثِ (عَنْ شَيْخِهِ) سواءٌ اتَّفقا فِي روايتهِ بلفظِهِ عَنْهُ أَمْ لا (٢)؟
فالاعتبارُ لَيْسَ قَسِيْمًا لتاليَيْهِ، بَلْ طريقٌ لَهُمَا.
ومفعولُ (شارَكَ) محذوفٌ كَمَا تقرَّر، أَو (راوٍ) عَلَى لُغَةِ مَنْ جَعَلَ إعرابَ المنقوصِ نَصْبًا كإعرابهِ رفعًا وجرًا. فالفاعلُ عَلَى الأَوَّل «راوٍ»، وعلى الثَّانِي «غيرَهُ».
(فَإنْ يَكُنْ) راوي الحَدِيْثِ (شُوْرِكَ مِنْ) راوٍ (مُعتبَرٍ بِهِ)، بأَنْ يصلُحَ أَنْ يُخَرَّجَ حديثُهُ للاعتبارِ، والاستشهادِ بِهِ، كَمَا يأتي بيانُه فِي مراتبِ الجرحِ، والتعديلِ،
(ف) حديثُ مَنْ شاركَ (تابعٌ) حقيقةً، وهذهِ متابعةٌ تامَّةٌ، إنْ اتَّفَقا فِي رِجالِ السنَدِ كُلِّهِم.
(وإنْ شُورِكَ شيْخُهُ) فِي روايتِهِ لَهُ (٣) عَنْ شيخِهِ (فَفَوْقُ) -بِبنائِهِ عَلَى الضَمِّ - أي: ففوقَ شيخِهِ إلى آخرِ السَّنَدِ واحدًا بَعْدَ واحدٍ حَتَّى الصَّحَابيّ (فكذا) أي: فَهُوَ تابعٌ أَيْضًا، لكنَّهُ قاصرٌ عَنْ مُشاركتِهِ هُوَ، وكُلَّما بَعُدَ فِيهِ المتابعُ، كَانَ أقصرَ.
(وَقَدْ يُسَمَّى) أي: كُلٌّ مِنَ المتَابعِ لشيخِهِ، فَمَنْ فَوْقَهُ (شَاهِدًا) أَيْضًا (٤).
(ثُمَّ) بَعْدَ فَقْدِ التابعِ، (إذَا مَتْنٌ) آخرُ فِي البابِ، إمّا عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابيّ، أَوْ غيرِهِ، (بِمَعْناهُ أَتَى ف) هُوَ (الشاهِدُ).
_________________
(١) قال البقاعي في النكت الوفية ١٥٣/أ: «وهي المتابعة القاصرة، وأما المتابعة التامة، وهي متابعة الراوي نفسه عن شيخه فلا يسمى شاهدًا؛ لأنها هي المتابعة الحقيقة، ومتى كانت المشاركة في ذلك الصحابي فهي متابعة سواء كانت باللفظ أو بالمعنى تامةً أو قاصرة».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٠.
(٣) «له»: لم ترد في (ق).
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤١.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والحاصلُ أنَّ التابعَ مُخْتصٌّ بما كَانَ باللفظِ، سواءٌ أكانَ (١) من رِوَايَة ذَلِكَ الصحابيِّ أَمْ لا، وأنَّ الشاهدَ مُختصٌّ بِما كَانَ بالمعنى كَذلِكَ، وأنَّه قَدْ يُطلقُ عَلَى المتابعةِ القاصرةِ.
وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ شَيْخُنا، لكنَّه رجَّحَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ من أنَّه لا اختصاصَ فيهِمَا بِذَلِكَ، وأنَّ افتراقَهما بالصَّحابيِّ فَقَطْ، فكلُّ مَا جَاءَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابيِّ فتابعٌ، أَوْ عَنْ غيرِهِ فَشَاهدٌ.
قَالَ: وَقَدْ يُطلقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الآخرِ، والأمرُ فِيهِ سَهْلٌ (٢).
(وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا) أي: مَا ذُكِرَ مِن تابعٍ وشاهدٍ (مَفَارِدُ) - بفتح الميم - أي: أفرادٌ، فيكونُ الحَدِيْثُ فردًا، وينقسمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِقسمَيِ: الشَّاذِّ والمُنكرِ، كَمَا مَرَّ.
وممَّنْ صرَّحَ بما مَرَّ فِي كيفيةِ الاعتبارِ، ابنُ حِبَّانَ (٣)، حَيْثُ قَالَ:
مثالُه: أن يَرْوِيَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ حَدِيثًا، لَمْ يُتَابعْ عَلَيْهِ عَنْ أيُّوبَ، عَنْ ابنِ سِيرينَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ-، عَنْ النَّبيِّ - ﷺ -، فيُنْظَرَ (٤): هل رَوَى ذَلِكَ ثِقَةٌ غَيْرُ أيوبَ، عَنِ ابنِ سيرينَ؟
فإنْ وُجِدَ، عُلِمَ أنَّ للخبرِ أصلًا يُرْجَعُ إِليهِ.
وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فثقةٌ غيرُ ابنِ سيرينَ رَواهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وإلاَّ فَصَحَابِيٌّ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٥)، رَواهُ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -؟
فأيُّ ذَلِكَ وُجِدَ، يُعْلَمُ بِهِ أَنَّ للحديثِ أصلًا يرجعُ إِليهِ، وإلاّ فَلاَ (٦). انتهى.
_________________
(١) في (ص) و(ق): «كان».
(٢) نزهة النظر: ١٠١ - ١٠٢.
(٣) الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١/ ١٤٣ - ١٤٤ (وطبعة دار الفكر ١/ ٦٣).
(٤) هذا النظر يقال له: الاعتبار.
(٥) إنّ افتراق الشاهد والمتابع بالصحابي فقط، فكلما جاء عن ذلك الصحابي فتابع، سواء كان باللفظ أو بالمعنى، أو عن غيره فشاهد كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس، والأمر فيه سهلٌ. انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٤٦٦.
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٥٤/ أ: «أي: وإن لم يوجد شيءٌ من ذلك لم يعلم أنّ للحديث أصلًا يرجع إليه، وظاهر هذه العبارة مشكل من حيث إنه يوهم أنه لو روي حديث بمثل هؤلاء الرجال لا يقبل إذا لم يوجد له متابع أصلًا».
[ ١ / ٢٤٦ ]
ولا يختصُّ ذَلِكَ بالثقةِ، وَلهَذا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ:
«واعلمْ أنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي بابِ المتابعةِ والاستشهادِ روايةُ مَنْ لا يُحتجُّ بِحَدِيثِهِ وَحْدَهُ، بَلْ يكونُ مَعدودًا من الضُّعفاءِ، وفِي كتابَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعفاءِ، ذَكَرَاهُم فِي المتابعاتِ والشواهدِ، وَلَيْسَ كُلُّ ضعيفٍ يَصْلُحُ لِذلِكَ، ولهذا يقولونَ: فُلاَنٌ يعتبرُ بِهِ، وفلانٌ لا يعتبرُ بِهِ» (١).
١٧٥ - مِثَالُهُ «لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا» فَلَفْظَةُ «الدِّبَاغِ» مَا أتَى بِهَا
١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ (٢) ابنُ عُيَيْنَةٍ (٣) وَقَدْ تُوبِعَ (٤) عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ
١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا «أَيُّمَا إِهَابِ» فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ (٥) في البابِ
(مِثَالُهُ) أي: مَا وُجِدَ لَهُ تابعٌ وشاهدٌ، خَبَرُ: (لَوْ أخَذُواْ إهَابَهَا) -بكسرِ الهمزة - أي: جِلْدَها «فَدَبَغُوْهُ فَانْتَفَعُواْ بِهِ» المرويُّ عَنْ مسلمٍ (٦)، وغيرِهِ (٧)، من طريقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، عَنْ عطاءِ بنِ أَبِي رباحٍ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: «أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوْحَةٍ أعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ»، فَذَكَرَهُ.
(فلفظةُ الدِّبَاغِ) فِيهِ (مَا أَتَى بِهَا) أَحَدٌ (٨) (عَنْ عَمْرٍو) مِن أَصْحابِهِ (الاَّ) (٩) -بدرجِ الهمزةِ - (ابنُ عُيَيْنَةٍ) بصَرفِهِ للوزنِ - فإنَّه انفردَ بِها، وَلَمْ يُتابعْ عَلَيْهَا.
(وَقَدْ تُوبعَ) شيخُهُ (عَمْرٌو)، عَنْ عطاءٍ (فِي الدِّباغِ).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٥.
(٢) بالدرج؛ لضرورة الوزن، وسينبه الشارح عليه.
(٣) صرف للوزن.
(٤) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٥٣/ أ: «هذه متابعة قاصرة، والمتابعة التامة أن يتابع أحدٌ ابن عيينة في الرواية عن عمرو والإتيان بلفظة الدباغ».
(٥) في (م): «شاهدًا» بالنصب، خطأ، ومن عجب أن الناشر قيّدها بالرفع حين جاءت ممزوجة بالشرح.
(٦) صحيح مسلم ١/ ١٩٠ عقب (٣٦٣).
(٧) المجتبى ٧/ ١٧٢. وكذلك رواه: الحميدي (٤٩١) عن شيخه سفيان بن عيينة مباشرة.
(٨) «أحد»: لم ترد في (ص) و(ق).
(٩) أثبت ناشر (م) الهمزة، وهو ذهول مركب.
[ ١ / ٢٤٧ ]
فَرواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، والْبَيْهَقِيُّ (٢) عَنْ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ أُسامةَ بنِ زيدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أن النَّبيَّ - ﷺ -، قَالَ لأهلِ شاةٍ مَاتتْ: «ألاَّ نَزَعْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوْهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ».
قَالَ البَيْهَقِيُّ (٣): وَهَكذا رواهُ اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزيدَ بنِ أبي حَبِيْبٍ، عَنْ عطاءٍ. وكذا رَواهُ يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عَنْ ابنِ جُريجٍ، عَنْ عطاءٍ.
فهذهِ مُتابعاتٌ لابنِ عُيَيْنَةَ فِي (٤) شَيخِ شيخِهِ، (فاعتُضِدْ) بها (٥).
(ثُمَّ وَجَدْنَا) من روايةِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ وَعْلَةَ (٦)، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ مرفوعًا: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٧) رَواهُ مُسْلِمٌ (٨) وغيرُهُ (٩).
ولفظُ مُسْلِمٍ: «إذَا دُبِغَ الإِهَابُ».
(فَكانَ فِيهِ) لكونِه بمعنى حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ (شاهدٌ فِي البابِ).
أي: عِنْدَ من لا يَقْصُرُهُ عَلَى مَا جاءَ عَنْ صَحَابِيٍّ آخرَ، أما مَنْ يَقْصُرُهُ عَلَيْهِ
-وهم الْجُمْهُورُ كَمَا مَرَّ- فعنَدهُم: أنَّ رِوَايَةَ ابنِ وَعْلَةَ هذِهِ مُتَابعةٌ لفظًا (١٠) لِعَطاءٍ.
_________________
(١) سنن الدّارقطنيّ ١/ ٤٤.
(٢) السّنن الكبرى ١/ ١٦ و٢٣.
(٣) السّنن الكبرى ١/ ١٦.
(٤) في (ص): «عن».
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٥.
(٦) بفتح الواو وسكون المهملة. التقريب (٤٠٣٩).
(٧) انظر: النكت الوفية: ١٤٥/ ب.
(٨) صحيح مسلم ١/ ١٩٠ عقب (٣٦٣).
(٩) منهم أصحاب السّنن: سنن أبي داود (٤١٢٣)، وابن ماجه (٣٦٠٩)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي ٧/ ١٧٣. وأخرجه أيضًا: مالك (١٤٣٧) «رواية يحيى الليثي»، = = والشافعي في المسند بتحقيقنا (١٨)، وعبد الرزاق (١٩٠)، والطيالسي (٢٧٦١)، والحميدي (٤٨٦)، وابن أبي شيبة (٢٤٧٦١)، وأحمد ١/ ٢١٩ و٢٧٠ و٢٧٩ و٢٨٠ و٣٤٣، والدارمي (١٩٩١) و(١٩٩٢)، وأبو يعلى (٢٣٨٥)، وأبو عوانة ١/ ٢١٢، والطحاوي ١/ ٤٦٩، وفي شرح المشكل (٣٢٤٣)، وابن حبان (١٢٨٤) (١٢٨٥)، والطبراني في الصغير (٦٦٨)، والدارقطني ١/ ٤٦، والبيهقي ١/ ١٦ و١٧.
(١٠) كلمة «لفظًا». سقطت من (ص) و(ق).
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولهذا عَدَلَ شَيْخُنا (١) عَنْ التمثيلِ بِهِ، إلى التمثيلِ بحديثٍ فِيهِ المتابعةُ التامَّةُ والقاصرةُ، والشاهدُ باللَّفْظِ، والشاهدُ بالمعنى.
وَهُوَ: مَا رَواهُ الشَّافِعيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «الشَّهْرُ تِسعٌ وَعِشْرُوْنَ، فَلاَ تَصُوْمُوْا حَتَّى تَرَواُ الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوْا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوْا الْعِدَّةَ ثَلاَثِيْنَ» (٢).
رَواهُ عِدَّةٌ مِنْ أصْحابِ مَالِكٍ بِلَفظِ: «فَاقْدُرُوْا لَهُ».
فَأشارَ البَيْهَقِيُّ (٣) إلى أنَّ الشَّافِعيَّ تَفَرَّدَ بقولِهِ: «فَأكْمِلُوْا الْعِدَّةَ ثلاَثِيْنَ».
فنظرنا، فَوَجَدْنا البُخَارِيَّ (٤) رَواهُ بلفظِ الشَّافِعيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ إلى آخرِهِ.
فهذهِ مُتَابَعةٌ تامَّةٌ لما رَواهُ الشَّافِعيُّ.
ودلَّ هَذَا عَلَى أنَّ مالكًا رَواهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دينارٍ باللفظينِ، وَقَدْ تُوبعَ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، حَيْثُ رواهُ مُسْلِمٌ (٥) مِن طَريقِ أَبِي أُسامةَ، عَنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ بلفظِ: «فَاقْدُرُوْا ثَلاَثِينَ».
ورواهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (٦) من طريقِ عَاصِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ زيدٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ ابنِ عُمَرَ، بلفظِ: «فَكَمِّلُوْا ثَلاَثِيْنَ».
_________________
(١) نزهة النظر: ١٠١ - ١٠٢.
(٢) أخرجه مالك (رواية الليثي ٧٨٢، وأبي مصعب الزّهريّ ٧٦٣، وسويد بن سعيد ٤٥٣). وأخرجه الشّافعيّ في مسنده (١٠٣) (ط. العلمية)، وبتحقيقنا (٦٠٨)، ومن طريقه الطحاوي في شرح المشكل (٣٧٦٢)، والبيهقي ٤/ ٢٠٥، وابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٧٩. وأخرجه البخاريّ ٣/ ٣٤ (١٩٠٧)، ومسلم ٣/ ١٢٢ عقب (١٠٨٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٦١) و(٣٧٦٣)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٤٢٢، والبيهقيّ ٤/ ٢٠٥.
(٣) السّنن الكبرى ٤/ ٢٠٥.
(٤) البخاريّ ٣/ ٣٤ (١٩٠٧).
(٥) صحيح مسلم ٣/ ١٢٢ عقب (١٠٨٠).
(٦) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٠٢ (١٩٠٩).
[ ١ / ٢٤٩ ]
فهذهِ متابعةٌ قاصرةٌ. وَلَهُ شاهِدانِ:
أحدُهما: مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَواهُ البُخَارِيُّ (١) عَنْ آدمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظِ: «فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ».
وثانيهما: من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَواهُ النَّسَائِيُّ من طريقِ عَمْرِو بنِ دينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ حُنَيْنٍ (٢)، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ بلفظِ حَدِيثِ ابنِ دينارٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ سواءٌ (٣). وهذا باللفظِ، ومَا قبلَهُ بالمعنى.
زِيَادَاتُ الثِّقَاتِ (٤)
١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ
١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ وَقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ
١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ فِيْهِ صَرِيْحًا فَهْوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ
١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ وَادَّعَى فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا
١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ «جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ» (٥) فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
_________________
(١) صحيح البخاريّ ٣/ ٤٣ (١٩٠٩).
(٢) في (ص): «حسين».
(٣) سنن النّسائيّ ٤/ ١٣٥.
(٤) انظر في زيادات الثقات: معرفة علوم الحديث: ١٣٠، والكفاية: ٥٩٧، وجامع الأصول ١/ ١٠٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٢٥ - ٢٣١، والتقريب: ٧١ - ٧٢، والمنهل الروي: ٥٨، والخلاصة: ٥٦، ونظم الفرائد: ٣٧٠، واختصار علوم الحديث: ٦١، ونكت الزَّرْكَشِيّ ٢/ ١٧٤ - ١٩٧، والشذا الفياح ١/ ١٩٢ - ١٩٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٨٥، والتقييد والإيضاح: ١١١، وشرح التبصرة ١/ ٣٤٦ (بتحقيقنا)، ونزهة النظر: ٩٥، والنكت على كتاب ابن الصلاح٢/ ٦٨٦، والمختصر: ١٧١، وفتح المغيث ١/ ١٩٩، وألفية السيوطي: ٥٣ - ٥٤ وتوضيح الأفكار ٢/ ١٦، وقواعد التحديث: ١٠٧، وتوجيه النظر ١/ ٤٣٦ - ٤٦٧، وأثر علل الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء: ٢٥٤ - ٢٨٠.
(٥) بجعل همزة القطع في (الأرض) همزة وصل (الارض) وتحريك اللام ليستقيم الوزن (وهو من ضرورات الشعر).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وتُعْرَفُ بجَمْعِ الطُّرُقِ والأبوابِ، وهيَ مِنَ الصَّحابةِ مقبولةٌ اتِّفاقًا، ومِنْ غيرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ: (واقْبَلْ) أنتَ (زياداتِ الثِّقاتِ) مُطْلَقًا مِنَ التابِعِينَ فَمَنْ دُوْنَهُم (مِنْهُمُ) أيْ: مِنَ الثِّقَاتِ الرَّاوِينَ للحديثِ بِدُونِها؛ بأنْ رَواهُ أحدُهُم بدونِها ومَرَّةً بها. (وَمَنْ سِوَاهُمْ) أي: سِوَى الرَّاوِينَ بِدُونِها مِنَ الثِّقاتِ أيضًا، سَواءٌ أكانتْ (١) فِي اللَّفْظِ، أمْ فِي المَعْنَى، تَعَلَّقَ بها حُكْمٌ شرعيٌّ أمْ لاَ، غَيَّرتِ الحكْمَ الثابتَ أمْ لاَ، غَيَّرتِ الإعرابَ أمْ لاَ، عُلِمَ اتِّحادُ (٢) المجلسِ أمْ لاَ، كَثُرَ السَّاكِتونَ عنها أمْ لا؟.
(ف) هَذَا مَا (عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ) مِنَ الفقهاءِ والمحدِّثِينَ والأصولِيِّيْنَ (٣). وَقَيَّدَهُ جماعةٌ
- مِنْهُمْ: ابنُ عبدِ البَرِّ - بما إذا لَمْ يَكُنْ راويها دونَ مَنْ لَمْ يَرْوِها حِفْظًا وإتقانًا (٤).
(وَقِيْلَ: لاَ) تُقبلُ الزِّيادةُ مُطلَقًا، لا (٥) ممَّنْ رواهُ نَاقِصًا، ولاَ مِنْ غَيرِهِ (٦)؛ لأنَّ تَرْكَ الْحُفَّاظِ لَها يُضَعِّفُها، إذْ يبعدُ عادةً سماعُ الجماعةِ لحديثٍ واحدٍ، وذهابُ زيادةٍ فيهِ عَلَى أكثرِهِمْ و(٧) نِسيانِها.
_________________
(١) في (ع): «كانت».
(٢) في (ع) و(ق): «اتحدّ».
(٣) ادّعى ابن طاهر الاتفاق على هذا كما نقله عنه العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨، والسيوطي في التدريب ١/ ٣٤٦. ونقل ذلك الخطيب في الكفاية (٥٩٧ ت، ٤٢٤ هـ)، عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث. قلنا: في النقل عن الجمهور نظر؛ فقد قال ابن دقيق العيد في مقدّمة " الإمام " كما نقل ابن حجر في النكت ٢/ ٦٠٤: «من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنّه إذا تعارض رواية مرسل ومسند أو رافع وواقف أو ناقص وزائد أنّ الحكم للزائد فلم يصب في هذا الإطلاق؛ فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول»، وقال العلائي: «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطّان، وأحمد بن حنبلٍ، والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث». توضيح الأفكار ١/ ٣٤٤.
(٤) فتح المغيث ١/ ٢٢٣.
(٥) في (ع)، و(ق): «إلا».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٨.
(٧) في (ق): «أو».
[ ١ / ٢٥١ ]
(وَقِيْلَ: لاَ) تُقْبَلُ (مِنْهُمْ) أي: ممَّنْ رواهُ مرَّةً بِدُونِها، ومرَّةً بها؛ لأنَّ رِوَايتَهُ لَهُ بدونِها أورثَتْ شَكًّا فِيْهَا؛ لأنَّ الإنسانَ طُبِعَ علَى (١) إشهارِ (٢) عِلْمِهِ.
وتُقْبَلُ مِنْ غيرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ؛ لانتفاءِ ذلكَ فيهِ.
وقيلَ: تُقْبَلُ إنْ لَمْ تُغَيِّرِ الإعرابَ (٣).
وقِيلَ: تُقْبَلُ إنِ اخْتَلَفَ المجلسُ، أو ادَّعَى نسيانَها (٤).
وَقِيْلَ: لاَ تُقْبَلُ إنْ كَثُرَ السَّاكِتونَ عنها، ولَمْ يَغْفُلْ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِها (٥).
وقِيْلَ: لا تُقْبَلُ إلاَّ أنْ تُفِيْدَ حُكْمًا (٦).
وقِيْلَ: تُقْبَلُ في اللَّفْظِ، كالتأكيدِ دونَ المعنى (٧).
وقيْلَ: عَكْسُهُ (٨).
_________________
(١) في (م): «على حب».
(٢) في (ع): «اشتهار».
(٣) حكاه ابن الصّبّاغ عن بعض المتكلّمين. وهو قول الإمام الرّازيّ وأتباعه وحكاه الهندي عن الأكثرين. البحر المحيط ٤/ ٣٣٣. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٠.
(٤) نسبه العلائي إلى جمع من أئمة الأصول.
(٥) هو اختيار ابن السمعاني وغيره. انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣١، وفتح المغيث ١/ ٢٠١.
(٦) حكاه الخطيب في الكفاية: (٥٩٧ ت، ٤٢٥ هـ)، وحكاه القاضي عبد الوهاب، كما في البحر المحيط ٤/ ٣٣٣، وقال البقاعي في النكت الوفية: ١٥٦/أمعلقًا على هذا الرأي: «لأن الأحكام مدار الحديث، والراوي ثقة فلا وجه للرد».
(٧) حكاه الخطيب في الكفاية: (٥٩٧ ت، ٤٢٥ هـ)، وانظر في هذا الرأي: النكت الوفية: ١٥٦/ أ.
(٨) هناك مذاهب أخرى في زيادات الثقات أغفلها المصنف، منها:
(٩) إن لم تخالف الحكم الذي رواه الباقون قبلت، وإلا فلا، حكاه ابن كثير عن بعضهم من غير تعيين.
(١٠) إن كان وقوع الزيادة منه أكثر قبلت، وكذا إن استويا، وإلاّ فلا، وهو قول الفخر الرازي في المحصول.
(١١) إذا كان راويها حافظًا متقنًا قبلت، وإلاّ فلا، وهو قول الترمذي والصيرفي والخطيب البغدادي.
(١٢) إذا كانت الزيادة من جهة المعنى دون اللفظ قبلت، وإلا فلا. حكاه السيوطي.
(١٣) عدم قبول الزيادة في المتن إلاّ ممن كان الغالب عليه الفقه، وهو قول ابن حبان في مقدمة صحيحه.
(١٤) عدم الحكم بحكم كلي، وإنما يكون القبول والرد تبعًا للقرائن. وهو مذهب المتقنين من المحدّثين. انظر: الكفاية: (٥٩٧ت، ٤٢٤هـ)، واختصار علوم الحَدِيْث: ٦١، والبحر المحيط٤/ ٣٣٠، والمقنع ١/ ١٩١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٤٧ - ٣٥١، وفتح المغيث١/ ٢٠٠، وتدريب الرّاوي١/ ٢٤٥، وشرح السيوطي: ١٨٨.
[ ١ / ٢٥٢ ]
(وَقَدْ قَسَّمَهُ) أي: مَا يَنفردُ بهِ الثِّقَّةُ مِنَ الزيادةِ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ (١)، (فَقَالَ): أخذًا من كلامِهِمْ قَدْ رأيتُ تقسيمَ ما ينفرِدُ بهِ الثِّقَةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
(ما انفردْ): بروايتِهِ (دُوْنَ الثِّقَاتِ)، أو ثقةٍ أحفظَ، (ثِقَةٌ خالَفَهُمْ)، أو خالَفَ الثِّقَةَ الأحفَظَ (فيهِ) أي: فيما انفَرَدَ بهِ (صَرِيحًا)، بأنْ لا يمكنُ الجمْعُ بينَهُما. (فَهْوَ رَدٌّ) أي: مردودٌ، كما مَرَّ في الشاذِّ، (عِندَهُم) أي: عِنْدَ المحقِّقِينَ، ومنهمْ: الشافِعيُّ.
(أو لَمْ يُخالِفْ) فيهِ أصلًا، كتفرُّدِهِ بحديثٍ.
(فاقْبَلَنْهُ) (٢)؛ لأنَّهُ جازمٌ بما رواهُ، وهو ثقةٌ، ولا مُعارضَ لروايَتِهِ؛ إذِ السَّاكِتُ عنها لَمْ يَنْفِها لفظًا ولا معنًى.
(وادَّعَى فيْهِ) أي: في قَبولِ هذا القِسْمِ (الخطيبُ) البغداديُّ (٣) (الاتِّفاقَ) مِنَ العُلماءِ حالةَ كونِهِ (مُجْمَعا) عليهِ، وهَذَا تكملةٌ وتأكيدٌ.
(أو خَالفَ الاطلاقَ)، بأنْ زادَ لفظةً في حديثٍ لَمْ يَذْكُرْها سائرُ مَنْ رواهُ.
(نَحْوُ: جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ) بدرجِ الهمزةِ -في حديثِ: «فُضِّلْتُ على الناسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوْفُنا كصُفُوفِ الملائكةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» (٤).
(فَهْيَ) أي: زيادَةُ: «تُرْبَةٍ» (فَرْدٌ نُقِلَتْ) تَفَرَّدَ بها أبو مالكٍ (٥) سَعْدُ بنُ طارقٍ الأشْجَعِيُّ (٦)، عنْ رِبْعِيٍّ (٧)، عَنْ حُذَيْفَةَ. رواهَا مسلمٌ (٨) وغيرُهُ (٩).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٠٩.
(٢) بنون التوكيد الخفيفة. فتح المغيث ١/ ٢٣٦.
(٣) الكفاية: (٥٩٧ ت، ٤٢٤ هـ).
(٤) الحديث بهذا اللفظ عند البيهقي في سننه الكبرى ١/ ٢١٣ و٢٣٣، ودلائل النبوة ٥/ ٤٧٥.
(٥) في (ق): «بن».
(٦) هو سعد بن طارق، أبو مالك الأشجعي، الكوفي: ثقة. علّق له البخاري وروى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. التقريب (٢٢٤٠).
(٧) بكسر أوله وسكون الموحدة. التقريب (٨٧٩)، والخلاصة: ١١٤.
(٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٣ - ٦٤ (٥٢٢).
(٩) أخرجه الطيالسي (٤١٨)، وأحمد ٥/ ٣٨٣، والنسائي في الكبرى (٨٠٢٢)، وفي فضائل القرآن له (٤٧)، وابن خزيمة (٢٦٤)، وأبو عوانة في المستخرج ١/ ٣٠٣، والطحاوي في شرح المشكل =
[ ١ / ٢٥٣ ]
قالَ - أعني: ابنَ الصلاحِ -: «فهذا يُشْبِهُ القسمَ الأوَّلَ، مِنْ حيثُ إنَّ ما رواهُ الجماعةُ عامٌّ - أي: في جميعِ أجزاءِ الأرضِ (١) -، وما رواهُ المنفردُ (٢)، مخصوصٌ - أي: بالترابِ (٣) - وفي ذلكَ نوعُ مخالفَةٍ، ويُشْبِهُ الثانيَ مِنْ حيثُ إنَّهُ لا منافاةَ بينَهُما» (٤).
١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا
١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحًا (٥) فَاقْتَضَى تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ (٦)
_________________
(١) = (١٠٢٤) و(٤٤٩٠)، وابن حبان في صحيحه (١٦٩٤)، والآجري في الشريعة (٤٩٨ - ٤٩٩)، والدارقطني ١/ ١٧٥ - ١٧٦، والبيهقي ١/ ٢١٣، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٢٢١. قلنا: وهذه الرواية لا ينبغي أن تعد زيادة؛ لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث، وليس له مشارك عن ربعي. النكت ٢/ ٧٠٠، وقد ردّ العراقي في التقييد والإيضاح: ١١٤ كونها زيادة. وانظر: النكت الوفية: ١٥٧ / ب. والمؤلف - ﵀ - مقلّد في هذا ابن الصلاح. لكن يبدو لنا أنّ ابن الصلاح إنما عدّ هذه اللفظة زيادة؛ لأنّها لم ترد في حديث جابر عند أحمد ٣/ ٣٠٤، وعبد بن حميد (١١٤٥)، والدارمي (١٣٩٦)، والبخاري ١/ ٩١ حديث (٣٣٥) و١/ ١١٩ (٤٣٨) و٤/ ١٠٤ (٣١٢٢)، ومسلم ٢/ ٦٣ (٥٢١)، والنّسائيّ ١/ ٢٠٩ - ٢١١ و٢/ ٥٦، ولم ترد في حديث أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٤١١، ومسلم ٢/ ٦٤ (٥٢٣)، وابن ماجه (٥٦٧)، والترمذي (١٥٥٣)، وأبي أمامة عند أحمد ٥/ ٢٤٨ و٢٥٦، والترمذي (١٥٥٣)؛ لكن هذا التخريج يشكل عليه أنّ الزيادة وردت في حديث علي عند أحمد ١/ ٩٨ و١٥٨ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن علي، عن علي مرفوعًا، بلفظ: «وجعل التراب لي طهورًا» وعبد الله بن محمد، قال عنه الحافظ في التقريب (٣٥٩٢): «صدوق فيه لين» فلعل ابن الصلاح لم يعتد بهذا الطريق لما في عبد الله من كلام، وانظر بلابد كتابنا " كشف الإيهام " (٣٤٨).
(٢) جملة تفسيرية من المصنّف.
(٣) بعد هذا في (م): «فهو».
(٤) جملة تفسيرية من المصنّف.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٤، وقد تصرف فيه المصنف. وقال الحافظ ابن حجر: «لم يحكم ابن الصّلاح على هذا الثّالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدّثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن». النكت ٢/ ٦٨٧.
(٦) في (م): «جزمًا» خطأ محض.
(٧) في (م): «للمقتضي» خطأ محض.
[ ١ / ٢٥٤ ]
(فالشَّافِعِيْ) - بالإسكانِ - لِمَا مرَّ (١) (وأحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا) أيْ: باللَّفْظِ الزَّائِدِ، حيثُ خَصَّا التَّيَمُّمَ بالتُّرابِ (٢).
(والوَصْلُ والارسالُ) في تعارضِهِما (مِنْ ذَا) أي: مِنْ بابِ زيادةِ الثِّقَاتِ (أُخِذَا)، فالوصلُ زيادةُ ثقةٍ.
(لَكِنَّ) - بالتَّشديدِ - (في الإرسالِ جَرْحًا) في الحديثِ، (فاقْتَضَى) ذلكَ
(تَقْدِيْمَهُ) عندَ الأكثَرِ؛ لكونِهِ مِنْ قَبيْلِ تقديمِ الْجَرْحِ على التَّعْدِيْلِ: فافْتَرَقا.
(وَرُدَّ) تَقْديمُ الإرسالِ بـ (أنَّ مُقْتَضَى هَذا) أي: ما عُلِّلَ بهِ تَقْديْمُهُ (قَبُولُ الوَصْلِ) أيضًا (إذْ فيْهِ) أي: في الوصْلِ (وفي الْجَرْحِ عِلْمٌ زائِدٌ لِلْمُقْتَفيْ) أي: الْمُتَّبِعِ، فتَعَارَضَا.
والأوْجَهُ أنَّ الزيادةَ في الوصلِ: إذِ الإرسالُ نَقْصٌ في الحِفْظِ (٣).
_________________
(١) في مواضع كثيرة، انظر: الأبيات ٢١ و٣٢ و٨٢ و١٦٢ والذي مرّ قوله: «إن ذلك للوزن» أو «لنية الوقف».
(٢) فتح المغيث ١/ ٢٣٧. قلنا: حصل خلاف بين الفقهاء في صفة ما يتيمم به على قولين: القول الأول: التيمم لا يكون إلا بالتراب فقط، وهو ما ذهب إليه الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وداود الظاهري وأبو يوسف والعترة. القول الثاني: التيمم يكون بالأرض، وبكل ما كان عليها بشرط كونه طاهرًا، وسواء كان متصلًا بالأرض أو منفصلًا عنها سبخًا كان أو خصبًا. انظر: الأم ١/ ٥٠، والمغني ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨، والمجموع ٢/ ٢١٥، والاختيار ١/ ٢٣، وشرح فتح القدير ١/ ١١٢، وتبيين الحقائق ١/ ٣٨ - ٣٩، والبحر الرائق ١/ ١٥٥.
(٣) قال الخطيب: «وهذا القول هو الصّحيح عندنا؛ لأن إرسال الرّاوي للحديث لَيْسَ بجرح لِمَنْ وصله ولا تكذيب لَهُ، ولعله أيضًا مُسْنَد عِنْدَ الذين رووه مرسلًا أو عِنْدَ إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى لَهُ عَلَى الذاكر. وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى لا يضعف ذَلِكَ أيضًا لَهُ؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثمّ يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه». الكفاية: (٥٨١ ت، ٤١١ هـ).
[ ١ / ٢٥٥ ]
الأَفْرَادُ (١)
١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا
١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ
١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلْ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ (٢) (٢) وَائِلْ
١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (٣) (٤) (ضَمْرَهْ) لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ
_________________
(١) الأفراد - بفتح الهمزة -: جمع فرد. قال الميانشي: " الفرد: هو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ ". ما لا يسع المحدّث جهله: ٢٩. وعرّفه الدكتور المليباري، فقال: يراد بالتفرد: أن يروي شخص من الرواة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون، وهو ما يقول فيه المحدّثون النقّاد: حديث غريب، أو: تفرّد به فلان، أو: هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه، أو: لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان، أو نحو ذلك. الموازنة بين منهج المتقدمين والمتأخرين: ١٥. قلنا: وما ذكره الدكتور المليباري أعم من التعريف الأول وأدق؛ لأنه يشمل الثِّقَة وغيره، وأما تعريف الميانشي فهو أخص، وهو المراد في البحث هنا؛ لأن تفرد الضعيف لا يعتد به أساسًا ما لم يتابع. قال الزركشي٢/ ١٩٨: وفيه صنّف الدارقطني كتاب الأفراد، ويستعمله الطبراني في معجمه الأوسط كثيرًا، ويحتاج لاتساع الباع في الحفظ، وكثيرًا ما يدّعي الحافظ التفرّد بحسب علمه، ويطلع غيره على المتابع. وقال ابن حجر ٢/ ٧٠٨: من مظان الأحاديث الأفراد مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدارقطني في كتاب " الأفراد "، وهو ينبئ عن اطلاع بالغ ويقع عليهم التعقيب فيه كثيرًا بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه، وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه، فقد تتبع العلاّمة مغلطاي على الطبراني في جزء مفرد. وانظر في الأفراد: معرفة علوم الحديث: ٩٦، وجامع الأصول ١/ ١٧٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢١٥، والإرشاد ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣، والتقريب: ٧٣ - ٧٤، والمنهل الروي: ٥١، والخلاصة: ٤٨، واختصار علوم الحديث: ٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٧، ونزهة النظر: ٧٨، والمختصر: ١٢١، وفتح المغيث ١/ ٢٠٥، وألفية السيوطي: ٤٢ - ٤٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٧، وظفر الأماني: ٢٤٢، وقواعد التحديث: ١٢٨.
(٢) الأصل في (إلاّ) أن تكون همزتها همزة قطع، لكن الوزن لا يستقيم بها، فأدرجها الناظم ليستقيم الوزن (أي جعلها همزة وصل)، وهذه ضرورة من ضرورات الشعر وسينبه الشارح عليه.
(٣) كذلك.
[ ١ / ٢٥٦ ]
١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِدًا مِنْ أهْلِهَا تَجَوُّزًا، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا
١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ
١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ
الأفرادُ - بفتحِ الهمزَةِ -
(الفَرْدُ قِسْمانِ: فَفَرْدٌ) يَقَعُ (مُطْلَقا) (١) وهوَ أوَّلُهُما: بأنْ يَنْفَرِدَ بهِ راوٍ واحدٌ عَنْ كُلِّ أحدٍ (٢).
(وَحُكْمُهُ) مَعَ مِثالِهِ (عِنْدَ الشُّذوذِ سَبَقا) أي: سَبَقَ في نوعِ الشَّاذِّ.
(والفَرْدُ بالنِّسْبَةِ) إلى جِهَةٍ خاصَّةٍ، وهوَ ثانيهُما، ولهُ أنواعٌ:
(ما قَيَّدْتَهُ بِثِقَةٍ أوْ بَلَدٍ) مُعَيَّنٍ (ذَكَرْتَهُ)، كَمَكَّةَ، والبصْرَةِ، والكُوفَةِ، وسيأتي مثالُهَا، (أوْ) برَاوٍ مُعيَّنٍ، بأنْ لَمْ يَرْوِهِ (عَنْ فلانٍ)، إلاَّ فلانٌ.
(نَحْوُ قَوْلِ القائِلْ) أبي الفَضْلِ بنِ طاهِرٍ (٣) في حديثِ أصحابِ " السُّنَنِ الأربعةِ " مِنْ طريقِ سُفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عَنْ وائلِ بنِ داودَ، عَنْ ابنِهِ بكرِ بنِ وائلٍ (٤)، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أنسٍ: «أنَّ النبيَّ - ﷺ - أوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيْقٍ (٥) وَتَمْرٍ» (٦)، (لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ وائِلْ) - بدرجِ الهمزةِ - أي: أبوهُ، ولَمْ يَرْوِهِ عَنْ وائِلٍ إلاَّ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَهُوَ غريبٌ؛ وكذا قالَ التِّرْمذيُّ: «إنَّهُ حَسَنٌ غريبٌ» (٧).
_________________
(١) أي: غير مقيد بشيء. توضيح الأفكار ٢/ ٧.
(٢) في (ق): «واحد».
(٣) هو محمد بن طاهر بن علي الإمام الحافظ الجوّال الرحّال صاحب التصانيف النافعة. توفي سنة (٥٠٧ هـ). سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٦١.
(٤) هذا من رواية الآباء عن الأبناء.
(٥) السّويق: طعام يتّخذ من مدقوق الحنطة أو الشعير، سمّي بذلك؛ لانسياقه في الحلق. انظر: التاج ٢٥/ ٤٨٠، والمعجم الوسيط ١/ ٤٦٥.
(٦) أخرجه الحميدي (١١٨٤)، وأحمد ٣/ ١١٠، وأبو داود (٣٧٤٤)، وابن ماجه (١٩٠٩)، والترمذي (١٠٩٥)، وفي الشمائل (١٧٧) بتحقيقنا، وأبو يعلى (٣٥٥٩)، وابن حبان (٤٠٦٦)، والطبراني في الكبير ٢٤/ (١٨٤)، والبيهقي ٧/ ٢٦٠.
(٧) الجامع الكبير٢/ ٣٨٩ عقب (١٠٩٥) وكذا قال محمد بن طاهر المقدسي في أطراف الغرائب والأفراد٢/ ١٧٦.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ولاَ يلزمُ مِنْ تفرُّدِ وائلٍ بهِ عَنْ ابنِهِ بكرٍ تَفرُّدُهُ بهِ مطلقًا، فقدْ ذَكَرَ الدارَقطنيُّ فِي
"علَلِهِ" أنَّهُ رواهُ مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ التَّوَّزِيُّ (١)، عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قالَ: «ولَمْ يُتَابعْ عليهِ، والمحفوظُ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ وائلٍ، عَنِ ابنِهِ، ورواهُ جماعةٌ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلاَ واسطةٍ».
ومثالُ المقَيَّدِ بالثِّقَةِ: قولُ القائلِ في حديثِ: «قِراءةُ النبيِّ - ﷺ - في الأضْحَى، والفِطْرِ بـ «قافْ» و(٢) «اقْتَرَبَتِ» (٣): (لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاَّ ضَمْرَهْ) -بدرجِ الهمزةِ- أي: ابنُ سعيدٍ المازِنيُّ، فقدِ انفردَ بهِ عنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أبي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنِ النبيِّ - ﷺ - رواهُ مسلمٌ (٤)، وغيرُهُ (٥).
وإنَّما قَيَّدَ بالثِّقَةِ لروايةِ الدارَقُطنيِّ (٦) لهُ مِنْ رِوَايةِ ابنِ لَهِيْعَةَ (٧) - وقَدْ ضَعَّفَهُ الجُمْهورُ (٨) - عَنْ خالِدِ بنِ يزيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ.
ومِثَالُ المقَيَّدِ بِبَلَدٍ: قَوْلُ القائِلِ في حديثِ أبي داودَ (٩)، عَنْ أبي الولِيْدِ (١٠) الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبي نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «أَمَرَنَا
_________________
(١) بفتح التاء والمثناة وتشديد الواو، وبعدها زايٌ. التقريب (٥٩٧١)، والخلاصة: ٣٤٢.
(٢) بعد هذا في (م): «وإذا اقتربت».
(٣) القمر: ١.
(٤) صحيح مسلم ٣/ ٢١ (٨٩١).
(٥) منهم: مالك (٤٩٤)، والشافعي في الأم ١/ ٢١٠، وفي المسند بتحقيقنا (٤٩٦)، والحميدي (٨٤٩)، وأحمد ٥/ ٢١٧ و٥١٩، وأبو داود (١١٥٤)، وابن ماجه (١٢٨٢)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي ٣/ ١٨٣، وابن خزيمة (١٤٤٠)، وابن حبان (٢٨١٦)، والبيهقي ٣/ ٢٩٤، والبغوي (١١٠٧). وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥٨.
(٦) في سننه ٢/ ٤٦، وذكر في علله: أن فيه اضطرابًا، كما نقل صاحب التعليق المغني.
(٧) بفتح اللام وكسر الهاء. التقريب (٣٥٦٣).
(٨) انظر: التاريخ الكبير ٥/ ١٨٢ (٥٧٤)، والكاشف ١/ ٥٩٠ الترجمة (٢٩٣٤) مع ما كتبه محققه.
(٩) سنن أبي داود (٨١٨). وأخرجه أحمد ٣/ ٣ و٤٥ و٩٧، وعبد بن حميد (٨٧٩)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٢)، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٩٧، من طريق همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
(١٠) في مطبوعة (م): «أبي داود» خطأ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الذي عليه مصادر التخريج.
[ ١ / ٢٥٨ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ نَقْرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتابِ، ومَا تَيَسَّرَ»: (لَمْ يَرْوِ هذا) الحديثَ (غَيرُ أهلِ البَصْرَهْ)، فقدْ قالَ الحاكِمُ: «إنَّهُم تَفَرَّدُوا بِذِكْرِ الأمرِ فيهِ، مِنْ أوَّلِ الإسنادِ إلى آخرِهِ» (١).
وكذا قالَ في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، في صِفَةِ وُضُوءِ (٢) رسولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ قولَهُ: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ» (٣)، «سُنَّةٌ غريبةٌ، تَفَرَّدَ بها أهلُ مِصْرَ» (٤).
(فإنْ يُرِيْدُوا) أي: القائلونَ بما ذُكِرَ ونحوِهِ (واحِدًا) فقطْ (مِنْ أهلِهَا) أي: (٥) أهلِ تِلْكَ البَلْدَةِ (تَجَوُّزًا) في الإضافةِ، كما يُضافُ فِعْلُ واحِدٍ مِنْ قَبيلَةٍ إليها مَجَازًا (فَاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلِهَا) أي: مِنْ أوَّلِ الصُّوَرِ المذكورةِ في البابِ وهوَ الفَرْدُ المطلقُ.
ومنهُ حديثُ: «كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ» (٦) السابِقُ في نوعِ المنكرِ، حيثُ قالَ الحاكِمُ: «هو مِنْ أفرادِ البصريِّيْنَ عَنِ المدنيِّيْنَ، تَفَرَّدَ بهِ أبو زُكَيْرٍ (٧)، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ» (٨)، فجَعَلَهُ مِنْ أفرادِ البَصْريِّيْنَ وأرادَ واحِدًا منهمْ (٩).
(وليسَ في أفرادِهِ) أي: هذا البابُ (النِّسْبِيَّه)، وهيَ أنواعُ القِسْمِ الثاني
(ضَعْفٌ لَها مِنْ هذهِ الْحَيْثِيَّه) أي: حَيْثِيَّةِ الفرديَّةِ.
(لَكِنْ إذا قَيَّدَ) القائِلُ مِنَ الْحُفَّاظِ (ذاكَ) التَّفَرُّدَ (بالثِّقَهْ)، كقولِهِ: لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ إلاَّ فلانٌ (فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطلَقَهْ) أي: مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثِّقَةِ كَـ: لاَ رِوَايَةٍ، فَيُنْظَرُ فيهِ: هَلْ بَلغَ رُتْبَةَ مَنْ يُعْتَبَرُ بحدِيْثِهِ أوْ لاَ؟ وفي الْمُتَفَرِّدِ (١٠)
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٩٧.
(٢) في (ص): «صفة وصف» خطأ.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩ و٤٠ و٤١، والدارمي (٧١٥)، ومسلم ١/ ١٤٦ (٢٣٦)، وأبو داود (١٢٠)، والترمذي (٣٥)، وابن خزيمة (١٥٤)، وابن حبان (١٠٨٢)، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٩٧.
(٤) معرفة علوم الحديث: ٩٨.
(٥) بعد هذا في (م): «أي من أهل».
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) بالتّصغير. التقريب (٧٦٣٩).
(٨) معرفة علوم الحديث: ١٠٠ - ١٠١.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٢.
(١٠) في (ص): «المنفرد».
[ ١ / ٢٥٩ ]
بالحديثِ، هلْ بَلَغَ رُتْبَةَ مَنْ يُحْتَجُّ بتَفَرُّدِهِ أو (١) لاَ؟ فَعُلِمَ أنَّ مِنْ أنواعِ القِسْمِ الثاني، ما يُشَارِكُ الأوَّلَ، كإطلاقِ تَفَرُّدِ أهلِ بَلَدٍ بما يكونُ راويهِ منها واحدًا، وتَفَرُّدِ ثِقَةٍ بما يُشارِكُهُ في روايَتِهِ ضَعِيْفٌ (٢).
تَنْبِيْهٌ: قالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ: «إذا قِيْلَ في حديثٍ: تَفَرَّدَ بهِ فلانٌ، عَنْ فلانٍ، احتملَ أنْ يكونَ تفرُّدًا مُطلَقًا، وأنْ يكونَ تَفَرَّدَ بهِ عنْ (٣) هذا الْمُعَيَّنِ خاصَّةً، ويكونَ مرويًّا عن غيرِ ذلكَ الْمُعَيَّنِ: فَلْيُتَنَبَّهْ لذلكَ» (٤).
المُعَلَّلُ (٥)
١٩٣ - وَسَمِّ مَا بِعِلَّةٍ مَشْمُوْلُ مُعَلَّلًا، وَلاَ تَقُلْ: مَعْلُوْلُ
١٩٤ - وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنَ اسْبَابٍ (٦) طَرَتْ فِيْهَا غُمُوْضٌ وَخَفَاءٌ أثَّرَتْ
١٩٥ - تُدْرَكُ بِالخِلاَفِ وَالتَّفَرُّدِ مَعَ قَرَائِنَ تُضَمُّ، يَهْتَدِيْ
١٩٦ - جِهْبَذُهَا إلى اطِّلاَعِهِ عَلَى تَصْويْبِ إرْسَالٍ لِمَا قَدْ وُصِلاَ
١٩٧ - أوْ وَقْفِ مَا يُرْفَعُ، أوْ مَتْنٍ دَخَلْ في غَيْرِهِ، أوْ وَهْمِ وَاهِمٍ حَصَلْ
١٩٨ - ظَنَّ فَأمْضَى، أوْ وَقَفْ (٧) فأحْجَمَا مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرَهُ أنْ سَلِمَا
_________________
(١) في (ع): «أم».
(٢) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٤١.
(٣) «عن»: لم ترد في (ق).
(٤) الاقتراح: ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) انظر في الحديث المعلل: معرفة علوم الحديث: ١١٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢١٩، والإرشاد ١/ ٢٣٤ - ٢٤٨، والتقريب: ٧٥ - ٧٧، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث: ٦٣، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٠٤ - ٢٢٣، والشذا الفياح ١/ ٢٠٢ - ٢١١، ومحاسن الاصطلاح: ١٩٤، والتقييد والإيضاح: ١١٥، ونزهة النظر: ١٢٣، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧١٠، والمختصر: ١٣٤، وفتح المغيث ١/ ٢٠٩، وألفية السيوطي: ٥٥ - ٦٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٥، وظفر الأماني: ٣٦٣، وقواعد التحديث: ١٣١، وتوجيه النظر ٢/ ٥٩٨ - ٦٥٢، وراجع كتاب: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء.
(٦) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن، وسينبه الشارح على ذلك.
(٧) الأصل هنا (وقف) بالفتح، ولا يصحّ الوزن بها، فسكّنت الفاء ثمّ أدغمت في فاء (فأحجما) فأصبحت فاءً واحدة صوتيًا، وبهذا استقام الوزن.
[ ١ / ٢٦٠ ]
قَالَ ابنُ الصلاحِ: «مَعْرِفَةُ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أجَلِّ عُلُومِهِ وأدَقِّها وأشرَفِها، وإنَّما يَتَضَلَّعُ (١) بذلكَ أهلُ الحِفْظِ، والخِبْرَةِ، والفَهْمِ الثَّاقِبِ» (٢).
(وَسَمِّ) أنتَ (ما) هوَ مِنَ الحديثِ (بِعِلَّةٍ) خَفِيَّةٍ مِنْ عِلَلِهِ الآتيةِ، في سندٍ، أو متنٍ (مَشْمُولُ مُعَلَّلًا)، كما عَبَّرَ بهِ ابنُ الصَّلاحِ (٣).
(ولاَ تَقُلْ) فيهِ: هُوَ (مَعْلُولُ) وإنْ وَقَعَ في كلامِ كثيرٍ مِنْ أهلِ الحديثِ (٤)، والأصولِ، والكلامِ، والعَرُوْضِ؛ لأنَّهُ مِنْ «عَلَّهُ الشَّرَابُ»، إذا سقاهُ (٥) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، لا مِمَّا نَحنُ فيهِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ: «إنَّهُ مرذُوْلٌ عِنْدَ أهلِ العربيةِ، واللُّغَةِ» (٦)، والنَّوَوِيُّ: «إنَّهُ لَحْنٌ» (٧).
قَالَ النَّاظِمُ (٨): «والأجودُ الْمُعَلُّ (٩) كما هوَ في عبارةِ بعضِهِمْ، وأكثرُ عِباراتِهِم في الفِعْلِ: أعَلَّهُ فلانٌ بِكَذا، وقياسُهُ: مُعَلٌّ، وهوَ المعروفُ لغةً قالَ الْجَوْهَريُّ (١٠): لا أَعَلَّكَ اللهُ أي: لا أصابَكَ بِعِلَّةٍ». انتهى.
وقولُهُ: والأجودُ «الْمُعلُّ» أي: أجودُ مِنَ المعلُولِ، أو منهُ، ومِنَ المعلَّلِ تغليبًا، وإلاَّ فالْمُعَلَّلُ لا جَوْدةَ فيهِ؛ فإنَّهُ لا يجوزُ أصلًا إلاَّ بتجوُّزٍ؛ لأَنَّهُ ليسَ مِنْ هَذَا البابِ، بلْ
_________________
(١) في معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح: «يضطلع».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٩ - ٢٢٠.
(٤) كالترمذي، وابن عدي، والدارقطني، وأبي يعلى الخليلي، والحاكم وغيرهم. انظر: شرح التبصرة١/ ٣٦٤، والنكت الوفية: ١٥٩/أ، وفتح المغيث١/ ٢١٠، وتدريب الرّاوي١/ ٢٥١.
(٥) في (م): «إذا أسقاه».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢١٩. وانظر في مباحثات التسمية: نكت الزركشي ٢/ ٢٠٤، ومحاسن الاصطلاح ١٩٤، والنكت الوفية ١٥٩ / أ، وفتح المغيث ١/ ٢٢٤، وتدريب الراوي ١/ ١٣٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٥، وأثر علل الحَدِيْث: ١١، والحديث المعلل للدكتور خليل ملا خاطر ١١.
(٧) التقريب: ٧٥، وقد تحرّف في (م) إلى: «لحسن»، وهو خطأ أحال المعنى.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
(٩) قال البقاعي في النكت الوفية ١٥٩/ أ: «الأجود يفهم أن في استعمال معلل جودة ما، وليس كذلك؛ فإنه لا يجوز أصلًا، فيحمل على أن مراد الشّيخ أنه أجود من المعلول».
(١٠) الصحاح ٥/ ١٧٧٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
مِنْ بابِ «التَّعَلُّلِ» (١)، الذي هُوَ التَّشاغلُ والتَّلَهِّي، ومنهُ: تعليلُ الصَّبِيِّ بالطَّعامِ كما ذَكَرَهُ هُوَ أيضًا (٢).
أمَّا «معلولٌ» فموجودٌ، وبهِ عَبَّرَ شيخُنا (٣)، بلْ قالَ: إنَّهُ الأولى؛ لأنَّهُ وقَعَ في عباراتِ أهلِ الفَنِّ، مَعَ ثُبُوتِهِ في اللُّغَةِ - أي: ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لَمْ يَحْفَظْ - لَكِنَّ الأعرفَ: أنَّ فِعْلَهُ ثلاثيٌّ مزيدٌ، فالأجودُ: «الْمُعَلُّ» كما قالَهُ النَّاظِمُ، وإنْ كانَ المعلولُ أولى، لِمَا مَرَّ.
(وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ، (عِبارَةٌ عَنَ اسبابٍ) - بدرجِ الهمزةِ - جَمْعُ سَبَبٍ، وهوَ لغةً: ما يُتَوَصَّلُ بهِ إلى غيرِهِ (٤).
واصْطِلاَحًا: ما يَلْزَمُ مِنْ وجودِهِ الوجودُ، ومِنْ عَدَمِهِ العدَمُ (٥).
(طَرَتْ) - بحذفِ الهمزةِ تخفيفًا (٦) - أي: طَلَعَتْ، بمعنى: ظهَرَتْ للنَّاقِدِ (فيها) أي: الأسبابِ، (غُمُوضٌ وخَفَاءٌ)، العطفُ فيهِ عطفُ تفسيرٍ، (أثَّرَتْ) أي: قَدَحَتْ في قَبولِ الحديثِ.
(تُدْرَكُ) أي (٧): الأسبابُ، أو العِلَّةُ بعدَ جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ، والفحصِ عنها
(بالخِلاَفِ والتَّفَرُّدِ) أي: بمخالفةِ راويهِ لغيرِهِ، مِمَّنْ هوَ أحفظُ وأضبطُ، أو أكثرُ عددًا، وبتَفَرُّدِهِ بهِ بأنْ لَمْ يُتابَعْ عليهِ، (مَعَ قرائِنَ تُضَمُّ) لِمَا ذُكِرَ.
(يَهْتَدِيْ) بمجموعِ ذلكَ (جِهْبَذُها) (٨) بذالٍ معجمةٍ - أي: الحاذقُ في هذا
_________________
(١) في (ع): «التعليل».
(٢) أي: الحافظ العراقي وكلامه في التقييد: ١١٧، وانظر: الصحاح ٥/ ١٧٧٤، واللسان ١١/ ٤٦٩ (علل).
(٣) عنى بذلك الحافظ ابن حجر، وقد استعمل هذا الاسم في كتابه النكت٢/ ٧١٠، ثم إنه قد سمّى كتابه: "الزهر المطلول في معرفة المعلول"، كذا ذكره السخاوي في فتح المغيث١/ ٢٤٤، وذكره السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٢٥٨ باسم "الزهر المطلول في الخبر المعلول"، ومثله في الباعث الحثيث ١/ ١٩٩، وانظر: تعليق محقّقه.
(٤) انظر: الصحاح ١/ ١٤٥، ولسان العرب ١/ ٢٤٧.
(٥) انظر: التعريفات للجرجاني: ٦٨، والبحر المحيط ٥/ ١١٥.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٧.
(٧) في (ع) و(ق): «أي تلك».
(٨) جمع جهبذ وهو النّقّاد الخبير بغوامض الأمور، العارف بطرق النّقد. انظر: تاج العروس ٩/ ٣٩٢.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الفنِّ (إلى اطِّلاَعِهِ على تَصْوِيبِ إرسالٍ لِمَا قَدْ وُصِلا، أوْ) تصويبِ (وقْفِ ما يُرْفَعُ، أوْ) تصويبِ فَصْلِ (١) (مَتْنٍ)، ولوْ بَعْضًا (دَخَلْ) مُدْرَجًا (في) مَتْنِ (غَيْرِهِ، أوْ) إلى اطِّلاَعِهِ على (وَهْمِ واهِمٍ حَصَلْ) بغَيْرِ ما ذُكِرَ، كإبدالِ راوٍ ضَعيفٍ بثقةٍ.
وقَدْ (ظَنَّ) الجِهْبَذُ قوَّةَ ما وَقَفَ عليهِ مِنْ ذلكَ، (فأمضَى) الحكمَ بما ظَنَّهُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الحديثِ؛ لأنَّ مَبْنَى ذلكَ على غَلَبةِ الظنِّ.
(أوْ) تَرَدَّدَ بحيثُ (وَقَفْ) بإدغامِ فائهِ في فاءِ، (فَأَحْجَما) عَنِ الحكْمِ بقَبُولِ الحديثِ، وعدمِهِ احتياطًا.
كُلُّ ذلكَ (مَعْ كَوْنِهِ) أي: الحديثُ الْمُعَلُّ، أو المتَوَقَّفُ فيهِ (ظَاهِرَهُ) قبلَ الوقوفِ (٢) على عِلَّتِهِ (أنْ سَلِمَا) أي: سلامتُهُ منها لِجَمْعِهِ شروطَ قَبولِهِ ظاهِرًا.
فقَوْلُهُ: «ظاهِرَهُ» منصوبٌ خبرُ «كانَ»، و«أنْ سَلِمَا» فاعِلُهُ (٣)، أو مرفوعٌ (٤) مبتدأٌ، و«أنْ سَلِمَا» خبرُهُ، والجملةُ خبرُ «كانَ» (٥).
وَعُلِمَ مِنْ تَعْريفِ العِلَّةِ بما ذكرَ أنَّ الْمُعَلَّ: حديثٌ فيهِ أسبابٌ خفِيَّةٌ، طَرَأَتْ عليهِ فأثَّرَتْ فيهِ (٦).
قالَ شيخُنا (٧): «وأحسنُ منهُ أنْ يُقَالَ: هوَ حديثٌ ظاهرُهُ السلامةُ اطُّلِعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ على قادحٍ».
_________________
(١) في (ق): «وصل».
(٢) في (ق): «قبول الوقف».
(٣) أي: أن المصدرية وما بعدها.
(٤) الكلام عائد إلى: «ظاهره».
(٥) وهذا الوجه اختاره السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٤٦، ولم يذكر غيره.
(٦) التقريب: ٧٥ - ٧٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٦، وانظر: النكت الوفية: ١٦٠/ أ.
(٧) يعني: الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهذا التعريف نقله أيضًا البقاعي في النكت الوفية ١٦٠/ أ، وعزاه لشيخه الحافظ ابن حجر، ومن هذا يدرك خطأ الدكتور الفاضل همام عبد الرحيم في دراسته لعلل ابن رجب ١/ ٢٢ إذ ذكر أنّ البقاعي نقله عن العراقي.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ومثالُهُ: حديثُ ابنِ جُريجٍ في التِّرمذيِّ (١)، وغيرِهِ (٢): عَنْ موسى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُريرةَ مرفوعًا: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا، فَكَثُرَ فيهِ لَغَطُهُ (٣)، فقالَ قبلَ أنْ يقومَ: سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ الحديثَ» (٤).
فإنَّ موسى بنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ (٥)، رواهُ عنْ وُهَيْبِ (٦) بنِ خالدٍ الباهِليِّ، عَنْ سُهَيْلٍ المذكورِ، عَنْ عَوْنِ بنِ عبدِ اللهِ.
وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ، فقالَ: هوَ مرْوِيٌّ عَنْ موسَى بنِ إسماعيلَ، وأمَّا موسَى بنُ عُقْبَةَ فلا نَعْرِفُ لهُ سماعًا مِنْ سُهَيْلٍ (٧).
١٩٩ - وَهْيَ (٨) تَجِيءُ غَالِبًا في السَّنَدِ تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ
٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا
٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بْنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا (عَمْرًا) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا
٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ
٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَسًا يَقُوْلُ: (لا أحْفَظُ شَيْئًا فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ (٩)
_________________
(١) الجامع الكبير ٥/ ٤٣٢ (٣٤٣٣).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٩ و٤٩٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٩٧) وفي الكبرى (١٠٢٣٠)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٨٩،، وابن حبان (٥٩٣)، والطبراني في الأوسط (٧٧) و(٦٥٨٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٤٧)، والبغوي (١٣٤٠). وانظر بلا بدٍّ: تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٣) في (ق): «لفظه».
(٤) بعد هذا في (ع): «أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك غفر له ما صدر منه في ذلك المجلس».
(٥) بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف. التقريب (٦٦٤٣).
(٦) بالتصغير. التقريب (٧٤٨٧).
(٧) ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه سؤال مسلم للإمام البخاريّ عن هذا الحديث وإجابته إياه: بأنه معلول، والسبب عدم سماع موسى بن عقبة من سهيل. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٩و١٣/ ١٠٣، ومعرفة علوم الحديث: ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٦٩.
(٨) الضمير في: «وهي» يعود على العلة القادحة الخفية.
(٩) هذا البيت سقط من نسخة (ج) من متن الألفية.
[ ١ / ٢٦٤ ]
(وهْيَ) أي: العِلَّةُ الخفِيَّةُ القادِحَةُ، (تَجيءُ غالِبًا في السَّنَدِ) أي: وقليلًا في المتنِ، فالتي في السَّنَدِ (يَقْدَحُ في) قَبولِ (المتنِ، بقَطْعِ مُسْنَدِ) مُتَّصِلٍ، (أَوْ وَقْفِ مَرْفُوعٍ)، أوْ غيرِ ذلكَ مِنْ مَوانِعِ القَبولِ، وذلكَ حيثُ لَمْ يَتَعَدَّدِ السَّنَدُ، أوْ لَمْ يَقْوَ الاتِّصَالُ، أو الرَّفْعُ -مثَلًا- على القَطْعِ، أو الوقْفِ.
(وقَدْ لا تَقْدَحُ) فيهِ، بأنْ يتَعَدَّدَ السَّنَدُ، أو يَقْوى الاتِّصالُ، أوْ نحوَهُ، أو يَقَعَ الاختلافُ في تعيينِ واحِدٍ مِنْ ثِقَتَيْنِ، (ك) حديثِ: (البَيِّعَانِ بالخِيَارِ) (١) المرْوِيِّ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ المدَنِيِّ، عَنْ مولاَهُ ابنِ عُمَرَ.
فَقَدْ (صَرَّحُوا) أي: النُّقَّادُ (بوَهْمِ) راويهِ (يَعْلَى بنِ عُبَيْدٍ) الطَّنافِسِيِّ (٢)، إذْ
(أَبْدَلاَ) - بأَلِفِ الإطلاقِ - (عَمْرًا) هوَ ابنُ دينارٍ المكيُّ (بـ: عبدِ اللهِ) ابنِ دينارٍ، الذي هوَ الصَّوابُ. فالباءُ داخلةٌ عَلَى المتروكِ (٣) تشبيهًا لِلإبدالِ بالتَّبَدُّلِ، وإلاَّ فهوَ خلافُ مَا عليهِ أَئمَّةُ اللُّغةِ مِنْ أنَّها إنَّما تدخُلُ عَلَى المأخوذِ في الإبدالِ، كالتَّبديلِ، وعلى المتروكِ في الاستبدالِ و(٤) التَّبَدُّلِ، إنْ لَمْ يذكرْ مَعَ المتروكِ، والمأخوذِ غَيْرِهِما في الأربعةِ (٥).
وقدْ حَرَّرَ ذلكَ شيخُنا، شيخُ الإسلامِ، الشمسُ (٦) القَايَاتيُّ (٧)، أتَمَّ تَحْريرٍ في شرحِهِ (٨) لِخُطْبَةِ " مِنْهَاج النَّوَويِّ " (٩)، وبذلكَ انْدَفَعَ ما قيلَ: إنَّ الباءَ في الإبدالِ، إنَّما تدخُلُ على المتروكِ.
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٦٥٥)، وأحمد ٢/ ٩ و٥١ و١٣٥، والبخاري ٣/ ٨٤ (٢١١٣)، ومسلم ٥/ ١٠ (١٥٣١) (٤٦)، والنّسائيّ ٧/ ٢٥٠ و٢٥١.
(٢) رواية يعلى بن عبيد عند الطبراني في الكبير (١٣٦٢٩).
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٦، وفتح المغيث ١/ ٢٤٨، وشرح السيوطي: ١٩٤. وانظر: مغني اللبيب: ١٤١، وتعقّب البقاعي في النكت الوفية: ١٦٢ / ب.
(٤) في (ع): «أو».
(٥) ذكره البقاعي في النكت الوفية ١٦٢ / ب.
(٦) «الشمس»: سقط من (ق).
(٧) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة.
(٨) انظر: حاشية الجمل على المنهج ١/ ٢٤.
(٩) انظر عن هذا الكتاب: وجيز الكلام ٢/ ٦٠٨، ونظم العقيان: ١٥٤.
[ ١ / ٢٦٥ ]
(حِيْنَ نَقَلاَ) -بأَلِفِ الإطلاقِ- أي: روَى يَعْلَى ذلكَ، عَنْ سُفيانَ الثَّوريِّ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ، وشَذَّ بذلكَ عَنْ سائِرِ أصحابِ الثَّوريِّ (١)، فَكُلُّهُمْ قالُوا: «عَبدَ اللهِ»، بَلْ تُوبِعَ الثَّوريُّ (٢) فرَوَاهُ كثيرونَ عَنْ عبدِ اللهِ.
قالَ ابنُ الصلاحِ: «وكلاهُما - أي: عَمْرٌو، وعبدُ اللهِ - ثِقَةٌ» (٣) أي: فلهذا لَمْ يَقْدَحِ الخِلاَفُ فيهما في المتنِ.
(وَعِلَّةِ المتْنِ) القادحةِ فيهِ، (كـ) حديثِ (نَفْي) قراءةِ (البسْمَلَهْ) فِي الصلاَةِ، المرويِّ عَنْ أنسٍ، (إذْ ظَنَّ راوٍ) مِنْ رُواتِهِ حِيْنَ سَمِعَ قَوْلَ أنسٍ - رَضِيَ اللهُ تعَالَى عنهُ -: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رسولِ اللهِ (٤) - ﷺ - وأبي بَكْرٍ، وعُثْمانَ - ﵃ - فكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ: «الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ» (٥)، (نَفْيَها) أي: البسمَلَةَ بذلكَ.
(فَنَقَلَهْ) مُصَرِّحًا بما ظَنَّهُ، فقالَ عَقِبَ ذلكَ: «فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ (٦) القراءَ ةَ، بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» (٧).
وَفِي روايةٍ: «لاَ يَذْكُرُوْنَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، في أوَّلِ قِرَاءةٍ، ولاَ في
آخِرِهَا» (٨). فصارَ بذلكَ حديثًا مرفوعًا، والراوي لهُ مخطِئٌ في ظَنِّهِ.
_________________
(١) فقد رواه عن سفيان أبو نعيم الفضل بن دكين عند أحمد٢/ ١٣٥، والبيهقي٥/ ٢٦٩، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٢. ومحمد بن يوسف الفريابي عند البخاريّ ٣/ ٨٤ (٢١١٣)، ومخلد بن يزيد عند النّسائيّ ٧/ ٢٥٠، وفي الكبرى (٦٠٦٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٤٢٦٥) وغيرهم. قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٤٩: «وقد أفرد الحافظ أبو نعيم طرقه من جهة عبد الله خاصّة فبلغت عدة رواته عنه نحو الخمسين» وكذا قال البقاعي في نكته ١٦٢/ب.
(٢) تابعه شعبة عند أحمد ٢/ ٥١، والنّسائيّ ٧/ ٢٥١، وسفيان بن عيينة عند الحميدي (٦٥٥)، وأحمد ٢/ ٩، ويزيد بن عبد الله بن الهاد عند النّسائيّ ٧/ ٢٥٠، وإسماعيل بن جعفر عند مسلم ٥/ ١٠ (١٥٣١) (٤٦)، والنّسائيّ ٧/ ٢٥٠ وغيرهم. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٣.
(٤) في (ع) و(ص): «النّبيّ».
(٥) صحيح مسلم ٢/ ١١٢ (٣٩٩) (٥٢).
(٦) في (ص): «يستفتحون».
(٧) صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٠) (٥١).
(٨) صحيح مسلم ٢/ ١٢ (٣٩٩) (٥٢).
[ ١ / ٢٦٦ ]
ومِنْ ثَمَّ قالَ الشافِعِيُّ وأصحابُهُ: المعنى أنَّهُم يَبْدَؤُونَ بقراءَ ةِ أُمِّ القرآنِ قَبْلَ ما يُقْرَأُ بَعْدَها، لاَ أنَّهُمْ يَتْرُكُونَ البَسْمَلَةَ (١).
(و) قَدْ (صَحَّ)، كما صَرَّحَ بهِ الدارَقُطْنيُّ (٢)، وغيرُهُ (٣)، ما (٤) يتَأَيَّدُ بهِ القَولُ بخطإِ النَّافِي، (أنَّ أَنَسًا) - ﵁ - (يَقولُ: «لاَ أَحْفَظُ شَيئًا فيهِ» حِيْنَ سُئِلا) -بأَلِفِ الإطلاقِ-.
أيْ: حِيْنَ (٥) سَأَلَهُ أبو مَسْلَمَةَ (٦) سعيدُ بنُ يزيدَ، أكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ بـ: الحمدُ للهِ، أو بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (٧)؟
لَكِنْ قَدْ رَوَى الحديثَ عَنْ أنسٍ جماعةٌ، منهمْ: حُمَيْدٌ، وقَتَادَةُ، والْمُعَلُّ إنَّما هُوَ رِوايةُ حُمَيْدٍ، إذْ رَفْعُهَا وَهَمٌ مِنَ الوَليدِ بنِ مسلمٍ (٨)، عَنْ مالكٍ عنهُ، فإنَّ سائِرَ الرواةِ عَنْ مالكٍ، لَمْ يَذكُرُوا فيها: «خَلْفَ النَّبيِّ - ﷺ -» فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ إلاَّ الوقْفُ.
وأمَّا روايةُ قَتَادَةَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ أصحابُهُ عنهُ على ذِكْرِ النَّفْيِ المذكورِ، بلْ أكثرُهُم لَمْ يَذْكُروهُ، وجماعةٌ منهمْ ذَكَرُوهُ بلفظِ: «فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ».
وجماعةٌ بلفظِ: «فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَ ةَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ».
وَجماعَةٌ بلَفْظِ: «فَلَمْ أَسْمَعْ أحدًا (٩) منهُمْ يَقرأُ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ».
والجمعُ بينَ هذِهِ الرواياتِ - كَمَا قالَ شيخُنا (١٠) - ممكِنٌ، بِحَمْلِ نَفْيِ القرَاءَ ةِ
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ١٠٧، ومعرفة السنن والآثار ١/ ١٦٣ / ب.
(٢) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٣١٦.
(٣) الحديث أخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١٠٠ و١٦٦ و١٨٩، وابن خزيمة (١٠١٠).
(٤) سقطت من (ص) وفي (ق): «مما».
(٥) سقطت من (ص) و(ق).
(٦) في (ق): «سلمة» خطأ. وانظر: التقريب (٢٤١٩).
(٧) سنن الدارقطني ١/ ٣١٦.
(٨) رواية الوليد بن مسلم أخرجها ابن عبد البرّ في التمهيد ٢/ ٢٢٨، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة١/ ٣٧٦.
(٩) في نسخة (ع): «واحدًا».
(١٠) يعني: الحافظ ابن حجر، وانظر: الدراية ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٢٦٧ ]
على نَفْيِ السماعِ، ونَفْيِ السماعِ على نَفْيِ الْجَهْرِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رواهُ ابنُ خزيمةَ (١)، عَنْ أنسٍ: «أنَّهُمْ كانُوا يُسِرُّونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»، وإنْ كانَ في سنَدِهِ ضَعِيْفٌ (٢).
وبهذا الجمْعِ سَقَطَتْ دَعْوَى: أنَّ هذا اضطرابٌ، لا تقومُ مَعَهُ حُجَّةٌ (٣)؛ لأنَّ شَرْطَ هَذَا الاضطرابِ عَدَمُ إمكانِ الجمعِ، وتَسَاوِي الطُّرُقِ قُوَّةً وضَعْفًا، وهذا ليسَ كذلكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ أمْكَنَ الجمْعُ، ولَمْ تتَسَاوَ الطُّرُقُ، فإنَّ روايةَ: «يَفْتَتِحُوْنَ بـ: الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِيْنَ» (٤) أصحُّ.
ثُمَّ روايةُ: «فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، ثُمَّ روايةُ: لا يَذْكرونَ بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أوَّلِ قِراءَ ةٍ، ولاَ في آخِرِها».
وأمَّا روايةُ: «فكانُوا يَجْهَرُونَ بـ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»؛ فضعيفَةٌ (٥).
٢٠٤ - وَكَثُرَ التَّعْلِيْلُ (٦) بِالإرْسَالِ لِلوَصْلِ (٧) إنْ يَقْوَ عَلَى اتِّصَالِ (٨)
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٤٩٨).
(٢) والضعيف هو: سويد بن عبد العزيز بن نمير السلمي. التقريب (٢٦٩٢).
(٣) اعترض البقاعي على هذا فقال: «ليس كذلك؛ فإنّ الاضطراب الذي لا تقوم معه حجة شرطه عدم إمكان الجمع وتساوي الطرق قوةً وضعفًا، وهذا ليس كذلك فإن أصح ما فيه رواية يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ويليه كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ويليه كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءةٍ ولا آخرها مع أن الجمع ممكن بحمل نفي قراءة البسملة على نفي الجهر بها، وكذا القراءة بالحمد لله رب العالمين أي الفاتحة، وإن أريد اللفظ حمل على الجهر، وأما فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فضعيفٌ، وأما كان يسّرون ببسم الله الرحمن الرحيم فقد رواها ابن خزيمة وفي سنده راوٍ ضعيف فلا يسمّى الصّحيح الذي هو في أعلى الدرجات مضطربًا بما لا يقاومه»، النكت الوفية: ١٦٤/ ب.
(٤) جملة: «رب العالمين». لم ترد في (ع).
(٥) انظر بلا بدٍّ: شرح التبصرة ١/ ٣٧٦ - ٣٨٤ وتعليقنا عليه، وانظر الدراية ١/ ١٣٢.
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٦٨/ أ: «لو قال الإعلال لكان أولى، فالإرسال مراده به هنا المرسل وكذا الوصل مراده به الموصولأي: وكثر إعلال الموصول بالمرسل».
(٧) في (ج) من متن الألفية: «بالوصل».
(٨) في (ب) من متن الألفية: «اتصالي».
[ ١ / ٢٦٨ ]
٢٠٥ - وَقَدْ يُعِلُّوْنَ بِكُلِّ قَدْحِ فِسْقٍ، وَغَفْلَةٍ، وَنَوْعِ جَرْحِ (١)
٢٠٦ - وَمِنْهُمُ مَنْ يُطْلِقُ اسْمَ العِلَّةِ لِغَيْرِ (٢) قادحٍ كَوَصْلِ ثِقَةِ
٢٠٧ - يَقُوْلُ: مَعْلُوْلٌ صَحِيْحٌ كَالذّيْ يَقُوْلُ: صَحَّ مَعْ شُذُوْذٍ احْتُذِيْ
٢٠٨ - وَالنَّسْخَ سَمَّى (التِّرْمِذِيُّ) عِلَّهْ فَإنْ يُرِدْ في عَمَلٍ فَاجْنَحْ لَهْ
وَلَمَّا قَدَّمَ أنَّ العِلَّةَ تكونُ خَفِيَّةً، بَيَّنَ أنَّها تكونُ أيضًا ظاهِرَةً، فقالَ:
(وَكَثُرَ) مِنَ المحدِّثينَ (التَّعْلِيلُ) الأوجهُ لِمَا مَرَّ: الإعلالُ (٣) (بالإرسالِ) الظاهِرِ
(لِلْوَصْلِ)، وبالوقفِ للرَّفْعِ، بمعنَى: أنَّهُ كَثُرَ إعلالُ الموصولِ بالإرسالِ والمرفوعِ بالوَقْفِ، (إنْ يَقْوَ) الإرسالُ أو الوقفُ بكونِ راويهِ أضبطَ، أو أكثرَ (٤) عددًا (عَلَى اتِّصَالِ)، أو رَفْعٍ.
(وَقَدْ يُعِلُّونَ) الحديثَ (بِكُلِّ قَدْحِ) ظاهِرٍ مِنْ (فِسْقٍ) في راويهِ، (وَغَفْلَةٍ) منهُ، (وَنَوْعِ جَرْحِ) فيهِ، كَسُوءِ حِفْظٍ (٥).
(ومِنْهُمُ) - بالضَّمِّ - (مَنْ يُطْلِقُ اسمَ العِلَّةِ) توَسُّعًا، وهو أبو يَعْلَى الخليليُّ
(لِغَيْرِ) أي: على غَيْرِ (قَادِحٍ، كَوَصْلِ ثِقَةِ) ضابطٍ أرسَلَهُ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ، ولاَ مُرجّحٍ، حيثُ (يقولُ) في "إرشادِهِ": الحديثُ أقسامٌ (مَعْلُولٌ صحيحٌ)، وصحيحٌ متَّفقٌ عليهِ، وصحيحٌ مختلفٌ فيهِ (٦). وَمثَّلَ (٧) للأوَّلِ بحديثِ مالكٍ في " الموطّإِ "، أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ أبا هُريرَةَ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لِلْمَمْلُوْكِ طَعَامُهُ وكِسْوَتُهُ» (٨) حيثُ وَصَلَهُ مالكٌ في غيرِ " الموطإِ " بمُحَمَّدِ بنِ عَجْلانَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ، قالَ.
_________________
(١) أي: ويعلونه بأي نوعٍ كان من أنواع الجرح.
(٢) في (ب) من متن الألفية: «بغير».
(٣) في (ق): «من الإعلال».
(٤) في (ق): «أحفظ وأكثر».
(٥) انظر: تعليقنا على شرح التبصرة ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ في تفصيل وإيضاح هذه المسألة.
(٦) انظر: الإرشاد ١/ ١٥٧.
(٧) الإرشاد ١/ ١٦٤.
(٨) هذا البلاغ في الموطأ (رواية يحيى الليثي٢٨٠٦، ورواية أبي مصعب الزهري٢٠٦٤، ورواية سويد بن سعيد ٧٧٩، وهو في موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي كما أسنده إليه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧). =
[ ١ / ٢٦٩ ]
فقدْ صارَ الحديثُ بِتَبَيُّنِ الإسنادِ صَحِيْحًا، يُعْتَمَدُ عليهِ (١). وما قالَهُ في هذا، هو (كالذي يَقُولُ) فيهِ هوَ (٢) -كالحاكِمِ- (٣) (صَحَّ) أي: كالحديثِ الذي يُصَحِّحُهُ (مَعْ) بالإسكانِ (شُذُوذٍ) فيهِ، مُنَافٍ عندَ الجمهورِ للصِّحَّةِ، فقدِ (احْتُذِي) أي: اقْتُدِي في ذلكَ بهذا.
فالشُّذوذُ عِنْدَ الخليليِّ، ومَنْ وافَقَهُ (٤) يَقْدَحُ في الاحتجاجِ، لا في التسميةِ.
(والنَّسْخَ) مَفْعُولُ (سَمَّى التِّرمذيُّ عِلَّهْ) (٥) مِنْ عِلَلِ الحديثِ، وزادَ النَّاظِمُ:
(فإنْ يُرِدْ) أي: التِّرمِذِيُّ أنَّهُ عِلَّةٌ (في عَمَلٍ) أي: في العَمَلِ بالمنسوخِ، (فاجْنَحْ) أي: مِلْ (لَهْ).
_________________
(١) = قلنا: وقد روي موصولًا عن مالك: رواه إبراهيم بن طهمان، والنعمان بن عبد السلام. ورواية ابن طهمان: عند الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٧، والخليلي في الإرشاد ١/ ١٦٤. ورواية النعمان: عند الخليلي في الإرشاد ١/ ١٦٤ - ١٦٥؛ كلاهما (إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام) عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -؟ الحديث. وقد خولف فيه مالك فقد أسنده عن محمد بن عجلان: سفيان الثوري، عند الحميدي، وأحمد ٢/ ٢٤٧، ووهيب بن خالد عند أحمد ٢/ ٣٤٢، وسعيد بن أبي أيوب عند البخاري في الأدب المفرد (١١٩٢)، والليث بن سعد عند البخاري في الأدب المفرد (١٩٣)، والبيهقي في الكبرى٨/ ٦، وسفيان بن عيينة عند البغوي (٢٤٠٣)، لكن هؤلاء (سفيان الثوري، ووهيب، وسعيد بن أبي أيوب، والليث بن سعد، وسفيان ابن عيينة) رووه عن ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن العجلان، عن أبي هريرة. وروايتهم أصحّ، فقد توبع محمد بن عجلان على روايته، كما في رواية الجمع، فقد أخرجه مسلم ٥/ ٩٣ (١٦٦٢) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن العجلان. فلعل هذا هو السبب الذي جعل الإمام مالك يذكره بلاغًا في موطئه؛ لأنّه لم يضبطه جيدًا، ومن عجب أنّ الدكتور بشار عوّاد لم يتنبه إلى ذلك في تعليقه على موطّأ مالك في روايتيه (رواية أبي مصعب، ورواية يحيى الليثي)، بل لم يشر أبدًا إلى الرّواية الموصولة من طريق مالك، وكذلك يدرك من هذا التفصيل خطأ خليل إبراهيم ملا خاطر في كتابه الحديث المعلل: ٥٩، إذ جعل البلاغ معلولًا، والرواية الموصولة صوابًا وأضاف إلى ذلك قاعدة من استنتاج فكره سماها: «عكس المعلل»
(٢) الإرشاد ١/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٣) في (ع): «هو فيه».
(٤) معرفة علوم الحديث: ١١٩.
(٥) يقصد به الحافظ ابن حجر، فقد صرّح بهذا الكلام في نكته ٢/ ٦٥٤، انظر: فتح المغيث ١/ ٢٥٤.
(٦) إذ ساق حديثين منسوخين في علله الصغير٦/ ٢٢٧، وكذلك صنع ابن أبي حاتم في علله (١١٤) و(٢٤٦).=
[ ١ / ٢٧٠ ]
وإنْ يُرِدْ أنَّهُ عِلَّةٌ في صِحَّتِهِ، أو صِحَّةِ نَقْلِهِ، فلا؛ لأنَّ فِي كُتُبِ الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً صحيحةً منسوخةً، وقدْ صَحَّحَ التِّرْمِذيُّ جُمْلَةً منهُ، فَمُرادُهُ: الأوَّلُ (١).
الْمُضْطَرِبُ (٢)
المضطربُ من الأحاديثِ، بكسر الراء، وَهُوَ نوعٌ مِنَ المعلَّلِ.
٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا مُخْتَلِفًا مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ (٣) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ
٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا
٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْفِ
(مُضْطرِبُ الحَدِيْثِ مَا قَدْ وَرَدا) حالةَ كونِهِ (مَخْتَلِفًا مِنْ) راوٍ (وَاحِدٍ) بأَنْ رَواهُ مرَّةً عَلَى وَجْهٍ، ومرَّةً عَلَى وَجهٍ آخرَ مُخالفٍ لَهُ (٤)، (فَأزْيَدَا) بأَنْ رَواهُ كُلٌّ من جماعةٍ عَلَى وجهٍ مخالفٍ للآخرِ، (فِي مَتْنٍ، اوْ فِي سَنَدٍ) - بدرجِ الهمزةِ (٥) -.
_________________
(١) قال الزّركشيّ في نكته٢/ ٢١٥: «لعل التّرمذي يريد أنه علة في العمل بالحديث، لا أنه علة في صحته، لاشتمال الصّحيح على أحاديث منسوخة، ولا ينبغي أن يجري مثل ذلك في التخصيص». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٨٩، والنكت لابن حجر ٢/ ٧٧١، وفتح المغيث ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢) انظر في المضطرب: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٥، والإرشاد ١/ ٢٤٩ - ٢٥٣، والتقريب: ٧٧ - ٧٨، والاقتراح: ٢١٩، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث: ٧٢، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٢٤ - ٢٤٠، والشذا الفياح ١/ ٢١٢، والمقنع ١/ ٢٢١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٠، ونزهة النظر: ١٢٦، ونكت ابن حجر ٢/ ٧٧٣ - ٨١٠، والمختصر: ١٠٤، وفتح المغيث ١/ ٢٢١، وألفية السيوطي: ٦٧ - ٦٨، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٤، وظفر الأماني: ٣٩٢، وقواعد التحديث: ١٣٢، وتوجيه النظر ٢/ ٥٨١.
(٣) بجعل همزة (أو) همزة وصل ضرورةً؛ ليستقيم الوزن، وقد نص عليه الشارح في تعليقه الآتي، على أن الناشر أثبت الهمزة.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٥. انظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ٢٢٤.
(٥) على أن ناشر (م) أثبت الهمزة في الموضعين، وهو ذهول شديد.
[ ١ / ٢٧١ ]
والاختلافُ فِي السَّنَدِ -وَهُوَ الغالبُ- يَكُونُ باختلافٍ فِي وصلٍ، وإرسالٍ، أَوْ فِي إثباتِ راوٍ وحذفِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والقضيةُ مانعةُ خلوٍّ (١)، فيكونُ ذَلِكَ فِي السَّنَدِ والمتنِ جميعًا (٢).
هَذَا، (إنِ (٣) اتَّضَحْ فِيهِ تَسَاوِي الخُلْفِ) أي: الاختلافِ فِي الوجوهِ، بحيثُ لَمْ يرجَّحْ مِنْها شيءٌ، وَلَمْ يُمكنِ الجمعُ (٤).
(أَمَّا إنْ رَجَحْ بَعْضُ الوُجُوهِ) أي: وَجْهينِ فأكثرَ عَلَى غَيْرِهِ، بأحفظيةٍ، أَو أكثريةٍ مُلازمةٍ للمرويِّ عَنْهُ، أَوْ غيرِهِما مِن وجوهِ التَّرجيحِ فَقُلْ: (لَمْ يَكُنْ) أي: الحَدِيْثُ (مُضْطَرِبا، والحُكْمُ للرَّاجحِ مِنْها) أي: مِنَ الوجوهِ (وَجَبَا) (٥).
إِذْ لاَ أَثَرَ لِلمَرجوحِ، ولاَ اضْطِرابَ أَيْضًا إذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ، بحَيْثُ يمكنُ أَنْ يعبِّرَ المُتَكَلِّمُ بالألفاظِ، عَنْ معنىً واحدٍ، وإن لَمْ يَتَرجَّحْ شيءٌ (٦).
ومضْطَرِبُ السَّنَدِ (كَ) (٧) حَدِيثِ (الخَطِّ) مِنَ المُصَلِّي (للسُّتْرَةِ)، المرويِّ بلفظِ: «فَإذَا لَمْ يَجِدْ عَصا يَنْصِبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَخُطَّ خَطًّا».
فإن إسنادَهُ (جَمُّ) -بالفتح والتشديد - أي: كَثِيْرُ - (الخُلْفِ) أي: الاختلافِ عَلَى راويهِ، وَهوَ إسماعيلُ بنُ أميَّةَ.
فإنَّه (٨) رُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ مُحَمَّدِ بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جدِّهِ حُرَيثٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٩).
_________________
(١) انظر: تحرير القواعد المنطقية: ٥٨.
(٢) في (ع) و(ق): «معًا».
(٣) في (م): «وإن».
(٤) فتح المغيث ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٥٧، وتدريب الرّاوي ١/ ٢٦٢.
(٦) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٥٧.
(٧) سقطت من (ص).
(٨) في (ص): (فإن).
(٩) عند أبي داود (٦٨٩) و(٦٩٠)، وابن ماجه (٩٤٣).
[ ١ / ٢٧٢ ]
ورُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أبي عمرِو بنِ حُرَيثٍ، عَنْ أبيهِ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة (٢).
وَرُوِيَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ محمدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حُريثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيثِ بنِ سُلَيْمٍ (٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٤).
ورُوي عَنْهُ، عَنْ ابنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ورُوي عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حُريثٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
ومِنْ ثَمَّ حَكَمَ غَيْرُ واحدٍ من الحفَّاظِ باضطرابِ سَنَدِهِ (٥)، لَكِنَّ بعضَهُم صَحَّحَهُ تَرْجيحًا للروايةِ الأولى (٦)، بَلْ قَالَ شَيْخُنا: «هذِهِ كُلُّها قابلةٌ لترجيحِ
_________________
(١) «عن أبيه» لم ترد في (ق).
(٢) عند أحمد ٢/ ٢٤٩ و٢٥٤ و٢٦٦، وابن خزيمة (٨١٢).
(٣) ويقال: ابن سليمان. انظر: التقريب (١١٨٣).
(٤) عند ابن ماجه (٩٤٣).
(٥) فقد نقل الخطّابيّ عن أحمد بن حنبل قوله: «حديث الخط ضعيف» التهذيب ٢/ ٢٣٦. ونقل ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ٢٠٠ قول الطحاوي بأن عمرو بن محمّد بن حريث هذا مجهول، وجده أيضًا مجهول ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث، ولا يحتج بمثل هذا من الحديث. وقال الدّارقطنيّ: لا يصح، ولا يثبت. التهذيب ٢/ ٢٣٦. وقال ابن حزم: لم يصح في الخط شيء. المحلى ٤/ ١٨٧. وضربه ابن الصّلاح مثالًا للمضطرب، وتبعه كثيرون. كما أشار الشّافعيّ إلى ضعفه، فقال البيهقيّ: «هذا حديث قد أخذ به الشّافعيّ في القديم وفي سنن حرملة، وقال في كتاب البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خطًا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع». السّنن ٢/ ٢٧١. قال البيهقيّ في المعرفة ٣/ ١٩١: «وإنما توقف الشّافعيّ في صحّة الحَدِيْث لاختلاف الرواة على إسماعيل بن أمية». وانظر المقنع ١/ ٢٢٣ والتعليق عليه.
(٦) فنقل ابن عبد البر عن أحمد بن حنبل، وابن المديني تصحيحه، فقال: «وهذا الحديث عند أحمد بن حنبل ومن قال بقوله حديث صحيح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن عليّ بن المديني كان يصحح هذا الحديث ويحتج به». التمهيد ٤/ ١٩٩. وصححه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، - فيما نقله العراقي في التقييد: ١٢٥. قال محقق كتاب المقنع١/ ٢٢٤: «قد تعارض النقل عن أحمد فيه، فذكر آنفًا -فيما نقل الخطّابيّ- تضعيفه، ثمّ نقل ابن عبد البر تصحيحه، والذي أراه أن كلا النقلين يفتقر إلى ثبوته عن أحمد، فبين الخطّابيّ ثمّ ابن= =عبد البر وبين أحمد مفازة، فإن صحّا فنقل الخطّابيّ أصرح من نقل ابن عبد البر، فإن نقل ابن عبد البر يحتمل أن يكون مستنده احتجاج أحمد بالحديث، وهو الأظهر فيما أرى، ولا يلزم من احتجاجه به تصحيحه لَهُ والجزم بنسبته إلى صاحب الشريعة، لأن مثله يحتمل في مثل هذا الباب عند طائفة من العلماء، حيث لم يثبت أصلًا، وقد قال البيهقيّ مع إثباته الاضطراب فيه: ولا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله».
[ ١ / ٢٧٣ ]
بَعْضِها عَلَى بعضٍ، والراجحةُ (١) مِنْها يُمكنُ التوفيقُ بينها» (٢).
قَالَ: «والحقُّ أنَّ التمثيلَ لا يليقُ إلاَّ بحديثٍ لَولاَ الاضطرابُ لَمْ يضعَّفْ، وهذا الحَدِيْثُ لَيْسَ كَذلِكَ، فإنَّهُ ضَعِيْفٌ بدونِهِ؛ لأنَّ شيخَ إِسْمَاعِيْلَ مجهولٌ» (٣).
وأما مُضْطَرِبُ المَتْنِ، فكحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، قَالتْ: «سَألْتُ، أَوْ سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: إنَّ فِيْ الْمَالِ لَحَقًا سِوَى الزَّكَاةِ». فرواهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) هكذا.
ورواهُ ابنُ ماجه عَنْهَا بلفظِ: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ» (٥).
لَكِنْ فِي سندِ (٦) التِّرْمِذِيِّ راوٍ ضَعِيْفٌ، فَلاَ يَصْلُحُ مِثالًا نظيرَ مَا مَرَّ، عَلَى أنَّه -أَيْضًا (٧) - يُمكنُ (٨) الجمعُ، بِحَمْلِ الحقِّ فِي الأولِ عَلَى الْمُستحَبِّ، وفِي الثَّانِي عَلَى الواجِبِ.
(والاضْطِرَابُ) فِي سَندٍ، أَوْ مَتْنٍ (مُوْجِبٌ للضَّعْفِ)؛ لإشعارِهِ بِعَدَمِ ضبطِ راويهِ، أَوْ رواتِهِ (٩).
_________________
(١) في (ع): «والراجح».
(٢) النكت ٢/ ٧٧٣.
(٣) انظر: تدريب الرّاوي ١/ ٢٦٥.
(٤) الجامع الكبير (٦٥٩).
(٥) سنن ابن ماجه (١٧٨٩). وأخرجه أيضًا: الدارمي (١٦٤٤)، والطبري في تفسيره ٢/ ٩٦، والدارقطني ٢/ ١٢٥، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٣٢٨ ط دار الفكر و٥/ ١٩ ط العلمية، وهذا لا يصلح أن يكون مثالًا للمضطرب فمداره على شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة. وشريك وأبو حمزة ضعيفان، وهما علّة الحديث. وقال الترمذي: «هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعّف. وروى بيانٌ وإسماعيل ابن سالم، عن الشعبي هذا الحديث قوله. وهذا أصحّ» فالصواب موقوف ورفعه منكر. وكذلك قد أخطأ شريك في إسناده فقال مرّة: عن رجلٍ، عن الشعبي، كما عند الدارقطني ٢/ ١٢٥، وقال مرة عن أبي حمزة الأعور كما هاهنا.
(٦) في (ع): «مسند».
(٧) سقطت من (ق).
(٨) في (ق): «ممكن».
(٩) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٤.
[ ١ / ٢٧٤ ]
الْمُدْرَجُ (١)
ويقعُ فِي المَتْنِ، وَفِي السَّنَدِ، كَمَا سَيأتي، ولكلٍّ مِنْهُمَا (٢) أقسامٌ، فمنَ الأوَّلِ:
٢١٣ - المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا، بلا فَصْلٍ ظَهَرْ
٢١٤ - نَحْوُ (إذَا قُلْتَ: التَّشَهُّدَ) وَصَلْ ذَاكَ (زُهَيْرٌ) وَ(ابنُ ثَوْبَانَ) فَصَلْ
٢١٥ - قُلْتُ (٣): وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ كـ (أسْبِغُوا الوُضُوْءَ وَيْلٌ لِلعَقِبْ)
(المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ، مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا) مِنْ رواتِهِ (٤)، صَحَابِيٍّ، أَوْ غيرِهِ،
(بِلاَ فَصْلٍ ظَهَرْ) بَيْنَ الخبرِ، والملحَقِ بِهِ، يَعْزوهُ لِقائلِهِ، بحيثُ يتوهَّمُ أنَّهُ مِنَ الخَبرِ.
وسَبَبُ الإدراجِ: إما تَفْسيرُ غَرِيْبٍ فِي الخبرِ: كخَبرِ النَّهي عَنْ الشِّغارِ (٥)، أَوْ
_________________
(١) المدرج لغةً -بضم الميم وفتح الراء-: اسم مفعول من (أدرج)، تقول: أدرجت الكتاب إذا طويته، وتقول: أدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فيه، وتقول: أدرجت الشيء في الشيء: إذا أدخلته فيه وضمنته إيّاه. وفي اصطلاح المحدثين: هو ما كانت فيه زيادة ليست منه، أو بعبارة أوضح: هو الحديث الذي يعرف أن في سنده أو متنه زيادة ليست منه، وإنما هي من أحد الرواة من غير توضيح لهذه الزيادة. حاشية محيي الدين عبد الحميد على توضيح الأفكار ٢/ ٥٠، والتعليقات الأثرية لعلي حسن على المنظومة البيقونية: ٣٧. وانظر الاقتراح: ٢٢٣، والموقظة: ٥٣، وتاج العروس ٥/ ٥٥٥. وانظر في المدرج: معرفة علوم الحديث: ٣٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٢٨، والإرشاد ١/ ٢٥٤ - ٢٥٧، والتقريب: ٧٩ - ٨٠، والاقتراح: ٢٢٣، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٥٣، والموقظة: ٥٣، واختصار علوم الحديث: ٧٣، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٤١ - ٢٥٢، والشذا الفياح ١/ ٢١٦ - ٢٢٢، والمقنع ١/ ٢٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٥، ونزهة النظر: ١٢٤، ونكت ابن حجر ٢/ ٨١١ - ٨٣٧، والمختصر: ١٤٥، وألفية السيوطي: ٧٣ - ٧٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٠١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠، وظفر الأماني: ٢٤٨، وقواعد التحديث: ١٢٤، وتوجيه النظر ١/ ٤٠٨ - ٤١٣.
(٢) في (ق) و(ص): «منها».
(٣) في (ب) من متن الألفية: «قيل».
(٤) في (ص): «رواية».
(٥) الحديث أخرجه مالك (١٥٢٩) رواية يحيى، وابن أبي شيبة (١٧٤٩٦)، وأحمد ٢/ ٧ و١٩ و٦٢، والدارمي (٢١٨٦)، والبخاري ٧/ ١٥ (٥١١٢)، ومسلم ٤/ ١٣٩ (١٤١٥) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠)، وأبو داود (٢٠٧٤)، وابن ماجه (١٨٨٣)، والترمذي (١١٢٤)، والنّسائيّ ٦/ ١١٠ و١١٢، وأبو يعلى (٥٧٩٥) و(٥٨١٩)، وابن الجارود (٧١٩) و(٧٢٠)، وابن حبان (٤١٥٥)، والبيهقي ٧/ ١٩٩ و٢٠٠، والبغوي (٢٢٩١). =
[ ١ / ٢٧٥ ]
استنباطٌ (١) مِمّا فَهِمَهُ مِنْهُ أَحَدُ رواتِه، كَمَا فَهِمَ ابنُ مسعودٍ مِن خبرِهِ الآتي، أنَّ الخروجَ مِنَ الصَّلاةِ، كَمَا يَحْصلُ بالسلامِ، يحصلُ بالفراغِ من التشهُّدِ، فأدرجَ فِيهِ بَعْضُ رواتهِ: «إنْ شِئْتَ أنْ تَقُوْمَ»، إلى آخرِه (٢).
وكما فَهِمَ عَروةُ من خبرِهِ الآتي أنَّ سببَ نقضِ الوضوءِ مسُّ مظِنَّةِ الشَّهوةِ فأدرجَ فِيهِ بَعْضُ رواتِه «الأُنثيينِ، والرُّفْغَ» - بضمِّ الراءِ وفتحِها (٣) - أي: أصْلَ الفَخِذينِ؛ لأنَّ مَا قَاربَ الشيءَ، أُعْطِيَ حُكْمَهُ.
أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ (نَحْوُ) قَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ فِي آخرِ خبرِ القاسمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ (٤) عَنْ عَلْقَمةَ بنِ قَيْسٍ، عَنْهُ فِي تَعْليمِ النَّبيِّ - ﷺ - لَهُ التشهدَ فِي الصلاةِ: (إذَا قُلْتَ) هَذَا (التَّشَهُّدَ)، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، إِنْ شِئْتَ أنْ تَقُوْمَ فَقُمْ، وَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (٥).
فَقَدْ (وَصَلْ ذَاكَ) بالخبرِ (زُهَيْرٌ)، هُوَ ابنُ مُعاويةَ أَبُو خَيْثَمَةَ (و) عَبْدُ الرحمانِ بنُ ثابتٍ هُوَ (ابنُ ثَوْبَانَ فَصَلْ) ذاكَ عَنِ الخبرِ، بقولِهِ: «قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ» (٦)، بَلْ
_________________
(١) = والزيادة المدرجة في الحديث هِيَ: «والشغار أن يزوج الرجل ابنته علىأن يزوجه الآخر ابنته ليس بَيْنَهُمَا صداق». وانظرشرح صحيح مسلم ٣/ ٥٧٢، وفتح الباري ٩/ ١٦٢ حيث إنهم بيّنوا أن هذه الزيادة من كلام نافع.
(٢) في (ق): «الاستنباط».
(٣) أخرجه الطيالسيّ (٢٧٥)، وأحمد ١/ ٤٢٢، والدارمي (١٣٤٧)، وأبو داود (٩٧٠)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٢٧٥، وابن حبان (١٩٥٧) (١٩٥٨) (١٩٥٩)، والطبراني في الكبير (٩٩٢٥) والدارقطني ١/ ٣٥٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٦ - ٤٠٠.
(٤) انظر: تاج العروس ٢٢/ ٤٨٥ (رفغ)، وقارن بالنكت الوفية: ١٧٣/ب.
(٥) بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة وكسر الميم الثانية. شرح صحيح مسلم ١/ ٣٠٠، وكذا في الخلاصة ٣١٤، لكنّه بفتح الميم الثانية.
(٦) أخرجه من هذا الطّريق: الطيالسيّ (٢٧٥)، وأحمد ١/ ٤٢٢، والدارمي (١٣٤٧)، وأبو داود
(٧) ، وابن حبان (١٩٥٧) (١٩٥٩)، والدارقطني ١/ ٣٥٣.
(٨) عند ابن حبان (١٩٥٨)، والطبراني في الكبير (٩٩٢٤)، وفي مسند الشاميين (٦٤)، والدارقطني ١/ ٣٥٤، والحاكم في المعرفة ٣٩ - ٤٠، والبيهقي ٢/ ١٧٥، والخطيب في الفصل ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ٢٧٦ ]
رَواهُ شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ زُهَيرٍ (١) نفسِهِ - أَيْضًا - كَذلِكَ (٢).
ويُؤيدُهُ: اقتصارُ جماعاتٍ عَلَى الخبرِ، وتصريحُ جماعاتٍ بعدمِ رفعِ ذَلِكَ.
بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ: «اتَّفقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أنَّه مُدْرَجٌ» (٣). انتهى.
مَعَ أنَّهُ لَوْ صَحَّ وَصْلُهُ (٤) لكانَ مُعَارِضًا لِخبَرِ: «تَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» (٥)، عَلَى أنَّ الخَطَّابِيَّ (٦) جمعَ بَيْنَهُمَا عَلَى تقديرِ وَصْلِهِ، بأنَّ قولَهُ: «قَضيْتَ صَلاَتَكَ» أي: مُعْظَمَها.
(قُلْتُ: وَمِنْهُ) أي: مِنَ المُدرجِ مِنَ القِسمِ الأَوَّلِ: (مُدرجٌ قَبْلُ) أي: قَبْلَ آخرِ الخبرِ أي: فِي أَوَّلِهِ، أَوْ أثنائِهِ (٧) (قُلِبْ) بالنِّسبةِ للمُدْرجِ آخرُه، وَهُوَ تأكيدٌ لقَبْلُ، مَعَ إشارةٍ إلى أكثريةِ المُدرجِ آخر الخبرِ.
(كَ) خَبرِ: (أسْبِغُواْ) أي: أَكْمِلُوا (٨) (الْوُضُوْءَ، وَيْلٌ لِلْعَقِبْ) (٩) مِنَ النارِ، وَفِي لَفْظٍ - وَهُوَ الأكثرُ - للأَعْقَابِ.
_________________
(١) في (ق): «عن زهير عن».
(٢) عند الدّارقطنيّ ١/ ٣٥٣، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١٧٤، والخطيب في الفصل ١٠٨.
(٣) الخلاصة: ٦١/ ب، وبنحو هذا النص في المجموع ٣/ ٤١٣ - ٤١٥ وقول النّوويّ نقله الكافيجي في المختصر: ١٤٨، والكمال بن الهمام في شرح فتح القدير ١/ ١٩٣، والعراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٩٧، والسيوطي في شرح ألفية العراقي: ٢٠٢، والتدريب ١/ ٢٦٨.
(٤) سقطت من (ق).
(٥) أخرجه الشّافعيّ في المسند (١٩١) بتحقيقنا، وعبد الرزاق (٢٥٣٩)، وابن أبي شيبة (٢٣٧٨)، وأحمد ١/ ١٢٣ و١٢٩، والدارمي (٦٩٣)، وأبو داود (٦١) و(٦١٨)، وابن ماجه (٢٧٥)، والترمذي (٣)، والبزار (٦٣٣)، وأبو يعلى (٦١٦)، والطحاوي ١/ ٢٧٣، وابن عدي في الكامل ٥/ ٢٠٨، والدارقطني ١/ ٣٦٠ و٣٧٩، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٧٢، والبيهقي ٢/ ١٥ و١٧٣ و٢٥٣ - ٢٥٤ و٣٧٩، والخطيب في تاريخ بغداد ١٠/ ١٩٧، والبغوي (٥٥٨) من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن محمّد بن الحنفية، عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ -.
(٦) معالم السّنن ١/ ٤٥٠ - ٤٥١، وانظر الدراية ١/ ١٥٧.
(٧) في (ق): «وأثنائه».
(٨) انظر: التاج ٢٢/ ٥٠٠.
(٩) عند الطيالسيّ (٢٤٨٦).
[ ١ / ٢٧٧ ]
فَقَدْ رَواهُ شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، وغيرُهُ (١)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ برفعِ الجُملتينِ، مَعَ كونِ الأولى مِن كلامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا بيَّنهُ جُمْهُورُ الرُّواةِ، عَنْ شُعْبَةَ، واقْتَصَرَ بَعْضُهُم عَلَى الثانيةِ (٢).
فَهُوَ مِثالٌ للمُدرجِ أَوَّل الخبرِ، وَهُوَ نادرٌ جِدًّا، حَتَّى قَالَ شَيْخُنا: «إنَّهُ لَمْ يَجدْ غيرَهُ إلاَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ خبرِ بُسْرَةَ الآتي» (٣).
عَلَى أنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أسْبِغُواْ الْوُضُوْءَ»، قَدْ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٤) مَرْفُوْعًا، من خبرِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ.
وبِذَلِكَ سَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّ المُدْرَجَ فِي الأَوَّلِ أكثرُ مِنْهُ فِي الأثناءِ.
وَمِثَالُ المُدْرَجِ (٥) فِي الأثناءِ - وَهُوَ قَليلٌ بالنِّسبةِ لِلْمُدرجِ فِي الآخِرِ، كثيرٌ بالنسبةِ للمُدرَجِ فِي الأَوَّلِ - خَبَرُ هِشامِ بنِ عُروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ بُسْرَةَ بنتِ صَفْوَانَ، مَرْفُوْعًا: «مَنْ مَسَّ ذكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَهُ (٦) فَلْيَتَوَضَّأ».
فَقَدْ رَواهُ عَبْدُ الحميدِ بنُ جَعْفرٍ (٧)، وغيرُهُ، عَنْ هِشامٍ كَذلِكَ، مَعَ أنَّ الأُنثيينِ والرُّفغَ، إنَّما هُوَ من قَوْلِ عُروةَ، كَمَا بيَّنهُ جماعاتٌ عَنْ هِشامٍ (٨)، واقتصرَ كَثِيْرٌ من أصحابِ هشامٍ عَلَى الخبرِ هَذَا.
_________________
(١) أي من رواية أبي قطن. انظر الفصل للوصل: ١٣١.
(٢) عند الطيالسيّ (٢٢٩٠)، وأحمد ٢/ ٤٠٩ و٤٣٠، والدارمي (٧١٣)، والبخاري ١/ ٥٣
(٣) ، والنّسائيّ ١/ ٧٧، والخطيب في الفصل: ١٣١ - ١٣٣.
(٤) النكت ٢/ ٨٢٤.
(٥) الجامع الصّحيح ١/ ٥٣ حديث (١٦٥)، وصحيح مسلم ١/ ١٤٨ (٢٤٢) (٢٩).
(٦) سقطت من (ق).
(٧) الرفغ: هو مجامع الوسخ، ومن ثمّ أطلق على أصل الفخذين، وقيل: هو ما حول الفرج، وقيل: ما فوق العانة وتحت السرة. انظر: غريب الحديث للحربي ١/ ٣٠، والفائق في غريب الحديث ٢/ ٧٢، وأساس البلاغة: ٣٥٦، والنكت الوفية ١٧٣/ب.
(٨) عند الدّارقطنيّ ١/ ١٤٨.
(٩) فقد نقل الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٣ قول الدّارقطنيّ في أن المحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع. وقال الخطيب «وليس من كلام رسول الله - ﷺ - وإنما هو قول عروة بن الزّبير، فأدرجه الرّاوي في متن الحديث. وقد بين ذلك حماد وأيوب. انظر: الفصل للوصل: ٢٣٣ - ٢٣٥.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وَقَدْ رَواهُ الطبرانيُّ فِي " الكَبيرِ " (١) من خبرِ مُحَمَّدِ بنِ دينارٍ، عَنْ هشامٍ بلفظِ:
«مَنْ مَسَّ رُفْغَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ ذَكَرَهُ».
فَهُوَ عَلَى هَذَا مثالٌ للْمُدْرَج فِي الأَوَّلِ، عَلَى مَا أفادَهُ كلامُ شيخِنا (٢).
٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ
٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ أُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ
٢١٨ - وَمِنْهُ أنْ يُدْرَجَ بَعْضُ مُسْنَدِ (٣) في غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلاَفِ السَّنَدِ
٢١٩ - نَحْوُ (وَلاَ تَنَافَسُوْا) في مَتْنِ (لاَ تَبَاغَضُوا) فَمُدْرَجٌ قَدْ نُقِلاَ
٢٢٠ - مِنْ (٤) مَتْنِ (لاَ تَجَسَّسوا) (٥) أدْرَجَهُ (إبْنُ أبي مَرْيَمَ) إذْ أخْرَجَهُ
(ومِنْهُ) أي: مِنَ المُدْرَجِ مِنَ القِسْم الثَّانِي، وَهُوَ الأَوَّلُ مِن ثلاثةِ أقسامٍ، ذَكَرَهَا ابنُ الصَّلاحِ (٦): (جَمْعُ مَا) أي: خَبرٌ (أتَى كُلَّ طَرَف مِنْهُ) عَنْ راويهِ (بإسْنادٍ)، غَيْرِ إسنادِ الطَّرَفِ الآخرِ (بوَاحدٍ سَلَفْ) مِنَ الإسنادَينِ، مُتَعَلِّقٌ ب «جَمْعُ» و«سَلَفْ» تَكْمِلةٌ.
(كَ) خَبرِ (وَائِلٍ)، هُوَ ابنُ حُجْرٍ (فِي صِفَةِ الصَّلاةِ) أي: صلاةِ النَّبيِّ - ﷺ - الَّذِي رَواهُ زائِدةُ (٧) وغيرُهُ (٨)، عَنْ عَاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْهُ.
_________________
(١) ٢٤/ (٥١٦).
(٢) النكت لابن حجر ٢/ ٨٢٤.
(٣) في النفائس: «المسند».
(٤) في نسخة (ب) و(ج) من متن الألفية: «في».
(٥) في النفائس: «لا تحسسوا» بالحاء المهملة.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣١.
(٧) عند أحمد ٤/ ٣١١، والدارمي (١٣٦٤)، وابن الجارود (٢٠٨)، وابن حبان (١٨٥٦)، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٨٢)، والخطيب في الفصل ٢٧٩.
(٨) منهم: سفيان بن عيينة عند الشّافعيّ في المسند (١٩٧) بتحقيقنا، والحميدي (٨٨٥)، والنّسائيّ ٢/ ٢٣٦، والدارقطني ١/ ٢٩٠، والخطيب في الفصل: ٢٧٩، وشريك في سنن أبي داود (٧٢٨)، وشرح المعاني ١/ ١٩٦، وشرح السّنّة (٥٦٤).
[ ١ / ٢٧٩ ]
فإنَّهُ (قَدْ أُدْرِجَ) مِن بَعْضِ رواتهِ فِي آخرهِ بهذا السَّنَدِ (١): «(ثُمَّ جِئْتُهُمْ) بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيْدٌ، فَرَأيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ، تَحَرَّكُ (٢) أيْدِيْهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ».
(وَمَا اتَّحَدْ) سَنَدُ (٣) الجُملتينِ، بَلِ الذي عِنْدَ (٤) عاصمٍ بهذا السَّنَدِ الجُملةُ الأولى فَقَطْ، وأما الثانيةُ فإنَّما رَواها عَنْ عَبْدِ الجبارِ بنِ وائلٍ، عَنْ بَعْضِ أهلِهِ، عَنْ وائلٍ هَكذا. فَصَلَهُما زُهَيْرُ بنُ معاويةَ (٥)، وغيرُه (٦)، ورجَّحَهُ مُوسى بنُ هارونَ الحَمَّالُ (٧) وقَضَى عَلَى الأَوَّلِ - وَهُوَ جمعُهما بسندٍ واحدٍ - بالوَهَمِ، وصوَّبهُ ابنُ الصَّلاحِ (٨).
وَوَجْهُ كونِهِ مُدرجَ الإسنادِ أنَّ الرَّاوِيَ، لما رَوَى الجُملتينِ بسندِ إحداهما، كانَ كأنَّه أدْرجَ أَحَدَ السَّنَدينِ فِي الآخرِ، حَتَّى سَاغَ لَهُ أنْ يُركِّبَ عَلَيْهِ الجُملتينِ.
(وَمِنْهُ): وَهُوَ ثاني الثلاثةِ (أَنْ يُدْرَجَ) مِنَ الراوي (بَعْضُ) خبرٍ (مُسْنَدِ فِي) خَبرِ (غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلافِ السَّنَدِ) فِيْهِمَا. (نَحْوُ: «ولاَ تَنَافَسُوا» فِي مَتْنِ: «لاَ تَباغَضُوا» فَمُدْرجٌ) أي: فلفظُ: «وَلاَ (٩) تَنَافَسُواْ» مدرجٌ فِي مَتْنِ: «لاَ تَبَاغَضُواْ»
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧، وفتح المغيث١/ ٢٦٨.
(٢) تحرك: صيغة مضارع من (التّفعّل) بحذف إحدى التاءين أي: تتحرك. انظر: عون المعبود ١/ ٢٦٥، وبذل المجهود ٤/ ٤٣٨.
(٣) لم ترد في (ع).
(٤) في (ص): «عنه».
(٥) عند أحمد ٤/ ٣١٨، والطبراني ٢٢/ (٨٤)، والخطيب في الفصل: ٢٨٤.
(٦) كشجاع بن الوليد: عند الخطيب في الفصل: ٢٨٤.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٧ إذ قال: «وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع بن الوليد». قال موسى بن هارون الحمال: «وذاك-يعني: رواية سفيان وزائدة-عندنا وهم وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل. هكذا رواه مبينًا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب، وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادهما كما ذكرنا». ثم قال: «وهذه رواية مضبوطة اتفق عليه زهير وشجاع بن الوليد، وهما أثبت له رواية ممن روى «رفع الأيدي من تحت الثياب»، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل» نكت الزركشي٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣١.
(٩) في (ص): «فلا».
[ ١ / ٢٨٠ ]
المرويِّ عَنْ مَالِكٍ (١)، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنسٍ بلفظِ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا».
فإنَّه (قَدْ نُقِلاَ) - بألِفِ الإطْلاقِ - أي: نَقَلَهُ راويه ابنُ أَبِي مَرْيَمَ (٢) الآتي (مِنْ مَتْنِ: لاَ تَجَسَّسُوا) -بالجيم أَو بالحاء- المرويِّ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَيْضًا، لَكِنْ عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظِ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيْثِ، وَلاَ تَجَسَّسُواْ، وَلاَ تَحَسَّسُواْ (٤)، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوْا».
ثُمَّ (أَدْرَجَهُ) أي: «وَلاَتَنَافَسُواْ» فِي السَّنَدِ الأَوَّلِ (إبنُ أَبِي مَرْيَمَ) الحافظُ أَبُو مُحَمَّدٍ سعيدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ (٥) الجُمَحيُّ (٦) شَيْخُ البُخَارِيِّ (إِذْ أخرَجَهُ) أي: حِيْنَ رَواهُ عَنْ مَالِكٍ.
فصيَّرهُما بإسنادٍ واحدٍ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْخَطيبُ (٧)، وصرَّحَ هُوَ وغيرُهُ، بأنَّهُ خَالفَ بِذَلِكَ جَميعَ الرُّواةِ عَنْ مَالِكٍ.
٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضًا في السَّنَدْ
_________________
(١) في الموطأ (٢٦٣٩) رواية الليثي. وكذلك رواه أصحاب الموطآت جميعًا على الصّواب: أبو مصعب الزّهريّ (١٨٩٤)، وسويد بن سعيد (٦٨١)، وعبد الرحمان بن القاسم (٤). وأخرجه البخاريّ ٨/ ٢٥ (٦٠٧٦)، وفي الأدب المفرد (٣٩٨)، ومسلم ٨/ ٨ (٢٥٥٩) (٢٣)، وأبو داود (٤٩١٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٥٤)، وابن حبان (٥٦٧٠)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦، والبغوي (٣٥٢٢)، كلهم من طريق مالك.
(٢) عند ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦.
(٣) في الموطأ (٢٦٤٠) رواية الليثي، و(١٨٩٥) رواية أبي مصعب الزّهريّ، و(٦٨٢) رواية سويد بن سعيد، و(٨٩٦) رواية محمّد بن الحسن. وأخرجه أحمد ٢/ ٤٦٥ و٥١٧، والبخاريّ ٨/ ٢٣ (٦٠٦٦)، وفي الأدب المفرد (١٢٨٧)، ومسلم ٨/ ١٠ (٢٥٦٣) (٢٨)، وأبو داود (٤٩١٧)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٥٧). كلهم من طريق مالك على الصّواب.
(٤) لم ترد في (ع).
(٥) في (م): «الحاكم». وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية وهو الموافق لمصادر ترجمته.
(٦) هو الحافظ العلاّمة محدّث الديار المصرية أبو محمّد سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي. توفّي سنة (٢٢٤) هـ. التأريخ الكبير ٣/ ٥١٢، والعبر ١/ ٣٩٠، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٢٧.
(٧) الفصل: ٤٤٤، والتمهيد ٦/ ١١٦، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٠٩، وفتح المغيث ١/ ٢٧٠.
[ ١ / ٢٨١ ]
٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ
٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْرًا) (١) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ(ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ
٢٢٤ - وَزَادَ (٢) (الاعْمَشُ) (٣) كَذَا (مَنْصُوْرُ) وَعَمْدُ (٤) الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ
(وَمِنْهُ) (٥)، وَهُوَ ثالثُ الثلاثةِ (مَتْنٌ) أي خَبرٌ (عَنْ جَمَاعَةٍ) من الرُّواةِ (وَرَدْ، وَبَعْضُهُم) قَدْ (خَالَفَ بَعْضًا) بزيادةٍ أَوْ نقصٍ (فِي السَّنَدْ؛ فَيَجْمَعُ) بَعْضُ من رَوَى عَنْهُمْ (الكُلَّ) أي: كُلَّ الجماعةِ (بإسنادٍ) واحدٍ (ذَكَرْ) أي: مذكورٌ، ويُدْرِجُ روايةَ مَنْ خالفَهُم مَعَهُمْ عَلَى الاتِّفاقِ.
(كَمَتْنِ) أي: خَبَرِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟). قَالَ: أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا» (٦)، (الخَبرْ، فإنّ عَمْرًا)، وَهُوَ ابنُ شُرَحْبِيْلَ (عِنْدَ وَاصِلٍ) هُوَ ابنُ حَيَّانَ (٧) الأسدِيُّ (فَقَطْ بَيْنَ) شَيْخِهِ (شَقيقٍ) أَبِي وائلِ بنِ سَلَمَةَ، (وابنِ مَسْعُودٍ سَقَطْ)، فَرَواهُ عَنْ شَقيْقٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، وأسقطَ عَمْرًا مِنْ بَيْنِهِما.
_________________
(١) في نسخة (أ) من متن الألفية: «عمروًا».
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية: ١٧٥/ ب: «المفعول - وهو عمرو - محذوف لضيق النظم عنه، فالتقدير: وزاده الأعمش، فلو أنه قال: وزاده الأعمش أو منصور، لكان أحسن من أجل ذكر المفعول، ولا يضرّ الإتيان بأو بل ربّما يكون متعينًا لأنه سيذكر أنه اختلف على الأعمش في زيادة عمرٍو فلم يغلب على الظن حينئذٍ أنه زاده» وسيبنه الشارح عليها.
(٣) بدرج همزة «الأعمش» أي جعلها همزة وصل لضرورة الوزن، وكذلك همزة «الإدراج» في الشطر الثاني، وسينبه الشارح عليه.
(٤) في نسخة ب من متن الألفية: «عمدًا».
(٥) بعد هذا في (ع): «أي».
(٦) صحيح البخاريّ ٦/ ١٣٧ (٤٧٦١) و٨/ ٢٠٤ (٦٨١١)، والنّسائيّ ٧/ ٩٠.
(٧) في (ق): «حبان».
[ ١ / ٢٨٢ ]
(وَزَادَ) هُ (١) (الاعمَشُ) - بدرج الهمزةِ - (كَذَا مَنْصُورُ) بنُ المُعْتَمِرِ. فَرَوَياهُ عَنْ شقيقٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ (٢).
فلمَّا رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْهُمَا، وَعَن واصلٍ صارَتْ روايةُ واصلٍ هذِهِ مدرجةً عَلَى روايتهما.
وَقَد فصَلَ أحدَ الإسنادينِ عَنِ الآخرِ يَحْيَى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ (٣).
لَكِنْ رُوِيَ عَنْ واصلٍ أَيْضًا أنَّه أثبتَ عَمْرًا، كالأعمشِ، ومنصورٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعمشِ: أنَّه أسقطَهُ (٤).
(وَعَمْدُ) أي: تَعَمُّدُ (الادراجِ) -بِدرجِ الهَمْزةِ- (لَهَا) بمعنى فِيْهَا أي: فِي أقْسَامِ الْمُدرجِ بِقِسْمَيْهِ (مَحْظُورُ) أي: ممنوعٌ (٥) لِتَضَمُّنِهِ عَزْوَ القَوْلِ لغيرِ قائلِهِ.
نَعَمْ، مَا أُدْرِجَ لتفسيرِ غَرِيْبٍ، فمسامحٌ فِيهِ، ولهذا فعلَهُ الزُّهْرِيُّ، وغيرُه من الأئمَّةِ.
_________________
(١) الضمير سقط من (ع).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٧١٩) (١٩٧٢٠)، والبخاري ٦/ ١٣٧ (٤٧٦١) و٨/ ٢٠٤ (٦٨١١)، والنّسائيّ في الكبرى (١١٣٦٩)، وفي التفسير له (٣٨٩)، والطبري في التفسير ١٩/ ٤١، وأبو عوانة ١/ ٥٥.
(٣) رواه البخاريّ في صحيحه ٨/ ٢٠٤ (٦٨١١) في كتاب المحاربين عن عمرو بن عليٍّ، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، والأعمش كلاهما عن أبي وائلٍ، عن عمرو، عن عبد الله، وعن سفيان. وفي ٦/ ١٣٧ (٤٧٦١)، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عمرو بن شرحبيل. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٠ - ٤١١، وفتح المغيث ١/ ٢٧١.
(٤) انظر: العلل للدارقطني ٥/ ٢٢٠ - ٢٢٣ (٨٣٤)، والفصل للخطيب: ٤٨٥ - ٤٩٤، وفتح الباري ١٢/ ١١٦، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١١، وفتح المغيث ١/ ٢٧١.
(٥) قال ابن الصّلاح: واعلم انه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور. معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٥. قال النّوويّ في التقريب: ٧٩: «وكله حرام»، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٢. وقال السيوطي في تدريب الرّاوي ١/ ٢٧٤: «حرام بإجماع أهل الحديث والفقه. وعبارة السمعاني وغيره «من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين» وعندي - أي السيوطي - أن ما ادرج لتفسير غريب لا يمنع».
[ ١ / ٢٨٣ ]
الْمَوْضُوْعُ (١)
من «وَضَعَ الشَّيْءَ» أي: حَطَّهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لانحطاطِ رُتبتِهِ دائمًا بحيث لا ينجبرُ أصلًا.
٢٢٥ - شَرُّ الضَّعِيْفِ: الخَبَرُ الموضُوْعُ الكَذِبُ، المُختَلَقُ، المَصْنُوْعُ
٢٢٦ - وَكَيْفَ كَانَ لَمْ يُجِيْزُوا ذِكْرَهُ لِمَنْ عَلِمْ، مَا لَمْ يُبَيِّنْ (٢) أمْرَهُ
٢٢٧ - وَأكْثَرَ الجَامِعُ فِيْهِ إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ، عَنَى (٣): أبَا الفَرَجْ
٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ، رُكُوْنًا لَهُمُ ونُقِلَتْ
٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
_________________
(١) قال البقاعي في النكت والوفية: ١٧٦/ب: «الموضوع هو اسم مفعول من وضع الشيء يضعه - بالفتح - وضعًا حطّه إشارة إلى أنّ رتبته أن يكون دائمًا ملقًى مطّرحًا لا يستحق الرفع». قلنا: ويشبه أن يكون من باب استعمال الأضداد في المعاني المتناقضة؛ إذ ما ينسب إلى النبي - ﷺ - يسمّى مرفوعًا، تعظيمًا لقدره ومراعاة لجهة نسبته إلى المصطفى - ﷺ -. أما المكذوب: فسمّي موضوعًا إشارةً إلى عدم استحقاقه وأخذه بنظر الاعتبار، بل منزلته أن يبقى غير معبوءٍ به. على أن الحافظ ابن حجر ذكر في نكته ٢/ ٨٣٨ معنيين لغويين، أحدهما الذي أشار إليه البقاعي، والثاني: أنه من الألصاق: تقول: وضع فلان على فلان كذا أي: ألصقه به. ثم رجح كون الألصاق أوضح في المعنى الذي أراده المحدّثون. وانظر في الموضوع: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٩٨، وجامع الأصول١/ ١٣٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٦، والإرشاد ١/ ٢٥٨ - ٢٦٥، والتقريب: ٨٠ - ٨٥، والاقتراح: ٢٣١، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٣٦، واختصار علوم الحديث: ٧٨، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٥٣ - ٢٩٨، والشذا الفياح ١/ ٢٢٣ - ٢٢٩، ونزهة النظر: ١١٨، ونكت ابن حجر ٢/ ٨٣٨ - ٨٦٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٣، والمختصر: ١٤٩، وفتح المغيث ١/ ٢٣٤، وألفية السيوطي: ٧٩ - ٩٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢١٥، وتوضيح الأفكار٢/ ٦٨، وظفر الأماني: ٤١٢، وقواعد التحديث: ١٥٠.
(٢) أي: ذاكره.
(٣) في نسخة (ب) و(جـ) من متن الألفية: «عنا».
[ ١ / ٢٨٤ ]
(شرُّ) أنواعِ (الضعيفِ) من مرسلٍ، ومنقطعٍ، وغيرِهما (الخبرُ الموضوعُ) أي: المحطوطُ، (الكذبُ) أي: المكذوبُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -، (المختلَقُ) - بفتح اللام - أي: الذي لا يُنسبُ إِليهِ أصلًا، (المصنوعُ) من واضعِهِ.
وجيء فِي تعريفه بهذهِ الألفاظِ الثلاثةِ المتقاربةِ، للتأكيدِ فِي التَّنفيرِ مِنْهُ، والأوَّلُ مِنْها مِن زيادتِهِ (١).
وأوردَ المَوْضُوْعَ فِي أنواعِ الحَدِيْثِ (٢)، مَعَ أنَّه لَيْسَ بحديثٍ؛ نظرًا إلى زَعْمِ واضعِهِ، ولتُعْرَفَ طرقُهُ التي يُتوصَّلُ بها لمعرفتِهِ لينفى عَنْ القَبولِ.
(وَكَيْفَ كَانَ) الموضوعُ أي: فِي أيِّ مَعْنًى كَانَ مِن حُكْمٍ، أَوْ قِصَّةٍ، أَوْ ترغيبٍ، أَوْ ترهيبٍ، أَوْ غيرِها (لَمْ يُجيزوا) أي: العُلَمَاءُ (ذِكْرَهُ) بروايةٍ أَوْ غَيْرِها، كاحتجاجٍ أَوْ ترغيبٍ (٣) (لمَنْ عَلِم) -بإدغامِ ميمِهِ فِي ميمِ مَا الآتية- أنَّه مَوْضُوْعٌ؛ لخبرِ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّيْ بِحَدِيثٍ يُرَى- أي: يَظُنُّ - أنَّه كَذِبٌ، فَهُوَ أحَدُ الْكَاذبِيْنَ» (٤) بالتثنيةِ والجمعِ (٥) (مَا لَمْ يُبَيِّنْ) ذاكرهُ (أمرَهُ) فإن بيَّنَهُ كأنْ قَالَ: «هَذَا كَذِبٌ، أو بَاطلٌ» جَاز ذِكْرُهُ.
(وَ) لَقَدْ (أَكْثَرَ الجامِعُ فِيهِ) مصنَّفًا نَحْو مجلَّدين (إذْ خَرَجْ) عَنْ مَوْضُوْعِ مصنَّفِهِ (لِمُطْلقِ الضَّعْفِ)، حَيْثُ أودعَ فِيهِ كثيرًا من الأحاديثِ (٦) الضعيفةِ التي لا دليلَ عَلَى وَضْعها (٧)، بَلْ ربَّما أودَعَ فِيهِ الحَسَنَ والصَّحيحَ.
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٧٤.
(٢) قال ابن حجر في النكت ٢/ ٨٣٨: «واستنكرت؛ لأن الموضوع ليس من الحديث الشريف، إذ أفعل التفضيل إنما يضاف إلى بعضه ويمكن الجواب، بأنه أراد بالحديث القدر المشترك. وهو ما يحدّث به». وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٦٩.
(٣) انظر: الإرشاد ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩، المنهل الروي ٥٣ - ٥٤، والنكت ٢/ ٨٣٩، وفتح المغيث ١/ ٢٧٤.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٦٠٥)، أحمد ٤/ ٢٥٠ و٢٥٢ و٢٥٥، ومسلم ١/ ٧ في مقدمة الصّحيح، وابن ماجه (٤١)، والترمذي (٢٦٦٢)، والطبراني ٢٠/ (١٠٢٠) و(١٠٢١) و(١٠٢٢)، والبغوي (١٢٣) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٥) في (ق): «وبالجمع».
(٦) لم ترد في (ق).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٩، والإرشاد ١/ ٢٦١، ونكت ابن حجر ٢/ ٨٤٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٠، وفتح المغيث ١/ ٢٧٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
و(عَنَى) أي: ابنُ الصَّلاحِ (١) بالجامعِ المذكورِ (أبَا الفَرَجْ) ابنَ الْجَوْزِيِّ، والْمُوقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ، استنادُهُ غَالِبًا لِضَعْفِ (٢) راوِي الحَدِيْثِ الذي رُمِيَ بالكذبِ - مثلًا - غافلًا عَنْ مجيئِهِ من وجهٍ آخرَ.
(وَالوَاضِعُوْنَ لِلْحديثِ)، وهم كثيرونَ مَعْروفونَ فِي كُتُبِ الضُّعَفاءِ، ك" الميزانِ " للذَّهَبِيِّ (٣)، و" لِسانهِ " لشيخِنا (٤)، (أضْرُبُ):
فَضَرْبٌ: يَفْعَلونَهُ استِخْفَافًا بالدِّين، ليُضِلُّواْ بِهِ النَّاسَ، كالزَّنادقةِ (٥)، وهم: الَّذِيْنَ (٦) يُبْطِنُوْنَ الكُفْرَ ويُظْهِرُوْنَ الإِسْلاَمَ، أَوْ الذين لاَ يَتَدَيَّنُوْنَ بِدِيْنٍ.
وَضَرْبٌ: يَفْعَلُونَهُ انتِصَارًا، وتعصبًا لمذاهبهِم كالخَطَّابيَّةِ (٧): فرقةٌ تُنسبُ لأبي الخطَّابِ الأسديِّ، كَانَ يَقُولُ بالحلولِ.
وكالسَّالِمِيَّةِ (٨): فرقةٌ تنسبُ للحسنِ بنِ مُحَمَّدِ بن أَحْمَدَ بنِ سالمٍ السالميِّ (٩).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٩. وكتابه الذي عناه "الموضوعات" قد طبع في ثلاث مجلدات.
(٢) «وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة» قاله ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٩، وانظر: الإرشاد ١/ ٢٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٥، والنكت ١/ ٨٤٩ - ٨٥٠، وفتح المغيث ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٣) وكتابه " ميزان الاعتدال " وهو مطبوع في أربع مجلدات.
(٤) هو " لسان الميزان " وقد طبع في سبع مجلدات.
(٥) الزنادقة: جمع، والزنديق: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان. انظر: اللسان ١٠/ ١٤٧، (زندق)، وتاج العروس ٢٥/ ٤١٨، والموسوعة الفقهية ٢٤/ ٤٨، ومعجم متن اللغة ٣/ ٦٤.
(٦) في (ع): «قوم».
(٧) هم أصحاب أبي الخطّاب الأسدي، قالوا: الأئمة أنبياءٌ، وأبو الخطاب نبيٌ، وهؤلاء يستحلّون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، وقالوا: الجنة نعيم الدنيا، والنار آلامها. (التعريفات للجرجاني: ٥٩).
(٨) قال البقاعي في نكته: ١٧٩/ أ: «هم ممن وقف مع الحس كالذين قالوا: إنه سبحانه على العرش بطريق المماسة حتى قالوا: إنّ الميت يأكل في قبره ويشرب وينكح؛ لأنهم سمعوا أنه ينعّم في قبره، وليس النعيم عندهم إلا هذا، قاله ابن الجوزي في أوائل تلبيس إبليس. وقال الإمام أبو المظفر شهفور بن طاهر الشافعي في كتابه في فرق الأمم - نصفه الثاني في الكلام على الحلاجية -: أنّ السالمية جماعة من متكلمي البصرة قبلوا من الحلاّج بدعته في الحلول، قال: وهم من جملة الحشوية يتكلمون ببدعةٍ متناقضة». وانظر: تلبيس إبليس: ٨٦.
(٩) وممن يفعله أيضًا الرافضة، فكتبهم طافحة بالأكاذيب والموضوعات والقصص المكذوبة. ومن يطالع كتبهم يجد مصداق ذَلِكَ. وانظر: عَلَى شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٧، والنكت الوفية: ١٧٨/ ب.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وضربٌ: يتقرَّبونَ لِبعضِ الخُلفاءِ، والأمراءِ بوضعِ مَا يُوافقُ أفعالَهُم، وآراءهُم، ليكونَ كالعذرِ لهم فِيْمَا أتوا بِهِ (١)، كغياثِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ وضعَ للمهديِّ فِي حَدِيثِ: «لاَ سَبَقَ (٢) إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ»، فزاد فِيهِ: «أَوْ جناح»، وَكَانَ المهديُّ إِذْ ذاك يَلْعَبُ بالحَمَامِ، فتركها بَعْدَ ذَلِكَ وأمرَ بذبحِها، وَقَالَ: أنا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ (٣).
وضَرْبٌ: يفعلونَهُ لذمِّ مَنْ يُريدونَ ذمَّهُ.
وضَرْبٌ: يفعلونَهُ للاكتسابِ والارتزاقِ (٤).
وضَرْبٌ: امتُحِنُوا بأولادِهم، أَوْ ورَّاقينَ فوضَعوا لهم أحاديثَ، ودسُّوها عَلَيْهِمْ، فحدَّثوا بها من غَيْرِ أنْ يَشْعرُوا (٥).
وضَرْبٌ: يَلْجَؤْونَ إلى إقامةِ دليلٍ عَلَى مَا أَفتوا فِيهِ بآرائِهم (٦).
وضَرْبٌ: يَتديَّنونَ بِهِ (٧) لِتَرغيبِ النّاسِ فِي أفْعالِ الخيرِ بِزَعْمِهِم، وَهُم مَنْسوبونَ (٨) للزُّهْدِ.
وَكُلٌّ مِن هَؤُلاَءِ حَصلَ لَهُ، وبِهِ الضَّررُ.
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: النهاية ٢/ ٣٣٨.
(٣) هذه القصّة أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٤٢ و٣/ ٧٨، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٥٧٣ و٥/ ١٩٥٦ و٦/ ٢٢٢٩ و٧/ ٢٥٠١، وانظر: تذكرة الموضوعات: ١٥٤، وتنزيه الشريعة ٢/ ٢٣٩، والفوائد المجموعة: ١٧٤، والأسرار المرفوعة: ٤٦٩. والحديث صحيحٌ بدون لفظة: (جناح)، أخرجه الشَّافِعيّ٢/ ١٢٩، وابن أبي شَيْبَة (٣٣٥٥١)، وأحمد ٢/ ٢٥٦ و٣٨٥و٤٢٤و٤٧٤، وأبو دَاوُد (٢٥٧٤)، وابن ماجه (٢٨٧٨)، والترمذي (١٧٠٠)، وَالنَّسَائِيّ ٦/ ٢٢٦ و٢٢٧ وَفِي الكبرى (٤٤٢٦) (٤٤٢٧) و(٤٤٣٠)، والطحاوي في شرح المشكل (١٨٨٨و١٨٨٩)، وابن حبان (٤٦٩٧)، والطبراني في الصغير (٢٥)، والبيهقي١٠/ ١٦، والبغوي (٢٦٥٣) من حديث أبي هريرة.
(٤) كأبي سعد المدائني. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٩.
(٥) كعبد الله بن محمّد بن ربيعة القدامي. المصدر السابق.
(٦) كما نقل عن أبي الخطاب بن دحية. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤١٩.
(٧) سقطت من (ع).
(٨) في (ق): «منتسبون».
[ ١ / ٢٨٧ ]
و(أَضَرُّهُم قَوْمٌ لِزُهدٍ) وصلاحٍ (نُسِبُوا، قَدْ وَضَعُوْهَا) أي: الأحاديثَ فِي الفَضَائلِ والرغائبِ (حِسْبةً) أي: لِيَحْتَسِبوا (١) بها عِنْدَ اللهِ، بِزَعْمِهِم الباطِلَ، وجَهْلِهِم.
وإنما كَانُوا أضرَّ؛ لأنَّهم يَرونَ ذَلِكَ قُرْبَةً، فَلا يتركونَهُ (٢).
(فَقُبِلَتْ) مَوْضُوْعاتُهم (مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ) - بضم الميم - أي: ميلًا إليهم، ووثوقًا بِهم، لِما نُسِبوا لَهُ مِنَ الزُّهدِ والصلاحِ. (٣)
(وَنُقِلَتْ) عَنْهُمْ عَلَى لسانِ مَن اتَّصَفَ بالخيرِ، والتَّقوى، وحُسنِ الظنِّ، وسَلامةِ الصَّدرِ، بحيثُ يَحْمِلُ كلَّ مَا سَمِعَهُ عَلَى الصِّدْقِ، ولاَ يهتدي لتمييزِ الخطإِ مِنَ الصَّوابِ.
(فقيَّضَ اللهُ لها) أي: لموضوعاتِهِم (نُقَّادَها) جمعُ ناقدٍ من «نَقَدْتُ الدَّرَاهِمَ»، إذَا استخرجتُ مِنْها الزَّيْفَ (٤).
وَهُمْ مَنْ خَصَّهم اللهُ بقوَّةِ البصيرةِ فِي علمِ الحَدِيْثِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ حالُ الكذَّابِ، وغيرِهِ.
(فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا) وقاموا بأعباءِ مَا تَحمَّلوهُ (٥).
ومِن ثَمَّ لَمَّا قِيلَ لابنِ المباركِ: هذِهِ الأحاديثُ المصنوعةُ (٦)؟ قَالَ: يعيشُ (٧) لها الجهابذةُ ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ﴾ (٨) (٩).
_________________
(١) في (ص): «ليحسبوا».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٠.
(٣) الصحاح ٥/ ٢١٢٦، واللسان ١٣/ ١٨٥ (ركن).
(٤) الصحاح ٢/ ٥٤٤ (نقد).
(٥) أي: حمّلهم إياها غيرهم فتحملوه أي: ففعلوا ما أراد. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢١، والنكت الوفية: ١٨١/ ب.
(٦) في (ص) و(ع): «الموضوعة».
(٧) في (ص): «تعيش».
(٨) الحجر: ٩.
(٩) أسنده ابن عدي في مقدمة الكامل ١/ ١٩٢، وابن الجوزي في مقدمة الموضوعات ١/ ٤٦، ونقله المعلمي اليماني في التنكيل ١/ ٤٩.
[ ١ / ٢٨٨ ]
٢١٣ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى زَعْمًا نَأوْا عَنِ القُرَانِ (١)، فافْتَرَى
٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثًا في فَضَائِلِ السُّوَرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِئٌ صَوَابَهْ
٢٣٥ - وَجَوَّزَ (٢) الوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيْبِ قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ
ومثَّلَ لمَنْ كَانَ يضعُ حِسْبَةً بقولِهِ: (نَحْوَ) مَا رويْنَاهُ عَنْ (أَبِي عِصْمةَ) نوحِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ القرشيِّ (٣)، الْمَرْوَزِيِّ، قاضي مَرْوَ (٤)، المُلَقَّبِ بـ «الجامعِ» لما يأتي، ولجمعِهِ بَيْن التفسيرِ، والحديثِ، والمغازي، والفقهِ، مَعَ العلمِ بأمورِ الدنيا.
(إِذْ رَأى الوَرَى) أي: الخلقَ (زَعْمًا) مِنْهُ -بتثليثِ الزاي (٥) - أنَّهم (نَأَوْا)، أَعْرَضوا (عَنِ القرانِ) - بنقلِ حركةِ الهمزةِ - واشتغلوا بفقهِ أَبِي حَنَيْفَةَ، وَمَغازي ابنِ إسحاقَ، مَعَ أنَّهما مِن شيوخِهِ.
(فَافْتَرَى) أي: اختلقَ (لَهُمْ) مِن عِنْدِ نفسِهِ حِسبةً باعترافِهِ (حديثًا فِي فضائلِ) قراءةِ (السُّوَرْ)، ورواهُ عَنْ عِكرمةَ، (عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ)، - ﵄ -.
زاد النَّاظِمُ: (فَبِئسَمَا ابتَكَرْ) مِن وَضْعِهِ، وَمَا لَحِقَهُ بِهِ.
وممَّن صَرَّحَ بِوضعِهِ ذَلِكَ: الحَاكِمُ (٦)، وَقَالَ هُوَ وابنُ حِبَّانَ: إِنَّه جَمَعَ كُلَّ شيءٍ إلاّ الصِّدقَ (٧).
_________________
(١) بلا همزٍ؛ لضرورة الوزن.
(٢) كَذَا في جمِيع النسخ الخطية لمتن وشرح الألفية، وفِي النفائس: «وجوزوا» بالجمع.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٧٩.
(٤) مدينة مشهورة في خراسان. مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٦٢.
(٥) اللسان ١٢/ ٢٦٤ (زعم).
(٦) المدخل: ٤٧.
(٧) لم نجده في مظانه من كتاب " المجروحين "، ولعله في كتاب آخر. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٢، وفتح المغيث ١/ ٢٨٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
و(كَذَا الحَدِيْثُ) الطويلُ (عَنْ أُبَيٍّ) - هُوَ ابنُ كَعْبٍ - ﵁ - - فِي فضائلِ قراءةِ السورِ أَيْضًا (١) (اعترفْ رَاوِيْهِ بالوَضْعِ) لَهُ.
فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْد الرحمانِ المؤمَّلُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ (٢): حَدَّثَني بِهِ شَيْخٌ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ حَدّثَكَ بِهِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ بالمدائنِ، وَهُوَ حيٌّ.
فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بواسطٍ، وَهُوَ حيٌّ (٣).
فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بالبصرةِ.
فصرتُ إِليهِ، فَقَالَ: حَدَّثَني بِهِ شيخٌ بعَبَّادَانِ.
فصرتُ إِليهِ، فأخذَ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فِيهِ قومٌ من المتصوِّفةِ، ومَعَهُمْ (٤) شيخٌ، فَقَالَ: هَذَا الشَّيْخُ حَدَّثَني بِهِ.
فقلتُ لَهُ: يا شيخُ! مَنْ حَدَّثكَ بهذا؟
فَقَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ أَحَدٌ، ولكنَّا رأينا الناسَ رَغِبوا عَنِ القرآنِ، فَوضَعْنَا لَهُمْ هَذَا الحَدِيْثَ، لِيصْرِفوا (٥) قُلوبَهُم إلى القُرْآنِ (٦).
زادَ الناظِمُ أَيْضًا: (وبِئسَمَا اقْتَرَفْ) أي: اكْتَسبَ مِنْ وضْعِهِ.
_________________
(١) أورده ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وانظر: المنار المنيف (١١٣)، والفوائد المجموعة
(٢) ، والكافي الشافي (٣٧)، والفتح السماوي ٢/ ٤٥٣ قال ابن الجوزي ١/ ٢٤٠: «وقد فرّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما يخصّها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما لأنّهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنّما عجبت من أبي بكر بن أبي داود كيف فرّقه على كتابه الذي صنفه في فضائل القرآن وهو يعلم أنّه حديث محال، ولكن شره جمهور المحدّثين، فإنّ عادتهم تنفيق حديثهم ولو بالبواطيل».
(٣) انظر: ترجمته في ميزان الاعتدال ٤/ ٢٢٨، وقارن بأثر علل الحديث: ٢٧٢ - ٢٧٦.
(٤) لم ترد في (ق).
(٥) في (ع): «منهم».
(٦) في (ص): «يصرفوا».
(٧) ساق القصة الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٦٧ - ٥٦٨ ت، ٤٠١ هـ)، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٤١.
[ ١ / ٢٩٠ ]
(وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتابَهْ) التفسيرَ، أَوْ نحوَهُ (١) (كَ) أَبِي الحَسَنِ عَلِيٍّ (الواحديِّ)، وأبي إسحاقَ الثَّعْلَبِيِّ، وأبِي القاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ (مُخْطئٌ) فِي ذَلِكَ (صَوَابَهْ) إِذْ الصَّوَابُ تجنُّبُه إلاَّ مبيِّنًا، كَمَا مَرَّ.
وأشدُّهُم خَطأً الزَّمَخْشَرِيُّ، حَيْثُ أوْردَهُ بصيغةِ الجزمِ، وَلَمْ يُبرّزْ سَنَدَهُ (٢).
(وَجَوَّزَ الوَضْعَ) فِي الحَدِيْثِ (عَلَى) وَجْهِ (التَّرْغِيبِ) لِلنّاسِ فِي فضائلِ الأعمالِ (قَوْمُ) مُحَمَّدٍ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ابنِ كَرَّامٍ) (٣) - بالتشديدِ، مَعَ فتحِ الكافِ -، عَلَى المشهورِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا (٤) كغيرِهِ (٥).
وَقِيلَ: بالتخفيفِ مَعَ فتحها.
وَقِيلَ: بِهِ مَعَ كَسْرِها، وَهُوَ الجارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ بلدِهِ سِجِسْتانَ (٦).
(و) جَوَّزه أَيْضًا (فِي التَّرْهِيبِ) زَجْرًا عَنِ المَعْصِيةِ، محتجِّيْنَ فِي ذَلِكَ بأنَّ الكذبَ فِي التَّرغيبِ والتَّرهيبِ للنبيِّ - ﷺ -، لكونِهِ مقوِّيًا لشريعتِهِ (٧)، لا عَلَيْهِ.
والكَذِبُ عَلَيْهِ إنَّما هُوَ كأَنْ يُقالَ: إنَّه ساحرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بخبرِ: «مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا، ليُضِلَّ بِهِ النَّاسَ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٨).
_________________
(١) في (ص): «ونحوه».
(٢) انظر: ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٤٠، والإرشاد ١/ ٢٦٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٤، وفتح المغيث ١/ ٢٨٦.
(٣) هم طائفة من المبتدعة أتباع محمد بن كرّام السجستاني، قال الذهبي في السير ١١/ ٥٢٣: «خذل حتى التقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث أوهاها» وانظر: النكت الوفية: ١٨٣/ أ.
(٤) النكت ٢/ ٨٥٩.
(٥) كالأمير في الإكمال ٧/ ١٢٨، والسمعاني في الأنساب ٤/ ٥٩٨.
(٦) انظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ٢٨٨، والنكت الوفية: ١٨٣/ أ.
(٧) في (م): «مقوٍ بالشريعة».
(٨) هذا الحديث بهذه الزيادة منكر لا يصحّ؛ وَهُوَ معلول بـ (يونس بن بكير)؛ فقد ضعّفه أبو داود والنسائي، وهو ليس ممن يحتمل تفرّده في مثل هذا المقام، وفيه من هذا الوجه ثلاث علل: =
[ ١ / ٢٩١ ]
وتمسكُهُم بِهِ مردودٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ فِي وَضْعِ الأحكامِ، فإنَّ المندوبَ مِنْها، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإخبارُ عَنِ اللهِ بالوعدِ عَلَى ذَلِكَ العملِ بالثوابِ.
ولأنَّ لفظةَ: «ليُضِلَّ بِهِ النَّاسَ» اتَّفَقَ الأئِمّةُ عَلَى ضَعْفِها.
وبتقديرِ قَبُولِها، فالّلامُ لَيْسَتْ للتَّعلِيلِ، ليكونَ لها مفهومٌ، بَلْ للعَاقِبةِ، كَمَا فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١)؛ لأنَّهم لَمْ يلتقطوهُ لِذلِكَ.
أَوْ للتأكيدِ، كَمَا فِي قوله تَعَالَى (٢): ﴿فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا ليُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) إِذِ افتراؤُه الكذبَ عَلَى اللهِ محرَّمٌ مطلقًا، سَوَاءٌ أقَصَدَ بِهِ الإضلالَ أَمْ لا (٤)؟
_________________
(١) =الأولى: تفرّده بهذه اللفظة المنكرة، وهي تخالف أصل الحديث المتواتر الذي رواه أكثر من ستين صحابيًا بدونها الثانية: أنّه معلول بالإرسال، فقد أخرجه البزار (كشف الأستار ٢٠٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٤١٨)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٠، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٩٧ من طريق يونس بن بكير، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرّف، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به، موصولًا. وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٤١٩) من طريق أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل، به، مرسلًا ليس فيه ابن مسعود. الثالثة: أنه معلول بالانقطاع؛ فإن طلحة بن مصرف لَمْ يدرك عَمْرو بن شُرَحْبِيْل كَمَا نص عَلَيْهِ الطحاوي ١/ ٣٧١. وقال الطحاوي ١/ ٣٧١: «هذا حديث منكر»، وقال ابن عدي في الكامل ١/ ٢٠: «هذا الحديث اختلفوا فيه على طلحة بن مصرف»، وقال ابن حجر في نكته ٢/ ٨٥٥: «اتفق أئمة الحديث على أنّها زيادة ضعيفة». ومن عجبٍ أن الهيثمي لما أورده في " كشف الأستار " (١/ ١١٤ حديث ٢٠٩) قال: «قلت: أخرجته لقوله: «ليضلّ به الناس». لكنه لم يتنبّه إلى شيء من علل الحديث في المجمع ١/ ١٤٤ فقال: «رجاله رجال الصحيح»، ومعلوم أنّ إطلاق الهيثمي هذا لا يستفاد منه صحة المتن، فكلامه هذا لا يجامع الصحة، فإنّ شروط الصحة عدالة الرواة وضبطهم والسلامة من الانقطاع والعلة وكثيرًا ما يغترّ بعض من ينتحل العلم بمثل قول الهيثمي هذا فيقعون فيما لا تحمد عقباه، نسأل الله السلامة والسداد.
(٢) القصص: ٨.
(٣) لم ترد في (م).
(٤) الأنعام: ١٤٤.
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٢٩٢ ]
٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
(وَالواضِعُونَ) أَيْضًا (بَعْضُهُم قَدْ صَنَعَا) كَلامًا (١) وَضَعَهُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - (مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ) مِنْهُمْ قَدْ (وَضَعَا كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا) - بالقَصْرِ لِلوَزْنِ - أَوْ الزُّهَّادِ، أَوْ الصَّحَابَةِ، أَوْ الإسرائيلياتِ (فِي المُسْنَدِ) المَرْفُوْعِ تَرويجًا لَهُ.
كحديثِ: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ»، فإنَّهُ مِن كَلامِ مَالِكِ بنِ دينارٍ، كَمَا رَواهُ ابنُ أَبِي الدُّنيا (٢)، أَوْ مِن كَلامِ عِيسى بنِ مَرْيَمَ ﵇، كَمَا رَواهُ البَيْهَقِيُّ فِي " كِتَاب الزُّهدِ " (٣).
وَقَالَ فِي " شُعَبِ الإيمَانِ ": وَلاَ أصْلَ لَهُ مِن حَدِيثِ النَّبيِّ - ﷺ -، إلاّ مِن مَراسيلِ الحَسَنِ البصريِّ (٤).
قَالَ النَّاظِمُ: ومراسيلُ الحَسَنِ عِنْدَهم شِبْهُ (٥) الريحِ (٦).
وكحديث: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ».
فإنَّه من كلامِ بَعْضِ الأطباءِ (٧).
_________________
(١) في (ق): «كلامًا أي».
(٢) في كتاب " مكايد الشيطان " كما ذكر ذلك العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٢٨، والسخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٩١.
(٣) أسنده أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٨٨، والبيهقي في الشعب (١٠٤٥٨).
(٤) الشعب للبيهقي (١٠٥٠١).
(٥) في (ع): «تشبه».
(٦) شرح التبصرة ١/ ٤٢٨، وانظر: تهذيب الكمال ٢/ ١٢١، والنكت الوفية: ١٨٥/ب.
(٧) قال علي القاري في المصنوع (٣٠٦): «من كلام بعض الأطباء» وذكر محقّقه أنّه للحارث بن كلدة. وجاء في حاشية نسخة (ص) تعليقة لأحدهم، نصّها: «قال ابن القيم في الهدي: وأما الحديث الدائر على ألسنة الناس: «الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل جسم ما اعتاد» فهذا الحديث إنّما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصحّ رفعه إلى النبي، قاله غير واحدٍ من أئمة الحديث». زاد المعاد٤/ ١٠٤.
[ ١ / ٢٩٣ ]
(ومِنْهُ) أي: مِنَ المَوْضُوْع (نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَد، نَحْوُ حَدِيثِ ثابتٍ)، هُوَ ابنُ مُوسى الزاهدُ الذي رَواهُ عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأعمشِ (١)، عَنْ أَبِي سُفيانَ، عَنْ جابِرٍ مرفوعًا: (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) بِاللَّيْلِ، (الحَدِيْثَ).
وتمامُه: حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ (٢).
فهذا لا أصلَ لَهُ عَن النَّبيِّ - ﷺ -، وَلَمْ يقصدْ ثابتٌ وَضْعَه، وإنَّما دخلَ عَلَى شَرِيكِ بنِ عبدِ اللهِ الْقَاضِي، وَهُوَ بمجلسِ إملائِهِ عِنْدَ قوله: حَدَّثَنَا الأعمشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -، وَلَمْ يَذْكُرِ المَتْنَ (٣)، أَوْ ذكرَهُ عَلَى مَا اقتضاهُ كلامُ ابنِ حِبّانَ، وَهُوَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أحَدِكُمْ» (٤).
فَقَالَ شَرِيكٌ مُتَّصِلًا بالسَّندِ، أَوْ المَتْنِ (٥) حِيْنَ نَظَرَ إلى ثابتٍ مُمازِحًا لَهُ: «مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ» إلى آخرِهِ - مريدًا بِهِ ثابتًا، لِزُهْدهِ وَوَرَعِهِ، وَعِبادتِهِ.
فَظَنَّ ثابتٌ أنَّ هَذَا (٦) متنُ السَّنَدِ، أَوْ بقيَّته، فكانَ يحدِّثُ بِهِ كَذلِكَ منفصلًا (٧)، أَوْ مُدرِجًا لَهُ فِي الْمَتْنِ (٨).
_________________
(١) انظر: النكت الوفية: ١٨٦/ ب.
(٢) إسناده ضعيف؛ لضعف ثابت بن موسى، ومتنه ليس من كلام النّبيّ - ﷺ -؟كما قال ابن عدي وغيره. انظر: الضعفاء للعقيلي ١/ ١٧٦، والموضوعات لابن الجوزي ٢/ ١٠٩، وتهذيب الكمال ٤/ ٣٧٨، والفوائد المجموعة: ٢٥، واللآليء ٢/ ١٨، والكامل ٢/ ٥٢٦، والمقاصد الحسنة: ١١٦٩، والميزان ١/ ٣٦٧، والنكت الوفية: ١٨٦/ ب.
(٣) القصة أوردها الحاكم في " المدخل ": ٣٧.
(٤) المجروحين ١/ ٢٠٧، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠ وقال القضاعي في مسند الشهاب عقب
(٥) : «وروى هذا الحديث جماعة من الحفاظ وما طعن أحدٌ منهم في إسناده ولا متنه، وقد أنكره بعض الحفاظ». وقد قال ابن طاهر: ظن القضاعي أن الحديث صحح لكثرة طرقه، وهو معذور لأنه لم يكن حافظًا». فتح الوهاب ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٦) في (ق): «والمتن».
(٧) سقطت من (ق).
(٨) في (ق): «متصلًا».
(٩) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠ - ٤٣١، وفتح المغيث ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وهذا (وَهْلَةٌ) أي: غَفْلةٌ، أَوْ غَلْطةٌ مِنْ ثابتٍ، نشأَتْ من سَلامةِ صَدْرِهِ
(سَرَتْ) مِنْهُ إلى غيرِهِ، بحيثُ انْتَشَرَتْ حديثًا؛ فرَواهُ عَنْهُ كَثِيْرٌ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ (١): يقالُ: وَهِلَ فِي الشَّيءِ وَعَنْهُ - أي بالكسرِ - يَوْهَلُ وَهَلًا، إذَا غَلِطَ فِيهِ وَسَهَا. وَوَهَلَ إِليهِ -بالفتح- يَهِلُ وَهْلًا، إذَا ذَهَبَ وهمُكَ إِليهِ، وأنتَ تُرِيدُ غيرَهُ.
٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالاقْرَارِ، وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَّةِ قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
٢٤١ - مَااعْتَرَفَ الوَاضِعُ إذْ قَدْ يَكْذِبُ بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ
(وَيُعْرَفُ الوَضْعُ) للحديثِ (بالاقْرارِ) - بدرج الهمزةِ - من واضعِهِ (و) بـ (مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ)، كأنْ يُحَدِّثَ بحديثٍ عَنْ شَيخٍ، ثُمَّ يُسْألَ عَنْ مَوْلِدِهِ، فيذكرَ تاريخًا يُعلَمُ بِهِ وَفَاتُهُ قبلَهُ، ولا يُعرفُ ذَلِكَ الحَدِيْثُ إلاّ عِنْدَهُ (٢).
فَهَذا لَمْ يقرَّ بوضعِهِ، لكنَّ إقرارَهُ بمولدِهِ ينزلُ منزلةَ إقرارِهِ بوضعِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يُعرفُ إلاَّ (٣) عِنْدَ الشَّيْخِ، ولا يُعرفُ إلاَّ بروايةِ هَذَا.
(ورُبَّمَا يُعْرَفُ) وَضْعُهُ (بالرِّكَّةِ) للفظِهِ، مما يرجعُ إلى عدمِ الفصاحةِ، وما يتبعُها، مَعَ التَّصريحِ بأنَّهُ لفظُ النَّبيِّ - ﷺ - (٤). أَوْ لِمعناهُ مما يَرْجعُ إلى الإخبارِ عَنْ الجَمْعِ بَيْنَ النقيضينِ، وَعَنْ نَفي الصَّانعِ، وعَنْ قدمِ الأجسامِ، ونحوِ ذَلِكَ. أَوْ لَهُمَا مَعًا.
وَقَدْ رُوي عَنْ الرَّبِيْعِ بنِ خُثَيْمٍ (٥) التَّابِعيِّ، قَالَ: إنَّ للحديثِ ضَوْءًا كضوءِ النَّهارِ، تعرفُهُ، وظلمةً كظلمةِ اللَّيلِ تُنكِرُهُ (٦).
_________________
(١) الصحاح ٥/ ١٨٤٦، وانظر: اللسان ١١/ ٧٣٧ (وهل)، والمعجم الوسيط ١/ ١٠٦٠، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣١.
(٢) انظر: التقييد: ١٣٢، وشرح السيوطي: ٢٢٤، وتدريب الرّاوي ١/ ٢٧٥.
(٣) عبارة: «يعرف إلا» سقطت من (ق).
(٤) انظر: النكت لابن حجر ٢/ ٨٤٤، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٦١.
(٥) بضم المعجمة وفتح المثلثة. التقريب (١٨٨٨).
(٦) رواه عنه وكيع في الزهد (٥٢٨)، وأحمد في الزهد (٣٣٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٦٤، والرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٣١٦، والخطيب في الكفاية: (٦٠٥ ت، ٤٣١ هـ)، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٠٣. وانظر: النكت الوفية ١٨٩/ ب.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَقَالَ ابنُ الجوزيِّ: الحديثُ المنكرُ يقشعرُّ مِنْهُ جلدُ طالبِ (١) العلمِ، ويَنْفُرُ مِنْهُ قلبُهُ فِي الغالبِ (٢).
وذلك بأنْ يحصُلَ-كَمَا قَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ-للمُحَدِّثِ، لكَثْرةِ محاولةِ ألفاظِ النَّبيِّ - ﷺ - هَيْئَةٌ نفسانيةٌ، وَمَلَكَةٌ قويَّةٌ، يَعْرِفُ بها مَا يجوزُ أنْ يكونَ من ألفاظِ النُّبوَّةِ، وما لا يجوزُ (٣).
(قُلْتُ): وَقَدْ (اسْتَشْكَلاَ) (٤) ابنُ دقيقِ العيدِ (الثَّبَجِيُّ) (٥) - بمثلثةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مفتوحتينِ - نِسْبةً إلى ثَبَجِ البحرِ بساحلِ يَنْبُعَ من الحجازِ (الْقَطعَ بِالْوَضعِ عَلَى مَا) أي: المرويِّ الذي (اعْتَرفَ الواضِعُ) فِيهِ عَلَى نفسِهِ بالوضعِ بمجردِ اعترافِه من غَيْرِ قرينةٍ مَعَهُ (٦).
(إِذْ قَدْ يَكْذِبُ) فِي اعترافِهِ لِقَصْدِ (٧) التنفيرِ عَنْ هَذَا المرويِّ، أَوْ لغيرِهِ، مما يُورِثُ ريبةً، وحينئذٍ، فالاحتياطُ أنْ لا يصرَّحَ بالوضعِ (٨).
(بَلَى نردُّهُ) أي: المرويَّ لاعترافِ راويهِ بما يفسِّقُه (وعَنْهُ نُضْرِبُ) -بضَمِّ النُّونِ- أي: نُعْرِضُ؛ فَلا نحتجُّ بِهِ، ولا نعملُ بِهِ مواخذةً لَهُ باعترافِهِ.
_________________
(١) في (ق): «الطّالب».
(٢) الموضوعات١/ ١٠٣، ونقل عنه السيوطي في التدريب١/ ٢٧٧: «ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنّه موضوع»، وفي الموضوعات١/ ١٠٦: «كل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع فلا تتكلف اعتباره».
(٣) الاقتراح: ٢٣١ - ٢٣٢.
(٤) قال البقاعي: «لم يستشكل ابن دقيق الاعتماد لأن القطعيات لا تشترط في الحكم وإنّما بيّن الواقع في نفس الأمر وهو أنّه لا ملازمة بين الوضع في نفس الأمر والإخبار به، بل قد يكون موضوعًا، ولا يخبر به، وقد يخبر به، ولا يكون موضوعًا». النكت الوفية ١٩٠/ أ.
(٥) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٣: «وربما كان يكتب هذه النسبة في خطه؛ لأنه ولد بثبج البحر بساحل ينبع من الحجاز.». انظر: مقدمة الاقتراح: ٣٣.
(٦) سقطت من (ق). وكلامه في الاقتراح: ٢٣٤.
(٧) في (ص): «لقصده».
(٨) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٩٦.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَحَاصِلُهُ: أنَّ إقرارَهُ بوضعِهِ كافٍ فِي ردِّه، لكنَّه لَيْسَ بقاطِعٍ فِي كونِهِ موضوعًا؛ لجواز كذبهِ فِي إقرارهِ (١).
ففي الحقيقةِ لَيْسَ ذَلِكَ استشكالًا، بَلْ بيانٌ للمُرادِ والواقعِ؛ إِذْ لا يُشتَرطُ فِي الحكمِ القطعُ، بَلْ يَكْفِي غَلَبةُ الظنِّ، واللهُ أعلمُ.
الْمَقْلُوْبُ (٢)
اسمُ مفعولٍ من القَلْبِ، وَهُوَ تبديلُ شيءٍ بآخرَ عَلَى الوجهِ الآتي. وَهُوَ من أقْسَامِ الضَّعِيفِ، بَلْ الإغراب الآتي من أقسام الوضعِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا (٣) كغيرِه.
٢٤٢ - وَقَسَّمُوا المَقْلُوْبَ قِسْمَيْنِ إلى: مَا كَانَ مَشْهُورًا بِراوٍ أُبْدِلا
٢٤٣ - بِواحدٍ نَظِيْرُهُ، كَيْ يُرْغَبَا فِيهِ، لِلاغْرَابِ (٤) إذا مَا اسْتُغْرِبَا
٢٤٤ - وَمِنْهُ قَلْبُ (٥) سَنَدٍ لِمَتْنِ نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ إمَامَ الفَنِّ
٢٤٥ - في مِئَةٍ لَمَّا أتَى بَغْدَادَا فَرَدَّهَا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا
٢٤٦ - وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ نَحْوُ: (إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ )
_________________
(١) انظر: الاقتراح: ٢٣٤.
(٢) المقلوب لغة: هو من قلبه إذا حوّله من حالٍ إلى حالٍ. ويقال أيضًا قلب فلانٌ الشيء إذا صرفه عن وجهه. انظر: لسان العرب ١/ ٤٧٩، والنكت الوفية: ١٩٠/ب، وتاج العروس ٤/ ٦٨. وانظر في المقلوب: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٤، والإرشاد ١/ ٢٦٦ - ٢٧٢، والتقريب: ٨٦ - ٨٧، والاقتراح: ٢٣٦، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٧٦ والموقظة: ٦٠، واختصار علوم الحديث: ٨٧، ونكت الزّركشيّ ٢/ ٢٩٩ - ٣٢٤، والشذا الفياح ١/ ٢٣٠ - ٢٣٤، وشرح التبصرة والتذكرة١/ ٤٣٤، ونزهة النظر: ١٢٥، ونكت ابن حجر ٢/ ٨٦٤ - ٨٨٩، والمختصر: ١٣٦، وفتح المغيث ١/ ٢٥٣، وألفية السيوطي: ٦٩ - ٧٢، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٢٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٩٨، وظفر الأماني: ٤٠٥، وقواعد التحديث: ١٣٠.
(٣) النكت لابن حجر ٢/ ٨٦٤ وعبارته: «لقصد الإغراب على سبيل الكذب».
(٤) بدرج الهمزة؛ للوزن، كما نبه عليه الشارح.
(٥) قبل هذا في فتح المغيث: «العمد» وليس بشيء.
[ ١ / ٢٩٧ ]
٢٤٧ - حَدَّثَهُ - في مَجْلِسِ البُنَاني - حَجَّاجٌ، اعْنِي: ابْنَ أبي عُثمَانِ
٢٤٨ - فَظَنَّهُ - عَنْ ثَابِتٍ - جَرِيْرُ، بَيَّنَهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ
(وَقَسَّمُوا) أي: المُحَدِّثُوْنَ (المَقْلُوبَ) سَندًا (قِسْمَينِ): عَمْدًا وَسَهْوًا، والعمدُ (إلى) قِسْمَيْن:
أحدُهما: (مَا) أي: حَدِيثٌ (كَانَ مَشْهُورًا براوٍ) كسالمٍ (١) (أُبْدِلا بِواحدٍ) مِنَ الرواةِ (نَظِيْرُهُ) فِي الطَّبقةِ، كنافعٍ (٢) (كَيْ يُرْغَبَا) - بألِفِ الإطلاقِ - (فِيهِ) أي: فِي روايتِهِ عَنْهُ، ويروجُ حالُهُ (للاغرابِ) -بدرجِ الهمزةِ - (إذَا مَا) زائدةٌ
(استَغْرِبا) - بألفِ الإطلاقِ - مَنْ وقفَ عَلَيْهِ، لكونِ المشهورِ خِلافَهُ (٣).
وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَلُهُ بِهذَا القصدِ كَذِبًا حمَّادُ بنُ عَمْرٍو النَّصِيْبِيُّ (٤)، حَيْثُ رَوَى الحَدِيْثَ المعروفَ بسُهَيْلِ بن أَبِي صَالحٍ، عَنْ أبيهِ (٥)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «إذَا لَقِيْتُمُ الْمُشْرِكِيْنَ فِيْ طَرِيْقٍ فَلاَ تُبْدُوْهُمْ بِالسَّلاَمِ » الحَدِيْثَ (٦)، عَنِ الأعمشِ، عَنْ أَبِي صالحٍ؛ ليُغربَ بِهِ، وَهُوَ لا يُعرفُ عَنِ الأعمشِ، كَمَا صرَّحَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ (٧).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: ٢٣٦: «وقد يطلق على راويه يسرق الحديث».
(٤) قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جدًا، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعًا. انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١٤٤، والمجروحين ١/ ٢٥٢، والكامل ٣/ ١٠.
(٥) عبارة: «عن أبيه» لم ترد في (ع).
(٦) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة: «فهذا حديثٌ مقلوبٌ قلبه حماد بن عمرٍو - أحد المتروكين - فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروفٌ بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. هكذا رواه مسلم في صحيحه». صحيح مسلم ٧/ ٥ (٢١٦٧)، وكذلك أخرجه: أبو داود الطيالسي (٢٤٢٤)، وعبد الرزاق (١٩٤٥٧)، وأحمد ٢/ ٢٦٣ و٢٦٦ و٣٤٦ و٤٤٤ و٤٥٩ و٥٢٥، والبخاري في الأدب المفرد (١١٠٣) و(١١١١)، وأبو داود (٥٢٠٥)، والترمذي (١٦٠٢) و(٢٧٠٠)، والطحاوي ٤/ ٣٤١، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٤١. جميعهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة.
(٧) الضعفاء الكبير ١/ ٣٠٨.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وللخوفِ مِن ذَلِكَ كَرِهَ (١) أَهْلُ الحَدِيْثِ تتبُّعَ الغرائبِ، كَمَا سيأتي فِي بابِهِ (٢).
(وَمِنْهُ) وَهُوَ ثاني قِسمَيِ العمدِ: (قلبُ سندٍ) تامٍ (لمتْنِ) فَيُجْعَلُ لِمَتْنٍ آخرَ مرويٍّ بسندٍ آخرَ، ويُجعلُ هَذَا المَتْن لإسنادٍ (٣) آخرَ، بقَصْدِ امتحانِ حِفْظِ المحدِّثِ (٤)، واختبارِهِ هل اختلطَ أَوْ لاَ؟ وهَلْ يَقبلُ التلقينَ (٥) أَوْ لاَ؟
(نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ) أي: المُحَدِّثِيْنَ ببغدادَ (إمَامَ الفنِّ) البُخَارِيَّ (فِي مِئةٍ) مِنَ الأحاديثِ، (لَمَّا أَتَى) إِلَيْهِم (بَغْدَادَا) -بألف الإطلاق، وبإهمالِ الدالِ الأخيرةِ عَلَى إحدى اللغاتِ (٦) -.
حَيْثُ اجتمعوا عَلَى تقليبِ مُتُونها، وأسانيدِها، فصيَّروا مَتْنَ سندٍ لسندِ متنٍ آخرَ، وسندَ هَذَا المَتْنِ لمتنٍ آخرَ، وعَيَّنُوا عَشَرَةَ رجالٍ، ودفعوا مِنْها لكُلٍّ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أحاديثَ، وتواعدوا عَلَى الحضورِ لمجلس البُخَارِيِّ، ليُلقِي عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمْ عَشَرَتَهُ بحَضْرتِهِم (٧).
فَلمَّا حَضَروا واطمأنَّ المجلِسُ بأهلِهِ البَغْداديِّينَ، وَغيرِهِم مِنَ الغُرَباءِ، مِن أَهْلِ خُرَاسَانَ وغيرِهم، تقدَّمَ إِليهِ واحدٌ مِنَ العَشَرةِ، وسألَهُ عَنْ أحاديثِهِ واحدًا واحدًا، والبخاريُّ يَقُولُ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْها: لا أَعْرِفُهُ.
ثُمَّ الثَّانِي كَذلِكَ، وهكذا إلى أَنْ استوفى العَشَرةُ المئةَ، وَهُوَ لا يزيدُ فِي كلٍ مِنْها عَلَى قولِهِ: لا أعرِفُهُ.
_________________
(١) في (ق): «ذكره».
(٢) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٩٩.
(٣) في (ق): «لسند».
(٤) في (ق): «الحديث».
(٥) التلقين -كما عرّفه الحافظ العراقي-: هو أن يلقّن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه. شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩. وانظر عن التلقين وأسبابه وحكمه: النفح الشذي ١/ ٣٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٢١٠، والنكت الوفية: ٢٣٢/ ب، وفتح المغيث ١/ ٣٨٥، وتدريب الراوي ١/ ٣٣٩، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٥٧، وتوجيه النظر ٢/ ٥٧٣، وأثر علل الحديث: ١٢٠.
(٦) انظر: الصحاح ٢/ ٥٦١ (بغدد)، وتاريخ بغداد ١/ ٥٨، ولسان العرب ٣/ ٤٧٨.
(٧) سقطت من (ق).
[ ١ / ٢٩٩ ]
فكانَ الفُهَماءُ (١) ممَّن حَضرَ يلتفتُ بعضُهم إلى بعضٍ، ويقولونَ: فَهِمَ الرجلُ، ومَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، يَقضي عَلَيْهِ (٢) بالعَجْزِ والتَّقصيرِ وَقِلَّةِ الفَهْمِ.
فَلمَّا عَلِمَ أنَّهم فَرَغُوا، التفتَ إلى السَّائِلِ الأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُ: سألتَ عَنْ حَدِيثِ كَذَا، وصَوابُه كَذَا، إلى آخرِ أحاديثِهِ، وكَذا البقيةُ عَلَى الولاءِ (فَرَدَّهَا) أي: المئةَ إلى أصلِها (٣) (وجوَّدَ الإسنادَا)، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ موضعٌ مِمَّا (٤) قلبوُهُ وركَّبُوهُ، فأقرَّ لَهُ الناسُ بالحِفْظِ، وأذعنوا لَهُ بِالفضلِ (٥).
وأغربُ مِن حِفظِه لَها، وتيقُّظِه لِتمييزِ صَوابِها مِن خَطَئِها؛ حِفْظُهُ لتواليها، كَمَا أُلقيتْ عَلَيْهِ من مَرَّةِ واحدةٍ.
وَقَدْ يُقصَدُ بقلبِ السَّندِ كُلِّه أَيْضًا: الإغرابُ: إِذْ لا يَنْحَصِرُ فِي راوٍ واحدٍ، كَمَا أنَّه قَدْ يُقصَدُ بقلبِ راوٍ واحدٍ أَيْضًا: الامتحانُ، وَهُوَ مُحرَّمٌ إلاَّ بِقَصْدِ الاختبارِ.
فَقَالَ النَّاظِمُ: «فِي جَوازِه نَظَرٌ، إلاّ أنَّه إذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيْثِ، لا يَسْتَقِرُّ حديثًا» (٦).
قَالَ شَيْخُنا: «وَشَرْطُ الجوازِ أَنْ لا يَسْتمرَّ عَلَيْهِ، بَلْ ينتهي بانتهاءِ (٧) الحاجةِ» (٨).
(و) قِسْمُ السَّهْوِ: (قلبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّواةُ) قَلْبَهُ، بَلْ وَقَعَ مِنْهُمْ سَهْوًا، وَوَهَمًا (نَحْوُ) حَدِيثِ: «(إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ)، فَلاَ تَقُوْمُوْا حَتَّى تَرَوْنِيْ».
فَقَدْ (حَدَّثَهُ) أي: الحَدِيْثَ (فِي مَجْلسِ) ثابتِ بنِ أسلمَ (البُنَاني) - بضمِّ أَوَّلِهِ - نِسْبةً إلى (بُنانةَ) مَحَلَّةٍ بالبصرةِ (٩) (حَجَّاجٌ اعني) - بدرجِ الهمزةِ - (ابنَ أَبِي عُثمانِ)
_________________
(١) في (ق): «الفقهاء».
(٢) سقطت من (ع).
(٣) في (ع): «أصولها».
(٤) لم ترد في (ص).
(٥) تاريخ بغداد ٢/ ٢٠، وانظر: البداية والنهاية ١/ ٢٥، وهدي الساري: ٤٨٦، ووفيات الأعيان ٤/ ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٨، وشرح التبصرة ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٦.
(٧) في (ق): «بإنهاء».
(٨) نزهة النظر: ١٢٧.
(٩) معجم البلدان ١/ ٤٩٧.
[ ١ / ٣٠٠ ]
- بصرفهِ للوزنِ - الصَّوَّافَّ (١)، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قَتَادةَ، عَنْ أبيهِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - (٢).
(فَظَنَّهُ) أي: الحَدِيْثَ (عَنْ ثَابِتٍ) أَبُو النَّضْرِ، (جَرِيْرُ) بنُ حازمٍ، فَرواهُ عَنْ ثابتٍ، عَنْ أنسٍ، كَمَا (بَيَّنَهُ حَمَّادٌ)، هُوَ ابنُ زيدٍ (الضَّرِيرُ)، وَقَالَ: وَهِمَ أَبُو النَّضْرِ فِيْمَا قالَهُ (٣).
وَأمّا المقْلوبُ مَتْنًا، وَهُوَ قليلٌ: فَهُوَ أنْ يُعطي أَحَدَ الشَّيئينِ مَا اشتهرَ للآخر، كحديثِ: «حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ» (٤).
فإنَّه جاء مقلوبًا (٥) بلفظ: «حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» (٦).
_________________
(١) في (ق): «الصراف».
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٣٢) والحميدي (٤٢٧)، وابن أبي شيبة (٤٠٩٣)، وأحمد ٥/ ٢٩٦ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩ و٣١٠، وعبد بن حميد (١٨٩)، والدارمي (١٢٦٤) و(١٢٦٥)، والبخاري ١/ ١٦٤ (٦٣٧)، (٦٣٨) و٢/ ٩ (٩٠٩)، ومسلم ٢/ ١٠١ (٦٠٤)، وأبو داود (٥٣٩) و(٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي ٢/ ٣١ و٨١، وابن خزيمة (١٦٤٤)، وابن حبان (٢٢٢٢)، والبيهقي ٢/ ٢٠، والبغوي (٤٤٠) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -
(٣) قال الإمام أحمد في علله ٢/ ١٧٢ (١٣٢): «حدّثنا إسحاق بن عيسى الطباع، قال: حدثت حماد بن زيد بحديث جرير، عن ثابت، عن أنس فذكره. فأنكره، وقال: إنما سمعه من الحجّاج الصوّاف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة في مجلس ثابت، فظن أنه سمعه - يعني - من ثابت». وانظر: المراسيل لأبي داود (٩٤) وجامع التّرمذي (٥١٧)، وعلله الكبير: ٨٩، وضعفاء العقيلي ١/ ١٩٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٠ - ٤٤١.
(٤) أخرجه مالك (٢٧٤٢)، والبخاري١/ ١٦٨ (٦٦٠) و٢/ ١٣٨ (١٤٢٣) و٨/ ١٢٥ (٦٤٧٩)، والترمذي (٢٣٩١)، والطحاوي في شرح المشكل (٥٨٤٦) و(٥٨٤٧). من طريق يحيى بن سعيد.
(٥) سقطت من (ق).
(٦) أخرجه مسلم ٣/ ٩٣ (١٠٣١) (٩١)، وابن خزيمة (٣٥٨)، والبيهقي ٤/ ١٩٠ و٨/ ١٦٢. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٣/ ٧١، وفتح الباري ٢/ ١٤٦، والنكت لابن حجر ٢/ ٨٨٢ - ٨٨٣.
[ ١ / ٣٠١ ]
تَنْبِيْهَاتٌ (١)
(تنبيهاتٌ) ثلاثةٌ توضِّحُ مَا مَرَّ مما حُكِمَ بضَعْفِهِ، وغيرِهِ:
٢٤٩ - وَإنْ تَجِدْ مَتْنًا ضَعِيْفَ السَّنَدِ فَقُلْ: ضَعِيْفٌ أي: بِهَذَا فَاقْصِدِ
٢٥٠ - وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقًا بِنَاءَا عَلَى الطَّرِيْقِ، إذْ لَعَلَّ جَاءَا
٢٥١ - بِسَنَدٍ مُجَوَّدٍ، بَلْ يَقِفُ ذَاكَ عَلَى حُكْمِ إمَامٍ يَصِفُ
٢٥٢ - بَيَانَ ضَعْفِهِ، فَإنْ أطْلَقَهُ فَالشَّيْخُ فِيما بَعْدَهُ حَقَّقَهُ
أحدُها: مَا تضمنَّهُ قولُهُ (وإنْ تَجِدْ مَتْنًا) أي: حَدِيثًا (ضَعِيْفَ السَّندِ، فَقُلْ): هُوَ (ضَعِيْفٌ أي: بِهذا) السَّندِ فَقَطْ. (فَاقْصِدِ) ذَلِكَ، فإنْ صرَّحتَ بِهِ، فَهُوَ أولَى.
(وَلاَ تُضَعِّفْ) هُ (مُطْلَقًا بناءا عَلَى) ضَعْفِ ذاكَ (الطَّريقِ) أي: السنَدِ؛ (إِذْ
لَعَلَّ) هُ (جَاءا بِسَنَدٍ) آخرَ (مُجَوَّدٍ) يَثْبُتُ (٢) بمثلِهِ، أَوْ بِهما (٣).
(بَلْ يَقِفُ ذاكَ) أي: الإطلاقُ أي: جوازُهُ (عَلَى حُكْمِ إمامٍ) من أئمةِ الحديثِ (يَصِفُ بيانَ) وَجْهِ (ضَعْفِهِ) أي: المتنِ، بأنَّه شاذٌّ، أَوْ منكرٌ، أَوْ بأنَّه لا إسْنادَ (٤) لَهُ يَثْبُتُ بمثلِهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (٥).
(فإنْ أَطْلَقَهُ) أي: ذَلِكَ الإمامُ: الضَّعْفَ، (فالشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (فِيْمَا بَعْدَهُ)، وَفِي نُسخَةِ «بعدُ» قَدْ (حَقَّقَهُ) (٦).
_________________
(١) أي: إيضاحات لأشياء يشعر بها ما قبل هنا من الأنواع التي حكم بضعفها من المقلوب والموضوع والمضطرب وغيرها إشعارًا خفيًا. أفاده البقاعي: ١٩٣/ أ.
(٢) في (ص): «ثبت».
(٣) لذلك قالوا: لا يلزم من صحّة الإسناد صحّة المتن، ولا من ضعفه ضعف المتن.
(٤) في (ق): «سند».
(٥) انظر: الإرشاد ١/ ٢٦٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٢، والنكت لابن حجر ١/ ٨٨٧، وفتح المغيث ١/ ٣١٠، وشرح السيوطي: ٢٢٩.
(٦) في النّوع الثّالث والعشرين من كتابه. ذكره العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٢، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٥ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وسيأتي (١) بيانُهُ فِي قولِ النَّاظِمِ: «فإن يقلْ (٢): قلَّ بيانُ مَنْ جَرَحَ» إلى آخرِهِ.
وما ذُكِرَ عَنْ ابن الصَّلاحِ مِن مَنْعِ إِطلاقِ التضعيفِ، قَالَ شَيْخُنا: الظاهرُ أنَّه عَلَى أصلِهِ مِنْ تعذُّرِ استقلالِ المتأخِّرينَ بالحُكْمِ عَلَى الحَدِيْثِ بما يليقُ بِهِ، والحقُّ خلافُهُ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحلِّهِ، فإذا غَلَبَ عَلَى ظنِّ الحافظِ المتأهِّلِ (٣)، أنَّ ذَلِكَ السندَ ضعيفٌ، وَلَمْ يجدْ غيرَهُ بَعْدَ التفتيشِ، سَاغَ لَهُ تَضْعيفُ الحَدِيْثِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ سندٍ آخرَ (٤).
٢٥٣ - وَإنْ تُرِدْ نَقْلًا لِوَاهٍ، أوْ لِمَا يُشَكُّ فِيهِ لاَ بِإسْنَادِهِمَا (٥)
٢٥٥ - وَسَهَّلُوا في غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْا مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِضَعْفٍ، وَرَأوْا
٢٥٤ - فَأتِ بِتَمْرِيضٍ كـ (يُرْوَى) وَاجْزِمِ بِنَقْلِ مَا صَحَّ كـ (قَالَ) فَاعْلَمِ (٦)
٢٥٦ - بَيَانَهُ فِي الحُكْمِ وَالعَقَائِدِ عَنِ (ابنِ مَهْدِيٍّ) وَغَيْرِ وَاحِدِ
(و) ثانيها: مَا تضمنَّهُ قولُهُ: (إنْ تُردْ نقلًا لـ) مَتْنٍ (واهٍ) أي: ضَعِيْفٍ لَمْ يَبْلُغِ الوضعَ، (أَوْ لما يُشَكُّ فِيهِ) من أَهْلِ الحَدِيْثِ أهو صَحِيْحٌ أَوْ ضَعِيْفٌ؟ (لا ب) ذِكْرِ (إسنادِهما) أي: الواهي، والمشكوكُ فِيهِ، بَلْ بمجردِ إضافتهِما إلى النَّبيِّ - ﷺ -، أَوْ إلى غيرِهِ، بحيثُ يشملُ المعلَّقَ (فأتِ بتمريضٍ) أي: بصيغتِهِ التي اكتُفِيَ بِها عَنِ التَّصْرِيحِ بالضَّعْفِ (ك: يُرْوَى)، ويُذْكرُ، ورُوِي، وذُكِرَ، ورَوَى بعضُهُم، ولا تجزمْ بنقلِهِ خوفًا من الوعيدِ (٧).
_________________
(١) البيت رقم (٢٧٢).
(٢) سقطت من (ق).
(٣) في (ص): «المتأمل».
(٤) النكت لابن حجر ٢/ ٨٨٧ وفي النقل اختصار وتقديم وتأخير.
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية لمتن وشرح الألفية، وفي النفائس: «بإسناديهما»، وقال البقاعي:
(٦) فَأتِ بِتَمْرِيضٍ كـ (يُرْوَى) وَاجْزِمِ «الضمير فيه للواهي والذي يشك فيه أي: إذا نقلت الضعيف بغير سندٍ أو المشكوك في ضعفه بغير سند». النكت الوفية: ١٩٣/ أ.
(٧) في نسخة (ج) من متن الألفية: «واعلم».
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٨، والنكت للزركشي ٢/ ٣٢٢، والإرشاد ١/ ٢٧١، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٣، وهدي الساري: ١٩.
[ ١ / ٣٠٣ ]
(وَاجْزِمِ بنَقْلِ) أي: ائتِ بصيغةِ الجزمِ فِي نقلِكَ بلا سندٍ (مَا صَحَّ ك: «قَالَ» فاعْلَمِ) ذَلِكَ، ولا تأتِ بصيغةِ التمريضِ، وإنْ فَعلَهُ بَعْضُ الفقهاء (١).
(و) ثالثُها - وَهُوَ قَسيمُ «لا بإسنادِهما» - مَا تضمَّنهُ قولُه: (سهَّلوا) أي: جوَّزوا التساهُلَ (فِي غَيْرِ مَوْضُوْعٍ) من الحَدِيْثِ، حَيْثُ (رووا) أي: رَوَوا بإسنادِهِ
(مِنْ غَيْرِ تَبْيينٍ لِضَعْفٍ) إن كَانَ فِي الترغيبِ والترهيبِ (٢) من المواعِظِ، والقِصَصِ، وفضائلِ الأعمالِ ونحوِها (٣).
(وَرَأَوْا بَيَانَهُ) وعَدَمَ التسَاهُلِ فِيهِ، وإنْ ذكروا إسنادَهُ إن كَانَ (فِي الحُكْمِ) الشرعِيِّ مِن حَلالٍ وحرامٍ وغيرِهِما.
(و) فِي (العقائِدِ) كَصِفاتِ اللهِ تَعَالَى، وما يجوز لَهُ وما يستحيلُ عَلَيْهِ.
وما ذُكِرَ مِنْ جَوَازِ التَّساهُلِ وَعَدمِهِ منقولٌ (عَنِ ابنِ مَهْدِيٍّ) عَبْدِ الرحمانِ (٤) (وغَيْرِ وَاحِدِ) مِنَ الأئمةِ كأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ (٥)، وابنِ مَعِيْنٍ (٦)، وابنِ المباركِ (٧).
_________________
(١) نقل النووي اتفاق محقّقي المحدّثين وغيرهم على هذا، وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف؛ لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صحّ، قال: «وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتد إنكار البيهقيّ على من خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًا من فاعله، إذ يقول في الصّحيح: يذكر ويروى، وفي الضّعيف: قال وروى، وهذا قلب للمعاني وحيدٌ عن الصّواب». نقله محقق الإرشاد ١/ ٢٧١.
(٢) في (ق): «الترغيب والترغيب».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٤٤، وفتح المغيث ١/ ٣١١، تدريب الرّاوي ١/ ٢٩٨.
(٤) نقله عنه الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٦، والخطيب في الجامع ٢/ ٩١ (١٢٦٥).
(٥) نقله عنه الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٦ - ٧، والخطيب في الكفاية: (٢١٣ ت، ١٣٤ هـ)، وابن الأثير في جامع الأصول ١/ ١٠٩.
(٦) نقله عنه القاسمي في قواعد التحديث: ١١٤ وقال: هي رواية عبّاس الدوري.
(٧) نقله عنه ابن أبي حاتم في الحرج والتعديل ٢/ ٣٠ - ٣١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رُوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ (١)
(مَعْرِفَةُ) صِفَة (مَنْ تُقبلُ روايتُهُ، ومنْ تُرَدُّ)، وما يتبعُ ذَلِكَ.
٢٥٧ - أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ وَالْفِقْهِ فِي قَبُوْلِ نَاقِلِ الْخَبَرْ
٢٥٨ - بِأنْ يَكُوْنَ ضَابِطًا مُعَدَّلاَ (٢) أيْ: يَقِظًا، وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلاَ
٢٥٩ - يَحْفَظُ إنْ حَدَّثَ حِفْظًا، يَحْوِيْ (٣) كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ
٢٦٠ - يَعْلَمُ مَا فِي الَّلَفْظِ مِنْ إحِالَهْ إنْ يَرْوِ بالْمَعْنَى، وَفِي الْعَدَالَهْ
٢٦١ - بِأنْ يَكُوْنَ مُسْلِمًا ذَا عَقْلِ قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيْمَ الفِعْلِ
٢٦٢ - مِنْ فِسْقٍ اوْ (٤) خَرْمِ مُرُوْءَ ةٍ وَمَنْ زَكَّاهُ عَدلاَنِ، فَعَدْلٌ مُؤْتَمَنْ
٢٦٣ - وَصُحِّحَ (٥) اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ جَرْحًا وَتَعْدِيْلًا خِلاَفَ الشَّاهِدِ
(أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ) أي: الخبرِ، (والفِقْهِ)، والأُصولِ (فِي قَبولِ ناقلِ الخبرْ) المحتجِّ بِهِ، (بأنْ) أي: عَلَى اشتراطِ أنْ (يَكُونَ ضابطًا مُعَدَّلا أي): بِأنْ يَكُونَ فِي الضبطِ (يَقظًا) -بضمِّ القافِ وكسرِها (٦) -.
_________________
(١) انظر في صفة من تقبل روايته ومن تردّ: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٤٩، والإرشاد ١/ ٢٧٣ - ٣٣٣، والتقريب: ٩٠ - ١٠٠، والمنهل الروي: ٦٣، والخلاصة: ٨٨، واختصار علوم الحديث: ٩٢، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٣٢٥ - ٤٥٨، والشذا الفياح ١/ ٢٣٥ - ٢٧٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١، ونزهة النظر: ١٨٥ - ١٩٩، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث ١/ ٢٦٢، وألفية السيوطي: ٩٦ - ١١٢، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٣١، وتوضيح الأفكار ٢/ ١١٤، وظفر الأماني: ٧٨.
(٢) في (النفائس): «معتدلًا».
(٣) في فتح المغيث: «ويحوي» ولم ترد في شيء من النسخ الخطية والمطبوعة.
(٤) بوصل همزة «أو» لإقامة الوزن، وقد نص عليه الشارح، ومن عجب أن ناشر (م) أثبت الهمزة في الموضعين.
(٥) في (النفائس) وفتح المغيث: «وصححوا».
(٦) انظر: الصحاح ٣/ ١١٨١، والتاج ٢٠/ ٢٩٢ (يقظ).
[ ١ / ٣٠٥ ]
(و) ذَلِكَ بأَنْ (لَمْ يَكُنْ مُغَفَّلا)، لا يميِّزُ الصَّوَابَ مِنَ الخطإِ، وأنْ يَكُونَ فِيهِ
(يَحْفَظُ) مَا سَمِعَهُ، بأنْ يثبِتَهُ فِي حفظِهِ، بحيث يتمكَّنُ من استحضارِهِ متى شَاءَ، (إنْ حدَّثَ حِفْظًا) أي: مِن حِفْظِهِ، و(يَحْوِيْ كِتَابَهُ) أي: يَصونُه بِنفسِهِ، أَوْ بثقةٍ عَنْ تَطَرُّقِ التَّغييرِ إِليهِ، (إنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِي)، و(يعلَمُ مَا فِي اللَّفظِ مِن إِحَالهْ) بحيثُ يأمَنُ من تغييرِ مَا يرويهِ (إنْ يَرْوِ) الخبرَ (بالمعنى)، لا بلفظِهِ عَلَى مَا يأتي بيانُهُ فِي مَحلِّهِ.
(وَ) بأَنْ يَكُونَ (فِي العَدَالَهْ) (١) وَهِيَ: مَلَكَةٌ تحمِلُ عَلَى ملازمةِ التقوى، والمروءةِ، متصِفًا (بأنْ يَكونَ مُسلِمًا ذا عَقْلِ، قَدْ بَلَغَ الحُلْمَ) -بإسكان اللام مخففًا من ضمِّها (٢) - أي: الإنزالِ فِي النومِ، والمرادُ: البلوغُ بِهِ (٣)، أَوْ بغيرِهِ.
(سَلِيْمَ الفِعْلِ مِن فِسْقٍ) بأنْ لا يرتكبَ كبيرةً، وَلاَ يُصرُّ عَلَى صَغيرةٍ.
(اوْ) (٤) -بالدرجِ- أي: ومِنْ (خَرْمِ مُرُوءةِ (٥»، وَهِيَ: التخلُّقُ بِخُلُقِ أمْثالِهِ، فِي زمانِهِ وَمَكانِهِ؛ فالأكلُ فِي السُّوقِ، والمشيُ مكشوفَ الرأسِ، وإكثارُ حكاياتٍ مُضحكةٍ، ولبسُ فقيهٍ قَبَاءً (٦) أَوْ قَلَنْسُوَةً حَيْثُ لا يعتادُ، يُسقِطُها.
فَلا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ فَقَدَ شرطًا مما ذُكِرَ، حَتَّى المراهقِ عَلَى الأصحِّ - عِنْدَ مَنْ يقبلُ روايَتَهُ (٧) -.
وعُلِمَ مَمَّا قالَهُ: أنَّهُ لا يُشْتَرطُ فِي الرَّاوِي الحريةُ، ولا الذكورةُ، وَلاَ العددُ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَةُ الرقيقِ، والمرأةِ، والواحدِ، وَهُوَ المشهورُ.
_________________
(١) انظر: الإرشاد ١/ ٢٧٢ - ٢٧٥، والباعث الحثيث: ٩٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣، وفتح المغيث ١/ ٣١٥، وتدريب الرّاوي ١/ ٣٠١.
(٢) وهو لهجة. انظر: اللسان ١٢/ ١٤٥ (حلم).
(٣) فتح المغيث ١/ ٣١٥.
(٤) جوّد ناشر (م) الهمزة، ولم يتنبه على ما قاله الشارح.
(٥) في (م): «المروءة».
(٦) ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق عليه. المعجم الوسيط ٢/ ٧١٣، وانظر: اللسان ١٥/ ١٦٨.
(٧) انظر: المنخول: ٢٥٧، والروضة ١/ ١٠٣، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٧، والتقييد والإيضاح: ١٣٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤، وفتح المغيث ١/ ٣١٧.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ثُمَّ بيَّنَ مَا تَثَبُتُ (١) بِهِ العدالةُ، فَقَالَ:
(ومَنْ زَكَّاهُ) أي: عَدَّلَهُ فِي روايتِهِ (عَدْلانِ، ف) هُوَ (عَدْلٌ)، فَتُقْبَلُ روايتُهُ اتِّفاقًا (مُؤتمَنْ) تأكيدٌ وتكملةٌ.
(وصُحِّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ) (٢) أي: جُمْهُورُ أئِمَّةِ الأثرِ فِيْهَا (٣) (بـ) قولِ العدلِ (الواحدِ)، وَلَوْ عبدًا، أَوْ امرأةً (٤) (جَرْحًا وتعديلًا) أي: فِيْهِمَا، أَوْ من جِهَتِهما.
لأنَّ قولَهُ إنْ كَانَ نَقْلًا عَنْ غَيرِهِ، فَهُوَ خبرٌ مِن جُملةِ الأخبارِ؛ أَوِ اجتهادًا من قِبَلِ نفسِهِ، فَهُوَ كالحاكِمِ، وَفِي الحالينِ (٥) لا يُشترطُ العددُ (٦).
(خِلاَفَ الشَّاهِدِ) فالصَّحيحُ عَدَمُ الاكتفاءِ فِيهِ بِقَولِ الواحدِ، كنفسِ الشَّهادَةِ.
وإذا جَمَعْتَ المسْألتينِ، كَانَ فِيْهِمَا ثلاثةُ أقوالٍ:
١ - لا يُكْتَفَى بواحدٍ فِيْهِمَا (٧).
٢ - يُكْتَفَى بِهِ فِيْهِمَا (٨).
٣ - يفرَّق بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الأصحُّ، كَمَا تقرَّرَ مَعَ الفرقِ بَيْنَهُمَا (٩).
وفرّقوا بينَهُما أَيْضًا، بأنَّ الشهادةَ أمرُها ضيِّقٌ، لكونِها فِي الحقوقِ الخاصةِ التي يُترافَعُ فِيْهَا، بِخلافِ الرِّوَايَةِ، فإنَّها فِي عامٍّ للناسِ غالبًا، لا ترافُعَ فِيهِ.
_________________
(١) في (ق): «ثبتت».
(٢) في (ص): «وصح اكتفاءهم»، وفي (ق) و(ع): «وصحح اكتفائهم». وقارن هذه المسألة في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٨.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) في (م): «المرأة».
(٥) في (ع): «الحالتين».
(٦) انظر: الكفاية (١٦٣ ت، ٩٨ هـ)، التقييد: ١٤٣، فتح المغيث ١/ ٣١٨، ونسبه البقاعي في النكت الوفية: ١٩٧/ ب: لأبي حنيفة أبي يوسف.
(٧) حكاه القاضي أبي بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة. انظر: الكفاية: (١٦٣ت، ٩٨ هـ).
(٨) هو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي حنيفة وأبي يوسف. انظر: الكفاية (١٦٣ ت، ٩٨ هـ)، والتقييد: ١٤٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥.
(٩) رجحه الإمام فخر الدين الرّازيّ، والسيف الآمدي. انظر: المحصول ٢/ ٢٠٠، والإحكام ٢/ ١٢١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وبأنَّ بينَهُم فِي المُعامَلاتِ عَداوةً تحملُهُم عَلَى شَهادةِ الزُّورِ، بخلافِ الرُّواةِ (١).
٢٦٤ - وَصَحَّحُوا استِغْنَاءَ ذِي الشُّهْرَةِ عَنْ تَزكِيَةٍ، كـ (مَالكٍ) نَجْمِ السُّنَنْ
٢٦٥ - و(لابنِ عَبْدِ البَرِّ) كُلُّ مَنْ عُنِي بِحَمْلِهِ العِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ
٢٦٦ - فَإنَّهُ عَدْلٌ بِقَوْلِ المُصْطَفَى (يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ) لكِنْ خُوْلِفَا
٢٦٧ - وَمَنْ يُوَافِقْ غَالِبًا ذا الضَّبْطِ فَضَابِطٌ، أوْ نَادِرًا فَمُخْطِيْ (٢)
(وَصَحَّحوا) مِمَّا تَثْبُتُ بِهِ العدالةُ أَيْضًا (استغناءَ ذي الشُّهْرةِ) بها بَيْن أَهْلِ العلمِ (عَنْ تَزْكِيةٍ) صَريحةٍ، (ك: مَالكٍ نَجْمِ السُّنَنْ)، كَمَا وصفَهُ بِهِ الإمامُ الشَّافِعيُّ (٣)، وكشعبةَ، وأَحْمَدَ، وابنِ مَعِيْنٍ، فهؤلاءِ، وأمثالُهم لاَ يُسألُ عَنْ عَدالتِهِم (٤).
وَقَدْ سُئل الإمامُ أَحْمَدُ عَنْ إسحاقَ بنِ راهويهِ فَقَالَ: مثلُ إسحاقَ يُسْألُ عَنْهُ (٥)؟ إسحاقُ عندنا إمامٌ من أئِمَّةِ المسلمينَ.
وابنُ مَعِينٍ سُئِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالَ: مثلي يُسألُ عَنْ أَبِي عُبيدٍ؟ أَبُو عبيدٍ يُسألُ عَنِ الناسِ (٦) !.
(ولابنِ عَبْدِ البَرِّ (٧» الحافظِ قَوْلٌ، وَهُوَ: (كُلُّ مَنْ عُنِي) - بضَمِّ أوّلهِ - أي: اهتَمَّ (بِحَمْلِهِ العِلْمَ)، زادَ الناظِمُ (وَلمْ يُوَهَّنِ) أي: يُضَعَّفْ (فإنَّهُ عَدْلٌ بقولِ المصطفى) - ﷺ -: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ) مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُهُ يَنْفُوْنَ عَنْهُ تَحْرِيْفَ الْغَالِيْنَ - أي: تغييرَ
_________________
(١) انظر: تدريب الرّاوي ١/ ٣٣٢.
(٢) في نسخة (أ) من متن الألفية: «فخطي»، والصواب ما أثبت.
(٣) أسنده أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٨ و٩/ ٧٠، والذهبي في تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٨، والسيوطي في تنوير الحوالك ١/ ٣، وفي طبقات الحفاظ له: ٩٦.
(٤) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٠: «وهذا هو الصحيح في مذهب الشّافعيّ، وعليه الاعتماد في أصول الفقه».
(٥) أسنده الخطيب في تاريخه ٦/ ٣٥٠، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال ١/ ١٧٧.
(٦) أسنده الخطيب في تاريخه ١٢/ ٤١٤، واقتبسه المزي في تهذيب الكمال ٦/ ٦٧.
(٧) انظر: التمهيد ١/ ٢٨، وجامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٩٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
المتجاوزينَ الحدَّ-وانْتِحَالَ المُبطِلِيْنَ-أي: ادّعَاءَهُم لأنفسِهِم مَا لغيرِهِم-وَتَأْوِيْلَ الْجَاهِلِيْنَ (١).
(لَكِنْ خُوْلِفَا) بألفِ الإطلاقِ - أي: ابنُ عَبْدِ البَرِّ فِي اختيارِهِ، بأنَّهُ اتساعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ (٢)، وَفِي احتجاجِهِ بالحديثِ بأنَّهُ ضعيفٌ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهِ، بَلْ قِيلَ: إنَّه مَوْضُوْعٌ (٣).
وبأنَّ الاحتجاجَ بِهِ إنَّما يَصِحُّ (٤) لَوْ كَانَ خبرًا، ولا يصحُّ كونُهُ خبرًا، لوجودِ مَن يَحْمِلُ الْعِلْمَ مَعَ كونِهِ فاسقًا؛ فَلا يكونُ إلاَّ أمرًا (٥).
ومعناهُ: أنَّهُ (٦) أمَرَ الثِّقاتِ بحمل العلم؛ لأن العلم إنما يقبل عنهم.
ويتأيد بأن في بعض طرقه «ليحمل» بلام الأمر (٧).
_________________
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير ٤/ ٢٥٦، وابن حبان في الثقات ٤/ ١٠، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٩ من طريق حمّاد بن زيد، قال: حدّثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمان، به مرفوعًا، وأخرجه ابن وضاح في " البدع ": ١ - ٢، وابن قتيبة الدّينوري في " عيون الأخبار " ٢/ ١١٩، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٧، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٩ من طرق عن معان بن رفاعة السلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمان العذري، به مرفوعًا، والحديث له طرق أخرى ساقها الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩ - ١٤ وقد أشبعت تخريجًا وتعليلًا، فراجعها تجد فائدة إن شاء الله.
(٢) قاله ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٠ - ٢٥٤، ووافقه عليه ابن الموّاق في «بغية النقاد»، وقال المزي: «ما قاله ابن عبد البر هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين» وقال ابن سيد الناس: «لست أرى ما قاله أبو عمر إلا مرضيًا». وقال ابن الجزري: «إنه الصّواب». وقال الذهبي: «إنه الحق». انظر: نكت الزّركشيّ ٢/ ٣٣٠، والتقييد: ١٣٩، وفتح المغيث ١/ ٢٧٨.
(٣) وقد صحّحه الإمام أحمد، والصّواب: أنه حديث ضعيف، وانظر بلا بد: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣ وتعليقنا عليه.
(٤) في (ق): «يقع».
(٥) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤: «وأما استدلاله بهذا الحديث، فلا يصحّ من وجهين: أحدهما: إرساله وضعفه. والثاني: أنه إنما يصحّ الاستدلال به، أن لو كَانَ خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم، وهو غير عدلٍ، وغير ثقةٍ، فلم يبق له محمل إلا على الأمر. وزاد البقاعي في النكت الوفية ١٩٩/ ب فقال: «قد أبديت. ثالثًا: وهو أنه لو كان خبرًا لم يسمع الجرح أصلًا فيبقى قوله: حتّى يتبين جرحه مناقضًا لاستدلاله».
(٦) سقطت من (ع).
(٧) يقصد به من طريق أبي حاتم كما في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤، وانظر: الجرح والتعديل ٢/ ١٧
[ ١ / ٣٠٩ ]
ولو سلم أنه خبر لم (١) يحتج به؛ إذ لا حصر فيه، فلا ينافيه حمل بعض الفسقة العلم، فإنه إنما (٢) هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يحمله (٣).
هذا وقد اعتمد جماعة، منهم: ابن سيد الناس ما اختاره ابن عبد البر، وقال الذهبي: إنه حقٌّ (٤).
قال: ولا يدخل فيه (٥) المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية (٦) بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا (٧)، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وإنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح.
قال: ومن ذلك إخراج الشيخين لجماعة، ما اطلعنا فيهم على جرح، ولا (٨) توثيق، فيحتج بهم، لأنهما احتجا بهم (٩).
ثم بين الناظم ما يعرف بالضبط، فقال:
(ومن يوافق) دائما، أو (غالبا)، في المعنى، أو في اللفظ، وإن سقط منه لا يغير المعنى (ذا الضبط فضابط) محتج بحديثه، (أو) يوافقه (نادرا فمخطي) ليس بضابط، فلا يحتج بحديثه (١٠).
_________________
(١) سقطت من (م).
(٢) سقطت من (م).
(٣) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٢٥.
(٤) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ١٢٦ - ١٣٣.
(٥) «فيه»: سقطت من (م).
(٦) في (ق): «العناية».
(٧) في (ص) و(ق): «تلبيسًا».
(٨) في (ق): «ولا على».
(٩) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٢٧.
(١٠) قال الإمام الشافعي: «ومن كثر غلطه من المحدّثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته». (الرسالة الفقرة ١٠٤٤).
[ ١ / ٣١٠ ]
٢٦٨ - وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ذِكْرٍ لأسْبَابٍ لَهُ، أنْ تَثْقُلاَ (١)
٢٦٩ - وَلَمْ يَرَوْ قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ، وَرُبَّمَا
٢٧٠ - اسْتُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ، كَمَا فَسَّرَهُ (شُعْبَةُ) بِالرَّكْضِ، فَمَا
٢٧١ - هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأثَرْ كـ (شَيْخَيِ الصَّحِيْحِ) مَعْ أهْلِ النَّظَرْ
ثم بين أن هل يجب ذكر سبب الجرح، والتعديل أو لا؟ فقال:
(وصصحوا) أي: جمهور أئمة الأثر، من أربعة أقوال: (قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له) مخافة (أن تثقلا)، ويشق ذكرها، لأنها كثيرة (٢)، فمتى (٣) كلف المعدل ذكرها احتاج أن يقول: يفعل كذا وكذا - عادا ما يلزمه فعله - ولا يفعل كذا وكذا - عادا ما يلزمه تركه - فيطول (٤).
(ولم يروا قبول جرح أبهما) ذكر سببه (٥) من الجارح، لعدم مخافة ذلك، لأن الجرح يحصل بأمر واحد، و(للخلف) بين الناس (في أسبابه، و) يدل لعدم قبوله مبهما، أنه (ربما استفسر الجرح) ببيان (٦) سببه من الجارح، (فـ) يذكر ما (لم يقدح) بناءً على ما يعتقد أنه يقدح (٧).
_________________
(١) في نسخة أوب من متن الألفية: «يثقلا».
(٢) وهذا ما صوّبه الخطيب البغدادي في كفايته: (١٦٥ ت، ٩٩ هـ)، وصحّحه الزركشي في البحر المحيط (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) وقال: «هو المنصوص للشافعي».
(٣) في (ق): «ولو».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥، وفتح المغيث ١/ ٣٢٨، والرفع والتكميل: ٧٩.
(٥) في (ص): «سبب».
(٦) في (ص): «بيان».
(٧) لكن قال السبكي في قاعدته التي في الجرح والتعديل: ٥٠ - ٥١: «إنّ قولهم: الجرح مقدّم، إنّما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل، فإذا تعارضا لأمرٍ من جهة الترجيح قدمنا الجرح، لما فيه من زيادة العلم. وتعارضهما هو استواء الظن عندهما، لأن هذا شأن المتعارضين، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل. وما نحن فيه لم يتعارضا، لأنّ غلبة الظن بالعدالة قائمة. وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعًا لأنّه لا تعارض والحالة هذه. ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل، لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره. =
[ ١ / ٣١١ ]
(كما فسره شعبة) بن الحجاج (بالركض)، حيث قيل له: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون (١).
مع أنه ليس بقادح، كما أشار إليه بقوله: (فما) ذا يلزم من ركضه، ما لم يكن بموضع، أو على وجه لا يليق، ولا ضرورة تدعو إليه؟
وكما روي عن شعبة أنه أتى المنهال بن عمرو، فسمع صوتا من داره فتركه (٢).
قال ابن أبي حاتم: إنه سمع قراءة بالتطريب (٣).
وكذا قال أبوه - أبو (٤) حاتم -: إنه سمع قراءةً بألحان، فكره السماع منه (٥).
وقال وهب بن جرير، عن شعبة: أتيت منزل المنهال، فسمعت منه صوت الطنبور (٦)، فرجعت، ولم أسأله.
قال وهب: فقلت له: هَلاّ سألته؟ عسى كأنه لا يعلم (٧).
_________________
(١) = وعبارتنا في كتابنا " جمع الجوامع " - وهو مختصر جمعناه في الأصلين، جمع فأوعى -: والجرح مقدّم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعًا، وكذا إن تساويا، أو كان الجرح أقلّ. وقال ابن شعبان: يطلب الترجيح إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدمًا». وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦، وفتح المغيث ١/ ٣٢٨، والرفع والتكميل: ٨٠.
(٢) الكفاية: (١٨٢ ت، ١١٠ - ١١١ هـ). والبرذون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، يعرف باسم (الكديش). انظر: معجم متن اللغة ١/ ٢٦٩، والمعجم الوسيط: ٤٨.
(٣) الجرح والتعديل١/ ١٥٣و٨/ ٣٥٧، وبنحوه الخطيب في الكفاية (١٨٣ت، ١١٢ هـ)، والضعفاء ٤/ ٢٣٧.
(٤) الجرح والتعديل ٨/ ٣٥٧.
(٥) لم ترد في (ع).
(٦) الجرح والتعديل ١/ ١٥٣.
(٧) في (ق): «الطيور».
(٨) الكفاية: (١٨٣ ت، ١١٢ هـ)، والضعفاء ٤/ ٢٣٧، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٣٢٠. قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٦٣ عقب ١١٠٧) - معقّبًا على ابن أبي حاتم - بعد أن ذكر كلامه: «هذا ليس بجرحة، إلا أن يتجاوز إلى حدّ يحرم، ولم يذكر ذلك في الحكاية، ولا أيضًا فيما بشع من هذه الحكاية، وذلك ما ذكر العقيلي عن وهب قال: سمعت شعبة يقول: أتيت منهال فهذا -كما ترى- التعسف فيه ظاهر، ولا أعلم لهذا الحديث علة غير ما ذكرت، فاعلمه» انتهى. وقال البقاعي في النكت: ٢٠٠ /ب: «والورع ما فعل شعبة لأنّ الطنبور لا يضرب في بيت أحد إلا بعلمه أو بأن يعرف أهله منه السماح فيما يقارب ذلك من خوارم المروءة إن لم يكن مفسقًا الخ».
[ ١ / ٣١٢ ]
فهذا لا يقدح في الثقة، ولهذا قال ابن القطّان عقب كلام ابن أبي حاتم: هذا ليس بجرح إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم (١)، ولم (٢) يصح ذلك عنه. انتهى.
وقد وثقه جماعة، منهم: ابن معين، والنسائي، واحتج به البخاري (٣)، بل وعلق له من رواية شعبة نفسه عنه في باب «ما يكره من المثلة من الذبائح» (٤).
فلم يترك شعبة الرواية عنه، وذلك إما لأنه سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده (٥).
فبان بما ذكر: أن البيان مزيل لهذا المحذور، ومبين لكونه قادحا، أو غير قادح، وأن ذلك لا يوجب الجرح.
(هذا) القول المفصَّل هو (الذي عليه) الأئمة (حفاظ الأثر)، ونقاده، كما أفاده أيضا قوله: (وصححوا) (كـ: شيخي الصحيح) البخاريّ، ومسلم (مع) -بالإسكان- (أهل النّظر)، كالشافعيِّ (٦).
وقال ابن الصلاح: «إنه ظاهر مقرر في الفقه وأصوله» (٧).
وقال الخطيب: إنه الصواب عندنا (٨).
والقول الثاني: عكسه؛ فيشترط ذكر سبب التعديل دون الجرح؛ لأن أسباب العدالة يكثر التصنع (٩) فيها، فيبني المعدل على الظاهر، كقول أحمد بن يونس، لمن (١٠)
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٦٣ عقب (١١٠٧)، وعبارة: «لم يصح ذلك عنه» لم ترد في المطبوع.
(٢) في (م): «لا».
(٣) انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٢٣٩ (٦٨٠٥).
(٤) صحيح البخاريّ ٧/ ١٢٢ (٥٥١٥).
(٥) فتح المغيث ١/ ٣٣٠.
(٦) الكفاية: (١٧٨ - ١٧٩ ت، ١٠٨ هـ).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٥.
(٨) الكفاية: (١٧٩ ت، ١٠٨ هـ)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠.
(٩) في (ص): «الصنع».
(١٠) في (ق): «لما».
[ ١ / ٣١٣ ]
قال له: عبد الله العمري ضعيف: إنما يضعفه رافضي، مبغض لآبائه، لو رأيت لحيته، وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه ثقة (١).
فاحتج على ثقته بما ليس بحجة؛ لأن حسن الهيئة يشترك فيه العدل، وغيره (٢).
والثالث: أنه لابد من ذكر سببهما معا للمعنيين المتقدمين، فكما يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثق المعدل (٣) بما لا يقتضي العدالة (٤)، كما مَرَّ (٥).
والرابع: عكسه إذا كان الجرح أوالتعديل من عالم بصير به، كما سيأتي مع انتقاد كونه قولا (٦) مستقلا بما فيه (٧).
٢٧٢ - فَإنْ يُقَلْ: (قَلَّ بَيَانُ مَنْ جَرَحْ) كَذَا إذَا قَالُوا (٨): (لِمَتْنٍ لَمْ يَصِحْ)
٢٧٣ - وَأبْهَمُوا، فَالشَّيْخُ قَدْ أجَابَا أنْ يَجِبَ الوَقْفُ إذا اسْتَرَابا
٢٧٤ - حَتَّى يُبِيْنَ بَحْثُهُ قَبُوْلَهْ كَمَنْ أُوْلُو الصَّحِيْحِ خَرَّجُوا لَهْ
٢٧٥ - فَفي (البُخَارِيِّ) احتِجَاجًا (عِكْرِمَهْ) مَعَ (ابْنِ مَرْزُوْقٍ)، وَغَيْرُ تَرْجُمَهْ
٢٧٦ - وَاحْتَجَّ (مُسْلِمٌ) بِمَنْ قَدْ ضُعِّفَا نَحْوَ (سُوَيْدٍ) إذْ بِجَرْحٍ مَا اكتَفَى
(فإن يقل) على القول بأن الجرح لا يقبل إلا مفسرا: قد (قَلَّ) فيما ينقل عن أئمة الحديث في الكتب المعول عليها في الرواة (٩) (بيانُ) سبب جرح (منْ جرحْ)،
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٦٥، والكفاية: (١٦٥ ت، ٩٩ هـ).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩، فتح المغيث ١/ ٣٣٣.
(٣) في (ق): «الموثق».
(٤) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨: «حكاه الخطيب والأصوليون». انظر: الكفاية: (١٧٩ - ١٨٠ت، ١٠٨ - ١٠٩ هـ)، والبحر المحيط ٤/ ٢٩٤.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨ - ١٩، وفتح المغيث ١/ ٣٣٣.
(٦) لم ترد في (ق) و(ص).
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩.
(٨) في نسخة (ب) من متن الألفية: «إذا قيل».
(٩) في (ق): «الراوية».
[ ١ / ٣١٤ ]
بل اقتصروا فيها غالبا على مجرد قولهم: فلان ضعيف، أو ليس به بأس (١)، أو نحوه.
و(كذا) قل بيانهم سبب ضعف الحديث (إذا قالوا) في كتبهم (لمتن) (٢) أي: حديث: إنه (لم يصح)، بل اقتصروا فيها غالبا أيضا على مجرد قولهم (٣): هذا حديث (٤) ضعيف، أو غير ثابتٍ، أو نحوه.
(وأبهموا) بيان السبب في الأمرين: فاشتراط بيانه يفضي إلى تعطيل (٥) ذلك وسد باب الجرح في الأغلب (٦).
(فالشيخ) ابن الصَّلاح (٧) (قد أجابا) عن ذلك بـ (أَنْ يجبَ الوقفُ) أي: بأنَّا وإنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ فِي إثباتِ الجرحِ، لَكنَّا نعتمِدُهُ فِي أنَّا نتوقَّفُ عَنِ الاحتجاجِ بالرَّاوِي، أَوْ بالحديثِ (٨) (إذَا) وَفِي نُسخةِ «إذ» (استَرابا) أي: لأجلِ الريبةِ القويةِ الحاصِلةِ بِذَلِكَ.
ويستمرُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ واقفًا (حَتَّى يُبِيْنَ) - بضمِّ الياء، من أَبَاْنَ - أي: يُظهِرَ (٩) (بحثُهُ) عَنْ حالِ ذَلِكَ الرَّاوِي، أَوْ الحَدِيْثِ (قبولَهْ)، والثِّقةَ بعدالتِهِ، بحيثُ لَمْ يؤثّرْ مَا وقفَ عَلَيْهِ فِيهِ من الجرحِ، أَوْ التضعيفِ (١٠).
(كمَنْ) أي: كَالَّذِي مِنَ الرُّواةِ (أُولُو) أي: أصحابُ (الصَّحِيحِ) البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وغيرُهما (خرَّجوا) فِيهِ (لَهْ) مَعَ أنَّه ممَّنْ مسَّهُ من غيرِهم جرحٌ مُبْهَمٌ.
ثُمَّ قَالَ: «فافْهَم ذَلِكَ، فإنَهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ» (١١).
_________________
(١) في (ع): «أو ليس بشيء».
(٢) في (م): «المتن».
(٣) في (م): «قوله».
(٤) «حديث»: لم ترد في (ع).
(٥) في (ص): «تعليل».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١، وفتح المغيث ١/ ٣٣٣.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
(٨) في (ق): «والحديث».
(٩) في (ق): «أظهر».
(١٠) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٣٣.
(١١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٥٦.
[ ١ / ٣١٥ ]
(ففي البُخَارِيِّ احْتِجَاجًا عِكْرِمَهْ) أي: فعِكْرِمَةُ التَّابِعيُّ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ مُخرَّجٌ لَهُ فِي"صَحِيْح البُخَارِيِّ" عَلَى وَجْهِ الاحتجاجِ بِهِ (١)، فَضْلًا عَنْ المتَابعاتِ، ونحوِها، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الكلام، لتَبَيُّنِ أنَّه ثقةٌ (٢)، (مَعَ ابنِ مَرْزوقٍ) عَمْرٍو الباهِليّ (٣)، لَكِنْ متابعةً، لا احتجاجًا.
(وغيرُ) بالرفع عَطفًا عَلَى «عِكْرِمةَ»، وبالجرِّ عَطفًا عَلَى «ابنِ مَرْزُوقٍ» مضافًا فِيْهِمَا إلى (تَرْجَمَهْ) بِجَعْلِها اسمًا مُرادًا بِها الرَّاوِي الذي خرَّجَهُ البُخَارِيُّ، أطلَقَتْ عَلَيْهِ مَجازًا عَن الْمَصْدَرِ الواقعِ عَلَيْهِ، والمعنى: وغيرُ راوٍ، كإسماعيلَ بنِ أبي أُوَيْسٍ (٤)، وَعَاصمِ بنِ عَلِيٍّ (٥).
(و) كَذَا (احتجَّ مُسْلِمٌ بمَنْ قَدْ ضُعِّفَا) من غيرِهِ (نَحْوَ سُوَيْدٍ) هُوَ ابن سعيدٌ
(إِذْ ب) مُطْلَقِ (جرحٍ مَا اكتَفَى) مُسْلِمٌ، كالبخاريِّ؛ لأنَّ سُوَيدًا صَدوقٌ فِي نفسِهِ، كَمَا قالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ (٦).
وأكثرُ مَنْ فسَّر الجرحَ فِيهِ، ذَكَرَ أنَّهُ لما عَمِيَ ربَّما يُلقَّنَ (٧) الشيءَ، وهذا وإن كَانَ قادحًا، فإنَّما يَقْدَحُ فِيْمَا حدَّثَ بِهِ بَعْدَ العَمَى، لا فِيْمَا قَبْلَهُ (٨).
_________________
(١) «به»: سقطت من (ع).
(٢) انظر: ترجمته في تهذيب الكمال ٥/ ٢٠٩ (٤٥٩٨)، وقد أطال الكلام عنه ابن حجر في هدي الساري ٤٢٥ - ٤٣٠ فانظره تجد فائدة.
(٣) هو أبو عثمان عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، ثقة له أوهام، أثنى عليه أبو حاتم وغيره، توفي سنة (٢٢٤ هـ). (الجرح والتعديل ٦/ ٢٦٣، والكاشف ٢/ ٨٨ (٤٢٢٨)، والتقريب (٥١١٠).
(٤) هو أبو عبد الله إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني، ابن اخت الإمام مالك مكثر فيه لين وله أخطاء، أفحش النسائي القول فيه، توفي سنة (٢٢٦ هـ). الكامل ١/ ٥٢٥، وتذكرة الحفاظ ١/ ٤٠٩، والتقريب (٤٦٠).
(٥) هو أبو الحسين عاصم بن علي الواسطي، عالم صاحب حديث من أئمة السنة، صدوق ربّما وهم، توفي سنة (٢٢١ هـ). تاريخ بغداد ١٢/ ٢٤٧، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٤، والتقريب (٣٠٦٧).
(٦) هو سويد بن سعيد بن سهل الهروي أبو محمد الحدثاني، صدوق في نفسه، إلا أنّه عمي فصار يتلقن، أغلظ القول فيه ابن معين، توفي سنة (٢٤٠ هـ). ميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٨، والتقريب (٢٦٩٠)، وطبقات المدلسين: ٥٠.
(٧) في (م): «تلقن».
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤، وفتح المغيث ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣١٦ ]
ولعلَّ مسلمًا إنَما خرَّجَ عَنْهُ مَا عَرَفَ أنَّهُ حدَّثَ بِهِ قَبْلَ عَمَاهُ (١)، أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَهُ بنزولٍ طلبًا للعلوِّ، لا مَا تفرَّدَ بِهِ (٢).
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ أَبِي طالبٍ: قُلْتُ لمسلمٍ: كَيْفَ استجزْتَ الرِّوَايَةَ عَنْ سويدٍ فِي " الصَّحِيحِ "؟ فَقَالَ: ومِنْ أين كنتُ آتي بنسخةِ حَفْصٍ (٣).
وذلك أنَّ مُسلمًا لَمْ يروِ فِي "صَحِيْحِهِ" عَنْ أَحَدٍ ممَّنْ سَمِعَ حَفْصًا إلا عَنْ سُويدٍ، ورَوَى فِيهِ عَنْ واحدٍ، عَنْ ابنِ وهْبٍ، عَنْ حَفْصٍ (٤).
٢٧٧ - قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ (أبُو المَعَاليْ) واخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ (الغَزَاليْ)
٢٧٨ - و(ابْنُ الخَطِيْبِ) الْحَقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا أطْلَقَهُ العَالِمْ (٥) بِأسْبَابِهِمَا
٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ
(قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ) فِي ردِّ السؤَالِ، إمامُ الحرمينِ (أَبُو الْمَعَاليْ)، فِي كتابه " البُرْهانِ " (٦)، (واختارَهُ تلميذُهُ) أَبُو حَامدٍ (٧) (الغزاليْ، و) الإمامُ فخرُ الدينِ (ابنُ الخطيبِ) الرازيُّ (٨): (الحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا أطْلَقَهُ العالِمْ) - بإسكان الميمِ من
(يُحكمْ) و(العالِمْ) - (بأسْبابِهِما) أي: بأسباب الجرحِ والتعديل مِن غَيْرِ بيانٍ لَهَا.
واختارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الباقلاَّنيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْجُمْهُورِ (٩).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) هُوَ حفص بن ميسرة، وهذا النص نقله الذهبي في الميزان ٢/ ٢٥٠ (٣٦٢١)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧، وفتح المغيث ١/ ٣٣٤.
(٥) سكن لضرورة الوزن، وسينبه على ذلك الشارح.
(٦) البرهان ١/ ٤٠٠.
(٧) المستصفى ١/ ١٦٢.
(٨) المحصول ٢/ ٢٠١، وطبعة العلواني ٢/ ١/٥٨٧.
(٩) انظر: الكفاية: (١٧٩ ت، ١٠٨ هـ).
[ ١ / ٣١٧ ]
وَلَمّا كَانَ هَذَا مُخالفًا لما اختاره ابنُ الصلاحِ من كونِ الجرحِ المبهمِ، لا يقبلُ، وَهُوَ عينُ القولِ الرابعِ، قَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: التاجُ السبكيُّ.
لَيْسَ هَذَا قولًا مستقلًا، بَلْ تحريرٌ لمحلِّ النزاعِ؛ إِذْ مَنْ لا يكونُ عالِمًا بأسبابهِما لا يُقبلانِ مِنْهُ، لا بإطلاقٍ، ولا بتقييدٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ عَلَى الشيءِ فرعُ تصوُّرِهِ.
أي: فالنِّزاعُ فِي إطلاقِ العالمِ دُوْنَ إطلاقِ غيرِهِ، وهذا إنْ سُلِّم، فَلا نُسلِّمُ أنَّ تقييدَ غَيْرِ العالمِ بِهما - أي: تفسيرَهُ لَهُمَا - لا يُقبلُ (١).
واختارَ شَيْخُنا: أنَّه إنْ لَمْ يَخْلُ المجروحُ عَنْ تعديلٍ، لَمْ يقبلِ الجرحُ فِيهِ إلا مفسَّرًا، وإن خلا عَنْ ذَلِكَ، قُبل فِيهِ مُبْهَمًا إذَا صَدَرَ مِن عارِفٍ؛ لأنَّه إذَا خَلا عَن ذَلِكَ، فَهُوَ فِي حَيِّزِ المَجْهولِ، وإعمالُ قولِ المجرِّح أَوْلى مِن إهمالِهِ.
قَالَ: وَمَالَ ابنُ الصَّلاحِ فِي مثلِ هَذَا إلى التوقُّف. انتهى (٢).
ثُمَّ بيَّنَ حكمَ تعارضِ الجرحِ والتعديلِ فِي راوٍ واحدٍ، فَقَالَ:
(وَقَدَّمُوا) أي: جُمْهُورُ أئمةِ الأثرِ (الجَرْحَ) عَلَى التعديلِ، وإنْ كَانَ المعدِّلُ أكثرَ عَددًا؛ لأنَّ مَعَ الجارحِ زيادةَ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهَا المعدِّلُ؛ ولأنَّه مصدِّقٌ لِلمُعدِّلِ فِيْمَا أَخبرَ بِهِ مِن ظاهرِ حالِهِ، ويخبرُ عَنْ أمرٍ باطنٍ خَفِيَ عَلَى المعدِّلِ (٣).
نَعَمْ، إن لَمْ يفسِّرِ الجرحَ، أَوْ قَالَ المعدِّلُ: عَرفْتُ السببَ الذي ذكرَهُ الجارحُ، لكنَّهُ تابَ مِنْهُ، قُدِّمَ التعديلُ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي الكذبِ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -، كَمَا سَيأتي فِي مَحَلِّهِ.
وَقَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ فِي الأَوَّلِ (٤): الأقوى طلبُ الترجيحِ، لأنَّ كلًا مِنْهُمَا ينفي قَوْلَ الآخر.
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٣٥.
(٢) شرح النخبة: ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) انظر: الكفاية: (١٧٧ ت، ١٠٧ هـ)، وجامع الأصول ١/ ١٢٨، والمحصول ٢/ ٢٠١، وطبعة العلواني ٢/ ١/٥٨٨، والإحكام ٢/ ٣١٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨، وفتح المغيث ١/ ٣٣٦.
(٤) الاقتراح: ٣٣٧.
[ ١ / ٣١٨ ]
وَلَوْ نفى المعدِّلُ الجرحَ بطريقٍ مُعْتَبرٍ، كأنْ يَقُول عِنْدَ التجريحِ بقتلِهِ لفلانٍ يومَ
كَذَا: أنا رأيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليومِ، وَهُوَ حيٌّ، تعارضا لعدمِ (١) إمكانِ الجمعِ؛ فيطلبُ الترجيحُ (٢).
(وَقِيلَ: إنْ ظَهَرْ مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ) بنصبهِ حالًا، بزيادةِ «ال» - أي: إنْ ظهرَ المعدِّلون أكثرَ عددًا، (فَهْوَ) أي: التعديلُ (المُعْتبرْ)؛ لأنَّ الكَثْرَةَ تقوِّي الظنَّ، والعملُ بأقوى الظنَّينِ واجبٌ، كَمَا فِي تَعارضِ الخبرينِ (٣).
قَالَ الخطيبُ: وَهَذا خَطأٌ؛ لأنَّ المُعدِّلينَ، وإن كَثروا، لا يُخبِرونَ، بعدمِ مَا أخبر بهِ الجارِحونَ، وَلَوْ أخبروا بِهِ وقالوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَمْ يقع مِنْهُ، لَمْ يصحَّ لأنَّها شَهادةٌ عَلَى نفيٍ محضٍ (٤).
ولأنَّ تقديمَ الجرحِ، إنَّما هُوَ لتضمُّنِهِ زيادةً خَفِيَتْ عَلَى المعدِّلِ، وذلك موجودٌ مَعَ زيادةِ عددِ المعدِّلِ.
وَقِيلَ: إنَّهمَا حينئذٍ (٥) يتعارضانِ، فيُطلبُ الترجيحُ لزيادةِ قوةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِن وَجْهٍ.
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الأحفظُ (٦).
٢٨٠ - وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ بِهِ (الخَطِيْبُ) والفَقِيْهُ (الصَّيْرَفِيْ)
٢٨١ - وَقِيْلَ: يَكْفِي، نَحْوُ أنْ يُقالا: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاَ:
٢٨٢ - جَمِيْعُ أشْيَاخِي ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ أُسَمِّ، لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ
٢٨٣ - وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ
ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ التعديلِ المبْهَمِ، والرِّواية عَنِ المعيَّنِ بِلا تعديلٍ، وغيرِهما، فَقَالَ:
_________________
(١) في (ع): «بعدم».
(٢) نزهة النظر: ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٣٧.
(٤) الكفاية: (١٧٧ ت، ١٠٧ هـ)، وانظر: المحصول ٢/ ٢٠١.
(٥) في (ق): «حين».
(٦) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٣٨.
[ ١ / ٣١٩ ]
(وَمُبْهَمُ التَّعْدِيلِ) أي: تعديلِ المبهَمِ، (لَيْسَ يَكْتَفِي بِهِ) أَبُو بَكْرٍ (الخطيبُ) (١)، وأبو نَصْرِ بنُ الصَّبَّاغِ، (والفقيهُ) أَبُو بكرٍ (الصَّيْرَفِيْ)، وغيرُهُم (٢)؛ إِذْ لا يلزمُ من كونِهِ عدلًا عِنْدَهُ أَنْ يكونَ عِنْدَ غيرِهِ كَذلِكَ، فلَعَلَّهُ إذَا سمَّاهُ يَكُونُ ممَّنْ جرَّحَهُ غيرُهُ بجرحٍ قادحٍ، بَلْ إضرابُه عَنْ تسميتِهِ ريبةٌ توقعُ تردُّدًا فِي القلبِ (٣).
(وَقِيلَ: يَكْفِي (٤» تَعْدِيلُهُ، كَمَا لَوْ عيَّنَه؛ لأنَّه مَأمونٌ فِي الحالينِ، وَهُوَ ماشٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يحتجُّ بالمرسلِ، وأولى بالقَبولِ.
(نَحْو أَنْ يُقالا) بألفِ الإطلاقِ: (حَدَّثَني الثقةُ)، أَوْ العَدْلُ.
(بَلْ) صرَّحَ الخطيبُ بأنَّه (لَوْ قالا) بألفِ الإطلاق - أَيْضًا: (جَمِيْعُ أشياخي ثقاتٌ) و(لَوْ لَمْ أُسَمِّ) ـِهمْ، ثُمَّ رَوَى عمَّنْ لَمْ يُسمِّهِ، (لا يُقْبَلُ) أَيْضًا (مَنْ قَدْ أبْهَمْ)؛ لما ذكر فِيْمَا قبلَهُ.
وإنْ كَانَ أعلى مِنْهُ، كَمَا أفادَهُ كلامُهُ؛ لأنَّ (٥) التعديلَ بِهِ إخبارٌ مستقلٌ بخلافِهِ بما (٦) قبلَهُ.
أما إذَا قَالَ: كُلُّ مَنْ أَرْوِي لكم عَنْهُ، وأُسمِّيهِ، فَهُوَ عَدْلٌ رِضًا (٧)، كَانَ تعديلًا مِنْهُ، لِكلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ، وسمَّاهُ، كَمَا جزمَ بِهِ الخطيبُ (٨).
وَقِيلَ: يَكفي تعديلُ المبْهَمِ (٩) مِن عالمٍ لا مِن غَيْرِهِ.
_________________
(١) الكفاية: (١٥٥ ت، ٩٢ هـ).
(٢) منهم الشاشي، وأبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، والماوردي، والروياني، نقله عنهم الزّركشيّ في البحر المحيط ٤/ ٢٩١. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠.
(٣) انظر: الكفاية: (١٥٤ - ١٥٥ ت، ٩٢ هـ) و(٥٥١ - ٥٥٣ ت، ٣٨٨ - ٣٨٩ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠ - ٣١.
(٤) في (م): «يكتفي».
(٥) في (م): «بأن».
(٦) في (ق): «فيما».
(٧) في (ع): «رضي».
(٨) الكفاية: (١٥٤ - ١٥٥ ت، ٩٢ هـ).
(٩) بعد هذا في (ص): «إن صدر».
[ ١ / ٣٢٠ ]
كَمَا قَالَ: (وبعضُ مَنْ حقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ) أي: تعديلُ المبْهَمِ (١). إنْ صدرَ (من عالمٍ) أي: مُجْتهدٍ، كمالكٍ والشافعيِّ (فِي حقِّ مَنْ قَلَّدَهُ) فِي مذهبِهِ، كقولِهِ: «حَدَّثَني الثقةُ».
فحيثُ رَوَى مالكٌ عَنِ الثقةِ، عَنْ بُكَيْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، فالثقةُ مَخْرَمَةُ بنُ بُكَيْرٍ، أَوْ عَنِ الثقةِ، عَنْ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، فَهُوَ عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، وَقِيلَ: الزهريُّ، وَقِيلَ: ابنُ لَهِيْعَةَ (٢).
وَحَيْثُ رَوَى الشَّافِعيُّ عَنْ الثقةِ، عَنِ ابنِ أبي ذئبٍ، فَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي (٣) فديك، أَوْ عَنِ الثِّقَةِ عَنِ (٤) الليثِ بنِ سَعْدٍ، فَهُوَ يَحْيَى بنُ حسَّانَ، أَوْ عَنِ الثقةِ، عَنِ الوليدِ بنِ كثيرٍ، فَهُوَ أَبُو أسامةَ، أَوْ عَنِ الثِّقَةِ، عَنِ الأوزاعيِّ، فَهُوَ عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، أَوْ عَنِ الثقةِ، عَنِ ابنِ جُريجٍ، فَهُوَ مسلمُ بنُ خالدٍ، أَوْ عَنِ الثقةِ، عَنْ صالحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بنُ أَبِي يَحْيَى (٥).
وخرج ب (مَنْ قلَّدَهُ) غيرُهُ؛ فَلا يقبلُ فِي حقِّه؛ لأنَّ المجتهدَ لا يورِدُ الخبرَ بِذَلِكَ (٦) احتجاجًا بِهِ عَلَى غَيْرهِ، بَلْ يورِدُ لأصْحابِهِ لبيانِ قيامِ الحُجَّةِ بِهِ عندَهُ، وَقَدْ عَرَفَ هُوَ مَنْ رَواهُ عَنْهُ (٧).
_________________
(١) هكذا أبهمه ابن الصّلاح ولم يبين الشارح ولا النّاظم من هو المحقق، لكن السخاوي في فتح المغيث ١/ ٣٣٩ قال: «ولعله إمام الحرمين».
(٢) قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: ٥٤٧ - ٥٤٨: «مالك: أخبرنا الثقة، عن عمرو بن شعيب، قيل: هو عمرو بن الحارث، أو ابن لهيعة. وعن الثقة عنده عن بكير بن الأشج، قيل: هو مخرمة بن بكير. وعن الثقة، عن سليمان بن يسار. وعن الثقة، عن ابن عمر، هو: نافع، كما في موطّأ ابن القاسم». قلنا: والأحاديث التي في الموطأ من رواية يحيى التي فيها مالك: عن الثقة، هي: «٣٨٠، ٧٢٤، ١٤٧٩، ١٧٨١، ٢٤٤٩، ٢٧٦٧، ٢٨٠٠». وانظر تدريب الرّاوي ١/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٣) «أبي»: سقطت من (ق).
(٤) في (م): «من».
(٥) ترجمته في ميزان الاعتدال١/ ٥٧، وانظر: النكت الوفية: ٢٠٦/ أ، وتعليقنا على مسند الشّافعيّ حديث (٢).
(٦) في (ق): «كذلك».
(٧) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٤٠.
[ ١ / ٣٢١ ]
٢٨٤ - وَلَمْ يَرَوْا فُتْيَاهُ أوْ عَمَلَهُ ؟عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ- تَصْحِيْحًا لَهُ
٢٨٥ - وَلَيْسَ تَعْدِيلًا عَلَى الصَّحِيْحِ رِوَايَةُ العَدْلِ عَلَى التَّصْرِيْحِ
(وَلَمْ يَرَوْا) أي: جُمْهُورُ أئِمَّةِ الأثرِ (فُتْيَاهُ) أي: فَتْواهُ، كَمَا هُوَ بِخطِّهِ أي: العالِمُ مُجتهدًا أَوْ مُقلِّدًا (أَوْ عَمَلَهُ عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ) أي: الحَدِيْثِ الوارد فِي ذَلِكَ المَعْنَى (تَصْحِيْحًا لَهُ)، ولا تعديلًا لراويهِ؛ لإمكانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احتياطًا، لدليلٍ آخرَ وافقَ ذَلِكَ الحديثَ (١)، أَوْ لكونِهِ مِمَّنْ يَرى العملَ بالضَّعيفِ، وتقديمَهُ عَلَى القياسِ.
وَقِيلَ: هُوَ تعديلٌ، وَهُوَ مَا رجَّحَهُ الأُصُوليُّونَ (٢)، وَقياسُهُ ترجيحُ أنَّه تَصْحيحٌ أَيْضًا عِنْدَهُم.
(وَلَيْسَ تَعْدِيلًا) لِمَنْ يَرْوِي عَنْهُ الْعَدلُ مطلقًا، (عَلَى الصَّحِيحِ) الذي عَلَيْهِ أكثرُ العلماءِ مِنَ المُحدِّثينَ (٣)، وغيرِهِم (رِوَايَةُ العدلِ عَلَى) وَجْهِ (٤) (التَّصْرِيْحِ) باسمِهِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ (٥).
ومُقَابِلُ الصَّحِيحِ قَوْلانِ:
أحدُهما: أنَّها تعديلٌ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه لا يَرْوِي إلاّ عَنْ عَدْلٍ، إِذْ لَوْ عَلِمَ فِيهِ جَرْحًا لذكرَهُ، لئلا يَكُونَ غَاشًّا فِي الدِّينِ (٦).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٠، وبه جزم الماوردي، والرّوياني، وابن القطّان، ونقله القاضي في التقريب عن الجمهور، وقال: إنّه الصحيح، انظر: البحر المحيط٤/ ٢٩٠.
(٤) في (ق): «ولو على وجه».
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٥، وفتح المغيث ١/ ٣٤٢، وتدريب الرّاوي ١/ ٣١٤.
(٦) هذا القول حكاه الخطيب في الكفاية: (١٥٠ ت، ٨٩ هـ)، وبه قال الحنفية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وفي النقل عن الإمام الشّافعيّ خلاف، ونسبه الشيرازي إلى بعض الشافعية، وهو اختيار الآمدي، ونقله الإسنوي عن ابن الحاجب. انظر: اللمع: ٤٧، والتبصرة في أصول الفقه: ٣١٩، وإحكام الأحكام ٢/ ٨٠، ونهاية السول ٣/ ٤٨، ودراسات في الجرح والتعديل: ٢٠٩.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَرَدَّهُ الخطيبُ (١): بأنَّه قَدْ لا يعلمُ عدالتَهُ، ولا جَرْحَهُ، كَيْفَ وَقَدْ وُجِدَ جَمَاعَةٌ مِنَ العدولِ الثِّقاتِ روَوْا عَنْ ضعفاء (٢)؟
والثاني: أنَّها تعديلٌ لَهُ إنْ علمَ أنَّه لا يَرْوِي إلا عَنْ عدلٍ، وإلاّ فَلاَ.
وهذا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الأُصوليينَ، كالآمِدِيِّ (٣)، وابنِ الحاجبِ (٤) وَأَمّا روايةُ غيرِ العدلِ (٥)، فليست تَعْديلًا اتّفاقًا.
وخَرَجَ بالتَّصْريحِ بِاسمِهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، فَلا يَكُونُ تَعْديلًا جَزْمًا، بَلْ لَوْ عدَّلَ مُبْهَمًا، لَمْ يُكتَفَ بِهِ، كَمَا مَرَّ (٦).
٢٨٦ - وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْبَلُ المَجْهُوْلُ؟ وَهْوَ -عَلَى ثَلاَثَةٍ- مَجْعُوْلُ
٢٨٧ - مَجْهُوْلُ عَيْنٍ: مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ وَرَدَّهُ الأكْثَرُ، وَالقِسْمُ الوَسَطْ:
٢٨٨ - مَجْهُوْلُ حَالٍ بَاطِنٍ وَظَاهِرِ وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ لَدَى الجَمَاهِرِ،
٢٨٩ - وَالثَّالِثُ: المَجْهُولُ لِلعَدالَهْ في بَاطِنٍ فَقَطْ. فَقَدْ رَأَى لَهْ
٢٩٠ - حُجِّيَّةً -في الحُكْمِ-بَعْضُ مَنْ مَنَعْ مَا قَبْلَهُ، مِنْهُمْ (سُلَيْمٌ) فَقَطَعْ
٢٩١ - بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ: إنَّ العَمَلا يُشْبِهُ أنَّهُ عَلَى ذَا جُعِلا
٢٩٢ - في كُتُبٍ منَ الحَدِيْثِ اشْتَهَرَتْ خِبْرَةُ بَعْضِ مَنْ بِهَا تَعَذَّرَتْ
٢٩٣ - في بَاطِنِ الأمْرِ، وبَعْضٌ يَشْهَرُ ذَا القِسْمَ مَسْتُوْرًا، وَفِيْهِ نَظَرُ
_________________
(١) الكفاية: (١٥٠ ت، ٨٩ هـ).
(٢) في (ق): «الضعفاء».
(٣) الإحكام ٢/ ٣١٩، وعبارته: «إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن العدل فهو تعديل».
(٤) منتهى الوصول: ٨٠، وعبارته: «وإن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن العدل، فتعديل وإلا فلا». وكذلك قال الرّازيّ في المحصول ٢/ ٢٠٢، ونقله الزّركشيّ عن إمام الحرمين، وابن القشيري، والغزالي، والصفي الهندي، والمازري، وقال: هو قول الحذاق. انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٨٩.
(٥) في (م): «العدول».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٣٢٣ ]
(واخْتَلَفُوا) أي: العُلَمَاءُ (هَلْ يُقْبَلُ) الرَّاوِي (الْمَجْهُولُ؟ وَهْوَ عَلَى) أقسامٍ (ثَلاَثَةٍ مَجْعُولُ):
الأَوَّلُ: (مَجْهُوْلُ عَينٍ)، وَهُوَ: (مَنْ لَهُ راوٍ) أي: مَنْ لَمْ يَروِ عَنْهُ إلاّ راوٍ (فَقَطْ)، وسمَّاه الرَّاوِي، كجَبَّارٍ الطائيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ أعزَّ - بالزاي - فإنَّ كلًا مِنْهُمَا لَمْ يروِ عَنْهُ إلاّ أَبُو إسحاقَ السَّبِيْعِي (١).
(وَرَدَّه) أي: مَجْهُوْلَ العينِ (الأكثرُ) مِنَ العلماءِ، فَلا يقبلونه مطلقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، للإجماعِ عَلَى عَدمِ قبولِ غَيْرِ العَدْلِ، والْمَجْهُولُ لَيْسَ عدلًا، ولا فِي معناه فِي حصولِ الثقةِ بِهِ (٢).
ولأنَّ الفِسْقَ مانعٌ مِنَ القَبولِ كالصِّبا والكفرِ، فيكونُ الشَّكُّ فِيهِ مَانعًا مِن ذَلِكَ، كَمَا أنَّه فِيْهِمَا كَذلِكَ.
وَقِيلَ: يقبلُ مطلقًا (٣)، لقولِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوْا﴾ (٤) أي: فتثبَّتوا، كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي السبْعِ (٥).
فأوجَبَ التثبُّتَ عِنْدَ وجودِ الفِسْقِ، فعند (٦) عَدَمِهِ، لا يجبُ التثبُّتُ، فيجبُ العَمَلُ بقولهِ (٧).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨ - ٣٩.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧.
(٣) نقله أبو إسحاق الشيرازي في اللمع: ٤٦ عن أبي حنيفة وأصحابه، ونقله البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٢٢٥ عن أبي حنيفة أيضًا. وقد أفاض النسفي في تعليل مذهب أبي حنيفة في قبول مثل هذا في كشف الأسرار ٢/ ٣٠، ولكن من يمعن النظر فيه يجد أن مذهب الحنفية يقيّد قبول ذلك في القرون الثلاثة الأولى الفاضلة؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - شهد بخيريتهم حين قال: «خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم». البخاري ٨/ ١١٣ (٦٤٢٩) فنسبة الإطلاق إلى أبي حنيفة وأصحابه خطأ.
(٤) سورة الحجرات: ٦.
(٥) انظر: معجم القراءات القرآنية ٦/ ٢٢٠.
(٦) في (م): «وعند».
(٧) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٥٥.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَشْهورًا فِي غَيْرِ العِلْمِ، كالزُّهْدِ، والنَّجدةِ (١)، قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ (٢).
وَقِيلَ: إنْ (٣) زكَّاهُ أحدٌ مِنْ أئِمَّةِ الجَرْحِ والتعديلِ -وَلَوْ كَانَ الرَّاوِي عَنْهُ- قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ (٤). وَصَحَّحَهُ شَيْخُنا (٥).
وَقِيلَ: إن كَانَ المنفردُ بالروايةِ عَنْهُ لا يَرْوِي إلاّ عَنْ عَدلٍ - واكتفينا فِي التعديلِ بواحدٍ - قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ (٦).
(وَالْقِسْمُ الْوَسَطْ) أي: الثَّانِي: (مَجْهُوْلُ حَالٍ (٧) بَاطنٍ، وظَاهرِ) مِنَ العدالةِ والجَرحِ، مَعَ معرفةِ عَينِهِ بروايةِ عَدلينِ عَنْهُ.
(وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ) فَلا يقبلُ مطلقًا أَيْضًا (لَدَى) أي: عِنْدَ (الجَمَاهِرِ) (٨) مِنَ العُلَمَاءِ (٩).
وَقِيلَ: يُقبلُ مُطْلَقًا، وإن لَمْ تُقبلْ رِوَايَةُ (١٠) القِسْمِ الأَوَّلِ (١١).
_________________
(١) النجدة: هي الشجاعة والنصرة وسرعة الإغاثة. انظر: تاج العروس ٩/ ٢٠١ (نجد)، ومتن اللغة ٥/ ٤٠٢، والمعجم الوسيط: ٩٠٢.
(٢) وهو قول ابن عبد البر كما نقله عنه ابن الصّلاح وجادة. معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٧.
(٣) في (ص): «إن كان».
(٤) وهو قول ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " ٤/ ٢٠ عقب (١٤٣٨).
(٥) شرح النخبة: ١٨٩.
(٦) انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٨٢.
(٧) هاهنا مسألة مهمة نريد أن ننبه عليها، وهي: أنّ ابن القطّان الفاسي يفرّق بين المجهول والمستور، وعنده «المجهول» و«مجهول الحال» سيان، وهو: من لم يرو عنه إلا راوٍ واحدٌ ولم يوثّق، والمستور من روى عنه اثنان فما فوق ولم يوثّق. بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٠ عقب (١٤٣٨)، وهذا رأيٌّ سديدٌ مصيبٌ، ولا نعلم أحدًا نقله عن ابن القطّان.
(٨) في (ق): «الجماهير».
(٩) انظر: الكفاية: (١٥٠ ت، ٨٩ هـ) وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٢، وفتح المغيث ١/ ٣٥١.
(١٠) في (ق): «راويه».
(١١) نسبه ابن المواق لأكثر أهل الحديث كالبزار والدارقطني، وقال الدارقطني: من روى عنه ثقتان فَقَدْ ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته. انظر: فتح المغيث ١/ ٣٥١.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وَقِيلَ: إن كَانَ الراويانِ لا يرويانِ إلاّ عَنْ عَدلٍ قُبِلَ، وإلاّ فَلاَ (١).
(و) القسمُ (الثَّالِثُ: الْمَجْهُوْلُ للعدالهْ) أي: مجهولُها (فِي بَاطنٍ فَقَطْ) أي: لاَ فِي الظاهرِ.
(فَقَدْ رَأى لَهْ حُجِّيَّةً) أي: احتجاجًا (فِي الحُكْمِ بَعْضُ مَنْ مَنَعْ) قَبُولَ (مَا قَبْلَهُ) مِنَ القِسْمَيْنِ، (مِنْهُمْ): الفقيهُ (سُلَيْمٌ) - بضمِّ أوَّلِهِ - ابنُ أيُّوبَ الرَّازِيُّ، (فَقَطَعْ بِهِ) (٢).
وَعَزاهُ النَّوَوِيّ لكثيرٍ مِنَ المُحقِّقينَ وَصَحَّحَهُ (٣).
لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بالراوِي، ولأنَّ رِوَايَةَ الأخبارِ تَكُونُ عِنْدَ مَنْ يتعسَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ العدالةِ الباطنةِ.
وبهذا فارقتِ الرِّوَايَةُ الشَّهادةَ، فإنَّها تَكُونُ عِنْدَ الحُكَّامِ، وهم لا يتعسَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٤): (إنَّ العملاَ يُشبِهُ أنَّه عَلَى ذَا) القَوْلِ (جُعِلا فِي كُتُبٍ) كثيرةٍ (مِنَ الحَدِيْثِ اشتَهرَتْ) بَيْنَ الأئِمَّةِ، وَغيرِهِم حَيْثُ خُرِّجَ فِيْهَا لرواةٍ (خِبرةُ بعضِ مَنْ) خُرِّجَ لَهُ مِنْهُمْ (بِها) أي: بالكتبِ (تعذَّرَتْ فِي باطنِ الأمرِ) لتقادُمِ العهدِ بهم؛ فاكتفى بالعدالةِ الظاهرةِ.
(وَبَعضٌ) مِنَ الأئِمَّةِ، وَهُوَ البَغَوِيُّ (يَشْهَرُ) - بفتحِ أولهِ وثالثِه - من الشُّهْرَةِ، وَهِيَ الوضوحُ، يُقال: شَهَرْتُ الأمرَ أَشْهرُهُ (٥) شَهْرًا وشُهْرةً (٦)، يَعْنِي يلقَّبُ (ذا القِسْمَ: مستورًا) أي: بِهِ (٧).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣.
(٢) نقله عن الإمام سليم ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٢، والزركشي في البحر المحيط٤/ ٢٨١.
(٣) مقدمة شرح صحيح مسلم ١/ ٢٢، والمجموع ٦/ ٢٧٧.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٦٢.
(٥) في (م): «أشهر».
(٦) الصحاح ٢/ ٧٠٥، وتاج العروس ١٢/ ٢٦٢ (شهر).
(٧) انظر: التهذيب ٥/ ٢٦٣، وشرح السنّة ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الرَّافعيُّ، والنَّوَوِيُّ (١).
زادَ الناظمُ: (وفيهِ) أي: تلقيبِ مَنْ (٢) ذُكِرَ بالمستورِ (نظرُ).
إِذْ فِي عبارةِ الشَّافِعيِّ فِي " اختلافِ الحَدِيْثِ " مَا يَقْتَضِي أنَّ ظَاهِرَيِ العدالةِ مَنْ يحكمُ الحاكمُ بشهادتِهِما (٣).
فإنَّه قَالَ فِي جوابِ سُؤالٍ أورَدهُ: فَلا يجوزُ أَنْ يُتْرَكَ الحُكمُ (٤)
بشهادتهما (٥) إذَا كَانا عَدلينِ فِي الظَّاهِرِ (٦).
فَلا يَحسُنُ تعريفُ المستورِ بهذا؛ فإنَّ الحَاكِمَ لا يسوغُ لَهُ الحكمُ بِهِ، لَكِنَّ الظاهرَ أنَّ الشَّافِعيَّ إنَّما أرادَ بالباطنِ مَا فِي نفسِ الأَمْرِ لخفائِهِ عَنّا، فَلا نُكَلَّفُ بِهِ، بدليلِ أنَّه أطلقَ فِي أَوَّلِ " اخْتلافِ الحَدِيْثِ " أنَّه لا يُحتجُّ بِالْمَجْهُولِ (٧).
وأما اكتفاؤُه بِحضُورِهما عَقدَ النِّكاحِ مَعَ ردِّهِ المستورَ، فإنَّ النِّكاحَ إنَّما فِيهِ تحمُّلٌ لا حُكْمٌ؛ ولهذا لَوْ رُفعَ العقدُ بهما (٨) إلى حاكمٍ لَمْ يحكمْ بصحتِهِ.
ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ رِوَايَةِ المبتدعِ، فَقَالَ:
٢٩٤ - وَالخُلفُ في مُبْتَدِعٍ مَا كُفِّرَا قِيْلَ: يُرَدُّ مُطلَقًا، وَاسْتُنْكِرَا
٢٩٥ - وَقْيِلَ: بَلْ إذا اسْتَحَلَّ الكَذِبَا نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ، وَنُسِبَا
٢٩٦ - (لِلشَّافِعيِّ)، إذْ يَقُوْلُ: أقْبَلُ مِنْ غَيْرِ خَطَّابِيَّةٍ مَا نَقَلُوْا
_________________
(١) المجموع ٦/ ٢٧٧، وقال ابن حجر بتوقف الحكم عليها قبولًا وردًا إلى حين استبانة حاله، صرح بذلك في النزهة: ١٣٦ (طبعة عليّ حسن)، فقال: «والتحقيق أنّ رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين».
(٢) في (ع): «ما».
(٣) في (م): «بشهادتها»، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية وهو الموافق لما جاء في اختلاف الحديث.
(٤) في (م): «الحاكم». وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية وهو الموافق لما جاء في اختلاف الحديث.
(٥) في (م): «بشهادتها».
(٦) اختلاف الحديث: ١٤٣.
(٧) اختلاف الحديث: ٢١٦.
(٨) في (ص): «بها».
[ ١ / ٣٢٧ ]
٢٩٧ - وَالأكْثَرُوْنَ - وَرَآهُ الأعْدَلاَ - رَدُّوَا دُعَاتَهُمْ فَقَطْ، وَنَقَلا
٢٩٨ - فِيهِ (ابْنُ حِبَّانَ) اتِّفَاقًَا، وَرَوَوْا عَنْ أهْلِ بِدْعٍ في الصَّحِيْحِ مَا دَعَوْا
(والخُلْفُ) أي: الاختلافُ واقعٌ بَيْنَ الأئِمَّةِ (فِي) قَبُولِ روايةِ (مبتدعٍ مَا كُفِّرَا) ببدعتِهِ.
(قِيلَ: يُرَدُّ مطلقًا) سَوَاءٌ الداعيةُ، وغيرُهُ؛ لأنَّهُ فَاسقٌ ببدعتِهِ، وإنْ كَانَ متأوِّلًا، فالتحقَ بالفاسقِ غَيْرِ المتأوِّلِ، كَمَا التحقَ الكافرُ المتأوِّلُ بغيرِ المتأوِّلِ.
وهذا يُروى عَنْ مالكٍ (١)، وغيرِهِ (٢)، ونقلَهُ الآمِديُّ عَنِ الأكثرينَ (٣)، وجَزَمَ بِهِ ابنُ الحاجبِ (٤).
(واستُنْكِرا) أي: وأنكرَهُ ابنُ الصَّلاح، فَقَالَ: «إنَّه بعيدٌ (٥)، مُباعِدٌ للشّائِع عَنْ (٦) أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ، فإنَّ كتبَهُم طافحةٌ بالرِّوَايَةِ عَنِ المبتدعَةِ غَيْرِ الدُّعاةِ» (٧)، كَمَا سيأتي.
(وَقِيلَ): لا يُرَدُّ مطلقًا (بَلْ إذَا اسْتَحلَّ الكَذِبَا) فِي الرِّوَايَةِ أَوْ الشهادةِ (نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ)، أَوْ لأهلِ مَذْهَبِهِ، سَوَاءٌ أَدعَى إلى مذهبِهِ أَمْ لا؟ بخلافِ مَا إذَا لَمْ يستحلَّ ذَلِكَ؛ لأنَّ اعتقادَهُ حُرْمةَ الكَذِبِ يمنعُهُ (٨) مِنْهُ فيصدُقُ.
(ونُسِبَا) هَذَا القَوْلُ (للشَّافِعيِّ، إِذْ يَقُولُ) أي لقولِهِ: (أقْبَلُ مِنْ غَيْرِ خَطَّابِيَّةٍ مَا نَقَلُوا).
وَعِبارتُهُ: «أقبلُ شهادةَ أَهْلِ الأهواءِ إلاّ الخَطَّابِيّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ؛ لأنَّهم يَروْنَ الشهادةَ بالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِم» (٩).
_________________
(١) المدخل إلى الإكليل: ٤٢، والكفاية: (١٩٤ ت، ١٢٠ هـ)، وشرح السّنّة ١/ ٢٥٠ و٣١٨، وجامع الأصول ١/ ١٧٢.
(٢) كالإمام أحمد نقله عنه البغويّ في شرح السنّة ١/ ٢٥٠.
(٣) إحكام الأحكام ٢/ ٦٦ و٧٥.
(٤) منتهى الوصول: ٧٧.
(٥) وكذلك قاله ابن حجر في النزهة: ١٣٧.
(٦) في (ق): «عند».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧١.
(٨) في (ع): «تمنعه».
(٩) رواه عنه ابن أبي حاتم في آداب الشّافعيّ ومناقبه: ١٨٩، والبيهقي في مناقب الشّافعيّ ١/ ٤٦٨، وفي السّنن الكبرى١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والخطيب البغدادي (حكاية عنه) في الكفاية: (١٩٤ - ١٩٥ ت، ١٢٠هـ).
[ ١ / ٣٢٨ ]
(والأكْثَرونَ) مِنَ العُلَمَاءِ (وَرَآهُ) ابنُ الصَّلاحِ (الأَعْدَلا) أي: أعدلَ الأقوالِ، وأولاها (١) (رَدُّوْا دُعَاتَهم فَقَطْ).
قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الكَثيرِ (٢)، أَوْ الأكثر (٣).
(وَنَقَلا فِيهِ ابنُ حِبّانَ اتِّفَاقًا)، حَيْثُ قَالَ: الداعيةُ إلى البِدْعَةِ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بِهِ عِنْدَ أئِمَّتِنا قاطبةً، لا أعلمُ بَيْنَهُم فِيهِ اختلافًا (٤).
لَكِنِ استغربَ شَيْخُنا حِكايةَ الاتِّفاقِ (٥).
(و) قَدْ (رَوَوْا) أي: أئِمّةُ الحَدِيْثِ، كالبخاريِّ، وَمُسْلِمٍ أحادِيثَ (عَنْ) جَمَاعَةٍ مِنْ (أَهْلِ بِدْعٍ) - بإسكانِ الدالِ - (فِي الصَّحِيحِ) عَلَى سَبيلِ الاحْتِجَاجِ، والاستشهادِ بهم؛ لأنَّهم (مَا دَعَوْا) أحدًا إلى بِدْعَتِهم، وَلاَ اسْتَمَالُوهُ إليْهَا (٦).
مِنْهُمْ: خَالدُ بنُ مَخْلَدٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسى العَبْسيُّ، وعبدُ الرزاقِ بنُ هَمَّامٍ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ.
وأمّا مَن كُفِّرَ بِبِدْعَتِهِ، كَمُنكرِي عِلْمِهِ -تَعَالَى- بِالمعْدومِ، وبالجزيئاتِ، فَلا يُقبلُ عَلَى خلافٍ فِيهِ (٧).
وَقَالَ صَاحبُ"المحصولِ": «الحقُّ أنَّه إنْ اعتَقدَ حُرمةَ الكذبِ، قَبِلْنَا روايتَهُ، وإلاّ فَلاَ» (٨).
_________________
(١) سقطت من (ع).
(٢) وبه جزم سليم الرازي، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك، وهو الصحيح من مذهبه. انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧١، ٢٨٣. وحكاه الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد بن حنبل في الكفاية: (١٩٥ ت، ١٢١ هـ)، ونقل القاضي عياض الاتفاق على ذلك في إكمال المعلم ١/ ١٢٥، فقال: «فأما من دعى فلم يختلف في ترك حديثه».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧١.
(٤) المجروحين ٣/ ٦٣ - ٦٤.
(٥) شرح النخبة: ١٣٧.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٩.
(٧) انظر: النكت الوفية: ٢٢٥ / أ.
(٨) المحصول ٢/ ١٩٥، وطبعة العلواني ٢/ ١/٥٦٧ - ٥٦٨.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وَقَالَ شَيْخُنا (١): «التَّحقيقُ أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مكفَّرٍ ببدعتِهِ؛ لأنَّ كُلَّ طائفَةٍ تدَّعي أنَّ مَخالفيها مُبتدعةٌ، وَقَدْ تبالغُ بتكفيرِها، فَلو أُخِذَ ذَلِكَ عَلَى الإطْلاقِ، لاسْتلْزَمَ تكفيرَ جَمِيْعِ الطَّوائِفِ، فالمُعْتَمَدُ أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُهُ: مَنْ أَنْكَرَ أمرًا مُتواترًا مِنَ الشَّرعِ مَعلومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورةِ».
٢٩٩ - وَ(لِلحُمَيْدِيْ) وَالإمَامِ (أحْمَدَا) بأنَّ مَنْ لِكَذِبٍ (٢) تَعَمَّدا
٣٠٠ - أيْ فِي الحَدِيْثِ، لَمْ نَعُدْ نَقْبَلُهُ وَإنْ يَتُبْ، وَ(الصَّيْرَفِيِّ) مِثْلُهُ
٣٠١ - وَأطْلَقَ الكِذْبَ، وَزَادَ: أنَّ مَنْ ضُعِّفَ نَقْلًا لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أنْ
٣٠٢ - وَلَيْسَ كَالشَّاهِدِ، وَ(السَّمْعَانِيْ أبُو المُظَفَّرِ) يَرَى فِي الجَانِيْ
٣٠٣ - بِكَذِبٍ فِي خَبَرٍ إسْقَاطَ مَا لَهُ مِنَ الحَدِيْثِ قَدْ تَقدَّمَا
ثُمَّ بيَّنَ الناظمُ حُكْمَ توبةِ الكاذبِ فِي الحديثِ، فَقَالَ:
(وللحُمَيْدِيْ) - بالإسكان لِما مَرَّ - شيخِ البُخَارِيِّ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، (والإمامِ أَحْمَدا)، وَغَيْرِهِمَا؛ قولٌ: (بأنَّ مَنْ لِكذبٍ تَعمَّدا أي: فِي الحَدِيْثِ) النَّبويِّ، (لَمْ نَعُدْ نَقْبَلَهُ) فِي شيءٍ (٣)، (وإنْ يَتُبْ) وتحسنُ توبتُهُ (٤)، تغليظًا عَلَيْهِ، لِمَا ينشأُ عَنْ فعلِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ العظيمةِ، وَهِيَ تَصيرُ (٥) بِذَلِكَ شَرْعًا (٦).
وخَرَجَ بمتعمِّدٍ الكذبَ فِيْمَا ذُكِرَ، المُخْطِئُ، ومتعمِّدُ الكذبِ فِي حَدِيثِ الناسِ، فإنّا نَقْبلُهما إذَا رَجَعا (٧).
_________________
(١) شرح النخبة: ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) في النفائس: «للكذب قد».
(٣) في (ع): «شيء ما».
(٤) قال أحمد بن حنبل: «توبته فيما بينه وبين الله تعالى». الكفاية: (١٩٠ ت - ١١٧ هـ).
(٥) في (ق): «تعزيز».
(٦) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٦٦.
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٢.
[ ١ / ٣٣٠ ]
(وَ) للإمامِ أَبِي بَكْرٍ (الصَّيْرَفِيِّ) شارحِ " الرِّسالةِ " (١) (مِثْلُهُ) أي: مثلُ مَا نُقلَ عَنْ الإمامِ أَحْمَدَ، والحُميديِّ (٢).
(وَ) لكنْ (أَطْلَقَ الكِذْبَ) -بكسرِ الكافِ-، وإسكانِ الذَّالِ فِي لغةٍ (٣) - وَلَمْ يقيِّدْهُ بالحديثِ النبويِّ، حَيْثُ قَالَ:
«كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خبرَهُ من أَهْلِ النقلِ، بكذبٍ وجدناهُ عَلَيْهِ، لَمْ نَعُدْ لقَبُولِهِ بتوبةٍ تَظْهَرُ» (٤). لَكِنْ قَالَ الناظمُ: الظاهرُ أنَّ التقييدَ بِهِ مُرادٌ لَهُ بقرينةِ قولِهِ: «مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ» أي لِلحديثِ (٥).
(وَزَادَ) الصَّيْرَفِيُّ عَلَيْهِمَا (أنَّ مَنْ ضُعِّف نَقْلًا) أي: مِن جِهةِ نقْلِهِ كَوَهَمٍ (٦)، وقِلَّةِ اتقانٍ، (لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أَنْ) حُكِمَ بضعفِهِ أي: وإنْ رَجَعَ إلى التحرِّي، والإتقانِ عَلَى مَا اقْتَضاهُ كلامُهُ.
لَكِنْ حَمَلَهُ الذهبيُّ عَلَى مَنْ يموتُ عَلَى ضَعْفِهِ (٧)، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لأنَّ الصَّيْرَفِيَّ قَالَ: (وَلَيْسَ) الراوِي فِي ذَلِكَ (كَالشَّاهِدِ)، فإنَّ شهادتَهُ تقبلُ بَعْدَ توبتِهِ وإتقانِهِ، بخلافِ روايةِ الرَّاوِي، كَمَا تقرَّرَ.
لأنَّ الحَدِيْثَ حُجَّةٌ لازِمةٌ لجميعِ المكلَّفينَ، وَفِي جَمِيْعِ الأمْصارِ (٨)، فكانَ حُكْمُهُ أغلظَ مبالغةً فِي الزَّجرِ عَنِ الرِّوَايَةِ لَهُ بلا إتقانٍ، وعنِ الكذبِ فِيهِ، عملًا بقولِهِ - ﷺ -: «إنَّ
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١.
(٢) رواه عنهما وعن غيرهما الخطيب البغدادي في الكفاية: (١٩٠ - ١٩١ ت، ١١٧ - ١١٨ هـ)، وانظر: شروط الأئمة الخمسة للحازمي: ٥٣ - ٥٤.
(٣) الصحاح ١/ ٢١٠، وتاج العروس ٤/ ١١٤ (كذب).
(٤) انظر: إكمال المعلم ١/ ١٠٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٢، والفروق ١/ ٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١، والنكت الوفية: ٢٢٥/ب، وفتح المغيث ١/ ٣٦٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥١.
(٦) في (ق): «بوهم».
(٧) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٦٧.
(٨) في (ص): «الأعصار».
[ ١ / ٣٣١ ]
كَذِبًا عَلَيَّ، لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ» (١).
(و) الإمامُ (السَّمْعَانِيْ أَبُو المظَفَّرِ يَرى فِي) الرَّاوِي (الجانِي بكَذِبٍ فِي خَبَرٍ) نبويٍّ (إسْقَاطَ مَالَهُ مِنَ الحَدِيْثِ) أي: مَا (قَدْ تَقَدَّمَا) لَهُ مَنَ الحَدِيْثِ (٢).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَمَا ذَكَرهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ يُضاهِي، مِن حَيْثُ المَعْنَى، مَا ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ» (٣).
أي: لكونِ ردِّ حديثِهِ المستقبَل، إنَّما هُوَ لاحتمالِ كذبِهِ، وذلك جارٍ فِي حديثِهِ الماضي، وفُهِمَ بالأولى أنَّه لا يُقبَلُ حديثُهُ عِنْدَ ابنِ السَّمْعانيِّ فِي المستقبَلِ.
هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرحِ مسلمٍ "، وغيرِهِ: «وما ذَكرهُ هؤلاءِ الأئمةُ ضَعِيْفٌ مُخالِفٌ للقواعدِ، والمُختارُ: القطعُ بِصِحَّةِ توبتِهِ فِي هَذَا - أي فِي الكَذِبِ فِي الحَدِيْثِ- وَقَبُولِ رواياتِهِ بَعْدَها، وَقَدْ أَجْمَعوا عَلَى صِحةِ روايةِ مَنْ كَانَ كافِرًا، فأَسْلَمَ.
قَالَ: وأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ شَهادَتِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والروايةِ فِي هَذَا» (٤).
وَمَا قالَهُ كُنْتُ مِلْتُ إِليهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الأوجهَ مَا قالَهُ الأئِمَّةُ، لما مَرَّ، ويؤيِّدُه قولُ أئمّتِنا: «إنَّ الزانِيَ إذَا تابَ لا يعودُ محصنًا، ولا يحدُّ قاذفُهُ».
وأما إجماعُهم عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِرًا فأَسْلَمَ، فَلنصِّ القرآنِ عَلَى غُفرانِ مَا سَلَفَ مِنْهُ (٥).
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٦٨، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٢٤٥)، وأحمد ٤/ ٢٤٥ و٢٥٢ و٢٥٥، والبخاري ٢/ ١٠٢ (١٢٩١)، ومسلم ١/ ٨ (٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٤١٥)، والبيهقي ٤/ ٧٢، وابن الجوزي في مقدمة موضوعاته ١/ ٧٣ من طرق، عن سعيد به عبيد الطائي عن عليّ بن ربيعة، عن المغيرة بن شعبة، به.
(٢) قواطع الأدلة١/ ٣٢٤. قلنا: وقد حكاه الزركشي في البحر المحيط٤/ ٢٨٤عن الماوردي والروياني من الشافعية
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٣.
(٤) شرح صحيح مسلم ١/ ٥٧، وانظر: الإرشاد ١/ ٣٠٧، والتقريب: ٩٥. وانظر: إجابة الزّركشيّ عنه في النكت٣/ ٤٠٥ - ٤٠٨.
(٥) كما في قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. الأنفال: ٣٨.
[ ١ / ٣٣٢ ]
والفَرْقُ بَيْن الرِّوَايَةِ والشَّهادةِ أنَّ الكَذِبَ فِي الرِّوايةِ أغلظُ مِنْهُ فِي الشَّهادةِ؛ لأنَّ مُتَعلقَها لازمٌ لكلِّ المكلَّفينَ، وَفِي كُلِّ الأعصارِ، كَمَا مَرَّ، مَعَ خَبَرِ: «إِنَّ كَذِبًا عَلِيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أحَدٍ» (١).
٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ
٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ (٢) بِقَوْلِ شَيْخِهِ فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ (٣)
٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِـ (لاَ أذْكُرُ) أوْ مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا
٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ، وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ
٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ نَسِيَهُ (سُهَيْلٌ) الَّذِي أُخِذْ
٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ (رَبِيْعَهْ) عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ
٣١٠ - وَ(الشَّافِعي) نَهَى (ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ) يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ
ثُمَّ بيَّن النَّاظِمُ حُكْمَ إنكارِ الأصْلِ لحديث (٤) الفرعِ عَنْهُ، فَقَالَ:
(وَمَنْ رَوَى) مِنَ الثِّقاتِ (عَنْ) شيخٍ (ثِقَةٍ) حَدِيثًا، (فكذَّبَهْ) صَريْحًا، كقوله: كَذَبَ عَلَيَّ (فَقَدْ تَعَارَضَا) فِي قولهِما، كالبيِّنتَيْنِ إذَا تكاذبتا (٥)، إِذْ (٦) الشَّيْخُ قَطَعَ بكذبِ الرَّاوِي، والراوِي قطعَ بالنّقلِ عَنْهُ.
(ولَكِنْ كَذِبَهْ) أي: الرَّاوِي (لا تُثبتَنْ) أنتَ (بقولِ شيخِهِ) هَذَا، بحيثُ يَكُونُ جَرْحًا لَهُ، (فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ) أَيْضًا؛ فإنَّه يَقُولُ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) بنون التأكيد الخفيفة من أثبت. فتح المغيث ١/ ٣٧٠.
(٣) هذا البيت سقط من نسخة (ج) من متن الألفية، وألحقه الناسخ في جانب صفحة المخطوط، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدل على مقابلته على أصله المنتسخ منه، والله أعلم.
(٤) في (م): «تحديث».
(٥) في (ق): «تكاذبا». وفي (ص): «تكاذبنا».
(٦) في (م): «إذا».
[ ١ / ٣٣٣ ]
وَلَيْسَ قَبُولُ جَرحِ أحدِهما بأولى مِنَ الآخَرِ، بخلافِ شَهادةِ الفرعِ، فإنَّ تكذيبَ الأصْلِ لَهُ جَرْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الشهادةِ، وفرقَ بغلظِ بابِ الشَّهادةِ وضيقِهِ (١).
(وَارْدُدْ) أنت إذَا تعارضا (مَا جَحَدْ) الشَّيْخُ لكذبِ واحدٍ مِنْهُمَا لا بِعَينِهِ، لَكِنْ لَوْ حدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُ الأَوَّلِ عَنْهُ، وَلَمْ يكذبْهُ قُبِلَ.
أما إذَا لَمْ يصرِّحْ بتكذيبِه، فإنْ جزمَ بالردِّ، كقولِهِ: «مَا رويتُ هَذَا»، أَوْ «مَا حدَّثْتُ بِهِ»، أَوْ «لَمْ أُحدِّثْ (٢) بِهِ» فحكْمُهُ كَذلِكَ، كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣) تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ (٤) فِي شَرْحِهِ (٥)، وكذا شَيْخُنا فِي " شَرْحِ النُّخْبةِ " (٦) لكنهُ نَقَلَ فِي " شرحِ البُخَارِيِّ " عَنْ جُمْهُورِ المُحَدِّثِيْنَ قَبُولَهُ حَمْلًا لما قَالَهُ عَلَى النِّسيانِ (٧).
(وإنْ يَردَّهُ (٨) ب) قولِهِ (لاَ أذْكُرُ) هَذَا، أَوْ لا أعرفُ أني حَدَّثْتُهُ بِهِ، (أَوْ) نحوُهما مِنْ (مَا يَقْتَضِي)، يعني: يَحْتَمِلُ (نِسيانَهُ)، ك «لا أعرفُ أنَّه من حديثي» (٩)، (فَقَدْ رَأوا) أي: جُمْهُورُ المُحَدِّثِيْنَ (الحُكْمَ للذَّاكرِ)، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْهُ، كَمَا هُوَ (عِنْدَ الْمُعْظَمِ) مِنَ الفُقَهَاءِ (١٠)، والْمُتكلِّمينَ، وَصَحَّحَهُ جماعاتٌ (١١) مِنْهُمْ ابنُ الصَّلاحِ (١٢)؛ لأنَّ الرَّاوِيَ مثبتٌ والشيخَ نافٍ، ولأنَّهُ ثقةٌ جازمٌ، فَلا تُرَدُّ روايتُهُ بالاحتمالِ؛ لأنَّ الشَّيْخَ غَيْرُ جازمٍ بالنفي، لاحتمالِ نسيانِهِ.
_________________
(١) انظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٤١٢.
(٢) في (م): «أحدثه».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٤.
(٤) في (ق): «ابن النّاظم».
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٣.
(٦) شرح النخبة: ١٦٥.
(٧) فتح الباري ٢/ ٣٢٦ وعبارته: «فإن لم يجزم بالرد كأن قال لا أذكره فهو متفق عندهم على قبوله».
(٨) في (ص): «يره».
(٩) في (ص): «حدّثني».
(١٠) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٤.
(١١) في (ق): «جماعة».
(١٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٨.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وَعبارةُ النَّظْمِ (١) تشملُ ظَنَّي الأصلِ والفرعِ (٢)، فيقدّمُ الرَّاوِي، وَهُوَ الأشبهُ فِي " المحصولِ " (٣) لَكِنْ يشكلُ بتقديمِ الشَّيْخِ فِي جَزْميهما.
وعلى مَا اخترْتُه فِي "شرحِ لُبِّ الأصولِ" من تقديمِ الرَّاوِي فِي المسْألتينِ، تقديمًا للمثبتِ عَلَى النافي ولا (٤) إشكالَ (٥).
(وَحُكِيَ الإسْقَاطُ) فِي المروِيِّ أي: عَدمُ قَبُولِهِ بِذَلِكَ (عَنْ بَعْضِهِم) - بكسر الميم - وَهُم قَوْمٌ مِنَ الحنفيَّةِ؛ لأنَّ الرَّاوِيَ فَرْعُ الشَّيْخِ، فَهُوَ تَابعٌ لَهُ؛ فإذا انْتَفتْ روايتُه انتفتْ روايةُ فرعِهِ، كشهادةِ فَرْعِهِ (٦).
ورُدَّ بأن شهادةَ الفرعِ لا تُسْمَعُ معَ القدرةِ عَلَى شهادةِ الأصلِ، بخلافِ الروايةِ.
ومَثَّلَ لذلكَ بقولهِ: (كَقِصَّةِ) حديثِ (الشاهدِ واليمينِ) المرويِّ بلفظِ:
«إن النَّبيّ - ﷺ - قضى باليمينِ معَ الشَّاهدِ» (٧).
(إذ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ) هُوَ ابنُ أبي صالحٍ (الَّذِي أُخِذْ) بالبناءِ للمفعولِ أي: رُوِيَ الحَدِيْثُ عَنْهُ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، (فكانَ) سُهَيْلٌ (بَعْدُ عَنْ ربيعهْ) بنِ أبي عَبْدِ الرحمانِ، (عَنْ نَفسِهِ يرويهِ)، فيقولُ: أخبرني ربيعةُ، وَهُوَ عِندي ثقةٌ أنني حدَّثتُه إياهُ، ولا أحفَظُهُ.
_________________
(١) في (م): «النّاظم».
(٢) في (م): «الفروع والأصل».
(٣) المحصول ٢/ ٢٠٧ وطبعة العلواني /١/ ٦٠٤ - ٦٠٦.
(٤) في (ع) و(م): «لا».
(٥) غاية الوصول شرح لب الأصول: ٩٨.
(٦) هذا مذهب أكثر الحنفية، منهم: الكرخي، والدبوسي، والبزدوي، وصوّبه النسفي منهم، وهو رواية عن الإمام أحمد، ونقل الرافعي أن القاضي ابن كج حكاه وجهًا لبعض الشافعية، وعيّنه شارح اللمع بأنّه: القاضي أبو حامد المروزي. انظر: اللمع: ٤٨، وإحكام الأحكام ٢/ ٩٦، وكشف الأسرار ٣/ ٦٠، وفواتح الرحموت ٢/ ١٧٠، ونهاية السول ٣/ ١٥٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٢٥.
(٧) أخرجه أبو داود (٣٦١٠) و(٣٦١١)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، والترمذي (١٣٤٣)، والنّسائيّ (٦٠١٤)، وأبو يعلى (٦٦٨٣)، وابن الجارود (١٠٠٧)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ١٤٤، وابن حبان (٥٠٨٠)، والدارقطني ٤/ ٢١٣، والبيهقي ١٠/ ١٦٨، والبغوي (٢٥٠٣) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قَالَ عَبْدُ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ؟ (١) وَقَدْ كَانَ أصابَتْ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أذهبتْ بَعْضَ عقلِهِ، ونسيَ بَعْضَ حديثِهِ، فكانَ يحدِّثُ بِهِ عَمَّن سَمِعَهُ مِنْهُ (٢).
وَفائِدتُهُ: الإعلامُ بالمرويِّ، وكونُهُ (لَنْ يُضِيْعَهْ) مِنْ أضاعَ -إِذْ بتركِهِ لروايتِهِ يضيعُ.
وَقَدْ جمعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أخبارَ مَنْ حدَّثَ ونَسِيَ، مِنْهُمْ: الدَّارَقُطْنِيُّ (٣) والخطيبُ (٤)
قَالَ: ولأجلِ أنَّ النِّسيانَ غَيْرُ مأمونٍ عَلَى الإنسانِ، فيبادرُ إلى جحودِ مَا رُوِيَ عَنْهُ، وتكذيبِ الرَّاوِي لَهُ، كَرِهَ مَنْ كَرِهَ منَ العُلَمَاءِ التحديثَ عَنْ الأحياءِ (٥)
(والشَّافِعيْ) -بالإسكانِ لما مَرَّ- قَدْ (نَهَى ابنَ عَبْدِ الحَكَمِ) مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ، حِيْنَ رَوَى حكايةً فأنكرَها (٦)، ثُمَّ ذَكَرَها عَلَى أنَّهُ (يَرْوِي عَنِ الحيِّ لخوفِ التُّهمِ)، بتقديرِ إنكارِ الشَّيْخِ.
وظاهرٌ أنَّ محلَّهُ إذَا كَانَ للمرويِّ طريقٌ آخرُ غيرُ طريقِ الحيِّ (٧) وإلاّ فَلا كَراهةَ: إِذْ قَدْ يموتُ الرَّاوِي قَبْلَ موتِ الشَّيْخِ (٨) فيضيعُ المروي إن لَمْ يحدِّثْ بِهِ غيرُهُ.
_________________
(١) في (ق): «الداروردي».
(٢) انظر: سنن أبي داود عقب (٣٦١٠) و(٣٦١١).
(٣) ذكره ابن حجر باسم: «من حدّث ونسي». نزهة النظر: ١٦٦
(٤) ذكره ابن الصّلاح باسم: «أخبار من حدث ونسي»، وسمّاه الذهبي باسم: «من حدّث ونسي». انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: ٢٧٨، والسير ١٨/ ٢٩٠.
(٥) الكفاية: (٢٢١ - ٢٢٢ ت، ١٣٩ هـ).
(٦) فقد قال الشّافعيّ لابن عبد الحكم: «إياك والرواية عن الأحياء». كذلك قال الشّعبيّ لابن عون: «لا تحدث عن الأحياء»، وقال معمر لعبد الرزاق: «إن قدرت ألا تحدّث عن رجلٍ حي فافعل». انظر: مناقب الشّافعيّ للبيهقي٢/ ٣٨، والكفاية: (٢٢٢ - ٢٢٣ ت، ١٤٠ هـ)، والنكت الوفية: ٢٢٩/ أ.
(٧) قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٣٧٥: «لكن قد قيد بعض المتأخرين الكراهة، بما إذا كان له طريق آخر سوى طريق الحي».
(٨) في (م): «شيخه».
[ ١ / ٣٣٦ ]
٣١١ - وَمَنْ رَوَى بأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ (إسْحَاقُ) و(الرَّازِيُّ) و(ابْنُ حَنْبَلِ)
٣١٢ - وَهْوَ شَبيْهُ أُجْرَةِ القُرْآنِ يَخْرِمُ مِنْ مُرُوْءةِ الإنْسَانِ
٣١٣ - لَكِنْ (أبُوْ نُعَيْمٍ الفَضْلُ) أَخَذْ وَغَيْرُهُ تَرَخُّصًا، فإنْ نَبَذْ
٣١٤ - شُغْلًا بِهِ - الكَسْبَ أجِزْ إرْفَاقَا، أفْتَى بِهِ الشَّيْخُ (أبُوْ إسْحَاقا)
ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ أخذِ الأُجرةِ عَلَى التحديثِ، فَقَالَ:
(ومَنْ رَوَى) الحديثَ (١) (بأُجْرَةٍ)، أَوْ نحوِها، كجَعالةٍ، (لَمْ يَقْبَلِ) روايتَهُ (إسحاقُ) بنُ إِبْرَاهِيمَ، المعروفُ بابنِ رَاهَوَيْهِ (٢)، (وَ) أَبُو حاتِمٍ (٣) (الرَّازِيُّ، و) الإمامُ أَحْمَدُ (٤) (ابنُ حَنْبَلِ، وَهْوَ) أي: المأخوذُ عَلَى ذَلِكَ (شَبيهُ أُجْرَةِ) مُعلِّمِ (القُرْآنِ)، ونحوِهِ، في الجوازِ وعدمِه.
إلا أنَّ العادةَ ثَمَّ جاريةٌ بالأخذِ مِنْ غَيْرِ خرمِ مروءةٍ، والأخذُ هنا (يَخْرِمُ) أي: يُنْقِصُ (مِن مُروءةِ الإنسانِ) الآخذِ لِذلِكَ؛ إِذْ قَدْ شَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيْثِ رَداءةُ ذَلِكَ، وتنزيهُ العرضِ عَنِ النظرِ إِليهِ، ولإساءةِ الظنِّ بفاعلِهِ (٥).
(لَكِنْ) الحافِظُ (أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ) بنُ دُكَيْنٍ، شَيخُ البُخَارِيِّ (أَخَذْ) عِوضًا عَلَى التَّحديثِ (٦)، (وَ) كَذَا أخذَهُ (غيرُهُ)، كَعَفَّانَ (٧) شَيخِ البُخَارِيِّ أَيْضًا (تَرخُّصًا) للحاجةِ.
فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ: سَمِعتُ أبَا نُعَيْمٍ، يَقُول: يَلومونَني عَلَى الأخذِ، وَفِي بيتي ثَلاثةَ عَشَرَ نَفْسًا، وما فِيهِ رغيفٌ (٨).
_________________
(١) في (ص): «للحديث».
(٢) رواه الخطيب في الكفاية (٢٤٠ - ٢٤١ ت، ١٥٣ - ١٥٤ هـ).
(٣) انظر: الكفاية: (٢٤١ ت، ١٥٤ هـ)، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٤١٧.
(٤) انظر: الكفاية: (٢٤١ ت، ١٥٤ هـ).
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨.
(٦) انظر: الكفاية: (٢٤٣ ت، ١٥٦ هـ).
(٧) هو عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار، ثقة ثبت، قال ابن المديني: «كان إذا شك في حرف من الحديث تركه». التقريب (٤٦٢٥).
(٨) تهذيب الكمال ٦/ ٣٥، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١٥٢، وقال الذهبي: «لاموه على الأخذ يعني من الإمام، لا من الطلبة».
[ ١ / ٣٣٧ ]
ومِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الأخذَ بغيرِ طَلَبٍ. ومِنْهُمْ مَن كَانَ يأخذُ مِنَ الأغنياءِ فَقَطْ.
وَمَحلُّ مَا مَرَّ مِن كونِ الأخذِ خارِمًا للمروءةِ، إذَا لَمْ يقتَرِنْ بعُذرٍ مِن فَقْرٍ، وَعَدَمِ كَسْبٍ.
(فإنْ) كَانَ ذا كَسْبٍ، لَكِنْ (نَبَذْ) أي: أَلْقَى (شُغْلًا بِهِ) أي: لشُغلِهِ بالتَّحدِيثِ (الكَسْبَ) لنفسِهِ وعيالِهِ، (أجزْ) أنتَ لَهُ الأخذَ (إرْفَاقا) بِهِ في معيشتِهِ، عوضًا عَمّا فاتَهُ مِنَ الكَسْبِ، فَقَدْ (أَفْتى بِهِ) أي: بجوازِ الأخذِ (الشَّيْخُ أَبُو إسْحاقا (١» الشِّيْرَازِيُّ، لما سَأله أَبُو الحُسَينِ ابنُ النَّقُّوْرِ، لكون أصحابِ الحَدِيْثِ كانوا يمنعونَهُ مِنَ (٢) الكَسْبِ، فَكَانَ يأخذُ كِفايتَهُ (٣).
٣١٥ - وَرُدَّ ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ كَالنَّوْمِ وَالأدَا كَلاَ مِنْ أصْلِ،
٣١٦ - أوْ قَبِلَ التَّلقِيْنَ، أوْ قَدْ (٤) وُصِفَا بِالمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً، أوْ عُرِفَا
٣١٧ - بِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَمَا حَدَّثَ مِنْ أصْلٍ صَحِيْحٍ فَهْوَ رَدٌّ، ثُمَّ إنْ
٣١٨ - بُيِّنْ (٥) لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ، سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيْثُهُ جُمَعْ
٣١٩ - كَذَا (الحُمَيْدِيُّ) مَعَ (ابْنِ حَنْبَلِ) و(ابْنِ المُبَارَكِ) رَأَوْا فِي العَمَلِ
٣٢٠ - قَالَ: وَفيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إذَا كَانَ عِنَادًا مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا
(ورُدَّ) عِنْدَ الْمُحدِّثينَ (ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ) أي: التحمُّلِ للحديثِ (ك) التحمل (٦) حالَ (النَّومِ) الواقعِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ شَيخِهِ (٧).
_________________
(١) في (م): «إسحاق».
(٢) في (م): «عن».
(٣) انظر: المنتظم ٨/ ٣١٤، والسير ١٨/ ٣٧٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٧٩، اختصار علوم الحديث: ١٠٥، والإرشاد ١/ ٣١٥. وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٨.
(٤) في النفائس: «بلا قد».
(٥) بتسكين النون لضرورة الوزن، وانظر: النكت الوفية: ٢٣٣/ أ.
(٦) في (ع) و(ق): «المحتمل».
(٧) وقيّده الزّركشيّ بالنوم الذي يطغى عَلَى العقل، أما النعاس الذي لا يختل معه فهم الكلام، فلا بأس به لاسيّما إذا صدر من فطن عالم بهذا الشأن. انظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٤٢٣. واستدل بما حكاه الحافظ ابن كثير عن شيخه الحافظ أبي الحجّاج المزي، أنه كان يكتب في مجلس السّماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ ردًا جيدًا بيّنًا واضحًا، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ والشيخ ناعس، وهو أنبه منه!! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وانظر: اختصار علوم الحديث ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ١ / ٣٣٨ ]
(و) رُدَّ أَيْضًا ذو تساهُلٍ في حالِ (الأدا) (١) أي: التحديثِ (كلا من أصلِ) أي: كالمُؤَدِّي لا مِن أصلٍ صَحِيْحٍ، والحالةُ أنَّه أَوْ القارئَ، أَوْ بَعْضَ السَّامِعينَ غَيْرُ حافظٍ عَلَى مَا يأتي في بابِهِ.
(أَوْ) أي: ورُدَّ أَيْضًا رِوَايَةُ مَن (قَبِلَ التَّلقِينَ) في الحَدِيْثِ، بأنْ يُلقَّنَ الشَّيءَ فيُحدِّثَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يعلمَ أنَّه مِن حَدِيثِهِ (٢) - وَلَو مرَّةً (٣) -كمُوسى بنِ دينارٍ (٤)، حَيْثُ لقَّنَهُ حفصُ بنُ غِيَاثٍ (٥)؛ فَقَالَ لَهُ: حَدَّثَتكَ عائشةُ بنتُ طلحةَ عَنْ عائشةَ بكذا (٦) وكذا. فَقَالَ: حَدَّثتْنِي عَنْهَا بِهِ.
وَقَالَ لَهُ (٧): حَدّثك القاسمُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائشةَ بمثلِهِ. فَقَالَ: حَدَّثَني عَنْهَا بمثلِهِ؛ وذلكَ لِدلالتِهِ عَلَى مُجازفتِهِ، وعدمِ تثبُّتهِ (٨).
(أَوْ) مَنْ (قَدْ وُصِفَا) مِنَ الأئِمَّةِ (ب) روايةِ (المُنْكَراتِ)، أَوْ الشواذِّ (كَثْرَةً) (٩) أي: حالةَ كونِها ذاتَ كَثْرَةٍ، وَلَم يميِّزها.
(أَوْ عُرِفَا بِكَثرةِ السَّهوِ)، أَوْ الغلطِ في روايتِهِ (و) الحالةُ أنَّه (مَا حدَّثَ مِن أصلٍ صَحِيْحٍ) بَلْ من حفظِهِ، أَوْ من أصلٍ غَيْرِ صَحِيْحٍ.
_________________
(١) في (م): «الأداء».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٥٩، وأثر علل الحديث: ١٢٠ - ١٢٤.
(٣) قال ابن حزم في الإحكام ١/ ١٤٢: «من صحّ أنه قبل التلقين - ولو مرة - سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ﷿ ولا حفظ ما سمع».
(٤) هو موسى بن دينار المكي، ضعيف، قال ابن القطّان: دخلت على موسى بن دينار أنا وحفص، فجعلت لا أريده على شيء إلا لقيته (يعني أنّه كان يتلقّن). الضعفاء والمتروكون للدارقطني (٥١٩)، وميزان الاعتدال ٤/ ٢٠٤، ولسان الميزان ٦/ ١١٦.
(٥) ضبطه ابن حجر في التقريب (١٤٣٠) بالحروف فقال: «بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة».
(٦) في (م): «كذا».
(٧) سقطت من (ص).
(٨) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٨٦.
(٩) في (ص) و(ق): «ذات كثرة».
[ ١ / ٣٣٩ ]
(فَهْوَ) أي: المتَّصفُ بشيءٍ مِن ذَلِكَ (رَدٌّ) أي: مردودٌ عِنْدَهُم؛ لأنَّ الاتصافَ بِذَلِكَ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بالراوِي، وَضَبْطِهِ، وهذا تأكيدٌ وإيضاحٌ لِما قَبْلَهُ.
أما مَنْ لَمْ تكثرْ مناكيرُهُ وَشَواذُّهُ، أَوْ ميَّزَها، أَوْ حدَّثَ مَعَ اتِّصافِهِ بكَثْرَةِ السَّهوِ، أَوْ الغلطِ من أصلٍ صَحِيْحٍ، فَلا يُردُّ (١).
(ثُمَّ إنْ بُيِّنْ) -بِضَمِّ أوّلِهِ، وتشديدِ ثانيهِ، وإسكانِ نُونِهِ مُدْغَمَةً في لامِ- (لَهُ) أي: للراوي الذي سَهَا أَوْ غَلِطَ، وَلَوْ مَرّةً (غَلَطُهُ) أَوْ سَهْوُهُ (فَمَا رَجَعْ) عَنْهُ، بَلْ أصرَّ، (سَقَطَ عِنْدَهُمْ) أي: المُحَدِّثِيْنَ (حديثُهُ جُمَعْ) أي: أحاديثُهُ جميعُها.
وَهَذا شَامِلٌ لقولِهِ: (كَذَا) عَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ (الحُمَيْديُّ مَعَ) أَحْمَدَ (ابنِ حَنْبَلِ، وابنِ الْمُبارَكِ) عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيِّ، (رَأوْا) إسقاطَ حَدِيثِهِ بِذَلِكَ (في العَمَلِ) احتجاجًا وروايةً، حَتَّى تركوا الكِتَابَةَ عَنْهُ (٢).
(قَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (٣): (وفيهِ نَظَرٌ) أي: لأنه رُبَّما لَمْ يَعْتقِدْ صِدقَ مَا قِيلَ لَهُ.
قَالَ: (نَعَمْ: إذَا كَانَ) عَدمُ رجوعِهِ (عِنَادًا مِنْهُ)، لا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، ولا طَعْنَ، فَقُلْ: (مَا يُنْكَرُ ذا) أي: القَوْلُ بسقوطِ حَدِيثِهِ، وعدمِ الكتابةِ عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ ابنُ مَهْدِيٍّ لِشُعْبَةَ: مَنِ الذي تَتْرُكُ الروايةَ عَنْهُ؟
قَالَ: إذَا تمادَى في غَلَطٍ (٤) مُجمعٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ نفسَهُ عِنْدَ اجتماعِهِم عَلَى خلافِهِ، أو رجلٌ يُتَّهَمُ بالكذبِ (٥). وذَكَرَ نَحْوَهُ ابنُ حِبَّانَ (٦).
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٢) انظر: الكفاية: (٢٢٧ - ٢٢٨ ت، ١٤٣ - ١٤٤ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٨١، والإرشاد ١/ ٣١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦١، وفتح المغيث ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨، وتدريب الراوي ١/ ٣٣٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٢، وقال محقق المقنع ١/ ٢٨١: «يشير ابن الصّلاح بهذا إلى أنه قد يوجد هذا الوصف في الثّقات، يبين خطؤهم فلا يرجعون لتيقنهم من صحّة حفظهم، كما وقع لمالك -﵀- في روايته عن عمر بن عثمان، وغيره يقول: عمرو بن عثمان، فبيّن له فلم يرجع، كما تقدم في نوع المنكر».
(٤) في (ق): «غلطه».
(٥) أخرجه الخطيب في الكفاية: (٢٢٩ ت، ١٤٥ هـ) بنحوه.
(٦) المجروحين ١/ ٧٩.
[ ١ / ٣٤٠ ]
٣٢١ - وَأعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُوْرِ عَنِ اجتِمَاعِ هَذِهِ الأمُوْرِ
٣٢٢ - لِعُسْرِهَا، بَلْ يُكْتَفَى بِالعَاقِلِ المُسْلِمِ البَالِغِ، غَيْرِ الفَاعِلِ
٣٢٣ - لِلفِسْقِ ظَاهِرًا، وَفِي الضَّبْطِ بأنْ يُثْبِتَ مَا رَوَى بِخَطِّ مُؤْتَمَنْ
٣٢٤ - وَأنَّهُ يَرْوِي مِنَ اصْلٍ (١) وَافَقَا لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا
٣٢٥ - لِنَحْوِ ذَاكَ (البَيْهَقِيُّ)، فَلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ
(وأَعْرَضوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ، وغيرُهم، (في هذِهِ الدُّهورِ) المتأخرةِ (عَنِ) اعتبارِ (اجتماعِ هذِهِ الأمورِ) السّابقةِ، أي: شروطِ مَنْ تُقبلُ (٢) روايتُهُ (لعسرِها)، وتَعذُّرِ الوفاءِ بِهَا (٣)، (بَلْ يُكْتَفَى) في اشتراطِ عدالتِهِ (بالعاقلِ، المسلمِ، البالغِ، غَيْر الفاعلِ للفسقِ)، ولما (٤) يَخْرِمُ المروءةَ (ظاهرًا) بأَنْ يَكُونَ مستورَ الحالِ.
(و) يُكْتَفَى (فِي) اشْتِراطِ (الضَّبطِ) أي: ضبطِهِ (بأَنْ يُثْبِتَ) سماعُ (مَا رَوَى بخطِّ) ثقةٍ (مؤتمَنْ) سواءٌ الشَّيْخُ، والقارئُ، وبعضُ السَّامعينَ، وسواءٌ أكتبَ سماعَهُ عَلَى الأصلِ، أَمْ في ثَبَتٍ (٥) بيدِهِ، إذَا كَانَ الكَاتِبُ ثِقةً من أهلِ الخِبرةِ بهذا الشأنِ، بحيثُ لا يكونُ الاعتمادُ في روايةِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى الثِّقةِ المُقَيِّدِ (٦) لِذلِكَ.
(وأنَّهُ يَرْوِي) أي: وبأَنْ يَرْوِي (مِن اصلٍ) - بدرجِ الهمزةِ - (وافَقَا لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا لِنَحوِ ذَاكَ) الحافظُ (البَيْهَقِيُّ).
فإنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ توسُّعَ مَنْ توسَّعَ في السَّمَاعِ من بعضِ محدِّثي زمانِهِ، الذين لا يحفظونَ حديثَهُم، ولا يُحسِنُونَ قراءتَهُ في كُتُبِهِم، ولا يعرفونَ مَا يُقرَأُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ
_________________
(١) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن، كما سينبه عليه الشارح.
(٢) في (ق): «نقل».
(٣) في (ع): «تعذرًا لوفائها».
(٤) في (ص): «ولا».
(٥) قال في التاج: «الثّبت - محرّكة - الفهرس الذي يجمع فيه المحدّث مروياته وأشياخه». تاج العروس ٤/ ٤٧٧.
(٦) في (ص): «المفيد».
[ ١ / ٣٤١ ]
تكونَ القِرَاءةُ عَلَيْهِمْ مِن أصلِ سَماعِهم، وذلك لتدوينِ الأحاديثِ في الجوامعِ التي جَمعَها أئِمَّةُ الحَدِيْثِ، قَالَ: فمَنْ جاءَ اليومَ بحديثٍ، لا يوجدُ عِنْدَ جميعِهم، لَمْ يُقبلْ مِنْهُ، ومَنْ جاءِ بحديثٍ معروفٍ عِنْدَهُم، فالذي يَرويه لا ينفردُ بروايتِهِ، والحُجَّةُ قائمةٌ بحديثِهِ بروايةِ غيرِهِ (١).
(فلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ) مِنْهُ، والروايةُ عَنْهُ (٢) الآنَ (لِتَسلْسُلِ السنَدْ) أي: إلى أَنْ يبقى الحَدِيْثُ مسلسلًا بـ: حَدَّثَنَا، و(٣) أخبرنا، لتبقى هذِهِ الكرامةُ التي خُصَّتْ بها هذِهِ الأمةُ شرفًا لنبيِّها - ﷺ -.
وسَبَقَ البَيْهَقِيَّ إلى نحوِ قولِهِ شَيْخُهُ الحاكمُ، ونحوُه عَنِ (٤) السِّلَفيِّ (٥).
وَقَالَ الذهبيُّ: «العُمْدةُ في زمانِنا لَيْسَ عَلَى الرُّواةِ، بَلْ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ والمقيِّدينَ الذين عُرفَتْ عدالتُهم وصدقُهم في ضَبطِ أسماءِ السَّامِعينَ» (٦).
والحاصلُ أنَّهُ لما كَانَ الغرضُ أولًا مَعْرِفَةُ التعديلِ والتجريح، والتفاوتُ في الحِفظِ والإتقانِ، ليتوصلَ بِذَلِكَ إلى التَّصْحِيحِ، والتَّحسينِ، والتضعيفِ، شُدِّدَ باجتماعِ تِلْكَ الشُّروطِ، ولما كَانَ الغَرضُ آخِرًا الاقتصارَ عَلَى مجرَّدِ وجودِ سلسلةِ السنَدِ اكتَفَى بما ذُكِرَ.
مَرَاتِبُ التَّعْدِيْلِ
(مراتبُ) ألفاظِ (التعديلِ)، وَهِيَ أربعةٌ، بَلْ خمسةٌ، أَوْ ستةٌ.
٣٢٦ - وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ قَدْ هَذَّبَهُ (إِبْنُ أبي حَاتِمِ) إِذْ رَتَّبَهُ
٣٢٧ - وَالشَّيْخُ زَادَ فِيْهِمَا، وَزِدْتُ مَا فِي كَلاَمِ أَهْلِهِ وَجَدْتُ
_________________
(١) نقله ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٢، وفتح المغيث ١/ ٣٨٩، وتدريب الرّاوي ١/ ٣٤١.
(٢) «عنه» سقطت من (م).
(٣) في (ع): «أو».
(٤) في (ع): «من».
(٥) قاله في جزء له جمعه في " شرط القراءة " كما قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة ٢/ ٦٢. وذكره الذهبي في السير ٢١/ ٢١ باسم: " جزء شرط القراءة على الشّيخ ". وانظر: تدريب الرّاوي ١/ ٣٤١.
(٦) الميزان ١/ ٤.
[ ١ / ٣٤٢ ]
٣٢٨ - فَأَرْفَعُ التَّعْدِيلِ: مَا كَرَّرْتَهُ كَـ (ـثِقَةٍ) (ثَبْتٍ) وَلَوْ أَعَدْتَهُ
٣٢٩ - ثُمَّ يَلِيْهِ (ثِقَةٌ) أوْ (ثَبْتٌ) اوْ (مُتْقِنٌ) (١) اوْ (حُجَّةٌ) اوْ (٢) إذا عَزَوْا
٣٣٠ - الحِفْظَ أَوْ ضَبْطًا لِعَدْلٍ وَيَلِي (٣) (لَيْسَ بِهِ بَأسٌ) (٤) (صَدُوقٌ) وَصِلِ
٣٣١ - بِذَاكَ (مَأَمُوْنًا) (خِيَارًا) وَتَلا (مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) رَوَوْا عَنْهُ إلى
٣٣٢ - الصِّدْقِ مَا هُوَ كذَا (٥) شَيْخٌ وَسَطْ أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ
٣٣٣ - وَ(صَالِحُ الْحَدِيْثِ) أَوْ (مُقَارِبُهْ) (جَيِّدُهُ)، (حَسَنُهُ)، (مُقَارَبُهْ)
٣٣٤ - صُوَيْلِحٌ صَدُوْقٌ انْ (٦) شَاءَاللهْ أَرْجُوْ بِأَنْ (لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) عَرَاهْ (٧)
(والجرْحُ والتَّعديلُ) الْمُنْقَسِمانِ إجْمالًا إلى أعلى، وأدْنى، وأوسطِ (٨) (قَدْ هذَّبَهُ) أي: نقى كُلًا مِنْهُمَا، أي: نقَّى اللفظَ الصَّادِرَ مِنَ الْمُحدِّثينَ فِيْهِمَا الإمامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرحمانِ (إبنُ أبي حاتِمِ) - بغير تنوينٍ للوزنِ -، وبه مَعَ درجِ الهمزةِ (إِذْ رَتَّبَهُ) في مقدّمةِ كتابِهِ " الْجَرحِ والتَّعْدِيْلِ " (٩) فأجَادَ وأحْسَنَ.
_________________
(١) في النفائس: «متفق»، والأولى ما أثبت.
(٢) الهمزات في (أو) في هذا البيت سوى الأولى مدرجة؛ لضرورة الوزن كما ذكر ذلك الشارح.
(٣) في نسخة (ج) من متن الألفية: «وتلي».
(٤) بعد هذا في (النفائس) و(فتح المغيث): «أو»، ولم ترد في شيء من النسخ الخطية.
(٥) في نسخة (أ) و(ب) و(ج): «ما هو وكذا»، ولا يستقيم الوزن هكذا، وهو في النفائس وفتح المغيث: «كذا» بلا واو وهو الصحيح، إلا إذا سكن الواو في «هو» لضرورة الوزن.
(٦) بدرج همزة «إن»؛ لضرورة الوزن.
(٧) أصاب «عروض» البيت الوقف وهو إسكان السابع المتحرك من التفعيلة، ويعنى أنه نقل من الرجز إلى البحر السريع. وبذا تنقل تفعيلته إلى «مفعولات». أما «الضرب» فقد أصابه «التذييل» وهو لا يدخل الرجز وإنما يدخل على مجزوء البسيط والكامل، والتذييل زيادة ساكن ثامن على التفعيلة، وإنما أصاب ضرب الرجز شذوذًا وضرورة وسيشير الشارح إلى ذلك.
(٨) في (م): «وسط».
(٩) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
[ ١ / ٣٤٣ ]
(والشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (١) (زَادَ) عَلَيْهِ (فِيْهِمَا) ألفاظًا من كَلامِ غيرِهِ مِنَ الأئِمّةِ، (وَزِدْتُ) أنا عَلَيْهِمَا (مَا في كَلاَمِ) أئِمَّةِ (أهْلِهِ) أي: الحَدِيْث (وَجَدْتُ) مِنَ الألفاظِ في ذَلِكَ.
(فأرفَعُ) مَراتبِ (التَّعديلِ) مَا أتى - كَمَا قَالَ شيخُنا - بصيغَةِ أفْعَلَ، كأوثقِ الناسِ، أَوْ أثبتِ الناسِ، وكذا إِليهِ المُنْتَهَى في التثبُّتِ (٢).
ثُمَّ يَلِيهِ مَا هُوَ المرتبةُ الأولى عِنْدَ الذَّهَبِيِّ (٣)، وتَبِعَهُ الناظمُ (مَا كرَّرْتَهُ) أنتَ مِن ألفاظِ (٤) المرتبةِ الثانيةِ عندهُ، سَواءٌ اختلفَتِ الألفاظُ (ك: ثِقَةٍ ثَبْتٍ) أَوْ ثَبْتٍ حُجَّةٍ أَمْ لا، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(وَلَوْ أَعَدْتَهُ) أي: اللفظَ الواحدَ كثقةٍ ثقةٍ، أَوْ ثَبْتٍ ثَبْتٍ.
فإنْ زادَ عَلَى مرَّتينِ، أَوْ أكثرَ كَانَ أعْلى مِنْها، والثَّبْتُ - بالإسكان - الثابتُ، وبالفتح: الثَّبَاتُ (٥)، والحُجَّةُ، وما يُثْبِتُ فِيهِ المُحَدِّثُ سماعَهُ مَعَ أسماءِ المشاركينَ لَهُ فِيهِ.
(ثُمَّ يَلِيْهِ) مَا هُوَ المرتبةُ الأولى عِنْدَ ابنِ أبي حاتمٍ (٦)، وابنِ الصَّلاحِ (٧)، والثانيةُ عِنْدَ الناظمِ (٨)، والثالثةُ عِنْدَ شَيخِنا (٩): (ثِقةٌ، أَوْ ثَبْتٌ، اوْ) فلانٌ (متقنٌ، اوْ حُجَّةٌ،
_________________
(١) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٤: «ونورد ما ذكره - أي ابن أبي حاتم - ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره». وقد زاد من جاء بعده أيضًا، انظر تفصيل ذلك في: مقدمة الميزان ١/ ٤، وشرح التبصرة ٢/ ٦٤، والتقييد: ١٥٧، ومقدمة تقريب التهذيب: ٧٤، ونزهة النظر: ١٨٧، وفتح المغيث ١/ ٣٩٠، وتدريب الرّاوي ١/ ٣٤١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٦١.
(٢) نزهة النظر: ١٨٧.
(٣) ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٤) في (ق): «الألفاظ».
(٥) انظر: تاج العروس ٤/ ٤٧٦ (ثبت).
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٤، وانظر: النكت الوفية ٢٣٥/ب.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٦.
(٩) انظر: تقريب التهذيب: ٧٤.
[ ١ / ٣٤٤ ]
اوْ إذَا عَزَوا) بدرج همزة «أَوْ» في الثَّلاثَةِ الأخيرةِ أي: أَوْ نسبَ (١) الأئِمَّةُ (الحِفْظَ، أَوْ ضَبْطًا لِعَدْلٍ (٢»، كأنْ يُقالَ فِيهِ: حافظٌ، أَوْ ضابطٌ.
فَمُجرَّدُ الوصفِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ كافٍ في التَّوثيقِ، بَلْ بَيْنَهُمَا وَبينَ العَدْلِ عُمومٌ وخُصوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لأنَّهما يُوجدانِ بدونِهِ، ويوجدُ بدونهما، ويوجدُ (٣) الثَّلاثَةُ (٤).
فَعُلِمَ أنَّ الوصفَ بكلٍّ مِنْهُمَا مَعَ العَدْلِ كافٍ، وأنَّهُ يَلِي مرتبةَ التكريرِ عِنْدَ الناظمِ كالذهبيِّ، لَكِنْ جعلَهُ شَيخُنا مِنْهُمَا.
(وَيَلِي) هذِهِ المرتبةَ رابعةٌ عِنْدَ شَيْخِنا (٥)، وَهِيَ قولُهم: (لَيْسَ بِهِ بَأسٌ)، أَوْ لا بأسَ بِهِ، أَوْ (صَدُوقٌ، وَصِلِ) - بكسر اللام - مما لَمْ يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ (بذاكَ) أي: بما ذكرَ في المرتبةِ الرابعةِ (مَأمُونًا)، أَوْ (خِيَارًا).
كأنْ يُقالَ: هُوَ مأمونٌ، أَوْ خيارُ الناسِ.
(وَتَلا) هذِهِ المرتبةَ خامسةٌ في غَيْرِ صالحِ الحَدِيْثِ، وَهِيَ: (مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) وفاقًا للذهبيِّ (٦)، خلافًا لابنِ أبي حاتِمٍ، وابنِ الصَّلاحِ في إدراجِهما لَها في الرابعةِ التي هِيَ ثانيةٌ عِنْدَهُما.
أَوْ (رَوَوْا عَنْهُ)، أَوْ يُروى عَنْهُ، أَوْ (إلى الصِّدْقِ مَا هُوَ) أي: هُوَ قَريبٌ مِنْهُ.
فحرفُ الجرِّ متعلقٌ بقريبٍ المقدَّرِ، و«ما» زائدةٌ (٧).
(كَذا شَيْخٌ وَسَطْ، أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ) أي: بدونِ شيخٍ، (أَوْ شيخٌ فَقَطْ) أي: بدونِ وسطٍ.
_________________
(١) في (ق): «نسبت».
(٢) في (م): «للعدل».
(٣) في (م): «وتوجد».
(٤) انظر: فتح المغيث ١/ ٣٩٢.
(٥) انظر: تقريب التهذيب: ٧٤.
(٦) ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٧) انظر: النكت الوفية: ٢٣٤/ ب، وتدريب الرّاوي ١/ ٣٥٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥، ودراسات في الجرح والتعديل: ٢٤٧.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ أبي حاتِمٍ، وابنُ الصَّلاحِ في هذِهِ المرتبةِ - التي هِيَ عِنْدَهُمَا الثالثةُ - غَيْرَ الأخيرةِ.
(و) كَذَا (صَالِحُ الحَدِيْثِ)، وهذه عِنْدَهُمَا الرابعةُ، وعندَ الناظمِ في "شرحِهِ" (١) - بترددٍ - الخامسةُ، وعند شيخِنا السادسةُ.
ومن المرتبةِ (٢) الخامسةِ، قولُهم: يُعْتَبَرُ بِهِ-أي: في المُتابعاتِ والشواهدِ-أَوْ يُكتبُ حديثُهُ. (أَوْ مُقَارِبُهْ) أي: الحَدِيْثُ، وَهُوَ بكسرِ الراء من القُرْبِ ضدَّ البُعْدِ، أي: حديثُه يقارِبُ حديثَ غيرِهِ، أَوْ (جَيِّدُهُ)، أَوْ (حَسَنُهُ)، أَوْ (مقارَبُهْ) - بفتحِ الرّاء - أي: حديثُه يُقَاربهُ حديثُ غيرِهِ، فَهُوَ بالكسرِ، والفتحِ (٣) بمعنى: أنَّ حديثَهُ لَيْسَ بشاذٍّ ولا مُنكرٍ.
أَوْ (صُوَيْلحٌ)، أَوْ (صَدُوقٌ انْ شاءَ اللهْ) - بدرجِ الهمزةِ -، أَوْ (٤) (أَرْجُوْ بِأَنْ) أي: أَنْ (لَيْسَ بِهِ بأسٌ عَرَاهْ) أي: غَشِيَهُ (٥).
وخالفَ الذهبيُّ في أهلِ (٦) هذِهِ المرتبةِ، فجعلَ: محلَّه الصِّدقَ، وصالِحَ الحَدِيْثِ، وحَسَنَهُ، وصدوقًا إنْ شاءَ اللهُ؛ مرتبةً (٧).
ورَوَى الناسُ عَنْهُ، وشَيْخًا (٨)، وصُويلحًا، ومُقاربًا، مَعَ مَا بِهِ بأسٌ، ويُكتَبُ حديثُهُ، وما عَلِمْتُ فِيهِ (٩) جَرْحًا أخرى.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨.
(٢) لم ترد في (ع).
(٣) قال ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي ١/ ١٧: «ويروى بفتح الراء وكسرها وبفتحها قرأته، فمن فتح أراد أن غيره يقاربه في الحفظ، ومن كسر أراد أنه يقارب غيره، فهو في الأوّل مفعول وفي الثّاني فاعل، والمعنى واحد»، وانظر: النكت الوفية: ٢٣٦/ ب.
(٤) في (ص): «إن».
(٥) قال صاحب الصحاح ٦/ ٢٤٢٣ (عرا): «عراني هذا الأمر واعتراني، إذا غشيك».
(٦) لم ترد في (م).
(٧) انظر: الميزان ١/ ٤.
(٨) في (ع) و(ص): «وشيخنا».
(٩) في (ق): «به».
[ ١ / ٣٤٦ ]
وصرَّحَ ابنُ الصَّلاحِ (١) بأنَّ قولَهُم: «مَا أعلمُ بِهِ بأسًا» دُوْنَ «لا بأسَ بِهِ» والناظمُ بأنَّ «أرجو أنْ لا بأسَ بِهِ» نظيرُ «مَا أعلمُ بِهِ بأسًا»، أَوْ أرفعُ مِنْها؛ إِذْ لا يلزمُ من عدمِ العِلْمِ بِالشيءِ حصولُ الرجاءِ بِهِ (٢).
والحُكْمُ في أهلِ هذِهِ المراتبِ، الاحتجاجُ بهم في الثلاثةِ الأُوْلى بخلافِهم في الباقي؛ لأنَّ ألفاظَهم فِيهِ لا (٣) تُشْعِرُ بشريطةِ الضَّبْطِ، بَلْ يضبطُ حديثُهم للاعتبار وللاختبارِ (٤)، هَلْ لَهُ أصلٌ من روايةِ غيرِه؟
نَعَمْ، حديثُ بَعْضِ أهلِ الخامسةِ، لكونِها دُوْنَ الرابعةِ، قَدْ لا يكتبُ للاختبارِ.
وَفِي قولِهِ: (إنْ (٥) شاءَ اللهْ)، و(بأسٌ عراهْ) إذالةٌ وَهِيَ: زيادةُ ساكنٍ آخرَ (٦) بَعْدَ وتدٍ مَجْمُوْعٍ مَعَ أنَّ في الأَوَّلِ القطعَ أَيْضًا، وَهُوَ: حَذْفُ ساكنِ الوتدِ المجموعِ، وتسكينُ مَا قَبْلَهُ.
والإذالةُ جائزةٌ في مجزوءِ البسيطِ والكاملِ، وكأنَّ الناظمَ ارتكبَها في الرَّجَزِ تشبيهًا لَهُ بهما للضرورةِ (٧).
٣٣٥ - وَ(ابْنُ مَعِيْنٍ) قال: مَنْ أَقُوْلُ: (لاَ بَأْسَ بِهِ) فَثِقَةٌ وَنُقِلاَ
٣٣٦ - أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ: أَثِقَةً كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ
٣٣٧ - كَانَ (صَدُوْقًا) (خَيِّرًا) (مَأْمُوْنَا) الثِّقَةُ (الثُّوْرِيُّ) لَوْ تَعُوْنَا
٣٣٨ - وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ضُعْفًا بِ (صَالِحِ الْحَدِيْثِ) إِذْ يَسِمْ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٠.
(٣) سقطت من (م).
(٤) انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٣٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٥، والمقنع ١/ ٢٨٣.
(٥) لم ترد في (م).
(٦) في (ع) و(م): «آخرًا».
(٧) انظر: النكت الوفية: ٢٣٥/ أ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ثُمَّ مَا مَرَّ مِنْ أنَّ الوصفَ بثقةٍ أرفعُ مِنْهُ بـ «لَيْسَ بِهِ بأسٌ»، قَدْ يُقَالُ: يُنافيهِ مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(و) الإمامُ يَحْيَى (ابنُ مَعِيْنٍ) - بفتح الميمِ - سوَّى بَيْنَهما، إِذْ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تقولُ: فلانٌ لَيْسَ بِهِ بأسٌ، وفُلانٌ ضَعِيْفٌ؟
(قَالَ: مَنْ أقُوْلُ) فِيهِ: (لا بأسَ بِهِ، فَثِقَةٌ)، ومَنْ أقولُ فِيهِ: ضَعِيْفٌ، فليس بثقةٍ، لا (١) يُكْتَبُ حديثُهُ (٢).
ونحوهُ قولُ دُحَيْمٍ عبدِ الرحمانِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، فإنَّ أبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ (٣)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا تقولُ في عَلِيِّ بنِ حَوْشَبٍ الفزاريِّ؟
قَالَ: لا بأسَ بِهِ (٤). قَالَ فقلتُ: وَلِمَ لا تقولُ: ثقةٌ، ولا تعلمُ إلاَّ خيرًا؟
قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ إنَّه ثقةٌ.
وأجابَ ابنُ الصَّلاح (٥) بأنَّ ابنَ مَعِيْنٍ، إنَّما نَسَبَ ذَلِكَ لنفسِهِ، بخلافِ مَا مَرَّ. وهَذَا قَدْ يشكلُ بجوابِ دُحَيْمٍ.
وأجابَ الناظمُ (٦) بما حَاصِلُهُ: أنَّ ابنَ مَعِيْنٍ، لَمْ يُصَرِّحْ بالتسويةِ بَيْنَهُمَا، بَلْ أشرَكَهَا في مطلقِ الثقةِ؛ فَلا ينافي مَا مَرَّ.
(ونُقِلاَ) - بِبِنائِهِ لِلمَفْعولِ - مِمّا يُؤيّدُ أرفعيةَ الوَصْفِ بالثقةِ (أنَّ) الإمامَ (٧) عبدَ الرحمانِ (ابنَ مَهْدِيٍّ) لَمَّا رَوَى عَنْ أبي خَلْدَةَ (٨) خالدِ بنِ دينارٍ التميميِّ التابعيِّ
_________________
(١) في (م): «ولا».
(٢) الكفاية (٦٠ ت، ٢٢ هـ).
(٣) تاريخ أبي زرعة الدّمشقيّ ١/ ٣٩٥، ونقله المزي في تهذيب الكمال ٥/ ٢٤٥ (٤٦٥١)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١ - ٧٢، وفتح المغيث ١/ ٣٩٦.
(٤) قول دحيم هذا اعتمده الذهبي في الكاشف ٢/ ٣٩ (٣٩٠٩).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٥.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧١ وعبارته: «ولم يقل ابن معين إن قولي: ليس به بأس، كقولي: ثقة، حتّى يلزم منه التساوي بين اللفظين ».
(٧) لم ترد في (م).
(٨) خلدة - بفتح المعجمة وسكون اللام - انظر: الكاشف ١/ ٣٦٣، والتقريب (١٦٢٧).
[ ١ / ٣٤٨ ]
(أَجَابَ مَنْ سألْ) مِنْهُ، وَهُوَ عمرُو بنُ عَلِيٍّ الفلاَّسُ (أثقةً كَانَ أَبُو خَلْدَةَ؟) بقولِهِ: (بَلْ كَانَ صَدُوقًا)، وَكَانَ (خَيِّرًا)، ورُوِيَ خِيَارًا، وَكَانَ (مَأمُونًا، الثِّقةُ) شُعبةُ وسفيانُ (١) (الثَّوْرِيُّ، لَوْ) كنتُم (تَعُونَا) أي: تَفْهَمونَ مراتبَ الرُّواةِ، ومَواقعَ ألفاظِهم، مَا سألتُم عَنْ ذَلِكَ.
فصرَّحَ بأرفعيةِ «ثِقَة» عَلَى كُلٍّ مِنْ صدوقٍ، وخيِّرٍ، ومأمونٍ، الذي كُلٍّ مِنْهُمَا في مرتبةٍ «لَيْسَ بِهِ بأسٌ».
وقولُه: «لَوْ تَعُونَا» تكملةٌ.
(ورُبَّمَا وَصَفَ) ابنُ مهديٍّ أَيْضًا (ذا الصِّدقِ) أي: الصدوقَ الذي (وَسْمَ ضَعْفًا) أي الموسومَ بالضعفِ لسوءِ حِفظِه وغلطِهِ، ونحوِهما: (بـ: صالحِ الحَدِيْثِ) المنحطِّ عَنْ مرتبةِ «لَيْسَ بِهِ بأسٌ» (إِذْ يَسِم) -بفتحِ التحتيةِ- أي: حِيْنَ يُعَلِّمُ عَلَى الرُّواةِ بما تتميَّزُ بِهِ مراتبُهم من لفظٍ أَوْ كتابةٍ.
مَرَاتِبُ التَّجْرِيْحِ
(مراتبُ) ألفاظِ (التجريحِ)، وَهِيَ ستةٌ:
٣٣٩ - وَأَسْوَأُ التَّجْرِيْحِ: (كَذَّابٌ) (يَضَعْ) يَكْذِبُ وَضَّاعٌ وَدَجَّالٌ وَضَعْ
٣٤٠ - وَبَعْدَهَا مُتَّهَمٌ بَالْكَذِبِ وَ(سَاقِطٌ) وَ(هَالِكٌ) فَاجْتَنِبِ
٣٤١ - وَذَاهِبٌ مَتْرُوْكٌ اوْ (٢) فِيْهِ نَظَرْ وَ(سَكَتُوْا عَنْهُ) (بِهِ لاَ يُعْتَبَرْ)
٣٤٢ - وَ(لَيْسَ بِالثِّقَةِ) ثُمَّ (رُدَّا حَدِيْثُهُ) كَذَا (ضَعِيْفٌ جِدَّا)
٣٤٣ - (وَاهٍ بِمَرَّةٍ) وَ(هُمْ قَدْ طَرَحُوْا حَدِيْثَهُ) وَ(ارَمِ بِهِ مُطَّرَحُ)
٣٤٤ - (لَيْسَ بِشَيءٍ) (لاَ يُسَاوِي شَيْئًا) ثُمَّ (ضَعِيْفٌ) وَكَذَا إِنْ جِيْئَا
_________________
(١) هذا النص في التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١٤٧ (٥٠٠)، والجرح والتعديل ٣/ ٣٢٨ (١٤٧١)، وليس فيه: «كان صدوقًا»، وكذلك نقله المزي في تهذيب الكمال ٢/ ٣٤٢ (١٥٩٠)، وانظر: التقييد والإيضاح: ١٥٨.
(٢) بوصل همزة «أو» لضرورة الوزن كما سينبه عليه الشارح.
[ ١ / ٣٤٩ ]
٣٤٥ - بِمُنْكَرِ الْحَدِيْثِ أَوْ مُضْطَرِبِهْ (وَاهٍ) وَ(ضَعَّفُوهُ) (لاَ يُحْتَجُّ بِهْ)
٣٤٦ - وَبَعْدَهَا (فِيْهِ مَقَالٌ) (ضُعِّفْ) وَفِيْهِ ضَعْفٌ تُنْكِرُ وَتَعْرِفْ
٣٤٧ - (لَيْسَ بِذَاكَ بالْمَتِيْنِ بِالْقَوِيْ بِحُجَّةٍ بِعُمْدَةٍ بِالْمَرْضِيْ)
٣٤٨ - لِلضَّعْفِ مَا هُوْ فيْهِ خُلْفٌ طَعَنُوْا فِيْهِ كَذَا (سَيِّئُ حِفْظٍ لَيِّنُ)
٣٤٩ - (تَكَلَّمُوا فِيْهِ) وَكُلُّ مَنْ ذُكِرْ مِنْ بَعْدُ شَيْئًا بِحَدِيْثِهِ اعْتُبِرْ (١)
(وأَسْوَأُ التَّجريحِ) مَا أتى - كَمَا قَالَ شَيْخُنا (٢) - بصيغةِ أفْعَلَ، ك: أكذَبِ الناسِ، وَكَذا إِليهِ المنتهى في الكذبِ، أَوْ الوضعِ.
ثُمَّ يليهِ مرتبةٌ ثانيةٌ بالنظرِ لِذلِكَ، وَهِيَ:
(كذَّابٌ)، أَوْ (يَضَعْ) أي: الحديثَ، أَوْ (يَكْذِبُ)، أَو (وضَّاعٌ، و) كَذَا (دَجَّالٌ)، أَوْ (وَضَعْ) أي: الحديثَ (٣).
وهذه الألفاظُ - وإنْ كانتْ في مَرتبةٍ - تَتَفاوتُ، كَمَا لا يَخْفَى.
(وَبَعْدَهَا) أي: هذِهِ المرتبة، ثالثةٌ، وَهِيَ:
فلانٌ (مُتَّهَمٌ بالكذبِ)، أَوْ بالوضعِ، (و) فلانٌ (ساقطٌ، و) فلانٌ (هالكٌ؛ فاجتَنِبِ) الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ.
(و) فلانٌ (ذاهبٌ)، أَوْ ذاهبُ الحَدِيْثِ، أَوْ (متروكٌ)، أَوْ متروكُ الحَدِيْثِ، أَوْ تَرَكُوهُ، (اوْ) -بدرجِ الهمزةِ-، (فِيهِ نظرْ، و) فلانٌ (سَكَتُوا عَنْهُ)، أَوْ (بِهِ لا يُعتَبَرْ) عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، أَوْ لا يُعتبرُ بحديثِهِ، (و) فلانٌ (لَيْسَ بالثقةِ)، أَوْ لَيْسَ بثقةٍ، أَوْ غيرُ مأمونٍ، أَوْ نحوُها.
(ثُمَّ) يليها رابعةٌ، وَهِيَ:
_________________
(١) قال البقاعي: «وكلّ من ذكر» مبتدأ مضاف إلى «من» و«بعد» مجرور بـ «من» ومضاف إلى «شيئًا» ولفظه محكيٌّ، والجر في محلّه، و«اعتبر» خبر المبتدأ، و«بحديثه» متعلق بالخبر. النكت الوفية: ٢٤٠/ أ.
(٢) نزهة النظر: ١٨٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٥.
[ ١ / ٣٥٠ ]
فلانٌ (رُدَّا) (١) ببنائِه للمفعولِ (حديثُهُ)، أَوْ رَدُّوْا حديثَهُ، أَوْ مردودٌ، أَوْ مردودُ الحَدِيْثِ، و(كَذَا) فلانٌ (ضعيفٌ جدّا)، وفلانٌ (واهٍ بِمرَّةٍ) أي: قَوْلًا جازمًا، (و) فلانٌ (هُمْ) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (قَدْ طَرَحُوا حديثَهُ، و) فلانٌ (ارْمِ بِهِ)، أَوْ (مُطَّرَحُ)، أَوْ مَطْرُوحُ الحَدِيْثِ، أَوْ لا يُكتَبُ حديثُهُ، أَوْ (لَيْسَ بشيءٍ)، أَوْ لا شيءَ، أَوْ لا يساوي فلسًا، أَوْ (لا يُسَاوي شَيْئًا)، أَوْ نحوها.
(ثُمَّ) يلي (٢) هذِهِ خامسةٌ، وَهِيَ:
فلانٌ (ضعيفٌ، وكذا إن جِيئَا) - بألفِ الإطلاقِ - في وَصْفِ الرَّاوِي (بِمُنْكَرِ الحَدِيْثِ)، أَوْ حديثُهُ منكرٌ، أَوْ لَهُ مَا يُنْكَرُ (٣)، أَوْ مناكيرُ، (أَوْ مُضْطَرِبِهْ (٤» أي: الحَدِيْثِ، أَوْ (واهٍ، و) فلانٌ (ضَعَّفوهُ)، أَوْ (لا يُحتجُّ بِهْ).
(وبَعْدَها) سادسةٌ، وَهِيَ:
فلانٌ (فِيهِ مَقالٌ)، أَوْ أدْنى مَقالٍ، أَوْ (ضُعِّفْ) - بالتشديدِ، والبناءِ للمفعولِ -، (و) فلانٌ (فِيهِ)، أَوْ في حديثِهِ (ضَعْفٌ)، أَوْ (تُنْكِرُ) أي: مِنْهُ مرَّةً، (وتَعْرِفْ) أي: مِنْهُ أُخرى (٥)؛ لكونِهِ يأتي مرةً بالمناكيرِ، ومرةً بالمشاهيرِ.
والجزءُ الثَّانِي من عجزِ البيتِ دخلَهُ الكَفُّ، إنْ لَمْ تُشْبَعْ حركةُ «تُنْكِر»، وَهُوَ لا يَدْخُلُ بحرَ الرَّجَزِ، وَلَوْ قَالَ: «تُنكرهْ» - بهاءٍ ساكنةٍ - سَلِمَ مِن ذَلِكَ، و«تَعْرِفْ» دَخَلهُ الخَبْنُ والقَطْعُ (٦).
وفلانٌ (لَيْسَ بِذاكَ)، أَوْ بِذاكَ القويِّ، أَوْ لَيْسَ (بالمتينِ)، أَوْ لَيْسَ (بالقويْ) أَوْ لَيْسَ (بحجَّةٍ)، أَوْ لَيْسَ (بعُمْدَةٍ)، أَوْ لَيْسَ بمأمونٍ، أَوْ لَيْسَ (بالمَرْضِيْ).
_________________
(١) في (م): «ردّ».
(٢) في (م): «يليها».
(٣) في (م): «مناكير».
(٤) في (م): «بمضطربه».
(٥) في (ص): «مرة أخرى».
(٦) انظر: النكت الوفية: ٢٣٩/ب. وما ذكره الشارح من مصطلحات عروضية تراجع في كتب العروض. انظر مثلًا: معجم مصطلحات العروض والقوافي: ٢٢٥ و٧٠ و٢٠٢ على التوالي.
[ ١ / ٣٥١ ]
وفلانٌ مَجْهُوْلٌ، أَوْ فِيهِ جَهالةٌ، أَوْ لا أدري مَا هُوَ، أَوْ (لِلضَّعْفِ مَا هُوْ) أي: هُوَ قريبٌ مِنْهُ عَلَى مَا مَرَّ، أَوْ (١) (فِيهِ خُلْفٌ)، أَوْ (طَعَنُوا فِيهِ)، أَوْ مَطْعونٌ فِيهِ.
(كذا (٢) سَيِّئُ حِفْظٍ)، أَوْ (ليِّنُ)، أَوْ ليِّنُ الحديثِ، أَوْ فِيهِ لِيْنٌ، أَوْ (تَكَلَّموا فِيهِ).
والحكمُ في أهلِ المراتبِ الأربع الأُوَلِ: أنَّه لا يُحتجُّ بأحدٍ مِنْهُمْ، ولا يُستَشْهَدُ بِهِ، ولا يُعتَبَرُ بِهِ.
(وكلُّ مَنْ ذُكِرْ مِنْ بَعْدُ) قوله: لا يساوي (شيئًا)، وَهُوَ مَا عدا الأربعِ
(بحديثِهِ اعتُبِر) لإشعارِ صيغتِهِ بصلاحيةِ المتصفِ بمضمونِها لِذلِكَ.
ومَا زادَهُ من ألفاظِ الجرحِ التي أشارَ إليها فِيْمَا مَرَّ بقولِهِ: «وزدْتُ مَا في كَلامِ أهلِهِ وَجَدْتُ» (٣)، وَهُوَ:
يَضَعُ، ووضَّاعٌ، والثلاثةُ بعدَهُ، وهَالكٌ، وفِيهِ نَظرٌ، والتِّسعةُ بعدَهُ ولا يُساوي شيئًا، ومنكرُ الحَدِيْث، وواهٍ، وضَعَّفُوهُ، وفيه مَقالٌ، وضُعِّفَ، وتُنكِرُ وتَعْرِفُ (٤)، وَلَيْسَ بالمتينِ، وَلَيْسَ بحُجَّةٍ إلى آخرِهِ مَا عَدا قوله: ليِّنٌ (٥).
مَتَى يَصحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيْثِ أوْ يُسْتَحَبُّ؟
(متى يَصِحُّ تحمُّل الحَدِيْثِ، أَوْ) أي ومتى (يُستحبُّ).
٣٥٠ - وَقَبِلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ فِي كُفْرِهِ كَذَا صَبِيٌّ حُمِّلاَ
٣٥١ - ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ وَمَنَعْ قَوْمٌ هُنَا وَرُدَّ (كَالسِّبْطَيْنِ) مَعْ
٣٥٢ - إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ ثُمّْ قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ
_________________
(١) «أو»: سقطت من (ق).
(٢) في (م): «وكذا»
(٣) البيت رقم (٣٢٧).
(٤) المشهور في هذه الجملة: «تعرف وتنكر» بتاء الخطاب، وتقال أيضًا: «يعرف وينكر» بياء الغيبة مبنيًا للمجهول. ومعنى هذه الجملة على وجهيها: أنه يأتي مرة بالأحاديث المعروفة، ومرة بالأحاديث المنكرة، فأحاديثه تحتاج إلى سبر وعرض على أحاديث الثّقات المعروفين. انظر: التعليق على الرفع والتكميل: ١٤٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٣٥٢ ]
(وقَبِلُوا) - أي: المُحَدِّثُوْنَ - الرِّوَايَةَ (من مُسْلِمٍ) مُسْتَكْمِلٍ الشروطَ (تَحَمُّلا)، الحديثَ (١) (في) حالِ (كُفْرِهِ)، وأدائِهِ بَعْدَ إسْلامِهِ؛ لأنَّ جُبَيْرَ بنَ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَدِمَ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - في فِدَاءِ أُسَارَى بدرٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَسَمِعَهُ حينئذٍ يَقْرَأُ في المغربِ بِالطُّورِ (٢)، قَالَ: وذلك أوَّلُ مَا وَقَرَ الإيمانُ في قَلْبِي (٣).
ثُمَّ أدَّى ذَلِكَ بَعْدَ إسلامِهِ، وحُمِلَ عَنْهُ.
و(كَذَا) يقبلُ عِنْدَهُم (صَبيٌّ حُمِّلا) الحديثَ (ثُمَّ رَوَى بَعْدَ البلوغِ) مَا تَحَمَّلَهُ في حالِ صِباهُ، (وَمَنَعْ قومٌ) القَبُولَ (٤) (هُنَا) أي: في مَسْأَلَةِ الصبيِّ؛ لأنَّ الصَّبيَّ مَظِنَّةُ عَدمِ الضَّبْطِ.
(ورُدَّ) عَلَيْهِمْ، بإجماعِ الأئمَّةِ عَلَى قَبولِ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِن صِغارِ الصَّحابةِ، تحمَّلُوهُ (٥) في صِغَرِهِم، (كالسِّبطينِ) الحسنِ والحُسَينِ ابني بنتِهِ - ﷺ - فاطمةَ، وكعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، والنعمانِ بنِ بَشِيْرٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ (٦).
_________________
(١) قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: ٢٣٨: «تحمل الحديث لا يشترط فيه أهلية الرّواية».
(٢) أخرجه مالك (٢٠٧)، والشافعي في مسنده ١/ ٧٩و (١٤٢) بتحقيقنا، والطيالسي (٩٤٦)، وعبد الرزاق (٢٦٩٢)، والحميدي (٥٥٦)، وأحمد ٤/ ٨٠ و٨٣ و٨٤ و٨٥، والدارمي (١٢٩٩)، والبخاري ١/ ١٩٤ (٧٦٤) و٤/ ٨٤ (٣٠٥٠) و٦/ ١٧٥ (٤٨٥٤)، وفي خلق أفعال العباد (٤٧)، ومسلم ٢/ ٤١ (٤٦٣)، وأبو داود (٨١١)، وابن ماجه (٨٣٢)، والنسائي ٢/ ١٦٩، وأبو يعلى (٧٣٩٣)، وابن خزيمة (٥١٤) و(١٥٨٩)، وأبو عوانة ٢/ ١٥٣ و١٥٤، والطحاوي ١/ ٢١١، وابن حبان (١٨٢٩) و(١٨٣٠)، والطبراني (١٤٩١) و(١٤٩٦). كلهم من طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه به.
(٣) صحيح البخاريّ ٥/ ١١٠ (٤٠٢٣)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٠ - ٨١.
(٤) وهو وجه لبعض الشافعية. انظر: الإبهاج ٢/ ٣١٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٢، ومحاسن الاصطلاح: ٢٤١، وفتح المغيث ٢/ ٧ - ٨.
(٥) وقد بوّب الخطيب البغدادي في الكفاية: (١٠٣ - ١١٩ ت، ٥٤ - ٦٦ هـ): «باب: ما جاء في صحة سماع الصغير» أورد فيه جملة من الآثار التي حفظها صغار الصحابة، ومن بعدهم، وحدثوا بها بعد ذلك، وقبلت منهم.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨١.
[ ١ / ٣٥٣ ]
(مَعْ إحْضَارِ أَهْلِ العِلْمِ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ وغيرِهم (للصِّبْيَانِ) مجالسَ التحديثِ، (ثُمّْ قَبُولُهُمْ) مِنْهُمْ (مَا حدَّثوا) بهِ مِن ذَلِكَ (بَعْدَ الحُلُمْ) أي: البلوغِ.
كَمَا وقعَ للقاضيِ أَبِي عُمَرَ (١) الهاشميِّ، فإنَّه سَمِعَ " السننَ " لأبي دَاوُد من اللُّؤْلُويِّ، ولِهُ خمسُ سنينَ، وَاعْتَدَّ (٢) الناسُ بسماعِهِ، وحمَلوهُ (٣) عَنْهُ (٤).
وَقَالَ يعقوبُ الدَّوْرَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصمٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ بابني إلى ابنِ جُرَيْجٍ، وسنُّهُ أقلُّ من ثلاثِ سنينَ، فحدَّثَهُ (٥).
وهذا بالنَّظَرِ إلى صِحَّةِ السَّماعِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كونِ السَّامِعِ طَلبَ الحَدِيْثَ بنفسِهِ، أَمْ بغيرِهِ.
٣٥٣ - وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ عِنْدَ (الزُّبَيْرِيِّ) أَحَبُّ حِيْنِ
٣٥٤ - وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ (أَهْلُ الْكُوْفَهْ) وَالْعَشْرِ فِي (الْبَصْرَةِ) كَالْمَألُوْفَهْ
٣٥٥ - وَفِي الثَّلاَثِيْنَ (لأَهْلِ الشَّأْمِ) وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ بِالْفَهْمِ
٣٥٦ - فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ
٣٥٧ - فَالْخَمْسُ (٦) لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ قِصَّةُ (مَحْمُوْدٍ) وَعَقْلُ الْمَجَّهْ
٣٥٨ - وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ
٣٥٩ - بَلِ الصَّوَابُ فَهْمُهُ الْخِطَابَا مُمَيِّزًا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
_________________
(١) هو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد بن العبّاس الهاشمي توفّي سنة (٤١٤ هـ). انظر: المنتظم ٨/ ١٤، وتاريخ بغداد ١٢/ ٤٥١، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٢٥.
(٢) في (م): «واعتمد».
(٣) في نسخة (ق) و(ع): «وتحملوه».
(٤) انظر: الكفاية: (١١٦ ت، ٦٤ هـ)، وفتح المغيث ٢/ ١١.
(٥) الكفاية: (١١٦ ت، ٦٤ هـ)، وفيه: «يحدث بهذا الحديث والقرآن». قال السخاوي: «وكفى ببعض هذا متمسكًا في الرد فضلًا عن مجموعة، بل قيل: إن مجرد إحضار العلماء للصبيان يستلزم اعتدادهم بروايتهم بعد البلوغ، لكنّه متعقب بأنه يمكن أن يكون الحضور لأجل التمرين والبركة، ثمّ عن ما تقدم من سماع الصبي هو بالنظر للصحة سواء بنفسه أو بغيره». فتح المغيث ٢/ ١١.
(٦) في نسخة ب من متن الألفية: «والخمس».
[ ١ / ٣٥٤ ]
(و) أما (طلبُ الحَدِيْثِ) بنفسِهِ، وكتابتُهُ، فَهُوَ (في العِشْرينِ) -بكسرِ النون- مِنَ السنينِ (عِنْدَ) الإمامِ أبي عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِ بنِ أَحْمَدَ (الزُّبَيْرِيِّ) -بضمِّ الزاي (١) - (أحبُّ حِينِ) مِمّا قبلَهُ، فهي وَقْتُ استحبابِ طَلَبِ الحديثِ، وكتابتِهِ؛ لأنَّها مُجْتَمَعُ العقلِ (٢).
(وَهْوَ) أي: استحبابُ طلبِهِ فِيْهَا (الّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الكوفَهْ)، فَقَدْ كانوا لا يُخرجُونَ أولادَهم في طلبِهِ إلا عِنْدَ استكمالِ عِشْرينَ سنةً (٣).
(وَ) طلبُهُ في (العَشْرِ) مِنَ السِّنينِ (فِي) أَهْلِ (البصْرةِ، ك) الطريقةِ
(المأْلُوفَهْ) لَهُمْ حَيْثُ قيَّدوا بها (٤)، ويجوزُ رفعُ «العشرِ» بالابتداءِ، وخبرُهُ: «كالمألوفَهْ».
(و) طلبُهُ (في الثلاثينَ) مِنَ السنينِ طريقةٌ مألوفةٌ (٥) (لأهلِ الشأْمِ).
(و) الحقُّ عدمُ تقييدِهِ (٦) بسِنٍّ مخصوصٍ (٧)، بَلْ (يَنْبَغِي تقييدُهُ بالفَهْمِ)، لحصولِ الغرضِ بِهِ.
(فَكَتْبُهُ) أي: ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ (٨) كَتْبَ الحَدِيْثِ (بالضَّبْطِ) أي: بالتأهُّلِ لَهُ.
فَفِي الوقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لابتداءِ الطَّلَبِ، أربعةُ أقوالٍ.
(وَ) يَنْبَغِي أَنْ يُقيّدَ (السَّمَاعُ) أي: سَمَاعُ الصَّبيِّ لِلحديثِ (حَيْثُ) أي: بحيثُ، بمعنى حِينَ (يَصِحُّ) سَمَاعُهُ فِيهِ، وذلكَ يختلفُ بِاختلافِ الأَشْخاصِ، ولا ينْحَصِرُ في زمنٍ مَخْصوصٍ، كَمَا قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ.
_________________
(١) بضم الزاي وفتح الباء وسكون الياء المنقوطة من تحتها بنقطتين في آخرها الراء، وهذه النسبة معروفة إلى الزّبير بن العوام ابن عمة رسول الله - ﷺ -. الأنساب ٣/ ١٥١.
(٢) المحدّث الفاصل: ١٨٧ - ١٨٨، والإلماع: ٦٥، والكفاية: (١٠٤ ت، ٥٥ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٩.
(٣) قاله موسى بن إسحاق. المحدّث الفاصل: ١٨٦، والكفاية: (١٠٤ ت، ٥٤ - ٥٥ هـ).
(٤) قاله موسى بن هارون الحمال. انظر: المحدث الفاصل: ١٨٧. والكفاية (١٠٤ ت، ٥٥ هـ)، والإلماع: ٦٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٣.
(٥) كذلك وقال القاضي عياض في الإلماع: ٦٦: «سمعت بعض شيوخ العلم يقول: الرّواية من العشرين والدراية من الأربعين».
(٦) في (ع): «تخصيص».
(٧) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٢.
(٨) في (م): «تقيد».
[ ١ / ٣٥٥ ]
قَالَ: «وينبغي بَعْدَ أنْ صارَ الملحوظُ إبقاءَ سِلْسِلةِ الإسنادِ، أن يُبَكَّرَ بإسماعِ الصغيرِ في أوَّلِ زمانٍ يصحُّ فِيهِ سَمَاعُهُ» (١).
(وبِهِ) أي: وَفِي وَقْتِ صِحَّةِ سَماعِهِ (نِزاعُ) بَيْنَ العُلَمَاءِ، جملتُهُ فِيْمَا ذكرَهُ أربعةُ أقوالٍ أَيْضًا.
(فالخَمْسُ) مِنَ السِّنينِ التقييدُ بها (للجمهورِ).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وَعَلَيْهِ استقرَّ عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيْثِ المتأخِّرينَ، فَيَكْتُبونَ لابنِ خمسٍ فأكثرَ: «سَمِعَ»، ولمنْ لَمْ (٢) يبلغْهَا «حَضَرَ»، أَوْ «أُحْضِرَ» (٣).
(ثُمَّ الْحُجَّهْ) لَهُمْ في التقييدِ بها (قِصَّةُ مَحْمُودٍ)، هُوَ ابنُ الربيعِ، (و) هِيَ:
(عَقْلُ الْمجَّهْ) أي: عَقْلُهُ لها، وَهِيَ إرسالُ الماءِ من الفَمِ (٤)، (وَهْوَ) أي: ومحمودٌ
(ابنُ خَمْسَةٍ) مِنَ الأعوامِ.
فَقَالَ - كَمَا في البُخَارِيِّ (٥)، وغيرِهِ (٦) -: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِيْ عَنْ دَلْوٍ وَأنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِيْنَ». وَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ مُدَاعَبةً، أَوْ تبريكًا (٧).
(وَقِيلَ): يعني، وَقَالَ ابنُ عَبْدِ البرِّ: إنَّ محمودًا عَقَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ ابنُ (أربعَهْ) مِنَ الأعوامِ (٨).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٠.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٢.
(٤) انظر: فتح الباري ١/ ١٧٢.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٢٩ (٧٧) و٢/ ٧٤ (١١٨٥) و٨/ ٩٥ (٦٣٥٤) و٨/ ١١١ (٦٤٢٢).
(٦) مسلم ٢/ ١٢٧ (٦٥٧) (٢٦٥)، وابن ماجه (٦٦٠) و(٧٥٤)، والنّسائيّ في الكبرى (٥٨٦٥) و(١٠٩٤٧)، وفي عمل اليوم والليلة (١١٠٨)، وابن خزيمة (١٧٠٩).
(٧) قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٣: «على وجه المداعبة، أو التبريك عليه، كما كان - ﷺ - يفعل مع أولاد أصحابه - ﵃ -».
(٨) الاستيعاب ٣/ ٤٢٢، وقال ابن حجر في الفتح ١/ ١٧٣ عقب (٧٧): «لم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام، إلا إذا كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب " الاستيعاب ": أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس ».
[ ١ / ٣٥٦ ]
(وَلَيسَ فِيهِ) أي: في تعيينِ وقتِ صِحَّةِ سَمَاعِهِ (سُنَّةٌ مُتَّبعَهْ)؛ إِذْ لاَ يلزمُ مِن تمييزِ مَحْمُودٍ، أَنْ يميِّزَ غيرُهُ تمييزَهُ، بَلْ قَدْ يَنقُصُ عَنْهُ، وَقَدْ يزيدُ.
ولا يلزمُ أنْ لا يَعْقِلُ ذَلِكَ، وسنُّهُ أقلُّ مِن ذَلِكَ، كَمَا أنَّهُ لا يلزمُ مِنْ عَقْلِ المجَّةِ أَنْ (١) يَعْقِلَ غيرَها ممَّا سَمِعَهُ (٢).
(بَلِ الصَّوابُ) الْمُعْتَبرُ في صِحَّةِ سَمَاعِهِ (فَهْمُهُ الْخِطَابا) حَالةَ (٣) كونِهِ (مميِّزًا، وردُّه الْجَوابا) وإنْ كَانَ ابنَ أقلَّ مِنْ أرْبَعٍ (٤).
فإنْ لَمْ يكنْ كَذلِكَ، لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ، وإن زادَ عَلَى الخَمْسِ.
٣٦٠ - وَقِيْلَ: (لابْنِ حَنْبَلٍ) فَرَجُلُ قَالَ: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ
٣٦١ - يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ
٣٦٢ - وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ فَرَّقَ سَامِعٌ، وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ
٣٦٣ - قال: بِهِ الَحْمَّالُ، وابْنُ الْمُقْرِيْ سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْرِ
(و) مِمّا يَدلُّ عَلَى اعتبارِ الفَهْمِ، والتَّمييزِ دُوْنَ التَّقييدِ بسِنٍّ، أنَّهُ (قِيلَ لابن حَنْبَلٍ: فَرَجُلُ) أي: أنَّ رجلًا، وَهُوَ ابنُ مَعِيْنٍ (٥) (قَالَ: لِخَمسَ عَشْرةَ) سنةً
(التَّحمُّلُ يَجُوزُ، لا في دُوْنِها) مُحْتَجًّا بأنَّهُ - ﷺ - ردَّ البراءَ، وابنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يومَ بدرٍ لصغرِهِمَا عَنْ هَذَا السنِّ.
(فَغَلَّطَهْ) ابنُ حَنْبَلٍ، و(قَالَ): بئسَ القَوْلُ، بَلْ (إذَا عَقَلهُ) أي: الحَدِيْثَ،
(وَضَبَطَهْ) صَحَّ تحمُّلُه وسَماعُهُ، وَلَوْ كَانَ صَبيًّا (٦).
_________________
(١) في (ق): «أن لا».
(٢) انظر: النكت الوفية: ٢٤٣/ أ.
(٣) في (ص) و(ق): «حال».
(٤) في (م): «أربع سنين».
(٥) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٦، وقال البقاعي في نكته الوفية٢٤٣/أ: «هو يحيى بن معين، وقيل: يحيى بن سعيد».
(٦) الكفاية: (١١٣ ت، ٦١ هـ).
[ ١ / ٣٥٧ ]
قَالَ (١): وإنَّما التّقْييدُ بِذَلِكَ في القِتالِ، وإلاّ، فَكيفَ يعملُ بوكيعٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، وغيرِهما، ممَّنْ سَمِعَ قَبْلَ هَذَا السنِّ (٢).
(وَقِيلَ: مَنْ بينَ الحِمَارِ والبَقَرْ فرَّقَ)، فَهُوَ (سَامِعٌ، ومَنْ لاَ) يُفَرِّقُ بينَهُما
(ف) يُقال لَهُ: (حَضَرْ)، ولا يُقالُ لَهُ: سَمِعَ.
(قَالَ بِهِ) مُوسى بنُ هارونَ (الحمَّالُ) بالمهملةِ - جوابًا لمَنْ سألَهُ: متى يُسَمِّعُ للصبيِّ؟ فَقَالَ: إذَا فرَّقَ بَيْن البقرةِ، والحمارِ. وَفِي روايةٍ: بَيْن البقرةِ والدَّابةِ (٣).
(وَ) الحافظُ أَبُو بكرِ (ابنُ المُقْرِيْ) لاعتبارِهِ الفَهْمَ والتَّمييزَ، (سَمَّعَ) أي: قَالَ بصحَّةِ السَّمَاعِ (لابنِ أرْبَعٍ) مِنَ السنينِ، (ذي ذُكِرْ) - بضمِّ المُعْجَمَةِ - أي: صَاحبُ حِفْظٍ، وَفَهْمٍ.
فَقَدْ قَالَ الخطيبُ: سَمِعْتُ القاضيَ أبا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرحمانِ الأصبهانيَّ، يَقُول: حَفِظْتُ القُرْآنَ وَلَيْسَ لي خمسُ سنينَ، وأُحْضِرْتُ عِنْدَ أبي بَكْرِ ابنِ المقرئ، لأسمعَ مِنْهُ، ولي أربعُ سنينَ، فأرادوا أَنْ يُسَمِّعُوا لي فِيْمَا حَضَرْتُ قراءتَهُ، فَقَالَ بَعْضُهم: إنَّه يصغرُ مِنَ (٤) السَّمَاعِ.
فَقَالَ ابنُ المقرئ: اقرأْ سورَة «الكافرونَ»، فقرأتُها، فَقَالَ: اقرأْ سورةَ
«التكوير»، فقرأتُها، فَقَالَ غيرُه: اقرأ سورةَ «والمرسلاتِ» فقرأتُها، وَلَمْ أغلَطْ فِيْهَا، فَقَالَ (٥) ابنُ المقرئِ: سَمِّعُوا لَهُ، والعُهْدَةُ عَلَيَّ (٦) (٧).
_________________
(١) يعني: الإمام أحمد بن حنبل.
(٢) انظر: الكفاية: (١١٤ ت، ٦٢ هـ).
(٣) انظر: الروايتين في الكفاية: (١١٧ - ١١٨ ت، ٦٥ هـ).
(٤) في (ق): «عن».
(٥) سقطت من (ص).
(٦) تاريخ بغداد ١٠/ ١٤٤، وهي كذلك في الكفاية: (١١٧ ت، ٦٤ - ٦٥هـ)، وذكر صاحب النكت الوفية قولين آخرين: ٢٤٣/ أ.
(٧) بعد هذا في (ق) و(ع): «جعله الله تعالى ممن نوّر قلوبهم بنور صفائه النفيس».
[ ١ / ٣٥٨ ]
أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ (١)
(أقسامُ التحمُّلِ)، وأوَّلُهَا: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهُوَ أعلاها كَمَا قَالَ:
٣٦٤ - أَعْلَى وُجُوْهِ الأَخْذِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ وَهْيَ ثَمَانٍ: لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ
٣٦٥ - كتَابًا او (٢) حِفْظًا وَقُلْ: (حَدَّثَنَا) (سَمِعْتُ)، أَوْ (أَخْبَرَنَا)، (أَنْبَأَنَا)
٣٦٦ - وَقَدَّمَ (الْخَطِيْبُ) أَنْ يَقُوْلاَ: (سَمِعْتُ) إِذْ لاَ يَقْبَلُ (٣) التَّأْوِيْلاَ
٣٦٧ - وَبَعْدَهَا (حَدَّثَنَا)، (حَدَّثَنِي) وَبَعْدَ ذَا (أَخْبَرَنَا)، (أَخْبَرَنِي)
٣٦٨ - وَهْوَ كَثْيِرٌ وَ(يَزِيْدُ) اسْتَعْمَلَهْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ
٣٦٩ - مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ، وَبَعْدَهُ تَلاَ: (أَنْبَأَنَا)، (نَبَّأَنَا) وَقَلَّلاَ
(أعلى وُجُوهِ الأخْذِ) للحديثِ، وتحمُّلِهِ عَن الشِّيوخِ (عِنْدَ الْمُعْظَمِ) مِنَ الْمُحدِّثينَ، وغيرِهم - (وَهْيَ) أي: الوجوهُ (ثَمَانٍ) هذِهِ الجملةُ معترضةٌ بَيْنَ المبتدإِ والخبرِ- وَهُوَ (لَفظُ شَيخٍ) أي: السَّمَاعُ مِنْهُ، (فاعْلَمِ) ذَلِكَ.
سواءٌ حدَّثَ (كتابًا) أي: مِن كِتابِهِ، (اوْ) (٤) بِدرجِ الهَمْزةِ (حِفْظًا) أي: من حفظِهِ إملاءً، أَوْ غَيْرَ إملاءٍ، لكنَّهُ في الإملاءِ أعلى؛ لما فِيهِ مِن شِدَّةِ تحرُّزِ (٥) الشَّيْخِ،
_________________
(١) انظر في ذلك: المحدّث الفاصل: ١٨٥، والكفاية: (١٠٣ ت، ٥٣ هـ)، والإلماع: ٦٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٨٩، والإرشاد ١/ ٣٣٤ - ٤٢٣، والتقريب: ١٠٠ - ١٢١، والاقتراح: ٢٣٨، والمنهل الروي: ٧٩، والخلاصة: ٩٨، والموقظة: ٦١، واختصار علوم الحديث: ١٠٨، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٤٥٩ - ٥٥٥، والشذا الفياح ١/ ٢٧٤ - ٣٢٨، ومحاسن الاصطلاح: ٢٤١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٠ - ٩٥، والتقييد والإيضاح: ١٩٤، ونزهة النظر: ٢٠٦، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث ٢/ ٣، وألفية السيوطي: ١١٥ - ١٤٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٨٦، وظفر الأماني: ٤٧٣.
(٢) بوصل همزة «أو» لضرورة الوزن كما سيشير إليه الشارح، ومن عجب أن ناشر (م) أثبت الهمزة في الموضعين.
(٣) في نسخة (ج) من متن الالفية: «تقبل».
(٤) أثبت ناشر (م) الهمزة، وكأنه لم يفهم قول الشارح الآتي.
(٥) في (ق): «تحري».
[ ١ / ٣٥٩ ]
والراوي، إِذْ الشَّيْخُ مُشْتَغِلٌ بالتحديثِ، والراوِي بالكتابةِ عَنْهُ، فَهُمَا أبعدُ عَنِ (١) الغَفْلَةِ، وأقربُ إلى التحقيقِ مَعَ جريانِ العَادةِ بالْمُقابَلَةِ بعدَهُ.
(وَقُلْ) في حالةِ الأداءِ لما سَمِعْتَهُ من لفظِ الشَّيْخِ: (حَدَّثَنَا) فُلاَنٌ، أَوْ (سَمِعْتُ) فُلاَنًا، (أَوْ أَخْبَرَنَا)، أَوْ خبَّرنا، أَوْ (أنْبَأَنَا)، أَوْ نَبَّأنَا فُلاَنٌ، أَوْ قَالَ لَنَا فُلاَنٌ، أَوْ ذكرَ لَنَا فُلاَنٌ.
فيجوزُ جَمِيْعُ ذَلِكَ اتِّفاقًا، كَمَا حكاهُ الْقَاضِي عياضٌ (٢).
وجوازُ جميعِه اتِّفاقًا، لا يُنافي مَا يأتي من أرفعيَّةِ بعضِهِ عَلَى بعضٍ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَيَنْبغِي فِيْمَا شَاعَ استعمَالُهُ مِن هذِهِ الألفاظِ فِيْمَا سُمِعَ مِن غَيْرِ لفظِ الشَّيْخِ أَنْ لا يُطْلَقَ فِيْمَا سُمِعَ من لفظِهِ، لما فِيهِ من الإيهامِ، والإلباسِ» (٣).
قَالَ النَّاظِمُ: «مَا قَالَهُ القاضِي مُتَّجِهٌ؛ إِذْ لا يجبُ عَلَى السَّامِعِ أن يبيِّنَ، هَلْ كَانَ السَّمَاعُ مِن لفظِ الشَّيْخِ، أَوْ عَرَضًا؟
نَعَمْ، ينبغي عدمُ الإطلاقِ في «أَنْبَأَنَا» بَعْدَ اشْتِهارِ استعمالِها في الإجازةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى إسقاطِ المرويِّ، بِها عِنْدَ مَنْ لا يَحتَجُّ بالإجازةِ» (٤).
وبالجملةِ فهذهِ الألفاظُ متفاوِتَةٌ، (وَ) قَدْ (قَدَّمَ الخَطيبُ) مِنْها (أَنْ يَقُولاَ) أي: الرَّاوِي: (سَمِعْتُ، إِذْ) لفظُها صريحٌ في سَمَاعِ لفظِ الشَّيْخِ (٥)، (لا يَقْبَلُ التأويْلاَ) الآتي بيانُه، بخلافِ «سَمِعْنَا»، فإنَّه يقبلُهُ «ك: حَدَّثَنَا».
(وبَعْدَها) أي: بَعْدَ «سَمِعْتُ» في الرُّتبةِ (حَدَّثَنَا)، و(حَدَّثَنِي)؛ لأنَّها لا تكادُ تُستَعْمَلُ في الإجازةِ بخلافِ هاتينِ، ولأنَّها -كَمَا مَرَّ- لا تَقبلُ التأويلَ بخلافِ «حَدَّثَنَا» (٦).
_________________
(١) في (م): «من».
(٢) الإلماع: ٦٩.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٨٩ - ٩٠.
(٥) الكفاية: (٤١٣ ت، ٢٨٤ هـ) وعبارته: «فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها».
(٦) انظر: الكفاية: (٤١٢ - ٤١٥ ت، ٢٨٤ - ٢٨٦ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الحسَنَ البصريَّ كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ويتَأَوَّلُ: «حَدَّثَ أَهْلَ المدينة وأنا بِها»، كَمَا كَانَ يَقُولُ: خَطَبَنا ابنُ عَبَّاسٍ بالبصرةِ، ويريدُ خَطَبَ أهْلَها (١).
والمشهورُ أنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمعْ من أبي هُرَيْرَةَ، بَلْ قَالَ يونُسُ بنُ عُبَيْدٍ: إنَّهُ مَا رَآهُ قطُّ (٢).
(وَبَعْدَ ذَا) أي: لفظُ «حَدَّثَنَا» و«حَدَّثَنِي» (أَخْبَرَنَا)، و(أَخْبَرَنِي، وَهْوَ) أي: الأداءُ بكلٍّ من هاتينِ لسماعِ لفظِ الشَّيْخِ (كَثِيْرٌ) في الاستعمالِ.
(ويَزيدُ) بنُ هارونَ (اسْتَعْمَلَهْ) في ذَلِكَ، هُوَ (وَغَيرُ واحدٍ)، كحمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، وابنِ المباركِ، وعبدِ الرزَّاقِ، (لِمَا قَدْ حَمَلَهْ) كلٌّ مِنْهُمْ (مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيْعَ تَخْصِيْصُ «أَخْبَرَنَا» بالعَرْضِ» (٣).
(وبعدَهُ) أي: بَعْدَ لَفْظِ «أَخْبَرَنَا»، و«أَخْبَرَنِي» (تَلاَ) تأكيد (أَنْبَأَنَا)، و(نبَّأنا. وقَلَّلا) استعمالَهُ فِيْمَا سَمِعَ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ أي: قَبْلَ اشتهارِهِ في الإجازةِ.
ثُمَّ مَا تقرَّرَ مِنْ أنَّ «سَمِعتُ» راجحةٌ - لما مَرَّ - صَحِيْحٌ، لَكِنْ لـ: حَدَّثَنَا، و«أَخْبَرَنَا» - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ - جهةُ ترجيحٍ عَلَيْهَا مِن جِهةِ أنَّهمَا يَدلاَّنِ عَلَى أنَّ الشيخَ رَوَّاهُ الحَدِيْثَ، وخاطبَهُ بقولِهِ (٤).
٣٧٠ - وَقَوْلُهُ: (قَالَ لَناَ) وَنَحْوُهَا كَقُوْلِهِ: (حَدَّثَنَا) لَكِنَّهَا
٣٧١ - الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا (٥) مُذَاكَرَهْ وَدُوُنَهَا (قَالَ) بِلاَ مُجَارَرَهْ
٣٧٢ - وَهْيَ عَلى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيْ لاَ سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوْهُ فِي الْمُضِيْ
_________________
(١) الكفاية: (٤١٣ ت، ٢٨٤ هـ) وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم: ٣٣ (٩٧)، وشرح مشكل الآثار ٩/ ٤١ عقب (٣٤٢١).
(٢) المراسيل: ٣٤ (١٠٢). قال ابن الصّلاح: «ومنهم من أثبت له سماعًا من أبي هريرة». انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥، وجامع التحصيل: ١٦٤، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٤٧٦ - ٤٧٨.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٥.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٦.
(٥) في نسخة (ج) من متن الألفية: «في استعمالها» وهو خطأ في الوزن.
[ ١ / ٣٦١ ]
٣٧٣ - أنْ لاَ يَقُوْلَ ذَا بِغَيْرِ (١) مَا سَمِعْ مِنْهُ (كَحَجَّاجٍ) وَلَكِنْ (٢) يَمْتَنِعْ
٣٧٤ - عُمُوْمُهُ عِنْدَ الْخَطيْبِ وَقُصِرْ ذَاكَ عَلى الَّذِي بِذَا الوَصْفِ اشْتُهِرْ
(وَقَولُهُ) أي: الرَّاوِي: (قَالَ لَنَا، وَنَحْوُهَا)، مثلُ: «قَالَ لي»، أَوْ «ذَكَرَ لي» (كقولِهِ: حَدَّثَنَا) فلانٌ في الحُكْمِ لها بالاتِّصالِ، (لَكِنَّها الغَالِبُ) مِنْ صَنيعِهِم (استِعْمَالُهَا) فِيْمَا سَمِعُوهُ (مذاكرهْ).
وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّهُ، أي لَفْظَ «قَالَ لَنَا»، ونحوِهِ لائقٌ بما سَمِعَهُ مِنْهُ في المذاكرةِ، وَهُوَ بِهِ أشبهُ من «حَدَّثَنَا» (٣). انتهى.
(وَدُونَها) أي: «قَالَ لَنَا» و«قَالَ لي»، ونحوِهما (قَالَ بِلاَ مُجاررهْ) أي: بغيرِ ذِكْرِ (٤) الجارِّ والمجرورِ.
وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَهِيَ أوضعُ العباراتِ» (٥).
(وَهْيَ) مَعَ ذَلِكَ مَحْمُولةٌ (عَلَى السَّمَاعِ) من لفظِ الشَّيْخِ، (إنْ يُدْرَ اللُّقي) بينَهُما (٦)، ويسلَمَ قائلُها مِنَ التدليسِ.
(لاَسيَّمَا مَنْ عَرفُوهُ) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ، بأنْ عُرِفَ بَيْنَهُم (في الْمُضيْ) أي: فِيْمَا مَضَى (أنْ لاَ يَقُولَ ذا) أي: لفظَ «قَالَ» عَنْ شيخِهِ (بغَيْرِ ماَ سَمِعْ مِنْهُ، كَحَجَّاجٍ) هُوَ ابنُ مُحَمَّدٍ الأعورُ، فإنَّه رَوَى كُتبَ ابن جُرَيْجٍ بلفظِ: قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ، فَحَمَلَها النَّاسُ عَنْهُ، واحْتَجّوا بِها (٧).
_________________
(١) في نسخة (ب) من متن الألفية: «لغير».
(٢) في نسخة (ج) من متن الألفية: «وليس»، والوزن صحيح في كليهما، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية لمتن الألفية وشروحها.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٦.
(٤) في (ص): «ذاكر».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٧.
(٦) «بينهما» سقطت من (ص).
(٧) في (م): «به». وانظر: الكفاية: (٤٢٠ ت، ٢٩٠ هـ).
[ ١ / ٣٦٢ ]
(ولكنْ يمتنعْ عُمُومُه) أي: الحُكْمُ بحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ (عِنْدَ) الحافِظِ
(الخطيبِ) حَيْثُ مَنَعَ الْحُكمَ بِهِ إنْ لَمْ يُعْرَفِ اتِّصافُ الرَّاوِي بأنَّه لا يَرْوِي إلاَّ مَا
سَمِعَهُ (١)، (وَقُصِرْ ذَاكَ) (٢) الْحُكمُ (عَلَى) الرَّاوِي (الّذِي بِذا الوَصْفِ اشتُهِرْ).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «والْمَحْفُوظُ الْمَعْروفُ مَا قَدَّمْنَاهُ» (٣).
الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ
(والثاني) مِن أَقْسامِ التَّحمُّلِ: (القراءةُ عَلَى الشَّيْخِ)
٣٧٥ - ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتَهَا مُعْظَمُهُمْ عَرْضًا سَوَا (٤) قَرَأْتَهَا
٣٧٦ - مِنْ حِفْظٍ او كِتَابٍ او (٥) سَمِعْتَا والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا
٣٧٧ - أولاَ، وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ
٣٧٨ - قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ يَحْفَظُهُ (٦) مَعَ اسْتِماَعٍ فَاقْتَنِعْ
(ثُمَّ) يَلي السَّماعَ مِنْهُ (القِرَاءةُ) عَلَيْهِ (الّتِي نَعَتَهَا) أي: سمَّاها (مُعْظَمُهُمْ) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ (عَرْضًا)، بمعنى أنَّ القارئَ يَعْرضُ عَلَى الشَّيْخِ الحَدِيْثَ، كَمَا يُعْرضُ القُرْآنُ عَلَى الْمُقْرئ (٧).
_________________
(١) الكفاية: (٤١٨ ت، ٢٨٩ هـ).
(٢) في (م) و(ق): «ذلك».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٧.
(٤) في النفائس، وفتح المغيث: «سوى» وهو كذلك في (أ) و(ب) و(ج) من متن الألفية. وسيأتي نص الشارح أنها «سوا» بفتح أوله والقصر لغة في سواء، وعليه المعنى، وانظر: اللسان ١٤/ ٤١٣ (سوا).
(٥) بوصل همزة (أو)؛ لضرورة الوزن، في الموضعين، وقد سقطت من (م)، وهي ثابتة عنده بالشرح؛ لكنّه أثبت الهمزة، وَلَمْ يفهم مراد الشارح.
(٦) حقّ (يحفظه) الجزم، ولا يستقيم الوزن على هذا الضّبط، فحركت اللفظة؛ لضرورة الوزن، وسينبه الشارح على ذلك.
(٧) الإلماع: ٧١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٢٩٧، والمنهل الروي: ٨١، والإرشاد ١/ ٣٤٥، وفتح المغيث ٢/ ٣٠. قال ابن حجر: «بين القراءة والعرض عموم وخصوص، لأن الطّالب إذا قرأ كان أعمّ من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة، لأن العرض عبارة عما يعرف به الطّالب أصل شيخه معه، أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة». فتح الباري ١/ ١٤٩، والتدريب ٢/ ١٣.
[ ١ / ٣٦٣ ]
(سَوَا) - بفتحِ أوَّلِهِ والقَصْرِ في لغةٍ - (١) أي: سَواءٌ في ذَلِكَ (قرأْتَها) أي: الأحاديثَ بنفسِكَ عَلَى الشَّيْخِ (من حِفْظٍ) مِنْكَ، (اوْ كِتَابٍ) لَكَ، أَوْ لَهُ، أَوْ لغيرِكُما، (اوْ) - بالدّرجِ فِيهِ -، وفيما قبلَهُ (سَمِعْتَا) بقراءةِ غيرِكَ عَلَيْهِ من كتابٍ، كَذلِكَ، أَوْ حِفْظِهِ أَيْضًا، (والشَّيْخُ) في حالِ القراءةِ عَلَيْهِ (حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا) أنتَ، أَوْ غيرُكَ عَلَيْهِ.
(أَوْ لا) (٢) يَحْفَظُ، (ولكِنْ) يكونُ (أصلُهُ) مَعَهُ (يُمْسِكُهُ) هُوَ (بنفسِهِ، أَوْ ثِقَةٌ) غيرُهُ (مُمْسِكُهُ)، ولَو كَانَ هُوَ القارئُ فِيهِ، خلافًا لبعضِ الأصوليينَ، كَمَا سَيَأْتِي في التَّفْريعاتِ. وكأصلِهِ مَا قُوبِلَ عَلَيْهِ.
(قُلْتُ): و(كَذَا) الحُكْمُ (إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ) مَعَكَ (يَحْفَظُهُ) أي: المقروءُ (مَعَ استماعٍ) مِنْهُ لَهُ، وعدمِ غفلتِهِ عَنْهُ، (فاقْتَنِعْ) بِذَلِكَ.
وَكذا بخطِّ (٣) القَارئِ فَقَطْ، كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ (٤).
وتَرَكَ جَزْمَ «يَحْفَظُهُ» المفسِّرُ لِشَرْطِ «إنْ» للوزنِ، وَلَوْ قَالَ: «حَفِظَهُ» لَمْ يَحْتَجْ لِذلِكَ (٥)
٣٧٩ - وَأَجْمَعوُا أَخْذًا بِهَا، وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلاَفِ، وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا
٣٨٠ - وَالْخُلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي (٦) الأوَّلاَ أو دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ
٣٨١ - عَنْ (مَالِكٍ) وَصَحبْهِ وَمُعْظَمِ (كُوْفَةَ) وَ(الحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ)
٣٨٢ - مَعَ (البُخَارِيِّ) هُمَا سِيَّانِ وَ(ابْنُ أبِي ذِئْبٍ) مَعَ (النُّعْمَانِ)
٣٨٣ - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحّْ وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) نَحْوَهُ جَنَحْ
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٦، وفتح المغيث ٢/ ٣٠.
(٢) في (ق): «ولا».
(٣) في (ص) و(ق): «بحفظ».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٩٦ - ٩٧.
(٥) انظر: النكت الوفية: ٢٤٥/ ب.
(٦) في نسخة (ج) من متن الألفية: «يساوي».
[ ١ / ٣٦٤ ]
(وأَجمَعُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (أَخْذًا) أي: عَلَى صِحَّةِ الأخْذِ، والتَّحمُّلِ (بِها) أي: بالرِّوَايَةِ عَرْضًا، (وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلافِ) فِيْهَا، (وبِهِ) أي: بالخِلافِ (مَا اعْتَدُّوا) بَلْ عَمِلوا بِخِلافِهِ.
فَكانَ مَالِكٌ يُنكرُ عَلَى المخالفِ، ويقولُ: كَيْفَ لا يُجزيك هَذَا في الحَدِيْثِ، ويُجْزيكَ في القُرْآنِ، والقرآنُ أعظمُ (١)؟
(و) لَكِنْ (الخُلْفُ) بينَهُم (فِيْهَا) أي: في القراءةِ عَرْضًا (هَلْ تساوي) القِسْمَ (الأوَّلا) أي: السَّمَاعَ من لفظِ الشَّيْخِ، (أَوْ) هِيَ (دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ؟ فنُقِلاَ عَنْ مالكٍ (٢)، وصَحْبِهِ، ومُعْظَمِ) عُلَمَاءِ أَهْلِ (كوفَةَ) - بمنعِ الصرفِ -، (و) أَهْلِ (الحجازِ أَهْلِ الحرمِ) أي: مَكَّةَ (مَعَ البُخَارِيِّ، هُمَا) أي: أنَّهُما في الصِّحَّةِ (سيَّانِ) (٣).
(وابنُ أبي ذِئْبٍ) أَبُو الحارثِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرحمانِ بنِ المغيرةِ المدنيُّ (٤) (مَعَ) أَبِي حَنِيْفَةَ (النعمانِ) بنِ ثابتٍ (٥) (قَدْ رجَّحَا العَرْضَ) عَلَى السَّمَاعِ؛ لأنَّ الشَّيْخَ لَوْ سَهَا لَمْ يتهيَّأْ للطالبِ الردُّ عَلَيْهِ، إما لجهلِهِ، أَوْ لهيبةِ الشَّيْخِ، أَوْ لغيرِ ذَلِكَ، بخلافِ الطالبِ.
(وَعكْسُهُ) أي: ترجيحُ السَّمَاعِ مِنَ الشَّيْخِ عَلَى العَرْضِ (أصَحّْ)، وأَشْهَرُ، (وجُلُّ) أي: مُعظمُ (أَهْلِ الشَّرْقِ)، وخُراسَانَ (٦) (نحوَهُ جَنَحْ) أي: مَالَ.
وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُصيِّرُ العَرْضَ أَوْلى، كأنْ يَكُونَ الطالبُ أعلمَ، أَوْ أَضْبَطَ، أَوْ الشَّيْخُ في حالِ العَرْضِ أوعى مِنْهُ في حالِ قراءتهِ (٧).
_________________
(١) الكفاية: (٣٩٤ ت، ٢٧١ هـ).
(٢) انظر: المحدث الفاصل: ٤٢٠، والكفاية: (٣٩٣ت، ٢٧٠هـ)، والإلماع: ٧١.
(٣) وهو رواية عن أبي حنيفة، رواه عنه ابن كاس، انظر: المحدث الفاصل: ٤٢٦. ورواه عنه مكي بن إبراهيم. انظر: الكفاية: (٣٩١ ت، ٢٦٨ هـ).
(٤) الكفاية: (٤٠٠ ت، ٢٧٦ هـ).
(٥) الكفاية: (٤٠٠ ت، ٢٧٦ هـ)، والإلماع: ٧٣.
(٦) الإلماع: ٧٣. وصححه ابن الملقن في المقنع ١/ ٢٩٨، والعراقي في شرح التبصرة ٢/ ١٠٠.
(٧) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٤.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٣٨٤ - وَجَوَّدُوا فِيْهِ قَرَأْتُ أو قُرِىْ مَعْ وَ(أَنَا أَسْمَعُ) ثُمَّ عَبِّرِ
٣٨٥ - بِمَا مَضَى فِي أولٍ مُقَيِّدا (قِرَاَءةً عَلَيْهِ) حَتَّى مُنْشِدا
٣٨٦ - (أَنْشَدَنَا قِرَاَءةً عَلَيْهِ) لاَ (سَمِعْتُ) لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلاَ
(وَجَوَّدُوا فِيهِ) أي: رَأوا الأجودَ في أداءِ مَنْ سَمِعَ (١) عَرْضًا، أَنْ يَقُولَ: (قرأتُ) عَلَى فلانٍ، إن كَانَ العَرْضُ بقراءةِ نفسِهِ (أَوْ قُرِيْ) عَلَى فلانٍ إنْ كَانَ يقرأُ غيرُه (مَعْ) - بالإسكان - أي: مَعَ قولِهِ: (وأنا) -بإثباتِ الألفِ- (أَسْمَعُ) خشيةَ التدليسِ.
(ثُمَّ) يَلي ذَلِكَ عباراتُ السَّمَاعِ مقيَّدةً بِما يأتي، كَمَا ذَكرَها بقولِهِ: (عَبِّرِ) أنتَ عَنْ ذَلِكَ (بِما مَضى في أَوَّلٍ) أي: في القِسمِ الأَوَّلِ (مقيِّدا) لَهُ بِقولِك (٢):
(قراءةً عَلَيْهِ).
فَقُلْ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ بقراءتِي (٣)، أَوْ قراءةً عَلَيْهِ، وأَنا أسْمَعُ، أَوْ أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ بقراءتِي، أَوْ قِراءةً عَلَيْهِ، أَوْ أَنْبَأَنَا أَوْ نَبَّأنَا فُلاَنٌ بقراءتي، أَوْ قِراءةً عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ لَنَا فُلاَنٌ بقراءتي، أَوْ قِرَاءةً عَلَيْهِ، أَوْ نحوَ ذَلِكَ (٤).
(حَتَّى) وَلَوْ كنتَ (مُنْشِدا) نَظْمًا لغيرِكَ قرأتَهُ عَلَيْهِ، أَوْ سَمِعْتَهُ بقراءةِ غَيْرِكَ عَلَيْهِ، فَقُلْ: (أَنْشَدَنَا) فُلاَنٌ (قِرَاءةً عَلَيْهِ)، أَوْ بقراءتِي، أَوْ سَمَاعًا عَلَيْهِ.
(لا) أي: إلاَّ (سَمِعْتُ) فُلاَنًا، أَوْ مِنْهُ، فإنَّهُم لَمْ يجوِّزوهُ في العَرْضِ لصَراحَتِها في السَّمَاعِ مِن لفظِ الشَّيْخِ.
(لَكِنْ بَعْضُهُمْ) كالسُّفيانينِ، ومَالكٍ (٥) (قَدْ حَلَّلاَ) -بألِفِ الإطْلاقِ- ذَلِكَ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا قَالَ: سَمِعْتُ عَلَى فُلاَنٍ، وَحينئذٍ فالخِلافُ لَفْظِيٌّ.
_________________
(١) في (ق): «يسمع».
(٢) في (ص): «بقول».
(٣) في (ص): «بقراءتي عليه».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٢.
(٥) الإلماع: ٧١، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٣.
[ ١ / ٣٦٦ ]
٣٨٧ - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ وَالإِخْبَارِ مَنَعَهُ (أَحْمَدُ) ذُوْ الْمِقْدَارِ
٣٨٨ - (وَالنَّسَئِيُّ) وَ(التَّمِيْمِيْ يَحْيَى) وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) الْحَمِيْدُ سَعْيَا
٣٨٩ - وَذَهَبَ (الزُّهْرِيُّ) وَ(الْقَطَّانُ) وَ(مَالِكٌ) وَبَعْدَهُ (سُفْيَانُ)
٣٩٠ - وَمُعْظَمُ (الْكُوْفَةِ) وَ(الْحِجَازِ) مَعَ (الْبُخَارِيِّ) إلى الْجَوَازِ
٣٩١ - وَابْنُ جُرَيِجٍ وَكَذَا الأوزَاعِيْ مَعَ (ابْنِ وَهْبٍ) وَ(الإمَامُ الشَّافِعِيْ)
٣٩٢ - وَ(مُسْلِمٌ) وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ
٣٩٣ - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ (للنَّسَئيْ) مِنْ غَيْرِ مَا خِلاَفِ
٣٩٤ - وَالأَكْثَرِيْنَ وَهُوَ (١) الَّذِي اشْتَهَرْ مُصْطَلَحًا لأَهْلِهِ أَهْلِ الأَثَرْ
٣٩٥ - وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا قِرَاءَةَ الصَّحِيْحِ حَتَّى عَادَا
٣٩٦ - فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلًا: (أَخْبَرَكَا) إِذْ كَانَ قال أوَّلًا: (حَدَّثَكَا)
٣٩٧ - قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِيْنَ اشْتَرَطُوا إِعادَةَ اْلإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ
(ومُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ، والإخبارِ) ممَّنْ أخذَ عَرْضًا، بأنْ يَقُولَ: «حَدَّثَنَا»، أَوْ
«أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ» بِلا تَقْييدٍ بقراءتِه، أَوْ قراءةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ (مَنَعَهُ) الإمامُ (أَحْمَدُ ذُو الْمِقْدارِ) الجليلِ (٢)، (وَالنَّسَئِيُّ، والتَّمِيميْ) -بالإسكان لما مَرَّ- (يَحْيَى) بنُ يَحْيَى (٣)، (وابنُ الْمُبارَكِ) عَبْدُ اللهِ (٤) (الحميدُ سَعْيَا).
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ الباقِلاَّنِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ (٥).
_________________
(١) بتحريك الهاء؛ لضرورة الوزن، كما سينبه الشارح عليه.
(٢) المحدّث الفاصل: ٤٣٤، والكفاية (٤٣١ ت، ٢٩٩ هـ)، والإلماع: ١٢٥. وقول النّسائيّ نقله القاضي عياض في الإلماع: ١٢٥.
(٣) الإلماع: ١٢٥.
(٤) انظر: المحدث الفاصل: ٤٣٤، والكفاية: (٤٣٠ ت، ٢٩٨ هـ)، والإلماع: ١٢٥.
(٥) الكفاية: (٤٣٠ ت، ٢٩٨ هـ)، وصححه أيضًا الغزالي في المستصفى ١/ ١٦٥، والآمدي في الإحكام ٢/ ٩٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٠. وانظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
[ ١ / ٣٦٧ ]
(وذَهَبَ) الإمامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ شهابٍ (١) (الزُّهْرِيُّ، و) يَحْيَى بنُ سَعيدٍ (٢) (القطَّانُ)، والإمامُ أَبُو حَنِيْفَةَ (٣)، (و) الإمامُ (٤) (مَالِكٌ) في أحدِ قَوْلَيهِمَا، (وبَعْدَهُ سُفْيَانُ) بنُ عُيَيْنَةَ (٥)، والإمامُ أَحْمَدُ في أحدِ قوليهِ، (وَمُعْظَمُ) أهلَيِ (الكوفةِ (٦)، والحِجَازِ، مَعَ) الإمامِ (البُخَارِيِّ إلى الجوازِ) أي: جوازِ الإطْلاقِ، كَمَا في القِسْمِ الأَوَّلِ.
(وَابْنُ جُرَيجٍ) عَبْدُ الملكِ (٧)، (وَكَذا) أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الرحمانِ بنُ عَمْرٍو (٨)
(الأوزاعيْ، مَعَ ابنِ وَهْبٍ) عَبْدِ اللهِ (٩)، (والإمامُ الشَّافِعيْ، و) الإمامُ (مُسْلِمٌ (١٠)، وَجُلُّ) أي: أكثرُ (١١) (أَهْلِ الشَّرقِ، قَدْ جَوَّزُوْا) إطْلاَقَ (أَخْبَرَنَا)، دُوْنَ «حَدَّثَنَا»، (لِلْفَرْقِ) بينَهُما اصطلاحًا، وللتَّمييزِ بَيْنَ القِسْمَينِ (١٢).
_________________
(١) المحدّث الفاصل: ٤٢٨، والكفاية: (٤٣٨ ت، ٣٠٥ هـ)، والإلماع: ١٢٣.
(٢) المحدّث الفاصل: ٥٢٢، والكفاية: (٤٤٤ ت، ٣١٠ هـ)، والإلماع: ٧١.
(٣) انظر: المحدّث الفاصل: ٤٢٠ و٤٢٥ - ٤٢٦ و٤٢٨، والكفاية: (٤٤٠ - ٤٤١ ت، ٣٠٧ هـ)، وجامع بيان العلم ٢/ ١٧٥.
(٤) انظر: جامع بيان العلم ٢/ ١٧٥، والإلماع: ١٢٣.
(٥) انظر: صحيح البخاريّ ١/ ٢٣ عقب (٦٠)، والمحدث الفاصل: ٥١٨، والكفاية: (٤٢٤ ت، ٢٩٣ هـ)، والإلماع: ١٢٤.
(٦) انظر: الإلماع: ٧١ و١٢٣.
(٧) انظر: المحدّث الفاصل: ٤٣٣، والكفاية: (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هـ).
(٨) المحدث الفاصل: ٤٣١ - ٤٣٢، ومعرفة علوم الحديث: ٢٥٩، والكفاية: (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هـ)، والإلماع: ١٢٧.
(٩) الإلماع: ١٢٥ و١٢٧. ورواية الشّافعيّ أخرجها الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٤٢٥، والخطيب في الكفاية: (٤٣٥ ت، ٣٠٣ هـ)، والقاضي عياض في الإلماع: ٧٣، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥.
(١٠) الإلماع: ٧٣ و١٢٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٠.
(١١) في (ص): «معظم»، ورواه عن أهل المشرق القاضي عياض في الإلماع: ١٢٤ و١٢٥ و١٢٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥.
(١٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وَخُصَّ أَوَّلُهمَا بالتَّحديثِ، لقوةِ إشعارِهِ بالنُّطقِ، والْمُشَافَهَةِ. فلفظُ الإخْبَارِ أعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ.
(وَقَدْ عَزَاهُ) أي: القَوْلَ بِالْفَرْقِ، مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (١) التَّمِيميُّ الْجَوْهَرِيُّ (صاحِبُ " الإنْصَافِ "، للنَّسئِي مِن غَيْرِ مَا خِلافِ) -بزيادةِ مَا- أي: مِن غَيْرِ حِكايةِ خِلافٍ عَنْهُ.
وَهَذا خِلافُ مَا قَدَّمَهُ عَنْهُ، بَلْ ذاكَ هُوَ الْمَشْهورُ عَنْهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ (٢).
(والأَكْثَريْنَ) أي: وَعَزاهُ لِلأَكْثَرينَ مِن أَصْحَابِ الحَدِيْثِ.
(وَهُوَ) - بضم الهاء - (الَّذِي اشْتَهَرْ مُصْطَلَحًا)، مِن جِهةِ الاصْطِلاحِ (لأَهْلِهِ) أي: (أَهْلِ الأثرْ).
والاصْطِلاحُ، وإنْ كَانَ لا مُشَاحَّةَ فِيهِ، لَكِنْ خَطَّأَ جماعةٌ (٣) مَنْ خَرجَ عَنْهُ عِنْدَ الإلباسِ (٤)، كَمَا أشارَ إِليهِ بقوله:
(وبعضُ مَنْ قَالَ بِذا) أي: بالفرْقِ، وَهُوَ أَبُو حاتمٍ مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ الهَرَوِيُّ (٥)، (أعادَا قِرَاءةَ الصَّحِيحِ) للبخاريِّ بَعْدَ قِرَاءتِهِ عَلَى بَعْضِ رُواتِهِ عَنِ الفِرَبْرِيِّ (٦) (حَتَّى عَادَا) (٧) أي:
_________________
(١) هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن محمّد بن أحمد التميمي المصري الجوهري، كان من المعاصرين للنسائي وكتابه " الإنصاف فيما بين الأئمة في حدّثنا وأنبأنا من خلاف ". انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٦، وفتح المغيث ٢/ ٣١.
(٢) التقريب: ١٠٥.
(٣) منهم: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي. انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٦ - ٣٧.
(٤) في (ق): «الالتباس».
(٥) وهو أحد رؤساء الحديث بخراسان. قاله ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١. وحكاه السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٣٧.
(٦) هو أبو عبد الله، محمّد بن يوسف بن مطر الفربريّ، راوي الجامع الصّحيح عن البخاريّ، توفّي سنة (٣٢٠ هـ). قال صاحب الأنساب ٤/ ٣٣٤ عن الفربري: «بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة وبعدها راء أخرى. هذه النسبة إلى فربر. وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى». ومثل هذا في وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٠. وفي التاج ١٣/ ٣١١: «فربر: ك: سبحل، وضبط بالفتح أيضًا، وذكر الحافظ في التبصير الوجهين»، وبالوجهين في سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٢، ومعجم البلدان ٤/ ٢٤٥.
(٧) في (م): «أعادا» خطأ.
[ ١ / ٣٦٩ ]
رَجَعَ (في كُلِّ مَتْنٍ) حالةَ كونِهِ (قَائِلًا) فِيهِ: (أَخْبَرَكَا) الفِرَبْرِيُّ (إِذْ) أي: لكونِهِ
(كَانَ قَالَ) لَهُ (أَوَّلًا) لِظَنِّهِ أنَّه سَمِعَهُ مِن لَفْظِ الفِرَبْريِّ: (حَدَّثَكَا) الفِرَبْرِيُّ.
بَلْ قَالَ لَهُ: تَسْمَعُني أَقُولُ حَدَّثَكُم الفِرَبْرِيُّ، فَلا تُنْكِرُ عَلِيَّ، مَعَ عِلْمِكَ بِأَنَّكَ إنّما سَمعتَهُ مِنْهُ قراءةً عَلَيْهِ (١).
(قُلْتُ: وَذَا رأيُ الّذينَ اشْتَرَطُوا إعادةَ الإسنادِ) في كُلِّ مَتْنٍ، وَلَوْ مَعَ اتحادِ السَّنَدِ، وإلاّ لاكْتَفى بِقوْلِهِ: أَخْبرَكُمْ الفِرَبْرِيُّ بجميعِ " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ " مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ قراءةِ جَمِيْعِ الكتابِ، ولا تكرُّرِ الصِّيغةِ في كُلِّ متنٍ.
(وَهْوَ) أي: اشتِراطُ الإعادةِ (شَطَطُ) أي: جَوْرٌ، وَالصَّحِيحُ (٢): خلافُهُ، كَمَا سَيأتي في الروايةِ مِنَ النُّسْخِ التي إسنادُها واحدٌ (٣).
تَفْرِيْعَاتٌ
(تَفْرِيْعَاتٌ) سَبعةٌ لهذينِ القِسْمَينِ:
أوَّلُهَا: فِيْمَا إذَا لَمْ يَحْفَظِ الشَّيْخُ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ، وأمسكَ الأصلَ عَدْلٌ ضابطٌ، وَهُوَ مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
٣٩٨ - وَاخْتَلَفُوا إِنْ أَمْسَكَ الأَصْلَ رِضَا وَالشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا
٣٩٩ - فَبَعْضُ نُظَّارِ الأُصُوْلِ يُبْطِلُهْ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثْيِنَ (٤) يَقْبَلُهْ
٤٠٠ - وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ مُمْسِكُهُ فَذَلِكَ (٥) السَّمَاعُ رَدّْ
_________________
(١) الكفاية: (٤٣٦ ت، ٣٠٣ - ٣٠٤ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١، ومحاسن الاصطلاح: ٢٥٢ - ٢٥٣، وشرح التبصرة ٢/ ١٠٦، وفتح المغيث ٢/ ٣٧. وقد شكك الزّركشيّ في هذه القصة في نكته ٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧ ثمّ قال: «فكأن هذه الحكاية لم تصح».
(٢) في (ص): «جوزوا الصّحيح».
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠١، وشرح التبصرة ٢/ ١٠٧، وفتح المغيث ٢/ ٣٧.
(٤) في نسخة (أ) من متن الألفية: «المحققين».
(٥) في النفائس: «فذاك»، وهو خطأ في الوزن.
[ ١ / ٣٧٠ ]
(وَاخْتَلَفُوا) أي: العلماءُ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، وَغَيْرِهِم (إنْ أَمْسَكَ الأَصْلَ) حِيْنَ القِرَاءةِ عَلَى الشَّيخِ (رِضَا) أي: مَرْضِيٌّ في العدالةِ والضبطِ، وَكَانَ سَامِعًا، (والشَّيْخُ لا يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا) عَلَيْهِ، هَلْ يَصِحُّ السَّمَاعُ أَوْ لاَ؟
(فَبَعْضُ نُظَّارِ الأُصُولِ) كإمامِ الْحَرمينِ (١) (يُبْطِلُهْ، وأكْثرُ الْمُحَدِّثِيْنَ)، بَلْ كُلُّهم، كَمَا اقْتَضاهُ كلامُ القاضِي عِياضٍ (٢)، (يَقْبلُهْ، واخْتَارَهُ الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٣)، وَعَلَيْهِ العَمَلُ.
(فإنْ لَمْ يُعتَمَدْ) ببنائِهِ للمفعولِ، (مُمْسِكُهُ) أي: مُمْسِكُ الأصلِ، أَوْ القارئ، (فذلكَ السَّمَاعُ ردّْ) أي: مَرْدُودٌ (٤).
وَهَذا تَصْرِيحٌ بما عُلِمَ مِنْ قَولِهِ: «رِضَا».
أما إذَا كَانَ الْمُمْسِكُ الرِّضَا قارئًا، فَلَمْ يُبطلِ السَّمَاعَ إلاَّ بَعْضُ مَنْ شدَّدَ في الرِّوَايَةِ.
٤٠١ - وَاخْتَلَفُوا إنْ سَكَتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًا، فَرآهُ الْمُعْظَمْ
٤٠٢ - وَهْوَ الصَّحِيْحُ كَافِيًا، وَقَدْ مَنَعْ بَعْضُ أولي الظَّاهِرِ مِنْهُ، وَقَطَعْ
٤٠٣ - بِهِ (أبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي) ثُمَّ (أبُو إِسْحَاقٍ (٥) الشِّيْرَازِيْ)
٤٠٤ - كَذَا (أبُو نَصْرٍ) وَقال: يُعْمَلُ بِهِ وَألْفَاظُ الأَدَاءِ الأَوَّلُ
ثانيها: فِيْمَا إذَا سَكَتَ الشَّيْخُ بَعْدَ قَوْلِ الطَّالِبِ لَهُ: «أخبرك فُلاَنٌ». أَوْ نحوَهُ. وَهُوَ مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(واخْتَلَفُوا) أَيْضًا، (إنْ سَكَتَ الشَّيْخُ) المتيقظُ الْمُختارُ بَعْدَ قَوْلِ الطَّالِبِ لَهُ: «أخبرك فلانٌ»، أَوْ قُلْتَ: أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ، أَوْ (٦) نَحْوَ ذَلِكَ، مَعَ فَهْمِهِ لِما قَالَهُ بأنْ لَمْ
_________________
(١) البرهان ١/ ٤١٣ (٥٨٦).
(٢) الإلماع: ٧٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢. ونقله عن بعض أئمة الأصول، وتعقبه الزّركشيّ في نكته ٣/ ٤٨٨: «والعجب من المصنف في عزوه ذلك لبعض الأصوليين، وقد نقله الحاكم عن مالك وأبي حنيفة»، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٤٠.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢. وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٨.
(٥) بالصرف؛ لضرورة الوزن، وسينبه الشارح على ذلك.
(٦) سقطت من (ق).
[ ١ / ٣٧١ ]
يُنْكِرْهُ، (وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًا) بِقولِهِ: نَعَمْ، أَوْ نَحْوِه، ولا إيماءً كأنْ يومِئَ بِرأسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الطَّالِبِ أنَّ سُكوتَهُ إجابةٌ.
(فَرآهُ الْمُعْظَمْ) مِنَ العُلَمَاءِ (١) (- وَهْوَ الصَّحِيحُ - كَافِيًا) في صحَّةِ السَّمَاعِ؛ إِذْ سُكوتُه عَلَى الوجهِ المذكورِ، كإقرارِه لفظًا.
ولأنَّه لا يَليقُ بدِيْنِ الشَّيْخِ (٢) إقرارٌ عَلَى الخطإِ في مثلِ ذَلِكَ.
وَحينئِذٍ فَيؤدِّي بألفاظِ العَرْضِ كُلِّها.
(و) لَكِنْ (قَدْ مَنَعْ بَعْضُ أولي الظَّاهِر)، والحديثِ أَيْضًا، (مِنْهُ) أي: مِنَ الاكتفاءِ بِذَلِكَ، فاشترَطوا إقرارَه بِذَلِكَ لَفْظًا (٣).
(وَقَطَعْ بِهِ) مُطْلَقًا مِنَ الشَّافِعيّةِ (أَبُو الفَتْحِ سُلَيْمُ) بتركِ التنوينِ (٤) (الرَّازِيْ، ثُمَّ) الشَّيْخُ (أَبُو إسْحَاقٍ (٥» -بالصرفِ للوزنِ- (الشِّيْرَازِيْ) و(كَذَا أَبُو نَصْرٍ) ابنُ الصَّبَّاغِ (٦).
(و) لَكِنْ (قَالَ: يُعْمَلُ بِهِ) أي: بالمرويِّ، إذَا أدَّى بما يأتي، حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: (وأَلْفَاظُ الأَدَاءِ) لِمَنْ سَمِعَ، أَوْ قرأَ كَذلِكَ، وأرادَ (٧) روايتَهُ، هِيَ الألفاظُ
_________________
(١) قال القاضي عياض في إلماعه: ٧٩: «وهذا مذهب الجمهور من المحدّثين والفقهاء والنظّار».
(٢) «الشّيخ»: لم ترد في (ص) و(م).
(٣) انظر: الإحكام ٢/ ٢٧٢، والإلماع: ٧٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٩. وبه عمل جماعة من مشايخ أهل المشرق وأئمتهم.
(٤) بعد هذا في (م): «للوزن». ولم ترد في شيء من النسخ الخطية. ورواية أبي الفتح نقلها ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢، والزركشي في البحر المحيط ٤/ ٣٨٩.
(٥) اللمع: ٤٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٩ - ١١٠. وقال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٠: «وما قاله ابن الصباغ من أنه لا يطلق فيه حدّثنا ولا أخبرنا هو الذي صححه الغزالي وحكاه الآمدي عن المتكلمين وصححه. وحكى الآمدي تجويزه عن الفقهاء والمحدثين، وصححه ابن الحاجب، وحكى عن الحاكم إنه مذهب الأئمة الأربعة». انظر: المستصفى ١/ ١٦٥، والإحكام ٢/ ٣٢٨، لكنّه لم يسنده للمتكلمين، ومنتهى الأصول: ٨٣، ومعرفة علوم الحديث: ٢٥٩ - ٢٦٠، ونكت الزركشي ٣/ ٤٨٩، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢٠.
(٧) في (ق): «وأداء».
[ ١ / ٣٧٢ ]
(الأوَّلُ) المتَّفقُ عَلَيْهَا (١). وَهِيَ: «قرأتُ عَلَيْهِ»، أَوْ «قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنا أَسْمعُ»، لاَ جميعُها، فَلا تقلْ «حَدَّثَني»، ولا «أَخْبَرَنِي»، ولا «سَمِعْتُ».
بَلْ قَالَ صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ ": لَوْ أشارَ الشَّيْخُ بِرأسِهِ، أَوْ إصْبَعِهِ، للإقرارِ بِهِ، وَلَمْ يَتَلَفظْ، لَمْ يقلْ ذَلِكَ (٢).
قَالَ النَّاظِمُ: وفيه نظرٌ (٣). أي؛ لأنَّ الإشارةَ بِذَلِكَ، كالنطقِ في الإعلامِ بِهِ، وَهُوَ ظاهِرُ هَذَا.
والْمُعتمَدُ الجوازُ، وإنْ لَمْ يُشِرْ، كَمَا مَرَّ عَنْ الْمُعظَمِ، غَايتُه أنَّه فوَّتَ المستحبَّ، وَهُوَ الإقرارُ بِهِ لَفْظًا.
٤٠٥ - وَالْحَاْكِمُ اخْتَارَ الَّذِي قَدْ عَهِدَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوْخِ فِي الأَدَا
٤٠٦ - حَدَّثَنِي فِي الْلَفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا وَاجْمَعْ ضَمِيْرَهُ إذا تَعَدَّدَا
٤٠٧ - وَالْعَرْضِ (٤) إِنْ تَسْمَعْ فَقُلْ أَخْبَرَنَا أو قَارِئًا (أَخْبَرَنِي) واسْتُحْسِنا
٤٠٨ - وَنَحْوُهُ عَنِ (ابْنِ وَهْبٍ) رُوِيَا وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ لَكِنْ رُضِيَا
٤٠٩ - وَالشَّكُ فِي الأَخْذِ أكَانَ وَحْدَهْ أو مَعْ (٥) سِوَاهُ؟ فَاعِتَبارُ الْوَحْدَهْ
٤١٠ - مُحْتَمَلٌ لَكِنْ رأى الْقَطَّانُ اَلْجَمْعَ فِيْمَا أوْ هَمَ الإِْنْسَانُ
٤١١ - فِي شَيْخِهِ مَا قَالَ وَالْوَحْدَةَ قَدْ اخْتَارَ فِي ذَا الْبَيْهَقِيُّ وَاعْتَمَدْ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٢ - ٣٠٣، والإرشاد ١/ ٣٥٦، والمقنع ١/ ٣٠٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٠٩ - ١١٠، وفتح المغيث ٢/ ٤٣.
(٢) المحصول ٢/ ٢٢٢، وطبعة العلواني ٢/ ١/٦٤٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٠.
(٤) قال البقاعي ٢٤٨ / ب: «والعرض - بالجر - عطفًا على قوله: اللفظ، والمقول محذوف أي: واختار في العرض هذا التفصيل وهو أنك: إن تسمع بقراءة غيرك إلى آخره، ويجوز أن يرفع على أنه مبتدأ وخبره جملة الشرط بتقدير رابط أي: إن تسمع فيه أي: إن تكن سامعًا فقل: أخبرنا، أو تكن قارئًا فقل: أخبرني». وكذا في جميع النسخ الخطية، وفي النفائس، وفتح المغيث بالنصب.
(٥) بتسكين العين كما قال الشارح.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثالثُها: في افتراقِ الحالِ بَيْن صيغةِ المنفردِ، وصيغةِ مَنْ في جماعةٍ.
وَهُوَ مَا ذَكَرهُ بِقولِهِ:
(والْحَاكِمُ اخْتَارَ) الأَمْرَ (١) (الذِي قَدْ عَهِدَا) هُوَ (عَلَيْهِ أكْثَرَ الشُّيُوْخِ) لَهُ، وأئمةِ عَصْرِه (في) صيغِ (الأدا)، وَهُوَ أنْ يقولَ: (حَدَّثَنِي) فلانٌ (فِي) مَا يَتَحَمَّلُهُ عَنْ شيخِهِ بِصَرِيحِ (اللفظِ، حَيْثُ انْفَرَدَا) عَنْ غيرِهِ بالسَّماعِ.
(واجْمَعْ) أَنْتَ (ضَمِيرَهُ) أي: مَا تحملتَهُ، فَقُلْ: «حَدَّثَنَا» (إذَا تَعدَّدا) أي: مَنْ تَحمَّل بأنْ كَانَ مَعَكَ وقتَ السَّمَاعِ غيرُك، وَفِي عبارتِهِ التِفَاتٌ.
(و) اختارَ أَيْضًا فِيْمَا تَتَحَمّلُه عَنْ شيخِكَ في (الْعَرْضِ) أنَّكَ (إنْ تَسْمَعْ) بقراءةِ غيرِك، (فقل: أَخْبَرَنَا) بالْجَمْعِ، (أَوْ) إن تكن (قارِئًا)، فَقُلْ: (أخْبَرنِي) بالإفرادِ، (واستُحْسِنَا) ذَلِكَ مِن فاعِلِهِ.
(ونحوُهُ عَنِ ابنِ وَهْبٍ) عَبْدِ اللهِ (رُوِيَا). رَوَى عَنْهُ التِّرمذيُّ (٢)، وغيرُهُ (٣) أنَّه قَالَ: «مَا قُلْتُ: «حَدَّثَنَا» فَهُوَ مَا سَمِعتُ مَعَ النّاسِ، وَمَا قُلْتُ: «حَدَّثَني» فَهُوَ مَا سمعتُ وحدي، ومَا قُلْتُ: «أَخْبَرَنَا»، فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى العالِمِ، وأنا شاهدٌ (٤)، ومَا قُلْتُ: «أخْبرني»، فَهُوَ مَا قرأتُ عَلَى العالِمِ».
قَالَ الناظمُ: «وَفِي (٥) كلامِ الحاكمِ، وابنِ وَهْبٍ، أنَّ القارئَ يَقُولُ: «أخبرني» سواءٌ أسَمِعَ (٦) مَعَهُ غيرُهُ أَمْ لا» (٧).
وَقضيتُهُ أنَّ التَّفْصيلَ لَيْسَ بواجبٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ:
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٢٦٠.
(٢) العلل الصغير ٦/ ٢٤٥.
(٣) الكفاية: (٤٢٥ ت، ٢٩٤ هـ)، والإلماع: ١٢٦ - ١٢٧.
(٤) في (ق): «مشاهد».
(٥) في (ص): «وذي».
(٦) في شرح التبصرة والتذكرة: «سمع».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
(وَلَيْسَ) مَا ذكرَ مِنَ التَّفْصيلِ (بالوَاجبِ) عِنْدَهُم، (لَكِنْ رُضِيَا) أي: اسْتُحِبَّ لِلتَّمييزِ بَيْن أحوالِ التَّحمُّلِ (١).
وَمَحلُّه: إذَا عَلِمَ صُورةَ حَالِ الأخذِ عَنِ الشَّيخِ.
(وَ) أما إذَا وقعَ (الشَّكُّ في الأخذِ) عَنْهُ مِن لَفْظِهِ (أكانَ وَحْدَهْ)؟ فيأتي بـ: حَدَّثَني، (أَوْ) كَانَ (مَعْ) - بالإسكانِ - (سواهُ) فيأتي بـ: «حَدَّثَنَا».
(فَاعْتِبَارُ الوحْدهْ) أي: القولِ بِهِ (مُحْتَمَلٌ)؛ لأنَّ الأَصْلَ عدمُ غيرِهِ (٢).
وَكَذا لَوْ شَكَّ في أخْذِهِ عَنْهُ عَرْضًا أكانَ مِن قَبيلِ «أَخْبَرَنَا»، لكونِهِ مَعَ غيرِه، أَوْ «أَخْبرنِي»، لكونِهِ وَحْدَهُ؟، والأصلُ عدمُ غيرِهِ (٣).
لَكِنْ حَكى الخطيبُ (٤) عَنِ البَرقَاني، أنَّهُ كَانَ يَقُولُ في هَذَا: «قَرَأْنا».
قَالَ النَّاظِمُ (٥): «وَهُوَ حَسَنٌ».
لأنَّ سَمَاعَ نفسِه مُتَحَقِّقٌ، وقراءتَهُ شَاكٌّ فِيْهَا، والأَصْلُ عدمُها.
ولأنَّ إفرادَ الضَّميرِ يَقْتَضي قراءتَه بِنَفْسِه، وجمعَهُ يمكنُ حملُهُ عَلَى قراءةِ بعضِ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ، بَلْ لَوْ تحقَّقَ أنَّ الَّذِي قرأَ غيرُهُ، فَلا بأسَ أَنْ يَقُولَ: «قرأنا».
قالَهُ: أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ حِيْنَ سُئِلَ عَنْهُ (٦).
وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ (٧): «قرأنا عَلَى مالكٍ مَعَ أنَّه إنَّما قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ». انتهى.
_________________
(١) كما صرح به الخطيب. انظر: الكفاية (٤٢٥ - ٤٢٨ ت، ٢٩٤ - ٢٩٦ هـ). وذكر ذلك السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٤٤.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٤، والإرشاد ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، والمقنع ١/ ٣٠٤، والتقييد: ١٧٢، وفتح المغيث ٢/ ٤٥.
(٣) قال العراقي في شرح التبصرة ٢/ ١١٣: «وفيه نظر؛ لأن قبيل أخبرني أن يكون هو الذي قرأ بنفسه على الشّيخ على ما ذكره ابن الصّلاح، وعلى هذا فهو يتحقق سماع نفسه، ويشك هل قرأ بنفسه أم لا؟ والأصل: أنّه لم يقرأ» وانظر: النكت الوفية: ٢٤٩/ب.
(٤) الكفاية: (٤٣١ ت، ٣٠٠ هـ).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٤.
(٦) الكفاية: (٤٣٢ ت، ٣٠٠ هـ).
(٧) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ويُمْكِنَ حَمْلُ كلامِ مَنْ اختارَ «أخبرني» عَلَى مَنْ تحقَّقَ قراءةَ نفسِهِ، وشكَّ: هَلْ سمعَ مَعَهُ غيرُهُ أَوْ لا؟
ثُمَّ إذَا شَكَّ في القِرَاءةِ أَيْضًا لاَ يَتعيَّنُ «قرأنا»، بَلْ مثلُه «أَخْبَرَنَا»، كَمَا يُفهَمُ بالأولى.
(لَكِنْ رأى) يَحْيَى بنُ سعيدٍ (١) (القطَّانُ الجَمْعَ) بـ: حَدَّثَنَا في مَسْأَلَةٍ تُشبِهُ الأولى، وَهِيَ:
(فِيْمَا) إذَا (أَوْهَمَ) أي: وَهِمَ بمعنى: شَكَّ (الإنسانُ في) لفظِ (شيخِهِ مَا) الذي (قَالَ)؟ أحَدَّثَني أَوْ حَدَّثَنَا؟
قَالَ ابنُ الصلاحِ: وَمُقْتَضاهُ الْجَمْعُ في تِلْكَ أَيْضًا (٢).
قَالَ: وَهُوَ عِنْدي يتوجَّهُ (٣) بأنَّ «حَدَّثَني» أكملُ مرتبةً، فيقتصرُ في حالَةِ الشكِّ عَلَى النَّاقصِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ الزَّائدِ، وَهذا لَطيفٌ (٤). انتهى.
(والْوَحْدَةَ) بالنَّصْبِ بـ: اختار - أي: و(قَدْ اختَارَ) صِيغةَ «حَدَّثَني» (في ذَا) الفرعِ (الْبَيهقِيُّ) بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ القَطَّانِ (٥)، (واعْتَمَدْ) مَا اخْتَارَهُ، وَعَلَّلَهُ بأنَّه لا يشكُّ في واحدٍ (٦)، وإنَّما الشَّكُّ في الزائِدِ، فيُطْرحُ الشكُّ ويبنى عَلَى اليَقينِ (٧).
٤١٢ - وَقَالَ (أَحْمَدُ): اتَّبِعْ لَفْظًا وَرَدْ لِلشَّيْخِ فِي أَدَائِهِ وَلاَ تَعَدْ (٨)
٤١٣ - وَمَنَعَ الإبْدَالَ فِيْمَا صُنِّفَا - الشَّيْخُ - لَكِنْ حَيْثُ رَاوٍ عُرِفَا
٤١٤ - بِأَنَّهُ سَوَّى فَفِيْهِ مَا جَرَى فِي النَّقْلِ باِلْمَعْنَى، وَمَعْ ذَا فَيَرَى
_________________
(١) انظر: الكفاية: (٤٢٣ ت، ٢٩٣ هـ).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٤، وعبارته: «وهذا يقتضي فيما إذا شكّ في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول: «حدّثنا»».
(٣) في (ع): «متوجّه».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٤.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٤.
(٦) في (ص): «أحد».
(٧) فتح المغيث ٢/ ٤٦.
(٨) أصلها: تتعدّى، فحذفت التاء الأولى تخفيفًا، ولام الفعل للجزم بالنهي، والمراد: لا تتجاوز لفظه وتبدله بغيره. انظر: النكت الوفية ٢٤٩/ ب، وفتح المغيث ٢/ ٤٦.
[ ١ / ٣٧٦ ]
٤١٥ - بِأَنَّ ذَا فِيْمَا رَوَى ذُو الطَّلَبِ بِالْلَفْظِ لاَ مَا وَضَعُوا فِي الْكُتُبِ
ورابعُها: في التقيُّدِ بلفظِ الشَّيْخِ (١)، وَهُوَ مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(وَقَالَ) الإمامُ (أَحْمَدُ) بنُ حنبلٍ (٢): (اتَّبِعْ) أنت (لَفْظًا وَرَدْ لِلشَّيْخِ في أَدَائِهِ) لَكَ مِن «سمعتُ»، و«حَدَّثَنَا»، و«حَدَّثَني»، ونحوِها.
(وَلاَ تَعَدْ) - بفتح العينِ وحذفِ التاء -، وأصلُهُ تَتَعَدَّ أي: لا تتجاوزْ لفظَهُ، فقُلْ مثلًا: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ وفلانٌ عَنْ فُلاَنٍ، قَالَ: أوَّلُهمَا «حَدَّثَنَا»، وَقَالَ ثانيهما:
«أَخْبَرَنَا»، فَلا تُبدِّل شَيئًا مِن أَلفاظِهِ (٣) بغيرِهِ.
(وَ) كَذَا (مَنَعَ الإبدالَ) لـ: حَدَّثَنَا بـ: أخبرَنا، أَوْ بِعَكْسِهِ، أَوْ نحوِهِ
(فِيْمَا صُنِّفَا) بِبِنَائِهِ لِلْمَفعولِ - مِنَ الكُتُبِ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٤)؛ لاحْتِمَالِ أنَّ قَائلَ ذَلِكَ، لا يَرَى التَّسويةَ بَيْنَ الصِّيغتينِ (٥).
(لَكِنْ) استدراكٌ عَلَى الأَوَّلِ (حَيْثُ راوٍ عُرِفَا) ببنائِهِ لِلمَفْعُولِ (بأنَّهُ سَوّى) بينهُما (فَفِيهِ) حينئذٍ (مَا جَرى) مِنَ الخِلافِ (في النَّقْلِ بالْمَعْنَى.
وَمَعْ) -بالإسكانِ- (ذا) أي: جريانِ الخلافِ (فَيَرَى) ابنُ الصَّلاحِ (٦) (بأنَّ ذَا) أي: الخلافَ (فِيْمَا رَوَى ذُو الطَّلَبِ) أي: الطالبُ مما (٧) تحمَّلَهُ (بالْلَفظِ) مِنْ (٨) شيخِهِ، (لاَ) في (مَا وَضَعُوا) أي: الْمُصَنِّفونَ (فِي الكُتُبِ) الْمُصنَّفةِ، فإنَّ ذَلِكَ يمتنعُ تغيِيْرُهُ قَطْعًا، سواءٌ أرويناه في التَّصْنيفاتِ (٩)، أَمْ نَقَلْنَاهُ مِنْهَا لَفظًا، أَوْ إلى تَخارِيجِنا، أَوْ أجزائِنا، كَمَا سيأتي في الرِّوَايَةِ بالمعنى.
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ٤٦.
(٢) الكفاية: (٤٢٣ ت، ٢٩٣ هـ).
(٣) في (ق): «لفظه».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥.
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٦، وفتح المغيث ٢/ ٤٦.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥، وانظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٤٩٢.
(٧) في (ص): «من».
(٨) في (م): «عن».
(٩) في (ق): «المصنفات».
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَضَعَّفَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (١)، بأنَّ النَّقلَ مِنْهَا لا يَنْبَغِي منعُهُ أخذًا مِن تعليلِ المنعِ بتغييرِ التَّصْنيفِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَغْييرُ التَّصْنيفِ (٢). أي: وإنْ كَانَ فِيهِ تَغْييرُ عِبارةِ المصنِّفِ.
٤١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ مِنْ نَاسِخٍ، فَقَالَ بَامْتِنَاعِ
٤١٧ - (الإِسْفَرَاييِنِيْ) مَعَ (الْحَرْبِيِّ) وِ (ابْنِ عَدِيٍّ) وَعَنِ (الصِّبْغِيِّ)
٤١٨ - لاَ تَرْوِ تَحْدِيْثًا وَإِخْبَارًا، قُلِ حَضَرْتُ وَالرَّازِيُّ وَهْوَ الْحَنْظَلِيْ
٤١٩ - وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) كِلاَهُمَا كَتَبْ وَجَوَّزَ (الْحَمَّالُ) وَالشَّيْخُ ذَهَبْ
٤٢٠ - بِأَنَّ خَيْرًا مِنْهُ أَنْ يُفَصِّلاَ فَحَيْثُ فَهْمٌ صَحَّ، أولاَ بَطَلاَ
٤٢١ - كَماَ جَرَى لِلدَّارَقُطْنِيْ حَيْثُ عَدْ إِمْلاَءَ (إِسْمَاعِيْلَ) عَدًّا وَسَرَدْ
خامسُها: في النَّسْخِ والكلامِ ونحوهِما - مِنَ (٣) الشَّيْخِ أَوْ الطَّالِبِ - وقتَ التحمُّلِ، وسنِّ (٤) الإجازةِ مَعَ السَّمَاعِ، وَهُوَ مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(واخْتَلَفوا) أي: العُلَمَاءُ (في صِحَّةِ السَّمَاعِ مِن نَاسِخٍ) وقتَ القراءةِ مُسْمِعًا كَانَ أَوْ سامعًا؛ (فَقَالَ بامْتِنَاعِ) ذَلِكَ مُطْلَقًا: الأستاذُ أَبُو إسْحَاقَ (الإسْفَرايينيْ) (٥) -بفتح الفاء وكسر الياء- (مَعَ) أبي إسحاقَ إبراهيمَ (الحربيِّ) نسبةً إلى «حَرْبِيَّة» (٦) مَحَلَّةٍ ببغدادَ (و) أبي أَحْمَدَ (ابنِ عديٍّ) في آخرينَ (٧).
_________________
(١) الاقتراح: ٢٤٥.
(٢) قال الحافظ العراقي: «قلت: لا نسلم أنه يقتضي ذلك، بل آخر كلام ابن الصّلاح يشعر: أنه إذا نقل حديث من كتاب وعزي إليه، لا يجوز فيه الإبدال سواءٌ أنقلناه في تأليفٍ لنا أم لفظًا؟ والله أعلم». شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٧، وانظر: المقنع ١/ ٣٠٧.
(٣) في (م): «عن».
(٤) في (ص): «وفي السّن».
(٥) نقله عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥.
(٦) في (م) و(ق): «حربة»، وما أثبتناه من (ص) و(ع)، وهو الموافق لما في الأنساب ٢/ ٢٣٤، ومراصد الاطلاع ١/ ٣٩٠، والتاج ٢/ ٢٥٧.
(٧) أسنده عنهما الخطيب البغدادي في الكفاية: (١٢٠ ت، ٦٦ هـ).
[ ١ / ٣٧٨ ]
لأنَّ الاشتغالَ بالنَّسْخِ مُخِلٌّ بالسَّماعِ.
(وَ) جاءَ نحوَهُ (عَنِ) أَبِي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ إسحاقَ (الصِّبْغِيِّ) - بكسرِ الصاد المُهْمَلَةِ -، نسبةً إلى أبيهِ؛ لأنَّهُ كَانَ يبيعُ الصِّبَغَ (١).
فإنَّهُ قَالَ: (لاَ تَرْوِ) أَنْتَ مَا سَمِعْتَهُ عَنْ شَيخِكَ في حالِ نَسْخِهِ، أَوْ نَسْخِكَ
(تَحْديْثًا وإخْبَارًا).
أي: فَلا تقلْ: «حَدَّثَنَا»، ولا «أَخْبَرَنَا»، بَلْ (قُلِ: حَضَرْتُ)، كَمَا يقولُه مَنْ أدَّى مَا تحمَّلَهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ فَهْمِهِ الخطابَ.
(و) لَكِنْ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بنُ إدريسَ (٢) (الرَّازِيُّ، وَهْوَ الْحَنْظَلِيْ) نسبةً إلى
«دَرْبِ حَنْظَلَةَ» بالرِّي، (وابنُ الْمُبارَكِ (٣) كِلاَهُمَا كَتَبْ).
أي: نَسَخَ أَوَّلَهما في حالِ تحمُّله عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ الفَضْلِ عَارِمٍ، وعِنْدَ عَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ (٤)، وثانيهِما فِي حالِ تحديثِهِ.
وَذلكَ عَنْهُمَا (٥) يقتضِي جوازَهُ، وعدمَ وجوبِ ذِكْرِ الحضورِ.
(و) كَذَا (جوَّزَ): مُوسى بنُ هارونَ (الحمَّالُ) (٦) بالمهملةِ - وغيرُهُ.
(والشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٧)، كغيرِهِ، (ذهبْ) إلى القولِ: (بأنَّ خيرًا مِنْهُ) أي: مِمّا ذُكِرَ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بالجوازِ، والقولِ بِالْمَنَعِ (أَنْ يُفَصِّلا) -بألفِ الإطلاقِ-.
(فَحَيْثُ) صَحِبَ النَّسْخَ (فَهْمٌ) لِلمَقْروءِ (صَحَّ) السَّمَاعُ، (أَوْ لاَ) يَصْحَبُه ذَلِكَ، وَصَارَ كأنَّه صَوْتٌ غُفْلٌ، (بَطَلاَ) أي: السَّمَاعُ، وَصَارَ حضورًا.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٥، وانظر: في ضبط اسمه وترجمته الأنساب ٣/ ٥٣٠، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٨٣، والتاج ٢٢/ ٥١٤.
(٢) الكفاية (١٢١ ت، ٦٧ هـ). وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦.
(٣) المصدران السابقان.
(٤) الكفاية: (١٢١ ت، ٦٧ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦، وشرح التبصرة ٢/ ١١٨
(٥) في (ق) و(ع): «منهما».
(٦) الكفاية: (١٢٢ ت، ٦٧ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١١٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والعملُ عَلَى هَذَا، وَقَدْ كَانَ يَفْعَلُهُ شيخُنا، بَلْ ويُفتي (١)، وَيَردُّ عَلَى القارئِ.
(كَمَا جَرَى لِلدَّارَقُطْنِيْ) (٢) نِسبةً إلى «دارِ القُطنِ» بِبغدادَ. إِذْ حَضَرَ في حَداثَتِهِ إملاءَ أَبِي عَلِيٍّ إِسْمَاعِيْلَ الصَّفَّارِ، فَرآهُ بَعْضُ الْحَاضِرينَ يَنْسَخُ، فَقَالَ لَهُ: لا يَصِحُّ سماعُك، وأنت تَنْسَخُ.
فَقَالَ لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَهْمِي للإملاءِ خلافُ فَهْمِكَ.
ثُمَّ استَظْهَرَ عَلَيْهِ (حَيْثُ عدْ إملاءَ إِسْمَاعِيْلَ) المذكورِ، أي: عَدَّ مَا أملاهُ
(عَدًّا)، وأخبرَ أنَّهُ ثمانيةَ عَشَرَ حَدِيثًا - فعدَّ فوجدَ كَمَا أخبر - بَعْدَ أنْ قَالَ لِلمُنْكِرِ عَلَيْهِ: أتحفظُ كَمْ أَمْلى حَدِيثًا إلى الآنَ؟ فَقَالَ: لاَ.
(وَسَرَدْ) أي: وبعدَ أن عَدَّهُ سَردَهُ عَلَى الولاءِ إسْنادًا وَمَتْنًا، فَعَجِبَ الناسُ مِنْهُ.
٤٢٢ - وَذَاكَ يَجْرِي فِي الْكَلاَمِ أو إذا هَيْنَمَ حَتَّى خَفِيَ الْبَعْضُ، كَذَا
٤٢٣ - إِنْ بَعُدَ السَّامِعُ، ثُمَّ يُحْتَمَلْ فِي الظَّاهِرِ الْكَلِمَتَانِ أو أَقَلْ
٤٢٤ - وَيَنْبَغِي لِلشَّيْخِ أَنْ يُجِيْزَ مَعْ إِسْمَاعِهِ جَبْرًا لِنَقْصٍ إنْ وَقَعْ (٣)
٤٢٥ - قَالَ: ابْنُ عَتَّابٍ وَلاَ غِنَى (٤) عَنْ إِجَازَةٍ مَعَ السَّمَاعِ تُقْرَنْ (٥)
(وذاكَ) أي: التفصيلُ المذكورُ في النَّسْخِ (يَجْرِي في الكلامِ) مِنْ كُلٍّ مِنَ السَّامِعِ، والمُسْمِعِ وقتَ السَّماعِ، وفي إفراطِ القارئِ في الإسماعِ (٦)، (أَوْ إذَا هَيْنَم) أي: أخفى صَوْتَهُ (٧) (حَتَّى خَفِيَ) في جميعِ ذَلِكَ (البَعْضُ) أي: بعضُ الكلامِ.
_________________
(١) في (م): «ويفتي به».
(٢) هذه الرّواية في تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤ - ٣٦، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٥٣. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٠٦.
(٣) في نسخة (ب) و(ج) من متن الألفية والنفائس: «إن يقع».
(٤) في نسخة (أ) و(ب) و(ج) من متن الألفية: «غناء».
(٥) في نسخة (أ) و(ب) و(ج) من متن الألفية: «تقترن» وسيشير الشارح إلى أنها هكذا في نسخة، وفي النفائس: «يقرن».
(٦) في (ق) و(ص): «الإسراع».
(٧) انظر: الصحاح ٥/ ٢٠٦٢ (هنم).
[ ١ / ٣٨٠ ]
و(كَذَا إنْ بَعُدَ السَّامعُ) عَنِ القارئِ، أَوْ عَرَضَ نُعاسٌ خفيفٌ بحيثُ يمنعانِ سَمَاعَ بعضِها.
ويلتحقُ بِذَلِكَ الصلاةُ، وَقَدْ كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُصلِّي في حالِ قراءةِ القارئِ عَلَيْهِ، وربما يشيرُ بردِّ مَا يُخطئُ فِيهِ القارئُ (١).
(ثُمَّ) مَع اعتمادِ التَّفْصيلِ فِيْمَا ذكرَ، (يُحْتَمَلْ) أي: يُغْتَفَرُ (في الظَّاهِرِ) مِن كلامِهِم (الكَلِمَتَانِ، أَوْ أَقَلْ) توسعةً في الرِّوَايَةِ.
قَالَ شَيْخُنا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الأمرُ دائرًا عَلَى مَا لا يكونُ الذهولُ عَنْهُ مُخِلًاّ بفَهْمِ الباقي.
(وَيَنْبغِي) أي: يُسَنُّ (للشَّيْخِ) المُسْمِعِ (أَنْ يُجِيْزَ) لِلسَّامِعينَ رِوَايَةَ مَا رَواهُ لَهُمْ (مَعْ إسْمَاعِهِ) لَهُمْ؛ (جَبْرًا لِنَقْصٍ إنْ وَقَعْ (٢»، وَفِي نُسْخةٍ «يَقَعْ» في السَّمَاعِ بِسببِ شَيءٍ مِمّا ذكرَ، أَوْ نحوِه، كَخَلَلٍ في الإعرابِ، أَوْ فِي الرِّجالِ. وَذَلِكَ كأنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكُم روايتَهُ سَمَاعًا، وإجازةً، لما يُخالِفُ أَصْلَ السَّمَاعِ إنْ خَالف.
بَلْ (قَالَ) أَبُو عَبْدِ اللهِ (ابنُ عَتَّابٍ) مُحَمَّدُ الأنْدَلُسِيُّ (٣): (وَلاَ غِنَى) لطَالِبِ العلمِ (عَنْ إجَازةٍ) عَنِ الشَّيْخِ (مَعَ السَّمَاعِ) بِقراءةِ أحدِهِمَا (تُقْرَنْ) بِهِ - وَفِي نُسْخَةٍ تُقْتَرَنْ - لِجوازِ سَهْوٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ غَلَطٍ. وَظَاهِرُه الوجوبُ.
ثُمَّ يَنْبغي لِكَاتبِ الطَّبقةِ أَنْ يَكتُبَ الإجازةَ عَقِبَ كِتَابةِ السَّمَاعِ.
ويقال: أَوَّلُ مَنْ كَتَبَهَا فِي الطّباقِ الحافظُ أَبُو الطّاهرِ إسماعيلُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ
عبدِ المحسنِ الأنماطيُّ، فَجَزاهُ اللهُ خيرًا في سَنِّهِ ذَلِكَ لأهلِ الحَدِيْثِ، فَلَقَدْ حَصَلَ بِهِ نَفْعٌ كَثِيْرٌ (٤).
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٣٩، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٥٥، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٤ - ٩٩٥، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢٤.
(٢) في (م): «وقع».
(٣) الإلماع: ٩٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢١.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٠، والمقنع ١/ ٣١٠، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٥٢.
[ ١ / ٣٨١ ]
وَلَقَدِ انْقَطَعَتْ بسَبَبِ إهْمَالِ ذَلِكَ بِبَعضِ البِلادِ روايةُ بعضِ الكتبِ، لكونِ راويها كَانَ لَهُ فَوْتٌ، وَلَمْ يوجدْ في الطَّبقَةِ إجازةُ المُسْمِعِ للسَّامِعينَ؛ فَمَا أمْكَنَ قراءةُ ذَلِكَ الفوتِ عَلَيْهِ بالإجازةِ لعدمِ تحقُّقِها (١).
كَمَا اتَّفَقَ لأبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ الصَّوَّافِ الشَّاطبيِّ في " سُنَنِ النَّسَائِيِّ " فَلَمْ يأخذوا عَنْهُ سِوى مَسْموعِهِ مِنْها عَلَى أَبِي بَكْرِ بنِ بَاقَا (٢).
٤٢٦ - وَسُئِلَ (ابْنُ حنبلٍ) إِن حَرْفَا أدْغَمَهُ فَقَالَ: أَرْجُو يُعْفَى
٤٢٧ - لَكِنْ (أبو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ) مَنَعْ فِي الْحَرْفِ يَسْتَفْهِمُهُ فَلاَ يَسَعْ
٤٢٨ - إِلاَّ بَأَنْ يَرْوِيَ تِلْكَ الشَّارِدَهْ عَنْ مُفْهِمٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ (زَائِدَهْ)
٤٢٩ - وَ(خَلَفُ بْنُ سَاِلمٍ) قَدْ قال: نَا إِذْ فَاتَهُ حَدَّثَ مِنْ حَدَّثَنَا
٤٣٠ - مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ، وَسُفْيَانُ اكْتَفَى بِلَفْظِ مُسْتَمْلٍ عَنِ الْمُمْلِي اقْتَفَى
(وسُئِلَ) الإمامُ (ابنُ حَنْبَلٍ) مِنَ ابنِهِ صالِحٍ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: (إنْ حَرْفا) أي: لَفْظًا يَسيرًا (أَدْغَمَهُ) أي: الشَّيْخُ أَوْ القارئُ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ السامعُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ أنَّه كَذَا وكذا أيرويهِ عَنْهُ؟ (فَقَالَ: أرْجو) أنَّه (يُعْفَى) عَنْهُ، ولاَ يَضيقُ بِهِ (٣).
(لَكِنْ) الحافظُ (أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ) بنُ دُكَيْنٍ (مَنَعْ فِي الْحَرْفِ) أي: اللفظِ اليَسيرِ الّذي يَشْرُدُ عَنْهُ في حَالِ سَماعِهِ مِنْ سُفْيَانَ، والأعمشِ، ثُمَّ (يَسْتَفْهِمُهُ) مِن بَعْضِ رفقائِهِ (٤).
(فَلاَ يَسَعْ) أي فَقَالَ: لا يسعُهُ (إلاّ بِأَنْ) أي: أنْ (يَرْوِيَ تِلْكَ) الكَلِمةَ
(الشَّاردَهْ عَنْ مُفْهِمٍ) أَفْهَمَهُ إيَّاهَا، لاَ عَنْ شَيْخِهِ.
(وَنَحوُهُ) يُروَى (عَنْ زَائِدَهْ) بنِ قُدامةَ.
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ٥٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٠ - ١٢١، المقنع ١/ ٣١٠.
(٣) الكفاية: (١٢٤ ت، ٦٨ - ٦٩ هـ)، شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢١.
(٤) المحدث الفاصل: ٣٨٥.
[ ١ / ٣٨٢ ]
قَالَ خَلَفُ بنُ تميمٍ: سَمِعتُ مِن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشَرَةَ آلافِ حَدِيثٍ، أَوْ نحوَها، فَكُنتُ استفهمُ جَليْسي، فقلتُ لزائدةَ، فَقَالَ لي: لا تحدِّثْ مِنها إلاَّ بما تَحْفَظُ بقلبِكَ، وتَسْمَعُ بأُذُنِكَ. قَالَ: فألقيتُها (١).
(و) أَيْضًا، فالحافظُ أَبُو مُحَمَّدٍ (خَلَفُ بنُ سَالِمٍ) المُخَرِّمِيُّ - بتشديدِ الرّاءِ المكسورةِ - نسبةً إلى «المُخَرِّمِ» مَحلَّةٍ ببغدادَ (٢) (قَدْ قَالَ: نَا) مُقتصرًا عَلَى النُّونِ والألفِ (إِذْ فَاتَهُ «حَدَّثَ» مِنْ حَدَّثَنَا مِن قَوْلِ) شيخِهِ (سُفْيَانَ) ابنِ عُيَيْنَةَ، حِيْنَ تَحْدِيثِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ.
فَكانَ يُقالُ لَهُ: قُلْ: حَدَّثَنَا، فَيَمْتَنِعُ، وَيَقُولُ: إنَّه لِكَثْرةِ الزِّحامِ عِنْدَ سُفْيَانَ، لَمْ أسْمَعْ شيئًا مِن حُروفِ «حَدَّثَ» (٣).
هَذَا (وسُفْيَانُ) شَيْخُهُ (اكْتَفَى بِ) سَمَاعِ (لَفْظِ مُسْتَمْلٍ عَنِ الْمُمْلِي) أي: لَفظِهِ؛ إِذْ الْمستمْلِي (اقْتَفى) أي: اتَّبعَ لفظَ الْمُمْلِي.
وَذَلِكَ أنَّ أبا مُسْلِمٍ المُسْتَملِي، قَالَ لِسُفْيَانَ: الناسُ كَثِيْرٌ لاَ يَسْمَعونَ. فَقَالَ: أتسمعُ أنتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فأسْمِعْهُم (٤).
ولعلَّ سَمَاعَ خَلَفٍ لَمْ يَكُنْ في الإملاءِ.
وَهذا هُوَ الذِي عَلَيْهِ العَمَلُ مِنَ الأكابرِ الَّذينَ كَانَ يعظمُ الجمعُ فِي مَجالِسِهِم، أنَّ مَنْ سَمعَ المُسْتَمْلِي دُوْنَ الْمُمْلِي، جازَ لَهُ أنْ يَرْويَهُ عَنِ الْمُمْلِي، لَكِنْ بشرطِ أنْ يسمعَ الْمُمْلِي لفظَ المُسْتَمْلِي، كالعرضِ؛ لأنَّ المسْتَمْلِي في حُكْمِ القارئِ عَلَى الْمُمْلِي (٥).
وحينئذ، فَلا يُقال في الأداءِ لِذلِكَ: «سَمِعْتُ فلانًا»، كَمَا مَرَّ في العَرْضِ، بَلِ الأحوطُ بيانُ الواقِعِ، كَمَا فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ.
_________________
(١) الكفاية: (١٢٦ ت، ٧٠ هـ)، وقال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٥٤: «وحكي عن أبي حنيفة مثله».
(٢) الأنساب ٥/ ١٠٥، ومعجم البلدان ٥/ ٧١.
(٣) الكفاية: (١٢٥ ت، ٦٩ هـ)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٣، والنكت الوفية ٢٥٢/ أ.
(٤) الكفاية: (١٢٧ - ١٢٨ ت، ٧٢ هـ).
(٥) انظر: فتح المغيث للسخاوي ٢/ ٥٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ الموْصِليُّ: مَا كتبْتُ قطُّ مِن فِي المُسْتَمْلِي، ولا التفتُ إِليهِ، ولا أدري أيَّ شيءٍ يقولُ، إنَّمَا كنتُ أكتبُ مِنْ فِي المحدِّثِ (١).
وَهَكذا تورَّعَ آخرونَ، بَلْ صوَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ: إنَّه الَّذِي عَلَيْهِ المحقِّقونَ (٢). انتهى.
لَكِنَّ الأَوَّلَ هُوَ الأرفقُ بالنَّاسِ (٣).
٤٣١ - كَذَاكَ (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أَفْتَى: إِسْتَفْهمِ الَّذِي يَلِيْكَ، حَتَّى
٤٣٢ - رَوَوْا عَنِ (الأَعْمَشِ): كُنَّا نَقْعُدُ (لِلنَّخَعِيْ) فَرُبَّمَا قَدْ يَبْعُدُ
٤٣٣ - البَعْضُ - لاَ يَسْمَعُهُ - فَيَسْأَلُ البَعْضَ عَنْهُ، ثَمَّ كُلٌّ يَنْقُلُ
٤٣٤ - وَكُلُّ ذَا تَسَاهُلٌ، وَقَوْلُهُمْ: يَكْفِيِ مِنَ الْحَدِيْثِ شَمُّهُ، فَهُمْ
٤٣٥ - عَنَوا إذا أَوَّلَ (٤) شَيءٍ سُئِلاَ عَرَفَهُ، وَمَا عَنَوْا تَسَهُّلاَ
(كَذَاكَ) أَبُو إِسْمَاعِيْلَ (٥) (حَمَّادُ بنُ زيدٍ أَفْتَى) مَنْ استفهمَهُ فِي حالِ إملائِهِ عَنْ بَعْضِ الألفاظِ، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ لَهُ (٦): (استَفْهِمِ الَّذِي يَليْكَ).
(حَتّى) إنَّهم (رَوَوْا عَنِ الأَعْمَشِ)، أنَّهُ قَالَ (٧):
(كُنّا نَقْعُدُ لِلنَّخَعِيْ) - بالإسكان لما مَرَّ - حِيْنَ تحديثِهِ، والْحَلْقَةُ مُتَّسِعَةٌ،
(فَرُبَّما قَدْ يبْعُدُ) عَنْهُ (الْبَعْضُ) مِمَّنْ يَحْضُرُ، و(لاَ يَسْمَعُهُ: فَيَسْألُ) أي: البعيدُ عَنْهُ (البَعضَ) القريبَ مِنْهُ (عَنْهُ) أي: عَمَّا قَالَهُ.
(ثُمَّ كُلٌّ) مِمَّن سَمِعَ مِنْهُ، أَوْ مِن رفِيقَيهِ (يَنْقُلُ) ذَلِكَ عَنْهُ، بِلا واسِطَةٍ.
_________________
(١) الكفاية: (١٢٥ ت، ٧٠ هـ).
(٢) الإرشاد ١/ ٣٦٥.
(٣) انظر: التقييد والإيضاح: ١٧٨، واختصار علوم الحديث: ١١٧.
(٤) يجوز بالرفع والنصب ولكل وجه. انظر تفصيل ذلك في النكت الوفية ٢٥٣/ب.
(٥) الكفاية: (١٢٧ ت، ٧١ هـ)، المحدث الفاصل: ٦٠٠، والإلماع: ١٤٣.
(٦) «له»: سقطت من (ص) و(ق).
(٧) الكفاية: (١٢٩ ت، ٧٢ هـ).
[ ١ / ٣٨٤ ]
(وَ) لَكِنْ (كُلُّ ذَا) أي: تحديثٌ مِنْهُ بِما لَمْ يَسْمَعْهُ إلاّ مِن رَفِيقِهِ (تَسَاهُلٌ) مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ بَعْدَ أَنْ رَوى ذَلِكَ عَنِ الأَعْمَشِ: رَأيتُ أبَا نُعَيْمٍ، لا يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، ولا يَرضَى بِهِ لِنَفْسِهِ (١).
(وقَوْلُهُمْ) أي: وقَوْلُ جَمْعٍ، ك: عَبْدِ الرحمانِ بنِ مَهْدِيٍّ، وأبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَه (٢): (يَكْفِي مِن) سَمَاعِ (الحَدِيْثِ شَمُّهُ، فَهُمْ) وإنَّمَا (٣) (عَنَوْا) بِهِ (إذَا أَوَّلَ شيءٍ) أي: طَرَفَ حَدِيثٍ (سُئِلا) عَنْهُ المُحدِّثُ (عَرَفَهُ)، واكْتَفَى بطَرَفِهِ عَنْ ذِكْرِ بَاقيهِ.
فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْتُبُونَ أَطْرافَ الحَدِيْثِ ليذاكِروا الشُّيوخَ، فيُحدِّثُوهم بِهَا (٤). (وَمَا عَنَوْا) بِهِ (تَسَهُّلاَ) أي: تَسَاهُلًا في التَّحَمُّلِ، وَلاَ فِي الأداءِ (٥).
٤٣٦ - وَإِنْ يُحَدِّثْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرِ - عَرَفْتَهُ بِصَوْتِهِ او (٦) ذِي خُبْرِ
٤٣٧ - صَحَّ، وَعَنْ شُعْبَةَ لاَ تَرْوِ لَنَا إنَّ (٧) بِلاَلًا، وَحَدِيْثُ أُمِّنَا
سادِسُهَا: في التَّحدِيثِ مِن وَرَاءِ سِتْرٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ:
(وإنْ يحدِّثْ) كَ (مِنْ وَراءِ سِتْرِ) كإزارٍ، وجدَارٍ، مَن (عَرفْتَهُ بصوْتِهِ (٨» مِنْهُ، (اوْ) - بالدرجِ - بإخبارِ (ذي خُبْرِ) بِهِ، مِمَّنْ تَثِقُ بِعَدالتِهِ، وضبطِهِ أنَّ هَذَا صوتُهُ، إنْ كَانَ يُحدِّثُ بلفْظِهِ، أَوْ أنَّه حَاضرٌ إنْ كَانَ السَّمَاعُ عَرضًا (صَحَّ) السَّمَاعُ بخلافِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ بابَ الرِّوَايَةِ أوسعُ (٩).
_________________
(١) الكفاية: (١٢٩ ت، ٧٣ هـ).
(٢) نقلها ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٩، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٥، والنكت الوفية ٢٥٣/ أ.
(٣) في (م): «إذا».
(٤) فتح المغيث ٢/ ٥٦. وتتمة الخبر: «قال محمّد بن سيرين: كنت ألقى عبيدة بن عمرو السلماني بالأطراف».
(٥) نقل ابن الصّلاح عن حمزة الكناني قوله: «يعني: إذا سئل عن أوّل شيءٍ عرفه وليس يعني التسهل في السّماع». معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٩، وانظر: شرح التبصرة ٢/ ١٢٥.
(٦) بوصل همزة (أو)؛ لضرورة الوزن وسينبه عليه الشارح.
(٧) بكسر الهمزة على الحكاية كما أشار إليه البقاعي. انظر: النكت الوفية ٢٥٣/ ب.
(٨) في (ق) و(ع) و(م): «بصوت»، وما أثبتناه من (ص)، وهو الموافق لما جاء في نسخ متن الألفية.
(٩) انظر: فتح المغيث ٢/ ٥٦.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وكما لا يُشترطُ رؤيتُه لَهُ لا يشترطُ تمييزُهُ لَهُ مِنَ الحاضِرينَ (١).
ويجوزُ فِي «مِنْ» كَسْرُ مِيمِها، فتكونُ جارةً، وفتحُها، فتكونُ موصولةً، أَوْ نكرةً موصوفةً
(وعن شُعْبَةَ) بنِ الحَجَّاجِ أنَّه قَالَ (٢): (لا تروِ) عَمَّنْ يُحدِّثُكَ، وَلَمْ تَرَ وَجْهَهُ، فلعلَّهُ شيطانٌ قَدْ تَصوَّرَ في صورتِهِ، يَقُول: «حَدَّثَنَا»، أَوْ «أَخْبَرَنَا».
(لَنَا) عَلَى صِحَّةِ السَّمَاعِ مِن وراءِ الحِجَابِ اعتمادًا عَلَى الصَّوتِ حَدِيث: «(إنَّ بِلالًا) يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوْا، وَاشْرَبُوْا حَتَّى تَسْمَعُوْا تَأْذِيْنَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُوْمٍ» (٣).
فأمرَ الشارعُ - ﷺ - بالاعتمادِ عَلَى صَوْتِهِ مَعَ غَيْبَةِ شَخْصِهِ عَمَّنْ يَسْمَعُهُ (٤).
(وَ) لَنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ (حَدِيثُ) أي: تَحدِيثُ (أُمِّنَا) عَائِشَةَ، وغيرِها من أُمَّهَاتِ المؤمِنينَ مِنْ وَراءِ حِجَابٍ، مَعَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُنَّ مَن سَمِعَهُ، والاحتجاجِ بِهِ في "الصَّحِيحِ" (٥).
_________________
(١) انظر: فتح المغيث: ٢/ ٥٦.
(٢) المحدث الفاصل: ٥٩٩، والإلماع: ١٣٧. قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث: ١١٨ عن مذهب شعبة هذا: «وهذا عجيب وغريب جدًا». وقال النّوويّ في الإرشاد ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧: «وهذا خلاف الصّواب وخلاف ما قاله الجمهور». وقال الزّركشيّ في نكته ٣/ ٤٩٩: «قيل: إن فيه نظرًا؛ لأن الشيطان إذا جاز أن يتصور بصورة الإنسان، فسواء وراء حجاب أو مشافهة. والحق أن الرّاوي إذا تحقق أن هذا الصوت صوته جازت الرّواية عنه وإن لم يتحقق لم تجز، لأن حديث أبي طلحة: «وأنا أعرف صوت النّبيّ - ﷺ - من الجوع». أخرجه البخاريّ ٤/ ٢٣٤ (٣٥٧٨)، و٧/ ٨٩ (٥٣٨١)، و٨/ ١٧٤ (٦٦٨٨).
(٣) أخرجه مالك (١٩٤) (١٩٥)، والشافعي (٦١٥) و(٦١٦) بتحقيقنا، والطيالسي (١٨١٩)، وعبد الرزاق (١٨٨٥) (٧٦١٤)، والحميدي (٦١١)، وابن أبي شيبة (٨٩٢٣) و(٨٩٢٥)، وأحمد ٢/ ٩ و٥٧ و٦٢ و٦٤ و٧٣ و٩٤ و١٠٧ و١٢٣، وعبد بن حميد (٧٣٤)، والدارمي (١١٩٢)، والبخاري ١/ ١٦٠ (٦١٧) و(٦٢٠) و١٦١ (٦٢٢) و٣/ ٣٧ (١٩١٨) و٢٢٥ (٢٦٥٦) و٩/ ١٠٧ (٧٢٤٨)، ومسلم ٣/ ١٢٨ (١٠٩٢) (٣٦) (٣٧) و٣/ ١٢٩ (١٠٩٢) (٣٨)، والترمذي (٢٠٣)، والنسائي ٢/ ١٠، وأبو يعلى (٥٤٣٢)، وابن خزيمة (٤٠١) و(٤٢٤) و(١٩٣١)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ١٣٧ و١٣٨، وابن حبان (٣٤٦٨) (٣٤٦٩) (٣٤٧٠)، والطبراني في الكبير (١٣١٠٦)، والبيهقي ١/ ٣٨٠ و٣٨٢ و٤٢٦، والبغوي (٤٣٣) و(٤٣٤) من حديث ابن عمر.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٦. قال السخاوي ٢/ ٥٧: «فقد يخدش فيه بأن الأذان لا قدرة للشيطان على سماع ألفاظه فكيف بقوله؟».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٠٩، والمقنع ١/ ٣١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٦ - ١٢٧، وفتح المغيث ٢/ ٥٧، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢٨.
[ ١ / ٣٨٦ ]
٤٣٨ - وَلاَ يَضُرُّ سَامِعًا أنْ يَمْنَعَهْ (١)
٤٣٩ - كَذَلِكَ التَّخْصِيْصُ أو رَجَعْتُ مَاَ لمْ يَقُلْ: أَخْطَأْتُ أو شَكَكْتُ
سابعُها: فِيْمَا إذَا مَنَعَ الشَّيْخُ الطالبَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ:
(وَلاَ يَضُرُّ سَامِعًا) سَمِعَ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ أَوْ عَرْضًا (أنْ يَمْنَعَهْ الشَّيْخُ) أي: مَنْعُ الشَّيْخِ لَهُ (أنْ يَرْوِيَ) عَنْهُ (مَا قَدْ سَمِعَهْ) مِنْهُ.
كأنْ يقولَ لَهُ-لا لِعِلَّةٍ تمنعُ الرِّوَايَةَ-: لا تَرْوِهِ عَنِّي، أَوْ مَا أذِنتُ لَكَ فِي روايتِهِ عَنِّي (٢).
بَلْ يسوِّغُ لَهُ روايتَه عَنْهُ (٣)؛ لأنَّهُ قَدْ حدَّثهُ بِهِ، وَهُوَ شَيءٌ لا يرجِعُ فِيهِ؛ فَلا يؤثِّرُ مَنْعُهُ (٤).
و(كَذلِكَ) لاَ يضرُّ (التَّخصِيصُ) مِنَ الشَّيْخِ لجماعةٍ - مثلًا - بالسَّمَاعِ، وَقَدْ (٥) سَمِعَ غَيْرُهُم، سَوَاءٌ أعَلِمَ الشَّيْخُ بِسَمَاعِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَم.
وكذا لَوْ قَالَ: أُخْبِرُكُم، ولا أُخْبِرُ فُلاَنًا، لا يضرُّهُ، ولا يضرُّهُ الرجوعُ بكتابةٍ، أَوْ نَحْوِهَا (٦).
بَلْ (أَوْ) بلفظٍ نَحْوُ (رَجَعْتُ) عمَّا حَدَّثْتُكُم بِهِ (مَا لَمْ يَقُلْ) مَعَ
ذَلِكَ: (أَخْطَأتُ) فِيْمَا حَدَّثْتُ بِهِ. (أَوْ شَكَكْتُ) في سَمَاعِهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
فإنْ قَالَ مَعَهُ ذَلِكَ، لَمْ نروِهِ عَنْهُ (٧)
_________________
(١) قال البقاعي: «أن يمنعه» في موضع رفع على أنه فاعل «يضرّ»، و«الشيخ» فاعل «يمنع»، الشَّيْخُ أَنْ يَرْوِيَ مَا قَدْ سَمِعَهْ و«أن يروي» مفعوله. النكت الوفية ٢٥٣/ ب.
(٢) انظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٠٠.
(٣) قاله أبو إسحاق الإسفراييني كما نقله عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣١١، وانظر: النكت الوفية: ٢٥٣/ب.
(٤) انظر: المحدث الفاصل: ٤٥١ - ٤٥٢، والكفاية: (٤٩٨ - ٤٩٩ ت، ٣٤٨ - ٣٤٩ هـ)، والإلماع: ١١٠.
(٥) في (ص): «دون».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٧.
(٧) انظر: المحدث الفاصل: ٤٥١ - ٤٥٢، والكفاية: (٤٩٨ - ٤٩٩ ت، ٣٤٨ هـ)، والإلماع: ١١٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الثَّالِثُ: الإجَاْزَةُ
(الثَّالِثُ) من أقسامِ التحمُّلِ: الإجازةُ.
وَهِيَ تقالُ لغةً (١): للعبورِ، وللإباحةِ.
واصطلاحًا: للإذنِ في الرِّوَايَةِ.
٤٤٠ - ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلىِ السَّمَاعَا وَنُوِّعَتْ لِتِسْعَةٍ أَنْوَاعَا
٤٤١ - أرْفَعُهَا بِحَيْثُ لاَ مُنَاولَهْ تَعْيِيْنُهُ الْمُجَازَ وَالْمُجْازَ لَهْ
٤٤٢ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَا، وَذَهَبَ (الْبَاجِيْ) إِلَى
٤٤٣ - نَفْي الْخِلاَفِ مُطْلَقًا، وَهْوَ غَلَطْ قَالَ: وَالاخْتِلاَفُ فِي الْعَمَلِ قَطْ
٤٤٤ - وَرَدَّهُ الشَّيْخُ بأَِنْ (٢) للشَّافِعِي قَوْلاَنِ فِيْهَا ثُمَّ بَعْضُ تَابِعي (٣)
٤٤٥ - مَذْهَبِهِ (الْقَاضِي حُسَيْنٌ (٤» مَنَعَا وَصَاحِبُ (الْحَاوي) بِهِ قَدْ قَطَعَا
٤٤٦ - قَالاَ كَشُعْبَةٍ وَلَو جَازَتْ إِذَنْ لَبَطَلَتْ رِحْلَةُ طُلاَّبِ السُّنَنْ
٤٤٧ - وَعَنْ (أبي الشَّيْخِ) مَعَ (الْحَرْبِيِّ) إِبْطَالُهَا كَذَاكَ (لِلسِّجْزِيِّ)
٤٤٨ - لَكِنْ عَلى جَوَازِهَا اسْتَقَرَّا عَمَلُهُمْ، وَالأَكْثَرُوْنَ طُرَّا
٤٤٩ - قَالُوا بِهِ، كَذَا وُجُوْبُ الْعَمَلِ بِهَا، وَقِيْلَ: لاَ كَحُكْمِ الْمُرْسَلِ
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة ١/ ٤٩٤، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٥٠٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥٨، والنكت الوفية ٢٦٠/ب، وتاج العروس ١٥/ ٧٥، وحاشية توضيح الأفكار ٢/ ٣٠٩.
(٢) بتخفيف «أنّ» المشددة؛ لضرورة الوزن كما نبّه على ذلك الشارح.
(٣) في البيت تضمين عروضي وهو تعليق البيت بالبيت الذي يليه، وهو عيب عروضي.
(٤) في (أ) من متن الألفية: «القاضي الحسين» وأشار الشارح إلى أنها نسخة، وفي النفائس: «قاضي حسين»، وما أثبتناه من بقية النسخ، قال البقاعي: «في نسخة منكّر فهو منوّن، والجزء الأخير مطوي، وفي نسخةٍ «الحسين منعا» مخبول لاجتماع الخبن فيه والطيّ، فيخالف قافية البيت الثاني، فالتنكير أحسن» النكت الوفية: ٢٥٤/ أ.
[ ١ / ٣٨٨ ]
(ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلي السَّمَاعَا) عَرْضًا، فَهُوَ أرفعُ مِنْها عَلَى الْمُعْتمَدِ؛ لأَنَّهُ أبعدُ مِنَ التَّصْحِيفِ والتَّحْرِيفِ.
وقِيلَ: عَكْسُهُ؛ لأنَّها أبْعدُ مِنَ الكذبِ والرِّياءِ والعُجْبِ (١).
وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ (٢).
(و) قَدْ (نُوِّعَتْ لِتِسْعَةٍ أنواعَا) مَعَ أنَّها مُتَفَاوِتَةٌ أَيْضًا، كَمَا يَأتِي.
(أَرْفَعُها بِحَيْثُ لاَ مُنَاوَلهْ) مَعَهَا أي: أرفعُ أنواعِ الإِجَازَةِ الْمجَرَّدةِ عَنِ المناولةِ، وَهُوَ أَوَّلُ أنواعِها:
(تَعْيينُهُ) أي: المُحَدِّثُ الكِتَابَ (الْمُجازَ) بِهِ، (و) الشَّخْصَ (المجازَ لَهُ)، كقولِهِ: أجزْتُ لَكَ، أَوْ لَكُمْ، أَوْ لفلانٍ " صَحِيْحَ البُخَارِيِّ "، أَوْ جَمِيْعَ هذِهِ الكُتُبِ (٣).
أما غيرُ المجرَّدةِ عَنْ المناولةِ، فسيأتي حُكْمُها.
(وَبَعْضُهُم)، كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ (٤) (حَكَى اتِّفَاقَهُم) أي: العُلَمَاءِ
(عَلَى جوازِ ذا) النَّوعِ.
(وذَهَبَ) الْقَاضِي أَبُو الوليدِ سُليمانُ بنُ خَلَفٍ الْمَالكيُّ (الباجِيْ)
-بالإسكان لما مَرَّ- نسبةً لـ «بَاجةَ» مَدينةٍ بالأندلسِ (٥) (إلى نَفْي الخِلافِ) عَنْ جَوازِ الإجازةِ (مُطْلَقًا) عَنِ التَّقييدِ بهذا النَّوعِ، (وَهْوَ غَلَطْ) لِما يأْتِي.
(قَالَ) أي: الْبَاجِيُّ: «لا خِلافَ في جَوازِ الرِّوَايَةِ بالإجازةِ، (والاختلافُ) (٦) إنَّما هُوَ (فِي العَمَلِ) بِها (قطْ) أي: فَقَطْ» أي لاَ فِي الرِّوَايَةِ (٧).
_________________
(١) قاله أبو القاسم عبد الرحمان بن منده كما ذكر ذلك السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٦٣.
(٢) قاله بقي بن مخلد وتبعه ابنه أحمد، وحفيده عبد الرحمان فيما حكاه ابن عاتٍ عنهم. انظر: فتح المغيث ٢/ ٦٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١١، والإرشاد ١/ ٣٦٨، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٦٣.
(٤) الإلماع: ٨٨.
(٥) انظر: معجم البلدان ١/ ٣١٥.
(٦) في (م): «والخلاف».
(٧) الإلماع: ٨٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣١١، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٥٠٢ - ٥٠٦.
[ ١ / ٣٨٩ ]
(وَرَدَّهُ) أي: مَا قَالَهُ الباجيُّ، بَلْ صرَّحَ بِبطْلانِهِ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (١)
(بِأَنْ) مُخفَّفةٌ (٢) مِنَ الثَّقيلةِ، أي: بأنَّهُ (للشَّافِعيْ) وَمَالِكٍ (قَوْلانِ فِيْهَا) أي فِي الإجازةِ جوازًا وَمَنْعًا.
وَقَالَ بالمنعِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (٣)، والفقهاءِ (٤)، والأصوليينَ (٥).
وردَّهُ أَيْضًا بِما لخَّصَهُ الناظِمُ بِقولِهِ: (ثُمَّ بَعْضُ تابعي مذهبِهِ) أي: الشَّافِعيِّ (٦)، وَهُوَ
(الْقَاضِي حُسَيْنٌ)، وَفِي نُسْخَةٍ: الحسَنِ (مَنَعا) الرِّوَايَةَ بِها أي: قَطَعَ بِمنعِها، (وَ) كَذَا الْقَاضِي أَبُو الحسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ (٧) (صَاحِبُ الحاوِي بِهِ) أي: بالمنعِ (٨) (قَدْ قَطَعَا)، وكَذا غَيْرُهُما (٩).
(قالا) القاضِيَانِ (كشُعْبَةٍ) - بالصَّرْفِ وعَدَمِهِ، والأوَّلُ أولى - وابنِ الْمُبَارَكِ، وغيرِهِما: (وَلَوْ جازَتْ) أي: الإِجَازَةُ (إذنْ) تَكْمِلةٌ (لَبَطَلَتْ رِحْلةُ) - بكسرِ الراءِ وضمِّها - أي: انتقالُ (طُلاَّبِ السُّنَنْ) مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لاسْتِغْنَائِهِمْ بالإجازَةِ عَنْهَا (١٠).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢.
(٢) في (م): «محففة» بالحاء المهملة.
(٣) انظر: الكفاية: (٤٥٢ - ٤٥٦ ت، ٣١٤ - ٣١٧ هـ)، شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٢٩ - ١٣٠، فتح المغيث ٢/ ٦٠، التدريب ٢/ ٣٠.
(٤) انظر قول الشّافعيّ من طريق الربيع بن سليمان في الكفاية: (٤٥٥ ت، ٣١٧ هـ) وهو رواية عن مالك كما نقلها الخطيب في الكفاية: (٤٥٥ ت، ٣١٦ هـ)، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف كما حكاه الآمدي. قال الخطيب: «قول مالك والشافعي محمولان على الكراهة لأنه قد حفظ عنهما الإجازة لبعض أصحابهما وسنذكر الخبر بذلك في موضعه» ثمّ ذكرهما في الكفاية: (٤٦٢ - ٤٦٥ ت، ٣٢٣ - ٣٢٤ هـ). وانظر: المحدث الفاصل: ٤٤٨، والإلماع: ٩٣ - ٩٤، والأحكام للآمدي ١/ ٢٨٠، وفتح المغيث ٢/ ٦٤.
(٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٢٨٠.
(٦) انظر: الكفاية: (٤٥٥ت، ٣١٧هـ) و(٤٦٤ت، ٣٢٤هـ)، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٧، وشرح التبصرة ٢/ ١٣٠.
(٧) بفتح الميم وسكون الألف وفتح الواو وسكون الراء، وفي آخرها دال مهملة، وهذه النسبة إلى بيع ماء الورد وعمله. انظر: الأنساب ٥/ ٦١، واللباب ٣/ ١٦٥.
(٨) انظر: الحاوي ٢٠/ ١٤٦، وأدب القاضي، له ١/ ٣٨٧ - ٣٨٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢، وروضة الطالبين ١١/ ١٥٧.
(٩) انظر: روضة الطالبين ١١/ ١٥٧، وفتح العزيز ١٢/ ٤٨٨ - ٤٩١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٠.
(١٠) مذهب شعبة بالمنع حكاه الخطيب في الكفاية: (٤٥٤ ت، ٣١٦ هـ).
[ ١ / ٣٩٠ ]
(وَ) جاءَ أَيْضًا (عَنْ أَبِي الشَّيْخِ) الحافِظِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأصْبَهَانِيِّ (١) (مَعَ) أَبِي إسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ (٢) (الْحَرْبِيِّ إبْطالُهَا، كَذَاكَ) نُسِبَ إبْطَالُهَا (لِلسِّجْزِيِّ) - بكسرِ السينِ - نسبةً لسِجسْتَانَ عَلَى غَيْرِ قِياسٍ (٣) (٤).
وَهُوَ الحافظُ أَبُو نَصْرٍ عُبَيْدِ اللهِ (٥) بنُ سَعيدٍ الوائليُّ، حَيْثُ حَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ وأقرَّهُ (٦).
وبالَغَ جَمَاعَةٌ في المنْعِ مِنْها، حَتَّى قَالَ إمامُ الْحَرَمَينِ: «ذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّهُ لا يُتَلَقَّى بالإجازَةِ حُكْمٌ، ولا يسُوغُ التَّعْوِيلَ عَلَيْهَا عَمَلًا ورِوَايَةً» (٧).
(لَكِنْ عَلَى جَوازِها اسْتَقَرَّا عَمَلُهُمْ) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ، وصارَ بَعْدَ الخُلْفِ إجماعًا، أَوْ كَالإجْمَاعِ.
قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ، وغَيْرُه: لَوْ بَطَلَتْ لضاعَ العلمُ (٨).
قَالَ السِّلَفِيُّ (٩): وَمِن مَنَافِعِهَا، أنَّه لَيْسَ كُلُّ طالبٍ يقدِرُ عَلَى رحلةٍ (١٠).
(والأَكْثَرونَ) مِنَ العُلَمَاءِ (طُرَّا) -بضمِّ الطاءِ- أي: جميعًا، (قَالُوا بِهِ) أي: بالجوازِ (١١).
_________________
(١) الكفاية: (٤٤٩ - ٤٥٠ ت، ٣١٣ هـ).
(٢) الكفاية: (٤٥٣ ت، ٣١٥ - ٣١٦ هـ).
(٣) انظر: الأنساب ٣/ ٢٤٦.
(٤) نقله عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٠.
(٥) في (ص): «عبد الله» مكبرًا، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لمصادر ترجمته. انظر: السير ١٧/ ٦٥٤.
(٦) حكي الإبطال عن أبي ذر الهروي، وأبي طاهر الدباس وهو أحد قولي مالك، وحكي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف وغيرهم. انظر: الكفاية: (٤٥١ - ٤٥٦ ت، ٣١٤ - ٣١٧ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣١٢، وإحكام الأحكام ٢/ ٩١، ونهاية السول ٣/ ١٩٦.
(٧) البرهان ١/ ٦٤٥.
(٨) انظر: فتح المغيث ٢/ ٦٧.
(٩) بكسر السين وفتح اللام، وانظر في سبب هذه النسبة: الأنساب ٣/ ٢٩٧، ووفيات الأعيان ١/ ١٠٧، ونكت الزركشي ١/ ٣٨١، ونكت ابن حجر ١/ ٤٨٩، وتاج العروس ٢٣/ ٤٦٠.
(١٠) انظر: فتح المغيث ٢/ ٦٧.
(١١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٣. قال الإمام النّوويّ في الإرشاد ١/ ٢٧١: «والمذهب الصّحيح الذي استقرّ عليه العمل، وقال به جماهير العلماء من المحدّثين وغيرهم، جواز الرّواية بها»، وذكر الخطيب أسماء كثيرة من العلماء الذين حكى عنهم الجواز في كفايته: (٤٤٩ - ٤٥٠ت، =
[ ١ / ٣٩١ ]
وَمَا مَرَّ عَنِ الشَّافِعيِّ وَمَالكٍ، حَمَلَهُ الخَطيبُ عَلَى الكَراهَةِ؛ لِما صَحَّ عَنْهُمَا أنَّهُمَا أجازاهَا (١).
وَكَمَا أنَّ المعتمدَ جوازُ الرِّوَايَةِ بها، (كَذَا) المعتمَدُ (وُجُوْبُ الْعَمَلِ) بالمرويِّ
(بِها)؛ لأنَّه خَبرٌ مُتَّصِل الرِّوَايَةِ، كَالْمسْمُوعِ.
(وَقِيلَ) وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَمَنْ تَبِعَهُم: (لاَ) يَجِبُ العملُ بِهِ،
(كَحُكْمِ) الحَدِيْثِ (الْمُرْسَلِ) (٢).
وَرَدَّهُ الخَطيبُ (٣)، وَغَيرُهُ بأنَّه كَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَعْرِفُ عَينَه، وأمانتَهُ، وعَدالتَهُ كمَنْ لا يعرفُ؟
٤٥٠ - وَالثَّانِ (٤): أَنْ يُعَيِّنَ الْمُجَازَ لَهْ دُوْنَ الْمُجَازِ، وَهْوَ أَيْضًا قَبِلَهْ
٤٥١ - جُمْهُوْرُهُمْ رِوَايَةً وَعَمَلاَ وَالْخُلْفُ أَقْوَى فِيْهِ مِمَّا قَدْ خَلاَ
(والثانِ) بحذفِ الياء - مِن أنواعِ الإجازةِ الْمجرَّدةِ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ:
(أن يُعيِّنَ) المحدِّثُ (المجازَ لَهْ، دُوْنَ الْمُجازِ) بِهِ، كقولِهِ: «أجزتُ لَكَ جَمِيْعَ مَسْموعَاتي، أَوْ مَرْويَاتِي» (٥).
(وَهْوَ) أي: هَذَا النوعُ (أَيْضًا قَبِلَهْ جُمْهُورُهُمْ) أي: العُلَمَاءِ (رِوَايَةً) بِهِ،
(وَعَمَلا) بالمرويِّ بِهِ بشَرْطِهِ الآتي في «شَرْطِ الإِجَازَةِ» (٦).
_________________
(١) = ٣١٣ - ٣١٤ هـ). ونقل الزّركشيّ في نكته ٣/ ٥٠٧ عن ابن منده في جزء الإجازة عن الزّهريّ، وابن جريج، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ثمّ نقل عن ابن منده قوله: «فهؤلاء أهل الآثار الذين اعتمد عليهم في الصّحيح رأوا الإجازة صحيحة واعتدّوا بها ودوّنوها في كتبهم».
(٢) الكفاية: (٤٥٥ ت، ٣١٧ هـ).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤. وقال ابن الصلاح: «وهذا باطل؛ لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثّقة به»، والله أعلم.
(٤) الكفاية: (٤٥٦ ت، ٣١٧ هـ).
(٥) حذفت الياء من «الثاني»؛ لضرورة الوزن كما سينبه الشارح عليه.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣١.
(٧) قال ابن الصّلاح: «والجمهور من العلماء من المحدّثين والفقهاء وغيرهم على تجويز الرّواية بها أيضًا، وعلى إيجاب العمل بما روي بها بشرطه، والله أعلم». انظر: ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣١٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣١.
[ ١ / ٣٩٢ ]
(وَ) لكِنْ (الخُلْفُ) فِي كُلِّ من قبولِ ذَلِكَ، والعملِ بِهِ (أَقْوَى فِيهِ) أي: في هَذَا النَّوعِ (مِمَّا قَدْ خَلاَ)، مَضَى مِنَ الخُلْفِ (١) فِيْمَا قَبْلَهُ، لِعَدمِ تَعْيينِ المُجَازِ بهِ.
وَعَلَى قَبولِهِ يَجِبُ - كَمَا قَالَ الخطيبُ - عَلَى المجازِ لَهُ الفَحْصُ عَنْ أُصُولِ المُجيزِ مِن جِهةِ العُدولِ الأثباتِ، فمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِ (٢).
٤٥٢ - وَالثَّالِثُ: التَّعْمِيْمُ فِي الْمُجَازِ لَهُ، وَقَدْ مَالَ إِلى الْجَوَازِ
٤٥٣ - مُطْلَقًا (الْخَطِيْبُ) (وَابْنُ مَنْدَهْ) ثُمَّ (أبو الْعَلاَءِ) أَيْضًا بَعْدَهْ
٤٥٤ - وَجَازَ لِلْمَوْجُوْدِ عِنْدَ (الطَّبَرِيْ) وَالشَّيْخُ لِلإِبْطَالِ مَالَ فَاحْذَرِ (٣)
٤٥٥ - وَمَا يَعُمُّ مَعَ وَصْفِ حَصْرِ كَالْعُلَمَا (٤) يَوْمَئِذٍ بِالثَّغْرِ
٤٥٦ - فَإِنَّهُ إِلى الْجَوَازِ أَقْرَبُ قُلْتُ (عِيَاضٌ) قالَ: لَسْتُ أَحْسِبُ
٤٥٧ - فِي ذَا اخْتِلاَفًا بَيْنَهُمْ مِمَّنْ يَرَى إِجَازَةً لِكَوْنِهِ مُنْحَصِرَا
(والثالثُ) مِن أَنْواعِ الإِجَازَةِ: (التَّعْمِيمُ فِي الْمُجازِ لَهُ) سَوَاءٌ أعيَّنَ (٥) المجازَ بِهِ، أَمْ أطلقَ، كَقولِهِ: أجزتُ لِلْمُسْلِمينَ، أَوْ لِمَنْ أدركَ زمانِي (٦) الكِتَابَ الفلانِيَّ، أَوْ مروياتي.
(وَقَدْ مَالَ إلى الْجَوازِ) أي: - جَوَازِ هَذَا النوعِ - (مُطْلَقًا) أي: سَوَاءً الموجودُ وقتَ الإِجَازَةِ وبعدَها، قَبْلَ وفاةِ الْمُجيزِ، قَيَّدَ بِوَصْفٍ خَاصٍّ، كأهلِ الإقليمِ الفلانيِّ، أَوْ مَنْ مَلَكَ نُسْخةً مِن تَصْنيفِي هَذَا، أَوْ لَمْ يقيِّدْ كمَنْ قَالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ» الحافظُ (الخطيبُ (٧)، و) الحافظُ (ابنُ مَنْدَهْ (٨)، ثُمَّ) الحافظُ (أَبُو العلاءِ) الحسنُ بنُ أَحْمَدَ
_________________
(١) في (م): «الخلاف».
(٢) الكفاية: (٤٧٧ ت، ٣٣٤ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
(٣) في نسخة (أ) من متن الألفية والنفائس: «فاحذري».
(٤) بالقصر؛ لضرورة الوزن وسينبه عليه الشارح.
(٥) في (ص): «عين».
(٦) «زماني»: سقطت من (ص).
(٧) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠، والكفاية: (٤٩٣ ت، ٣٤٥ - ٣٤٦ هـ)، والإلماع: ٩٨.
(٨) حكاه عنه ابن الصّلاح: ٣١٥.
[ ١ / ٣٩٣ ]
العطَّارُ الهمدانِيُّ مالَ إلى جوازِهِ (أَيْضًا) (١).
وقوله: (بَعْدَهْ) أي: بَعْدَ ابنِ مَنْدَه تأكيدٌ.
(وَجَازَ) التَّعميمُ فِي المجازِ لَهُ بِقسمَيْهِ السَّابِقَينِ، لَكِنْ (لِلْمَوْجُودِ) وقتها خاصَّةً (عِنْدَ) القاضِي أَبِي الطيِّبِ طَاهِرِ (الطَّبَرِيْ) (٢)؛ لخبرِ: «بَلِّغُوْا عَنِّيْ» (٣).
(والشيخُ) ابنُ الصَّلاحِ (للإبطالِ) لِذلِكَ (مَالَ)، حَيْثُ قَالَ: «لَمْ نرَ، وَلَم نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أنَّهُ اسْتَعْمَلَ هذِهِ الإِجَازَةَ، وَلاَ عَن الشِّرْذِمَةِ (٤) الْمُتأخِّرةِ الذين سوَّغوها، والإجازةُ في أصلِها ضَعِيْفَةٌ، وَتَزدادُ بِهذا التَّوسُّعِ ضَعْفًا كَثِيْرًا، لا يَنْبَغي احتمالُهُ» (٥).
(فَاحْذَرِ) اسْتعْمَالَها رِوَايَةً وعَمَلًا؛ لَكِنْ أجازَها جَماعَاتٌ مِنَ الأئِمَّةِ الْمُقْتَدى بِهم مِمَّنْ تقدَّمَ ابنَ الصَّلاحِ، ومِمَّنْ تأخّرَ عَنْهُ، وَرَجَّحَهُ ابنُ الحَاجِبِ (٦)، والنَّوَويُّ (٧)، وَغيرُهما.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٥، وابن العماد في شذرات الذهب ٤/ ٢٨٢. وقد حكاه عنه الحازمي كما قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة ٢/ ١٣٢. وقد ناقش العراقي ابن الصلاح في هذا نقاشًا مستفيضًا في كتابه التقييد: ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) الإلماع: ٩٨، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠١٥٧) و(١٩٢١٠)، وأحمد ٢/ ١٥٩ و٢٠٢ و٢١٤، والدارمي (٥٤٨)، والبخاري ٤/ ٢٠٧ (٣٤٦١)، والترمذي (٢٦٦٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٣٣) و(٣٩٨)، وفي شرح معاني الآثار٤/ ١٢٨، وابن حبان (٦٢٦٥)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٧٨، والقضاعي (٦٦٢)، والخطيب في تاريخه ١٣/ ١٥٧، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٤٠، والبغوي (١١٣) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٤) الشرذمة: تطلق على القليل من الناس. مقاييس اللغة ٣/ ٢٧٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٥ - ٣١٦، قال العراقي في شرح التبصرة ٢/ ١٣٣: «ممن أجازها أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خيرون البغدادي، وأبو الوليد بن رشيد المالكي، وأبو الطاهر السلفي، وغيرهم. ورجّحه أبو عمرو بن الحاجب، وصحّحه النّوويّ من زياداته في " الروضة " وقد جمع بعضهم من أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيف له، جمع فيه خلقًا كثيرًا رتبهم على حروف المعجم، لكثرتهم». وانظر: منتهى الوصول: ٨٣، وروضة الطالبين ١١/ ١٥٨.
(٦) منتهى الوصول: ٨٣.
(٧) روضة الطالبين ١١/ ١٥٨. قال العراقي في التقييد: ١٨٢: «أن ما رجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين وصححه النّوويّ في الروضة من زيادته فقال: الأصح جوازها».
[ ١ / ٣٩٤ ]
هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّاظِمُ مَعَ أنَّه مِمَّنْ رَوَى بِها: «وَفِي النَّفْسِ مِنْها شيءٌ، وَأَنَا أتوقَّفُ عَنِ الرِّوَايَةِ بِهَا» (١). وَقَالَ فِي " نُكَتِهِ ": «والاحْتياطُ تَرْكُ الرِّوَايَةِ بِها» (٢). وَنَقَل شَيْخُنا عَدمَ الاعتدادِ بِهَا عَنْ مُتْقنِي شُيوخِهِ، وتبعَهُم فِيهِ.
(وَمَا يَعُمُّ مَعَ وَصْفِ حَصْرِ، كالعُلَمَا (٣» -بالقصرِ- الموجودينَ (يومئذٍ) أي: يومَ الإِجَازَةِ (بالثَّغْرِ) أي: ثَغْرِ دمياطَ، أَوْ إسْكَنْدريةَ، أَوْ غَيْرِهما (٤).
(فإنَّهُ) أي: اسْتِعْمَالَ الإِجَازَةِ في هذِهِ الصورةِ، (إلى الجوازِ أقربُ) مِنْهُ فِيْمَا لا حَصْرَ مَعَهُ.
قَالَهُ (٥) ابنُ الصَّلاحِ، وعَمِلَ بِهِ، حَيْثُ أجازَ رِوَايَةَ كِتَابِهِ " علوم
الحَدِيْث " (٦) عَنْهُ لِمَنْ ملَكَ مِنْهُ نُسْخَةً.
(قُلْتُ): وَقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الْقَاضِي (عِيَاضٌ)، فإنَّهُ (قَالَ: لَسْتُ أَحْسِبُ) أي أظنُّ (في) جَوازِ (ذَا) أي: مَا حُصِرَ بِوصْفٍ نَحْوُ قَوْلِ المُحدِّثِ: أَجزتُ لِمَنْ هُوَ الآنَ مِنْ طَلَبةِ العِلْمِ ببلدِ كَذَا، أَوْ لِمَنْ قَرَأَ عليَّ قَبْلَ هَذَا (اختِلافًا بينَهُم) أي: العُلَمَاءِ
(مِمَّنْ يَرى إجازةً) أي: جوازَ الإِجَازَةِ الخاصّةِ، ولاَ رَأيتُ مَنْعَهُ لأحدٍ؛ (لِكَونِهِ مُنْحَصِرا) مَوْصُوْفًا، كَقولِهِ: أجزْتُ لأولادِ فلانٍ، أَوْ إخوةِ فلانٍ (٧).
٤٥٨ - وَالرَّابعُ: الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيْزَ لَهْ أو مَا أُجِيْزَ كَأَجَزْتُ أَزْفَلَهْ
٤٥٩ - بَعْضَ سَمَاَعاِتي، كَذَا إِنْ سَمَّى كِتَابًا او (٨) شَخْصًا وَقَدْ تَسَمَّى
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٤.
(٢) التقييد والإيضاح: ١٨٣.
(٣) في (م): «كالعلماء» بإثبات الهمزة، ولم يفهم الناشر مراد الشارح.
(٤) في (م): «غيرها».
(٥) في (ق) و(م): «قال» وهو خطأ أحال المعنى.
(٦) الصّحيح في اسم هذا الكتاب: " معرفة أنواع علم الحديث "، وما اشتهر فيه فإنما هو تجوز. انظر: دراستنا لكتاب معرفة أنواع علم الحديث لابن الصّلاح: ٥٧ - ٦٢.
(٧) الإلماع: ١٠١.
(٨) بالإدراج؛ لضرورة الوزن.
[ ١ / ٣٩٥ ]
٤٦٠ - بِهِ سِوَاهُ ثُمَّ لَمَّا يَتَّضِحْ مُرَادُهُ (١) مِنْ ذَاكَ فَهْوَ لاَ يَصِحْ
٤٦١ - أَمَّا الْمُسَمَّوْنَ مَعَ الْبَيَانِ (٢) فَلاَ يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ
٤٦٢ - وَتَنْبَغِي الصِّحَّةُ إِنْ جَمَلَهُمْ (٣) مِنْ غَيْرِ عَدٍّ وَتَصَفُّحٍ لَهُمْ
(والرابعُ) من أنواعِ الإِجَازَةِ:
(الجهلُ بِمَنْ أجيزَ لَهْ، أَوْ مَا أُجيزَ) بِهِ، أَوْ الجهلُ بِهمَا، المفهومُ بالأولى، بلِ الصَّادِقُ بِهِ كلامُهُ، بجَعْلِ القضيةِ فِيهِ مَانِعَةُ خلوٍّ، وَفِي مِثالِهِ الآتي إشارةٌ إِليهِ.
فالأول: كأجزْتُ بعضَ النَّاسِ " صَحِيْحَ البخاريِّ ".
والثاني: كأجزْتُ فلانًا بَعْضَ مَسْمُوعَاتِي.
والثالث: (كأجزْتُ أَزفَلَهْ) - بفتحِ أولِهِ وثالِثِهِ - أي: جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ (٤)
(بَعْضَ سَمَاعَاتي).
و(كَذَا إنْ سَمَّى) أي: المجيزُ (كِتَابًا، اوْ (٥» بالدرجِ (شَخْصًا).
(وَقَدْ تَسَمَّى بِهِ) أي: بالكتابِ أَوْ الشَّخْصِ (سِوَاهُ)، ك: أجزتُ لَكَ أَنْ تَرويَ عَنِّي كِتَابَ " السُّنَنِ "، وَفِي مَرْوِيَّاتِهِ عدَّةُ كُتُبٍ يُعرفُ كُلٌّ مِنْها بالسنَنِ (٦).
أَوْ أجزْتُ مُحَمَّدَ بنَ خالدٍ الدِّمَشْقِيَّ، وثَمَّ جَمَاعَةٌ يُشَاركونَهُ في اسمِهِ ونسبتِهِ المذكورةِ (٧).
_________________
(١) في (النفائس): «مراداه» وهو خطأ.
(٢) في نسخة (ب) من متن الألفية: «البياني» وهو خطأ.
(٣) قال البقاعي في نكته الوفية: ٢٥٦ / أ: «أي: جمعهم، يقال: جمل الشيء إذا جمعه، والحساب أي: ردّه إلى الجملة». وانظر: لسان العرب ١١/ ٢٧ (جمل).
(٤) انظر: الصحاح ٤/ ١٧١٦، ولسان العرب ١١/ ٣٠٥ (زفل).
(٥) في (م): أثبت الهمزة، ولم يفقه مراد الشارح.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٦، وشرح التبصرة ٢/ ١٣٦، والنكت الوفية: ٢٥٦/ أ. قال الحافظ العراقي: «فإن هذه الإجازة غير صحيحة».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٦، والإرشاد ١/ ٣٧٧. وفي تاريخ دمشق ٥٢/ ٣٧٩ - ٣٩١ جماعة باسم محمّد بن خالد الدّمشقيّ. فانظره إن شئت.
[ ١ / ٣٩٦ ]
(ثُمَّ لَمَّا) أي: لَمْ (يَتَّضِحْ مُرادُهُ) أي: المجيزُ (مِن ذاكَ (١» بقرينةٍ، (فَهْوَ) أي: استعمالُ هذِهِ الإِجَازَةِ (لا يَصِحْ) (٢) لِلِجَهلِ بالْمُرادِ، بِخِلافِ مَا إذَا اتَّضَحَ مُرادُهُ بِقَرينةٍ.
كأنْ قِيلَ لَهُ: أجزتَ لِي كِتَابَ "السُّنَنِ"، لأبي داودَ؟ فيقولُ: أجزتُ لَكَ رِوَايَةَ السُّنَنِ (٣).
أَوْ قِيلَ لَهُ: أجزتَ لِمُحَمَّدِ بنِ خالدِ بنِ عليِّ بنِ محمودٍ الدِّمَشْقِيِّ؟ بحيثُ لا يلتبسُ، فَقَالَ: أجزتُ لِمُحَمَّدِ بنِ خالدٍ الدِّمَشْقِيِّ.
فإنَه يَصِحُّ؛ لأنَّ الجوابَ ينزلُ عَلَى المسْؤُولِ عَنْهُ (٤).
(أمَّا) الجَمَاعَةُ (المُسَمَّوْنَ) المعيَّنُونَ في اسْتِدْعَاءٍ، أَوْ غيرِهِ، (مَعَ البَيانِ) لَهُمْ، ولأنْسَابِهِم، وَشُهْرتِهِم، بِحيثُ يزولُ الالتباسُ، (فَلاَ يَضرُّ) حينئذٍ (الْجَهْلُ) مِنَ الْمُجيزِ (بالأَعْيانِ) فِي صِحَّةِ الإِجَازَةِ، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةَ المُسْمِعِ عينَ السَّامِعِ مِنْهُ.
(وتَنْبَغِي (٥) الصِّحَّةُ إنْ جَمَلَهُمْ) أي: جَمَعَهُم بالإِجَازَةِ (مِن غَيْرِ عدٍّ، وتَصَفُّحٍ لَهُمْ) واحدًا واحدًا، كَمَا في سَمَاعِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بهذا الوصفِ (٦).
٤٦٣ - وَالْخَامِسُ: التَّعْلِيْقُ فِي الإِجَازَهْ بِمَنْ يَشَاؤُهَا الذَّيِ أَجَازَهْ
٤٦٤ - أو غَيْرُهُ مُعَيَّنًا، وَالأُولَى أَكْثَرُ جَهْلًا، وَأَجَازَ الْكُلاَّ
٤٦٥ - مَعًا (أبو يَعْلَى) الإِمَامُ الْحَنْبَلِيْ مَعَ (ابْنِ عَمْرُوْسٍ) وَقَالاَ: يَنْجَلِي
٤٦٦ - الْجَهْلُ إِذْ يَشَاؤُهَا، وَالظَّاهِرُ بُطْلاَنُهَا أَفْتَى بِذَاك (٧) (طَاهِرُ)
_________________
(١) في (ص) و(ع) و(م): «ذلك»، وما أثبتناه من (ق)، وهو الموافق لما جاء في متن الألفية.
(٢) في (م): «لا تصح».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٧.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في (م): «وينبغي».
(٦) قال ابن الصّلاح: «فينبغي أن يصح ذلك أيضًا، كما يصح سماع من حضر مجلسه للسماع منه، وإن لم يعرفهم أصلًا ولم يعرف عددهم ولا تصفح أشخاصهم واحدًا واحدًا». معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٦ - ٣١٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٧، والإرشاد ١/ ٣٧٨.
(٧) كذا في النسخ كلها، وفي النفائس: «بذاك أفتى »، ويصح الوزن به.
[ ١ / ٣٩٧ ]
٤٦٧ - قُلْتُ: وَجَدْتُ (ابنَ أبي خَيْثَمَةِ) أَجَازَ كَالَّثانِيَةِ الْمُبْهَمَةِ
٤٦٨ - وَإِنْ يَقُلْ: مَنْ شَاءَ يَرْوِي قَرُبَا وَنَحْوَهُ (الأَزْدِيْ) مُجِيْزًا كَتَبَا
٤٦٩ - أَمَّا: أَجَزْتُ لِفُلاَنٍ إِنْ يُرِدْ فَالأَظْهَرُ الأَقْوَى الْجَوَازُ فَاعْتَمِدْ
(الخامسُ) مِن أَنْواعِ الإِجَازَة:
(التَّعليقُ في الإجازهْ) (١)، والرِّوَايَةِ، وَلَمْ يُفْردْهُ ابنُ الصَّلاحِ بنوعٍ، بَلْ أَدْخلَهُ في نوعٍ قَبْلَهُ؛ لأنَّ فِيهِ جَهالةً وَتَعْلِيقًا (٢). وأفْرَدَهُ النَّاظِمُ (٣)؛ لأنَّ الصُّورةَ الأخيرةَ مِنْهُ لا جهالةَ فِيْهَا، كَمَا سَيأتِي.
ثُمَّ تَعليقُ الإِجَازَةِ إمّا أنْ يَكُونَ (بِمَنْ يَشَاؤُها الذي أجازَهْ) الشَّيْخُ، يعني بمشيئةِ المجازِ لَهُ المبهَمِ، كقولِهِ: مَنْ شاءَ أَنْ أجيزَ لَهُ، فَقَدْ أجزتُ لَهُ، أَوْ أجزتُ لِمَنْ شاءَ.
(أَوْ) بِمَنْ يشاؤُها (غيرُهُ) أي: غيرُ المجازِ لَهُ حالَ كونِهِ (مُعيَّنًا)، كَقولِهِ: مَنْ شَاءَ فلانٌ أنْ أجيزَهُ، فَقَدْ أَجَزْتُهُ، أَوْ أَجَزْتُ لِمَنْ يَشَاؤُه فُلاَنٌ، أَوْ أجزتُ لِمَنْ شئتُ إجازتَهُ.
(وَ) الصُّورةُ (الأُولى أكثرُ جَهْلًا) مِنَ الثّانِيةِ؛ لأنَّها مُعَلَّقةٌ بمشيئةِ مَنْ لا يُحْصَرُ (٤)، والثانيةُ بمشيئةِ (٥) مُعيَّنٍ، مَعَ اشتراكِهما في جهالةِ المجازِ لَهُ (٦).
وخَرَجَ بالمعيَّنِ المبْهَمُ في الثَّانيةِ، كقولِهِ: أجزتُ لِمَنْ شاءَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ أجيزَهُ، فهي باطلةٌ قَطْعًا، لوجودِ الْجَهالةِ فِيْهَا مِن جِهَتينِ.
(وأجازَ الْكُلاَّ) أي: الصُّورتينِ السَّابقتينِ (مَعًا أَبُو يَعْلى) مُحَمَّدُ بنُ الحُسَينِ ابنِ الفَرَّاءِ (الإمامُ الحنبليْ، مَعَ) الإمامِ أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ (٧) (٨) (ابنِ عَمْرُوْسٍ)
_________________
(١) في (م): «بالإجازة».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٨.
(٤) في (م): «لا يحضر».
(٥) في (م): «بمشيئة معلقة».
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٨.
(٧) في (ع) و(ص): «عبد الله» مكبرًا، وما أثبت هو الصواب. انظر: السير ١٨/ ٧٣.
(٨) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١، وانظر: الإلماع: ١٠٢.
[ ١ / ٣٩٨ ]
- بفتحِ أوَّلِهِ (١) -. (وَقَالا) (٢)، يعني: وَقَالَ مَنِ احتجَّ لَهُمَا، كَمَا أشارَ إِليهِ في
"شرحِهِ" (٣): لأنَّهُ (يَنْجَلِي الجهلُ) فِيْهِمَا فِي ثاني الحالِ (إِذْ) أي: حِيْنَ (يشاؤُها) أي: المعلقُ بمشيئةِ الإجازةِ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٤): (والظاهرُ بطلانُها) فِيْهِمَا، وَقَدْ (أَفْتَى بِذاكَ) أي: بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطيِّبِ (طاهرُ) بنُ عَبْدِ اللهِ الطَّبريُّ لَمَّا سَألَهُ الخطيبُ عَنْهَا، وَعلَّلَ بأنَّهُ إجازةٌ لمجهولٍ، فَهُوَ كَقَولِهِ: أجزْتُ لِبعضِ النَّاسِ (٥).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وَقَدْ يُعلَّلُ أَيْضًا بِما فِيْهَا مِنَ التَّعليقِ بالشَّرْطِ (٦).
(قُلْتُ): لَكِنْ قَدْ (وَجَدْتُ) الحافظَ أبا بَكْرٍ أَحْمَدَ (ابنَ أبي خَيْثَمَةِ أجازَ) مَا هُوَ، (كالثَّانِيةِ الْمُبْهَمَةِ) في المجازِ لَهُ فَقَطْ،، فإنَّهُ قَالَ (٧): قَدْ أجزتُ لأبي زكريا يَحْيَى بنِ مَسْلَمَةَ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي مَا أحبَّ مِن " تاريخي " الذي سَمِعَهُ مِنِّي أَبُو مُحَمَّدٍ القاسمُ بنُ الأصبغِ، ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الأعلى، كَمَا سَمِعَاهُ مِنِّي، وأذنْتُ لَهُ في ذَلِكَ، ولِمَنْ أَحَبَّ مِنْ أصحابِهِ، فإنْ أحبَّ أنْ تَكُونَ الإِجَازَةُ لأحدٍ بَعْدَ هَذَا، فأنا أجزْتُ لَهُ ذَلِكَ بكتابِي هَذَا.
وَلما فَرَغَ منْ تعليقِ (٨) الإِجَازَةِ بمشيئَتِها، أخذَ في تَعْلِيقِها بمشيئةِ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ:
(وإنْ يقُلْ) أي: الشَّيْخُ: (مَنْ شَاءَ) أَنْ (٩) (يَرْوِي) عَنِّي، أجزْتُ لَهُ أنْ يَرْوِيَ عَنِّي، (قَرُبَا) جَوازهُ.
_________________
(١) هكذا ضبطه السمعاني في الأنساب٤/ ٢١٠، والسخاوي في فتح المغيث ٢/ ٨١، وضبطه الفيروزآبادي: بضمها ثمّ قال: «وفتحه من لحن المحدّثين». انظر: القاموس المحيط مع شرحه تاج العروس ١٦/ ٢٨١، وراجع ترجمة «ابن عمروس» في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٧٣.
(٢) في (م): «وقال».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٣٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٣٨.
(٥) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠، والكفاية (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧.
(٧) انظر: الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤١.
(٨) في (م): «تعيين».
(٩) في (ع) و(م): «أنه».
[ ١ / ٣٩٩ ]
وَعِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: هُوَ أولى بالجوازِ (١).
أي: مِمّا قبلَهُ عِنْدَ مجيزِهِ، من حَيْثُ إنَّ مُقْتَضَى كُلِّ إجازةٍ تَفْويضُ الرِّوَايَةِ بِهَا، إلى مشيئةِ المجازِ لَهُ، فَكانَ هَذَا مَعَ كونِهِ بِصيغةِ التَّعليقِ تصريحًا بما يقتضيهِ الإطلاقُ، وحكايةً لِلحَالِ لاَ تعليقًا في الحقيقةِ.
وأيَّدَهُ بِتَجْويزِ البَيْعِ، بقولِهِ: بِعتُكَ هَذَا بِكَذا إنْ شِئْتَ مَعَ القَبُولِ (٢).
وردَّهُ النَّاظِمُ بأنَّ الْمُبتاعَ معيَّنٌ، والمجازُ لَهُ هنا (٣) مُبْهَمٌ (٤).
قَالَ: نَعَمْ، وِزَانُهُ (٥) هُنا أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تروِيَ عَنِّي إنْ شئتَ الرِّوَايَةَ عَنِّي (٦).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٧): (ونحوَهُ) - بالنَّصْبِ بـ: «كَتَبا» - أي: ونحوَ مَا مَرَّ مِنَ التَّعْليقِ لَفْظًا بمشيئةِ الرِّوَايَةِ، الحافظُ أَبُو الفَتحِ مُحَمَّدُ بنُ الْحُسَيْنِ (الأزْديْ) حالَ كونِهِ (مُجِيزًا كَتَبَا) بِخطِّهِ، فَقَالَ: أَجَزْتُ رِوَايَةَ ذَلِكَ لجميعِ مَنْ أحَبَّ أَنْ يرويَهُ عَنِّي.
هَذَا كُلُّهُ في تَعْلِيقِ الإِجَازَةِ، والرِّوَايَةِ مَعَ إبهامِ الْمُجازِ لَهُ.
(أمَّا) مَعَ تعيينِه نَحْوَ (أَجَزْتُ لِفُلانٍ إنْ يُرِدْ). أَوْ يحبَّ، أَوْ يشاءَ، الإِجَازَةَ أَوْ الرِّوَايَةَ عَنِّي. (فَالأظْهَرُ الأَقْوى الْجَوازُ)، لانتِفاءِ الْجَهالةِ (٨)، وحقيقةِ التعليقِ، (فاعتمِدْ) هُ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٧، وانظر: التقييد: ١٨٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحَدِيْث: ٣١٨، وانظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٢٢، والتقييد والإيضاح: ١٨٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤١، وقارن بـ: فتح العزيز ٨/ ١٠٥، والمجموع ٩/ ١٧٠، ومغني المحتاج ٢/ ٢٣٤.
(٣) في (م): «هاهنا».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤١.
(٥) وزانًه: أي نظيره. انظر: لسان العرب ١٣/ ٤٤٨ (وزن).
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤١.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٨.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٨، وشرح التبصرة ٢/ ١٤٢، وقال الزّركشيّ في نكته ٣/ ٥٢٢: «هذا نظير مسألة البيع كما سبق، وبها يعتضد وجه الصّحّة هنا، وحكى ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول في هذه الحالة خلافًا، قال: فمنع منها قوم؛ لأنها تحتمل فيعتبر فيه تعيين المجمل - قال - وهذا هو الأخذ بالاحتياط، والأولى بنجابة المحدث وحفظه»، وانظر: جامع الأصول ١/ ٨٣.
[ ١ / ٤٠٠ ]
٤٧٠ - وَالسَّادِسُ: الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِفُلاَنِ (١) مَعْ
٤٧١ - أَوْلاَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهْ حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ
٤٧٢ - وَهُوَ (٢) أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ (ابْنُ أبي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثِّلاَ
٤٧٣ - بِالْوَقْفِ، لَكِنَّ (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ
٤٧٤ - كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقَا عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبِقَا
٤٧٥ - مِنِ (٣) ابْنِ عَمْرُوْسٍ مَعَ الْفَرَّاءِ وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلى اسْتِوَاءِ
٤٧٦ - فِي الْوَقْفِ في صِحَّتِهِ (٤) مَنْ تَبِعَا أَبَا حَنِيْفَةٍ (٥) وَمَالِكًا مَعَا
(والسَّادِسُ) مِن أَنْواعِ الإِجَازَةِ:
(الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (لِمَعْدومٍ تَبَعْ) -بالوقفِ بلغةِ ربيعةَ- أي: إما تَبعًا لموجودٍ،
(كَقولِهِ: أجزْتُ) مَرْويَّاتِي (لفُلانِ) - بغيرِ تنوينٍ - والبيتُ دخلَهُ الشكلُ، وَهُوَ لا يَدْخُلُ الرجزَ (مَعْ أوْلاَدِهِ، وَنَسْلِهِ، وعَقِبِهْ، حَيْثُ أَتَوْا)، وَلَوْ بَعْدَ حياةِ الْمُجيزِ.
أَوْ أَجَزْتُ لَكَ، ولِمَنْ يُولدُ لَكَ (٦).
(أَوْ) غَيْرَ تَبَعٍ، بأنْ (خَصَّصَ) المجيزُ (الْمَعْدُومَ بِهْ) أي: بالإذنِ، وَلَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى موجودٍ، كقولِهِ: أجزْتُ لِمَنْ يُولدُ لفلانٍ.
(وَهُوَ) أي: القِسْمُ الثَّانِي (أَوْهَى) أي: أضعفُ مِنَ الأَوَّلِ، والأَوَّلُ أقربُ إلى الْجَوازِ (٧).
_________________
(١) بلا تنوين؛ لضرورة الوزن، وقد دخل هذا الشطر الشكل وهو حذف الساكن السابع في «مستفعلن» فتصبح «مستفعل» بضم اللام. وهو لا يدخل بحر الرجز الذي كتبت عليه القصيدة، وسيشير الشارح إلى ذلك.
(٢) بضم الهاء؛ لضرورة الوزن.
(٣) بكسر النون لالتقاء الساكنين.
(٤) كذا في النسخ كلها وفي النفائس: « أي في صحة » والوزن صحيح به أيضًا.
(٥) في نسخة (ج) بعدم الصرف، وكلاهما جائز، غير أن الأولى صرفه؛ لكراهة زحاف الخبل عِنْدَ العروضيين.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٣.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٨.
[ ١ / ٤٠١ ]
(وَ) لِذا (أَجَازَ الأَوَّلا) خَاصَّةً، الحافِظُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ (بنُ أَبِي داودَ) السِّجِسْتَانيُّ، بَلْ فَعَلَهُ، فَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ الإِجَازَةَ: أَجَزْتُ لَكَ، وَلأولادِكَ، وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ، يعني: الذين لَمْ يُولَدُوا (١) بَعْدُ (٢).
(وَهُوَ مُثِّلا) أي: شُبِّهَ (بالوَقْفِ)، والوصيةِ عَلَى الْمَعْدومِ، حَيْثُ يصِحَّانِ فِيهِ، إذَا عَطَفَ عَلَى مَوْجودٍ، ك: وقفْتُ، أَوْ أوصَيْتُ (٣) فلانًا عَلَى أولادِي الموجودينَ، ومَنْ يحدِثُهُ الله لي مِنَ الأولادِ (٤).
(لَكِنَّ) القاضِي (أبا الطيِّبِ رَدْ كِلَيْهِمَا) (٥) أي: القِسْمينِ، (وَهْوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدْ)؛ لأنَّ الإِجَازَةَ في حُكْمِ الإخبارِ جُملةً بالمجازِ؛ فَكَمَا لا يَصحُّ الإخبارُ للمعدومِ، لا تَصِحُّ الإِجَازَةُ لَهُ.
وفَارَقَتِ الوَقْفَ، بأنَّ المقصودَ (٦) فِيْهَا اتِّصالُ السَّنَدِ، ولا اتِّصالَ بَيْنَ الموجودِ، والمعدومِ.
و(كَذَا) رَدَّهُما (أَبُو نَصْرٍ) ابنُ الصَّبَّاغِ (٧).
(و) لَكِنْ (جَازَ) الإذْنُ لِلمَعْدُومِ (مُطْلَقا) عَنِ التَّقييدِ بأوَّلِهما (عِنْدَ) الحافِظِ أَبِي بَكْرٍ (الخطيبِ) قياسًا عَلَى صِحَّةِ الإِجَازَةِ لِلْمَوجودِ، مَعَ عَدَمِ اللِّقاءِ، وبُعْدِ الدارِ (٨).
(وَبِهِ) أي: بالجوازِ مطلقًا (قَدْ سُبِقا) أي: الْخَطيبُ (مِن ابنِ عَمْرُوْسٍ، مَعَ) أَبِي يَعْلَى ابنِ (الفَرَّاءِ)، وَغيرِهِ (٩).
_________________
(١) في (م): «يولد».
(٢) الكفاية: (٤٦٥ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٧٦ ومن طريقه أورده القاضي عياض في الإلماع: ١٠٥، قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٢٧١: «يحتمل أن يكون ذلك على سبيل المبالغة وتأكيد الإجازة، لا أن المراد به حقيقة اللفظ».
(٣) في (م): «وصّيت».
(٤) انظر: الأم للشافعي ٤/ ١٢٩ - ١٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٣، وفتح المغيث ٢/ ٨٤، وقارن بـ: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٢٣، ومحاسن الاصطلاح: ٢٧١.
(٥) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
(٦) في (ص): «المقصد».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣١٩.
(٨) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١.
(٩) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١، والإلماع: ١٠٢، والبحر المحيط ٤/ ٤٠١.
[ ١ / ٤٠٢ ]
(وَقَدْ رَأى الْحُكْمَ عَلَى استواءِ (١) في الوَقْفِ) أي: (في صِحَّتِهِ) أي: رأى صِحَّتِهِ في القِسْمَينِ مُعظمُ (مَنْ تَبِعَا أبَا حَنِيْفَةٍ) - بصرفهِ للوزنِ (٢) - (وَمَالِكًا مَعَا) (٣) أي: فيلزمُهم القَوْلُ بِهَا في الإجازةِ فِيْهَا (٤). وَقَدْ قَدّمْتُ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
٤٧٧ - وَالسَّاِبعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ لِلأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْلِ
٤٧٨ - غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ رَأَى (أَبُو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ
٤٧٩ - وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ نَقْلًا، بَلَى (٥) بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعِلا
٤٨٠ - وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضًا نَقْلاَ وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى (٦) فِعْلاَ
٤٨١ - وَ(لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ
٤٨٢ - مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ فِيْهَا إِذْ فَعَلْ
٤٨٣ - وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ (٧)
(والسابعُ) مِن أنواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإجازةُ من الشَّيْخِ (لغيرِ أَهْلِ) وقتِها، (لِلأخْذِ عَنْهُ)، وللأدَاءِ (كَافِرٍ)، أَوْ فَاسِقٍ، أَوْ مُبتدعٍ، أَوْ مَجْنونٍ، أَوْ حَمْلٍ، (أَوْ طفلِ غيرِ مُميِّزٍ) (٨). و«كَافِرٍ» مَعَ مَا بَعْدَهُ بدلٌ مِن «غيرِ أهلِ».
(وَذَا الأَخِيْرُ) أي: الإذْنُ للطِّفْلِ - وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَى التَّصْريحِ بِهِ ابنُ الصَّلاحِ (٩) مَعَ أنَّه لَمْ يُفْرِدْهُ بِنَوْعٍ، بَلْ ذَكَرَهُ آخرَ النَّوعِ قَبْلَهُ - (رَأَى) أي: رآهُ صَحِيْحًا الْقَاضِي
_________________
(١) في (م): «استوائه».
(٢) أشرنا سابقًا أن الوجهين - بالصرف وعدمه - جائز.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٤.
(٤) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١.
(٥) في (ب): «بلا» وهو خطأ.
(٦) في (ب): «أولا» وهو خطأ.
(٧) قال البقاعي: أي: أنّه يعلم أي: يعامل معاملة المعلوم. النكت الوفية: ٢٥٨/ب.
(٨) بعد هذا في (م): «تمييزًا يصح معه السّماع»، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٨٦.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠.
[ ١ / ٤٠٣ ]
(أَبُو الطَّيِّبِ)، وفَرَّقَ بينَهُ وبينَ السَّمَاعِ، بِأنَّ الإجازةَ أوسعُ؛ فإنَّها تَصِحُّ للغالبِ بخلافِ السَّمَاعِ (١).
(و) كَذَا رآهُ (الْجُمْهُورُ).
واحتجَّ لَهُ الْخَطيبُ (٢) بأنَّ الإجازةَ إنَّما هِيَ إباحةُ المُجيزِ الرِّوَايَةَ للمُجازِ لَهُ، والإباحةُ تَصِحُّ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ (٣).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وَكَأنَّهمْ رأوا الطِّفْلَ أهلًا لِتَحَمُّلِ هَذَا النَّوعِ الخَاصِّ، ليؤدِّيَ بِهِ بَعْدَ أهليتِهِ، حرصًا عَلَى بقاءِ الإسنادِ الّذي اخْتَصَّتْ بِهِ هذِهِ الأمةُ، وتقريبِهِ مِن رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - (٤).
وَقِيلَ: لاَ تَصِحُّ الإِجَازَةُ لَهُ لِعَدمِ تمييزِهِ. وبه قَالَ الشَّافِعيُّ، والإجازةُ لِلْمَجنونِ صَحِيْحةٌ، كَمَا شَمِلَهُ كلامُ الخطيبِ السَّابقِ.
قَالَ النَّاظِمُ (٥): (وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافرٍ) أي: في الإِجَازَةِ لَهُ (نَقْلًا) مَعَ تَصرِيحِهم بِصِحَّةِ سَمَاعِهِ، كَمَا مَرَّ.
(بَلَى) أي: نَعَمْ (بِحضْرَةِ) الحافظِ أبي الحجَّاجِ يوسفَ بنِ عَبْدِ الرحمانِ (الْمِزِّيِّ) - بكسرِ الميمِ - نسبةً للمِزَّةِ قريةٍ بدمشقَ (٦)، (تَتْرَا) (٧) أي: متتابعًا، (فُعِلا) (٨).
حَيْثُ أجازَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المؤمن، لِمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ السَّيِّدِ بنِ الدَّيَّانِ، حالةَ يهوديَّتِهِ في جُمْلَةِ السَّامِعينَ جَمِيْعَ مرويَّاتِهِ، وكتبَ اسمَهُ في الطبقةِ، وأقرَّهُ المِزِّيُّ (٩).
وإذا جازَ ذَلِكَ في الكَافرِ، فَفِي الفاسِقِ والْمُبْتَدعِ أوْلَى، فإذَا زَالَ مَانِعُ الأَداءِ، صَحَّ الأداءُ، كالسَّمَاعِ.
_________________
(١) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠، وانظر: النكت الوفية: ٢٥٨/ب.
(٢) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠، وانظر: النكت الوفية: ٢٥٨/ب.
(٣) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٦.
(٦) معجم البلدان ٥/ ١٢٢.
(٧) في (م): «تترى».
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٦.
(٩) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٦، وفتح المغيث ٢/ ٨٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
(وَلَمْ أَجِدْ فِي) إجازةِ (الْحَمْلِ أَيْضًا نَقْلا، وَهْوَ) أي: جوازُ الإِجَازَةِ لَهُ، وإنْ لَمْ تُنْفَخْ (١) فِيهِ الروحُ، أَوْ لَمْ يُعطَفْ عَلَى موجودٍ (مِن) جوازِ الإِجَازَةِ (المعدومِ أوْلَى فِعْلا) أي: مِن جهةِ الفِعْلِ قياسًا عَلَى صِحَّةِ الوَصيةِ لَهُ.
(وَلِلْخَطيبِ) مِمَّا يُؤيِّدُ عَدَمَ النَّقْلِ في الحَمْلِ، (لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ) أي: أجازَ لَهُ، مَعَ أنَّهُ ممَّنْ يَرى صِحَّةَ الإِجَازَةِ لِلْمَعْدومِ، كَمَا مَرَّ.
(قُلْتُ): قَدْ (رَأَيْتُ بَعْضَهُم)، وَهُوَ شَيْخُه الحافِظُ أَبُو سَعيدٍ العلائيُّ (٢)، (قَدْ سَألَهْ) أي: للإذْنِ لِلْحَمْلِ (مَعْ) - بالسكونِ - (أَبَويْهِ، فَأَجازَ)؛ لِكَوْنِهِ يَرَاها (٣) مُطْلَقًا، أَوْ يغتفِرُها تَبَعًا.
(و) لَكِنْ قَدْ يُقالُ: (لَعَلْ) أي: لَعَلَّهُ (مَا اصَّفَّحَ) أي: تَصَفَّحَ، بمعنى: نَظَرَ (٤) (الأسْماءَ) التي (فِيْهَا) أي: في الاستجازةِ، حَتَّى يَعْلَمَ هَل فِيْهَا حَمْلٌ أَوْ لا؟
(إِذْ فَعَلْ) أي: حِيْنَ أجازَ بناءً عَلَى مَا مَرَّ مِن صِحَّةِ الإِجَازَةِ بدونِ تَصَفُّحٍ إلاّ أنَّ الغَالِبَ أنَّ المحدِّثينَ لا يُجيزونَ إلاَّ بَعْدَ نَظرِ أسْماءِ المسؤولِ لَهُمْ، كَمَا هُوَ المشاهدُ (٥).
(وَيَنْبَغِي الْبِنَا) بِالقَصْر للوزنِ أي: بناءُ صِحَّةِ الإِجَازَةِ للحَمْلِ، (عَلَى مَا ذَكرُوا) أي: الفُقَهَاءُ (هَلْ يُعْلَمُ الحمْلُ)؟ أي: يُعاملُ مُعاملةَ الْمَعْلومِ أَوْ لاَ؟
فإنْ قُلْنَا: نَعم (٦)، صَحَّتِ الإِجَازَةُ، وإنْ قُلْنَا: لاَ، فَكَالْوصيةِ لِلْمَعْدومِ.
(وَهَذا) أي: مَا ذُكِرَ مِنَ البناءِ، وكونِ الحَمْلِ يُعْلَمُ: (أَظْهَرُ).
وَعَلَيْهِ فالإِجَازَةُ لِمَنْ ذُكِر هنا، كالسَّمَاعِ لا يشترطُ فِيْهَا الأهليَّةُ عِنْدَ التحمُّلِ بِهَا.
٤٨٤ - وَالثَّامِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا نُبْطِلُهْ
_________________
(١) في (م): «ينفخ».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٨.
(٣) في (م): «رآها».
(٤) انظر: النكت الوفية ٢٥٩/ أ.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٤٨.
(٦) في (ص) و(ق): «يعلم».
[ ١ / ٤٠٥ ]
٤٨٥ - وبَعْضُ عَصْرِيِّ (١) عِيَاضٍ بَذَلَهْ وَ(ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَهْ
٤٨٦ - وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ أو سَيَصِحُّ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ
٤٨٧ - (الدَّارَقُطْنِيْ) وَسِواهُ أوحَذَفْ يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ
(والثامنُ) مِن أْنواعِ الإِجَازَةِ:
(الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (بما سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ) المجيزُ يرويهِ المجازُ لَهُ بَعْدَ أنْ يتحمَّلَهُ المجيزُ.
(وَالصَّحِيحُ) مَا صوَّبَهُ (٢) الْقَاضِي عِيَاضٌ (٣)، والنَّوَوِيُّ (٤) (أَنَّا نُبْطِلُهْ)، كَمَا نُبطِلُ توكيلَ مَن وُكِّلَ ببيعِ مَا سيملِكُهُ؛ ولأنَّ الإِجَازَةَ في حُكْمِ الإخبارِ بالمجازِ جملةً، كَمَا مَرَّ، فَلا نجيزُ (٥) بما لا خبرَ عِنْدَهُ مِنْهُ.
وَلَمْ يُفَرِّقوا بَيْن عَطْفِهِ عَلَى مَا تحمَّلَهُ، ك: أَجَزْتُ لَكَ مَا رَوَيتُهُ، وَمَا سأرويهِ، وَعَدمِ عَطْفِهِ (٦) عَلَيْهِ.
(وبعضُ عَصْرِيِّ) الْقَاضِي (عِيَاضٍ)، كَمَا حَكاهُ هُوَ عَنْهُمْ (٧)، قَدْ (بَذَلَهْ) - بالمعجمةِ - أي: أعْطى مَنْ سَألَهُ الإذنَ كَذلِكَ مَا سَأَلَهُ، ووجَّهَ بأنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ أكثرُ مَا يُعتبرُ عِنْدَ الأداءِ لاَ عِنْدَ التَّحمُّلِ، فإذا ثَبَتَ عِنْدَ الأداءِ أنَّهُ تحمَّلَ بَعْدِ الإذنِ صَحَّ الأداءُ.
(و) لَكِنِ الْقَاضِي أَبُو الوليدِ يونُسُ (ابنُ مُغيْثٍ) الْقُرْطُبِيُّ، (لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلهْ) كَذلِكَ، بَلْ امتنعَ من إجابتِهِ، فَلاَ تَصِحُّ الإجازةُ بِهِ (٨).
_________________
(١) في نسخة (ب) من متن الألفية: «عصرتي».
(٢) في (ق): «صرح به».
(٣) الإلماع: ١٠٦.
(٤) الإرشاد ١/ ٣٨٦. وقال: «وهذا الذي صححه عياض، هو الصّواب».
(٥) في (ع): «يجيز».
(٦) في (م): «عطف».
(٧) الإلماع: ١٠٦.
(٨) المصدر السابق.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وَعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (١)، كغيرِهِ - عَلَى مَنْ يريدُ أَنْ يَرْوِي عَنْ شَيخٍ بالإجازةِ، أَنْ يَعْلَمَ أنَّ مَا يرويه عَنْهُ، مما تحمَّلَهُ شيخُهُ قَبْلَ إجازتِهِ لَهُ، ومثلُهُ مَا يتجدَّدُ للمجيزِ بعدَهُ من نَظْمٍ وَتَأليفٍ.
(و) أما (إنْ يَقُلْ) أي: الشَّيْخُ: (أَجَزتُهُ مَا صَحَّ لَهْ) أي عندَهُ حالَ الإِجَازَةِ، (أَوْ سَيَصِحُّ) عندَهُ مِن مَسْمُوعاتِي، (فَصَحِيْحٌ)، وإن كَانَ المجيزُ لا يعرفُ أنَّهُ يرويه وقتَ الإِجَازَةِ.
وَقَدْ (عَمِلَهْ الدَّارَقُطْنِيْ) (٢) -بالإسكانِ لِما مَرَّ-، (وَسِوَاهُ) مِنَ الْحُفَّاظِ.
وَلَهُ أنْ يرويَ مَا صَحَّ عَنْهُ عِنْدَهُ وَقْتَ الإِجَازَةِ، أَوْ بَعْدَها، أنَّهُ تحمَّلَهُ قَبْلَهَا (٣).
فَالشَّيخُ إنْ جَمَعَ بَيْنَ «صَحَّ» و«يَصِحُّ»، كَمَا تقرَّرَ، (أَوْ حَذَفْ يصحُّ، جازَ الكلُّ) أي: كُلٌّ مِنَ النوعينِ (حَيْثُمَا) زائدةٌ، (عَرَفْ) أي: الرَّاوِي حالَ الإِجَازَةِ أَوْ بعدَها، أنَّه مِمَّا تحمَّلَهُ الشَّيْخُ قبلَها. والمرادُ بِمَا صَحَّ: مَا صَحَّ حالَ الإِجَازَةِ، أَوْ بَعْدَها.
وَفَارقَتْ هذِهِ بِنوْعَيها مَا قَبلَها، بأنَّ الشَّيْخَ ثَمَّ لَمْ يَروِ بَعْدُ، وَهُنَا رَوَى، لكنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ عَالِمٍ بما رَواهُ، فَيَجْعلُ الأمرَ فِيهِ عَلَى ثُبوتِهِ عِنْدَ المجاز لَهُ.
٤٨٨ - وَالتَّاسِعُ: الإِذْنُ بِمَا أُجِيْزَا لِشَيْخِهِ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا
٤٨٩ - وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّاْدُ
٤٩٠ - أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ
٤٩١ - وَالَى ثَلاَثًَا بإِجَازَةٍ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ يُعْتَمَدْ
٤٩٢ - وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ
٤٩٣ - بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ (٤) مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢، والإرشاد١/ ٣٨٧، التقريب: ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة٢/ ١٥٤.
(٣) انظر: فتح المغيث ٢/ ٩٠.
(٤) قال البقاعي: «يخط: مضارع خطاه تخطيةً، أي: لم يتعدّ ولم يتجاوز ما صحّ عند شيخه ». النكت الوفية: ٢٥٩/ب، وانظر: شرح السيوطي للألفية ٢٥٨.
[ ١ / ٤٠٧ ]
(والتاسعُ) مِن أنواعِ الإِجَازَةِ: (الإذْنُ) أي: الإِجَازَةُ (بِمَا أُجِيزَا (١) لِشَيْخِهِ) المجيزِ، كَقولهِ: أجزتُ لَكَ مُجَازاتي، أَوْ رِوَايَةَ مَا أُجيزَ لِي (٢).
واختُلِفَ فِيهِ (فقيلَ: لَنْ يَجُوزَا) ذَلِكَ، وإن عطفَ عَلَى الإذنِ بمسموعٍ، (وَ) لكِنَّهُ (رُدَّ) حَتَّى قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّهُ قَوْلُ مَنْ لا يُعتدُّ بِهِ مِنَ الْمُتَأخِّرينَ (٣).
وَقِيلَ: إنْ عطفَ عَلَى ما ذكرَ جازَ، وإلاّ فَلاَ.
(وَالصَّحِيحُ) الذِي عَلَيْهِ العَمَلُ (الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ) أي: عَلَى الإذْنِ بِمَا أُجيزَ مطلقًا، ولاَ يُشْبَهُ منْعُ الوكيلِ التوكيلَ بغيرِ إذنِ الْمُوَكِّلِ؛ لأنَّ الحقَّ ثَمَّ لموكلِهِ، فإنَّهُ ينفّذُ عَزْلُه لَهُ بخلافِهِ هنا، إِذْ الإِجَازَةُ مُخْتَصَّةٌ بالمجازِ لَهُ، فإنَّهُ لَوْ رَجَعَ المجيزُ عَنْهَا لَمْ ينفَّذْ (٤).
وَ(قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّادُ)، مِنْهُمْ: الحافِظُ (أَبُو نُعَيْمٍ) الأصْبَهانيُّ، فَقَالَ: الإِجَازَةُ عَلَى الإِجَازَةِ قويةٌ جائزةٌ (٥).
(وكذا) جوَّزَهُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ (ابنُ عُقْدَهْ) - بضمِّ العينِ - الكوفيُّ،
(والدَّارَقُطْنِيُّ)، وغيرُهما (٦).
(ونَصْرٌ)، وَهُوَ الفقيهُ الزاهدُ ابنُ إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيُّ (بَعْدَهْ) أي: بَعْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، (وَالَى) أي: تَابعَ (ثَلاثًا) مِنَ الأجائزِ (٧) (بإجازةٍ) (٨).
_________________
(١) في (م): «أجيز».
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٩٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢، وانظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٢٥، ومحاسن الاصطلاح: ٢٧٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥٢.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢.
(٥) حكاه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢ وجادةً عن أبي عمرو السفاقسي، قال: سمعت أبا نعيم الحافظ الأصبهاني يقول: فذكره .
(٦) الكفاية: (٥٠٠ ت، ٣٤٩ - ٣٥٠ هـ)، معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥٣. وقال الحافظ العراقي: «وفعله الحاكم في تاريخه».
(٧) جمع إجازة.
(٨) حكاه عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٣. قال البلقيني في المحاسن: ٢٧٥: «القرينة الحالية من إرادة إبقاء السلسلة، قاضية بأن كلّ مجيز بمقتضى ذلك، أذن لما أجازه أن يجيز، وذلك في الإذن في الوكالة جائز».
[ ١ / ٤٠٨ ]
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهرٍ: سَمِعْتُهُ ببيتِ الْمَقْدِسِ يَرْوِي بالإجازةِ، عَنِ الإِجَازَةِ، ورُبَّما تَابَعَ بَيْن ثلاثٍ مِنْها (١).
قَالَ النَّاظِمُ: (وَقَدْ رَأيتُ مَنْ وَالَى) بأكثرَ مِن ثَلاثٍ، فَمِنْهُم مَنْ وَالَى بأربعٍ، وَمِنْهُمْ مَن وَالى (بِخَمْسٍ) مِمَّنْ (يُعتَمَدْ) عَلَيْهِ مِنَ الأئِمَّةِ، كالحافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الكريمِ الحلبيِّ، فإنَّهُ رَوَى في " تاريخِ مِصْرَ " لَهُ عَن عَبْدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الأزديِّ بخمسِ أجائزَ متواليةٍ (٢). ورَوَى شيخُنا في " أماليه " بستٍّ (٣).
(وَينْبَغِي) وجوبًا لِمَنْ يريدُ بِذَلِكَ (تأمُّلُ) كيفيةِ (الإِجَازَهْ) أي: إجازةِ شَيْخِ شيخِهِ لشيخِهِ، وَكَذا إجازةُ مَنْ فَوْقَهُ لِمَنْ يليهِ.
ومُقْتَضَاهَا: حَتَّى لاَ يروِيَ بِهَا مَا لَمْ يَنْدَرجْ تحتَها؛ فربَّما قيَّدَ بعضُ المجيزينَ بِمَا سَمِعَهُ، أَوْ بِمَا حَدَّثَ بِهِ مِنْ مَسْموعَاتِهِ، أَوْ بِمَا صَحَّ عِنْدَ الْمُجازِ لَهُ، أَوْ نحوِها، فَلاَ يتعدَّاهُ.
(فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أجازَهْ) أي: أجازَ شيخَهُ (بلفظِ) أجزتُه (مَا صَحَّ لَدَيهِ) أي: عِنْدَ شَيْخِهِ الْمُجَازِ لَهُ فَقَطْ، (لَمْ يُخَطْ) - بالبناءِ للمفعول من خطا يَخْطُو (٤)، إذَا مشى - أي: لَمْ يَتَعَدَّ الرَّاوِي (مَا صَحَّ عِنْدَ شيخِهِ مِنْهُ) أي: من مرويِّ الْمُجيزِ لَهُ (فَقَطْ).
حَتَّى لَوْ صَحَّ شيءٌ مِن مَرويِّهِ عِنْدَ الرَّاوِي، لَمْ يَطّلعْ عَلَيْهِ شيخُهُ المجازُ لَهُ، أَوْ اطَّلعَ عَلَيْهِ، لكنَّهُ لَمْ يصحَّ عندَهُ، لا يسوغُ (٥) لَهُ روايةٌ بالإجازةِ.
وَقَالَ بَعْضُهم: يَنْبَغِي أن تُسَوَّغَ لَهُ؛ لأنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ قَدْ وجدَتْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ صحَّتِهِ عِنْدَ شَيْخِهِ، وغيرِهِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تدريب الرّاوي ٢/ ٤١. وهكذا كلما تأخر الزمن ازداد عدد الإجازات لضعف الحفظ وتقاصر الهمم، وانظر: ما كتبه العلامة أحمد شاكر - ﵀ - في الباعث الحثيث: ١٢١ - ١٢٢، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٩٢ - ٩٣.
(٤) في (ع) و(ص): «من خطا خطوًا إذا مشى».
(٥) في (ق) و(ع): «تسوغ».
[ ١ / ٤٠٩ ]
لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا
(لفظُ الإِجَازَةِ) أي: بيانُه، (وشرطُها) في المجيز، والْمُجازِ لَهُ.
٤٩٤ - أَجَزْتُهُ (ابْنُ فَارِسٍ) قَدْ نَقَلَهْ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ
٤٩٥ - وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ مِنْ عَالِمٍ بِهَا (١)، وَمَنْ أَجَازَهْ
٤٩٦ - طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطًا وَعَنْ (أبي عُمَرْ)
٤٩٧ - أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ
٤٩٨ - وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ أو دُوْنَ لَفْظٍ فَانْوِ وَهْوَ أَدْوَنُ
فَلَفْظُ: (أجزتُه) مَسْمُوعَاتي، أَوْ مَرْوياتي مُتَعديًا بِنَفْسِهِ، مَعَ إضْمارِ لفظِ الرِّوَايَةِ (٢) أَوْ نَحْوِه (ابنُ فارسٍ (٣» أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ اللُّغَويُّ، (قَدْ نَقَلَهْ) أي: تعديهِ بنفْسِهِ.
فَقَالَ: «مَعْنَى الإِجَازَةِ في كَلامِ العَربِ مَأْخوذٌ مِن «جَوازِ الماءِ» الذي يسقاهُ (٤) المال من الماشيةِ والحرثِ.
يُقالُ مِنْهُ: «استجزتُ فلانًا فأجازني» إذَا سَقاكَ ماءً لأرضِكَ، أَوْ ماشيَتِكَ. كَذلِكَ طَالِبُ العِلْمِ، يسألُ العالمُ أَنْ يجيزَهُ علمَهُ، فيجيزُهُ إيَّاهُ» (٥).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٦) (وإنَّما الْمَعْروفُ) أي: لغةً واصْطِلاحًا، أَنْ
يَقُولَ: (قَدْ أجزتُ لَهُ) رِوَايَةَ مسموعاتي، أَوْ مرويَّاتِي.
_________________
(١) في (ب) و(ج): «به». وسيشير الشارح إلى هذا الفرق.
(٢) سقطت من (ق).
(٣) في (ص): «فلاس».
(٤) في (ق) و(ع): «سقاه».
(٥) هو بهذا السياق في كتابه " مآخذ العلم " كما أشار إلى ذلك الزّركشيّ ٣/ ٥٢٧، والسخاوي في فتح المغيث ٢/ ٩٥، وهو أيضًا بحروفه إلى قوله: «أو ماشيتك» في مقاييس اللغة ١/ ٤٩٤، وانظر: مجمل اللغة ١/ ٢٠٢، له أيضًا مادة (جوز)، وقد أسنده عنه الخطيب بتمامه في الكفاية: (٤٤٦ ت، ٣١١ هـ)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٥٨ - ١٥٩، والنكت الوفية ٢٦٠/ب.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
[ ٢ / ٥ ]
أي: مُتَعَدِّيًا بالْحَرفِ، وبدونِ إضْمَارٍ (١).
قَالَ: «ومَنْ يَقُولُ: أجزتُ لَهُ مَسْمُوعاتي، فَعَلى سَبيلِ الإضْمارِ (٢) الَّذي لا يَخْفى نَظيرُهُ» (٣).
ثُمَّ أخذَ فِي بَيانِ مَحَلِّ (٤) اسْتِحسَانِها، مَعَ بيانِ أنَّه شُرِطَ لَها عِنْدَ بَعْضِهم، فَقَالَ: (وإنما تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ مِن عَالِمٍ بِهَا)، وَفِي نسخة: «بِهِ»،
أي: بالمجازِ (ومَنْ أجازَهُ) أي: والحالُ أنَّ المجازَ لَهُ (طالِبَ عِلْمٍ) أي: من أَهْلِ العلمِ، كَمَا عبَّرَ بِهِ ابنُ الصَّلاحِ (٥)؛ لأنَّ الإِجَازَةَ توسّعٌ، وترخيصٌ يتأهلُ لَهُ أَهْلُ العلمِ بالفنِّ لمسيسِ حاجتِهم إليها (٦).
(والوَليْدُ) أَبُو العباسِ ابنُ بَكْرٍ الْمَالِكيُّ (ذا) مفعولُ (ذَكَرْ) أي: نقلَ ذا، أي: مَا ذُكِر مِن عِلْمِ المجيزِ، وكونِ الْمُجازِ لَهُ طَالبَ عِلْمٍ (عَنْ مَالِكٍ شَرْطًا) في الإِجَازَةِ (٧).
(وَعَن أَبِي (٨) عُمَرْ) ابنِ عَبْدِ البرِّ (٩) (أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّها لا تُقْبلُ إلاّ لِماهِرٍ) بِالصِّناعةِ، (وَ) في (مَا لا يُشْكِلُ) إسْنَادُهُ، لكونِهِ مَعْرُوفًا مُعيَّنًا؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ يُؤمَنْ أنْ يحدِّثَ الْمُجازُ لَهُ عَنْ شَيْخٍ، بما لَيْسَ مِن حَدِيثِهِ، أَوْ يَنْقصُ عَنْ إسنادِهِ راويًا، أَوْ أكثرَ.
_________________
(١) قال النّوويّ في الإرشاد ١/ ٣٩٠: «فيعديه بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرّواية، ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإجازة إذنًا، وهو المعروف ». وانظر: المنهل الروي: ٩٦.
(٢) في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤: «على سبيل الحذف»، ويريد به أنه على حذف المضاف إليه مقامه، وأصل العبارة: أجزت له رواية مسموعاتي، كما في حاشية توضيح الأفكار ٢/ ٣١١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٤) سقطت من (ق).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٤.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) الكفاية: (٤٥٥ ت، ٣١٧ هـ)، والإلماع: ٩٤ - ٩٥.
(٨) في (ق): «ابن».
(٩) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٠، وانظر: الإلماع: ٩٥ - ٩٦.
[ ٢ / ٦ ]
لَكِنْ تقدَّمَ عَنْ الْجُمْهُورِ في سَابعِ أَنْواعِ الإِجَازَةِ، أنَّه لا يشترطُ التأهلُ عِنْدَ التَّحمُّلِ بِها.
ثُمَّ الإِجَازَةُ قَدْ تَكُونُ بلفظِ المجيزِ مبتدئًا بِها، أَوْ بَعْدَ السُّؤالِ فِيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ بكَتْبهِ (١) عَلَى اسْتِدْعَاءٍ، أَوْ بدونِهِ.
وَقَدْ نبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وحُكْمه فَقَالَ: (واللفظُ) - بالرفعِ مبتدأٌ خبرُهُ: أحسَنُ، أَوْ بالنَّصْبِ بِنَزعِ الْخافِضِ -، أي: و(إنْ تُجِزْ) أنت باللفظِ (بكَتْبٍ) أي مَعَهُ بأَنْ تجمعَها، فَهُوَ (أحْسَنُ)، وأولى من إفرادِ أحدِهما.
(أَوْ) بكَتْب (دُوْنَ لفظٍ فانْوِ) أنت (٢) الإِجَازَةَ، لِتَصِحَّ، لأنَّ الكِتابةَ كنايةٌ، (وَهُوَ) أي (٣): هَذَا الصنعُ (أدونُ) رتبةٍ من الإِجَازَةِ الملفوظِ بِهَا، فإنْ لَمْ ينوِها، قَالَ النَّاظِمُ: «فالظاهرُ عدمُ الصِّحَّةِ» (٤).
ثُمَّ قَالَ: «قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: وغيرُ مُستبْعَدٍ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بمجردِ هذِهِ الكِتابةِ في بَابِ الرِّوَايَةِ الذي (٥) جُعلَتْ فِيهِ القِرَاءةُ عَلَى الشَّيْخِ - مَعَ أنَّه لَمْ يلفظْ بِما قُرِئَ عَلَيْهِ - إخبارًا مِنْهُ بِذَلِكَ». انتهى (٦).
وَكلامُه مَحْمولٌ عَلَى مَا إِذَا نوى بِقرينةٍ في كَلامِهِ سَابقةٍ عَلَى كلامِهِ المذكورِ.
فقولُه: بمجردِ هذِهِ الكتابةِ، أي: المقرونَةُ بالنِيَّةِ.
واعلَمْ أنَّه (٧) كثيرًا مَا يُصرِّحون في الأجائزِ (٨) بـ «مَا يجوزُ لي، وعني روايتُهُ» ومُرادُهم - كَمَا قَالَ ابنُ الجوزيِّ - بـ «لي» مَرْويَاتُهم، ويعني مصَنّفاتِهم، ونحوَها.
_________________
(١) في (ص) و(ق): «يكتبه».
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) في (ق): «أي النّوع».
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦١.
(٥) كذا في النسخ الخطية، وفي معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥: «التِي».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦١.
(٧) في (ق): «أن».
(٨) جَمع إجازة.
[ ٢ / ٧ ]
الرَّاْبِعُ: الْمُنَاوَلَةُ
(الرابعُ) من أقسامِ التحمُّلِ (المناولةُ):
وَهِيَ: إعطاءُ الشَّيْخِ الطَّالِبِ شَيْئًا مِن مَرْويَّاتِه، ويقولُ لَهُ: هَذَا مِن حديثي، أَوْ مروياتي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
٤٩٩ - ثُمَّ الْمُنَاولاَتُ إِمَّا تَقْتَرِنْ بِالإِذْنِ أَوْ لاَ، فَالَّتِي فِيْهَا إِذِنْ
٥٠٠ - أَعْلَى الإْجَازَاتِ، وَأَعْلاَهَا: إذا أَعْطَاهُ مِلْكًَا فَإِعَارَةً كَذَا
٥٠١ - أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ بِالْكِتَابِ لَهْ عَرْضًا وَهَذَا الْعَرْضُ لِلْمُنَاولَهْ
٥٠٢ - وَالشَّيْخُ ذُوْ مَعْرِفَةٍ فَيِنَظُرَهْ (١) ثُمَّ يُنَاولَ (٢) الْكِتَابَ مُحْضِرَهْ
٥٠٣ - يقول: هَذَا مِنْ حَدِيْثِي (٣) فارْوِهِ وَقَدْ حَكَوْا عَنْ (مَالِكٍ) وَنَحْوِهِ
٥٠٤ - بِأَنَّهَا تُعَادِلُ السَّمَاعَا وَقَدْ أَبَى الْمُفْتُوْنَ ذَا امْتِنَاعَا
٥٠٥ - إِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيْ مَعَ النُّعْمَانِ وَالشَّافِعيْ وَأحْمَدُ الشَّيْبَانِيْ
٥٠٦ - وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) وَغَيْرُهُمْ رَأوْا بِأَنَّهَا أَنْقَصُ، قُلْتُ: قَدْ حَكَوْا
٥٠٧ - إِجْمَاعَهُمْ بِأَنَّهَا صَحِيْحَهْ مُعْتَمَدًا، وَإِنْ تَكُنْ مَرْجُوْحَهْ
(ثُمَّ المناولاتُ) المجموعةُ باعتبارِ صُورِها الآتيةِ عَلَى نوعينِ، لأنَّها
(إمَّا) أَنْ (تقتَرِنْ بالإذنِ) أي الإِجَازَةِ، (أَوْ لا)، بأنْ تخلوا عَنْهَا.
(فالّتِي فِيْهَا إِذِنْ)، وَهِيَ النَّوعُ الأَوَّلُ (أعْلى الإجازاتِ) مُطْلَقًا، لما فِيْهَا مِن تَعْيينِ المرويِّ وَتَشْخِيصِهِ، وَفِي هَذَا النَّوعِ صُورٌ مُتَفَاوِتَةٌ علوًا (٤).
(وَأعْلاَهَا: إذَا أعطَاهُ) أي: الشَّيْخُ الطَّالِبَ مؤلَّفًا لَهُ، أَوْ أصْلًا مِن مَسْموعاتِهِ - مثلًا -، أَوْ فَرْعًا مقابلًا بِهِ (مِلْكًا) أي: عَلَى وَجْهِ التَّمليكِ لَهُ بِهبةٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ
_________________
(١) في نسخة (ب) من متن الألفية: «من سماعي».
(٢) (ينظره) و(يناول) منصوبة عطفًا على يحضر في البيت السابق، وسينبه الشارح على هذا.
(٣) في نسخة (ب) من متن الألفية: «من سماعي».
(٤) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٠١.
[ ٢ / ٨ ]
غَيْرِ ذَلِكَ، قَائِلًا لَهُ: هَذَا مِن تَأْليفي، أَوْ سَماعِي، أَوْ روايتي عَنْ فُلاَنٍ وأنا عالِمٌ بما فِيهِ، فاروهِ أَوْ حدِّثْ بِهِ عَنّي، أَوْ نَحْو ذَلِكَ.
وَكذا لَوْ لَمْ يذكرِ اسمَ شيخِهِ، وَكَانَ مَذْكورًا في الكتابِ المناولِ، مَعَ بيانِ سماعِهِ مِنْهُ، أَوْ إجازتِهِ، أَوْ نحوِ ذَلِكَ (١).
وَلَمْ يصرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ (٢) بكونِ هذِهِ الصُّورةِ أعلى، لكنَّهُ قَدَّمها، كالقاضِي عِيَاض (٣) في الذّكرِ، وَهُوَ مِنْهُ (٤) مُشْعِرٌ بِذَلِكَ.
(فإعارَةً) أي: ويليها مَا يُناولُه مِن ذَلِكَ أَيْضًَا إعارةً، أي: عَلَى وَجْهِ الإعارةِ، أَوْ الإِجَازَةِ، قائلًا لَهُ مَعَ مَا مَرَّ: فانتَسخْهُ، ثُمَّ قابِلْ بِهِ، أَوْ فقابِلْ بِهِ (٥) نسختَكَ التي انتسخْتَها، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ رُدَّهُ إليَّ (٦).
و(كَذَا) يَليها (أَنْ يَحضُرَ الطالبُ بالكتابِ) الَّذِي هُوَ أصلٌ للشيخِ، أَوْ فرعُه المقابَلُ بِهِ (لَهْ) أي للشَّيخِ (عَرْضًا) أي: لِلْعَرضِ عَلَيْهِ، ويقيِّد للتَّمييزِ عَنْ عَرضِ السَّمَاعِ السَّابقِ في مَحلِّهِ، فيُقالُ: عَرْضُ المناولةِ، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وَهَذا العرْضُ لِلمُناولَهْ.
وَالشَّيخُ) أي: يَحْضُر الطَّالبُ بِالكِتابِ لِلشَّيخِ، والحالةُ أنَّ الشَّيْخَ (ذو مَعْرِفَةٍ) ويقظةٍ، (فَيَنْظُرَهْ) مُتَصَفِّحًَا مُتأمِّلًا لَهُ ليعلمَ صحتَهُ، أَوْ فيقابِلَهُ بأصْلِهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا.
(ثُمَّ يُنَاولَ) الشَّيْخُ (الكِتَابَ مُحْضِرَهْ) لَهُ، و(يَقُولُ) لَهُ: (هَذَا مِن حَدِيثي)، أَوْ نَحْوِهِ، (فارْوِهِ)، أَوْ حدِّثْ بِهِ عَنِّي، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٧).
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٠١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٥.
(٣) الإلماع: ٧٩.
(٤) في (ص): «هنا»، وفي (ق) و(ع): «منها».
(٥) جملة «أَو فقابل به» سقطت من (ص) و(ق).
(٦) انظر: الإلماع: ٧٩، والإرشاد ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤، والمقنع ١/ ٣٢٥، وفتح المغيث ٢/ ١٠١.
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٢٥، والإلماع: ٧٩، والكفاية: (٤٦٧ - ٤٦٩ت، ٣٢٧ هـ).
[ ٢ / ٩ ]
ونصب (ينظرَ) و(يناولَ) بالعطفِ عَلَى (يَحْضُرَ).
(وَقَدْ حكوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، مِنْهُمْ: الحاكِمُ (١)، (عَنْ مَالِكٍ) - ﵀ - (ونحوِهِ) مِن أَئِمَّةِ الْمَدَنيّينَ، والْمَكِّيينَ، والكوفيينَ والبصريينَ، وغيرِهم القولَ (بأنَّها) أي: المناولةَ الْمقرونةَ بالإجازةِ (تُعادِلُ السَّماعَا).
بَلْ ذَهبَ جَمَاعَةٌ إلى أَنَّها أَعْلى مِنْهُ، ووُجِّهَ بأنَّ الثِّقةَ بالكتابِ مَعَ الإِجَازَةِ أكثرُ من الثِّقَةِ بالسَّماعِ، وأثبتُ لما يدخلُ من الوهْمِ عَلَى السَّامعِ، والمسمِّعِ.
(و) لَكِنْ (قَدْ أبى الْمُفْتُونَ) جمعُ «مُفْتٍ» مِن «أفتى في الْحَلالِ والْحَرامِ» (ذَا) أي: القَوْلَ بأنَّها تُعادِلُ السَّمَاعَ فَضْلًا عَنْ تَرْجِيحِها عَلَيْهِ، حَيْثُ امتنعوا مِنَ القَوْلِ بِهِ (امتناعا) (٢).
وأبدل من «المفتون» (إسحاقُ) بنُ رَاهَوَيْه، (و) سفيانُ (الثَّوْرِيْ) - بالمثلثةِ وبالإسكانِ، لما مَرَّ - نسبةً لـ «ثورٍ» بطنٍ من تميمٍ (٣).
(مَعَ) باقي الأئمةِ أَبِي حَنِيْفَةَ (النعمانِ، والشَّافِعيْ) - بالإسكانِ لِما مَرَّ - (وأَحْمَدُ) بنُ حَنْبَلٍ (الشَّيبانِيْ) نسبةً لشَيْبَانَ بنِ ثَعْلَبَةَ، (و) عَبْدُ اللهِ (ابنُ الْمُباركِ، وغيرُهم) كالْبُوَيْطِيِّ، وَالْمُزَنِيِّ، حَيْثُ (رَأَوْا) القولَ (بأنَّها أنقصُ) مِن السَّمَاعِ، وَصَحَّحَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٤).
(قُلْتُ): وَ(قَدْ حَكَوْا) أي: جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي عِيَاضٌ (٥)
(إجْماعَهُمْ) أي: أَهْلَ النقلِ عَلَى القَوْلِ (بأنَّها صَحِيْحَهْ)، واختُلِفَ (٦) في صِحَّةِ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٢٥٧ - ٢٥٨، وانظر: معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٢٦، وفتح المغيث ٢/ ١٠٣.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث: ٢٥٩ - ٢٦٠، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧، ومحاسن الاصطلاح: ٢٨١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٤.
(٣) انظر: الأنساب ٢/ ١٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٦.
(٥) الإلماع: ٨٠.
(٦) في (ق) و(ص): «وإن اختلف».
[ ٢ / ١٠ ]
الإِجَازَةِ المجرَّدةِ (معتمَدًا) (١) - بفتح الميم - وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّاظِمُ: تمييزٌ -، أي: صَحِيْحةٌ اعْتِمَادًا (٢).
والحاصلُ أنَّهم حَكَوا الإجماعَ فِيْهَا، (وإنْ تَكُنْ) بالنِّسْبَةِ للسَّماعِ (٣) (مَرْجُوْحَهْ) عَلَى المعتمَدِ، كَمَا مَرَّ.
٥٠٨ - أَمَّا إذا نَاولَ وَاسْتَرَدَّا فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَالْمُجَازُ أَدَّى
٥٠٩ - مِنْ نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا مَزِيَّهْ
٥١٠ - عَلَى الذَّيِ عُيِّنَ فِي الاجَازَهْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ لَكِنْ مَازَهْ
٥١١ - أَهْلُ الْحَدِيْثِ آخِرًا وَقِدْمَا (٤) أَمَّا إذا مَا الشَّيْخُ لَمْ يَنْظُرْ مَا
٥١٢ - أَحْضَرَهُ الطَّالِبُ لَكِنْ اعْتَمَدْ (٥) مَنْ أَحْضَرَ الْكِتَابَ وَهْوَ مُعْتَمَدْ
٥١٣ - صَحَّ وَإِلاَّ بَطَلَ اسْتِيْقَانَا وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا
٥١٤ - ذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ يُفِيْدُ حَيْثُ وَقَعَ (٦) التَّبَيُّنُ
٥١٥ - وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ قِيْلَ: تَصِحُّ (٧) والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ
_________________
(١) في (م): «معتمد».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٥. وقال السيوطي: «ويجوز كونه حالا مؤكدةأي: معتمدًا عليها في الرواية». قلنا: فأما قوله: «معتمدًا» فعلى رأي الناظم - الحافظ العراقي- وغيره كالبقاعي " النكت الوفية: ٢٦٤/أ " فيكون تفسيرًا لـ «صحيحة» بمعنى: " صحيحة اعتمادا " -كما قال النّاظم- وعلى رأي السيوطي تكون حالًا مؤكدة، وذلك أن الاعتماد تتضمنه الصحة، فالتصريح به تأكيد بأحد متضمنات الصحة، وما جوزه أقرب إلى الصواب. والله أعلم. وانظر: التعليق على شرح ألفية العراقي للسيوطي: ٢٨٨ هامش (٦).
(٣) في (ق): «إلى السّماع».
(٤) انظر: النكت الوفية ٢٦٥ / أ.
(٥) كذا في النسخ، وفي (النفائس) و(فتح المغيث): «واعتمد»، والوزن صحيح في كليهما.
(٦) في نسخة (أ) من متن الألفية: «يقع».
(٧) في نسخة (أ) و(ج) من متن الألفية: «يصح».
[ ٢ / ١١ ]
وَمِن صُورِ هَذَا النَّوعِ مَا ذَكَرَهُ بِقَولِهِ:
(أَمَّا إذَا نَاولَ) الكِتَابَ للطّالِبِ مَعَ إجازَتِهِ لَهُ بِهِ، (واسْتردَّا) ذَلِكَ مِنْهُ (في الوَقْتِ)، وَأَمْسَكَهُ عَنْهُ، فَقَدْ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يمسكْهُ عَنْهُ (١).
(والْمُجازُ) لَهُ بِهذهِ الْمُناولةِ (أدَّى) إمّا (مِن نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ) الْمُجازَ بِهِ بمقابَلتِها بِهِ، أَوْ بإخبارِ ثقةٍ بِموافَقَتِها لَهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
أَوْ مَن مرويِّه الّذي اسْتَردَّهُ مِنْهُ، إن ظفرَ بِهِ، وغلبَ عَلَى ظنِّهِ سلامتُهُ مِنَ التَّغييرِ، كَمَا فُهِمَ بالأولى (٢).
(وَ) لَكِنَّ (هذِهِ) الصَّورةَ مَعَ أنها دُوْنَ الصُّورةِ الْمُتَقَدِّمةِ، لِعَدمِ احْتِواءِ الطَّالبِ عَلَى مَرْويِّهِ وغيبتِهِ عَنْهُ، (لَيستْ لَهَا مَزِيَّهْ عَلَى) الكِتَابِ (الذي عُيِّنَ في الإجازَهْ) المجرَّدةِ عَنْ الْمُناولةِ (عِنْدَ الْمُحقِّقيْنَ) مِنَ الفُقَهَاءِ، والأصوليينَ (٣)؛ إِذْ المقْصُودُ تَعيينُ الْمُجازِ بِهِ، فَلا فَرقَ بَيْنَ حُضورِهِ، وغيبتِهِ.
والتَّصْريحُ بنسبتِهِ للمحقِّقينَ مِن زيادتِهِ (٤).
(لَكِنْ مازَهْ) أي: جَعَلَ لَهُ مزيَّةً عَلَى ذَلِكَ، (أَهْلُ الحَدِيْثِ آخِرًا وَقِدْمَا) أي: حديثًا وقديمًا، كَمَا لَوْ لَمْ يمسكْ مرويَّهُ عَنْ الطَّالِبِ.
ومن صُوَرِهِ أَيْضًَا مَا ذكرَهُ بقوله:
(أمَّا إذَا مَا) زائدةٌ (الشَّيْخُ لَمْ يَنْظرْ مَا أحضَرَهُ) لَهُ (الطَّالِبُ)، وَقَالَ لَهُ: هَذَا مرويُّك، فناولنِيهِ، وأجزْ لي روايتَهُ، وَهُوَ لا يعلمُ أنَّه مرويُّه،
(لَكِنْ) ناولَه لَهُ و(اعتمَدْ) فِي ذَلِكَ (مَنْ أحضَرَ الكتابَ، وَهْوَ) أي: محضرُهُ (مُعْتَمَد) ثقةٌ، فَقَدْ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا يَصِحُّ في القِرَاءةِ عَلَيْهِ، الاعتمادُ عَلَى الطَّالِبِ (٥).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٦.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٦.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٧، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٥٣٨ - ٥٣٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٧.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٧، والنكت الوفية ٢٦٥/ب.
[ ٢ / ١٢ ]
(وإلاّ) وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْضِرُهُ ثقةً (بَطَلَ) كُلٌّ مِنَ الْمُناولةِ، والإذنِ (اسْتيقَانا).
نَعَمْ! إنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِخبرِ ثِقَةٍ أنَّ ذَلِكَ من مَرويِّهِ، فالظاهِرُ - كَمَا قَالَ النَّاظِمُ (١) - الصِّحَّةُ أخذًا مِمّا يأتي؛ لزوالِ مَا كُنّا نَخْشَى مِن عَدمِ ثقةِ المخبرِ.
(و) أما (إنْ يَقُل) لمحضرِهِ، وَلَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ: (أَجَزْتُهُ) لَكَ (إنْ كَانا ذَا) أي: إنْ كَانَ الْمُجازُ بِهِ (مِنْ حَديْثي)، أَوْ مرويِّ، أَوْ نحوِه، مَعَ براءتي من الغلطِ والوهْمِ، (فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ).
فإنْ كَانَ المحضِرُ ثِقَةً، جازَتْ روايتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ، ثُمَّ تبيَّنَ بخبرِ ثِقَةٍ أنَّه مِنَ مرويِّ الشَّيْخِ، فَكذلِكَ؛ لتبيُّنِ كَونِهِ مِن مرويِّه، كَمَا زادَهُ بقولِهِ: (يُفيدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبيُّنُ).
النَّوع الثَّانِي: مَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(وإنْ خلَتْ من إذن المناولَهْ) بأنْ نَاولَهُ مرويَّهُ، واقتصرَ عَلَى قولِهِ: هَذَا مِن مرويِّ، أَوْ حديثي، أَوْ نحوِه.
(قِيلَ: تَصِحُّ (٢»، فتجوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا لإشعارِها بالإذنِ في الرِّوَايَةِ (٣).
(والأَصَحُّ) أنَّها (باطِلهْ) فَلا تجوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا، لِعَدمِ التَّصْرِيحِ بالإذنِ فِيْهَا (٤)، وَفيهِ نَظرٌ يُؤخذُ مِن كَلامِ ابنِ أَبِي الدمِ الآتي في السَّابِعِ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٦٧.
(٢) في (م): «يصح».
(٣) معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٢٨. ونقل ابن الصَّلاَح حكاية الخطيب عن طائفة من أهل العِلْم: أنهم صححوها وأجازوا الرّواية بِهَا، قال ابن الصّلاح: «فهذه مناولة مختلة، لا تجوز الرّواية بِهَا، وعابَها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على الْمحدّثين الذين أجازوها، وسوغوا الرّواية بها». وقال النّوويّ في " التقريب والتيسير ": «لا تجوز الرّواية بها على الصّحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول». وهذا مخالف لما قاله جماعةمن أهل الأصول كصاحب المحصول والآمدي. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٢٨، والتقريب: ١١٦، والمحصول ٢/ ٢٢٣، وطبعة العلواني ٢/ ١/٦٤٨، وإحكام الأحكام ٢/ ٩١.
(٤) قال الخطيب: من فعلها لعدم التصريح بالإذن فيها فلا تجوز الرّواية بها. انظر: الكفاية: (٤٩٣ ت، ٣٤٦ هـ)، وفتح المغيث ٢/ ١١٠.
[ ٢ / ١٣ ]
كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ؟
(كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاولةِ، والإجازةِ) المتقدِّمتينِ؟
٥١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ رَوَى مَا نُوْوِلاَ (فَمَالِكٌ) وَ(ابْنُ شِهَابٍ) جَعَلاَ
٥١٧ - إِطْلاَقَهُ (حَدَّثَنَا) وَ(أَخْبَرَا) يَسُوْغُ وَهْوَ لاَئِقٌ بِمَنْ يَرَى
٥١٨ - الْعَرْضَ كَالسَّمَاعِ بَلْ أَجَازَهْ بَعْضُهُمُ (١) في مُطْلَقِ الإِجَازَهْ
٥١٩ - وَ(الْمَرْزُبَانِيْ) وَ(أبو نُعَيْمِ) أَخْبَرَ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَ القَوْمِ
٥٢٠ - تَقْيِيْدُهُ بِمَا يُبيِنُ الْوَاقِعَا إِجَازَةً تَنَاولًا هُمَا مَعَا
٥٢١ - أَذِنَ لِي، أَطْلَقَ لِي، أَجَازَنِي سَوَّغَ لِي، أَبَاحَ لِي، نَاولَنِي
٥٢٢ - وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ لِلْمُجَازِ إِطَلاَقَهُ لَمْ يَكْفِ فِي الْجَوَازِ
(واخْتَلَفُوا) أي: أئمةُ الحَدِيْثِ، وغيرِهِ (في) مَا يَقُولُ (مَنْ رَوَى مَا نُوْوِلا) أي: مُنَاولةً صَحِيْحةً، (فمَالِكٌ (٢)، وابنُ شهابٍ (٣) جَعَلا إطلاقَهُ) أي: الرَّاوِي (حَدَّثنا، وأخبَرا) أي: وأَخْبَرَنَا (يَسُوْغُ، وَهْوَ) أي: إطلاقُهما (لائقٌ ب) مذهبِ (مَنْ يَرى العَرْضَ) في المناولةِ، (كالسَّماعِ) أي: كَعرضِهِ، كَمَا مَرَّ في مَحلِّهِ.
(بَلْ أجَازَهْ) أي: إطلاقَهُمَا (بَعْضُهُمُ) كابنِ جُريجٍ، وجماعةٍ من المتقدمينَ (٤) (في مُطْلقِ) أي: في الرِّوَايَةِ بمطلقِ (الإِجَازَهْ) أي: المجرَّدةِ عَنْ المناولةِ.
(و) أَبُو عبيدِ اللهِ (٥) مُحَمَّدُ بنُ عمران (الْمَرْزُبَانِيْ) بَضَمِّ الزّاي وإسكان (٦)
_________________
(١) بالإشباع؛ لضرورة الوزن.
(٢) الكفاية (٤٧٠ ت، ٣٢٩ هـ).
(٣) المحدث الفاصل: ٤٣٨، والكفاية (٤٧٥ ت، ٢٣٢ - ٢٣٣ هـ).
(٤) الإلماع: ١٢٨، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧١.
(٥) في (ق) و(ع): «عبد الله».
(٦) في (م): «وبإسكان».
[ ٢ / ١٤ ]
الياءِ، لما مَرَّ نسبةً لجدٍّ لَهُ اسمُه المرزبانُ، البغداديُّ (١)، (وأبو نُعَيْمِ) الأصبهانيُّ أطلقا في الإِجَازَةِ (أَخْبَرَ) (٢) فَقَطْ (٣).
(والصَّحِيحُ عِنْدَ) جُمْهُورِ (٤) (القَوْمِ) المنعُ مِن إطْلاقِ الرَّاوِي كلًا من «حَدَّثَنَا» و«أَخْبَرَنَا»، ونحوِهما في المناولةِ، والإجازةِ؛ خوفًا من حملِهِ عَلَى غيرِ المرادِ، و(تَقْييْدُهُ بِمَا يُبِيْنُ الواقِعَا) في كيفيةِ التَّحمُّلِ مِن سَمَاعٍ أَوْ إجازةٍ أَوْ مناولةٍ، بحيثُ يتميَّزُ كُلٌّ عَنْ غيرِهِ.
كأنْ يَقُولَ: «حَدَّثَنَا» أَوْ «أَخْبَرَنَا» فلانٌ (إجازةً)، أَوْ (تَنَاوَلًا)، أَوْ (هُمَا مَعَا) أي: إجازةً ومناولةً، أَوْ فِيْمَا (أَذِنَ لي)، أَوْ (أطلقَ لي) روايتَهُ عَنْهُ، أَوْ (أجازنِي)، أَوْ (سوَّغَ لِي)، أَوْ (أباحَ لِي)، أَوْ (نَاولني)، أَوْ نحوَها، مما يبيِّنُ كيفيةَ التحمُّلِ (٥).
مَعَ أنَّه قِيْلَ: إنّه لا يجوزُ مَعَ التَّقييدِ أَيْضًَا.
(وإنْ أبَاحَ الشَّيْخُ) المجيزُ (لِلمُجَازِ) لَهُ (إطْلاَقَهُ) «حَدَّثَنَا» أَوْ «أَخْبَرَنَا» في المناولةِ، أَوْ الإِجَازَةِ، كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ المشايخِ (٦) في إجازاتهِم، حَيْثُ قَالوا في إجازاتِهم لِمَنْ أجَازوا لَهُ: إنْ شَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا، وإنْ شاءَ قَالَ: أَخْبَرَنَا (لَمْ يَكْفِ) ذَلِكَ (في الْجَوازِ) أي: جَوازِ الإطْلاقِ.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٣/ ١٣٥، وميزان الاعتدال ٣/ ٦٧٢، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٤٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧١، وطبقات المدلسين: ١٨. وقال العراقي: وحكى الْخَطِيْب: أن المرزبانيّ عيب بذلك.
(٢) في (م): «أخبرنا».
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤١٦، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٦، ميزان الاعتدال ١/ ١١١، وطبقات السّبكيّ ٤/ ٢٤، والوافي بالوفيات ٧/ ٨٣. ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧١.
(٤) انظر: الكفاية: (٤٧٢ ت، ٣٣٠ هـ)، والإلماع: ١٣٢، وإحكام الأحكام ٢/ ٩١. قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١١٤: «وهو مذهب علماء الشرق، واختاره أهل التحري والورع المنع من إطلاق كلّ من حدّثنا وأخبرنا ونحوهما في المناولة والإجازة؛ خوفًا من حمل المطلق على الكامل».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
(٦) يوجد ذلك في إجازات المغاربة. أفاده البقاعي في نكته ٢٦٧/أ، نقلًا عَنْ ابن حجر.
[ ٢ / ١٥ ]
٥٢٣ - وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ
٥٢٤ - وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاعِ
٥٢٥ - وَلَفْظُ «أَنّ» اخْتَارَهُ (الْخَطَّابي) وَهْوَ مَعَ الإِسْنَادِ ذُوْ اقْتِرَابِ
٥٢٦ - وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الإِجَازَهْ (أَنْبَأَنَا) كَصَاحِبِ الْوِجَازَهْ
٥٢٧ - وَاخْتَارَهُ (الْحَاكِمُ) فِيْمَا شَافَهَهْ بِالإِذْنِ بَعْدَ عَرْضِهِ مُشَافَهَهْ
٥٢٨ - وَاسْتَحْسَنُوْا لِلْبَيَهْقَيْ مُصْطَلَحا (أَنْبَأَنَا) إِجَازَةً فَصَرَّحَا
٥٢٩ - وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ إِجَازَةً، وَهْيَ قَرِيْبَةٌ لِمَنْ
٥٣٠ - سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيْهِ يَشُكّْ وَحَرْفُ (عَنْ) بَيْنَهُمَا فَمُشْتَرَكْ
٥٣١ - وَفِي الْبُخَارِيْ قَالَ لِي: فَجَعَلَهْ حِيْرِيُّهُمْ (١) لِلْعَرْضِ وَالمُنَاولَهْ
(وَبَعْضُهُم) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ، كالحاكمِ (٢) لَمْ يقْتَصِرْ عَلَى مَا مَرَّ، بَلْ (أَتَى بِلَفظٍ مُوهِمْ) غَيْرِ المرادِ فِيْمَا أَجَازَهُ بِهِ شَيْخُهُ بلفظِهِ شفاهًا، أَوْ بكتابةٍ، ك: أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ مُشَافَهَةً، أَوْ (شَافَهني) فُلاَنٌ، وكَ: أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ كِتَابَةً أَوْ مُكاتبةً، أَوْ في كِتَابِهِ، أَوْ (كَتَبَ لِي).
وهذه الألفاظُ، وإنْ استعملها بَعْضُ المتأخرِينَ (فَمَا سَلِمْ) مَنِ استَعمَلَها مِنَ الإيهامِ وطرفٍ من التدليسِ.
أما المشافهةُ فتُوهِمُ مشافهتَهُ بالتحديثِ، وأما الكتابةُ فتُوْهِمُ أنَّه كتبَ إِليهِ بِذَلِكَ الحَدِيْثِ بعينِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُه الْمتَقدِّمُونَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(وَقَدْ أَتَى بـ: «خبَّر) نا» -بالتَّشْديدِ- أَبُو عَمْرٍو (الأوزاعيْ فِيْهَا) أي: في الإجازةِ، وبـ «أخْبَرَنَا» في القِرَاءةِ (٣)، (وَلَمْ يَخْلُ) أَيْضًَا (مِنَ النِّزاعِ)؛ لأنَّ مَعْنَاهُما - لغةً واصْطِلاحًا - واحدٌ.
_________________
(١) عنى الناظم بذلك: أبا عمرو محمد ابن أبي جعفر أحمد بن حمدان الحيري. انظر: تعليقنا على موضعه من شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧٦، وقد ذكره الشارح على الصواب.
(٢) معرفة علوم الحديث: ٢٦٠.
(٣) المحدث الفاصل: ٤٣٢، والكفاية (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هـ)، والإلماع: ١٢٧.
[ ٢ / ١٦ ]
(ولفظُ أَنَّ) - بالفَتْحِ - (اخْتَارَهُ)، أَوْ حكاهُ (الْخَطّابِي) (١)، فَكَانَ يَقُولُ في الرِّوَايَةِ بالسّماعِ عَنِ الإِجَازَةِ: أَخْبَرَنَا فلانٌ أنَّ فُلانًا حَدَّثَهُ، أَو أخبَرَهُ، واسْتَبعَدَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٢)، لِبُعْدِهِ عَنْ الإِشعارِ بالإجازةِ.
لكنَّهُ قَالَ: (وَهْوَ مَعَ) سَمَاعِ (الإسنادِ) (٣) فَقَطْ من شيخِهِ، وإجازتِهِ لَهُ مَا رَواهُ (ذُو اقْتِرابِ) أي: قريبٌ، فإنَّ في «أنَّ» إشعارًا بِوجودِ أَصْلِ الإخبارِ، وإنْ أجْملَ الْخَبَرَ، وَلَمْ يفصلْهُ، وَهذا التَّعليلُ يجْرِي في غَيْرِ مَا قَالَهُ.
(وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ في الإِجَازَهْ) لَفظَ (أَنْبَأَنَا، كَصَاحِبِ " الوِجازَهْ) في تجويزِ الإِجَازَةِ" وَهُوَ أَبُو العَبَّاسِ الوليدُ بنُ بكرِ بنِ مُخَلدٍ الغَمريُّ -بفتحِ المُعْجَمَة- الأندلسيُّ (٤).
(واخْتَارَهُ الحاكمُ فِيْمَا شَافَهَهْ) شَيْخُهُ (بالإذنْ) في رِوَايَتِهِ (بَعْدَ عَرْضِهِ) لَهُ عَرْضَ مُناولةٍ، (مُشَافَهَهْ) بالنصب بـ «شافَهَهُ».
قَالَ (٥): وَعَلَيْهِ عَهدتُ أكثرَ مَشَايخي، وأئمةَ عصري.
(واسْتَحسَنُوا لِلْبَيْهقيْ) (٦) بالإسْكَانِ لما مَرَّ، (مُصْطَلَحا)، وَهُوَ (أَنْبَأَنَا إجازةً فَصَرَّحَا)، بتقيدِ «أَنْبَأَنَا» بالإجازةِ، وَلَمْ يُطْلِقْهُ لكونِهِ عِنْدَهُم بمنْزلةِ «أَخْبَرَنَا»، وراعى في ذَلِكَ اصْطلاحَ المتأخرينَ.
(وَبَعْضُ مَنْ تَأخَّرَ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (اسْتَعمَلَ) كثيرًا لفظَ (عَنْ) فِيْمَا سَمِعَهُ مِن شَيْخِهِ الرَّاوِي عَنْ شيخِهِ (إجازةً)، فيقولُ: قَرأتُهُ عَلَى فُلاَنٍ، عَنْ فُلاَنٍ.
_________________
(١) الإلماع: ١٢٩، ونكت الزّركشيّ ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٥.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٢.
(٣) في (م): «إسناد».
(٤) نقله عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١، وكتابه قد ذكره البقاعي في نكته الوفية ٢٦٧/ب باسم: " الوجازة في تجويز الإجازة "، وكذا في تدريب الرّاوي ٢/ ٣٠، ومعجم المؤلفين ١٣/ ١٧٠، وانظر: الكفاية (٤٧٤ ت، ٣٣٢ هـ)، ومعرفة علوم الحديث: ٢٦٠.
(٥) معرفة علوم الْحَدِيْث: ٢٦٠، وقد انتقد الزّركشيّ هذا الصنيع فقال في نكته ٣/ ٥٤٣: «وفيه إبهام لما تقرّر أن قول الرّاوي: «قال لي فُلاَن، أو سمعته مِنْهُ» إطلاق لا يستعمل إلا في السّماع، فكيف يقال مطلقًا: «قال لي» من غير تقييد، ويكون مناولةً وعرضًا إلا أنه اصطلاح».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣١.
[ ٢ / ١٧ ]
وهذا وإنْ تَقدَّمَ في العَنْعَنَةِ أعادَهُ هنا، لاخْتِلافِ الغرضِ، إِذْ الغَرضُ ثُمَّ أن يرتِّب عَلَيْهِ الحكمَ بالاتصالِ، وهنا أن يرتِّبَ عَلَيْهِ مَا ذكرَهُ بقولِهِ: (وَهْيَ) أي: «عَنْ» (قَريْبَةٌ) استِعْمَالًا، (لِمَنْ) أي لِشيخٍ (سَمَاعُهُ مِن (١) شَيْخِهِ فِيهِ يشُكْ) مَعَ تيقُّنِ إجازتِهِ مِنْهُ.
(وَحَرفُ «عَنْ» بَيْنَهُما) أي: السَّمَاعِ والإجازةِ، (فَمُشْتَركْ) أي: صادقٌ بِهما (٢).
وَأَدْخَلتُ «الفاءَ» فِي الْخَبرِ عَلَى رأي الأَخْفَشِ، لاَ الكِسائِيِّ (٣)، كَمَا وقعَ للنّاظِمِ.
(و) أمَّا مَا (في) صَحِيْحِ (البُخَارِيْ) بالإسْكَانِ - مِن قَوْلِهِ: (قَالَ لِي) فُلاَنٌ (فَجَعَلَهْ حِيْرِيُّهم) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ - بالحاء المُهْمَلَة - أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ حمدان النَّيْسَابُوْرِيُّ الْحِيْرِيُّ (للعرضِ) أي: لما أخذَهُ البُخَارِيُّ عَلَى وجهِ العرضِ، (والمناولهْ) (٤).
_________________
(١) في (م): «عن».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٢.
(٣) يشترط لجواز دخول الفاء على الخبر أن يكون المبتدأ متضمنًا معنى الشرط، وذلك في حالتين الأولى: أن يكون المبتدأ اسمًا موصولا. الثانية: أن يكون المبتدأ نكرة عامة موصوفة. وفي كلا الحالتين لابد أن تكون صلة الخبر أو صفته ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أو جملةً فعلية غير شرطية. وذلك نحو قوله تَعَالَى: ﴿الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم﴾ (البقرة: ٢٧٤)، وقوله تَعَالَى: ﴿وما بكم من نعمةٍ فمن الله﴾ النحل: ٥٣. فإن لم يكن كذلك امتنع دخول الفاء على الخبر عند الجمهور نحو «زيد منطلق»، وأجاز أبو الحسن الأخفش دخول الفاء في هذه الحالة أيضا على اعتبار أنّ الفاء زائدة. انظر: المقرب: ٩٣، وشرح المفصل ١/ ٩٩ - ١٠٠، وشرح الرضي على الكافية ١/ ١٠١، ومغني اللبيب ١/ ١٦، والفوائد الضيائية ١/ ٢٨٩ - ٢٩١، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٥ وفتح المغيث ٢/ ١٢٠، وشرح السيوطي: ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٤) هذا القول تعقبه الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ٢/ ٦٠١، فقال: «فيه نظر؛ فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث قال فيها: قال لنا فلان، وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ: «حدثنا»، ووجدت في الصحيح عكس ذلك، وفيه دليل على أنهما مترادفان، والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها، فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب» وانظر: الفتح ٢/ ١٨٨ و٩/ ٤٣٣ و١٠/ ١١.
[ ٢ / ١٨ ]
وانْفَردَ الْحِيْرِيُّ بِذَلِكَ، وخالفَهُ فِيهِ غَيْرُه، بَلْ الَّذِي استقرأَهُ شَيْخُنا (١) أنَّه إنَّما يَسْتَعْمِلُها في أَحَدِ أمرينِ:
أنْ يَكُوْنَ الْحَدِيْثُ مَوْقُوفًا ظَاهِرًا، وإنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرفعِ.
أوْ يَكُونَ في إسنادِهِ مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَذَلِكَ فِي الْمُتابعاتِ، والشَّواهدِ.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ «قَالَ» محمولةٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَأَنَّها تُستعملُ غالبًا في المذاكرةِ (٢).
الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ
(الخامسُ) مِن أقْسَامِ التحمُّلِ: (المكاتبةُ) مَعَ بيانِ إلحاقِها بالمناولةِ، وبيانِ اللفظِ الذي يؤدِّي بِهِ مَنْ تَحَمَّلَ بِهَا.
٥٣٢ - ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ
٥٣٣ - لِحَاضِرٍ فَإِنْ أَجَازَ مَعَهَا أَشْبَهَ مَا نَاوَلَ أَوْ جَرَّدَهَا
٥٣٤ - صَحَّ عَلى الصَّحِيْحِ وَالْمَشْهُوْرِ قَالَ بِهِ (أَيُّوْبُ) مَعْ (٣) (مَنْصُورِ)
٥٣٥ - وَالْلَيْثُ وَالسَّمْعَانِ (٤) قَدْ أَجَازَهْ وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الإِجَازَهْ
٥٣٦ - وَبَعْضُهُمْ صِحَّةَ ذَاكَ مَنَعَا وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ بِهِ قَدْ قَطَعَا
٥٣٧ - وَيَكْتَفِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوْبُ لَهْ خَطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَهْ
٥٣٨ - قَوْمٌ لِلاشْتِبَاهِ لَكِنْ رُدَّا لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ وَحَيْثُ أَدَّى
٥٣٩ - فَاللَّيْثُ مَعْ مَنْصُوْرٍ اسْتَجَازَا (أَخْبَرَنَا)، (حَدَّثَنَا) جَوَازَا
٥٤٠ - وَصَحَّحُوْا التَّقْيِيْدَ بِالْكِتَابَهْ وَهْوَ الِذَّي يَلِيْقُ بِالنَّزَاهَهْ
_________________
(١) انظر ما سبق.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧٦.
(٣) بتسكين العين؛ ليستقيم الوزن، وهي لغة في (مع).
(٤) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(النفائس) و(فتح المغيث): «السمعاني» بإثبات الياء (ياء النسب)، ولا يصحّ الوزن بإثباتها، فيجب أن تكتب «السمعان» دون الياء؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ١٩ ]
(ثُمَّ الكِتَابَةُ) مِنَ الشَّيْخِ بشيءٍ مِن مَرويِّهِ، أَوْ تأليفِهِ، أَوْ نَظْمِهِ، وإرْسَالِهِ إلى الطَّالِبِ مَعَ ثِقَةٍ بَعْدَ تحريرِهِ تَكُونُ (بخطِّ الشَّيْخِ)، وَهْيَ أعلى، (أَوْ بإذنِهِ) لِثقةٍ في الكِتَابَةِ (عَنْهُ، لغَائبٍ) عَنْهُ، ويَغنِي عَنْهُ قَولُه: (وَلَوْ لِحاضِرٍ) عندَهُ ببلدةٍ (١)، وَهِيَ عَلَى نَوعينِ (٢)، كالمناولةِ:
(فإنْ أجازَ) الشَّيْخُ بخطِّهِ، أَوْ بإذنِهِ (مَعَها) أي: الكِتَابَةِ بشيءٍ مما ذُكِرَ، كأجزتُ لَكَ مَا كتبتُه لَكَ، أَوْ مَا كتبتُ بِهِ إِلَيْكَ (٣)، وَهِيَ النَّوعُ الأَوَّلُ المسمَّى بِالكِتابةِ الْمَقرونةِ بالإجازةِ (أشبهَ) في القوّةِ والصّحَّةِ (٤)، (مَا نَاوَلَ) أي: المُنَاوَلَةَ المقرونة (٥) بالإجازةِ.
(أَوْ جَرَّدَها) أي الكتابةَ عَنِ الإِجَازَةِ، وَهِيَ النَّوعُ الثَّانِي (صَحَّ) الأداءُ بِها، (عَلَى الصَّحِيحِ، والمشْهورِ) عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ (٦)، كَمَا في النَّوعِ الأَوَّلِ.
ولأنَّها، وإن تجرَّدتْ عَنِ الإِجَازَةِ لفظًا تضمنْتَها مَعْنَى، وَكتبهُم مَشْحونةٌ بقولهم: كتبَ إليَّ فُلاَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ.
وَقَدْ (قَالَ بِهِ أَيّوبُ) السَّخْتِيَانِيُّ (٧) (مَعْ مَنْصُورِ) بنِ المعْتَمِرِ (٨)، (والليثُ) بنُ سعدٍ (٩)، وكثيرٌ من المتقدمينَ والمتأخرينَ (١٠).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧٧، وفتح المغيث ٢/ ١١٩.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧٧.
(٥) قال البقاعي: «بل هي أقوى من هذه المناولة، فإنها تزيد عليها بأن المكتوب ما كتب إلا لأجل المكتوب إليه، وفي ذلك زيادة اعتناء به في تسليطه على روايته والانتفاع به». النكت الوفية ٢٦٧/ب.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٧٨.
(٧) نقله عنه الخطيب في الكفاية: (٤٨١ ت، ٣٣٧ هـ) و(٤٩٠ ت، ٣٤٣ - ٣٤٤ هـ)، والقاضي عياض في الإلماع: ٨٥.
(٨) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: (٤٨١ ت، ٣٣٧ هـ) و(٤٩٠ ت، ٣٤٣ - ٣٤٤ هـ)، القاضي عياض في الإلماع: ٨٥.
(٩) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: (٤٩٠ - ٤٩١ ت، ٣٤٤ هـ).
(١٠) قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٢٣: «وصححه أيضًا غير واحد من الشافعيين، منهم الشّيخ أبو حامد الإسفراييني، والمحاملي، وصاحب المحصول وأبو المظفر السمعاني».
[ ٢ / ٢٠ ]
(وَ) أَبُو المْمُظَفَّر (السَّمعانِ) (١) - بحذف ياء النسبةِ - مِنْهُمْ (قَدْ أَجَازَهْ) أي: الكِتَابَ المجرَّدَ، بَلْ (وَعَدَّهُ) (٢) مَعَ جَمَاعَةٍ من الأصوليينَ، كالإمامِ الرَّازِيِّ (٣) (أقوى من الإِجَازَهْ) المجرَّدةِ.
(وَبَعْضُهم) أي: العُلَمَاء (صِحَّةَ ذاكَ) أي: الكِتَابَ المجردَ (مَنَعَا) كالمناولةِ المجرَّدةِ، (وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ)، وَهُوَ الْمَاوَرْدِيُّ (٤) (بِهِ) أي: بِالْمنعِ (قَدْ قَطَعَا).
وَذَكَر نَحوَهُ ابنُ القَطَّانِ (٥).
(وَيكْتَفِي) في الرِّوَايَةِ بالكِتَابَةِ، (أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ لَهْ خطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ)، وإنْ لَمْ تقمْ بِهِ بيَّنةٌ لِتَوسُّعِهِم في الرِّوَايَةِ (٦).
(وَأْبْطَلَهْ) أي: الاعتمادَ عَلَى الخطِّ (قومٌ)، مِنْهُمْ: الغَزَالِيُّ (٧)؛ فاشْتَرطُوا البيِّنةَ برؤيتِهِ، وَهُوَ يَكْتبُ، أَوْ بإقرارِهِ بأنَّهُ خَطَّهُ (للاشْتِباهِ) في الخطوطِ، كَمَا في نَظيرِهِ مِنَ الْمُكاتباتِ الحُكْميةِ من قاضٍ إلى آخرَ. (لَكِنْ رُدَّا) هَذَا.
وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «إنَّهُ غَيْرُ مرضي» (٨) (لِنُدرَةِ اللَّبسِ) - بضم النون وفتحها - والظاهرُ أنَّ خطَّ الإنسانِ لا يشتبهُ بغيرِهِ.
_________________
(١) قواطع الأدلة ١/ ٣٣٠.
(٢) بعد هذا في (م): «هو».
(٣) المحصول ٢/ ١/٦٤٥.
(٤) نقله عنه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤، وانظر: الحاوي ٢٠/ ١٤٦ وأدب القاضي له ١/ ٣٨٩.
(٥) بيان الوهم والإيهام٢/ ٥٣٨عقب (٥٣٩) وكلامه مردود، فالحديث وصله مسلم من طرق في صحيحه٦/ ٤حديث (١٨٢٢) ثم ذكر هذه الرواية على سبيل المتابعة، وما حكم به ابن القطان لا وجه له إلا عَلَى رأيه القائل بعدم اعتبار المتابعات والشواهد وأن كل حديث مستقل بنفسه.
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية ٢٦٩/أ: «أي بشهادة اثنين أنهما رأياه يكتب ذلك فتكون شهادة على الفعل لا بالتخمين، بأن هذا يشبه خطه، فهو هو؛ لأنه يبعد كلّ البعد أن يوجد خطّ غير خطه يحاكيه محاكاة يبعد معها التمييز». وانظر: شرح التبصرة ٢/ ١٨٠.
(٧) المستصفى ١/ ١٦٦.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤.
[ ٢ / ٢١ ]
وفارقتِ الرِّوَايَةُ مَا مَرَّ من النَّظيرِ بتوسُّعِهم فِيْهَا، كَمَا مَرَّ.
(وَحَيْثُ أدّى) مَا تحمَّلَهُ بالكتابةِ، فبأيِّ لفظٍ يؤدِّي بِهِ؟ (فالليثُ مَعْ مَنْصورٍ اسْتَجَازا) أي: أجازا إطلاقَ (أَخْبَرَنَا)، و(حَدَّثَنَا) (١).
وقولُه: (جَوازا) تكملة.
لَكِنَّ الْجُمْهُورَ مَنعوا الإطلاقَ (وَصَحَّحُوا التَّقييدَ بالكِتَابهْ)، كقولِهِ: حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا كتابةً، أَوْ مُكاتبةً، أَوْ كتبَ إليَّ، (وَهْوَ الذِي يَليقُ بالنَّزاههْ) أي: التحرِّي، والبعدِ عَمَّا يوهمُ اللَّبْسَ (٢).
قَالَ الحاكِمُ: الذي أختارُهُ وَعهِدتُ عَلَيْهِ أكثرَ مشايخِي، وأئمةَ عصري، أَنْ يَقُولَ فِيْمَا كَتبَ إِليهِ المحدِّثُ مِن مدينةٍ، وَلَمْ يُشَافهْهُ بالإجازةِ: «كَتَبَ إليَّ فُلاَنٌ» (٣).
السَّادِسُ: إِعْلاَمُ الشَّيْخِ
(السادسُ) من أقسامِ التحمُّلِ: (إعلامُ الشَّيْخِ) الطَّالِبَ لفظًا بشيءٍ من مرويِّه (٤)، مجردًا عَنْ الإِجَازَةِ.
٥٤١ - وَهَلْ لِمَنْ أَعْلَمَهُ الشَّيْخُ بِمَا يَرْوِيْهِ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فَجَزَمَا
٥٤٢ - بِمَنْعِهِ (الطُّوْسِيْ) وَذَا الْمُخْتَارُ وَعِدَّةٌ (٥) (كَابْنِ جُرَيْجٍ) صَارُوْا
٥٤٣ - إلى الْجَوَازِ وَ(ابْنُ بَكْرٍ) نَصَرَهْ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ جَزْمًا ذَكَرَهْ
٥٤٤ - بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ (٦) لَوْ مَنَعَهْ لَمْ يَمْتَنِعْ، كَمَا إذا قَدْ سَمِعَهْ
٥٤٥ - وَرُدَّ كَاسْتِرْعَاءِ مَنْ يُحَمَّلُ لَكِنْ إذا صَحَّ، عَلَيْهِ الْعَمَلُ
_________________
(١) انظر: الكفاية (٤٨٩ ت، ٣٤٣ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٤.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥.
(٣) معرفة علوم الحديث: ٢٦٠.
(٤) بعد هذا في (م): «أو غيره».
(٥) انظر: النكت الوفية ٢٦٩ / أ.
(٦) بتخفيف النون؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ٢٢ ]
(وَهَلْ لِمَنْ أعلمَهُ الشَّيْخُ بما يروِيه) سَمَاعًا، أَوْ إجازةً، أَوْ غيرَهما مجردًا عَمَّا ذكرَ (أَنْ يرويَهُ) أَوْ لا؟
(فَجَزَمَا بِمَنْعِهِ (١» أَبُو حَامدٍ (الطُّوْسِيْ) مِن أَئِمَّةِ الشَّافِعيةِ - وَالظّاهِرُ كَمَا قَالَهُ النَّاظِمُ أنَّه الغزاليُّ، فإنَّهُ كَذلِكَ في " الْمُسْتَصْفَى " (٢) - وَذَلِكَ لِعَدمِ إذنِهِ لَهُ، وربَّما لا يُجَوَّزُ روايتُهُ عَنْهُ لِخَلَلٍ يعرفُهُ فِيهِ، وإنْ سَمِعَهُ.
(وذَا) أي: المنعُ هُوَ (الْمُخْتَارُ)، كَمَا قَالَ (٣) ابنُ الصَّلاحِ (٤)، وغيرُهُ.
(وَعِدَّةٌ) كثيرونَ مِنَ الأئمّةِ الْمُحَدِّثِيْنَ، وغَيْرِهِم (كَابْنِ جُريجٍ) عَبْدِ المَلِكِ (٥) (صَاروا إلى الْجَوازِ) قياسًَا عَلَى الشَّاهِدِ (٦) بما سَمِعَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وإنْ لَمْ يَأذنْ لَهُ فِيْهَا.
(وابنُ بَكْرٍ) الوليدُ (٧) (نَصَرَهْ) واختارَهُ، (وَ) ابنُ الصبَّاغِ (٨) (صَاحِبُ
" الشَّامِلِ " جَزْمًَا ذكرَهْ) أي: ذَكرَهُ عَلَى سَبيلِ الْجَزْمِ.
(بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ)، وَهُوَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٩) فِيْمَا نَقَلَهُ ابنُ الصَّلاحِ (١٠) - فَصرَّحَ (بأنْ) أي: بأنَّهُ (لَوْ مَنَعَهْ) مِنْ روايتِهِ عَنْهُ بَعْدَ إعلامِهِ بِمَا ذكر، كقولِهِ: لا تروهِ عَنِّي
_________________
(١) في (م): «يمنعه».
(٢) ١/ ١٦٦، وإليه ذهب ابن حزم، والماوردي، وابن القطان، والبيضاوي، وابن السّبكيّ، والآمدي. انظر: إحكام الأحكام٢/ ٩١، والإبهاج ٢/ ٣٣٤، ونهاية السول ٣/ ١٩٦ ونكت الزّركشيّ ٣/ ٥٤٩، ومحاسن الاصطلاح: ٢٩٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٢.
(٣) في (م): «قاله».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٦.
(٥) الإلماع: ١١٥. قال الحافظ العراقي: «وذهب كثيرون منهم: ابن جريج وعبيد الله العمري، وأصحابه المدنيون، وطوائف من المحدّثين، والفقهاء، والأصوليين والظاهريين، إلى الجواز. واختاره ونصره الوليد بن بكر الغمري - بفتح الغين المعجمة - في كتاب " الوجازة " له وبه قطع أبو نصر ابن الصباغ صاحب الشامل، وحكاه القاضي عياض عن الكثير». شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٦) في (ص) و(ع): «شهادة الشاهد».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٣.
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٥، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٥، وشرح التبصرة ٢/ ١٨٤.
(٩) المحدث الفاصل: ٤٥١، وانظر: الإلماع: ١٠٨.
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٦.
[ ٢ / ٢٣ ]
أَوْ لاَ أُجيزُه لَكَ (لَمْ يَمْتَنِعْ) بِذَلِكَ من روايتِهِ، (كَمَا) أنَّه لا يَمْتَنِعُ (إذَا) مَنَعَهُ مِنَ التَّحديثِ بِمَا (قَدْ سَمِعَهْ) لا لِعلَّةٍ وريبةٍ في المرويِّ: لكونِهِ هُنَا أَيْضًَا قَدْ حدَّثَهُ -، أي إجْمَالًا - وَهُوَ شيءٌ لا يرجعُ فِيهِ، كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ الإِجَازَةِ.
(وَ) لَكِنْ (رُدَّ) أي: القَوْلُ بِالجوازِ (كاسْتِرْعاءِ) أي: كَمَا في اسْتِرعاءِ الشّاهِدِ (مَنْ يُحَمَّلُ (١» الشَّهادةِ - بفتحِ الميمِ، ويجوزُ كسرُها -، أي: من تحمله الشَّهادةَ.
حَيْثُ لا يكفي (٢) إعْلامُه بِهَا (٣)، أَوْ سَمَاعُهُ لَها مِنْهُ في غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكمِ وبيانِ السَّببِ، بَلْ لاَبُدَّ أَنْ يأذَنَ لَهُ فِي أنْ يشهدَ عَلَى شهادتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ في مَحلِّهِ؛ لجوازِ أنْ يمتنعَ مِن أدائِها لِشَكٍّ يدخلُهُ، فَكَذا هُنَا.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٤): وهذا مِمّا تَساوتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ والشَّهادةُ، لأنَّ المعْنى يَجْمَعُهمَا (٥) فِيهِ، وإن افْتَرَقَتَا (٦) في غيرِهِ.
(لَكِنْ إذَا صَحَّ) عِنْدَ أَحَدٍ، مَا حَصَلَ الإعْلامُ بِهِ مِنَ الحَدِيْثِ يجبُ (عَلَيْهِ العَمَلُ) بمضمونِهِ، وإنْ لَمْ تجزْ (٧) لَهُ روايتُهُ؛ لأنَّ العَمَلَ بِهِ يكفي (٨) فِيهِ صِحَّتُهُ في نفسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ روايةٌ، كَمَا مَرَّ في نَقْلِ الحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ.
هَذَا وَفِي القَوْلِ بالْمَنعِ نظرٌ يؤخذُ مِن كَلامِ ابنِ أَبِي الدمِ الآتي قريبًا (٩).
_________________
(١) في (م): «تحمّل».
(٢) في (م): «لا يكتفي».
(٣) في (م): «لها».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧.
(٥) في (ص) و(ق): «يجمعها».
(٦) في (ق) و(ع): «افترقا».
(٧) في (م): «يجز».
(٨) في (ص) و(ع): «يكتفي».
(٩) بعد هذا في (ق): «والله تعالى أعلم».
[ ٢ / ٢٤ ]
السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ
(السابعُ) مِن أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ: (الوَصيَّةُ) مِنَ الرَّاوِي عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ سَفَرِهِ لِلطّالبِ (بِالكِتابِ)، أَوْ نحوِهِ (١).
٥٤٦ - وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ
٥٤٧ - يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ
(وَبَعْضُهُم) كابنِ سِيرينَ (٢)، وغيرِهِ (أجازَ) الرِّوَايَةَ بِهَا (للموصَى لَهُ بالجزءِ) أَوْ نحوِهِ، وَلَوْ بكُتُبِهِ كُلِّها وصيةً ناشئةً (مَن رَاوٍ) لَهُ بِذَلِكَ رِوَايَةً، وَلَمْ يعلمْهُ صَريحًَا بأنَّه مِن مَرْويِّهِ، وَقَدْ (قَضَى أَجَلَهُ)، وَهُوَ (يَرْويهِ) أي: مَا أوْصَى بِهِ (٣)، (أَو) توجَّهَ (لِسَفَرٍ أرَادِهْ) أي: أَوْ أرَادَ سَفرًا، وَهُوَ يرويهِ؛ لأنَّ في ذَلِكَ نوعًا مِنَ الإذْنِ، وشبَهًَا من (٤) العَرْضِ، والمُنَاوَلَةِ.
(وَ) لَكِنْ (رُدَّ) هَذَا القَوْلُ بأنَّ الوَصيَّةَ ليست بتحديثٍ، ولا إعلامٍ بمرويٍّ، كالبيعِ، عَلَى أنَّ ابنَ سيرينَ القائِلَ بالجوازِ توقفَ فِيهِ بَعْدُ.
وَقَالَ ابنُ الصَّلاحِ (٥): القَوْلُ بِهِ بَعيدٌ جدًا، وَهُوَ زَلَّةُ عالمٍ (مَا لَمْ يُرِدِ) قَائِلُهُ (الوِجَادهْ) الآتيةَ، أي: الرِّوَايَةَ بِهَا.
قَالَ: وَلاَ يَصِحُّ تَشْبيهٌ بواحدٍ مِن قِسْمَي الإعلامِ، والمناولةِ؛ فإنَّ لمجوِّزيهما مُسْتندًا ذكرناهُ، لا يتقرَّرُ مثلُهُ، ولا قريبٌ مِنْهُ هُنَا.
وأنكرَ ذَلِكَ ابنُ أبي الدَّم، وَقَالَ: الوصيةُ أرفعُ رُتبةً مِن الوِجَادَةِ، بِلاَ خلافٍ، وَهِيَ مَعْمولٌ بِهَا عِنْدَ الشَّافِعيِّ، وغيرِهِ، فهذهِ أَولى (٦). وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا (٧).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٧.
(٢) المحدث الفاصل: ٤٥٩ - ٤٦٠، وانظر: الكفاية: (٥٠٣ - ٥٠٤ت، ٣٥٢ هـ)، والإلماع: ١١٥ - ١١٦.
(٣) في (م): بعد هذا: «حين مات».
(٤) في (م): «في».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٧ - ٣٣٨، وقلّده النووي. انظر: التقريب: ١٢٠، وقارن بـ: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٥٠ - ٥٥١.
(٦) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٣٣، وتدريب الرّاوي ٢/ ٦٠.
(٧) نزهة النظر: ١٧٣.
[ ٢ / ٢٥ ]
الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ
(الثامنُ) (١) مِن أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ (الوِجادَةُ) - بكسر الواوِ -:
٥٤٨ - ثُّمَ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ وَجَدْتُهُ مُوَلَّدًا لِيَظْهَرْ
٥٤٩ - تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ
٥٥٠ - مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ
٥٥١ - إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ: وَجَدْتُ عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ (قِيْلَ) أَوْ (ظَنَنْتُ)
(ثُمَّ) يَلي مَا مَرَّ (الوِجَادةُ، وَتِلْكَ) أي: الوجادةُ، أي: لفظُها (مصدرْ وَجَدْتُهُ) حال كونِهِ (مُوَلَّدًا) أي: غَيْرَ مَسْموعٍ مِنَ العَربِ، بَلْ ولَّدَهُ أَهْلُ الفنِّ فِيْمَا أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحيفةٍ بغيرِ سَمَاعٍ، ولا إجازةٍ، وَلاَ مناولةٍ اقتداءً بالعَرَبِ في تفريقِهِم بَيْنَ مَصادرَ «وَجَدَ» للتمييزِ بَيْنَ المعاني المختلفةِ؛ (لِيَظْهَرْ تَغَايُرُ الْمَعْنَى) (٢).
حَيْثُ يُقالُ: وَجَدَ ضَالَّتَهُ وِجْدَانًا، ومطلوبَهُ وُجُوْدًا، في الغضبِ مَوْجِدَةً، وَفِي الغنَى وُجْدًا (٣)، وَفِي الْحُبِّ وَجْدًا، كَذَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٤).
وَكَأنَّه اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ للتَّمييزِ بَيْنَ المعانِي، وإلاّ فالمنقُولُ أنَّ لكِلٍّ مِمّا ذُكِرَ مصادرَ مشتركةً، وغيرَ مشتركةٍ إلاّ في الحبِّ، فمصدرُه وَجْدٌ فَقَطْ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّاظِمُ بعضَها (٥)، والَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ مَذْكُورٌ فِي " القَامُوسِ ".
وأما وجِدَ بالكسرِ، بمعنى: حَزِنَ، فَمَصْدَرُهُ وَجْدٌ، كَمَا في الْحُبِّ (٦).
_________________
(١) كلمة «الثامن»: سقطت من (ع).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٨، وشرح التبصرة ٢/ ١٨٩، وفتح المغيث ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٣) ضبطه السيوطي في شرحه على ألفية العراقي: ٢٩٨ بالضم، قلنا: ويجوز فيه الكسر أيضًا، فهو مثلث. انظر: الصحاح ٢/ ٥٤٧، ومقاييس اللغة ٦/ ٨٦، ولسان العرب ٣/ ٤٤٥.
(٤) وهناك مصادر أخرى للفعل لم يذكرها المصنف، انظرها في: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٥١، والتقييد والإيضاح: ٢٠٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٩، وتاج العروس ٩/ ٢٥٣.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩٠.
[ ٢ / ٢٦ ]
(وذاك) أي: قسمُ الوِجادةِ نوعان:
أحدُهما: (أَنْ تَجِدْ) أنتَ (بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ)، لَقيتَهُ، أَوْ لَمْ تَلْقَهُ (أَوْ قَبْلُ عُهِدْ) أي: أَوْ بِخَطِّ مَنْ عُهِد وجودُه قَبْلَ وجودِ مَنْ عاصرتَ (مَا) أي شَيْئًا (لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ، وَلَمْ يُجِزْ) لَكَ روايتَهُ.
(فَقُلْ: بخطِّهِ) أي: فُلاَنٍ (وجدْتُ)، أَوْ وجدْتُ بخطِّهِ، أَوْ نحوِهِ، كَ: قرأتُ بخطِّهِ أَخْبَرَنَا فلانٌ، وتسوقُ سندَهُ، ومتْنَهُ، أَوْ مَا وجدتَهُ بِخَطِّهِ.
(واحْتَرِزْ) أَنْتَ عَنْ الْجَزمِ (إنْ لَمْ تَثِقْ بالْخَطِّ) الَّذِي وَجدتَهُ، بَلْ (قُلْ: وَجَدْتُ عَنْهُ)، أَوْ بَلغنِي عَنْهُ، (أَوْ اذْكُرْ) أنت: وجدْتُ بخطٍّ (١) (قِيلَ) إنَّهُ خَطُّ فُلاَنٍ، أَوْ قَالَ لِي فُلانٌ: إنَّهُ خَطُّ فُلاَنٍ، (أَوْ ظَنَنْتُ) أَنَّهُ خطُّ فُلاَنٍ، أَوْ ذكرَ كَاتبُهُ أنَّه فُلاَنٌ بنُ فُلاَنٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يفْصِحُ بالْمسْتَنَدِ في كونِهِ خطَّهُ.
أما إذَا أجازَ لَكَ روايتَهُ فَلَكَ أَنْ تَقُولَ: وَجدتُ بخطِّ فُلاَنٍ كَذَا، وأجازَهُ لِي، وَهُوَ واضِحٌ (٢).
٥٥٢ - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ قَدْ شِيْبَ وَصْلًا مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا
٥٥٣ - فيْهِ (بِعَنْ)، قالَ: وَهَذَا دُلْسَهْ تَقْبُحُ (٣) إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ
٥٥٤ - حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى (حَدَّثَنَا)، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا
٥٥٥ - وَقِيْلَ: فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا
٥٥٦ - بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ وَ(لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا
٥٥٧ - وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ: (قالَ) وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
٥٥٨ - بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِنِ
_________________
(١) في (ص): «وجدته بخطه».
(٢) انظر: المستصفى ١/ ١٦٦، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٩، والنكت للزركشي ٣/ ٥٥٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩١، وفتح المغيث ٢/ ١٣٦.
(٣) في (أ) و(ج) و(م): «يقبح».
[ ٢ / ٢٧ ]
(وَكُلُّهُ) أي: المرويِّ بالوِجادَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الإجازةِ، سَواءٌ أوَثَقْتَ بأنَّه خطُّ فُلاَنٍ، أَمْ لا (مُنْقَطِعٌ) أَوْ معَلَّقٌ (١).
وَعَن ابنِ كَثِيْرٍ: الوِجَادةُ لَيْستْ مِن بابِ الرِّوَايَةِ، وإنَّما هِيَ حِكايةٌ عَمَّا وَجدَهُ في الكِتابِ (٢).
(و) لَكِنْ (الأَوَّلُ)، وَهُوَ: مَا إذَا وَثَقْت (٣) بأنَّه خطُّهُ (قَدْ شِيْبَ وَصْلًا) أي: يُوصل (مَا) لزيادةِ القُوّةِ بالوُثوقِ بالْخَطِّ.
(وَقَدْ تَسَهَّلُوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (فِيهِ) أي: في أداءِ مَا يَجدونَهُ بِخطِّ فُلاَنٍ، فأتوا (بِعن) فلانٍ، أَوْ نحوِها، مِمَّا يُوهِمُ أخذَهُ عَنْهُ سَمَاعًا أَوْ إجازةً، كَ: «قَالَ» مَكانَ «وَجَدْتُ» (٤).
(قَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (٥): (وهذا دُلْسَهْ) من الواجدِ (تقبح إنْ أوهَمَ) بأَنْ كَانَ مُعاصِرًا لَهُ (أنَّ نفسَهْ) أي: الذي وَجَد المرويَّ بِخَطِّهِ (حَدَّثَهُ بِهِ)، أَوْ أجازَهُ بِهِ، بِخلافِ مَا إذَا (٦) لَمْ يوهم ذَلِكَ.
(وَبَعْضٌ) جَازفَ (٧) حَيْثُ (أدَّى) مَا وَجدَهُ مِن ذَلِكَ بقولِهِ: (حَدَّثَنَا) و(أَخْبَرَنَا، ورُدَّا) ذَلِكَ بأنَّه يُوهمُ أخذهُ عَنْهُ سَمَاعًا، أَوْ إجازةً.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩٢. نقل السخاوي في فتح المغيث قول الرشيد العطار في الغرر المجموعة له: «الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرّواية، بل قد يقال إن عده من التعليق أولى من المنقطع، ومن المرسل». فتح المغيث ٢/ ١٣٦، وانظر: نكت الزّركشيّ ٣/ ٥٥٣.
(٢) اختصار علوم الحديث: ١٢٨.
(٣) في (ص): «أوثقت».
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٩ - ٣٤٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩٢.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٣٩.
(٦) في (م): «إن».
(٧) منهم إسحاق بن راشد، وكان يقول: «حدّثنا الزهري ..» فقيل له: أين لقيت ابن شهاب؟ قال: لم ألقه، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له. أسنده الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١١٠، وحكاه عنه القاضي عياض في الإلماع: ١١٩.
[ ٢ / ٢٨ ]
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لاَ أعلمُ مَنْ يُقْتَدى بِهِ، أجازَ النَّقلَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَلاَ مَن عَدَّهُ مَعَدَّ المُسْنَدِ (١).
(وَ) لكونِهِ منقطعًا (قِيلَ فِي العَمَلِ) بِمَا تضمنَّهُ: (إنَّ الْمُعْظَمَا) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، والفَقَهاءِ، (لَمْ يَرَهُ) قِياسًَا عَلَى المُرْسَلِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ يَتَّصِلْ.
(وَ) لَكِنْ (بِالْوُجُوْبِ) لِلْعَملِ (٢) حَيْثُ سَاغَ (جَزَما) أي: قطعَ (بَعْضُ الْمُحقِّقينَ) (٣) مِن أَصْحَابِ الشَّافِعيِّ في أصولِ الفِقْهِ عِنْدَ حُصولِ الثِّقَةِ بِهِ (٤).
(وَهْوَ) أي: القطعُ بالوجوبِ (الأصوبُ) الذي لا يتجِهُ غيرُهُ في الأَعْصَارِ الْمُتأخِّرةِ، لِقصورِ الهِمَمِ فِيْهَا عَنِ الرِّوَايَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلا الوِجادةُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «إنَّه الصَّحِيحُ» (٥).
(ولابْنِ إدْرِيْسَ) الإمامِ الشَّافِعيِّ (الجوازَ نسبُوْا) أي: جَمَاعَةٌ مِن أصْحابِهِ (٦).
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الَّذي نَصَرَهُ الْجُوِيْنيُّ، واخْتَارَهُ غيرُهُ مِن أَرْبَابِ التَّحقيقِ (٧).
فَفي العَملِ بِهِ ثلاثةُ أقوالٍ: الْمَنْعُ، الوجوبُ، الجوازُ.
النَّوع الثَّانِي:
أن تجدَ ذَلِكَ بِخطِّ غَيْرِ مَنْ ذكرَ، وَهُوَ مَا ذكِرَ بقولِهِ:
(وإنْ (٨) يَكُنْ) مَا تَجِدُهُ مِن ذَلِكَ (بِغَيْرِ خَطِّهِ)، ووثقْتَ بَصِحَّةِ النُّسْخَةِ، بأنْ قوبِلَتْ مَعَ ثِقَةٍ بالأصْلِ، أَوْ بفرعٍ مقابَلٍ بِهِ، كَمَا مَرَّ، (فَقُلْ: قَالَ) فُلاَنٌ كَذَا، (وَنَحْوَهَا) مِن ألفاظِ الجزمِ، كذكَرَ فُلاَنٌ.
_________________
(١) الإلماع: ١١٧.
(٢) بعد هذا في (م): «بِهِ».
(٣) عنى بذلك الجويني وكلامه في البرهان ١/ ٤١٦ (٥٩٢).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤١.
(٥) التقريب: ١٢٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩٣.
(٧) الإلماع: ١٢٠.
(٨) في (م): «فإن».
[ ٢ / ٢٩ ]
(وإنْ لَمْ يَحْصُلْ) إنْ قُرئ بإسكان اللامِ دخلَهُ القطعُ، أَوْ بكسرِها سلمَ مِنْهُ، لَكِنْ يَجِبُ كسرُ لامِ «فقل»، وإسكانُ هاءِ «خطِّهِ» إجراءً للوصلِ مجرَى الوَقْفِ -، أي: وإنْ لَمْ يَحْصَل (بالنُّسْخَةِ الوثوقُ)، فَلا تجزمْ بِذَلِكَ، بَلْ (قُلْ: بَلَغَنيْ) عَنْ فُلاَنٍ أنَّه ذكرَ كَذَا، أَوْ وجدتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ الفلانِيِّ، وَنحوُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَقْتَضِي الجزمَ.
(وَ) لَكِنْ (الجزمُ) في مثلِهِ (يُرجى حِلُّهُ للفَطِنِ) العالمِ الذي لا تَخْفَى عَلَيْهِ غَالبًا مَواضِعُ الإسقاطِ، والسَّقْط، وَمَا أحيلَ عَنْ جِهَتِهِ إلى غَيْرِهَا (١).
كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ
(كتابةُ الحَدِيْثِ، وضبطُهُ) بالشَّكلِ، والنُّقَطِ، وَمَا مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتي:
٥٥٩ - وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ (٢) فِي كِتْبَةِ (٣) الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ
٥٦٠ - عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ)
(واخْتلفَ الصِّحابُ) - بِكَسْرِ الصَّادِ أفصحُ، وأشْهرُ مِن فَتْحِهَا -، أي: الصَّحَابَةُ، (والأَتْباعُ) لَهُمْ (في كِتْبَةِ) - بكسرِ الكافِ - أي: كِتَابَةِ (الحَدِيْثِ)، فكرِهَهَا جَمْعٌ مِنْهُمَا، كابنِ عُمَرَ (٤)، وابنِ مَسْعُودٍ (٥)، وأبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ (٦)،
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ١٤٠.
(٢) في (ب): «والتّبّاع»، وفي (ج): «والتّباع» وأشار إلى أن في نسخة «الأتباع» نسخة.
(٣) أي: في نسخ الحديث أو كتابته.
(٤) رواه عنه الخطيب في تقييد العلم: ٤٤، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٦٦. قال البقاعي في النكت الوفية ٢٧٤ / أ: «إنما في كتاب ابن الصلاح عمر ولم يذكر ابنه في شيء من القسمين ولا ذكر عمر في المجيزين» وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٢.
(٥) رواه عنه الخطيب البغدادي في التقييد: ٣٨ - ٣٩، وابن عبد البر في الجامع ١/ ٦٥.
(٦) رواه عنه أبو خيثمة في كتاب العلم: ٢٤ رقم (٩٥)، والدارمي في سننه (٤٥٦)، (٤٥٧) والخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٣٦ - ٣٨، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٦٤.
[ ٢ / ٣٠ ]
وكالشَّعْبيِّ، والنَخَعيِّ مُحْتَجِّينَ بِخَبرِ مُسْلِمٍ: عَنْ أبِيْ سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -،
قَالَ: «لاَ تَكْتُبُوْا عَنِّيْ شَيْئًا سِوَى القُرْآنِ، مَنْ كَتَبَ عَنِّيْ شَيْئًا سِوَى القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: «أنَّه اسْتَأْذَنَ النَّبيَّ - ﷺ - فِيْ كَتْبِ الْحَدِيْثِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ» (٢).
وَجَوَّزَهُ (٣) جَمْعٌ مِنْهُمَا، كَعُمَرَ (٤)، وابنِهِ (٥) أَيْضًَا، وعَلِيٍّ (٦)، وابنِهِ الْحَسَنِ (٧) - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَكَقَتَادَةَ (٨)، وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزيزِ (٩).
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمَا: «قَيِّدُوْا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ» (١٠).
(وَ) لَكِنْ (الإجْمَاعُ) مُنْعَقِدٌ (عَلَى الْجَوازِ بَعْدَهُمْ) أي: بَعْدَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، (بِالْجَزْمِ)، أي: مَجْزُومًا بِهِ، بحيثُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلافُ؛ (لِقَولِهِ) - ﷺ -، كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ ": «(أكْتُبُوْا) لأبِيْ شَاهٍ» (١١).
_________________
(١) صحيح مسلم ٨/ ٢٢٩ (٣٠٠٤)، وأخرجه أحمد ٣/ ١٢ و٢١ و٣٩ و٤٦ و٥٦. والدارمي (٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨) وفي فضائل القرآن (٣٣) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري بِهِ مرفوعًا.
(٢) تقييد العلم: ٣٢ - ٣٣.
(٣) أي: وجوّزه بالقول أو الفعل جماعة، أي: قال بعضهم: إنّه جائز وفعله بعضهم فعلمنا بفعلهم له أنه جائز؛ لأنهم كانوا لا يقدمون على غير الجائز. وعبارة ابن الصلاح وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله إلى آخره أفاده البقاعي ٢٧٤ / ب.
(٤) رواه عنه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ٣٧٧، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٨٨. قلنا: ورُويَ؟عنه المنع من الكتابة، كما في تقييد العلم: ٤٩ - ٥٠ وجامع بيان العلم ١/ ٦٤.
(٥) رواه عنه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ٣٦٦، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٧٣.
(٦) رواه عنه البخاري في صحيحه ١/ ٣٨ حديث (١١١)، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٨٨ - ٩١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٧١.
(٧) رواه عنه الخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٩١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٨٢.
(٨) تقييد العلم: ٤١ - ٤٨، والإلماع: ١٤٧.
(٩) المصدران السابقان.
(١٠) تقييد العلم: ٣٢ - ٣٣.
(١١) جزء من حديث طويل، أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٨، والبخاري ١/ ٣٨ - ٣٩ (١١٢) و٣/ ١٦٤ - ١٦٥ (٢٤٣٤) و٩/ ٦ (٦٨٨٠)، ومسلم ٤/ ١١٠ - ١١١ (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧) و(٣٦٤٩) و(٤٥٠٥) والترمذي (٢٦٦٧)، وابن حبان (٣٧١٧)، والدارقطني ٣/ ٩٦ - ٩٨ والبيهقي ٨/ ٥٢، وفي دلائل النبوة ٥/ ٨٤، والخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ٩١ كلهم من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٣١ ]
أي: الْخُطبةَ التي سَمِعَهَا مِنْهُ - ﷺ - يومَ فَتَحِ مَكَّةَ.
(وكَتْبِ السَّهْمِيْ) مِن زيادتِهِ -، أي: وَلكتب عَبْدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العَاصِ السَّهميِّ، نِسْبةً لِسَهْمِ بنِ عَمْرِو بنِ هصيصٍ، كَمَا رَواهُ البُخَارِيُّ (١) مِن قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا منِّيْ إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ».
وكَمَا (٢) رَواهُ أَبُو داودَ (٣) مِن قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو: «يا رَسُوْلَ اللهِ! أكْتُبُ مَا أسْمَعُهُ مِنْكَ فِيْ الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قَالَ: نَعَمْ فَإنِّيْ لاَ أقُوْلُ إلاَّ حَقَّا».
وَجَمَعُوا بَيْنَ الأدِلَّةِ، بأنَّ النَّهيَ مُتَقَدِّمٌ، والإذنَ ناسِخٌ لَهُ.
وبحملِ النَّهْي عَلَى وقتِ نِزولِ القُرْآنِ خَشيةَ الْتِباسِهِ بِغَيْرِهِ.
أَوْ عَلَى مَن تَمَكَّنَ مِنَ الحِفْظِ.
أَوْ عَلَى مَن خَشِيَ مِنْهُ الاتِّكالَ عَلَى الكِتَابِ دُوْنَ الْحِفْظِ.
أَوْ عَلَى كِتَابَةِ غَيْرِ القُرْآنِ مَعَ القُرْآنِ فِي شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّهم كَانوا يَسْمَعُونَ تأويلَهُ فربَّما كَتَبُوهُ مَعَهُ؛ فنُهوا عَنْ ذَلِكَ خوفَ الاشتباهِ.
_________________
(١) صحيح البخاريّ ١/ ٣٩ (١١٣). قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ١٩٩: «وهذا الاستدلال من الزوائد على ابن الصّلاح ممّا لم أميزه من كلامه».
(٢) في (م): «كما» بدون واو.
(٣) أبو داود (٣٦٤٦)، وأخرجه أحمد ٢/ ١٦٢ و١٩٢، وأخرجه الخطيب في تقييد العلم: ٨٠، والمزي في تهذيب الكمال ٧/ ٤٧٥ من طريق الإمام أحمد بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٤١٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: ٨٩ - ٩٠، والحاكم ١/ ١٠٥ - ١٠٦. قال ابن القيم في " تهذيب مختصر سنن أبي داود " ٥/ ٢٤٥: «قد صحّ عن النّبيّ - ﷺ - النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخرٌ، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النّبيّ - ﷺ - قال في غزاة الفتح: «أكتبوا لأبي شاه» يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله ابن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها " الصادقة " ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله، لأمر النّبيّ - ﷺ - بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها، دلّ على أن الإذن في الكتابة متأخّر عن النهي عنها، وهذا واضح. والحمد لله».
[ ٢ / ٣٢ ]
وحُملَ الإذنُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ في الْجَمِيْعِ.
وبالْجُملةِ: فالكِتابَةُ مَسْنونةٌ، بَلْ قَالَ شَيْخُنا: «لا يَبْعُدُ وجوبُها عَلَى مَن خَشِيَ النِّسْيانَ مِمَّنْ يَتَعيَّنُ عَلَيْهِ تَبْليغُ العِلْم» (١).
٥٦١ - وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ
٥٦٢ - وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ
٥٦٣ - وَلْيَكُ (٢) فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ
(وَيَنْبَغِي) نَدْبًا (٣) (إعْجَامُ) أي نقطُ (مَا يُسْتَعْجَمُ) بِتَركِ نَقْطِهِ بحيثُ يصيرُ فيهِ عُجْمَةٌ، بأن يُميِّزَ التاءَ من الياء، والحاء من الخاء. (٤)
(و) ينبغي أَيْضًَا (شَكْلُ مَا يُشكِلُ) إعرابُه، وَهيئتُهُ مِنَ الْمُتونِ، والأسْماءِ في الكتبِ، ليزولَ إشكالُه (لا مَا يُفْهَمُ) بِلا نقطٍ وشكلٍ؛ لأنَّه اشتغالٌ بِمَا غيرُهُ أولى مِنْهُ، وتعبٌ بلا فائدة.
وحُكيَ عَنْ أَهْلِ العلمِ أنهم يَكْرهونَ الإعجامَ، والإعرابَ إلا في الْمُلْبسِ، وربَّما يحصلُ للكتابِ أظلامٌ.
(وَقِيلَ): بَلْ يَنْبَغِي الإعْجَامُ، والشَّكْلُ لِلْمَكْتوبِ (كُلِّهِ) الْمُشْكِلِ، وغيرِهِ (٥).
وَصَوَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ (لِذي ابْتِدَاءِ) أي: لأجلِ الْمُبْتَدِي في
الفَنِّ؛ لأنَّه لا يعرفُ الْمُشْكِلَ مِنْ غيرِهِ (٦).
_________________
(١) في (م): «الإسلام»: وما أثبتناه هو الموافق لما في نسخنا وفتح الباري ١/ ٢٠٤ عقب (١١١).
(٢) أصلها: يكون، حذفت الواو لدخول الجازم، وحذفت النون تخفيفًا فأصبحت: ليك.
(٣) قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٤٧: «استحبابًا متأكدًا، بل عبارة ابن خلاد وعياض تقتضي الوجوب، وبه صرح الماوردي، لكن في حق من حفظ العلم بالخط لطالب العلم لاسيما الحديث ومتعلقاته صرف الهمة لضبط ما يحصله بخطه، أو بخط غيره من مرويه وغيره من كتب العلوم النافعة ضبطًا يؤمن معه الالتباس». وانظر: المحدث الفاصل: ٦٠٨، والإلماع: ١٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٠.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٠.
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠١.
(٦) الإلماع: ١٥٠.
[ ٢ / ٣٣ ]
وَلأنهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ واضِحًا عِنْدَ قَومٍ مُشْكِلًا عِنْدَ آخرِينَ، بَلْ رُبَّمَا يظنُّ لبراعَتِهِ الْمُشْكِلَ واضِحًَا، ثُمَّ يشكِلُ عَلَيْهِ بَعْدُ.
وَرُبَّما يقعُ النِّزاعُ في حُكمٍ مُسْتنبطٍ مِن حَدِيثٍ يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلَى إعْرابِهِ، كحديثِ: «ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكَاةُ أمِّهِ» (١).
فالجمهورُ، كالشافعيةِ، والمالكيةِ (٢)، وغيرِهما، لا يُوجِبونَ ذكاتَهُ بناءً على رفعِ «ذكاةُ أُمِّهِ» بالابتدائيةِ أَوْ (٣) الْخَبريةِ، وَهُوَ الْمشهورُ في الرِّوَايَةِ. وغيرُهم كالحنفيةِ يوجبونَها بناءً عَلَى نَصْبِ ذَلِكَ عَلَى التَّشبيهِ أي: يُذكى مثلَ ذكاةِ أمِّهِ (٤). وكحديثِ: «لاَ نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» (٥).
فالسنِّي يرفعُ (٦) «صدقةٌ» بالخبريةِ؛ لأنَّ الأنبياءَ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسلامُ لايورثونَ.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٩)، وابن أبي شيبة (٣٦١٣٩)، وأحمد ٣/ ٣١ و٣٩ و٥٣، وأبو داود (٢٨٢٧)، وابن ماجه (٣١٩٩)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن الجارود (٩٠٠)، وأبو يعلى (٩٩٢)، وابن حبان (٥٨٩٨)، والدارقطني ٤/ ٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤، والبيهقي ٩/ ٣٣٥، والبغوي (٢٧٨٩) من طريق أبي الوداك، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -، وقال الترمذي: «حسن». وله طريق آخر عند أحمد ٣/ ٤٥ من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٢.
(٣) في (م) و(ق): «و».
(٤) انظر في المسألة: الإلماع: ١٥٠، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١١١، والنهاية ٢/ ١٦٤، وفيض القدير ٣/ ٥٦٣، وعون المعبود ٣/ ٢٣، وبذل المجهود ١٣/ ٦٨ - ٦٩، وسبل السلام ٤/ ١٨٥٥ - ١٨٥٦، ونيل الأوطار ٨/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٧٧٢)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٣١٤، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٧ و٤٨ و٤٩ و٦٠ و١٦٢ و١٦٤ و١٧٩ و١٩١ و٢٠٨، والبخاري ٤/ ٩٦ (٣٠٩٤) و٥/ ١١٣ (٤٠٣٣) و٧/ ٨١ (٥٣٥٨) و٨/ ١٨٥ (٦٧٢٨) و٩/ ١٢١ (٧٣٠٥)، ومسلم ٥/ ١٥١ (١٧٥٧) (٤٩) و١٥٣ (١٧٥٧) (٥٠)، وأبو داود (٢٩٦٣) و(٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والبزار (٢) و(٥١٨)، والمروزي في مسند أبي بكر (٢)، والنّسائيّ ٧/ ١٣٥، وأبو يعلى (٢) و(٣) و(٤)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٥، وابن حبان (٦٦١٧)، والبيهقي ٦/ ٢٩٧و٢٩٨، والبغوي (٢٧٣٨). عن أبي بكر وعمر. ويروى هذا الحديث عن عائشة ومالك بن أوس بن الحدثان وأبي هريرة.
(٦) في (ص): «يرى».
[ ٢ / ٣٤ ]
والمعتزليُّ ينصبُها تمييزًا، ويجعلُ «مَا تركنا» مفعولًا ثانيًا «لنورث» أي: لا نورثُ مَا تركناه صدقةً، بَلْ ملكًا (١).
(و) لَكِنْ (أكَّدُوْا) أي: العُلَمَاءُ (مُلتَبِسَ) أي ضبطَ ملتبسِ (الأسْماءِ) إِذْ لا يدخُلُها قياسٌ، ولاَ قَبْلَها وَلاَ بَعْدَهَا شيءٌ يدلُّ عَلَيْهَا.
(وَلْيَكُ) ضَبْطُ الشكلِ (٢) (في الأصلِ، وفي الْهَامِشِ) قُبالتَهُ: لأنَّ الْجمعَ بَيْنَهُمَا أَبْلغُ في الإبانةِ مِنَ الاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ في الأصْلِ.
ولْيَكُ مَا فِي الْهَامِشِ ثابتًا (مَعْ تَقْطِيْعِهِ) أي: الكاتبِ، (الْحُرُوفَ) مِنَ المشكلِ (٣)، (فَهْوَ أنفعْ).
وَفَائِدَةُ تَقْطيعِها أنْ يُظهِرَ شكلَ الحرفِ (٤) بكتابتِهِ مُفْردًا في بَعضِ الحُروفِ كالنونِ، والياءِ التحتيةِ، بخلافِ مَا إذَا كُتِبَتْ مُجْتَمِعَةً، والْحَرْفُ الْمَذْكورُ في أولِها، أَوْ (٥) وسَطِها.
٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ (٦) إِلاَّ لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلاَ
٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا
(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (٧) (الْخَطُّ الدَّقيقُ) - بالدّالِ وَفِي نسخةٍ بالراءِ - لفواتِ الانتفاعِ، أَوْ كَماله بِهِ لِمَنْ ضعُفَ نظرُهُ، وربما ضعُفَ نظرُ كاتبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلا ينتفعُ بِهِ.
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٤٩.
(٢) في (ص) و(ق): «المشكل».
(٣) في (م): «من الشكل»، وفي (ق): «مع المشكل».
(٤) في (م): «الحروف».
(٥) في (ص): «أو في».
(٦) في النفائس و(أ): «الدقيق» بالدال، وما أثبتناه من (ب) و(ج) وشروح الألفية وهو الموافق لما يأتي، وسوف يشير المصنف إلى هذا الاختلاف.
(٧) فتح المغيث ٢/ ١٥٠.
[ ٢ / ٣٥ ]
كَمَا قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ (١) بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ، لابنِ عَمِّهِ حَنْبَلِ بنِ إسحاقَ بنِ حَنْبَلٍ (٢) ورآهُ يكتبُ خطَّا دقيقًا: لا تفعلْ فإنَّهُ يخونُك أحوجُ مَا تَكُونُ إِليهِ.
(إلاَّ) أنْ تكونَ (٣) دِقَتُهُ (لضيقِ رَقٍّ) (٤) -بفتح الراء-، وَهُوَ جِلدٌ رقيقٌ أبيضُ يكتبُ فِيهِ، وَمِثلُه الورقُ، وَذَلِكَ بأنْ عجزَ عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ ثمنِهِما (٥)، (أَوْ لِرَحَّالٍ) في طَلبِ العِلْمِ، يريدُ حَمْلَ كُتُبِهِ مَعَهُ، فتكونُ خَفيفةَ الْحَمْلِ (٦)، (فَلاَ) كَراهةَ لعذرِهِ.
والقضيةُ الْمُستثناةُ مانعةُ خُلوٍّ، فتصدقُ بطرفَيْهَا، بَلْ ذَلِكَ مفهومٌ بالأولى.
(وشرُّه) أي: الخط (التَّعْليقُ)، وَهُوَ خلطُ الحروفِ التي ينبغي تفرقَتُها (٧) (والْمَشْق) - بفتح الميم - وَهُوَ سرعةُ الكِتَابَةِ (٨) مَعَ بَعْثرةِ الحروفِ، (كَمَا) أنَّه (شرُّ القِرَاءةِ إذَا مَا) زائدةٌ (هَذْرَما) - بالمعجمةِ - أي: أسرعَ في قراءتهِ (٩).
فعن عُمَرَ - ﵁ - أنهُ قَالَ: شرُّ الكِتَابَةِ الْمَشقُ، وشرُّ القِرَاءةِ الْهَذْرَمَةُ، وأجودُ الخطِّ أبْينُهُ (١٠).
٥٦٦ - وَيُنْقَطُ الْمُهْمَلُ لاَ الْحَا أَسْفَلاَ أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ تَحْتُ مَثَلاَ
٥٦٧ - أَوْ فَوْقَهُ قُلاَمَةً، أَقْوَالُ وَالْبَعْضُ نَقْطَ الِسّيْنِ صَفًّا قالَوْا
٥٦٨ - وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَلِ
_________________
(١) الجامع لأخلاق الرَّاوِي ١/ ٢٦١ (٥٣٧)، وانظر: أدب الإملاء والاستملاء: ١٦٧.
(٢) «بن حنبل»: سقط من (م).
(٣) في (م): «تكونه».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٥، والنكت الوفية ٢٨١/ب.
(٥) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٥١.
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٥١.
(٨) الصحاح ٤/ ١٥٥٥ مادة (مشق).
(٩) الصحاح ٥/ ٢٠٥٧ مادة (هذرم).
(١٠) أسنده الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢٦٢ (٥٤١)، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٥.
[ ٢ / ٣٦ ]
(وَيُنْقَطُ) الْحَرْفُ (الْمُهْمَلُ)، كَالدَّالِ والرَّاءِ (لا الْحَا (١» - بالقصر - بِمَا فَوْقَ الْحرفِ المعجمِ المشاكلِ لَهُ (أسفلا) أي: أسفلَ المهمَلِ.
وإنَّما لَمْ ينقطِ الْحاءُ كَذلِكَ، لئلا تلتبسَ بالْجيمِ.
وَلَمْ يُصَرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ، كالقاضِي عياضٍ (٢) باستثنائِهما، للعلمِ بِهَا مِن علَّةِ ذَلِكَ، وَهِيَ التَّمييزُ.
وَلَيْسَ هَذَا الضَّبطُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بينَهُم، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَسْلُكُهُ، ومنهم من يَسْلُكُ غيرَهُ، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ:
(أَوْ) علامتُهُ (كَتْبُ ذاكَ الْحَرفِ) الْمُهْمَلِ (تَحْتُ) أي: تَحْتَهُ (مَثَلا) بِفَتْحَتَيْنِ لغةً في «مِثْل» بِكَسْرِ أوَّلِهِ، وإسكانِ ثانيهِ -، أي: كتبُ مثلِ ذَلِكَ الحرفِ، لَكِنَّ الأَنْسَبَ كونُهُ أصغرَ مِنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهَذا عَمَلُ بعضِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، والأندلُس (٣).
(أَوْ) يَكْتُبُ (فَوقَهُ قُلاَمةً) أي: صُورةَ هِلالٍ، كقُلامةِ الظُّفْرِ، مُضْطَجِعةٍ عَلَى قَفَاهَا (٤)، لتكونَ (٥) فرجتها (٦) إلى فَوْق.
(أقوالُ) ثلاثةٌ شائعةٌ معروفةٌ (٧)، وَهِيَ مَعَ مَا يأتِي خَمْسَةُ أقوالٍ، أَوْ ستةٌ، كَمَا سَتَراهُ، وقضيةٌ أولُها أنْ تَكُونَ (٨) هيئةُ النَقْطِ مِن تحتُ كهيئتِهِ من فوقُ حَتَّى يَكُونَ مَا تحتَ السِّينِ الْمُهْمَلةِ كالأثافيِّ، وَعَلَيْهِ فالأنسبُ أنْ تَكُونَ النُّقْطةُ الثَّالثةُ تَحْتَ النُّقْطَتينِ الأُخرَيَيْنِ (٩).
_________________
(١) في (م): «الحاء» بإثبات الهمزة، ولم يفهم مراد الشارح.
(٢) الإلماع: ١٥٧.
(٣) الإلماع: ١٥٧.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨، وشرح التبصرة والتذكرة٢/ ٢٠٨، وفتح المغيث٢/ ١٥٤.
(٥) في (ص): «ليكون».
(٦) في (م): «فوهتها».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨.
(٨) في (م): «يَكُوْن».
(٩) فتح المغيث ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.
[ ٢ / ٣٧ ]
(والبَعْضُ) مِمَّنْ سَلَكَ النقطَ، (نَقْطَ السِّينَ) يَكون (صَفًَّا) تَحتَها، (قالوا): وإنما قالوا ذَلِكَ لئلا يزدحمَ (١) بَعْضُ النَّقطِ بالسَّطْرِ الَّذِي يليه فيظلم، وربما يلبسُ (٢).
(وبعضُهم يخطُّ فوقَ الْمُهْمَلِ) خطًّا صغيراَ (٣).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: وَذلِكَ مَوجودٌ في كثيرٍ مِنَ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ (٤)، ولا يفطنُ لَهُ كَثيرونَ (٥).
أي: لِخَفَائِهِ، وَعَدمِ شُيوعِهِ حَتَّى تَوهَّمَهُ بَعْضُهُمْ فتحةً، فقرأ «رَضوان» - بفتحِ الرَّاءِ -، وَهِيَ لَيْسَتْ إلاّ عَلاَمَةُ الإِهْمَالِ.
(وَبَعْضُهُم كَالْهَمْزِ تَحْتُ) أي: تَحْتَ المهملِ (يَجْعَلِ).
نقله ابنُ الصَّلاَحِ (٦) عَنْ بعضِ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ، ونقلَهُ القاضِي عِياضٌ (٧) عَنْ بَعْضِهِم مَعَ نَقْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أيْضًا، أَنَّه يَجْعَلُها فوقَ الْمُهمَلِ، وعبَّر عَنْهَا بالنَّبْرَةِ.
وَيَكْتُبُ فِي بَطْنِ الكَافِ الْمُعَلَّقةِ كَافًا صَغِيْرَةً أوْ هَمْزةً، وَفي بَطْنِ الّلامِ لامًا هَكذا: «لا» صورة.
٥٦٩ - وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا
٥٧٠ - وَتَنْبَغِي الدَّارَةُ فَصْلًا وَارْتَضَى إِغْفَالَهَا (الْخَطِيْبُ) حَتَّى يُعْرَضَا
٥٧١ - وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ
(وإنْ أَتَى) راوٍ في كِتَابٍ سَمِعَهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بيانُهُ (بِرَمْزِ راوٍ) بِبَعْضِ حُروفِ اسْمِهِ (مَيّزَا مُرادَهُ) بتلكَ الرُمُوزِ في أوَّلِ الكِتَابِ، أوْ آخِرِهِ.
_________________
(١) في (م): «يزدهم».
(٢) في (م): «يلتبس»، وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٥٥.
(٣) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٥٥.
(٤) في (ص): «المتقدمة».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٨.
(٧) الإلماع: ١٥٧.
[ ٢ / ٣٨ ]
كأن رَوَى البُخَارِيَّ راوٍ من روايةِ الفَرَبْرِي، وإبْرَاهِيْمَ بنِ معقلِ النَّسَفيِّ. وحَمّادِ ابنِ شاكرٍ النَّسَويِّ، فيَجْعَلُ راويَهِ في كتابِهِ للفَرَبْري: «ف»، وللنَّسفيِّ: «س»، وَلِحَمّادٍ: «ح» (١).
وَهَذا لاَ بَأسَ بِهِ، كَمَا قالَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٢).
(و) مع ذَلِكَ (اخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا) أي: الأولى أنْ يَجْتَنبَ الرَّمْزَ، ويكتبَ عِنْدَ كُلِّ رِوَايَةٍ اسمَ راويهِ، بكمالِهِ؛ لأنَّ تَمْيِيْزَ الرَّمْزِ، إمَّا في أوَّلِ الكِتَابِ، أَوْ آخرِهِ، وقد تَسْقُطُ الورَقَةُ الّتي هُوَ فِيْهَا، فيوقعُ في الحيرةِ، فإنْ أخلَى كتابَهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كرِهَ له لما يُوقعُ فِيْهِ غيرَهُ مِنَ الْحَيْرَةِ فِي فَهْمِ مرادِهِ (٣).
(وَتَنْبَغِي) نَدْبًا في إتْمَامِ الضَّبْطِ (الدَّارةُ) (٤)، وَهِيَ حَلْقَةٌ (فَصْلًا)، أي: لِلْفَصْلِ بِها، لِلتَّمييزِ بَيْنَ الْحَدِيْثَيْنِ، فقد يَدْخُلُ عَجِزُ الأوَّلِ في صدرِ الثَّانِي أَوْ بالعَكْسِ فِيْمَا إِذَا تجرَّدتِ الْمُتونُ عَنْ أسانِيدِهَا.
وَمِنْهُم مَنْ لاَ يَقْتَصِرُ عَلَى الدارةِ، بَلْ يَتْركُ بقِيَّةَ السَّطرِ بَياضًا. وَكذا يفعلُ في التراجِمِ، ورُؤوسِ المسائِلِ.
(وارْتَضَى) ندبًا (إغْفَالَها) أي: تركَهَا مِنَ النقطِ، بِحَيْثُ يَكُونُ غُفْلًا لا أثرَ بِهَا الْحَافِظُ (الْخَطِيبُ، حَتَّى) أي: إلى أَنْ (يُعْرَضَا) أي: يقابلَ كتابُهُ بالأصلِ، أَوْ نحوِهِ (٥).
وَحِينئِذٍ فَكُلُّ حَدِيثٍ فَرغَ مِن عرضِهِ يَنقُطُ في الدائِرةِ الَّتِي تليهِ نقطةً، أَوْ يخطُّ في وسطِهَا خطًّا، لئلا يَشُكَّ بعدُ هل عارَضَهُ أَوْ لاَ؟ ولِيَعْرِفَ بِهِ كَمْ عَارَضَهُ مَرّةً حِيْنَ يُخَالِفُهُ فِيْهِ غَيْرُهُ (٦).
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ١٥٦.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٩.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٠.
(٤) الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢٧٢ قبيل (٥٧٠)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٠.
(٥) الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢٧٣.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٢ / ٣٩ ]
قَالَ الْخَطِيبُ: «وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ لاَ يُعْتَدُّ مِن سَمَاعِهِ إلا بِمَا كَانَ كَذَلِكَ، أَوْ في مَعْنَاهُ» (١).
(وَكَرِهُوْا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ في الكِتَابَةِ (فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ) كَعَبْدِ اللهِ، أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ فُلاَنٍ، أَوْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
فَلاَ يكتبُ «عَبْدَ»، أَوْ «رَسُوْلَ» في آخرِ سَطْرٍ، و«اللهِ»، أَو «الرَّحْمَانِ»، مَعَ مَا بَعْدَهُ (ب) أوَّلِ (سَطْرٍ) آخرٍ، احتِرَازًا مِن قُبْحِ الصُّورَةِ (٢)، وَهَذِهِ الكراهةُ للتَّنْزِيهِ.
وَقَوْلُ الْخَطيبِ: «يَجِبُ اجتنابُ ذَلِكَ» (٣) حَمَلَهُ شَيْخُنا عَلَى التأكيدِ لِلْمَنْعِ.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ النّاظِمُ (٤) - أَسْماءُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وأَسْماءُ الصَّحَابَةِ - ﵃ -، كقولِهِ: «سَابُّ النَّبِيِّ - ﷺ - كَافِرٌ» (٥)، وقولِهِ: «قَاتِلُ ابْنِ صَفِيَّةَ -يعني الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ- فِيْ النَّارِ» (٦).
فلا يكتُبْ «سابُّ»، أَوْ «قاتِلُ» في آخرِ سطرٍ، وما بعدَهُ في أوّلِ آخر.
بَلْ ولا اخْتِصاصَ لِلكَرَاهَةِ بِالفَصْلِ بَيْنَ الْمُتضايفَيْنِ فَغَيْرهُما مِمَّا يُسْتَقْبَحُ فِيْهِ الْفَصْلُ كَذَلِكَ. كقولِهِ في شَارِبِ الْخَمْرِ الذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ ثَمِلٌ، فَقَالَ عُمَرُ (٧): «أخْزَاهُ اللهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ» (٨).
_________________
(١) الجامع ١/ ٢٧٣ (٥٧١).
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١١.
(٣) الجامع ١/ ٢٦٨ عقب (٥٥٩).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٢.
(٥) هذا ليس حديثا وإنما هو قول عابر، وانظر المسألة في الموسوعة الفقهية ٢٤/ ١٣٦.
(٦) أخرجه ابن سعد ٣/ ١٠٥، والإمام أحمد ١/ ٨٩ و١٠٢ و١٠٣، والترمذي (٣٧٤٥)، الطبراني (٢٤٣) والحاكم ٣/ ٣٦٧، ومن قول علي بلفظ: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: لكل نبي حواري وحواريي الزبير».
(٧) في (ص): «عمرو».
(٨) في صحيح البخاريّ ٨/ ١٩٧ (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب وفيه «قال رجل» بالإبهام، وليس فيه التصريح أن القائل هو عمر بن الخطاب. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٧٧: «لم أر هذا الرجل المسمى ثم رايته مسمى في رواية الواقدي فعنده: فقال عمر» ثم ليس في الحديث لفظة: «ثمل».
[ ٢ / ٤٠ ]
فلا يكتُبْ «فَقَالَ» في آخر سطرٍ، وما بعده (١) في أوَّلِ آخر.
هَذَا (إنْ يُنافِ) بِالْفَصْلِ (مَا تَلاهْ)، كَمَا في الأمْثِلَةِ الْمَذْكُورةِ، فإنْ لَمْ ينافِهِ - كأَنْ يَكُوْنَ اسمُ اللهِ مَثَلًا آخرَ الكِتَابِ، أَوْ الحَدِيْثِ، أَوْ يَكُوْنَ ما بعدَهُ مَا يلائِمُه نَحْوَ قَوْلِهِ في آخرِ البُخَارِيِّ: «سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ» (٢) - فَلاَ كَراهَةَ فِي الفَصْلِ بَيْنَهُمَا.
وَمَعَ ذَلِكَ فَجَمْعُهُمَا أَوْلَى، بَلْ (٣) صَرَّحَ بَعْضُهُم بِالكَرَاهَةِ فِي فَصْلِ نَحوِ: «أَحَدَ عَشَر»، لكونهما (٤) بِمَنْزِلَةِ اسمٍ واحدٍ، وَكَرِهوا جعلَ الكلمةِ في آخِرِ سَطرٍ، وبَعْضَهَا في أوَّلِ آخر.
٥٧٢ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِيْ تَعْظِيْمَا
٥٧٣ - وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ (أَحْمَدْ)
٥٧٤ - وَعَلَّهُ (٥) قَيَّدَ (٦) بِالرِّوَايَهْ مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ
٥٧٥ - وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمَدِيْنِيْ بَيَّضَا لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا (٧)
٥٧٦ - وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَمًا تُكْفَى (٨)
_________________
(١) في (م): «بعد».
(٢) صحيح البخاري ٩/ ١٩٩ (٧٥٦٣)، وهو آخر حديث في الصحيح، رواه عن شيخه محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».
(٣) في (ص): «ثم».
(٤) في (ق) و(ص): «لكونها».
(٥) هي لغة في: «لعلّ». انظر: الصحاح ٥/ ١٧٧٤ (علل).
(٦) يجوز في ضبط (قيّد) البناء للمعلوم والمجهول كما أشار إليه البقاعي. انظر توجيه ذلك في النكت الوفية ٢٨٤/أ.
(٧) قال البقاعي: «أي: ورجعا إلى التعويض، أي: ورجعا بعد انقضاء سبب العجلة إلى التدارك فكتبا عوض الذي حذفاه وفوّتاه في ذلك الوقت». النكت الوفية ٢٨٤/ب.
(٨) تكفى: أي: همّك، وهذا إشارة إلى حديث أخرجه عبد بن حميد (١٧٠)، والترمذي (٢٤٥٧)، والحاكم ٢/ ٤٢١، وحسّنه الترمذي.
[ ٢ / ٤١ ]
(واكتُبْ) أَنْتَ نَدْبًا (ثنَاءَ اللهِ) تَعَالَى، كُلّمَا (١) مَرَّ لَكَ ذكْرُهُ، كعزَّ وجلَّ، وَتَبَارَكَ وتَعَالَى (٢).
(وَ) اكتبْ كَذَلِكَ (التَّسْلِيمَا مَعَ الصَّلاةِ لِلنَّبِيْ) - بإسْكانِ الياءِ - ﷺ -، كُلَّمَا مَرَّ لَكَ ذِكْرُهُ (تَعْظِيْما)، وإجْلالًا لَهُمَا.
(وإنْ يَكُنْ) كُلُّ مِنَ الثَّلاثَةِ (أُسْقِطَ في الأَصْلِ) أي: أَصْلِ سَمَاعِهِ، أَوْ سَماعِ الشَّيخِ، فَلاَ تَتَقَيَّدْ بإسقاطِ شَيْءٍ مِنْهَا (٣)، بَلْ تَلفَّظْ بِهِ، وَاكتُبْهُ، لأنَّهُ ثناءٌ ودعاءٌ تثبتُه، لاَ كلامٌ تَرْويهِ، ولاَ تسأَمْ مِن تكريرِهِ عِنْدَ تكرُّرِهِ، فأجْرُهُ عَظيمٌ.
فَقَدْ قَالَ ابنُ حِبَّانَ في "صَحيحِهِ" (٤) في قولِهِ - ﷺ -: «إنَّ أوْلَى النَّاسِ بِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً» (٥): إنَّهم أهلُ الحَدِيْثِ (٦)، لأنَّهم أَكْثَرُ صَلاةً عَلَيْهِ مِنْ غَيرهم (٧).
_________________
(١) في (ص) و(ع): «كما».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٣.
(٣) في (م): «منهما».
(٤) صحيح ابن حبان (الإحسان (٩٠٨».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٧٧٨)، والبخاري في تاريخه ٥/ ١٧٧ (٥٥٩)، والترمذي (٤٨٤)، والبزار (١٤٤٦)، وأبو يعلى (٥٠١١)، والطبراني في الكبير١٠/ ١٧ - ١٨ (٩٨٠٠)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٤٢ طبعة دار الفكر، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦٣)، والبغوي (٦٨٦)، من طريق موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود، به، مرفوعًا. وفي بَعْض طرقه: عبد الله بن شداد، عن أبيه، عن ابن مسعود، به. قلنا: هذا سند ضعيف؛ لضعف موسى بن يعقوب الزمعي وجهالة شيخه عَبْد الله بن كيسان. وفيه اضطراب كَمَا أشار إليه البزار عقب (١٤٤٦) قَالَ الحَافِظ ابن حجر في الفتح ١١/ ١٦٧: وللحديث شاهد من حَدِيْث أبي أمامة بلفظ: «صلاة أمتي تعرض عليّ كُلّ جمعة فمن كَانَ أكثرهم عَلِيّ صلاة كَانَ أقربهم مني منزلة». أخرجه البَيْهَقِيّ ٣/ ٢٤٩ ولا بأس بسنده. وفي بَعْض طرقه: عَبْد الله بن شداد، عَنْ أبِيْهِ، عَنْ ابن مسعود، بِهِ. قلنا: وهذا الشاهد لا يصلح؛ للإنقطاع الذي فيه كما ذكره المنذري في الترغيب ٢/ ٥٠٣؛ فهو من رواية مكحول عن أبي أمامه، ولم يسمع منه.
(٦) انظر: النكت الوفية ٢٨٥/أ.
(٧) صحيح ابن حبان (الإحسان) ٢/ ١٣٣ عقب (٩٠٨).
[ ٢ / ٤٢ ]
(وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ)، بمعنى: سُقوطِ (١) (الصَّلاةِ)، والسَّلامِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الإمامُ (أَحْمَدْ)، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ كَثِيْرًا اسمَ النَّبِيِّ - ﷺ - (٢) بِدونِ ذَلِكَ مِن جَمَاعَةٍ كَالعنبريِّ، وابنِ المدينيِّ، كَمَا سَيأتِي (٣).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٤): (وَعَلَّهُ) أي: وَلعلَّ الإمَامَ أَحْمَدَ (قَيَّدَ) أي: تقيَّدَ في إسقاطِهِما (بِالرِّوَايَهْ)، لالتِزامِهِ اتّبَاعَها، فَلَمْ يَزِدْ فِيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا تورُّعًا، كمذهبِهِ في عَدَمِ إبدالِ «النَّبِيِّ» بـ «الرَّسُوْلِ»، وإنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَعْنَى، لَكنْ (مَعْ نَطْقِهِ) بِهِمَا إِذَا قَرَأَ، أَوْ كتبَ (كَمَا رَوَوْا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ ذَلِكَ عَنْهُ، (حَكَايَهْ) لَمْ يَتَّصِلْ إسْنادُها.
فَقَدْ قَالَ الْخَطيبُ: «وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ - ﷺ - نُطْقًا» (٥).
وَجَرى عَلَى التَّقيُّدِ بالرِّوايَةِ ابنُ دقيقِ العِيدِ (٦) أَيْضًا، وَقَالَ: «إِذَا ذكرَ الصَّلاَةَ لَفْظًا مِن غَيرِ أَنْ تَكُوْنَ في الأَصْلِ، فينبغي أَنْ يصْحبَها قرينةٌ تدلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَكونِهِ يَرْفَعُ رأْسَهُ عَن النَّظرِ في الكِتَابِ، وينوِي بِقَلْبِهِ أنَّه هُوَ الْمُصَلِّي، لا حَاكيًا عَن غَيرِهِ».
وَعَلَيْهِ فَمَنْ كَتَبَها، وَلَمْ تَكُنْ في الرِّوَايَةِ نبَّه عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا برمزٍ، أَوْ غيرِهِ، كَمَا جَرى عَلَيْهِ بالرَّمْزِ الحافظُ أَبُو الْحُسَيْن اليُوْنِيْنِيُّ في نُسْخَتِهِ الَّتِي جَمَعَ فِيْهَا بَيْنَ الرِّواياتِ الّتِي وَقَعَتْ لَهُ (٧).
_________________
(١) في (ص): «السقوط».
(٢) الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢٧١ عقب (٥٦٦). قال الزركشي ٣/ ٥٧٩: «ويدل على ذلك أنه كان لا يرى تبديل لفظ النبي بالرسول في الرّواية، وإن لم يختلف المعنى».
(٣) الجامع ١/ ٢٧٢ عقب (٥٦٨).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٠.
(٥) الجامع لأخلاق الرّاوي١/ ٢٧١عقب (٥٦٦): قال البلقيني في المحاسن: ٣٠٨: «لا يقال: لعل سببه أن كان يكتب عجلًا لأمرٍ اعتاده، فيترك ذلك للعجلة لا للتقييد بالرواية وشبهها؛ لأنا نقول: ترك مثل هذا الثواب بسبب الاستعجال، لا ينبغي أن ينسب للعلماء الجبال».
(٦) الاقتراح: ٢٩٢.
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.
[ ٢ / ٤٣ ]
(وَ) عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ (الْعَنْبَرِيْ) - بالإسْكانِ لما مَرَّ - نسبةً لبني العَنْبرِ بنِ عَمْرِو بنِ تميمٍ، (و) عليُّ (ابنُ المدينيْ) - بالإسكان لما مَرَّ - نسبةً لِلْمَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ (بَيَّضَا) في كتابتِهما (١) (لَهَا) أي: لِلصَّلاةِ أحيانًا (لإعْجَالٍ) أي: لِلْعَجَلَةِ، (وَعَادا) بعدُ (عَوَّضَا) بكتابةِ مَا تَركاهُ (٢) لِلْعَجَلَةِ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ سِنانٍ: سَمِعْتَهُمَا يقولانِ: «مَا تركنا الصَّلاَةَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - في كُلِّ حَدِيْثٍ سَمِعْناهُ وربَّمَا عجلنا فنبيض الكتابَ في كُلِّ حَدِيْثٍ حَتَّى نرجعَ إِلَيْهِ» (٣).
وَتُسنُّ الصَّلاَةُ نَطْقًا وكِتَابَةً عَلَى سَائِرِ الأنْبِياءِ، والملائِكَةِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ إجماعِ مَنْ يُعتدُّ بِهِ.
قَالَ: «وَيُسَنُّ التَّرضِّي، والترحُّم عَلَى الصَّحَابَةِ، والتَّابعِينَ، وَسَائِرِ الأخيارِ» (٤).
(واجتنبِ) أَنْتَ (الرَّمْزَ لَهَا) أي للصَّلاَةِ مَعَ السَّلامِ في خَطِّكَ، كأن تَقْتَصِرَ مِنْهَا عَلَى حَرْفَينِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أبناءُ العَجَمِ، وعوَامُّ الطَّلبةِ، فيكتبونَ بدلَها «صم»، أَوْ «صلعم» فذلِكَ خلافُ الأولى.
بَلْ قَالَ الناظمُ: إنَّهُ مَكْرُوْهٌ (٥).
ويقالُ: إنَّ من رمزَ لَهَا بـ «صلعم» قُطِعَتْ يَدُهُ.
(و) اجتنبْ أَيْضًا (الْحَذْفا) لِشيءٍ (مِنْهَا) أي: من صِيَغِ التعظيمِ لَهُ - ﷺ - (صلاةً، أَوْ سلامًا) أي: حَذْفَ أحَدِهِما (تُكْفَى) مَا أهمَّكَ مِن أمرِ دينِكَ، كَمَا ثبتَ في الْخَبَرِ (٦)، والاقتِصَارُ عَلَى أَحدِهِمَا مكروهٌ، كَمَا قَالَهُ النَّوويُّ (٧).
_________________
(١) في (ق) و(ع): «كتابيهما».
(٢) في (ص): «تركناه».
(٣) الجامع ١/ ٢٧٢ (٥٦٨).
(٤) الإرشاد ١/ ٤٣٤، والتقريب: ١٢٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢١٦، وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٦) وهو حديث أبيّ بن كعب - ﵁ - مرفوعًا في سؤاله النبي - ﷺ -، عما يجعله له من الصَّلاَة عليه، وفي نهايته: «إذن تكفى همك، ويغفر لك ذنبك». أخرجه أحمد ٥/ ١٣٦، وعبد بن حميد (١٧٠)، والترمذي (٢٤٥٧) وقال: «حسن» والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢١ و٥١٣، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٦ و٨/ ٣٧٧.
(٧) التقريب: ١٢٥.
[ ٢ / ٤٤ ]
وَقَالَ حَمزةُ الكنانيُّ: كُنْتُ أكْتُبُ عِنْدَ ذكرِ النَّبِيِّ: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ»، ولا أكتُبُ: «وَسَلَّمَ»، فرأيتُهُ - ﷺ - في الْمَنامِ، فَقَالَ لِي: مَالكَ لا تُتِمُّ الصَّلاَةَ عَلَيَّ؟ فَمَا كتبتُ بعدُ ذَلِكَ: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ»، إلاّ وَكَتَبْتُ: «وَسَلَّمَ» (١).
الْمُقَابَلَةُ
(المقابلةُ) وما مَعَهَا مِمَّا يأتِي، ويقالُ لَهَا: الْمُعارضَةُ، يُقالُ: «قابلْتُ الكِتَابَ بالكتابِ، وعارضتُهُ بِهِ» إِذَا جعلتُ فِيْهِ مثلَ ما في المقابَلِ بِهِ (٢).
٥٧٧ - ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ إِجَازَةً أَوْ (٣) أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ
٥٧٨ - فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ
٥٧٩ - وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا بَعْضُهُمُ (٤) هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا
٥٨٠ - وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ فِي نُسْخَةٍ وَقالَ (يَحْيَى): يَجِبُ
٥٨١ - وَجَوَّزَ الأُسْتَاذُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلٍ وَ(لِلْخَطِيْبِ) إِنْ
٥٨٢ - بَيَّنَ وَالنَّسْخُ مِنَ اصْلٍ (٥) وَلْيُزَدْ صِحَّةُ نَقْلِ نَاسِخٍ فَالشَّيْخُ (٦) قَدْ
٥٨٣ - شَرَطَهُ ثُمَّ اعْتَبِرْ مَا ذُكِرَا فِي أَصْلِ الاصْلِ (٧) لاَتَكُنْ مُهَوِّرَا
_________________
(١) أسنده إليه ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥١، والذهبي في السير ١٦/ ١٨٠، وقد عقب البقاعي على هذا المنام فقال: «غير مرضيّ، فإن المنامات لا تصلح أن تكون أدلة لحكم شرعي». النكت الوفية ٢٨٧/ب.
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٦٤، ونكت الزركشي ٣/ ٥٨٢.
(٣) في النفائس: «كان إجازة أو » ولا يستقيم الوزن به.
(٤) بضم الميم؛ لضرورة الوزن.
(٥) بوصل همزة (أصل)؛ لضرورة الوزن، وتحركت نون (من) للقاء ساكن.
(٦) في (ب): «والشيخ».
(٧) بوصل همزة (الأصل) لضرورة الوزن، وقد تحركت اللام فيها لالتقاء الساكنين.
[ ٢ / ٤٥ ]
(ثُمَّ) بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّالِبِ مرويَّهُ بخطِّهِ، أَوْ بخطِّ غيرِهِ (عَلَيْهِ) وُجُوبًا (العَرْضُ) لكتابِهِ عَرْضًا مَوثوقًا بِهِ، إمَّا (بَالأصْلِ) أي: أصْلِ شَيْخِهِ الّذِي أَخَذَهُ هُوَ عَنْهُ، (وَلَوْ) كَانَ أخذَهُ (إجازةً)، كَمَا لَوْ كَانَ سَمَاعًا.
(أَوْ) بـ (أصلِ أصلِ الشَّيْخِ) الْمُقابَل بِهِ أصلَ الشَّيْخِ، (أَوْ) بـ (فرعٍ مُقابلٍ) بالأصْلِ، أَوْ بفرعٍ آخرَ مقابَلٍ بِهِ، وإنْ كثر العددُ بَيْنَهُمَا، لِحصولِ الْمَطْلوبِ.
سَوَاءٌ أعارضَ مَعَ نَفْسِهِ، أمْ عارضَ هُوَ أَوْ ثقةٌ يَقِظٌ غيره مع شيخِهِ، أَوْ ثقةٌ يقظٌ غيره، وقعَ حالَ السَّمَاعِ أم لا.
(و) لَكنْ (خيرُ العرضِ) مَا كَانَ (مَعْ أستاذِهِ) أي: شيخِهِ، بأنْ يعرضَ كتابَهُ بكتابِهِ (بِنَفْسِهِ) مَعَهُ، (إِذْ) أي: حِيْنَ (يَسْمَعْ) مِنْهُ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ يَقْرأُ لِما فِي ذَلِكَ مِنَ الاحتياطِ التّامِّ.
وَقَالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: «الأولى العرضُ قَبْلَ السَّمَاعِ؛ لأنَّه أَيْسرُ لِلسَّمَاعِ» (١).
(وَقِيْلَ):، أي: وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الفَضْلِ الْجَارُوْدِيُّ (٢): (بَلْ) خيرُ العَرْضِ مَا كَانَ (مَعْ نَفْسِهِ)؛ لأنَّه حينئذٍ عَلَى يقينٍ مِن مُطابقةِ الْكِتابَينِ (٣).
(وَ) لِهذا (اشْتَرَطَا بعضُهُمُ هَذَا) فجزمَ بعدمِ صِحَّةِ عَرْضِهِ مَعَ غَيْرِهِ، (وَفِيْهِ) أي: اشْتِراطِ ذَلِكَ (غُلِّطَا) قَائِلُهُ؛ فَقَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: إنَّه مَتْروكٌ، والأوَّلُ أولى (٤). وَ«فِيْهِ» مُتَعَلقٌ بـ «غَلَطَ».
(وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ) ندبًا (حِيْنَ يَطْلُبُ) أي: يَسْمَعُ (فِي نُسْخَةٍ) لَهُ، أَوْ لِمَنْ حَضَرَ، فَهُوَ جديرٌ بأنْ يفهَمَ مَعَهُ مَا يسمعُ.
_________________
(١) الاقتراح: ٢٩٣.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٣.
(٣) وهذا يختلف من حال شخص إلى آخر، فمن كان من عادته ألا يسهو عند نظره في الأصل والفرع فهذا يقابل بنفسه، ومن كان من عادته أن يسهو عند نظره فمقابلته مع الغير أولى. انظر: الاقتراح: ٢٩٦ - ٢٩٧، ونكت الزركشي ٣/ ٥٨٣.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤.
[ ٢ / ٤٦ ]
(وَقَالَ يَحْيَى) بنُ مَعِيْنٍ: بَلْ (يَجِبُ) النَّظرُ فِيْهَا. فَقَدْ سُئِلَ عمَّنْ لَمْ يَنْظُرْ في الْكِتَابِ، والْمُحدّثُ يقرأُ: أَيجوزُ لَهُ أنْ يحدِّثَ بِذَلِكَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: «أما عِندي فَلاَ، وَلَكِنْ عامةُ الشّيوخِ هَكَذَا سَماعُهم» (١).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وهذا مِن مَذاهبِ الْمُتَشَدِّدِينَ في الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيْحُ: عدمُ اشتراطِهِ، وصِحةُ السَّمَاعِ، وَلَوْ لَمْ ينظرْ أصْلًا في الكِتَابِ حالةَ القراءةِ» (٢).
ثُمَّ ما مَرَّ مِن أنَّه يُشْترطُ في صِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْمُقابلةُ، هُوَ مَا اعتمدَهُ كَثِيْرٌ، مِنْهُمْ: القاضِي عِيَاضٌ حَيْثُ قَالَ: «لا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ مِن كِتَابٍ لَمْ يُقابَلْ؛ لأنَّ الْفِكْرَ يَذْهَبُ، والقلبَ يَسْهُو، والبصَرَ يزيغُ، والقلمَ يَطغَى» (٣).
(وَجَوَّزَ الأسْتَاذُ) أَبُو إسْحَاقَ الإسفرايينِيُّ (٤) (أنْ يَرْوِيَ) الرَّاوِي (مِنْ) كتابٍ (غَيْرِ مقابَلٍ، و) عزا الْجَوازَ أَيْضًا (للخَطيبِ) (٥)، لَكِنْ (إنْ بيَّنَ) عِنْدَ الرِّوَايَةِ أنَّهُ لَمْ يُقابِل، (و) كَانَ (النَّسْخُ) لِذَلِكَ الكِتَاب (مِنَ اصلٍ) معتمَدٍ بدرجِ الْهَمْزةِ.
وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُقْتَصِرينَ عَلَى الشَّرْطِ الأوَّلِ.
(ولْيُزَدْ) شَرْطٌ ثَالِثٌ هُوَ: (صِحَّةُ نَقْلِ ناسِخٍ) لِذَلِكَ الكِتاب، بأنْ لا يَكُوْنَ سَقيمَ النَّقْلِ كَثِيْرَ السَّقْطِ، (فَالشَّيخُ) ابنُ الصلاحِ (قَدْ شَرَطَهُ) أي مَا ذكرَ مِن صِحّةِ النَّقْلِ (٦).
(ثُمَّ اعْتبِرْ) أَنْتَ (مَا ذُكِرا) مِنَ الشُّروطِ (فِي أصْلِ الاصلِ) - بدرجِ الهمزة - كَمَا اعتبرتَها في أصلِ شيخِكَ.
و(لا تَكُنْ) أَنْتَ بِقلّةِ مُبالاتِكَ بِعَدمِ الضَّبْطِ، والإتقان (مُهوِّرا)، كمَنْ إِذَا رأى سَمَاعَ شيخٍ لكتابٍ قرأَهُ عَلَيْهِ مِنْ، أي نُسخةٍ اتفقَتْ.
والتهوُّر: الوقُوْعُ في الشَّيْءِ بقلةِ مبالاةٍ. قَالَهُ الجوهريُّ (٧)، وغيرُهُ.
_________________
(١) الكفاية: (٣٥١ ت، ٢٣٨ هـ).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤.
(٣) الإلماع: ١٥٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢١.
(٥) الكفاية: (٣٥٢ ت، ٢٣٩ هـ).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٥.
(٧) الصحاح ٢/ ٨٥٦، مادة (هور)، وانظر: النكت الوفية ٢٩/أ.
[ ٢ / ٤٧ ]
تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ
(تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ) وما مَعَهُ مِمَّا يأتِي:
٥٨٤ - وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ: وَهْوَ اللَّحَقُ حَاشِيَةً إلى الْيِمَيْنِ يُلْحَقُ
٥٨٥ - مَا لَمْ يَكُنْ آخِرَ سَطْرٍ وَلْيَكُنْ (١) لِفَوْقُ وَالسُّطُوْرُ أَعْلى فَحَسُنْ
٥٨٦ - وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ مُنْعَطِفًا لَهُ، وَقِيْلَ: صِلْ بِخَطْ
٥٨٧ - وَبَعْدَهُ اكْتُبْ صَحَّ أَوْ زِدْ رَجَعَا أَوْ كَرِّرِ الكَلمَةَ (٢) لَمْ تَسْقُطْ مَعَا
٥٨٨ - وَفِيْهِ لَبْسٌ وَلِغَيْرِ الأَصْلِ خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلِّ
٥٨٩ - وَ(لِعِيَاضٍ): لاَ تُخَرِّجْ ضَبِّبِ أَوْ صَحِّحَنْ لِخَوْفِ لَبْسٍ وَأُبِي
(وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ) مِن أصْلِ الكِتَابِ، (وَهْوَ) أي: السَّاقِطُ المكْتوبُ (اللَّحَقُ) بفتحِ الْلامِ والْمُهْمَلَةُ مُشْتَقٌ مِنَ اللَّحاقِ - بِالْفَتْحِ - أي: الإدراكِ (حاشية ً) أي: في حَاشيةِ الكِتَابِ، أَوْ بَيْنَ سُطورِهِ، لَكِنَّ الأوَّل أولى؛ لِسلامَتِهِ منْ تَغْليسِ مَا يقرأ، لاَسيَّمَا إنْ كانتِ السُطُورُ ضيِّقةً مُتلاَصِقَةً (٣).
و(إِلَى) جِهَةِ (اليَمِينِ يُلْحَقُ) السَّاقِطُ لِشَرَفِهَا، ولاحْتِمَالِ سَقْطٍ آخرَ، فَيُخَرَّجُ لَهُ إِلَى جِهَةِ اليسارِ. فَلَوْ خَرَّجَ للأوَّلِ إِلَى اليسارِ، ثُمَّ ظَهرَ في السَّطرِ سَقْطٌ آخرُ، فإنْ
_________________
(١) في (ج): «ولتكن».
(٢) بإسكان اللام؛ لضرورة الوزن، وانظر: اللسان ١٢/ ٥٢٣ (كلم).
(٣) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢٣: «أهل الحديث والكتابة يسمون ما سقط من أصل الكتاب، فألحق بالحاشية أو بين السطور: اللحق -بفتح اللام والحاء المهملة معًا -، وأما اشتقاقه فيحتمل أنه من الإلحاق، قال الجوهري: اللحق - بالتحريك - شيء يلحق بالأول، قال: واللحق أيضًا من التمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللحق: كل شيء لحق شيئًا أو ألحق به من الحيوان والنبات وحمل النخل، ويحتمل أنه من الزيادة يدل عليه كلام صاحب المحكم فإنه قال: اللحق: الشيء الزائد. ثم قال: وقد وقع في شعر نسب إلى أحمد بن حنبل - بإسكان الحاء - ثم قال بعد إيراده: وكأنه خفف حركة الحاء؛ لضرورة الشعر». قلنا: أشار صاحب اللسان ١٠/ ٣٢٧ إلى أن: اللحق إن خفف كان جائزًا، فيقال: لحقٌ، ومثله في التاج ٢٦/ ٣٥٢. وانظر: الصحاح ٤/ ١٥٤٩، ونكت الزركشي ٣/ ٥٨٦، والنكت الوفية ٢٩١/ أ.
[ ٢ / ٤٨ ]
خَرَّجَ إِلَى اليسارِ أَيْضًا اشتبهَ محلُ أحدِ السقطينِ بمحلِّ آخر (١)، أَوْ إِلَى اليمينِ تقابِلَ طَرَفا التَّخْريْجَينِ، وربَّما التَقيا لِقُرْبِ السَّقطينِ، فَيظنُّ أنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يأتِي في صِفَةِ الضَّربِ (٢)، هَذَا (ما لَمْ يَكُنْ) أي: السّاقِطُ (آخرَ سَطْرٍ (٣».
فإنْ كَانَ آخِرَهُ، ألحقَ إِلَى جِهَةِ الْيَسارِ، للأمنِ حينئذٍ مِنْ نَقْصٍ فِيْهِ بَعْدَهُ،
وَلْيَكُنْ (٤) مُتَّصِلًا بالأصْلِ.
نَعَمْ: إنْ ضَاقَ الْمَحَلُّ لِقُرْبِ الكِتَابَةِ مِن طَرفِ الوَرَقَةِ، أَوْ لِلتَّجْليدِ (٥)، خرجَ إِلَى جهَةِ الْيَمِينِ، وكالآخَرِ في الكِتَابَةِ عَلَى اليسارِ مَا قربَ مِنْهُ، وأمنَ من وقوعِ سقطٍ آخر بعدَهُ فِيْمَا يظهرُ (٦).
(وليكنْ) كتبُ السَّاقِطِ (٧) من، أي جِهَةٍ كَانَ التَّخْريجُ صَاعِدًا (لِفوقُ) (٨) أعلى الورقةِ لا نازلًا بِهِ إِلَى أسْفلِها، لاحتمالِ وقوعٍ سقطَ آخرَ فِيْمَا بَعْدُ، فَلاَ يَجِدْ (٩) لَهُ مَحلًا مقابِلَهُ (١٠).
(وَ) وإنْ زادَ السَّاقِطُ عَلَى سَطرٍ، وكَانَ في جِهةِ اليَمينِ، فلتكُن (السُّطورُ أعْلَى) الطّرَّة نازلًا بِهَا إِلَى أسفلَ، بحيثُ تنتهي السُّطُورُ إِلَى جِهَةِ باطنِ الورقةِ، وإنْ كَانَ في جهةِ اليَسارِ ابتداءَ سُطورِهِ مِن جانبِ الكِتَابِ، بحيثُ تَنْتَهِي سُطُورُهُ إِلَى جِهَةِ طرفِ الورَقَةِ، وَهذا فِيْمَا يكتبُ لفوق، فَلَوْ كتبَ إِلَى أسْفَلَ لكونِهِ في السّقطِ الثَّانِي، أَوْ خالفَ أوَّلا، انعكسَ الحالُ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢٥.
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٧١.
(٣) في (م): «السطر».
(٤) في (ص): «ويكن».
(٥) في (م): «لتجليدٍ».
(٦) في (ص): «يأتي».
(٧) في (ص): «السقط».
(٨) بعد هذا في (م): «أي».
(٩) في (م): «تجد».
(١٠) في (ق): «مقابلًا».
[ ٢ / ٤٩ ]
فإن انتَهى الهامِشُ قَبْلَ فراغِ السَّاقِطِ، كملَ في أعلى الورقةِ أَوْ (١) أسفلِها بحسبِ ما يَكُوْنُ من الْجِهَتَيْنِ (٢).
(فَحَسُـَنْ) بضَمِّ السينِ فِعلٌ، وَبفتحِها اسمٌ، والأوَّلُ أنسبُ -، أي: فهذا الصنيعُ قَدْ حَسُنَ مِمَّن يفعلُهُ.
(وَخرِّجَنْ) أَنْتَ (لِلسَّقْطِ) أي: لِلسَّاقِطِ (مِنْ حَيْثُ سَقَطْ) خطًا صَاعِدًا إِلَى تَحْتِ السَّطْرِ الَّذِي فَوْقَهُ (مُنْعَطفًا) يَسيرًا (لَهُ) أي: لِلسَّاقِطِ، أي: لِجَهَتِهِ من الْحَاشِيةِ، لِيَكُونَ إشارةً إِلَيْهِ.
(وَقِيْلَ): لاَ يَكْتَفِي بالانْعِطافِ، بَلْ (صِلْ) بَيْنَ الْخَطِّ، وأوَّلِ السَّاقِطِ (بِخَطْ) مُمْتَدٍّ بَيْنَهُما.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وَهُوَ غَيْرُ مرضي» (٣).
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: إنَّهُ تَسْخِيمٌ لِلْكِتابِ، وَتَسْويدٌ لَهُ، لاَسِيَّمَا إنْ كثُرَ التَّخْرِيجُ (٤).
نعم: إنْ لَمْ يَكُنْ مَا يُقابِلُ مَحَلَّ السّقوطِ خاليًا، واضطرَّ لكتابتِهِ بِمَحلٍ آخِرَ، مدَّ حينئِذٍ الْخَطَّ إِلَى أوَّلِ السَّاقِطِ، أَوْ كتَبَ قُبالَة الْمَحَلّ «يَتْلُوْهُ كَذَا في الْمَحَلِّ الْفُلانِيِّ»، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن رَمزٍ، وَغيرِهِ، مِمَّا يَزولُ بِهِ اللَّبْسُ، ذَكرَهُ النَّاظِمُ.
قَالَ: «قَدْ رأيتُ في خَطِّ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ يعتمِدُ (٥) إيصالَ الْخَطِّ، إِذَا بَعُدَ السَّاقِطُ عَنْ مقابلِ محلِ (٦) السقوطِ، وَهُوَ جيِّدٌ حسنٌ». انتهى (٧).
_________________
(١) في (ق) و(ص): «و».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٤) الإلماع: ١٦٤.
(٥) في نسخة (ص): «يعتد بِهِ»، وفي (ق): «يعتمد عليه».
(٦) في نسخة (ص): «محطّ».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٢٨.
[ ٢ / ٥٠ ]
(وَبَعدَهُ) أي: بَعْدَ انتهاءِ السَّاقِطِ (اكتُبْ صَحَّ)، والأولى كونُها صغيرةً، (أَوْ زِدْ) مَعَهَا: (رَجَعا)، بَلْ أَوْ اقتصِرْ عَلَى «رجع»، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنا، أَوْ عَلَى «انتهى اللحقُ» كَمَا نقلَهُ القاضِي عِيَاضٌ (١) عَنْ بَعْضِهم، (أَوْ كَرِّرِ الكَلْمَةَ) الَّتِي (لَمْ تَسْقُطْ) مِنَ الأصْلِ، وَهِيَ التَّالِيةُ لِلسَّاقِطِ، بأنْ تكتبَهَا عقبَهُ بِالْهَامِشِ (مَعَا) أي: مَعَهُ.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وهذا لَيْسَ بِمرضيٍّ» (٢).
وَقَالَ غيرُهُ: «إنَّه لَيْسَ بِحَسَنٍ» (٣).
(وَفِيْهِ لَبْسٌ)، فرُبَّ كَلِمةٍ تجِيءُ في الكلامِ مَرَّتَينِ وَثَلاثًا، لمعنىً صَحِيْحٍ، فإذا كَرَّرنا الكلِمَةَ لَمْ نأمَنْ أن توافِقَ مَا يَتَكَرَّرُ حقيقَةً، أَوْ يشكِلُ أمرُهُ، فيوجِبُ ارتيابًا، و(٤) زيادةَ إشكالٍ.
(وَلِغَيرِ الأصْلِ) مِمَّا يَكتبُ مِنْ شَرْحٍ، أَوْ تَنْبِيْهٍ عَلَى غَلَطٍ، أَوْ اخْتِلافِ رِوَايَةٍ أَوْ نُسْخَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (خَرِّجْ) لَهُ (بِوَسْطِ) - بإسْكانِ السين -، أي: بأعلى وسط (كِلْمَةِ الْمَحَلِّ) الَّتِي كُتِبَتْ الْحَاشِيةُ لأجلِها، لا بَيْنَ الكلمتينِ، ليتميّزَ بِذَلِكَ عَنْ تَخْرِيجِ السَّاقِطِ مِنَ الأصْلِ.
(و) لَكِنْ (لعياضٍ لا تُخَرِّجْ) لتلكَ الكلمةِ، بَلْ: (ضَبِّبِ) عَلَيْهَا، (أَوْ صَحِّحَنْ) أي: أكتبْ عَلَيْهَا «صَحَّ» (لخوفِ) دخولِ (لَبْسٍ) فِيْهِ يُظَنُّ أنَّهُ مِنَ الأَصْلِ (٥).
(و) قَدْ (أُبِي) هَذَا، أي: مُنِعَ، لأنَّ الإعلامَ بِذَلِكَ، يغايرُ الإعلامَ بِمَا مَرَّ، فَلاَ لَبْس.
التَّصْحِيْحُ والتَّمْرِيْضُ، وَهو التَّضْبِيْبُ
وَقَدْ أَخَذَ في بَيَانِ التَّصْحِيحِ، والتَّمْريضِ (٦)، والتَّضْبِيبِ، فَقَالَ:
_________________
(١) الإلماع: ١٦٢.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٦.
(٣) الإلماع: ١٦٣.
(٤) في (ص) و(ع): «أو».
(٥) الإلماع: ١٦٤.
(٦) «التمريض»: سقطت من (ص).
[ ٢ / ٥١ ]
(التَّصْحِيحُ)، وَهُوَ كِتابةُ «صَحَّ» عَلَى ما يأتِي، (والتَّمْريضُ، وَهُوَ التَّضْبِيبُ) الْمُشارُ بِهِ إِلَى صِحةِ الرِّوَايَةِ مَعَ فَسَادِ شيءٍ عَلَى مَا يأتي.
٥٩٠ - وَكَتَبُوْا (صَحَّ) عَلى الْمُعَرَّضِ لِلشَّكِّ إِنْ نَقْلًا وَمَعْنًى ارْتُضِي
٥٩١ - وَمَرَّضُوْا فَضَبَّبُوْا (صَادًا) تُمَدّْ فَوْقَ الذَّيِ صَحَّ وُرُوْدًا وَفَسَدْ
٥٩٢ - وَضَبَّبُوْا فِي الْقَطْعِ وَالإِرْسَالِ وَبَعْضُهُمْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالي
٥٩٣ - يَكْتُبُ صَادًا عِنْدَ عَطْفِ الأَسْمَا (١) تُوْهِمُ (٢) تَضْبِيْبًا، كَذَاكَ إِذ مَا
٥٩٤ - يَخْتَصِرُ التَّصْحِيْحَ بَعْضٌ يُوْهِمُ وَإِنَّمَا يَمِيْزُهُ (٣) مَنْ يَفْهَمُ
(وَكَتَبُوْا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ، وغيرُهم «(صَحَّ» عَلَى) قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٤): أَوْ عِنْدَ (الْمُعَرَّضِ) مِن حرفٍ، أَوْ أكثرَ (للشَّكِّ)، أَوْ الْخِلافِ فِيْهِ، لتكريرٍ، أَوْ غَيْرِهِ (إنْ نَقْلًا) أي: روايةً، (وَمعْنًى ارتُضِي) مَا صَحَّحَ عَلَيْهِ؛ إشارةً إِلَى أنَّه قَدْ ضُبِطَ وَصَحَّ، فَلاَ يُبادِرُ الواقفَ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَمْ يتأمَّلْ إِلَى تَخْطِئَتِهِ.
وَقَدْ يُكتبُ بدلَ «صَحَّ» في الحاشيةِ عددُ حروفِ الكَلِمَةِ إِذَا تكرَّرَتْ بحروفِ الجمل.
(وَمَرَّضُوا) أَيْضًا (فَضَبَّبُوا) مَا مَرَّضُوهُ (صادًا) مُهْملةً مُخْتصرةً من «صَحَّ»، ويجوزُ أنْ تَكُوْنَ معجمةً من «ضَبَّبْتُهُ» (تُمَدّْ) هَكَذا: «صـ» (فَوْقَ الذِي صَحَّ) مِن حرْفٍ، أَوْ أَكثرَ (ورُودًا) في الرِّوَايَةِ. (و) لكنَّهُ (فَسَدْ) مَعْنَىً، أَوْ لفظًا، أَوْ خطًا، كأنْ يَكُوْنَ مَلْحونًا، أَوْ شاذًا، أَوْ مُصَحَّفًا، أَوْ ناقِصًا من غَيْرِ إلصاقِها (٥) بِالْمُمَرَّضِ، لِئَلا يَظنَّ ضَربًا.
_________________
(١) بقصر الممدود (الأسماء)؛ لأجل التصريع هنا.
(٢) في (أ) و(ج): «يوهم».
(٣) يميزه بلا تشديد؛ لضرورة الوزن.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٨.
(٥) في (ق): «التصاقها».
[ ٢ / ٥٢ ]
وأشاروا بكتابتِها نِصْفَ «صَحَّ» إِلَى أنَّ الصَّحَّةَ لَمْ تَكُنْ فِيْمَا (١) هِيَ فوقَهُ مَعَ صَحَّةِ روايتِهِ، لئلا يظنَّ كَمَالَهَا فِيْهِ (٢)، وإلى تَنْبيهِ النَّاظِرِ فِيْهِ عَلَى أنَّهُ متثبتٌّ في نَقْلِهِ غَيْرُ غافِلٍ؛ فَلاَ يظن أنَّهُ غَلطٌ فيصلحَهُ، وَقَدْ يأتِي بَعْدَ مَنْ يظهرُ لَهُ توجيهُ صِحَّتِهِ، فيسهلُ عَلَيْهِ حينئذٍ تكميلُها: «صَحَّ» الَّتِي هِيَ علامةُ المعرَّضِ للشكِّ (٣).
وَقَدْ تجاسرَ بَعْضُهُمْ فغيَّرَ مَا الصَّوابُ إبقاؤُهُ، واسْتُعيرَ لتلكَ الصُّورَةِ اسمُ الضبَّةِ لِشِبْهِهَا بضَبَّةِ الإناءِ الَّتِي يُصْلَحُ بِهَا خَلَلُهُ بجامِعِ أنَّ كلًا مِنْهُمَا جَعَلَ عَلَى ما فِيْهِ خللٌ، أوْ بضبةِ البابِ، لكونِ المحلِ مقفلًا بِهَا، لا تتجه قراءتُهُ، كَمَا أنَّ الضَّبةَ يقفلُ بِهَا (٤).
وبما تَقرَّرَ عُلِمَ أنَّ عطفَ «ضببوا» المشارَ بِهِ إِلَى ما مَرَّ عَلَى «مرضوا» عطفُ تفسيرٍ.
(وَضَبَّبُوا) أَيْضًا (في) مَحلِّ (الْقَطْعِ، والإرْسَالِ) (٥) في الإسْنادِ، ليتنَبَّهَ (٦) النَّاظِرُ في ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَحلِّ السُّقُوْطِ.
(وَبَعْضُهُمْ) كَانَ (في الأعْصُرِ الْخَوالِي، يكتبُ صادًا عِنْدَ عطفِ الأسْما (٧» بعضُها عَلَى بَعْضٍ، كَحَدَّثَنَا فُلاَنٌ وفُلاَنٌ وفُلاَنٌ، فـ (تُوْهِمُ) الصاد من لا خبرةَ لَهُ كونُها (تَضْبيبًا) أي: ضَبَّةً، وليستْ بضبةٍ، بَلْ كأنَّها - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٨) - علامةُ وصلٍ فِيْمَا بَيْنَها أثبتَتْ تأكيدًا لِلْعَطْفِ، خَوفًا مِن أنْ تَجعَلَ (٩) «عَنْ» مكان
_________________
(١) في (ص): «تكمل فيها».
(٢) عبارة: «لئلا يظن كمالها فيه». سقطت من (ص) و(ق).
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٥٨.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٣.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٤.
(٦) في (ص) و(ع): «لينبه».
(٧) في (م): «الأسماء».
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٠.
(٩) في (ق) و(ع): «يجعل».
[ ٢ / ٥٣ ]
الواو (١).
(كذاك إِذْ) أي: حَيْثُ (ما) زائدةٌ (يَخْتَصِرُ التَّصْحِيحَ) أي كتابةَ «صَحَّ» (بَعْضٌ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، فَيقْتَصِرُ عَلَى كِتَابَةِ الصادِ، (يوهِمُ) أَيْضًا كونَها ضَبَّةً، ولَيْسَتْ بضبَّةٍ (٢).
وقولُهُ: يُوهِمُ، أي ضاحٌ للاغتناءِ عَنْهُ.
وكذاكَ (وإنَّما يَمِيْزُهُ) بِفَتْحِ أوَّلِهِ - في هَذِهِ والتي قَبْلَها (مَنْ يَفْهَمُ) ويُتْقِنُ.
الكَشْطُ والْمَحْوُ والضَّرْبُ
(الكَشْطُ والْمَحْوُ) (٣)، وما مَعَهَا (٤) مِمَّا يأتي:
٥٩٥ - وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ كَشْطًا َوَمَحْوًا وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ
٥٩٦ - وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطًّا أَوْ لاَ مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى
٥٩٧ - أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا
٥٩٨ - سَطْرًا إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ
٥٩٩ - فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا
٦٠٠ - أَوِ (٥) اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ أَوْ يُوْصَفُ اوْ (٦) نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ
(وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ) بأنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَكَذا ما يكتبُ عَلَى غَيْرِ وجهِهِ (يُبْعَد) عَنْهُ، إما (كَشْطًا) أي: بكشطٍ، وَهُوَ بالكافِ، وبالقافِ: سَلْخُ الوَرَقِ بسكينٍ، أَوْ نحوِها، ويعبَّر عَنْهُ بالبَشْرِ، وبالْحَكِّ (٧).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٤.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٤.
(٣) في (م): «الكشط والمحو والضرب».
(٤) في (ق) و(ع): «وما معهما».
(٥) كسرت الواو؛ لإلتقاء الساكنين.
(٦) بوصل همزة (أو)؛ لضرورة الوزن.
(٧) في (ص): «والحك».
[ ٢ / ٥٤ ]
(وَ) إما (مَحْوًا) أي: بمحوٍ، وَهُوَ: الإزالةُ بغيرِ سَلْخٍ إنْ أَمْكَنَ، بأنْ تَكُوْنَ الْكِتَابَةُ في لَوْحٍ، أَوْ رَقٍّ، أَوْ وَرَقٍ صَقيلٍ جدًا في حَالَةِ طراوَةِ الْمَكتوبِ وأمنِ نفوذِ الْحِبْر (١).
وتَتَنَوَّعُ طُرقُهُ، فَقَدْ يَكُوْنُ بإصبعٍ، أَوْ بخرقَةٍ، أَوْ بِغَيْرِهَا، فَقَدْ روي عَنْ سَحْنُوْن (٢) مِن فُقَهاءِ المالكيَّةِ أنَّهُ كَانَ رُبَّما كَتَبَ الشيءَ ثُمَّ لَعِقَهُ.
(وَ) إما (بَضَرْبٍ) عَلَيْهِ، وَهُوَ (أجودُ) مِنَ الكَشْطِ، والمحوِ؛ لأنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا يُضعِّف الكتابَ ويحرِّك تهمةً.
وَعَنْ بَعْضِهِم أنَّهُ كَانَ يَقولُ: كَانَ الشُّيوخُ يَكْرَهُونَ حُضُورَ السكينِ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، حَتَّى لا يُبْشَرَ (٣) شَيءٌ، لأنَّ ما يبشرُ مِنْهُ رُبَّما يَصحُّ في رِوَايَةٍ أخْرَى، وَقَدْ يسْمَعُ الكِتَابَ مرةً أخرى عَلَى شَيخٍ آخرَ يَكُوْنُ مَا بُشِّرَ صَحِيْحًا في روايتِهِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى إلْحَاقِهِ بَعْدَ أنْ بُشِرَ، وَهُوَ إِذَا خطَّ عَلَيْهِ من رِوَايَةِ الأوَّلِ، وصح عِنْدَ الآخرِ اكتفى بعلامةِ (٤) الآخر عَلَيْهِ بصحته (٥).
وَفي كَيْفِيةِ الضّربِ خمسةُ أقوالٍ بيَّنَها بقولِهِ:
(وصِلْهُ) أي: الضربَ (٦) (بالحروفِ) الْمَضْروبِ عَلَيْهَا، بحيثُ يَكُوْنُ مختلطًا بِهَا (٧)، بأنْ تخطَّ عَلَيْهَا (خطًّا).
فـ «خطًا» منصوبٌ بِمحذوفٍ، ويجوزُ نصبُهُ حالًا، أَوْ بدلًا من الهاءِ. وكما يُسَمَّى ذَلِكَ بالضربِ يُسَمَّى أَيْضًا عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ بـ «الشقِّ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٦؛ وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٧٨.
(٢) الإلماع: ١٧٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٦.
(٣) قال البقاعي في نكته الوفية ٢٩٥/ب: «البشر: القشر: وهو أخذ وجه البشر وهو حقيقة الكشط». انظر: اللسان ٤/ ٦٠.
(٤) في (م): «بعلاقة».
(٥) الإلماع: ١٧٠ - ١٧١.
(٦) فتح المغيث ٢/ ١٨٠.
(٧) المصدر السابق.
[ ٢ / ٥٥ ]
وأجودُ الضربِ أن لا يطمسَ الحروفَ، بَلْ يخطُّ مِنْ فوقِها خطًا بيِّنًا، يدلُّ عَلَى إبطالِهَا، ولا يَمْنَعُ القِراءةَ من تَحْتِهِ (١).
(أَوْ لا) تصلْ بِهَا الخطَّ، بَل اجعَلْهُ فوقَها مُنْفَصِلًا عَنْهَا (مَعْ عَطْفِهِ) من طرفي الْمَضْروبِ عَلَيْهِ، بحيثُ يَكُوْنُ كالباءِ الْمَقْلُوبَةِ، مثالُهُ هكذا: «» (٢).
(أَوْ كَتْبَ) أي: وَيبعدُ ذَلِكَ أَيْضًا بكتْبِ (لاَ) في أوَّلِهِ، (ثُمَّ إِلَى) في آخرِهِ.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٣) تَبعًا لِلْقَاضِي عِيَاض (٤): وَمثلُ هَذَا يَحْسُنُ فِيْمَا صَحَّ فِي رِوَايَةٍ وَسَقَطَ مِنْ أُخْرى.
مِثالُهُ هَكَذا: «لاَ ــ إِلَى». وإنْ شِئْتَ كَتَبْتَ بدل «لا» «من».
(أَوْ) بتحويقِ (نِصْفَ دَارةٍ)، كَالهِلالِ، مِثالُهُ هَكَذا: «».
(وإلاّ) أي: وإنْ لَمْ تكتبْ شيئًا مِن ذَلِكَ فاكتبْ (صِفْرا)، والمعنى: أَوْ بتحويقِ صِفرٍ، وَهُوَ دائرةٌ صغيرةٌ سمِّيتْ بِذَلِكَ، لخلوِّ ما أشيرَ إِلَيْهِ بِهَا مِنَ الصِّحَّةِ كَتَسْميةِ الْحَسَّابِ لَهَا بِذَلِكَ لِخلوِّ مَوْضعِها مِن عددِ O مثالُهُ هكذا: «O» (٥).
ثُمَّ إِذَا أُشيرَ لِلزائِدِ بِنِصْفِ دائرةٍ، أَوْ بصفر (٦)، فَلْيَكُنْ (فِي كُلِّ جَانبٍ)، كَمَا رأيتَ، فإنْ ضَاقَ المحلُ جَعَلَ ذَلِكَ مِن أعلى كُلِّ جَانبٍ.
(وَعَلِّمْ) أَنْتَ للزائدِ بكلٍّ من الأقْوالِ الثلاثةِ الأخيرةِ إما (سَطْرا سَطْرًا إِذَا ما) زائدةٌ (كَثُرَتْ سُطُورُهْ) أي: الزائد بأنْ تُكَرِّرَ تلك العَلامَة في أوَّلِ كُلِّ سطرٍ، وآخرِهِ، لما فِيْهِ مِن زيادَةِ البيانِ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٦.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٣٨.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٢.
(٤) الإلماع: ١٧١.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٦) في (م): «لصفر».
[ ٢ / ٥٦ ]
(أَوْ لا) سطرًا سطرًا، بأنْ لا تكرِّرْها، بَلْ اكْتفِ بِهَا فِي طرفي الزائدِ، وإنْ كَثُرتْ السُّطورُ (١).
(وإنْ حَرْفٌ) فأكثرَ (أتى تَكْرِيْرَهْ (٢» غلطًا (فَأَبقِ) ندبًا (مَا) هُوَ (أَوَّلُ سَطْرٍ)، واضربْ عَلَى الآخرِ سواءٌ أكانا (٣) فِي أوّلِهِ أَمْ أحدُهُمَا (٤) في آخرِهِ، والآخر (٥) أوَّل تاليهِ، لئلا يطمسَ أولُ السطرِ.
(ثُمَّ) إنْ كَانا في آخرِهِ، فأَبْقِ (مَا) هُوَ (آخِرُ سَطْرٍ) صونًا لأواخرِ السُّطُورِ، وإنَّما لَمْ يَصُنْ آخر السَّطْرِ فِيْمَا قَبْلَهُ لأنَّ مراعاة أولِهِ أولى.
(ثُمَّ) إن كانا في أثناءِ السَّطْرِ فأبقِ (مَا تَقَدَّمَا) مِنْهُمَا، لأنَّهُ كُتِبَ عَلَى الصَّوابِ، واضربْ عَلَى الثَّانِي، لأنَّهُ كُتِبَ عَلَى خطأٍ، فَهُوَ أولى بالإبطالِ.
(أَوِ استَجِدْ) أي: أبقِ أجودَهما صُورةً، وأدلَّهُما عَلَى قِراءتِهِ.
وَهَذانِ (قَوْلانِ) أطْلَقَهُمَا ابنُ خَلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٦) من غَيْرِ مراعاةٍ، لأوائلِ السُّطُورِ وآخرها (٧)، وَمَحَلُّهُمَا عِنْدَ ابنِ الصَّلاَحِ، كغيرِهِ: (ما لَمْ يُضِفِ) المكرر (أَوْ يُوصَفُ، اوْ (٨) نحوُهما) - بالدرجِ - كَالْعَطْفِ عَلَيْهِ، والإخبارِ عَنْهُ.
فإنْ كَانَ كَذَلِكَ، (فَأَلِفِ) بَيْنَ الْمُتضَايفينِ، وبينَ الصِّفَةِ والموصوفِ، وَبينَ الْمُتعاطِفَينِ، وَبينَ الْمُبتَدأِ والْخَبرِ، بأنْ يضربَ (٩) عَلَى المتطرفِ من المتكررِ (١٠)، لا
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤٠.
(٢) في (م): «بتكريره».
(٣) في (ص) و(ق): «كانا».
(٤) في (ص): «أحدها».
(٥) في (م): «والآخر في».
(٦) المحدث الفاصل: ٦٠٧ (٨٨٥).
(٧) في (م): «وأواخرها».
(٨) في (م): «أَوْ» بإثبات الهمزة، وَلَمْ يفطن لقول الشارح.
(٩) في (ق) و(ع): «تضرب».
(١٠) في (م): «المكرر».
[ ٢ / ٥٧ ]
عَلَى المتوسطِ؛ لئلا يفصلَ بالضربِ بَيْنَ شَيْئَينِ بَيْنَهُمَا ارتِباطٌ مِن غَيْرِ مُراعاةٍ للأوَّلِ، أَوْ الأخيرِ، أَوْ الأجودِ؛ إِذْ مُراعاةُ الْمَعَانِي أولى مِن مُراعاةِ تَحْسينِ الصُّورةِ في الْخَطِّ (١).
العَمَلُ في اخْتِلاَفِ الرُّوَايَاتِ
(العَمَلُ) أي كَيْفِيَّتُهُ (في) الْجَمْعِ بَيْنَ (اخْتِلاَفِ الرُّوَايَاتِ):
٦٠١ - وَلْيَبْنِ (٢) أَوَّلًا عَلَى رِوَايَهْ كِتَابَهُ، وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ
٦٠٢ - بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا أَوْ رَمْزًَا (٣) اوْ (٤) يَكْتُبُهَا (٥) مُعْتَنِيَا
٦٠٣ - بِحُمْرَةٍ، وَحَيْثُ زَادَ الأَصْلُ حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ وَيَجْلُو
(وليَبْنِ) مِنَ البناءِ، أي: يجعلُ مَنْ يريدُ ذَلِكَ (اَوَّلًا) أي: وقتَ الْكِتَابَةِ، أَوْ الْمُقابَلَةِ (عَلَى رِوَايَهْ) واحدةٍ (كِتابَهُ)، ولا يجعلُهُ ملفَّقًا مِن رِوايَتينِ لما فِيْهِ مَنِ اللَّبْسِ.
(و) بَعْدَ هَذَا (يُحْسِنِ الْعِنَايهْ بِغَيْرِها) أي: بغيرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، بأنْ يبيِّنَ مَا وَقَعَ فِيْهِ التَّخَالفُ بَيْنَ الروايتينِ مِن زيادةٍ، أَوْ نقصٍ، أَوْ إبدالِ لفظٍ بآخرَ، أَوْ نحوِها (بِكَتْبِ) ذَلِكَ في الْهَامِشِ، أَوْ غيرِهِ، مَعَ كَتْبِ (راوٍ) لَهُ فوقَهُ سواءٌ (سُمِّيا)، أي: الرَّاوِي، أي: كَتَبَهُ باسْمِهِ، أَوْ بما يُغنِي عَنْهُ، (أَوْ) رمزَ لَهُ (رَمْزًا) بِمَا مَرَّ فِي كتابةِ الحَدِيْثِ وَضَبْطِهِ.
(اوْ) (٦) بالدرجِ (يكتبُها) أي: الرِّوَايَةَ الأخرى (مُعْتَنِيا) بِهِ (بحُمْرَةٍ)، أَوْ غيرِها من الألوانِ المباينَةِ للونِ الحبرِ المكتوبِ بِهِ الأصلُ (٧).
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ١٨٢.
(٢) «أي: يجعل كما عبّر به ابن الصلاح، شبّه كتابة سطوره وجمع حروفه بالبناء». النكت الوفية ٢٩٧/أ.
(٣) في فتح المغيث: «رمزٍ»، وانظر: النكت الوفية ٢٩٧ / أ.
(٤) بالدرج؛ لضرورة الوزن.
(٥) في (أ) والنفائس وفتح المغيث: «بكتبها».
(٦) في (م): «أو» بإثبات الهمزة، ولم يتنبه لقول الشارح.
(٧) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤٤: «فقد حكاه القاضي عياض عَنْ كثير من الأشياخ، وأهل الضبط كأبي ذرٍّ الهرويّ وأبي الحسن القابسيّ وغيرهما». وانظر: الإلماع: ١٨٩ - ١٩٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
[ ٢ / ٥٨ ]
(وحيثُ زادَ الأصلُ) الَّذِي بنى عَلَيْهِ الرِّوَايَةَ شَيْئًا (حوَّقَهُ) أي: جَعَلَ عَلَى أولِهِ دارةً، وعلى آخرِهِ أُخرى، وكتبَ بَيْنَهُما اسمَ راوِيهِ (بِحُمْرَةٍ) (١)، أَوْ غَيْرِهَا، مِمَّا مَرَّ.
وإنْ شاءَ أعلَمَ عَلَى الزّائِدِ، أنَّهُ لَيْسَ مِن رِوَايَةِ فُلاَنٍ باسْمِهِ، أَوْ بالرَّمْزِ إِلَيْهِ، (وَيَجْلُو) أي: يوضح مراده بالرَّمْزِ، أَوْ الحمرةِ أَوْ نحوِها في أوَّلِ الكِتَابِ، أَوْ آخرِهِ عَلَى ما مَرَّ (٢).
وَلاَ يَعْتَمِدْ عَلَى حِفْظِهِ، وذكْرِهِ، فَرُبَّمَا نَسِيَ ما اصطلحَ عَلَيْهِ، لِطولِ العَهْدِ، أَوْ غيرِهِ، وَقَدْ يتعطلُ غيرهُ مِمَّنْ يقعُ لَهُ كِتَابُهُ عَن الانتفاعِ بِهِ بوقوعِهِ في حَيْرَةٍ مِن رموزِهِ (٣).
الإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ
بِبَعْضِ حُرُوْفِ بَعْضِ صِيَغِ الأَدَاءِ، و(٤) ما مَعَهَا مِمَّا يَأتِي:
٦٠٤ - وَاخْتَصَرُوْا فِي كَتْبِهِمْ (حَدَّثَنَا) عَلَى (ثَنَا) أَوْ (نَا) وَقِيْلَ: (دَثَنَا)
٦٠٥ - وَاخْتَصَرُوْا (أَخْبَرَنَا) عَلَى (أَنَا) أَوْ (أَرَنَا) وَ(الْبَيْهَقِيُّ) (أَبَنَا)
٦٠٦ - قُلْتُ: وَرَمْزُ (قالَ) إِسْنَادًَا يَرِدْ (قَافًَا) وَقالَ الشَّيْخُ: حَذْفُهَا عُهِدْ
٦٠٧ - خَطًَّا وَلاَبُدَّ مِنَ النُّطْقِ كَذَا قِيْلَ لَهُ: وَيَنْبَغِي النُّطْقُ بِذَا
٦٠٨ - وَكَتَبُوْا عِنْدَ انْتِقالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ (ح) وَانْطِقَنْ بِهَا وَقَدْ
٦٠٩ - رَأَى الرُّهَاوِيُّ (٥) بأَنْ لاَ تُقْرَا (٦) وَأَنَّهَا مِنْ حَائِلٍ، وَقَدْ رَأَى
٦١٠ - بَعْضُ أُوْلِي الْغَرْبِ بِأَنْ يَقُوْلاَ مَكَانَهَا: الْحَدِيْثَ قَطْ، وَقِيْلاَ
٦١١ - بَلْ حَاءُ تَحْوِيْلٍ وَقالَ قَدْ كُتِبْ مَكَانَهَا: صَحَّ فَحَا مِنْهَا انْتُخِبْ
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤٤.
(٣) انظر: الإلماع: ١٩٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٤، وشرح التبصرة ٢/ ٢٤٤.
(٤) في (م): «أو».
(٥) وضبطت (الراء) بالفتح أيضًا. انظر: النكت الوفية ٢٩٩/ب، والضم اختيار الشارح كما سينص عليه.
(٦) في (أ) و(ج): «يقرأ».
[ ٢ / ٥٩ ]
(واخْتَصَرُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (في كَتْبِهِمْ) لاَ في نُطْقِهِمْ: (حَدَّثَنَا)، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ مِنْهَا (عَلَى: ثنا) شَطْرِها الثَّانِي، وهُوَ المَشْهُورُ، (أو) عَلَى (نا) الضَمِيْرِ (١).
(وقِيْلَ): عَلَى (دثنا) بإسْقَاطِ الحَاءِ، كَمَا رَآه ابنُ الصَّلاَحِ (٢) في خَطِّ الحَاكِمِ وغَيْرِهِ (٣).
(واخْتَصَرُوا) أَيْضًا (أَخْبَرَنَا) عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ مِنْهَا (عَلَى أنا) الأَلِفِ والضَّمِيْرِ، وهُوَ المَشْهُوْرُ، (أو) عَلَى (أرنا) بِحَذْفِ الخاءِ والبَاءِ.
(و) اقْتَصَرَ (البَيْهَقِيُّ) (٤)، وطَائِفَةٌ عَلَى (أبَنَا) بِحَذْفِ الخَاءِ والرَّاءِ. قالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «ولَيْسَ بِحَسَنٍ» (٥).
ويَرْمِزُ أَيْضًا «حَدَّثَنِي» فَيَكْتُبُ «ثني»، أو «دثني» دُونَ أَخْبَرَنِي، وأَنْبَأَنا، وأنْبَأَنِي.
(قُلْتُ: ورَمْزُ قَالَ) الوَاقِعَةِ (إسْنَادًا) أي: في الإسْنَادِ بَيْنَ رُوَاتِهِ (يَرِدْ) في بَعْضِ الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ (قَافًَا) مُفْرَدَةً، هَكَذَا: «ق ثنا»، وبَعْضُهُمْ يَجْمَعُهَا بِما يَلِيها هَكَذَا «قثنا» (٦)، يَعْنِي: «قَالَ حَدَّثَنَا».
_________________
(١) في (ق) هنا زيادة (منها)، وأشار إلى أنها في نسخة هكذا.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٥.
(٣) كأبي عبد الرحمان السلمي، والحافظ البيهقي. انظر: المصدر السابق: ٣٦٥.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٥.
(٥) المصدر السابق. قال السيوطي: «لئلا تلتبس برمز حدّثنا». تدريب الراوي ٢/ ٧٨. وزاد المسألة إيضاحًا السخاوي فقال: «وكأنه فيما يظهر للخوف من اشتباهها بأنبأنا، وإن لم يصطلحوا على اختصار أنبأنا - كما نشاهده من كثيرين -. وكذا يظهر أنهم إنما لم يقتصروا من «أخبرنا» على الحرف الأخير من الفعل مع الضمير، كما فعلوا في «ثنا» بحيث تصير «رنا» للخوف من تحريف الراء دالًا، فربما يلتبس بأحد الطرق الماضية في «حدّثنا»، وهذا أحسن من قول بعضهم: لئلا يحرف الراء زايًا». فتح المغيث ٢/ ١٨٦.
(٦) وهو الحافظ الدمياطي. انظر: فتح المغيث ١/ ١٨٧.
[ ٢ / ٦٠ ]
قَالَ النَّاظِمُ: «وهَذَا اصْطِلاَحٌ مَتْرُوْكٌ» (١).
(وقَالَ الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ (٢): (حَذْفُهَا) كُلُّهَا (عُهِدْ) عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ (خَطًّا) حَتَّى أنَّهُمْ يَحْذِفُونَ الأولى في مِثْلِ: «عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -».
قَالَ: (ولاَ بُدَّ مِنَ النُّطْقِ) بِهَا (٣) حَالَ القِرَاءةِ، أي: لِلتَّمْييزِ بَيْنَ كَلامِ (٤) المُتَكَلِّمِيْنَ.
ومَعَ ذَلِكَ صَحَّحَ في " فَتَاوِيه " (٥) أنَّ عَدَمَ النُّطْقِ بِهَا لا يُبْطِلُ السَّمَاعَ، وإنْ أخَطَأَ فَاعِلُهُ.
وجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ في " شرحِ مُسْلِمٍ " (٦) واستَظْهَرهُ في " تَقْريبه " (٧)، قَالَ (٨): «للعِلْمِ بالمقْصُودِ، ويكونُ هذا مِنَ الحذْفِ لدلالةِ الحالِ عَلَيْهِ» (٩).
و(كَذَا) عُهِدَ حَذْفُ (قِيْلَ لهُ) في مِثْلِ «قُرِئَ عَلَى فُلاَنٍ، قِيْلَ لهُ: أَخْبَرَكَ فُلاَنٌ».
(ويَنْبَغِي) للقَارِئِ، كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (١٠) (النُّطْقُ بِذَا) أَيْضًا، أي: بـ «قِيْلَ لهُ».
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٤٦.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٢ - ٣٩٣.
(٣) ليست في (ص).
(٤) في (ق): «كلٍّ من».
(٥) انظر: فتاوى ابن الصلاح: ٢٦.
(٦) انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٢٨.
(٧) التقريب: ١٣٩.
(٨) بعد هذا في (م): «والسماع صَحِيْح»، زادها المحقق من شرح صحيح مسلم، وذكر بأنها ضرورية لاستقامة النص، والنص مستقيم بدونها؛ لأن غرض المصنف نقل تعليل الحكم فَقَطْ، وإلا فإنه قد نقل عنه الجزم بالصحة في شرح مسلم، وهذه آفة من يتصدى للتحقيق ولا يفهم مواقع كلام العلماء، فيفتأت على مصنفات السلف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(٩) شرح صحيح مسلم ١/ ٢٨.
(١٠) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٣.
[ ٢ / ٦١ ]
قَالَ (١): ووَقَعَ في بَعْضِ ذَلِكَ «قُرِئَ عَلَى فُلاَنٍ ثنا فُلاَنٌ»، فَهَذَا يَنْطِقُ فِيْهِ بـ «قَالَ» أي: لا بـ: «قِيْلَ لَهُ» لأنَّهُ أخْصَرُ، لا لأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، إذْ لَوْ قَالَ: «قِيْلَ لهُ: قُلْتُ حَدَّثَنَا» صَحَّ.
(وَكَتَبُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ في كُتُبِهِمْ إذَا جَمَعُوا بَيْنَ إسْنَادَي حَدِيْثٍ أو أسَانِيْدِهِ (عِنْدَ انْتِقَالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ ح) - بالقَصْرِ، مُهْمَلَةً مُفْرَدَةً - واخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ مِنَ الحَائِلِ، أو مِنَ الحدِيثِ، أو مِنَ التَّحْوِيْلِ، أو مِنْ صَحَّ؟ وهَلْ يُنْطَقُ بِهَا «حا»، أو بِمَا رَمَزَ بِهَا لهُ عِنْدَ المُرُورِ بِهَا في القِرَاءةِ أو لاَ (٢)؟
وقَدْ أخَذَ في بَيَانِ ذَلِكَ، فَقَالَ: (وانْطِقَنْ بِهَا) كَمَا كُتِبَتْ، ومُرَّ في قِرَاءتِكَ. وَاخْتَارَهُ ابنُ الصَّلاَحِ وغَيْرُهُ (٣).
(وقَدْ رَأَى) الحَافِظُ أبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ القَادِرِ بنُ عَبْدِ اللهِ (الرُّهَاوِيُّ) نِسْبَةً لـ «الرُّهَا» - بالضَّمِّ - الحَنْبَلِيُّ (بأَنْ) أي: أنْ (لاَ تُقْرَا) أي: اَيُنْطَقَ بِهَا، (وأنَّهَا) لَيْسَتْ مِنَ الرِّوَايَةِ، بَلْ هِيَ «حا» (مِنْ حَائِلٍ) تَحَوَّلَ (٤) بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ لأنَّهَا حَالَتْ بَيْنَ الإسْنَادَيْنِ (٥).
(وَقَدْ رَأَى بَعْضُ) عُلَمَاءِ (أُوْلِي الغَرْبِ، بأَنْ) أي: أنْ (يَقُوْلاَ) مَنْ يَمُرُّ بِهَا (مَكَانَهَا: الحَدِيثَ قَطْ) أي: فَقَطْ (٦).
(وَقِيْلا) إنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الحَائِلِ، ولاَ مِنَ الحَدِيثِ، (بَلْ) هِيَ (حَاءُ تَحْوِيْلٍ) مِنْ إسْنَادٍ إلى آخَرٍ، واخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ (٧).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٣.
(٢) شرح الكرماني على صحيح البخاري ١/ ٥٠.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٦، والإرشاد ١/ ٤٥١.
(٤) في (ق) و(ع): «يحول».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٦.
(٦) انظر: المصدر السابق.
(٧) انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٣٠.
[ ٢ / ٦٢ ]
(وقَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (١): (قَدْ كُتِبْ مَكَانَهَا) بَدَلًا عَنْهَا (صَحَّ) صَرِيْحَةً، (فَـ «حا») - بالقَصْرِ - (مِنْها انْتُخِبْ) أي: اخْتِيْرَ في اخْتِصَارِها، فَهِيَ رَمْزٌ لَهَا.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «وَحَسُنَ إثْبَاتُ «صَحَّ» هُنَا؛ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أنَّ حَدِيْثَ هَذَا الإسْنَادِ سَقَطَ، ولِئَلاَّ يُرَكَّبَ الإسْنادُ الثَّانِي عَلَى الأوَّلِ، فَيُجْعَلاَ إسْنَادًا واحِدًا» (٢).
كِتَابَةُ التَّسْمِيْعِ
بِمَعْنَى السَّمَاعِ المُسَمَّى بالطَّبَقَةِ، وما مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يأتِي (٣):
٦١٢ - وَيَكْتُبُ اسْمَ الشَّيْخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ وَالسَّامِعِيْنَ قَبْلَهَا مُكَمَّلَهْ
٦١٣ - مُؤَرِّخًَا أَوْ جَنْبَهَا (٤) بِالطُّرَّهْ (٥) أَوْ آخِرَ الْجُزْءِ وَإِلاَّ ظَهْرَهْ
٦١٤ - بِخَطِّ مَوْثُوْقٍ بِخَطٍّ عُرِفَا وَلَوْ بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ كَفَى
٦١٥ - إِنْ حَضَرَ الْكُلَّ، وَإِلاَّ اسْتَمْلَى مِنْ ثِقَةٍ، صَحَّحَ شَيْخٌ أَمْ لاَ
٦١٦ - وَلْيُعِرِ الْمُسْمَى بِهِ (٦) إِنْ يَسْتَعِرْ وَإِنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ سُطِرْ
٦١٧ - فَقَدْ رَأَى حَفْصٌ وَإِسْماعِيْلُ كَذَا الزُّبَيْرِيْ فَرْضَهَا إِذْ سِيْلُوْا (٧)
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) في (ص): «سيأتي».
(٤) «أي: إلى جنب البسملة من يمينها أو يسارها». النكت الوفية ٣٠٠ / أ.
(٥) قال البقاعي: «الطُّرّةُ - بضمّ الطاء المهملة ثم راء مهملة مشدّدة -: هي حاشية الكتاب. قال في القاموس: وبالضم جانب الثوب الذي لا هدب له، وشفير النهر والوادي، وطرف كل شيء وحرفُهُ». النكت الوفية ٣٠٠ / أ، وانظر: التاج ١٢/ ٤٣ (طرر).
(٦) قال البقاعي: «وليُعر: اللام فيه للأمر الندبي، والمُسمى به: بإسكان السين، من أسمّى بمعنى: سمّى، قال في الصحاح: سمّيتُ فلانًا زيدًا وسمّيتُهُ بزيدٍ بمعنًى، وأسميتُهُ مثله، والباء في (به) ظرفية أي: يندب له أن يعير كتابه ممّن كتب اسمه فيه». النكت الوفية ٣٠١/أوانظر: الصحاح ٦/ ٢٣٨٣ (سما).
(٧) أصلها (سئلوا) لكن كتبت بالياء الساكنة لمناسبة ضرب الشطر الأول (إسماعيل) صوتيًا، وانظر: النكت الوفية ٣٠١ / أ.
[ ٢ / ٦٣ ]
٦١٨ - إِذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلْ كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ مَا تَحَمَّلْ
٦١٩ - وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ تَطْوِيْلًا وَأَنْ يُثْبِتَ قَبْلَ عَرْضِهِ مَا لَمْ يُبَنْ
(وَيَكْتُبُ) الطَّالِبُ (اسْمَ الشَّيْخِ) الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ، أو سَمِعَ عَلَيْهِ، أو مِنْهُ كِتَابًا أو جُزْءًا، أو نَحْوَهُ، وما يَلْتَحِقُ باسْمِ الشَّيْخِ مِنْ نِسْبَةٍ، وكُنْيَةٍ، وغَيْرِهِمَا مِمَّا يُعْرَفُ بهِ مَعَ سِيَاقِ سَنَدِهِ بالمَرْوِيِّ إلى مُصَنِّفِهِ (بَعْدَ البَسْمَلَهْ).
كَأَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الكِتَابِ أبو فُلانٍ فلاَنُ بنُ فُلانٍ الفُلاَنِيُّ إلى آخِرِهِ (١).
(و) إنْ سَمِعَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَتَبَ أسْماءَ (السَّامِعِيْنَ) إمَّا (قَبْلَهَا) أي: البَسْمَلَةِ فَوْقَ سَطْرِهَا (مُكَمَّلَهْ) مِنْ غَيْرِ اخْتِصَارٍ لِمَا لا يَتُمُّ التَّعْرِيْفُ بِدُوْنِهِ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: والحذَرُ مِنْ إسْقَاطِ اسْمِ أحَدٍ مِنْهُمْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ (٢).
(مُؤَرِّخًا) ذَلِكَ (٣) بوقْتِ السَّمَاعِ مَعَ ذِكْرِ مَحَلِّهِ مِنَ البَلدِ، وعَددِ مَجَالِسِهِ.
(أو) كَتْبَها (جَنْبَها) أي: البَسْمَلَةِ في الوَرَقَةِ الأُوْلَى مِنَ الكِتابِ (بالطُّرَّهْ) أي: في الحَاشِيَةِ المتَّسِعَةِ (٤).
(أو) كَتَبَهَا (آخِرَ الْجُزْءِ) مَثَلًا.
(وإلاَّ) أي: وإنْ لَمْ يَكْتُبْهَا فِيْمَا ذَكَرَ، فَلْيَكْتُبْهَا (ظَهْرَهْ) أي: في ظَهْرِ الجُزْءِ، بأَنْ يَكْتُبَهَا فِيْمَا هُوَ كَالوِقَايَةِ لهُ.
ولْيَكُنِ المكْتُوبُ (بِخَطِّ مَوْثُوقٍ) بِهِ، غَيْرِ مَجْهُولِ الخَطِّ، بَلْ (بِخَطٍّ عُرِفا) بَيْنَ الْمُحَدِّثِيْنَ.
(وَلَوْ) كَانَ التَّسْمِيْعُ (بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ) مَعَ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ (كَفَى)، كَمَا فَعَلَهُ الثِّقَاتُ.
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٦٨، وآداب الإملاء والاستملاء: ١٧١.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٨.
(٣) في (ص): «وذلك».
(٤) من قوله: «أي: البسملة» إلى هنا سقط من (ق) و(ع).
[ ٢ / ٦٤ ]
ولْيَتَحَرَّ كَاتِبُ التَّسْمِيْعِ في بَيَانِ الأَفْوَاتِ، والسَّامِعِ، والمُسَمِّعِ، والمَسْمُوعِ بِعِبَارَةٍ بَيِّنَةٍ، وكِتَابَةٍ وَاضِحَةٍ، وإِنْزَالِ كُلٍّ مَنْزِلتَهُ، ولْيَعْتَمِدْ في السَّامِعِيْنَ وتَمْيِيْزِ أفْوَاتِهِمْ ضَبْطَ نَفْسِهِ (إنْ حَضَرَ) هُوَ (الكُلَّ، وإلاَّ اسْتَمْلَى) مَا غَابَ عَنْهُ (مِنْ ثِقَةٍ) ضَابِطٍ مِمَّنْ حَضَرَ.
ويَكْتَفِي بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَ (صَحَّحَ) عَلَى التَّسْمِيْعِ (شَيْخٌ) أي: الشَّيْخُ المُسْمِعُ (أمْ لاَ) اعْتِمَادًا عَلَى الكَاتِبِ الثِّقَةِ.
(وَلْيُعِر) مَنْ ثَبَتَ (١) في كِتابِهِ الأسْمَاءَ بِخَطِّهِ أوْ خَطِّ غَيْرِهِ كِتَابَهُ، الطَّالِبَ (المُسْمَى بهِ) - بإسْكَانِ السِّيْنِ -، أي: الَّذِي اسْمُهُ في الكِتَابِ (إِنْ يَسْتَعِرْ) هُ لِيَكْتُبَ مِنْهُ، أوْ يُقَابِلَ بِهِ، أوْ يُحَدِّثَ مِنْهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَ التَّسْمِيْعُ بِخَطِّ غَيْرِ مَالِكِهِ، فالإعَارَةُ (٢) مَنْدوبةٌ، (وإنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ) لهُ (سُطِرْ (٣)، فَقَدْ رَأَى) القَاضِيَانِ: (حَفْصٌ)، هو ابنُ غِيَاثٍ النَخَعِيُّ الكُوْفِيُّ مِنْ أصْحابِ الإمِامِ (٤) أبي حَنِيْفَةَ (٥)، (وإسْمَاعِيْلُ) بنُ إسْحَاقَ الأَزْدِيُّ البَصْرِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ المَالِكِيَّةِ (٦)، و(كَذَا) أبو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرُ بنُ أَحْمَدَ (الزُّبَيْرِيْ) (٧)
- بالإسْكَانِ لِمَا مَرَّ - نِسْبَةً للزُّبَيْرِ جَدٍّ مِنْ أجْدَادِهِ (٨) مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (فَرَضَهَا) أي: الإعَارَةَ (إِذْ) أي: حِيْنَ (سِيْلُوا) -بِكَسْرِ السِّيْنِ وإسْكَانِ الياءِ- لمنَاسَبَةِ آخِرِ صَدْرِ البَيْتِ.
فَلَو امْتَنَعَ مَالِكُهُ مِنَ الإعَارَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ، أُلْزِمَ بِهَا (إذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بهِ) أي: بإثْبَاتِ الاسم (دَلْ)، فَكَأَنَّهُ قَدْ تَحَمَّلَ لهُ أمَانَةً، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أدَاؤُهَا، (كَمَا)
_________________
(١) في (ع): «أثبت».
(٢) في (ص): «فالإعادة»، وهو سهو.
(٣) في (ق) و(ع): «سطره».
(٤) ليست في (ص).
(٥) انظر: المحدّث الفاصل: ٥٨٩ (٨٣٨)، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤١ (٤٨٠).
(٦) انظر: الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤١ (٤٨١).
(٧) انظر: المحدّث الفاصل: ٥٨٩ (٨٣٨)، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٤١ (٤٨٠).
(٨) انظر: الأنساب ٣/ ١٥٣، ووفيات الأعيان ٢/ ٣١٣.
[ ٢ / ٦٥ ]
يَجِبُ (عَلَى الشَّاهِدِ) المُتَحَمِّلِ - ولَو اتِّفَاقًا - أدَاءُ (مَا تَحَمَّلْ)، وإنْ كَانَ فِيْهِ بَذْلُ نَفْسِهِ بالسَّعْيِ إلى مَجْلِسِ الحُكْمِ؛ لأَدَائِهَا.
ولأنَّ هَذَا مِنَ المَصَالِحِ العَامَّةِ المُحْتَاجِ إليها مَعَ وُجُودِ عُلْقَةٍ بَيْنَهُما تَقْتَضِي الإلْزَامَ بذَلِكَ (١).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «ويَرْجِعُ حَاصِلُ أقْوَالِهِمْ إلى أنَّ سَمَاعَ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ في كِتابِهِ بِرِضَاهُ، فيلْزَمُهُ إعَارَتُهُ إيَّاهُ» (٢).
وتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ في " تَقْرِيْبِهِ " (٣).
(وَلْيَحْذَرِ المُعَارُ) لهُ (تَطْوِيْلًا) أي: مِنَ التَّطْوِيْلِ بما اسْتَعَارَهُ عَلَى مَالِكِهِ إلاَّ بِقَدَرِ الحَاجَةِ.
فَعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قَالَ: إيَّاكَ وغُلُولَ الكُتُبِ. وقِيْلَ: ومَا غُلُولُ الكُتُبِ؟ قَالَ: حَبْسُهَا عَنْ أصْحَابِهَا (٤).
_________________
(١) قال البلقيني في المحاسن: ٣٢٥: «عندي في توجيهه غير ما قال ابن الصّلاح، وهو: أن مثل هذا من المصالح العامة التي يحتاج إليها مع حصول علقة بين المحتاج والمحتاج إليه، يقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده. أصله: إعارة الجدار لوضع جذوع الجار. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من طريق أبي هريرة - ﵁ - الحديث فيه. وقال بوجوب ذلك جمع من العلماء، وهو أحد قولي الشافعي - ﵁ -. وإذا كان يلزم الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب؛ فلأن يلزم صاحب الكِتَاب مَعَ عدم دوام العارية، أولى، وكأن الشّيخ ابن الصّلاح إنما قاسه عَلَى أداء الشهادة من جهة أنها متفق عَلَيْهَا، لَكِنْ الفرق بينهما أن الشهادة حق يتعلق بالحكم الّذي هُوَ نظام الأمور العامة والخاصة. فلو لَمْ يقل بلزوم الأداء لتعطل هَذَا النظام، بخلاف العارية فِيْمَا نحن فِيْهِ. والأقرب في القياس والتوجيه ما ذكرته، ولا يقال: تخرجت على قول مرجوح في المذهب؛ لأنا بيّنا الأولوية التي تقتضي رجحان الإلزام فيما نحن فيه».
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٦٩.
(٣) التقريب: ١٣٠.
(٤) رواهُ الخطيب في الجامع ١/ ٢٤٢ (٤٨٣)، والقاضي عياض في الإلماع: ٢٢٤، والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء: ١٧٦.
[ ٢ / ٦٦ ]
وَلْيَحْذَرْ أَيْضًا إذا نَسَخَ الكِتَابَ المُعَارَ أوْ شَيْئًا مِنْهُ (وأنْ (١) يُثْبِتَ) سَمَاعَهُ فِيْمَا نَسَخَهُ (قَبْلَ عَرَضِهِ) ومُقَابَلَتِهِ.
بَلْ لاَ يَنْبَغِي إثْبَاتُ سَمَاعٍ في كِتَابٍ مُطْلَقًا، إلاَّ بَعْدَ مُقَابَلَتِهِ، لِئَلاَّ يَغْتَرَّ بهِ أحَدٌ (٢) قَبْلَها (مَا لَمْ يُبَنْ) - بِضَمِّ أوَّلِهِ، وفَتْحِ ثَانِيْهِ -، أي: مَا لَمْ يُبَيِّنْ في الإثْبَاتِ والنَّقْلِ أنَّ النُّسْخَةَ غَيْرُ مُقَابَلَةٍ.
صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ، وأَدَائِهِ
غَيْرُ مَا مَرَّ:
٦٢٠ - وَلْيَرْوِ مِنْ كِتَابِهِ وَإِْن عَرِي مِنْ حِفْظِهِ فَجَائِزٌ لِلأَكْثَرِ
٦٢١ - وَعَنْ أبي حَنِيْفَةَ الْمَنْعُ كَذَا عَنْ مَالِكٍ وَالصَّيْدَلاَنِيْ وَإِذَا
٦٢٢ - رَأَى سَمَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَنْ نُعْمَانٍ الْمَنْعُ وَقالَ ابْنُ الْحَسَنْ
٦٢٣ - مَعْ أبي يُوْسُفَ ثُمَّ الشَّافِعِيْ وَالأَكْثَرِيْنَ بِالْجَوَازِ الْوَاسِعِ
٦٢٤ - وَإِنْ يَغِبْ وَغَلَبَتْ سَلاَمَتُهْ جَازَتْ (٣) لَدَى جُمْهُوْرِهِم رِوَايَتُهْ
٦٢٥ - كَذَلِكَ الضَّرِيْرُ وَالأُمِّيُّ لاَ يَحْفَظَانِ يَضْبُطُ الْمَرْضِيُّ
٦٢٦ - مَا سَمِعَا وَالْخُلْفُ فِي الضَّرِيْرِ أَقْوَى، وَأَوْلَى مِنْهُ فِي الْبَصِيْرِ
(وَلْيَرْوِ) الرَّاوِي (مِنْ كِتابِهِ) المُقَابَلِ المَصُونِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ (وإنْ عَرِي) أي: خَلاَ (مِنْ حِفْظِهِ) لأحَادِيْثِهِ عِنْدَ تَحْدِيْثِهِ.
(فَ) ذَلِكَ (٤) (جَائِزٌ للأَكْثَرِ) مِنَ العُلَمَاءِ، وصَوَّبَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٥) لِبِنَاءِ الرِّوَايَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
_________________
(١) في (م): (أن).
(٢) في (ع): «أحد به».
(٣) في (ب): «جاز»، والوزن بها صحيح أيضًا.
(٤) في (ص): «ذاك».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٢.
[ ٢ / ٦٧ ]
(وَ) رُوِيَ (عَنْ) الإمَامِ (أبي حَنِيْفَةَ) النُّعْمَانِ بنِ ثَابِتٍ الكُوْفِيِّ (المَنْعُ) (١) مِنْ ذَلِكَ، وأنَّهُ لاَ حُجَّةَ إلاَّ فِيْمَا رَوَاهُ الرَّاوِي مِنْ حِفْظِهِ، وتَذَكُّرِهِ لهُ.
و(كَذَا) رُوِيَ (عَن) الإمِامِ (مَالِكٍ)، هُوَ ابنُ أنَسٍ (٢)، (وَ) عَنْ أحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أبي بَكْرٍ (الصَّيْدَلاَنِيْ) - بالإسْكَانِ لِمَا مَرَّ - المَرْوَزِيِّ (٣).
(وَإِذَا رَأَى) المُحَدِّثُ (سَمَاعَهُ) في كِتابِهِ بِخَطِّهِ، أو خَطِّ مَنْ يَثِقُ بهِ (ولَمْ يَذْكُرْ) سَمَاعَهُ لهُ، ولاَ عَدَمَهُ (فَعَنْ) أَبِي حَنِيْفَةَ (نُعْمَانٍ المَنْعُ) (٤) مِنْ رِوَايَتِهِ، يَعْنِي: وإنْ كانَ حَافِظًا لِمَا فِيْهِ (٥).
(وقَالَ) صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ (ابنُ الحَسَنْ مَعْ) شَيْخِهِ ورَفِيْقِهِ القَاضِي (أبي يُوسُفَ، ثُمَّ) الإمِامِ (الشَّافِعِيْ والأَكْثَرِيْنَ) مِنْ أصْحَابِهِ (٦) (بالجَوازِ الوَاسِعِ) الَّذِي لَمْ يَقُلْ
_________________
(١) انظر: الكفاية: (٣٤٢ ت، ٢٣١ هـ).
(٢) انظر: الكفاية: (٣٣٧ ت، ٢٢٧ هـ)، والإلماع: ١٣٦.
(٣) انظر: الإلماع: ١٣٩، معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧١. قلنا: ونسبه الزركشي إلى زين الدين الكشاني من المتأخرين. نكت الزركشي ٣/ ٦٠٤. فائدة: قال الحميدي: «فأمّا من اقتصر على ما في كتابه فحدّث به ولم يزد ولم ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه، فلا يكون ذلك ضارًا في حديثه إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على ما في كتابه ولم يقبل التلقين». الكفاية: (٣٤١ ت، ٢٣٠ هـ).
(٤) نقل القاضي عياض عن المحاملي أنه حكاه عن أبي حنيفة وبعض الشافعية. ونقله الخطيب عن المتأخرين من الحنفية. انظر: الكفاية: (٥٤١ ت، ٣٨٠ هـ)، والإلماع: ١٣٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٥.
(٥) ونسبه القاضي عياض إلى إمام الحرمين، وقال القاضي حسين من الشافعية في فتاويه: إنه كذلك من طريق الفقه، واختاره ابن دقيق العيد، فحكى القطب الحلبي قال: أتيته بجزء سمعه من ابن دراج والطبقة بخطه، فقال: حتى أنظر فيه، ثُمّ عدت إليه فقال: هو بخطي، لكن ما أحقق سماعه ولا أذكره، ولم يحدث به. انظر: الإلماع: ١٣٩، وفتح المغيث ٢/ ١٩٩.
(٦) الإلماع: ١٣٩.
[ ٢ / ٦٨ ]
بِمِثْلِهِ الإمَامُ (١) الشَّافِعِيُّ وأكْثَرُ أصْحابِهِ في الشَّهَادَةِ؛ لأنَّ بابَ الرِّوَايَةِ أوْسَعُ (٢).
(وإنْ يَغِبْ) كِتَابُهُ عَنْهُ، ولَوْ غَيْبَةً طَوِيْلَةً بإعَارَةٍ، أوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ حَضَرَ (وغَلَبَتْ) عَلَى ظَنِّهِ (سَلاَمَتُهْ) مِنَ التَّغْيِيْرِ والتَّبْدِيْلِ، (جَازَتْ لَدَى) أي: عِنْدَ (جُمْهُورِهِمْ) أي: الْمُحَدِّثِيْنَ (رِوَايَتُهْ)؛ لأنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ كَمَا مَرَّ (٣).
قَالَ الخَطِيْبُ: وكَذَا الحُكْمُ فِيْمَنْ يَجِدُ سَمَاعَهُ في كِتابِ غَيْرِهِ (٤)، وغَيْرُ الجُمْهُورِ مَنَعَ ذَلِكَ؛ لاحْتِمالِ التَّغْيِيرِ (٥) في الغَيْبَةِ (٦).
(كَذَلِكَ الضَّرِيْرُ) أي: الأَعْمَى، (والأُمِّيُّ) أي: الَّذِي لا يَكْتُبُ، اللَّذَانِ (لا يَحْفَظَانِ) حَدِيْثَهُمَا مِنْ فَمِ مَنْ حَدَّثَهُمَا، تَصِحُّ رِوَايَتُهُمَا عِنْدَ الجُمْهُورِ، حَيْثُ (يَضْبِطُ) لَهُما (الْمَرْضِيُّ) الثِّقَةُ (مَا سَمِعَا) هُ يَحْفَظُ كُلٌّ منهما كِتَابَهُ عَنِ التَّغْييرِ، ولَوْ بِثِقَةٍ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ يَغْلبُ عَلَى الظَّنِّ سَلاَمَتُهُ مِنَ التَّغِييرِ إلى انْتِهَاءِ الأدَاءِ (٧).
ومَنَعَ غَيْرُ الجُمْهُورِ ذَلِكَ لاحْتِمَالِ إدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْ سَمَاعِهِمَا عَلَيْهِمَا (٨)، (والخُلْفُ في الضَّرِيْرِ أقْوَى، وأوْلَى مِنْهُ في البَصِيْرِ) الأُمِّيِّ؛ لِخِفَّةِ الْمَحْذُورِ فِيْهِ.
_________________
(١) لم ترد في (ص) و(ق).
(٢) قال ابن كثير: «وهذا يشبه ما إذا نسي الراوي سماعه، فإنه تجوز روايته عنه لمن سمعه منه، ولا يضر نسيانه، والله أعلم». اختصار علوم الحديث ٢/ ٣٩٨.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧١.
(٤) انظر: الكفاية: (٣٤٩ ت، ٢٣٦ هـ). وقال الخطيب: سألت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري عن رجل وجد سماعه في كتاب من شيخ قد سمي ونسب في الكتاب غير أنه لا يعرفه؟ فقال: لا يجوز له رواية ذلك الكتاب». الكفاية: (٣٥٠ ت، ٢٣٧ هـ)، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٢٠١.
(٥) في (ص) (م): «ذلك التغيير».
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧١.
(٧) انظر: الكفاية: (٣٣٨ ت، ٢٢٨ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٣.
(٨) قال الخطيب في الكفاية: (٣٣٩ ت، ٢٢٩ هـ): «ونرى العلة التي لأجلها منعوا صحة السماع من الضرير البصير الأمي هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما».
[ ٢ / ٦٩ ]
وخَصَّ الرَّافِعِيُّ وغَيْرُهُ الخِلاَفَ في الضَّرِيْرِ بِمَا سَمِعَهُ بَعْدَ العَمَى، أمَّا مَا سَمِعَهُ قَبْلَهُ، فَلَهُ أنْ يَرْوِيَهُ بِلاَ خِلاَفٍ (١).
الرِّوَايَةُ مِنَ الأَصْلِ
أو الفَرْعِ المُقَابَلِ بهِ، ومَا مَعَهَا مِمَّا يَأْتِي:
٦٢٧ - وَلْيَرْوِ مِنْ أَصْلٍ أَوِ الْمُقَابَلِ بِهِ وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ
٦٢٨ - مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ أَوْ أُخِذَا عَنْهُ لَدَى الْجُمْهُوْرِ وَأَجَازَ ذَا
٦٢٩ - أَيُّوْبُ وَالبُرْسَانِ (٢) قَدْ أَجَازَهْ وَرَخَّصَ الشَّيْخُ مَعَ الإِجَازَهْ
٦٣٠ - وَإِنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتَابَهْ وَلَيْسَ مِنْهُ فَرَأَوْا صَوَابَهْ:
٦٣١ - الْحِفْظَ مَعْ تَيَقُّنٍ وَالأَحْسَنُ الجَمْعُ كَالْخِلاَفِ مِمَّنْ يُتْقِنُ
(وَلْيَرْوِ) الرَّاوِي إِذَا رَامَ أدَاء شَيءٍ مِمَّا (٣) تَحَمَّلَهُ (مِنْ أصْلٍ) تَحَمَّلَ مِنْهُ، (أو) مِنَ الفَرْعِ (المُقَابَلِ بهِ) مَعَ ثِقَةٍ.
(ولاَ يَجُوزُ) الأدَاءُ (بالتَّسَاهُلِ) بأنْ يَرْوِيَ (مِمَّا) أي: مِنْ كِتَابٍ لَمْ يَكُنْ سَمَاعُهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ أصْلًا (بهِ اسْمُ شَيْخِهِ)، يَعْنِي: سَمَاعُهُ، (أو) كَانَ فَرْعًا
(أُخِذَا عَنْهُ) أي: عَنْ شَيْخِهِ مِنْ ثِقَةٍ، ولَوْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلى صِحَّتِهِ (لَدَى) أي: عِنْدَ
_________________
(١) قال الزركشي في نكته ٣/ ٦٠١: «قلت: هما وجهان لأصحاب الشَّافِعِيّ حكاهما الرافعي في كتاب الشهادات، وقال: إن الجمهور على القبول، قال: وهذا الخلاف فيما سمعه بعد العمى، فأما ما سمعه قبله فله أن يرويه بلا خلاف. وذكر الخطيب أن علة المانعين هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من حديثهما، قال: وهي العلة التي ذكرها مالك فيمن لَهُ كتب وسماعه صحيح فيها غير أنه لا يحفظ مل تضمنت، قال الخطيب: فمن احتاط في حفظه وسلم من أن يدخل عليه غير سماعه جازت روايته». وانظر: الكفاية: (٢٢٩ ت، ٣٣٩ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٣.
(٢) في النفائس: «البرساني» بإثبات ياء النسب، ولا يصح الوزن بذلك.
(٣) ساقطة من (ص).
[ ٢ / ٧٠ ]
(الْجُمْهُوْرِ) مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (١).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «لأنَّهُ لاَ يُؤْمَنْ أنْ يَكُونَ في كُلٍّ مِنْهُمَا زَوَائِدُ لَيْسَتْ في نُسْخَةِ سَمَاعِهِ» (٢).
(و) لَكِنْ (أجَازَ ذا) أي: الأدَاءَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَيُّوْبُ) السَّخْتِيَانِيُّ، (وَ) مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ (البُرْسَانِ) - بضَمِّ المُوَحَّدَةِ، وحَذْفِ ياءِ النِّسْبَةِ - نِسْبَةً (٣) لِقَبِيْلَةٍ مِنَ الأَزْدِ (قَدْ أجَازَهْ) أَيْضًا تَرَخُّصًا مِنْهُمَا في ذَلِكَ (٤).
(ورَخَّصَ) فِيْهِ أَيْضًا (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ، لَكِنْ (مَعَ الإجَازَهْ) للرَّاوِي مِنْ شَيْخِهِ بذَلِكَ الكِتابِ، أو بِسَائِرِ مَرْوِيَّاتِهِ الَّتِي مَرَّ أنَّهُ لاَ غِنَى عَنْهَا في كُلِّ سَمَاعٍ احْتِيَاطًا.
قَالَ: «ولَيْسَ فِيْهِ حِيْنَئِذٍ أكْثَرُ مِنْ رِوَايةِ تِلْكَ الزِّياداتِ بالإجَازَةِ بلَفْظِ: «أَخْبَرَنَا» أو «حَدَّثَنَا» مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ للإجَازَةِ فِيْهَا، والأمْرُ في ذَلِكَ قَرِيْبٌ يَقَعُ مِثْلُهُ في مَحَلِّ التَّسَامُحِ» (٥).
فإنْ كَانَ الَّذِي في النُّسْخَةِ سَمَاعَ شَيْخِ شَيْخِهِ، أو هيَ مَسْمُوعةٌ عَلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، أو مَرْوِيَّةٌ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ، فَيَنْبَغِي لهُ حِيْنَئِذٍ في رِوَايَتِهِ مِنْهَا أنْ تَكُونَ لهُ إجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ، ولِشَيْخِهِ إجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ.
قَالَ: «وهَذَا تَيْسِيْرٌ حَسَنٌ - هَدَانَا اللهُ لهُ، وللهِ الحَمْدُ (٦) - والحاجَةُ إليهِ مَاسَّةٌ في زَمَانِنَا جِدًّا» (٧).
_________________
(١) كما حكاه الخطيب عنهم في الكفاية: (٣٧٦ت، ٢٥٧هـ). وبه قطع أبو نصر بن الصبّاغ من فقهاء الشافعية. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٦١.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٤.
(٣) لم ترد في (ص) و(ع).
(٤) انظر: الكفاية: (٣٧٦ ت، ٢٥٧ هـ)، ووافقهم عليه ابن كثير من المتأخرين. انظر: اختصار علوم الحديث: ٣٧٤.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٤.
(٦) في ابن الصَّلاح: ٣٧٥: «وله الحمد»، والمثبت من جَميْع النسخ الخطية.
(٧) معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٧٥. ورجّح الخطيب من جهة النظر لا من جهة النقل: «أنه متى عرف أن الأحاديث التي تضمّنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحة النقل بها والسلامة من دخول الوهم فِيْهَا». الكفاية: (٣٧٧ ت، ٢٥٧ هـ).
[ ٢ / ٧١ ]
(وإنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتابَهْ) فإنْ كانَ حِفْظُهُ مِن كتابِهِ رجعَ إليهِ وإنْ اختلفَ المعنى، (و) إنْ كانَ (ليسَ) حِفْظُهُ (مِنْهُ)، بل مِن فَمِ المُحدِّث، أو من القراءةِ عليهِ (ف) قد (رأوا) أي: المحدِّثُونَ (صوابَهْ الحِفْظَ) أي: اعتمادَ الحِفْظِ إن كانَ (مَعَ تَيَقُّنٍ) وتَثَبُّتٍ في حِفْظِهِ، فَإنْ كَانَ مَعَ شَكٍّ، أوْ سُوءِ حِفْظٍ، فلاَ.
(والأَحْسَنُ) مَعَ التَّيَقُّنِ (الجَمْعُ) بَيْنَهُمَا، فيَقُولُ: «حِفْظِي كَذَا، وفي كِتَابي (١) كَذَا» (كَالخِلاَفِ) أي: كَالمُخَالَفَةِ لهُ (مِمَّنْ يُتْقِنُ) مِنَ الحُفَّاظِ في أنَّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ بَيَانُ الأَمْرَيْنِ، فَيَقُولُ: «حِفْظِي كَذَا، وقَالَ فِيْهِ فُلاَنٌ كَذَا»، أو نَحْوَ ذَلِكَ (٢).
الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى
وما مَعَهَا مِمَّا يأْتِي:
٦٣٢ - وَلْيَرْوِ بِالأَلْفَاظِ مَنْ لاَ يَعْلَمُ مَدْلُوْلَهَا وَغَيْرُهُ فَالْمُعْظَمُ
٦٣٣ - أَجَازَ بِالْمَعْنَى وَقِيْلَ: لاَ الْخَبَرْ وَالشَّيْخُ فِي التَّصْنِيْفِ قَطْعًَا قَدْ حَظَرْ
٦٣٤ - وَلْيَقُلِ الرَّاوِي: بِمَعْنَىً، أَوْ كَمَا قالَ وَنَحْوُهُ كَشَكٍّ أُبْهِمَا
(وَلْيَرْوِ) وُجُوْبًا بلاَ خِلاَفٍ (٣) (بالأَلْفَاظِ) الَّتِي سَمِعَ بِهَا، لاَ بِمَعَانِيْهَا (مَنْ) تَحَمَّلَهَا، وهوَ (لا يَعْلَمُ مَدْلُولَهَا) ومَقَاصِدَهَا.
إذْ لوْ رَوَى بالمعْنَى لَمْ يُؤْمَنْ مِنَ الخَلَلِ.
(وَ) أمَّا (غَيْرُهُ)، وهوَ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، (فالْمُعْظَمُ) مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ، والفِقْهِ، والأُصُولِ (٤) (أجَازَ) لهُ الرِّوَايَةَ (بالمَعْنَى)، ولَوْ في الخَبَرِ، أوْ حِفْظِ اللَّفْظِ، أوْ أَتَى بِلَفْظٍ غَيْرِ مُرَادِفٍ، أوْ كَانَ المعْنَى غَامِضًا.
_________________
(١) في (م): «كتاب».
(٢) وهذا هو المختار أيضًا فيما إذا خالفه بعض الحفّاظ. انظر: الكفاية: (٣٣٤ ت، ٢٢٥ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٥.
(٣) وأول من نقله الخطيب في الكفاية: (٣٠٠ ت، ١٩٨ هـ)، وممن نقله القاضي عياض في الإلماع: ١٧٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٦، والمنهل الروي: ٩٩.
[ ٢ / ٧٢ ]
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وهوَ الَّذِي تَشْهَدُ بهِ أحْوَالُ الصَّحَابَةِ، والسَّلَفِ الأوَّلِيْنَ، فَكَثِيْرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى واحِدًا في أمْرٍ واحِدٍ بأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وذَلِكَ لأنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى المَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ» (١).
وَقِيْلَ: لاَ يَجُوزُ لهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ المَعْنَى، ولاَ خَالَفَ اللَّغَةَ الفُصْحَى (٢) خَوْفًا مِنَ الدُّخُولِ في الوَعِيْدِ حَيْثُ عَزَا للنَّبِيِّ (٣) - ﷺ - لفْظًا لَمْ يَقُلْهُ؛ لأنَّهُ قَدْ يَظُنُّ تَوْفِيَةَ لَفْظٍ بِمَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ، ولاَ يَكُونُ كَذَلِكَ في الوَاقِعِ.
(وَقِيْلَ: لا) يَجُوزُ لهُ (٤) ذَلِكَ في (الخَبَرْ) أي: خَبَرِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ويَجُوزُ لهُ في غَيْرِهِ (٥).
وقِيْلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (٦).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٧.
(٢) وبه قال ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة. وحكاه ابن الصلاح عن طائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعيين وغيرهم. انظر: الكفاية: (٣١١ ت، ٢٠٦ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٦.
(٣) في (ق): «له».
(٤) لم ترد في (ق) و(ع).
(٥) وبه قَالَ مالك. انظر: الكفاية: (٢٨٨ - ٢٨٩ ت، ١٨٨ - ١٨٩ هـ)، وجامع بَيَان العلْم ١/ ٨١، والإلماع: ١٧٨ و١٧٩ - ١٨٠.
(٦) وللحافظ ابن حجر تقييد وجيه للجواز، إذ قال: «إن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافق المعنى، وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيدًا في الجواز، أعني يزاد في الشرط: أن لا يقع التعبد بلفظه ولا بدّ منه ومن أطلق فكلامه محمول عليه». فتح الباري ٨/ ٣٠٤. والذي نراه أن الجواز كان مخصوصًا بعصر الصحابة ومن بعدهم بقليل، أما غيرهم فلا يجوز لهم التصرف. قال ابن العربي: «إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم، وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى، فإنا لَوْ جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، إذ كُلّ أحد إلى زماننا هذا قد بدّل ما نقل، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رواه فيكون خروجًا من الإخبار بالجملة. والصحابة بخلاف ذلك فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: =
[ ٢ / ٧٣ ]
هَذَا كُلُّهُ فِيْمَنْ أخذَ مَنْ غَيْرِ تَصْنِيْفٍ، أمَّا مَنْ أخَذَ مِنْهُ، فَهوَ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ:
(والشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ (في التَّصْنِيْفِ قَطْعًا قَدْ حَظَرْ)، وفي نُسْخَةٍ: «مُطْلَقًا حَظَرَ» -، أي: مَنَعَ تَغْيِيْرَ اللَّفْظِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ.
لأنَّ مَا رَخَّصُوا بِسَبَبِهِ مِنَ المَشَقَّةِ في ضَبْطِ الألْفَاظِ، والجُمُودِ عَلَيْهَا مُنْتَفٍ في المُصَنَّفَاتِ؛ ولأنَّهُ إنْ مَلَكَ تَغْيِيْرَ اللَّفْظِ، فلاَ يَمْلِكُ تَغْيِيْرَ تَصْنِيْفِ غَيْرِهِ.
وقَضِيَّتُهُ تَخْصِيْصُ المَنْعِ بِما إذا رَوَيْنَا التَّصْنِيْفَ، أوْ نَسَخْنَاهُ، أمَّا إذا نَقَلْنَا مِنْهُ إلى أجْزَائِنَا وتَخَارِيْجِنا، فَلاَ: إذِ التَّصْنِيْفُ حِيْنَئِذٍ لَمْ يُغَيَّرْ. ذَكَرَهُ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ (١)، وأَقَرَّهُ شَيْخُنَا، وعَلَيْهِ عَمَلُ جَمَاعَةٍ.
قَالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ: «لَكِنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى الاصْطِلاَحِ، فَإِنَّ الاصطِلاحَ عَلَى أنْ لا تُغَيَّرَ الألْفَاظُ بَعْدَ الانْتِهَاءِ إلى الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ، سَوَاءٌ أَرَوَيْنَاها فِيْهَا أمْ نَقَلْنَاها مِنْهَا؟» (٢). ووَافَقَهُ النَّاظِمُ عَلَى ذَلِكَ (٣).
_________________
(١) = أحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة. والثاني: أنهم شاهدوا قول النبي - ﷺ - وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله، وليس من أخبر كمن عاين. ألا تراهم يقولون في كُلّ حديث: أمر رسول الله - ﷺ - بكذا، ونهى رسول الله - ﷺ - عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبرًا صحيحًا ونقلًا لازمًا، وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه». أحكام القرآن ١/ ٣٥ - ٣٦. وممن قال بهذا الماوردي والروياني. فتح المغيث ٢/ ٢١٢. ووافقه على ذلك القاضي عياض، فقال: «لكن لحماية الباب من تسلط من لا يحسن، وغلط الجهلة في نفوسهم، وظنهم المعرفة مع القصور، يجب سدّ هذا الباب، إذ فعل هذا من لم يبلغ درجة الكمال في معرفة المعاني حرام باتفاقٍ». إكمال المعلم ١/ ٩٥. وهذا المبحث استوعب جوانبه الشّيخ طاهر الجزائري في كتابه " توجيه النظر " ٢/ ٦٧١ - ٧٠٢، وانظر: الإحكام لابن حزم ٢/ ٨٦ - ٩٠.
(٢) انظر: الاقتراح: ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) انظر: الاقتراح: ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٦٦.
[ ٢ / ٧٤ ]
لَكِنَّ مَيْلَ (١) شَيْخِنا إلى الجَوازِ إذَا قَرَنَ بما يَدلُّ عَلَيْهِ، كقَوْلِهِ: «بنَحْوِهِ».
(وَلْيَقُلِ الرَّاوِي) نَدْبًا عَقِبَ إيْرَادِهِ للْحَدِيْثِ (بِمَعْنَىً) أي: بالمَعْنَى:
(أوْ كَمَا قَالَ، ونَحْوُهُ)، كَقَوْلِهِ: أوْ نَحْوُ هَذَا أوْ مِثْلُهُ أوْ شِبْهُهُ.
وهَذَا (كَشَكٍّ) مِنَ المُحَدِّثِ أو القَارِئِ في لَفْظٍ، فإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يَقُوْلَ: أوْ كَمَا قَالَ، أوْ نَحْوُهُ.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وهوَ الصَّوَابُ في مِثْلِهِ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: «أوْ كَمَا قَالَ» يَتَضَمَّنُ إجَازَةً مِنَ الرَّاوِي، وإِذْنًا في رِوَايَةِ الصَّوَابِ عَنْهِ إذَا بانَ» (٢).
(أُبْهِمَا) - بألِفِ الإطْلاَقِ - صِفَةٌ لـ: شَكَّ، وهوَ تَكْمِلَةٌ وإيْضَاحٌ.
الاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الحَدِيْثِ
٦٣٥ - وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ فَامْنعَ او أَجِزْ أَوْ إِنْ أُتِمَّ أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ
٦٣٦ - ذَا بِالصَّحِيْحِ إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهْ مُنْفَصِلًا عَنِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَهْ
٦٣٧ - وَمَا لِذِي تُهْمَةٍ (٣) أَنْ يَفْعَلَهْ فَإِنْ أَبَى فَجَازَ أَنْ لاَ يُكْمِلَهْ
٦٣٨ - أَمَّا إِذَا قُطِّعَ فِي الأبوابِ فَهْوَ إلى الْجَوَازِ ذُو اقْتِرَابِ
(وَحَذفَ بَعْضِ المَتْنِ) أي: الحَدِيْثِ، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بالمُثْبَتِ تَعَلُّقًا يُخِلُّ حَذْفُهُ بالمَعْنَى (فَامْنَعْ) مُطْلَقًا؛ لأنَّ رِوَايةَ الحَدِيْثِ نَاقِصًا تَقْطَعُهُ وتُغَيِّرُهُ عَنْ وَجْهِهِ (٤).
(أوْ أجِزْ) هُ مُطْلَقًا إنِ انْتَفَى التَّعَلُّقُ المَذْكُورُ، وإلاَّ فلاَ يَجُوزُ بِلاَ خِلاَفٍ (٥).
_________________
(١) أشار ناسخ (ع) إلى أن في نسخة: «مال».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٨.
(٣) في النفائس وفتح المغيث: «من تهمة»، وما أثبتناه من جميع النسخ والألفية وشروحها.
(٤) قلنا: فإن كان الإسقاط للشك في الحديث، فقد سوّغ ابن كثير والبلقيني ذلك، ونقل عن مالك وغيره. انظر: شرح النووي على صحيح مُسلم ١/ ٤٩، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤٠٦، ومحاسن الاصطلاح: ٣٣٧، وفتح المغيث ٢/ ٢١٩.
(٥) وبه جزم أبو بكر الصيرفي وغيره. انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٦٠، وشرح التبصرة ٢/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٧٥ ]
(أوْ) أجِزْهُ (إنْ أُتِمَّ) - بِضَمِّ أوَّلِهِ - إيْرَادُ الحَدِيْثِ مِنْهُ، أوْ مِنْ غَيْرِهِ مَرَّةً أُخْرى لِيُؤْمَنَ بِذَلِكَ مِنْ تَفْوِيْتِ حُكْمٍ أوْ نَحْوِهِ، وإلاَّ فَلاَ، وإنْ جَوَّزَ قَائِلُهُ الرِّوَايَةَ بالمَعْنَى، كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (١)، وغَيْرُهُ (٢).
(أوْ) أجِزْهُ (لِعَالِمٍ) عَارِفٍ - وإنْ لَمْ يُجِزِ الرِّوَايَةَ بالمَعْنَى - لا لِغَيْرِهِ.
فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أقْوَالٍ (٣).
(ومِزْ) أي: مَيِّزْ (ذَا) القَوْلَ الرَّابِعَ - وهوَ مَا عَلَيْهِ الجُمْهُوْرُ - عَنِ البَقِيَّةِ بِوَصْفِهِ (بالصَّحِيْحِ إنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهْ) بالحَذْفِ مِنَ المَتْنِ (مُنْفَصِلًا عَنِ) القَدَرِ (الَّذِي قَدْ ذَكَرَهْ) مِنْهُ، أي: غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بهِ تَعَلُّقًا يُخِلُّ حَذْفُهُ بالمَعْنَى؛ لأنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ.
أمَّا إذَا تَعَلَّقَ بهِ التَّعَلُّقَ المذْكُورَ، كالاسْتِثْنَاءِ، والغَايَةِ، والحَالِ، كَقَوْلِهِ - ﷺ -: «لاَ يُبَاعُ الذَّهَبُ بالذَّهَبِ إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (٤)، فَلاَ يَجُوزُ حَذْفُهُ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُ: (أوْ لِعَالِمٍ) إلى آخِرِهِ، قَالَ شَيْخُنَا: «يَنْبَغِي أنْ لاَ يَكُونَ قَوْلًا برَأْسِهِ، بلْ يُجْعَلُ شَرْطًا لِمَنْ أجَازَ، فإنَّ مَنْعَ غَيْرِ العَالِمِ مِنْ ذَلِكَ لا يُخَالِفُ فِيْهِ أحَدٌ» (٥).
هَذَا كُلُّهُ في غَيْرِ المُتَّهَمِ. أمَّا المُتَّهَمُ فَيُمْنَعُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ:
(ومَا لِذِي) أي: لِصَاحِبِ خَوْفٍ مِنْ تَطَرُّقِ (تُهْمَةٍ) إِلَيْهِ بالحَذْفِ (أنْ يَفْعَلَهْ) سَوَاءٌ رَوَاهُ ابْتِدَاءً ناقِصًا أمْ تَامًّا؛ لأنَّهُ إنْ رَوَاهُ تَامًّا بَعْدَ أنْ رَوَاهُ نَاقِصًا اتُّهِمَ بِزِيَادةِ مَا لَمْ
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٨.
(٢) انظر: الكفاية: (٢٩٠ ت، ١٩٠ هـ)، والبحر المحيط ٤/ ٣٦١.
(٣) انظر: الكفاية: (٢٨٩ - ٢٩٠ ت، ١٩٠ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٦٩.
(٤) رواهُ الطيالسي (٢١٨١)، وعبد الرزاق (١٤٥٤٦)، والحميدي (٧٤٤)، وأحمد ٣/ ٩ و٤٧، ومسلم ٥/ ٤٢ (١٥٨٤) (٧٧)، والطحاوي في شرح المشكل (٦١٠٧)، وفي شرح المعاني ٤/ ٦٧.
(٥) انظر: نزهة النظر: ١٢٨ - ١٢٩، ونسبه إلى الأكثرين.
[ ٢ / ٧٦ ]
يَسْمَعْهُ، أوْ بالعَكْسِ اتُّهِمَ بِنِسْيَانِهِ لِقِلَّةِ حِفْظِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ (١) أنْ يَرْوِيَهُ تَامًّا؛ لِيَنْفِيَ هَذِهِ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ (٢).
(فإنْ أبَى) أي: خَالَفَ، ورَوَاهُ ناقِصًا فَقَطْ، (فَجَازَ) لِهَذَا العُذْرِ (٣)، أعْنِي خَوْفَ اتِّهَامِ الزِّيَادةِ (أنْ لاَ يُكْمِلَهْ) بَعْدَ ذَلِكَ، ويَكْتُمَ الزِّيَادةَ.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «مَنْ كانَ هَذَا حَالَهُ، فَلَيْسَ لهُ أنْ يَرْوِيَ الحَدِيْثَ نَاقِصًا، إنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أدَاءُ تَمَامِهِ؛ لأنَّهُ إذا رَوَاهُ أوَّلًا نَاقِصًا أَخْرَجَ بَاقِيَهِ عَنِ حَيِّزِ الاحْتِجَاجِ بهِ، ودَارَ بَيْنَ أنْ لاَ يَرْوِيَهُ أصْلًا؛ فَيُضَيِّعَهُ رأْسًا، وبَيْنَ أنْ يَرْوِيَهُ مُتَّهَمًا فِيْهِ بالزِّيَادَةِ؛ فَيُضَيِّعَ ثَمَرَتَهُ لِسُقُوطِ الحُجَّةِ فِيْهِ» (٤).
هَذَا كُلُّهُ إذا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الحَدِيْثِ في الرِّوَايَةِ، (أمَّا إذَا قُطِّعَ) الحَدِيْثُ الواحِدُ المُشْتَمِلُ عَلَى أحكَامٍ (في الأبْوَابِ) بِحَسبِ الاحْتِجَاجِ بهِ عَلَى مَسْأَلَةٍ مَسْأَلَةٍ (فَهْوَ إلى الجَوَازِ ذُو اقْتِرَابِ) أي: أقْرَبُ، ومِنَ المَنْعِ أبْعَدُ.
وقَدْ فَعَلَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ: مَالِكٌ، وأَحْمَدُ، والبُخَارِيُّ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وغَيْرُهُمْ (٥)، وحَكَى الخَلاَّلُ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لاَ يُفْعَلَ (٦). قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ:
«ولاَ يَخْلُو مِنَ كَرَاهِيَةٍ» (٧).
_________________
(١) لم ترد في (ق).
(٢) انظر: الكفاية: (٢٩٣ ت، ١٩٣ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٩.
(٣) ساقطة من (ق).
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٩.
(٥) انظر: الكفاية: (٢٩٤ - ٢٩٥ ت، ١٩٣ - ١٩٤ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٣٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٦٩.
(٦) انظر: الكفاية: (٢٩٥ ت، ١٩٤ هـ).
(٧) نازع النووي ابن الصّلاح فقال: «وما أظنه يوافق عليه». التقريب: ١٣٥. وقال السخاوي: «وصرح الرشيد العطار بالخلاف فيه، وأن المنع ظاهر صنيع مُسلم فإنه لكونه لم يقصد ما قصده البخاري من استنباط الأحكام يورد الحديث بتمامه من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه مثل حديث فُلان أو نحوه». فتح المغيث ٢/ ٢٢٣.
[ ٢ / ٧٧ ]
التَّسْمِيْعُ بِقِرَاءَةِ اللَّحَّاْنِ، وَالْمُصَحِّفِ
(التَّسْمِيْعُ) أي: هَذَا حُكْمُ سَمَاعِ الشَّيْخِ، (بِقِرَاءةِ اللَّحَّانِ والمُصَحِّفِ) والمُحَرِّفِ، مَعَ الحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ النَّحْوِ، وعَلَى الأخْذِ مِنْ أَفْوَاهِ الشُّيُوخِ.
واللَّحْنُ: الخَطَأُ في الإعْرَابِ.
والتَّصْحِيْفُ: الخَطَأُ في الحُرُوْفِ، بالنُّقَطِ، كَإبْدَالِ الزايِ في «البَزَّاز» (١) رَاءً.
والتَّحْرِيْفُ: الخَطَأُ (٢) فِيْهَا بالشَّكْلِ، كَقِرَاءةِ «حَجَر» - مُحَرَّكٌ أوَّلُهُ وثَانِيْهِ - بتَحْرِيْكِ أوَّلِهِ وإسْكَانِ ثَانِيْهِ.
٦٣٩ - وَلْيَحْذَرِ اللَّحَّانَ وَالْمُصَحِّفَا عَلَى حَدِيْثِهِ بِأَنْ يُحَرِّفَا
٦٤٠ - فَيَدْخُلاَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ كَذَبَا فَحَقٌّ النَّحْوُ عَلَى مَنْ طَلَبَا
٦٤١ - وَالأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لاَ الْكُتُبِ أَدْفَعُ لِلتَّصْحِيْفِ فَاسْمَعْ وَادْأَبِ
(وَلْيَحْذَرِ) الشَّيْخُ الطَّالِبَ (اللَّحَّانَ) أي: كَثِيْرَ اللَّحْنِ في الأحَادِيْثِ، (وَالْمُصَحِّفَا)، والمُحَرِّفَ فِيْهَا، أي: لِيَحْتَرِزْ مِنْهُمْ، (عَلَى) بمَعْنَى: «في» (حَدِيْثِهِ)، وهذا تَنَازُعُهُ يُحْذَرُ. واللَّحَّانُ والمُصَحِّفُ (بِأَنْ يُحَرِّفَا) أي: بِسَبَبِ تَحْرِيْفِهِ مَثَلًا؛ (فَيَدْخُلا) أي: الشَّيْخُ والطَّالِبُ، أو، أي: الشَّيْخُ المفْهُومُ مِنْهُ الطَّالِبُ بالأولَى، (في) جُمْلَةِ (قَوْلِهِ) - ﷺ -: (مَنْ كَذَبَا) عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٣).
لأنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ ولَحَنْتَ فِيْهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ.
(فَحَقٌّ النَّحْوُ) واللُّغَةُ، أي: واجِبٌ تَعَلُّمُهما (٤) (عَلَى مَنْ طَلَبَا) الحَدِيْثَ، بأنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَتَخَلَّصُ بهِ منْ شَيْنِ اللَّحْنِ وأخَوَيْهِ ومَعَرَّتِهَا (٥)؛ لأنَّ ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ لِحِفظِ الشَّرِيْعَةِ، وهوَ واجِبٌ، ومُقَدِّمَةُ الواجِبِ واجِبَةٌ.
_________________
(١) في (م) و(ق) و(ص): «البزار»، والصواب كَمَا أثبتناه من (ع)، والله أعلم.
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (م): «تعلمها».
(٥) من معاني المعرة: الجناية، والمسبة، والإثم، والأمر القبيح والمكروه. انظر: تاج العروس ١٣/ ٥ - ٢٠.
[ ٢ / ٧٨ ]
وقَالَ الشَّعْبِيُّ: «النَّحْوُ في العِلْمِ، كَالمِلْحِ في الطَّعَامِ، لاَ يَسْتَغْنِي شَيءٌ عَنْهُ» (١).
وعَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ: «مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الحَدِيْثَ، ولاَ يَعْرِفُ النَّحْوَ، مَثَلُ حِمَارٍ عَلَيْهِ مِخْلاَةٌ لاَ شَعِيْرَ فِيْهَا» (٢).
(والأَخْذُ) لِلأَلْفَاظِ (مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) أي: العُلَمَاءِ بِهَا، (لا) مِنَ (الكُتُبِ) مِنْ غَيْرِ تَدْرِيبِ المَشَايخِ (أَدْفَعُ للتَّصْحِيْفِ) وأَخَوَيْهِ (فَاسْمَعْ) مِنِّي ذَلِكَ، (وَادْأَبِ) أي: جِدَّ، واتْعَبْ في أَخْذِهِ مِنَ المُتْقِنِيْنَ المُتَّقِيْنَ العَارِفِيْنَ، لا المدَّعِيْنَ الخَاسِرِيْنَ الخَائِبِيْنَ (٣).
إِصْلاَحُ اللَّحْنِ، وَالْخَطَأِ
الوَاقِعَيْنِ في الرِّوَايَةِ مَعَ مَا يَأْتِي:
٦٤٢ - وَإِنْ أَتَى فِي الأَصْلِ لَحْنٌ أَوْ خَطَا (٤) فَقِيْلَ: يُرْوَى كَيْفَ جَاءَ غَلَطَا
٦٤٣ - وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِيْنَ يُصْلَحُ وَيُقْرَأُ الصَّوَابُ وَهْوَ الأَرْجَحُ
٦٤٤ - فِي اللَّحْنِ لاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ وَصَوَّبُوْا الإِبْقَاءَ مَعْ (٥) تَضْبِيْبِهِ
٦٤٥ - وَيُذْكَرُ الصَّوَابُ جَانِبًا كَذَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوْخِ نَقْلًا أُخِذَا
٦٤٦ - وَالْبَدْءُ بِالصَّوَابِ أَوْلَى وَأَسَدْ وَأَصْلَحُ الإِصْلاَحِ مِنْ مَتْنٍ وَرَدْ
(وإنْ أَتَى في الأَصْلِ)، أو نَحْوِهِ (لَحْنٌ) في إعْرَابٍ، (أو خَطَأٌ) بِتَصْحِيْفٍ، أو تَحْرِيْفٍ؛ فَقَدِ اخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ.
_________________
(١) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٨ (١٠٨٠).
(٢) أسنده الخطيب في الجامع ٢/ ٢٦ (١٠٧٤).
(٣) من قوله: «العارفين » إلى هنا لم يرد في (ص). قال ابن الصّلاح: «وأما التصحيف فسبيل السلامة منهُ، الأخذ من أفواه أهل العلم والضبط، فإن من حرم ذلك وكان أخذه وتعلمه من بطون الكتب كان من شأنه التحريف، ولم يفلت من التبديل والتصحيف». معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨١.
(٤) في (ب): «خطي».
(٥) بتسكين العين؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ٧٩ ]
(فَقِيْلَ): إنَّهُ (يُرْوَى كَيْفَ جَاءَ غَلَطا) - بنَصْبِهِ تَمْيِيزًا، أو حالًا -، أي: كَيْفَ جَاءَ غَلَطُهُ بِلَحْنٍ (١)، أو غَيْرِهِ عَمَلًا بِمَا سَمِعَ (٢).
وقِيْلَ: لاَ يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ أصْلًا. واخْتَارَهُ ابنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لأنَّهُ إنْ تَبِعَهُ فِيْهِ، فالنَّبِيُّ - ﷺ - لَمْ يَقُلْهُ، وإنْ أَوْرَدَهُ عَنْهُ عَلَى الصَّوابِ، فهوَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ كَذَلِكَ (٣).
وشَبَّهَ بِمَا لَوْ وَكَّلَهُ في بَيْعٍ فَاسِدٍ، فإنَّهُ لاَ يَسْتَفِيْدُ الفَاسِدُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ، ولا الصَّحِيْحُ؛ لأنَّ المَالِكَ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ.
(ومَذْهَبُ المُحَصِّلِيْنَ) مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيْثِ (٤): أنَّهُ (يُصْلَحُ، ويُقْرَأُ الصَّوابُ) مِنْ أَوَّلِ الأمْرِ، وظَاهِرُهُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُغَيِّرِ للْمَعْنَى وغَيْرِهِ (٥).
(وَهْوَ) أي: الإصلاحُ (الأرْجَحُ) أي: الأولى (في اللَّحْنِ) الذِي (لاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ)، أما الَّذِي يختلفُ الْمَعْنَى (٦) بِهِ، فيحتمِلُ أنْ يُصْلَحَ عِنْدَ الْمحصِّلينَ جزمًا، وأنْ لا يَكُوْنَ الأولى عِنْدَهم إصلاحهُ.
_________________
(١) في (م): «للحن».
(٢) وهو ما ذهب إليه مُحمّد بن سيرين وعبد الله بن سخبرة. انظر: العلم لأبي خيثمة (١٣٤)، والمحدث الفاصل: ٥٣٨ عقب (٧٠١)، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٢ (١٠٥٦)، والكفاية: (١٨٦ هـ، ٢٨٥ ت)، وجامع بيان العلم ١/ ٨٠.
(٣) نقل مذهب العز بن عبد السلام تلميذه ابن دقيق العيد. انظر: الاقتراح: ٢٩٤. قال السخاوي: «قال المصنف: ولم أر ذلك لغير العز، واستحسنه بعض المتأخرين». فتح المغيث ٢/ ٢٣٢ وسبقه التقي ابن دقيق العيد. الاقتراح: ٢٩٤.
(٤) منهم: الأوزاعي وابن المبارك. وبه قال الأعمش والشّعبي، وحماد بن سلمة، وابن معين، وأحمد بن صالح، والحسن بن مُحمّد الزعفراني، وابن المديني. انظر مذاهبهم في المحدث الفاصل: ٥٢٤ فقرة (٦٦٣)، والكفاية: (٢٩٥ - ٣٠٠ ت، ١٩٤ - ١٩٧ هـ)، والجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٣ رقم (١٠٦٠) و(١٠٦١)، وجامع بيان العلم ١/ ٨١.
(٥) وهناك قول رابع أهمله المصنف، حكاه الزركشي في نكته ٣/ ٦٢٢ عن القابسي أنه نقل عن شيخه أبي الحسن مُحمّد بن هاشم البصري سؤاله لأبي عمران النسوي عن اللحن يوجد في الحديث؟ فَقَالَ: «إن كَانَ شيئًا يقوله العرب -وَلَوْ كَانَ في غَيْر لغة قريش- فَلاَ يُغير؛ لأن النّبيّ - ﷺ - كان يكلّم الناس بلسانهم وإن كان ممّا لا يوجد في كلام العرب فرسول الله - ﷺ - لا يلحن»، واختاره ابن حزم. انظر: إحكام الأحكام ٢/ ٨٩.
(٦) ساقطة من (ص).
[ ٢ / ٨٠ ]
والثاني أوفقُ بكلامِهِ في شرحِهِ (١).
(وَ) قَدْ (صَوَّبُوا) أي: أكثرُ الشُّيوخِ (الإبْقاءَ) لِذَلِكَ في الكُتُبِ مِن غَيْرِ إصْلاحٍ (مَعْ) بالإسْكانِ (تَضْبِيبِهِ) أي: التَّضْبِيبِ عَلَيْهِ مِنَ العارِفِ بِالْعَلامَةِ الْمنبِّهةِ عَلَى خَلَلِهِ، (وَيُذْكَرُ) مَعَ ذَلِكَ (الصَّوابُ) الذِي ظَهَرَ (جَانِبًا) أي: بِجَانِبِ اللَّفْظِ الْمُخْتَلِّ عَلَى هَامِشِ الكِتَابِ.
(كَذَا عَنْ أكْثَرِ الشُّيوخِ، نَقْلًا) لِلْقَاضِي عِيَاض عَنْهُمْ (٢) (أُخِذا) مِمَّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُهُمْ، فَيَكْتُبُ الرَّاوِي عَلَى الْحَاشِيةِ: كَذَا قَالَ، وَالصَّوابُ كَذَا.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «فإنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَأَنْفى لِلْمفْسَدَةِ» (٣).
أي: لِما فِيْهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَينِ، ونفي التَّسْويدِ عَن الْكِتَابِ.
قَالَ: «والأولى سَدُّ بابِ التغييرِ، والإصْلاحِ، لِئلا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَن لا يحسنُ، وَهُوَ أَسْلَمُ مَعَ التبيينِ، فيذكرَ ذَلِكَ عِنْدَ السَّمَاعِ، كَمَا وقعَ، ثُمَّ يذكرُ وجهَ صَوابِهِ» (٤).
(وَالْبَدْءُ (٥) بِالصَّوابِ) أي: بَقراءتِهِ، ثُمَّ التَّنْبيهِ عَلَى مَا وَقَعَ في الرِّوَايَةِ (أَوْلَى وأسَدْ) - بِالمهملةِ -، أي: أقْوَى وأَقْوَمُ (٦) مِن بدْئِهِ بالْخَطأِ الْمذكورِ آنفًا، كَيلا (٧) يتقوَّلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَمْ يَقُلْهُ.
(وَأصْلَحُ الإصْلاحِ) أي: أحْسَنُ مَا يعتمدُ عَلَيْهِ في الإصْلاحِ، أنْ يَكُوْنَ ما أُصلِحَ بِهِ الْخَطأُ مَأخُوذًا (مِنْ مَتْنٍ) آخرَ (وَرَدْ) مِن طريقٍ أُخْرى؛ لأنَّهُ بِذَلِكَ أَمِنَ مِنْ أن يَكُوْنَ متقوِّلًا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَمْ يَقُلْهُ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧٥.
(٢) انظر: الإلماع: ١٨٥ - ١٨٦. قال ابن فارس: «وهذا أحسن ما سمعت في هذا الباب» شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٧٧. قال الميانشي: «وصوب بعض المشايخ هذا، وأنا استحسنه وآخذ به». ما لا يسع المحدث جهله: ٨ ط السامرائي.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٢.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٤.
(٥) في (م): «البدأ».
(٦) في (ص): «أي أقوم» وفي (ع): «أي أقوى» وما أثبتناه من (ق) و(م).
(٧) في (ع): «لئلا».
[ ٢ / ٨١ ]
هَذَا كلُّهُ في الخطإِ بلحنٍ، أَوْ تَصْحِيفٍ.
٦٤٧ - وَلْيَأْتِ فِي الأَصْلِ بِمَا لاَ يَكْثُرُ كَابْنٍ وَحَرْفٍ حَيْثُ لاَ يُغَيِّرُ
٦٤٨ - وَالسَّقْطُ يُدْرَى (١) أَنَّ مِنْ فَوْقُ أَتَى بِهِ يُزَادُ بَعْدَ يَعْنِي مُثْبَتَا
٦٤٩ - وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ
٦٥٠ - صِحَّتَهُ مِنْ بَعْضِ مَتْنٍ أَوْ سَنَدْ كَمَا إذَا ثَبَّتَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
٦٥١ - وَحَسَّنُوا الْبَيَانَ كَالْمُسْتَشْكِلِ كَلِمَةً فِي أَصْلِهِ (٢) فَلْيَسْأَلِ
أما الخَطَأُ بسقطٍ يسيرٍ، فَهُوَ ما ذكرَهُ بقولِهِ:
(وَلْيأتِ) الرَّاوِي (في الأصْلِ)، أَوْ نحوِهِ رِوَايَةً وإلْحَاقًا (بِمَا لاَ
يَكْثُرُ) مِمَّا هُوَ معْرُوفٌ لِلْمُحَدِّثِيْنَ (كابْنٍ)، وأبي: مِن ابنِ جُريجٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ - مثلًا - إِذَا غلبَ عَلَى ظَنِّهِ أنَّهُ مِن الكَاتِبِ، لا مِن شَيْخِهِ.
(وَ) مثلُ (حَرْفٍ، حَيْثُ لا يُغَيِّرُ) سُقوطه المعنى، فَلاَ بأسَ بِرِوَايَةِ ذَلِكَ وإلْحَاقِهِ مِن غَيْرِ تَنْبِيهٍ عَلَى سُقوطِهِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإمَامَانِ مَالِكٌ، وأحْمَدُ، وغيرُهُمَا (٣).
(والسَّقْطُ) أي: السَّاقِطُ مِن بَعْضِ الْمُتأخِّرينَ مِن الرُّوَاةِ مِمَّا (يُدْرَى أَنَّ مِن فوقُ) أي: من فوقه من الرُّوَاةِ (أتَى بِهِ، يُزَاْدُ) أَيْضًا في الأصْلِ، أَوْ نحوِهِ لَكِنْ (بَعْدَ) لفظِ: (يَعْني)، حالةَ كونِهِ (مُثْبَتَا) كتابةً.
كَمَا فعلَهُ جَمعٌ، مِنْهُمْ: الْخَطيبُ، فَقَدْ رَوَى حَدِيْثَ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُدْنِيْ إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ» (٤)، عَنْ أَبِي عمرَ بنِ مهديٍّ، عَنْ الْمَحَامِليِّ، بِسَنَدِهِ إِلَى عروةَ، عَنْ عمرةَ، فَقَالَ: يَعْنِي: عَنْ عَائِشَةَ.
_________________
(١) كذا في (ج) و(فتح المغيث) و(النفائس) وجميع نسخ شرح الألفية، وفي (أ) و(ب): «يدري»، والأولى ما أثبت.
(٢) في (النفائس) «أصلٍ».
(٣) انظر: جامع بيان العلم وفضله ١/ ٨١، والكفاية: (٣٦٨ - ٣٧٢ ت، ٢٥٠ - ٢٥٣ هـ).
(٤) الحديث أخرجه مالك (٨٦٦) رواية الليثي، وأحمد ٦/ ١٠٤ و٢٦٢، ومسلم ١/ ١٦٧ (٢٩٧) (٦)، وأبو داود (٢٤٦٧)، والنسائي في الكبرى (٣٣٧٤)، والبيهقيّ ٤/ ٣١٥، وابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٣١٦ و٣١٧، والبغوي (١٨٣٦).
[ ٢ / ٨٢ ]
وَنبَّهَ عقبه عَلَى أنَّ ذِكرَ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ في أصْلِ شَيْخِهِ مَعَ ثُبوتِهِ عِنْدَ الْمَحَامِليِّ، وَأنَّهُ لِكونِهِ لاَبُدَّ مِنْهُ ألْحقَهُ، وَلكونِ شيخِهِ لَمْ يَقُلْهُ لَهُ زادَ: «يَعْني» (١).
(و) كَذَا (صَحَّحُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (اسْتِدْرَاكَ) أي: جوازَ استدراكِ الرَّاوِي (مَا دَرَسَ في كِتابِهِ)، بنحو تقطيعٍ، أَوْ بللٍ (من) كتابِ (غيرِهِ إِنْ يَعرِفَ) الرَّاوِي (صحتَهُ) أي: ذَلِكَ الكِتَاب: بأنْ وثق بصاحِبِهِ، كَأنْ أخذَهُ عَنْ شيخِهِ، وَهُوَ ثِقةٌ، كَمَا فعلَهُ (٢) نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ (٣)، وغيرُهُ، حَيْثُ كَانَ السَّاقِطُ (مِن بَعْضِ مَتْنٍ، أَوْ سندْ)، فاستِدْراك ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهورِ.
(كَمَا) يجوزُ فِيْمَا (إِذَا) شكَّ الرَّاوِي في شيءٍ و(ثَبَّتَهُ) فِيْهِ (مَنْ يُعْتَمدْ) عَلَيْهِ ثقةً وَضَبْطًا من حفظِهِ أَوْ كتابِهِ، كَمَا روي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وغيرِهِ (٤).
(وَحَسَّنُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ فِيْهِمَا لِلرَّاوِي، (البيانَ) لِذَلِكَ الكِتَابِ، وللمثبتِ، وإنْ لَمْ يعيِّنْهُ، كقولِ يزيدَ بنِ هَارُوْنَ: أَخْبَرَنَا عَاصمٌ، وثبتني فِيْهِ شُعْبَةُ (٥).
وكقولِ البُخَارِيِّ: عقب حَدِيْثٍ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بنِ يونسَ: قَالَ أَحْمَدُ: «أفهمنِي رجلٌ إسْنَادَهُ» (٦). وكقولِ أَبِي دَاوُدَ في " سُنَنهِ " (٧) عقِبَ حَدِيْثٍ: «ثبتني في شيءٍ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنا».
_________________
(١) انظر: الكفاية: (٣٧١ - ٣٧٢ ت، ٢٥٣ هـ).
(٢) في (ع): «فعل».
(٣) رواهُ الخطيب في الكفاية: (٣٧٣ ت، ٢٥٤ هـ).
(٤) انظر: الكفاية: (٣٢٤ - ٣٢٥ ت، ٢١٦ - ٢١٧ هـ).
(٥) عند عبد بن حميد (٥١٠) عن يزيد بن هارون؟، عن عاصم. وعند الدارمي (٢٦٧٥) عن يزيد بن هارون؟، عن شعبة؟، عن عاصم. والحديث صحيح له طرق عن عاصم أخرجه أحمد ٥/ ٢ و٨٣؟، وعبد بن حميد (٥١١)، ومسلم ٤/ ١٠٥ (١٣٤٣) (٤٢٧)، وابن ماجه (٣٨٨٨)، والترمذي (٣٤٣٩)؟والنسائي ٨/ ٢٧٢؟، وفي الكبرى (١٠٣٣٣) وفي عمل اليوم والليلة (٤٩٩)؟، وابن خزيمة (٢٥٣٣)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٢٢.
(٦) صحيح البُخاريّ ٨/ ٢١ (٦٠٥٧).
(٧) ١/ ٢٨٧ (١٠٩٦).
[ ٢ / ٨٣ ]
وهذا (كالْمُسْتَشْكِلِ كَلِمةً) مِن غَريبِ العَربيَّةِ، أَوْ غَيرِها وجدَها (في أصْلِهِ) غَيْرَ مقيَّدةٍ، (فَلْيَسْأَلِ) (١) أي: فإنه يسألُ عَنْهَا العالِمينَ بِهَا، ويرويها عَلَى مَا أخبروهُ بِهِ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الإمامِ أَحْمَدَ وغيرِهِ (٢).
اخْتِلاَفُ أَلْفَاْظِ الشُّيُوْخِ
(اخْتِلافُ أَلْفَاْظِ الشُّيُوْخِ) في مَتْنٍ، أَوْ كتابٍ، والمعنى واحدٌ، وَقَدْ بدأ بالقسمِ الأوَّلِ، فَقَالَ:
٦٥٢ - وَحَيْثُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ سَمِعْ مَتْنًا بِمَعْنَى لاَ بِلَفْظٍ فَقَنِعْ
٦٥٣ - بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَسَمَّى الْكُلَّ: صَحّْ عِنْدَ مُجِيْزِي النَّقْلِ مَعْنىً وَرَجَحْ
٦٥٤ - بَيَانُهُ مَعْ قالَ أَوْ مَعْ قالاَ وَمَا بِبَعْضِ ذَا وَذَا وَقالاَ:
٦٥٥ - اقْتَرَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ لَمْ يَقُلِ: صَحَّ لَهُمْ وَالْكُتْبُ إِنْ تُقَابَلِ
٦٥٦ - بِأَصْلِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِهِ فَهَلْ يُسْمِي (٣) الجَمِيْعَ مَعْ بَيَانِهِ؟ احْتَمَلْ
(وَحَيْثُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ) اثنينِ، فأكثرَ (سَمِعْ) أي: الرَّاوِي (مَتْنًا) أي: حديثًا (بِمَعْنَى) واحِدٍ اتَّفَقوا عَلَيْهِ، (لا بِلَفْظٍ) واحِدٍ، بَلْ (٤) اختلفوا فِيْهِ، (فَقَنِعْ) حِيْنَ أَوْرَدَهُ (بِلَفظِ) شَيْخٍ (واحِدٍ) مِنْهُمْ، (وسَمَّى) مَعَهُ (الكُلَّ) حَمْلًا لألفاظِ غَيرِهِ عَلَى لَفْظِهِ، كَأَنْ يَقُوْلَ فِيْمَا يَكُوْنُ فِيْهِ اللفظُ لأبِي بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ مثنَّى (٥)، ومُحَمَّدُ بنُ بشارٍ، قالوا: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ.
_________________
(١) في (م): «فيسأل».
(٢) انظر: الكفاية: (٣٧٤ - ٣٧٧ ت، ٢٥٥ - ٢٥٧ هـ).
(٣) بتسكين السين؛ لضرورة الوزن.
(٤) ساقطة من (ع).
(٥) في (ع): «المثنى».
[ ٢ / ٨٤ ]
(صَحّْ) ذَلِكَ (عِنْدَ مُجِيْزِي النَّقْلِ مَعْنًى) أي: بِالْمَعْنَى، وَهُمْ الْجُمْهُوْرُ، كَمَا مَرَّ سواءٌ أبيَّنَ (١) ذَلِكَ، أم لا.
وَمِمَّنْ فَعَلَهُ: حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ (٢).
(و) لَكِنْ (رَجَحْ) عِنْدَهُم (بَيانُهُ) أي: هُوَ أحسَنُ، بأَنْ يعيِّنَ صَاحِبَ اللفظِ الَّذِي أتى بِهِ، كأنْ يَقُوْلَ في الْمِثالِ السَّابِقِ: واللّفْظُ لأبي بكر بنِ أَبِي شَيْبَةَ، لِلْخُروجِ مِن خِلافِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.
وَبَيَانُهُ (٣) ذَلِكَ يَكُوْنُ (مَعْ) إفراد (قَالَ، أَوْ مَعْ) بإسْكانِ الْعَينِ فِيْهِمَا (قَالاَ).
«أَوْ» إما للتخْييرِ - وجرى عَلَيْهِ النَّاظِمُ (٤) كابنِ الصَّلاَحِ (٥) - فيقولُ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ وفُلانٌ، واللفْظُ لِفُلانٍ، قَالَ، أَوْ قَالا: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ.
أَوْ لِلتَّنويعِ - وَهُوَ الأَولَى - لأنَّهُ في مقامِ بيانِ ما ذُكِرَ فيقول: «قَالَ» إنْ أخذَهُ عَنْ شَيخٍ، كَمَا في الْمِثالِ الْمَذْكورِ، أَوْ «قَالاَ» إنْ أخذَهُ عَنْ شَيْخَينِ، أَوْ «قَالوا» إنْ أخذَهُ عَنْ أكثرَ. كأنْ يَقُوْلَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ (٦)، واللَّفْظُ لِفُلانٍ وفُلاَنٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ، أَوْ (٧) واللَّفْظُ لفلانٍ وفلانٍ وفلانٍ قالوا: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ.
واستُحْسِنَ لِمُسْلِمٍ قولُهُ: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيبةَ، وأبو سَعيدٍ الأشجُّ كِلاهُما عَنْ أَبِي خَالدٍ، قَالَ أَبُو بكرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خالدٍ الأحمرُ» (٨).
_________________
(١) في (ع): «بيّن». وهو خطأ نحوي.
(٢) قال الخليلي: «ذاكرت يومًا بعض الحفاظ فقلت: البخاريّ لم يخرج حمّاد بن سلمة في الصّحيح. وهو زاهد ثقة؟! فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدّثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في ذلك». الإرشاد ١/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٣) في (ع) و(م): «وبيان».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٢.
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٨.
(٦) «فلان وفلان» الأخيرتين، ساقطة من (م).
(٧) لم ترد في (ع).
(٨) صحيح مسلم ٢/ ١٣٣ طبعة إستانبول، و١/ ٤٦٥ (٦٧٣) طبعة محمد فؤاد.
[ ٢ / ٨٥ ]
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «فإعادتُهُ ثانيًا ذكرَ أحدِهِما خاصةً فِيْهَا إشْعارٌ بأنَّ اللفظَ المذكور لَهُ» (١).
قَالَ النَّاظِمُ: «وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بإعادتِهِ بَيانَ التَّصْرِيحِ فِيْهِ بِالتَّحْدِيثِ، وأنَّ الأشجَّ لَمْ يصرِّحْ بِهِ» (٢).
(وَمَا) أتَى فِيْهِ الرَّاوِي (بِبعضِ) لفظِ (ذَا) أي: أحدِ الشَّيخينِ (و) بَعْضِ لَفْظِ (ذَا) أي: الآخرِ مِمَّا اتَّحَدَ فِيْهِ الْمَعْنَى، (وَقَالاَ) أي: وَقَالَ الرَّاوِي: (اقْتَرَبا) أي: الشَّيخانِ، أَوْ تَقَارَبا (في اللَّفْظِ)، أَوْ قَالَ: والمعنى واحدٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
(أَوْ لَمْ يَقُلِ) شَيْئًا مِن ذَلِكَ (صَحَّ) أَيْضًا (لَهُمْ) أي: لِمُجيزِي النَّقْلِ بالمعنى.
والأحسنُ أَيْضًا الْبَيَانُ، فَقَدْ عِيبَ بتركِهِ البُخَارِيُّ، وغيرُهُ، فِيْمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٣). ثُمَّ ثَنَى بالْقِسْمِ الثَّانِي، فَقَالَ:
(والكُتْبُ) - بإسْكانِ التَّاءِ - الْمَسْمُوعةُ لِلرَّاوِي مِنْ شَيْخَينِ فأكثرَ (إِنْ تُقَابَلِ بأصْلِ شَيْخٍ) واحِدٍ (مِنْ شُيُوخِهِ) دُوْنَ مَنْ سِواهُ، (فَهَلْ يُسْمِي) - بإسْكانِ السِّينِ - عِنْدَ روايتِهِ لتلكَ الكُتُبِ (الْجَمِيْعَ) أي: جَمِيْع شيوخِهِ (مَعْ) - بالإسْكان - (بَيَانهِ) أَنَّ اللفظَ لِفلانِ الَّذِي قابَلَ بأصْلِهِ؟
(احْتَمَلْ) الْجَواز، كالأوَّلِ، وَهُوَ الظَّاهرُ؛ لأنَّ ما أوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بنصِّهِ مِمَّنْ ذكرَ أنَّهُ (٤) بلفظِهِ.
واحْتمَلَ عدَمَهُ؛ لأنَّهُ لا علمَ عِنْدَهُ (٥) بكيفيةِ رِوَايَةِ مَنْ سِواهُ، حَتَّى يُخبِرَ عَنْهُ، بِخِلافِهِ في الأوَّلِ، فإنَّهُ اطلعَ فِيْهِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمَعْنَى (٦).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٨.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٨٩.
(٤) في (ق): «ذكره». و(أنه) لم ترد فيها.
(٥) في (ق): «له».
(٦) قال البدر بن جماعة: «ويحتمل تفصيلًا آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز، وإن كان تفاوتها في ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط جاز». المنهل الروي: ١٠٢. وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨، ومحاسن الاصطلاح: ٣٤٥. ففيهما تفصيل يستحسن.
[ ٢ / ٨٦ ]
الزِّيَاْدَةُ فِيْ نَسَبِ الشَّيْخِ
(الزِّيَاْدَةُ) عَلَى الرِّوَايَةِ (في نَسَبِ الشَّيْخِ)، حَيْثُ لَمْ تَقَعْ فِيْهَا
أصْلًا، أَوْ وقَعَتْ في أوَّلِ الْمَروِيِّ فقط، وبدأ بالقِسْمِ الأوَّلِ، فَقَالَ:
٦٥٧ - وَالشَّيْخُ إِنْ يَأْتِ بِبَعْضِ نَسَبِ مَنْ فَوْقَهُ فَلاَ تَزِدْ وَاجْتَنِبِ
٦٥٨ - إِلاَّ بِفَصْلٍ نَحْوُ هُوْ (١) أَوْ يَعْنِي أَوْجِئْ بِأَنَّ وَانْسُبَنَّ الْمَعْنِي
٦٥٩ - أَمَّا إذا الشَّيْخُ أَتَمَّ النَّسَبَا فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ فَقَطْ فَذَهَبَا
٦٦٠ - الأَكْثَرُوْنَ لِجَوَازِ أَنْ يُتَمْ مَا بَعْدَهُ وَالْفَصْلُ أَوْلَى وَأَتَمْ
(وَالشَّيْخُ إِنْ يَأْتِ) في حَدِيْثِهِ لَكَ (٢) (بِبَعْضِ نَسَبِ مَنْ فَوْقَهُ) مِنْ شيخِهِ، أَوْ غيرِهِ (فَلاَ تَزِدْ) أَنْتَ عَلَى مَا حَدَّثَكَ بِهِ شَيْخُكَ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بقولِهِ: (واجتَنبِ) إدْراجَهُ فِيْهِ، (إلاّ بِفَصْلٍ) يميزُ الزائدَ عَنْ كَلامِ الشَّيْخِ، (نَحْوُ: هُوْ) - بإسْكانِ الواوِ - ابنُ فُلاَنٍ، (أَوْ يَعْنِي) ابنَ فُلاَنٍ، (أَوْ جِئْ) لِلفَصْلِ، (بأنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.
(وانْسُبَنَّ) بِنونِ تأكيدٍ مُشَدَّدَةٍ (الْمَعْنِي) بالزِّيادةِ، كَمَا رَوَى الْبَرْقَانِيُّ بإسْنَادِهِ (٣) إِلَى عَلِيِّ بنِ الْمَدِيْنِيِّ، قَالَ: «إِذَا حَدَّثَكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ، وَلَمْ ينسبْهُ، وأحببتَ أَنْ تَنْسِبَهُ، فَقُلْ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أنَّ فُلاَنَ بنَ فُلاَنٍ الفُلانِيَّ حَدَّثَهُ هَذَا» (٤).
ولكنْ إيْرادُهُ، كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٥) بـ «هُوَ»، أَوْ «يعني» أولى مِنْهُ بـ «أنَّ» لأنَّهُمَا أقربُ إِلَى الإشْعارِ بِحَقيقةِ الْحَالِ، وَهِيَ الإخْبارُ بأنَّ الزَّيادةَ لَيْسَتْ مِن كَلامِ
شيخِهِ، ولأنَّ «أنَّ» استعمَلَها قومٌ في الإجازةِ، كَمَا مَرَّ.
_________________
(١) بإسكان الواو في (هو)؛ لضرورة الوزن.
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) في (م): «بإسناد».
(٤) وكتاب البرقاني اسمه " اللقط " كما في معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٨٥. وقد أسنده الخطيب عن ابن المديني في الكفاية: (٣٢٣ ت، ٢١٥ هـ).
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩١ - ٣٩٢.
[ ٢ / ٨٧ ]
ثُمَّ ثَنَّى بالثَّانِي، فَقَالَ:
(أَمَّا إذَا الشَّيْخُ) الَّذِي حَدَّثَكَ (أَتَمَّ النَّسَبَا) لشيخِهِ، أَوْ مَنْ فَوْقَهُ (في أولِ الْجُزْءِ)، أَوْ الكِتَابِ، أي: في الْحَدِيْثِ الأوَّلِ مِنْهُ (فَقَطْ)، واقتَصَرَ في باقيهِ عَلَى اسْمِهِ، أَوْ بَعْضِ نسبِهِ، (فَذَهَبَا الأَكْثَرونَ) مِنَ العُلُمَاءِ (١) (لِجَوازِ أنْ يُتَمَّ مَا بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأوَّلِ، سَوَاءٌ أفصَلَ بِمَا مَرَّ في الْقِسْمِ الأوَّلِ أَمْ لا، اعتِمادًا عَلَى مَا ذَكرَهُ أوَّلًا.
(وَ) لَكِنَّ (الفَصْلُ أَوْلَى) مِنْ تَرْكِهِ، لِمَا فِيْهِ من الإفْصَاحِ بِصورَةِ الْحَالِ، (وَأَتَمْ) لِجَمْعِهِ بَيْنَ الأَمْرينِ، والفصلُ بـ «هُوَ»، أَوْ «يعني» أولى، وأَتَمُّ مِنْهُ بـ «أنَّ» لِمَا مَرَّ.
الرِّوَاْيَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إسْنَاْدُهَا وَاحِدٌ
(الرِّوَايَةُ من) أثْناءِ (النُّسَخِ التِي إسْنادُهَا واحدٌ):
٦٦١ - وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ تَجْدِيْدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ
٦٦٢ - وَالأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ وَيُذْكَرُ مَا بَعْدَهُ (٢) مَعْ وَبِهِ وَالأَكْثَرُ
٦٦٣ - جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا بِالسَّنَدْ لآِخِذٍ (٣) كَذَا وَالإِفْصَاحُ أَسَدْ
٦٦٤ - وَمَنْ يُعِيْدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ آخِرِهِ احْتَاطَ وَخُلْفًَا مَا رَفَعْ
(والنُّسَخُ التِي) مُتُونُها (بإسْنادٍ قَطُ) أي: واحدٌ، كنسخةِ همامِ بنِ منبهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةُ (٤) عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرَ، عَنْهُ (تَجْدِيدُهُ) أي: الإسْنادُ (فِي كُلِّ مَتْنٍ) مِنْهَا (أحْوطُ)، بَلْ أوجبَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَ) لَكِنْ (الأغْلبُ) مِن صَنيعِهِم (٥) (البَدْءُ بِهِ) أي: بالإسْنادِ في أوَّلِهَا أَوْ في كُلِّ مَجْلِسٍ مِن سَمَاعِها، (وَيُذْكَرُ ما بَعْدَهُ) مِنْهَا (مَعْ) قَوْلِهِ في أولِ كُلِّ مَتْنٍ مِنْهَا، (وَبِهِ) أي: وبالإسْنادِ السَّابقِ، أَوْ نحوِهِ.
_________________
(١) كما نقله عنهم الخطيب في كفايته: (٣٢٣ ت، ٢١٥ هـ).
(٢) في (النفائس): «مع بعده».
(٣) في فتح المغيث والنفائس: «لأخذ كذا ..» ولا يصح الوزن هكذا، فالصحيح ما أثبت.
(٤) في (ع): «برواية».
(٥) في (م): «صنعهم».
[ ٢ / ٨٨ ]
(والأكْثَرُ (١) جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا) مِنْهَا (بالسَّنَدْ) الْمَعْطُوفِ
عَلَيْهِ، (لآخِذٍ كَذَا) أي: جُوِّزَ ذَلِكَ لِمَنْ سَمِعَها كَذَلِكَ لأنَّ لِلْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَثابةِ تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الواحدِ في أبوابٍ بإسْنَادِهِ الْمَذْكورِ في أَوَّلِهِ. وَقَدْ قِيْلَ لوكيعٍ: الْمُحَدِّثُ يَقُوْلُ في أَوَّلِ الكِتَابِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُوْرٍ، ثُمَّ يَقُوْلُ فِيْمَا بَعْدَهُ: وعَنْ مَنْصُوْرٍ، فَهَلْ يُقَالُ في كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مَنْصُوْرٍ (٢)؟ فَقَالَ: «نَعَمْ! لاَ بَأْسَ بِهِ» (٣).
والأقلُّ - كالأسْتاذِ أَبِي إسْحَاقَ الإسْفَرَايينِي - مَنَعَ من (٤) ذَلِكَ؛ لإيْهَامِهِ أنَّهُ سَمِعَ كَذَلِكَ (٥).
(وَ) مَعَ جَوازِهِ، (الإفْصاحُ) بِصورَةِ الْحَالِ بأنْ يُبيِّنَ أنَّهُ أخذَهُ بِلا سَنَدٍ (أَسَدْ) بالْمُهْمَلَةِ، أي: أقْومُ وأحسنُ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيْرٌ (٦)، مِنْهُمْ: مُسْلِمٌ، كقولِهِ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ رافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنْ همامٍ، قَالَ: هَذَا مِمَّا حَدَّثَنَا (٧) أَبُو هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ -. وذكرَ أحاديثَ مِنْهَا: «وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ أدْنَى مَقْعَدِ أحَدِكُمْ فِيْ الْجَنَّةِ أنْ يَقُوْلَ لَهُ تَمَنَّ» الحَدِيْثُ (٨).
_________________
(١) منهم: وكيع، وابن معينٍ، والإسماعيلي. انظر: الكفاية: (٣٢٢ ت، ٢١٤ - ٢١٥ هـ).
(٢) من قوله: «فهل يقال » إلى هنا ساقط من (ق».
(٣) الكفاية: (٣٢٢ ت، ٢١٤ - ٢١٥ هـ).
(٤) لم ترد في (م).
(٥) قال السخاوي: «ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في الأسئلة التي سأله عنها الحافظ أبو سعد ابن عليك، وقال: إنه لا يجوز أن يذكر الإسناد في كلّ حديث منها لمن سماعه على هذا الوصف». فتح المغيث ٢/ ٢٥٢.
(٦) انظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٢٩، ومحاسن الاصطلاح: ٣٤٩.
(٧) في (م): «حدثناه».
(٨) صحيح مسلم ١/ ١١٤ (١٨٢) (٣٠١)، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٨٥)، وأحمد ٢/ ٣١٥، وعبد الله ابن أحمد في زياداته على الزهد: ٢٢، وبحشل في تاريخ واسط: ١٦٠. وأبو يعلى (٦٣١٦)، وابن حبان (٦١٥٨) و(٧٤١٨)، والبيهقي (٣٩٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١٧.
[ ٢ / ٨٩ ]
(ومَنْ يُعيدُ سَنَدَ الكِتَابِ)، أَوْ الْجُزْءِ (مَعْ) بِمَعْنَى «في» (آخرِهِ)، فَقَدْ (احْتَاطَ) لِمَا فِيْهِ من التأكيدِ، (وَ) لَكِنْ (خُلْفًَا) أي: الْخِلافُ في (١) إفرادِ كُلِّ حَدِيْثٍ بالسَّنَدِ (مَا رَفَعْ) لعدمِ اتِّصَالِ السَّنَدِ بِكُلِّ حَدِيْثٍ مِنْهَا، بَلْ الْخِلافُ فِيْهِ لَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ.
تَقْدِيْمُ المَتْنِ عَلى السَّنَدِ
(تَقْدِيْمُ الْمَتْنِ عَلَى السَّنَدِ) كُلِّهِ، أَوْ بَعْضِهِ:
٦٦٥ - وَسَبْقُ مَتْنٍ لَوْ بِبَعْضِ سَنَدِ لاَ يَمْنَعُ الْوَصْلَ وَلاَ أَنْ يَبْتَدِي
٦٦٦ - رَاوٍ كَذَا بِسَنَدٍ فَمُتَّجِهْ وَقالَ: خُلْفُ النَّقْلِ مَعْنَى يَتَّجِهْ
٦٦٧ - في ذَا كَبَعْضِ الْمَتْنِ قَدَّمْتَ عَلَى بَعْضٍ فَفِيْهِ ذَا الْخِلاَفُ نُقِلاَ
(وَسَبْقُ مَتْنٍ) عَلَى سَنَدِهِ، كأنْ يَقُوْلَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَذَا وكَذا، حَدَّثَنَا بِهِ فُلاَنٌ، ويذكرُ سَنَدَهُ. وَ(لَوْ) كَانَ سبقَهُ (بِبَعْضِ سَنَدِ)، كأنْ يَقُوْلَ: رَوَى عَمْرُو بنُ دينارٍ، عَنْ جابرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - كَذَا وكذا، حَدَّثَنَا بِهِ فُلاَنٌ، ويسوق سندَهُ إِلَى عَمْرٍو. (لاَ يَمْنَعُ) أي: سَبقُهُ في ذَلِكَ (الْوَصْلَ) للإسْنادِ، بَلْ يُحْكَمُ بأَنَّهُ مُتَّصِلٌ.
(وَلاَ) يمْنَعُ (أَنْ يَبْتَدِي راوٍ) تحمَّلَ عَنْ شَيْخِهِ (كَذَا) أي: مثل ذَلِكَ (بِسَنَدٍ)، ويؤخرَ الْمَتْنَ عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْرُوفةِ، (ف) هُوَ (مُتَّجِهْ)، كَمَا جوَّزَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ.
(وَقَالَ) ابنُ الصَّلاَحِ (٢): (خُلْفُ النَّقْلِ مَعْنَى) أي: والْخِلافُ في النَّقْلِ بِالْمَعْنَى (يَتَّجِهْ) مَجِيئُهُ (في ذَا) الْفَرْعِ، (كَبَعْضِ الْمَتْنِ) إِذَا (قَدَّمْتَ) هُ (عَلَى بَعْضٍ، فَفِيهِ ذَا الْخِلافُ نُقِلاَ) بناءً عَلَى جَوازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وعدمِ جوازِها.
_________________
(١) «الخلاف في» سقطت من (ص).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٤.
[ ٢ / ٩٠ ]
لَكِنْ ضعَّفَ النَّوَوِيُّ (١) مَجِيْئَ الْخِلافِ في فرعِنا بأَنَّ تقديمَ البَعْضِ، قَدْ يتغيَّرُ بِهِ الْمَعْنَى بِخِلافِ تقديمِ (٢) الْجَمِيعِ. وذكرَ مثلَهُ الْبُلْقِيْنِيُّ (٣).
إذَا قَالَ الشَّيْخُ: مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ
٦٦٨ - وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنًَا قَبْلَهُ
٦٦٩ - فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ (٤) يُكَمِّلَهْ بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ
٦٧٠ - إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَ بِالتَّحَفُّظِ وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ
٦٧١ - وَالْمَنْعُ فِي نَحْوٍ فَقَطْ قَدْ حُكِيَا وَذَا عَلَى النَّقْلِ بَمِعْنَى بُنِيَا
٦٧٢ - وَاخْتِيْرَ أَنْ يَقُوْلَ: مِثْلَ مَتْنِ قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، وَيَبْنِى
٦٧٣ - وَقَوْلُهُ: إِذْ بَعْضُ مَتْنٍ لِمْ يُسَقْ وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ فَالْمَنْعُ أَحَقّْ
٦٧٤ - وَقِيْلَ: إِنْ يَعْرِفْ كِلاَهُمَا الْخَبَرْ يُرْجَى الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ الْمُعْتَبَرْ
٦٧٥ - وَقالَ: إِنْ يُجِزْ فَبِالإِجَازَهْ لِمَا طَوَى وَاغْتَفَرُوْا إِفْرَازَهْ
_________________
(١) انظر: الإرشاد ١/ ٤٨٩.
(٢) ساقطة من (ق).
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣٥١، ونكت الزركشي ٣/ ٦٣١. قال ابن كثير: «والأشبه عندي جواز ذلك». اختصار علوم الحديث ٢/ ٤١٥. فائدة: نقل السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنه قال: «تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال فيبتدئ به، ثمّ بعد الفراغ يذكر السند، قال: وقد صرّح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حلٍ منه، فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا، ولو جوزنا الرّواية بالمعنى». تدريب الرّاوي ٢/ ١١٩. ويمكن على هذا القول أن نقيد إطلاق الجواز بأن لا يكون للشيخ المروي عنه اصطلاح خاص في ذلك والله أعلم.
(٤) بالدرج؛ لضرورة الوزن - بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ
[ ٢ / ٩١ ]
(وقولُهُ) أي: الشَّيْخِ الرَّاوِي (مَعْ حذفِ مَتْنٍ) أوْرَدَهُ بسَندٍ: «(مِثْلَهُ» أَوْ «نَحْوَه» يُريدُ) بِهِ (مَتْنًا) أوْرَدَهُ (قبلَهُ) بسَنَدٍ آخرَ، هَلْ يَجوزُ لِمَنْ سَمِعَهُ كَذَلِكَ، أي رادُ الْمَتْنِ الْمُحالِ عَلَيْهِ بالسَّنَدِ الْمَحْذوفِ مَتْنُهُ؟ اختُلِفَ فِيْهِ:
(فالأظْهَرُ: الْمَنْعُ مِن (١) انْ) بالدَّرْجِ (يُكَمِّلَهْ بِسَندِ الثَّانِي) أي: بالسَّنَدِ الثَّانِي لِعَدَمِ تَيَقُّنِ تَمَاثُلِهِمَا في اللَّفْظِ، وفي قَدرِ مَا تَفَاوَتَا فِيْهِ (٢).
(وَقِيْلَ: بَلْ) يجوزُ ذَلِكَ (لَهْ) أي: لِلسَّامِعِ كَذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَان الثَّوْريِّ (٣).
وَقِيْلَ: يجوزُ لَهُ ذَلِكَ (إنْ عَرَفَ الرَّاوِيَ بالتَّحَفُّظِ، والضَّبْطِ، والتَّمْييزِ، للتَّلَفظِ) أي: لِلَفظِ، وعددِ الْحُروفِ، فإنْ لَمْ يعرفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. وبعضُهُم رَوَى هَذَا عَن الثَّوريِّ (٤)، فَلعلَّ لَهُ قَوْلَينِ.
(والْمَنْعُ) مِن ذَلِكَ (في «نحوٍ») بالتنوينِ -، أي: «نحوِهِ» (فَقَطْ) أي: دُوْنَ «مِثلِهِ» (قَدْ حُكِيَا) عَمَلًا بظاهِرِ اللفظَيْنِ، إِذْ ظاهرُ «مثلِه» يفيدُ التَّسَاوِي في اللَّفْظِ، دُوْنَ ظَاهِرِ «نَحْوِهِ» (٥). (وذا) القولُ (عَلَى) عَدَمِ جَوازِ (النَّقْلِ بِمَعْنَى) أي: بِالْمَعْنَى (بُنِيَا).
_________________
(١) ساقطة من (م).
(٢) وبه قال شعبة. كما رواه عنه الرامهرمزي في المحدّث: ٥٩٠ (٨٤١)، والخطيب في الكفاية (٣٢١ - ٣٢٢ ت، ٢١٢ - ٢١٣ هـ)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ١٢ - ١٣. وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٣١، ومحاسن الاصطلاح: ٣٥٢. وتابع ابن الصّلاح في استظهاره هذا النووي، وابن دقيق العيد، والعراقي. كما في الإرشاد ١/ ٤٩٠، والاقتراح: ٢٥٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٠.
(٣) انظر: الكفاية: (٣٢٠ ت، ٢١٣ هـ).
(٤) انظر: الكفاية: (٣٢٠ ت، ٢١٣ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩١.
(٥) وبه قال يحيى بن معينٍ. انظر: الكفاية (٣٢١ ت، ٢١٤ هـ)، قال العراقي: «وعليه يدل كلام الحاكم أبي عبد الله حيث يقول: لا يحل له أن يقول: مثله إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل أن يقول: نحوه، إذا كان على مثل معانيه». شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩١. وانظر: سؤالات مسعود السجزي للحاكم (١٢٣) و(٣٢٢).
[ ٢ / ٩٢ ]
أما مَنْ أجازَهُ فيسوِّي بَيْنَ اللفظينِ (١). (واخْتِيْرَ) مِنْ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الْخَطيبُ (٢)، في رِوَايَةِ مثلِ ذَلِكَ (أَنْ يقولَ: «مثلَ»)، أَوْ «نحوَ»، أَوْ «معنى» (مَتْنِ) ذُكِرَ (قبلُ، ومتنُهُ كَذَا، وَيَبْنِي) الْمَتْنَ الأَوَّل عَلَى السَّنَدِ الثَّانِي، لما في ذَلِكَ مِنَ الاحتياطِ بالتعيينِ (٣)، وإزالةِ الإبْهامِ بحكايَةِ صورةِ الْحَالِ.
ثُمَّ مَا تقرَّرَ مَحِلّه إِذَا سَاقَ الْمَتْنَ بتمامِهِ. (وَ) أما (قَوْلُهُ) أي: الرَّاوِي (إِذْ) بِمَعْنَى حِيْنَ، أَوْ إِذَا (بَعْضُ مَتْنٍ لَمْ يُسَقْ) بَلْ حُذِفَ، وسيقَ بعضُهُ الآخَرُ: «(وذكرَ الْحَدِيْثَ»)، أَوْ نحوَهُ، كَقَولِهِ: «الْحَدِيْث»، أَو «وذكرَ الْحَدِيْثَ بِطولِهِ»، أَوْ
«بِتَمَامِهِ» (فالمَنْعُ) مِن سياقِ تَمَامِ الْمَتْنِ في هَذِهِ الصورةِ (أحَقُّ) مِنْهُ في التِي قبلَهَا.
لأنَّ تِلْكَ قَدْ سِيقَ فِيْهَا جَمِيْعُ الْمَتْنِ قبلُ بإسْنادٍ آخرَ، وفي هَذِهِ لَمْ يسقْ إلا بعضهُ؛ فَيقتصرُ هنا عَلَى القدرِ المثبتِ مِنْهُ فَقَطْ إلاّ مَعَ البيانِ الآتي بيانُهُ.
وَقِيْلَ: يجوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
(وَقِيْلَ)، يعني: وَقَالَ أَبُو بكرٍ الإسْماعِيلِيُّ (٤): (إنْ يَعْرِفْ كِلاهُمَا) أي: الْمُحدِّثُ، والقارئُ ذَلِكَ (الْخَبَرْ) بِتَمامِهِ (يُرْجَى الْجَوازُ) مَعَهُ (٥).
قَالَ: (والبيانُ) مَعَ ذَلِكَ، بأنْ يقتصرَ القارِئُ عَلَى ما ذكرَهُ الْمُحدِّثُ، ثُمَّ يَقُوْلُ: قَالَ: «وذكر الْحَدِيْثَ»، ثُمَّ يَقُوْلُ «وتَمَامُهُ كَذَا وكذا» هُوَ (الْمُعْتَبَرْ) أي: الأولى.
(وَقَالَ) ابنُ الصَّلاَحِ (٦) بَعْدَ حِكَايَتِهِ ذَلِكَ: (إنْ يُجِزْ) هُ (فَ) روايتُهُ (بالإجازَهْ لِمَا طَوَى) أي: لما لَمْ يذكرْهُ من الْخَبَرِ، هُوَ التَّحْقيقُ. قَالَ: لكنَّها إجازةٌ أكيدَةٌ قويةٌ مِن جِهاتٍ عَديدةٍ.، أي: لأنها إجازةُ معيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ، وفي الْمَسْموعِ ما يدلُّ عَلَى الْمَجازِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، فأدرجَ فِيْهِ.
_________________
(١) انظر: الكفاية (٣٢١ ت، ٢١٤ هـ).
(٢) قال الخطيب: «وهذا الّذي اختاره». الكفاية: (٣١٩ ت، ٢١٢ هـ).
(٣) في (ق): «باليقين».
(٤) انظر: الكفاية: (٤٤٥ - ٤٤٦ ت، ٣١١ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٣.
(٥) ساقطة من (م) و(ق) وفي (ص): «مع».
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٣٩٧.
[ ٢ / ٩٣ ]
(واغْتَفَرُوا) - أي: فَاعِلُوهُ - (إفْرازَهْ) أي: عدمَ إفرازِهِ عَنِ الْمَسمُوعِ بصِيغةٍ تَدلُّ للإجازةِ، فأدرجوا ما لَمْ يسمعْ فِيْمَا سَمِعَ من غَيْرِ إفرازٍ لَهُ بلفظِ الإجازةِ.
إِبْدَاْلُ الرَّسُوْلِ بِالنَّبِيِّ، وَعَكْسُهُ
٦٧٦ - وَإِنْ رَسُوْلٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلاَ فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلاَ
٦٧٧ - وَقَدْ رَجَا جَوَازَهُ ابْنُ حَنْبَلِ والنووي صَوَّبَهُ وَهْوَ جَلِيْ
(وإنْ رَسُوْلٌ) أي: لَفظُ «رَسُوْلِ اللهِ» الواقعِ في الرِّوَايَةِ (بِنَبِيٍّ) أي: «بِالنَّبِيِّ» (أُبْدِلاَ) وقتَ التَّحَمُّلِ، أَوْ الْكِتَابَةِ، أَوْ الأداءِ، (فالظَّاهِرُ الْمَنْعُ) مِنْهُ. (كَعَكْسٍ فُعِلاَ) بأَنْ يبدلَ لفظُ «النَّبِيِّ» بلفظِ «رَسُوْلِ اللهِ» وإنْ جَازَتِ الرِّوَايَةُ بالْمَعْنَى، لأنَّ معناهما (١) مُخْتَلِفٌ، كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الكِتَابِ.
وحملَهُ الْخَطِيْبُ (٢) عَلَى النَّدْبِ (٣) في إتباعِ الْمُحدِّثِ في لفظِهِ.
(وَقَدْ (٤) رَجَا جوازَهُ) الإمَامُ أَحْمَدُ (ابنُ حَنْبَلِ (٥)، و) الإمامُ (النَّوَوِي صَوَّبَهُ) أي: الْجَوازَ (٦)، (وَهْوَ جَلِيْ) واضِحٌ.
وَالقَوْلُ بأنَّ مَعناهُمَا مُخْتَلِفٌ لا يَمْنَعُهُ؛ إِذْ الْمَقْصُودُ نسبةُ الْحَدِيْثِ لقائِلِهِ وَهُوَ حاصلٌ بكلٍ من الْوَصْفَينِ، وَلَيْسَ البابُ بابَ تَعبُّدٍ باللفظِ (٧).
وما استُدِلَّ بِهِ لِلْمَنْعِ في حَدِيْثِ الْبَراءِ بنِ عازبِ في تعليمِ ما يُقالُ عِنْدَ النَّومِ من ردِّ النَّبِيِّ - ﷺ - قولَهُ: «وَبِرَسُوْلِكَ الَّذِيْ
_________________
(١) في (ق): «معنيهما».
(٢) انظر: الكفاية: (٣٦٠ ت، ٢٤٤ هـ).
(٣) المندوب عند الفقهاء: هو الفعل الّذي يكون راجحًا على تركه في نظر الشارع ويكون تركه جائزًا. انظر: التعريفات للجرجاني: ١٢٧.
(٤) في (م): «قد». بسقوط الواو.
(٥) انظر: الكفاية: (٣٦٠ ت، ٢٤٤ هـ).
(٦) انظر: الإرشاد ١/ ٤٩٣، والتقريب: ١٤٢، وتدريب الرّاوي ٢/ ١٢١ - ١٢٢.
(٧) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣٥٦.
[ ٢ / ٩٤ ]
أَرْسَلْتَ»، بِقَوْلِهِ: «لا، وَنَبِيُّكَ الَّذِيْ أرْسَلْتَ» (١)، لاَ دَليلَ فِيْهِ؛ لأنَّ ألفاظَ الأذْكَارِ توقيفيَّةٌ، وربَّمَا كَانَ في اللَّفظِ سرٌّ، لاَ يَحْصَلُ بغيرِهِ (٢).
السَّمَاْعُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الوَهْنِ، أَوْ عَنْ رَجُلَيْنِ
(السَّمَاعُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْوَهْنِ، أَوْ) بإسنادٍ وقعتْ فِيْهِ الرِّوَايَةُ (عَنْ رَجُلَينِ)، فأكثرَ.
٦٧٨ - ثُمَّ عَلَى السَّامِعِ بِالْمُذَاكَرَهْ بَيَانُهُ كَنَوْعِ وَهْنٍ خَامَرَهْ
٦٧٩ - وَالْمَتْنُ عَنْ شَخْصَيْنِ وَاحِدٌ جُرِحْ لاَ يَحْسُنُ الْحَذْفُ لَهُ لَكِنْ يَصِحْ
٦٨٠ - وَمُسْلِمٌ عَنْهُ كَنَى فَلَمْ يُوَفْ وَالْحَذْفُ حَيْثُ وُثِقَا فَهْوَ أَخَفْ
٦٨١ - وَإِنْ يَكُنْ عَنْ كُلِّ رَاوٍ قِطْعَهْ أَجِزْ بِلاَ مَيْزٍ بِخَلْطِ جَمْعَهْ
٦٨٢ - مَعَ الْبَيَانِ كَحَدِيْثِ الإِفْكِ وَجَرْحُ بَعْضٍ مُقْتَضٍ لِلتَّرْكِ
٦٨٣ - وَحَذْفَ وَاحِدٍ مِنَ الإِسْنَادِ فِي الصُّوْرَتَيْنِ امْنَعْ لِلاِزْدِيَادِ
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الطيالسي (٧٠٨)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٨٧)، وأحمد ٤/ ٢٩٠ و٢٩٢ و٢٩٣ و٢٩٦ و٣٠٠، والبخاري ١/ ٧١ (٢٤٧) و٨/ ٨٤ (٦٣١١)، ومسلم ٨/ ٧٧ (٢٧١٠) (٥٦) (٥٧) (٥٨)، وأبو داود (٥٠٤٦) و(٥٠٤٧) و(٥٠٤٨)، والترمذي (٣٣٩٤) و(٣٥٧٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٦١٦) و(١٠٦١٧) (١٠٦١٨) و(١٠٦١٩) و(١٠٦٢٠) و(١٠٦٢١) وفي عمل اليوم والليلة (٧٨٠) و(٧٨١) و(٧٨٢) و(٧٨٣) و(٧٨٤) و(٧٨٥)، وأبو يعلى (١٦٦٨)، وابن خزيمة (٢١٦)، والطحاوي في شرح المشكل (١١٣٧) و(١١٤٠). من طرق عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، به.
(٢) وذهب البدر بن جماعة مذهبًا ثالثًا فقال: «لو قيل: يجوز تغيير النّبيّ إلى الرّسول ولا يجوز عكسه لما بعد؛ لأن في الرّسول معنى زائدًا عَلَى النّبيّ، وَهُوَ الرسالة؛ فإن كلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسولًا». المنهل الروي: ١٠٤. انظر: نكت الزركشي ٣/ ٦٣٣ - ٦٣٤، والتقييد والإيضاح: ٢٣٩ - ٢٤٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٩٥ ]
(ثُمَّ) بَعْدَ العلمِ بِمَا مَرَّ مِنَ التَّحرِّي في الأداءِ (عَلَى السَّامِعِ) مِن حِفْظِ الشَّيْخِ (بِالْمُذاكَرهْ) أي: فِيْهَا (بَيَانُه) بِحِكَايةِ الواقعِ، كأنْ يَقُوْلَ: «حَدَّثَنَا فُلاَنٌ مذاكرةً»، أَوْ «في الْمذاكرة»؛ لأنَّهُم يَتَسَاهَلُونَ فِيْهَا، والْحِفْظُ خوَّانٌ، فَفِيْها نَوْعُ وَهْنٍ.
وظاهرُ كلامِهِ كأصْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُسْتَحبٌّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطيبُ (١)، وفعَلَهُ بدونِ بيانِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن متقدِّمِي الْعُلَمَاءِ (٢).
(كنوعِ) أي: كبيانِهِ فِيْمَا إِذَا سَمِعَ عَلَى نوعِ (وَهْنٍ) أي: ضَعفٍ آخرَ (خامَرَهْ) أي: خَالَطَهُ (٣) كأنْ سَمِعَ من غَيْرِ أصْلٍ، أَوْ كَانَ هُوَ أَوْ شيخُهُ يتحدَّثُ، أَوْ ينعسُ، أَوْ ينسخُ وقتَ السَّمَاعِ، أَوْ كَانَ سَمَاعُهُ، أَوْ سَمَاعُ شيخِهِ بقراءةِ لحَّانٍ، أَوْ مصحِّفٍ، أَوْ كتابةِ التَّسمِيعِ بِخَطِّ مَنْ فِيْهِ نظرٌ؛ إِذْ في تَرْكِ البيانِ نوعُ تدليسٍ.
(وَالْمَتْنُ عَنْ شَخْصَينِ)، وفي نسخةٍ عَنْ «شَيخينِ» مِن شيوخِهِ (٤)، أَوْ مِمَّنْ فوقَهُم (واحدٌ) مِنْهُمَا (جُرِحْ)، والآخرُ وُثِّقَ، كحَدِيْثٍ لأنسٍ يَرويهِ عَنْهُ - مَثلًا - ثابتُ البُنانيُّ، وأبانُ بنُ أَبِي عياشٍ، (لاَ يَحْسُنُ) مِنَ الرَّاوِي عَلَى وجهِ الاستحبابِ (الْحَذْفُ لَهُ) أي: لِلْمَجْروحِ وَهُوَ أبانُ، والاقتصارُ عَلَى ثابتٍ؛ لاحتمالِ أَنْ يَكُوْنَ فِيْهِ شيءٌ عَنْ (٥) أبانَ وحدِهِ، وحملَ الشَّيْخُ لفظَ أحدِهِما عَلَى الآخرِ.
(لَكِنْ يَصِحْ) ذَلِكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٦) - اتفاقُ الرِّوَايتينِ، وَمَا ذُكِرَ من الاحتمالِ نَادرٌ بعيدٌ، فإنَّهُ مِن الإدراجِ الَّذِي لا يَجوزُ تَعَمُّدُهُ.
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٣٧ عقب (١١١٣)، ونكت الزركشي ٣/ ٦٣٤.
(٢) نص عليه الخطيب في الجامع. انظر: ما سبق.
(٣) في (ص): بياض موضعها.
(٤) المثبت من (ع)، وفي (ص): «عن شيخين عن شيوخه»، وفي (ق): «من شخصين من شيوخه».
(٥) في (ق): «عند».
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٠.
[ ٢ / ٩٦ ]
(وَمُسْلِمٌ عَنْهُ) أي: عَن الْمَجْروحِ رُبَّمَا (كَنَى) حَيْثُ يسقُطُ اسْمَهُ، ويصرحُ بالثِّقَةِ، ثُمَّ يَقُوْلُ: «وآخر» كنايةً عَن الْمَجْروحِ، (فَلَمْ يُوَفْ) مُسْلِمٌ بالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْمَجْرُوحِ إِنْ اخْتَصَّ عَنِ الثِّقَةِ بِزَيادةٍ (١). وَلِهَذا الفعلِ فائدتانِ:
١ - الإشْعارُ بضعفِ الْمُبْهَمِ.
٢ - وكثرةُ الطُرُقِ التِي يرجحُ بِهَا عِنْدَ الْمُعارضةِ.
وإنْ قَالَ الْخَطِيْبُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ لَهُ (٢).
(وَ) أمّا (الْحَذْفُ) لأحَدِ الرَّاويينِ (حَيْثُ وُثِقَا، فَهْوَ أَخَفْ) مِمَّا قَبْلَهُ، وإنْ تطَرَّقَ إِلَيْهِ مثلُ الاحْتِمالِ السَّابقِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ اتفاقُ الرِّوَايَتَينِ.
(وإنْ يَكُنْ) مَجْمُوْعُ الْحَديثِ عَنْ رُوَاةٍ ملفَّقًا، بأنْ كَانَ (عَنْ كُلِّ راوٍ) مِنْهُمْ (قِطْعَهْ) مِنْهُ (أَجِزْ بِلا مَيْزٍ) أي: تَمييزٍ لما تحمَّلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْهُ
(بِخَلْطِ) أي: أَجِزْ (جَمْعَهْ) مُخْتلِطًا بِلاَ تَمْييزٍ، لَكِنْ (مَعَ البَيانِ) لِذَلِكَ، وَلَوْ إجْمَالًا.
(كَحَدِيْثِ الإفْكِ)، فإنَّهُ في " الصَّحِيْحِ " (٣) مِن رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة بنِ الزُّبَيْر، وَسَعيدِ بنِ الْمُسيِّبِ، وَعَلْقَمَة بنِ وقاصٍ، وعُبيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبة، كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الزُّهْريُّ: «وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِن حَدِيْثِها، وَبَعْضُهُم أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ».
(وَجَرْحُ بَعْضٍ) مِن الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ إنِ اتَّفَقَ في حَدِيْثٍ مِنْ غَيْرِ بيانٍ (مقتضٍ للتَّرْكِ) لِجَمِيْعِ الْحَدِيْثِ؛ إِذْ ما مِن قِطْعةٍ مِنْهُ إلاَّ وجَائزٌ أنْ تَكُوْنَ عَنْ ذَلِكَ الرَّاوِي الْمَجْرُوحِ.
_________________
(١) وكذلك صنع الإمام البخاري والنسائي، انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦ ترجمة عبد الله بن لهيعة.
(٢) في (م): «فيه». وهو الموافق لما في الكفاية فانظرها: (٥٣٧ ت، ٣٧٨ هـ). قلنا: تعقبه البلقيني فقال: «فائدته الإعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه إعلام بتتبع الطرق». محاسن الاصطلاح: ٣٥٧. واقتبسه تلميذه الزركشي في نكته ٣/ ٦٣٤.
(٣) صحيح البخاري ٣/ ٢١٩ (٢٦٣٧) و٤/ ٤٠ (٢٨٧٩) و٥/ ١١٠ (٤٠٢٥) و١٤٨ (٤١٤١) و٦/ ٩٥ - ٩٦ (٤٦٩٠) و٨/ ١٦٨ (٦٦٦٢) و١٧٢ (٦٦٧٩) و٩/ ١٣٩ (٧٣٦٩) و١٧٦ (٧٥٠٠).
[ ٢ / ٩٧ ]
(وَحَذْفَ واحِدٍ مِنَ) الرُّواةِ الْمُجْتَمِعينَ في (الإسْنادِ في الصُّورَتَيْنِ)، الثقاتِ كلِّهم، والْمَجْروحِ بعضِهم، أي (١): (امنعْ) حذَف مَا ذُكِرَ (للازديادِ) أي: لأجلِ الزيادةِ عَلَى بقيَّةِ الرُّوَاةِ، لما لَيْسَ مِن حَديثِهِم إنْ لَمْ يحذفْ مِنْهُ شيءٌ، و(٢) لِجَوازِ حذفِ مَا اختصَّ بِهِ بَعْضُ الْباقِينَ (٣) إن حُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ.
آدَاْبُ الْمُحَدِّثِ
(آدابُ) الشَّيْخِ (٤) (الْمُحدِّثِ) مَعَ ما يأتِي:
٦٨٤ - وَصَحِّحِ النِّيَّةَ فيِ التَّحْدِيْثِ وَاحْرِصْ عَلَى نَشْرِكَ لِلْحَدِيْثِ
٦٨٥ - ثُمَّ تَوَضَّأْ وَاغْتَسِلْ وَاسْتَعْمِلِ طِيْبًا وَتَسْرِيْحًا وَزَبْرَ (٥) الْمُعْتَلِي
٦٨٦ - صَوْتًا (٦) عَلى الْحَدِيْثِ وَاجْلِسْ بِأَدَبْ
٦٨٧ - لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبُ فَعُمْ وَلاَ تُحَدِّثْ عَجِلًا أَوْ إِنْ تَقُمْ
٦٨٨ - أَوْ فِي الطَّرِيْقِ ثُمَّ حَيْثُ احْتِيْجَ لَكْ فِي شَيْءٍ ارْوِهِ وَابْنُ خَلاَّدٍ سَلَكْ
٦٨٩ - بِأَنَّهُ يَحْسُنُ لِلْخَمْسِيْنَا عَامًا وَلاَ بَأْسَ لأَِرْبَعِيْنَا
٦٩٠ - وَرُدَّ. والشَّيْخُ بِغَيْرِ الْبَارِعِ خَصَّصَ لاَكَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيْ
(وَصَحِّحِ) أَنْتَ لِلرِّوَايَةِ (النيَّةَ في التَّحْدِيثِ)، بأنْ تُقَدِّمها عَلَيْهِ، وتخلصَ فِيْهِ للهِ تَعَالَى بِحيثُ لا يشوبُكَ فِيْهِ غَرَضٌ دُنْيويٌّ، إِذْ الأعمالُ بالنِّيَّاتِ.
_________________
(١) ليست في (ع).
(٢) ليست في (م).
(٣) في (م): «الباقي».
(٤) لم ترد في (ع).
(٥) في (ج): «وذر».
(٦) في (ج) والنفائس: «صونًا» - وَهَيْبَةٍ بِصَدْرِ مَجْلِسٍ وَهَبْ
[ ٢ / ٩٨ ]
(واحرِصْ) مَعَ ذَلِكَ (عَلَى نَشْرِكَ لِلْحَدِيْثِ)، فَقَدْ أمرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بالتَّبْليغِ عَنْهُ بقولِهِ: «بَلِّغُوْا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (١).
وَقَالَ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَءً سَمِعَ مَقَالَتِيْ فَوَعَاهَا، وَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (٢).
(ثُمَّ) إِذَا أَردْتَ نَشْرَهُ بالنِّيةِ الصَّحِيْحَةِ، (تَوَضَّأْ) وضوءَكَ للصَّلاَةِ، (واغْتَسِلْ) اغتسَالَكَ للجنابةِ، وَتَسَوَّكْ، وقصَّ أظْفَارَكَ وشاربَكَ، (واستَعْمِلِ طيبًا) وبَخُورًا في بَدنِكَ وَثِيابِكَ، (وَتَسْريْحًا) لِشَعْرِ لِحْيَتِكَ، ورأسِكَ إنْ كَانَ، والبسْ أحسنَ ثيابِكَ (٣). (وَ) استعملْ حالَ تَحْديثِكَ (زَبْرَ) أي: نَهْرَ (٤) (الْمُعْتَلِي صَوتًا) أي: صوتَهُ (عَلَى) قِراءةِ (الْحَدِيْثِ) أخذًا مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَرْفَعُوْا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ (٥).
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٥٩ و٢٠٢ و٢١٤، والدارمي (٥٤٨)، والبخاري ٤/ ٢٠٧
(٢) ، والترمذي (٢٦٦٩). من طرق عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو به.
(٣) رواه الشّافعيّ في الرسالة (١١٠٢)، والحميدي (٨٨)، وأحمد ١/ ٤٣٦، وابن ماجه (٢٣٢)، والترمذي (٢٦٥٧)، وأبو يعلى (٥١٢٦) و(٥٢٩٦)، والشاشي (٢٧٥) و(٢٧٦) و(٢٧٧) (٢٧٨)، وابن حبان (٦٦) و(٦٨) و(٦٩)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٦) و(٧) و(٨)، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٢٦٠، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٣١، وفي ذكر أخبار أصبهان ٢/ ٩٠، والبيهقي في دلائل النبوة ١/ ٢٣ و٦/ ٥٤٠، وفي معرفة السنن والآثار (٤٤) و(٤٦)، والخطيب في الكفاية: ٦٩، وفي شرف أصحاب الحديث: ٢٦، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: ١/ ٤٠، والبغوي في شرح السنة (١١٢). كلهم من حديث ابن مسعود. قلنا: وهو مروي من حديث غيره من الصحابة. قال العلامة ابن دقيق العيد: «ولا خفاء بما في تبليغ العلم من الأجور لا سيما وبرواية الحديث يدخل الراوي في دعوة النبي - ﷺ - حيث قال: «نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها»». الاقتراح: ٢٦٤.
(٤) كلّ هذا روي عن الإمام مالك - ﵀ - حين أرادته التحديث. انظر: المحدث الفاصل: ٥٨٤ (٨٢٧)، وحلية الأولياء ٦/ ٣١٨، والجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٣٨٥ (٨٩٥).
(٥) الزّبر: الانتهار، يقال: زبره عن الأمر زبرًا: انتهره، والزّبر أيضًا: الزّجر والمنع والنّهي، يقال: زبره عن الأمر زبرًا: نهاه ومنعه. انظر: اللسان ٤/ ٣١٥، والتاج ١١/ ٣٩٩ (زبر).
(٦) الحجرات: ٢.
[ ٢ / ٩٩ ]
فَقَدْ قَالَ الإمامُ مَالِكٌ: «مَنْ رفعَ صَوْتَهُ عِنْدَ حَدِيْثِهِ - ﷺ - فكأنَّمَا رفع صَوتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -» (١).
(واجلسْ) حينئِذٍ متوجه (٢) القبلةَ (بأدَبْ، وَهَيْبَةٍ) أي: مَهابةٍ وإجْلالٍ (بِصَدْرِ مَجْلِسٍ) تحدِّثُ فِيْهِ، بَلْ وعلى فراشٍ يخصُّك، أَوْ مِنْبَرٍ. وكلُّ ذَلِكَ عَلَى سبيلِ النَّدْبِ تعْظِيماَ لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
(وَهَبْ (٣) لَمْ يُخلصِ النِّيةَ طَالِبُ فَعُمْ) أي: واحْسبْ واعددْ أنَّ الطَّالِبَ لَمْ يُخلصِ النِّيةَ بقرائِنَ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَلا تَمْتَنِعْ مِن تَحْدِيثِهِ، بَلْ عُمَّ كُلَّ طَالِبِ عِلْمٍ (٤) ندبًا (٥).
فعنِ الثَّورِيِّ أنَّهُ قَالَ: «ما كَانَ في النَّاسِ أفْضَلُ مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيْثِ». فقيلَ لَهُ: «يطلُبُونَهُ بغَيرِ نِيَّةٍ». فَقَالَ: «طَلْبُهُم لَهُ نيةٌ» (٦).
وعن حبيبِ بنِ أَبِي ثابِتٍ، وَمَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ، أنَّهُمَا قالا: «طلبْنَا الْحَدِيْثَ وَمَا لَنَا فِيْهِ نيَّةٌ، ثُمَّ رزقَ اللهُ تَعَالَى (٧) النِّيةَ بَعْدُ» (٨).
_________________
(١) الجامع ١/ ٤٠٦ (٩٦١)، وانظر: تفسير الطبري ٢٦/ ٧٤، والدّر المنثور ٧/ ٥٤٧.
(٢) في (م): «متوجهًا».
(٣) هب: فعل أمرٍ من (وهب)، يقال: هبني فعلت أي: احسبني واعددني، وهي كلمةٌ للأمر فقط تنصب مفعولين. والمراد: أي احسب واعدد أنّ الطالب لم يخلص النيّة بقرائن دلّت على ذلك. انظر: اللسان ١/ ٦٠٥، والتاج ٤/ ٣٦٧ (وهب).
(٤) لم ترد في (ص).
(٥) قال الخطيب الحافظ: «والذي نستحبه أن يروي المحدّث لكل أحد سأله التحديث ولا يمنع أحدًا من الطلبة». الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٣٣٩ عقب (٧٧٠).
(٦) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ١٨٣ (٤٠) من طريق عبد الصمد بن حسان عن سفيان. ورواه الخطيب في الجامع ١/ ٣٣٩ (٧٧١) من طريق ابن مهدي عن سفيان.
(٧) لم ترد في (م) و(ص).
(٨) الرّواية عنهما عند الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي١/ ٣٣٩ (٧٧٣) و(٧٧٤). قال الزركشي: «قال الغزالي في الإحياء: هذه كلمة اعتبرها قوم في تعلم العلم لغير الله ثمّ رجوعهم إلى الله، قَالَ: وإنما العلم الّذي أشار إليه هَذَا القائل هُوَ علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة سير الأنبياء ﵈ والصحابة رضي الله = = تَعَالَى عنهم، فإن فيه التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف من الله تعالى، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل، فأما الكلام والفقه المجرد الّذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات-المذهب منه والخلاف- فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله تعالى. بل لا يزال متماديًا في حرصه إلى آخر عمره». نكت الزركشي٣/ ٦٤٣.
[ ٢ / ١٠٠ ]
(ولا تُحدِّثْ) نَدْبًا (عَجِلًا) أي: في حالةِ كونِكَ مُسْتَعْجِلًا لقلةِ الفَهْمِ مَعَ ذَلِكَ؛ ولأنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَذْرَمَة الْمَنهيِّ عَنْهَا. (أَوْ إِنْ تَقُمْ) أي: أَوْ في حالِ (١) قِيَامِكَ، (أَوْ في الطَّريقِ)، وَلَوْ جَالِسًا، تَعْظِيمًا لِلْحَدِيْثِ، ولأنَّ ذَلِكَ يفرقُ القلبَ والفَهْمَ.
(ثُمَّ) بَعْدَ مَا مَرَّ (حَيْثُ احْتِيْجَ لَكَ في شَيْءٍ) مِن الْحَدِيْثِ (ارْوِهِ) وجوبًا، كَمَا قَالَهُ الْخَطِيْبُ (٢) لِخَبَرِ أَبِي داودَ (٣)، وغيرِهِ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ نَافِعٍ، فَكَتَمَهُ جَاءَ يَومَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنْ نارٍ» (٤).
وَقَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «الَّذِي نقولُهُ أنَّهُ مَتَى (٥) احتِيجَ إِلَى ما عِنْدَهُ استُحِبَّ لَهُ التَّصَدِّي لروايتِهِ، ونشرِهِ في، أيسنٍّ كَانَ» (٦).
وَقَالَ ابنُ النَّاظِمِ: «والذي أقولُهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَدِيْثُ في ذَلِكَ البلدِ إلاَّ عِنْدَهُ، واحْتِيجَ إِلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وإنْ كَانَ ثَمَّ غيرُهُ. ففرضُ كِفايةٍ هَذَا».
(وابنُ خلاَّدٍ) الرَّامَهُرْمُزِيُّ (سَلَكْ) في كِتَابِهِ " الْمُحَدِّثِ الْفَاصِلِ " (٧) التَّحْديدَ بالسنِّ؛ فصرَّحَ (بأنَّهُ) أي: التَّحْدِيثُ (يَحْسُنُ للخَمسينَا عامًا) أي: بَعْدَهَا.
_________________
(١) في (ص): «حالة».
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٣٢٣ عقب (٧١٧).
(٣) سنن أَبي داود (٣٦٥٨).
(٤) ورواه أحمد ٢/ ٢٦٣، وابن ماجه (٢٦٦)، وابن حبان (٩٥)، والطبراني في الأوسط (٢٣١١) و(٣٣٤٦) و(٣٥٥٣)، وفي الصغير (١٦٠) و(٣١٥) و(٤٥٢)، والحاكم ١/ ١٠١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٤ - ٥، والبغوي في شرح السنة (١٤٠) من طريق أَبي هريرة. وانظر: كلام أبي عبد الله الحاكم على هذا الحديث بعد تخريجه في مستدركه١/ ١٠١، وتعليق الشّيخ شعيب على هذا الحديث
(٥) في جميع النسخ الخطية: «من»، وما أثبتناه من (م) وهو الموافق لما في معرفة أنواع علم الحديث.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠١
(٧) ٣٥٢ (٢٨٧).
[ ٢ / ١٠١ ]
وَقَالَ: «إنَّهُ الَّذِي يَحسنُ عِنْدِي من (١) طريقِ الأثرِ، والنَّظَرِ؛ لأنَّها انتهاءُ الكهولةِ، وَفِيْهَا مجتمعُ الأشُدِّ» (٢).
قَالَ: (ولا بأسَ) بِهِ (لأربعينَا) عَامًا، أي: بَعْدَهَا. «فَليسَ ذَلِكَ بِمُسْتَنْكَرٍ، لأنَّها حدُّ الاستواءِ، ومنتهى الكمالِ» (٣).
(ورُدَّ) أي: رَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِياضٌ ما قَالَهُ بأنَّ اسْتحسانَهُ هَذَا، لا تقومُ لَهُ حجةٌ بِمَا قَالَهُ.
قَالَ: «وَكَم مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقدمينَ، فمَنْ (٤) بَعْدَهُم مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ مَنْ لَمْ ينْتَهِ إِلَى هَذَا السنِّ، وَقَدْ نَشَرَ مِن العِلمِ، وَالْحَدِيْثِ مَا لا يُحْصَى، هَذَا عمرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ تُوفِي وَلَمْ يُكْمِلِ الأرْبَعينَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ لَمْ يبلغِ الْخَمْسينَ، وكذا إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ.
وهذا مَالِكٌ قَدْ جَلَسَ للناسِ ابنُ نَيِّفٍ وعشرينَ سَنة - وَقِيْلَ: ابنُ سبعَ عشرةَ - والناسُ متوافرونَ، وشُيوخُه - ربيعةُ، وابنُ شِهابٍ، وابنُ هُرْمُز، ونافِعٌ، وابنُ الْمُنْكَدرِ، وغيرُهُمْ - أحياءٌ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابنُ شِهابٍ حَدِيْثَ الْفُرَيْعَة أختِ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ.
ثُمَّ قَالَ: وكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أُخِذَ عَنْهُ العلمُ في سنِّ الْحَداثَةِ، وانتصَبَ لِذَلِكَ في (٥) آخرينَ مِنَ الأئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ (٦) والْمُتأخِّرِيْنَ» (٧).
(و) لَكِنْ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ حَملَ كلامَ ابنِ خَلاّدٍ عَلَى محمَلٍ صَحِيْحٍ، حَيْثُ (بِغيرِ البارعِ) أي: الفائِقِ لأصْحابِهِ في العِلمِ، وغيرِهِ (خَصَّصَ) كلامَهُ.
فإنَّهُ قَالَ: «وما ذكرَهُ ابنُ خلاّدٍ مَحْمُولٌ عَلَى أنَّهُ قَالَهُ فِيْمَنْ تَصَدَّى لِلتَّحْديثِ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ براعةٍ في العلْمِ تعجَّلَتْ لَهُ قَبْلَ السِّنِّ الَّذِي ذكرَهُ، فهذا إنَّما يَنْبَغِي
_________________
(١) في (م): «عن».
(٢) انظر: المحدّث الفاصل: ٣٥٢ (٢٨٧).
(٣) انظر: المحدّث الفاصل: ٣٥٢ (٢٨٧).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي الإلماع: «ومن».
(٥) «في» هنا للمصاحبة بمعنى «مَعَ». مغني اللبيب ١/ ٢٢٣.
(٦) في (م): «المتقديمن».
(٧) الإلماع: ٢٠٠ - ٢٠٤، وانظر: معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٤٠٣.
[ ٢ / ١٠٢ ]
لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ استيفاءِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ، فإنَّهُ مِظَنَّةٌ للاحتياجِ إِلَى مَا عِنْدَهُ.
(لاَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيْ) وسائِرِ مَنْ ذَكَرَهُم الْقَاضِي عِيَاضُ، مِمَّنْ حَدَّثَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ لبَرَاعةٍ مِنْهُمْ في العِلْمِ تَقَدَّمَتْ، ظَهَرَ لَهُمْ مَعَهَا الاحْتِياجُ إِلَيْهِمْ، فَحَدَّثُوْا قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لأنَّهُمْ سُئِلُوا ذَلِكَ إمَّا بصريحِ السُّؤَالِ، وإمَّا بقرينةِ الْحَالِ». انتهى (١).
فوقتُ التَّحْدِيثِ دائِرٌ بَيْنَ وقتِ الْحَاجَةِ، وسنٍّ مَخْصُوصٍ.
وأما الوَقتُ الَّذِي يُنْتَهَى إِلَيْهِ، فَقَدِ اختُلِفَ فِيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخَذَ في بَيَانِهِ، فَقَالَ:
٦٩١ - وَيَنْبَغِي الإِْمْسَاكُ إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ وَبالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلاَّدٍ جَزَمْ
٦٩٢ - فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ لَمْ يُبَلْ كَأَنَسٍ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ
٦٩٣ - وَالْبَغَوِيُّ وَالْهُجَيْمِيْ وَفِئَهْ كَالطَّبَرِيِّ حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِئَهْ
(وَيَنْبَغِي) لَهُ نَدْبًا (الإمْساكُ) عَن التَّحْدِيثِ (إِذْ) أي: وقتَ كَوْنِهِ (يُخْشَى الْهَرَمْ) الْمُفضي غَالِبًا إِلَى التَّغيُّرِ، وَخوفِ الخَرَفِ، والتَّخْلِيطِ، بِحَيْثُ يروي مَا لَيْسَ مِن حديثِهِ (٢).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «والنَّاسُ فِي السِّنِّ الَّذِي يَحْصَلُ بِهِ الْهَرمُ مُتَفاوِتونَ بِحَسَبِ اختلافِ أحوالِهِم» (٣).
(وبالثَّمَانِينَ) أي: بأحبيةِ الإمْساكِ عَنِ التَّحْدِيثِ عِنْدَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ (ابنُ خَلاَّدٍ) الرَّامَهُرْمُزِيُّ (جَزَمْ)، فَقَالَ: «إِذَا تَنَاهَى العُمرُ بالْمُحَدِّثِ فأعجبُ إليَّ أَنْ يُمْسِكَ في الثَّمَانِينَ، فإنَّهُ حدُّ الْهرمِ. والتَّسبيحُ، والذِّكرُ، وتلاوةُ الْقُرْآنِ، أَوْلَى بأبْناءِ الثَّمَانِيْنَ».
قَالَ (٤): (فإنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ)، وَرأيٍ يَعْرِفُ حَدِيْثَهُ، ويقومُ بِهِ، (لَمْ يُبَلْ) أي: لَمْ يُبالِ بِذَلِكَ، بَلْ رجوتُ لَهُ خيرًا (٥).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٣ بتصرف.
(٢) قال القاضي عياض: «الحدّ في ترك الشّيخ التحديث التغير، وخوف الخرف». الإلماع: ٢٠٤.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٣.
(٤) لم ترد في (ق).
(٥) المحدث الفاصل: ٣٥٤ (٢٨٩).
[ ٢ / ١٠٣ ]
(كَأَنَسٍ) هُوَ ابنُ مَالِكٍ، (وَمَالِكٍ) هُوَ ابنُ أَنَسٍ، (وَمنْ فَعَلْ) ذَلِكَ غَيْرُهُمَا، (وَ) أَبُو القاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ (البَغويُّ، وَ) أَبُو إسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ (الْهُجَيْمِيْ) نسبةً لهُجَيْمِ بنِ عَمْرٍو، (وفئهْ) أي: جَمَاعَةٌ غَيْرُهم، (ك) الْقَاضِي أَبِي الطيبِ (الطَّبريِّ) كُلُّهُمْ (حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِئَهْ) (١).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ تبعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: «وإنَّمَا كرهَ مَنْ كَرِهَ لأصحابِ الثَّمانينَ التَّحديثَ؛ لأنَّ الغالبَ عَلَى مَنْ بلغَها ضعفُ حالِه، وتغيُّرُ فهمه؛ فَلاَ يفطنُ لَهُ إلاّ بَعْدَ أنْ يَخْرَفَ ويخلِّطَ» (٢).
٦٩٤ - وَينْبغي إمْسَاكُ الاعْمَى إنْ يَخَفْ وَإِنَّ مَنْ سِيْلَ (٣) بِجُزْءٍ قَدْ عَرَفْ
٦٩٥ - رُجْحَانَ رَاوٍ فِيْهِ دَلَّ فَهْوَ حَقّْ وَتَرْكُ تَحْدِيْثٍ بِحَضْرَةِ الأَحَقّْ
٦٩٦ - وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الاخْذَ عَنْهُ بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
_________________
(١) انظر: الإلماع: ٢٠٤ - ٢٠٧. قال الزركشي: «وظاهره أنه وقع ذلك لغيرهم، وقد رأيت في فوائد رحلة المصنف بخطه: أخبرني بنيسابور الشّيخ أبو الحسن بن محمّد الطوسي بقراءتي عليه، عن الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمّد السمعاني المروزي رحمه الله تعالى قال: لا يعرف في الإسلام محدّث حدّث بعد استيفاء مئة إلا أبو القاسم البغوي وأبو إسحاق الهجيمي وأبو الطيب الطبري. قال الشّيخ أبو عمرو: قلت: هذا الحصر مردود، فهذا الحسن بن عرفة عاش مئة وعشرًا وكتب عنه خمسة قرون، وسماع إسماعيل الصفار منه - بمقتضى سنه - لا يكون إلا بَعْدَ المئة من سن الحسن، وأما قول ابن خلاد في كتابه: لا يعرف رجل في الإسلام حدّث بعد استيفائه مئة سنة إلا أبو إسحاق الهجيمي. فإنا لا نستدرك عليه؛ وذلك أنه أراد من حدّث بعد المئة ولم يحدّث قبلها، وذلك لا يعرف لغير الهجيمي فإنه آلى إلا يحدث بعد المئة إن يستوفي المئة فتم له ذلك، ولم يشاركه في ذلك البغوي والطبري وغيرهما». نكت الزركشي ٣/ ٦٣٨ - ٦٣٩. وانظر: المنتظم ٧/ ٢٣.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٣. قال الحافظ ابن كثير: «إذا كان الاعتماد على حفظ الشّيخ الرّاوي، فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن. وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه، فهاهنا كلما كان السن عاليًا كان الناس أرغب في السّماع عليه». اختصار علوم الحديث ٢/ ٤٢٥.
(٣) بكسر السين وتسهيل الهمزة؛ لضرورة الوزن، وسينبه الشارح عليه.
[ ٢ / ١٠٤ ]
٦٩٧ - وَلاَ تَقُمْ لأَحَدٍ وَأَقْبِلِ عَلَيْهِمِ وَلِلْحَدِيْثِ رَتِّلِ
٦٩٨ - وَاحْمَدْ وَصَلِّ مَعْ سَلاَمٍ وَدُعَا فِي بَدْءِ مَجْلِسٍ وَخَتْمِهِ مَعَا
(وَيَنْبَغِي) نَدْبًا أَيْضًا (١) (إمْسَاكُ الاعْمَى (٢» بالدرجِ - عَن التَّحْدِيثِ (إنْ يَخَفْ) أَنْ يدخلَ عَلَيْهِ في حَدِيْثِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
(وإنَّ مَنْ سِيْلَ) (٣) - بكسر السينِ، وتَخْفِيْفِ الْهَمْزَة -، أي: وينبغي لِمَنْ سُئِلَ في أَنْ يحدِّثَ (بِجُزْءٍ)، أَوْ نَحْوِهِ، و(قَدْ عَرَفْ رُجْحَانَ راوٍ) مِنْ مُعَاصِريهِ (فِيْهِ)، لكونِهِ أَعْلى سَندًا مِنْهُ فِيْهِ، أَوْ متصلَ السَّمَاعِ بالنِّسْبةِ إِلَيْهِ، أَوْ لغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُرجِّحَاتِ، (دَلَّ) أي: يدلُّ السَّائِلُ (٤) لَهُ عَلَيْهِ ليَأْخُذَهُ عَنْهُ. (فَهْوَ) أي: إرْشَادُهُ بالدَّلالةِ عَلَى ذَلِكَ (حَقّْ)، وَنَصيحةٌ في العِلْمِ؛ لأنَّ الراجِحَ عَلَيْهِ أحقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وغيرِهِم.
قَالَ شُرَيْحُ بنُ هانِئ: «سَأَلْتُ عائِشَةَ - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَن الْمَسْحِ - يعني عَلَى الْخُفَّيْنِ - فَقَالَتْ: إيتِ عَلِيًّا؛ فإنَّهُ أعلمُ بِذَلِكَ مِنِّي» (٥).
(وَ) يَنْبَغِي نَدْبًا للمحدِّثِ أَيْضًا (تَرْكُ تَحْديثٍ بِحَضْرةِ الأحقّْ)، أي: مَنْ هُوَ أحقُّ مِنْهُ بالتَّحْديثِ، فَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ إِذَا اجتمعَ مَعَ الشَّعْبِيِّ، لَمْ يتكلم إِبْرَاهِيْمُ بِشيْءٍ (٦).
_________________
(١) لم ترد في (ق).
(٢) في (م): «الأعمى» بإثبات الهمزة، ولم يفطن لقول الشارح.
(٣) في (م): «سئل».
(٤) في (ص): «السّامع».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٦٦)، وأحمد ١/ ١١٣، ومسلم ١/ ١٦٠ (٢٧٦) (٨٥)، والنسائي ١/ ٨٤، وأبو يعلى (٢٦٤)، وابن خزيمة (١٩٤)، وأبو عوانة ١/ ٢٦١ - ٢٦٢ و٢٦٢، والبيهقي ١/ ٢٧٢ و٢٧٥، والبغوي (٢٣٨) كلهم من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ به، وفي رواية ابن أبي شيبة من طريق معاوية، عن الأعمش، عن القاسم، عن شريح، به ولم يذكر (الحكم).
(٦) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٣٢٠.
[ ٢ / ١٠٥ ]
(وبعضُهُمْ كَرِهَ الاخذَ (١» بالدرجِ (عَنْهُ بِبَلَدٍ، وَفِيْهِ) مَنْ هُوَ (أَوْلَى) بِهِ (مِنْهُ)، لسنِّهِ، أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ غيرِهِ.
فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْن: «الَّذِي يُحَدِّثُ ببلدةٍ، وفيها أولى بالتَّحديْثِ مِنْهُ أحْمَقٌ (٢) وأنا إِذَا حدَّثْتُ ببلدٍ فِيْهِ مثلُ أَبِي مُسْهِر، فيجبُ لِلِحيَتِي أَنْ تُحْلَقَ» (٣).
(وَلاَ تَقُمْ) نَدْبًا إِذَا كُنْتَ بِمَجْلِسِ التَّحْديثِ، ولا القارِئ أَيْضًا (لأَحَدٍ) إكْرامًا لِلْحَدِيْثِ. وَعَنْ الْفَقيهِ أَبِي زيدٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيِّ، أنَّهُ قَالَ:
«القارِئُ لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، إِذَا قامَ لأحدٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خطيئَةٌ» (٤).
_________________
(١) في (م): «الأخذ» بإثبات الهمزة.
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) رواه الخطيب في الجامع ١/ ٣١٩ (٧٠١). قال الزركشي في نكته ٣/ ٦٤٢: «سئل ابن المبارك وسفيان بن عيينة حاضر، فقال: نهينا أن نتكلم عند أكابرنا. قلت: إلا بإذنه. وقد بوّب ابن عبد البر بابًا في فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه، واستشهد بحديث معاذ لما أراد النّبيّ - ﷺ - بعثه إلى اليمن، قال: دعا أبا بكر وعمر وقال: أشيروا عليّ فيما آخذ من اليمن، قالا: يا رسول الله قد نهى الله أن يتقدم بين يدي الله ورسوله، فكيف نقول وأنت حاضر؟ فَقَالَ رَسُوْل الله - ﷺ -: إذا أمرتكما فلم تتقدما بَيْن يدي الله ورسوله. قال عبد الرحمان بن غنم: فقلت لمعاذ: فللرجل العالم أن يقول ومن معه عداده من الناس في الأمر لابد منه، قال: إن شاء قال وإن شاء أمسك حتّى يكفيه أصحابه وذلك أحب إلي، قال أبو عمر: هذا حديث لا يحتج بمثله لضعف إسناده، ولكنه حديث حسن نقله الناس». وانظر: جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٢٠ - ١٢١. وللعلامة ابن دقيق العيد تقييد حسن لهذا الإطلاق، فقال: «ولابد أن يكون ذلك مشروطًا بأن لا يعارض هذا الأدب ما هو مصلحة راجحة عليه. ومن الآداب المذكورة: أنه إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره بإسنادٍ أعلى من إسناده، أو أرجح من وجهٍ آخر، أن يعلم الطّالب به ويرشده إليه نصحًا. وهذا أيضًا يفصل الحال فيه: وينبغي أن يكون عند الاستواء فيما عدا الصفة المرجحة، أما مع التفاوت: بأن يكون الأعلى إسنادًا عاميًا لا معرفة له بالصنعة، والأنزل إسنادًا عارفًا ضابطًا، فهذا يتوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور؛ لأنّه قد يكون في الرّواية عن هذا الشخص العامي ما يوجب خللًا». الاقتراح: ٢٧٠ - ٢٧١.
(٤) نقله ابن الصّلاح. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٦، وفتح المغيث ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ٢ / ١٠٦ ]
(وَ) لاَ تخُصَّ أحدًا مِمَّنْ تُحدِّثُهم بإقبالِكَ عَلَيْهِ، بَلْ (أَقْبِلِ عَلَيْهِمِ) - بكسرِ الميم - جَمِيعًا نَدبًا، لِقَوْلِ حبيبِ بنِ أَبِي ثابتٍ: «إنَّهُ من السُّنَّةِ» (١).
(ولِلحَدِيْثِ رَتِّلِ) نَدْبًا، ولا تسرُدْهُ سَرْدًا يَمْنعُ السَّامِعَ مِن إدْرَاكِ بَعْضِهِ، فَفِي
" الصَّحِيْحَيْنِ " (٢) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْرِدُ الْحَدِيْثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣). زادَ التِّرْمِذِيُّ: «وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ»، قَالَ: إنَّهُ حَسَنٌ صَحِيْحٌ (٤).
ولا تُطِلِ الْمَجْلِسَ، بَلْ اجْعَلْهُ مُتوسِّطًا، حَذَرًا من سآمَةِ السَّامِعِ وَمَللِهِ، إلا إنْ علمتَ أن الْحَاضِرينَ لا يتبرمون بطولِهِ.
فَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ وغيرُهُ: «إِذَا طالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيْهِ نَصِيبٌ» (٥).
(واحْمَدْ) رَبَّكَ تَعَالَى، (وَصَلِّ مَعْ سَلامٍ) عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، (وَ) مَعَ (دُعَا) (٦) يَلِيقُ بِالْحَالِ (في بدء) كُلِّ (مَجْلِسٍ وَ) في (خَتْمِهِ مَعَا)، فكُلُّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ.
كأنْ يَقُوْلَ (٧): «الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
_________________
(١) رواه الْخطيب في الجامع ١/ ٣٠٥ (٦٨٥) و١/ ٤١١ (٩٨١).
(٢) قلّد المصنف هنا الحافظ العراقي، فإنّه عبر بنفس كلامه هنا، وقول المصنف هذا فيه إيهام أن البخاري أخرج الحديث موصولًا، وليس الأمر كذلك؛ إنما أخرجه البخاري تعليقًا ٤/ ٢٣١ (٣٥٦٧)، قال الليث: حدَّثني يونس، عن ابن شهاب أنّه قال: أخبرني عُروة بن الزبير، عن عائشة ، وانظر: تحفة الأشراف ١٢/ ١٠٥ (١٦٦٩٨)، فقد نص على أنَّه معلق عند البخاري.
(٣) أخرجه الحميدي (٢٤٧)، وأحمد ٦/ ١١٨ و١٣٨ و١٥٧ و٢٥٧، والبخاري ٤/ ٢٣١ (٣٥٦٧ معلقًا)، ومسلم ٧/ ١٦٧ (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٤) و(٣٦٥٥) و(٤٨٣٩)، وفي الشمائل (٢٢٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٣)، وأبو يعلى (٤٣٩٣) و(٤٦٧٧)، وابن حبان (٧١٥٣) من حديث عروة عن عائشة.
(٤) الترمِذي (٣٦٣٩).
(٥) رواه الخطيب في الجامع ٢/ ١٢٨ (١٣٨٥)، وانظر: أدب الإملاء والاستملاء: ٦٨.
(٦) في (م): «ودعاء».
(٧) في (ع) و(م): «تقول».
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَيَرْضَى اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ، وكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ الْغَافِلُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وآلِ كُلٍّ، وَسَائِرِ الصَّالِحِيْنَ، نَهَايَةَ مَا يَنْبَغِي أنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُوْنَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا استَعَاذَ (١) مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -» (٢).
٦٩٩ - وَاعْقِدْ لِلاِمْلاَ مَجْلِسًا فَذَاكَ مِنْ أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالاَخْذِ (٣) ثُمَّ إِنْ
٧٠٠ - تَكْثُرْ (٤) جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا مُحَصِّلًا ذَا يَقْظَةٍ مُسْتَوِيَا
٧٠١ - بِعَالٍ اوْ فَقَائِمًا يَتْبَعُ ما يَسْمَعُهُ مُبَلِّغًا أَوْ مُفْهِمَا
٧٠٢ - واسْتَحْسَنُوْا الْبَدْءَ بِقَارئ تَلاَ وَبَعْدَهُ اسْتَنْصَتَ ثُمَّ بَسْمَلاَ
٧٠٣ - فَالْحَمْدُ فَالصَّلاَةُ ثُمَّ أَقْبَلْ يَقُوْلُ: مَنْ أَوْمَا ذَكَرْتَ وَابَتهَلْ
٧٠٤ - لَهُ وَصَلَّى وَتَرَضَّى رَافِعا وَالشَّيْخُ تَرْجَمَ الشُّيُوْخَ وَدَعَا
(واعْقِدْ) نَدْبًا، إنْ كُنْتَ محدِّثًا عَارِفًا، (للاِمْلا) - بالدرجِ، والقَصْرِ للوزنِ - في الْحَدِيْثِ (مَجْلِسًا) مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كتابِكَ، والْحِفْظُ أشْرَفُ.
(فَذَاكَ) أي: الإمْلاَءُ (منْ أرفعِ) وجوهِ (الاسْماعِ) - بالدرجِ - من الْمُحَدِّثِ (والاخذِ) (٥) -بالدرجِ- للطَّالِبِ، بَلْ هُوَ أرْفعُهَا، كَمَا مَرَّ بيانُهُ في أَوَّلِ أقسامُ التَّحَمُّلِ. وَمِن فَوَائِدِه: اعتِنَاءُ الرَّاوِي بطُرُقِ الْحَدِيْثِ، وَشَواهِدِهِ، وَمُتَابعاتِهِ.
_________________
(١) في (ع): «استعاذك».
(٢) قال الزركشي معقّبا على هذا الكلام: «اعلم أنّ المأثور في التحميد والصلاة أفضل من هذا، وقد ورد في التحميد سنن مشهورة فينبغي اتباعها، وكذلك تتبع السنة الصحيحة في الصلاة على النبي - ﷺ -، وقد نبّه على هذا النووي -رحمه الله تعالى-». نكت الزركشي٣/ ٦٤٦، وانظر: روضة الطالبين ١١/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) بدرج همزة (الإسماع) و(الأخذ) على التوالي؛ لضرورة الوزن.
(٤) في (أ): «يكثر».
(٥) في (م): «والأخذ» بإثبات الهمزة، ولم يفقه الناشر قول الشارح.
[ ٢ / ١٠٨ ]
(ثُمَّ إنْ تَكْثُرْ جُمُوعٌ) مِنَ الْحَاضِرينَ (فاتَّخِذْ) وجوبًا (مُسْتَمليا) يتَلَقَّنُ مِنْكَ للاحْتِياجِ إِلَيْهِ، بِخِلافِ مَا إِذَا قَلَّتْ، (مُحصِّلًا ذا يَقْظَةٍ) -بإسْكانِ القَافِ للوزنِ-، أي: مُتَيَقِّظًا بارِعًا في الفَنِّ اقتداءً بأئِمَّةِ الْحَدِيْثِ، كمالِكٍ، وشُعْبَةَ، ووكيعٍ، وأبِي عاصمٍ (١).
وروى أَبُو داودَ وغيرُهُ من حَدِيْثِ رافِعِ بنِ عَمْرٍو، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ (٢) بِمِنَى حِيْنَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَليٌّ - ﵁ - يُعَبِّرُ عَنْهُ» (٣).
فإنْ تَكَاثرَ الْجَمْعُ، بِحَيثُ لا يَكْفِي واحِدٌ فَزِدْ بِحسبِ الْحَاجَةِ، فَقَدْ أمْلَى أَبُو مُسْلِم الكَجِّيُّ في «رَحْبَةِ غَسَّانَ» (٤)، وَكَانَ في مَجْلِسِهِ سبعةُ مُسْتَمْلِينَ، يُبَلِّغُ كُلٌّ مِنْهُمْ صاحبَهُ الَّذِي يَلِيهِ (٥).
وَخَرَجَ بالْمتيقِّظِ: الْمغَفَّلُ كمستَمْلِي يَزيدَ بنِ هَارُونَ، حَيْثُ قَالَ لَهُ يَزيدُ: حَدَّثَنَا عِدَّةٌ. فَقَالَ: عدَّةُ ابنُ مَنْ؟ فَقَالَ لَهُ يَزِيْدُ: عدةُ ابنُ فقدتُّكَ (٦).
ويندبُ أنْ يَكُوْنَ جَهُوْرِيَّ الصَّوْتِ، (مُسْتَوِيا) أي: جالِسًا (بـ) مكَانٍ (عَالٍ)، كَكُرْسيٍّ (٧)، (اوْ) (٨) -بالدرجِ- (فَقَائِمًا) -عَلَى قَدَمَيْهِ- كابنِ عُلَيَّةَ، بِمَجْلِسِ
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٥٥ - ٥٦.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) أخرجه أبو داود (١٩٥٦)، والنسائي في الكبرى (٤٠٩٤) كلاهما عن مروان، عن هلال بن عامر المزني، قال حدّثني رافع بن عمرو المزني، به.
(٤) رحبة: - بالفتح - الموضع المتسع بين أفنية البيوت. قال في المراصد ٢/ ٦٠٨: «والرحاب كثيرة». والذي يظهر أن هذا الموضع ساحة عامة تنسب إلى رجلٍ يدعى غسان، ولم نتحقق موضعها الآن.
(٥) انظر: تاريخ بغداد ٦/ ١٢١ - ١٢٢، والجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٥٣ (١١٦٠)، وأدب الإملاء والاستملاء: ٩٦.
(٦) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٦٦ - ٦٧ (١٢٠١)، وأدب الإملاء والاستملاء: ٨٩ - ٩٠. واسم هذا المستملي: بربخ.
(٧) قيّد ابن السمعاني ذلك بما إذا كثر عدد من يحضر السماع، وكانوا بحيث لا يرون وجه المستملي، فيستحب أن يجلس على منبر أو غيره حتّى ترى الجماعة وجهه ويبلغهم صوته. وانظر: أدب الإملاء: ٥٠، ونكت الزركشي ٣/ ٦٥٠.
(٨) في (م): «أَوْ» بإثبات الهمزة، وهو ذهول.
[ ٢ / ١٠٩ ]
مَالِكٍ (١) وآدمِ بنِ أَبِي إياسٍ، بِمَجْلِسِ شُعْبَةَ (٢) تَعْظِيمًا لِلْحَدِيْثِ، ولأنَّ ذَلِكَ أبلغُ لِلسَّامِعينَ.
(يتْبَعُ) الْمُسْتَمْلِي (مَا يَسْمَعُهُ) مِنْكَ، وَيوردُهُ عَلَى وَجْهِهِ مِن غَيْرِ تغيُّرٍ (مُبَلِّغًا) بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلغْهُ لفظُ الْمُمْلِي، (أَوْ مُفْهِمَا) بِهِ مَنْ يبلغُهُ عَلَى بُعْدٍ، وَلَمْ يَتَفَهَّمْهُ فيتوصَّلُ بِصَوتٍ الْمُسْتَمْلِي إِلَى تَفَهُّمِهِ، وتَحَقُّقِهِ (٣). وَقَدْ تَقَدمَ بيانُ حُكْمِ مَنْ يَسْمَع إلا مِنَ الْمُسْتَمْلِي.
(واسْتَحْسَنُوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ مِمَّنْ تَصَدَّى للإملاءِ، أَوْ التَّحْدِيثِ (البَدْءَ) أي: الابتداءَ في مَجْلِسِهِ (بِقارِئِ تَلاَ) أي: بقراءةِ قَارِئٍ مِنَ الْمُسْتَمْلِي، أَوْ الْمُمْلِي، أَوْ غَيْرِهِما مِنَ الْحَاضِرِينَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (٤).
فَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ - ﵃ -، إِذَا قَعَدُوا يَتَذاكَرُونَ في الْعِلْمِ يأمرُونَ رَجُلًا أَنْ يَقْرأ سُوْرَةً (٥)، واختارَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِلنَّاظِمِ أَنْ تَكُونَ (٦) سورةَ «الأعلَى»، لِمُناسَبَةِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ (٧).
(وبَعْدَهُ) أي: بَعْدَ (٨) الفَرَاغِ مِن التِّلاوَةِ (اسْتَنْصَتَ) أي: الْمُسْتَمْلِي، أَوْ الْمُمْلِي، أَوْ غيرهما إن احْتِيجَ للاسْتِنْصَاتِ اقتداءً بِمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ " من قولِهِ - ﷺ - لِجَريرٍ في حجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» (٩).
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٦٦ (١٢٠٠)، وأدب الإملاء والاستملاء: ٨٨ - ٨٩.
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٥٦ (١١٥٥)، وأدب الإملاء والاستملاء: ١٥.
(٣) قال الزركشي: «عبارة الخطيب: ويستحب له ألا يخالف، وكذا قال ابن السمعاني في أدب الإملاء، ثُمَّ صرّح بالوجوب فقال: ويستحب للمستملي ألا يخالف لفظ المملي في التبليغ عنه، بل يلزمه ذلك، خاصة إذا كان الراوي من أهل الدراية والمعرفة بأحكام الرواية». نكت الزركشي ٣/ ٦٥٠، وانظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٦٧، وأدب الإملاء: ١٠٥.
(٤) انظر: أدب الإملاء والاستملاء: ٩٨. وقال الخطيب: سورة من القرآن. انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٦٨ عقب (١٢٠٦).
(٥) انظر: الفقيه والمتفقه ٢/ ١٢٧، والجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٦٨ (١٢٠٧).
(٦) في (م): «يكون».
(٧) الأعلى: ٦.
(٨) لم ترد في (م).
(٩) صحيح البخاري ١/ ٤١ (١٢١) و٥/ ٢٢٤ (٤٤٠٥) و٩/ ٣ (٦٨٦٩) و٦٣ (٧٠٨٠) وصحيح مسلم ١/ ٥٨ (٦٥). وأخرجه الطيالسي (٦٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٧١٦٤)، وأحمد= =٤/ ٣٨٥ و٣٦٣ و٣٦٦، والدارمي (١٩٢٧)، وابن ماجة (٣٩٤٢)، والنسائي ٧/ ١٢٧ و١٢٨ وفي الكبرى (٥٨٨٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٩٦)، وابن حبان (٥٩٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٢٧٧) (٢٤٠٢)، وابن مندة في الإيمان (٦٥٧)، والبغوي (٢٥٥٠).
[ ٢ / ١١٠ ]
(ثُمَّ) بَعْدَ إنصاتِهِمْ (بسمَلاَ) أي: الْمُسْتَمْلِي، أي: قَالَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ» أَوَّلًا (فَالْحَمْدُ) للهِ، (فالصَّلاةُ) والسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - (١) لِخَبَرِ: «كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ، لَمْ يُبْدَأْ فِيْهِ بِبِسْمِ اللهِ. وفِي رِوَايَةٍ: بِحَمْدِ اللهِ وفي رِوَايَةٍ: وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ -، فَهُوَ أقطعُ» (٢).
فَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ استعمالُ الرِّوَاياتِ الثَّلاثِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (أَقبَلْ) أي: الْمُسْتَمْلِي عَلَى الْمُمْلِي (يَقُوْلُ) أي: قائِلًا لَهُ: (مَن) ذكرتَ، أَوْ مَن (٣) حَدَّثَكَ مِنَ الشُّيُوخِ، (أَوْ مَا ذكرتَ) من الأحاديثِ؟
(وابتهَلْ) أي: دَعَا (لَهُ) مَع ذَلِكَ بقولِهِ: رَحِمَكَ اللهُ، أَوْ أصْلَحَكَ اللهُ (٤) أَوْ غفَرَ اللهُ لَكَ، أَوْ نَحوَهُ (٥).
_________________
(١) ينظر الجامع لأخلاق الرواي ٢/ ٦٩، وأدب الإملاء: ٩٨.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٨، وأبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٢٨)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٩٤)، وابن حبان (١) و(٢)، والدارقطني ١/ ٢٢٩، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩. كلهم من طريق قرة بن عبد الرحمان عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا موصولًا به. وقد خالف قرة في هذا الحديث أصحاب الزهري (يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، والحسن بن عمر» الّذين رووه عن الزهري مرسلًا. أخرجه النسائي هكذا في عمل اليوم والليلة (٤٩٥) و(٤٩٦) و(٤٩٧)، ورجح الدارقطني في السنن ١/ ٢٢٩ وفي علله ٨/ ٣٠ الرّواية المرسلة على الموصولة. وانظر: تخريجًا موسعًا كتبه الشّيخ شعيب في تعليقه على مسند الإمام احمد١٤/ ٣٢٩ - ٣٣١ (٨٧١٢)، وضعيف ابن ماجة للألباني (٤١٥)، وإرواء الغليل (٢).
(٣) لفظ الجلالة لم يرد في (م).
(٤) ساقطة من (م).
(٥) روي عن يحيى بن أكثم، قال: «نلت القضاء، وقضاء القضاة، والوزارة، وكذا، وكذا. ما سررت بشيء مثل قول المستملي: من ذكرت رحمك الله». انظر: الجامع ٢/ ٧١ (١٢١٥)، وأدب الإملاء: ١٠٤.
[ ٢ / ١١١ ]
(وَ) إِذَا انْتَهَى تَبَعًا لِلْمُمْلِي إِلَى ذكرِ النَّبِيِّ - ﷺ - من الإسنادِ (صَلّى)، وسلمَ عَلَيْهِ نَدْبًا، وإنْ تكرَّرَ ذَلِكَ.
(وَ) كَذَا إِذَا انْتَهَى إِلَى ذِكرِ أحدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - (تَرَضَّى) عَنْهُ (رَافِعا) صَوْتَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فإنْ كَانَ ذَلِكَ (١) الصَّحَابِيُّ أبُوه صَحَابِيٌّ، أَوْ أبُوهُ وجدُّهُ صَحَابِيانِ، وذَكَرَ الْجَمِيْعَ، قَالَ: ﵄، أَوْ عَنْهُمْ.
وَيندبُ أَيْضًا التَّرَضِّي، والتَّرَحُّمُ عَلَى الأئِمَّةِ، فَقَدْ قَالَ القَارِئُ لِلرَّبِيعِ بنِ سُلَيْمَانَ يَوْمًا: حَدَّثَكُمْ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقُلْ: - ﵁ -، فَقَالَ الرَّبِيعُ: «وَلاَ حَرفٌ، حَتَّى يُقالَ: رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ» (٢).
(والشَّيْخُ) الْمُمْلِي (تَرْجَمَ الشُّيُوخَ) الَّذِيْنَ رَوَى عَنْهُمْ بِذكرِ بَعْضِ أوْصَافِهِم الْجَمِيلَةِ، (وَدَعَا) لَهُمْ بالْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وَنَحْوِهِما (٣).
لأنَّهُمْ آباؤُهُ في الدِّينِ، وَهُوَ مَأمُورٌ بالدُّعَاءِ لَهُمْ، وبِبِرِّهِم،
وذِكْرِ مَآثِرِهِم والثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، كأنْ يَقُوْلَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، أَوْ الأَمينُ، أَوْ الْحَبِيبُ الأمينُ، أَوْ الْحَافِظُ فُلاَنٌ، أَوْ حَدَّثَنِي فُلاَنٌ، وَكَانَ مِن مَعَادِنِ الصِّدْقِ، ثُمَّ يَسُوقُ سَنَدَهُ (٤).
٧٠٥ - وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
٧٠٦ - لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ (٥) فَصُنْ
٧٠٧ - وَارْوِ فِي الاِمْلاَ عَنْ شُيُوْخِ قَدِّمِ أَوْلاَهُمُ (٦) وَانْتَقِهِ وَأَفْهِمِ
_________________
(١) في (م) و(ص): «ذاك».
(٢) انظر: الجامع ٢/ ١٠٦ - ١٠٧ (١٣١٦)، وأدب الإملاء: ٦٣.
(٣) لم ترد في (ص).
(٤) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٨٥ - ٨٧ (١٢٤٥) و(١٢٤٦) و(١٢٤٧) و(١٢٤٨) و(١٢٥٠) و(١٢٥٤).
(٥) الأصل عدمُ صرفه، والوجهان جائز وزنًا، غير أنّ النَّاظِم اختار صرفه؛ بالمراعاة كراهة العرب توالي ثلاثة متحركات.
(٦) في (ج): «أعلاهم»، ويجب في كلتا الحالتين إشباع حركة الميم؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ١١٢ ]
٧٠٨ - مَا فِيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ وَلاَ تَزِدْ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ فَوْقَ مَتْنٍ وَاعْتَمِدْ
٧٠٩ - عَالِيَ إِسْنَادٍ (١) قَصِيْرَ مَتْنِ وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ خَوْفَ الْفَتْنِ
(وَ) أما (ذِكْرُ) راوٍ (مَعْرُوْفٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَقَبْ) اشتُهرَ بِهِ، (كَغُنْدَرٍ) لِمُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ وغيرِهِ، مِمَّا يَأْتِي في بَابِ الألْقَابِ. (أَوْ) من (وَصْفِ نَقْصٍ)، كَالْحَولِ لِعَاصِمٍ، والشللِ لْمَنْصُورٍ، والْعَرجِ لعبدِ الرَّحْمَانِ بنِ هُرْمُزَ. (أَوْ) من (نَسَبْ لأُمِّهِ) كابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وابنِ بُحَيْنةَ. (فَجَائِزٌ) لقولِهِ - ﷺ - لما سلَّمَ من رَكْعَتينِ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ: «أكَمَا يَقُوْلُ ذُوْ الْيَدَيْنِ؟» (٢)؛ ولأنَّ ذَلِكَ إنَّما يذكرُ (٣) لِلْبَيانِ والتَّمْييزِ.
هَذَا (مَا لَمْ يَكُنْ) مَنْ يوصفُ بِهِ (يَكْرَهُهُ). أمَّا إِذَا كَانَ يَكْرهُهُ
(كابنِ عُلَيَّةٍ)، والأصمِّ، (فَصُنْ) نَفْسَكَ عَن ارتِكَابِهِ؛ لأنَّهُ حينئذٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ (٤).
_________________
(١) في (ب) و(ج): «الإسناد».
(٢) أخرجه أبو داود (١٠١٧)، وابن ماجه (١٢١٣)، وابن خزيمة (١٠٣٤). من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. مرفوعًا به. ورواه مالك (٧٩)، والحميدي (٩٨٣)، وأحمد ٢/ ٣٧ و٢٣٤ و٢٤٧ و٢٨٤، والدارمي (١٥٠٤)، والبخاري ١/ ١٢٩ (٤٨٢) و١٨٣ (٧١٤) و٢/ ٨٦ (١٢٢٨) و(١٢٢٩) و٨/ ٢٠ (٦٠٥١) و٩/ ١٠٨ (٧٢٥٠)، ومسلم ٢/ ٨٦ (٥٧٣) (٩٧) (٩٨)، وأبو داود (١٠٠٨) و(١٠٠٩) و(١٠١٠) و(١٠١١)، وابن ماجه (١٢١٤)، والترمذي (٣٩٤) و(٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٠ و٢٢ و٢٦، وفي الكبرى (٤٨٦) و(٤٨٧) و(٤٨٨) و(١٠٥٦) و(١٠٥٧) و(١٠٦٦) و(١٠٦٧)، وابن الجارود (٢٤٣)، وابن خزيمة (٨٦٠) و(١٠٣٥) و(١٠٣٦)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٤٤ و٤٤٥، وابن حبان (٢٢٥٢) و(٢٢٥٣) و(٢٢٥٤) و(٢٢٥٥)، والبيهقي ٢/ ٣٤٦ و٣٥٣ و٣٥٤. كلهم من طرق عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة، به مرفوعًا.
(٣) «إنما يذكر» لم ترد في (ص).
(٤) الحجرات: ١١.
[ ٢ / ١١٣ ]
ولأنَّ الإمامَ أَحْمَدَ نَهَى ابنَ مَعيْنٍ، أَنْ يَقُوْلَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ عُلَيَّةَ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: قُلْ إِسْمَاعِيْلَ بنَ إِبْرَاهِيْمَ، فإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أنْ ينسَبَ إِلَى أُمِّهِ، وَلَمْ
يخالفْهُ ابنُ مَعِيْنٍ فِيْهِ، بَلْ قَالَ: «قَدْ قبلناهُ مِنْكَ يَا مُعَلمَ الْخَيْرِ» (١).
قَالَ النَّاظِمُ هُنَا: «والظَّاهِرُ أنَّ ما قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ الأدَبِ، لا اللزومِ» (٢). لكنَّهُ أقرَّ ابن الصَّلاَحِ في "النظم" في بَحْثِ الألْقَابِ عَلَى التَّحْرِيْمِ.
وهذا فيمَنْ عُرفَ بغَيْرِ ذَلِكَ، وإلا فَلاَ تَحْريْمَ، ولا كَرَاهَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الإمامُ أَحْمَدُ (٣).
(وارْوِ) نَدْبًا (في الاملا) (٤) بالدرجِ والقصرِ (عَنْ شُيُوخِ) رويتَ عَنْهُمْ، ولا تَقْتَصِرْ عَلَى شَيخٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لأنَّ التَّعدُّدَ أكثرُ فَائِدةً، و(قَدِّمِ) مِنْهُمْ (أَوْلاَهُمُ) سنًّا، أَوْ عُلو إسْناد، ونحوَهُ (٥).
(وانْتَقِهِ) أي: الْمَرْوِيَّ بالإمْلاءِ أَيْضًا، أي: ائتِ بخيارِهِ بِحيثُ يَكُوْنُ أنفع، وأعمَّ فَائِدَةً.
وأنْفَعُهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ - الأحَادِيثُ الْفِقْهيَّةُ (٦).
(وأفهِمِ) أَنْتَ، أي: بَيِّنْ نَدْبًا لِلسَّامِعِينَ (مَا فِيْهِ مِنْ (٧) فَائِدَةٍ) مِن بيانِ مُجْمَلٍ، أَوْ غَرِيبٍ، أَوْ عِلَّةٍ فِيْمَا تُمْلِيهِ (٨).
_________________
(١) أسنده الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٧٩ (١٢٣٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢٤.
(٣) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٠٨.
(٤) في (م): «في الاملاء» بإثبات الهمزة، وهو ذهول.
(٥) في (ع) و(ص): «أو نحوه».
(٦) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١١٠ عقب (١٣٢٧).
(٧) ليست في (ق).
(٨) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١١١ عقب (١٣٢٩).
[ ٢ / ١١٤ ]
ويندبُ أنْ يُنَبِّهَ عَلَى فَضْلِ مَا يَرْوِيهِ، وعلى علوِّ سَنَدِهِ، وثقةِ راوِيهِ، وَمَا انْفَرَدَ عَنْ شيخِهِ بِهِ، وَكونِ الْحَدِيْثِ لا يُوْجَدُ إلاّ عِنْدَهُ (١). (وَلاَ تَزِدْ) في إمْلائِكَ (عَنْ كُلِّ شَيْخٍ) مِن شُيوخِكَ (فَوْقَ مَتْنٍ) واحِدٍ، فإنَّهُ أعمُّ منفعَةً.
(واعتمِدْ) فِيْمَا تَرْويهِ (عاليَ إسْنادٍ قَصيرَ مَتْنِ)، لِمَزيدِ الفائدةِ فِيْهِ (٢)، (واجْتَنِبِ) في إمْلائِكَ (الْمُشْكِلَ) مِنَ الأحاديثِ التِي لا تَحْتملها (٣) عُقُوْلُ الْعَوامِ، كأحَادِيثِ الصِّفَاتِ التِي ظَاهِرُهَا يقتضي التَّشْبيهَ والتَّجْسِيمَ، وإثْبَاتِ الْجَوارِحِ، والأعْضَاءِ للأزليِّ الْقَديْمِ (خَوفَ الْفَتْنِ) - بفتحِ الفاءِ من فَتَنَ -، أي: خوفَ الافتِتَانِ، والضَّلالِ؛ فإن سامعَها لجهلِهِ مَعَانِيهَا، يَحْمِلُها عَلَى ظَاهِرَها، أَوْ يُنْكِرُهَا فيردُّهَا، و(٤) يكذِّبُ رواتها (٥). وَقَدْ صَحَّ قولُهُ - ﷺ -: «كَفَى بِالْمَرْءِ كِذْبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٦).
وقولُ ابنِ مَسْعُودٍ: «إنَّ الرَّجُلَ ليحدِّثَ بالْحَدِيْثِ، فَيَسمعُهُ مَنْ لا يَبْلغُ عقلُهُ فهمَ ذَلِكَ الْحَدِيْثِ فَيَكُوْنُ عَلَيْهِ فِتْنَةً». (٧)
وَقَوْلُ الإمَامِ مَالِكٍ: «شَرُّ العِلْمِ: الغَرِيْبُ، وَخَيْرُ العِلْمِ: الْمَعْرُوْفُ الْمُسْتَقِيمُ» (٨).
وأَمَّا خَبَرُ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ وَلاَ حَرَجَ» (٩). فَقَالَ بعضُ العُلَمَاءِ إنَّ قَوْلَهُ:
_________________
(١) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٩٣ عقب (١٢٧٢)، و٢/ ٩٧ عقب (١٢٨٣)، و٢/ ١٠٢ عقب (١٣٠١) و(١٣٠٢)، و٢/ ١٢٠ عقب (١٣٦٠)، و٢/ ١٢٢ عقب (١٣٦٦).
(٢) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٨٨ عقب (١٢٥٨).
(٣) في (م): «تحملها».
(٤) في (م): «أو».
(٥) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٠٧ - ١٠٨ عقب (١٣١٧).
(٦) الجامع٢/ ١٠٨ (١٣١٩). والحديث أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه١/ ٨، وأبو داود (٤٩٩٢).
(٧) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١١ وفيه انقطاع.
(٨) روى نحوه الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٠٠ (١٢٩٢).
(٩) تقدم تخريجه من حديث عبد الله بن عمرو وأخرجه الحميدي (١١٦٥)، وأحمد ٢/ ٤٧٤ و٥٠٢، وأبو داود (٣٦٦٢) من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
[ ٢ / ١١٥ ]
«وَلاَ حَرَجَ» في مَحَلِّ الْحَالِ، أي: حَدِّثُوا عَنْهُمْ حَالَةَ كَوْنِهِ لاَ حَرَجَ في التَّحْدِيْثِ عَنْهُمْ (١).
٧١٠ - وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ (٢) فِي الأَوَاخِرِ بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ
٧١١ - وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ مُتْقِنُ مَجَالِسَ الإِمْلاَءِ فَهْوَ حَسَنُ
٧١٢ - وَلَيْسَ بِالإِْمْلاءِ حِيْنَ يَكْمُلُ غِنًى عَنِ الْعَرْضِ لِزَيْغٍ يَحْصُلُ
(واستُحْسِنَ) لِلْمُمْلِي (الإنْشادُ) الْمُبَاحُ الْمُرَقِّقُ لِلْقُلُوبِ (٣) (في الأَوَاخِرِ) من مَجَالِسِ الإِمْلاَءِ (بَعْدَ الْحِكَايَاتِ) اللّطِيْفَةِ (مَعَ النَّوادِرِ) الْحَسَنَةِ، وإِنْ كَانَتْ مُنَاسَبةً لْمَا أَمْلاَهُ، فَهُوَ أَحْسَنُ. كُلُّ ذَلِكَ بِإسْنَادِهِ عَلَى عَادَةِ الأئِمَّةِ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (٤).
وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -: «رَوِّحُوا القُلُوبَ، وابْتَغُوا لَهَا طُرَفَ الْحِكْمةِ» (٥).
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ لأصْحَابِهِ: «هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ، هَاتُوا مِنْ حَدِيْثِكُمْ، فَإِنَّ الأُذُنَ مَجَّاجَةٌ، وَالقَلْبُ حَمضٌ» (٦)، أي: مشتهٍ للحمضِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَإنَّمَا أُخِذَ مِن شَهْوةِ الإبِلِ لِلحمضِ، وَهُوَ ما مَلَحَ وأَمَرَّ من النَّبَاتِ كَالأثلِ وَالطّرفاءِ، لأنَّهَا إِذَا ملَّتَ الْخلةَ، وَهُوَ مِن النَّبَاتِ مَا كَانَ حُلوًا، اشْتَهَتِ الْحَمضَ، فتحولَ إليهِ (٧).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢٨.
(٢) في (ج): «الاسناد».
(٣) في (ق): «للقلب».
(٤) بوب له الخطيب في الجامع ٢/ ١٢٩ عقب (١٣٨٨).
(٥) الجامع ٢/ ١٢٩ رقم (١٣٨٩)، وفيه محمد بن حمير مجهول، وقد قال الدارقطني: لا أعرفه. لسان الميزان ٥/ ١٥٠.
(٦) الجامع ٢/ ١٣٠ رقم (١٣٩٢).
(٧) انظر: الصحاح ٣/ ١٠٧٢ (حمض). و«الأذن مجّاجة» أي: «لا تعي ما تسمع، ولكنها تلقيه نسيانًا، كما يُمَجُّ الشيء من الضم». انظر: لسان العرب ٣/ ٤٣٩ (مجج). وانظر: تاج العروس ١٨/ ٣٠٢.
[ ٢ / ١١٦ ]
ثُمَّ ما مَرَّ مَحلُهُ في الرَّاوِي (١) العَارِفِ غَيْرِ العَاجِزِ. (وإنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ) الَّذِيْنَ لَيْسُوا أهْلًا لِلْمَعْرِفَةِ بالْحَدِيْثِ، وَعِلَلِهِ، وَاخْتِلاَفِ طُرُقِهِ، أَوْ أهْلًا لِذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ عَجزوا عَن التَّخْرِيْجِ، وَالتَّفْتِيْشِ، لِكِبَرِ سنٍّ، أَوْ ضعفِ بدنٍ (مُتْقِنُ) مِنْ حُفَّاظِ وَقْتِهِمْ (مَجَالِسَ الإمْلاءِ) التِي يُرِيْدُوْنَ إمْلاءَ هَا قَبْلَ يَوْمِ مَجَالِسِهِمْ، إمَّا بِسُؤَالٍ مِنْهُمْ لَهُ أَوْ ابْتِدَاءً (فَهْوَ حَسَنُ) وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ يَسْتَعِيْنُوْنَ بِمَنْ يُخَرِّجُ لَهُمْ (٢).
(وَلَيْسَ بِالإمْلاَءِ حِيْنَ يَكْمُلُ) أي: يَنْقَضِي (غِنًى عَنِ الْعَرْضِ)، وَالْمُقَابَلَةِ، (لِزَيغٍ) أي لإِصْلاَحِ مَا (يَحْصُلُ) مِنْ فَسَادِ زَيْغِ الْقَلَمِ، وَطُغْيَانِهِ (٣).
وَالْمُقَابَلةُ لِلإِمْلاَءِ تَكُوْنُ مَعَ الشَّيْخِ مِنْ حِفْظِهِ، لا عَلَى أُصُولِهِ، كَذَا حَصَرَهُ النَّاظِمُ (٤)، وَفِيْهِ نَظَرٌ.
أَدَبُ (٥) طَالِبِ الْحَدِيْثِ
(أَدَبُ)، وفي نُسخةٍ: آدَابُ (٦) (طَالِبُ الْحَدِيْثِ) غَيْرَ ما مَرَّ:
٧١٣ - وَأَخْلِصِ الّنِيَّةَ فِي طَلَبِكَا وَجِدَّ وَابْدَأْ بِعَوَاِلي مِصْرِكَا
٧١٤ - وَمَا يُهِمُّ ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلاَ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَسَاهَلْ حَمْلاَ
_________________
(١) في (ع): «المخرج».
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٨٨ (١٢٥٩).
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي٢/ ١٣٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤١١.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣١.
(٥) انظر في ذلك: الإلماع: ٤٥ وما بعدها، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤١١، والإرشاد ١/ ٥٢١ - ٥٢٨، والتقريب: ١٤٦ - ١٤٩، والاقتراح: ٢٨٠ - ٢٨٤، والمنهل الروي: ١٠٨، واختصار علوم الحديث: ١٥٧ - ١٥٨، ونكت الزركشي ٣/ ٦٦١ - ٦٦٧، والشذا الفياح ١/ ٤٠٠ - ٤١٨، والمقنع ١/ ٤٠٧ - ٤١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣٢، ونزهة النظر: ٢٠٤، وفتح المغيث ٢/ ٣١١ - ٣٤٦، والتدريب ٢/ ١٤٠ - ١٥٨، وقواعد التحديث: ٢٣٣ - ٢٣٦، وتوجيه النظر ٢/ ٧١٩ - ٧٢٧.
(٦) في (ص): «آداب»، وفي نسخة: «أدب».
[ ٢ / ١١٧ ]
٧١٥ - وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَثَاقَلِ
٧١٦ - عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجَرُ وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ
٧١٧ - أَو الْحَيَا (١) عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ
٧١٨ - مَا تَسْتَفيْدُ عَالِيًا وَنَاِزلاَ لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتًا عَاطلاَ
(وَأَخْلِصِ النِيَّةَ) للهِ تَعَالَى (في طَلَبِكَا) لِلْحَدِيْثِ؛ إِذْ النَّفْعُ بِهِ - بَلْ وبِسَائِرِ الْعُلُومِ - مُتَوقِّفٌ عَلَى الإِخْلاصِ فِيْهِ، والإعْرَاضِ عنِ الأَغْرَاضِ الدُّنْيَويَّةِ.
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لاَ يَتَعَلَّمُهُ إلاَّ لِيُصِيْبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ -، أي رِيْحَهَا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ النَّخعيُّ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا يُريدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، والدَّارَ الآخِرَةَ، آتاهُ اللهُ مِنَ العِلْمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ» (٣).
(وَجِدَّ) - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ -، أي: اجْتَهِدْ في طَلَبِكَ لَهُ، واحْرِصْ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ توقُّفٍ، ولاَ تأخِيرٍ، فمَنْ جَدَّ وَجَدَ.
قَالَ - ﷺ -: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ» (٤).
وَقَالَ أَيْضًا: «التُّؤْدَةُ في كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إلاّ في عَمَلِ الآخِرَةِ» (٥).
_________________
(١) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٨، وسنن أبي داود (٣٦٦٤)، وسنن ابن ماجه (٢٥٢)، وابن حبان (٧٨)، والحاكم ١/ ٨٥، والخطيب في تاريخه ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧ و٨/ ٧٨ جميعهم من طريق فليح بن سليمان، عَنْ عَبْد الله بن عَبْد الرَّحْمَان، عَنْ سعيد بن يسار، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ سند ضعيف لضعف فليح بن سليمان.
(٣) نحوه روى الخطيب في جامعه ١/ ١٠٤ (٧٠).
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٦ و٣٧٠، ومسلم ٨/ ٥٦ (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٧٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٥٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٥٧) و(١٠٤٦١) وفي عمل اليوم والليلة (٦٢١) و(٦٢٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٩) و(٢٦٠) و(٢٦١)، وابن حبان (٥٧٣٠) و(٥٧٣١)، والبيهقي ١٠/ ٨٩ وفي الأسماء والصفات ١/ ٢٦٣، من طريق الأعرج، عن أَبي هريرة، به.
(٥) رواه أبو داود (٤٨١٠).
[ ٢ / ١١٨ ]
وَقَالَ يَحْيَى بنُ أَبِي كثيرٍ: «لا يُنَالُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الْجَسَدِ» (١).
وعَن الشَّافِعِيِّ: «لا يَطْلبُ هَذَا العِلمَ مَنْ يطلبُهُ بالتَّمَلُّلِ - وفي رِوَايَةٍ بالْمَلَلِ - وغنَى النَّفْسِ فيُفْلِحُ، ولكِنْ مَنْ طلبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وضِيقِ العَيشِ، وخدمةِ العلمِ: أفْلَحَ» (٢).
(وابْدَأْ بِعَوالِي) شُيوخِ (مِصْرِكا) أي: بِأخْذِهَا عَنْهُمْ، والزمِ العُكُوفَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَسْتَوْفِيَها، (وَ) ابدأْ مِنْهَا (مَا) أي: بِمَا (يُهِمُّ) - بِضَمِّ اليَاءِ - من ذَلِكَ، وَغَيْرِهِ، كَمَرْويٍّ انْفَرَد بِهِ بَعْضُهُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: «مَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بغيرِ الْمُهِمِّ، أضَرَّ بالْمُهِمِّ» (٣).
وإن اسْتَوَى جَمَاعَةٌ في السَّنَدِ، وَأَرَدْتَ الاقْتِصَارَ عَلَى أحَدِهِمْ، فاخْتَرْ الْمِشْهُورَ مِنْهُمْ في طَلَبِ الْحَدِيْثِ، والْمُشَار إِلَيْهِ بِالإتْقَانِ فِيْهِ والْمَعْرِفَةِ لَهُ (٤).
فإنْ تَسَاوَوْا في ذَلِكَ أَيْضًا، فالأشْرَاف، وذَوِي الأنْسَابِ مِنْهُمْ، فإنْ تَسَاوَوْا في ذَلِكَ أَيْضًا، فَالأَسَنُّ (٥).
(ثُمَّ) بَعْدَ اسْتِيفَائِك لأخذِ مَا بِمِصْرِكَ مِنْ مَرْويِّ شُيُوخِهَا (شُدَّ الرَّحْلا)، أَوْ امْشِ، أَوْ ارْكَبِ البَحْرَ حَيْثُ اسْتَطَعْتَ، وَغلَبَتْهُ السَّلامَةُ (لغَيْرِهِ) أي: لغيرِ مِصرِكَ مِنَ البُلْدَانِ، وغيرِهَا؛ لِتَجْمعَ بَيْنَ عُلُوِّ الإسْنادَيْنِ وعلم الطَّائِفَتَيْنِ.
وَلِخَبَرِ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيْقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (٦).
_________________
(١) ساقة مسلم في صحيحه في موضع بعد أن ذكر المتابعات والطرق ١/ ٤٢٨ رقم (١٧٥) طبعة محمد فؤاد، وهو في مدخل البيهقي: ٢٧٧، وكذلك في جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٠٩ بألفاظ متقاربة.
(٢) الحلية ٩/ ١١٩، والمحدث الفاصل ص ٢٠٢ الفقرة (٨٤)، وجامع بيان العلم ١/ ٩٨، وللخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه٢/ ٩٤ عدد من الأخبار عن الشافعي بنحو هَذَا المعنى.
(٣) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٦٠ (١٤٨٥).
(٤) الجامع ١/ ١٢٦ عقب (١٢٥).
(٥) الجامع ١/ ١٢٧ عقب (١٢٧).
(٦) جزء من حديث طويل رواه أبو خيثمة في العلم (٢٥)، وابن أبي شيبة (٢٦١٠٨)، وأحمد ٢/ ٢٥٢ و٣٢٥ و٤٠٦، والدارمي (٣٥١)، ومسلم ٨/ ٧١ (٢٦٩٩)، وأبو داود (١٤٥٥) و(٣٦٤٣)، وابن ماجه (٢٢٥)، والترمذي و(٢٦٤٦) و(٢٩٤٥)، وابن حبّان (٨٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ٨٨ - ٨٩= = وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٣ - ١٤، والبغوي في شرح السنة (١٢٧) و(١٣٠)، كلهم من طرق عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة. به.
[ ٢ / ١١٩ ]
وَقَدْ رَحَلَ جَابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ أنِيسٍ - ﵄ - مَسِيْرَةَ شَهْرٍ في حَدِيْثٍ وَاحِدٍ (١).
وإذ رحَلْتَ فاسْلُك مَا سلَكْتَهُ في مِصْرِكَ مِنَ الابتِداءِ بالأهمِّ فالأَهَمِّ، (ولا تَسَاهَلْ) - بفتحِ التَّاء - (حَمْلاَ) أي: ولا تَتَسَاهَلْ في التَّحَمُّلِ، وَالسَّمَاعِ، بِحَيْثُ تُخِلُّ بِمَا عَلِيْكَ. ولا تَشْتَغِلْ في الغربةِ إلا بِمَا تَسْتَحِقُّ لأجْلِهِ الرِّحْلَة، فشهوةُ السَّمَاعِ - كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ (٢) - لا تَنْتَهِي، والنَّهْمَةُ من الطَّلَبِ لا تَنْقَضِي، والعِلْمُ كالْبِحَارِ الْمُتَعَذَّرِ كَيْلُهَا، والْمَعَادِنِ التِي لا يَنْقَطِعُ نَيْلُهَا (٣).
(واعملْ بِمَا تَسْمَعُ) بِمِصْرِكَ، وغيرِهَا مِنَ الأحَادِيْثِ التِي يُعْمَلُ بِهَا (في الفَضَائِلِ) والتَّرْغِيباتِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يا رَسُوْلَ اللهِ! ما يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ الْجَهْلِ؟ قَالَ: العِلْمُ. قَالَ: فَمَا يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ العِلْم؟ قَالَ: العَمَلُ» (٤).
وَقَالَ (٥) إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْمَاعِيْلُ بنِ مجمَّعٍ: «كنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيْثِ بالعَمَلِ بِهِ» (٦).
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «مَا كَتَبْتُ حَدِيْثًا إلاَّ وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بِي في الْحَدِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احتَجَمَ، وأعْطَى أبَا طيبةَ دِيْنَارًا (٧)، فأعْطَيتُ الْحَجَّامَ دِيْنَارًا حِيْنَ احْتَجَمْتُ» (٨).
_________________
(١) انظر: الرحلة في طلب الحديث: ١٠٤.
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٤٥ عقب (١٧٤٠).
(٣) لم ترد في (ق).
(٤) أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل: ٤ من حديث عليّ - ﵁ -. وانظر: فتح الباري ١/ ١٨٠ و٧/ ٤١ و١٢/ ٣٩٣ و٤١٧.
(٥) في (م) و(ع) زيادة: «الشعبي ووكيع و».
(٦) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٥٩ (١٧٨٩).
(٧) هذا الحديث اتفق على إخراجه الشيخان، البخاري ٣/ ٨٢ (٢١٠٢) و٣/ ١٠٣ (٢٢١٠) و٣/ ١٢٢ (٢٢٨١) و٧/ ١٦١ (٥٦٩٦). ومسلم ٥/ ٣٩ (١٥٧٧). وهو في مسند أحمد ٣/ ١٠٠ و١٠٧ و١٨٢، وانظر تخريجًا له موسعًا في كتاب " شمائل النبي - ﷺ - " برقم (٣٦٠).
(٨) أورده الذهبي في السّير ١١/ ٢١٣ وصدّره بقوله: «وقال المرّوذي: قال لي أحمد ».
[ ٢ / ١٢٠ ]
وعن عَمْرِو بنِ قَيْسٍ الْمُلائِي، قَالَ: «إِذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخَبَرِ، فاعْمَلْ بِهِ - وَلَوْ مَرَّةً - تَكُنْ مِنْ أهْلِهِ» (١).
(والشَّيْخَ بَجِّلْهُ) أي: عَظِّمْهُ، واحْتَرِمْهُ لِخَبَرِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيْرَنَا» (٢).
(ولا تَثَاقَلِ) أي: وَلاَ تَتَثَاقَلْ (عَلَيْهِ تَطْوِيلا (٣» أي: بالتَّطْوِيلِ، (بِحَيْثُ يَضْجَرُ) أي: يَقْلَقُ مِنْكَ، ويَمِلُّ مِنَ الْجلُوسِ.
فإنَّ الإضْجَارَ - كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ (٤) - يُغيِّرُ الأَفْهَامَ، ويُفْسِدُ الأخْلاَقَ، ويحيلُ الطِّبَاعَ، ويُخْشَى - كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَح (٥) - عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْرَمَ الانْتِفَاعَ.
(وَلاَ تَكُنْ) أَنْتَ مُتَكَبِّرًا، ولا مُسْتَحْيِيًا بِحَيْثُ (يَمْنعُكَ التَّكَبُّرُ، أَوْ الْحَيَا (٦» - بالقصر - (عن طَلَبٍ) لِمَا تَحْتَاجُهُ مِن حَدِيْثٍ وعِلْمٍ.
فَفِي البُخَارِيِّ (٧): «قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَنَالُ العِلْمَ مُسْتَحي ولا مُتَكّبِّرٌ».
وَعَنْ عُمَرَ، وابْنِهِ ﵄: «مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ» (٨).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٠٢.
(٢) أخرجه الترمذي (١٩١٩)، وأبو يعلى (٣٤٧٦)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٨٤، والطبراني في الكبير ٦/ (٥٩٠٥)، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٠٩٤. من حديث أنس بن مالك. وأخرجه أحمد١/ ٢٥٧، وعبد بن حميد (٥٨٦)، والبزار (كشف) (١٩٥٥) و(١٩٥٦)، وابن حبان (٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١١٠٨٣) و(١٢٢٧٦)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٥٣، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٣)، والبيهقي في الشعب (١٠٩٨٠)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٥٢) من حديث ابن عباس. وهو مروي بألفاظ متقاربة عن جمع من الصّحابة غيرهما.
(٣) في (م): «طويلًا».
(٤) الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢١٨ عقب (٤٠٩).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٤.
(٦) في (م): «الحياء»، وهو ذهول عن قول الشارح.
(٧) صحيح البخاري ١/ ٤٤ عقيب (١٢٩) مجزومًا به. قال الحافظ: «وصله أبو نعيم في الحلية من طريق علي ابن المديني، عن ابن عيينة، عن منصور، عنه، وهو إسناد صحيح على شرط البخاري». الفتح عقب (١٣٠). قلنا: وهو في سنن الدرامي (٥٥٧)، وحلية الأولياء ٣/ ٢٨٧، والمدخل للبيهقي (٤١٠)، والفقيه والمتفقه ٢/ ١٤٤.
(٨) انظر: تدريب الرّاوي ٢/ ١٤٧.
[ ٢ / ١٢١ ]
وَهَذَا لا يُنَافِي كَوْنَ الْحَيَاءِ مِنَ الإيْمَانِ؛ لأنَّ ذَلِكَ شَرْعِيٌّ يَقَعُ عَلَى وَجهِ الإجْلاَلِ، والاحْتِرَامِ للأكابِرِ، وَهُوَ مَحْمُوْدٌ، والذي هُنَا لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ، بَلْ سَبَبٌ لِتَرْكِهِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ.
(وَاجْتَنِبِ) أَنْتَ (كَتْمَ السَّمَاعِ) الَّذِي ظفرْتَ بِهِ لِشَيْخٍ، وكتمَ شَيخٍ انْفَرَدْتَ بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ إخْوَانِكَ رجاءَ الانْفِرَادِ بِهِ عَنْهُمْ. (فَهْوَ) أي: الكتمُ (لُؤْمٌ) مِنْ فَاعِلِهِ، ويُخْشَى عَلَيْهِ عَدَمُ الانْتِفَاعِ بِهِ.
وفي الْحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ: «الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ» (١).
وَعَنْ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ: «مَنْ بَخِلَ بِالْحَدِيْثِ، وكَتمَ عَلَى النَّاسِ سَمَاعَهُمْ، لَمْ يُفْلِحْ» (٢).
وعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- مَرْفُوعًا: «يَا إِخْوَانِيْ! تَنَاصَحُوا في العِلْمِ وَلاَ يَكْتُمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَإِنَّ خِيَانَةَ الرَّجُلِ فِيْ عِلْمِهِ أَشَدُّ مِنْ خِيَانَتِهِ فِيْ مَالِهِ» (٣).
نَعَمْ: لَهُ الكتْمُ عَنْ مَنْ لَمْ يَرَهُ أهْلًا، أَوْ يَكُوْنُ مِمَّنْ لا يقبلُ الصَّوَابَ إِذَا أرْشَدَهُ إِلَيْهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فعنِ الْخَلِيلِ بنِ أَحْمَدَ أنَّهُ قَالَ لأبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى: «لا ترُدَّنَّ عَلَى معجبٍ خَطأً، فَيستَفِيدَ مِنْكَ عِلْمًا، ويتَّخِذَكَ بِهِ عَدُوًّا» (٤).
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٨٣٧)، وأحمد ٤/ ١٠٢، ومسلم ١/ ٥٣ (٥٥) (٩٥) (٩٦) و٥٤ (٥٥) (٩٦)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي ٧/ ١٥٦، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ٤/ ١٠٢ من طرق عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، به. قلنا: وهو مروي أيضًا من حديث ابن عبّاسٍ، وابن عمرو وغيرهما.
(٢) الجامع لأخلاق الرّاوي ١/ ٢٤٠ (٤٧٧).
(٣) رواه الطبراني في الكبير برقم (١١٧٠١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٠، والخطيب في تاريخه ٣/ ٤٣ و٦/ ٣٥٧ و٣٨٩، وفي الجامع ٢/ ١٤٩ (١٤٤٩)، وابن الشجري في أماليه ١/ ٤٩، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٣١ من طرق عن ابن عبّاسٍ، وهو حديث تالف لا يصح بحالٍ. وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٤١.
(٤) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٥٤ (١٤٦٨).
[ ٢ / ١٢٢ ]
(واكتُبِ) بالسَّنَدِ عَمَّنْ لقيتَهُ، وَلَوْ دونَكَ (ما تَسْتَفيدُ) هُ مِن حَدِيْثٍ، ونَحْوِهِ (عَاليًا) أي: سَنَدُهُ، (وَنَازِلاَ).
فَالفَائِدةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا (١) التَقَطَهَا، وَهَكَذا كَانَتْ سيْرَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَكَمْ مِنْ كَبيرٍ رَوَى عَنْ صَغِيْرٍ، كَمَا سَيَأْتِي في بَابِهِ.
والأصْلُ فِيْهِ قِرَاءةُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ عَظِيْمِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْب (٢)، فَعَلَهُ ليَتَأسَّى بِهِ غَيْرُهُ. وَلاَ يَسْتَنْكِفُ الْكَبِيْرُ أنْ يَأْخُذَ العِلْمَ عَمَّنْ (٣) دُوْنَهُ مَعَ مَا فِيْهِ مِنْ تَرْغِيبِ الصَّغِيرِ في الازْدِيادِ إِذَا رَأَى الْكَبِيرَ يأخذُ عَنْهُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ: «لا يَكُوْنُ الرَّجُلُ عَالِمًا، حَتَّى يأخُذَ عَمَّنْ هُوَ فوقَهُ، وعمَّنْ هُوَ دُوْنَهُ، وعمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ» (٤).
ولْتَكُنْ هِمَّةُ الطَّالِبِ تًحْصِيلَ الفَائِدَةِ (لا كَثْرَةَ الشُّيُوخِ صِيْتًا عَاطِلا) أي: لِمُجَرَّدِ الصِّيتِ العَاطِلِ عَن الْفَائِدَةِ، أمَّا تَكْثِيْرُهُم لِتَكْثِيرِ طُرُقِ الْحَدِيْثِ، فَلاَ بأْسَ بِهِ.
٧١٩ - وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
٧٢٠ - فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ
٧٢١ - وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ
٧٢٢ - أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ
_________________
(١) في (م): «وجدهما».
(٢) أخرجه الطيالسي (٥٣٩)، وأحمد ٥/ ١٣١، والترمذي (٣٨٩٨)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ٥/ ١٣٢، والحاكم ٢/ ٢٢٤، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٨٧ من طريق عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، به. ورواية عاصم عن زر أعلّها العجلي وبيّنّا ذلك باسهاب في كتابنا " كشف الإيهام ".
(٣) في (م) زيادة «هو» ولم ترد في بقية النسخ.
(٤) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢١٦ (١٦٥٤) و(١٦٥٥).
[ ٢ / ١٢٣ ]
(ومَنْ يَقُلْ) كأبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ: (إِذَا كَتبْتَ قَمِّشِ) أي: اجْمَعْ مِنْ هَاهُنَا، ومن (١) هَاهُنَا، أي: ارْوِ، وَلَوْ عَمَّنْ لاَ قَدْرَ لَهُ، (ثُمَّ إِذَا رويتَهُ فَفَتِّشِ (٢)، فَلَيْسَ) هُوَ (مِنْ ذَا) أي: الاسْتِكْثَارِ العَاطِلِ.
نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٣).
قَالَ النَّاظِمُ: «وَلَمْ يبيِّنْ مُرادَهُ بِذَلِكَ، وكأنَّهُ أرادَ: اكتُبِ الفائِدَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَها، ولا تؤخِّرْ ذَلِكَ حَتَّى تَنظرَ (٤) فِيمَنْ حَدَّثَكَ: أَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ أَمْ لا؟ فَرُبَّمَا فَاتَ ذَلِكَ بِمَوتِ الشَّيْخِ، أَوْ سَفَرِهِ، أَوْ سَفَرِكَ، فإذا كَانَ وَقْتُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، أَوْ وَقْتُ العَمَلِ بالْمَرْوِيِّ، فَفَتِّشْ حِينئِذٍ» (٥).
قَالَ: «ويحتملُ أنَّهُ أرَادَ اسْتِيْعابَ الكِتَابِ الْمَسْمُوعِ، وتركَ انْتِخَابِهِ، أَوْ اسْتِيعابَ مَا عِنْدَ الشَّيْخِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ، فإذا كَانَ وقتُ الرِّوَايَةِ، أَو العَمَلِ نَظَرَ فِيْهِ، وتَأمَّلَهُ» (٦).
(والْكِتَابَ) أَوِ الْجُزْءَ (تَمِّمِ) أَنْتَ (سَمَاعَهُ)، وَكِتَابَتَهُ، و(لاَ تِنْتَخِبْهُ) بأَنْ تَخْتَارَ مِنْهُ مَا تُريدُهُ. (تَنْدَمِ)؛ لأنَّكَ قَدْ تَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ شَيءٍ مِنْهُ، فَلاَ تَجِدْهُ فِيْمَا انْتَخَبْتَهُ مِنْهُ (٧).
وَقَدْ قَالَ ابنُ الْمُبَارَكِ: «مَا انْتَخَبتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ إلاّ نَدِمْتُ» (٨). وفي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «ما جَاءَ مِنْ مُنْتَقٍ خَيْرٌ قَطُّ» (٩).
وعن ابنِ مَعِيْنٍ: «سيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ في الْحَدِيْثِ، حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ» (١٠).
_________________
(١) لم ترد في (ع).
(٢) قول أبي حاتم أسنده الخطيب في جامعه ٢/ ٢٢٠ (١٦٧٠).
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٥.
(٤) في (م): «تنتظر».
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤٣.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤٣.
(٧) انظر: ما سبق.
(٨) الجامع ٢/ ١٥٦ رقم (١٤٧١)، والإلماع: ٢١٨.
(٩) الجامع ٢/ ١٨٧ رقم (١٥٦٦).
(١٠) معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٦.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وفي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «صَاحِبُ الانْتِخَابِ يَنْدَمُ، وَصَاحِبُ النَّسْخِ لاَ يِنْدَمُ» (١).
(وَ) لَكِنْ (إنْ يَضِقْ) - كَمَا أفادَهُ الْخَطِيْبُ (٢) - (حَالٌ) أي: الوَقْتُ (عَنِ اسْتِيعَابِهِ) أي: الكِتَاب، أَوْ الْجُزْء، لِعُسرِ النَّسْخِ، أَوْ لِكَونِ الشَّيْخِ، أَوْ الطَّالِبِ وارِدًا غَيْرَ مُقيمٍ، أَوْ نَحْوَها، ووقعَ ذَلِكَ (لِعَارِفٍ) بِجَوْدَةِ الانْتِخَابِ، تَحَرَّى و(أجَادَ في انْتِخَابِهِ) بِنَفْسِهِ. (أَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ (قَصَّرَ) عَنْ مَعْرِفَةِ الانْتِخَابِ، (اسْتَعانَ) في انْتِخَابِ مَا يُريدُهُ (ذَا) أي: صَاحَب (حِفْظٍ)، ومَعْرِفَةٍ.
(فَقَدْ كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ لَهُ) أي: للاِنْتِخَابِ (يُعَدْ) أي: يُهَيِّئُ لَهُ، بِحَيْثُ يَتَصَدَّى لِفِعْلِهِ، كأبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ، والنَّسَائِيِّ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ أوْرمة الأصْبَهَانِيِّ، وهبةِ اللهِ بنِ الْحَسَنِ اللالكائِيِّ (٣).
فَإنَّهُم كَانُوا يَنْتَخِبُونَ عَلَى الشُّيوخِ، والطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وتَكْتُبُ (٤) بانْتِخَابِهِمْ.
٧٢٣ - وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ إِمَّا خَطَّا أَوْ هَمْزَتَيْنِ أَوْ بِصَادٍ أَوْ طَا
(وَعَلَّمُوا) أي: الْمُنْتَخِبُونَ (في الأصْلِ) الْمُنْتَخَبِ مِنْهُ مَا انْتَخَبُوهُ، لأجلِ تيسُّرِ مُعَارَضةِ ما انْتَخَبُوهُ، أَوْ لإمْسَاكِ الشَّيْخِ أصلَهُ بِيَدِهِ، أَوْ لِلتَّحْديثِ مِنْهُ، أَوْ لِكِتَابَةِ فَرْعٍ آخرَ مِنْهُ، بِتَقْدِيرِ فَقْدِ الفَرْعِ الأَوَّلِ.
واخْتِيارُهُمْ في كَيْفِيَّةِ العَلامةِ مُخْتَلِفٌ (٥)، وَلاَ حجرَ فِيْهَا، فَقَدْ عَلَّمُوْا (إمَّا خَطّا) أي: بِخَطٍّ بالْحمرةِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَرِيْضًا في الْحَاشِيَةِ اليُسرَى، كَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ صَغِيْرًا في أَوَّلِ إسْنَادِ الْحَدِيْثِ كاللاَّلكَائِيِّ، وعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ عَملُ أكْثرِ الْمُتأَخِّرِينَ. (أَوْ) عَلَّمُوا بِصُورَةِ (هَمْزَتَيْنِ) بِجَرٍّ في الْحَاشِيَةِ اليُمْنَى، كأبِي الفَضْلِ عَلِيّ
_________________
(١) الجامع ٢/ ١٨٧ رقم (١٥٦٧)، وفيه: «المشج» بدل: النسخ، وانظر تعليق المحقق.
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٥٥ عقب (١٤٧٠).
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٤) في (م): «تكبت» خطأ.
(٥) انظر في علامة الانتخاب: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٥٨ - ١٥٩ عقب (١٤٨٠).
[ ٢ / ١٢٥ ]
الفَلَكِيِّ، (أَوْ بِصَادٍ) مَمْدُوْدَةٍ بِجرٍ في الْحَاشِيَةِ اليُمْنَى أَيْضًا، كَعَليٍّ بنِ أَحْمَدَ
النُّعَيْمِيِّ، (أَوْ طَا) مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ كَذَلِكَ، كأبِي مُحَمَّدٍ الْخَلاَّلِ، أَوْ بِحَائينِ إحدَاهُمَا بِجَنبِ (١) الأُخْرَى كَذَلِكَ، كَمُحَمَّدِ بنِ طَلْحَةَ النِّعَالِيِّ، أَوْ بغَيْرِ ذَلِكَ (٢).
٧٢٤ - وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْن فَهْمٍ نَفَعَا
٧٢٥ - وَاقْرَأْ كِتَابًا فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ كَابْنِ الصَّلاَحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ
٧٢٦ - وَبِالصَّحِيْحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ وَالْبَيْهَقِيْ ضَبْطًَا وَفَهْمًَا ثُمَّ ثَنْ
٧٢٧ - بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ
٧٢٨ - وَعِلَلٍ، وَخَيْرُهَا لأَِحْمَدَا وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيْخُ غَدَا
٧٢٩ - مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيِّ
٧٣٠ - وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ وَالأَكْمَلُ الإِْكْمَالُ لِلأَمِيْرِ
(وَلاَ تَكُنْ) أَنْتَ (مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا) الْحَدِيْثَ، (وَكَتْبَهُ) - بِفَتحِ الكافِ، وبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحلِ «أن تَسْمَعَ» الْمَنْصُوبِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ -، أي: لاَ تَقْتَصِرْ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيْثِ، وكتبِهِ (مِن دُوْنِ فَهْمٍ)، وَمَعْرِفَةٍ، لما فِيْهِ مِنَ العِلَلِ، والأحْكَامِ (نَفَعَا) أي: نَافِعٌ.
وإلاَّ لَكُنتَ كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «قَدْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ مَنْ غَيْرِ أَنْ تَظفَرَ بِطَائِلٍ، ولاَ تَحصل (٣) بِذَلِكَ في عِدادِ أهْلِ الْحَدِيْثِ الأماثِلِ» (٤).
وَعَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، قَالَ: «الرِّئَاسةُ في الْحَدِيْثِ بِلاَ دِرَايةٍ رِئَاسَةٌ نَذلَةٌ» (٥).
_________________
(١) في (ص): «بجانب».
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٥٨ - ١٥٩ عقب (١٤٨٠).
(٣) في (ص): «تحصيل».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٧.
(٥) المحدث الفاصل: ٢٥٣ (١٦١)، والجامع ٢/ ١٨٠ - ١٨١ رقم (١٥٤٩).
[ ٢ / ١٢٦ ]
قَالَ الْخَطِيْبُ: «هِيَ اجْتِمَاعُ الطَّلَبَةِ عَلَى الرَّاوِي لِلسَّمَاعِ عِنْدَ علوِّ سِنِّهِ (١)، فإذا تَمَيَّزَ الطَّالِبُ بفهمِ الْحَدِيْثِ، ومَعَرِفَتِهِ، تَعَجَّلَ بركةَ ذَلِكَ في شَبيبَتِهِ (٢») (٣).
قَالَ: «وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في الاقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيْثِ، وتَخْلِيْدِهِ (٤) الصُّحفَ، دُوْنَ التَّمْييزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيْحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ، والوُقُوفِ عَلَى اخْتِلافِ وُجُوهِهِ والتَّصَرُّفِ في أنْوِاعِ عُلُومِهِ إلاّ تَلْقِيبُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ بـ «الْحَشْوِيَّةِ» (٥)، لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الأنَفَةُ لنَفْسِهِ ودَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وعَنْ أبْنَاءِ جِنْسِهِ» (٦).
(واقْرَأ)، وَلَوْ تَفَهُّمًا عِنْدَ شُرُوعِكَ في طَلَبِكَ الْحَدِيْثَ (كِتَابًا في عُلُومِ الأثَرِ) أي: الْحَدِيْثِ، لِتَعْرِفَ بِهِ مُصْطَلَحَ أهْلِهِ، (كابْنِ) أي: كَكِتَابِ " عُلُوْمِ الْحَدِيْثِ "، لأبِي عَمْرٍو ابنِ (الصَّلاَحِ، أَوْ كَذَا) النَّظْمِ (٧) (الْمُخْتَصَرِ) فِيْهِ مَقَاصدُهُ مَعَ زِيَادَةٍ - كَمَا مَرَّ - فإنَّ كلًا مِنْهُمَا جَدِيْرٌ بأنْ تَحصلَ بِهِ العِنَايَةُ (٨).
وَعَليْكَ بِشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى السَّمَاعِ، ومُلاَزَمَةِ الشُّيُوخِ، وبالابْتِدَاءِ بِسَمَاعِ الأُمَّهَاتِ مِنْ كُتُبِ أهَلِ (٩) الْحَدِيْثِ (١٠).
_________________
(١) في (ق): «سنده»، وفي (ص): «الإسناد».
(٢) في (ق) و(ص): «شيبته».
(٣) انظر: الجامع ٢/ ١٨١ عقب (١٥٤٩) وعقب (١٥٥٠).
(٤) في (ق): «تجليده».
(٥) الحشويّة - بالتحريك وتسكّن -: طائفة من المبتدعة، تمسّكوا بالظواهر، وذهبوا إلى التجسيم وغيره، سمّوا بذلك؛ نِسْبَة إلى الحشو أو الحشا - أي: الجانب -؛ لأنّهم ردّوا إلى حشا حلقة الحسن البصري - أي: جانبها -. انظر: متن اللغة ٢/ ٩٩، والمعجم الوسيط ١/ ١٧٧ (حشا)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٤٢، ومجموعة الفتاوى ٤/ ٥٥ و١٢/ ٩٧.
(٦) الجامع ٢/ ١٨٠ عقب (١٥٤٨).
(٧) يقصد به هذه الأرجوزة للحافظ العراقي (﵀).
(٨) قال ابن الصّلاح: «ثمّ إن هذا الكتاب مدخل إلى هذا الشأن، مفصح عن أصوله، وفروعه، شارح لمصطلحات أهله، ومقاصدهم، ومهماتهم التي ينقص المحدث بالجهل بها نقصًا فاحشًا، فهو - إن شاء الله تعالى- جدير بأن تقدم العناية به». معرفة أنواع علم الحديث: ٢٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٤٩.
(٩) كلمة «أهل» سقطت من (ص).
(١٠) الجامع ٢/ ١٨٢ عقب (١٥٥٠) و٢/ ١٨٤ عقب (١٥٦٠).
[ ٢ / ١٢٧ ]
(و" بِالصَّحِيْحَيْنِ ") لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (١) مِنْهَا (٢) (ابدأَنْ) - بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَة - وابدأ بأوِّلِهِمَا لِشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ باسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ (٣).
(ثُمَّ) بَعْدَهما بكتبِ (السُّنَنْ) الْمُرَاعَى فِيْهَا الاتِّصَالُ غَالِبًا.
وابدأْ مِنْهَا بـ " سُنَنِ أَبِي داودَ "، لِكثْرَةِ أحَادِيْثِ الأحْكَامِ فِيْهَا (٤)، ثُمَّ بـ: " سُنَنِ النَّسَائِيِّ " لِتَتَمَرَّنَ في كَيْفِيَّةِ الْمَشيِ في العِلَلِ (٥)، ثُمَّ بـ " سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ " لاعْتِنَائِهِ بِبَيانِ مَا فِيْهَا مِنْ صِحَّةٍ وحُسْنٍ، وغيرِهِما (٦).
(وَ) ابدأْ بَعْدَهَا بـ" سُنَنِ " الْحَافِظِ (الْبَيْهَقِيْ) - بالإسْكَانِ لِمَا مَرَّ - لاسْتِيْعَابِهِ أكثَرَ أحَادِيثِ الأحْكَامِ (٧) (ضَبْطًا) لِمُشْكِلِهَا (٨)، (وَفَهْمًا) لِخَفِيِّ مَعَانِيها (٩).
(ثُمَّ ثَنْ بِمَا) أي: بِسَمَاعِ مَا (اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ) إِلَيْهِ (مِنْ) كُتُبِ الْمَسَانِيدِ مثلُ (" مُسْنَدِ ") الإِمَامِ (أَحْمَدَ)، وابنِ رَاهَوَيْهِ، وأبِي داود الطَّيَالِسِيِّ (١٠).
وكَذَا بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنَ الكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ (١١) عَلَى الأبْوَابِ، وإنْ كَثُرَ فِيْهَا غَيْرُ الْمُسْنَدِ، كـ " مصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ "، (و" الْمُوَطَّأِ " الْمُمَهَّدِ) للإمَامِ مَالِكٍ (١٢).
_________________
(١) الجامع ٢/ ١٨٥ عقب (١٥٦١).
(٢) في (م): «منهما».
(٣) فتح المغيث ٢/ ٣٣٨.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) فتح المغيث ٢/ ٣٣٨.
(٨) المصدر السابق.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٨، قال السخاوي في فتح المغيث٢/ ٣٣٨: «بحيث أنك كلّ ما مرّ بك اسم مشكل، أو كلمةمن حديث مشكلة تبحث عنها تودعها قلبك، فبذلك يجتمع لك علم كثير في زمن يسير».
(١٠) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٣٨. وذكر الحافظ السخاوي غيرها كمسند عبد بن حميد والحميدي، والعدني ومسدد، وأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامة، والأحاديث فيها أعلى منها في التي قبلها غالبًا.
(١١) في (ص): «المصنفات».
(١٢) بعد هذا في (م): «رضي الله تعالى عنه».
[ ٢ / ١٢٨ ]
قَالَ الْخَطِيْبُ: وَهُوَ الْمُقَدَّمُ في هَذَا النَّوْعِ، وَيَجِبُ الابْتِدَاءُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ (١).
(وَ) ابْدَأ بَعْدَ مَا ذَكَرَ بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ كُتُبِ (عِلَلٍ)، كالعلَلِ للإمَامِ أَحْمَدَ، وابنِ الْمُدَيْنِيِّ، وابنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ (٢).
(وخيرُهَا) العِلَلِ (لأحْمَدَا) (٣)، ولابْنِ (٤) أَبِي حَاتِمٍ (وَ) لأبِي (٥) الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِيْ) - بالإسْكَانِ لما مَرَّ (٦) - وَهُوَ عَلَى الْمَسَانِيدِ (٧).
(وَ) كَذَا بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجةٌ مِنْ كُتُبِ (التَّوَارِيخُ) لِلْمُحَدِّثِيْنَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أحْكَامٍ في أَحْوالِ، كابنِ مَعِيْنٍ، وأبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ (٨) التِي (غَدا) عَلَى النَّاسِ (مِنْ
_________________
(١) الجامع ٢/ ١٨٦ قبيل (١٥٦٤)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٣٩.
(٣) قال ابن الصّلاح: ٤١٨: «ومن كتب علل الحديث ومن أجودها: كتاب "العلل" عن أحمد بن حنبل، وكتاب " العلل " عن الدارقطني».
(٤) في (ص): «وابن».
(٥) في (ص): «وأبي».
(٦) عبارة «لما مرّ» سقطت من (ص).
(٧) كتاب العلل للدارقطني من أجمع الكتب وهو ليس من جمعه، بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني؛ لأنه كان يسأله عن علل الأحاديث، فيجيبه عنها بما يقيده عنه بالكتابة، فلما مات الدارقطني وجد البرقاني قمطرة قد امتلأت من صكوك تلك الأجوبة فاستخرجها وجمعها في تأليف نسبه لشيخه ذلك. وذكر الحافظ أبو الوليد بن خيرة في ترجمة أستاذه القاضي أبي بكر بن العربي من برنامج شيوخه قال: ومثل هذا يذكر في البارع في اللغة لأبي عليّ البغدادي، فإنّه جمعه بخطه في صكوك، فلما توفي أخرجه أصحابه ونسبوه إليه. انظر فتح المغيث ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٨) وتاريخ خليفة بن خياط العصفري، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأحمد بن أبي خيثمة النسائي، وأبي زرعة الدمشقي، وحنبل بن إسحاق الشيباني، ومحمد ابن إسحاق السراج النيسابوري. انظر: الجامع ٢/ ١٨٦.
[ ٢ / ١٢٩ ]
خَيْرِهَا) " التَّارِيخُ (الكَبِيرُ) " بالنسبةِ لِلأَوْسَطِ والصَّغِيرِ (١) (لِلْجُعْفِيِّ) أي: البُخَارِيِّ (٢).
فإنَّهُ كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ: يُرْبِي -، أي يَزِيدُ - عَلَى هَذِهِ الكُتُبِ كُلِّهَا (٣).
(وَ) مِنْ خَيْرِهَا أَيْضًا (٤) (" الْجَرْحُ والتَّعْدِيْلُ " لِلرَّازِيِّ) أَبِي الفَرَجِ (٥) عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ أَبِي حَاتِمٍ.
(وَ) كَذَا بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ (كُتُبِ الْمُؤْتلِفِ) والْمُخْتَلِفِ، النَّوْعِ (الْمَشْهُورِ) بَيْنَ الْمُحَدِّثِيْنَ الآتِي مَعَ غَيْرِهِ في مَحَلِّهِ (٦). (والأكْمَلُ) مِنْهَا (" الإكْمَالُ " لِلأَمِيْرِ) أَبِي نَصْرٍ عَلِيِّ بنِ هِبَةِ اللهِ بنِ عَلِيِّ بنِ ماكولا، والأمِيرُ لَقبُهُ (٧).
٧٣١ - وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرِ بِهِ وَالاتْقَانَ (٨) اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
٧٣٢ - إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ (٩) في التَّصْنِيْفِ
٧٣٣ - طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا أَوْ مُسْنَدًَا تُفْرِدُهُ صِحَابَا
_________________
(١) فتح المغيث ٢/ ٣٤٠.
(٢) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٨: «ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ المحدّثين، ومن أفضلها: تاريخ البخاريّ الكبير، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم».
(٣) الجامع ٢/ ١٨٧ قبيل (١٥٦٥). قال أبو العباس بن سعيد بن عقدة: «لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن تاريخ البخاريّ». المصدر السابق. وأضاف إليه الحافظ السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٣٤١: «تواريخ مصر لابن يونس، والذيل عليه، وبغداد للخطيب والذيول عليه، ودمشق لابن عساكر، ونيسابور للحاكم والذيل عليه، وأصبهان لأبي نعيم. وهي من مهمات التواريخ لما يقع فيها من الأحاديث والنوادر».
(٤) فتح المغيث ٢/ ٣٤١.
(٥) كَذَا في جَمِيْع الأصول المعتمدة، ولا خلاف في أن كنيته (أبو مُحَمَّد). انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٦٣.
(٦) بعد هذا في (ق): «إن شاء الله تعالى».
(٧) قال ابن الصّلاح: ٤١٩: «ومن كتب الضبط لمشكل الأسماء، ومن أكملها كتاب " الإكمال " لأبي نصر بن ماكولا».
(٨) بدرج همزة (الإتقان) لضرورة الوزن.
(٩) في (أ): «وهي».
[ ٢ / ١٣٠ ]
٧٣٤ - وَجَمْعُهُ مُعَلَّلًا كَمَا فَعَلْ يَعْقُوْبُ أَعْلَى (١) رُتْبَةً وَمَاكَمَلْ
٧٣٥ - وَجَمَعُوْا أبوابًا اوْ شُيُوخًَا اوْ (٢) تَرَاجُمًَا أَوْ طُرُقًَا وَقَدْ رَأَوْا
٧٣٦ - كَراهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ كَذَاكَ الاخْرَاجُ (٣) بِلاَ تَحْرِيْرِ
(واحْفَظْهُ) أي: الْحَدِيْثَ (بالتَّدرِيجِ) قَليلًا قَليلًا، مَعَ الأيَّامِ والليَالِي (٤). فَذَلِكَ أدْعَى لِتَحْصِيلِهِ، وَعَدَمِ نِسْيَانِهِ، وَلاَ تَأخُذْ مَا لاَ تُطِيقُهُ لِخَبَرِ: «خُذُوْا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُوْنَ» (٥).
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ قَالَ: «كُنْتُ آتِي الأعْمَشَ، وَمنْصُورًا، فأسْمَعُ أرِبَعةَ أحَاديثَ، أَوْ (٦) خَمْسةً، ثُمَّ انْصَرِفُ كَرَاهِية أنْ تَكْثُرَ وتَفَلَّتْ» (٧).
_________________
(١) في (ب) و(ج): «أعلا».
(٢) بدرج همزتي (أو) في هذا الشطر؛ لضرورة الوزن.
(٣) بدرج همزة (الإخراج)؛ لضرورة الوزن.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤١٩، وفتح المغيث ٢/ ٣٤١.
(٥) أخرجه أحمد ٦/ ٨٤ و١٢٨ و١٨٩ و٢٣٣ و٢٤٩، والبخاري ٣/ ٥٠ (١٩٧٠)، ومسلم ٣/ ١٦١ (٧٨٢)، والنسائي ٤/ ١٥١، وابن خزيمة (١٢٨٣) و(٢٠٧٨) و(٢٠٧٩) من طريق يحيى بن أَبي كثير، عن أَبي سلمة، عن عائشة، به. ويروى أيضًا من طريق الصديقة عائشة ﵂ بلفظ: «عليكم من العمل ما تطيقون. فوالله لا يملّ الله حتّى تملّوا ». أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٦٦)، وأحمد ٦/ ٤٦ و٥١ و١٩٩ و٢١٢ و٢٣١ و٢٤٧ و٢٦٨، وعبد بن حميد (١٤٨٥)، والبخاري ١/ ١٧ (٤٣)، ومسلم ٢/ ١٨٩ (٧٨٥) (٢٢٠) و١٩٠ (٧٨٥) (٢٢١)، وابن ماجه (٤٢٣٨)، والترمذي في الشمائل (٣١١)، والنسائي ٣/ ٢١٨ و٨/ ١٢٣، وفي الكبرى (١٢١٦)، وابن خزيمة (١٢٨٢)، وأبو يعلى (٤٦٥١)، والطحاوي في شرح المشكل (٦٥٠)، وابن حبان (٣٢٣)، والبيهقي ٣/ ١٧، والبغوي (٩٣٣) و(٩٣٤) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة.
(٦) (أو): سقطت من (ص).
(٧) الجامع ١/ ٢٣٢ (٤٤٨).
[ ٢ / ١٣١ ]
وعن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ جُمْلَةً، فاتَهُ جُمْلَةً، وإنَّمَا يُدْرَكُ العِلْمُ حَدِيْثٌ و(١) حَدِيْثَانِ» (٢).
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: «إن هَذَا العِلْمَ إنْ أخَذْتَهُ بالْمُكَاثَرَةِ لَهُ غَلَبَكَ، وَلَكِنْ خُذْهُ مَعَ الأيَامِ، والليَالِي أخذًا رَفِيقًا، تَظْفرُ بِهِ» (٣).
(ثُمَّ) بَعْدَ حِفْظِهِ (ذاكِرِ بِهِ) الطَّلَبَةَ، ثُمَّ مَعَ نَفْسِكَ، وكرِّرْهُ عَلَى قَلبْكَ؛ إِذْ (٤) الْمُذاكَرَةُ تُعِيْنُ عَلَى ثُبُوتِ الْمَحْفُوظِ (٥).
وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: «تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيْثَ، إن لاَ تَفْعَلُوا يُدْرَسُ» (٦).
وَعَن ابنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «تَذَاكَرُوا الْحَدِيْثَ، فإنَّ حَيَاتَهُ مُذَاكَرتُهُ» (٧).
وعن الْخَلِيلِ بنِ أَحْمَدَ، قَالَ: «ذَاكِرْ بِعِلْمِكَ تذكر ما عِنْدَكَ، وتستفِدْ (٨) مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٩).
(والاتْقَانَ) - بالدرجِ -، وبالنَّصْبِ بقولِهِ: (اصْحَبَنْ) مَعَ الْمُذَاكَرَةِ. فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: «الْحِفْظُ الإتْقَانُ» (١٠).
(وَبَادِرِ إِذَا تَأَهَّلْتَ) لِمَعْرِفَةِ التَّأْلِيفِ (إِلَى التَّأْلِيفِ)، وَهُوَ لِكَوْنِهِ (١١) مُطْلَقَ الضمِ أعمُّ من التَّصْنِيفِ (١٢)، وَهُوَ: جَعْلُ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ.
_________________
(١) في (م): «أو».
(٢) الجامع ١/ ٢٣٢ (٤٥٠).
(٣) الجامع ١/ ٢٣٢ (٤٥٢).
(٤) في (ص): «إذا».
(٥) فتح المغيث ٢/ ٣٤٢.
(٦) المحدث الفاصل: ٥٤٥ فقرة (٧٢١)، والجامع ١/ ٢٣٦ (٤٦٥).
(٧) المحدث الفاصل: ٥٤٦ (٧٢٦).
(٨) في (ص): «تستفده» وفي (ق) و(ع): «تستفيد».
(٩) الجامع ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (١٨٣٤)، شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٣، وفتح المغيث ٢/ ٣٤٢.
(١٠) المحدث الفاصل: ٢٠٦ (٨٩).
(١١) «لكونه»: سقطت من (ق).
(١٢) فتح المغيث ٢/ ٣٤٣.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وَمِنَ الانْتِقَاءِ (١)، وَهُوَ: التِقَاطُ مَا يَحْتَاجُهُ مِنَ الكُتُبِ (٢).
وأعم مِنَ التَّخْرِيجِ، وَهُوَ إخْرَاجُ الْمُحَدِّثِ الأحَادِيثَ مِن بُطُونِ الكُتُبِ، وَسِيَاقِها مِن مَرْوِيَّاتِه، أَوْ مَرْوِيَّاتِ شَيْخِهِ، أَوْ أقرانِهِ، كَمَا سيأتي (٣).
وَكَثيرًا مَا يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهَا (٤) عَلَى البَقِيَّةِ.
وباعْتِنَائِكَ بالتألِيفِ (تَمْهَرْ) في الْحَدِيْثِ، وَتقفْ عَلَى غَوَامِضِهِ، (وتُذْكَرْ) بِذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى آخِرِ الدُّهُورِ (٥).
(وَهْوَ) أي: التَّألِيْفُ الوَاقِعُ (في التَّصْنِيفِ) في الْحَدِيْثِ (طَرِيْقَتَانِ) مَعْرُوفَتَانِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (٦):
الأوْلَى: (جَمْعُهُ) أي: التَّصْنِيفُ (أبْوَابا) أي: عَلَى الأبْوَابِ في الأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا.
(أَوْ) جمعُهُ (مُسنَدًا) أي (٧): عَلَى الْمَسَانِيدِ (تُفْرِدُهُ) أَنْتَ (صِحَابَا) أي: لِلصَّحَابَةِ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وإنْ اخْتَلفَتْ (٨) أنْوَاعُ أحَادِيْثِهِ، كَ" مُسْنَدِ الإمَامِ أَحْمَدٍ "، وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ، وَكَ"مُسْنَدِ عُبيدِ اللهِ " (٩) بنِ مُوسَى العَبْسِيِّ، وأبي بَكرِ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ.
وهذه هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ:
_________________
(١) المثبت من (ص) و(ع)، وفي (ق) و(م): «الانتفاء».
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٤٣.
(٣) بعد هذا في (ق): «إن شاء الله تعالى».
(٤) في (ق): «منهما».
(٥) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٤٣.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٧) «أي»: سقطت من (ع).
(٨) في (ص): «اختلف».
(٩) في (ق): «عبد الله».
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَأهلُهَا مِنْهُمْ مَنِ يُرَتِّبُ أسْمَاءَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، كَالطَّبَرَانِيِّ في "مُعْجَمِهِ الكَبِير"، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى القَبَائِلِ، فَيُقُدمُ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نَسَبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى السَّابِقَةِ في الإسْلامِ، فيقدِّمُ العَشَرَةَ، ثُمَّ أَهْلَ بدرٍ (١)، ثُمَّ أهْلَ الْحُدَيْبِيةِ (٢)، ثُمَّ مَنْ أسْلَمَ، وَهَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيةِ، والفَتْحِ، ثُمَّ مَنْ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ثُمَّ الأصَاغِرَ سِنًّا (٣)، كالسَّائِبِ بنِ يَزِيدٍ، وأبِي الطُفَيلِ (٤). ثُمَّ النِّسَاءَ، ويَبْدَأ مِنْهُنَّ بأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الْخَطِيْبُ: «وَهِيَ أحبُّ إلَيْنَا» (٥).
وَقَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «إنَّهَا أَحْسَنُ وَالأوْلَى أَسْهَل» (٦) أي: ثُمَّ الثَّانِيةُ.
(وجَمْعُهُ) أي: الْحَدِيْث في الطَّرِيقَتَينِ (مُعَلَّلًا) أي: عَلَى العِلَلِ، بأنْ يَجْمَعَ في كُلِّ حَدِيْثٍ طُرقَهُ، واختلافَ الرُّوَاةِ فِيْهِ، بِحَيْثُ يَتَّضِحُ إرْسَال مَا يَكُوْنُ مُتَّصِلًا، أَوْ وقفُ ما يَكُوْنُ مَرْفُوعًا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ - كَمَا مَرَّ - في بابِهِ.
فَفِي الأبْوَابِ، كَمَا فَعَلَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ (٧)، وفي " الْمَسَانِيدِ "، (كَمَا فَعَلْ) الْحَافِظُ أَبُو يُوسُفَ (يَعْقُوبُ) بنُ شَيْبَةَ السَّدُوسِيُّ (أَعْلَى) أي:
جَمْعُهُ عَلَى العِلَلِ في الطَّرِيقَتَينِ أعْلَى (رُتْبَةً) مِنْهُ فِيْهِمَا بِدُونِهِ، إِذْ مَعْرِفَةُ العِلَلِ أجَلُّ أنَواعِ الْحَدِيْثِ، حَتَّى قَالَ ابنُ مَهْدِيٍّ: «لأنْ أعرِفَ عِلَّةَ حَدِيْثٍ، هُوَ عِنْدِي، أحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أكْتُبَ عِشْرِينَ حَدِيْثًا لَيْسَ عِنْدِي» (٨).
(وَ) لَكِنْ " مُسْندُ يَعْقُوبَ " (مَا كَمَلْ)، كَمَا زَادهُ النَّاظِمُ (٩).
_________________
(١) في (م): «البدر». وانظر: الجامع ٢/ ٢٩٢ عقب (١٨٩٠).
(٢) الجامع ٢/ ٢٩٢ عقب (١٨٩١).
(٣) «سنًا»: سقطت من (ق).
(٤) الجامع ٢/ ٢٩٣ عقب (١٨٩٢)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٠ - ٤٢١.
(٥) الجامع ٢/ ٢٩٢.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢١، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٣٤٦.
(٧) فتح المغيث ٢/ ٣٤٧.
(٨) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٩، وقد نقله الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١١٢، والخطيب في الجامع ٢/ ٢٩٥ (١٩٠٠)، وابن رجب في شرح العلل ١/ ٤٧٠.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٦.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قَالَ الْخَطِيْبُ: «والذي ظَهَرَ مِن " مُسْنَدِ يَعْقُوبَ " مُسْنَدِ العَشَرَةِ، والعَبَّاسِ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعَمَّارٍ، وعُتْبَةَ (١) بنِ غَزْوَانَ، وبعْضِ الْمَوالِي» (٢).
قَالَ الأزْهَرِيُّ: «وَسَمِعْتُ الشُّيُوخَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يُتَمَّ مُسنَدٌ مُعَلَّلٌ قَطُّ» (٣).
ومِنْ طُرُقِ التَّصْنِيفِ أَيْضًا: جَمعُهُ عَلَى الأطْرَافِ، فيذكرُ طَرَفَ (٤) الْحَدِيْثِ الدَّالِّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، ويجمعُ أسانِيدَهُ إما مُسْتَوْعِبًا، أَوْ مُقيدًا بكُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ.
(وَجَمَعُوا) أَيْضًا (أبْوَابًا) مَخْصُوصَةً كُلُّ مِنْهَا مُنْفَردٌ بِالتَّأْلِيفِ، كَكِتابِ " رَفعِ اليَدَينِ "، وكِتَابِ " القِرَاءةِ خَلْفَ الإمَامِ " لِلْبُخَارِيِّ، وكِتَابِ " التَّصْدِيقِ بالنَّظَرِ للهِ " للآجُرِّيِّ (٥).
(اوْ) (٦) -بالدرجِ - جَمعُوا (شُيُوخًا) مَخْصوصِينَ، كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، كالإسْمَاعِيليِّ في حَدِيْثِ الأعْمَشِ، والنَّسَائِيِّ في حَدِيْثِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ (٧).
(اوْ) (٨) - بالدرجِ - جَمعُوا (تراجُمًا) مَخْصُوصَةً، كَمَالِكٍ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عمَرَ. وسُهَيلِ (٩) بنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١٠).
(أَوْ) جَمَعُوا (طُرُقًا) لِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، كَطُرُقِ حَدِيْثِ: «قبضِ العلمِ» لِلطُّوسِيِّ وغَيْرِهِ، وطُرُقِ حَدِيْثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» لِلطَّبَرَانِيِّ، وَغَيْرِهِ (١١).
(وَقَدْ رأَوْا) أي: الْعُلَمَاءُ (كَرَاهَةَ الْجَمْعِ) أي: التَّألِيفِ (لِذِي) أي: صَاحِبِ (١٢) (تَقْصِيرِ) عَنْ مَرْتَبَتِهِ (١٣).
_________________
(١) في (ع): «عقبة».
(٢) تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١.
(٣) المصدر السابق.
(٤) في (ع): «طرق».
(٥) انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٤٨.
(٦) في (م): «أو» بإثبات الهمزة، وهو ذهول.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٧.
(٨) في (م): «أو» بإثبات الهمزة، وهو ذهول.
(٩) في (ع): «سهل».
(١٠) فتح المغيث ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
(١١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٥٨.
(١٢) في (ع): «لصاحب».
(١٣) لأنه إما أن يتشاغل بما سبق به، أو بما غيره أولى منه، أو بما لم يتأهل بعد لاجتناء ثمرته واقتناص فائدة جمعه. انظر: فتح المغيث ٢/ ٣٥٠.
[ ٢ / ١٣٥ ]
فَعَن ابنِ الْمَدِيْنِيِّ: «إِذَا رَأيْتَ الْمُحَدِّثَ أَوَّلَ مَا يَكْتُبُ يَجْمعُ حَدِيْثَ الغُسْلِ، وَحَدِيْثَ: «مَنْ كذَبَ عَلَيَّ»، فاكتب عَلَى قَفَاهُ: لا يُفْلِحُ» (١).
و(كَذَاكَ (٢) الاخْراجُ) - بالدرجِ - لما صَنَّف، أي: رأوْا كَرَاهَةَ إخْرَاجِهِ لِلنَّاسِ (بلا تَحْريرِ) وتَهْذِيبٍ، وتَكْرِيرٍ للنَّظَرِ فِيْهِ؛ لأنَّهُ يُوْرِثُ غَالِبًا نَدمًا، وتَعْييرًا (٣)، وذمًا (٤).
العَالِي والنَّازِلُ (٥)
(العَالِي والنَّازِلُ) مِنَ المسْنَدِ (٦)، وما مَعَهُمَا (٧) مِمَّا يَأْتِي:
الإسْنَادُ خِصيْصَةٌ فَاضِلةٌ مِنْ خَصَائصِ هذِهِ الأُمَّةِ، قَالَ ابنُ المبارَكِ:
«الإسْنادُ مِنَ الدِّيْنِ، ولوْلاَ الإسْنادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (٨).
_________________
(١) الجامع ٢/ ٣٠١ رقم (١٩١٢)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٢، وشرح التبصرة ٢/ ٣٥٩.
(٢) في (م): «كذلك».
(٣) في (ق) و(ع): «تغييرًا».
(٤) نقل الحافظ السخاوي في فتح المغيث٢/ ٣٥٠قول ابن المعتز: «بأن لحظة القلب أسرع خطوة من لحظة العين، وأبعد غاية وأوسع مجالًا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأملة لوجوه العواقب، والجامعة بين ما غلب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضر، والقلب كالمملي للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، فالعاقل يكسو المعاني وشي الكلام في قلبه، ثمّ يبدئها بألفاظٍ كواشٍ في أحسن زينة، والجاهل يستعجل بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها واستكمال محاسنها».
(٥) انظر فيه: معرفة علوم الحديث: ٥ - ١٤، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ١١٥ وما بعدها، وجامع الأصول ١/ ١١٠ - ١١٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٣، والإرشاد ٥٢٩ - ٥٣٧، والتقريب: ١٥٠ - ١٥٢، والاقتراح: ٣٠١ - ٣٠٨، واختصار علوم الحديث: ١٥٩ - ١٦٤، والشذا الفياح ٢/ ٤١٩ - ٤٣٤، والمقنع ٢/ ٤٢١ - ٤٢٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٠، ونزهة النظر: ١٥٦، وفتح المغيث ٣/ ٣ - ٢٦، وتدريب الراوي ٢/ ١٥٩ - ١٧٢، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٩٥ - ٤٠١، وتوجيه النظر ١/ ٣٩٣.
(٦) في (ع): «السّند».
(٧) في (م): «معها».
(٨) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥، والترمذي في العلل الصغير ٦/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٦، والرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٢٠٩، وابن حبان في المجروحين١/ ٢٦، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٦، والخطيب في شرف أصحاب الحديث: ٤١، وفي الجامع ٢/ ٢١٣ (١٦٤٣)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٦، وابن طاهر في العلو والنزول رقم (٦).
[ ٢ / ١٣٦ ]
وعَنْهُ قَالَ: «مَثَلُ الذي يَطْلُبُ أمْرَ دِيْنِهِ، بلا إسْنادٍ، كَمثلِ الذي يَرْتَقِي السَّطْحَ بلاَ سُلَّمٍ» (١).
وعَنِ الثَّوْرِيِّ قالَ: «الإسْنادُ سِلاحُ المؤْمِنِ، فإذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِلُ؟» (٢).
٧٣٧ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ النُّزُوْلَ وَهْوَ رَدّْ
(وَطَلَبُ الْعُلُوِّ) في السَّنَدِ، أو قدم سَمَاعِ الرَّاوِي، أو وفَاتِهِ (٣) (سُنَّةٌ) عَنْ مَنْ سَلَفَ، وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ أسْلمَ الطُّوسِيِّ، قَالَ: «قربُ الإسْنادِ قُرْبٌ - أو قَالَ: قربةٌ - إلى اللهِ ﷿» (٤).
وَقَالَ الحَاكِمُ: «إنَّ طلبَ العُلُوِّ سُنَّةٌ صَحِيْحَةٌ» (٥) مُحْتَجًّا في ذَلِكَ (٦) بخبر أنَسٍ في مجيءِ ضمامِ بنِ ثَعْلَبةَ إلى النَّبيِّ - ﷺ -؛ ليسْمَعَ مِنْهُ مُشَافَهةً مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِهِ إليهِ؛ إذْ لوْ كَانَ طَلبُ العُلُوِّ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ، لأنْكَرَ - ﷺ - (٧) سُؤالَهُ عَمَّا أَخْبَرَ بهِ رَسُولُهُ عَنْهُ، ولأمَرَهُ بالاقْتِصَارِ عَلَى خبرِ رَسُولِهِ عَنْهُ (٨).
_________________
(١) أخرجه السمعاني بسنده في أدب الإملاء والاستملاء: ٦.
(٢) أدب الإملاء والاستملاء: ٨.
(٣) انظر: فتح المغيث ٢/ ٧.
(٤) الجامع ١/ ١٢٣ رقم (١١٥)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٠. قال ابن الصّلاح: «وهذا كما قال؛ لأن قرب الإسناد قرب إلى رَسُوْل الله - ﷺ - والقرب إليه قرب إلى الله ﷿». معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٤.
(٥) معرفة علوم الحديث: ٥.
(٦) في (ص): «بذلك».
(٧) في (م): «﵊»، وفي معرفة علوم الحديث: ٦: «المصطفى - ﷺ -»، وما أثبتناه من النسخ الخطية.
(٨) معرفة علوم الحديث: ٥ - ٦. وحديث ضمام: = =أخرجه أحمد ٣/ ١٤٣، و١٦٨ و١٩٣، وعبد بن حميد (١٢٨٥)، والدارمي (٦٥٦)، والبخاري ١/ ٢٤ (٦٣)، ومسلم ١/ ٣٢ (١٢) (١٠)، وأبو داود (٤٨٦)، وابن ماجه (١٤٠٢)، والترمذي (٦١٩)، والنّسائيّ ٤/ ١٢١ و١٢٢، وابن خزيمة (٢٣٥٨)، وابن حبان (١٥٤)، وأبو عوانة ١/ ٣، وابن منده (١٣٠)، والبيهقي ٤/ ٣٢٥، والبغوي (٣) و(٤).
[ ٢ / ١٣٧ ]
لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لجوازِ أنْ يَكُونَ إنَّما جَاءهُ وسَأَلَهُ؛ لأنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ رَسُولَهُ (١)، أوْ لأنَّهُ أرادَ الاسْتِثْبَاتَ لاَ العُلُوَّ.
(وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ) مِنْ أهلِ النَّظَرِ (النُّزُولَ) أي: طَلَبَهُ؛ إذْ عَلَى الرَّاوِي أنْ يَجْتَهِدَ في مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وتَعْدِيْلِهِ، والاجْتِهَادُ في أحْوَالِ رُواةِ النَّازِلِ أكْثَرُ، فَكَانَ الثَّوابُ فِيهِ أوْفَرَ (٢).
(وهْوَ) أي: هَذَا القَوْلُ (رَدّْ) أي: مَرْدُودٌ لِضَعْفِهِ، وضَعْفِ حُجَّتِهِ. قَالَ ابنُ دَقِيْقِ العِيْدِ: «لأنَّ كَثْرَةَ المشَقَّةِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا» (٣). قَالَ: «ومُرَاعاةُ المَعْنَى المقْصُودِ مِنَ الرِّوَايَةِ - وَهُوَ الصِّحَّةُ - أولَى» (٤).
وأَيَّدَهُ النَّاظِمُ بأَنَّهُ: «بِمَثَابَةِ مَنْ يَقْصدُ المسْجِدَ لِصَلاةِ الجَمَاعَةِ، فَيَسْلُكُ طَرِيْقَةً بَعِيدَةً؛ لِتَكْثِيْرِ الخُطَا، وإنْ أدَّاهُ سُلُوكُها إلى فَواتِ الجَمَاعةِ التِي هِيَ المقْصُودُ (٥»).
وَذَلِكَ أنَّ المقْصُودَ مِنَ الحَدِيْثِ التَّوَصُّلُ إلى صِحَّتِهِ، وبُعْدُ الوَهَمِ، وكُلَّمَا كَثُرَ رِجَالُ الإسْنَادِ تَطَرَّقَ إليهِ احْتِمَالُ الخَطَأِ والخَلَلِ، وكُلَّمَا قَصرَ السَّنَدُ كَانَ أسْلَمَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَكُونَ رِجَالُ السَّنَدِ النَّازِلِ أوْثَقَ، أوْ أحْفَظَ، أوْ أفْقَهَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ البابِ» (٦).
_________________
(١) بعد هذا في (ق) و(ع): «عما أخبر به».
(٢) انظر: المحدّث الفاصل: ٢١٦، والجامع ١/ ١١٦، وفتح المغيث ٢/ ١٠.
(٣) الاقتراح: ٣٠٣.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في (م): «المقصودة»، وهو خلاف نص العراقي.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، وانظر: فتح المغيث ٣/ ١٠.
[ ٢ / ١٣٨ ]
٧٣٨ - وَقَسَّمُوْهُ خَمْسَةً فَالأَوَّلُ قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ وَهْوَ الأَفْضَلُ
٧٣٩ - إِنْ صَحَّ الاسْنَادُ (١) وَقِسْمُ القُرْبِ إلى إِمَامٍ وَعُلُوٍّ نِسْبِي
٧٤٠ - بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ
(وَقَسَّمُوْهُ) أي: قَسَّمَ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، كَأبي الفَضْلِ بنِ طَاهِرٍ (٢)، وابنِ الصَّلاحِ العُلُوَّ أقْسَامًا (خَمْسَةً) (٣)، وإنِ اخْتَلَفَ كَلاَمُ هذينِ في مَاهِيَّةِ بَعْضِهَا.
وتَرْجِعُ الثلاَثَةُ الأُوَلُ مِنْها إلى عُلُوِّ مَسَافَةٍ، وَهُوَ قِلَّةُ العَدَدِ، والأخِيْرانِ إلى عُلُوِّ صِفَةٍ في الرَّاوِي، أو شَيْخِهِ (٤).
(فَالأَوَّلُ) مِنْها: عُلُوٌّ مُطْلَقٌ، وَهُوَ: مَا فِيهِ (قُرْبٌ مِنَ الرَّسُولِ) - ﷺ - بالنَّظَرِ لِسَائِرِ الأسَانِيْدِ، أوْ لإِسْنَادٍ آخَرَ فأَكْثَرَ، لِذلِكَ الحَدِيْثِ بِعَيْنِهِ (٥).
(وَهْوَ) أي: هَذَا القِسْمُ (الأفْضَلُ) والأجَلُّ، (إنْ صَحَّ الاسْنَادُ (٦»
- بالدرجِ -؛ لأنَّ القُرْبَ مَعَ ضَعْفِ الإسْنَادِ لا اعْتِبَارَ بهِ (٧).
(و) الثَّانِي مِنْها: عُلُوٌّ نِسْبِيٌّ، وَهُوَ: (قِسْمُ القُرْبِ إلى إمامٍ) مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ، وإنْ كَثُرَ العَدَدُ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، أو لَمْ يَكُنِ الإمامُ مِنْ أرْبَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، كَالأعْمَشِ، وابنِ جُرَيْجٍ، والأوْزَاعِيِّ، وشُعْبَةَ، والثَّوْرِيِّ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إليهِ أيضًا.
(و) الثَّالِثُ مِنْها: (عُلُوٍّ نِسْبِي) أيْضًا، لَكِنْ (٨) مُقَيَّدٌ (بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ) مَثَلًا " الصَّحِيْحَيْنِ " و" السُّنَنِ الأرْبَعَةِ " (٩) (إذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِها أُخِذْ) أي: نُقِلَ
_________________
(١) بدرج همزة (الإسناد)؛ لضرورة الوزن.
(٢) في جزء له سمّاه " العلو والنزول ": ٥٧، وتبعه في ذلك المصنف كما أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٢.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٤.
(٤) فتح المغيث ٣/ ١٢.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) في (م): «الإسناد». بإثبات الهمزة.
(٧) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٢.
(٨) في (ع): «لكنّه».
(٩) فتح المغيث ٣/ ١٥.
[ ٢ / ١٣٩ ]
أي (١): إذْ لَوْ رَوَيْنا الحَدِيْثَ مِنْ طريقِ كِتَابٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ يَقَعُ أنزَلَ مِمَّا لَوْ رَوَيْناهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيْقِها.
وقَدْ يَكُونُ عَالِيًا مُطْلَقًا أيضًا، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «يَوْمَ كَلَّمَ اللهُ مُوْسَى عَلَيْهِ (٢) السَّلامُ كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوْفٍ»، الحَدِيْثَ (٣).
فإنَّا لَوْ رَوَيْناهُ مِنْ «جُزْءِ ابنِ عَرَفَةَ»، عَنْ خَلَفِ بنِ خَلِيفَةَ، يَكُونُ أعْلَى مِمَّا لَوْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَريقِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ حُجْرٍ، عَنْ خَلَفٍ.
فَهَذَا - مَعَ كَوْنِهِ عُلوًا نِسْبِيًّا - علوٌّ مُطْلَقٌ؛ إِذْ لا يقعُ هَذَا الْحَدِيْثُ اليَوْمَ أعْلَى مِن رِوايَتِهِ مِن هَذَا الطَّرِيقِ (٤).
وسَمَّى ابنُ دَقِيقِ العِيدِ هَذَا القِسمَ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ (٥)، وَفِيْهِ تَقَعُ الْمَوافَقَاتُ والأبْدَالُ، والْمُسَاوَاةُ والْمُصَافَحاتُ (٦)، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ:
٧٤١ - فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ (٨) الْمُوَافَقَهْ
٧٤٢ - أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ
٧٤٣ - فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُ (٧) رَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ
(فإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (في شَيْخِهِ) أي: شَيْخِ أحدِ الأئِمَّةِ السِّتةِ، (قَدْ وَافَقَهْ)، كَحَدِيْثٍ يَرويهِ البُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ (٩) عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ، عَنْ حميدٍ،
_________________
(١) «أي»: سقطت من (ص).
(٢) في (ق): «﵊».
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٩٨٣)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٦٨٨، والحاكم ١/ ٢٨ و٢/ ٣٧٩، والمزي في تهذيب الكمال ٢/ ٣١٣.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٥، وفتح المغيث ٣/ ١٥ - ١٦.
(٥) الاقتراح: ٣٠٦.
(٦) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٦.
(٧) في النفائس: «فحيث».
(٨) كان حق الهاء هنا أن تسكن، لكنها حركت؛ لضرورة الوزن وسينص الشارح على ضبطها.
(٩) المثبت من نسخنا، وقد سقط من (م).
[ ٢ / ١٤٠ ]
عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، فإذا رَوَيْنَاهُ مِن " جُزْءِ الأنْصَارِيِّ " يَقَعُ مُوافَقَةً لِلبُخَارِيِّ في شَيْخِهِ (مَعَ عُلُوٍّ) بِدَرَجَةٍ، كَمَا في هَذَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بأكْثَرَ، (فَهُوَ) -بِضَمِّ الْهَاءِ (١) - (الْمُوَافَقهْ)؛ لأنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا في الأنْصَارِيِّ (٢).
(أَوْ) إنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَهُ في (شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ) أي: مَعَ عُلوٍّ بِدَرَجةٍ، فَأَكْثَرَ، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ.
(فَ) هُوَ (البدلْ)، لِوُقُوعِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ بَدلِ الرَّاوِي الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَحَدُ السِّتَّةِ، وَقَدْ يُسمُّونَهُ مُوافَقَةً مُقيَّدةً، فيُقَالُ: هُوَ مُوافَقَةٌ في شَيْخِ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ مَثَلًا (٣).
وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَقْيّيدِ الْمُوافَقَةِ، والبَدَلِ بالعُلُوِّ ذكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٤)، لَكِنْ خالَفَهُ غَيْرُهُ فَأطْلَقُوهُمَا بِدونِهِ، فإنْ عَلاَ قِيْلَ: مُوافَقَةٌ عَالِيةٌ، أَوْ بَدَلٌ عَالٍ، نبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ (٥).
(وإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (سَاوَاهُ) أي: أَحَدُ السِّتَّةِ (عَدًّا قَدْ حَصَلْ) أي: مِنْ جِهَةِ العَدَدِ الْحَاصِلِ لَهُ في السَّنَدِ، بأنْ يَكُوْنَ بَيْنَ الْمُخرِّجِ، وبَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - في الْمَرْفُوعِ، أَوْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قبلَهُ في غَيْرِهِ إِلَى شَيْخِ أحدِ السِّتَّةِ، كَمَا بَيْنَ أحد السِّتَّة، وأحد من ذَكَرَ مِن العَدَدِ (فَهْوَ (٦) الْمُسَاواةُ) لكنَّهَا مَفْقُودَةٌ الآنَ (٧).
(وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأصْلُ) أي: عَلاَ سَنَدُ أحَدِ السِّتَّةِ (بالوَاحِدِ) أي: براوٍ (٨) واحِدٍ عَلَى سَنَدِ الْمُخْرِّجِ (فَ) هُوَ (الْمُصَافَحَهْ) لَهُ، بِمَعْنَى أنَّ الْمُخَرِّجَ كأنَّهُ لقيَ أحدَ السِّتَّةِ، وَصَافَحَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ.
_________________
(١) في (م): «الحاء».
(٢) فتح المغيث ٣/ ١٦.
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٦.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٧.
(٦) في (م): «هو».
(٧) بعد هذا في نسخة (ع): «إلاّ أن يكون عدد ما بين المخرج وبين النبي - ﷺ - مثلًا في حديث كعدد ما بين أحد الستة وبين النبي - ﷺ - في حديث آخر»، وقد ضرب عليها ناسخها. انظر: فتح المغيث ٣/ ١٧.
(٨) في (ق): «راوٍ».
[ ٢ / ١٤١ ]
وَمَعَ كَوْنِهِ مُصَافَحَةً لَهُ، هُوَ مُسَاوَاةٌ لِشَيْخِهِ، فَإنْ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِ شَيْخِهِ، كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِهِ، أَوْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ كَانَتْ (١) لِشَيخِ شَيْخِهِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ (٢) مُصَافَحَةً، لِجَرَيَانِ العَادَةِ غَالِبًا بِهَا بَيْنَ الْمُتَلاَقِيَيْنِ (٣).
٧٤٤ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ (٤)
٧٤٥ - لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا
٧٤٦ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ وَضِدُّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ
٧٤٧ - وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ
(ثُمَّ) الرَّابِعُ مِنَ الأقْسَامِ:
(عُلوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ الوَفَاةِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بِالنّسبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ مُتَأَخِّرِ الوَفَاةِ عَنْهُ شَارَكَهُ في الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ.
فمَنْ سَمِعَ " سُنَنَ أَبِي داودَ " عَلَى الزكيِّ عَبْدِ العَظِيمِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى (٥) النَّجِيبِ الْحَرَّانِيِّ، ومَنْ سَمِعَهُ عَلَى النَّجِيبِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى ابنِ خَطيبِ الْمِزَّةِ والفَخْرِ ابنِ البُخَارِيِّ، وإنْ اشْتَرَكَ الأرْبَعَةُ في رِوَايَتِهِ عَنْ شَيخٍ واحِدٍ، وَهُوَ ابنُ طَبَرْزَذْ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الزَّكيِّ عَلَى النَّجِيْبِ، وَوفَاةِ النَّجِيْبِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وقضيةُ ذَلِكَ أنَّهُ (٦) يَكُوْنُ أَعْلِى إسْنَادًا سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ (٧) سَمَاعُهُ أَمْ اقْتَرَنَ أَمْ تَأخر؛ لأنَّ مُتَقَدِّمَ الوَفَاةِ يَعِزُّ وُجودُ الرُّوَاة (٨) عَنْهُ بالنَّظَرِ لِمُتأخِّرِهَا، فَيرغبُ في تَحْصِيلِ مَرْوِيِّهِ (٩).
_________________
(١) في (ع): «كانت المصافحة».
(٢) في (ع): «بذلك».
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٦ - ٤٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١، وفتح المغيث ٣/ ١٨.
(٤) في النفائس: «مع الثقات».
(٥) «على»: سقطت من (ع).
(٦) في (ق) و(ص): «أن».
(٧) في (ق): «تقدم».
(٨) في (ق): «الرّواية».
(٩) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٢.
[ ٢ / ١٤٢ ]
لَكِنَّ الأخْذَ بِالقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَحلُّهُ في غَيْرِ (١) تأخُّرِ السَّمَاعِ لَهُ أخذًا مِمَّا يَأْتِي في القِسْمِ الْخَامِسِ.
ثُمَّ هَذَا في العُلُوِّ المفادِ مِنْ تَقَدمِ الوَفَاةِ مَعَ الالتِفَاتِ لِنِسْبَةِ شَيْخٍ إِلَى شَيخٍ.
(أمَّا العُلُوُّ) المفادُ مِن مُجَرَّدِ تَقَدُّمِ وَفَاةِ الشَّيخِ (لاَ مَعَ التِفَاتِ لآخَرٍ) - بالصَّرْفِ للوزنِ - أي: لِشَيخٍ آخَرَ، فَقَدْ اخْتُلِفَ في وَقْتِهِ، (فَقِيلَ): يَكُونُ (لِلْخَمْسِينَا) مِنَ السِّنِينِ مَضَتْ بَعْدَ (٢) وَفَاتِهِ (٣)، (أَوْ الثَّلاَثِينَ مَضَتْ) بَعْدَ وَفاتِهِ (سِنِينَا) أي: مِنَ السِّنِينِ (٤).
(ثُمَّ) خَامِسُ الأقْسَامِ:
(عُلُوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ السَّمَاعِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخرَ شارَكَهُ في السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ، أَوْ لِرَاوٍ سَمِعَ مِن رَفيقِ شَيْخِهِ، فالأوَّلُ أعْلَى، وإنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاةُ الثَّانِي (٥).
وَلِهَذَا قَدْ يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ هَذَا، والقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ جَعَلَهُمَا ابنُ طَاهِرٍ (٦) ثُمَّ (٧) ابنُ دَقِيقِ العِيدِ قِسْمًا وَاحدًا (٨).
ثُمَّ زَادَا بدلَ السَّاقِطِ العُلُوَّ إِلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، ومُصَنِّفِي الكُتُبِ الْمَشْهُوْرَةِ، وجَعلَ ابنُ طَاهِرٍ هَذَا قِسْمَيْنِ:
أحدَهُما: عُلُوٌّ إِلَى البُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وأبِي دَاوُدَ، وأبِي حَاتِمٍ، وأبِي زُرْعَةَ.
وثانيَهمَا (٩): عُلُوٌّ إِلَى كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ لأقْوامٍ كابنِ أَبِي الدُّنْيَا، والْخَطَّابِيِّ (١٠).
_________________
(١) «غير»: سقطت من (م).
(٢) في (م): «على».
(٣) هو قول الحافظ أبي الحسن ابن جوصا. الإرشاد ٢/ ٥٣٥.
(٤) وهذا قول الحافظ ابن منده. المصدر السابق. قال ابن الصّلاح: «وهذا أوسع من الأول». معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٨، وانظر: فتح المغيث ٣/ ٢٣.
(٥) فتح المغيث ٣/ ٢٤.
(٦) العلو والنزول: ٧٦ - ٨٣.
(٧) في (ق): «و».
(٨) الاقتراح: ٣٠٧ - ٣٠٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٤، وفتح المغيث ٣/ ٢٤.
(٩) في (ع): «ثانيهما».
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٤.
[ ٢ / ١٤٣ ]
قَالَ: و«كُلُّ حَدِيْثٍ عَزَّ (١) عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَلَمْ يَجِدْهُ عَالِيًا، ولاَبُدَّ لَهُ مِن إيْرَادِهِ في تَصْنِيفٍ، أَوْ احْتِجَاجٍ بِهِ، فمِنْ أيِّ وَجْهٍ أوْرَدَهُ، فَهُوَ عَالٍ لِعِزَّتِهِ» (٢).
(وضدُّهُ) (٣) - أي: العُلُوِّ - (النُّزُولُ) فتَتَنَوَّعُ أقْسَامُهُ (كالأنْواعِ) السَّابِقَةِ لِلْعُلُوِّ، فأقْسَامُهُ خَمْسَةٌ، وَتَفْصِيلُهَا يدركُ من تَفْصِيلِ أقْسَامِ العُلُوِّ (٤).
(وَحَيْثُ ذُمَّ) النُّزُولُ، كَقَوْلِ ابنِ الْمَدِيْنِيِّ (٥)، وغَيْرِهِ (٦): «إنَّهُ شُؤْمٌ». وَقَوْلِ ابنِ مَعِيْنٍ: «إنَّهُ قرحةٌ (٧) في الوجْهِ» (٨)، (فَهْوَ مَا لَمْ يُجبَرِ) بِصِفَةٍ مرجَّحَةٍ.
فإنْ جُبِرَ بِها كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ في رِجَالِهِ عَلَى العَالِي، أَوْ كونِهِمْ أحْفَظَ، أَوْ أضْبَطَ، أَوْ أفْقَهَ، أَوْ كونِهِ مُتَّصِلًا بِالسَّمَاعِ. وَفِي العَالِي (٩) حُضورٌ، وإجَازَةٌ، أَوْ مُناوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ في الْحَمْلِ، فالنُّزُولُ حِيْنَئذٍ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، ولا مَفْضُولٍ بَلْ فَاضَلٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ السِّلَفيُّ (١٠) وغيرُهُ (١١).
قَالُوْا: «والنَّازِلُ حِينْئِذٍ هُوَ العَالِي في الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ والتَّحْقِيقِ».
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بقولِهِ: (والصِّحَّةُ) مَعَ النُّزُولِ هِيَ (العُلُوُّ) الْمَعْنَوِيُّ (عِنْدَ النَّظَرِ). والعَالِي عَدَدًا عِنْدَ فَقْدِ الضَّبْطِ، والإتْقَانِ عُلُوٌّ صوريٌّ، فَكَيفَ عِنْدَ فَقْدِ التَّوْثِيقِ (١٢)؟
_________________
(١) في العلو والنزول: «عسر»، وما أثبتناه أشبه بالصواب.
(٢) العلو والنزول: ٨٦ (٦٢).
(٣) كتب ناسخ (ع) نصًا مفاده بلوغ المقابلة.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٠، وفتح المغيث ٣/ ٢٤ - ٢٥.
(٥) الجامع ١/ ١٢٣ (١١٩).
(٦) هو أبو عمرو المستملي. الجامع ١/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم (١٢٠).
(٧) القرحة: البشرة إذا دبّ فيها الفساد. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٧٢٤ (قرح).
(٨) الجامع ١/ ١٢٣ (١١٨).
(٩) في (ع): «المعالي».
(١٠) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٦.
(١١) كابن معينٍ وابن مهدي وعبيد الله بن عمرو وأبي بكر بن الأنباري ومحمد بن عبيد الله العامري. كما نقله عن جميعهم الخطيب في الجامع ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
(١٢) بعد هذا في (ق): «فتأمل».
[ ٢ / ١٤٤ ]
فَهَذَا - مَعَ كَوْنِهِ عُلوًا نِسْبِيًّا - علوٌّ مُطْلَقٌ؛ إِذْ لا يقعُ هَذَا الْحَدِيْثُ اليَوْمَ أعْلَى مِن رِوايَتِهِ مِن هَذَا الطَّرِيقِ (١).
وسَمَّى ابنُ دَقِيقِ العِيدِ هَذَا القِسمَ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ (٢)، وَفِيْهِ تَقَعُ الْمَوافَقَاتُ والأبْدَالُ، والْمُسَاوَاةُ والْمُصَافَحاتُ (٣)، كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ:
٧٤١ - فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ (٤) الْمُوَافَقَهْ
٧٤٢ - أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ
٧٤٣ - فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُ (٥) رَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ
(فإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (في شَيْخِهِ) أي: شَيْخِ أحدِ الأئِمَّةِ السِّتةِ، (قَدْ وَافَقَهْ)، كَحَدِيْثٍ يَرويهِ البُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ (٦) عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ، عَنْ حميدٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، فإذا رَوَيْنَاهُ مِن " جُزْءِ الأنْصَارِيِّ " يَقَعُ مُوافَقَةً لِلبُخَارِيِّ في شَيْخِهِ (مَعَ عُلُوٍّ) بِدَرَجَةٍ، كَمَا في هَذَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بأكْثَرَ، (فَهُوَ) -بِضَمِّ الْهَاءِ (٧) - (الْمُوَافَقهْ)؛ لأنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا في الأنْصَارِيِّ (٨).
(أَوْ) إنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَهُ في (شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ) أي: مَعَ عُلوٍّ بِدَرَجةٍ، فَأَكْثَرَ، كَحَدِيْثِ ابنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ.
(فَ) هُوَ (البدلْ)، لِوُقُوعِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ بَدلِ الرَّاوِي الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَحَدُ السِّتَّةِ، وَقَدْ يُسمُّونَهُ مُوافَقَةً مُقيَّدةً، فيُقَالُ: هُوَ مُوافَقَةٌ في شَيْخِ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ مَثَلًا (٩).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٥، وفتح المغيث ٣/ ١٥ - ١٦.
(٢) الاقتراح: ٣٠٦.
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٦.
(٤) كان حق الهاء هنا أن تسكن، لكنها حركت؛ لضرورة الوزن وسينص الشارح على ضبطها.
(٥) في النفائس: «فحيث».
(٦) المثبت من نسخنا، وقد سقط من (م).
(٧) في (م): «الحاء».
(٨) فتح المغيث ٣/ ١٦.
(٩) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٦.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَقْيّيدِ الْمُوافَقَةِ، والبَدَلِ بالعُلُوِّ ذكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (١)، لَكِنْ خالَفَهُ غَيْرُهُ فَأطْلَقُوهُمَا بِدونِهِ، فإنْ عَلاَ قِيْلَ: مُوافَقَةٌ عَالِيةٌ، أَوْ بَدَلٌ عَالٍ، نبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ (٢).
(وإنْ يَكُنْ) أي: الْمُخرِّجُ (سَاوَاهُ) أي: أَحَدُ السِّتَّةِ (عَدًّا قَدْ حَصَلْ) أي: مِنْ جِهَةِ العَدَدِ الْحَاصِلِ لَهُ في السَّنَدِ، بأنْ يَكُوْنَ بَيْنَ الْمُخرِّجِ، وبَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - في الْمَرْفُوعِ، أَوْ الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قبلَهُ في غَيْرِهِ إِلَى شَيْخِ أحدِ السِّتَّةِ، كَمَا بَيْنَ أحد السِّتَّة، وأحد من ذَكَرَ مِن العَدَدِ (فَهْوَ (٣) الْمُسَاواةُ) لكنَّهَا مَفْقُودَةٌ الآنَ (٤).
(وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأصْلُ) أي: عَلاَ سَنَدُ أحَدِ السِّتَّةِ (بالوَاحِدِ) أي: براوٍ (٥) واحِدٍ عَلَى سَنَدِ الْمُخْرِّجِ (فَ) هُوَ (الْمُصَافَحَهْ) لَهُ، بِمَعْنَى أنَّ الْمُخَرِّجَ كأنَّهُ لقيَ أحدَ السِّتَّةِ، وَصَافَحَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ.
وَمَعَ كَوْنِهِ مُصَافَحَةً لَهُ، هُوَ مُسَاوَاةٌ لِشَيْخِهِ، فَإنْ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِ شَيْخِهِ، كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِهِ، أَوْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ كَانَتْ (٦) لِشَيخِ شَيْخِهِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ (٧) مُصَافَحَةً، لِجَرَيَانِ العَادَةِ غَالِبًا بِهَا بَيْنَ الْمُتَلاَقِيَيْنِ (٨).
٧٤٤ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ (٩)
٧٤٥ - لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٦.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٦٧.
(٣) في (م): «هو».
(٤) بعد هذا في نسخة (ع): «إلاّ أن يكون عدد ما بين المخرج وبين النبي - ﷺ - مثلًا في حديث كعدد ما بين أحد الستة وبين النبي - ﷺ - في حديث آخر»، وقد ضرب عليها ناسخها. انظر: فتح المغيث ٣/ ١٧.
(٥) في (ق): «راوٍ».
(٦) في (ع): «كانت المصافحة».
(٧) في (ع): «بذلك».
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٦ - ٤٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١، وفتح المغيث ٣/ ١٨.
(٩) في النفائس: «مع الثقات».
[ ٢ / ١٤٦ ]
٧٤٦ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ وَضِدُّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ
٧٤٧ - وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ
(ثُمَّ) الرَّابِعُ مِنَ الأقْسَامِ:
(عُلوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ الوَفَاةِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بِالنّسبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ مُتَأَخِّرِ الوَفَاةِ عَنْهُ شَارَكَهُ في الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ.
فمَنْ سَمِعَ " سُنَنَ أَبِي داودَ " عَلَى الزكيِّ عَبْدِ العَظِيمِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى (١) النَّجِيبِ الْحَرَّانِيِّ، ومَنْ سَمِعَهُ عَلَى النَّجِيبِ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى ابنِ خَطيبِ الْمِزَّةِ والفَخْرِ ابنِ البُخَارِيِّ، وإنْ اشْتَرَكَ الأرْبَعَةُ في رِوَايَتِهِ عَنْ شَيخٍ واحِدٍ، وَهُوَ ابنُ طَبَرْزَذْ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الزَّكيِّ عَلَى النَّجِيْبِ، وَوفَاةِ النَّجِيْبِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وقضيةُ ذَلِكَ أنَّهُ (٢) يَكُوْنُ أَعْلِى إسْنَادًا سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ (٣) سَمَاعُهُ أَمْ اقْتَرَنَ أَمْ تَأخر؛ لأنَّ مُتَقَدِّمَ الوَفَاةِ يَعِزُّ وُجودُ الرُّوَاة (٤) عَنْهُ بالنَّظَرِ لِمُتأخِّرِهَا، فَيرغبُ في تَحْصِيلِ مَرْوِيِّهِ (٥).
لَكِنَّ الأخْذَ بِالقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَحلُّهُ في غَيْرِ (٦) تأخُّرِ السَّمَاعِ لَهُ أخذًا مِمَّا يَأْتِي في القِسْمِ الْخَامِسِ.
ثُمَّ هَذَا في العُلُوِّ المفادِ مِنْ تَقَدمِ الوَفَاةِ مَعَ الالتِفَاتِ لِنِسْبَةِ شَيْخٍ إِلَى شَيخٍ.
(أمَّا العُلُوُّ) المفادُ مِن مُجَرَّدِ تَقَدُّمِ وَفَاةِ الشَّيخِ (لاَ مَعَ التِفَاتِ لآخَرٍ) - بالصَّرْفِ للوزنِ - أي: لِشَيخٍ آخَرَ، فَقَدْ اخْتُلِفَ في وَقْتِهِ، (فَقِيلَ): يَكُونُ (لِلْخَمْسِينَا) مِنَ
السِّنِينِ مَضَتْ بَعْدَ (٧) وَفَاتِهِ (٨)، (أَوْ الثَّلاَثِينَ مَضَتْ) بَعْدَ وَفاتِهِ (سِنِينَا) أي:
_________________
(١) «على»: سقطت من (ع).
(٢) في (ق) و(ص): «أن».
(٣) في (ق): «تقدم».
(٤) في (ق): «الرّواية».
(٥) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٢.
(٦) «غير»: سقطت من (م).
(٧) في (م): «على».
(٨) هو قول الحافظ أبي الحسن ابن جوصا. الإرشاد ٢/ ٥٣٥.
[ ٢ / ١٤٧ ]
مِنَ السِّنِينِ (١). (ثُمَّ) خَامِسُ الأقْسَامِ:
(عُلُوُّ) الإسْنَادِ لأجلِ (قِدَمِ السَّمَاعِ) لأحدِ رُوَاتِهِ بالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخرَ شارَكَهُ في السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ، أَوْ لِرَاوٍ سَمِعَ مِن رَفيقِ شَيْخِهِ، فالأوَّلُ أعْلَى، وإنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاةُ الثَّانِي (٢).
وَلِهَذَا قَدْ يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ هَذَا، والقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ جَعَلَهُمَا ابنُ طَاهِرٍ (٣) ثُمَّ (٤) ابنُ دَقِيقِ العِيدِ قِسْمًا وَاحدًا (٥).
ثُمَّ زَادَا بدلَ السَّاقِطِ العُلُوَّ إِلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، ومُصَنِّفِي الكُتُبِ الْمَشْهُوْرَةِ، وجَعلَ ابنُ طَاهِرٍ هَذَا قِسْمَيْنِ:
أحدَهُما: عُلُوٌّ إِلَى البُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وأبِي دَاوُدَ، وأبِي حَاتِمٍ، وأبِي زُرْعَةَ.
وثانيَهمَا (٦): عُلُوٌّ إِلَى كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ لأقْوامٍ كابنِ أَبِي الدُّنْيَا، والْخَطَّابِيِّ (٧).
قَالَ: و«كُلُّ حَدِيْثٍ عَزَّ (٨) عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَلَمْ يَجِدْهُ عَالِيًا، ولاَبُدَّ لَهُ مِن إيْرَادِهِ في تَصْنِيفٍ، أَوْ احْتِجَاجٍ بِهِ، فمِنْ أيِّ وَجْهٍ أوْرَدَهُ، فَهُوَ عَالٍ لِعِزَّتِهِ» (٩).
(وضدُّهُ) (١٠) - أي: العُلُوِّ - (النُّزُولُ) فتَتَنَوَّعُ أقْسَامُهُ (كالأنْواعِ) السَّابِقَةِ لِلْعُلُوِّ، فأقْسَامُهُ خَمْسَةٌ، وَتَفْصِيلُهَا يدركُ من تَفْصِيلِ أقْسَامِ العُلُوِّ (١١).
_________________
(١) وهذا قول الحافظ ابن منده. المصدر السابق. قال ابن الصّلاح: «وهذا أوسع من الأول». معرفة أنواع علم الحديث: ٤٢٨، وانظر: فتح المغيث ٣/ ٢٣.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٢٤.
(٣) العلو والنزول: ٧٦ - ٨٣.
(٤) في (ق): «و».
(٥) الاقتراح: ٣٠٧ - ٣٠٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٤، وفتح المغيث ٣/ ٢٤.
(٦) في (ع): «ثانيهما».
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٤.
(٨) في العلو والنزول: «عسر»، وما أثبتناه أشبه بالصواب.
(٩) العلو والنزول: ٨٦ (٦٢).
(١٠) كتب ناسخ (ع) نصًا مفاده بلوغ المقابلة.
(١١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٠، وفتح المغيث ٣/ ٢٤ - ٢٥.
[ ٢ / ١٤٨ ]
(وَحَيْثُ ذُمَّ) النُّزُولُ، كَقَوْلِ ابنِ الْمَدِيْنِيِّ (١)، وغَيْرِهِ (٢): «إنَّهُ شُؤْمٌ». وَقَوْلِ ابنِ مَعِيْنٍ: «إنَّهُ قرحةٌ (٣) في الوجْهِ» (٤)، (فَهْوَ مَا لَمْ يُجبَرِ) بِصِفَةٍ مرجَّحَةٍ.
فإنْ جُبِرَ بِها كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ في رِجَالِهِ عَلَى العَالِي، أَوْ كونِهِمْ أحْفَظَ، أَوْ أضْبَطَ، أَوْ أفْقَهَ، أَوْ كونِهِ مُتَّصِلًا بِالسَّمَاعِ. وَفِي العَالِي (٥) حُضورٌ، وإجَازَةٌ، أَوْ مُناوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ في الْحَمْلِ، فالنُّزُولُ حِيْنَئذٍ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، ولا مَفْضُولٍ بَلْ فَاضَلٌ، كَمَا صرَّحَ بِهِ السِّلَفيُّ (٦) وغيرُهُ (٧).
قَالُوْا: «والنَّازِلُ حِينْئِذٍ هُوَ العَالِي في الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ والتَّحْقِيقِ».
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بقولِهِ: (والصِّحَّةُ) مَعَ النُّزُولِ هِيَ (العُلُوُّ) الْمَعْنَوِيُّ (عِنْدَ النَّظَرِ). والعَالِي عَدَدًا عِنْدَ فَقْدِ الضَّبْطِ، والإتْقَانِ عُلُوٌّ صوريٌّ، فَكَيفَ عِنْدَ فَقْدِ التَّوْثِيقِ (٨)؟
_________________
(١) الجامع ١/ ١٢٣ (١١٩).
(٢) هو أبو عمرو المستملي. الجامع ١/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم (١٢٠).
(٣) القرحة: البشرة إذا دبّ فيها الفساد. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٧٢٤ (قرح).
(٤) الجامع ١/ ١٢٣ (١١٨).
(٥) في (ع): «المعالي».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٦.
(٧) كابن معينٍ وابن مهدي وعبيد الله بن عمرو وأبي بكر بن الأنباري ومحمد بن عبيد الله العامري. كما نقله عن جميعهم الخطيب في الجامع ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٨) بعد هذا في (ق): «فتأمل».
[ ٢ / ١٤٩ ]
الغَرِيْبُ، وَالْعَزِيْزُ، وَالْمَشْهُوْرُ (١)
٧٤٨ - وَمَا بِهِ مُطْلَقًا الرَّاوِي انْفَرَدْ فَهْوَ الْغَرِيْبُ وَابْنُ مَنْدَةَ (٢) فَحَدْ
٧٤٩ - بِالإِْنْفِرَادِ عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ فَإِنْ عَلَيْهِ يُتْبَعُ
٧٥٠ - مِنْ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ فَالْعَزِيْزُ أَوْ فَوْقُ فَمَشْهُوْرٌ وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا
٧٥١ - مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ ثُمَّ قَدْ يَغْرُبُ (٣) مُطْلَقًا أوِ اسْنَادًا (٤) فَقَدْ (٥)
(ومَا بهِ) أي: بروايتِهِ (مُطْلَقًا) عَنِ التَّقْييدِ بإمامٍ يَجْمَعُ حديثَهُ (الرَّاوِي انفَرد) عَنْ كُلِّ أحدٍ إما بِجَميعِ المَتْنِ، كحديثِ: «النَّهي عَنْ بيع الولاء، وهبَتِهِ» (٦) فإنه لمْ يَصِحَّ إلا من حديثِ عَبْد اللهِ بنِ دينارٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ.
_________________
(١) انظر في معرفة الغريب والعزيز والمشهور: معرفة علوم الحديث: ٩٢ - ٩٦ وجامع الأصول ١/ ١٧٤ - ١٧٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٢ - ٤٣٦، والإرشاد ٢/ ٥٣٨ - ٥٤٩، والتقريب: ١٥٢ - ١٥٥، والاقتراح: ٣٠٩ - ٣١٠، والموقظة: ٤٣، واختصار علوم الحديث: ١٦٥ - ١٦٧، والشذا الفياح ٢/ ٤٣٤ - ٤٥٠، والمقنع ٢/ ٤٢٧ - ٤٤٢، ونزهة النظر: ٦٢ - ٧١، وطبعة عتر ٢٤ - ٢٨، وفتح المغيث ٣/ ٢٧ - ٤١، وتدريب الراوي ٢/ ١٧٣ - ١٨٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٠١ - ٤١١، وظفر الأماني: ٣٩ - ٧٦، وتوجيه النظر ١/ ٤٢٥ - ٤٢٩.
(٢) يصحّ الوزن بالمنع من الصرف وإن كان صحيحًا عند صرفه إلاّ أن هذا لا يعدّ اضطرارًا كما ذهب إليه صاحب فتح المغيث ٣/ ٣٠ إذ هو موزون على أصله فلا ضرورة للإعراض عنه.
(٣) ورد في نسخة (ب) من متن الألفية تعليقة نصّها: «بالضم الراء -كذا - سواء كان ماضيه بالضم أو الفتح، والغريب الغامض من الكلام» وذيّلها بقوله: «بقاعي». قلنا: انظر: لسان العرب ١/ ٤٢٩، وتاج العروس ٣/ ٤٥٦ (غرب).
(٤) بإدراج همزة (إسنادًا)؛ لضرورة الوزن.
(٥) في (ب): «فَقَطْ».
(٦) أخرجه مالك (٢٢٦٨) رواية الليثي، والشافعي ٢/ ٧٢، والطيالسي (١٨٨٥)، وعبد الرزاق (١٦١٣٨)، والحميدي (٦٣٩)، وسعيد بن منصور (٢٧٦)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٢١، وأحمد ٢/ ٩ و٧٩ و١٠٧، والدارمي (٢٥٧٥) و(٣١٦٠) و(٣١٦١)، والبخاري ٣/ ١٩٢ (٢٥٣٥) و٨/ ١٩٢=
[ ٢ / ١٥٠ ]
أو ببعضِهِ، كحديثِ زكاة (١) الفطرِ (٢) حيثُ قيلَ: إن مالكًا انفردَ عَنْ سائرِ رواتهِ بقولِهِ: «مِنَ المُسلمينَ» (٣).
_________________
(١) = (٦٧٥٦)، ومسلم ٤/ ٢١٦ (١٥٠٦) (١٦)، وأبو داود (٢٩١٩)، وابن ماجه (٢٧٤٧) والترمذي (١٢٣٦)، والنسائي ٧/ ٣٠٦، وابن الجارود (٩٧٨)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٩٩٥) و(٤٩٩٦) و(٤٩٩٧) و(٤٩٩٨) و(٤٩٩٩) و(٥٠٠٠) و(٥٠٠١) و(٥٠٠٢) و(٥٠٠٣)، وابن حبان (٤٩٥٥)، (٤٩٥٦) و(٤٩٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣٦٢٥) و(١٣٦٢٦)، وفي الأوسط (٧٩٣٧)، والبيهقي ١٠/ ٢٩٢، والبغوي (٢٢٢٥) و(٢٢٢٦).
(٢) في (م): «ذكاة».
(٣) أخرجه مالك (٧٧٣)، والشافعي في مسنده ١/ ٢٥٠ (٦٦٣) و(٦٦٦)، وعبد الرزاق (٥٧٦٣)، والحميدي (٧٠١)، وابن أبي شيبة (١٠٣٥٤) و(١٠٣٥٥)، وأحمد ٢/ ٥ و٥٥ و٦٣ و٦٦ و١٠٢ و١١٤ و١٣٧، وعبد بن حميد (٧٤٣)، والدارمي (١٦٦٨) و(١٦٦٩)، والبخاري ٢/ ١٦١ (١٥٠٣) و(١٥٠٤) و(١٥٠٥) و١٦٢ (١٥١١) و(١٥١٢)، ومسلم ٣/ ٦٨ (٩٨٤) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) و٦٩ (٩٨٤) (١٦)، وأبو داود (١٦١١) و(١٦١٢) و(١٦١٣)، وابن ماجه (١٨٢٥) و(١٨٢٦)، والترمذي (٦٧٥)، والنسائي ٥/ ٤٦ و٤٧ و٤٨ و٤٩، وأبويعلى (٥٨٣٤)، وابن خزيمة (٢٣٩٢)، (٢٣٩٣) و(٢٣٩٥) و(٢٣٩٧) و(٢٣٩٨) و(٢٣٩٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٤٤، وابن حبان (٣٢٩٦) و(٣٢٩٧) و(٣٢٩٨) و(٣٢٩٩) و(٣٣٠٠)، والدارقطني ٢/ ١٣٩ و١٤٠ و١٤١، والحاكم ١/ ٤٠٩، والبيهقي ٤/ ١٥٩ و١٦٠ و١٦١، والبغوي (١٥٩٣)، (١٥٩٤) من حديث ابن عمر.
(٤) كتاب العلل للترمذي ٦/ ٢٥٣. قلنا: وكذا قال ابن الصلاح مقلّدًا في هذا الإمام الترمذي، وفيه نظر، إذ اعترض عليه الإمام النووي فقال في إرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٣٠ - ٢٣١: «لا يصح التمثيل بحديث مالك؛ لأنه ليس منفردًا، بل وافقه في هذه الزيادة عن نافع: عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان: الأول في صحيح البخاري، والثاني في صحيح مسلم». وبنحوه قال في التقريب والتيسير: ٧٢. ولعلّ أقدم من تكلّم في هذه المسألة وبيّن عدم انفراد الإمام مالك بهذه الزيادة، الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح المشكل ٩/ ٤٣ - ٤٤ عقب (٣٤٢٣)، فقال: «فقال قائل: أفتابع مالكًا على هذا الحرف، يعني: من المسلمين، أحد ممن رواه عن نافع؟ فكان جوابنا لَهُ في ذَلِكَ بتوفيق الله عزّوجلّ وعونه: أنه قَدْ تابعه عَلَى ذَلِكَ عبيد الله بن عمر، وعمر بن نافع، ويونس بن يزيد». ثُمَّ ساق متابعاتهم، وسنوردها لاحقًا. =
[ ٢ / ١٥١ ]
_________________
(١) = وقد بيّن الحافظ العراقي في التقييد: ١١١ - ١١٢ أنّ كلام الترمذي لا يفهم تفرد مالك، بل هو من تصرف ابن الصلاح في كلامه، فقال: «كلام الترمذي هذا ذكره في العلل التي في آخر الجامع، ولم يصرح بتفرد مالك بها مطلقًا، فقال: وربّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس فذكر الحديث، ثم قال: وزاد مالك في هذا الحديث «من المسلمين»، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: «من المسلمين». وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه. انتهى كلام الترمذي. فلم يذكر التفرد مطلقًا وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرّح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لم يعتمد على حفظه، فأسقط المصنف آخر كلامه وعلى كل تقدير فلم ينفرد مالك بهذه الزيادة، بل تابعه عليها جماعة من الثقات». قلنا: قد وجدنا له ثماني متابعات هي:
(٢) عبيد الله بن عمر: وقد اختلف عليه فيه، وعامّة أصحابه لا يذكرون هذه الزيادة في حديثه ومنهم: - يحيى بن سعيد القطان: عند أحمد ٢/ ٥٥، والبخاري ٢/ ١٦٢ (١٥١٢)، وأبي داود (١٦١٣)، وابن خزيمة (٢٤٠٣)، والبيهقي ٤/ ١٦٠، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦. - محمد بن عبيد الطنافسي: عند أحمد ٢/ ١٠٢، وابن زنجويه في الأموال (٢٣٥٧)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٥٩ و١٦٠، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٧. - عيسى بن يونس: عند النسائي ٥/ ٤٩، وفي الكبرى (٢٢٨٤)، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦. - عبد الله بن نمير: عند مسلم ٣/ ٦٨ (٩٨٤) (١٣). - أبان بن يزيد العطار: عند أبي داود (١٦١٣). - بشر بن المفضل: عند أبي داود (١٦١٣)، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٦. - حماد بن أسامة: عند ابن أبي شيبة (١٠٣٥٥)، ومسلم ٣/ ٦٨ (٩٨٤) (١٣). - عبد الأعلى بن عبد الأعلى: عند ابن خزيمة (٢٤٠٣). - المعتمر بن سليمان: عند ابن خزيمة (٢٤٠٣). - سفيان الثوري: عند الدارمي (١٦٦٩)، وابن خزيمة (٢٤٠٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٤٤، وأبي نعيم في الحلية ٧/ ١٣٦، والبيهقي ٤/ ١٦٠. =
[ ٢ / ١٥٢ ]
_________________
(١) = ورواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به. وذكر الزيادة. أخرجه: أحمد ٢/ ٦٦، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٤) و(٣٤٢٥)، والدارقطني ٢/ ١٤٥، والحاكم ١/ ٤١٠، والبيهقي ٤/ ١٦٦، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٨. وقال أبو داود عقب (١٦٢١): «رواه سعيد الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، قال فيه: «من المسلمين»، والمشهور عن عبيد الله ليس فيه: «من المسلمين» ». وقال ابن عبد البر: «وأما عبيد الله بن عمر فلم يقل فيه: «من المسلمين» عنه أحد - فيما علمت - غير سعيد بن عبد الرحمان الجمحي». قلنا: سعيد ليست حاله ممن يحتمل له مثل هذا التفرد لا سيّما مع شدة المخالفة فقد قال الإمام أحمد: «الجمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر. وقال: أنكر على الجمحي هذين الحديثين». مسائل صالح لأبيه الإمام أحمد ٢/ ٤٥٨. وقال ابن عدي: «له أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يهم عندي في الشيء بعد الشيء: يرفع موقوفًا ويوصل مرسلًا، لا عن تعمد». الكامل ٤/ ٤٥٦. قال الدكتور بشار في تعليقه على الموطأ ١/ ٣٨٢، وعلى جامع الترمذي ٢/ ٥٤: «في هذا نظر فقد تابع سعيدًا سفيان الثوري في روايته هذه عن عبيد الله». كذا قال!! وأنت خبير بأن تسعة من أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه بلا ذكر لهذه الزيادة البتة، في حين أنه - وهو: سفيان الثوري - رواه أيضًا من غير هذه الزيادة، ومن ادّعى أنه رواه عن عبيد الله بهذه الزيادة فقد حمّل روايته ما لا تحتمله، وإليك البيان: روى الدارمي هذا الحديث عن الفريابي عن الثوري، ورواه البقيّة من طريق قبيصة عن الثوري، كلاهما الفريابي وقبيصة لم يذكرا فيه هذه الزيادة عن الثوري. ولكن الرواية التي يدعي الدكتور متابعة سفيان فيها لسعيد الجمحي، أخرجها عبد الرزاق (٥٧٦٣) ومن طريقه الدارقطني ٢/ ١٣٩، عن الثوري وابن أبي ليلى مقرونين عن عبيد الله. فأنت ترى أن عبد الرزاق خالف الفريابي وقبيصة في روايته عن الثوري لهذا، لكن روى الدارقطني ٢/ ١٣٩ من طريق ابن زنجويه، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن عبيد الله، به، غير مقرون بابن أبي ليلى وفيه هذه الزيادة. والراجح رواية الفريابي وقبيصة؛ لأن العدد أولى أن يسلّم لَهُ بالصواب؛ ولأن عبد الرزاق ضعّف بالاختلاط، ومن الراجح أن سماع ابن زنجويه كان بعده، فلعلّ بعض الرواة حمل رواية الثوري على رواية ابن أبي ليلى، ومن هنا قال ابن حجر: «يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله». فتح الباري ٣/ ٣٧٠. =
[ ٢ / ١٥٣ ]
أو ببعضِ السَنَدِ، كحديثِ «أُمِّ زرعٍ» (١) إذِ المحفوظُ فيهِ روايةُ عيسى بنِ يونُسَ، وغيرِهِ عَنْ هشامِ بنِ عروة، عنْ أخيه عَبْد اللهِ، عَنْ أبيهِما، عَنْ عائشةَ، ورواهُ الطبرانيُّ
_________________
(١) = ومن هذا يظهر أن هذه الزيادة في حديث سفيان الثوري عن عبيد الله غير محفوظة، والصحيح أنه روى الحديث كسائر أصحاب عبيد الله بن عمر من غير زيادة.
(٢) كثير بن فرقد: عند الدارقطني ٢/ ١٤٠، والحاكم ١/ ٤١٠، والبيهقي ٤/ ١٦٢، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٩.
(٣) عبد الله بن عمر: عند عبد الرزاق (٥٧٦٥)، وأحمد ٢/ ١١٤، والدارقطني ٢/ ١٤٠. وكذا ابن الجارود في المنتقى (٣٥٦)؛ لكن وقع فيه تحريف، فوقع فيه «عبيد الله» مصغرًا.
(٤) ابن أبي ليلى: عند الدارقطني ٢/ ١٣٩. ورواه عبد الرزاق (٥٧٦٣) عنه وعن الثوري مقرونين. ورواه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٤٤ من طريق يحيى بن عيسى الفاخوري عن ابن أبي ليلى، وليس فيه الزيادة.
(٥) يونس بن يزيد: عند الطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧)، وفي شرح المعاني ٢/ ٤٤، وابن عبد البر ١٤/ ٣١٩.
(٦) المعلى بن إسماعيل: عند ابن حبان (٣٣٠٠)، والدارقطني ٢/ ١٤٠.
(٧) عمر بن نافع: عند البخاري ٢/ ١٦١ (١٥٠٣)، وأبي داود (١٦١٢)، والنسائي ٥/ ٨٤، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٦)، وابن حبان (٣٢٩٩)، والدارقطني ٢/ ١٣٩، والبيهقي ٤/ ١٦٢، والبغوي (١٥٩٤).
(٨) الضحاك بن عثمان: عند مسلم ٣/ ٦٩ (٩٨٤) (١٦)، وابن حبان (٣٢٩٨). قال الدارقطني في السنن ٢/ ١٣٩: «وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، وقال فيه: «من المسلمين». وكذلك رواه مالك بن أنس والضحاك ابن عثمان، وعمر بن نافع والمعلى بن إسماعيل وعبد الله بن عمر العمري وكثير بن فرقد ويونس بن يزيد، وروى ابن شوذب عن أيوب عن نافع كذلك». وبهذا تبين أن الإمام مالكًا لم ينفرد بهذه الزيادة، وإن لم يكن من تابعه يبلغ مرتبةً في الحفظ والإتقان، إلا أن دعوى التفرد لا تصح في كل حال. وقد قال الإمام أحمد: «كنت أتهيب حديث مالك «من المسلمين» يعني: حتى وجدته من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك «من المسلمين»؟ قال: نعم». شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢. والله أعلم.
(٩) أخرجه البخاريّ ٧/ ٣٤ (٥١٨٩)، ومسلم ٧/ ١٣٩ (٢٤٤٨) من طريق هشام بن عروة، عن أخيه عبدالله بن عروة، به.
[ ٢ / ١٥٤ ]
مِنْ حَديثِ الدَّراوَرْديِّ، وغيرِهِ عَنْ هشامٍ بدونِ واسطةِ أخيهِ (١).
(فَهْوَ) أي: ماحصَلَ بِهِ الانفرادُ بوجهٍ مِمَّا ذُكِرَ (الغريبُ) سمّيَ بهِ، لانفرادِ راويه عَنْ غيرِهِ، كالغريبِ الَّذِي شأنُهُ الانفرادُ عَنْ وطنهِ.
(و) أما أبو عبدِ الله (ابنُ مَنْدَةَ فَحدْ) هُ (بالانفرادِ) عَنْ كُلِّ أحدٍ بروايةِ شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ (عَنْ إمامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ) أي: مِنْ شأنهِ لجلالتهِ أنْ يُجْمَعَ حديثُهُ، وإنْ لَمْ يجمع، كالزهريِّ وقتادةَ (٢). وكانَ ابنُ مَنْدَه يُسمِّي الغريبَ فردًا.
(فَإنْ عَليهِ) أي: المرويِّ مِنْ طَريقِ إمامٍ يُجْمَعُ حديثُهُ (يُتْبَعُ) راويهِ (مِنْ) راوٍ آخرَ (واحدٍ، وَ) كَذَا من (اثْنَينِ)، وَلَوْ في طبقةٍ واحدةٍ، (ف) هُوَ (العزيزُ).
سُمِّيَ بهِ لِقِلَّةِ وجودِهِ من: عَزَّ يَعِزُّ بكسر عينِ مُضَارِعِهِ، أولكونهِ قَوِيَ بمَجيئهِ من طريقٍ آخرَ (٣)، من عَزَّ يَعَزُّ -بفتحها -، ومنهُ قولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَزَّزْنا بثَالِثٍ﴾ (٤). قَالَ شيخُنا (٥): «وَقدْ ادَّعى ابنُ حبانَ أنَّ روايةَ اثنينِ عَنْ اثنينِ لا توجدُ أصلًا، فإنْ أرادَ روايةَ اثنينِ فَقطْ عَن اثنين فَقَطْ فَمُسَلَّم، وأما صورةُ العزيزِ الَّتِي جوزوها (٦) فَموجودةٌ بأنْ لا يرويهِ أقلُّ من اثنين عَنْ أقلَّ من اثنينِ». (أو) يَتبعُ راويهِ عنْ ذلكَ (٧) الإمام مَنْ رَوَاهُ (فَوْقُ) أي: فوق الاثنينِ، كثلاثةٍ ما لَمْ يبلُغْ حدَّ التواترِ، (فَمَشهورٌ) سُمِّي بهِ لِشُهْرَتِهِ، ووضوحِ أمرِهِ (٨).
_________________
(١) المعجم الكبير ٢٣/ ١٦٤ - ١٧٧.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٧٩.
(٣) نزهة النظر: ٦٥.
(٤) يس: ٢٠. وانظر: فتح المغيث ٣/ ٣١.
(٥) نزهة النظر: ٦٩.
(٦) ما أثبتناه هو ما اتفقت عليه النسخ الخطية، وفي المطبوع من النزهة: «حررناها»
(٧) في (ص): «ذاك».
(٨) تدريب الرّاوي ٢/ ١٧٣.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وَيُسمّى بالمستفيضِ لانتشارهِ، وشيوعهِ في النَّاسِ. وَبَعْضُهُم غايرَ بيْنَهُما بأنَّ المستفيضَ يكونُ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ، سواءً، والمشهورُ أعمُّ منْ ذلكَ بحيثُ يَشْمَلُ (١) ما أوَّلُهُ مَنْقوُلٌ عَنْ الواحدِ (٢). فَعُلِمَ من كلام الناظمِ أنَّ ما وقعَ في سندهِ راوٍ واحد فَغَريبٌ، أو اثنانِ أو ثلاثةٌ فعزيزٌ، أَوْ فوقَ ذلكَ فمشهورٌ.
وَقَدْ يكونُ الحديثُ عزيزًا مَشْهُورًا، كحديثِ: «نَحْنُ الآخِرُوْنَ السَّابِقُوْنَ يومَ القيامةِ» فَهو عزيزٌ عَن النَّبِيّ - ﷺ -، رواهُ عَنْهُ حذيفةُ، وأبو هريرةَ، ومشهورٌ عَنْ أبي هريرةَ، رَواهُ عَنْهُ سبعةٌ: أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمانِ (٣)، وأبو حازمٍ (٤)، وطاووسُ (٥)، والأعرجُ (٦)، وهمامٌ (٧)، وأبو صالحٍ (٨)، وعبدُ الرحمانِ مولى أمِّ بُرْثُن (٩).
(وكلٌّ) من الأنواعِ الثلاثةِ، لايُنافي الصَّحيحَ والضَّعيفَ، بَلْ (قَدْ رأوا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ (مِنْهُ الصَّحيحَ) الشاملَ للحسنِ، (والضعيفَ)، وإن لَمْ يُصّرِّحِ ابنُ الصَّلاح بِذلكَ في العزيزِ، لكنَّ الضعيفَ في الغريبِ أكثرُ، ولهذا كرهَ جمعٌ من الأئمةِ تتبُّعَ الغرائبِ (١٠).
_________________
(١) في (ص): «ليشمل».
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٣، وتدريب الرّاوي ٢/ ١٧٣.
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠٢.
(٤) أخرجه مسلم ٣/ ٧ (٨٥٦) (٢٢)، والنسائي ٢/ ٨٧، وفي الكبرى (١٥٧٨)، وأبو يعلى (٦٢١٦).
(٥) أخرجه الحميدي (٩٥٥)، وأحمد ٢/ ٢٤٩ و٣٤١، والبخاري ٢/ ٦ (٨٩٦) و٤/ ٢١٥ (٣٤٨٦)، ومسلم ٣/ ٦ (٨٥٥) (١٩)، والنسائي ٣/ ٨٥، وفي الكبرى (١٥٧٩) و(١٥٨٠)، وابن خزيمة (١٧٢٠) و(٧١٦١).
(٦) أخرجه الحميدي (٩٥٤)، وأحمد ٢/ ٢٤٣ و٢٤٩، والبخاري ١/ ٦٨ (٢٣٨) و٢/ ٢ (٨٧٦) و٤/ ٦٠ و٩/ ٨ و١٧٥، ومسلم ٣/ ٦ (٨٥٥) (١٩)، والنسائي ٣/ ٨٥، وفي الكبرى (١٥٨٠)، وابن خزيمة (١٧٢٠).
(٧) أخرجه أحمد ٢/ ٢٧٤ ٣١٢، والبخاري ٨/ ١٥٩ (٦٦٢٤) و٩/ ٥٣ (٧٠٣٦)، ومسلم ٣/ ٧ (٨٥٥) (٢١)، وابن حبان (٢٧٧٩)
(٨) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٩ و٢٧٤، ومسلم ٣/ ٦ (٨٥٥) (٢٠).
(٩) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٦ و٣٨٨ و٤٩١ و٥٠٩ و٥١٢.
(١٠) في (ع): «الغريب». وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٧.
[ ٢ / ١٥٦ ]
(ثُمَّ) إنَّ الحديثَ (قَدْ يَغْرُبُ مطلقًا) أي: متنًا وإسنادًا وشيخًا، كحديثٍ انفردَ بروايتهِ راوٍ واحدٌ (١).
(أو اسنادًا (٢» - بالدرج - أي: أو يغربُ إسنادًا (فَقَدْ) أي: فقطْ كأنْ يكونَ متْنُهُ معروفًا بروايةِ جماعةٍ من الصَّحابةِ، فينفردَ بِهِ راوٍ من (٣) حديثِ صَحابيٍّ آخرَ، فَهُوَ منْ جهتهِ غريبٌ مَعَ أنَّ متنَهُ غيرُ غريبٍ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «ومِنْ ذلكَ غرائبُ الشيوخِ في أسانيدِ المتونِ الصَّحِيْحَةِ» (٤).
قالَ: «وهذا الَّذِي يقولُ فيهِ الترمذيُّ: غريبٌ من هَذَا الوجهِ». (٥)
قالَ: ولا أرى هَذَا النوعَ - يعني: غريبَ الإسنادِ فقط (٦) - ينعكسُ إلا إذا اشتهرَ الحديثُ الفردُ عمَّنْ انفردَ بِهِ، فرواهُ عَنْهُ عددٌ كثيرٌ، فإنهُ يصيرُ غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا، لكنْ بالنظرِ إلى أحدِ طرفَي الإسنادِ، فإنَّ إسنادَهُ غريبٌ في طرفِهِ الأوَّلِ، مشهورٌ في طرفهِ الأخيرِ، كحديثِ: «إنما الأعمالُ بالنِّياتِ» (٧) لأنَّ الشهرةَ إنما طرأتْ لَهُ من عندِ يَحْيَى بنِ سعيدٍ.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٧.
(٢) أثبت الهمزة ناشر (م)، ولم يفقه قول الشارح.
(٣) في (ص): «ومن».
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٨، وانظر: محاسن الاصطلاح: ٣٩٦.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٨.
(٦) «فقط» لم ترد في (م).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٨. والحديث أخرجه الطيالسي (٩)، والحميدي (٢٨)، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، والبخاري ١/ ٢ (١) و٢١ (٥٤) و٣/ ١٩٠ (٢٥٢٩) و٥/ ٧٢ (٣٨٩٨) و٧/ ٤ (٥٠٧٠) و٨/ ١٧٥ (٦٦٨٩) و٩/ ٢٩ (٦٩٥٣)، ومسلم ٦/ ٤٨ (١٩٠٧) (١٥٥)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي ١/ ٨٥ و٦/ ١٥٨ و٧/ ١٣، وفي الكبرى (٧٨)، وابن الجارود (٦٤)، وابن خزيمة (١٤٢) و(١٤٣) و(٤٥٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٥١٠٧) و(٥١٠٨) و(٥١٠٩) و(٥١١٠)، وابن حبان (٣٨٨) و(٣٨٩)، والدارقطني ١/ ٥٠ - ٥١، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٤٢، والبيهقي ١/ ٤١ و٢٩٨و٢/ ١٤و٤/ ١١٢و٢٣٥و٦/ ٣٣١و٧/ ٣٤١، والبغوي (١) و(٢٠٦).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وقدْ عُلمَ منْ كلامِ الناظمِ: أنَّ الغريبَ عِنْدَ غيرِ ابنِ مَنْدَه قسمانِ: مطلقٌ، ونسبيٌ، وَهُوَ عَلَى وزان الأفرادِ السابق بيانُهُ في بابِهِ، حَتَّى قِيْلَ: إنه لا فَرْقَ بَيْنَ البابينِ.
لكنْ قالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وَلَيْسَ كُلُّ مايُعَدُّ من أنواع الأفرادِ معدودًا من أنواع الغريبِ، كَمَا في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ» (١) أي كأهلِ البصرةِ.
وما ذكرهُ (٢) منْ أنَّ غريبَ الإسنادِ، لا (٣) ينعكسُ، هُوَ بالنظرِ إلى الوجودِ، وإلا فالقسمةُ العقليَّةُ تقتضي العكسَ.
ومِنْ ثَمَّ قَالَ أبو الفَتْحِ اليَعْمريُّ فِيْمَا شَرحَهُ من الترمذيِّ: «الغريبُ أقسامٌ: (٤)
١ - غَريبٌ سندًا ومتنًا.
٢ - ومتنًا لا سندًا.
٣ - وسندًا لا متنًا.
٤ - وغريبٌ بَعْضُ السندِ.
٥ - وغريبٌ بعضُ المتنِ. وَلَمْ يمثل للثاني لعدم وجودِهِ.
٧٥٢ - كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ أَيْضًا قَسَّمُوْا لِشُهْرِةٍ مُطْلَقَةٍ كَـ «الْمُسْلِمُ
٧٥٣ - مَنْ سَلِمَ الْحَدِيْثَ» وَالْمَقْصُوْرِ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهُوْرِ
٧٥٤ - «قُنُوتُهُ بَعْدَ الرُّكُوْعِ شَهْرَا» وَمِنْهُ ذُوْ تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرَا
٧٥٥ - فِي طَبَقَاتِهِ كَمَتْنِ «مَنْ كَذَبْ» فَفَوْقَ سِتِّيْنَ رَوَوْهُ وَالْعَجَبْ
٧٥٦ - بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ لَلْعَشَرَهْ وَخُصَّ بِالأَمْرَيْنِ فِيْمَا ذَكَرَهْ
٧٥٧ - الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهِمِ، قُلْتُ: بَلَى «مَسْحُ الخِفَافِ» وَابْنُ مَنْدَةٍ (٥) إلَى
٧٥٨ - عَشْرَتِهِمْ «رَفْعَ اليَدَيْنِ» نَسَبَا وَنَيَّفُوْا عَنْ مِئَةٍ «مَنْ كَذَبَا»
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٨.
(٢) في (ق): «ذكر».
(٣) في (م): «ولا».
(٤) النفح الشذي ١/ ٣٠٤ - ٤٠٥، وانظر شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٥) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ١٥٨ ]
(كَذَلِكَ المشهورُ أيضًا قَسَّموا) أي: كَمَا قَسَّموا الغريبَ إلى مُطْلَقٍ، ونسبيٍّ، قسَّموا المشهورَ أيضًا (لِـ) ذِي (شُهْرةٍ مُطْلَقَةٍ) بَيْنَ المحدثينَ، وغيرِهم (ك) حَدِيْثِ: «(المسلمُ من سَلِمَ الحَدِيْث») أي: ك: «من سَلِمَ المُسْلِمونَ من لِسانهِ وَيَدِهِ» (١).
(وَ) لِلْمَشْهُورِ (الْمَقْصُورِ) شهرتُهُ (عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهورِ: قُنُوْتُهُ) أي: من نَحْوِ حَدِيْثِ أنس: «أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَنَتَ (بَعْدَ الرُّكوعِ شَهْرا) يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذكوانَ» (٢).
فَقَدْ رواهُ عَنْ أنسٍ جمعٌ (٣) ثُمَّ عَنْ التابعينَ جمعٌ مِنْهُمْ: سليمانُ التيميُّ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، ثُمَّ عَنْ التيميِّ جمعٌ بحيثُ اشتهرَ بينَ المحدثينَ (٤). أما غَيْرُهم فقدْ يستغربونَهُ لكونِ الغالبِ عَلَى روايةِ التيميِّ عَنْ أنسٍ: كونَها بلا واسطةٍ، وهذا الحديثُ بواسطةِ أبي مِجْلَزٍ (٥).
وينقسمُ أيضًا باعتبارٍ آخرَ إلى متواترٍ، وغيرِهِ، كَمَا أشارَ إليهِ بقوله:
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٩، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠، من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: «حسن صحيح». وأخرجه البخاري ١/ ١٠ (١١)، ومسلم ١/ ٤٨ (٤٢)، والترمذي (٢٥٠٤) و(٢٦٢٨) والنسائي ٨/ ١٠٦ - ١٠٧ من حديث أبي موسى بنحوه.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١١٦ و٢٠٤، والبخاري ٢/ ٣٢ (١٠٠٣) و٥/ ١٣٦ (٤٠٩٤)، ومسلم ٢/ ١٣٦ (٦٧٧) (٢٩٩)، والنسائي ٢/ ٢٠٠ جميعهم من حديث سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس، فذكره.
(٣) منهم: عاصم الأحول عند أحمد ٣/ ١٦٧، والدارمي (١٦٠٤)؛ والبخاري ٢/ ٣٢ (١٠٠٢) و٤/ ١٢١ (٣١٧٠) و٥/ ١٣٧ (٤٠٩٦)، ومسلم ٢/ ١٣٦ (٦٧٧) (٣٠١) (٣٠٢)، وقتادة بن دعامة عِنْدَ أحمد ٣/ ١١٥ و١٨٠ و١٩١ و٢١٧ و٢٤٩ و٢٥٢ و٢٦١، والبخاري ٥/ ١٣٤ (٤٠٨٩)، ومسلم ٢/ ١٣٧، وابن ماجه (١٢٤٣)، والنسائي ٢/ ٢٠٣، وعبد العزيز بن صهيب عند البخاري ٥/ ١٣٤ (٤٠٨٨).
(٤) منهم: «يحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، وزائدة بن قدامة، والمعتمر بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد».
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٠.
[ ٢ / ١٥٩ ]
(وَمِنْهُ) أي من المَشْهُوْرِ (ذُوْ تَواتُرٍ)، فكلُّ متواترٍ مشهورٌ، ولاينعكسُ، وإن غلبَ المشهورُ في غيرِ الْمُتَوَاتِرِ (١).
والمتواترُ ما يَكونُ (مُسْتَقْرا) أي: مُتتبَّعًا (٢) (في) جميعِ (طبقاتِهِ)، بأنْ يرويهِ جَمْعٌ عَنْ جَمْعٍ غَيْرِ مَحْصُورينَ في عددٍ معيَّنٍ، ولا صِفةٍ مَخْصُوصَةٍ، بَلْ بحيث يَبلغونَ حدًا تُحيل العادةُ معهُ تواطؤهم عَلَى الكذبِ (٣).
(كَمَتْنِ) أي: كحديثِ: «(مَنْ كَذَبْ) عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النَّارِ».
فَقَدْ اعتنى بجمعِ طرقهِ جَمْعٌ من الحفَّاظِ (ففوقَ سِتِّينَ) صَحَابِيًّا باثنين (روَوهُ)، بَل وفوقَ تِسْعين، (والعَجَبْ بأنَّ) أي: من أنَّ (مِنْ رُواتِهِ لَلْعَشَرهْ) - بفتح اللام - المشهودِ لهم بالجنَّةِ.
(وَ) إنه (خُصَّ بالأمْرَينِ): اجتماعُ أزْيدَ من ستِّين صحابيًَّا عَلَى روايتِهِ، وَكَونُ العَشَرةِ مِنْهُمْ (فِيْمَا ذَكَرَهْ الشَّيخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٤) (عَنْ بَعْضِهِمِ)، فَلَمْ يُخَصَّ بالأمرينِ مَعَهُ (٥) غيرُهُ.
(قُلْتُ: بلى) قَدْ خصَّ بهما مَعَهُ (٦) (مَسْحُ الْخِفَافِ) أي حديثُهُ، فَقَدْ رَوَاهُ جمعٌ فوقَ ستِّين صحابيًا، مِنْهُمْ: العشرةُ.
بَلْ رُوِي من طريقِ الْحَسَنِ البصريِّ أنَّه قَالَ: «حَدَّثَنِي سبعونَ من الصحابةِ بالمسحِ عَلَى الخفَّيْنِ» (٧). وجعلَه ابنُ عَبْدِ البرِّ متواترًا (٨).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٠.
(٢) في (ق): «متبعًا».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩١، وفتح المغيث ٣/ ٣٧.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٦.
(٥) في (ق): «مع».
(٦) في (ع): «معه بهما».
(٧) التمهيد ١١/ ١٣٧، والمجموع ١/ ٤٧٧، وفتح الباري ١/ ٣٠٥.
(٨) التمهيد ١١/ ١٣٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٣.
[ ٢ / ١٦٠ ]
(و) أيضًا فأبو القاسمِ (ابنُ مَنْدَةٍ)، والحاكمُ (١) وغيرُهما (إلى عَشْرَتِهِمْ)
- بإسكان الشين - أي الصحابةِ (رَفْعَ اليَدَينِ) أي: حديثَهُ (نَسَبا) بَلْ خَصَّهُ الحاكمُ بذلكَ أيضًا، وجعلَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ متواترًا (٢). وبالجملةِ، فحديثُ: «منْ كذبَ» أكثرُ ورودًا عَنِ الصَّحَابَة، كَمَا نبَّه عَلَيْهِ ابنُ الصَّلاحِ، حَتَّى قالَ أبو موسى الْمَدِينِيُّ: إنهم نحوُ الْمِئَةِ (٣). بَلْ (وَنيَّفُوا) أي: زادوا (عَنْ مِئَةٍ) مِنْهُمْ باثنين في حَدِيْث (مَنْ كَذَبَا) بألفِ الإطلاقِ.
غَرْيِبُ أَلْفَاْظِ الأَحَاْدِيْثِ
(غَريبُ أَلْفاظِ الحَديثِ) هُوَ ما يقعُ فيهِ مِنَ الألفاظِ الغامِضةِ، والمشتَبهةِ، وَتَتأكدُ (٤) العِنايةُ بِهِ لمَنْ يروي بالمعْنى.
٧٥٩ - وَالنَّضْرُ أَوْ مَعْمَرُ (٥) خُلْفٌ أَوَّلُ مَنْ صنَّفَ الْغَرِيْبَ فِيْمَا نَقَلُوْا
٧٦٠ - ثُمَّ تَلَى أبو عُبَيْدٍ وَاقْتَفَى القُتَبِيُّ ثُمَّ حَمْدٌ صنَّفَا
٧٦١ - فَاعْنِ بِهِ وَلاَ تَخُضْ (٦) بالظَّنِّ وَلاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
٧٦٢ - وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ (٧)
٧٦٣ - كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيْ، وَالْحَاكِمُ فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ وَهْوَ وَاهِمُ
(والنَّضْرُ) بنُ شُمَيلٍ المازنيُّ (٨) (أو) أبو عُبَيْدةَ (٩) (مَعْمَرُ) - بمنع
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٩٢.
(٢) الموضوعات٢/ ٩٨.
(٣) تدريب الرّاوي ٢/ ١٧٧.
(٤) في (ص): «تأكد».
(٥) بمنعه من الصرف؛ لضرورة الوزن.
(٦) في (أ): «ولا تخص».
(٧) في (ب): «لابن مالك»، وهو خطأ.
(٨) معرفة علوم الحديث: ٨٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٧.
[ ٢ / ١٦١ ]
صَرْفِهِ - للوزن - ابنُ المُثَنَّى وقع (خُلْفٌ) أيُّهما (أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ) في الإسْلامِ (الغريبَ فِيْمَا نَقَلوا) أي: رواةُ الأخبارِ.
فجزمَ الحاكمُ بأولِهما (١)، وغيرُهُ بثانيهِمَا (٢).
ثُمَّ صَنَّفَ فيهِ عَبدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الأصمَعِيُّ عصريّ مَعْمَر (٣).
(ثُمَّ تَلا) الْجَمِيعَ (أبو عُبَيْدٍ) القاسمُ ابنُ سَلاَّمٍ بعدَ المئتين (٤).
(وَاقْتَفَى) أَثَرَهُ، وَحَذا حذوَهُ أبو مُحَمَّدٍ عَبد الله بنُ مُسْلِمِ بنِ قُتَيْبَةَ الدَّينَورِيُّ - بفتح الدالِ - (القُتَبِيُّ) نِسْبَةً لجَدِّهِ (٥) فزادَ عَليهِ مَواضِعَ وتتبَّعهُ في مواضع (٦). وصَنَّفَ فيهِ أيْضًا جَماعةٌ كَأَبي إسْحَاقَ الحرْبِيِّ (٧).
(ثُمَّ) بَعْدَهُمْ أبو سُلَيْمَانَ (حَمْدٌ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ الخَطَّابِيُّ (صَنَّفَا) كِتَابَهُ فَزَادَ عَلَى القتبيِّ، ونَبَّهَ عَلَى أغَالِيْطَ لهُ (٨).
وصَنَّفَ فيهِ أيضًا جماعَةٌ، مِنْهُمْ: قاسمُ بنُ ثابِتِ بنِ حَزْمٍ السَّرَقُسْطِيُّ، وعبدُ الغافِرِ الفَارسِيُّ، وأبو الفَرَجِ بنُ الجوْزِيِّ، وأبو عُبَيْدٍ أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيُّ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٨٨.
(٢) انظر مقدمة النهاية ١/ ٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٧.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة: ٢/ ٣٩٧.
(٤) انظر: النهاية ١/ ٦، وشرح التبصرة والتذكرة: ٢/ ٣٩٧، وفتح المغيث ٣/ ٤٥.
(٥) قُتَيْبة: هي تصغير قِتبة - بكسر القاف - وهي واحدة الأقتاب، والأقتاب: الأمعاء، وبها سميّ الرجل، والنسبة إليه قتبيّ - بضم القاف وفتح التاء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة بواحدة - والمراد به أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. انظر الأنساب ٤/ ٤٣١، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٤، وسير لأعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦.
(٦) النهاية في غريب الحديث ١/ ٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٧، وفتح المغيث ٣/ ٤٥.
(٧) انظر: فتح المغيث ٣/ ٤٥.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وفتح المغيث ٣/ ٤٥ - ٤٦.
[ ٢ / ١٦٢ ]
(فاعْنِ بِهِ) أي: بعلمِ الغريبِ، أي: اجْعلْهُ في (١) عِنَايَتِكَ حِفْظًا
وتَدَبُّرًا (٢)، (ولا تَخُضْ) فيهِ رَجْمًا (٣) (بالظَّنِّ).
فَقَدْ قالَ الإمامُ أحمدُ حِيْنَ سُئِلَ عَنْ حَرْفٍ مِنْ غريبِ الحَدِيْثِ: «سَلُوا أصْحابَ الغَريبِ، فإنِّي أكْرَهُ أنْ أتَكَلَّمَ في قولِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - بالظَّنِّ» (٤).
وسُئِلَ الأصْمَعِيُّ عَنْ حدِيثِ: «الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ» (٥)، فقالَ: «أنا لاَ أُفَسِّرُ حديثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ولكِنَّ العَرَبَ تَزْعُمُ أنَّ السَّقَبَ: اللُّزَيْقُ» (٦).
(ولاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أهْلِ الفَنِّ) أي: الغَرِيْبَ في النَّقْلِ عَنْهُ.
(وخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ) أي: الغريبَ بهِ مَا كانَ (ب) الْمَعْنَى (الوَارِدِ) في بَعْضِ الرِّواياتِ مُفَسِّرًا لِذلِكَ الغريبِ.
(كالدُّخِّ) - بضمِّ الدَّالِ أشْهَرُ مِنْ فَتْحِها، وبالمعْجَمةِ - فإنَّهُ جاءَ في رِوَايةٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي تفْسِيرَهُ (بالدُّخَانِ)، مَعَ أنَّهُ لغةٌ فِيهِ، حَكَاها الجَوْهَرِيُّ، وغيرُهُ في
_________________
(١) في (ق): «من».
(٢) فتح المغيث ٣/ ٤٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) العلل ومعرفة الرجال (رواية المروذي): ٢١٧ رقم (٤١٣).
(٥) أخرجه الحميدي (٥٥٢)، وأحمد ٦/ ١٠ و٣٩٠، والبخاري ٣/ ١١٤ (٢٢٥٨) و٩/ ٣٥ (٦٩٧٨) و٣٦ (٦٩٨٠) و٣٧ (٦٩٨١)، وأبو داود (٣٥١٦)، وابن ماجه (٢٤٩٥)، والنسائي ٧/ ٣٢٠ والبغوي ٨/ ٢٤٢ من حديث أبي رافع. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٧٢١)، وأحمد ٤/ ٣٨٩ و٣٩٠، وابن ماجه (٢٤٩٦)، والنسائي ٧/ ٣٢٠، وابن الجارود (٦٤٥)، والطحاوي ٤/ ٣٢٤، والدارقطني ٤/ ٢٢٤، والبيهقي ٦/ ١٠٥ من حديث الشريد بن سويد. وجاء في بعض ألفاظ الحديث: «بصقبه» بالصاد وهما بمعنى؛ قال ابن الأثير في النهاية ٢/ ٣٧٧: «السقب بالسين والصاد في الاصل: القرب، يقال: سقبت الدار وأسقبت، أي: قربت».
(٦) شرح السّنّة ٨/ ٢٤٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٣٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠٠، وفتح المغيث ٣/ ٤٧.
[ ٢ / ١٦٣ ]
القِصَّةِ المشْهُورةِ (لابنِ صَائِدِ) أبي عمارةَ عبدِ اللهِ - ويُقالُ لهُ: ابنُ صَيَّادٍ (١) أيضًا - أخرجَهَا الشَّيْخَانِ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ - ﷺ - لَمَّا قالَ لهُ (٢): «خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيْئًا، فَمَا هوَ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخُّ» (٣).
(كَذاكَ) (٤) أي: كَوْنُ مَعْناهُ الدُّخانُ ثَبَتَ (عِنْدَ التِّرْمِذِيْ) (٥) - بالإسْكانِ لما مَرَّ - وصَحَّحَهُ، وكذا عِنْدَ أبي دَاوُدَ (٦)، قَالا: وخَبأ - يَعْنِي النَّبيَّ - ﷺ - لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِيْنٍ﴾ (٧).
وحَكَى أبو مُوسَى الْمَدِيْنِيُّ: أنَّ السِّرَّ في امْتِحَانِهِ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الإشَارَةُ إلى أنَّ عِيْسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ (٨) يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ (٩)، كَمَا جَاءَ في رِوَايةِ الإمامِ أحمدَ (١٠)، فأرادَ التعريضَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لأنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أنَّهُ الدَّجَّالُ.
(والحَاكِمُ فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ)، أي (١١): بِهِ (وَهْوَ) - كَمَا قَالَ الأئِمَّةُ: - (وَاهمُ) في ذَلِكَ (١٢).
_________________
(١) في (ص): «صايد»
(٢) «له»: سقطت من (ق).
(٣) صحيح البخاريّ ٨/ ٤٩ (١٣٥٤) و(١٣٥٥)، وصحيح مسلم ٨/ ١٨٩ (٢٩٣٠) من حديث عبد الله بن عمر.
(٤) في (ع) و(م): «كذلك». وما أثبتناه من (ص) و(ق). وهو الموافق لما جاء في نسخ مَتْن الألفية.
(٥) التّرمذي (٢٢٤٩) وفي (٢٢٣٥) مختصرًا.
(٦) سنن أبي داود (٤٣٢٩) و(٤٧٥٧).
(٧) الدخان: ١٠.
(٨) في (م): «﵇».
(٩) قال ابن الاثير في النهاية ٢/ ١٠٧: «الدخّ - بضم الدال وفتحها -: الدّخان. وفسّر في الحديث أنه أراد بِذَلِكَ: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾، وَقِيْلَ: إن الدجال يقتله عيسى ﵇ بجبل الدّخان. فيحتمل أن يكون أراده تعريضًا بقتله؛ لأن ابن صيّاد كان يُظَن أنه الدجال».
(١٠) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(١١) «أي» سقطت من (ق).
(١٢) قال ابن الصّلاح: «وهذا تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن». معرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٠. وتعقب الحافظ العراقي الحاكم في شرح التبصرة والتذكرة٢/ ٤٠٤، وانظر: تاج العروس ٧/ ٢٤٩.
[ ٢ / ١٦٤ ]
ولَفْظُهُ: «سَأَلْتُ الأُدَباءَ عَنْ تَفْسِيْرِ «الدُّخِّ»، فَقَالَ: يَدُخُّهَا ويَزُخُّهَا، أي:
يُجَامِعُهَا» (١).
وَوَهِمَ فِيهِ أيضًا الخَطَّابِيُّ فَفَسَّرَهُ: «بأنَّهُ نَبْتٌ يَكُونُ بَيْنَ النَّخِيْلِ».
وَقَالَ: «لا مَعْنَى للدُّخَانِ هُنَا؛ لأنَّهُ لاَ يُخَبَّأُ إلاَّ أنْ يُرِيْدَ بـ: «خَبَّأْتُ»: أضْمَرْتُ» (٢).
الْمُسَلْسَلُ (٣)
(الْمُسَلْسَلُ) من الأحاديث باعتبار الرُّواةِ، أو الأسانيدِ.
٧٦٤ - مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا فِيْهِ الرُّوَاةُ وَاحِدًا فَوَاحِدَا
٧٦٥ - حَالًا لَهُمْ أوْ وَصْفًا اوْ (٤) وَصْفَ سَنَدْ كَقَوْلِ كُلِّهِمْ: سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ
٧٦٦ - وَقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفًا يَحْصُلُ
٧٦٧ - وَمِنْهُ ذُوْ نَقْصٍ بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ كَأوَّلِيَّةٍ وَبَعْضٌ وَصَلَهْ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٩١.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠٤، وتاج العروس ٧/ ٢٦٢ (دخن).
(٣) انظر في المسلسل: معرفة علوم الحديث: ٢٩ - ٣٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٢، والإرشاد ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٨، والتقريب: ١٥٥ - ١٥٦ والاقتراح: ٢٠١ - ٢٠٥، والموقظة: ٤٣ - ٤٤، واختصار علوم الحديث: ١٦٨ - ١٦٩ والشذا الفياح ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٩، والمقنع ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٠٥، ونزهة النظر (١٦٧) وطبعة عتر: ٦٤ - ٦٥، وفتح المغيث ٣/ ٥٣ - ٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٧ - ١٨٩، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٥٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٤ - ٤١٦، وظفر الأماني: ٢٨٧ - ٣٢٣، وتوجيه النظر ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤. والمسلسل: اسم مفعول، يقال: سلسل الأشياء، وصل بعضها ببعض، كأنها سلسلة، والماء ونحوه: صَبَّهُ شيئًا فَشيئًا في حدور واتصال، وتسلسل: تتابع، يقال: تسلسل الماءُ: جرى في حدور واتصال، وشيء مسلسل متصل بعضه ببعض. انظر: المقاييس ٣/ ٦٠، واللسان ١١/ ٣٤٥، والمعجم الوسيط١/ ٤٤٢.
(٤) بدرج همزة (أو)؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ١٦٥ ]
(مُسَلْسَلُ الْحَدِيثِ ما تَواردَا) أي: تَشَارَكَ (فِيهِ الرُّواةُ) لَهُ (واحدًا فَواحدا حَالًا) أي: عَلى حَالٍ (لَهُمْ) قوليًا كَانَ الْحَالُ، كقولِهِ - ﷺ - لمعاذٍ: «إنِّي أحِبُّكَ، فَقُلْ فِيْ دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١). فإنَّهُ (٢) مُسَلْسَل بقولِ كُلٍّ من رواتِهِ: إني أحبُّكَ، فَقُل.
أَوْ فعليًا، كقولِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «شَبّكَ بِيَدِي أَبُو القَاسِمِ - ﷺ -، وَقَالَ: خَلَقَ اللهُ الأرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ» (٣) الْحَدِيْثُ. فإنَّهُ مسلسلٌ بتشبيكِ كُلِّ مِنْهُمْ بيد مَنْ رواهُ عَنْهُ.
وقد يجتمعانِ، كَمَا في حَدِيْثِ أنسِ: «لاَ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاَوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ. وَقَالَ: وَقَبَضَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: آمَنْتُ بِالْقَدْرِ إلى آخِرِهِ» (٤)، فإنَّهُ مسلسلٌ بقبضِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى لحيتِهِ مع قولِهِ: «آمنتُ بالقدر (٥») إلى آخرِهِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٤ و٢٤٧، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي ٣/ ٥٣، وفي الكبرى (١٢٢٦) و(٩٩٣٧)، وفي عمل اليوم والليلة (١٠٩)، وابن خزيمة (٧٥١) جميعهم من طريق حيوة بن شريح، قَالَ: سَمِعْتُ عقبة بن مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثني أبو عَبْد الرَّحْمَان الحبلي، عَنْ الصنابحي، عَنْ معاذ بن جبل. وفي آخره: «وأوصى بِذَلِكَ معاذ الصنابحي، وأوصى الصنابحي أبا عَبْد الرَّحْمَان، وأوصى أبو عَبْد الرَّحْمَان عقبة بن مُسْلِم» وانظر: المناهل السلسلة: ٢٤ - ٢٧.
(٢) في (م): «فإن».
(٣) السند المسلسل أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٣، واللكنوي في ظفر الأماني: ٢٩٠، وبدون التسلسل أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٧، ومسلم ٨/ ١٢٧ (٢٧٨٩)، وأبو يعلى (٦١٣٢)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٧٨) و(٨٧٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات: ٣٨٣ - ٣٨٤، وأشار إلى ضعف تسلسله. وكذا قال السخاوي. وانظر: العجالة: ١٣ و١٤، وظفر الأماني: ٢٩٠.
(٤) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣١ - ٣٢ - كما سبق -، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥/ ٢٥١ و٢٣/ ٢٠٨ (٥٠٤٢)، والذهبي في السِّيَر ٨/ ٢٨٧ من طريق أبي بكر محمد بن أحمد العامري عن سليمان بن شعيب، به. وقد عزاه اللكنوي في ظفر الأماني: ٢٩٨ بالسند إلى السيوطي من طريق الحاكم النيسابوري. وقد عزاه صاحب الكنْز ١/ ٣٥١ (١٥٧١) إلى ابن عساكر من طريق سليمان بن شعيب بسند آخر يخالف الذي في تاريخ دمشق.
(٥) من (ص) و(ق) فقط.
[ ٢ / ١٦٦ ]
(أَوْ وَصْفًَا) أي: أَوْ ما تواردَ فِيْهِ رواتُهُ عَلَى وصفٍ لَهُمْ قوليًا كَانَ الوَصْفُ، وَهُوَ مقاربٌ لحالِهِم القولي، بَلْ مماثلٌ لَهُ، كالمسلسلِ بقراءةِ سورةِ الصفِ، أَوْ فعليًا كالمسلسلِ بالقُرَّاءِ وبالْحُفَّاظِ، وبالفُقُهَاءِ، وبالمحمدين (١)، وبروايةِ الأبناءِ عَنْ الآباءِ.
(اوْ (٢) وَصْفَ سَندْ) -بالدرجِ- أي: أَوْ ما تواردَ فِيْهِ رواتُهُ عَلَى وَصْفِ سندٍ بِمَا يرجعُ إلى التَّحمُّلِ إما في صيغِ الأداءِ، (كَقَوْلِ كُلِّهِمْ) أي: الرُّوَاةِ (سَمِعْتُ) فلانًا، أَوْ نحوَهُ كَ: حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنَا فلانٌ (فَاتَّحَدْ) ما وقعَ مِنْهَا لَهُمْ، فصارَ الحديثُ بِذَلِكَ مُسَلْسَلًا.
بَلْ جعلَ الحاكِمُ (٣) مِنْهُ أَنْ تكونَ ألفاظُ الأداءِ مِنْ جَمِيْعِ الرُّوَاةِ دالةً عَلَى الاتصالِ، وإن اختلَفَتْ، فَقَالَ بعضُهم: سَمِعْتُ، وَقَالَ بَعضُهم: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ بعضُهم: حَدَّثَنَا.
لَكِنَّ الأكثرَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بالتوارُدِ في صِيغةٍ واحدةٍ (٤).
وإما فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَنِ الرِّوَايَةِ، كَالْمُسَلْسَلِ بقصِّ الأظفارِ يومَ الْخَميسِ، أَوْ بمكانِهَا، كَالْمُسَلْسَلِ بإجابةِ الدُّعاءِ في الْمُلْتَزمِ (٥)، أَوْ بِتَارِيْخِها، كَكَون الرَّاوِي آخرَ مَنْ يَروي عَنْ شَيْخِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أنواعِ الْمُسَلْسَلِ التي لا تَنْحَصِرُ، كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ (٦).
_________________
(١) في (م): «بالمجتهدين»، وفي (ق) و(ع): «بالمحدثين»، وما أثبتناه من (ص)، وهو الموافق لما في فتح المغيث وشرح السيوطي على ألفية العراقي وتدريب الرّاوي وظفر الأماني.
(٢) في (م): «أَو» بإثبات الهمزة.
(٣) معرفة علوم الحديث: ٣١.
(٤) انظر فتح المغيث ٣/ ٥٣.
(٥) إشارة إلى حديث ابن عباس قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء وما دعا الله فيه عبد دعوة إلا استجاب له». قال ابن عباس ﵄: فوالله ما دعوت الله ﷿ فيه قط منذ سمعت هذا الحديث إلا استجيب لي. وهكذا تسلسل بقول كلّ راوٍ من رواته «وأنا ما دعوت الله بشيء منذ سمعته إلا استجيب لي». رواه مسلسلًا الأيوبي في المناهل السلسلة: ١٩ - ٢١. ولكنه مقدوح في صحته فانظر: المصدر نفسه. الْمُلْتَزم: بالضم ثم السكون وتاء مفتوحة، ويقال له: الْمَدْعَى والمتَعوّذ، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، من الكعبة المعظَّمة بمكة. مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٠٥.
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٢.
[ ٢ / ١٦٧ ]
(وَقَسْمُهُ) أي: وَتَقْسِيمُ الْمُسَلْسَلِ (إلى) أنواعٍ (ثمانٍ)، كَمَا فعلَهُ الحاكِمُ (١) إنَّما هِيَ (مُثُلُ) لَهُ، وَلَمْ يُرد الحصرَ فِيْهَا كَمَا فهمَهُ ابنُ الصَّلاَحِ عَنْهُ، وكلامُهُ مؤذنٌ بأنهُ إنما ذكر مِن أنواعِهِ مَا يدلُّ عَلَى الاتّصالِ (٢).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «ومن فضيلتِهِ اشتمالُهُ عَلَى مزيدِ الضبْطِ من الرُّوَاةِ».
قَالَ: «وخيرُ الْمُسَلْسَلاتِ مَا كَانَ فِيْهِ دَلاَلَةٌ عَلَى اتصالِ السَّمَاعِ، وعدمِ التدليسِ» (٣).
(و) لَكِنْ (قَلَّما (٤) يَسلَمُ) الْمُسَلْسَلُ (ضَعْفًا) أي: من ضَعْفٍ (يَحصُلُ) في وصفِهِ لا في أصْلِ الْمَتْنِ.
(وَمِنْهُ ذُو نَقْصٍ) لِلتَّسَلْسلِ (بقَطْعِ السِّلْسِلَهْ) في أوَّله، أَوْ وسطه، أَوْ آخره (كأوّليّةٍ) (٥) أي: كَحَدِيْثِ عبدِ اللهِ بن عمرو بنِ العاص: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَانُ» المسلسلِ بالأوليةِ، فإنه إنَّما صَحَّ تسلسُلُهُ إلى سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ وانقطعَ فِيْمَنْ (٦) فوقَهُ (٧)
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٣١ - ٣٤.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١١: «لم يقل الحاكم إنه ينحصر في ثمانية أنواع، كما فهمه ابن الصّلاح، وإنما قال بعد ذكره الثمانية: «فهذه أنواع المسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس وآثار السّماع بين الراويين ظاهرة»، فالحاكم إنما ذكر من أنواع المسلسل ما يدل على الاتصال». وانظر فتح المغيث ٣/ ٥٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٦٠.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٣.
(٤) في (م): «قلّ ما».
(٥) في (م): «كالأولية».
(٦) في (م): «ممن».
(٧) وقد رواه مسلسلًا اللكنوي في ظفر الأماني: ٢٨٧ - ٢٨٨. وقد أخرجه بدون التسلسل الحميدي (٥٩١) و(٥٩٢)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٤٦)، وأحمد ٢/ ١٦٠، والبخاري في تاريخه الكبير٩/ ٦٤ (٥٧٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، والحاكم ٤/ ١٥٩، والبيهقي ٩/ ٤١، والخطيب في تاريخه ٣/ ٢٦٠ و٤٣٨ جميعهم من طريق سفيان، عن عمرو ابن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الراحمونَ يرحمهمُ الرحمانُ، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شُجْنَةٌ من الرحمن، فمَنْ وصَلَها وصَلَه اللهُ ومن قطعها قطعه اللهُ»، واللفظ للترمذي.
[ ٢ / ١٦٨ ]
(وبعضٌ) من الرُّوَاةِ (وَصَلَهْ) (١) أي: تسلسلَهُ، وَلَمْ يَصِحَّ (٢).
قَالَ شَيْخُنا: «مِنْ أصحِّ مُسلسلٍ يُرْوى في الدنيا، الْمُسَلسلُ بقراءةِ سورةِ الصَّفِّ».
النَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوْخُ (٣)
(النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوْخُ) من الْحَدِيْثِ:
٧٦٨ - وَاَلنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابقَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِلاَحِقٍ وَهْوَ قَمِنْ (٤)
٧٦٩ - أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَكَانَ الشَّافِعِي ذَا عِلْمِهِ ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ
٧٧٠ - أَوْ صَاحِبٍ أَوْ عُرِفَ التَّارِيْخُ أَوْ أُجْمِعَ تَرْكًا بَانَ نَسْخٌ وَرَأَوْا (٥)
٧٧١ - دَلاَلَةَ الإِجْمَاعِ لاَ النَّسْخَ بِهِ كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ
_________________
(١) في (ص): «وصل».
(٢) انظر: المجلس الأول من أمالي ابن ناصر الدين: ١٩ - ٢٨، والإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع: ٦١ - ٦٦.
(٣) انظر فيه: معرفة علوم الحديث: ٨٥ - ٨٨، وجامع الأصول ١/ ١٤٥ - ١٥٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٤، والإرشاد ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٥، والتقريب: ١٥٧ - ١٥٨، واختصار علوم الحديث: ١٦٩ - ١٧٠، والشذا الفياح ٢/ ٤٦٠ - ٤٦٦، والمقنع ٢/ ٤٥٠ - ٤٦٨، شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١٤، نزهة النظر: ١٠٥ - ١٠٦، وطبعة عتر: ٣٩، وفتح المغيث ٣/ ٥٩ - ٦٦، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٩ - ١٩٢، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٦١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٦ - ٤١٩، وتوجيه النظر ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥. قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١٤: «النسخ يطلق لغة عَلَى الإزالة، وعلى التحويل. وأما نسخ الأحكام الشرعية، وهو المحدود هنا فهو عبارة عن رفع الشارع حكمًا من أحكامه سابقًا، بحكم من أحكامه لاحق». ثُمَّ شرع في شرح هذا التعريف، فراجعه. وانظر عن معاني النسخ اللغوية: الصحاح ١/ ٤٣٣، وتاج العروس ٧/ ٣٥٥.
(٤) قمن: أي جدير. انظر: الصحاح ٦/ ٢١٨٤.
(٥) في (أ): «ورووا».
[ ٢ / ١٦٩ ]
(والنَّسْخُ) لُغَةً: الإزالةُ والتَّحْويلُ (١).
واصْطِلاحًا (٢): (رَفْعُ الشَّارِعِ) الحكمَ (السابقَ مِنْ أحكامِهِ ب) حكمٍ مِنْهَا (لاحقٍ).
والمرادُ برفْعِهِ: قطعُ تعلُّقِهِ بالْمكلَّفينَ لأنَّه قديمٌ لا يرفعُ، وخرجَ بِهِ بيانُ المجملِ (٣) والشرطِ، ونحوِهما.
وبالشارعِ: قولُ الصَّحَابِيِّ مَثلًا: «خبرُ كذا ناسخٌ لكذا» فليس بنسخٍ، وإن لم يحصلِ التكليفُ بالخبرِ المشارِ إِلَيْهِ إلاّ بإخبارِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بلغَهُ قَبْل.
وبالسابقِ مِن أحكامِهِ رفعُ الإباحةِ الأصْليّةِ.
وبحكمٍ مِنْهَا: الرفعُ بالموتِ، والنومِ، والغفلةِ (٤)، والجنونِ.
وبلاَحِقٍ: انتهاءُ الحكمِ بانتهاءِ وقتِهِ، كخبرِ: «إنَّكُمْ لاَقُوْا الْعَدُوَّ غَدًا وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ فَأفْطِرُوْا» (٥) فَالصَّوْمُ بَعدَ ذَلِكَ (٦) اليومِ ليس بنسخٍ، وإنَما المأمورُ بِهِ
مؤقَّتٌ (٧) بوقتٍ، وَقَدْ انقضى وَقتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ اليومِ المأمورِ بإفطارِهِ.
_________________
(١) الصحاح ١/ ٤٣٣، وتاج العروس ٧/ ٣٥٥ (نسخ).
(٢) انظر في تعريفه: المعتمد ١/ ٣٩٤، والإحكام ٣/ ١٥٥، وأصول السرخسي ٢/ ٥٤، والاعتبار: ٥، والمحصول ١ / ق٣/ ٤٢٣ ط العلواني. وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٤٠٥: «وينبغي أن يقال: رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا متعلقًا بالمحكوم عليه، بحكم منه متأخر، ليخرج بذلك تخفيف الصلاة ليلة الإسراء من خمسين إلى خمسٍ، فإنه لا يسمّى نسخًا، لعدم تعلقه بالمحكوم عليه، لعدم بلاغه لهم وأما في حقه - ﷺ - فمحتمل إلا إن لمح أنه إنما يتعلق بعد البيان، وهي غير مسألة النّسخ قبل وقت الفعل، لوجود التعلق، بخلاف البيان».
(٣) عند الأصوليين: هو ما لم تتضح دلالته، ولا يفهم المعنى المراد منه إلا باستفسار من المجمل، وبيان من جهته يعرف به المراد. انظر: جمع الجوامع ٢/ ٥٨، وأصول السرخسي ١/ ١٦٨.
(٤) في (ص): «العقل».
(٥) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٣٥، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٤٤ (١١٢٠)، وأبو داود (٢٤٠٦)، وابن خزيمة (٢٠٢٣) بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري.
(٦) في (ق): «مضي».
(٧) سقطت من (ع).
[ ٢ / ١٧٠ ]
(وَهْوَ) أي: النَّسْخُ (قَمِنْ) - بكسر الميم، وفتحها، والكسر هُنا أنسبُ - أي: حقيقٌ (١) (أنْ يُعْتَنَى بِهِ) لجلالَتهِ، وغموضِهِ.
(وَكَانَ) الإمامُ (الشَّافِعِي) رَحِمَهُ اللهُ تعالى (ذا) أي: صاحبَ (عِلْمِهِ) اتقانًا، واستنباطًا، وترتيبًا.
وَقَدْ قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ: «مَا علمنا الْمجْمَل من المفسَّرِ، ولا ناسخَ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - مِن منسوخِهِ حَتَّى جالسنَا الشَّافِعِيَّ» (٢).
(ثم بِنَصِّ الشارِعِ) - ﷺ - عَلَى نسخِ أحدِ الخبرينِ بالآخرِ، كقولِهِ: «هَذَا ناسخٌ لهذا»، وقولُهُ - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُوْرُوْهَا» (٣).
(أَوْ) بنصِّ (صاحبٍ) مِن أصْحابِهِ عَلَيْهِ، كقولِ (٤) جابرٍ: «كَانَ آخِرَ الأمْرَيْنِ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - تَرْكُ الوُضُوْءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (٥).
(أَوْ) بأنْ (عُرِفَ التَّاريخُ) بأَنْ عُرِفَ تأخرُ تاريخِ أحدِهمَا عَنِ الآخرِ وَتعذَّرَ الْجَمْعُ بينَهُما، كَخبرِ شدَّادِ بنِ أوسٍ مَرْفُوعًا: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُوْمُ» (٦).
ذكرَ الشَّافِعِيُّ (٧) أنَّه منسوخٌ بخبرِ ابنِ عباسٍ: «أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ» (٨)، فإنَّ ابنَ عَبَّاسِ إنما صَحِبَهُ مُحرمًا في حجةِ الوداعِ سنةَ عشرٍ،
_________________
(١) انظر: الصحاح ٦/ ٢١٨٤.
(٢) أسنده إليه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٩٧، والبيهقي في مناقب الشافعي ١/ ٢٦٢، والحازمي في الاعتبار: ٣.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٦و٣٥٩و٣٦١، ومسلم ٣/ ٦٥ (٩٧٧) و٦/ ٨٢ (١٩٧٧)، أبو داود (٢٥٣٥)، وابن ماجه (٣٤٠٥)، والترمذي (١٠٥٤) و(١٥١٠) و(١٨٦٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ١٨٦ و٢٢٨، وفي شرح المشكل (٤٧٤٥)، والبغوي (١٥٥٣).
(٤) في (م): «كقوله».
(٥) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي ١/ ١٠٨، وابن خزيمة (٤٣) جميعهم من طريق علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر.
(٦) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٣ و١٢٤، والدارمي (١٧٣٧)، وأبو داود (٢٣٦٨) و(٢٣٦٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، والنسائي في الكبرى (٣١٣٨) - (٣١٥٥).
(٧) اختلاف الحديث: ١٤٤. أخرجه بسنده إليه الحازمي في الاعتبار: ١٠٨.
(٨) أخرجه الشافعي ١/ ٢٥٥ وفي المسند بتحقيقنا (٩١٥) (٩١٦)، والطيالسي (٢٧٠٠) وعبد الرزاق (٧٥٤١)، والحميدي (٥٠١)، وعلي بن الجعد (٣١٠٤)، وابن أبي شيبة (١٤٥٨٨)، وأحمد ١/ ٢١٥= =و٢٢٢، وأبو داود (٢٣٧٣)، والترمذي (٧٧٧)، وأبو يعلى (٢٤٧١)، والطحاوي ٢/ ١٠١، والطبراني (١٢١٣٧)، والدارقطني ٢/ ٢٣٩، والبيهقي ٤/ ٢٦٣، وانظر التعليق على جامع الترمذي ٢/ ١٣٩.
[ ٢ / ١٧١ ]
وفي بَعْضِ طُرقِ خبرِ شدادٍ أنَّ ذَلِكَ كَانَ (١) زمنَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ (٢).
(أَوْ) بأَنْ (أُجْمِعَ تَرْكًا) أي: عَلَى تَرْكِ العَمَلِ بِمَضْمُونِ الخبرِ، (بَانَ) أي: ظَهَرَ بكلٍّ مِن هَذِهِ الْمَذْكوراتِ (نَسْخٌ) لِلْحُكْمِ.
لَكِنْ محلُّ الثَّانِي مِنْهَا عِند الأصوليينَ: إذا أخبرَ الصحابيُّ بأَنَّ هَذَا متأخِرٌ أَوْ (٣) ذكرَ مستندَهُ، فإنْ قَالَ: هَذَا ناسخٌ، لَمْ يثبتْ بِهِ النسخُ لجوازِ أنْ يقولَهُ عَن اجتهادٍ بناءً عَلَى أَنَّ قولَهُ لَيْسَ بحُجَّةٍ (٤).
قَالَ النّاظمُ: «وَمَا قالَهُ المحدِّثونَ أوضحُ وأشهرُ؛ إِذْ النسخُ لا يُصارُ إِلَيْهِ بالاجتهادِ والرأي، وإنما يُصارُ إِلَيْهِ عندَ مَعرفةِ التاريخِ، والصحابةُ أورعُ من أنْ يحكمَ أحدٌ مِنْهُمْ عَلَى حُكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أَنْ يعرفَ تأخُّرَ الناسخِ عَنْهُ، وفي كلامِ الشافعيِّ ما يوافقُ (٥) الْمُحَدِّثينَ». انتهى (٦).
(و) الرابعُ: ليسَ عَلَى إطلاقِهِ في أنَّ الإجماعَ نَاسِخٌ، بَلْ (رَأَوا) أي: جُمْهُورُ المحدِّثينَ، والأصوليينَ (دلالةَ الإجماعِ) عَلَى وجودِ نَاسِخٍ غَيرِهِ، بمعنى أنَّه يَسْتَدِلُّ بالإجماعِ عَلَى وجودِ خبرٍ يقعُ بِهِ النسخُ (لا) أَنَّهم رأوا (النسخَ بِهِ)، لأنَّهُ لا يَنْسَخُ بمجرَّدِهِ (٧)؛ إِذْ لاَ ينْعَقِدُ إلا بعدَ وفاةِ الرَّسُوْلِ (٨) - ﷺ -، وبعدَها ارتفعَ النسخُ (٩).
_________________
(١) في (ص): «كان في».
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١٩.
(٣) في (ق): «وذكر».
(٤) انظر: المستصفى ١/ ١٢٨، والبحر المحيط ٤/ ١٥٥، الإبهاج ٢/ ٢٦٢.
(٥) في (ع): «ما يوافق قول».
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤١٨. وقال العراقي عقبه: «فقد قال فيما رواه البَيْهَقِيّ في " المدخل ": «ولا يستدل على النّاسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله - ﷺ -، أو بوقت يدلّ على أن أحدهما بعد الآخر أو بقول من سمع الحديث أو العامة».
(٧) قال النووي ٢/ ٥٦٥: «والإجماع لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ، ولكن يدل على وجود ناسخ».
(٨) في (ق): «النبي».
(٩) انظر: والفقيه والمتفقه ١/ ١٢٣، وفتح المغيث ٣/ ٦٢، إرشاد الفحول: ١٩٢.
[ ٢ / ١٧٢ ]
ولذلكَ أمثلةٌ:
(ك): حَديثِ معاويةَ (١)، وجابرٍ (٢)، وأبي هُريرةَ (٣)، وغيرِهم (٤) في (القَتْلِ) لشاربِ الخمرِ (في) مرَّةٍ (رابعةٍ ب) سَببِ (شُربهِ)، فَقَدْ حَكى الترمذيُّ في آخر "جامعِهِ" (٥) الإجماعَ عَلَى تركِ العملِ بِهِ - وإن خالفَ فِيْهِ ابنُ حزمٍ (٦) - بناءً عَلَى أن خلافَ الظاهريةِ لا يقدحُ في الإجماعِ (٧).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٨٧)، وأحمد ٤/ ٩٥ و٩٦ و١٠٠، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وأبو يعلى (٧٣٦٣)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٥٩، وابن حبان (٤٤٥٢)، والطبراني في الكبير ١٩/ (٧٦٧) و(٧٦٨)، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والبيهقي ٨/ ٣١٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٨٤)، وأبو داود (٤٤٨٥)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٦١، والبيهقي ٨/ ٣١٤، والترمذي تعليقًا عقب (١٤٤٤) وفيه زيادة ستأتي.
(٣) أخرجه الطيالسي (٢٣٣٧)، وعبد الرزاق (١٣٥٤٩) و(١٧٠٨١)، وأحمد ٢/ ٢٨٠، والدارمي (٢١٠٥)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي في الكبرى (٥١٧٢) و(٥٢٩٦)، وابن الجارود (٨٣١)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٥٩، وابن حبان (٤٤٥٣)، والحاكم ٤/ ٣٧١ - ٣٧٢، وابن حزم ١١/ ٣٦٧، والبيهقي ٨/ ٣١٣، والحازمي في الاعتبار: ٢٠٠.
(٤) منهم: عبد الله بن عمر أخرج حديثه أحمد ٢/ ١٣٦، وأبو داود (٤٤٨٣)، والنسائي ٨/ ٣١٣، والحاكم ٤/ ٣٧١، والبيهقي ٨/ ٣١٣، والحازمي في الاعتبار: ١٥٨. وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه أخرجه أحمد ٢/ ١٦٦ و١٩١ و٢١١، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٥٩، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٥، والحازمي في الاعتبار: ١٥٨. وأبو سعيد الخدري عند ابن حبان (٤٤٥١). وجرير عند الحاكم ٤/ ٣٧١. وغضيف بن الحارث عند البزار (١٥٦٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٦٦٢. وقبيصة بن ذؤيب عند الخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ١٢٥.
(٥) جامع الترمذي ٦/ ٢٢٧.
(٦) المحلى ١١/ ٣٦٥ (٢٢٨٨).
(٧) ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، والغزالي، كما قال الزركشي في البحر المحيط ٤/ ٤٧١.
[ ٢ / ١٧٣ ]
ومِمَّنْ حكى الإجماعَ أيضًا النوويُّ، وَقَالَ: «القولُ بالقتلِ قولٌ (١) باطلٌ مُخالفٌ لإجماعِ الصَّحابةِ فمَنْ بعدَهُم، والحديثُ الواردُ فِيْهِ منسوخٌ إما بحديثِ: «لا يحلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاَثٍ» (٢)، وإما بأَنَّ الإجماعَ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ» (٣). انتهى.
وَمَعَ ذَلِكَ وردَ ناسخٌ، كَمَا قالَهُ الترمذيُّ مِن حَديثي (٤) جابرٍ وقَبِيْصةَ بنِ ذؤَيْبٍ، أنَّهُ - ﷺ - بَعْدَ أمرهِ بقتلِ مَنْ شرِبَ في الرابعةِ أتي برجلٍ قَدْ شرب فِيْهَا، فضربَهُ الحدَّ، وَلَمْ يَقْتلْهُ (٥).
التَّصْحِيْفُ (٦)
(التصحيفُ) الواقعُ في المشتَبِهِ، وما يقاربُهُ (٧)، وَهُوَ فنٌّ مهمٌّ.
_________________
(١) سقطت من (ق) و(ع).
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٥٨ و١٨١ و٢٠٥ و٢١٤، وأبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي ٧/ ٩١ و١٠١ و٨/ ٢٣.
(٣) شرح صحيح مسلم ٣/ ٢٩١ وفي النقل تصرف وتقديم وتأخير.
(٤) في (ص): «حديث».
(٥) انظر: جامع الترمذي عقب (١٤٤٤).
(٦) انظر في هذا: معرفة علوم الحديث: ١٤٦ - ١٥٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٤٧، والإرشاد ٢/ ٥٦٦ - ٥٧٠، والتقريب: ١٥٨ - ١٥٩، واختصار علوم الحديث: ١٧٠ - ١٧٤، والشذا الفياح٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠، والمقنع٢/ ٤٦٩ - ٤٧٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٤٢٢ - ٤٣١، ونزهة النظر: ١٢٧ - ١٢٨، وطبعة عتر: ٤٩، وفتح المغيث ٣/ ٦٧ - ٧٤، وتدريب الراوي ٢/ ١٩٣ - ١٩٥، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٥٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٩ - ٤٢٢، وظفر الأماني: ٢٨٢ - ٢٨٧، وتوجيه النظر ١/ ٤٣٩ - ٤٤٤. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن المتقدمين - ومنهم ابن الصلاح، ومتابعوه - كانوا يطلقون المصحّف والمحرّف جميعًا على شيء واحد، ولكن الحافظ ابن حجر جعلهما شيئين وخالف بينهما، وقد جرى عَلَى اصطلاحه السيوطي. قال ابن حجر في النزهة: ١٢٧: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذَلِكَ بالنسبة إلى النَّقْط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشَّكْل فالمحرّف». انظر: تدريب الراوي ٢/ ١٩٥، وألفية السيوطي: ٢٠٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤١٩ مع حاشية محيي الدين عبد الحميد.
(٧) في (ص): «قاربه».
[ ٢ / ١٧٤ ]
٧٧٢ - وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا
٧٧٣ - فِي الْمَتْنِ كَالصُّوْلِيِّ «سِتًّا» غَيَّرِ «شَيْئًا»، أوِ الإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرِ
٧٧٤ - صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ: «بُذَّرُ» بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ
(وَ) أَبُو أَحْمَدَ (الْعَسْكَريْ (١» المزيدُ عَلَى ابنِ الصَّلاَحِ، (و) أَبُو الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِيْ) - بإسكانِ يائيهما لما مَرَّ - (صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفا).
والتصحيفُ يقع إما (في الْمَتْنِ، ك) مَا وقعَ لأبي بَكْرٍ (الصُّوْليِّ)، فإنه لما أَمْلَى حَدِيْثَ: «مَنْ صَامْ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ (سِتًّا) مِنْ شَوَّالٍ» (٢) (غَيَّرِ) ذَلِكَ (شَيْئًا) (٣) - بمعجمةٍ ومثناةٍ تحتيةٍ -.
وكقولِ أَبِي موسى مُحَمَّدِ بنِ المثنَّى في حديثِ: «أَوْ شاةٌ تنعرُ» (٤) -بالنونِ-، وإنما (٥) هُوَ بالياءِ التحتيةِ (٦).
_________________
(١) وكتبه: "تصحيفات المحدثين" و"التصحيف والتحريف" و"شرح ما يقع فيه التصحيف" كلها مطبوعة.
(٢) أخرجه الطيالسي (٥٩٤)، وعبد الرزاق (٧٩١٨)، والحميدي (٣٨١) و(٣٨٢)، وابن أبي شيبة (٩٧٢٣)، وأحمد ٥/ ٤١٧ و٤١٩، وعبد بن حميد (٢٢٨)، والدارمي (١٧٦١). ومسلم ٣/ ١٦٩ (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣). وابن ماجه (١٧١٦)، والترمذي (٧٥٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٣٣٧) و(٢٣٣٨)، وابن حبان (٣٦٣٦)، والبيهقي ٤/ ٣٩٢، والبغوي (١٧٨٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٤٣١، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٩٦ رقم (٦٣٣). ومشارق الأنوار ٢/ ٢٠٦، والتطريف: ٤٨.
(٤) نَعَرَ يَنْعَِرُ كـ (منعَ وضربَ): صاحَ وصَوَّتَ بخيشومه. التاج ١٤/ ٢٥٧ (نعر).
(٥) سقطت من (ص).
(٦) وذلك أن أبا موسى العَنَزي حدّث بحديث النبي - ﷺ -: «لا يأتي أحدُكم يوم القيامة ببقرةٍ لها خُوار، فقال فيه: «أو شاةٍ تَنْعَرُ» بالنون، وإنما هو: «تَيْعَرُ» - بالياء -. الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٩٥ رقم (٦٣١)، وتصحيفات المحدثين ٢/ ٢٨ و٣١٢، وهذا جزء من حديث أخرجه الحميدي (٨٤٠)، وأحمد ٥/ ٤٢٣، والدارمي ١٦٧٦ و٢٤٩٦، والبخاري ٨/ ١٦٢ (٦٦٣٦)، ومسلم ٦/ ١١ (١٨٣٢) من حديث أَبي حميد الساعدي. وتَعَرَ ك: مَنَعَ، أي: صاح يَتْعَرُ تَعْرًا. انظر: التاج ١٠/ ٢٨٦ (تعر).
[ ٢ / ١٧٥ ]
(أَوِ) في (الإسنادِ كَابنِ) أي: كعُتْبَةَ بنِ (النُّدَّرِ) - بِنون، ومهمَلَةٍ
مشدَّدةٍ (١) - حيثُ (صَحَّفَ فِيْهِ) مُحَمَّدُ بنُ جَريرٍ (الطَّبَرِيُّ، قَالاَ) بألفِ الإطلاق
(بُذَّرُ بالباءِ) الموحَّدةِ، (ونَقْطٍ ذَالا) أي: بالذالِ (٢) بالْمُعجَمَةِ.
وَكَقولِ يَحيى بنِ مَعينٍ (٣): العوامُ بنُ مزاحمٍ، بزاي ومهملة، وإنّما هُوَ براءٍ وجيمٍ.
٧٧٥ - وَأَطْلَقُوْا التَّصْحِيْفَ فِيْمَا ظَهَرَا كَقَوْلِهِ: «احْتَجَمْ» مَكَانَ «احْتَجَرا»
٧٧٦ - وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالأَحْدَبُ بِأَحْوَلٍ (٤) تَصْحِيْفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا
٧٧٧ - وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ ظَنَّ الْقَبِيْلَ بحَدِيْثِ «الْعَنَزَهْ»
٧٧٨ - وَبَعْضُهُمْ ظَنَّ سُكُوْنَ نَوْنِهْ فَقالَ: شَاَةٌ خَابَ فِي ظُنُوْنِهْ
(وَ) كَذا (أطلقُوا) أي: الَّذِيْنَ صَنَّفوا في هَذَا الفنِّ (التَّصْحِيفَ فِيْمَا ظَهرا) أي: عَلَى ما ظَهَرَتْ حُروفُهُ مِن غَيرِ اشتباهٍ في الخطِّ بِغيرِها، وإنما غلطَ فِيْهِ الناسخُ، أَوْ الرَّاوِي بإبدالٍ، أَوْ نقصٍ، أَوْ زيادةٍ (كقولِهِ) يعني: ابنَ لَهِيْعَةَ (٥)، في حَدِيْثِ
زيدٍ بنِ ثابتٍ: (احْتَجَمْ) النَّبِيُّ - ﷺ - في الْمَسْجِدِ (٦)، (مكانَ احْتَجَرَا) - بإبدال الراء مِيمًا (٧) -.
_________________
(١) انظر: الإكمال ١/ ٢١٨، وتبصير المنتبه ١/ ٧٠، والتقريب (٤٤٤٣).
(٢) في (م): «وبالدال».
(٣) انظر: العلل للدارقطني ٣/ ٦٤ - ٦٥ (٢٨٧)، والمؤتلف والمختلف ٣/ ٢٠٧٨ - ٢٠٧٩.
(٤) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(٥) تصحيف ابن لهيعة ذكره مسلم في التمييز: ١٨٧، والجورقاني في الأباطيل ٢/ ٩.
(٦) عند أحمد ٥/ ١٨٥، وابن سعد في الطبقات ١/ ٤٤٥، من طريق ابن لهيعة بلفظ «احتجم».
(٧) أخرجه البخاري ٨/ ٣٤ (٦١١٣)، ومسلم ٢/ ١٨٨ (٧٨١). وأخرجه البخاري أيضًا ١/ ١٨٦ (٧٣١)، و٩/ ١١٧ (٧٢٩٠)، ومسلم ٢/ ١٨٨ بلفظ: «اتَّخذَ حُجْرةً».
[ ٢ / ١٧٦ ]
وَكما رَوَى يَحيى بنُ سَلاَّم المفسِّرُ عَنْ سعيدٍ (١) بنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادةَ في قولِهِ تعالى: ﴿سَأُرِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢)، قَالَ: «مصرُ» (٣).
وَقَدْ استَعْظَمَهُ أَبُو زرعةَ الرازيُّ، واستَقْبَحَهُ، وذكرَ أنَّهُ في تفسيرِ سعيدٍ عَنْ قتادةَ: «مصيرُهم» (٤).
وكحديثِ أَبِي (٥) سعيدٍ في خطبةِ العيدِ: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ، فيُصَلِّيْ بالنَّاسِ رَكْعَتَينِ، ثم يُسَلِّمُ فَيَقِفُ عَلَى رِجْلَيهِ، فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ وَهُمْ جُلُوْسٌ» (٦)، حيثُ أبدلَ بعضُهم «رجليهِ» بـ «راحِلتِه»، والصوابُ: رجليهِ.
فأطلقوا عَلَى مثلِ ذَلِكَ تصحيفًا، وإنْ لَمْ يشتبه.
(وَ) كذا (واصلٌ) حيثُ أُبدِلَ اسمُهُ (بعاصمٍ)، (وَ) أُبدِلَ (الأَحْدبُ) لقبُهُ أيْضًا (بأحولٍ) - بصرفه للوزنِ - لقبِ عاصمٍ.
وذلك بأنْ يكونَ الْحَدِيْثُ لواصلٍ الأحدبِ، فيُبْدِلَ بعاصمٍ الأحول، كَمَا في حَدِيْثِ شعبةَ عَنْ واصلٍ الأحدبِ، عَنْ أَبِي وائلٍ، عَنْ ابنِ مسعودٍ: «أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟» (٧) حَيْثُ أبدلَ بعاصمٍ الأحول، أَوْ عكسُهُ بأَنْ يكونَ الحديثُ لعاصمٍ
الأحولِ (٨)، فيُبدِلَ بواصلٍ الأحدبِ.
_________________
(١) في (ق): «أبي سعيد».
(٢) الأعراف: ١٤٥.
(٣) هذا القول ذكرته كتب التفسير عن مجاهد، والذي ذكروه عن قتادة أنه قَالَ: «منازلهم»، وقال أيضًا: «مصر»، وقال أيضًا: «الشام». انظر: تفسير الطبري ٩/ ٤١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٩، والدر المنثور ٣/ ٥٦٢.
(٤) الضعفاء لأبي زرعة الرازي ٢/ ٣٤٠.
(٥) في (ق): «ابن».
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٥٦٣٤)، وأحمد ٣/ ٣١ و٣٦ و٤٢ و٥٤ و٥٦، والبخاري ٢/ ٢٢ (٩٥٦)، ومسلم ٣/ ٢٠ (٨٨٩)، والنسائي ٣/ ١٨٧ و١٩٠، وأبو يعلى (١٣٤٣)، وابن خزيمة (١٤٣٠) و(١٤٤٥) و(١٤٤٩)، وابن حبان (٣٣١٨)، والبيهقي ٣/ ٢٩٧.
(٧) أخرجه أحمد ١/ ٤٣٤ و٤٦٤، والبخاري ٦/ ١٣٧ (٤٧٦١) و٨/ ٢٠٤ (٦٨١١)، والترمذي (٣١٨٣)، والنسائي ٧/ ٩٠.
(٨) رواه النسائي ٧/ ٩٠.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَضَابطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُوْنَ الاسمُ واللقبُ، أَوْ الاسمُ واسمُ الأبِ بوزنِ اسمٍ آخرَ ولقبِهِ، أَوْ اسمٍ آخرَ واسمِ أبيهِ، والحروفُ (١) مختلفةٌ شكلًا، ونقطًا، أَوْ أحدُهما فيشتَبِهُ ذَلِكَ عَلَى السمْعِ.
(تصحيفَ) بالنصبِ بـ «لقبوا» (سَمْعٍ) في الْمَتْنِ، أَوْ الإسنادِ (لَقَّبُوا) أي: وكلَّ مَا أطلقوا عَلَيْهِ مِمَّا لاَ يشتبِهُ بغيرِهِ في الخطِّ تَصْحيفًا، لقَّبوهُ تصحيفَ السَّمعِ، ثُمَّ مَا مَرَّ هُوَ تصحيفٌ في اللفظِ.
(وَ) قَدْ (صَحَّفَ المعنَى) فَقَطْ أَبُو موسى مُحَمَّدُ بنُ المثنى (إمَامُ عَنَزهْ) أحدُ شيوخِ الأئِمةِ الستةِ (٢) حَيْثُ (ظَنَّ القبِيلَ) مرخمُ القبيلةِ (بحديثِ العَنَزهْ) التي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصلي إِلَيْهَا؛ فَقَالَ يومًا: «نحنُ قومٌ لنَا شرفٌ، نحنُ من عَنَزةَ قَدْ صلى النَّبِيُّ - ﷺ -
إِلَيْنَا» ذكره الدَّارَقُطْنِيُّ (٣).
فصحَّفَ ابنُ المثنى معنى لفظِ العنَزةِ.
(وَبَعْضُهُمْ) صَحَّفَ معناه، ولفظَهُ مَعًا حَيْثُ (ظنَّ سكونَ نونِهْ)، ثُمَّ رواه بالمعنى، (فقالَ: شاةٌ) فأخطأَ و(خَابَ في ظنونِهْ)؛ إِذْ الصوابُ «عَنَزَة» - بفتح النون -، وَهِيَ الْحَرْبَةُ تُنْصَبُ بين يديهِ.
_________________
(١) في (ص): «بحروف».
(٢) قال الصفدي في الوافي بالوفيات (٤/ ٣٨٤): «كان أرجح من بندار وأحفظ؛ لأنه رحل وبندار لم يرحل، واتفقا في المولد والوفاة».
(٣) الخبر في الجامع للخطيب ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم (٦٣٢) وأشار الذهبي في السير ١٢/ ١٢٥ إلى أن ذلك كان مزاحا فقال: «كان ثقة ثبتا، احتج به سائر الأئمة. ويروى أن أبا موسى مزح مرة فقال: نحن قوم لنا شرف، صلَّى إلينا النبي - ﷺ -». والعنزةُ: مثل نصف الرمح أو أكبر، فيها سنان مثل سنان الرمح، ومحمد بن موسى عنزيٌ، فأوهم في مزحه أن رسول الله - ﷺ - صلى إليهم، وانظر عن العنزة: الصحاح ٣/ ٨٨٧، والتاج ١٥/ ٢٤٧ (عنز).
[ ٢ / ١٧٨ ]
ومن أمثلةِ تصحيفِ المعنى فَقَطْ مَا رَوَاهُ الخَطَّابِيُّ (١) عَنْ بَعْضِ شيوخِهِ بالحديثِ، أنَّه لَمّا رَوَى حَدِيْثَ النهيِ عَن التَّحليقِ (٢) يومَ الْجُمعةِ قَبْلَ الصَّلاةِ (٣) قَالَ: «منذ أربعينَ سنةً ما حلَّقْتُ رأسي قبل الصَّلاةِ». فُهِمَ مِنْهُ حلقَ الرأسِ، وإنما المرادُ تحليقَ الناسِ حِلَقًا (٤).
مُخْتَلِفُ الْحَدِيْثِ (٥)
(مُخْتَلفُ الْحَدِيْثِ) أي: مَعْرِفَتُهُ، وَهُوَ مِن أَهمِ الأَنْواعِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِ الأئمةُ
_________________
(١) ذكر ذَلِكَ الخطّابي في معالم السنن ٢/ ١٣، وفي غريب الْحَدِيْث ٣/ ٢٢٦، وفي إصلاح غلط الْمُحَدِّثِيْنَ: ٢٨، وَقَدْ أورد ابن الجوزي القصةفي تلبس إبليس: ١١٢ ونسبها للخطّابي.
(٢) في المصادر التي أخرجت الحديث بلفظ: «التَّحَلُّق»، وفي بعضها: «عن الحِلَق» وفي بعضها: «أن يُحَلَّقَ»، وفي بعضها: «أن يَتَحَلَّقَ». والحِلَقُ - بكسر الحاء وفتح اللام -: جمع الحَلْقة، وهي الجماعة من الناس مستديرون كحَلْقَة الباب وغيرها. والتَّحَلُّقُ: تَفَعُّل منها، وهو أن يتعمَّدوا ذلك. وتَحَلَّقَ القومُ: جَلَسُوا حَلْقةً حلقةً. انظر: الصحاح ٤/ ١٤٦٤، واللسان ١٠/ ٦٢، والنهاية ١/ ٤٢٦، والتاج ٢٥/ ١٨٦ (حلق).
(٣) جزء من حديث أخرجه ابن أبي شيبة (٧٩٠٦)، وأحمد ٢/ ١٧٩و٢١٢، وأبو داود (١٠٧٩)، وابن ماجه (٧٤٩) و(٧٦٦) و(١١٣٣)، والترمذي (٣٢٢)، والنسائي ٢/ ٤٧ و٤٨، وابن خزيمة (١٣٠٤) و(١٣٠٦)، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٣٠ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله - ﷺ - أنه «نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣١.
(٥) لابدَّ من الإشارة إلى أن المراد بـ «مختلف الحديث» يختلف في الاصطلاح باختلاف ضبط كلمة: «مختلف» فمن المحدِّثين مَنْ ضبطها -بكسر اللام- على وزن اسم الفاعل. ويكون المراد بـ «مختلف الحَدِيْث» عَلَى هَذَا: «الْحَدِيْث الَّذِي عارضه -ظاهرًا- مِثْلَهُ». ومنهم من ضبطها - بفتح اللام - عَلَى أنّه مصدر ميمي، بمعنى: أنّه الحَدِيْث الَّذِي وقع فِيهِ الاختلاف، ويكون المراد حينئذٍ بـ «مختلف الْحَدِيْث»، «أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا»، أي أن التعريف عَلَى الضبط الأول يُراد بِهِ الْحَدِيْث نفسه في حِيْنَ يُراد بالتعريف عَلَى الضبط الثاني التضاد والاختلاف نفسه، ويلاحظ تقييد التعارض - في التعريف - بكونه ظاهرًا؛ وذلك لأنّ التعارض: «الحقيقي» في الثابت من سنن النبي - ﷺ - محالٌ. انظر: مختلف الحديث بين المحدِّثين والأصوليين والفقهاء: ٢٥ - ٢٦. وانظر في مختلف الحديث: =
[ ٢ / ١٧٩ ]
الجامعونَ بَيْنَ الفقهِ والحديثِ.
وأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيْهِ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - في كِتابِهِ "اختلافِ الْحَدِيْثِ" من كتابِ "الأمِّ"، ثُمَّ صنَّفَ فِيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ جريرٍ الطبريِّ، وغيرُهما.
٧٧٩ - وَالْمَتْنُ إِنْ نَافَاهُ مَتْنٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلاَ تَنَافُرُ
٧٨٠ - كَمَتْنِ «لاَ يُوْرِدُ» مَعْ «لاَ عَدْوَى» فَالنَّفْيُ (١) لِلطَّبْعِ وَفِرَّ عَدْوَا (٢)
٧٨١ - أَوْلاَ فَإِنْ نَسْخٌ بَدَا فَاعْمَلْ بِهِ أَوْ لاَ فَرَجِّحْ وَاعْمَلَنْ بِالأَشْبَهِ
(وَالْمَتْنُ) أي: مَتْنُ الْحَدِيْثِ الصالحِ للحُجِّيَّةِ (إنْ نَافَاهُ) ظَاهِرًا
(مَتْنٌ آخرُ) مثلُهُ (وأمكنَ الجمعُ) (٣) بَيْنَهُمَا بِمَا يَرفعُ الْمُنافاةَ؛ (فَلاَ تَنَافُرُ) أي: لا (٤) مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يُصارُ إِلَيْهِ، ويعملُ بِهِمَا، فهو أولى مِن إهمالِ أحدِهما.
(كمتنِ: «لاَ يُوْرِدُ) - بكسرِ الرّاء - مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (٥) المساوِي لِمَتْنِ: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ» (٦) المشارِ إِلَيْهِ بَعْدَ (مَعْ) مَتْنِ: «(لاَ عَدْوَى) ولاَ طِيَرَةَ» (٧).
_________________
(١) = معرفة علوم الحديث: ١٢٢ - ١٢٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٥٤، وإرشاد طلاب الحقائق ٢/ ٥٧١ - ٥٧٥ والتقريب: ١٥٩ - ١٦١، واختصار علوم الحديث: ١٧٤ - ١٧٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٧١ - ٤٧٦، والمقنع ٢/ ٤٨٠ - ٤٨٢، وفتح المغيث ٣/ ٧٥ - ٧٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٩٦ - ٢٠٢، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٦.
(٢) في (أ): «النفي».
(٣) في (أ) و(ج): «عدوى».
(٤) في (م): «الجميع».
(٥) من (م) فقط.
(٦) أخرجه البخاري ٧/ ١٧٩ (٥٧٧١)، ومسلم ٧/ ٣١ (٢٢٢١) من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه البخاري ٧/ ١٦٤ (٥٧٠٧).
(٨) أخرجه البخاري ٧/ ١٧٩ (٥٧٧١)، ومسلم ٧/ ٣١ (٢٢٢١)، والطِّيَرَة - بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تُسَكَّن -: هي التشاؤم بالشيء، وكان ذلك يَصُدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله ونهى عَنْهُ، وأخبر أنه ليس له تأثير في جَلْبِ نَفْعٍ أو دَفْعِ ضرٍّ. انظر: النهاية ٣/ ١٥٢.
[ ٢ / ١٨٠ ]
إِذِ الثالثُ منافٍ للأوَّلَيْن، فَزَعَمَ جَماعةٌ نَسخَهُما بِهِ، والحقُّ الجمعُ بينهما كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (فالنفيُ) لِلعدوى في الثالثِ إنَّما هُوَ (لِلطَّبعِ) أي: لما كَانَ يعتقدُهُ أهْلُ الجاهليةِ، وبعضُ الحكماءِ من أنَّ الجذامَ والبرصَ ونحوَهما تُعْدِي بطبعِها (١)؛ ولهذا قَالَ في الْحَدِيْثِ: «فمَنْ أعدى الأوَّلَ»؟ أي: إنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي ابتدأَهُ في الثاني، كَمَا ابتدأَهُ في الأوَّلِ.
والنَّهْيُ والأمرُ في حديثي: «لاَ يُوْرِدُ»، (وفِرَّ عَدْوَا) أي: سريعًا، كنايةً عَنْ فرارِكَ من الأسدِ للخوفِ منَ المخالطةِ التي جعلَها الله تَعَالَى سَببًا عاديًا للإِعداءِ، وَقَدْ يتخلفُ عَنْ سَببهِ، كَمَا أَنَّ النارَ لا تحرقُ بطبعِها، ولا الطعامَ يشبعُ بطبعِهِ، ولا الماءَ يُرْوِيْ بطبعِهِ، وإنما هِيَ أسبابٌ عاديةٌ (٢).
وَقَدْ وجدْنا مَنْ خالطَ المصابَ بشيءٍ مما ذكر، وَلَمْ يتأثر بِهِ، وَوَجدنَا مَن احترزَ عَنْ ذَلِكَ الاحترازَ الْمُمْكنَ، وأخذَ بِهِ.
ومُمْرِضٌ في الْحَدِيْثِ مِن: أمْرَضَ الرَّجُلُ، إذا أصابَ ماشيتَهُ مرضٌ (٣)، ومُصِحٌّ من: أصَحَّ، إذا أصابَ (٤) ماشيَتَهُ مرضٌ ثُمَّ صحَّتْ مِنْهُ.
(أَوْ لاَ) أي: وإنْ لَمْ يَكُنِ الجمْعُ بَيْنَهُمَا (فإنْ نَسْخٌ بَدَا) أي: ظهرَ (فَاعْمَلْ بِهِ) أي: بِمقْتَضَاهُ، (أَوْ لاَ) أي: وإن لَمْ (٥) يبدُ نسخٌ (فرجِّحْ) أحدَ المتنينِ بوجهٍ مِن وجوهِ الترجيحاتِ المتعلقةِ بالمتنِ أَوْ بإسنادِهِ، ككونِ أحدِهما سَماعًا أَوْ عرضًا، والآخرِ كتابةً أَوْ وِجادةً أَوْ مُناولةً، وَ(٦) ككثرةِ الرُّوَاةِ، أَوْ صفاتهم (٧).
_________________
(١) في (م): «بطبعهما».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٥٥، والمقنع ٢/ ٤٨١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣٤.
(٣) انظر: تاج العروس ١٩/ ٥٨ «مرض».
(٤) في (م): «أصابت».
(٥) في (م): «لو لم».
(٦) في (م): «أو».
(٧) انظر: فتح المغيث ٢/ ٧٣.
[ ٢ / ١٨١ ]
(واعْمَلَنْ) بَعْدَ النظرِ في المرجِّحاتِ (١) (بِالأَشْبَهِ) أي: بِالأَرْجَحِ
مِنْهَا، فإنْ لَمْ تجدْ مُرجِّحًا فَتَوَقَّفْ عَن العَمَلِ بِشيءٍ مِنْهَا (٢) حَتَّى يظهَرَ الأرجحُ.
وَقَدْ ذكرتُ في " لبِّ الأصولِ "، كالأصلِ معَ زيادةِ ما هُوَ أقْعدُ مِمَّا ذكر هنا في هَذِهِ المسألةِ.
خَفِيُّ الإِرْسَالِ (٣)، وَالْمَزِيْدُ فِي الإِسْنَادِ (٤)
(خَفِيُّ الإرسالِ، والمزيدُ في) مُتَّصِلِ (الإسنادِ):
هَذان مِن أهمِّ الأنواعِ، وليسَ المرادُ هُنا بالإرسالِ: إسقاطَ الصحابيِّ من السَنَدِ، كَمَا هُوَ المشهورُ في حدِّ المرسلِ، بَلْ مطلقَ الانقطاعِ، وَهُوَ نوعانِ:
_________________
(١) وقد ذكر ابن الصّلاح أن وجوه الترجيح خمسون وأكثر، وتبع الحازمي في ذلك، وسردها العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٨، وفي التقييد: ٢٨٦ فذكر ما يزيد على المئة. انظر: الاعتبار: ٧ - ١٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٥٦، والكفاية: (٦٠٩ - ٦١٠ ت، ٤٣٤ - ٤٣٦ هـ).
(٢) في (م): «منهما».
(٣) انظر في هذا النوع: الكفاية في علم الرواية (٥٤٦ ت-٣٨٤ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٥٨، والإرشاد ٢/ ٥٨١ - ٥٨٣، التقريب: ١٦٢، واختصار علوم الْحَدِيْث: ١٧٧ - ١٧٨، والشذا الفياح ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٢، والمقنع ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٩، ونزهة النظر: ١٠٩ - ١١٢، وطبعة عتر: ٤٣ - ٤٤، وفتح المغيث ٣/ ٧٩ - ٨٢، وتدريب الرَّاوِي ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وتوجيه النظر ٢/ ٥٥٦ - ٥٧٢.
(٤) انظر في هذا النوع: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٥٦، والإرشاد ٢/ ٥٧٦ - ٥٨٠، والتقريب: ١٦١ - ١٦٢، واختصار علوم الحديث: ١٧٦ - ١٧٧، والشذا الفياح ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨، والمقنع ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤٠، وفتح المغيث ٣/ ٧٩ - ٨٢، وتدريب الراوي ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٦٤ - ٦٧، وتوجيه النظر ٢/ ٥٩٣. قال ابن كثير: هو أن يزيد راوٍ في الإسناد رجلًا لَمْ يذكُرْهُ غيرُهُ. وقال ابن حجر: هُوَ ما كانت المخالفة فيه بزيادة راوٍ في أثناء الإسناد، ومن لَمْ يزدها أتقن ممن زادها. قال: وشرطه أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة، وإلاَّ فمتى كَانَ معنعنًا - مثلًا - ترجحت الزيادة. انظر: اختصار علوم الحديث ٢/ ٤٨٥، ونزهة النظر: ١٢٦.
[ ٢ / ١٨٢ ]
١ - ظاهرٌ: وَهُوَ أنْ يرويَ الشخصُ عمَّنْ لَمْ يعاصرْهُ بحيث لا يشتبهُ إرسالُه باتصالِهِ (١).
٢ - وخفيٌّ (٢): وَهُوَ الانقطاعُ بين راويينِ مُتَعاصِرينِ، لَمْ يَلتقِيَا، أَو التقيا (٣)، وَلَمْ يقعْ بينَهُما سَمَاعٌ أصلًا، أَوْ لِذَلِكَ الْحَدِيْثِ (٤).
ويعرفُ بِما ذكرَهُ بقولِهِ:
٧٨٢ - وَعَدَمُ السَّمَاعِ وَالِلِّقَاءِ يَبْدُو بِهِ الإِرْسَالُ ذُوْ الْخَفَاءِ
٧٨٣ - كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ فِي السَّنَدْ إِنْ كَانَ حَذْفُهُ بِعَنْ فِيْهِ وَرَدْ
٧٨٤ - وَإِنْ بِتَحْدِيْثٍ أَتَى فَالْحُكْمُ لَهْ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ قَدْ حمَلَهْ
٧٨٥ - عَنْ كُلٍّ الاَّ (٥) حَيْثُ مَا زِيْدَ وَقَعْ
(وَعَدمُ السَّمَاعِ) لِلراوي مِنَ المروي عَنْهُ، وإنْ تَلاقيا، (و) عدمُ (اللقاءِ) بينهما، وَقَدْ تعاصَرَا كأَنْ أخبرَ الرَّاوِي عَنْ نفسِهِ بِذَلِكَ، أَوْ جزمَ أمامٌ بأنَّهمَا لَمْ يَتَلاقيا (يبْدو بِهِ) أي: يظهر بكلٍّ من عدمِ السماعِ، وعدمِ اللقاءِ (الإرسالُ ذُو الخَفَاءِ).
وَ(كَذَا) يُظهرُه (زِيادةُ اسمِ راوٍ في السَّنَدْ) بَينَ راويينِ يظنُّ الاتصالُ بَيْنَهُمَا عَلَى روايةٍ أخرى حُذِفَ مِنْهَا ذَلِكَ الاسمُ (إنْ كَانَ حَذْفُهُ) مِنْهَا (بِعَنْ)، أَوْ «قَالَ»
_________________
(١) مثل الحديث الذي رواه النسائي في الكبرى (٣٠١٤) من رواية القاسم بن محمّد، عن ابن مسعود، قال: أصاب النّبيُّ - ﷺ - بعض نسائه، ثمّ نام حتّى أصبح الحديث. فان القاسم لم يدرك ابن مَسْعُود؛ لأن وفاة ابن مسعود سنة ٣٢ هـ، وولادة القاسم سنة ٣٤ هـفي أقل ما قيل وأعلى ما قيل: سنة ٤٢ هـ. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤١.
(٢) في (م): «خفي» بدون واو.
(٣) سقطت من (ق).
(٤) وقد أفرده ابن الصّلاح بالذكر عن نوع المرسل، وتبعه العراقي. انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الحديث: ٤٥٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤١.
(٥) بدرج همزة (إلاّ)؛ لضرورة الوزن - وَهْمًا وَفِي ذَيْنِ الْخَطِيْبُ قَدْ جَمَعْ
[ ٢ / ١٨٣ ]
أَوْ نحوِهما مما لا يقتضِي الاتصالَ (فِيْهِ) أي: في السَنَدِ الناقصِ (وَرَدْ) فتكونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ معلَّةً (١) بالإسنادِ الزائدِ، لأنَّ الزيادةَ مِنَ الثِّقةِ مقبولةٌ (٢).
وسُمِّي هَذَا النوعُ بالخفيِّ لخفائِهِ عَلَى كَثِيْرٍ، لاجتماعِ الراويين في عصرٍ واحدٍ، وَهُوَ أشبهُ برواياتِ الْمُدَلِّسِيْنَ.
(وإنْ) كَانَ حذفُ الزائدِ من السَّندِ الناقصِ (بِتَحْدِيثٍ)، أَوْ إخبارٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ نحوِها (٣)، مِمَّا يَقْتَضِي الاتصالَ (أَتَى)، وراويه أتقن (فَالْحُكْمُ لَهُ) أي: لِلسَّنَدِ الناقِصِ؛ لأنَّ مَعَ راويهِ حينئذٍ زيادةً، وَهِيَ إثباتُ سماعِهِ مِنْهُ، مَعَ كونِهِ أتقنَ.
وهذا هُوَ النوعُ المسمَّى بـ: «المزيدِ في متصلِ الأسانيدِ»، والزيادةُ حينئذٍ غلطٌ من راويها، أَوْ سهوٌ. إِذْ المدارُ في ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (٤).
هَذَا كلُّه (مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ) أي: الرَّاوِي (قَدْ حَمَلَهْ) أي: الْحَدِيْثَ (عَنْ كُلٍّ) مِنَ الراويين، إِذْ لاَ مَانِعَ مِن أنْ يَسْمَعَهُ مِن وَاحدٍ عَنْ آخرَ ثُمَّ يسمعُهُ من الآخرِ (٥).
(الاَّ) (٦) - بالدرجِ - (حَيْثُ مَا زِيْدَ) هَذَا الرَّاوِي، أي: إلا أن توجدَ قرينةٌ تدلُّ عَلَى أنَّ مَنْ زيدَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَقَعْ وَهْمًَا) مِمَّنْ زادَهُ، فيزولُ بِذَلِكَ الاحتمالُ، فيكونُ الحكمُ للناقصِ قَطْعًا، وإن لَمْ يأتِ بتحديثٍ، أَوْ نحوِهِ.
(وَفِي ذَيْنِ) النَّوعيْنِ: أي (٧): الإرسالِ الخفيِّ، والمزيدِ في متصلِ الإسنادِ، (الخطيبُ قَدْ جَمَعْ) تصنيفينِ مفردينِ، سمَّى الأوَّلَ بـ: " التفصيلِ لْمُبْهَمِ المراسيلِ "، والثاني بـ: " تمييزِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ ".
_________________
(١) في (م): «معلقة» وذكر في الحاشية إنها من نسخة (ز) وهو تحريف، قلنا: وهذا تخليط فاحش.
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٧٥.
(٣) في (م): «نحوهما».
(٤) انظر: فتح المغيث ٢/ ٧٥.
(٥) في (م) هنا زيادة «آخرًا»، وهي -زيادة على كونها خطأ نحوي - فهي زيادة سقيمة، أحالت المعنى وأتلفت السياق.
(٦) أثبت ناشر (م) الهمزة، إذ لم يفقه قول الشارح الآتي.
(٧) سقطت من (م).
[ ٢ / ١٨٤ ]
قَالَ الناظمُ: «وَفِي كثيرٍ مِمَّا ذكرَهُ فِيْهِ نَظرٌ، والصوابُ مَا ذَكرَهُ ابنُ الصَّلاَحِ، واقْتَصَرْتُ عَلَيْهِ» (١)، من التفصيلِ بَيْنَ أَنْ يؤتى في السنَدِ الناقصِ بِمَا لا يَقْتَضِي الاتصالَ، وأَنْ يُؤْتَى فِيْهِ بِمَا يقتَضِيهِ.
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ - ﵃ - (٢)
(مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة): هِيَ فَنٌّ مُهِمٌّ، وفائِدتُهُ: تَمْييزُ الْمُرْسَلِ، والحكمُ لَهُمْ بالْعَدالَةِ، وغيرُهُمَا، وفيه تصانِيفُ كثيرةٌ.
وَالصَّحَابِيُّ لغةً: مَنْ صَحِبَ غيرَهُ ما ينطلقُ عَلَيْهِ اسمُ الصُّحْبَةِ، وإنْ قلَّتْ.
واصطِلاحًا: ما ذكرَهُ بِقولِهِ:
٧٨٦ - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِمًا ذُو صُحْبَةِ وقِيْلَ: إنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبِّتِ
٧٨٧ - وقِيلَ: مَنْ أقَامَ عامًا أو غَزَا (٣) مَعْهُ (٤) وذَا لابْنِ المُسَيِّبِ عَزَا (٥)
(رَائي النَّبِيِّ) - ﷺ - قَبْلَ وَفَاتِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُسْلِمًا) مميِّزًا، ولو بلا مُجالسةٍ ومكالَمَةٍ، إنسيًا أَوْ جِنِّيًّا (ذُو صُحْبَةِ) اكتفاءً بِمُجرَّدِ الرُؤْيَةِ، لشرفِ مَنْزِلةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فيظهرُ أثر نُورِهِ في قَلْبِ الرَّائِي، وَعَلَى جَوَارِحِهِ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٤٤.
(٢) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ٢٢ - ٢٥، والكفاية: (٩٣ - ١٠٢ ت، ٤٦ - ٥٢ هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٠، والإرشاد ٢/ ٥٨٤ - ٦٠٥، والتقريب: ١٦٢ - ١٦٥، واختصار علوم الحديث: ١٧٩ - ١٩١، والشذا الفياح ٢/ ٤٨٣ - ٥١٨، والمقنع ٢/ ٤٩٠ - ٥٠٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥ - ٥٦، وفتح المغيث ٣/ ٨٣ - ١٣٨، وتدريب الراوي ٢/ ٢٠٦ - ٢٣٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٢٦ - ٤٧١، وظفر الأماني ٤٩٦ - ٥١٣، وتوجيه النظر ١/ ٣٩٩.
(٣) في (أ) و(ب) و(ج) والنفائس وفتح المغيث: «وغزا»، والوزن صحيح بالروايتين.
(٤) بسكون العين لضرورة الوزن العروضي.
(٥) في (أ): «عزى»، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وجرى تَبَعًا لابن الصَّلاَحِ (١) في التَّعْبيرِ بالرُّؤْيَةِ عَلَى الغالِبِ، وإلاّ فالأولى - كَمَا قَالَ (٢) - التَّعْبيرُ بـ «لاقي» النَّبِيِّ - ﷺ -، أي: ليدخلَ نَحْوُ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ.
ثُمَّ قَالَ: «فالعِبارَةُ السَّالِمَةُ مِن الاعتِرَاضِ، أَنْ يُقَالَ: «الصَّحَابِيُّ مَنْ لقيَ النَّبِيَّ - ﷺ - مُسْلِمًا، ثُمَّ ماتَ عَلَى الإِسْلاَمِ» لِيخْرجَ مَنِ ارتَدَّ، وماتَ كافِرًا، كابنِ خَطَلٍ، ورَبِيعَةَ بنِ أُمَيَّةَ» (٣).
قَالَ: «وفي دُخُولِ مَنْ لقيَهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارتَدَّ، ثُمَّ أسلَمَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - في الصحابةِ نَظَرٌ كَبِيْرٌ، كَقُرَّةَ بنِ هُبَيْرةَ، والأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ» (٤).
قَالَ شَيْخُنَا: «وَالصَّحِيْحُ دخُولُهُ فِيْهِمْ، لإطْبَاقِ الْمُحَدِّثِيْنَ عَلَى عَدِّ الأشْعَث بن قَيْسٍ، ونحوِهِ مِنْهُمْ» (٥).
أما مَنْ رجَعَ إلى الإِسْلاَمِ في حَياتِهِ، كَعَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي سَرْحٍ، فلا مانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِيْهِمْ بدخُولِهِ الثَّانِي في الإِسْلاَمِ.
قَالَ النَّاظِمُ (٦): «وقولُهم: مَنْ رأى النَّبِيَّ - ﷺ - هَل الْمُرَادُ أنَّهُ رآهُ في حالِ نبوَّتِهِ، أَوْ أعمُّ؟»، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدلُّ عَلَى أنَّ الْمُرِادَ الأوَّلُ.
وخرجَ بـ «قَبْلَ وَفَاتِهِ»: مَنْ رآهُ بَعْدَهَا، وبـ «الْمُسْلِمِ»: الكافِرُ، وَلَوْ أسْلَمَ بعدُ، وبـ «المميِّزِ» غَيْرُهُ، وإنْ رآهُ، كَعُبَيْدِ اللهِ بنِ عدِيِّ بنِ الخيار الَّذِي أحضِرَ إِلَيْهِ غَيْرَ مميِّز.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٦ - ٧، وهذا ما عرف به ابن حجر في الإصابة١/ ٧، ونزهة النظر: ١٤٩.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٧. لأن الردة محبطة للعمل عند أبي حنيفة، والشافعي وصححه الزركشي، وحكى الرافعي عن الشّافعيّ: «أنها إنما تحبط بشرط اتصالها بالموت». انظر: بدائع الصنائع ٧/ ١٣٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٤، والأم ٦/ ١٦٩، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٣.
(٥) الإصابة ١/ ٨، ونزهة النظر: ١٤٩ - ١٥٠.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٨.
[ ٢ / ١٨٦ ]
(وَقِيْلَ): إنَّمَا يَكُوْنُ من ذُكِرَ صَحَابِيًا (إنْ طَالَتْ) عُرْفًا صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ، والأخْذِ عَنْهُ (١).
وبهِ جزَمَ ابنُ الصَّبَّاغِ في " العدة ".
(وَ) هَذَا القولُ (لَمْ يُثَبَّتِ) - بِضَمِّ التَّحْتيةِ، وتَشْديدِ الْمُوحَّدَةِ الْمَفتوحَةِ - أي: لَمْ يُقَوَّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ، والأصوليينَ.
(وَقِيْلَ): إنَّما يَكُوْنُ صَحابيًا (مَنْ أقامَ) مع النَّبِيِّ - ﷺ - (عامًا) أَوْ أكْثَرَ، (أو غَزَا مَعْهُ) غزوةً أَوْ أكثرَ.
(وَذَا) القَوْلُ (لابنِ الْمُسَيِّبِ) سعيدٍ (٢) - بكسرِ الياءِ وفتحِهَا وَهُوَ الأشْهَرُ، والأوَّلُ أولى لما نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الفتحَ (٣)، ويقولُ: سيَّبَ اللهُ مَنْ سيَّبَنيْ - (عزا) أي: ابنُ الصَّلاَحِ متوقِّفًا في صحَّتِهِ عَنْهُ (٤).
قَالَ الشَّارِحُ: «ولا يصحُّ عَنْهُ، ففي الإسنادِ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بنُ عمرَ الواقديُّ ضَعِيفٌ في الْحَدِيْثِ» (٥).
وَقِيْلَ: الصَّحَابِيُّ مَنْ رآهُ مُسْلِمًا بالِغًا عاقِلًا (٦).
_________________
(١) نسب ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦١ هذا القول لأبي المظفر السمعاني ثمّ قال بعده: «وهذا طريق الأصوليين». وانظر: قواطع الأدلة ١/ ٣٧٤، ومختصر ابن الحاجب٢/ ٦٧، والمستصفى١/ ١٦٥، وإحكام الأحكام ١/ ٢٧٥، وفواتح الرحموت٢/ ١٥٨، ونقل الزركشي هذا القول عن أبي الحسين في "المعتمد". انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٠٢.
(٢) أسنده إليه الخطيب في الكفاية (٩٩ ت، ٥٠ هـ) من طريق ابن سعد، عن الواقدي: محمد بن عمر، عن طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان سعيد بن المسيب يقول: فذكره، وهو سند ضعيف لشدة ضعف الواقدي.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢١٩، تاج العروس ٣/ ٩٠.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦١.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٣.
(٦) نقله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤، والسيوطي في تدريب الراوي ٢/ ١٢، وقد حكما على هذا القول بالشذوذ.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وَقِيْلَ: مَنْ أدْرَكَ زمنَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ وإنْ لَمْ يَرَهُ (١).
ثُمَّ بَيَّنَ ما تُعْرَفُ بِهِ الصُّحْبَةُ، فقالَ:
٧٨٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ باشْتِهَارٍ أَوْ (٢) تَوَاتُرٍ أو قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ
٧٨٩ - قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلاَ وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لا مَنْ دَخَلاَ
٧٩٠ - في فِتْنَةٍ، والمُكْثِرُونَ سِتَّةُ أَنَسٌ، وابنُ (٣) عُمَرَ، والصِّدِّيقَةُ
٧٩١ - البَحْرُ، جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ أَكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَةِ
٧٩٢ - أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وابنُ (٤) عُمَرا (٥) وَابْنُ الزُّبَيرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى (٦)
٧٩٣ - عَلَيْهِمُ (٧) بِالشُّهْرَةِ العَبَادِلهْ لَيْسَ ابْنَ مَسْعُودٍ ولا مَنْ شَاكَلَهْ
٧٩٤ - وَهْوَ وزَيْدٌ (٨) وابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ
(وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ) إما (باشْتِهَارٍ) بِها قاصرٍ عَنْ التواترِ، ويُسَمَّى استفاضةً عَلَى رأي، ك: عُكَاشَةَ بنِ مِحْصَنٍ، وضمامِ بنِ ثَعْلَبةَ.
(اوْ) (٩) بالدرجِ (تواترٍ) بِهَا، ك: أبي بَكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ.
_________________
(١) نسب العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤ هذا القول ليحيى بن عثمان بن صالح المصري. وقد حكاه من الأصوليين القرافي في شرح التنقيح: ٣٦٠.
(٢) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٣) في (أ) و(ب) و(ج) (ابن) من غَيْر واو، (وفي النفائس) وفتح المغيث: «وابن» بالواو العاطفة، والوزن صحيح بالروايتين، والأسلم إثبات الواو للإشعار بالمغايرة، على صحة حذفها هنا، والله أعلم.
(٤) في (ب): «إبن» بإسقاط الواو، وهو خطأ، وإن صحّ وزنًا بهمزة القطع، والصواب ما ورد في (أ) و(ج) و(النفائس) و(فتح المغيث): (وابن) بلا همزة.
(٥) بالإطلاق في (عمر)؛ لتصريع شطري البيت.
(٦) في (ج): «جرا»، وهو خطأ.
(٧) بإشباع الضمة على الميم؛ لضرورة الوزن.
(٨) هكذا في (أ) و(ب) و(ج)، و(النفائس)، وَهُوَ صَحِيْح بخلاف ما ورد في (فتح المغيث): في الفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ «وهو ابن زيد» وهذا خطأ بيّنٌ إذ المقصود: زيد بن ثابت.
(٩) في (م): «أَو» بإثبات الهمزة.
[ ٢ / ١٨٨ ]
(أَوْ قَوْلِ) أي: إخبارِ (صَاحِبٍ) أخبر (١) بِهَا صريحًا، كقولِهِ: فلانٌ لَهُ صُحْبَةٌ، أَوْ ضمنًا، كقولِهِ: كنتُ أنا، وفلانٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَدْ عُلِمَ إسلامُ فلانٍ في تِلْكَ الحالةِ (٢). وكذا تُعرَفُ بقولِ آحادِ ثقاتِ التَّابِعينَ.
(وَلَوْ قَدِ ادَّعاهَا) أي: الصُّحْبَةَ لنفْسِهِ (٣)، (وَهْوَ) قَبلَ دَعْوَاهُ إيَّاهَا (عَدْلٌ، قُبِلا) قولُهُ، لأنَّ مقامَهُ (٤) يِمْنَعُهُ الكذبَ.
قَالَ النَّاظِمُ: «ولابُدَّ منْ أنْ يَكُوْنَ ما ادَّعَاهُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الظاهرُ، أمَّا لَوْ ادَّعاهُ بَعْدَ مُضِيِّ مئةِ سنةٍ مِن حينِ وفاتِهِ - ﷺ -، فإنَّهُ لا يقبلُ، وإنْ ثَبَتَتْ عدالتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لقولِهِ - ﷺ - في الْخَبْرِ الصَّحِيْحِ: «أرَأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فإنَّهُ عَلَى رَأسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَيْهَا أحَدٌ» (٥)، قالَهُ في سنةِ وفاتِهِ - ﷺ -» (٦).
قَالَ: «وَقَدْ اشترَطَ الأصُوْلِيُّوْنَ (٧) في قَبولِ ذَلِكَ مِنْهُ مَعْرِفَةَ معاصرتِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -» (٨).
وَقِيْلَ: لا يُقْبَلُ قولُهُ بِذَلِكَ، لِكَونِهِ متهَمًا بدعوى رتبةٍ يثبتُها لنفْسِهِ (٩).
_________________
(١) في (م): «آخر».
(٢) انظر: الكفاية (١٠٠ ت، ٥٢هـ)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٢، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧، وفتح المغيث٣/ ٨٧ - ٨٨، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢١٣.
(٣) في (ص) و(م): «بنفسه».
(٤) سقطت من (ق).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٥٣٤)، وأحمد ٢/ ٨٨ و١٢١، والبخاري ١/ ٤٠ (١١٦) و١٥٦ (٦٠١)، ومسلم ٧/ ١٨٦ - ١٨٧ (٢٥٣٧) (٢١٧)، وأبو داود (٤٣٤٨)، والترمذي (٢٢٥١)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٣) و(٣٧٤)، وابن حبان (٢٩٨٥)، والطبراني في الكبير (١٣١١٠)، والبيهقي ١/ ٤٥٣، وفي الدلائل ٦/ ٥٠٠، والبغوي (٣٥٢)، من حديث ابن عمر.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٨.
(٧) انظر: منتهى الوصول: ٨١، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٦.
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٨.
(٩) انظر: منتهى الوصول: ٨١، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٦.
[ ٢ / ١٨٩ ]
ثُمَّ بيَّنَ مَرْتَبَتَهُمْ، فَقَالَ: (وَهُمْ) كُلُّهم باتفاقِ أهلِ السُّنَّةِ عَلَى ما حَكَاهُ ابنُ
عَبْدِ البَرِّ (١) (عُدُولٌ) وإنْ دَخلُوا في الْفِتْنَةِ نظرًا إلى ما اشتَهَرَ عَنْهُمْ مِنَ المآثِرِ الْجَميلَةِ، ولقولِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، وقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣).
ولقولِهِ - ﷺ -: «لاَ تَسُبُّوْا أصْحَابِيْ، فَوَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَوْ أنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخانِ (٤).
وَقَولُهُ - ﷺ -: «اللهَ اللهَ فِيْ أصْحَابِيْ لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّيْ أحبهُم، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِيْ أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِيْ، وَمَنْ آذَانِيْ فَقَدْ آذَى اللهَ وَمَنْ آذَى اللهَ (٥) فَيُوْشِكُ أنْ يَّأْخُذَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وابنُ حِبّانَ في " صَحِيْحِهِ " (٧).
وَ(قِيْلَ: لاَ) يحكمُ بعدالةِ (مَنْ دَخَلاَ) مِنْهُمْ (في فِتْنَةٍ) وقعَتْ من حينِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، كالجمَلِ وصفينَ إلا بَعْدَ البَحْثِ عَنْهَا؛ لأنَّ أحدَ الفريقينِ فاسقٌ (٨).
_________________
(١) وعبارته: «ونحن وإن كان الصحابة - ﵃ - قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول» الاستيعاب ١/ ٩.
(٢) آل عمران: ١٠٤.
(٣) البقرة: ١٤٣.
(٤) أخرجه البخاري٥/ ١٠ (٣٦٧٣)، ومسلم ٧/ ١٨٨ (٢٥٤١) (٢٢٢)، وكذلك أخرجه الطيالسي (٢١٨٣)، وعلي بن الجعد (٧٦٠) و(٣٥٥٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٣٩٤)، وأحمد ٣/ ١١ و٥٤، وفي الفضائل له (٥) و(٦) و(٧)، وعبد بن حميد (٩١٨)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١)، وابن أبي عاصم (٩٨٨) إلى (٩٩١)، والبزار (٢٧٦٨)، وأبو يعلى (١٠٨٧) و(١١٩٨)، وابن حبان (٧٠٠٣)، والخطيب البغدادي في " تاريخه " ٧/ ١٤٤، والبغوي (٣٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٥) عبارة: «ومن آذى الله» لم ترد في (م).
(٦) (٣٨٦٢).
(٧) (٧٢٦٥). وأخرجه أحمد ٤/ ٨٧ و٥/ ٥٤ و٥٥و ٥٧، وفي الفضائل له (٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على الفضائل (٢) و(٤)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٧، والبغوي (٣٨٦٠)، والمزي في تهذيب الكمال ١٧/ ١١٢. من حديث عبد الله بن مغفل.
(٨) قال ابن كثير في إختصار علوم الحديث: ١٨٢: «وقول المعتزلة: الصّحابة عدول إلا من قاتل عليًا: قول باطل مرذول ومردود».
[ ٢ / ١٩٠ ]
وَقِيْلَ: يقبلُ الداخلُ فِيْهَا إذا انْفَرَدَ؛ لأنَّ الأصلَ العَدالةُ، وشَككنَا في ضِدِّهَا، ولا يقبلُ مع مُخَالفتِهِ لتحققِ (١) إبْطالِ أحدِهما من غيرِ تَعيينٍ.
وَقِيْلَ: القَوْلُ بالعدالةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ اشْتُهِرَ مِنْهُمْ، ومَنْ عداهم، كسائِرِ النَّاسِ.
وَالصَّحِيْحُ الأوَّلُ تَحْسِينًا للظَّنِّ بِهِمْ، وحَملًا لِمَنْ دخلَ في الفِتْنَةِ عَلَى الاجْتِهادِ.
ولا التفاتَ إلى ما يذكرُهُ أهلُ السِّيَرِ؛ فإن أكثرَهُ لَمْ يصِحَّ، وما صَحَّ فَلَهُ تَأْويلٌ صَحِيْحٌ، وما أَحْسنَ قَوْلَ عمرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ - ﵀ -: «تِلْكَ دِماءٌ طهَّرَ اللهُ مِنْهَا سيوفَنَا، فلا نخضِّبْ بِهَا أَلْسِنَتَنَا» (٢).
قَالَ ابنُ الأنباريِّ: «وليسَ الْمُرادُ بِعَدَالتِهِمْ ثُبوتَ عِصْمَتِهِمْ واسْتِحَالَةَ الْمَعْصِيةِ مِنْهُمْ، بَلْ قَبولَ رواياتِهِم مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدالتِهِم، وطلبِ تَزْكِيَتِهمْ» (٣).
ثُمَّ بيَّنَ الْمُكثرينَ مِنْهُمْ روايةً، وفتوى، فَقَالَ: (والْمُكْثِرونَ) مِنْهُمْ رِوَايَةً، وهم مَنْ زادَ حديثُهم عَلَى ألفٍ، (سِتَّةُ)، وَهُمْ: (أَنَسٌ) هُوَ ابنُ مالكٍ، (وابنُ عمرَ) عَبْدُ اللهِ، (وَ) عَائِشَةُ (الصِّدِّيقَةُ) بنتُ الصِّدِّيقِ، و(البَحْرُ) عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ (٤) سُمِّيَ بَحْرًا، لِسعةِ عِلْمِهِ (٥)، و(جابِرٌ) هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ، و(أَبُو هُرَيْرَةِ)، وَهُوَ (أكْثَرُهُمْ) أي: الستَّةُ رِوَايَةً؛ لأنَّهُ رَوَى خمسةَ آلافِ حَدِيْثٍ وثلاثَ مِئَةٍ وأربعةً وسبعينَ حَدِيْثًا.
_________________
(١) في (م): «لتحقيق».
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١١٤.
(٣) نقله السخاوي في فتح المغيث ٣/ ٩٦، ونقله عن السخاوي اللكنوي في ظفر الأماني: ٥٠٧.
(٤) أطلق عليه هذا اللقب جابر كما أخرج ذلك الحاكم في " مستدركه " ٣/ ٥٣٥ قال: «أخبرنا أبو عبد الله الصفار قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار قال: ذكر عند جابر لحوم الحمر الأهلية فقال: أبى ذاك البحر يعني ابن عباس ». وجابر هذا: هو أبو الشعثاء.
(٥) قال الحاكم في مستدركه٣/ ٥٣٥: «أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا الأعمش، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه».
[ ٢ / ١٩١ ]
ثُمَّ ابنُ عُمَرَ؛ لأنَّهُ رَوَى ألفين وستمِئَةٍ وثلاثينَ. ثُمَّ أنسٌ؛ لأَنَّهُ رَوَى أَلْفَينِ ومِئَتَيْنِ وستةً وثَمَانِيْنَ. ثُمَّ عَائِشَةُ؛ لأَنَّهَا رَوَتْ أَلْفَينِ ومِئَتَينِ وعشرةً. ثُمَّ ابنُ عَبَّاسٍ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفًا وستمِئَةٍ وسِتِّينَ. ثُمَّ جَابِرٌ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفًا وخمسَ مِئَةٍ وأربعينَ (١).
وزادَ النَّاظِمُ (٢) سابعًا، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ؛ لأَنَّهُ رَوَى ألفًا ومِئَةً وسبعينَ.
وإنَّما كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أكثرَهُمْ، لقولِهِ (٣)، كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ " (٤):
«قلتُ: يا رَسُوْلَ اللهِ! إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حَدِيْثًا كَثِيْرًا أنْسَاهُ. قَالَ (٥): ابْسُطْ رِدَاءكَ. فَبَسَطتُهُ (٦) فَغَرَفَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ. فما نَسِيْتُ شَيْئًا بَعْدُ».
والْمُكْثرونَ مِنْهُمْ فَتْوَى سَبْعةٌ: عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مَسْعودٍ، وابنُ عُمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعائشةُ.
(والبَحْرُ) ابنُ عَبَّاسٍ (في الْحَقيقةِ أكثرُ) الصَّحَابَةِ (فَتْوى)، لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعا لَهُ بقولِهِ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» (٧)، وفي لفظٍ «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِيْ الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» (٨)، وفي آخر: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ» (٩).
ثُمَّ بَيَّنَ الْعَبادِلَةَ مِنْهُمْ، فَقَالَ:
_________________
(١) ذكر هذه الأعداد الحافظ ابن الجوزي في " تلقيح فهوم أهل الأثر ": ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١.
(٣) في (ص): «كقوله».
(٤) صحيح البخاري١/ ٤٠ (١١٩) و٣/ ٦٨ (٢٠٤٧) و٤/ ٢٥٣ (٣٦٤٨)، ومسلم ٧/ ١٦٧ (٢٤٩٢). وكذلك أخرجه ابن سعد٢/ ٣٦٢، وأحمد٢/ ٢٤٠و٣٣٣و٤٢٧، والنسائي في الكبرى (٥٨٦٦)، والترمذي
(٥) و(٣٨٣٥)، والطحاوي في شرح المشكل (١٦٥٩)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٧٨ و٣٨١.
(٦) في (ص) و(ع): «فقال».
(٧) في (ق) و(م): «فبسطه».
(٨) بهذا اللفظ أخرجه البخاري ١/ ٢٩ (٧٥) و٩/ ١١٣ (٧٢٧٠).
(٩) بهذا اللفظ أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٦٥، وابن أبي شيبة (٣٢٢١٣)، وأحمد ١/ ٣١٤ و٣٢٨ و٣٣٥، وابن حبان (٧٠٦٤)، والطبراني (١٠٥٨٧) و(١٠٦١٤)، والحاكم ٣/ ٥٤٣.
(١٠) أخرجه أحمد ١/ ٢١٤ و٢٦٩ و٣٥٩، وفي الفضائل له (١٨٣٥) و(١٨٨٣) و(١٩٢٣)، وابن ماجه (١٦٦)، والترمذي (٣٨٢٤)، والنسائي في الفضائل (٧٦)، وابن حبان (٧٠٦٣).
[ ٢ / ١٩٢ ]
(وَهْوَ) أي: البحرُ عَبْدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، (وابنُ عُمَرَا) عَبْدُ اللهِ، (وابنُ الزُّبَيْرِ) عَبْدُ اللهِ، (وابنُ عَمرٍو) ابنِ العاصِ عَبْدُ اللهِ (قَدْ جَرَى عَلَيْهِمُ بالشُّهْرَةِ: العَبَادِلَهْ).
و(لَيْسَ) مَنْ جَرى عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَهُمْ (ابنَ مَسْعُودٍ) عَبْدُ اللهِ؛ لتقدُّمِ مَوتِهِ عَلَيْهِمْ (١)، (ولا مَنْ شَاكَلَهْ (٢» في التَّسْمِيةِ بعبدِ اللهِ.
فإذا اجتمعتِ الأربعةُ عَلَى شيءٍ قيل (٣): هَذَا قَوْلُ العبادلةِ. وبعضُهُم زادَ عَلَيْهِمْ، وبعضُهم نقصَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ بيَّنَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أتْباعٌ، وأصْحَابٌ يقولونَ برأيهِ. فَقَالَ: (وَهْوَ) أي: ابنُ مسْعودٍ، (وَزَيدٌ) هُوَ ابنُ ثَابتٍ، (وابنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ) دونَ غَيرِهِم مِنَ الصَّحَابَةِ (في الفِقْهِ أتباعٌ يَرَوْنَ) في علمِهِم وفُتْياهُم (قولَهُمْ).
٧٩٥ - وَقَالَ مَسْرُوقُ: انْتَهَى العِلْمُ (٤) إلى سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلا
٧٩٦ - زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ (٥) أُبَيِّ عُمَرَ، عَبْدِ اللهِ مَعْ (٦) عَليِّ
٧٩٧ - ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ والبَعْضُ جَعَلْ الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا (٧) بَدَلْ
٧٩٨ - وَالعَدُّ لاَ يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكٍ وَحَضَرْ
٧٩٩ - الحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقُبِضْ عَنْ ذَيْنِ مَعْ (٨) أَرْبَعِ (٩) آلاَفٍ تَنِضّْ
_________________
(١) نسب النووي في تهذيب الأسماء ١/ ٢٦٧ هذا القول للبيهقي وقال: قيل لأحمد بن حنبل: فابن مسعود قال: ليس هو منهم - يعني العبادلة - وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٤، والإرشاد ٢/ ٥٩٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢.
(٢) في (ع) و(م): «مشاكله».
(٣) في (م): «قبل» خطأ.
(٤) في (ب): " العلم به إلى " ويختلّ الوزن بهذه الزيادة.
(٥) العين ساكنة؛ لضرورة الوزن.
(٦) كذلك.
(٧) بقصر الممدود لضرورة الوزن.
(٨) بإسكان العين؛ لضرورة الوزن.
(٩) القياس: " أربعة"، وقد أسقطت الهاء لضرورة الوزن.
[ ٢ / ١٩٣ ]
ثُمَّ بيَّنَ الذينَ انْتَهَى إِلَيْهِم العِلْمُ مِن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ:
(وَقَالَ مَسْرُوقُ) بنُ الأجْدعِ الكُوفيُّ: (انْتَهَى العِلْمُ) أي: وصلَ علمُ الصَّحَابَةِ (إلى سِتَّةِ) أنْفُسٍ، (أصْحَابٍ) لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أيضًا، (كِبارٍ نُبَلاَ (١» أي: فُضَلاء: (زَيْدٍ) هُوَ ابنُ ثابِتٍ، و(أَبِي الدَّرْداءِ) عُوَيْمِرٍ، (مَعْ أُبَيِّ) بنِ كَعْبٍ، و(عُمَرَ) بنِ الْخّطَّابِ، و(عَبْدِ اللهِ) بنِ مَسْعودٍ، (مَعْ عَلِيِّ) بنِ أَبِي طَالِبٍ. (ثُمَّ انتَهَى) علمُ السِّتَّةِ (لِذَيْنِ) أي: لعليٍّ، وابنِ مسعودٍ. كَذَا رَوَاهُ بَعْضُهم عَنْ مَسْرُوقٍ (٢).
(وَ) لَكِنْ (البعْضُ) مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ أيضًا، وَهُوَ الشَّعبيُّ (٣) (جَعَلْ) أَبا مُوسَى
(الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا (٤» -بالقصرِ للوزنِ- (بَدَلْ) بالوقفِ بلغَةِ رَبيعةَ.
وَلاَ يَقْدحُ في انتهاءِ علمِ السِّتَّةِ إلى عَلِيٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ تَأَخُّرُ وفاةِ كُلٍّ مِنْ زَيْدٍ، وأبِي مُوسَى عَنْهُمَا؛ إِذْ لاَ مَانِعَ مِن انتِهاءِ عِلْمِ شَخْصٍ إلى آخرَ مَعَ بَقاءِ الأوَّلِ، كَمَا أفَادَهُ النَّاظِمُ (٥).
قَالَ شَيخُنا: «ولأنَّ عَليًا، وابنَ مَسعودٍ كَانَا مَعَ مَسْرُوقٍ بِالكُوفَةِ، فانْتَهى العِلْمُ إلَيْهِمَا بِهَا، بِمَعْنَى أنَّ عُمْدَةَ أهْلِ الكُوفَة في مَعْرِفَةِ عِلْمِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمَا (٦») (٧).
ثُمَّ بيَّنَ عدمَ انحِصارِهِمْ، فَقَالَ:
(وَالْعَدُّ لا يحصُرُهُمْ) لِتَفَرُّقِهِم (٨) في البلدانِ (٩) والنَّواحِي، (فَقَدْ) صَحَّ قَوْلُ
_________________
(١) في (م): «نبلاء» بإثبات الهمزة.
(٢) رواه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٥١، وابن المديني في علله: ٤٤، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٤٨١، والبيهقي في المدخل: ١٦٠.
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٣٥١، والعلل لابن المديني: ٤١، والمدخل للبيهقي: ١٦١.
(٤) في (م): «الدرداء» بإثبات الهمزة على أن الشارح نبه على حذفها.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥.
(٦) في (ص): «عليها».
(٧) ذكره السخاوي في فتح المغيث ٣/ ١٠٠ قائلًا: فيما نقل عنه.
(٨) في (م): «لتفرقتهم».
(٩) في (ص) و(ع) و(م): «بالبلدان».
[ ٢ / ١٩٤ ]
كَعْبِ بنِ مالكٍ في قِصّةِ تبوك: «وأصْحابُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - كَثيرٌ، لا يَجْمَعُهم كِتَابٌ حافِظٌ» (١) أي: دِيْوَانٌ.
و(ظَهَرْ)، يعني شهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى ما رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازيِّ (سَبْعُونَ ألْفًا بتبوكٍ) (٢).
قَالَ: (وَحَضَرْ) مَعَهُ - ﷺ - (الْحَجَّ أَرْبَعُونَ ألْفًا، وقُبِضْ) - ﷺ - (عَنْ ذَينِ) أي: الفَريقَينِ الْمَذكورَينِ في قِصّةِ تَبُوك، وحجةِ الوَداعِ، أي مقدارُهُما، وَهُوَ مِئَةُ ألفٍ وعَشرةُ آلاف (مَعْ) زيادةِ (أرْبَعِ آلافٍ)، فَذَلِكَ مِئَةُ ألفٍ وأربَعةَ عَشَر ألفًا (٣)
(تَنِضّْ) - بكسرِ النّونِ، وتَشْدِيدِ الضادِ الْمُعْجَمة - أي: تتيسرُ.
يُقال: خُذْ ما نضَّ لكَ من دَيْنٍ، أي: تيسرَ، حكاهُ الْجًوهَريُّ (٤).
والنَّضُّ والناضُ حقيقةٌ في النقدينِ، واستُعِيرَ لِلصَّحَابَةِ لرواجِهِم في النَّقْدِ وَسَلامتِهِم مِنَ الزَّيْفِ بِعَدالتِهِمْ.
قَالَ النَّاظِمُ: «وأُسْقِطَت الْهَاءُ من «أربعٍ» للضَرورَةِ، وإنْ كَانَ الألْفُ مذكرًا». انتهى (٥).
وَيَصِحُّ إسقاطُها تَشْبيهًا للرِّجالِ بالدراهِمِ، قَالَ صَاحِبُ " القَامُوسِ ": «الألفُ من العددِ مذكرٌ، وَلَوْ أُنِّثَ باعتبارِ الدراهِمِ جازَ» (٦).
ونَقَلَهُ الْجَوْهَريُّ، فَقَالَ: «وَقَالَ ابنُ السكيتِ: لَوْ قلتُ: هَذِهِ ألفٌ، بِمَعْنى هَذِهِ الدَّراهِمُ ألفٌ، لَجَازَ» (٧).
_________________
(١) هذا جزء من حديث طويل. أخرجه البخاري ٦/ ٤ (٤٤١٨)، ومسلم ٨/ ١٠٥ (٢٧٦٩) (٥٣).
(٢) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٩٣ (١٨٩٣).
(٣) الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ٢٩٣ (١٨٩٤).
(٤) الصحاح ٣/ ١١٠٨ (نضض).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٧.
(٦) تاج العروس ٢٣/ ٢٨ (ألف).
(٧) الصحاح ٤/ ١٣٣١ (ألف).
[ ٢ / ١٩٥ ]
٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ
٨٠١ - وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ (١) وَهْوَ الأَكْثَرُ
٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِيْ قُلْتُ: وَقَوْلُ الوَقْفِ جَا (٢) عَنْ مَالِكِ
٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ البَاقُونَ، فالبَدْرِيَّهْ فَأُحُدٌ، فَالبَيْعَةُ المَرْضِيَّهْ
٨٠٤ - قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ
٨٠٥ - قِيلَ: بَلْ اهْلُ (٣) القِبْلَتَيْنِ، واخْتَلَفْ -أَيُّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ؟ - مَنْ سَلَفْ
٨٠٦ - قِيلَ: أبو بَكْرٍ، وقِيلَ: بلْ عَلِيْ وَمُدَّعِي إجْمَاعِهُ لَمْ يُقْبَلِ
٨٠٧ - وَقِيلَ: زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقا بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقا
ثُمَّ بيَّنَ تفاوتَهُم في الفَضِيلةِ إجْمالًا، ثُمَّ تَفْصِيلًا، فَقَالَ:
(وَهُمْ) باعتبارِ سبْقِهم إلى الإِسْلاَمِ، أَوْ الْهِجْرَةِ، أَوْ شُهودِ الْمَشَاهِدِ الفاضِلَةِ
(طباقٌ إنْ يُرَدْ تَعْدِيْدُ) أي: عدّها (٤).
(قِيْلَ) أي: قَالَ الْحَاكِمُ في " عُلومِ الْحَدِيْثِ " (٥): هِيَ (اثنتا (٦) عشرة) طبقةً:
فالأولى: مَنْ تقدمَ إسلامُه بِمَكةَ، كالخلفاءِ الأربعةِ.
الثانيةُ: أَصْحَابُ دارِ النَّدْوَةِ.
الثالثةُ: مَنْ هاجَرَ إلى الْحَبَشَةِ.
الرَّابِعةُ: أَصْحابُ العَقبةِ الأولى.
الخَامِسَةُ: أَصْحابُ العَقبةِ الثانِيَةِ، وأكْثَرُهُم مِنَ الأنْصَارِ.
_________________
(١) في النفائس: (العثمان)، وهو خطأ.
(٢) بالقصر لضرورة الوزن، وجاء في (فتح المغيث) بتحقيق الهمز، ولا يصح الوزن به.
(٣) بدرج الهمزة ووصلها لضرورة الوزن.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨.
(٥) معرفة علوم الحديث: ٢٢ - ٢٥.
(٦) في (م): «اثنا».
[ ٢ / ١٩٦ ]
السَّادِسَةُ: الْمُهَاجِرونَ الذِينَ وَصَلُوا إلى النَّبِيِّ - ﷺ - بقباء قَبْلَ أَنْ يدخلَ الْمَدِينةَ.
السَّابِعةُ: أهلُ بَدْرٍ.
الثَّامِنَةُ: مَنْ هَاجرَ بَيْنَ بَدْرٍ والْحُدَيْبِيةَ.
التَّاسِعةُ: أهْلُ بَيعَةِ الرّضْوانِ.
الْعَاشِرَةُ: مَنْ هَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيبيةِ، وفتحِ مَكةَ.
الْحَاديةَ عشرَةَ: مسلَمَةُ الفَتْحِ.
الثَّانيةَ عشرةَ: صِبيان وأطفالٌ رأوا النَّبِيَّ - ﷺ - يومَ الفَتْحِ وحجَّةَ الوَداعِ، وغيرِهِما.
(أَوْ تَزيدُ) أي: قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى اثنتي عَشْرةَ» (١).
وَقَالَ ابنُ سَعْدٍ: إنَّهُمْ خَمْسُ طِباقٍ فَقَطْ.
الأوْلى: الْبَدْريونَ.
الثَّانيةُ: مَنْ أسلمَ قديمًا مِمَّنْ هاجرَ عامَّتُهُم إلى الْحَبَشَةِ، وشهِدُوا أُحُدًا فما بعدَها.
الثالثةُ: مَنْ شهِدَ الْخَنْدقَ فما بعدَها.
الرَّابعةُ: مَسْلَمَةُ الفَتْحِ فَمَا بعدَها.
الْخَامِسَةُ: الصِّبْيانُ والأطْفالُ مِمَّنْ لَمْ يغزُ.
(والأَفْضَلُ) مِنْهُمْ مُطْلَقًا بإجماعِ أهْلِ السُّنَّةِ (٢) أَبو بَكْرٍ (الصِّدِّيقُ) سُمِّيَ بِهِ لِمُبَادَرَتِهِ إلى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ غيرِهِ.
(ثُمَّ) يَليهِ (عُمَرُ) بنُ الْخَطَّابِ بإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ أَيْضًا.
(وَبَعْدَهُ) أي: عُمَرَ، إما (عُثْمَانُ) بنُ عَفَّانٍ، (وَهْوَ الأكْثَرُ) أي: قَوْلُ الأكثرِ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ، فترتيبُهُم في الأفْضَلِيةِ كترتيبِهِم في الْخِلاَفَةِ.
(أَوْ فَعَليٌّ) هُوَ ابنُ أَبِي طَالِبٍ (قَبْلَهُ) - إيضاحٌ - أي: قَبْلَ عُثْمَانَ
(خُلْفٌ) أي: خلافٌ (حُكِيْ).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٦.
(٢) حكى الإجماع أبو العبّاس القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٤٨.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وإلى قَوْلِ الأكثرِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمَا (١)، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ والثَّوْرِيِّ، وكَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيْثِ، والفِقْهِ، وَكَثِيْرٍ مِنَ الْمُتَكَلمينَ، كَمَا قَالَ القَاضِي عِياضٌ (٢).
وإليهِ ذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، والقَاضِي أَبُو بَكرٍ الْبَاقلانِيُّ، لكنَّهُما اختَلَفَا في التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أهُوَ قَطْعِيُّ الدَّلِيلِ أَوْ ظنيهُ؟
فالذي مالَ إِلَيْهِ الأشْعَرِيُّ: الأوَّل، والْبَاقلانِيُّ: الثَّانِي (٣).
(قُلْتُ: وقولُ الوَقْفِ) عَنْ تفَضِيلِ أحدِ الأخِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ (جا) - بالقصْرِ للوَزْنِ - (عَنْ مَالِكِ (٤»، لَكِنْ حَكَى عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ قَوْلًا بالرّجوعِ عَن الوَقْفِ إلى تَفْضِيلِ عُثْمَان (٥).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «وَهُوَ الأصحُّ إنْ شَاءَ اللهُ» (٦). وَقَدْ (٧) تَقَدَّمَ أنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ.
(ف) يلي الْخُلَفَاءَ الأرْبَعَةَ (السِّتَّةُ الْبَاقُونَ) مِنَ العَشَرَةِ الَّذِيْنَ بَشَّرَهُم النَّبِيُّ - ﷺ - بالْجَنَّةِ، وهُمْ: طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وسَعِيدٌ، وعبدُ الرَّحْمَانِ ابنُ عَوْفٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرَّاحِ.
(ف) يَلِيهِم الطَّائِفَةُ (الْبَدْرِيَّهْ) أي: الَّذِيْنَ شَهِدُوْا بَدْرًا، وهُمْ ثلاثُ مِئَةٍ، وبِضْعَةَ عَشَر.
(ف) يَلِيهِم (أُحُدٌ) أي: أهلُ أُحُدٍ الَّذِيْنَ شَهِدُوْهَا، وكَانُوا ألْفًا.
(فَ) يَلِيهِم (الْبَيْعَةُ الْمرضِيَّهْ) أي: أهْلُ بَيعَةِ الرِّضْوَانِ بالْحُدَيْبِيةِ (٨) الَّتِيْ نَزَلَ فِيْهَا
_________________
(١) روى البيهقي عن الشّافعيّ فقط في كتابه الاعتقاد: ٣٦٨ و٣٦٩.
(٢) إكمال المعلم ٧/ ٣٨٢.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم ٥/ ٢٤٢.
(٤) المدونة ٦/ ٤٥١.
(٥) ترتيب المدارك ١/ ١٧٥، وإكمال المعلم ٧/ ٣٨٢.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٢، وفتح المغيث ٣/ ١٠٦.
(٧) من (م) فقط.
(٨) والحديبية بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وياء ساكنة، وكسر الباء الموحدة وياء مخففة مفتوحة ك: دويهية، وقد تشدّد ياؤها أيضًا. عمدة القاري١٧/ ٢١٢، ومراصد الإطلاع ١/ ٣٨٦، وتاج العروس٢/ ٢٤٦.
[ ٢ / ١٩٨ ]
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ (١) الآيَة، وَقَدْ (٢) كَانُوا ألفًا وأرْبَعَ مِئَةٍ (٣).
(قَالَ) ابنُ الصَّلاَحِ (٤): (وَفَضْلُ السَّابِقِينَ) الأولينَ مِنَ الْمُهَاجِرينَ، والأنْصَارِ (قَدْ وَرَدْ) في الْقُرْآنِ بِقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأنْصَارِ﴾ (٥) الآيةُ، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٦) الآيةُ، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (٧) الآيةَ.
وَقَدْ اختُلِفَ فِيْهِمْ، (فقيلَ) أي: فَقَالَ الشَّعْبِيُّ وغيرُهُ: (هُمْ) أي: الَّذِيْنَ شَهِدوا بَيْعةَ الرضوانِ (٨).
(وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القرظيُّ (٩)، وغيرُهُ (١٠): (بدريٌّ) أي: أهلُ بَدْرٍ.
(وَقَدْ (١١) قِيْلَ) أي: وَقَالَ أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ (١٢) وغيرُهُ (١٣): (بَلْ
_________________
(١) الفتح: ١٨.
(٢) من (م) فقط.
(٣) قال أبو منصور في أصول الدين: ٣٠٤: «أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، ثمّ الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثمّ البدريون، ثمّ أصحاب أحد، ثمّ أهل بيعة الرضوان الحديبية». وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٤.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٧وعبارته: «وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الّذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب». وانظر: تفسير الطبري١١/ ٧، والاستيعاب ١/ ٦.
(٥) التوبة: ١٠٠.
(٦) الحديد: ١٠.
(٧) الواقعة: ١٠.
(٨) جامع البيان للطبري ١١/ ٦، ومعرفة الصّحابة لأبي نعيم: ٥ - ٦، والاستيعاب ١/ ٧، وتفسير البغوي ٢/ ٣٨١، والدر المنثور ٤/ ٢٦٩.
(٩) الاستيعاب ١/ ٧، والدر المنثور ٤/ ٢٦٨.
(١٠) منهم عطاء بن يسار كما في الاستيعاب ١/ ٧. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٨ والمقنع ٢/ ٤٩٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٥، وفتح المغيث ٣/ ١٠٩.
(١١) في (م): «قد» بدون واو.
(١٢) تفسير الطبري ١١/ ٦، والدر المنثور ٤/ ٢٦٩.
(١٣) منهم: سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وقتادة. انظر: تفسير الطبري ١١/ ٦، والاستيعاب ١/ ٦ - ٧، والدر المنثور ٤/ ٢٦٩.
[ ٢ / ١٩٩ ]
اهْلُ (١» - بالدرجِ - (القِبْلَتَين) الَّذِيْنَ صَلُّوْا إلَيْهِمَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ أوَّلُهم إسْلامًا، فَقَالَ: (واخْتَلَفَ أيُّهُمُ) - بضمِّ الْمِيمِ - (أسْلَمَ قَبْلُ) أي: الْبَاقِينَ (مَنْ سَلَفْ) فاعلُ «اخْتَلَفَ» أي: واختَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ فمَنْ بَعْدَهُم في أيِّ الصَّحَابَةِ أوَّلُ إسْلامًا؟
(قِيْلَ) أي: فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ (٢)، وغيرُهُ: أوَّلُهم إسْلامًا (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ، لقولِهِ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَمَا في التِّرْمذيِّ: «ألستُ أوَّلَ مَنْ أسلمَ؟» (٣).
ولقولِهِ - ﷺ - لعمرِو بنِ عبسةَ (٤) لما سألَهُ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأمر: «حرٌ وعبدٌ»، يعني أبا بَكْرٍ، وبلالًا، رَوَاهُ مُسْلِم (٥).
(وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ جابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ (٦) وغيرُهُ (٧): (بَلْ) أوَّلُهُمْ إسْلامًا (عَلِيْ) بنُ أَبِي طالبٍ، لقولِهِ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ (٨): «لَقَدْ صَلَّيتُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ
_________________
(١) في (م): «أهل» بإثبات الهمزة.
(٢) الاستيعاب ٢/ ٢٨.
(٣) الجامع للترمذي (٣٦٦٧)، وفي علله الكبير (٦٩٠)، وأخرجه البزار (٣٥)، وابن حبان (٦٨٧٢)، والدارقطني في العلل ١/ ٢٣٤، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٧١) و(٧٢).
(٤) في (ص): «عتبة»، وفي (م): «عنبسة»، وما أثبتناه من (ق) و(ع). وهو الموافق لما جاء في مصادر ترجمته، انظر: تهذيب الكمال ٥/ ٤٣٥ (٤٩٩٤).
(٥) صحيح مُسْلِم ٢/ ٢٠٨ (٨٣٢)، وأخرجه أحمد ٤/ ١١١ و١١٢، وعبد بن حميد (٢٩٨)، وأبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي١/ ٩١و٢٧٩، وفي الكبرى (١٧٤) و(١٤٦٠)، وابن خزيمة (١١٤٧).
(٦) الاستيعاب ٣/ ٢٧.
(٧) منهم: زيد بن الأرقم، وأبي ذر، والمقداد، وسلمان الفارسي، وخباب، وأبي سعيد الخدري وغيرهم نقله عنهم ابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ٢٧، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٧، وفتح المغيث ٣/ ١١١.
(٨) لم ترد في (ق).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
النَّاسُ سَبْعًا» (١).
(وَمُدَّعِي إجْمَاعَهُ) أي: الإجْماعِ عَلَى هَذَا القَوْلِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ (٢) (لَمْ يُقْبَلِ) مِنْهُ، بَلْ اسْتُنْكِرَ مِنْهُ، كَمَا قَالَهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٣).
(وَقِيْلَ) أي: وَقَالَ معمرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ (٤): أوَّلُهم إسْلامًا (زَيْدٌ) هُوَ ابنُ (٥) حارِثةَ.
(وادَّعَى) حالةَ (٦) كَوْنِهِ (وِفَاقا) أي: موافِقًا لغيرِهِ، كقتادَةَ (٧)، وابنِ إسْحَاقَ (٨) (بعضٌ)، كالثَّعْلَبِيِّ (عَلَى) أُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ (خَدِيْجَةَ) في أنَّها أوَّلُ النَّاسِ إسْلامًا (اتِّفَاقا) مفعولُ «ادَّعَى».
قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: «والْخِلافُ إنَّما هُوَ في مَنْ أسْلَمَ بَعْدَهَا» (٩).
وَهَذَا القَوْلُ قَالَ النَّوَوِيُّ: «إنَّهُ الصَّوابُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِيْنَ» (١٠).
وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: «أوَّلُ مَنْ آمَنَ: خَدِيْجَةُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَهُوَ ابنُ عَشْرٍ، ثُمَّ زيدٌ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، فأظْهَرَ إسْلامَهُ ودعى إلى اللهِ ﷿، فأسْلَمَ بدعائِهِ عُثْمانُ، والزُّبَيْرُ،
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٨٨) وابن أبي شيبة (٣٢٠٧٥)، وأحمد ١/ ٩٩، وابن ماجه (١٢٠)، والبزار (٧٥١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٢٤)، والنسائي في خصائص علي (٧)، والحاكم ٣/ ١١١ - ١١٢، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٣٣٧).
(٢) معرفة علوم الحديث: ٢٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٨. وقال ابن كثير في اختصار علوم الحديث: ١٨٩: «ولا دليل عليه من وجه يصح».
(٤) الاستيعاب ١/ ٥٢٨.
(٥) كتب ناسخ (ع): «بلغ» دليل على بلوغ المقابلة.
(٦) في (ق): «حال».
(٧) الاستيعاب ٤/ ٢٨٢.
(٨) الاستيعاب ٤/ ٢٨٢.
(٩) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٤١، والمقنع ٢/ ٥٠١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٨، وفتح المغيث ٣/ ١١٢.
(١٠) الإرشاد ٢/ ٦٠٢، والتقريب: ١٦٥.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وعبدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وطلحَةُ، فَكَانَ هَؤُلاَءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيةُ أسبقَ النَّاسِ بالإسْلامِ» (١).
وَقِيْلَ: أوَّلُهُم إسْلامًا بلالُ، لِخَبرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ للجمعِ (٢) بَيْنَ الأقْوَالِ: «والأورعُ أَنْ يُقالَ: أوَّلُ مَنْ أسلمَ مِنَ الرِّجَالِ الأحرارِ: أَبُو بكرٍ، ومنَ الصبيانِ: عليٌّ، ومن النِّساءِ: خَدِيْجَةُ، ومِنَ الْمَوالي: زيدٌ، ومِنَ الْعَبيدِ: بلالٌ». انتهى (٣). وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ ﵀ (٤)، وفي الْمَسْألةِ أقوالٌ أُخَرُ (٥).
٨٠٨ - وَمَاتَ آخِرًا بِغَيْرِ مِرْية أبُو الطُّفَيْلِ مَاتَ عَامَ مِئَةِ
٨٠٩ - وقَبْلَهُ السَّائِبُ بالمَدِينَةِ أَوْ سَهْلٌ اوْ (٦) جَابِرٌ اوْ (٧) بِمَكَّةِ (٨)
٨١٠ - وقِيلَ: الاخِرُ (٩) بِهَا: ابنُ عُمَرَا إنْ لا (١٠) أبُو الطُّفَيْلِ فِيهَا قُبِرَا
٨١١ - وأَنَسُ بنُ مالِكٍ بالبَصْرَةِ وابنُ أبي أوْفَى قَضَى بالكُوْفَةِ
٨١٢ - والشَّامِ فَابْنُ بُسْرٍ اوْ (١١) ذُو باهِلَهْ خُلْفٌ، وقِيلَ: بِدِمَشْقٍ وَاثِلَهْ
٨١٣ - وَأنَّ في حِمْصَ ابنُ بُسْرٍ قُبِضَا وأنَّ بالجزيرةِ العُرْسُ قَضَى
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٧ - ٢٦٩، والمعارف: ١٦٨، والبداية والنهاية ٣/ ٢٠ - ٢٤.
(٢) في (ق): «الجمع».
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٦٩.
(٤) نقله الحاكم عنه في "تأريخه" كما قال السخاوي في فتح المغيث ٣/ ١١٣، وقال السيوطي في تدريب الرّاوي ٢/ ٢٢٨: «قال البرماوي: ويحكى هذا الجمع عن أبي حنيفة».
(٥) انظر: فتح المغيث ٣/ ١١٣ فقد نقل السخاوي منها الشيء الكثير.
(٦) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٧) كذلك.
(٨) بصرف (مكة) وهي ممنوعة من الصرف؛ لضرورة الوزن.
(٩) بدرج ووصل (الآخر) لضرورة الوزن.
(١٠) في (أ) و(ب): «إلا».
(١١) بدرج همزة (أو)؛ لضرورة الوزن.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
٨١٤ - وبِفِلَسْطِينَ أبُو أُبَيِّ ومِصْرَ فابنُ الحارِثِ بنِ جُزَيِّ (١)
٨١٥ - وقُبِضَ الهِرْمَاسُ باليَمَامَةِ وقَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ ببَرْقةِ (٢)
٨١٦ - وقِيلَ: إفْرِيقِيَّةٍ (٣)، وسَلَمَهْ بادِيًا اوْ (٤) بِطِيبَةَ المُكَرَّمَهْ
ثُمَّ بيَّنَ مَنْ آخرُهُمْ موتًا، فَقَالَ:
(وَماتَ) مِنْهُمْ (آخِرًا) مُطلقًا (بغيرِ مِرْيَةِ) - بكسر الْمِيمِ أشهرُ من ضمِّها (٥) - أي: شكٍّ (أَبُو الطُّفَيلِ) عَامِرُ بنُ واثِلَةَ الليثيُّ (مَاتَ عَامَ مِئَةِ) مِنَ الْهِجْرَةِ، لقولِهِ كَمَا في مُسْلِم: «رأيتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، ومَا عَلَى وَجْهِ الأرْضِ رجُلٌ رآه غيرِي» (٦).
وَقِيْلَ: ماتَ سنةَ اثنتينِ (٧)، أَوْ سبعٍ (٨)، أَوْ عَشْرٍ ومِئَةٍ (٩)، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ (١٠). وَقِيْلَ: بالْكوفَةِ. فهو آخرُ مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، أَوْ بالكوفَةَ (١١). أَيْضًا (و) آخرُهُمْ مَوْتًا مقيَّدًا بالنَّواحي (قبلَهُ) أي: قَبْلَ أَبِي الطُّفَيلِ، إمَّا (السَّائِبُ) بنُ يَزِيدَ (بالْمَدِينَةِ) النَّبَوِيَّةِ، (أَوْ سَهْلٌ) بِها، وَهُوَ ابنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، (اوْ) (١٢) بالدرجِ (جابِرٌ)،
_________________
(١) الأصل: (ابن جزء) أبدلت الهمزة ياءً وأشبعت لضرورة الوزن والتصريع.
(٢) بصرف (برقة) وهي ممنوعة من الصرف؛ للتصريع بين شطري البيت.
(٣) بصرف (إفريقية) لضرورة الوزن.
(٤) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٥) الصحاح ٦/ ٢٤٩١ (مرا).
(٦) صحيح مسلم ٧/ ٨٤ (٢٣٤٠)، وأخرجه أحمد ٥/ ٤٥٤، والبخاري في الأدب المفرد (٧٩٠)، وأبو داود (٤٨٦٤)، والترمذي في الشمائل (١٤) من طريق الجريري عن أبي الطفيل.
(٧) جزم به ابن حبان في ثقاته ٣/ ٢٩١.
(٨) قاله أبو زكريا بن منده، كما نقله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٤١.
(٩) هذا الّذي صححه الذهبي في العبر ١/ ٨٩ و١٠٤، وفي سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٧٠ وفي الكاشف ١/ ٥٢٧ (٢٥٤٨)، وانظر: حاشية سبط ابن العجمي هناك وتعليق المحقق.
(١٠) انظر: الثقات ٣/ ٢٩١، والإصابة ٤/ ١١٣.
(١١) في (م): «كوفة»، وهو ذهول.
(١٢) في (م): «أَو» بإثبات الهمزة.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وَهُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ، أي: فهو آخرُهُم مَوتًا بِهَا، أَوْ بـ «قباءَ»، (اوْ) (١) -بالدرجِ-
(بِمَكَّةِ) بالصَّرْفِ للوزنِ، وَالْجُمْهُوْرُ عَلَى الأوَّلِ.
قَالَ النَّاظِمُ: «كَذَا اقْتَصَرَ ابنُ الصَّلاَحِ عَلَى أنَّ أخِرَهُم مَوْتًا بالْمَدينَةِ أحدُ الثَّلاَثَةِ، وَقَدْ تأخَّرَ عَنِ الثَّلاَثَةِ مَوْتًا بِهَا: مَحْمُوْدُ بنُ الرَّبِيْع، وَتُوُفِّيَ سنةَ تِسعٍ وَتِسْعِيْنَ بتقديمِ التَّاءِ فِيْهِمَا، وَمَحْمُودُ بنُ لَبِيْدٍ الأَشْهَلِيُّ (٢) وتُوفيَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وتِسْعِينَ» (٣).
(وَقِيْلَ: الاخِرُ) بالدرجِ - مَوْتًا (بِهَا) أي: بِمَكَّةَ (ابنُ عُمَرا) عَبْدُ اللهِ، وكلٌّ مِنْهُ، ومِنْ جَابِرٍ عَلَى القَوْلِ بأنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ إنَّما يَكُوْنُ آخرهم مَوْتًا بِمَكَّةَ (إنْ لا) أي: إنْ لَمْ يَكُنْ (أَبُو الطُّفَيلِ فِيْهَا قُبِرَا)، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أنَّهُ قُبِرَ بِهَا، والْمُرادُ: ماتَ بِهَا.
وَتُوفِيَ السَّائِبُ سنةَ ثَمَانِيْنَ أَوْ اثنتينِ (٤)، أَوْ سِتٍّ، أَوْ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ. أَوْ إحْدَى وتِسْعِينَ (٥)، أقْوَالٌ.
وسَهْلٌ سنةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ (٦)، وَقِيْلَ: إحْدَى وتِسْعينَ (٧).
وجابِرُ سنةَ اثنتينِ أَوْ ثلاثٍ، أَوْ أربَعٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ وسَبْعِينَ، والْمَشْهُورُ: خامِسُها (٨).
_________________
(١) كذلك.
(٢) أفاده البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٤٠٢ (١٧٦٢).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٤٤ - ٤٥ وفي النقل تصرف.
(٤) وبه قال أبو نعيم. انظر: هامش تهذيب الكمال ٣/ ١٠٥ (٢١٥٨).
(٥) قاله الجعد بن عبد الرحمان، والفلاس، والواقدي، وبه جزم ابن حبان. انظر: الثقات ٣/ ١٧٢، وتهذيب الكمال ٣/ ١٠٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٤٣.
(٦) وإليه ذهب أبو نعيم الفضل بن دكين، والبخاري، والترمذي. انظر: التاريخ الكبير ٤/ ٩٧ (٢٠٩٢)، والتاريخ الصغير ١/ ١٨١، وتهذيب الكمال ٣/ ٣٢٥ (٢٥٩٧).
(٧) وبه قال الواقدي، والمدائني، ويحيى بن بكير، وابن نمير، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، ورجحه ابن زبر، وابن حبان. انظر: الثقات٣/ ١٦٨، وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ٢١٩، وتهذيب الكمال ٣/ ٣٢٥ (٢٥٩٧).
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٤٤.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وابنُ عُمَرَ سَنَةَ اثنتينِ (١)، أَوْ ثلاثٍ (٢)، أَوْ أربَعٍ وسبعينَ (٣)، والْمَشْهورُ ثانيها.
(وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ) آخرُهُم مَوتًا (٤) (بالْبَصْرَةِ) - بفتحِ الْمُوحَّدَةِ أشْهَرُ مِن ضَمِّهَا وكَسْرِها - وتوفيَ سنةَ تِسْعينَ، أَوْ إحْدى (٥)، أَوْ اثنَتَينِ (٦)، أَوْ ثلاثٍ وَتِسْعِينَ، ورجَّحَ النَّوويُّ (٧) وغيرُهُ (٨) أخرَها. (وابنُ أَبِي أَوْفَى) عَبْدُ اللهِ الأسْلَمِيُّ (٩) (قَضَى) أي: مَاتَ آخرًا (بالْكُوفَةِ) سنةَ ستٍّ (١٠)، أَوْ سَبْعٍ (١١)، أَوْ ثَمَانٍ وثَمَانينَ (١٢).
_________________
(١) هو قول ضمرة، رواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٣١/ ١٩٨ عنه بالشك فقال: «مات ابن عمر في سنة ثنتين -أَو ثلاث- وسبعين». وهو قول ضعيف جدًا، تفرد بذكره ضمرة. وروي عنه قول آخر يأتي.
(٢) وبه قال الزبير بن بكار، وأبو نعيم الفضل، وابن أبي شيبة، وأحمد، وضمرة، وابن حبان، وأبو زرعة الدمشقي. التاريخ الكبير ٥/ ٢ (٤)، وثقات ابن حبان ٣/ ٢٠٩، وتاريخ دمشق ٣١/ ١٩٧ - ١٩٩.
(٣) وهو قول الواقدي، وابن سعد، وخليفة بن خياط، والفلاس، وسعيد بن عفير، ونافع مولاه، ويحيى بن بكير. تاريخ بغداد ١/ ١٧٣، وتاريخ دمشق ٣١/ ١٩٧ - ١٩٩.
(٤) قاله قتادة وأبو هلال والفلاّس وابن المديني وابن سعد وغيرهم. انظر: وفيات ابن زبر ١/ ٢٢٢، وتاريخ دمشق ٩/ ٣٧٨، والطبقات الكبرى ٧/ ٢٥ - ٢٦.
(٥) وهو قول الهيثم بن عدي، وأبي عبيد القاسم بن سلاّم، وقتادة. تاريخ دمشق ٩/ ٣٨٠.
(٦) وإليه ذهب الواقدي، وعبد الله بن يزيد الهذلي، ورواه معن بن عيسى عن ابن لأنس ولم يسمه. طبقات ابن سعد٧/ ٢٥والتاريخ الكبير٢/ ٢٨ (١٥٧٩)، وتاريخ مولد الْعُلَمَاء ١/ ٢٢٢.
(٧) تهذيب الأسماء ١/ ١٢٧ وقال: «والصّحيح الّذي عليه الجمهور».
(٨) منهم: إسماعيل بن علية، وسعيد بن عامر، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وخليفة بن خياط، والترمذي، والسري بن يحيى، وقعنب بن المحرر. طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦، وتاريخ خليفة: ٣٠٩، والمعرفة والتاريخ ٢/ ٢٦٧، والتاريخ الكبير ٢/ ٢٧ - ٢٨ (١٥٧٩). وتاريخ دمشق ٩/ ٣٨٢ - ٣٨٤.
(٩) وقد اختلف فيما بينه وبين عمرو بن حريث فإنه مات بالكوفة أيضًا. وانظر الخلاف في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٤٩ - ٥٠.
(١٠) وبه قال الواقدي، والمدائني، ويحيى بن بكير، والفلاس، وابن عساكر. تاريخ مولد العلماء١/ ٢١٤، والكنى والأسماء ١/ ٢٤١ (١٢٧)، وتاريخ دمشق ٣١/ ٣٨، وتهذيب الكمال ٤/ ٩١ (٣١٥٩).
(١١) وهو قول أبي نعيم، حكاه البخاري في تاريخه الكبير ٥/ ٢٤ (٤٠).
(١٢) وَهُوَ قول أبي نعيم في رواية محمد بن يحيى الذهلي- على الشك مع القول السابق -، هكذا عزاه المزي في تهذيبه٣/ ٩١ (٣١٥٩) وزاد بأنه قول البخاري في موضع آخر، والترمذي وغيرهم. انظر: تاريخ دمشق٣١/ ٣٧
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(وَ) أمّا آخرُهُم مَوْتًا في (الشَّامِ ف) هُوَ إمّا (ابنُ بُسْرٍ) - بضَمِّ الْمُوحَّدَةِ ثُمَّ بسينٍ مُهْمَلَةٍ - عُبيدُ اللهِ الْمَازِنِيُّ (١) (اوْ) (٢) بالدرجِ - أَبُو أُمَامَةَ صُدَيُّ بنُ عَجْلانَ (٣) (ذُو بَاهِلَهْ)، أي: البَاهِلِيُّ (خُلْفٌ)، أي: خِلافٌ. وَالصَّحِيْحُ الأوَّل.
وتوفيَ الأوَّلُ سَنَةَ ثَمَانِ وَثَمانِيْنَ (٤)، وَهُوَ الْمَشْهورُ، أَوْ ست وتسعِينَ (٥)، أَوْ سنةَ مِئَة، والثَّانِي سنةَ إحْدَى (٦) أَوْ ست وَثَمَانِيْنَ (٧).
ثُمَّ أشارَ النَّاظِمُ (٨) إلى طريقةٍ أُخْرَى (٩) سَلَكَهَا أَبُو زَكَرِيا ابنُ مَنْدَه في آخِرِهِم مَوتًا بِنَواحٍ مِنَ الشَّامِ، وَهِيَ: دِمَشْقُ، وحِمْصُ، والْجَزِيرةُ، وفِلَسْطِينُ، فَقَالَ:
(وَقِيْلَ): إنَّ أخرَهُم مَوْتًا (بِدِمَشْقٍ) (١٠)، وَقِيْلَ: بِالْقُدسِ (١١)، وَقِيْلَ: بِحِمصٍ (١٢)
_________________
(١) قاله الأحوص بن حكيم، وابن المديني، وابن حبان، وابن قانع، وابن عبد البر وغيرهم. انظر: تاريخ دمشق ٢٧/ ١٥٩، والثقات ٣/ ٢٣٣، ومعجم الصّحابة ٢/ ٨٠ - ٨١، والاستيعاب ٢/ ٢٦٧.
(٢) في (م): «أو» بإثبات الهمزة.
(٣) روي ذلك عن الحسن البصري، وسفيان بن عيينة وبه جزم أبو عبد الله بن منده. انظر: تاريخ دمشق ٢٤/ ٥٨ - ٧٣، وتهذيب الكمال ٣/ ٤٥٢ (٢٨٥٨).
(٤) وبه قال عبد الرحمان بن الضحاك، والواقدي، ومحمد بن سعد، وخليفة بن خياط، وعمرو بن علي الفلاس، وابن نمير، ويحيى بن بكير، والمفضل الغلابي، وأبو عبيد وغيرهم. انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٤١٣، وطبقات خليفة ٥٥٢ (٢٨٣٥)، وفيات ابن زبر ١/ ٢١٥، وتاريخ دمشق ٢٧/ ١٦٠ - ١٦٢.
(٥) قاله عبد الصمد بن سعيد. انظر: تاريخ دمشق ٢٧/ ١٤٦.
(٦) وبه قال إسماعيل بن عياش، وأحمد بن محمد البغدادي، وأبو اليمان. انظر: تاريخ دمشق ٢٤/ ٧٤ - ٧٥، تهذيب الكمال ٣/ ٤٥٢ (٢٨٥٨).
(٧) وهو قول يحيى بن بكير، والمدائني، والفلاس، وخليفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وابن زبر. انظر: تاريخ خليفة ٢٩٢، وفيات ابن زبر١/ ٢١٣، وتاريخ دمشق ٢٤/ ٧٥ - ٧٦، تهذيب الكمال ٣/ ٤٥٢ (٢٦٥٨).
(٨) من (م): فقط.
(٩) لم ترد في (ص) و(ق).
(١٠) انظر في هذا الخلاف: تاريخ دمشق ٦٢/ ٣٦٦، وتهذيب الكمال ٧/ ٤٤٦ (٧٢٥٤).
(١١) قاله أبو حاتم الرازي. الجرح والتعديل ٩/ ٤٧.
(١٢) قاله ابن قانع. انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٤٤٦.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
(وَاثِلَهْ) بنُ الأسقعِ، وتوفيَ سنةَ ثَلاثٍ أَوْ خَمْسٍ (١)، أَوْ ستٍّ وَثَمَانِينَ.
(وَأنَّ فِي حِمْصَ ابنُ بُسْرٍ) السَّابقُ (قُبِضَا) آخرهم.
(وأنَّ بالْجَزِيرةِ) الَّتِيْ بَيْنَ دجلَةَ والفُرَاتِ (٢) (العُرْسُ) -بضمِّ العَينِ (٣) - ابنُ عَمِيْرة -بفتحِهَا- الكِنْدِيُّ (٤) (قَضَى) (٥) آخرهم. وَقِيْلَ: آخرُهُم مَوْتًا بِهَا: وابِصَةُ بنُ معبدٍ.
(و) أنَّ آخرَهُم مَوْتًا (بِفِلَسْطينَ) - بكسر الفاء، وفتح اللام، وسكون المهملة (٦) - ناحيةٌ كبيرةٌ وراءَ الأُرْدُنِّ مِنْ أرضِ الشَّامِ، فِيْهَا عدةُ مُدُنٍ: كالقُدْسِ، والرَّمْلَةِ، وَعَسْقَلاَنَ، والْمُرادُ هنا القُدْسُ (أَبُو أُبَيِّ) -بالتصغير- عَبْدُ اللهِ، ويقالُ لَهُ: ابنُ أمِّ حرامٍ. واختُلِفَ في اسْمِ أبيهِ، فقيلَ: عمرُو بنُ قَيْسٍ (٧)، وَقِيْلَ: أُبَيُ، وَقِيْلَ: كَعْبٌ. وَقِيْلَ: إنَّمَا مَاتَ بِدَمْشق (٨).
(وَ) أما (٩) آخرُهم مَوْتًا في (مِصْرَ فابنُ الْحَارِثِ) عَبْدُ اللهِ (بنُ جُزَيِ) بإبدال همزتِهِ ياءً ثُمَّ إشْباعِها للوزنِ، فإنَّهُ جَزْء، وَهُوَ الزُّبَيْدِيُّ - بالتَّصْغيرِ -. وَقِيْلَ: إنَّما مَاتَ بسَفْطِ القدورِ (١٠)، وتُعْرَفُ اليومَ بسَفْطِ أبي ترابٍ بالغَرْبيةِ. وَقِيْلَ: مَاتَ باليَمَامَةِ (١١).
وتوفيَ سنة خَمسٍ، أَوْ ستٍّ، أَوْ سَبعٍ، أَوْ ثَمانٍ، أَوْ تِسْعٍ وَثَمانينَ، والْمَشْهورُ ثانيها.
(وقُبِضَ الْهِرْمَاسُ) - بكسرِ الْهَاءِ - بنُ زِيادٍ الْبَاهِليُّ، آخرُهم (بالْيَمَامةِ).
_________________
(١) وهو الذي اقتصر عليه المزي في تهذيب الكمال ٧/ ٤٤٦ الترجمة (٧٢٥٤)، واعتمده الذهبي في الكاشف ٢/ ٣٤٦ الترجمة (٦٠٢٥).
(٢) تسمى هذه المنطقة جزيرة أقور بالقاف. انظر: مراصد الإطلاع١/ ٣٣١، واللسان ٤/ ١٣٣.
(٣) بضم أوله وسكون الراء بعدها مهملة. التقريب (٤٥٥٢).
(٤) قاله أبو زكريا بن منده. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥٢.
(٥) في (م): «وقضي».
(٦) انظر: مراصد الإطلاع ٣/ ١٠٤٢.
(٧) قاله ابن سعد وخليفة وابن عبد البر. انظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٤٩٥، وطبقات خليفة: ٨٧، والاستيعاب ٤/ ١٤.
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥٣.
(٩) سقطت من (م).
(١٠) قال الزبيدي في تاج العروس١٩/ ٣٥٢: «سفط القدور بأسفل مصر، وهي المعروفة الآن بسفط عَبْدالله بالغربية، وبها توفي عبدالله بن جزء الزبيدي، آخر من مات من الصّحابة بمصر، وقبره ظاهر يزار زرته مرارًا».
(١١) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٢٠.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وَعَنْ عكرمةَ بنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ لقيَهُ سَنَةَ اثنتينِ ومِئَةٍ (١): فموتُهُ إمّا فِيْهَا أَوْ فِيْمَا بعدَها، فإنْ صَحَّ ذَلِكَ، أُشْكِلَ بِمَا مَرَّ مِنْ (٢) أنَّ آخرَهم مَوْتًا مُطْلَقًا: أَبُو الطُّفيلِ، وإنَّهُ مَاتَ سنةَ مِئَةٍ.
(و) قُبِضَ (قبلَهُ) سنةَ ثلاثٍ، أَوْ ستٍ وخَمْسينَ (رُوَيْفِعٌ) (٣) هُوَ ابنُ ثابِتٍ الأنصاريُّ (بِبَرْقَةِ) -بالصَّرفِ للوزنِ-مِنْ بِلادِ الْمَغْربِ (٤). (وَقِيْلَ): قُبِضَ في (إفْرِيقيَّةٍ) -بِكسرِ الْهَمْزَةِ، وبالصَّرفِ للوزنِ (٥) -من بلادِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا. وَقِيْلَ: قُبِضَ بأنطابُلس (٦). وَقِيْلَ: بالشامِ.
(و) قُبِضَ (سَلَمَهْ) بنُ عَمْرٍو بنِ الأكوعِ الأسْلَمِيُّ سَنةَ أربعٍ وسَبْعِينَ. وَقِيْلَ: أربعٍ وسِتينَ (بادِيًا) أي: بالْبادِيةِ، فهو آخرُهم مَوتًا بِهَا (٧)، (اوْ) (٨) -بالدرجِ- (بِطِيبةَ)، أي: الْمَدينَةِ (الْمُكَرَّمَهْ) بِالنَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّحِيْحُ (٩).
قَالَ النَّاظِمُ: «وآخرُهم مَوْتًا بِخُرَاسانَ بُرَيْدَةُ بنُ الْحُصَيْبِ، وبـ «الرُّخَّجِ» -أي: براءٍ مَضمومةٍ ثُمَّ خاءٍ معجمةٍ مُشَدَّدةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَقِيْلَ: ساكِنة، ثُمَّ جيم من أعمالِ سجستانَ (١٠): الْعَدَّاءُ بنُ خَالدٍ بنِ هَوْذَة، وبأصْبَهانَ: النَّابِغَةُ الْجُعْدِيُّ (١١). وبالطَّائِفِ: عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ» (١٢).
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١١/ ٢٨، والتقييد والإيضاح: ٣١٥.
(٢) سقطت من (م).
(٣) بضم الراء وكسر الفاء مصغر. فتح المغيث ٣/ ١٢٠.
(٤) قال السخاوي في فتح المغيث ٣/ ١٢٠: «ببرقة من بلاد المغرب فيما قاله أحمد بن البرقي. قال: وقد رأيت قبره بها وكان أميرًا عليها».
(٥) انظر: مراصد الإطلاع ١/ ١٠٠.
(٦) مدينةمن أعمال برقة بين مصر وبلاد أفريقية. انظر: معجم ما استعجم١/ ١٩٩ - ٢٠٠ومعجم البلدان ١/ ٢٦٦
(٧) قاله أبو زكريا بن منده. كما نقله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥٥.
(٨) في (م): «أو» بإثبات الهمزة.
(٩) قاله إياس بن سلمة، ويحيى بن بكير، وأبو عبد الله بن منده. انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٢٥١ (٢٤٤٦).
(١٠) انظر: معجم البلدان ٣/ ٣٨، واللباب ٢/ ٢٠ (الرخجي).
(١١) ذكر وفاته أبو الشيخ في "طبقات المحدّثين بأصبهان" ١/ ٢٧٣، وأبو نعيم في " تاريخ أصبهان " ١/ ٧٣.
(١٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥٥ - ٥٦ وفي النقل اختصار وتصرف.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ (١)
٨١٧ - والتَّابعُ (٢) اللاَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبَا وَلِلْخَطِيبِ حَدُّهُ: أنْ يَصْحَبَا
٨١٨ - وَهُمْ طِبَاقٌ قِيلَ: خَمْسَ عَشَرَهْ أَوَّلُهُمْ: رُوَاةُ كلِّ العَشَرَهْ
٨١٩ - وَقَيْسٌ الفَرْدُ بِهَذا الوَصْفِ وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَوْفِ
٨٢٠ - وَقَوْلُ مَنْ عدَّ سَعِيدًا فَغَلَطْ بَلْ قِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ سِوَى سَعْدٍ فَقَطْ
٨٢١ - لَكِنَّهُ الأَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَا وعَنْهُ قَيْسٌ وَسِوَاهُ وَرَدَا
٨٢٢ - وَفَضَّلَ الحَسَنَ أَهْلُ البَصْرَةِ والقَرَنِيْ أُوَيْسًا اهْلُ (٣) الكُوفَةِ
٨٢٣ - وفي نِسَاءِ (٤) التَّابِعِينَ الأَبْدَا حَفْصَةُ مَعْ عَمْرَةَ أُمِّ الدَّرْدَا (٥)
(والتّابِعُ): الأكثَرُ اسْتعمالًا التَّابِعِيُّ، هُوَ: (اللاّقِي)، وَلَوْ غَيْر مُمَيِّزٍ (لِمَنْ قَدْ صَحِبَا) أي: لِلصَّحَابِيِّ، وَلَوْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ، وَاحدًا (٦) كَانَ الصَّحَابِيُّ أَوْ أكْثرَ، سَمِعَ مِنْهُ اللاّقِي أَمْ لا. (وَلِلْخَطِيْبِ حَدُّهُ) أي: التَّابِعِيُّ: (أَنْ يَصْحَبَا) الصَّحَابِيَّ (٧)، فَلاَ يَكْفِي اللُقيُ (٨). والأوَّلُ أصحُّ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بتصحيحِهِ ابنُ الصَّلاَحِ (٩)، والنَّوَوِيُّ (١٠).
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ٤١ - ٤٦، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٧١، والإرشاد ٢/ ٦٠٦ - ٦١٦، والتقريب: ١٦٥ - ١٦٧، واختصار علوم الحديث: ١٩١ - ١٩٤، والشذا الفياح ٢/ ٥١٩ - ٥٣٤، والمقنع ٢/ ٥٠٦ - ٥١٧، وفتح المغيث ٣/ ١٣٩ - ١٥٦، وتدريب الراوي ٢/ ٢٣٤ - ٢٤٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧١ - ٤٧٣، وظفر الأماني: ٥١٣ - ٥١٤، وتوجيه النظر ١/ ٤١٣ - ٤١٧.
(٢) في (ب): «والسابع»، وهو خطأ.
(٣) بدرج همزة (أهل) لضرورة الوزن.
(٤) في النفائس: «النساء».
(٥) بالقصر لضرورة الوزن والتصريع.
(٦) في (م): «وواحدًا».
(٧) الكفاية: (٥٩ ت، ٢٢ هـ).
(٨) في (م): «اللقاء».
(٩) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧١، وعبارته: «والاكتفاء في هذا بمجرد اللقاء والرؤية أقرب منه في الصّحابيّ نظرًا إلى مقتضى اللفظين فيهما».
(١٠) التقريب: ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ثُمَّ بيَّنَ تفاوتَهم، فَقَالَ:
(وَهُمْ طِبَاقٌ) ثلاثٌ، كَمَا في " الطَّبَقاتِ " لِمُسْلِمٍ، وكَمَا فِيْهَا لابنِ سَعْدٍ (١)، وربما بلغَ بِهَا أرْبَعًا.
وَ(قِيْلَ) أي: قَالَ الْحَاكِمُ: «(خَمْسَ عَشَرهْ) طبقةً، آخرُهم مَنْ لقي أنسَ بنَ مَالِكٍ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، ومَنْ لقي عَبْدَ اللهِ بنَ أَبِي أوْفَى مِن أَهْلِ الكُوفَةِ، ومَنْ لقي السَّائِبَ بنَ يَزِيدٍ مِن أَهْلِ الْمَدينةِ» (٢).
و(أَوَّلُهم رُوَاةُ كُلِّ العَشَرَهْ) الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، أي: الَّذِيْنَ سَمِعُوا مِنْهُمْ، (وَقَيْسٌ) هُوَ ابنُ أَبِي حَازِمٍ (الفَرْدُ) أي: انْفرَدَ مِنْهُمْ (بِهَذَا الوَصْفِ) أي: بروايتِهِ عَنْ كُلِّهم، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدَ الرَّحْمَانِ بنُ يُوسُفَ بنِ خِراشٍ (٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤).
(وَ) لكنْ (قِيْلَ) أي: قَالَ أَبُو داودَ، وغيرُهُ: إنَّهُ (لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابنِ عَوْفِ) عَبْدِ الرَّحْمَانِ (٥)، أحدهم (٦).
(وَ) أمَّا (قَوْلُ مَنْ عَدَّ) - مَعَ قَيْسٍ، فِيْمَنْ سَمِعَ مِن العَشَرَةِ - (سَعِيدًا)، هُوَ ابنُ الْمُسَيِّبِ؛ وَهُوَ الْحَاكِمُ (٧)، (فَغَلَطْ)؛ لأنَّ سَعِيْدًا (٨) إنَّما وُلِدَ في خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَكيفَ يسمَعُ مِن أَبِي بَكْرٍ؟ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِن بَعْضِ بقيَّتِهِم أَيْضًا (٩).
_________________
(١) بعد هذا في (م): «في الطبقات» ولم ترد في شيء من النّسخ الخطية.
(٢) معرفة علوم الحديث: ٤٢.
(٣) تاريخ دمشق ٤٩/ ٤٦١ ذكره مسندًا، وهو في تهذيب الكمال ٦/ ١٣٠ (٥٤٨٥).
(٤) الثقات ٥/ ٣٠٧.
(٥) سؤالات الآجري: ١١٣.
(٦) يعني: أحد العشرة المبشرة، فالضمير عائد على العشرة المتقدمة بالذكر.
(٧) معرفة علوم الحديث: ٤٢.
(٨) في (ق) و(م): «سعيد».
(٩) انظر: الجرح والتعديل ٤/ ٥٩ الترجمة (٢٦٢)، والمراسيل (١١٤)، وتاريخ يحيى بن معين (رواية الدوري) ٢/ ٢٠٧ (٩٩٩)، وتهذيب التهذيب ٤/ ٨٧.
[ ٢ / ٢١٠ ]
(بَلْ قِيْلَ): إنَّهُ (لَمْ يَسْمَعْ) مِن جَمِيعِهِمْ (سِوَى سَعْدٍ)، هُوَ ابنُ أَبِي وَقَّاصٍ (فَقَطْ) تَكْملةٌ وتَأْكِيْدٌ (١).
ثُمَّ بَيَّنَ الْخِلاَفَ في أفْضَلِ التَّابِعِيْنَ، فَقَالَ:
(لَكِنَّهُ) أي: سَعِيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ (الأفْضَلُ) من سائِرِ التَّابِعِيْنَ، (عِنْدَ) الإمَامِ (أَحْمَدَا)، وابنِ الْمَدِيْنِيِّ (٢)، وغيرِهِما (٣).
(وَعَنْهُ) أي: وعنْ أَحْمَدَ قَوْلٌ أخرُ: إنَّ أفْضَلَهُمْ (قَيْسٌ) السَّابِقُ، (وَسِواهُ) أي: وغيرُهُ، وَهُوَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَمَسْروقُ بنُ الأجْدَعِ (٤) (وَرَدَا) -بألفِ الإطْلاق -.
(وَفَضَّلَ الْحَسَنَ) البصريَّ (أهْلُ البَصْرَةِ)، (و) فَضَّلَ (الْقَرَنِيْ) - بفتحِ القافِ والرَّاءِ وسكون الياء (٥) - (أُوَيْسًا اهلُ (٦) الكُوفَةِ) بالدرجِ، وفَضَّلَ سَعيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ أَهْلُ الْمَدِيْنَةِ.
_________________
(١) هذا القول ليس بشيء، فحديثه عن عثمان وعلي في الصحيحين. تهذيب الكمال ٣/ ١٩٩، وصح عنه أنه قال: "شهدت عليًا وعثمان". أخرجه أحمد في العلل: ١/ ٣١٩ (١٩٦٦). وكذلك رأى عمر وسمع منه، لكنه كان صغيرًا، ولم يكن سماعه منه لشيء كثير؛ لذا نفاه من نفاه، وقد صح عنه أنّه قال: " ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر". المراسيل: ٧٣. وأخرج البخاري في التاريخ الصغير ١/ ٥٦ و٢١٦ عنه قال: " إني لأذكر يوم نعى عمر ابن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر". وقد قال الإمام أحمد حين سأله أبو طالب صاحبه: " سعيد عن عمر حجة" قَالَ: هُوَ عندنا حجة، قَدْ رأى عمر وسمع مِنْهُ، إذا لَمْ يقبل سعيد عَنْ عمر فمن يقبل؟». الجرح والتعديل ٤/ ٦١. وروايته عن عمر متفق عليها. صحيح البخاري ١/ ٢٨ (٤٧٥) و٧/ ٢١٩ (٥٩٦٩) و٨/ ٧٩ (٦٢٨٧)، وصحيح مسلم ٦/ ١٥٥ (٢١٠٠) (٧٥ و٧٦). وروايته عن علي متفق عليها أيضًا. صحيح البخاري ٢/ ١٧٦ (١٥٦٩)، وصحيح مسلم ٤/ ٤٦ (١٢٢٣).
(٢) تهذيب الكمال ٣/ ٢٠٠ (٢٣٤٢).
(٣) منهم: أبو حاتم وابن حبان. انظر: الثقات ٤/ ٢٧٤، وتهذيب الكمال ٣/ ٢٠٠.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٦.
(٥) التقريب: (٥٨١). وانظر: الأنساب ٤/ ٤٦٠.
(٦) في (م): «أهل» بإثبات الهمزة.
[ ٢ / ٢١١ ]
وهذا التَّفْضِيلُ (١) حكاهُ ابنُ الصَّلاَحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ خفيفٍ، واسْتَحْسَنَهُ (٢).
لَكِنْ قَالَ النَّاظِمُ: «الصَّحِيْحُ، بَلْ الصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الكُوفَةِ لِحَدِيْثِ مُسْلِمٍ (٣) عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، يَقُوْلُ: «إنَّ خَيْرَ التَّابِعِيْنَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أوِيْسٌ الْحَدِيْثَ (٤). قَالَ: فهذا الْحَدِيْثُ قاطِعٌ للنِّزاعِ. وأما تَفْضيلُ أَحْمَدَ لابنِ الْمُسَيِّبِ وغيرِهِ (٥) فلعلَّهُ لَمْ يبلغْهُ الْحَدِيْثُ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ عندَهُ، أَوْ أرَادَ بالأفْضَلِيَّةِ الأفْضَلِيَّةَ في العِلْمِ لا الْخَيْرِيَّةِ» (٦) أي: عِنْدَ اللهِ.
هَذَا حُكمُ ذكورِ التَّابِعِيْنَ.
(و) أمَّا الْحُكْمُ (في نِسَاءِ التَّابِعِيْنَ)، فيُقالُ فِيْهِ: (الأبْدَا) (٧) - بإسْكانِ الباءِ - يعني: أوَّلَهُنَّ في الْفَضْلِ عِنْدَ إيَاسِ بنِ مُعَاوِيَةَ (حَفْصَةُ) بِنْتُ سِيْرِيْنَ وَحْدَهَا (٨).
وَعِنْدَ أَبِي بَكرِ بنِ أَبِي دَاودَ (٩) حَفْصَةُ (مَعْ عَمْرَةَ) بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ، وَمَعَ ثَالِثَةٍ ليسَتْ كَهُمَا (أمِّ الدَّرْدَا (١٠»، يعني: الصغرى، واسْمُها هجيمةُ، ويُقالُ: جهيمةُ، لا الكُبْرَى فتلكَ صَحَابِيَّةٌ واسْمُهَا: خيرة (١١).
٨٢٤ - وَفِي الكِبَارِ الفُقَهَاءِ السَّبْعَهْ خَارِجَةُ القَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَهْ
_________________
(١) في (ق): «التفصيل».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٥.
(٣) ٧/ ١٨٩ (٢٥٤٢) (٢٢٤) و(٢٢٥).
(٤) أخرجه ابن سعد ٦/ ١٦١ - ١٦٢، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٥٣، وأحمد ١/ ٣٨، والبزار (٣٤٢)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٨٠ من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.
(٥) لم ترد في (م).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٦٢ - ٦٣.
(٧) في (م): «الأبد».
(٨) رواه المزي بإسناده في تهذيب الكمال ٨/ ٥٢٦، ونقله الذهبي في الكاشف ٢/ ٥٠٥، والسير ٤/ ٥٠٧، وابن حجر في تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٠٩.
(٩) نقله ابن الصّلاح عنه بلاغًا في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٥ - ٤٧٦.
(١٠) في (م): «الدرداء».
(١١) ترجمتها في الثقات٣/ ١١٦، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ٢/ ٣٢١ (٣٨٦٢)، والإصابة ٤/ ٢٩٥ (٣٨٦).
[ ٢ / ٢١٢ ]
٨٢٥ - ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ سَعِيدُ والسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
٨٢٦ - إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ (١) أَوْ سَالِمُ أَوْ فَأَبو بَكْرٍ خِلاَفٌ قَائِمُ
(وَفي الكِبَارِ) أي: كِبَارِ التَّابِعِيْنَ (الفُقَهَاءُ السَّبْعَهْ) مِن أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ، الَّذِيْنَ كَانُوا ينْتَهى إلى قَولِهم وإفْتائِهم:
الأوَّلُ: (خَارِجةُ) بنُ زَيْدٍ الأنْصَاريُّ.
والثَّانِي: (القَاسِمُ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ الصدِّيقِ.
(ثُمَّ) الثالثُ: (عُرْوَهْ) بنُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ الأسديُّ.
(ثُمَّ) الرابعُ: (سُلَيْمانُ) بنُ يَسَارٍ الْهِلالِيُّ.
والْخَامِسُ: (عُبيدُ اللهِ) بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ.
والسَّادِسُ: (سَعِيدُ) بنُ الْمُسَيِّب.
(والسابع: ذو اشْتِبَاهِ).
فهو (إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ) -بالصَّرْفِ للوزنِ- ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ الأكْثرُ، (أَوْ سَالِمُ) بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ (٢)، (أَوْ فأبُو بَكرٍ) ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابنِ الْحَارِثِ بنِ هِشامٍ الْقُرَشِيُّ (٣) (خِلافٌ) فِيْهِ (قَائِمُ) بِمَعْنَى: قويمٌ، أي: قويٌّ.
وبلغَ بِهِمْ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ اثنَي عَشَرَ، فنقصَ وزادَ، فَقَالَ: فَقَهاءُ الْمَدِيْنَةِ اثنا عَشَر: سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ، وأَبُو سَلَمَةَ، والقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وسَالِمُ، وَحَمْزَةُ، وزَيدُ،
وعُبيدُ اللهِ، وبِلالُ بنو عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وأبانُ بنُ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ (٤)، وقَبِيْصَةُ بنُ ذُوَيْبٍ، وخارِجَةُ وإسْمَاعيلُ ابنا زَيدِ بنِ ثابِتٍ (٥).
_________________
(١) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(٢) روي عن عبد الله بن المبارك أنه ذكر الفقهاء السبعة، ولم يذكر أبا سلمة بن عبد الرّحمان وذكر بدله سالم بن عبد الله بن عمر. انظر: المعرفة والتاريخ ١/ ٣٢٥، والمدخل للبيهقي (١٥٧)، والسير ٤/ ٤٦١.
(٣) روي ذلك عن أبي الزناد. انظر: المعرفة والتاريخ للفسوي ١/ ٣٢٥، ومعرفة علوم الحديث للحاكم: ٤٣، والمدخل للبيهقي (١٥٦).
(٤) لم ترد في (ق).
(٥) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٤٤.
[ ٢ / ٢١٣ ]
٨٢٧ - والمُدْرِكُونَ جَاهِلِيَّةً فَسَمْ مُخَضْرَمِينَ كَسُوَيْدٍ في أُمَمْ
(وَ) أَمَّا (الْمُدْرِكُونَ جَاهِليةً) أي: مَا قَبْلَ البِعْثةِ مَع زمنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ولا صُحْبَةَ لَهُمْ (فَسَم) هِمْ مَعَ كونِهِمْ تَابِعِيْنَ (١) (مُخَضْرَمِيْنَ) بالْمُعْجَمَتَينِ، وبفتحِ الرَّاءِ أشْهَرُ مِن كسرِها.
وَمَاحَكاهُ الْحَاكِمُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ من أنَّ اشْتقاقَهُ من أنَّ أَهْلَ الْجَاهِليةِ مِمَّنْ أسْلَمَ ولَمْ يُهَاجِرْ كانُوا يُخَضْرِمُونَ آذانَ الإبلِ-أي يقطعونَها-لِتَكونَ علامَةً لإسْلامِهِم، إن أُغيرَ عَلَيْهِمْ أَوْ حُورِبُوا (٢). مُحْتملٌ لَهما (٣)، فالفَتْحُ من أجلِ أنَّهُم خُضْرِمُوا، أي: قُطعُوا عَنْ نَظائِرِهِم بِمَا ذكر، فهُمْ مفعولونَ، والكسر من أجلِ أنَّهمْ خَضْرَمُوا آذانَ الإبِلِ، فهم فاعِلُونَ.
وَقَالَ صاحِبُ " الْمحكمِ ": «رجُلٌ مُخَضْرَمٌ: إذا كَانَ نِصْفُ عمُرِهِ في الْجَاهِليَّةِ، ونصفُهُ في الإسْلامِ، وَشَاعِرٌ مُخَضْرَمٌ: أدركَ الْجَاهِليَّةَ والإسْلامَ» (٤).
وَقَالَ ابنُ حِبَّانَ: «الرَّجُلُ إذا كَانَ لَهُ في الكُفْرِ ستُّونَ سَنَةً، وفي الإسْلامِ ستُّونَ سَنَةً، يُدْعَى مُخَضْرَمًا» (٥).
ومُقْتَضى عَدمِ اشْتراطِهِما نفي (٦) الصُّحْبَةِ، أَنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وشبهَهُ مُخَضْرَمٌ، وليسَ كذلك في الاصْطِلاحِ؛ لأنَّ الْمُخَضْرَمَ هُوَ: الْمُتَرَددُ بَيْنَ الطَّبَقَتَينِ لا يُدْرَى من أيِّتِهما هُوَ. وهذا هُوَ مدلولُ الْخَضْرَمَةِ لُغَةً.
فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ "الْمحكمِ" (٧): «مُخَضْرَمٌ: ناقِصُ الْحَسَبِ. وَقِيْلَ: الدَّعِيُّ. وَقِيْلَ: مَنْ لا يُعْرَفُ أبَوَاهُ. وَقِيْلَ: مَنْ أبُوْهُ أبْيَضُ، وَهُوَ أسْوَدُ. وَقِيْلَ: مَنْ وَلَدَتْهُ السراري».
وَقَالَ هُوَ أَيْضًا، والْجَوْهَريُّ: «لَحْمٌ مُخَضْرَمٌ: لا يُدْرَى مِنْ ذكرٍ هُوَ، أَو أُنْثَى» (٨).
_________________
(١) في (م): «التّابعين».
(٢) معرفة علوم الحديث: ٤٥.
(٣) في (م): «لها».
(٤) المحكم ٥/ ٢٠٠ (خضرم).
(٥) الإحسان ٤/ ٣٤١ عقب (١٤٧٧).
(٦) في (ص): «ففي».
(٧) المحكم ٥/ ٢٠٠ (خضرم).
(٨) الصحاح ٥/ ١٩١٤ (خضرم).
[ ٢ / ٢١٤ ]
فَكَذَلِكَ الْمُخَضْرَمُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ للمعاصرةِ، وبيْنَ التَّابِعِيْنَ لِعَدَمِ اللِّقَاءِ (١)
وهُمْ كَثِيْرٌ، (كَسُوَيْدٍ) هُوَ ابنُ غفلَةَ (في أُمَمْ) أي: جَمَاعَاتٍ، كأبِي عَمْرٍو سَعْدِ بنِ إياسٍ الشَّيْبَانِيِّ، وشريحِ بنِ هَانِئ ٍ، ويسيرِ، أَوْ أُسَيرِ بنِ عمرِو بنِ جَابِرٍ، وعمرِو بنِ مَيْمُونَ الأوْدِيِّ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ النَّخعيِّ، والأسْوَدِ بنِ هِلالٍ الْمحاربيِّ.
وَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاجِ عِشْرينَ (٢)، وَمُغُلْطَاي (٣) أزيدَ مِن مِئَةٍ.
٨٢٨ - وَقَدْ يُعَدُّ في الطِّبَاقِ التَّابِعُ (٤) في تابِعِيهِمْ إذْ يَكُونُ الشَّائِعُ
٨٢٩ - الحَمْلَ عَنْهُمْ كأَبِي الزِّنَادِ والعَكْسُ جَاءَ وَهْوَ ذُوْ فَسَادِ
٨٣٠ - وَقَدْ يُعَدُّ تَابِعِيًّا صَاحِبُ كَابْنَي مُقَرِّنٍ ومَنْ يُقَارِبُ
(وَقَدْ يُعَدُّ في الطِّبَاقِ التَّابِعُ في تَابِعيهِمْ) أي: في تَابِعِي التَّابِعِيْنَ (إِذْ يَكُوْنُ الشَّائِعُ) أي: لِكونِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ، والشَّائِعِ عَنْهُ (الْحَمْلَ عَنْهُمْ) أي: عَن التَّابِعِيْنَ.
(كأَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللهِ بنِ ذكوانَ، وكَهِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، وَمُوسى بنِ عُقْبَةَ، فإنَّهُمْ تَابِعِيُّونَ مَعَ أَنَّهُمْ مَعْدُودُونَ عِنْدَ (٥) أَكْثَرِ النَّاسِ في أَتْباعِ التَّابِعِيْنَ.
(والعَكْسُ جَاءَ) أَيْضًا، وَهُوَ عدُّ بَعْضِ أصْحابِ الطِّبَاقِ في التَّابِعِيْنَ، بَعْضَ تَابِعي التَّابِعِيْنَ، كَإِبْرَاهِيْمَ بنِ سُوَيدٍ النخعيِّ، وسَعِيدٍ، وَوَاصلٍ ابني عَبْدِ الرَّحْمَانِ البَصْرِيِّ.
وزادَ قوله: (وَهْوَ) أي: العَكْسُ (ذُو فَسَادِ) يعني: أشدُّ فَسَادًا من الَّذِي قَبْلَهُ، ويُمْكِنُ تَقْريرُ كَلامِهِ بِمَا يَشْمَلُ القِسْمَينِ، بِأَنْ يُقَالَ: وَهُوَ، أي: ما ذُكِرَ مِن القِسْمَيْنِ ذُو فَسَادٍ.
_________________
(١) في (ع) و(ق): «اللقي». وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٦٥ - ٦٦.
(٢) ذكرهم الحاكم نقلًا عن الإمام مسلم في معرفة علوم الحديث: ٤٤ - ٤٥. وقد زاد عليه ابن الصّلاح اثنين، والعراقي في"شرح التبصرة والتذكرة" ثلاثة، وزاد في "التقييد" على الإمام مسلم وابن الصّلاح عشرين شخصًا. فتم العدد الّذين ذكرهم الحفاظ الثلاثة: اثنين وأربعين شخصًا. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٦٧، والتقييد والإيضاح: ٣٢٥. وقال السخاوي في فتح المغيث ٣/ ١٣٤: «ومن طالع الإصابة لشيخنا وجد مِنْهُمْ كما قدمت خلقًا».
(٣) في (م): «مغلطائي».
(٤) في (ب): السابع، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
(٥) في (ص): «عن».
[ ٢ / ٢١٥ ]
(وَقَدْ يُعَدُّ) في الطِّبَاقِ أَيْضًا (تَابِعِيًَّا صَاحِبُ) بأّنْ يُعدَّ في التَّابِعِيْنَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ غَلَطًا أَوْ لِكَونِ الصَّحَابيِّ مِن صِغارِ الصَّحَابَةِ، يُقارِبُ التَّابِعِيْنَ في أنَّ رِوَايَتَهُ أَوْ جُلَّهَا عَن الصَّحَابَةِ.
والأوَّلُ: (ك) النُّعْمانِ، وسُوَيْدٍ (ابْنَي مُقَرِّنٍ) الْمُزَنِيِّ، فإنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ مَعْرُوفانِ مِن جُمْلَةِ الْمُهَاجِرينَ، كَمَا سَيَأْتِي في نوعِ الإخوةِ والأخواتِ، مع أنَّ الْحَاكِمَ عَدَّهُمَا غلطًا في الإخْوَةِ مِن التَّابِعِيْنَ (١).
(وَ) الثَّانِي: وَهُوَ من زِيادَتِهِ، ك (مَنْ يُقَارِبُ) التَّابِعِيْنَ في طَبَقتِهِمْ؛ لأجْلِ أنَّ رِوَايَتَهُ، أَوْ جُلَّهَا عَنِ الصَّحَابَةِ، كَمَا تَقَرَّرَ.
فَقَدْ عَدَّ مُسْلِمٌ وابنُ سَعْدٍ في التَّابِعِيْنَ: يوسُفَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلامٍ، وَمَحْمُودَ بنَ لَبِيْدٍ، وجاءَ عكسُهُ أَيْضًا، وَهُوَ عدُّ بَعْضِ التَّابِعِيْنَ في الصَّحَابَةِ، كَعَبْد الرَّحْمَانِ بنِ غَنْمٍ الأشْعَرِيِّ. فَقَدْ عَدَّهُ مُحَمَّدُ بنُ الرَّبيعِ الْجِيْزِيُّ في الصَّحَابَةِ مَعَ أنَّهُ تَابِعِيٌّ.
فائدةٌ:
قَالَ البُلْقِينِيُّ: «أوَّلُ التَّابِعِيْنَ مَوْتًا: أَبُو زَيْدٍ معمرُ بنُ زَيدٍ، قُتِلَ بِخُراسَانَ. وَقِيْلَ: بأذْرَبِيجانَ سَنَةَ ثَلاَثِينَ. وآخرُهم مَوْتًا: خلفُ بنُ خَليفةَ سَنَةَ ثَمانِينَ ومِئَةٍ» (٢).
رِوَايةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصاغِرِ (٣)
(الأكابرُ) أي: رِوايتُهم (عَنِ الأَصَاغِرِ)، وَهِيَ نَوعٌ لَطِيفٌ، وَمِنْ فَوائِدِ مَعْرِفَتِهِ: الأمْنُ مِن ظَنِّ الانْقِلاَبِ، وتَنْزيلُ أَهْلِ العِلْمِ منازلَهُمْ، عَمَلًا بِخَبَرِ أَبِي داودَ مِن
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ١٥٤.
(٢) محاسن الاصطلاح: ٤٥٨.
(٣) انظر في هذا: معرفة علوم الحديث: ٤٨ - ٤٩، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٧، والإرشاد٢/ ٦١٧ - ٦١٩، والتقريب: ١٦٧ - ١٦٨، واختصار علوم الحديث: ١٩٥ - ١٩٦، والشذا الفياح٢/ ٥٣٥ - ٥٤٠، والمقنع٢/ ٥١٨ - ٥٢٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٧٣ - ٧٦، ونزهة النظر: ١٦٠ - ١٦١، وطبعة عتر: ٦٢، وفتح المغيث ٣/ ١٥٧ - ١٥٩، وتدريب الراوي٢/ ٢٤٣ - ٢٤٥، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤، وتوجيه النظر ١/ ٤١٧ - ٤٢٠.
[ ٢ / ٢١٦ ]
حَدِيْثِ عَائِشَةَ - ﵂ -: «أنْزِلُوْا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (١).
والأصْلُ فِيْهِ رِوَايَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - في خُطْبَتِهِ: خبرَ الْجساسةِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، كَمَا في مُسْلِمٍ (٢)، وَذَلِكَ عَلَى أَضْربٍ ذكرَ مِنْهَا ثلاثةً، فَقَالَ:
٨٣١ - وَقَدْ رَوَى الكَبِيرُ عَنْ ذِي الصُّغْرِ طَبَقَةً وَسِنًّا اوْ (٣) في القَدْرِ
٨٣٢ - أَوْ فيهِمَا وَمِنْهُ أَخْذُ الصَّحْبِ عنْ تابعٍ كَعِدَّةٍ عَنْ كَعْبِ
(وَقَدْ رَوَى الكَبِيرُ عَنْ ذِي الصُّغْرِ) - بضمِّ الصَّادِ وإسْكانِ الْغَيْنِ - أي: عَن الصَّغِيرِ (طَبَقَةً وَسِنًّا)، وَهُمَا مُتَلازِمانِ غَالبًا، أي: إما أن يكونَ الكبِيرُ رَوَى عَنْ أصْغَرَ مِنْهُ في الطَّبَقَةِ والسنِّ، كرِوَايَةِ كُلٍّ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بنِ سَعيدٍ الأنْصَاريِّ عَنْ تلميذِهما الإمَامِ مَالكِ بنِ أنسٍ، وكرِوَايَةِ أَبِي القاسِمِ عُبيدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ الأزْهَرِيِّ عَنْ تِلْمِيذِهِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيْبِ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ شَابًا.
(اوْ) (٤) - بالدرجِ - رَوَى عَنْ أصْغَرَ مِنْهُ (في القَدْرِ) دُوْنَ (٥) السنِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، وابنِ أَبِي ذِئْبٍ (٦)، عَنْ شَيْخِهما عَبْدِ اللهِ بنِ دِيْنَارٍ، وأشْبَاهِهِ.
(أَوْ) رَوَى عَنْ أَصْغَرَ مِنْهُ (فِيهِمَا) أي: في القَدْرِ، والسنِّ الْمُلازِمِ (٧) لِلطَّبَقَةِ غَالِبًا، كَمَا مَرَّ كَرِوَايَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، والعُلَمَاءِ عَنْ تَلاْمِذَتِهِم، كَعَبْدِ الغَنِيِّ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الصُّوريِّ.
_________________
(١) سنن أبي داود (٤٨٤٢) من حديث ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة به مرفوعًا، وهو منقطع، قَالَ أبو داود: «ميمون لم يدرك عائشة» وقد أخطأ الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٤٩، فصححه وقلّده ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٧٧، وقد تعقبهما في ذلك العراقيُّ في التقييد والإيضاح: ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) صحيح مسلم ٨/ ٢٠٣ (٢٩٤٢).
(٣) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٤) في (م): «أو» بإثبات الهمزة.
(٥) في (ص): «ذو».
(٦) في (ص): «ذويب».
(٧) في (ع): «اللازم».
[ ٢ / ٢١٧ ]
(وَمِنْهُ) أي: مِنَ الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنَ رِوَايَةِ الأكابِرِ عنِ الأصاغِرِ: (أَخْذُ الصَّحْبِ) أي: الصَّحَابَةِ (عنْ تابعٍ) لَهُمْ، (كَ) رِوَايَةِ (عِدَّةٍ) مِنْهُمْ، فِيْهِمْ العَبَادِلَةُ الأرْبَعَةُ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وأنسٌ، وَمُعَاوِيَةُ، وأبو هُرَيْرَةَ، (عَنْ كَعْبِ) الأَحْبارِ.
رِوَايَةُ الأَقْرَانِ (١)
(رِوَايَةُ الأقْرَانِ) بأَنْ يَرْوِيَ الشَّخْصُ عَنْ قَرينِهِ، وَهِيَ نَوْعٌ لَطيفٌ، وَمِن فَوائِدِ مَعْرِفَتِهِ: الأمْنُ من ظَنِّ الزِّيَادَةِ في السَّنَدِ.
_________________
(١) رواية الأقران، ويسمى بالمدبج، والمدبج بضم الميم، وفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة، وآخره جيم، قال الحافظ العراقي في التقييد: ٣٣٤: «ما المناسبة المقتضية لتسمية هذا النوع بالمدبج؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ لَمْ أرَ من تعرض لِذلِكَ إلا أن الظاهر أنَّهُ سمي بِذَلِكَ لحسنه فإن المدبج لغة هُوَ المزين. قَالَ صاحب المحكم الدبج النقش والتزيين فارسي معرب قَالَ: وديباجة الوجه حَسَن بشرته، ومنه تسمية ابن مَسْعُود الحواميم ديباج القُرْآن، وإذا كَانَ هَذَا مِنْهُ، فإن الإسناد الذي يجتمع فِيهِ قرينان أو أحدهما أكبر والآخر من رِوَايَة الأصاغر عن الأكابر إنما يقع ذَلِكَ غالبًا فِيْمَا إذا كانا عالمين أو حافظين أو فِيْهِمَا أو في أحدهما نَوْع من وجوه الترجيح حَتَّى عدل الرَّاوِي عن العلو للمساواة أو النزول لأجل ذَلِكَ فحصل للإسناد بِذَلِكَ تحسين وتزيين كرواية أحمد بن حنبلٍ عَنْ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ، ورواية ابن مَعِيْنٍ عَنْ أحمد وإنما يقع رِوَايَة الأقران غالبًا من أهل العِلْم المتميزين بالمعرفة، ويحتمل أن يقال: إن القرينين الواقعين في المدبج في طبقة واحدة بمنزلة واحدة فشبها بالخدين، فإن الخدين يقال لهما الديباجتان كما قاله صاحب المحكم والصحاح، وهذا المعنى يتجه على ما قاله الحاكم وابن الصلاح إن المدبج مختصٌ بالقرينين، ويحتمل أنَّهُ سمي بذلك لنزول الإسناد، فإنهما إن كانا قرينين نزل كل منهما درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر نزل درجتين، وقد روينا عن يحيى بن معين، قال: الإسناد النازل قرحة في الوجه، وروينا عن علي بن المديني وأبي عمرو المستملي قالا: النزول شؤمٌ، فعلى هذا لا يكون المدبج مدحًا له ويكون ذَلِكَ من قولهم رجل مدبج قبيح الوجه والهامة حكاه صاحب المحكم، وفيه بعد. والظهر أنَّهُ إنما هو مدح لهذا النّوع أو يكون من الاحتمال الثاني، والله أعلم». انتهى وانظر المستدرك ٢/ ٤٣٧، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٢٣، ١٢٤، والصحاح ١/ ٣١٢، ولسان العرب ٢/ ٦٥، ونزهة النظر: ١٦٠ وفتح المغيث ٣/ ١٦٠، وتدريب الراوي ٢/ ٢٤٧. وانظر في المدبج: معرفة علوم الحَدِيْث: ٢١٥ - ٢٢٠، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: ٤٨٠، والإرشاد ٢/ ٦٢٠ - ٦٢٢، والتقريب: ١٦٨، والاقتراح: ٣١١ - ٣١٣، واختصار علوم الحديث: ١٩٧، والشذا الفياح ٢/ ٥٤١ - ٥٤٦، والمقنع ٢/ ٥٢١ - ٥٢٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٧٦ - ٧٩، ونزهة النظر: ١٥٩ - ١٦٠، وطبعة عتر: ٦١ - ٦٢، وفتح المغيث ٣/ ١٦٠ - ١٦٢، وتدريب الراوي ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٩.
[ ٢ / ٢١٨ ]
٨٣٣ - والقُرَنَا (١) مَنِ اسْتَوَوْا في السَّنَدِ والسِّنِّ غَالِبًا وقِسْمَينِ اعْدُدِ
٨٣٤ - مُدَبَّجًا وَهْوَ إِذَا كُلٌّ أخَذْ عَنْ آخَرٍ (٢) وغيرَهُ انْفِرادُ فَذْ
(والقُرَنَا) - بِالقَصْرِ للوزنِ - (مَنِ اسْتَوَوْا) وَلَوْ تَقْريبًا (في السَّنَدِ)، يَعْنِي: في الأخْذِ عَن الشيوخِ (٣)، (وَ) في (السِّنِّ)، لَكِنْ (غَالِبًا)، إِذْ قَدْ يكتفى بالتَّساوِي في السَّنَدِ، وإنْ تَفاوتُوا في السِّنِّ (٤).
(وقِسْمَينِ اعْدُدِ) أي: واعدُدْ رِوَايَةَ الأَقْرانِ قِسْمَيْنِ، وأبْدِلْ مِنْهُمَا (٥) (مُدَبَّجًا) - بضمِّ الْمِيمِ، وفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وآخرهُ جيم -، (وَهْوَ: إِذا كُلٌّ) مِنَ القَرِيْنَينِ (٦) (أخَذْ عَنْ آخَرٍ) - بصَرْفِهِ لِلْوَزْنِ - أي: عَن الآخرِ.
سُمِّيَ بِذَلِكَ أخْذًا من ديباجتَي الْوَجْهِ، وهُمَا الْخَدَّانِ (٧) لتساويهِما وَتَقَابُلهمَا (٨).
(وغيرَهُ) بالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى «مدبَّجًا» أي: مدبَّجًا، وغيرَ مُدَبَّجٍ، وَهُوَ: (انْفِرادُ فَذْ) - بِفاءٍ وذالٍ مُعْجَمةٍ - أي: انْفِرادُ أحدِ القَرينَينِ (٩) بِالرِّوَايَةِ عَن الآخرِ (١٠). وسَواءٌ أكانَ الْمُدْبَجُ بِواسِطَةٍ أَمْ بِدونِهَا.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) بالقصر لضرورة الوزن، وجاء في (ب) بإثبات الهمزة، وهو خطأٌ عروضي، وإن كان الأصل.
(٢) بالصرف لضرورة الوزن.
(٣) قال ابن حجر في النزهة: ١٥٩: «فإن تشارك الرّاوي ومن روى عنه في أمر من الأمور المتعلقة بالرواية مثل السن واللقي، وهو الأخذ عن المشايخ، فهو النوع الّذي يقال له: رواية الأقران؛ لأنه حينئذ يكون راويًا عن قرينه».
(٤) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨١: «وربما اكتفى الحاكم أبو عبد الله فيه بالتقارب في الإسناد، وإن لم يوجد التقارب في السنّ». وانظر: معرفة علوم الحديث: ٢١٥.
(٥) في (م): «عنهما».
(٦) في (م): «الفريقين».
(٧) في (م): «خدان».
(٨) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٤٠.
(٩) في (م): «القرنين».
(١٠) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٤٠.
[ ٢ / ٢١٩ ]
مَثَالُهُ بِهَا كَمَا أفادَهُ شَيْخُنَا: أَنْ يروِي الليثُ، عَنْ يَزيدَ بنِ الْهَادِ، عَنْ مَالِكٍ، ويروي مَالِكٌ عَنْ يَزيدَ، عَن اللّيثِ.
ومثالُهُ بدونِها: رِوَايَةُ كُلٍّ مِن أَبِي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ، عَنْ الآخر.
ومثالُ غَيْرِ الْمُدبجِ: رِوَايَةُ الأعْمَشِ، عَنْ التَّيْمِيِّ، وهُمَا قَرينَانِ (١).
وَقَدْ تَجْتَمِعُ (٢) جَمَاعَةٌ مِنَ الأقْرَانِ في سِلْسِلَةٍ، كَرِوَايَةِ أَحْمَدَ (٣)، عَنْ أَبِي خَيثَمةَ زهيرِ بنِ حربٍ، عَن ابنِ مَعِيْنٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الْمَدِيْنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (٤) بنِ معاذٍ (٥)، لِحَدِيْثِ (٦) أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «كُنَّ أزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَأْخُذْنَ مِنْ شُعُورِهِنَّ حَتَّى تَكُوْنَ كَالْوَفْرَةِ» (٧). فالْخَمْسَةُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - أقرانٌ.
_________________
(١) في (ق): «قريبان».
(٢) في (ع): «يجتمع».
(٣) لم ترد في (ص).
(٤) في (ق): «عبد الله».
(٥) «أي: عن أبيه: عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة، عن عائشة. وإنما أورده كذلك اقتصارًا على الأقران ا. هـ. تتائي على غرامي صحيح». هذه تعليقة وردت في حاشية (ع).
(٦) في (م): «كحديث».
(٧) لم نجده في مسند الإمام أحمد ولا في بقية كتبه، ولم يذكره ابن كثير في جامع المسانيد ٣٧/ ٢٤٥ في ترجمة أبي بكر بن حفص عن أبي سلمة، عن عائشة، وساقه الذهبي بسنده في السّير ١٨/ ٥٧١، وكذا الفاداني في كتاب " العجالة في الأحاديث المسلسلة " ١/ ٣٦ من طريق السيوطي، عن ابن حجر، عن البلقيني كلاهما (الذهبي والبلقيني)، عن المزي وعن المزي رواه الأيوبي في المناهل السلسلة: ٢٤٥ إلى الإمام أحمد، به، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٧٦ (٣٢٠) مطولًا من حديث عبيد الله العنبري، عن أبيه، عن شعبة، به.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الأُخْوَةُ والأَخَوَاتُ (١)
(الأُخْوَةُ والأخَواتُ) من الرُّواةِ، والعُلَماءِ، ومَعْرِفَتُهم نوعٌ لَطيفٌ، ومن فوائِدها: الأمنُ من ظنِّ الغَلَطِ، أَوْ ظَنِّ مَنْ لَيْسَ بأخٍ أخًا للاشْتِراكِ في اسمِ الأبِ، كَأَحْمَدَ بنِ أشْكابٍ، وعليِّ بنِ أشْكابٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ أشْكابٍ.
٨٣٥ - وَأَفْرَدُوا الأخْوَةَ بالتَّصْنِيفِ (٢) فَذُوْ ثَلاَثَةٍ بَنُو حُنَيْفِ
٨٣٦ - أَرْبَعَةٌ أَبُوهُمُ السَّمَّانُ وخَمْسَةٌ أَجَلُّهُمْ سُفْيَانُ
٨٣٧ - وسِتَّةٌ نَحْوُ بَنِي سِيْرِيْنَا واجْتَمَعُوا ثَلاَثَةً يَرْوُونا
٨٣٨ - وَسَبْعَةٌ بَنُو مُقَرِّنٍ، وَهُمْ مُهَاجِرُونَ لَيْسَ فِيهِمْ عَدُّهُمْ
٨٣٩ - وَالأَخَوَانِ جُمْلَةٌ كَعُتْبَةِ أَخِي ابْنِ مَسْعُودٍ هُما ذُوْ صُحْبَةِ
(وَأفْرَدُوا) أي (٣): أئِمَّةُ الْحَدِيْثِ، كابنِ الْمَدِيْنِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وأبِي داودَ، والنَّسَائِيِّ (٤)، (الأُخْوَةَ) مِن الرُّوَاةِ والعُلَمَاءِ (بالتَّصْنِيفِ).
ولَهُ أمْثِلَةٌ في الاثنَيْنِ، فأكْثَرَ:
(فَذُوْ ثَلاَثَةٍ) مِنَ الصَّحَابَةِ: سهلٌ، وعبادٌ، وعُثْمَانُ (بَنُو حُنَيْفِ) -بالتَّصْغِيرِ-.
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ١٥٢ - ١٥٧، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٢، والإرشاد ٢/ ٦٢٣ - ٦٣١، والتقريب: ١٦٩، واختصار علوم الحديث: ١٩٨ - ١٩٩، والشذا الفياح ٢/ ٥٤٧ - ٥٥٧، والمقنع ٢/ ٥٢٤ - ٥٣٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٧٩ - ٨٥، ونزهة النظر: ٢٠٤، وطبعة عتر: ٧٩، وفتح المغيث ٣/ ١٦٣ - ١٦٩، وتدريب الراوي ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٠١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧، وتوجيه النظر ١/ ٤٤٢ - ٤٤٥.
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وجاء في (ب): بالتضعيف، وهو خطأ.
(٣) لم ترد في (ق).
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٧٩.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وَذُوْ (أرْبَعَةٌ) مِنَ التَّابِعِيْنَ سُهَيلٌ، ومُحَمَّدٌ (١)، و(٢) صالِحٌ، وعبدُ اللهِ الْمُلَقَّبُ: عبادًا (أَبُوهُمُ) ذكوانُ أَبُو صَالِحٍ (السَّمَّانُ)، ويُقَالُ لَهُ: الزَّيَّاتُ (٣).
(وَ) ذُو (خَمْسَةٌ) سُفيَانُ، وآدَمُ، وعِمْرَانُ، وَمُحَمَّدٌ، وَإِبْرَاهِيْمُ، بَنُو عُيَيْنَةَ، و(أجَلُّهُمْ) عِلْمًا: (سُفْيَانُ).
قَالَ النَّاظِمُ (٤): «واقْتَصَرَ ابنُ الصَّلاَحِ (٥) عَلَى كَوْنِهِمْ خَمْسَةً، لِكَونِهِمْ هُم الَّذِيْنَ رَوَوْا، وإلاَّ فَقَدْ عَدَّهُم غَيْرُ واحِدٍ عشرةً».
(وَ) ذُو (سِتَّةٌ، نَحْوُ) مُحَمَّدٍ، وأنسٍ، ويَحْيَى، ومعبدٍ، وحفْصَةَ، وَكَرِيْمَةَ (٦) (بَنِي سِيْرِيْنَا)، عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمِنْهُمْ مَنْ زادَ في عَدِّهِمْ عَلَى سِتَّةٍ.
(واجْتَمَعُوا ثَلاَثَةً) - بالنَّصْبِ بالْحَالِيَّةِ - أي: واجْتَمَعَ الإخْوَةُ حَالَةَ كَوْنِهِمْ ثَلاَثَةً مِن هَؤُلاَءِ السِّتةِ في إسْنَادِ حَدِيْثٍ وَاحِدٍ (يَرْوُونَا) أي: يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
وَذَلِكَ فِيْمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ في "كِتَابِ الْعِلَلِ" (٧) مِن رِوَايَةِ هِشَامِ بنِ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيْرِينَ، عَنْ أخِيْهِ يَحْيَى، عَنْ أخِيْهِ أنَسٍ، عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًا تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (٨).
_________________
(١) أنكره ابن عدي حيث ذكر أولاد أبي صالح. انظر: الكامل ٧/ ٤٧٤ (ط أبي سنة).
(٢) سقطت الواو من (ص).
(٣) بفتح الزاي وتشديد الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وفي آخرها التاء المنقوطة باثنتين من فوقها، هذه النسبة إلى بيع الزيت. الأنساب ٣/ ٢٠٤.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٨١.
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٣.
(٦) ذكر الحاكم في " تاريخه " نقلًا عن أبي علي الحافظ أن أبناء سيرين خمسة إخوة، محمّد بن سيرين، وأكبرهم معبد بن سيرين، ويحيى بن سيرين، وخالد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وأصغرهم حفصة بنت سيرين فأبدل خالد مكان كريمة. كما نقله ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٤.
(٧) لم نجده مسندًا في المطبوع من العلل، وقد ذكره الدارقطني في الجزء السادس: ١١ السؤال ٩٤٤ معلقًا بدون إسناد.
(٨) أخرجه البزار ٢/ ١٣ (كشف الأستار) مرفوعًا وموقوفًا، وأبهم شيخه في المرفوع (مجمع الزوائد ٣/ ٢٢٣)، والرامهرمزي في المحدّث: ٦٢٤ (٩٠٤)، والصوري في فوائده: ٧٧ (٣٦)، والخطيب في تاريخه ١٤/ ٢١٥ (سقط منه ذكر أنس بن سيرين، وكلام الخطيب بعده يقتضي ذكره)، و١٤/ ٢١٦، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ١٧/ ٨٢، من طرق عن الحكم بن سنان والنضر بن شميل -منفردين- كلاهما، عن محمد بن سيرين، عن أخيه يحيى بن سيرين، عن أخيه أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، به مرفوعًا.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وهَذِهِ غَرِيْبَةٌ» (١).
بَلْ أفادَ ابنُ طَاهِرٍ (٢) الْحَافِظُ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بنِ سِيْرِينَ لِهَذَا الْحَدِيْثِ، عَنْ أخِيهِ يَحْيَى، عَنْ أخِيهِ معبدٍ، عَنْ أخِيهِ أنسٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ أرْبَعَةٌ في إسنادٍ وَاحِدٍ (٣)، وَهَذِهِ أغْرَبُ.
(وَ) ذُو (سَبْعَةٌ) النُّعْمَانُ، ومَعْقِلٌ، وَعَقِيلٌ، وسُوَيْدٌ، وَسِنَانٌ، وعبدُ الرَّحْمَانِ، وعبدُ اللهِ (٤) (بَنُو مُقَرِّنٍ) الْمُزَنِيِّ، (وَهُمْ) صَحَابِيُّونَ (مُهَاجِرُونَ لَيْسَ فِيهِمْ) أي: في الصَّحَابَةِ مِمَّنْ حَازَ هَذِهِ الْمَكْرُمَةَ مِن الإخْوَةِ (٥) (عَدُّهُمْ) أي: سَبْعَةٌ.
وعدُّ هَؤُلاَءِ سَبْعةً هُوَ الْمَشْهُورُ، وحَكَى الطَّبَرِيُّ، وغيرُهُ، أَنَّهُمْ عشرةٌ (٦).
(والأَخَوَانِ) مِنَ الصَّحَابَةِ وغيرِهِم (جُمْلَةٌ) كَثِيرةٌ، (كَعُتْبَةِ) - بالصَّرْفِ لِمُنَاسَبَةِ الْقَافِيةِ (أخِي) عَبْدِ اللهِ (ابنِ مَسْعُودٍ)، وَ(هُمَا ذُو صُحْبَةِ) لِلنَّبِيِّ - ﷺ -.
وَكمُوسَى، وعبدِ اللهِ ابنَي عُبَيْدَة الرَّبَذِيِّ، وَبَيْنَهُمَا في العُمُرِ ثَمَانُونَ سَنَةً (٧)، وَهُوَ غَرِيْبٌ.
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٤.
(٢) في (ص): «ظاهر».
(٣) من هذا الطريق أخرجه الصوري في الفوائد المنتقاة: ٧٦ (٣٥)، ٨٧ (٤٥).
(٤) ذكر ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٤ النعمان بن مقرن، ولم يذكر عبد الله، بل قال: «وسابع لم يسمّ لنا». وذكر ابن الملقن في المقنع ٢/ ٥٢٩: «والذي لم يسمّ هو نعيم بن مقرّن». وقال الحافظ العراقي: «سمّاه ابن فتحون في ذيل الاستيعاب عبد الله بن مقرن » شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٨٢. وانظر: التقييد: ٣٤١، والإصابة ٢/ ٣٧٣.
(٥) قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ٤١٢: «كلهم هاجر وصحب النّبيّ - ﷺ - وليس ذلك لأحدٍ من العرب سواهم»، ونقل ابن سعد في طبقاته ٦/ ٢٠ عن محمّد بن عمر: «سمعت أنهم قد شهدوا الخندق».
(٦) تاريخ الطبري ٢/ ٣١٦.
(٧) قاله ابن قتيبة في المعارف: ٥٩٢، وقال ابن حجر في تهذيبه ٥/ ٣١٠: «ولا نظير لهما في ذلك».
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «ولاَ نطولُ بِمَا زَادَ عَلَى السَّبْعَةِ لنُدْرَتِهِ، ولعدمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ في غَرَضِنَا هُنَا» (١).
قَالَ النَّاظِمُ: «وأكثرُ ما رأيْتُ (٢) مِنَ الإخْوَةِ الذُّكُورِ الْمَشْهُورِينَ عشرةٌ، ومنهم: بَنُو الْعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، وهُمْ: الفَضْلُ، وعبدُ اللهِ، وعُبَيْدُ اللهِ، وعبدُ الرَّحْمَانِ، وقُثَمُ، ومعبدٌ، وعَونٌ، والْحَارِثُ، وكثيرٌ، وتَمامٌ، وَكَانَ أصْغَرَهُمْ» (٣).
وَمِنْهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي (٤) طَلْحَةَ، وَقَدْ سَمَّاهُم ابنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٥)، وغيرُهُ عشرةً، وسَمَّاهُم ابنُ الْجَوْزِيِّ اثْنَي (٦) عَشَر: القَاسِمُ، وعُمَيرٌ، وَزَيْدٌ، وَإِسْمَاعِيْلُ، وَيَعْقُوبُ، وإسْحَاقُ، وَمُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَإِبْرَاهِيْمُ، وعُمَرُ، ويعمرُ، وعمارةُ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: «وكُلُّهُمْ حُمِلَ عَنْهُ العِلْمُ» (٧).
رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأبْنَاءِ وَعَكْسُهُ (٨)
فَهُمَا (٩) نَوْعَانِ مُهِمَّان، وَمِن فَوائِدِ مَعْرِفَةِ أوَّلِهما: الأمنُ مِن ظَنِّ تَحْريفٍ نَشَأَ عَنْهُ كَوْنُ الابنِ أبًا، وبدأ بالأوَّلِ، فَقَالَ:
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٤.
(٢) في (ع): «رأيته».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٨٤.
(٤) لم ترد في (ص).
(٥) الاستيعاب ١/ ٦٨٨.
(٦) في (ع): «إثنا».
(٧) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٧٣، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٣.
(٨) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٥و٤٨٩، والإرشاد ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٦، والتقريب: ١٧٠ - ١٧١، واختصار علوم الحديث: ١٩٩ - ٢٠٢، والشذا الفياح ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٢، والمقنع ٢/ ٥٣٥ - ٥٣٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٨٥، ونزهة النظر: ١٦٠ - ١٦١، وطبعة عتر: ٦٢، وفتح المغيث ٣/ ١٧٠ - ١٨٢، وتدريب الراوي ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٠٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٧٧ - ٤٨٠.
(٩) في (م): «هما».
[ ٢ / ٢٢٤ ]
٨٤٠ - وَصَنَّفُوا فِيمَا عَنِ ابْنٍ أَخَذَا أبٌ كَعَبَّاسٍ عَنِ الفَضْلِ كَذَا
٨٤١ - وائِلُ (١) عَنْ بَكْرِ (٢) ابْنِهِ (٣) والتَّيْمِيْ عَنِ ابْنِهِ مُعْتَمِرٍ في قَوْمِ
٨٤٢ - أَمَّا أَبُو بَكْرٍ عَنِ الحَمْرَاءِ عَائِشَةٍ (٤) في الحَبَّةِ (٥) السَّوْدَاءِ
٨٤٣ - فإنَّهُ لاَبْنُ أبي عَتِيقِ وغُلِّطَ الوَاصِفُ بالصِّدِّيقِ
(وَصَنَّفُوا) أي: أئِمَّةُ الْحَدِيْثِ، كَالْخَطِيْبِ (فِيمَا عَنِ ابْنٍ أخَذَا أبٌ) أي: فِيْمَا أخذَهُ الأبُ عَنِ ابنِهِ، أي: أَوْ بنتِهِ (كَ) رِوَايَةِ (عَبَّاسٍ) عمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - (عَنِ) ابنِهِ (الفَضْلِ) (٦)، كَحَدِيْثِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِمُزْدَلِفَة (٧)، وكَرِوَايَتِهِ أَيْضًا عَن ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ فَقَدْ قَالَ ابنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّهُ رَوَى عَنْهُ حَدِيْثًا.
و(كَذَا) رَوَى (وائِلُ) - بغيرِ تَنْوين - بنُ داودَ (عَنْ بَكْرِ) - بغيرِ تَنْوين أَيْضًا - (ابْنِهِ)؛ ثَمَانِيَةَ أحَادِيثَ، مِنْهَا في السُّنَنِ الأرْبَعَةِ (٨)، وَصَحِيْحِ ابنِ حِبَّانَ (٩) ما رَوَاهُ بَكْرٌ ابْنُهُ عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيْقٍ وَتَمْرٍ».
_________________
(١) بغير تنوين لضرورة الوزن.
(٢) بغير تنوين لضرورة الوزن.
(٣) في (ب): «أبيه» وهو خطأ.
(٤) بالصرف هنا لضرورة الوزن.
(٥) في (ب): «في الجنة»، وهو خطأ.
(٦) في (م): «فضل».
(٧) لم نجده بهذا السند، وهو في كتاب الخطيب: " رواية الآباء عن الأبناء " - وهو مفقود، لم نقف عليه مطبوعًا ولا مخطوطًا - كما أشار إليه المصنف، وقبله ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٥، وحديث: «جمع النبي - ﷺ - بالمزدلفة» ثابت من حديث أسامة بن زيد عند أحمد في المسند ٥/ ٢٠٢، ومسلم ٤/ ٧٤ (١٢٨٦).
(٨) سنن أبي داود (٣٧٤٤)، وابن ماجه (١٩٠٩)، والترمذي (١٠٩٥) و(١٠٩٦)، وفي الشمائل له (١٧٧)، والنسائي في الكبرى (٦٦٠١).
(٩) صحيح ابن حبان (٤٠٦٢) و(٤٠٦٦) ط الفكر.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
(و) كَذَا رَوَى سُلَيْمَانُ بنُ طَرْخَانَ (التَّيْمِيْ عَنِ ابْنِهِ مُعْتَمرٍ) حَدِيْثَيْنِ، وَقَدْ رَوَى الْخَطِيْبُ مِن رِوَايَةِ مُعْتَمرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَتنِي أنْتَ عَنِّي عَنْ أيُّوبَ، عَن الْحَسَنِ أنَّهُ قَالَ: «وَيْح (١) كَلِمَةُ رَحْمَةٍ».
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وَهَذا ظَرِيفٌ يجمَعُ أنْوَاعًا» (٢).
أي: رِوَايَةُ الآبَاءِ عَن الأبْنَاءِ، وعَكْسِهِ، والأكابِرُ عَن الأصاغِرِ، والْمُدَبَّجِ والتَّحْدِيثِ بَعْدَ النِّسْيَانِ، وغيرِهَا.
(في قَوْمِ) آخَرِينَ رَوَوْا عَنْ أَبْنَائِهِم، كأَنَسِ بنِ مَالِكٍ، رَوَى عَنْ ابْنهِ غَيْرِ مُسَمَّى حَدِيْثًا، وَزَكَرِيّا بنِ أَبِي زَائِدةَ رَوَى عَن ابْنِهِ يَحْيَى حَدِيْثًا، ويونُسَ بنِ أَبِي إسْحَاقَ رَوَى عَن ابْنِهِ إسْرَائِيلَ حَدِيْثًا.
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «وأكْثَرُ ما رَويناهُ لأبٍ عَن ابْنِهِ، مَا رَوينا في كِتَابِ الْخَطِيْبِ عَنْ أَبِي عُمَر حَفْصِ بنِ عُمَرَ الدُّوْرِيِّ الْمُقرِئ، عَن ابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيْثًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ» (٣).
(أمَّا أَبُو بَكْرٍ) الَّذِيْ رَوَى (عَنِ الْحَمْرَاءِ) الْمُعبَّرِ عَنْهَا في رِوَاياتٍ بـ «الْحُمَيْرَاء» لَقَبٍ لأمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ (عَائِشَةٍ) - بالصَّرفِ للوزنِ - حَدِيْث: «(في الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (فإنَّهُ لابْنُ) بِلامِ الابْتِداءِ (أَبي عَتِيقِ) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (٤)، واسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ، وَعَائِشَةُ عَمَّةُ أبيهِ، (وغُلِّطَ الوَاصِفُ) لَهُ (بالصِّدِّيقِ) أَبِي عَائِشَةَ (٥).
_________________
(١) انظر: الصحاح ١/ ٤١٧، وتاج العروس ٧/ ٢٢٠.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٨٧.
(٤) أخرجه البخاري ٧/ ١٦٠ (٥٦٨٧)، وابن ماجه (٣٤٤٩)، والمزي في تهذيب الكمال ٢/ ٣٤٧ مصرحًا بابن أبي عتيق.
(٥) هكذا ساقه المنجنيقي في كتابه " رواية الأكابر عن الأصاغر "، كما قال ابن حجر في فتح الباري ١٠/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
مع أنَّ ابنَ الْجَوْزِيِّ (١) ذَكَرَ أنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيق أبَاهَا، رَوَى عَنْهَا حَدِيْثَيْنِ، وأنَّ أُمَّ رومان - أمَّهَا - رَوَتْ عَنْهَا حَدِيثَينِ.
٨٤٤ - وَعَكْسُهُ صَنَّفَ فِيهِ الوَائِلي وهْوَ مَعَالٍ لِلْحَفِيدِ النَّاقِلِ
٨٤٥ - وَمِنْ أَهَمِّهِ إذا مَا أُبْهِمَا الأبُ أَوْ جَدٌّ وَذَاكَ قُسِمَا
٨٤٦ - قِسْمَينِ عَنْ أَبٍ فَقَطْ نَحْوَ أَبِي العُشَرَا (٢) عَنْ أَبِهِ عَنِ النَّبِي
٨٤٧ - واسْمُهُما (٣) على الشَّهيرِ فاعْلَمِ أُسَامَةُ بنُ مَالِكِ بنِ قِهْطَمِ
٨٤٨ - وَالثَّانِ (٤) أنْ يَزِيدَ (٥) فيهِ بَعْدَهُ كَبَهْزٍ اوْ (٦) عَمْرٍو أبًا أَوْ جَدَّهُ
٨٤٩ - والأَكْثَرُ احْتَجُّوا بعمرٍو حَمْلاَ لَهُ على الجَدِّ الكَبِيرِ الأَعْلَى
٨٥٠ - وَسَلْسَلَ الآبَا (٧) التَّمِيمِيُّ فَعَدّْ عَنْ تِسْعَةٍ قُلْتُ: وَفَوْقَ ذَا وَرَدْ
ثُمَّ بَيَّنَ النَّاظِمُ النَّوْعَ الثَّانِي، فَقَالَ:
(وَعَكْسُهُ) وَهُوَ رِوَايَة (٨) الأبْنَاءِ عَن الآبَاءِ (صَنَّفَ فِيهِ) الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ عُبَيْدُ اللهِ (الْوَائِلي) - نِسْبَةً لبكْرِ بنِ وَائِلٍ - كِتَابًا.
_________________
(١) التلقيح: ٧٠٤.
(٢) هو أبو العشراء، قصر؛ لضرورة الوزن. وجاء هَذَا الشطر في (أ) و(ج) وفتح المغيث: العشراء عَنْ أبيه عَنْ النبيّ، ولا يستقيم الوزن هكذا. وجاء في النفائس: العشراء عن أبه عن النبيّ، ولا يصح الوزن بهذا أيضًا. أمّا في (ب) فقد جاء: العشرا عن أبه عن النبيّ -بسكون الشين- ولا يصح الوزن بهذا أيضًا، وإن كان هذا هو الأقرب؛ إذ الصحيح ما أثبتناه -بالقصر وفتح الشين وحذف الياء- من أبيه.
(٣) في (ب): «واسمها»، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٤) في (أ): «والثاني»، ولا يصح عروضيًا، وما أثبت من (ب) و(ج) وفتح المغيث والنفائس.
(٥) في (ب): «يريد»، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٦) بدرج الهمزة من (أو) لضرورة الوزن.
(٧) الأصل: الآباء، وقصر لضرورة الوزن.
(٨) في (م): «ورواية».
[ ٢ / ٢٢٧ ]
(وَهْوَ) أي: هَذَا النَّوْعُ (مَعَالٍ) أي: مفاخرٍ، (لِلْحَفِيدِ) أي: ولدِ الابنِ (النَّاقِلِ) رِوَايَةً عَنْ أبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «حَدَّثَنِي أَبُو الْمُظَفَّرِ بنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ (١) عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الفاميِّ، سَمِعْتُ أبَا القَاسِمِ مَنْصُورَ بنَ مُحَمَّدٍ العَلَويَّ، يَقُوْلُ: الإسْنَادُ بَعْضُهُ عَوَالٍ، وبَعْضُهُ مَعَالٍ (٢)، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي» مِنَ الْمَعَالِي» (٣).
(وَمِنْ أَهَمِّهِ) أي: هَذَا النَّوْعِ (إذا مَا أُبْهِمَا الأَبُ)، فَلَمْ يُسَمَّ، (أَوْ) سُمِّيَ وأُبْهِمَ (جَدٌّ، وَذَاكَ) النَّوعُ بِحَسبِ هَذَا (قُسِمَا قِسْمَيْنِ):
أحدُهُما: مَا تَكُوْنُ الرِّوَايَةُ فِيْهِ (عَنْ أَبٍ فَقَطْ) أي: دون جَدٍّ، (نَحْوَ) رِوَايَةِ (أَبِي العُشَرَا (٤» - بالقَصْرِ للوزنِ - الدارميِّ، (عَنْ أَبِهِ، عَن النَّبِيِّ) - ﷺ - (٥).
_________________
(١) كذا في جميع النّسخ و(م)، وهو الموافق لما جاء في مصادر ترجمته. انظر: الأنساب ٤/ ٣١٨، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٠٩، والعبر ٤/ ١٢٤، وطبقات الحفاظ: ٤٧١، وشذرات الذهب ٤/ ١٤٠. وجاء في معرفة أنواع علم الحديث لابن الصّلاح: ٤٩١: «النضر»، ومثله في السير ٢٠/ ٢٩٧.
(٢) لم ترد في (ص).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩١. وانظر: محاسن الاصطلاح: ٤٨٥ - ٤٨٩، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢٥٧.
(٤) في (م) بتحقيق الهمزة، ولم يفطن الناشر لقول الشارح.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٨٣٠)، وأحمد ٤/ ٣٤، والدارمي (١٩٧٨)، والبخاريّ في تاريخه الكبير ٢/ ٢٢، وأبو داود (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣١٨٤)، والترمذي (١٤٨١)، والنسائي ٧/ ٢٢٨، وأبو يعلى (١٥٠٣) و(١٥٠٤)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٠٩، والطبراني في الكبير (٦٧١٩) و(٦٧٢٠) و(٦٧٢١)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٥٧، والبيهقي ٩/ ٢٤٦، والخطيب في تاريخه ١/ ٤١٣، من طريق حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللّبّة؟ قَالَ: «لَوْ طعنت في فخذها لأجزأ عنك»، قَالَ التِّرْمِذِي: «هَذَا حَدِيث غَرِيْب لا نعرفه إلا من حَدِيث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي الشعراء، عن أبيه غَيْر هَذَا الحَدِيْث». وقال الخطابي في معالم السنن ٤/ ٢٨٠: «وأبو العشراء الدارمي لا يدري من أبوه، ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة». وقال البخاري في تاريخه الكبير ٢/ ٢٢ (١٥٥٧): «في حديثه واسمه وسماعه من أبيه، نظر».
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فأبُو أَبِي العُشَرَاءِ، لَمْ يُسَمَّ في طُرُقِ (١) الْحَدِيْثِ، (واسْمُهُما) أي: أَبِي العُشَرِاءِ وأبيهِ (على الشَّهيرِ) من الأقْوَالِ، (فاعْلَم) أنَّهُ (أُسَامَةُ بنُ مَالِكِ بنِ قِهْطَمِ)، بِهَاء، وَقِيْلَ: بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بدلها، وَهُوَ بِكسرِ القافِ والطَّاءِ وبِفَتْحِهِمَا، وبِفَتْحِ الأوَّلِ، وكَسْرِ الثَّانِي، وعَكْسِهِ (٢).
وَقِيْلَ في اسْمِهِما: عطَارِدُ بنُ برْزٍ براء ساكِنة أَوْ مَفْتُوحة. وَقِيْلَ: بِلامٍ بدلها ثُمَّ زاي (٣). وَقِيْلَ: يَسَارُ بنُ بلز بنِ مَسْعُودٍ (٤). وَقِيْلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
(وَ) القِسْمُ (الثَّانِ) بِحَذْفِ الياء:
(أنْ يَزِيدَ) الرَّاوِي (فِيْهِ) أي: في السَّنَدِ (بَعْدَهُ) أي: بَعْدَ الأبِ (كَبَهْزٍ، اوْ (٥) عَمْرٍو) -بالدرجِ- (أبًا) آخرَ يَكُوْنُ جدًا، (أَوْ) يزيدَ (جَدَّهُ) أي: جَدَّ الأبِ.
وَفِي البَيْتِ - كَمَا قَالَ النَّاظِمُ (٦) - لفٌ وَنَشْرٌ (٧)، وَتَقْدِيْمٌ وَتَأْخِيْرٌ، تَقْدِيرُهُ: والثَّانِي: أن يزيدَ بَعْدَ الأبِ أبًا (٨)، كبَهْزِ بنِ حَكِيمٍ، أَوْ جَدًّا كَعَمْرِو بنِ شُعَيبِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ.
ولِعَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عَنْ أبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ نُسْخَتَانِ: كَبِيْرَةٌ، وصَغِيرَةٌ، وَقَدْ اخْتُلِفَ في الاحْتِجَاجِ (٩) بِكُلٍّ مِنْهُمَا، (والأكْثَرُ) مِن الْمُحَدِّثِيْنَ (احْتَجُّوا ب) حَدِيْثِ (عَمْرٍو
_________________
(١) في (م): «طريق».
(٢) انظر: الأسامي والكنى لأحمد (٧٧)، والتاريخ الكبير ٢/ ٢١ (١٥٥٧)، وكنى مسلم (٢٦٦٧)، والكنى والأسماء للدولابي ٢/ ٣١، وتسمية من يعرف بكنيته لأبي الفتح الأزدي (١٩٤)، وتهذيب مستمر الأوهام: ٣٣٧.
(٣) ذكره الإمام البخاري في تاريخه الكبير ٢/ ٢١ (١٥٥٧).
(٤) ذكره الإمام البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٢١ (١٥٥٧)، ووقع في المطبوع: «سيار» بتقديم السين على الياء، وأشار محققه إلى: أنه في نسخة: «يسار».
(٥) أثبت ناشر (م) الهمزة، وهو ذهول.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٩٤.
(٧) انظر في هذا الإيضاح في علوم البلاغة: ٢٠٢.
(٨) بعد هذا في (ص): «أي».
(٩) في (ق): «بالاحتجاج».
[ ٢ / ٢٢٩ ]
حَمْلا لَهُ) أي: لِجَدِّهِ في الإطْلاقِ، (عَلَى الْجَدِّ الْكَبِيرِ الأعْلَى) علوًا نسبيًا، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ دُوْنَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ والدِ شُعَيبٍ، لما ظَهَرَ لَهُمْ مِن إطْلاَقِهِ ذَلِكَ.
فَقَدْ قَالَ البُخَارِيُّ: «رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وعَلِيَّ بنَ الْمَدِيْنِيِّ، وإسْحَاقَ بنَ رَاهَوَيْهِ، وأبَا عُبَيْدٍ (١)، وعامةَ أصْحَابِنَا، يَحْتَجُّونَ بِحَدِيْثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عَنْ أبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، ما تركهُ، أحَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ».
قَالَ البُخَارِيُّ: «فَمنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ؟» (٢).
وَقَالَ مرةً: «اجْتَمَعَ عَلِيٌّ، وابنُ مَعِيِنٍ، وَأَحْمَدُ، وأبُو خَيْثَمَةَ، وشُيوخٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَتَذَاكَرُونَ حَدِيْثَ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، فَثَبَّتُوهُ، وَذَكَرُوا أنَّهُ حُجَّةٌ».
وَخَالفَ آخَرُونَ، فضَعَّفَهُ بَعْضُهُم مُطْلَقًا (٣)، وَبَعْضُهُمْ في رِوَايَتِهِ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ دُوْنَ مَا إذا أفْصَحَ بِجَدِّهِ، فَقَالَ: عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ.
وَبعضُهُم فَصَّلَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ ذكرَ آبَائِهِ، كأنْ يَقُوْلَ الرَّاوِي: عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيْهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ، وأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قولِهِ: «عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ»، فلا.
وعَمرٌو ثِقَةٌ في نفسِهِ، وإنَّمَا ضُعِّفَ مِن قِبَلِ أنَّ حَدِيْثَهُ مُنْقَطِعٌ (٤)؛ لأنَّ شُعَيبًا لَمْ يَسْمعْ من عَبْدِ اللهِ، أَوْ مُرْسَلٌ؛ لأنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدًا لا صُحْبَةَ لَهُ.
قَالَ النَّاظِمُ: «قَدْ صَحَّ سَمَاعُهُ مِن عَبْدِ اللهِ» (٥).
_________________
(١) في (ع): «عبيدة».
(٢) التاريخ الكبير ٦/ ٣٤٢ (٢٥٧٨)، تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٢ الترجمة (٤٩٧٤)، والكاشف ٢/ ٧٩ (٤١٧٣)، وسنن الدارقطني ٣/ ٥١، وانظر لزامًا: التعليق على الكاشف والتعليق على تهذيب الكمال.
(٣) قال الشّافعيّ في الأم ٤/ ٢٢٦: «حديث عمرو بن شعيب ضعيف لا تقوم به حجة».
(٤) قال الشّافعيّ في الأم ٥/ ٣٣: «وعمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو منقطع». وانظر: تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٣ وما بعدها.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٩٦. وقد صرح بذلك البخاري، وأحمد. انظر: التاريخ الكبير ٤/ ٢١٨ (٢٥٦٢)، وسؤالات أبي داود للإمام أحمد: ١٧٥، وانظر لزامًا كتابنا أثر علل الحديث: ٨٥ - ٨٩.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
ثُمَّ هَذَا النَّوْعُ قَدْ تَقِلُّ (١) فِيْهِ الآبَاءُ، وَقَدْ تَكْثُرُ (٢)، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بقولِهِ:
(وَسَلْسَلَ الآبَا) -بالقَصْرِ- أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الوَهابِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الْحَارِثِ بنِ أسدِ بنِ اللّيثِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيدَ بنِ أكَينة (٣) بنِ عَبْدِ اللهِ (التَّمِيمِيُّ) الْحَنْبَلِيُّ، (فَعَدّْ) مِن جُمْلةِ مَا رَوَاهُ: رِوَايَتَهُ (عَنْ تِسْعَةٍ) كُلٌّ مِنْهُمْ رَوَى عَنْ أَبِيْهِ فِيْمَا رَوَاهُ الْخَطِيْبُ، قَالَ: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهابِ مِن لفْظِهِ، سَمِعْتُ أَبِي أبَا الْحَسَنِ عَبْدَ العزِيزِ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أبَا بَكْرٍ الْحَارِثَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أسدًا، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي الليثَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي سُلَيْمَانَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي الأسودَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي سُفْيَانَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي يزيدَ، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَكينة، يَقُوْلُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ، فَقَالَ: الْحَنَّانُ: هُوَ الَّذِيْ (٤) يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أعْرَضَ عَنْهُ، والْمَنَّانُ: الَّذِيْ يبدأ بالنوالِ قَبْلَ السُّؤَالِ» (٥).
(قُلْتُ): كَذَا (٦) اقْتَصَرَ ابنُ الصَّلاَحِ عَلَى هَذَا العَدَدِ (٧) (وَ) لَكِنْ (فَوْقَ ذَا) العَدَدِ (وَرَدْ)، فَقَدْ ورَدَ باثْنَي عَشَرَ أبًا، وبأرْبَعَةَ عَشَرَ.
وَمَثَّلَ للأوَّلِ (٨): بِمَا رَوَاهُ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهابِ التَّمِيْمِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ عَبْدِ العَزِيزِ بِسَنَدِهِ السَّابِقِ إلى أكينةَ، عَنْ أَبِيْهِ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِيْهِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ -، يَقُوْلُ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ عَلَى ذِكْرٍ إلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ».
_________________
(١) في (ق): «نقل»، وفي (م): «يقل»، وما أثبتناه من (ص) و(ع).
(٢) في (م): «بكثر».
(٣) في (م) و(ق): «أكنية»، وما أثبتناه من (ص) و(ع).
(٤) سقطت من (م).
(٥) أخرجه الخطيب بسنده في تاريخ بغداد ١١/ ٣٢، ومن طريقه ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٠ - ٤٩١، ووقع في تاريخ بغداد: سبعة آباء فقط، ونقله الذهبي في الميزان ٢/ ٦٢٥، عن تاريخ بغداد بذكر عشرة آباء، وهذا دليل على سقم طبعة تاريخ بغداد.
(٦) في (ص): «قد».
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٠.
(٨) ساقه الذهبي في الميزان ٢/ ٦٢٥ الترجمة (٥٠٩٢) في منكرات عبد العزيز بن الحارث أبي الحسن التميمي، ثم قال: «المتهم به أبو الحسن، وأكثر أجداده لا ذكر لهم، لا في تاريخٍ ولا في أسماء رجالٍ». والمتن من غير تسلسل صحيح مشهور أخرجه مسلم ٨/ ٧١ (٢٦٩٩) وغيره من حديث أَبي هريرة.
[ ٢ / ٢٣١ ]
ومَثَّلَ لِلثَّانِي بِمَا رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بـ «بلخ»، عَنْ أَبِيْهِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيْهِ أَبِي طَالِبٍ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيْهِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أَبِيْهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيْهِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيْهِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيْهِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيْهِ الْحُسَينِ، عَنْ أبِيْهِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيْهِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيْهِ الْحُسَينِ، عَنْ أَبِيْهِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيْهِ الْحُسَينِ، عَنْ أَبِيْهِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» (١).
فائدةٌ:
يَلْتَحِقُ بِرِوَايَةِ الرَّجُلِ عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، رِوَايَةُ الْمَرْأةِ عَنْ أُمِّهَا عَنْ جَدَّتِهَا، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو داودَ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ أُم جنوبِ بِنْتِ نميلةَ، عَنْ أُمِّها (٢) سويدةَ بِنْتِ جَابِرٍ، عَنْ أُمِّها عقيلةَ بِنْتِ أسمرَ بنِ مضرسٍ، عَنْ أَبِيْهَا أسمرَ، قَالَ: أتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فهو لَهُ» (٣).
السَّابِقُ وَاللاَّحِقُ (٤)
مَعرفةُ مَنِ اشْتركَ في الرِّوَايَةِ عَنهُ راويانِ: مُتقدِّمٌ، وَمُتأخِّرٌ - بحيث (٥) يَكُونُ بينَ وَفاتَيْهِما أمَدٌ بعيدٌ - نوعٌ لطيفٌ، ومِنْ فَوائدهِ: الأمنُ من ظَنِّ سقوطِ شيءٍ من إسنادِ المتأخِّرِ، وتقريرُ حلاوةِ علوِّ الإسنادِ في القلوبِ (٦).
_________________
(١) الحديث من غير تسلسل: أخرجه أحمد ١/ ٢٧١، وابن حبان (٦٢٢٢)، والطبراني في الأوسط (٢٥) و(٢٨)، وابن عدي في الكامل، الطبعة العلمية ٥/ ٤٤٠، ٨/ ٤٥٣، وأبو الشيخ في الأمثال (٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢١، والخطيب في تاريخ بغداد ٦/ ٥٦ من حديث ابن عباس.
(٢) لم ترد في (ص).
(٣) سنن أبي داود (٣٠٧١).
(٤) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٣، والإرشاد ٢/ ٦٤٠ - ٦٤٢، والتقريب: ١٧١، واختصار علوم الحديث: ٢٠٥، والشذا الفياح ٢/ ٥٧٠ - ٥٧٢، محاسن الاصطلاح: ٤٩١، والمقنع ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٢، ونزهة النظر: ١٦٢، وطبعة عتر: ٦٢، وفتح المغيث ٣/ ١٨٣ - ١٨٦، وتدريب الراوي ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢١٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١.
(٥) في (ص): «حيث».
(٦) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٢، وفتح المغيث ٣/ ١٥٨.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
٨٥١ - وَصَنَّفُوا في سَابِقٍ ولاَحِقِ وَهْوَ اشْتِرَاكُ رَاوِيَيْنِ سَابِقِ
٨٥٢ - مَوْتًا كَزُهْرِيٍّ وَذِي تَدَارُكِ كَابْنِ دُوَيْدٍ رَوَيَا عَنْ مَالِكِ
٨٥٣ - سَبْعَ (١) ثَلاَثُونَ وَقَرْنٍ وافِي أُخِّرَ كَالجُعْفِيِّ والخَفَّافِ
(وَصَنَّفُوا) أي: أئمةُ الحديثِ، كالخطيبِ، والذَّهَبيِّ (٢)، (في سَابِقٍ ولاَحِقِ وَهْوَ) أي: هَذَا النَّوعُ: (اشْتِرَاكُ رَاوِيَيْنِ سَابِقِ مَوْتًا، كَزُهْرِيٍّ) محمدِ بنِ مسلمِ بنِ شهابٍ، (و) لاحقٍ (ذِي تَدَارُكِ) للسابقِ، (كابْنِ دُوَيْدٍ) - بدالينِ مهملتين - زكرياء الكنديِّ فإنَّهُما (رَوَيا عَنْ مَالِكِ) بنِ أنسٍ، و(سَبْعَ) و(ثلاثونَ) سنةً (وَقَرْنٍ) أي: مئةَ سنةٍ، (وافِي) أي: تام، هُوَ تأكيدٌ (أُخِّرَ) أي: ابن دُوَيْدٍ.
أي: أُخِّرَتْ وفاتهُ عَنْ وفاةِ الزُّهْرِيِّ بمئةٍ وسبعٍ وثلاثينَ سنةً، أو أكثرَ؛ فإنَّهُ توُفيِّ سنةَ نَيِّفٍ وستينَ ومئتينِ، وَتُوفِّي الزهريُّ سنةَ أربعٍ وَعِشْرينَ ومئةٍ (٣).
قالَ النَّاظمُ: «كَذَا مثَّلَ ابنُ الصلاحِ تبعًا للخطيبِ البغداديِّ بابنِ دُوَيْدٍ وَهُوَ وإن رَوَى عَن مالكٍ، لَكِنَّهُ كذَّابٌ كَانَ يضعُ الحديثَ. وَالصَّوَابُ: أنَّ آخِرَ الرُّواةِ عَنْ مالكٍ - كَمَا قالهُ المِزِّيُّ - أحمدُ بنُ إسماعيلَ السَّهميُّ، وإن لَمْ تبلغِ المدَّةُ بينهُ وبينَ الزهريِّ تلكَ المدَّةَ، فإنَّ السهميَّ تُوفِّيَ سنةَ تِسعٍ وَخَمْسينَ ومئتينِ، فيكونُ بينَهُ وبينَ الزهريِّ مئةٌ وخمسٌ وثلاثونَ سنةً. والسَّهميُّ وإنْ كَانَ ضعيفًا أيضًا فَقَدْ شَهِدَ لَهُ أبو مصعبٍ أنَّهُ كَانَ يَحضرُ معَهُم العرضَ عَلى مالكٍ» (٤).
و(كَالجُعْفِيِّ) محمدِ بنِ إسماعيلَ البُخاريِّ إمامِ الفنِّ، (و) أبي الحسينِ (٥) أحمدَ بنِ أبي نصرٍ محمدٍ (الْخَفَّافِ) نسبةً لعملِ الخفافِ أو بيعها (٦)، فإنَّهُما رويا عَنْ أبي العباسِ
_________________
(١) في (فتح المغيث): «سبع وثلاثون» وهوخطأ عروضي.
(٢) وكتابه اسمه «التلويح بمن سبق ولحق» ولم نقف عليه.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٣.
(٥) في (ص): «الحسن».
(٦) في (م): «بيعهما»، وانظر: اللباب ١/ ٤٥٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
محمدِ بنِ إسحاقَ السرَّاجِ، وبينَ وفَاتَيْهِما: مئةُ سَنةٍ وسَبعةٌ وثلاثونَ سنةً أو أكثرَ؛ لأنَّ الجعفيَّ تُوفِّيَ في شوالٍ سنةَ سِتٍّ وخمسينَ ومئتينِ، والخفَّافُ في ثانيَ عشرَ شهرِ (١) ربيعِ الأوَّلِ سنةَ ثلاثٍ، أو أربعٍ، أو خمسٍ وتسعينَ وثلاثَ مئةٍ (٢).
مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلاَّ رَاوٍ وَاحِدٌ (٣)
(مَنْ) أي: مَعْرِفَةُ مَنْ (لَمْ يروِ عَنْهُ) منَ الصَّحَابَةِ، فمنْ بَعْدَهم (إلاَّ راوٍ واحدٌ):
٨٥٤ - وَمُسْلِمٌ صَنَّفَ فِي الوُحْدَانِ مَنْ عَنْهُ رَاوٍ وَاحِدٌ لاَ ثانِ
٨٥٥ - كَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ اوْ (٤) كَوَهْبِ هُوَ ابْنُ خَنْبَشٍ وَعَنْهُ الشَّعْبِي
٨٥٦ - وَغُلِّطَ الحَاكِمُ حَيْثُ زَعَمَا بأنَّ هَذَا النَّوْعَ لَيْسَ فِيْهِمَا
٨٥٧ - فَفِي الصَّحِيحِ أخْرَجَا (٥) الْمُسَيِّبَا وأخْرَجَ الجُعْفِيُّ لابْنِ تَغْلِبَا
(وَمُسْلِمٌ صَنَّفَ فِي) المنفَرداتِ (٦)، و(الوُحْدَانِ)، وهوَ (مَنْ) انْفَرَدَ (عَنْهُ) بالرِّوايةِ (رَاوٍ وَاحِدٌ لاَ ثانِ) لهُ، تأكيدٌ. (كَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ) الهمدانيِّ (٧)،
_________________
(١) «شهر» سقط من (م).
(٢) ينظر شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٣، والسابق واللاحق: ٣٢٥.
(٣) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث ١٥٧ - ١٦١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٤، والإرشاد ٢/ ٦٤٣ - ٦٥٠، والتقريب: ١٧١ - ١٧٣، واختصار علوم الحديث: ٢٠٦ - ٢٠٨، والشذا الفياح ٢/ ٥٧٣ - ٥٧٩، والمقنع ٢/ ٥٤٩ - ٥٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٤، وفتح المغيث ٣/ ١٨٧ - ١٨٩ وتدريب الراوي ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٨، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢١٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢، وتوجيه النظر ١/ ٤٤٥ - ٤٤٧.
(٤) بوصل همزة (أو) لضرورة الوزن.
(٥) في (أ) و(ب) و(ج): «أخرج»، وفي فتح المغيث والنفائس: «أخرجا» - وأخْرَجَ الجُعْفِيُّ لابْنِ تَغْلِبَا فمن أفرد راعى لفظ: «الصحيح»، ومن ثنّى راعى المعنى في: «الصحيح» أي: في الصحيح للبخاري ومسلم؛ لِذَلِكَ يصحّ الوجهان.
(٦) في (ص): «المفردات». قَالَ الحَافِظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٥: «وصنّف فِيهِ مسلمٌ كتابه المسمى بكتاب " المنفردات والوحدان " وعندي بِهِ نسخة بخطّ محمّد بن طاهر المقدسي، ولم يره ابن الصّلاح كما ذكر». قلنا: وهذا كتاب مطبوع، وَقَدْ حصل خلاف في اسمه. انظره في مقدمة محقق كتاب التمييز لمسلم: ١٠٩.
(٧) انظر معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٥.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
(او) -بالدرج-، (كَوَهْبِ هُوَ ابْنُ خَنْبَشٍ (١» - بِمُعْجَمَةٍ أوَّلهُ، ومُعْجَمَةٍ
آخرهُ (٢) بوزنِ جَعْفَر - الطائيِّ، وهما صحابيانِ وعدادُهما في أهلِ الكوفةِ.
(وَعَنْهُ) أي: عَنْ كُلٍّ مِنْهُما انْفَردَ بالرِّوايةِ عامرُ بنُ شراحيلَ (٣) (الشَّعْبِي) فِيْمَا ذَكَرهُ مُسْلِمٌ وغيرُهُ. (٤) (وَغُلِّطَ) أبو عَبْد اللهِ (الْحَاكِمُ) من جمعٍ (٥) (حَيْثُ زَعَمَا) جازمًا في كتابهِ " المدخل إِلَى كتابِ الإكليل" (٦) وتبعَهُ صاحبُهُ البيهقيُّ (٧)، (بأنَّ هَذا النَّوْعَ) أي: نوعَ مَنْ لَمْ يروِ عنهُ إلا واحدٌ (٨)، (لَيْسَ فِيْهِمَا) أي: في" الصَّحيحيِن ".
والتغليطُ حقٌّ (٩) (فَفِي الصَّحِيحِ) لِلْبُخاريِّ وَمُسْلمٍ (أخْرَجَا الْمُسَيِّبَا) ابنَ حَزْنٍ، وَهُوَ صحابيٌّ، كأبيهِ، أي: أخرجا حديثَهُ في وفاةِ أبي طالبٍ (١٠) مَعَ أنَّهُ لَمْ يروِ عَنْهُ غيرُ ابنهِ سعيدٍ فِيْمَا قالهُ مسلمٌ (١١)، وأبو الفتحِ الأزديُّ.
_________________
(١) في (م): «حنبش».
(٢) انظر الإكمال ٢/ ٣٤١، وتاج العروس ١٧/ ١٩٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٥.
(٤) المنفردات والوحدان: ٥٢.
(٥) وهم: ابن طاهر، والحازمي، وابن الصّلاح وآخرون. انظر: شروط الأئمة الستة: ١٧، وشروط الأئمة الخمسة: ٣٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٦.
(٦) : ٣٨.
(٧) السّنن الكبرى ٤/ ١٠٥، وينظر رد ابن التركماني عليه.
(٨) انظر فتح المغيث ٣/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٩) قال ابن جماعة في المنهل الروي: ٧٧ «هذا التغليط غلط؛ لأن الحَاكِم لايريد ذَلِكَ في الصّحابة المعروفين الثابتة عدالتهم، فَلاَ يرد عَلَيْهِ تخريج البُخَارِيّ ومسلم ذَلِكَ؛ لأنهما إنما شرطا تعدد الراوي لرفع الجهالة وثبوت العدالة، وذلك ثابت فيمن ثبتت صحبته فلا حاجة إلى تعدد الراوي عنه» وينظر كلام الحاكم في المصدر أعلاه.
(١٠) أخرجه البخاري ٢/ ١١٩ رقم (١٣٦٠) باب: إذا قال المشرك: لا إله إلا الله، ومسلم ١/ ٤٠ رقم (٢٤) باب: الدليل على صحة من حضره الموت.
(١١) المنفردات: ٣١ - ٣٢، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٧.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
(وأخْرَجَ الْجُعْفِيُّ) وَهُوَ البخاريُّ (لابْنِ تَغْلِبَا) - بفتح (١) المثناةِ الفوقيةِ وكسرِ اللام وَهُوَ صحابيٌّ-واسمهُ: عَمْرٌو، حديثَ: «إني لأعْطيَ الرَّجُلَ والذي أدَعُ أحبُّ إليَّ» (٢) مَعَ أنه لَمْ يروِ عَنْهُ غيرُ الحسنِ البصريِّ (٣) فِيْمَا قَالَهُ مُسلمٌ (٤)، والحاكمُ (٥) وغيرُهُما.
مَنْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ
(مَنْ) أي: معرفةُ مَنْ (ذُكِرَ) مِنَ الرُّواةِ (بنُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ)، ومِنْ فَوائِدها الأمنُ مِنْ توهُّمِ الواحدِ اثنينِ فأكثرَ، واشتباهِ الضَّعِيفِ بالثِّقةِ (٦) وعكسِهِ (٧).
٨٥٨ - وَاعْنِ بِأَنْ تَعْرِفَ مَا يَلْتَبِسُ مِنْ خَلَّةٍ (٨) يُعْنَى بِهَا المُدَلِّسُ
٨٥٩ - مِنْ نَعْتِ رَاوٍ بِنُعُوتٍ نَحْوَ مَا فُعِلَ في الكَلْبِيِّ (٩) حَتَّى أُبْهِمَا
٨٦٠ - مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ العَلاَّمَهْ سَمَّاهُ حَمَّادًا أبُو أُسَامَهْ (١٠)
٨٦١ - وبِأبِي النَّضْرِ بنِ إسْحَاقَ ذَكَرْ وبِأبي سَعِيدٍ العَوْفِيْ (١١) شَهَرْ
_________________
(١) في (م): «بفتح التاء المثناة».
(٢) صحيح البخاري ٢/ ١٣ (٩٢٣) و٤/ ١١٤ (٣١٤٥) و٩/ ١٩١ (٧٥٣٥)، وهو عند أحمد في المسند ٥/ ٦٩ كلاهما من طريق جرير بن حازم، عن الحسن، قال: حدثنا عمرو بن تغلب . وأخرج له البخاري ٤/ ٥١ (٢٩٢٧) حديثًا آخر من طريق جرير عن الحسن، قال: حدثنا عمرو بن تغلب مرفوعًا: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة».
(٣) قال ابن الملقن في المقنع ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣: «قلت: لا؟ فقد روى عنه أيضًا: الحكم بن الأعرج، كما نصّ عليه ابن أبي حاتم». انظر الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٢ الترجمة (١٢٣٥)، والاستيعاب ٢/ ٥١٨، وفتح المغيث ٣/ ١٦٣.
(٤) المنفردات والوحدان: ٤٦ - ٤٩، وقال المزي في تهذيب الكمال ٥/ ٣٩٦ الترجمة (٤٩٢١): «روى عنه الحسن البصري، ولم يرو عنه غيره فيما قاله غير واحد».
(٥) معرفة علوم الحديث: ١٥٩.
(٦) في (ص): «الثّقة بالضعيف».
(٧) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٦٤.
(٨) في (ب): «خُلّة»، وما أثبت من بقية النسخ، وهو ما صرّح به المصنف لاحقًا.
(٩) في (ب): «أفعل بالكلبي»، والصواب ما أثبت.
(١٠) في نسخة (ق): «أمامة» خطأ محض.
(١١) بالسكون لضرورة الوزن.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
(وَاعْنِ) أي: اجْعَل مِنْ عِنَايتِكَ اهتمامَكَ (بِأَنْ تَعْرِفَ مَا يَلْتَبِسُ) فِيهِ الأمرُ كثيرًا، لاسِيَّما عَلَى غَيرِ ذَوِي المَعْرِفَةِ، والحِفْظِ (مِنْ خَلَّةٍ) - بفتح المُعْجَمَةِ (١) - أي: خَصْلَةٍ، (يُعْنَى) - بضمِ الياءِ، وَقَدْ تُفْتَح - أي: يهتم (بِهَا المُدَلِّسُ) من الرُّواةِ، أي: أكثرُ مَا يقعُ ذلكَ مِنهُ، وإلاَّ فَقَدْ فَعَلَهُ البُخاريُّ، وغيرُهُ مِمَّنْ (٢) ليسَ بمدلِّسٍ (٣).
وبيَّنَ (٤) الخَلَّةَ بقولِهِ: (منْ نَعْتِ رَاوٍ) واحدٍ (بِنُعُوتٍ) مِنْ أسْماءٍ، أو كُنَى، أو ألقابٍ، أو أنسابٍ، حيثُ يكونُ ذاكَ الرَّاوِي ضعيفًا، أو صغيرَ السِّنِّ، أو الفاعلُ لهُ مُقِلًا مِنْ الشُّيوخ، كَمَا مَرَّ في قِسْمِ تدليسِ الشيوخِ (٥). ثُمَّ قدْ يكونُ ذلكَ مِنْ راوٍ واحدٍ، بأن يُعَرِّفَهُ بنعتٍ مرةً، وبآخرَ أُخرى، وَقدْ يكونُ مِنْ جماعةٍ، بأن يُعَرِّفَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بغيرِ مَا عَرَّفَهُ الآخَرُ بهِ (٦).
ومثالُه في الضعفاءِ (٧): (نَحْوَ مَا فُعِلَ) من جمع (في الكَلْبِيِّ) نسبةً لكلبِ بنِ وَبْرَة (٨)، (حَتَّى أُبْهِمَا) الأمرُ فِيهِ على كثيرٍ.
أي: مَا فَعَلَ بالكلبيِّ (مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ) بنِ بِشْرٍ الكوفيُّ (العَلاَّمَهْ) في الأنسابِ أَحَدِ الضُعَفَاءِ، والكَذَّابِينَ، حيثُ (سمَّاهُ حَمَّادًا) (٩) بدلَ مُحمدٍ (أَبُو أُسَامَهْ) حَمَّادُ بنُ أسامةَ في روايتهِ عَنْهُ، (وبِأبِي النَّضْرِ) - بمعجمةٍ - (بنِ إسْحَاقَ) مُحَمَّدٍ
- صاحبِ المغَازِي - (ذَكَرْ) الكَلْبِيَّ في روايتِهِ عنهُ مرةً، وذكرهُ في رِوَايَةٍ (١٠) أُخرى
_________________
(١) في (ق): «الخاء».
(٢) في (ص): «ممن هو».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٠٩، وفتح المغيث ٣/ ١٦٤.
(٤) في (ص): «ثمّ بين».
(٥) ١/ ٢٩٤ من هذا الكتاب.
(٦) فتح المغيث ٣/ ١٦٤.
(٧) ميزان الاعتدال ٢/ ٥٥٦.
(٨) انظر: اللباب ٣/ ١٠٥.
(٩) انظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٥٥.
(١٠) المثبت من (ق) و(ص) وفي (ع) و(م): «روايته».
[ ٢ / ٢٣٧ ]
باسمهِ، (وبِأبِي سَعِيدٍ) أيضًا عَطيَّةَ بنِ سعدِ بنِ جُنادَةَ (العَوْفِيْ) - بالإسكان لما مَرَّ - نسبةً لعوفِ بنِ سعدِ بنِ ذبيانَ (شَهَرْ) الكلبي؛ لأخذه عَنْهُ التفسيرَ، مَعَ أنها ليست كُنْيَةً لهُ (١) حتَّى أن الخطيبَ رَوَى منْ طريق سُفْيَان الثَّوْرِيِّ، أنه سَمِعَ الكلبيَّ، يقولُ: كنّاني عطيَّةُ أبا سعيدٍ (٢).
قَالَ - أعني: الخطيبَ -: «وإنما فعلَ ذَلِكَ ليوهِمَ الناسَ، أنه يَرْوِي عَنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ» (٣).
قَالَ الناظمُ: «وَمِمَّا دُلِّسَ بِهِ الكلبيُّ مِمَّا لَمْ يذكرهُ ابن الصَّلاح، تكنيتهُ بأبي هِشَامٍ، وَكَانَ لَهُ ابنٌ يُسمَّى هِشامًا، فكناهُ بِذَلِكَ القاسمُ بن الوليدُ الهمدانيُّ في روايتهِ عنهُ» (٤).
أَفْرَادُ العَلَمِ (٥)
(أفْرَادُ) أي: مَعْرِفَةُ أفرادِ (العَلَمِ) - بفتح العين واللام - مَا يُجعَلُ علامةً عَلَى الرَّاوِي من اسمٍ، وكنيةٍ، ولَقَبٍ (٦).
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٩٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٢ - ١١٣، وفتح المغيث ٣/ ١٦٥.
(٢) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٥٥.
(٣) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٥٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٢.
(٥) انظر في هذا النوع: معرفة علوم الحديث: ١٧٧ - ١٨٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٠، والإرشاد ٢/ ٦٥٦ - ٦٦٧، والتقريب: ١٧٤ - ١٧٥، واختصار علوم الحديث: ٢١٠ - ٢١٤، والشذا الفياح٢/ ٥٨٤ - ٥٩٥، والمقنع ٢/ ٥٦٥ - ٥٧٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٤، ونزهة النظر: ١٩٩ - ٢٠٠، وطبعة عتر: ٧٧ - ٧٨، وفتح المغيث ٣/ ١٩٥ - ١٩٨، وتدريب الرَّاوِي ٢/ ٢٧١ - ٢٧٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣، وظفر الأماني: ١١٧ - ١١٨.
(٦) فتح المغيث ٣/ ١٦٨.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
٨٦٢ - وَاعْنِ بالافْرَادِ (١) سُمًا أو لَقَبَا أوْ كُنْيَةً نَحْوَ لُبَيِّ بْنِ لَبَا (٢)
٨٦٣ - أوْ مِنْدَلٍ عَمْرٌو وَكَسْرًا نَصُّوا في المِيمِ أوْ أَبِي مُعَيْدٍ حَفْصُ
(وَاعْنِ) أي: اجْعَلْ من عِنَايتِكَ اهْتِمَامَكَ (بالافْرَادِ) أي الآحادِ التي لا يكونُ منْها في الصَّحَابَةِ، فمَنْ بعدَهُم غيرُها (سمًا) - بتثليث السينِ لغاتٌ في الاسمِ - وَهُوَ مَا وُضِعَ علَمًا على معيَّنٍ، (أو لَقَبَا) وَهُوَ مَا دلَّ عَلَى رفعةِ المسمَّى، أو ضَعَتِهِ، (أو كُنْيَةً) وَهْوَ مَا صُدِّرَ بـ: أبٍ، أو أمٍّ.
أي: اهتمَّ بمعرفةِ الأفرادِ من الأسماءِ، والألقابِ، والكُنَى (٣). فمِنْ أفرادِ الأسماءِ (نَحْوَ لُبَيِّ) - بلامٍ، وموحدةٍ، مصغَّرًا بوزنِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ- (بنِ لَبَا) - بلامٍ، وموحدةٍ أيضًا، بوزنِ فتى -وَهُوَ صحابيٌّ من بَني أسَدٍ، وَهُوَ وأبوهُ فَرْدَانِ (٤).
ومِنْ أفرادِ الألقابِ مَا ذكَرَهُ بقولهِ: (أوْ) نَحْوُ (مِنْدَلٍ) لَقَبٌ لابنِ عليٍّ العنزيِّ واسمُهُ: (عَمْرٌو) (٥)، (وَكَسْرًا نَصُّوا في المِيمِ) أي: وَنَصُّوا (٦) عَلَى كَسْرِ مِيْمِهِ (٧).
قَالَ ابن الصَّلاحِ: «ويَقُولُونَهُ كثيرًا بفتْحِهَا» (٨).
زادَ النَّاظِمُ (٩) حكايةً عَنْ خطِّ محمدِ بنِ ناصرٍ الحافظِ: «أنَّه الصَّوَابُ» (١٠).
_________________
(١) في نسختي (أ) و(ب) وفتح المغيث بالقطع وفي (ج) بدرج الهمزة وهو الصحيح؛ لضرورة الوزن.
(٢) في (ب): «لبى»، والصواب: ما أثبت.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٤، وفتح المغيث ٣/ ١٦٨.
(٤) انظر: الأسماء المفردة: ٥٩ (٥٢)، وتجريد أسماء الصّحابة ٢/ ٣٧ (٤٠٦).
(٥) انظر الأسماء المفردة: ١٥٨ (٣٦٥).
(٦) في (ق): «نصوا» بدون واو.
(٧) تاريخ بغداد ١٣/ ٢٤٧.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٥.
(٩) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٦.
(١٠) انظر: التقييد والإيضاح: ٣٦٧، وحاشية سبط ابن العجمي على الكاشف ٢/ ٢٩٤ (٥٦٢٧).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ومِنْ أفرادِ الكُنَى مَا ذَكرَهُ بقولِهِ: (أو) نحوُ (أبِي مُعَيْدٍ) - بضم الميمِ وفتحِ المُهْمَلَةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وآخرُهُ دالٌ مهملةٌ -، واسْمُهُ: (حَفْصُ) بنُ غيلانَ الدمشقيُّ (١).
وبما تَقَرَّرَ عُلِمَ أنَّ «أو» في كلامِهِ بِمَعْنَى الواو. (٢)
الأَسْمَاءُ والكُنَى (٣)
(الأَسْماءُ والْكنى) أي: مَعْرِفَتُها:
٨٦٤ - وَاعْنِ بالاسْما (٤) والكُنَى وَقَدْ قَسَمْ الشَّيْخُ ذَا لِتِسْعٍ (٥) اوْ (٦) عَشْرٍ قَسَمْ
٨٦٥ - مَنِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ انْفِرَادَا نَحْوُ أبِي بِلاَلٍ اوْ (٧) قَدْ زَادَا
٨٦٦ - نَحْوَ أبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ قَدْ كُنِي أبَا مُحَمَّدٍ بِخُلْفٍ فَافْطُنِ (٨)
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٥ (١٤٠٠).
(٢) بعد هذا في (ق): «والله ﷾ هو الموفق إلى طاعة من اصطفاه ممن يشاء».
(٣) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ١٧٧ - ١٩٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٦، والإرشاد ٢/ ٦٦٨ - ٦٧٨، والتقريب: ١٧٥ - ١٧٧، واختصار علوم الحديث: ٢١٥ - ٢١٨، والشذا الفياح ٢/ ٥٩٦ - ٦٠٤، والمقنع ٢/ ٥٧١ - ٥٨٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١١٣ - ١٢٨، ونزهة النظر ١٩٤، وطبعة عتر: ٧٥ - ٧٦، وفتح المغيث ٣/ ١٩٩ - ٢٠٥، وتدريب الراوي ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٦، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢١٩، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٢ - ٤٥٤.
(٤) الأصل: «الأسماء» دُرِجتِ الهمزة في البدء، ثمَّ قصر الاسم لضرورة الوزن.
(٥) في (فتح المغيث) و(النفائس): «ذا التسع».
(٦) بدرج همزة (أو)؛ لضرورة الوزن.
(٧) بدرج همزة (أو) لضرورة الوزن.
(٨) في (أ) و(النفائس): «فافطني» والصواب ما أثبت.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
٨٦٧ - وَالثَّانِ (١) مَنْ (٢) يُكْنَى ولااسْمًا (٣) نَدْرِي نَحْوُ أبي شَيْبَةَ وَهْوَ الخُدْرِي (٤)
٨٦٨ - ثُمَّ كُنَى الأَلْقَابِ وَالتَّعَدُّدِ نَحْوَ أبي الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدِ
٨٦٩ - وابْنُ جُريْجٍ بأبي الوَلِيدِ وَخَالِدٍ كُنِّيَ للتَّعْدِيدِ
٨٧٠ - ثُمَّ ذَوو الخُلْفِ كُنًى وعُلِمَا أسْمَاؤُهُمْ وَعَكْسُهُ وَفِيْهِمَا
٨٧١ - وَعَكْسُهُ وَذُو اشْتِهَارٍ بِسُمِ وعَكْسُهُ أبو الضُّحَى لِمُسْلِمِ
(وَاعْنِ) أي: اجْعَلْ (٥) مِن عنايتِك اهتمامَك (بالاسْما) بالدرج، وبالقصرِ، لما مَرَّ (والْكُنَى) أي: بِمَعْرِفةِ الأسْماءِ، لِذَوي الكُنَى، وَمَعْرِفةِ الكُنَى لِذوي الأسْماءِ.
وَذلِكَ نَوعٌ مهمٌ، وَمِن فَوائدِهِ: الأمنُ مِنْ ظنِّ تعدُّدِ الراوِي الواحدِ المسمى فِي مَوضعٍ، والمُكْنى في آخرَ (٦).
قَال ابنُ الصَّلاحِ: «وَلَم يزَلْ أهلُ العِلْمِ بالْحَديثِ (٧) يَعْتَنُونَ بِهِ، وَيتَطارحونَهُ فِيمَا بَيْنَهُم، وينتَقِصُون مَنْ جَهَلَه» (٨).
(وَقَدْ قَسَمْ) بالتخفيفِ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاحِ (٩) (ذَا) النوعَ (لِتِسْعٍ) مِنَ الأَقْسَامِ، بِضَمِّ مَنْ عُرفَ باسْمِهِ دُونَ كُنْيتِهِ، إلى مَنْ عُرفَ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسمِهِ. (اوْ) - بالدرجِ - (عَشْرٍ قَسَمْ) أي: أقسامٍ، بإفرادِ كُلٍّ من هذينِ بقسمٍ.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(فتح المغيث): «والثاني»، ولا يصح به الوزن، والصواب: «والثانِ» كما في (ج) و(النفائس).
(٢) في (فتح المغيث): «قد».
(٣) في (ب): «أسماء»، وفي (أ): «ولا اسم»، وفي البقية: «اسمًا» وهو الصواب.
(٤) هذا الشطر والشطر الأول من البيت الذي يليه ساقط من (ب)، وجاء محله الشطر الثاني من البيت الذي يليه بعد سقوط شطره الأول.
(٥) في (ع): «واجعل».
(٦) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٧١.
(٧) في (ق): «الحديث».
(٨) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٧.
(٩) انظر: ما سبق.
[ ٢ / ٢٤١ ]
القسمُ الأوَّلُ من العشرةِ قِسْمانِ:
أحدُهما: (مَنِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ انْفِرَادَا) أي: لَيْسَ لَهُ كُنْيةٌ غَيرَ كُنْيتِه الَّتِي هِيَ اسمُهُ، (نَحْوُ أبي بِلاَلٍ) الأشْعَرِيِّ، فَقَالَ: «اسمِي وَكُنْيتِي وَاحدٌ» (١).
وَكَذا قَالَ أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ راوي قراءةِ عاصمٍ، وقد اختُلِفَ في اسْمِهِ على
أحدَ عشرَ قولًا (٢)، فعلى مَا قالَهُ هو: اسْمُهُ كنيتُه، وهو ما صحَّحَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣)، وغيرُهُ، وصحَّحَ أبو زُرْعَةَ (٤) أنَّ اسْمَهُ شُعْبةُ، وَجَرى عَليهِ الشَّاطبِيُّ (٥)، وغيرُهُ مِنَ القُرَّاءِ.
وثانيهما: مَا ذَكرَهُ بقولِهِ: (اوْ) بالدرج (قَدْ زَادَا) على الكنيةِ التي هي اسمُه كنيةً أخرى، (نَحْوَ أبِي بَكْرِ بنِ) محمدِ بنِ عمرِو بنِ (حَزْمٍ) الأنصاريِّ، (قَدْ كُنِي أبَا مُحَمَّدٍ بِخُلْفٍ) في تكنيتِهِ، فَقِيلَ: اسْمُهُ: أبو بكرٍ، وكنيتُهُ: أبو مُحَمّدٍ (٦)، وقيل: بلِ اسمُهُ كنيتُه وهو أَبو بَكْرٍ (٧)، (فافطُنِ) - بضم الطاء - لِهذا الخلافِ (٨).
(و) القسمُ (الثَّانِ) مِن العشرةِ:
(مَنْ يُكْنَى، ولا اسْمًا) له (نَدْرِي) أي: ولا (٩) ندري أَكنيتُهُ اسْمُهُ، كالأولِ، أو لَهُ اسمٌ، وَلَم نَقِفْ عليهِ؟
_________________
(١) الجرح والتعديل ٨/ ٣٥٠ (١٥٦٦)، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٧.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٨/ ٢٥٧ (٧٨٤٧).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٥١٢. وليس لابن الصلاح تصحيح فيها، بل نقل التصحيح عن ابن عبد البر، وسكت عنه، فَعَلَّ الشارح فهم من سكوته الإقرار، فنسبه إليه.
(٤) الاستغنا ١/ ٤٤٥، والجرح والتعديل ٩/ ٣٤٩ (١٥٦٥).
(٥) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٧٣.
(٦) انظر: تهذيب الكمال ٨/ ٢٥٩ (٧٨٤٩).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٠٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٢.
(٨) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٧٤.
(٩) في (ص): «لا».
[ ٢ / ٢٤٢ ]
(نَحوُ أَبي شَيْبَةَ، وهْو الْخُدْرِي) - بدال مهملة - أخو أبي سعيدٍ الْمَشْهُورِ، صَحابِيٌّ (١). قال أبو زرعَةَ (٢) وغيرُهُ: لا يُعْرَف (٣) اسْمُهُ، مَاتَ في حِصارِ القَسْطنطينيةِ، ودُفِنَ هُناكَ (٤).
والقسمُ الثالثُ:
من لُقِّبَ بكنيتِهِ (٥)، كمَا قالَ: (ثم كُنَى الأَلْقَابِ)، بأَنْ شبهت بها في رفعةِ المسمّى، أو ضَعَتِهِ، مع أنَّ لِصَاحبِها كنيةً غيرَها (٦).
(و) القسمُ الرابعُ:
كُنَى (التعددِ) بأَنْ تتعدَّدَ كنيتُهُ.
فالثالثُ: (نَحْوَ أبي الشَّيخِ)، فَهْوَ لقبٌ لِلحَافِظِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ جعفرٍ الأصبهانيِّ (أبي مُحَمَّدِ)، ونحوُ أبِي تُرابٍ، لقبٌ لعليِّ بنِ أبِي طالبٍ، وكنيتُه: أبو الحَسَنِ (٧).
(و) الرابعُ: نحوُ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ (ابنُ جريجٍ بأبي الوليدِ، و) أبي (خالدٍ كُنِّي) - بالتشديدِ (٨) -.
كُلٌّ من مثالَيهِ (للتَّعْدِيدِ)، الأولُ: لتعددِ (٩) الكُنَى الْملقَّبِ بأحدِها، والثانِي: لتعدُّدِها فقط، على أنَّ ذلك تكملةٌ.
(ثُمَّ) الخامسُ:
_________________
(١) انظر: الكنى والأسماء للدولابي ١/ ٣٨.
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ٣٩٠.
(٣) في (ع): «لا نعرف».
(٤) انظر: الإصابة ٤/ ١٠٤.
(٥) في (ص): «بكنية».
(٦) فتح المغيث ٣/ ١٧٤.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٥١٠، وشرح التبصرة ٣/ ١٢٤، وفتح المغيث ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٨) معرفة أنواع علم الحديث: ٥١٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٤.
(٩) في (ق) و(ع): «تعديد».
[ ٢ / ٢٤٣ ]
(ذَوُو الْخُلْفِ كُنًى) - بالنصبِ عَلى التمييزِ - أي: من اختُلِفَ في كُناهم، فاجتمَع لكُلٍّ مِنْهُمْ بالاختلافِ كنيتانِ، فأكثر، (وعُلِمَا) بألفِ الإطلاقِ - بلا خلافٍ (أسْمَاؤُهُمْ)، كَأُسامةَ بنِ زيدٍ بنِ حارثةَ، الحبِّ ابنِ الْحبِّ، مولى رسولِ اللهِ - ﷺ -، لاَ خِلافَ في اسْمِهِ، واختُلفَ في كنيتِهِ: أهي أبو خارجةَ (١)، أو أبو زيدٍ، أو أبو عبدِ اللهِ، أو أبو مُحَمَّدٍ (٢)؟
(و) السادسُ:
(عَكْسُهُ) وهو: مَنْ اختُلِفَ في أسْمائِهم دونَ كُناهُم، كأبي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ، فإنَّهُ لا خلافَ في تكنيتِهِ بِهَا، واختُلِفَ في اسْمِهِ، واسم أبِيْهِ عَلَى أَكْثرِ مِن عِشْرينَ قَولًا (٣) أصحُّها، كَمَا قَالَ الرّافعيُّ وَالنَّوَوِيُّ (٤): عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ صخرٍ، وهو أوَّلُ مَنْ كُنِي بِهَا.
رُوِيَ عَنْهُ: إنَّمَا كُنِّيتُ بِهَا؛ لأنَّي وجدتُ أولادَ هِرَّةٍ وحشيةٍ، فحملتُها في كُمِّي، فقيل: مَا هذهِ؟ فقلتُ: هرةً. قِيْلَ: فأنْتَ أبُو هُرَيْرَةَ. قِيْلَ: وَكَانَ يُكنَّى قبلَها أبا الأسودِ.
(و) السَّابعُ:
من اختُلِفَ (فِيْهِمَا) أي: في أسْمائِهِم، وكناهُم، كسَفينةَ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، فسفينةُ لقبُهُ، وبهِ اشتُهر، واسْمُهُ عُميرٌ، أو صالِحٌ، أو مهرانُ، أو طهمانُ، أو غيرُ ذَلِكَ؛ أقْوَالٌ (٥). وكنيتُه أبو عبدِ الرحمانِ، أو أبو البختريِّ (٦) قولانِ.
_________________
(١) هكذا في معرفة أنواع علم الحديث: ٥١١، وكتب المصطلح، وفي تهذيب الكمال ١/ ١٦٧ (٣١٠)، وفي السير ٢/ ٢٩٧: «حارثة» بالحاء والراء المهملتين بينهما ألف ثم ثاء مثلثة.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥١١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٤.
(٣) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٥: «قاله ابن عبد البر»، وانظر: الاستيعاب٤/ ٢٠٣، وقال بعد أن ساق العشرين اسمًا: «وإنه لكثرة الاضطراب لم يصح في اسمه شيء يعتمد عليه، إلا أن عبدالله أو عبدالرحمان هو الذي يسكن إليه القلب في اسمه في الإسلام».
(٤) تهذيب الأسماء واللغات٢/ ٢٧٠ (٤٣٦)، والإرشاد ٢/ ٦٧٦، وانظر: فتح المغيث ٣/ ١٧٥.
(٥) ذكر الحافظ ابن حجر في اسم سفينة واحدًا وعشرين قولًا. انظر: الإصابة ٢/ ٥٨، والكنى لمسلم ١/ ٥١٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥١٣، وفتح المغيث ٣/ ١٧٦.
(٦) تهذيب الكمال ٣/ ٢٣٠ (٢٤٠٤).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
(و) الثامنُ:
(عَكْسُهُ)، وهو: مَنْ لم يُخْتَلَف في اسمِهِ، ولا كنيتِهِ، كأئمةِ المذاهبِ الأربعةِ: أبي حنيفةَ النعمانِ، وأبي (١) عبدِ اللهِ مالك، ومحمدِ بنِ إدريسَ الشافعيِّ، وأحمدَ (٢).
(و) التاسعُ:
(ذُو اشْتِهَارٍ بِسُمِ) - بِضَمِّ السينِ لغة في الاسمِ غيرُ لُغةِ القصرِ فيه،
فَيُعربُ بالحركاتِ الظاهرةِ (٣) - أي: مَنِ اشتُهر باسمِهِ دون كنيتِهِ (٤)، كطلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ كنيتُهُ أبو محمدٍ.
(و) العاشرُ:
(عكسُه)، وهو: مَنِ اشتُهر بكنيتِهِ دونَ اسمِهِ، مثالُه: (أبو الضُّحَى)، وفي نسخةٍ: «والعكسُ، كأبي الضحى»، كنية (لِمُسْلِمِ) بنِ صُبَيْحِ (٥)، - بضم المهملةِ -.
الأَلْقَابُ (٦)
(الألقابُ) أي: معرفتُها (٧)
_________________
(١) في (ص) و(م): «أبا» خطأ.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٥١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٦.
(٣) انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٨٣ مادة (سما)، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٥.
(٤) فتح المغيث ٣/ ١٧٦.
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٥١٣، وفتح المغيث ٣/ ١٧٦.
(٦) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ٢١٠ - ٢١٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥١٧، الإرشاد ٢/ ٦٨٦ - ٦٩٥، والتقريب: ١٧٨ - ١٨٠ والاقتراح: ٣١٥ - ٣١٧، واختصار علوم الحديث: ٢٢٠ - ٢٢٣، والشذا الفياح ٢/ ٦١١ - ٦١٦، والمقنع ٢/ ٥٨٣ - ٥٩١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٨ - ١٣٣، ونزهة النظر: ٢٠٢، وطبعة عتر: ٧٨، وفتح المغيث ٣/ ٢٠٦ - ٢١٠، وتدريب الراوي ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٦، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٢٢، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣، وظفر الأماني: ١١٨، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٩.
(٧) في (ص): «معرفتهما».
[ ٢ / ٢٤٥ ]
٨٧٢ - وَاعْنِ بِالالْقَابِ (١) فَرُبَّمَا جُعِلْ الوَاحِدُ اثْنَيْنِ الذِيْ مِنْهَا عُطِلْ
٨٧٣ - نَحْوُ الضَّعِيفِ أيْ بِجِسْمِهِ وَمَنْ ضَلَّ الطَّرِيْقَ بِاسْمِ فَاعِلٍ وَلَنْ
٨٧٤ - يَجُوزَ مَا يَكْرَهُهُ المُلَقَّبُ وَرُبَّمَا كَانَ لِبَعْضٍ سَبَبُ
٨٧٥ - كَغُنْدَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ وصَالِحٍ جَزَرَةَ المُشْتَهرِ
(واعنِ) أي: اجعلْ من عنايتِك اهتمامَك (بالالقابِ) (٢) - بالدرج - أي: بمعرفةِ ألقابِ المُحدِّثين، والعُلماءِ ومَنْ ذُكِرَ مَعَهُم، (فَربَّما جُعِل الواحدُ اثْنَينِ)، حيث يجيءُ مرةً باسمِهِ، وأخرى بلقبِهِ (الذِي مِنْهَا) أي: من معرفتِها (عُطِلْ) أي: خَلا: لظنِّهِ أنَّ الألقابَ أسامِي (٣).
وَقد وقعَ ذلك لجماعةٍ مِن أكابرِ الحُفَّاظِ، كعليِّ بنِ الْمَدِينِيِّ، فَفَرَّقُوا بَينَ عَبدِ اللهِ بنِ أبي صالحٍ أخي سُهيلٍ، وبين عبّادِ بنِ أبي صالحٍ، وجعلوهُما اثنين، وليسَ عبادٌ بأخٍ لعبدِ اللهِ بل هو لقبُهُ (٤).
وذلك (نحوُ الضَّعِيفِ) لقبٌ لعبدِ اللهِ بنِ محمدِ الطَّرَسُوسِيِّ، (أي):
ضعيفٍ (بِجِسْمِهِ) أي: فِيْهِ، لاَ فِي حَديثِهِ (٥)، كَمَا قالَهُ الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المصريُّ (٦).
_________________
(١) في (ب): «بالأعقاب»، وهو خطأ، والصواب: ما أثبت وهو بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٢) في (م): «بالألقاب» بإثبات الهمزة.
(٣) فتح المغيث ٣/ ١٧٧.
(٤) نقل الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٨ - ١٢٩قول الخطيب في الموضح، قال: «وعبد الله ابن أبي صالح، كان يلقَّب عبادًا، وليس عباد بأخٍ له، اتفق على ذلك أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود السجستاني، وموسى بن هارون بن عبد الله البغدادي، ومحمد بن إسحاق السراج». الموضح ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٥) الأنساب ٣/ ٥٩٦، واللباب ٢/ ٢٦٤، ونزهة الألباب ١/ ٤٣٦.
(٦) قول الحافظ عبد الغني بن سعيد: أسنده السمعاني في الأنساب ٣/ ٥٩٦.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وقال النَّسائيُّ: لُقِّبَ به (١) لكَثْرةِ عبادتِهِ (٢). أي: كأنَّ العبادةَ أضعَفَتْهُ.
وَقَالَ ابنُ حِبَّانٍ: «لُقِّبَ بِهِ لاتقَانِهِ وَضَبْطِهِ» (٣). أي: مِنْ بابِ الأضْدادِ، كَمَا قِيلَ لِمُسْلمِ بِنِ خالدٍ: الزِنجيُّ مَع أنَّه كانَ أشقرَ (٤).
(وَ) نحو (مَنْ ضَلَّ الطَّريقَ)، وهو معاويةُ بنُ عبدِ الكريمِ لُقِّبَ (بِ) الضَّالِ (اسمِ فاعلٍ) مِن: ضَلَّ في الطَّرِيْقِ؛ لأنَّهُ ضلَّ في طريقِ مكةَ (٥).
قَالَ الحافظُ عبدُ الغنيِّ: «رجلان نبيلانِ، لزمهُما لقبانِ قبيحانِ: معاويةُ الضالّ، وإنما ضَلَّ في طريقِ مكةَ، وعبدُ اللهِ الضعيفُ، وإنما كان ضعيفًا في جِسْمِهِ» (٦).
(وَلَنْ يَجُوزَ) مِنَ الأَلْقَابِ (مَا يَكْرَهُهُ الْمُلقَّبُ) به، إلا إذا لَم يُعْرَفْ إلا بهِ، كما مَرَّ في «آدابِ المحدِّثِ».
روى الحاكمُ وغيرهُ خبرَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ رَمَى رَجُلًا بِكَلِمَةٍ يَشِينُهُ (٧) بِهَا إلاَّ حَبَسَهُ اللهُ يَوْمَ القيَامَةِ في طيْنَةِ الخَبَال (٨) حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا» (٩).
_________________
(١) في (ق): «بذلك».
(٢) السنن ٤/ ١٦٥. قلنا: وهذا قولٌ وجيه؛ لأن النسائي تلميذه، فهو عالم بأمره.
(٣) الثقات ٨/ ٣٦٢.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٢٩.
(٥) الأنساب ٨/ ٣٧٠، واللباب ٢/ ٢٥٧، ونزهة الألباب ١/ ٤٣٥.
(٦) الأنساب ٨/ ٢٩٥، واللباب ٢/ ٢٦٤، ونزهة الألباب ١/ ٤٣٦، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥١٨.
(٧) في (ص): «تشينه».
(٨) الخَبالُ لغةً: الحبس والمنع، وقيل: إنّ الخَبال هو عصارة أهل النار، أي ما سال من جلودهم. انظر: لسان العرب ١١/ ١٩٨ (خبل).
(٩) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٨٦)، وأحمد ٣/ ٤٤١، وأبو داود (٤٨٨٣)، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٤٣٣)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨٨، والبيهقي في الشعب (٧٦٣١)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٢٧). وأخرجه البخاري مختصرًا في التاريخ الكبير ١/ ٣٧٧ من طريق ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن إسماعيل بن يحيى المعافري، به.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
(وَرُبَّما كان لِبَعضٍ) من الألقابِ (سَبَبُ) يُعرف، وإلا فكلُّها لها أسبابٌ، (كغندَرٍ) - بفتح الدال (١) وضمها (٢) - (مُحَمّدِ بنِ جَعْفَرِ) البَصريِّ، لُقِّبَ به لكونِهِ كان يكثرُ الشَّغَبَ على ابنِ جريجٍ حين قدمَ البصرةَ، وحدَّثَ بحديثٍ عن الحسنِ البصريِّ فأنكرَهُ، وشغبَ عَليهِ، فقال له ابنُ جريجٍ: أسكُتْ يا غندرُ.
ثم كان بعدَهُ جماعةٌ، يلقبُ كُلٌّ منهم غندرًا، وأهلُ الحجازِ يُسمُّونَ المشغبَ غندرًا (٣).
(وَ) كأبي عليٍّ (صَالحٍ)، هو ابنُ محمدِ بنِ عَمرٍو البغداديِّ الملقبِ (جَزَرَةَ) -بجيم ثم زاي، ثم راء مفتوحات -، (الْمُشْتَهرِ) بالحِفظِ والضَّبطِ والثقةِ؛ لكونهِ حَكى عَن نَفْسِهِ: أنه صَحَّفَ بِذَلِكَ «خرزة» بمعجمةٍ ثُمَّ راء ثُمَّ زاي في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ «أنه كَانَ يُرقِي بخرزة»، إذ سُئِل بعدَ الفراغِ من السَّماعِ عَلى عَمرِو بنِ زرارةَ: مِنْ أينَ سَمِعْتَ؟ فقالَ: «مِنْ حديثِ الْجَزَرَةِ»، وَكانَ في حَداثتِهِ، قال: فَبَقِيَتْ عليَّ (٤).
الْمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ (٥)
(المؤتَلِفُ، والمختَلِفُ) أي: معرفتُهما (٦)، وهي فنٌّ مهمٌّ يُحتاجُ إليهِ في دفعِ (٧) مَعَرَّةِ التَّصْحِيفِ (٨).
_________________
(١) في (م): «الغين».
(٢) ضبطه السمعاني في الأنساب ٤/ ٢٨٧، فقال: «بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة» وفي المغني (٩١): «قد تضم».
(٣) معرفة علوم الحديث: ٢١٢، الجامع ٢/ ٧٤ (١٢٢٤)، وتهذيب الكمال ٦/ ٢٦٥ (٥٧٠٩)، ونزهة الألباب ٢/ ٥٨ (٢١٠١).
(٤) معرفة علوم الحديث: ٢١٣، وتاريخ بغداد ٩/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٤٢، ونزهة الألباب ١/ ١٧٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٢.
(٥) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٤، والإرشاد٢/ ٦٩٦ - ٧٢٩، والتقريب: ١٨٠ - ١٨٥، والاقتراح: ٣١٣ - ٣١٤ والمنهل الروي ١٢١ - ١٢٧، والموقظة: ٩٢، واختصار علوم الحديث: ٢٢٣ - ٢٢٦، والشذا الفياح ٢/ ٦١٧ - ٦٦١، والمقنع ٢/ ٥٩٢ - ٦١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٣٣، ونزهة النظر: ١٧٦، وطبعة عتر: ٦٨، وفتح المغيث ٣/ ٢١١ - ٢٤٤، وتدريب الراوي ٢/ ٢٩٧ - ٣١٥، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٢٢، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨، وظفر الأماني: ٩٨ - ١٠٢.
(٦) في (م): «معرفتها».
(٧) في (م): «رفع».
(٨) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨٢.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
٨٧٦ - وَاعْنِ بِمَا صُورَتُهُ مُؤْتَلِفُ خَطًّا وَلَكِنْ لَفْظُهُ مُخْتَلِفُ
٨٧٧ - نَحْوُ سَلاَمٍ كلُّهُ فَثَقِّلِ لاَ ابْنُ سَلاَمِ الحِبْرُ (١) والمُعْتَزِلي
٨٧٨ - أَبَا عَلِيٍّ فَهْوَ خِفُّ الجَدِّ (٢) وَهْوَ الأَصَحُّ (٣) في أبِي البِيكَنْدِي
٨٧٩ - وابْنُ أَبِي الْحُقَيقِ وابْنُ مِشْكَمِ والأَشْهَرُ التَّشْدِيدُ فِيهِ فَاعْلَمِ
٨٨٠ - وابْنُ مُحَمَّدِ بنِ نَاهِضٍ فَخِفْ أَوْ زِدْهُ هَاءً فَكَذا فِيهِ اخْتُلِفْ
٨٨١ - قُلْتُ: ولِلْحِبْرِ ابْنِ أُخْتٍ خَفِّفِ كَذَاكَ جَدُّ السَّيِّدي والنَّسَفِي (٤)
(واعنِ) أي: اجعلْ عنايتَك اهتمامَك (بِ) معرفةِ (ما صُورتُهُ) مِنَ الأسماءِ، والألقابِ، والأنسابِ، ونحوِها (مُؤْتلِفُ) أي: متفقٌ (خَطًّا، وَلَكِنْ لَفْظُهُ مُخْتَلِفُ).
وهذا الفَنُّ لا يدخلُهُ القياسُ، ولا قبلَهُ ولا بعدَهُ شيءٌ يدلُّ عليه، والتصانيفُ فيه كثيرةٌ، وأكملُها بالنسبةِ لما قبلَهُ كتابُ " الإكمالِ " للأميرِ أبي نَصْر بنِ ماكُولا (٥).
وهذا الفنُّ قِسْمانِ:
أحدهُما، وَهوَ الأكثرُ: مَا لاَ ضَابِطَ لَهُ يُرْجَعُ إليهِ؛ لكثرتِهِ، وإنما يُعرفُ بالنَّقلِ والحفظِ (٦)، كأسِيْدٍ وأسَيْدٍ، وحِبَّانَ وحَبَّانَ وحَيَّانَ.
ثانيهما (٧): ما ينْضَبِطُ لقلَّةِ أحدِ المشتبهين.
_________________
(١) في (ب): «الخبر»، وهو خطأ، وصوابه ما أُثْبِت.
(٢) في (النفائس): «الجدي»، وهو خطأ، وصوابهُ ما أثبت.
(٣) في (فتح المغيث): «الأصم»، وهو خطأ، والعجيب أنهُ كتب «الأصحَّ» في الشرح في (فتح المغيث)، وهكذا هو في النسخ كلها.
(٤) في (ج): «والنسفِ»، والصواب ما أثبت.
(٥) قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٤: «على إعواز فيه»، وقال البلقيني في محاسنه: ٥٢٨: «قد استدرك عليه الحافظ بن عبد الغني بن نقطة كتابًا ذيّل به على الأصل، وهو قريب منه، وفيه فوائد كثيرة، وقد صنف في ذلك جماعة من المتأخرين».
(٦) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨٤، وتدريب الراوي ٢/ ٢٩٨.
(٧) في (م): «وثانيهما».
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ثم تارةً يُرادُ فِيهِ التَعْميمُ بأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم فُلانٌ إلاّ كذا، والباقي كَذا، وَتارةً يُراد فيهِ التَّخْصيصُ بالصَّحيحينِ والموطَّأِ، بأَنْ يُقالَ: لَيْسَ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ فُلانٌ إلا كَذا.
فمِنَ الأوَّلِ مِن هذينِ (نَحوُ سَلاَمٍ كلُّهُ فثقِّلِ) أي: لامَهُ (لا) أي: إلا عبدُ اللهِ (ابنُ سَلاَمِ) الصَّحابيُّ (الْحِبْرُ) -بكسرِ المهملةِ، أفصحُ من فتحِها الذي اقتصرَ عليه المحدّثونَ- أي: العالمُ، فهو مخفَّفُ الأبِ (١)، (و) إلاّ (الْمُعْتَزِلي أبا عَليٍّ) الْجُبَّائيَّ (٢) مُحَمَّدَ بنِ عبدِ الوهّابِ بنِ سَلاَم، (فَهْوَ) أيضًا (خِفُّ) أي: مخفَّفُ (الْجَدِّ) أي: اسْمُهُ.
(وَهْوَ) أي: التخفيفُ (الأَصَحُّ في) سَلاَم (أَبِي) أي: والدِ محمدِ بنِ سلامِ بنِ الفرجِ (البِيْكَنْدِي) - بكسر الموحدة (٣) - البخاريِّ، شيخِ الإمامِ البخاريِّ.
وَمقابلُ الأصحِّ، أنَّهُ بالتشديدِ، والأوَّلُ هو المنقولُ عن محمدِ بنِ سلامٍ نَفْسِهِ (٤).
(و) إلا أبا رافعٍ اليهوديَّ: سَلاَم (ابنُ أَبِي الْحُقَيْقِ) - بالتَّصغيرِ - فهو بالتخفيفِ على خلافٍ فيه (٥).
(و) إلاَّ سَلاَمُ (ابنُ مِشْكَمِ) - بتثليثِ الميمِ، وفتحِ الكافِ - كان خمَّارًا في الجاهليةِ (٦)، فهو بالتخفيفِ على ما حكاه ابنُ الصلاحِ عن جماعةٍ (٧).
_________________
(١) لم ترد في (ق).
(٢) بضم الجيم وتشديد الباء المفتوحة المنقوطة بواحدة من تحت. الأنساب ٢/ ٣٦.
(٣) هذه النسبة إلى بيكند - بالكسر وفتح الكاف وسكون النون - بلدة بين بخارى وجيحون. انظر: الأنساب ١/ ٤٥٦، ومعجم البلدان ١/ ٥٣٣.
(٤) انظر: تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٣، وتعليق العلامة المعلمي على الإكمال ٤/ ٤٠٥ فقد أجاد.
(٥) قال ابن حجر في فتح الباري ٧/ ٣٤٢ نقلًا عن ابن إسحاق أنه بالتشديد، وذكر ابن حجر في تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٢ أنه مختلف فيه، ولم يحك ابن الصلاح غير التخفيف. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٥.
(٦) قال البلقيني في: ٥٣٠: «وما ذكر عن ابن مشكم أنه كان خمارًا في الجاهلية، يخالفه قول ابن إسحاق في سيرته أنه سيد بني النضير، وقال كعب بن مالك يذكر قبيلته، ومن قتل من أشرافهم: فطاح سلاَمٌ وابن سعية عنوةً وقيد ذليلًا للمنايا ابن أخطبا ولعله رأى قول أبي سفيان صخر بن حرب: سقاني فرواني كميتًا مدامةً على ظمأ مني سلام بن مشكم فظنه بذلك خمارًا، وفي هذين البيتين، وهما من البحر الطويل، ما يدلك على التخفيف من سلام بن مشكم خلاف ما سبق أنه المعروف». وانظر: سيرة ابن إسحاق ٣/ ٢٩١.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٥.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ثُمَّ قَالَ: (والأَشْهَرُ) المعروفُ: (التَّشْديدُ فيه، فَاعْلَمِ) ذلكَ.
واعترضَهُ شيخُنا (١)، كغيرِهِ، بأنَّهُ وردَ في الشِّعْرِ - الذي هُوَ دِيوانُ العربِ - مُخفَّفًا، وَسَاقَ أشعْارًا.
فإن قلتَ: تخفيفُه في الأَشعارِ للضَّرورةِ. قُلت: خِلاف الأصلِ لاسيما مَعَ تكرُّرِهِ.
(و) أما سَلاَمُ (ابنُ مُحَمَّدِ بنِ نَاهِضٍ) المقدسيُّ (فَخِفْ) أي: فمخفَّفٌ بلا خلافٍ، ولا هاءَ فيه (أوْ زِدْهُ هاءً)، ليبقى «سلامة» (٢)، (فَكَذا فِيْهِ اخْتُلِفْ) بين الآخذين عنه (٣).
فقالهُ بالهاءِ: الطبرانيُّ (٤)، وبدونِها: أبو طالبٍ أحمدُ بنُ نَصْرٍ الحافظُ (٥)، فالخلافُ إنما هو في إثباتِها وحذفِها، لا في التَّخفيفِ والتَّشديدِ.
واقتصرَ ابنُ الصلاحِ على هذهِ الستةِ، وزادَ عَليهِ النَّاظمُ ثلاثةً بقولِهِ:
(قلتُ: وللحِبْرِ)، وهو عبدُ اللهِ بنُ سَلاَم الصَّحابيُّ (٦) (ابنِ أختٍ) اسمُهُ: سَلاَمُ، (خَفِّفِ) لامُه أيضًا.
(كذاكَ) أي: ومثلُ سَلاَم في التخفيفِ، يخففُ (٧) سَلاَمُ (جَدُّ) سعدِ بنِ جعفرِ بنِ سَلاَمٍ (٨) (السَّيِّدِي) -بفتح المهملةِ- نسبةً للسيِّدةِ أختِ المستنجدِ (٩)؛ لأَنَّهُ كَان وَكيلَها.
_________________
(١) تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٤ قال فيه: «هذا كلامه -يعني ابن الصلاح-، وفيه نظر؛ لأنه ورد في الشعر الذي هو ديوان العرب مخففًا، قال ابن إسحاق في السيرة: قال سِماك اليهودي في قصيدة من بحر الطويل: فلا تحسبنّي كنت مولى بن مِشكم سلام ولا مولى حُييّ بن أخطبا»
(٢) تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٣.
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨٦.
(٤) المعجم الصغير (٤٨٤).
(٥) انظر: تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٣، وفتح المغيث ٣/ ١٨٦.
(٦) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٣٧: «معدود في الصحابة عدَّه فيهم ابن فتحون في تذييله على الاستيعاب».
(٧) من (م) فقط.
(٨) انظر: تكملة الإكمال ٣/ ٢٥٩ (٣١٦٨)، تبصير المنتبه ٢/ ٧٠٣.
(٩) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨٧.
[ ٢ / ٢٥١ ]
(و) كَذَا (١) سَلاَمٌ جدُّ أبي نصرٍ محمدِ بن يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ محمدِ بنِ موسى ابنِ سَلاَم (النَّسَفِي) -بفتح النون-، نسبةً لـ «نِسف» -بكسرِها-، وفُتِحَتْ للنَسَبِ، كالنمري، كذا قالَ الناظم (٢) وغيرُهُ (٣)، وكلامُ القاموسِ (٤) يقتضي فتحَ نونِ «نسف»، فلا تغييرَ في النسبةِ.
٨٨٢ - عَيْنَ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ اكْسِرِ وَفي خُزَاعَةَ كَرِيْزٌ كَبِّرِ
٨٨٣ - وَفِي قُرَيْشٍ أَبَدًا حِزَامُ وَافْتَحْ فِي الانْصَارِ (٥) بِرَا (٦) حَرَامُ
٨٨٤ - فِي الشَّامِ عَنْسِيٌّ بِنُونٍ، وبِبَا (٧) فِي كُوْفَةٍ (٨) والشِّيْنِ واليا (٩) غَلَبَا
٨٨٥ - فِي بَصْرَةٍ (١٠) وَمَا لَهُمْ مَنِ اكْتَنَى أَبَا عَبِيْدَةٍ بِفَتْحٍ والكُنَى (١١)
٨٨٦ - فِي السَّفْرِ (١٢) بالفَتْحِ وَمَا لَهُمْ عَسَلْ إلاَّ ابْنُ ذَكْوَانٍ (١٣) وَعِسْلٌ فَجُمَلْ (١٤)
_________________
(١) بعد هذا في (ع): «يخفف».
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٣٨.
(٣) كذا قيده بالفتح السمعاني في الأنساب ٥/ ٣٨٤، واللباب ٣/ ٣٠٨.
(٤) القاموس مع شرحه تاج العروس ٢٤/ ٤٠٣ (نسف).
(٥) بدرج الهمزة في (الانصار) لضرورة الوزن.
(٦) بقصر همزة (براء) لضرورة الوزن.
(٧) بقصر الهمزة لضرورة الوزن، وفي (ب): «وبنا»، وهو خطأ، وفي (النفائس) و(فتح المغيث): «وبيا»، وهذا خطأ أيضًا، والصواب: «ببا»، أي: (عبسي) كَمَا صرَّح الحافظ العراقي في شرحه؛ ولأنَّ (الياء) مذكورة في تتمة البيت وَهُوَ كهذا ورد في (أ) و(ج).
(٨) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(٩) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(١٠) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(١١) في (ب): «والكنا»، والصواب ما أثبت.
(١٢) ضبطت «السفر» بفتح الفاء في (ب) و(النفائس) و(فتح المغيث)، ولا يستقيم الوزن بهذا الضبط، والصواب بالسكون، وهو المراد من البيت كما في شرح الناظم.
(١٣) في (النفائس): «زكوان» بالزاي، وهو خطأ، صوابه ما أُثْبِت.
(١٤) في (ب): «فحمل» وهو خطأ، صوابه ما أُثْبِت.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
٨٨٧ - وَالعَامِرِيُّ بْنُ عَلِيْ عَثَّامُ وَغَيْرُهُ فَالنُّونُ والإعْجَامُ
٨٨٨ - وَزَوْجُ مَسْرُوقٍ قَمِيْرٌ صَغَّرُوا سِوَاهُ ضَمًَّا وَلَهُمْ مُسَوَّرُ
٨٨٩ - ابنُ يَزِيدَ وابْنُ عَبْدِ المَلِكِ وَمَا سِوَى ذَيْنِ فَمِسْوَرٌ حُكِي
ومن ذَلكَ: عمارة، كما ذَكَرهُ بقولِهِ:
(عينَ أُبَيِّ) بالتَّصْغِيرِ (بنِ عِمَارةَ) الصحابيِّ (اكْسِرِ).
قال ابنُ الصَّلاحِ: ومنهم مَنْ ضمَّها. قال: ومَنْ عداه بالضمِ قطعًا (١).
قَال الناظمُ: «ويردُ عليه: عَمَّارَةُ - بالفتح والتشديد - وهو اسمُ (٢) جماعةٍ من النساء، كعمَّارَةَ بنتِ عبدِ الوهّابِ الْحِمصيَّةِ، وعَمَّارَةَ بنتِ نافعِ بنِ عُمرَ الجُمَحِيِّ.
وَمِنَ الرجالِ، كيَزيدَ، وعبدِ اللهِ، وبُحَاثٍ بني ثَعْلَبَةَ بنِ خزمةَ بنِ أصرمَ بنِ عَمرِو ابنِ عَمَّارة، مَعدودونَ في الصَّحابةِ» (٣).
وعدَّ جماعةً من الفريقينِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: كُرَيْزٌ، كلُّهُ مصغَّرٌ، (و) لكنْ (في خُزاعةَ: كَرِيْزٌ كَبِّرِ)، كَطَلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ كَرِيْزٍ تابعي (٤).
وَمِنْ ذلِكَ: حِزَامُ، كَمَا قَالَ:
(وَفي قُرَيْشٍ أَبَدًا: حِزَامُ)، بكَسْرِ المهملة، وبالزاي، (وافتَحْ) حاءهُ أبدًا (في الانْصَارِ (٥» - بالدرج - (بِرَا) - بالقصرِ للوزنِ -، فقُلْ: (حَرَامُ).
والمرادُ، كما قَال الناظمُ: «ضبط ما في هاتينِ القبيلتينِ فقط، وإلا فقد وقعَ: حزامُ - بالزاي - في خُزَاعَةَ، وبني عامرِ بنِ صَعْصَعَةَ، وغيرِهما» (٦).
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٦.
(٢) في (ص): «وهم أسماء».
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٣٨ - ١٣٩، وانظر: الإكمال ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٤) انظر: المؤتلف والمختلف للدارقطني ٤/ ١٩٥٨، واللباب ٣/ ٩٥، والتقريب (٣٠٢٨).
(٥) أثبت ناشر (م) الهمزة هنا.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٠.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ووقع: حَرَامُ - بالراء - في بَلِيٍّ (١)، وَخَثْعَمَ، وجُذَامٍ، وغيرِهم. بَلْ ولهُم: خُرَّامُ، بضم المعجمة، وتشديد الراءِ، وخَزَّامُ، بفتحِ المعجمة، وتشديد الزاي (٢)، وذلك كلُّه مبيَّنٌ في المطولاتِ.
ومِنْ ذلك: عَنْسِيٌّ، فالذي (في الشَّامِ: عَنْسِيٌّ بنُونٍ) ثم مهملةٍ نسبةً لعَنْسٍ حيٍّ من اليمنِ، كعميرِ بنِ هانئ تابعي.
(وَ) عَبْسيٌّ (بِبَا) موحدةٍ -بالقصر- (في كُوْفَةٍ) -بالصرفِ للوزن- نسبةً في الأكثرِ لعَبْسِ غَطْفَانَ، كعبيدِ (٣) اللهِ بنِ موسى.
(و) عَيْشي بـ (الشِّيْنِ) المعجمة (وَاليَا) التَّحتيةِ - بالقَصْر للوزنِ - نسبةً لعائشةَ بنتِ طلحةَ؛ أحدِ العَشَرةِ، كعبيدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ جعفرٍ، ولبني عائشةَ بنتِ
تيمِ اللهِ، كعبدِ الرحمانِ (٤) بنِ المباركِ (غَلَبَا) أي: الغَالِبُ أَنَّ الثالث الَّذِي بالشينِ المعجمةِ (في بَصْرَةٍ) - بالصرفِ للوزنِ -.
على أَنَّ ما ذُكِرَ في كُلٍّ منَ الشَّامِ، والكوفةِ غَالبٌ أيضًا، كما يفيدُهُ كلامُ ابنِ الصَّلاحِ (٥).
ومِنْ ذلك: أبو عُبَيْدَة، وكلُّه بالضمِّ مُصغَّرًا كَمَا قَالَ: (وَمَا لَهُمْ) أي: وليسَ للرُّواةِ (مَنِ اكْتَنَى أَبَا عَبِيْدَةٍ بفتحٍ) لعينِهِ مكبَّرًا (٦).
_________________
(١) لم ترد في (ق).
(٢) انظر: الإكمال ٢/ ٤١١ - ٤١٦.
(٣) في (ق): «كعبد». وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية و(م)، وهو الموافق لما جاء في مصادر ترجمته. انظر على سبيل المثال: السير ٩/ ٥٥٣، والتقريب (٤٣٤٥).
(٤) في (ق) و(ع): «كعبد الله»، والمثبت من (ص) و(م)، وهو الموافق لما جاء في مصادر ترجمته. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٤٦٤ (٣٩٣٤)، والكاشف (٣٣٠٣).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٦، وكذلك قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٢٢١، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤١.
(٦) قال الدارقطني كما حكاه ابن الصلاح بلاغًا عنه في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٧: «ولا نعلم أحدًا يكنى بأبي عبيدة بالفتح».
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ومِنْ ذلك: السَّفْرُ بفاءٍ ساكنةٍ في غيرِ الكُنى، ومفتوحةٍ في الكُنى، كما قال: (والكُنَى في السَّفَرِ بالفتحِ) للفاء.
قال ابنُ الصلاحِ: «ومِنَ المَغَارِبَةِ مَنْ سكَّنَها في أَبي السَّفَرِ سعيدٍ بنِ يُحْمِد (١)، قال: وذلك خلافُ مَا حَكاهُ الدارَقُطنيُّ (٢) عَن أَصْحابِ الحديثِ» (٣).
قال الناظمُ: «ولهم في الأسماءِ والكُنى «سَقْر» بقافٍ ساكنةٍ، كسَقْرِ بنِ حَبِيْبٍ الغَنَوِيِّ، وكأبي السَّقْرِ يَحْيَى بنِ يَزْدَادَ.
ولهم أيضًا «شَقَر» -بفتحِ المعجمةِ والقاف-، حيٌّ من تميمٍ يُنسبُ إليهم الشَّقَرِيُّوْنَ» (٤).
ومِنْ ذَلِكَ: عَسَلٌ، كَمَا قَالَ: (وَمَا لَهُمْ) أي: وَلَيْسَ للرُّواة (عَسَلْ) -بفتح المهملتين- (إلاّ ابنُ ذَكْوَانٍ) الأخباريُّ البَصْريُّ (٥)، (و) أما (عِسْلٌ) -بكسرِ أولِّهِ، وسكونِ ثانيهِ- (فجُمَلْ) -بضم الجيمِ، وفتح الميمِ- أي: فكثيرٌ.
ومِنْ ذَلِكَ: عَثَّامٌ، كما قَالَ: (والعامِرِيُّ) الكوفيُّ (بنُ عَليْ)
-بالإسكان لما مر- واسْمُهُ: (عَثَّامُ) بمهملةٍ ثم مثلثةٍ مشدَّدةٍ، وكذا حفيدُهُ المشاركُ له (٦) في اسمِهِ، واسمِ أبيهِ: عَثَّامُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَثَّامِ بنِ عَلِيٍّ (٧)، كَما شَمِلَهُ كلامُ الناظمِ (٨).
_________________
(١) في (ق) و(ع): «محمد». وهو خطأ، قال في التقريب (٢٤١٣): «يحمد: بضم الياء التحتانية، وكسر الميم».
(٢) المؤتلف والمختلف ٣/ ١١٨٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٥) المؤتلف والمختلف ٣/ ١١٨٥.
(٦) لم ترد في (ق).
(٧) لم يذكر ابن الصلاح غير عثّام بن علي، وذكره الدارقطني وحفيده. انظر: المؤتلف والمختلف ٤/ ١٧٦٥، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٨.
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
(و) أَمّا (غَيْرُهُ) أي: غيرُ مَنْ ذُكِرَ، كغَنَّامِ بنِ أوسٍ (١) الصَّحَابيِّ، وعُبَيْدٍ بنِ غَنَّامِ الكوفيِّ، (فالنُّونُ) المشدَّدةُ، (والإعْجَامُ) للغين، واجبانِ فِيهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَمِيْرٌ، كَمَا قَالَ: (وَزَوْجُ مَسْرُوقٍ) هُوَ ابنُ الأجدعِ، اسمُها: (قَمِيرٌ)، - مُكبَّرًا - بنتُ عمرٍو.
و(صَغَّرُوا) أي: الْمُحدِّثونَ (سِواهُ ضَمًّا) أي: بِضَمِّ أوَّلِهِ، أو حالةَ كونِهِ ضَمًا، أي: مَضْمُومًا أوّلُه، كزُهيرِ بنِ محمدِ بنِ قُمَيْرٍ الشاشيِّ.
وقولُه: «ضَمًّا»، إيضاحٌ لـ «صَغَّروا».
ومِنْ ذلِكَ: مُسَوَّرٌ، كَمَا قَالَ: (وَلَهُمْ مُسَوَّرُ) - بضمِ الميمِ، ثم مهملةٍ مفتوحةٍ، ثم واوٍ مشدَّدةٍ مفتوحةٍ - اثنانِ:
أحدُهما: (ابنُ يَزيدَ) الكَاهليُّ المالكيُّ صَحابيٌّ (٢).
(وَ) ثانيهُما: (ابْنُ عَبْدِ المَلِكِ) اليَرْبُوْعِيُّ.
(وَمَا سِوَى ذَيْنِ) الرَّجُلينِ (٣) (فَمِسْوَرٌ) - بكسرِ الْميمِ، ثم مهملةٍ ساكنةٍ - فيما (حُكِي) عِنْدَ (٤) ابنِ الصَّلاحِ (٥)، وغيرِهِ (٦)
٨٩٠ - وَوَصَفُوا الحمَّالَ في الرُّوَاةِ هَارُونَ والغَيْرُ بِجِيمٍ يَاتي
٨٩١ - وَوَصَفُوا حَنَّاطًا اوْ (٧) خَبَّاطا عِيسَى ومُسلِمًا كَذَا خَيَّاطَا
_________________
(١) في (ع): «أويس».
(٢) في (ص): «الصحابي».
(٣) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٥: «لم يذكر ابن ماكولا بالتشديد إلا ابن يزيد فقط، ولم يستدركه ابن نقطة، ولا مَنْ ذيَّل عليه».
(٤) في (ص) و(ع): «عن».
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٨.
(٦) كالبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٤٠ (٢٠٧٩) و(٢٠٨٠).
(٧) بالدرج لضرورة الوزن.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
٨٩٢ - والسَّلَمِيَّ افْتَحْ في الانْصَارِ (١) وَمَنْ يَكْسِرُ لامَهُ كأَصْلِهِ لَحَنْ
٨٩٣ - وَمِنْ هُنَا لِمَالِكٍ وَلَهُمَا بَشَّارًا افْرِدْ (٢) أَبَ بُنْدَارِ هُمَا
٨٩٤ - وَلَهُمَا سَيَّارُ أيْ أَبُو الحَكَمْ وَابْنُ سَلاَمَةٍ (٣) وبِالْيَا (٤) قَبْلُ جَمْ
٨٩٥ - وَابْنُ سَعِيدٍ بُسْرُ (٥) مِثْلُ المَازِنيْ وابْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَابْنُ مِحْجَنِ
٨٩٦ - وَفِيهِ خُلْفٌ. وَبُشَيْرًا اعْجِمِ في ابْنِ يسارٍ وابْنِ كَعْبٍ واضْمُمِ
٨٩٧ - يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو اوْ (٦) أُسَيْرُ والنُّونُ في (٧) أبي قَطَنْ (٨) نُسَيْرُ
٨٩٨ - جَدُّ عَلِيْ بنِ هَاشِمٍ بَرِيْدُ (٩) وَابْنُ حَفِيْدِ الأَشْعَريْ بُرَيْدُ (١٠)
ومِنْ ذلك: الحَمَّالُ، كَما قَالَ: (وَوَصَفُوا الحمَّالَ) - بحاءٍ مهملةٍ، ثم ميمٍ مشددةٍ - أي: به، (في الرُّواةِ) للحديثِ (هَارُونَ) بنَ عبدِ اللهِ بنِ مروانَ البغداديَّ، كان بزَّازًا، ثم تزَهَّدَ، وصارَ يحملُ الشيءَ بالأجرةِ، ويأكلُ منها، فسُمِّي لذلِكَ حَمَّالًا (١١).
_________________
(١) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٢) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٣) بالصرف لضرورة الوزن.
(٤) بالقصر لضرورة الوزن.
(٥) منع من الصرف لضرورة الوزن.
(٦) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٧) ساقطة في (فتح المغيث) ولا يستقيم الوزن دونها.
(٨) بإدغام نون «قطن» ونون «نسير»؛ لضرورة الوزن، بعد تسكين نون «قطن».
(٩) في (ب): «يزيد»، وهو خطأ، صوابه ما أُثبِتَ.
(١٠) كذلك.
(١١) الأنساب ٢/ ٢٩٧، ومشتبه النسبة: ١٩. ونقل الذهبي في سير الأعلام ١٢/ ١١٦ عن الدارقطني: «قال الدارقطني: حدثنا ابن حيوية، أخبرنا أبو عبد الرحمان النسائي، قال: أخبرني هارون بن عبد الله، قال الدارقطني: قال الشيخ: وهو الحمّال، وإنما سمي حمّالًا؛ لأنه حمل رجلًا في طريق مكة على ظهره، فانقطع به فيما يقال». ونقل ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٢٨ عن ابن الفلكي والخليلي أن سبب تسميته لكثرة ما حمل من العلم.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
(والْغَيْرُ) أي: وغيرُ هارونَ، (بِجِيمٍ) بدلِ الحاءِ، (يَاتي)، كمُحَمَّدِ بنِ مِهْرانَ أبي جعفرٍ الرازيِّ، وأسِيْدِ بنِ زيدِ بنِ نَجِيْحٍ الهاشميِّ.
ومِن ذَلِكَ: الْحَنَّاطُ، كَما قَالَ: (وَوَصفُوا حَنَّاطًا) بِمهملةٍ ثم نون (اوْ) -بالدرج- (خَبَّاطا) -بِمعجمةٍ، ثم موحدةٍ -، أي: بكلٍّ منهُما (عِيسَى) بنَ أبي عِيسى، (ومُسْلِمًا) ابنَ أبي مُسْلِمٍ، و(كذا) وَصَفُوا كُلًا مِنهُما (خَيَّاطا) - بِمعجمةٍ ثم تحتيةٍ - أي بِهِ.
فَوَصْفُ كُلٍّ منهما بوصفٍ من هذهِ الثلاثةِ صَحيحٌ؛ لأنه كَانَ يبيعُ الحِنْطَةَ، والخَبْطَ، ويَخِيْطُ الثيابَ (١).
ومِنْ ذَلِكَ: السَّلَمِيُّ، كَمَا قَالَ: (والسَّلَميَّ) مفعولٌ (افْتَحْ) أي: افتحْ سِينَ ولامَ السَّلَمِيَّ (في الانْصَارِ) - بالدرج - كجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، نسبةً لبني سَلِمَةَ، بفتحِ السينِ (٢) وكسرِ اللامِ، وفتُحتْ في النَّسبِ، كنَمَرِيٍّ وصَدَفِيٍّ وبابهما.
قال السَّمْعَانيُّ: «وهذهِ النسبةُ عند النحويينَ. قَالَ: وأصحابُ الحديثِ يكسرونَ اللامَ» (٣).
وَعَلَيْهِ اقْتَصرَ ابْنُ بَاطِيْش في «مُشتَبِهِ النسبةِ» (٤)، وجعلَ الْمَفْتُوحَ اللامِ نسبةً إلى «سَلَمِيَّة» من عملِ حَماة (٥).
(ومَنْ يَكْسِرُ لاَمَهُ) أي: السَّلِمي وُهم أكثرُ الْمُحَدِّثِيْنَ (كَأَصْلِهِ) الْمَنْسُوبِ إليهِ، فقد (لَحَنْ) (٦).
وَمَا ذكرَهُ ضابطٌ لما في الأنصارِ خَاصةً، وإلاّ فَلَهُمْ في غَيْرِهمِ بِالفَتْحِ أيْضًا جَمَاعَةٌ.
_________________
(١) انظر: المؤتلف والمختلف ٢/ ٩٣٩ - ٩٤٠، والإكمال ٣/ ٢٧٥.
(٢) سقطت من (م).
(٣) الأنساب ٣/ ٣٠٣، وتمام كلامه: «على غير قياس النحويين».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٨.
(٥) انظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٧٣١.
(٦) هكذا قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٧، ولكن ذكر النووي في الإرشاد ٢/ ٧٢٨ أنها لغة قليلة، ونصه في التقريب: ١٨٥: إنّه «يجوز في لُغَية». وانظر: شرح المفصل ٥/ ١٤٥، وأوضح المسالك: ٢٩٢، والمقرب: ٤١٣.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَيَشْتَبِهُ ذَلِكَ كُلُّه بالسُّلَمِيِّ - بِضّمِّ السين وفتح اللامِ - نِسْبةً إلى بَنِي سُلَيْم (١)، كعبّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ، وبالسَّلْمِيِّ - بفتح السينِ وسُكون اللامِ - نسبةً إلى بَعْضِ أَجْدَادِ الْمنتسَبِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ (٢).
(وَمِنْ هُنَا) أخذَ في بيانِ القسمِ الثانِي، وَهُوَ:
ما (لِمالِكٍ)، في " موطَّإِهِ "، (ولَهُما) أي: البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ في "صَحِيْحَيْهِما" (٣) من التَّرَاجُمِ، فَمِنْهَا:
بَشَّار، كَمَا قَالَ: (بَشَّارًا) - بِموحدةٍ ثُمَّ مُعْجَمة - (افْرِدْ) -بالدرج- أي: أفردْ بِهذا الضبطِ بَشَّارًا (أبَ) أي: والدَ (بُنْدَارِهِما) أي: البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فَلَيْسَ في صحيحيهِما إلا هذا الاسمُ، وهو محمدُ بنُ بَشَّارِ بنِ عثمانَ شيخُهما، وبندارٌ لقبٌ له (٤).
قالَ الذهبيُّ: وبشارٌ نادرٌ في التابعينَ، مَعدومٌ في الصّحابةِ (٥).
(وَلَهُمَا) أي: البخاريِّ ومسلمٍ أيضًا (سَيَّارُ) - بِمهملةٍ ثم ياءٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ - اثنان: هُما: سَيَّارُ بنُ أبي سيَّارٍ، (اي) بالدرج (أبو الحَكَمْ) الواسطيُّ (٦).
(و) سَيَّارُ (ابنُ سَلاَمَةٍ) - بالصرفِ للوزنِ - أبو المِنْهالِ الرِّيَاحيُّ.
(و) مَا عَدا الثلاثةِ: يسارٌ (بِالْيَا) (٧) التحتيةِ (قَبْلُ) أي: قبلَ السينِ المخفَّفةِ، وهو (جَمْ) أي: كثيرٌ في الكُتُبِ الثلاثةِ، كسُليمانَ وَعَطاءِ ابني يسارٍ.
وَمِنْها: بُسْرٌ، كَما قَالَ:
_________________
(١) الأنساب ٣/ ٣٠١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٤٩.
(٣) في (ق) و(م): «صحيحهما».
(٤) سُمي بذلك لأنه كان بندارًا في الحديث، والبندار: الحافظجمع حديث بلده. تهذيب الكمال٦/ ٢٤٧ (٥٦٧٥)
(٥) المشتبه: ٧٨.
(٦) انظر: كنى الدولابي ١/ ١٥٤.
(٧) في (م): «بالياء».
[ ٢ / ٢٥٩ ]
(وابنُ سَعيدٍ) الْمدنيُّ، اسْمُهُ (بُسْرُ) - بموحدةٍ مضمومةٍ ثم سينٍ مهملةٍ، وبمنعِ الصرفِ للوزنِ - (مِثْلُ) بُسْرِ بنِ أبي بُسْرٍ (الْمازنِيْ) نسبةً لمازنِ بنِ منصورِ بنِ عِكْرِمَةَ، فهو أيضًا بموحدةٍ ثم مهملةٍ، وهو والدُ عبدِ اللهِ، ولم يذكرْهُ ابنُ الصلاحِ؛ لأنه لا ذِكرَ لَهُ في شَيءٍ من الكُتبِ الثلاثةِ، وإنْ رَقَّمَ لهُ المزِّيُّ علامةَ مسلمٍ (١)، بحيثُ قلَّدَهُ الناظمُ، فَهُوَ سهوٌ، كَما نَبَّهَ عَليهِ شيخُنا (٢) كالناظم نفسِهِ في نُكتِهِ (٣).
(و) مثلُ بُسْرٍ (ابنُ عُبَيْدِ اللهِ (٤» الحَضْرَميِّ، (وَ) بُسْرِ (ابنُ مِحْجَنِ) الدِّيْليِّ، وَحديثُه في " الموطإِ " (٥) دونَ " الصحيحينِ " (٦).
(وَفيهِ خُلْفٌ)، فَقَالَ الجُمْهورُ إنَّهُ بالمهملةِ. وَقَالَ غيرُهم: إنَّهُ بالمعجمةِ (٧).
_________________
(١) تهذيب الكمال ١/ ٣٣٩ (٦٥٥). قلنا: وقع الوهم للإمام المزي بسبب تقليده لصاحب الكمال، وابن القيسراني (الجمع ١/ ٥٦)، وصنيع المزي المتقن في تحفة الأشراف ٢/ ٩٦ يدل على اقتصار النسائي على روايته عنه، وحديثه عند النسائي في الكبرى (١٠١٢٣). وقد قلد الذهبي في الكاشف ١/ ٢٦٦ (٥٥٩) شيخه المزي فرقم عليه برقم مسلم، فوهم في ذلك وتعقبه تلميذ المصنف سبط بن العجمي في حاشيته على الكاشف.
(٢) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١/ ٤٣٧: «فلم يخرج مسلم لبسر بن أبي بسر شيئًا ولا ذكره أحدٌ غير صاحب الكمال في رجال مسلم».
(٣) قد اعتذر العراقي عن ذلك في التقييد: ٣٩٢ فقال: «ثم تبيَّن لي أن ذلك وهم، وإنه لم يخرج له مسلم، وإنما أخرج لابنه عبد الله بن بسر».
(٤) في (ص) و(ق): «عبد الله» وما أثبتناه من (ع) و(م)، وهو الموافق لمصادر ترجمته. انظر: التقريب (٦٦٧).
(٥) له حديث واحد في الموطأ (٣٣٠) رواية أبي مصعب الزهري، و(٣٤٩) رِوَايَة الليثي، و(١٠٦) رواية سويد بن سعيد، و(١٨٤) رواية ابن القاسم.
(٦) بل ليس له في الكتب الستة سوى حديث مالك السابق، وهو عند النسائي في المجتبى ٢/ ١١٢، وفي الكبرى (٩٣٠).
(٧) قال الطحاوي: سمعت إبراهيم البرُلسي، يقول: سمعت أحمد بن صالح بجامع مصر يقول: سمعت جماعة من ولده ومن رهطه فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري - يعني: بالمعجمة -. وقال الحافظ ابن حبان في ثقاته ٤/ ٧٩: «ومن قال بشر فقد وهم». = = وقال الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٣٨: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان - هو الثوري -، عن زيد بن أسلم، عن بشر أو بسر، عن أبيه، فذكر حديثه. فيحتمل أن يكون الشك فيه من وكيع. وقال ابن أبي حاتم في الجرح ٢/ ٤٢٣: «ويقال بشر، وبسر أصح، برفع الباء والسين». ومع أن الإمام الذهبي ذكره في الميزان ١/ ٣٠٩، والكاشف ١/ ٢٦٦ (٥٦٣) باسم بُسُر بالمهملة؛ لكنه قَالَ في تاريخ الإسلام ٣/ ٣٤٥: «والأصح أنه بشر بالكسر وشين معجمة، وَقَالَ مالك وغيره: بالضم والإهمال». انظر: التمهيد ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٤، وتهذيب الكمال ١/ ٣٤١ (٦٥٩) والتعليق عليه.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَمَا عَدا الأربعةَ، أو الثلاثةَ، ممَّا في الكُتُبِ الثَّلاثةِ، هو بِكَسْرِ الموحَّدةِ ثُمَّ شينٍ معجمةٍ، قَالَ النَّاظِمُ: «وقد تشتبهُ هذه الترجمةُ بأَبي اليَسَرِ كَعْبِ بنِ عمرٍو، وهو بتحتيةٍ، ثم مهملةٍ مفتوحتينِ، وحديثُهُ في صحيحِ مسلمٍ (١)، لكنه ملازمٌ لأداة التعريفِ غالبًا، بخلافِ القسمينِ الأولين» (٢).
ومنها: بُشَيْر، كَمَا قَالَ:
(وبُشَيْرًا) بموحدةٍ مضمومةٍ، ثم معجمةٍ، (أعْجِمِ في) راويينِ فقط: بُشَيْرِ (ابنِ يسارٍ) الْمدنِيِّ، حديثُهُ في " الصَّحيحينِ " و" الْموطإِ "، (و) بُشَيْرِ (ابنِ كَعْبٍ) العَدَويِّ حديثُهُ في " الصَّحيحينِ " دون " الْموطإِ ". فأَعجِم شَيْنَ هذينِ، (واضمُمِ) الْمُوحدةَ منهما (٣) كما قررتُهُ.
وأما مقاتلُ بنُ بُشَيْرٍ، فهو وإنْ كان مثلَهُما، لم يُخرِّجْ لهُ أصحابُ الكتبِ الثلاثةِ، وإنْ زعمَ صاحبُ " الكمالِ " أنَّ مسلمًا أخرجَ له، فهو وَهْمٌ من عبدِ الغنيِّ المقدسيِّ (٤).
و(يُسَيْرُ) بتحتيةٍ مضمومةٍ، ثم مهملةٍ مفتوحةٍ (بنُ عَمْرٍو)، وهو الأكثرُ، أو ابنُ جابرٍ، كَمَا اختُلِفَ في اسمِهِ هو، فَقيلَ: يُسَيْرٌ كَمَا ذكر، (او) بالدرج (أُسَيْرُ) بِهمزةٍ بدلِ التحتيةِ.
_________________
(١) ٨/ ٢٣١ (٣٠٠٦).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٣) في (ص) و(م): «منها».
(٤) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٩٥.
[ ٢ / ٢٦١ ]
(والنُّونُ) بدلُ التَّحتيةِ (في أَبِي) أي: والدِ (قَطَنْ) - بادغَامِ نونِهِ في نونِ مَا بعدَهُ - فاسمُهُ (نُسَيْرُ)، وحديثُهُ في " صحيحِ مسلمٍ ".
وَمَا عَدا الأربعةَ مما في الكُتُبِ الثلاثةِ، فبَشِيْرٌ - بموحدةٍ مفتوحةٍ، ثم معجمةٍ مكسورةٍ - كبَشيْرِ بنِ أبي مسعودٍ، وبَشِيْرِ بنِ نَهِيْك.
ومنها: بَريْد، كما قال:
و(جَدُّ عَلِيْ) -بالاسكانِ لما مر- (بنِ هَاشمٍ: بَرِيْدُ) بفتحِ الموحدةِ، وراءٍ مكسورةٍ. وحديثُهُ في مسلم (١)، (وابنُ) عبدِ اللهِ (حَفِيْدِ) أي: ولدِ ولدِ أبي موسى (الأَشْعَريْ) - بالاسكان لما مر - واسْمُهُ (بُرَيْدُ) بالتصغيرِ، وهو بُرَيْدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي بُرْدَةَ بنِ أبي موسى، وحديثُهُ في "الصَّحِيْحَيْنِ".
٨٩٩ - وَلَهُمَا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَهْ بْنِ البِرِنْدِ فَالأَمِيْرُ كَسَرَهْ
٩٠٠ - ذُوْ كُنْيَةٍ بِمَعْشَرٍ وَالعَالِيَهْ بَرَّاءَ أُشْدُدْ وَبِجِيمٍ جَارِيَهْ
٩٠١ - ابْنُ قُدَامَةٍ (٢) كَذَاكَ وَالِدُ يَزِيْدَ قُلْتُ وكَذَاكَ الأَسْوَدُ
٩٠٢ - ابنُ العَلاَ (٣) وابْنُ أبِي سُفْيَانِ عَمْرٌو، فَجَدُّ ذَا وذَا سِيَّانِ
(وَلَهُما) أي: البخاريِّ، ومسلمٍ من ذلك (محمدُ بنُ عَرْعَرَهْ بنِ البِرِنْدِ) الساميُّ، بمهملةٍ نسبةً لسامةَ بنِ لؤي البصريِّ، (فالأمِيرُ) أبو نصرٍ ابنِ ماكولا (٤) (كسَرَهْ) أي: كَسَرَ الموحدةَ والراءَ منه، وبعدَهما نونٌ ساكنةٌ، وحُكِي فتحُهما (٥).
وَمَا عَدا الثَّلاثةَ ممّا فِي الكُتُبِ الثلاثةِ، فَيَزيدُ - بفتحِ التحتيةِ، وزايٍ مكسورةٍ - كيزيدَ بنِ هارونَ.
_________________
(١) ٤/ ١٦٢ (١٤٤٤).
(٢) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(٣) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٤) انظر: الإكمال ١/ ٢٥٢.
(٥) في (م): «فتحها» وقد نسب ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٠ القول بفتحهما لعبد الغني المقدسي في «عمدة المحدثين».
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ومنها: البَرَّاءُ، كَما قَالَ:
و(ذُوْ كُنْيَةٍ بِمَعْشَرٍ، والعَالِيهْ) أي: فأبو مَعْشَرٍ يوسفُ بنُ يزيدَ، وأبو العاليةِ زيادٌ، أو كلثومُ بن فيروزَ، وحديثُهما في الصحيحينِ، كُلٌّ مِنْهُمَا (بَرَّاءَ أُشْدُدْ) راءهما.
ومَنْ عَداهُمَا مِمَا فِي الكُتُبِ الثّلاثةِ، فالبَرَاء -بالتَّخفيفِ- كالبَرَاءِ بنِ عازبٍ (١).
وَمِنْها: جَاريَةُ (٢)، كَمَا قَالَ:
(وَبِجيمٍ) وتحتيةٍ (جَارِيَهْ ابنُ قُدَامَةٍ) - بالصرف للوزنِ - وَلاَ حديثَ لهُ في الكتبِ الثلاثةِ. نعم! وقع ذكرُهُ في "الفتنِ" مِنَ البُخاريِّ في أثناءِ قصةٍ، قَالَ فِيْهَا: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمَُ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ حيْنَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ ابْنُ قُدَامَةَ» (٣).
(كَذَاكَ وَالِدُ يزيدَ) بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، وحديثُهُ في "الموطإِ" (٤)، والبخاريِّ (٥).
(قلتُ: وَكَذاكَ) اثنانِ: (الأسْوَدُ ابنُ العَلاَ) بنِ جاريةَ الثقفيُّ، وحديثُهُ في مُسْلِمٍ (٦)، (وابنُ أَبي سُفْيانِ) بنِ أسِيْد بنِ جاريةَ الثقفيِّ، واسمُهُ (عَمْرٌو)، وحديثُهُ في " الصحيحينِ " (٧)، (فَجَدُّ ذَا وذَا) أي: الاثنين (سِيَّانِ) تثنيةُ سِيٍّ، أي: مثلانِ، فاسمُ كُلٍّ منهما: جاريةُ إلا أنه في الثاني الجدُ الأعلى، كما تقررَ.
وما عدا المذكورَيْن مما في الكتبِ الثلاثةِ، فحارثةُ بمهملةٍ ومثلثةٍ، كزيدِ بنِ حارثةَ الحِبِّ، وحارثةَ بنِ وَهْبٍ الخُزَاعيِّ.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣١.
(٢) في (م): «الجارية».
(٣) صحيح البخاري ٩/ ٦٣ (٧٠٧٨).
(٤) (١٥٣٠) برواية الليثي.
(٥) ٧/ ٢٣ (٥١٣٨).
(٦) صحيح مسلم ٥/ ١٢٨ عقب (١٧١٠).
(٧) صحيح البخاري ٤/ ٨٢ حديث (٣٠٤٥) و٩/ ١٤٧ حديث (٧٤٠٢). وصحيح مسلم ١/ ١٣١ حديث (١٩٨)، وكذلك هو عند الدارمي (٢٨٠٩) من طريق الزهري عن عمرو عن أبي هريرة مرفوعًا. وانظر: التقييد والإيضاح: ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
٩٠٣ - مُحَمَّدَ بْنَ خَازِمٍ لا تُهْمِلِ والِدَ رِبْعِيٍّ حِرَاِشٍ اهْمِلِ
٩٠٤ - كَذَا حَرِيْزُ (١) الرَّحَبِي وكُنْيَهْ قَدْ عُلِّقَتْ وَابْنُ حُدَيْرٍ عِدَّهْ
٩٠٥ - حُضَيْنٌ (٢) اعْجِمْهُ (٣) أَبُو سَاسَانَا وَافْتَحْ أَبَا حَصِيْنٍ اي (٤) عُثْمَانَا
٩٠٦ - كَذَاكَ حَبَّانُ بنُ مُنْقِذٍ وَمَنْ وَلَدَهُ وابْنَ هِلاَلٍ وَاكْسِرَنْ
٩٠٧ - ابنَ عَطِيَّةَ مَعَ ابْنِ مُوسَى وَمَنْ رَمَى سَعْدًا فَنَالَ بُؤْسَا
وَمِنْهَا: خَازِمٌ، كَمَا قَالَ:
و(مُحَمَّدَ بنَ خَازِمٍ) أَبَا مُعَاويةَ الضَّرِيْرِ، (لاَ تُهْمِلِ) أي: لاَ تُهمِلْ خاءهُ (٥)، بَل أَعْجمْهَا.
وَمَا عَداهُ مِمَّا فِي الكُتُبِ الثَّلاثَةِ، فَحَازِمٌ بالإهمالِ، كأبي حَازِمٍ الأَعْرجِ، وَجريرِ ابنِ حَازمٍ (٦).
ومنها: حِرَاشٌ كَما قَالَ:
(والدَ رِبْعِيٍّ) وهو (حِرَاشٍ اهْمِلِ) (٧) أي: حاءهُ.
وَمَا عَدَاهُ مِمَّا في الكُتُبِ الثَّلاثةِ: فخِراش، بإعجامِ خائِهِ، كشهابِ بنِ خِراش.
ولهم: خِدَاشٌ بمعجمةٍ ثم دالٍ مُهْملةٍ، أدخلَهُ ابنُ ماكولا في ذَلِك (٨)، وحديثُهُ في مسلمٍ (٩)، لكنْ قال الذهبيُّ: إنه لا يلتبسُ (١٠).
_________________
(١) بمنعه من الصرف؛ لضرورة الوزن.
(٢) في (أ): «حصين» بالصاد، وهو خطأ صوابه ما أثبت.
(٣) بدرج الهمزة لضرورة الوزن.
(٤) بدرج همزة «أي» لضرورة الوزن.
(٥) في (ص) و(م): «حاءه».
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٥٧.
(٧) في (م) زيادة: «بالدرج».
(٨) انظر: الإكمال ٢/ ٤٢٧.
(٩) صحيح مسلم ٥/ ٣٣ (١٥٦٣).
(١٠) انظر: المشتبه: ٢٢٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
قال الناظمُ: «فلهذا لم استدْرِكْهُ على ابنِ الصَّلاحِ» (١).
وَمِنْهَا: حَرِيْزٌ، كَمَا قَالَ:
(كَذا) أي: و(٢) كحراشٍ في إهْمَالِ الحاءِ (حَرِيْزُ) - بفتحها وبزاي آخره وبغير تنوينٍ للوزن - ابنُ عُثْمانَ الحمصيُّ (الرَّحَبيْ) بِمهْمَلتينِ مَفْتُوحتينِ - وبالإسكان لما مَرّ - نِسْبةً إلى رَحَبةَ، بطنٍ من حِمْيَرٍ، وحديثُهُ في " البخاريِّ " (٣).
(و) أبو حَرِيْزٍ (كُنْيَهْ) لعبدِ اللهِ بنِ الحسينِ الأزْدِيِّ البصريِّ، (قَدْ عُلِّقَتْ) روايتُهُ في " البُخاريِّ " (٤).
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٥٨.
(٢) الواو: ليست في (ق).
(٣) والحديثان اللذانِ أخرجهما البخاري: الأول: ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٣٥٠٩): «إنَّ من أعظم الفرى أن يدعيَ الرجلُ إلى غير أبيه» والثاني: أخرجه في: ٤/ ٢٢٧ (٣٥٤٦)، قالَ: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا حريز بن عثمان أنَّه سأل عبد الله بن بُسر صاحب النبي - ﷺ - قال: رأيت النبي - ﷺ - كان شيخًا، قال: كان في عنفقته شعرات بيض. وحريز هذا قد رُمي بالنصب؛ لَكِنْ الإمام البُخَارِيّ نقل في " تاريخه الكبير " ٣/ ١٠٣ (٣٥٦) عَنْ أبي اليمان أنه رجع عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تطاول الدكتور بشار في تعليقه عَلَى تهذيب الكمال (٥/ ٥٧٢) عَلَى إمام الْمُحَدِّثِيْنَ إذ قَالَ: «ولعلَّ هَذَا هُوَ السبب الَّذِي جعله يخرج لَهُ في الصَّحِيْح حديثين وما فعل حسنًا، فانظر تعليقنا عَلَى ترجمته» قلنا: نظرنا في تعليقه فوجدناه علَّق عَلَى قَوْل عَمْرو بن عَلِيّ الفلاس حِيْنَ قَالَ: «ثبت شديد التحامل على علي»، قَالَ الدكتور بشار بعد أن قدم لاسمه بأربع كلمات أو خمس: «والله لا أدري كيف يكون ثبتًا من كان شديد التحامل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نعوذ بك اللهم من المجازفة». تهذيب الكمال ٥/ ٥٧٤ الهامش (٨). قلنا: هكذا قال وكأنه لا يدري ماذا تخط يمينه إذ أنه ناقض نفسه تناقضًا عجيبًا في تحريره المزعوم إذ استَدَلَّ بحريز بن عثمان على أن الطعن في العقائد لا يضر ١/ ٣٨ فكان من مبلغ تناقضه، وعدم دقته، وتلون أقواله من كتاب إلى كتاب، نسأل الله الستر والسداد.
(٤) الجامع الصحيح ٣/ ٢٢٤ عقيب (٢٦٥٠) وهو قوله: «وقال أبو حريز عن الشعبي: لا أشهد على جَوْر».
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَمَا عَداهُما مِمَّا في الكُتُبِ الثَّلاثَةِ، فجَرِيْرٌ - بجيمٍ مَفتُوحةٍ، وَرَائينِ مهملتينِ - كجَرِيْرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلِيِّ، وجريرِ بنِ حازمٍ.
(و) لَهم مَنْ قد يَشْتَبِهُ بِذَلِكَ، وهو (ابْنُ حُدَيْرٍ) بِحاءٍ، ودالٍ مهملتينٍ -مُصغَّرًا- (عِدَّهْ)، كعمرانَ وحديثُهُ في مُسْلمٍ (١)، وزيدٍ وزيادٍ ابني حُدَيْرٍ، وَلَهُمَا في المغازي مِن البُخاريِّ ذكرٌ فقط (٢).
ومنها: حُضَيْنٌ، كَمَا قَالَ:
و(٣) (حُضَيْنٌ) بالتَّصْغير (اعْجِمْهُ) (٤) -بالدرج-، أي: أَعجِمْ ضادَهُ مع إهمالِ حائِهِ، وهو ابنُ المنذرِ بنِ الحارثِ بنِ وَعْلَةَ البصريُّ، كنيتُهُ أبو محمدٍ، ولقبُه (أبو سَاسَانا) بمهملتينِ، وَحديثُهُ في مُسْلِمٍ (٥)، وَهُوَ فردٌ لا يعرفُ غيرُهُ، كما قالَهُ المِزِّيُّ (٦) وغيرُهُ.
(وافْتَحْ أَبَا) أي: حَاء أبي (حَصِيْنٍ) باهْمَالِها مَع الصَّادِ، (اي)
- بالدرج - (عُثْمَانَا) بن عَاصمٍ الأسديَّ وحديثه في " الصحيحين ".
وَمَا عداهما مما في الكتبِ الثلاثةِ، فحُصَيْن باهمالِ حائِهِ، وصادِهِ مُصَغَّرًا.
وأما والدُ أسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ - بمهملةٍ، ثم معجمةٍ، وبالراءِ بدلَ النُّونِ مُصغَّرًا - الأشهليِّ، المخرَّج لَهُ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ؛ فَلا يلتبِسُ (٧) غالبًا، قالَهُ الناظمُ (٨).
ومنها: حَبَّانُ، كَما قَالَ:
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ١٥٣ حديث (٧٠٥) (٥٨).
(٢) ٥/ ٢٢٠ (٤٣٩١).
(٣) الواو: ساقطة من (م).
(٤) في (م): «اعجمها».
(٥) ٥/ ١٢٦ (١٧٠٧).
(٦) انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢١٩ (١٣٦٦).
(٧) في (ص) و(ق): «يلبس».
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦١.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
(كذاكَ حَبَّانُ بنُ مُنْقِذٍ) - بموحدةٍ مشددةٍ - أي: افتحْ حاءهُ. له ذكرٌ في
" الموطإِ " (١).
(و) افتحْ أيضًا (مَنْ وَلَدَهُ)، وهم: ابنُهُ واسعٌ، وحفيدُهُ حَبَّانُ بنُ واسعٍ، وابنُ عمِّ حفيدِهِ محمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ بنِ منقذٍ، وحديثُ الثاني في مسلمٍ (٢)، والآخرينَ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ (٣).
(و) افتحْ من غيرِ المذكورينَ أيضًا (ابنَ هِلاَلٍ) حَبَّانَ الباهليَّ، وحديثُهُ في
" الصحيحينِ ".
(واكْسِرَنْ) بالنونِ الخفيفةِ (ابنَ عَطِيَّةَ)، فهو حِبَّانُ - بكسرِ الحاءِ - السُّلَميُّ، لَهُ ذكرٌ في البُخاريِّ في قصةِ حَاطبِ بنِ أبي بلتعَةَ (٤)، (مَعَ) حِبَّان (ابنِ مُوسَى) السُّلَميِّ المروزيِّ، روى عنه الشيخانِ في صحيحيهما، وهو حِبَّانُ غيرُ منسوبٍ (٥) أيضًا، عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارك.
(و) مع (مَنْ رَمَى سَعْدًا) هو ابنُ معاذٍ الأنصاريُّ، فاسمُ الرامي حِبَّانُ بنُ العَرِقَةِ له ذكرٌ في " الصحيحينِ " (٦) في حديثِ عائشةَ، أنَّ سعدَ بنَ معاذٍ رماهُ رَجلٌ من قريشٍ، يُقالُ لَهُ حِبَّانُ بنُ العَرِقَةِ، والعَرِقَةُ بكسرِ الراءِ (٧)، وَقِيْلَ: بفتحِها لقبُ أُمِّهِ (٨). لُقِّبَتْ
_________________
(١) انظر: الموطأ (رواية أبي مصعب ١٦٣٦، ورواية سويد بن سعيد ٣٥٧، ورواية محمد بن الحسن ٦١٠، ورواية يحيى الليثي ١٦٦٤).
(٢) صحيح مسلم ١/ ١٤٦ (٢٣٦).
(٣) حديثه في الموطأ والصحيحين كثير جدًا.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٩٢ حديث (٣٠٨١) و٩/ ٢٣ حديث (٦٩٣٩).
(٥) في (م) زيادة: «إلى أبيه فيتميز بشيوخه كحبان عن شعبة». وهي زيادة سقيمة أحالت المعنى وأفسدت النص، وما أثبتناه اتفقت عليه نسخنا الخطية، والعبارة بنصها - كما أثبتناها - في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٥٧.
(٦) صحيح البخاري ٥/ ١٤٣ رقم (٤١٢٢) وصحيح مسلم ٥/ ١٦١ حديث (١٧٦٩).
(٧) كذا ضبطه الحافظ في الفتح ٧/ ٤١٢، والعيني في العمدة ١٧/ ١٩١، وغير واحد.
(٨) الإكمال ٢/ ٣١١، وحكاه الواقدي عن أهل مكة.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
بذلكَ لطيبِ ريحِها، واسمُها قِلابةُ بنتُ سُعَيْدِ - بضم السين - بنِ سَهْمٍ، وأما اسمُ أبيهِ فقيسٌ أو أبو قيسٍ.
(فَنَالَ) بسببِ رميهِ سَعْدًا (بُؤسا) أي: عذابًا شديدًا.
وَمَا عدا المذكورين مما في الكتبِ الثلاثةِ: فحَيَّانُ، بفتحِ (١) المهملةِ وتشديدِ التحتيةِ.
وقد يشتبهُ بذلكَ جَبَّار، بجيمٍ مفتوحةٍ، وموحدةٍ مشددةٍ، وخِيارُ، بخاء معجمةٍ مكسورةٍ، ثم تحتيةٍ، وآخرُهما راءٌ، فالأولُ: جَبَّارُ بنُ صَخْرٍ، لَهُ ذكرٌ في مُسْلِمٍ (٢)، والثاني: عبيدُ اللهِ بنُ عدي بنِ الخيَارِ، حَديثُهُ في "الصَّحيحينِ".
٩٠٨ - خُبَيْبًا اعْجِمْ (٣) في ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانْ وابْنِ عَدِيٍّ وَهْوَ كُنْيَةً كَانْ
٩٠٩ - لابْنِ الزُّبَيرِ وَرِيَاحَ اكْسِرْ بِيا (٤) أَبَا زِيَادٍ بِخِلاَفٍ حُكِيَا (٥)
٩١٠ - وَاضْمُمْ حُكَيْمًا في ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَدْ كَذَا رُزَيْقُ بْنُ حُكَيمٍ وَانْفَرَدْ
٩١١ - زُيَيْدٌ (٦) بْنُ الصَّلْتِ وَاضْمُمْ وَاكْسِرِ وَفي ابْنِ حَيَّانَ سَلِيمٌ كَبِّرِ
ومنها: خُبَيْبٌ، كَمَا قَالَ:
و(خُبَيْبًا اعجِمْ) بالدرج، أي: أَعجِم خاءهُ مُصغرًا (في ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمانْ) الأنصاريِّ، حديثُهُ في الكتبِ الثلاثةِ، ومثلُه جَدُّهُ خُبَيْبُ بنُ يَسافٍ، إلاَّ أنَّهُ لا روايةَ لَهُ في الثلاثةِ.
(و) أَعجِم خاءهُ أيضًا في (ابْنِ عَدِيٍّ)، له ذكرٌ في البخاريِّ، في حديثِ أبي هريرةَ، في سريةِ عاصمِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، وقُتِلَ - ﵁ - وهو القائلُ:
_________________
(١) في (م) زيادة: «الحاء» ولم ترد في شيء من النسخ الخطية.
(٢) صحيح مسلم ٨/ ٢٣١ (٣٠١٠).
(٣) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٤) بالقصر، لضرورة الوزن.
(٥) في (ب): «حكما»، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٦) وفي (ب): «زبيد ابن»، والصحيح ما أثبتناه؛ لما نصّ عَلَيْهِ الشارحُ.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
ولستُ أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا عَلَى (١) أَيِّ جنبٍ كان لله مَصْرَعِيْ (٢)
(وَهْوَ) أي: خُبَيْبٌ بالإعجامِ والتصغيرِ (كنيةً) خبرُ قولِهِ: (كَانْ) أي: كان أبو خُبَيْبٍ كنيةً (لابنِ الزُّبَيْرِ) عبدِ اللهِ، كُنِّيَ باسمِ ولدِهِ خُبيبٍ، ولا ذِكْر لولدِهِ في الكُتُبِ الثلاثةِ (٣).
وَمَا عَدا هَؤلاءِ الثَّلاثةِ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ فحَبِيْبٌ بفتحِ المهملَةِ مُكبَّرًا (٤).
ومنها: رِيَاحٌ، كَمَا قَالَ:
(ورِيَاحَ) بمنعِ صرفِهِ للوزن، وبنصبِهِ بقولِهِ: (اكْسِرْ بِيا) -بالقصر- أي: مع ياءٍ تحتيةٍ (أَبَا زِيَادٍ) القَيْسِيَّ، أي: أكسِرْ راءَ رِيَاحٍ، والدِ زيادٍ.
حديثُهُ في " مُسْلِمٍ "، ويكنى أبا رياحٍ باسمِ أبيهِ (٥)، والأكثرُ على أَنَّ كنيتَهُ أبو قَيْسٍ، وبه صرَّحَ مُسْلِمٌ في " صحيحِهِ " في المغازِي (٦).
(بِخِلاَفٍ) في ضَبطِ اسمِهِ (حُكِيَا) عن " تاريخِ البخاريِّ " (٧) حيثُ ذُكِرَ فيه، مع ما مَرَّ أنهُ بفتحِ الراءِ، وبموحدةٍ.
_________________
(١) في (م): «عل».
(٢) هذا البيت واحد من خمسة أبيات قالها خبيب بن عدي الأنصاري، من بحر الطويل ذكرها البخاري في صحيحه في قصة قتل خبيب٤/ ٨٣ عقب (٣٠٤٥) و٩/ ١٤٧عقب (٧٤٠٢).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦٥.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦٦.
(٥) هذا القول ذكره العراقي في شرح الألفية ثم رجع عنه بأخرة إذ قال في التقييد والإيضاح: ٣٩٥: «إنَّ ما ذكره المصنف من أن كنيته أبو قيس قد خالفه المزي في التهذيب فرجَّح: أبو رياح بالمثناة كاسم أبيه، فقال: زياد بن رياح، ويقال: ابن رباح القيسي، أبو رياح، ويقال: أبو قيس، وقد كنت قلدت المزي في ترجيحه لذلك فصدرت به كلامي في شرح الألفية، ثم تبين لي أنه وهم أو خلاف مرجوح، وأن الصواب ما ذكره المصنف». أي: أن كنيته أبا قيس كما سيذكر الشارح نقلًا عن الأكثرين. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٢، وتهذيب الكمال ٣/ ٤٧ (٢٠٢٧)، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٦) صحيح مسلم ٦/ ٢١ (١٨٤٨).
(٧) التاريخ الكبير ٣/ ٣٥١، وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ٤/ ٥١٥: «وقاله البخاري: بالمثناة وبالموحدة، وقاله الجماهير: بالمثناة لا غير».
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وما عداهُ في الكتبِ الثلاثةِ، فرَبَاحٌ - بالفتح وبموحدةٍ - كرَبَاحِ بنِ أبي مَعْرُوفٍ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، وزيدِ بنِ رباحٍ، حديثُ الأولِ في " مسلمِ "، والثاني في " الثلاثةِ "، والثالثُ في " الموطإِ " و" البُخاريِّ ".
ومنها: حُكَيم، كَمَا قَالَ:
(واضْمُمْ حُكَيْمًا) أي: حاءهُ مُصغَّرًا (في ابنِ عَبدِ اللهِ) بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ القرشيِّ المصريِّ، حديثُهُ في مُسْلِمٍ (١) (قَدْ) أي: فيهِ الضَّمُّ فقط، ويُسمَّى: الحكيمُ أيضًا بالتعريفِ، كما وقعَ في بعضِ طرقِ حديثِهِ.
و(كَذَا) يضم (٢) (رُزَيْقُ) بتقديمِ الراءِ (بنُ حُكَيمٍ) أبو حُكيمٍ
- بالضم أيضًا - الأيْلي (٣)، والي أيْلَةَ (٤) لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وذكرَ ابنُ الحَذَّاءِ أنه كَانَ حاكمًا بالمدينةِ (٥). لَهُ ذكرٌ في الحدودِ مِنَ " الموطإِ " (٦) في قصةٍ، وله ذكرٌ في البخاريِّ في قصةٍ في بابِ الجمعةِ في القرى والمدنِ (٧)، ولهُ ابنٌ اسمُهُ حُكَيْمٌ أيضًا، كجدِّهِ.
وَمَا عَداهما (٨) في الكُتُبِ الثلاثةِ، فحَكِيْمٌ بفتح الحاء (٩) مكبَّرًا (١٠).
ومِنْهَا: زييد كَمَا قَالَ:
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ١٤٣ - ١٤٤ (٢٣٢) و٢/ ٥ (٣٨٦).
(٢) في (ق): «بضم».
(٣) انظر: التقريب (١٩٣٥).
(٤) بفتح أوله بعدها ياء ساكنة ثم لام مفتوحة: مدينة كانت لليهود على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام. انظر: معجم ما استعجم ١/ ٢١٦، ومعجم البلدان ١/ ٢٩٢.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦٨.
(٦) الموطأ ٢/ ٣٩١ (٢٣٩٦) رواية الليثي.
(٧) صحيح البخاري ٢/ ٦ عقب (٨٩٣).
(٨) في (ق): «عداه».
(٩) في (م): «الراء».
(١٠) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٦٩.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
(وانفَرَدْ) مِن بَينِ الأسماءِ على المعتمدِ (زُيَيْدٌ) بيائينِ تحتيتين (بنُ الصَّلْتِ) بنِ معدي كربَ الكنديُّ، له ذكرٌ في " الموطإِ " (١)، (واضمُمْ، واكْسِرِ) زاءهُ، ففيهِ الوجهانِ.
وَمَا عَداهُ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ، فزُبَيْدٌ - بضم الزاي، ثم بموحدةٍ، ثُمَّ تحتيةٍ - كزبيدٍ الياميِّ، وأبو (٢) زُبَيْدٍ عَبْثَرُ بنُ القاسمِ (٣).
وَمِنْهَا: سَلِيْمٌ، كَمَا قَالَ:
(وفي ابنِ حَيَّانَ) - بفتح المهملةِ، وتشديدِ التحتيةِ - الهُذَليِّ (سَلِيْمٌ كَبِّرِ)، حديثُهُ في " الصّحيحينِ ".
وَمَا عَداهُ مُصَغَّرٌ، كسُلَيْمِ بنِ أَسودَ المحاربيِّ، وسُلَيْمِ بنِ أخضرَ، وسُلَيْمِ بنِ جُبَيْرٍ.
وذكرَ ابنُ الصَّلاحِ بعدَ هذا سَلْمًا، وسالمًا، ولا يشتبِهُ لزيادةِ الألفِ (٤).
٩١٢ - وَابْنُ أَبي سُرَيْجٍ احْمَدُ إئْتَسَا بِوَلَدِ النُّعْمَانِ وَابْنِ يُونُسَا
٩١٣ - عَمْرٌو مَعَ القَبِيلَةِ ابْنُ سَلِمَهْ وَاخْتَرْ بِعَبْدِ الخَالِقِ بْنِ سَلَمَهْ
٩١٤ - وَالِدُ عَامِرٍ كَذَا السَّلْمَانِي وَابْنُ (٥) حُمَيْدٍ وَوَلَدْ (٦) سُفْيَانِ
٩١٥ - كُلُّهُمُ عَبِيْدَةٌ مُكَبَّرُ لَكِنْ عُبَيْدٌ عِنْدَهُمْ مُصَغَّرُ
٩١٦ - وَافْتَحْ عَبَادَةَ أبَا مُحَمَّدِ وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ عُبَادًا أَفْرِدِ (٧)
٩١٧ - وعَامِرٌ بَجَالةُ (٨) بنُ عَبْدَهْ كُلٌّ وَبَعْضٌ بِالسُّكُونِ قَيَّدَهْ
_________________
(١) الموطأ (١٢٢) رواية الليثي.
(٢) هكذا في النسخ، والجادة «وأبي».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٠.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٠.
(٥) في (النفائس): " ابن " من غير واوٍ.
(٦) بسكون الدال بنية الوقف؛ لضرورة الوزن.
(٧) في (النفائس): " وافرِدِ "، وهو الأولى هنا.
(٨) في (النفائس): «بحاله»، وهوَ خطأ، صوابه ما أثبت.
[ ٢ / ٢٧١ ]
٩١٨ - عُقَيْلٌ القَبِيْلُ وَابْنُ خَالِدِ كَذَا أبُو يَحْيَى وَقَافِ وَاقِدِ
٩١٩ - لَهُمْ كَذَا الأَيْليُّ لاَ الأُبُلِّي قَالَ: سوَى شَيْبَانَ وَالرَّا (١) فَاجْعَلِ
٩٢٠ - بَزَّارًا انْسُبْ ابْنَ صَبَّاحٍ حَسَنْ وَابْنَ هِشَامٍ خَلَفًا، ثُمَّ انْسُبَنْ
٩٢١ - بالنُّونِ سَالِمًا وَعَبْدَ الوَاحِدْ ومَالِكَ بنَ الأَوْسِ نَصْرِيًّا يَرِدْ
ومنها: سُرَيْجٌ، كَمَا قَالَ:
(وابنُ أَبي سُرَيْجٍ)، واسْمُهُ: (احْمَدُ) (٢) - بالدرج - بنُ عمرَ بنِ أبي سُرَيجٍ الصباحُ. رَوى عنهُ البُخاريُّ في صحيحهِ (إئتسا) (٣) أي: له أسوةٌ في كونِهِ بمهملةٍ، وجيمٍ (ب) سريجٍ (وَلَدِ النُّعْمَانِ) بنِ مروانَ، (و) بسريجٍ (ابنِ يونُسَا) - بألفِ الإطلاقِ - بنِ إبراهيمَ البغداديِّ، حَديثُ كُلٍّ مِنْهُما في الصَّحيحينِ، وسَمِعَ من الثّاني مُسْلمٌ دونَ البُخاريِّ.
وَمَا عَدا الثّلاثةِ ممّا في الكُتُبِ الثَّلاثةِ، فشُرَيْحٌ بمعجمةٍ، وحاءٍ مُهْمَلةٍ (٤).
وَمِنْها: سَلِمَةُ، كَمَا قَالَ:
(عَمْرٌو) الجَرْميُّ إمامُ قومِهِ، واختُلِفَ في صحبتِهِ (مَعَ القَبيلةِ)، وهي الواحدةُ مِن قبائلِ العربِ الذين هُمْ بنو أَبٍ واحدٍ في الأنْصَارِ، وكُلٌّ من عَمْرٍو والقبيلةِ (ابنُ سَلِمَهْ)، بكسرِ اللامِ (٥).
(واختَرْ) كُلًا من كسرِها وفتحها (بِعَبْدِ) أي: في عبدِ (الخالقِ بنِ سَلمَهْ) الشَّيْبَانيِّ (٦)، حديثُهُ في " مُسْلِمٍ " (٧).
_________________
(١) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٣.
(٣) في (م): «إتسى».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧١.
(٥) حكى فيه الوجهين ابن ماكولا في الإكمال ٤/ ٣٣٦، وانظر: التقريب (٣٧٧٨).
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٤، ومحاسن الاصطلاح: ٥٤٩.
(٧) صحيح مسلم ٦/ ٩٧ عقب (١٩٩٧).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَمَا عَدا ذلِكَ، فبالفتحِ فَقَط.
وَمِنْها: عَبِيْدةُ، كَمَا قَالَ:
(والِدُ عَامِرٍ) الباهليِّ، لَهُ ذِكرٌ في البُخاريِّ (١)، في كتابِ الأحكامِ في قصةٍ، و(كَذا) ابنُ عَمْرٍو، أو ابنُ قَيْسِ بنِ عَمْرٍو (السَّلْمَاني) بسكونِ اللامِ - وهو المناسبُ هنا - أو فَتْحِها نسبةً إلى سَلمَانَ بطنٍ مِن مرادٍ، وهو ابنُ يَشْكَرَ بنِ ناجيةَ بنِ مرادٍ، حديثُهُ في " الصحيحينِ " (٢).
(و) كَذَا (ابنُ حُمَيْدٍ) هو ابنُ صُهَيْبٍ الكوفيُّ حديثُهُ في البُخاريِّ، (وَ) كَذا (وَلَدْ) - بالاسكانِ بنيَّةِ الوقفِ - (سُفْيَانِ) بنِ الحارثِ الحضرميِّ حديثُهُ في " الموطإِ " و" مسلمٍ "، (كُلُّهُمُ) - بضم الميم - أي: كُلٌّ من الأربعةِ (عَبِيْدةٌ) - بالفتح (٣) - (مُكبَّرُ).
وَمَا عَداهُم في الكُتُبِ الثَّلاثةِ، فمصغرٌ كعُبَيْدةَ بنِ الحارثِ بنِ المطلبِ، وعُبَيْدَةَ بنِ مُعَتِّبٍ، وسعد بنِ عُبَيْدةَ (٤).
ومنها: عَبِيْدٌ، وهو بالفتحِ مكبَّرٌ (لَكِنْ) لَيْسَ هو (٥) عِندَ أربابِ الكُتُبِ الثلاثةِ فيها، بَل (عُبَيْدٌ عِنْدَهُمْ) فيها (مُصغَّرُ) فَقَطْ.
وَمِنْهَا: عَبَادَةُ بتخفيفِ الموحَّدةِ، كَمَا قَالَ:
(وافتَحْ عَبَادَةَ أبا) أي: والدَ (مُحَمَّدِ) الواسطيِّ، شيخِ البخاريِّ (٦).
وَمَا عَداهُ في الكتبِ الثَّلاثةِ، فبالضَّمِّ، كعُبَادةَ بنِ الصَّامتِ، وحفيدِهِ عُبَادةَ بنِ الوليدِ.
وَمِنْهِا: عُبَادٌ، كَمَا قَالَ:
_________________
(١) صحيح البخاري ٩/ ٨٣ حديث (٧١٦١).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٣.
(٣) وصرفت لضرورة الوزن.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٣.
(٥) «هو»: سقطت من (ق).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٤.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
(واضْمُمْ) مع التخفيفِ (أبَا) أي: والدَ (قيسٍ: عُبَادًا) القَيْسِيَّ، الضُّبَعِيَّ البصريَّ، حديثُهُ في " الصحيحينِ "، و(أَفْرِدِ) أي: وأفرِدْهُ بالضبطِ المذكورِ، عن سائرِ مَنْ في الكتبِ الثلاثةِ؛ إذ مَا عَداهُ فِيْهَا فبالفتْحِ والتَّشْديدِ، كعَبَّادِ بنِ تَميْمٍ المازنيِّ، وعَبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ (١).
وأما ما وقعَ عند أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ مطَرِّفِ بنِ المرابطِ، في " الموطإِ " من عبَّادِ بنِ الوليدِ بنِ عُبَادَةَ (٢)، فقال القاضي عياضٌ: إنه خطأٌ، وإنما هو عُبَادَةُ.
ومنها: عَبَدَةُ، كَمَا قَالَ:
(وَعَامِرٌ) الكوفيُّ البَجَليُّ نسبةً إلى بجيلةَ حيٍّ مِنَ اليَمنِ، و(بَجَالَةُ) - بالفتح - التميميُّ ثم العَنْبَريُّ البصريُّ (٣).
روى للأوَّلِ مُسْلمٌ في " مقدمتِهِ " عن ابنِ مَسْعودٍ قولَهُ: «إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِيْ صُورةِ الرَّجُلِ فَيَأتِيْ القَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمُ الحَدِيْثَ» (٤).
وللثاني البُخاريُّ في الجزيةِ قولَهُ: «كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ» الحديث (٥).
(بنُ عَبْدَهْ كُلٌّ) أي: كُلٌّ منهما اسمُ أبيهِ: عَبَدَةُ بفتحتينِ.
(وَبَعْضٌ) مِنَ الْمُحدِّثينَ (بِالسُّكُونِ)، للباءِ في الاسمينِ (قَيَّدَهْ)، ويقال في الثاني: عَبْدٌ أيضًا.
وما عداهما في الكتبِ الثلاثةِ، فعَبْدَةُ بالسكونِ قطعًا، كعَبْدَةَ بنِ سُليمانَ الكِلاَبيِّ، وعَبْدَةَ بنِ أَبي لُبَابَةَ.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٦.
(٤) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٩ عقب (٧).
(٥) صحيح البخاري ٤/ ١١٧ (٣١٥٦)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٦.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ومنها: (عُقَيْلٌ) بضمِ العينِ وفتحِ القافِ، أي: بنو عُقَيْل (القَبِيْلُ) مرخمُ القبيلةِ المعروفةِ، لها ذكرٌ في " مسلمٍ " (١)، (وَ) عُقَيْلُ (ابنُ خَالِدِ) الأيليُّ حديثُهُ في
" الصحيحينِ " (٢)، و(كَذَا أبُو) أي: والدُ (يَحْيَى) الخزاعيُّ البصريُّ، روى لَهُ مُسلمٌ.
وَمَا عَدَا الثلاثةَ، فبفتحِ العينِ وكسرِ القافِ، كعَقِيْلِ بنِ أبي طالبٍ، له ذكرٌ في
" الصحيحينِ " (٣).
وَمِنْهَا: واقدٌ، كَمَا قَالَ:
(وَقَافِ واقِدِ لَهُمْ) أي: ولأربابِ الكتبِ الثلاثةِ واقدٌ بالقافِ، كواقدِ ابنِ عبدِ اللهِ ابنِ عُمرَ، وابنِ ابنِ أخيهِ: واقدِ بنِ محمدِ بنِ زيدٍ.
وليس لهم وافدٌ بالفاء (٤).
ومنها الأيْلِيُّ، كَمَا قَالَ:
(كَذَا) لَهُم (الأَيْليُّ)، بفتحِ الهمزةِ، وَسُكونِ التَّحتيةِ نِسْبةً إلى «أيْلَةَ» كَهَارونَ بنِ سَعيدٍ الأيْليِّ، ويونسَ بنِ يزيدَ الأيليِّ.
(لا الأُبُلِّي) بضم الهمزةِ، والموحدةِ، وتشديدِ اللامِ نِسبةً إلى «أبُلَّةَ» بَلْدةٍ بقربِ البَصْرةِ، فَلَيْسَ للثلاثةِ أحدٌ مَنْسوبٌ إليَها.
(قَالَ) ابنُ الصَّلاحِ (٥): (سوى شَيْبَانَ) بنِ فَرُّوْخَ مِن شُيوخِ مُسْلمٍ، فهو أبُلِّي - بالموحدةِ (٦) -.
_________________
(١) صحيح مسلم ٥/ ٧٨ (١٦٤١).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٧.
(٣) وحديثه أخرجه البخاري ٢/ ١٨١ رقم (١٥٨٨) و٥/ ١٨٧ رقم (٤٢٨٢)، ومسلم ٤/ ١٠٨ رقم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد.
(٤) انظر: الإكمال ٧/ ٢٩٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٨.
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٦.
(٦) انظر: محاسن الاصطلاح: ٥٤٨. قال العراقي في التقييد: ٤٠٠: «وقد تتبعت كتاب مسلم فلم أجد فيه شيبان بن فروخ منسوبًا، فلا تخطئة على القاضي عياض حينئذٍ فيما قاله».
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَمِنْها: البَزَّارُ، كَما قَالَ:
(والرَّا) المهملة آخرًا - بالقصر للوزن - (فاجْعَلِ بزَّارًا) نسبةً للبِزْرِ يُخرَجُ دهنُهُ ويباعُ، فهو اسمٌ لمَنْ يُخْرِجُ دُهْنَ البِزْرِ (١) ويبيعُهُ، و(انسُبْ) إليهِ (ابنَ صَبَّاحٍ حَسَنْ) - بالوقفِ بلغةِ ربيعةَ - من شيوخِ البخاريِّ، (وابنَ هِشَامٍ خَلَفًا) مِن شُيوخِ مُسْلمٍ.
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «ولا نعلمُ في " الصحيحينِ " بالراءِ المهملةِ غيرَهُما» (٢).
يعني: ممَّنْ يقعُ منسوبًا، وإلاَّ فَيَحيَى بن مُحَمَّدِ بنِ السَّكَنِ، أحد شيوخِ البخاريِّ، وبِشْرِ بن ثابتٍ الذي استَشْهَدَ به البخاريُّ، قد نُسِبَا لذلك، لَكِن لَم يَقَعا في "البُخاريِّ" منسوبَيْنِ (٣).
وَمَا عَدا ابنَ صَبَّاحٍ (٤)، وابنَ هِشَامٍ في " الصَّحيحينِ "، فبزايٍ مكرَّرةٍ، كمحمدِ بنِ الصَبَّاحِ البَزَّازِ، ومُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرحيمِ البَزَّازِ.
ومنها: النَّصْريُّ، كَما قَالَ:
(ثُمَّ انْسُبَنْ بِالنُّونِ) والصّادِ المهملةِ (سَالِمًا) هو ابنُ عَبْدِ اللهِ،
(وَعَبْدَ الوَاحِدْ) بنَ عَبدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ، (ومَالِكَ بنَ الأَوْسِ) بنِ الْحَدَثانِ، أي: انسُبْ كُلًا مِنْهُمْ (نَصْرِيًّا) نسبةً إلى أبِ القبيلةِ نَصْرِ بنِ معاويةَ بنِ بُكيرٍ (٥)، حيثُما (يَرِدْ) في الروايةِ.
رَوى للأولِ مُسْلمٌ، وللثاني البُخاريُّ، وللثالثِ الثلاثةُ.
وَمَا عَدَاهُمْ في الكُتُبِ الثّلاثةِ، فَبَصْريٌّ بالْمُوَحَّدَةِ.
_________________
(١) في (م): «البرز».
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٦.
(٣) انظر: المقنع ٢/ ٦٠٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٧٩.
(٤) في (م): «الصباح».
(٥) انظر: اللباب ٣/ ٣١١.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
٩٢٢ - وَالتَّوَّزِيْ (١) مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ وَفِي الْجُرَيْرِيْ ضَمُّ جِيْمٍ يَأْتِي
٩٢٣ - فِي اثْنَيْنِ: عَبَّاسٍ سَعِيْدٍ وَبِحَا (٢) يَحْيَى بْنِ بِشْرِ بنِ الحَرِيْريْ فُتِحَا
٩٢٤ - وَانْسُبْ حِزَامِيًّا سِوَى مَنْ أُبْهِمَا فَاخْتَلَفُوا وَالْحَارِثِيُّ لَهُمَا
٩٢٥ - وَسَعْدٌ الْجَارِي فَقَطْ وفِي النَّسَبْ هَمْدَانُ وَهْوَ مُطْلَقًا قِدْمًا غَلَبْ
ومنها: التَّوَّزِيُّ، كما قَالَ:
(والتَّوَّزِيْ) -بالاسكان لما مَرَّ، وَبفَتْحِ الفَوْقيةِ، وَتشديدِ الواوِ المفتوحةِ، وبزايٍ - نسبةً إلى تَوَّز، ويقالُ: تَوَّجُ بجيمٍ بلدةٌ بفارسَ (٣)، هو (مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ) أَبُو يَعْلَى البَصريُّ، حديثُهُ في " البخاريِّ ".
وَمَا عَداه فبمثلثةٍ وواوٍ ساكنةٍ، وراءٍ، كأَبي يَعْلى مُنْذرِ بنِ يَعْلَى (٤) الثَّوْريِّ، وحديثُهُ في " الصحيحينِ "، وهو شديدُ الالتباسِ بالأولِ، لاشتراكِهِما في الكُنيةِ.
ومنها: الْجُرَيْريُّ، كَمَا قَالَ:
(وَفي الْجُرَيْريْ) - بالاسكان لما مَرَّ - (ضَمُّ جِيْمٍ) نسبةً لِجُرَيْرَ بنِ عُبَادٍ
- بضمِ العينِ، وتخفيفِ الموحَّدَةِ (٥) - (يَأْتِي في اثْنَيْنِ) فَقَطْ: (عَبَّاسٍ) هو ابنُ
فَرُّوْخٍ، و(سَعِيدٍ) هُوَ ابنُ إياسٍ، حديثُ كُلٍّ مِنْهُمَا في " الصَّحيحينِ "، ويردُ ثانيهِما مُقْتَصَرًا فِيهِ عَلى النِّسبةِ في مُسْلمٍ من روايتِهِ عن أَبي نَضْرةَ، وعن حَيَّانِ بنِ عُمَيْرٍ، وغيرِهِما.
وأما حَيَّانُ هذا، وأَبَانُ بنُ تَغْلِبَ، وإنْ نُسِبَا كَذلِكَ، وروى لهما
مسلمٌ، فلم يردا في " صحيحِهِ " منسوبَيْنِ، بل باسمَيْهِما فقط.
_________________
(١) بالسكون، وبالضبط الذي ذُكِرَ؛ ليستقيم الوزن.
(٢) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٣) انظر: الأنساب ١/ ٥١٤، ٥١٥.
(٤) في (ع): «علي».
(٥) انظر: اللباب ١/ ٢٧٦.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
(وبِحَا) مهملةٍ بالقصرِ (يَحْيَى بنِ بِشْرِ) هُو ابنُ كَثيرٍ أبو زَكريا (بنِ الْحَرِيْريْ) - بالإسكان لما مَرَّ - (فُتِحَا) حاؤُهُ، وتفرَّدَ مسلمٌ بالرِّوايةِ عَنهُ.
وَالقَولُ: بأنَّه شَيْخُ البخاريِّ أيضًا وَهَمٌ، كَمَا قَالَهُ الناظمُ (١)؛ فشيخُ البُخاريِّ إنما هو (٢): يَحيى بنُ بِشْرٍ البَلْخيُّ.
وَلَهُمْ: يَحْيَى بنُ أَيّوبَ الْجَرِيْريُّ - بِجيمٍ مَفْتوحةٍ وراءٍ مَكْسورةٍ - نسبةً لِجَدِّهِ جَرِيْرٍ البَجَليِّ، وهو وإنِ استَشْهَدَ به البخاريُّ في كِتابِ الأدبِ من " صَحِيحِهِ " (٣) لم يذكرْهُ مَنسوبًا، بَلْ بِاسْمِهِ (٤)، واسمِ أبِيْهِ فقط.
ومنها: الْحِزَاَمِيُّ، كَمَا قَالَ:
(وانسُبْ) مَنْ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ (حِزَامِيًّا) -بكسرِ المهمَلَةِ وبزاي-كإبراهيمَ بنِ المنذرِ والضَّحَّاكِ بنِ عُثمانَ، فحيثُ وقعَ ذَلِكَ في الكُتُبِ الثَّلاثةِ، فَهوَ بالزايِ، قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٥)
وَزَاد عَليهِ النَّاظمُ: (سِوَى مَنْ أُبْهِمَا) اسْمُهُ في حَديثِ (٦) مسلمٍ (٧)،
(فَاخْتَلَفُوا) في ضَبْطِهِ، فَضَبَطَهُ الأكثرُ بفتحِ المهملةِ وبالراءِ، والطبريُّ بكسرِها، وبالزايِ، وابنُ مَاهَانَ بجيمٍ مضمومةٍ، وذالٍ معجمةٍ (٨).
وذكرَ أبو عليٍّ الْجَيَّانيُّ في ذلك من يُنْسَبُ إلى بَنِي حَرَامٍ من الأَنْصارِ، كجَابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ولم يذكرْهُ الناظمُ كابنِ الصلاحِ.
قَالَ: لأنَّه لم يُذْكَرْ مَنْسوبًا، بَل باسمِهِ فَقَط. قَالَ: ولم أذكرْ فيهِ «الجُذَاميَّ»
-بضمِ الجيمِ، وبالمعجمةِ-، كَفَرْوَةَ بنِ نِعَامَةَ الجُذَاميِّ؛ لأَنَّهُ قَد لا يلتبسُ (٩).
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٨٣.
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) صحيح البخاري ٨/ ٢ عقب (٥٩٧١)، وانظر: فتح الباري ١٠/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٤) في (م): «اسمه».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٧.
(٦) في (م) زيادة: «أبي اليسر من صحيح».
(٧) صحيح مسلم ٨/ ٢٣١ (طبعة استانبول)، و٤/ ٢٣٠٢ (طبعة محمد فؤاد).
(٨) مشارق الأنوار ١/ ٢٢٧، وقد نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم ٥/ ٨٥١. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٨٥.
(٩) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٨٦.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
ومنها: الْحارثيُّ، كَمَا قَالَ:
(والْحَارِثيُّ) بِمهملةٍ، وراءٍ مَكْسورةٍ، ثُمَّ مُثَلَّثةٍ (لَهُمَا) أي: للبخاريِّ ومسلمٍ، وَهوَ جميعُ مَا فِيهمَا، منهم: أبو أمامةَ الحارثيُّ صَحابيٌّ لَهُ روايةٌ عند مسلمٍ في كتابِ الإيْمانِ، بكسر الهمزة (١).
(وسَعْدٌ) هو ابنُ نوفل أبو عبدِ اللهِ (الْجَارِي) -بِجيمٍ ثم ياءٍ (٢) بعدَ الراءِ- نسبةً لجدِّهِ (٣). وقيلَ: للجارِ مُِرْفَأ السُّفُنِ بسَاحِلِ (٤) المدينةِ (٥)، مِنْ: أرْفَأتُ السَّفِيْنَةَ أي: قَرَّبْتُها من الشَّطِّ. فَذَلِكَ الموضعُ يُسَمَّى مرفأً، وجارًا (٦).
وسعدٌ هذا مولى عمرَ بنِ الخطابِ، وعاملُه عَلى الجارِ مُِرفإِ السفنِ (٧).
(فَقَطْ) أي: لَيْسَ لَهُم: الجاريُّ غيرُ سَعْدٍ، وحديثُهُ في " الموَطّإِ " (٨).
وذكرَ أبو عليٍّ الْجَيَّانيُّ مَع ذَلِكَ: الخارفيَّ، بالخاءِ المعجمةِ وبالفاءِ بدلِ الثاءِ، كعبدِ اللهِ بنِ مرةَ الخارفيِّ، وَقد لاَ يلتبِسُ (٩).
وَمِنْهَا: هَمْدَانُ، كَمَا قَالَ:
(وفي النَّسَبْ) إلى قبيلةِ (هَمْدَان) - بإسكانِ الميم (١٠) وإهمالِ الدال - وهو جميعُ مَا فِي الكُتُبِ الثَّلاثةِ، وإنْ كَانَ فِيهَا مَنْ هو من مدينةِ هَمَذَانَ - بالفتحِ
والإعجامِ (١١) - ببلادِ الجبلِ، إلاَّ أَنَّهُ غَيْرُ منسوبٍ.
(وَهْوَ) أي: المنسوبُ إلى هَمْدَانَ - بالإسكانِ والإهمالِ - موجودٌ في الرُّواةِ (مُطْلَقًا) عن التقييدِ بالكتبِ الثلاثةِ (قِدْمًا) أي: قديمًا (غَلَبْ) على المضبوطِ بالفتحِ
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٨٥ (١٣٧).
(٢) في (م) زيادة: «نسبة».
(٣) وهو قول القاضي عياض. انظر: مشارق الأنوار ١/ ٢٢٧.
(٤) في (م): «بساهل».
(٥) وهو قول ابن الصلاح. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٧.
(٦) انظر: الصحاح ١/ ٥٣، وتاج العروس ١/ ٢٤٧.
(٧) انظر: اللباب ١/ ٢٥١.
(٨) الموطأ (١٤٢٨) رواية الليثي.
(٩) انظر: الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٤١٩.
(١٠) في (م): «الجيم»؟
(١١) في (ق): «بالاعجام والفتح».
[ ٢ / ٢٧٩ ]
والإعجامِ، أي: أكثرَ منه كما صرَّحَ به ابنُ ماكولا، حيث قال: «والْهَمْدَانيُّ في المتقدمينَ: بسكونِ الميمِ أكثرُ، وبفتحِها في المتأخرينَ أكثرُ» (١).
ونحوُهُ قولُ الذهبيِّ: «والصَّحابةُ والتابعونَ وتابعُوهم مِنَ القبيلةِ، وأكثرُ المتأخرينَ مِنَ المدينةِ. قَالَ: ولا يمكنُ استيعابُ هؤلاءِ، ولا هؤلاءِ» (٢).
ومِمَنْ (٣) خَرَجَ مِنَ الغالبِ، وسَكَنَ من المتأخرينَ: أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سعيدِ بنِ عُقْدَةَ، وأبو الفضلِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَطَّافٍ، وجعفرُ ابنُ عليٍّ، وعليُّ بنُ عبدِ الصمدِ السَّخَاويُّ، وعَبْدُ الْحَكَمِ (٤) بنُ حاتِمٍ (٥).
الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ (٦)
أي: معرفتُهُما، وَهيَ فنٌّ مهمٌّ، ومِنْ فوائدِهِ الأمنُ مِن اللَّبْسِ، فَرُبَّمَا يُظَنُّ الْمُتعدَّدُ وَاحِدًَا، عَكْسُ مَا مَرَّ في الألْقَابِ. وَرَبَّمَا يَكُوْنُ أَحَدُ الْمُتَّفقَيْنِ ثِقَةً، والآخرُ ضَعِيْفًا، فَيضعفُ مَا هُوَ صَحِيْحٌ أَوْ يُعكسُ.
_________________
(١) الإكمال ٧/ ٤١٩.
(٢) المشتبه للذهبي: ٦٥٤.
(٣) في (م): «ومن».
(٤) في (ص) و(ق): «الحكيم».
(٥) كتب ناسخ (ع) إشارة مفادها بلوغ المقابلة.
(٦) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٨، والإرشاد ٢/ ٧٣٠ - ٧٤٣، والتقريب: ١٨٥ - ١٨٨، والاقتراح: ٣١٤ - ٣١٥، والمنهل الروي ١٢٧ - ١٢٩، واختصار علوم الحديث: ٢٢٧ - ٢٢٩، والشذا الفياح ٢/ ٦٦٢ - ٦٨٢، والمقنع ٢/ ٦١٤ - ٦٢١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٠، ونزهة النظر: ١٧٥ - ١٧٦، وطبعة عتر: ٦٨، وفتح المغيث ٣/ ٢٤٥ - ٢٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ٣١٦ - ٣٢٩، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٨٨ - ٤٩٣، وظفر الأماني: ٨٩ - ٩٨.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
٩٢٦ - وَلَهُمُ الْمُتَّفِقُ الْمُفْتَرِقُ (١) مَا لَفْظُهُ وَخَطُّهُ مُتَّفِقُ
٩٢٧ - لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ لِعِدَّةِ نَحْوَ ابْنِ أحْمَدَ الْخَلِيْلِ سِتَّةِ
(وَلَهُمُ) أي: لِلْمُحَدِّثينَ (الْمُتَّفِقُ الْمُفْتَرِقُ) (٢) من الأسْماءِ والأنسابِ ونَحْوِهما (٣)، وهو: (مَا لفظُهُ وخطُّهُ مُتَّفِقُ، لَكِنْ مُسَمَّياتُهُ لِعِدَّةِ) أي: مُتَعدِّدة، فهوَ بهذا مفترقٌ، وَهوَ من قَبيلِ الْمشتَرَكِ اللفظيِّ.
والْمُهِمُّ مِنْهُ من (٤) يشتَبِهُ أمرُهُ لتعاصرٍ واشتراكٍ في شيوخٍ أو رُواةٍ، وهو ثَمَانِيةُ أقسامٍ:
أوَّلَهَا: أنْ تَتَّفِقَ أسْمَاؤهُم، وأَسْماءُ آبائِهِمِ، (نَحْوَ ابنِ أحْمَدَ الْخَلِيْلِ، سِتَّةِ) مِنَ الرِّجالِ، عَلى مَا ذكرَ ابنُ الصَّلاحِ (٥)، وإلاّ فَهُم أزيدُ، كَمَا قَالَ النّاظِمُ، وَسيأتي بيانُهُ.
الأول: أبو عبدِ الرَّحْمانِ الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَمرِو بنِ تَميْمٍ الأزْدِيُّ البَصْريُّ النَّحويُّ، صَاحِبُ العَروضِ - وهو أوَّلُ مَن استخرجَهُ - وصاحبُ " كتابِ العَينِ " في اللغةِ (٦).
_________________
(١) في (النفائس) و(فتح المغيث): " والمفترق "؛ لذلك سُكِّنَتِ القاف في " المتفقْ " في (النفائس)؛ لضرورة الوزن، وبإسقاط الواو كما في النسخ كلِّها لا حاجة إلى هذا التسكين لاستقامة الوزن، وتحريك (القاف) في (فتح المغيث) خطأ لا يستقيم الوزن معه.
(٢) في (م): «المتفق والمفترق». وللخطيب البغدادي فيه كتاب "المتفق والمفترق"، قال عنه ابن الصلاح: «وهو مع أنه كتاب حفيل غير مستوف للأقسام التي أذكرها». معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٩.
(٣) في (م): «ونحوها».
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي (م): «ما».
(٥) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٣٩.
(٦) الكتاب طبع في ثمانية أجزاء، وفي نسبته إلى الخليل كلامٌ، قال ابن جني: «أما كتاب العين، ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل فضلًا عن نفسه». الخصائص ٣/ ٢٨٨. وقدِ اتُّهِمَ الليث بن المظَفَّرِ - راوية الخليل وتلميذه - بأنه هو الذي «نحل الخليل بن أحمد تأليف كتاب العين جملة لينفقه باسمه، ويرغب فيه مَنْ حوله». التهذيب ١/ ٢٨ غير أن الأزهري يضيف قائلًا: «ولم أرَ خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب العين لأبي عبد الرحمان الخليل بن أحمد وعلمت أنه لا يتقدم أحدٌ الخليلَ فيما أسسه ورسمه ». التهذيب ١/ ٤٠١. = = والذي جعل العين مدارًا للشك كثرة الخلل الواقع فيه؛ لِذَلِكَ جوبه بنقد كَثِيْر وجهه إليه أبو حاتم السِّجِسْتَانيّ، وابن دريد، وأبو عَلِيّ القالي، وأبو بَكْر الزبيدي، وأبو مَنْصُوْر الأزهري، وأحمد بن فارس، وغيرهم. ينظر: نقاش ذَلِكَ في المعجم العربي: حسين نصار ١/ ٢٨٠، وقارن بمقدمة محقق كتاب العين ١/ ١٨ - ٢٧. وعدم ظهور الكتاب إلاَّ بعد خمسين سنة من وفاة الخليل، وما قيل منه إنَّ الخليل بدأه في أواخر حياته (بعد ١٧٠ هـ)، وهي في الأغلب السنة التي مرض فيها وتوفي بعدها (١٧٥ أو ١٧٧ هـ)، وقد كان عرض منهج الكتاب على تلميذه الليث بن المظَفَّرِ الذي عاد من الحج فأكمله بعد، أو وصل فيه الخليل إلى آخر حرف العين، وقيل: إنه أتمَّه ثمَّ أحرقه وألَّفهُ بعده الليث؛ لأنه كان قد قرأه، وقيل: غير ذلك. انظر: مشكلات في التأليف اللغوي، د. رشيد العبيدي، فصل (كتاب الجيم).
[ ٢ / ٢٨١ ]
والثاني: الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ بِشْرٍ الْمُزَنيُّ، ويقال: السلميُّ، وهو بصريٌّ أيضًا، وهو متأخرٌ عن الأوَّلِ، يروي عن الْمستنِيْرِ بنِ أخضرَ.
والثالثُ: بصريٌّ أيضًا، قيل: يروي عن عكرمةَ، وقيلَ: عَن بعضِ أَصْحَابِ عكرمةَ (١).
_________________
(١) ذكره أبو الفضل الهروي في كتابه " مشتبه أسامي المحدثين ": ١٠٨ (١٦٢). قال العراقي: «وأخشى أن يكون هذا هو الخليل بن أحمد النحوي، فإنه روى عن غير واحدٍ من التابعين». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٣. وقال السخاوي: «بل قال شيخنا - يعني ابن حجر -: أخلق به أن يكون غلطًا، فإن أقدم من يقال له الخليل بن أحمد الأول، ولم يذكر أحد في ترجمته أنه لقي عكرمة، بل ذكروا أنه لقي أصحاب عكرمة كأيوب السختياني، فلعل الراوي عنه أسقط الواسطة بينه وبين عكرمة، فظنه أبو الفضل آخر غير الأول، وليس كما ظن لأن أصحاب الحديث اتفقوا على أنه لم يوجد أحد تسمى " أحمد " من بعد قرن النبي - ﷺ - إلا والد الأول». فتح المغيث ٣/ ٢١٠. قلنا: ذكر ابن الصلاح في كتابه " معرفة أنواع علم الحديث ": ٥٣٩ أن هذا الثالث أصبهاني روى عن روح بن عبادة وغيره. فتعقبه العراقي في التقييد والإيضاح: ٤٠٦ - ٤٠٧ فقال: «هذا وهم من المصنف، وكأنه قلّد فيه غيره فقد سبقه إلى ذلك ابن الجوزي في التلقيح، وسبقهما إلى ذلك أبو الفضل الهروي في كتاب " مشتبه أسماء المحدثين " فعدّ هذا فيمن اسمه الخليل بن أحمد، وإنما هو الخليل بن محمد العجلي يكنى أبا العباس وقيل: أبا محمد، هكذا سماه أبو الشيخ بن حيان في كتاب "طبقات الأصبهانيين" وكذلك أبو نعيم في " تاريخ أصبهان "، وروى له أحاديث في ترجمته عن روح بن عبادة وغيره، فَقَالَ: حدثنا عبد الرحمان بن محمد بن جَعْفَر، حدثنا أبو الأسود عبد الرحمان بن محمد بن الفيض، حدثنا الخليل ابن محمد، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيد، أخبرني عبد الله بن دينار، قال: قال عبد الله ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مشت أمتي المطيطاء الحديث». وروى له حديثين آخرين من= =روايته عن عبد العزيز بن أبان، وحدثنا (كذا ولعل الصواب: وحديثًا) من روايته عن أبي بكر الواسطي، وهكذا ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في الرواة عن روح بن عبادة: الخليل بن محمد العجلي الأصبهاني، ولم أر أحدًا من الأصبهانيين تسمى الخليل بن أحمد، بل لم يذكر أبو نعيم في تاريخ أصبهان أحدًا اسمه الخليل غير الخليل بن محمد العجلي هذا، والوهم في ذلك من أبي الفضل الهروي وتبعه ابن الجوزي والمصنف». وانظر: مشتبه أسامي المحدثين: ١٠٨ (١٦٣)، وذكر أخبار أصبهان ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وتلقيح فهوم أهل الأثر: ٦٠٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٤٩٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٤، ولم نقف عليه في المطبوع من كتاب " طبقات المحدثين بأصبهان " لأبي الشيخ.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
والرابعُ: أبو سَعيدٍ الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ (١) الْخليلِ السِّجْزِيُّ الحنفيُّ، قاضي سَمَرقَنْدَ يروي عن ابنِ خُزَيْمَة وغيرِهِ (٢).
والخامس: أبو سَعيدٍ الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ محمدٍ البُسْتيُّ المُهَلَّبِيُّ الشافعيُّ القاضِي.
ذكر ابنُ الصَّلاحِ أنه سَمِعَ مِنَ الذي قبلَهُ، ومن أحمدَ بنِ الْمظفرِ البكريِّ، ومن غيرِهما، حدَّثَ عَنْهُ البَيْهَقيُّ (٣).
والسادس: أبو سعيدٍ الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ البُسْتِيُّ، الشَّافِعِيُّ، ذَكَرَهُ الْحُمَيْديُّ في " تاريخِ الأندَلُسِ " (٤)، روى عَن أبي مُحَمَّدِ بنِ النحاسِ بِمصرَ، وأبي حامد الإسفرايينيِّ، وغيرِهما (٥).
ومن الزائدِ على الستّةِ:
البغداديُّ رَوَى عن سيَّارِ بنِ حاتِمٍ (٦).
_________________
(١) لم ترد في (م) وفي (ق): «الخليل بن أحمد الخليلي»!!
(٢) ترجمته في: يتيمة الدهر ٤/ ٣٣٨، ومعجم الأدباء ١١/ ٧٧، والنجوم الزاهرة ٤/ ١٥٣، والطبقات السنية ٣/ ٢١٦، وشذرات الذهب ٣/ ٩١.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٠.
(٤) انظر: جذوة المقتبس: ٢١٢.
(٥) انظر: الصلة لابن بشكوال ١/ ١٨١ (الطبعة المصرية). قال العراقي: «وأخشى أيضًا أن يكون هذا هو الذي قبله، ولكن هكذا فرق بينهما ابن الصلاح». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٤. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٠.
(٦) ذكره العراقي في شرحه ٣/ ١٩٥: وقال: «ذكره ابن النجار في " الذيل "»، ولم نقف عليه في المطبوع منه.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أبو طاهرٍ الْخَلِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عليٍّ الْجَوْسَقِيُّ الصَّرْصَرِيُّ، روى عَنْهُ الْحَافِظُ ابنُ النجَّارِ، وغيرُهُ (١).
وأبو القاسمِ المصرِيُّ الشاعرُ، رَوَى عنهُ أبو القاسمِ بنِ الطَّحَّانِ (٢).
٩٢٨ - وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَجَدُّهُ حَمْدَانُ هُمْ أَرْبَعَةٌ تَعُدُّهُ
٩٢٩ - وَلَهُمُ الجَوْنيْ أَبُوْ عِمْرانَا اثْنَانِ والآخِرُ مِنْ بَغْدَانَا
٩٣٠ - كَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ هُمَا مِنَ الأَنْصَارِ ذُوْ اشْتِبَاهِ
٩٣١ - ثُمَّ أَبُوْ بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ لَهُمْ ثَلاَثَةٌ قَدْ بَيَّنُوا مَحَلَّهُمْ
٩٣٢ - وَصَالِحٌ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ أبي صَالِحٍ أتْبَاعٌ هُمُ
(و) ثانيهما: أنْ تتفِقَ أسماؤُهُمْ، وأسماءُ آبائِهِم، وأجْدَادِهِم.
ومنهم: (أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرٍ، وَجَدُّهُ: حَمْدَانُ) و(هُمْ أَرْبَعَةٌ) متعَاصِرُونَ في طبقةٍ واحدةٍ، (تَعُدُّهُ) أي: المسمَّى بذلكَ.
فالأوَّلُ: أبو بكرٍ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدانَ البغداديُّ، يَرْوِي عنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٣).
والثاني: أبو بكرٍ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ عيسى السَّقَطِيُّ (٤) البصريُّ، يَروي عن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الدَّورَقيِّ، وغيرِهِ (٥).
والثالث: أحمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ حَمْدَان الدِّيْنَوَرِيُّ، روى عن جَمْعٍ، منهُم: عبدُ اللهِ بنُ محمد بنِ سنان الرَّوْحيُّ - نسبةً لشيخِهِ: رَوْح؛ لإكثارِهِ عَنْهُ (٦) - وروى عَنْهُ عليُّ بنُ القاسمِ بنِ شاذانَ الرازيُّ، وغيرُهُ.
_________________
(١) ذكره العراقي في شرحه وقال: «توفي سنة أربع وثلاثين وست مئة، قاله ابن النجار». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٥.
(٢) ذكره العراقي في شرحه وقال: «روى عنه الحافظ أبو القاسم بن الطحان، وذكره في ذيله على تاريخ مصر، وقال: توفي سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. شرح التبصرة والتذكرة٣/ ١٩٥.
(٣) هو القطيعي راوي المسند عن عبد الله. ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢١٠.
(٤) بفتح السين المهملة والقاف، وكسر الطاء المهملة. انظر: اللباب ٢/ ١٢٢.
(٥) توفي سنة أربع وستين وثلاث مئة، وقد جاوز المئة. انظر: الأنساب ٣/ ٢٨٦.
(٦) انظر: اللباب ٢/ ٤١.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والرابعُ: أبو الحسنِ أحمدُ بنُ جَعْفرِ بنِ حمدانَ الطَّرَسُوسيُّ، يَروي عَن عبدِ اللهِ بنِ جابرٍ، وغيرِهِ.
قال الناظمُ: «ومن غرائبِ الاتفاقِ في ذلكَ: محمدُ بنُ جعفر بنِ محمدٍ، ثلاثةٌ متعاصِرونَ، مَاتوا في سنةٍ واحدةٍ (١)، وكُلٌّ مِنهم في عشرِ المئةِ. وهم:
أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ جعفرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الهيَثَمِ الأنباريُّ (٢).
وأبو عمرٍو محمدُ بنُ جعفرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَطَرٍ النِّيْسَابُورِيُّ (٣).
وأبو بكرٍ محمدُ بنُ جعفر بنِ مُحَمَّدِ بنِ كنانةَ البغداديُّ (٤).
ماتوا في سنةِ ستينَ، وثلاثِ مئةٍ» (٥).
وثالثُها: أنْ تتفِقَ الكُنيةُ، والنِّسبةُ معًا، كما ذكرَهُ بقولِهِ: (وَ(٦) لَهُمُ) أي: للمحدثينَ (٧) في أمثلتِهِ: (الْجَوْنِيْ) - بالإسكان لما مَرَّ، وبفتحِ الجيمِ (٨) - (أَبُو عِمْرانَا) وهو (اثْنَانِ) بَصْريانِ:
_________________
(١) يريد سنة (٣٦٠ هـ) كما سيذكرها في نهاية كلامه.
(٢) البندار، ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٦/ ٦٣، والعبر ٢/ ١٠٦.
(٣) ترجمته في السير ١٦/ ١٦٢.
(٤) ترجم الخطيب في تاريخه لمحمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن كنانة أبي بكر المؤدب. ولكنه أرخ وفاته نقلًا عن ابن الفرات سنة (٣٦٦ هـ). تاريخ بغداد ٢/ ١٥١ (الطبعة القديمة) و٢/ ٥٣٢ (طبعة دار الغرب). والذي أوقع العراقي في هذا الوهم - الذي تبعه عليه المصنف هنا - تقليده المحض لعبارة الذهبي في العبر ٢/ ٣٢٣، فإنه بعد أن أرخ وفاة هؤلاء الثلاثة سنة (٣٦٠) وأوردهم في وفياتها، قال: «ومن غرائب الاتفاقات، موت هؤلاء الثلاثة في سنة واحدة، وهم في عشر المئة، وأسماؤهم وآباؤهم وأجدادهم، شيء واحد». وفي ذات السنة أرخ وفاته في سفره العظيم "تاريخ الإسلام". انظر: وفيات سنة (٣٦٠ هـ): ٢١٥ (تحقيق التدمري).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٧.
(٦) ساقطة من (م).
(٧) في (ص): «المحدثين».
(٨) نسبة إلى (جَوْن). بطن من الأزد. انظر: الأنساب ٢/ ١٥٦.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فالأولُ: عبدُ الملِكِ بنُ حَبيبٍ، تابعيٌّ مشهورٌ.
(والآخِرُ) بكسر الخاءِ، أي: والمتأخِّرُ منهما في الطبقةِ (مِنْ بَغْدَانَا) بنونٍ لغة في بغدادَ (١)، واسمُهُ: موسى بنُ سهل بنِ عبدِ الحميدِ، رَوى عَن الربيعِ بنِ سُليمانَ، وطبقَتِهِ.
ومِنْ أمثلتِهِ أيضًا: أبو عُمَرَ الْحَوْضيُّ، إثنانِ (٢).
ورابعُها: أنْ يتفِقَ الاسمُ واسمُ الأبِ والنسبةُ، كما ذكرَهُ بقولِهِ: (كَذَا) أي: من المتفِقِ والمفترِقِ مما هو قريبٌ من الثالثِ: (مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ)، اثنانِ متقاربانِ في الطبقةِ، و(هُمَا مِنَ الأنْصَارِ).
فالأولُ: القاضي أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المثنى بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَنَس بنِ مالكٍ الأنصاريُّ البصريُّ (٣).
والثاني: أبو سلمةَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ الأنصاريُّ البصريُّ، ضعيفٌ (٤).
وقَدِ اشتَركا في الروايةِ عَنْ حُمَيْدٍ الطويلِ، وسليمانَ التيميِّ، ومالكِ بنِ دينارٍ، وقُرَّةَ بنِ خالدٍ، وإلى ذلك أشارَ بقولِهِ: (ذُوْ اشْتِبَاهِ) (٥).
ولاشتراكِهِمَا واشتباهِ الأمرِ بينهما في ذلك، اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ (٦) تبعًا للخطيبِ (٧) عَليهما، وإلاَّ فلهما مشارِكُونَ في الاسمِ واسمِ الأبِ والنسبةِ، لكنَّ بعضَهُم متقدمٌ عليهِما، وبعضُهم متأخرٌ عنهما، نبَّهَ عَلى ذلِكَ الناظمُ (٨).
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٥٦.
(٢) ذكرهما الخطيب في المتفق والمفترق ٣/ ٢١١٩ - ٢١٢٠.
(٣) وفاته سنة (٢١٥ هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٣٧.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٣٧١ (٥٩٣٦).
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٩.
(٦) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٢.
(٧) انظر: المتفق والمفترق ٣/ ١٨٨٨ - ١٨٨٩.
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ١٩٩.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وخَامِسُها: أنْ تتفقَ كناهُم وأسماءُ آبائِهِم، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ: (ثُمَّ أَبُوْ بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ) بياءٍ تحتيةٍ، وشينٍ معجمةٍ (لَهُمْ) أي: لِلمُحدِّثينَ مِنه (ثلاثةٌ (١) قَدْ بَيَّنُوا مَحَلَّهُمْ) أي: بيَّنُوهم في مَحَلِّهِمْ.
فالأوَّلُ: أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشِ بنِ سالمٍ الأَسَديُّ الكوفيُّ، راوي قِرَاءةِ عاصمٍ، وقدَّمْتُ في الكُنى بيانَ الخلافِ في اسمهِ، والصحيحَ منه.
والثاني: أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ الحِمْصِيُّ، يروي عن عثمانَ بنِ شباكٍ الشاميِّ (٢).
والثالث: أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ السلميُّ مولاهُم، واسمُهُ: حسينٌ، يروي عن جعفر بنِ بُرقانَ (٣).
وسادسُها: أنْ تتفقَ أسماؤهم وكنى آبائِهم، عكسُ الخامسِ، كما ذكرَهُ بقوله: (وصالحٌ أربعةٌ كُلُّهُمُ) أي: كُلٌّ مِنْهُمْ (ابنُ أبي صالحٍ اتْبَاعٌ) بالدرج (هُمُ).
فالأولُ: أبو مُحَمَّدٍ صَالِحُ بنُ أَبِي صَالِحٍ الْمَدَنيُّ، مولى التَّوأمَةِ بنتِ أُمَيّةَ ابنِ خَلفِ الجمحيِّ، يَروي عَن أبي هُريرةَ، وابنِ عباسٍ، وغيرِهما مِنَ الصحابةِ.
والثاني: صالِحُ بنُ أَبِي صالِحٍ ذكوانَ السَّمَّانِ، يروي عن أنسٍ.
والثالثُ: صالِحُ بنُ أَبِي صالِحٍ السَّدُوسيُّ، يَروي عن عليٍّ، وعَائِشَةَ.
والرابعُ: صالحُ بنُ أَبِي صالِحٍ مِهْرَانَ المخزوميُّ الكوفيُّ، يَروي عَن أَبِي هُريرةَ.
وَلَهُم خَامِسٌ أسديٌّ، يَروي عَن الشَّعبيِّ ذكرَهُ الناظمُ (٤).
_________________
(١) انظر: المتفق والمفترق ٣/ ٢١٢١ - ٢١٢٣.
(٢) ذكره ابن الصلاح، وقال: «حدّث عنه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وهو مجهول، وجعفر غير ثقة». معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤١. قال الذهبي في الميزان ٤/ ٥٠٣: «لا يدرى من هو». وانظر: المتفق والمفترق ٣/ ٢١٢١ - ٢١٢٣.
(٣) هو الباجدائي، صاحب كتاب " غريب الحديث "، توفي سنة (٢٠٤ هـ)، وعليه فهو من متقدمي المصنفين في غريب الحديث، ومع ذلك فلم يذكره ابن الجزري في تقدمته لكتابه " النهاية في غريب الحديث "، ولا استدركه عليه محققه!؟
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قَالَ: «وإنما لم يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ، كالخطيبِ، لكونِهِ متأخِّرَ الطبقةِ عن الأربعةِ، وأيضًا فسمَّاهُ بعضُهم: صالِحَ بنَ صالِحٍ الأسديَّ. قال البخاريُّ: والأوَّلُ أصحُّ» (١).
٩٣٣ - وَمِنْهُ مَا (٢) فِي اسْمٍ فَقَطْ وَيُشْكِلُ كَنَحْوِ حَمَّادٍ إذَا مَا يُهْمَلُ
٩٣٤ - فَإِنْ يَكُ ابْنُ حَرْبٍ اوْ (٣) عَارِمُ قَدْ أَطْلَقَهُ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ أَوْ وَرَدْ
٩٣٥ - عَنِ التَّبُوْذَكِيِّ أَوْ عَفَّانِ أَوْ ابْنِ مِنْهَالٍ فَذَاكَ الثَّانِي
٩٣٦ - وَمِنْهُ مَا فِي نَسَبٍ كالْحَنَفِي قَبِيْلًا اوْ (٤) مَذْهَبًا او (٥) باليا (٦) صِفِ
وسابعُها: أنْ تتفِقَ أسماؤهم أو كناهم أو نسبتُهم، كما ذكرَهُ بقولِهِ:
(ومنهُ) أي: من فَنِّ (٧) المتفقِ والمفتَرِقِ (مَا) الاتفاقُ فيه (في اسمٍ)، أو كنيةٍ، أو نسبةٍ (فَقَطْ)، فيقعُ في السَّنَدِ منهم واحدٌ باسمِهِ، أو كنيتِهِ، أو نسبتِهِ فقط، مهملًا مِن ذكرِ أبيهِ، أو غيرِهِ، ممَّا يَتميَّزُ بِهِ عَن المشارِكِ لَهُ فيما يَرويهِ، فَيُلبِسُ (ويُشْكِلُ) الأمرُ فيهِ.
وللخطيبِ فيه كتابٌ مفيدٌ سمَّاهُ " المكملَ في بيانِ المهملِ ".
(كَنَحْوِ حَمَّادٍ إذا مَا) زائدةٌ (يُهْمَلُ) من ذكرِ نسبةٍ، أو غيرِها، ويتميَّزُ ذَلِكَ عِندَ المُحدِّثينَ بِحَسَبِ مَنْ أطلقَهُ.
(فإنْ يَكُ) سليمانُ (ابنُ حَرْبٍ، او (٨» بالدرجِ (عَارِمُ) بمهملتينِ وبغيرِ تنوينٍ، لقبٌ لِمُحَمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدوسيِّ، شيخ البخاريِّ، (قد أَطلقَهُ، فهْوَ) حمادُ (ابنُ زَيْدٍ، أو) إنْ
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٠٣، وانظر: التاريخ الكبير ٤/ ٢٨٤ الترجمة (٢٨٢٧).
(٢) في (فتح المغيث): «وما»، وهي خطأ؛ إذ لا يستقيم الوزن معها.
(٣) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٤) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٥) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٦) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٧) لم ترد في (ص).
(٨) في (م): «أو» بإثبات الهمزة.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
(وَرَدْ) حمادٌ مطلقًا، إما (عَن) أَبِي سَلَمَةَ موسى بنِ إسماعيلَ (التَّبُوْذَكيِّ) - بفتحِ الفوقيةِ، وضمِ الموحدةِ، وفتح المعجمةِ - (أو) عن (عَفَّانِ) بنِ مسلمٍ الصَّفَّارِ، (أو) عَنْ حَجَّاجِ (ابنِ مِنْهَالٍ)، أو عن هُدبةَ بنِ خَالدٍ، (فَذَاكَ) المُطْلَقُ هو (الثَّانِي) أي: حمادُ بنُ سَلَمَةَ، المطويُّ ذكْرُهُ.
ووُصِفَ بالثاني لتأخُّرِهِ عَن ابنِ زيدٍ في الذِّكرِ باسمِ الإشارةِ وإلا فهو أقدمُ وفاةً منه.
ومَثَّلَ ابنُ الصلاحِ (١) أيضًا لذلِكَ بما إذا أُطلِقَ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ حَكَى عَنْ
سَلَمَةَ بنِ سُليمانَ أنه قَالَ: إذا قِيلَ في السَّنَدِ: عبدُ اللهِ بمكةَ، فهو ابنُ الزُّبَيْرِ، أو بالمدينةِ: فابنُ عُمرَ، أو بالكوفةِ: فابنُ مسعودٍ، أو بالبصرةِ: فابنُ عباسٍ، أو بخراسانَ: فابنُ المباركِ.
ثم نَقَلَ عَنِ الخليليِّ القزوينيِّ ما يُخالفُ بعضَ ذلكَ (٢).
ومَثَّلَ (٣) لاتفاقِ الكنيةِ بأبي حَمْزَةَ - بحاء وزاي - عن ابنِ عباسٍ إذا أطلق، ثُمَّ ذَكرَ عن بعضِ الحفاظِ أن شعبةَ إذا أطلَقَهُ عن ابنِ عباسٍ، فهو نَصْرُ بنُ عِمرانَ الضبّعَيُّ، وهو بجيمٍ وراءٍ، وإن كان يروي عن ستةٍ يروُون عن ابنِ عباسٍ، كُلُّهُم بحاءٍ وزاي؛ لأنَّه إذا رَوَى عَنْ أحدٍ مِنْهُمْ بيَّنَهُ.
(و) ثامنُها: (مِنْهُ) أي: من فَنِّ المتَّفِقِ والمفتَرِق (ما) الاتفاقُ فيه (في نَسَبٍ) لفظًا، والافتراقُ فيه في أنَّ ما نُسِبَ إليه أحدُهما غيرُ مَا نُسِبَ إليهِ الآخرُ.
ولأبي الفضلِ محمدِ بنِ طاهرٍ المقدسيِّ فِيهِ تَصنيفٌ حسنٌ.
(كالْحَنَفِي) حيثُ يكونُ المنسوبُ إليه: (قَبِيْلًا) - بالترخيم - أي: قبيلةً، وهم بنو حنيفةَ، منهم: أبو بكرٍ عبدُ الكبيرِ، وأبو عليٍّ عبيدُ اللهِ: أبناءُ عبدِ المجيدِ الحنفيِّ، رَوى لَهُمَا الشَّيخَانِ.
(او (٤» بالدرج - حيثُ يكونُ المنسوبُ إليه: (مَذْهَبًا) وهو مذهبُ أَبِي حَنيفةَ النُّعْمَانِ بنِ ثابتٍ، والمنسوبُ إلى هذا كثيرٌ.
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٣.
(٢) انظر: الإرشاد ١/ ٤٤٠.
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٤.
(٤) في (م): «أو» بإثبات الهمزة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وأنت فيه مخيَّرٌ بين أنْ تقولَ: حَنَفِي بلا ياءٍ قبل الفاء، (اوْ) بالدرج (باليا (١» - بالقصر للوزنِ - قبلَها (صِفِ) أي: أنسبْ لتكونَ مميِّزةً لهذا عن المنسوبِ للقبيلةِ.
وكالآمُلي نسبةً إلى آمُل طَبْرَسْتَانَ، وآمُل جِيْحُوْنَ، شُهِرَ بالنسبةِ إليها: عبدُ اللهِ بنُ حمّادٍ الآمُليُّ، أحدُ شيوخِ البخاريِّ.
وَمَا ذكرَهُ الغَسَّانيُّ ثم القاضي عياضُ من أنَّهُ منسوبٌ إلى آمُل طبرستانَ، قال ابنُ الصلاحِ: إنه خطأٌ (٢).
تَلْخِيْصُ المُتَشَابِهِ (٣)
مِنْ فوائِدِهِ: الأمنُ مِنَ التَّصْحِيفِ، وظنِّ الاثنينِ واحدًا.
٩٣٧ - وَلَهُمُ قِسْمٌ مِنَ النَّوْعَيْنِ مُرَكَّبٌ مُتَّفِقُ الَّلَفظَيْنِ
٩٣٨ - فِي الاسْمِ لَكِنَّ أَبَاهُ اخْتَلَفَا أَوْ عَكْسُهُ أوْ نَحْوُهُ وَصَنَّفَا
٩٣٩ - فِيْهِ الْخَطِيبُ نَحْوُ مُوسَى بنِ عَلِيْ وَابْنِ عُلَيٍّ وَحَنَانَ (٤) الأَسَدِيْ (٥)
(وَلَهُمُ) أي: الْمُحدِّثينَ (قِسْمٌ) آخرُ (مِنَ النَّوْعَيْنِ) السَّابقينِ (مُرَكَّبٌ)، وَهْوَ إمّا (مُتَّفِقُ الَّلفْظَينِ) نُطْقًا وَخطًَّا (في الاسْمِ)، مفتَرِقٌ في المسمَّيين (لَكِنَّ) بالتشديدِ (أَبَاهُ) أي: أبا المتفقِ أسْماؤهما (٦) (اختَلَفَا) نطقًا، مع الاتفاقِ (٧) خطًَّا.
_________________
(١) في (م): «بالياء» بإثبات الهمزة.
(٢) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٤٥.
(٣) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٥٤٦، والإرشاد ٢/ ٧٤٩ - ٧٥٠، والتقريب: ١٨٩، والمنهل الروي: ١٣٠، واختصار علوم الحديث: ٢٣٠ - ٢٣١، والشذا الفياح ٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤، والمقنع ٢/ ٦٢٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١٠، ونزهة النظر: ١٨٠ - ١٨٤، وطبعة عتر: ٧٠، وفتح المغيث ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وتدريب الراوي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٩٥.
(٤) ممنوع من الصرف؛ لضرورة الوزن.
(٥) في (أ) و(ب) من متن الألفية: «الأسدِ»، والصواب ما أثبت.
(٦) في (ق) و(ص) و(م): «اسماءهما» والمثبت من (ع).
(٧) في (م): «الاتقان»!!
[ ٢ / ٢٩٠ ]
(أوْ عَكْسُهُ) بأنْ يتفِقَ الاسمانِ خطًَّا ويختلفا نُطْقًا، ويتفقَ أسماءُ أبويهِما نطقًا وخطًَّا.
(أو نَحْوُهُ) أي: ما ذُكِرَ كأَنْ يتفِقَ الاسمانِ، أو الكنيتانِ نطقًا وخطًّا، وتختلفَ نسبتُهما نطقًا، أو تتفقَ النسبةُ نطقًا وخطًا، ويختلفَ الاسمانِ أو الكنيتانِ نطقًا.
(و) قد (صَنَّفَا فِيْهِ الْخَطِيبُ) البَغْداديُّ كِتَابًا مُفيدًا، سَمَّاهُ (١) "تلخيصَ المتشابِهِ" (٢).
فأوَّل هذهِ الأقسامِ:
(نَحْوُ مُوسَى بنِ عَلِيْ) بفتح العينِ، (و) مُوسَى (ابنِ عُليٍّ) بضمِّها.
فالأولُ جماعةٌ كُلُّهم متأخرونَ، منهم: أبو عيسى الخُتُّليُّ، الذي روى عَنه أبو عليٍّ الصوَّافُ، وَليسَ في الكُتُبِ السِّتَةِ، وَلاَ في "تاريخِ البُخاريِّ" مِنهم أحدٌ (٣).
والثاني: موسى بنُ عُليِّ بنِ رباحٍ اللخميُّ المصريُّ، أميرُ مِصرَ.
فالمشهورُ فيهِ الضَّمُّ، وعليهِ أهلُ العراقِ (٤)، لكن الذي صَحَّحهُ البُخاريُّ (٥)، وَصَاحبُ " المشارقِ " (٦): الفتحَ، وعليه أهلُ مصرَ، وكانَ هوَ وأبوُه يَكرهانِ الضمَّ، ويقولُ كُلٌّ مِنهُمَا: لا أجعلُ قائلَهُ في حِلٍّ (٧).
واختُلِفَ في سَببِ ضمِّه، فقيل: لأنَّ بني أميَّةَ كانت إذا سمعَتْ بمولودٍ اسمُهُ: عَلِيّ - بالفتح - قتلُوه، فقال أبوه: هو عُليّ، يعني: بالضمِّ (٨).
وقيل: كان أهلُ الشامِ يجعلون كُلَّ عَليٍّ عندَهُم: عُلَيًا، لبغضِهِم عَلِيًا - ﵁ - (٩).
وثاني الأقسامِ:
سُرَيْجٌ، بمهملةٍ، وجيمٍ. وشُرَيْحٌ، بمعجمةٍ، وحاءٍ مُهْمَلةٍ.
_________________
(١) في (ص): «اسماه».
(٢) طبع بمجلدين في دمشق عن دار طلاس، بتحقيق: سكينة الشهابي، ١٩٨٥ م.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١١.
(٤) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤، والجامع الكبير للترمذي ٢/ ١٣٥ عقب (٧٧٣).
(٥) انظر: التاريخ الكبير ٦/ ٢٧٤ (٢٣٨٧) و٧/ ٢٨٩ (١٢٣٥).
(٦) ٢/ ١١٠.
(٧) انظر: الجامع الكبير للترمذي ٢/ ١٣٥ عقب (٧٧٣)، والثقات ٥/ ١٦١.
(٨) هو قول أبي عبد الرحمان المقرئ. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١٢.
(٩) وهو قول ابن حبان. انظر: الثقات ٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وكُلٌّ منهما ابنُ النعمانِ، فالأوَّلُ شَيخُ البُخاريِّ (١) وَهوَ بغداديٌّ، واسمُ جدِّهِ: مروانُ، والثانِي كوفيٌّ تابعيٌّ.
وثالثُها:
مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، اثنانِ:
أحدُهما: مُخَرِّمِيٌّ - بضم الميمِ وفتحِ المعجمةِ وكسرِ الراءِ المشَدَّدةِ - نسبةً إلى المُخَرِّمِ من بغدادَ (٢)، واسمُ جدِّهِ: المباركُ.
والآخرُ: مَخْرَميٌّ - بفتحِ الميمِ وإسكانِ المعجمَةِ وفتحِ الراءِ - قال ابنُ ماكولا:
«لَعَلَّهُ من وَلَدِ مَخْرَمَةَ بنِ نَوْفلٍ، وهو مكيٌّ يَروي عن الشافعيِّ» (٣).
ورابعُها:
أبو عَمْرٍو الشَّيْبَانيُّ - بفتحِ المعجَمةِ وسكونِ التحتيةِ ثم موحدةٍ - والسَّيْبَانيُّ، كذلك لكنَّهُ بمهملةٍ.
فالأولُ جماعةٌ كوفيون، منهم: سعدُ بنُ إياسٍ، والآخرُ شاميٌّ اسمُهُ: زُرعة، وكُلٌّ منهما تابعيٌّ مخضرمٌ.
(و) خامسُها:
نحو: (حَنَانَ) - بفتح المهملةِ والنونِ المخفَّفَة، ومُنِعَ صرفُهُ للوزنِ -وحَيَّانُ - بفتح المهملةِ وتشديدِ التحتيةِ - (الأسَدِيْ)، كُلٌّ منهما.
فالأولُ نسبةٌ لبني أَسدٍ بنِ شُرَيْكٍ - بضم المعجمةِ - بصريٌّ، روى عَن أَبي عثمانَ النَّهْدِيِّ حديثًا مُرْسلًا (٤).
والثاني اثنانِ تابعيانِ:
_________________
(١) انظر: تسمية شيوخ البخاري مما أخرج عنهم في صحيحه: ١٣٦ (١١٠).
(٢) انظر: اللباب ٣/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) انظر: الإكمال ٧/ ٢٣٩.
(٤) وحديثه الواحد هذا أخرجه أبو داود في المراسيل (٥٠١)، والترمذي (٢٧٩١) وفي الشمائل (٢٢١)، والبغوي في شرح السنة (٣١٧٢)، قال الترمذي عقبه في الشمائل: «ولا نعرف لحنان غير هذا الحديث». وانظر بلابد تعليقنا هناك.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
أحدُهما: كوفيٌّ، يُكْنَى أبا الهَيَّاجِ، واسمُ أبيهِ حُصَيْنٌ، حديثُهُ في مسلمٍ (١).
وثانيهِما: شاميٌّ، ويُعْرَفُ بأبي النَّضرِ (٢).
وسادِسُها:
نحوُ أَبي الرِّجَالِ - بكسر الراءِ وتخفيفِ الجيمِ - وأبي الرَّحَّالِ - بفتح الراءِ وتشديدِ المهملةِ - كُلٌّ منهما أنصاريٌّ.
فالأوَّلُ: مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرحمانِ، مدنيٌّ حديثُهُ في " الصحيحينِ ".
والثاني: مُحَمَّدُ بنُ خالدٍ، وقيلَ: خالدُ بنُ مُحَمَّدٍ، وهو تابعيٌّ ضعيفٌ (٣).
وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ: ابنُ عُفَيْرٍ بالمهملةِ، وابنُ غُفَيْرٍ بالمعجمةِ، مِصريانِ.
فالأولُ: سعيدُ بنُ كثيرِ بنِ عُفَيْرٍ، أبو عثمانَ الْمِصْريُّ.
والثاني: الحسنُ بنُ غُفَيْرٍ، قَالَ الدارَقُطنيُّ: متروكٌ (٤).
المُشْتَبَهُ المَقْلُوبُ (٥)
من فوائِدِهِ: الأمنُ من توهُّمِ القَلْبِ.
٩٤٠ - وَلَهُمُ المُشْتَبَهُ المَقْلُوْبُ صَنَّفَ فِيْهِ الحَافِظُ الخَطِيْبُ
٩٤١ - كابْنِ يَزِيْدَ الاسْوَدِ (٦) الرَّبَّانِيْ وَكَابْنِ الاسْوَدِ (٧) يَزِيْدَ (٨) اثْنَانِ
_________________
(١) صحيح مسلم ٣/ ٦١ (٩٦٩)، باب الأمر بتسوية القبر.
(٢) لكن قال العراقي في شرحه ٣/ ٢١٥: «يعرف بحيان بن أبي النضر».
(٣) الجامع الكبير (٢٠٢٢). وهذا الحديث أعله العراقي في تخاريجه للإحياء (١٧٠٢) بالمترجم، وللحديث علة أخرى، وهي ضعف يزيد بن بيان.
(٤) انظر: المؤتلف والمختلف ٣/ ١٧١٨ وفيه «منكر الحديث». وانظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥١٧، والكشف الحثيث: ٩٣ (٢٢٤).
(٥) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٠، والإرشاد ٢/ ٧٤٩، والتقريب: ١٨٩، والمنهل الروي: ١٣٠، واختصار علوم الحديث: ٢٣٠، والشذا الفياح ٢/ ٦٩٣، والمقنع ٢/ ٦٢٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١٧، ونزهة النظر: ٧٠، وطبعة عتر: ١٨٠، وفتح المغيث ٣/ ٢٦٤، وتدريب الراوي ٢/ ٣٣٤، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٩٥.
(٦) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٧) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٨) في (ب): «ين يد»، وهذا خطأ، صوابه ما أثبت.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(وَلَهُمُ) أي: الْمُحدِّثين (الْمُشْتَبَهُ الْمَقْلُوبُ)، وهو مركبٌ من متَّفِقٍ ومُخْتَلِفٍ، بأن يكونَ اسمُ أحدِ راويينِ كاسمِ أبِ الآخرِ خطًّا ولفظًا، واسمُ الآخرِ كاسمِ أبِ الأولِ؛ فينقلبُ عَلَى بعضِ أهلِ الحديثِ، كَما انقلبَ عَلَى البُخاريِّ في " تاريخِهِ " (١) ترجمةُ مسلمِ بنِ الوليدِ المدنيِّ، فجعلَهُ: الوليدَ بنَ مسلمٍ، كالوليد بنِ مسلمٍ الدمشقيِّ المشهورِ (٢).
وقد (صَنَّفَ فيهِ الْحَافِظُ الْخَطيبُ) كتابًا حسنًا (٣).
وذلك (كابْنِ يَزِيدَ الاسودِ) أي: كالأسودِ بنِ يزيدَ النَّخَعيِّ (الرَّبَّانيْ) أي: العالِمِ العَامِلِ الْمُعلِّمِ، وَهُوَ مِنْ كِبارِ التَّابعينَ، وخالُ إبراهيمَ النَّخعيِّ. (وَكَابنِ الاسْوَدِ (٤» بالدرج (يَزيدَ) أي: وَكيَزِيْدَ بنِ الأسودِ، وهو (اثْنَانِ): أحدُهما: الخُزَاعيُّ المكيُّ، وَقيلَ: الكُوفيُّ، صَحَابيٌّ وحديثُهُ في السُّنَنِ. والآخرُ: الجُرَشِيُّ، تَابعيٌّ مخَضْرَمٌ، يُكْنَى أبا الأسودِ.
وَقد يَقعُ معَ ذلك تقديمٌ وتأخيرٌ في بَعضِ حُروفِ الاسمِ المشتبهِ، كأَيّوبَ ابنِ سَيَّارٍ، وَيَسَارِ بنِ أَيّوبَ.
مَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيْهِ (٥)
مِن فَوائدِهِ: دفعُ توهُّمِ التَّعدُّدِ عندَ نسبةِ الرَّاوي إلى أبيهِ.
٩٤٢ - وَنَسَبُوا إِلَى سِوَى الآبَاءِ إمَّا لأُمٍّ كَبَنِيْ عَفْرَاءِ (٦)
_________________
(١) وهي في المطبوع من التاريخ٨/ ١٥٣ الترجمة (٢٥٣٤)، وانظر بلا بد تعليق العلامة اليماني على ذلك.
(٢) لم ترد في (ق).
(٣) سماه: " رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب ". انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١٧، وكشف الظنون ١/ ٨٣٠.
(٤) في (م): «الأسود» بإثبات الهمزة.
(٥) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥١، والإرشاد ٢/ ٧٥١ - ٧٥٧، والتقريب: ١٩٠ - ١٩١، والمنهل الروي: ١٣٠، واختصار علوم الحديث: ٢٣١ - ٢٣٤، والشذا الفياح ٢/ ٦٩٥ - ٦٩٩، والمقنع ٢/ ٦٢٦ - ٦٢٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢١٩ - ٢٢٤، ونزهة النظر: ١٩٥، وطبعة عتر: ٧٦، وفتح المغيث ٣/ ٢٦٦ - ٢٦٩، وتدريب الراوي ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٥٥، وتوضيح الأفكار٢/ ٤٩٥، وظفر الأماني: ١١٢ - ١١٣.
(٦) بالصرف؛ ليستقيم روي البيت.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
٩٤٣ - وَجَدَّةٍ نَحْوُ ابنِ مُنْيَةٍ، وَجَدْ كَابْنِ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ (١) وَقَدْ
٩٤٤ - يُنْسَبُ كَالمِقْدَادِ بالتَّبَنِّيْ فَلَيْسَ للأَسْوَدِ أَصْلًا بِابْنِ
(وَنَسَبُوا) أي: الْمُحدِّثونَ (إِلَى سِوَى الآباءِ)، وذلكَ أربعةُ أقسامٍ:
- مَنْ نُسِبَ لأمِّهِ.
- ومَنْ نُسِبَ لجدَّتِهِ.
- ومَنْ نُسِبَ لجدِّهِ.
- ومَنْ نُسِبَ لمن تبنَّاهُ.
وقد بيَّنَهَا فَقَالَ:
(إمَّا لأمٍّ، كَبَنِي عَفْراءِ) -بالصرف للروي (٢) - وَهُم: مُعَاذٌ، ومُعَوَّذٌ، وعَوْذٌ، وقيل: عَوْفٌ بالفاءِ (٣)، وَعَفْرَاءُ أُمُّهُم، وهي بنتُ عُبَيْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ مِن بَني النَّجارِ، وأبوهم: الحارثُ بنُ رفاعةَ بنِ الحارثِ من بني النجَّارِ أيضًا.
والثلاثةُ شَهِدوا بَدرًا، وقُتِلَ ثانِيهم وثالثُهِم بِها، وَتأخَّرَ أوَّلهم إلى زمنِ عثمانَ، وَقيلَ: إلى زَمنِ عَليٍّ (٤).
وكبِلالِ بنِ حَمَامَةَ، فَحَمَامَةُ أمُّهُ، واسمُ أبيهِ: رَبَاحٌ.
وكإسْماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، فعُليَّةُ أُمُّهُ، واسمُ أَبيهِ: إبراهيمُ.
(و) إما إلى (جَدَّةٍ) دُنْيا أو عُلْيا (نَحْوُ): يَعْلَى (ابنِ مُنْيَةٍ) صَحابيٌّ، فمُنْيَةُ أُمُّ أبيهِ (٥)، وَقيلَ: أُمُّهُ، وَعَليهِ الأكثرُ.
واسمُ أبي يعلى: أميةُ بنُ أبي عبيدةَ.
والقولُ بأنَّ مُنْيَةَ أبوهُ، وَهَمٌ. حكاهُ صَاحِبُ " المشارقِ " (٦).
_________________
(١) في (النفائس) و(فتح المغيث) و(أ) و(ب) و(ج): «جماعات». ولا يستقيم الوزن مَعَهَا.
(٢) في (م): «للوزن»، وفي (ق): «للوزن للروي».
(٣) وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣/ ٤١ (٦٠٨٦).
(٤) انظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٤٩٢، والاستيعاب ٣/ ٣٣١، والإصابة ٣/ ٤٢٨.
(٥) في قول الزبير بن بكار. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٣.
(٦) ١/ ٣٩٦.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
(وَ) إما إلى (جَدْ) أدنى، أو أعلى، (كَابنِ جُرَيْجٍ، وجَماعةٍ (١»، كابنِ الْمَاجِشُونِ، وابنِ أَبي ذئبٍ، وابنِ أَبي لَيلى، وأحمدَ بنِ حنبلٍ.
إذ الأولُ: عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ جُرَيْجٍ.
والثاني: عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أَبي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ (٢).
والثالثُ: مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ المغيرةِ بنِ الحارثِ بنِ أَبي ذئبٍ.
والرابعُ: مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ أَبي لَيلى.
والخامسُ: أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بن حنبلٍ، كما مَرَّ.
وَمن ذلكَ: قولُ النبيِّ - ﷺ -: «أنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِب، أنا ابنُ عَبدِ المُطَّلِبِ» (٣).
وقولُ الأعرابيِّ: «أيُّكم ابنُ عبدِ المطلبِ» (٤).
(وَقَدْ يُنْسَبُ) الشَّخْصُ (كالمِقْدَادِ) بنِ الأسودِ بنِ عبدِ يَغُوْثَ إلى رجلٍ
(بالتَّبَنِّيْ، فَلَيْسَ) المقدادُ (للأسْوَدِ أَصْلًا بابْنِ) أي: لَيْسَ بابنٍ لَهُ أصلًا، وإنَّما كَانَ في حِجْرِهِ فنُسِبَ إليهِ، واسمُ أبيهِ: عَمْرُو بنُ ثَعْلَبَةَ الكِنْديُّ.
وكالحسنِ (٥) بنِ دِيْنَارٍ، أحدِ الضُّعفاءِ؛ فدينارٌ إنما هُوَ زوجُ أمِّهِ، واسمُ أبيه: واصلٌ (٦).
_________________
(١) في (م): «وجماعات».
(٢) أشار الزبيدي في تاج العروس١٧/ ٣٧٤ إلى أن الجيم مثلث، فيقال: بالضم، وبالفتح، وبالكسر، والكسر أشهر على ألسنة المحدثين، وعليه اقتصر ابن الصلاح والنووي وابن حجر. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٤، وشرح صحيح مسلم ٢/ ٤٢٧، وتقريب التهذيب (٤١٠٤).
(٣) أخرجه البخاري ٤/ ٣٧ (٢٨٦٤)، و٤/ ٣٩ (٢٨٧٤)، و٤/ ٥٢ (٢٩٣٠) و٤/ ٨١ (٣٠٤٢) و٥/ ١٩٤ (٤٣١٥)، و٥/ ١٩٥ (٤٣١٧)، ومسلم ٥/ ١٦٨ (١٧٧٦)، وغيرهما، وهو مخرج بتوسع في كتاب الشمائل (٢٤٥).
(٤) لعله يعني بذلك حديث مالك بن أنس، عن عمه سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: الحديث، وهو في الموطأ (٤٨٥)، وصحيح البخاري ١/ ١٨ (٤٦) و٣/ ٢٣٥ (٢٦٧٨)، وصحيح مسلم ١/ ٣١ (١١).
(٥) في (م): «والحسن».
(٦) انظر: تاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٤/ ١١١ (٣٤١٤)، وأحوال الرجال للجوزجاني: ١٠١ (١٥٢)، والمجروحين ١/ ٢٣٢، والضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢٢٢. وأخطأ ابن أبي حاتم فجعل دينارًا أباه، وواصلًا جده. انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢٣.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
المَنْسُوبُونَ إِلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ (١)
هذا قريبُ الشَبهِ مما قبلْهُ:
٩٤٥ - وَنَسَبُوا لِعَارِضٍ كَالْبَدْرِيْ نَزَلَ بَدْرًا عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو
٩٤٦ - كَذَلِكَ التَّيْمِيْ سُلَيْمَانُ نَزَلْ تَيْمًا، وَخَالِدٌ بِحَذَّاءٍ جُعِلْ
٩٤٧ - جُلُوْسُهُ، وَمِقْسَمٌ لَمَّا لَزِمْ مَجْلِسَ عَبْدِ اللهِ مَوْلاَهُ وُسِمْ
(ونَسَبُوا) أي: الْمُحدِّثونَ بعضَ الرُّواةِ لمكانٍ كانت بِهِ وَقعَةٌ، أو لبلدٍ، أو قبيلةٍ، أو صَنْعَةٍ، أو صِفَةٍ، أو وَلاءٍ، أو غيرِها، مما ليس ظاهرُهُ الذي يسبِقُ إلى الفَهْمِ من تلكِ النسبةِ مرادًا، بل النسبةُ فيه (لِعَارضٍ).
فالأولُ: (كَالْبَدْريْ) لمَنْ (نَزَلَ) أي: سَكَنَ (بَدْرًا: عُقْبَةُ) أي: كعُقْبَةَ
(بنُ (٢) عمرِو) أبي مَسْعُودٍ الأنصاريِّ الخَزْرَجِيِّ البدريِّ، الصَّحابيِّ.
فإنَّهُ إنَّما سَكَنَ بَدْرًا ولم يشهدْها كَمَا قالَهُ جَمْعٌ (٣)، لكن عَدَّهُ البخاريُّ في
" صحيحهِ "، فيمَن شهِدَها (٤).
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٥، والإرشاد ٢/ ٧٥٨ - ٧٦١، والتقريب: ١٩١ - ١٩٢، والمنهل الروي: ١٣١، واختصار علوم الحديث: ٢٣٤ - ٢٣٦، والشذا الفياح ٢/ ٧٠٠ - ٧٠٢، والمقنع ٢/ ٦٣٠ - ٦٣١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٨، ونزهة النظر: ١٩٦، وطبعة عتر: ٧٦، وفتح المغيث ٣/ ٢٧٠ - ٢٧٣، وتدريب الراوي ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٥٧، وتوضيح الأفكار٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧، وظفر الأماني: ١١٤.
(٢) في (م): «ابن».
(٣) كالزهري، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، ويحيى بن معين، وإبراهيم الحربي، وبه جزم المعافي. انظر: تاريخ بغداد ١/ ١٥٨، وتاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٣/ ١٤٩ (٦٣٤)، والأنساب ١/ ٣٠٩، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٤٩٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢٤.
(٤) الجامع الصحيح ٥/ ١١٢ كتاب المغازي باب رقم (١٣)، وكذا ذكر مسلم في الكنى ١/ ٧٧٨
(٥) . وانظر: فتح الباري ٧/ ٣١٨ - ٣١٩، والإصابة ٧/ ٢٤ - ٢٥.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والثاني: كإسْماعيلَ بنِ مُحَمَّدٍ الْمَكيِّ، نُسِبَ إلى مكةَ؛ لإكثارِهِ التوجُّهَ إليها للحجِّ والعُمرةِ والمجاورةِ، لا أنَّهُ مِنها.
والثالثُ: كمَنْ ذكَرَهُ بقولِهِ: (كَذَلِكَ التَّيْمِيْ) - بالإسكانِ لما مَرَّ - أَبو الْمُعْتَمِرِ (سُلَيْمَانُ) بنُ طَرْخانَ، نُسِبَ إلى بني تَيْمٍ؛ لأنَّهُ (نَزَلْ تَيمًا) أي: في تَيمٍ، لا أنَّهُ مِنْهُمْ، وَهُوَ مولى لبني مُرَّة، كَما قالَهُ البُخاريُّ في " تاريخِهِ " (١).
(و) الرابعُ: جَمْعٌ، مِنْهُمْ: (خَالِدٌ) هو ابنُ مِهْرَانَ البَصْريُّ، المعروفُ
(بِحَذَّاءٍ) - بِمهملةٍ مفتوحةٍ ثم معجمةٍ مشدَّدةٍ وبالمدِّ - وُصِفَ بالحذّاءِ لنسبتِهِ (٢) إلى رَجُلٍ يحذُو النِّعَالَ حيثُ (جُعِلْ جُلُوْسُهُ) عِندَهُ، لا لأنهُ كَانَ حذَّاءً، فإنَّهُ مَا حَذا
نعلًا قطُّ (٣).
وقيل: سببُ وصفِهِ بذلك: أنَّه كان يقولُ: أحْذُ على هذا النحوِ (٤).
والخامسُ: نحوُ يَزِيْدِ الفَقِيْرِ، فإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَقِيْرًا، وإنَّما كان يشْكُو فِقارَ ظَهْرِهِ (٥).
(وَ) السادسُ: جَمْعٌ، مِنْهُمْ: (مِقْسَمٌ) - بكسر الميمِ وفتح السين - (لمَّا لَزِمْ مَجْلِسَ عَبدِ اللهِ) بنِ عَبّاسٍ (مَوْلاَهُ، وُسِمْ) أي: وصِفَ بأنَّه مولى ابنِ عباسٍ (٦): للزومِهِ مَجْلِسَهُ مَعَ أَنَّهُ إنَّما كان مولى لعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَل (٧).
_________________
(١) ٤/ ٢٠ (١٨٢٨).
(٢) في (ص): «نسبة».
(٣) وهذا قول يزيد بن هارون، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي. انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٥٩، والتاريخ الكبير ٣/ ١٧٤ (٥٩٢).
(٤) وهو قول فهد بن حيان. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢٦، ونزهة الألباب ١/ ١٩٧ (٧١١).
(٥) انظر: المقنع ٢/ ٦٣١، وتقريب التهذيب (٧٧٣٣).
(٦) في (م): «عبد الله بن عباس».
(٧) انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٩٥، والتاريخ الكبير ٨/ ٣٣ (٢٠٥٧).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
المُبْهَمَاتُ (١)
أي: مَعْرِفَةُ مَنْ أُبْهِمَ ذِكْرُهُ في الحديثِ، أو إسنادِهِ، وَفَائِدَتُها: زَوالُ الجهالةِ، لاسيَّما الجهالةُ التي يُرَدُّ مَعَها الحديثُ، حيثُ يَكونُ الإبهامُ في الإسنادِ (٢).
وَقَد صنَّفَ في ذلك (٣) الخطيبُ (٤) وغيرُهُ (٥).
٩٤٨ - وَمُبْهَمُ الْرُّوَاةِ مَا لَمْ يُسْمَى (٦) كَامْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ وَهْيَ أَسْمَا
٩٤٩ - وَمَنْ رَقَى سَيِّدَ ذَاكَ الحَيِّ رَاقٍ أَبُو سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ
٩٥٠ - وَمِنْهُ نَحْوُ ابْنِ فُلاَنٍ، عَمِّهِ عَمَّتِهِ، زَوْجَتِهِ، ابْنِ أُمِّهِ
(وَمُبْهَمُ الرُّوَاةِ) من الرجالِ والنساءِ (مَا لَمْ يُسْمَى) من أسمَى (كَامْرَأَةٍ) سألتِ النبيَّ - ﷺ - عن غُسْلِها (في الحَيْضِ)، فقالَ لها: «خُذِي فِرصَةً مُمَسَّكَةً الحديثَ». رواه الشيخانِ (٧).
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٥٧، والإرشاد ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٨، والتقريب: ١٩٢ - ١٩٣، والمنهل الروي: ١٣٦، واختصار علوم الحديث: ٢٣٦ - ٢٣٧، والشذا الفياح ٢/ ٧٠٣ - ٧١٢، والمقنع ٢/ ٦٣٢ - ٦٤٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٢٨ - ٢٣٧، وفتح المغيث ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٨، وتدريب الراوي ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٨، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٥٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(٢) قال الحافظ ابن كثير: «وهو فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم، وأهم ما فيه ما رفع إبهامًا ما في إسناد، كما إذا ورد في سند: عن فلان بن فلان، أو: عن أبيه، أو: عمه، أو: أمه، فوردت تسمية هذا المبهم من طريق أخرى، فإذا هو ثقة أو ضعيف، أو ممن ينظر في أمره. فهذا أنفع ما في هذا النوع». اختصار علوم الحديث٢/ ٦٥٢.
(٣) في (م): «فيه».
(٤) كتابًا وسماه: " الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ". طبع.
(٥) كالحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي واسم كتابه: " الغوامض والمهملات "، وكالحافظ أبي القاسم بن بشكوال واسم كتابه: " غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة ". والثاني مطبوع متداول، والأول مخطوط. انظر: الفهرس الشامل للتراث الإسلامي ٢/ ١١٣٥.
(٦) في (أ) و(ب) و(ج): " يسما ".
(٧) صحيح البخاري ١/ ٨٥ (٣١٤) و٨٦ (٣١٥) و٩/ ١٣٤ (٧٣٥٧)، وصحيح مسلم ١/ ١٧٩ (٣٣٢) (٦٠) من حديث عائشة.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
(وَهْيَ) كَما قَالَ مُسْلمٌ في رواية: (أسما) (١). واختُلِفَ في نَسَبِهَا:
فقِيْلَ: هي بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَنِ الأنصارِيَّةُ (٢).
وقِيْلَ: بنتُ شَكَلٍ، وهو الذي في مسلمٍ (٣).
قَالَ النَّاظِمُ: «وهو الصوابُ» (٤). وَقَالَ النوويُّ في مبهماتِهِ: «يَحْتَمِلُ أن تكونَ القِصةُ جرَت للمرأتينِ في مَجْلسٍ، أو مجلِسينِ» (٥).
(و) ك (مَنْ رَقَى سَيِّدَ ذَاكَ الحيِّ راقٍ) أي: والراقي هو (أَبُو) (٦)، وفي نُسَخٍ (٧):
«أبي» أي: مُسَمًى (٨) بأبي (سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ).
ولفظُ الحديثِ كَمَا في مُسْلِمٍ وغيرِهِ: «إنَّ نَاسًا (٩) من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - كَانوا في سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحيٍّ من أحياءِ العَرَبِ فَاسْتَضَافُوْهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُوهُم، فقالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُم راقٍ فإنَّ سَيِّدَ الحَيِّ (١٠) لَديغٌ أو مُصَابٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنهُم: نَعَمْ. فَأتَاهُ فَرَقَاهُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، فَبَرِءَ الرَّجُلُ الْحَدِيْثَ» (١١).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ١٧٩ - ١٨٠ حديث (٣٣٢) (٦١).
(٢) وبه قال الخطيب. انظر: الأسماء المبهمة: ٢٨ - ٢٩.
(٣) سبق تخريجه. وهذا ما قال به ابن بشكوال، وصوبه العراقي. وانظر: غوامض الأسماء المبهمة ١/ ٤٦٩ - ٤٧١، وشرح صحيح مسلم ١/ ٦٣٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٠، وفتح الباري ١/ ٤١٥.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٠.
(٥) الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات: ٥٦٣ (١١٣).
(٦) في (ص): «أبي».
(٧) في (ع) و(ق): «نسخة».
(٨) في (ق): «ويسمى».
(٩) في (ق): «أناسًا».
(١٠) في (ق): «القوم».
(١١) صحيح مسلم ٧/ ١٩ (٢٢٠١) (٦٥) و٧/ ٢٠ (٢٢٠١) (٦٥) (٦٦)، وأخرجه أيضًا البخاري ٣/ ١٢١ (٢٢٧٦) و٦/ ٢٣١ (٥٠٠٧) و٧/ ١٧٠ (٥٧٣٦) و٧/ ١٧٣ (٥٧٤٩)، وأبو داود (٣٤١٩)، وابن ماجه (٢١٥٦)، والترمذي (٢٠٦٣) و(٢٠٦٤)، والنسائي في الكبرى (٧٥٣٣).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
(وَمِنْهُ) أي: من المبهَمِ (نَحْوُ ابنِ فُلاَنٍ)، كابنِ مِرْبَعٍ الأنصاريِّ - بكسر الميمِ وسكونِ الراءِ وفتحِ الموحدةِ وبمهملةٍ - هو زيدٌ، أو عَبْدُ اللهِ، أو يزيدُ (١).
ومنه: نَحْوُ (عَمِّهِ) أي: عَمّ فُلانٍ، كزيادِ بنِ عِلاقَةَ، عن عمِّهِ هُوَ قُطْبَةُ بنُ مَالِكٍ (٢)، وكَرافعِ بنِ خَديجِ بنِ رافعٍ، عَن بَعضِ عُمومَتِه، هو ظُهَيْرُ بنُ رافعٍ (٣).
ومِنْهُ: نحوُ (عَمَّتِهِ)، كحُصَيْنِ بنِ مِحْصَنٍ، عَنِ عمَّةٍ له، هي: أسْمَاءُ (٤).
ومِنْهُ: نحوُ (زَوْجَتِهِ)، كخبرِ: جاءت امرأةُ رِفَاعةَ القُرَظيِّ، هي: تَمِيمَةُ بنتُ وهبِ بالتكبيرِ، وقِيْلَ: تُمَيْمَةُ بالتصغير، وقِيْلَ: سُهَيْمةُ (٥).
ومِنْهُ: زوجُ فلانةٍ، كخبرِ سُبَيْعَةَ الأسلَميَّةِ: أنها ولدَت بعد وفاةِ (٦) زوجِها بليالٍ، هو: سَعدُ بنُ خَولَةَ (٧).
ومِنْهُ: نحوُ (ابنِ أُمِّهِ)، كخبرِ أمِّ هانئ ٍ: أنَّها قالت: «زعمَ ابنُ أمي أنه قاتلٌ رجلًا أجَرتُه الحديث». هو: أخوها عليُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله تَعَالَى عَنْهُ - (٨).
ونحوُ ابنِ أمِّ مكتومٍ، هو: عبدُ اللهِ بنُ زائدةَ، أو عَمْرُو بنُ قيسٍ، أو غيرُ ذَلِكَ، ورجَّحَ البُخاريُّ (٩)، وابنُ حِبَّانَ (١٠) الأولَ، ونَقَلَ ابنُ عبدِ البرِ (١١) عن الجُمهُورِالثانيَ.
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٣.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٣.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٣.
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٥.
(٦) لم ترد في (م).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٦١.
(٨) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٩) انظر: التاريخ الكبير ٥/ ٧ (١٢).
(١٠) انظر: الثقات ٣/ ٢١٤.
(١١) انظر: الاستيعاب ٢/ ٣٧٠، ٥٠١.
[ ٢ / ٣٠١ ]
تَوَارِيْخُ الرُّوَاةِ وَالوَفَيَاتِ (١)
(تواريخُ الرُّواة) ولادةً ووفاةً وسنًّا، (والوفياتِ) رواةً وغيرَهم، فبينهُما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ.
والتاريخُ: التعريفُ بوقتٍ، يُضبَطُ به ما يُرادُ ضَبْطُهُ من نحوِ ولادةٍ ووفاةٍ.
وفائدتُهُ: معرفةُ كذبِ الكذابين (٢).
والوَفَيَاتُ: جَمْعُ وفاةٍ، وكثيرًا ما يُقالُ: «فلانٌ المتوفَّى»، وهو بفتحِ الفاء، ويجوزُ كسرُها على معنى أنه مستوفٍ أجَلَهُ. ويدلُّ له قولُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٣) بفتحِ الياءِ، على قراءةٍ نُقِلَتْ عن عليٍّ (٤)، أي: يستوفون آجالَهُم.
٩٥١ - وَوَضَعُوا التَّارِيْخَ لَمَّا كَذَبَا ذَوُوْهُ حَتَّى بَانَ لَمَّا حُسِبَا
٩٥٢ - فَاسْتَكْمَلَ النَّبِيُّ والصِّدِّيْقُ كَذَا عَلِيٌّ وَكَذَا الفَارُوْقُ
٩٥٣ - ثَلاَثَةَ الأَعْوَامِ والسِّتِّينَا وَفِي رَبِيْعٍ قَدْ قَضَى يَقِيْنَا
٩٥٤ - سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةٍ، وَقُبِضَا عَامَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ التَّالِي الرِّضَا
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ٢٠٢ - ٢١٠، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٦٢، والإرشاد ٢/ ٧٦٩ - ٧٨١، والتقريب: ١٩٤ - ١٩٧، والمنهل الروي ١٤٥، واختصار علوم الحديث: ٢٣٧ - ٢٤٢، والشذا الفياح ٢/ ٧١٣ - ٧٣٨، والمقنع ٢/ ٦٤٤ - ٦٥٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٣٧، وفتح المغيث ٣/ ٢٨٠ - ٣١٣، وتدريب الراوي ٢/ ٣٤٩ - ٣٦٧، وشرح ألفية السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ٢٦٢، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠، وظفر الأماني: ١٠٤، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) قال الحافظ ابن كثير مبينًا فائدة هذا النوع: «ليعرف من أدركهم ممن لم يدركهم، من كذاب أو مدلس، فيتحرر المتصل والمنقطع وغير ذلك». اختصار علوم الحديث ٢/ ٦٥٣. وقال حفص بن غياث: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسِّنّين». الكفاية: (١٩٣ت، ١١٩هـ). قال الحافظ العراقي: «السنين بفتح النون المشددة تثنية سن، وهو العمر». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٥٦٣.
(٣) البقرة: ٢٣٤.
(٤) وكذا نقلت عن عاصم والمفضل. انظر: معجم القراءات القرآنية ١/ ١٨٠.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
٩٥٥ - وَلِثَلاَثٍ بَعْدَ عِشْرِيْنَ عُمَرْ وَخَمْسَةٍ بَعْدَ ثَلاَثِيْنَ غَدَرْ
٩٥٦ - عَادٍ بِعُثْمَانَ، كَذَاكَ بِعَلِيْ فِي الأرْبَعِيْنَ ذُو الشَّقَاءِ الأزَلِيْ
(وَوَضَعُوا التَّارِيْخَ) ليختبِرُوا به من جَهَلُوا حالَهُ صِدْقًَا وعدَالةً، (لَمَّا كَذَبَا ذَوُوْهُ) أي: أصْحابُ الكذبِ (حَتَّى بَانَ) أي: ظهرَ به كذبُهُم، (لَمَّا حُسِبَا) سنُّهم وسِنُّ مَنْ زَعَمُوا لُقِيَّهم لَهُ.
ومِنْ ثَمَّ قال الثَّورِيُّ: «لما استعملَ الرُّواةُ الكذبَ، استعمَلنا لَهُم التَّارِيخَ» (١).
وقد صَنَّفَ في الوَفَيَاتِ جماعاتٌ (٢)، مِنْهُمْ: القاضي أبو الحسَنِ عَبْدُ الباقي بنُ قانعٍ البغداديُّ، والقاضي أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ ربيعةَ بنِ زَبْر البغداديُّ، الدمشقيُّ.
وقد بدأ ببيانِ سِنِّ جماعةٍ مبتدأً منهم بالنبي - ﷺ -، فقال: (فاسْتَكمَلَ (٣) النَّبِيُّ، و) أبو بَكرٍ (الصِّدِّيْقُ)، و(كَذَا عَلِيٌّ) بنُ أبي طالبٍ، (وَكَذَا) عمرُ بنُ الخطابِ (الفَارُوقُ) سُمِّي به؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى فرَّقَ بِهِ بينَ الحقِّ والباطلِ. أي: استكمَلَ كُلٌّ منهم (ثَلاَثَةَ الأعْوَامِ والسِّتِّينا) أي: ثلاثةً وستينَ عامًا، وهذا ما عَليهِ الجُمهورُ (٤).
وقِيْلَ في النبيِّ - ﷺ -: إنّه عاشَ ستينَ (٥)، وقِيْلَ: خمسًا وستين (٦)،
_________________
(١) أسنده ابن عدي في مقدمة الكامل ١/ ١٦٩ - ١٧٠، ومن طريقه الخطيب في الكفاية: (١٩٣ ت، ١١٩ هـ).
(٢) في (ع): «جماعة».
(٣) في (م): «استكمل».
(٤) قال الحافظ العراقي: «فالصحيح في سنه - ﷺ - أنه: ثلاث وستون سنة، وهو قول عائشة، ومعاوية، وجرير بن عبد الله البجلي، وابن عباس، وأنس - في المشهور عنهما - وبه قال من التابعين ومن بعدهم: ابن المسيب، والقاسم، والشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومحمد بن إسحاق، وصححه ابن عبد البر والجمهور». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤١.
(٥) وبه قال أنس بن مالك - في الرواية الأخرى عنه - وروي عن فاطمة بنت النبي - ﷺ -، وهو قول عروة بن الزبير، ومالك بن أنس. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤١.
(٦) وهو ما رواه ابن سعد٢/ ٣١٠، وابن أبي شيبة (٣٦٥٣٦)، وأحمد١/ ٢٢٣و٢٦٦ و٢٧٩ و٢٩٤ و٣١٢ و٣٥٩، ومسلم ٧/ ٨٩ (٢٣٥٣)، والترمذي (٣٦٥٠)، وفي الشمائل (٣٨١)، وأبو يعلى (٢٤٥٢) و(٢٦١٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١٩٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢٨٤٣) و(١٢٨٤٤) من حديث عمَّار بن أبي عمار مولى بني هاشم، قال: سمعت ابن عباس يقول: توفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن خمس وستين. = = وهذه رواية شاذة تفرد بها عمار بن أبي عمار، وأخطأ فيها فإن المتقنين من أصحاب ابن عباس رووا عنه أن النبي - ﷺ - توفي وهو ابن ثلاث وستين منهم عكرمة بن عمار وعمرو بن دينار وعروة بن الزبير وغيرهم، وقد ساق البخاري في تاريخه الصغير١/ ٢٧ - ٢٩، رواياتهم، ثم ساق رواية عمار، وقال: "ولا يتابع عليه، وكان شعبة يتكلم في عمار". وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية٥/ ١٩٧: "ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح، فهم أوثق وأكثر، وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة، وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية". وكذلك قد سبقه إلى مثل هذا البيهقي في دلائل النبوة٧/ ٢٤١، فقد قال: "ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح فهم أوثق وأكثر". وانظر: بلا بد كتابنا كشف الإيهام الترجمة (٤٠٥).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وقِيْلَ: غيرُ ذَلِكَ (١).
وقِيْلَ في الصِّدِّيقِ: إِنَّهُ عاش خمسًا وستين (٢)، وقِيْلَ: اثنتين وستينَ، وثلاثةَ أشهرٍ، واثنين وعشرين يومًا (٣).
وقِيْلَ في الفاروقِ: إنَّه عاشَ ستينَ (٤)، وقِيْلَ: أربعًا وخمسين (٥)، وقِيْلَ: خمسًا وخمسين (٦)، وقِيْلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
_________________
(١) فقيل: اثنين وستين. وبه قال قتادة. انظر: سير أعلام النبلاء (قسم السيرة) ٢/ ٤٧٦.
(٢) حكاه ابن الجوزي. كما نقله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٣. قلنا: وهو مخالف لما جزم به ابن الجوزي في صفوة الصفوة ١/ ١١٢.
(٣) وهذا قول ابن حبان في كتاب " الخلفاء " على ما نقله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٣. وانظر: ما يقارب هذا القول في الثقات ٢/ ١٩٤ لابن حبان. قلنا: وإنما لم يُعدْ ذكر القول الراجح؛ لأنه محكي في النظم مجملًا. وهو أنه توفي عن ثلاث وستين سنة، وقد صح هذا عن معاوية وأنس، وهو قول الأكثرين، وبه جزم ابن قانع والمزي والذهبي وغيرهم. انظر: صفة الصفوة ١/ ١١٢، والعبر ١/ ١٣، والكاشف ١/ ٥٧٣ (٢٨٥٠)، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ٧٦.
(٤) وبه جزم ابن قانع في " الوفيات ". انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٣.
(٥) قال السخاوي: «وقِيْلَ أربع وخمسون، قاله بعضهم». فتح المغيث ٣/ ٢٤٢. ولم نقف على تسمية هذا البعض.
(٦) رواه البخاري في التاريخ الكبير ٦/ ١٣٩ (١٩٥٢)، وفي الصغير ١/ ٤٦ عن ابن عمر، وبه جزم ابن حبان في كتاب " الخلفاء " له. كما في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٤، ولَم نقف على كتاب الخلفاء - وهو قطعًا غير كتاب الخلفاء الذي في المجلد الثاني من ثقاته إذ قال في ٢/ ٣١٣ ما نصه: «قد ذكرت كيفية هذه القصة - يعني: قتل الحسين- وباليتها (كذا) في أيام بني أمية وبني العباس في كتاب الخلفاء» - ووقع في الثقات ٢/ ٢٤١: «خمسة وستون سنة».
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وتوقَّفَ شيخُنا في تصحيحِ الأوَّلِ، بل مالَ إلى ترجيحِ أنَّهُ عاشَ سبعًا، أو ثمانيًا وخمسينَ. قَالَ: لأنَّهُ أخبرَ عن نفسهِ بذلك (١).
وقِيْلَ في عليٍّ: إنه عاش ثلاثًا، أو أربعًا وستينَ (٢)، وقِيْلَ: اثنينِ وستينَ (٣)، وقِيْلَ: سبعًا وخمسينَ (٤)، وقِيْلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (٥).
ثم بَيَّنَ وفياتِ هؤلاءِ، وغيرهم، ممن يأتي، فقال:
(وَفي) شَهْرِ (رَبيْعٍ) الأولِ (قَدْ قَضَى) أي: مَاتَ النَّبيُّ - ﷺ - (يَقيْنَا) أي: قطعًا، والقولُ: بأنه ماتَ في شهرِ رمضانَ شاذٌّ (٦)، وماتَ يومَ الاثنينِ (سَنَةَ إحْدَى عَشْرةٍ) -بإسكان المعجمة في لغة (٧) - من الهجرةِ، والجمهورُ على أنَّه ماتَ لاثنَتي عشرةَ ليلةً خلَتْ من الشهرِ (٨)، وقِيْلَ: في مستَّهلِهِ (٩)، وقِيْلَ: لليلتينِ خلتا منه (١٠).
_________________
(١) انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٤٤١.
(٢) وهذان القولان رويا عن أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين. انظر: التاريخ الكبير ٦/ ٢٥٩، وتاريخ دمشق ٤٢/ ٥٧٠، وتهذيب الكمال ٥/ ٤٦١.
(٣) وبه جزم ابن حبان في كتاب " الخلفاء ". انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٤. قلنا: وهو كذلك في ثقاته ٢/ ٣٠٣. ولكن وقع بعده بسطرين أنه ابن ثلاث وستين!!! فلا ندري من أين أتى ذلك؟؟
(٤) قال العراقي: «وبه صدّر ابن قانع كلامه، وقدّمه ابن الجوزي والمزي عند حكاية الخلاف». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٤. قلنا: وفي صفوة الصفوة ١/ ١٣٩ تقديم القول الأصح (ثلاث وستين). وانظر: تهذيب الكمال ٥/ ٢٦١ (٤٦٧٨).
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٤.
(٦) عنى به رواية البزار عن ابن مسعود - ﵁ - أنه - ﷺ - توفي حادي عشر شهر رمضان. انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٤٣.
(٧) وهي لغة أهل الحجاز، وبالكسر في لغة أهل نجد. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٦٨ (عشر)، والصحاح ٢/ ٧٤٦ (عشر).
(٨) وبه جزم ابن إسحاق، ومحمد بن سعد، وسعيد بن عفير، وابن حبان، وابن عبد البر، وابن الصلاح، والنووي، والذهبي، وصححه ابن الجوزي، وبه صدر المزي كلامه. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٥.
(٩) قاله موسى بن عقبة، وجزم به ابن زبر في وفياته، ورواه أبو الشيخ في " طبقات المحدثين بأصبهان " عن الليث بن سعد. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٥.
(١٠) وهو قول سليمان التيمي، ومحمد بن قيس. انظر: المصدر السابق.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
واستُشْكِلَ (١) ما عليه الجمهورُ من جهةِ أنَّ الوقفةَ في ذي الحجةِ كانتْ يومَ الجمعةِ، وأولُ ذي الحجةِ كان يومَ الخميسِ؛ فَلاَ يمكنُ أن يَكُوْن ثاني عشرَ شهرِ ربيعٍ من السنةِ المذكورةِ يومَ الاثنينِ، لا بتقديرِ كمالِ الأشهرِ الثلاثةِ، ولا بتقديرِ نَقْصِها، ولا نَقْصِ بعضِها (٢).
وأجيبَ (٣): بأنه يحتملُ أنَّ الأشهرَ كاملةٌ، وأنَّ رؤيةَ هلالِ ذي الحجةِ لأهلِ مكةَ ليلةُ الخميس، ولأهلِ المدينةِ ليلةُ الجمعةِ؛ فحصلَتِ الوقفةُ برؤيةِ أهلِ مكةَ. ثُمَّ رجعُوا إلى المدينةِ، فأرَّخُوا برؤيةِ أهلِها؛ فكانَ أوَّلُ ذي الحجةِ الجمعةَ، وآخِرُهُ السبتَ، فيلزمُ أن يكونَ أولُ ربيعٍ الخميسَ؛ فيكونُ ثاني عشر الاثنين.
واختُلِفَ أيضًا في ابتداءِ مَرضِهِ، وفي مدَّتِهِ، وفي وقتِ (٤) وفاتِهِ من يومِهِ، وفي وقتِ دفنِهِ.
فالأولُ: يومُ الاثنينِ، وقِيْلَ: يومُ السبتِ (٥)، وقِيْلَ: يومُ الأربعاء (٦).
والثاني: ثلاثةَ عَشَرَ يومًا (٧)، وقِيْلَ: أربعةَ عَشَرَ (٨)، وقِيْلَ: اثنا عَشَرَ (٩)، وقِيْلَ: عشرةُ (١٠).
_________________
(١) استشكله العلامة السهيلي في الروض الأنف ٤/ ٤٣٩.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٦: «وهذا التفصيل لا محيص عنه». وبنحوه قال في التقييد والإيضاح: ٤٣٣.
(٣) هذا الجواب للحافظ ابن كثير. انظر: البداية والنهاية ٥/ ١٩٤ - ١٩٥، ونسبه السخاوي في فتح المغيث ٣/ ٢٤٤ إلى الشرف ابن البارزي وابن كثير.
(٤) ساقطة من (م).
(٥) حكاهما السخاوي عن الخطابي على الشك. فتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(٦) وبه قال أبو أحمد الحاكم الكبير، وابن حبان، وابن عبد البر. انظر: الثقات ٢/ ١٣٠، والاستيعاب ١/ ٣٤، وفتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(٧) وبه قال الأكثر.
(٨) في (م) زيادة: «يومًا» ولم ترد في شيء من النسخ الخطية.
(٩) وهذان القولان في الروضة. كما قال السخاوي في فتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(١٠) في (م) زيادة: «أيام». ولم ترد في شيء من النسخ الخطية. = =وهذا القول رواه البيهقي في "دلائل النبوة" عن سليمان التيمي بإسناد صحيح كما قال الحافظ العراقي. انظر: دلائل النبوة ٧/ ٢٣٤، شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٦، والتقييد والإيضاح: ٤٣٤ - ٤٣٥.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
والثالثُ: الضُّحَى، وفي " الصَّحِيْحَيْنِ " ما يدلُّ على أنَّهُ آخِرُ اليومِ.
و(١) جَمَعَ النَّاظِمُ بينَهُما بأنَّ المرادَ أولُ النصفِ الثاني، فهو آخرُ وقتِ الضَّحى، وهو من (٢) آخرِ النهارِ باعتبارِ أنه من النصفِ الثاني، واستدَلَّ له بخبرٍ عن عائشةَ (٣).
والرابعُ: قِيْلَ: ساعة (٤) وفاتِهِ، وهي حينَ الزوالِ يومُ الاثنينِ (٥)، وقِيْلَ: ليلةُ الثلاثاءِ (٦). وقِيْلَ: عندَ الزوالِ يومَ الثلاثاءِ (٧)، وقِيْلَ: ليلةُ الأربعاءِ، وقِيْلَ: يومُهُ (٨).
(وقُبِضَا) أي: مات (عَامَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ) من الهجرةِ (التَّالي) له - ﷺ - في الذكرِ فيما مَرَّ، وفي الولايةِ والوفاةِ، وهو أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (الرِّضَا) أي: المرضِيُّ في جُمادى الأولى (٩)، وقِيْلَ: في جمادى الآخرة (١٠)، وقِيْلَ: في ربيعٍ الأولِ، لليلةٍ خلَتْ منه (١١).
_________________
(١) في (م) زيادة: «قد» ولا وجود لها في بقية النسخ.
(٢) في (م): «في».
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٨، والتقييد والإيضاح: ٤٣٥.
(٤) في (م): «ساعاة».
(٥) نقل السخاوي عن الحاكم أنه قال في الإكليل: أنه أصح الأقوال وأثبتها. انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(٦) رواه سيف عن هشام، عن أبيه، وحكاه الحاكم. انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(٧) رواه البيهقي عن ابن عباس. وانظر: فتح المغيث ٣/ ٢٤٥.
(٨) يعني يوم الأربعاء، وانظر: فتح المغيث ٣/ ٢٤٦.
(٩) وهو قول الواقدي، وعمرو بن عليِّ الفلاس، وبه جزم المزي في تهذيب الكمال ٤/ ٢٠٦ (٣٤٠٥) قال العراقي: «وتقييده بجمادى الأولى مخالف لقول الأكثرين». انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٩، والتقييد والإيضاح: ٤٣٥.
(١٠) وإليه ذهب ابن إسحاق، وابن زبر، وابن قانع، وابن حبان، وابن عبد البر، وابن الجوزي، والذهبي. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٤٩.
(١١) قال السخاوي: «رواه البغوي من طريق الليث». فتح المغيث ٣/ ٢٤٦. قلنا: لم نجده في شرح السنة ولا المصابيح، بل نص على خلافه في شرح السنة فقال: «مات بعد رسول الله - ﷺ - بسنتين وأشهر في آخر جمادى الآخرة يوم الاثنين سنة ثلاث عشرة». شرح السنة ١٤/ ٧٦.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
(و) قضى (لِثَلاثٍ) مِنَ السنينِ مِنَ الهجرةِ (بَعْدَ عِشْريْنَ) سَنَةً مِنْهَا، في آخرِ يومٍ من ذي الحجةِ (عُمَرْ) الفاروقُ (١).
(و) عامَ (خمسةٍ بَعْدَ ثَلاثينَ) عامًا في ذي الحجة أيضًا (غَدَرْ) أي: نَقَضَ العهدَ (عادٍ) أي: متعدٍّ في الظُّلَمِ، قِيْلَ: إنَّهُ جَبَلةُ بنُ الأيهمِ، أو سودانُ بنُ حمرانَ، أو رومانُ اليَمانيُّ، أو رومانُ رجلٌ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ، أو غيرُ ذلك (بعُثمانَ) بنِ عفان، فقَتَلَهُ (٢).
عاشَ اثنتينِ وثمانينَ سنةً (٣)، وقِيْلَ: ثمانين (٤)، وقِيْلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (٥).
(كَذاك) غَدَر (بعَليْ) (٦) بنِ أبي طالبٍ، فقتَلَهُ غِيْلَةً (في) شهر رمضانَ من عامِ
(الأربعين) مِنَ الهجرةِ؛ عبدُ الرحمانِ بنُ ملجمٍ المراديُّ (ذو الشَّقَاءِ الأزليْ) أي: القديمَ، بقولِ النبيِّ - ﷺ - في خبرِ النَّسائيِّ لعليٍّ -رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ -: «أشقَى النَّاسِ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، والَّذي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأسِهِ، حتَّى يَخْضِبَ هَذهِ، يعني لِحْيَتَهُ» (٧).
٩٥٧ - وَطَلْحَةٌ (٨) مَعَ الزُّبَيْرِ جُمِعَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ مَعَا
٩٥٨ - وَعَامَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِيْنَ قَضَى (٩) سَعْدٌ، وقَبْلَهُ سَعِيْدٌ فَمَضَى
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٠.
(٢) انظر: تاريخ خليفة بن خياط ١/ ١٧٥ - ١٧٦، وتاريخ الطبري ٢/ ٦٦١.
(٣) قاله أبو اليقظان، وادعى الواقدي اتفاق أهل السير عليه. انظر: شرح التبصرة ٣/ ٢٥١.
(٤) وبه قال ابن إسحاق. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥١.
(٥) انظر: طبقات ابن سعد٣/ ٥٣، والاستيعاب٣/ ٨١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥١، والإصابة٢/ ٤٦٢.
(٦) في (م) زيادة: «أي» ولم ترد في شيء من النسخ الخطية.
(٧) لم نجده، ولعل المصنف يعني: حديث (١٠٣٦١) في تحفة الأشراف، وقد عزاه المزي للمواعظ من السنن الكبرى، وهو مما سقط من المطبوع. وذكره الهيثمي في المجمع٩/ ١٣٦ من حديث عمار، ونسبه إلى أحمد والطبراني والبزار، وقال: «رجال الجميع موثقون إلا أن التابعي لَمْ يسمع من عَمَّار». والحديث رواه أبو يعلى في المسند ١/ ٣٧٧ (٤٨٥)، والطبراني في الكبير ٨/ (٧٣١١)، قال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٣٦: «وفيه رشدين بن سعد وقد وثق، وبقية رجاله ثقات». قلنا: بل رشدين مجمع على ضعفه!! وضعَّف إسناده الشيخ حسين سليم أسد.
(٨) بالصرف؛ لضرورة الوزن.
(٩) في (ب): " قضا "، والصواب ما أُثْبِتَ.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
٩٥٩ - سَنَةَ إحْدَى بَعْدَ خَمْسِيْنَ وَفِي عَامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ تَفِي
٩٦٠ - قَضى ابْنُ عَوْفٍ، والأَمِيْنُ سَبَقَهْ عَامَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ (١) مُحَقَّقَهْ
٩٦١ - وَعَاشَ حَسَّانُ كَذَا حَكِيْمُ عِشْرِيْنَ بَعْدَ مِئَةٍ تَقُوْمُ
٩٦٢ - سِتُّوْنَ فِي الإِسْلاَمِ ثُمَّ حَضَرَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ خَلَتْ
٩٦٣ - وَفَوْقَ حَسَّانَ ثَلاَثَةٌ، كَذَا عَاشُوْا، وَمَا لِغَيْرِهِمْ يُعْرَفُ ذَا
٩٦٤ - قُلْتُ: حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى مَعَ ابْنِ يَرْبُوْعٍ سَعِيْدٍ يُعْزَى
٩٦٥ - هَذَانِ مَعْ حَمْنَنَ وابْنُ نَوْفَلِ كُلٌّ إلى وَصْفِ حَكِيْمٍ فَاجْمِلِ
٩٦٦ - وفِي الصِّحَابِ سِتَّةٌ قَدْ عَمَّرُوا كَذَاكَ (٢) في المُعَمِّرِيْنَ ذُكِرُوا
(وطلحةٌ) -بالصرفِ للوزنِ- بنُ عبيدِ اللهِ (معَ الزُّبيرِ) بنِ العَوَّامِ (جُمِعَا) قَتْلًا في وقعةِ الجملِ (سنةَ ستٍّ وثلاثينَ) مِنَ الهِجرةِ في يومٍ واحدٍ (مَعَا).
وَكَانت وقعةُ الجملِ لعشرٍ خلونَ من جُمادى الآخرةِ (٣)، وقِيْلَ: يومُ الخميسِ، وعَليهِ الجُمهورُ (٤)، وقِيْلَ: يومُ الجُمعةِ (٥)، وقِيْلَ: غيرُ ذلك. وقِيْلَ: كانت في جُمادى الأولى (٦).
وقاتِلُ طلحةَ: مروانُ بنُ الحكمِ بنِ أبي العاصِ، وقاتِلُ الزبيرِ: عمرُو بنُ جرموز (٧)، وسنُّهُما: أربعٌ وستون سنةً (٨).
_________________
(١) بالتنوين؛ لضرورة الوزن.
(٢) في (فتح المغيث): " لذاك ".
(٣) جزم به الواقدي، وابن سعد، وخليفة بن خياط، وابن زبر، وابن عبد البر، وابن الجوزي وغيرهم. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٣.
(٤) وإليه ذهب ابن سعد، وابن زبر، وابن الجوزي. انظر: المصدر السابق.
(٥) وبه قال خليفة بن خياط. انظر: تاريخه ١/ ١٦٠.
(٦) وهو قول الليث بن سعد، وابن حبان. انظر: الثقات ٢/ ٢٨٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٣.
(٧) انظر: الثقات ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٨) وبه قال ابن حبان والحاكم. انظر: الثقات ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠، ومعرفة علوم الحديث: ٢٠٣.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقِيْلَ في سنِّ طلحةَ: ستون (١)، وقِيْلَ: اثنان (٢) وستون (٣)، وقِيْلَ: غيرُ ذَلِكَ (٤).
وفي سنِّ الزبيرِ: بضعٌ وخمسونَ (٥)، وقِيْلَ: ستٌ، أو سبعٌ وستون، وغيرُ ذَلِكَ (٦).
(وعامَ خمسةٍ وخمسينَ) (٧) من الهجرةِ (قَضَى) أي: مات (سَعْدٌ)، هو ابنُ أَبي وَقَّاصٍ، وقِيْلَ: خَمسينَ، وقِيْلَ: غيرُ ذلِك (٨)، وسنُّهُ ثلاثٌ وَسَبْعونَ، وقِيْلَ: أربعٌ وسبعونَ، وقِيْلَ: غيرُ ذلِكَ (٩).
(وقبلَهُ) مَوتًا (سَعِيْدٌ) هو ابنُ زيدٍ، (فَمَضَى) أي: فإنَّهُ مَاتَ (سنةَ إحدى بَعْدَ خَمْسِينَ) سنةً من الهجرةِ، وَقِيْلَ: سنةُ اثنتينِ وخَمْسِينَ، وَقِيْلَ: غيرُ ذَلِكَ.
وسنُّه قِيْلَ: ثلاثٌ وسَبعونَ، وَقِيْلَ: أربعٌ وسبعونَ (١٠).
(وَفِي عَامِ اثنتينِ وثلاثينَ) منَ الهِجْرةِ (تَفِي)، أي: تَتِمُّ، (قَضَى) أي: ماتَ عبدُ الرَّحْمَانِ (ابنُ عَوْفٍ)، وَقِيْلَ: إحدى وثلاثينَ، وَقِيْلَ: غيرُ ذَلِكَ.
وسنُّهُ: قِيْلَ: اثنتانِ وسبعونَ، وَقِيْلَ: خمسٌ وسبعونَ، وَقِيْلَ: ثمانٍ وسبعونَ (١١).
_________________
(١) قاله المدائني، وبه صدّر ابن عبد البر كلامه. انظر: الاستيعاب ٢/ ٢٢٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٥.
(٢) كذا في النسخ، والصواب: «اثنتان».
(٣) وبه قال عيسى بن طلحة، والواقدي. انظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٢٢٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٥.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٥.
(٥) هذا القول لم يورده العراقي في شرحه ٣/ ٢٥٥، ولم نقف على القائل به، وما نراه إلا تقليد لقول السخاوي في شرحه ٣/ ٢٥٠.
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٥.
(٧) وهو قول الجمهور، منهم، الواقدي، والهيثم بن عدي، وابن نمير، وأبو موسى الزمن، والمدائني، وعمرو بن علي الفلاس. انظر: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٨) انظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٣٠ (٢٢١٣)، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٦.
(٩) انظر: تاريخ بغداد ١/ ١٤٦، وتاريخ دمشق ٢٠/ ٣٧٠.
(١٠) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٥٧.
(١١) انظر: تاريخ دمشق ٣٥/ ٣٠٧.
[ ٢ / ٣١٠ ]
(و) أبو عُبيدةَ عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الجراحِ (الأمينُ) أي: أمينُ هذهِ الأمةِ (سبقَهْ) أي: سبقَ ابنَ عَوفٍ بالوفاةِ، فإنَّهُ مَاتَ (عامَ ثماني عَشْرةٍ) - بالتنوين (١) للوزن - منَ الهِجرةِ، ووفاتُهُ في هذا العامِ (محقَّقَهْ)، والتَّصْريحُ بهذا من زيادتِهِ. وَسنُّهُ: ثمان وخمسونَ سنةً (٢).
وهؤلاءِ العَشَرةُ الذين بَيَّنَ وفياتِهُم بعد النبيِّ - ﷺ -، هم المشهودُ لهم بالجنَّةِ.
ثم بيَّن وَفياتِ جماعةٍ من الصَّحابةِ معمَّرِيْن، فَقَالَ:
(وعاشَ حَسَّانُ) بنُ ثابتِ بنِ المنذرِ بنِ حرامٍ الأنصاريُّ، و(٣) (كذا حَكِيمُ) بنُ حزامِ بنِ خويلدٍ، وهو ابنُ أخي خَديجَةَ (عِشْرينَ) سَنةً (بعدَ مئةٍ) مِنَ السِّنين، (تَقُوْمُ) أي: تَتِمُّ (سِتُّونَ) مِنْهَا (في الإسلامِ)، وَستّونَ قبلهُ (٤) في الجاهليةِ، (ثُمَّ حَضَرَتْ) بالمدينةِ الشريفةِ وفاةُ كُلٍّ مِنهما (سنةَ أربعٍ وخمسينَ خَلَت) أي: مضَتْ مِنَ الهجرةِ.
وَقِيْلَ في وفاةِ الأولِ: سنةُ خمسينَ. وَقِيْلَ: سنةُ أربعينَ، وَقِيْلَ: قبلها (٥).
وفي وفاةِ الثاني (٦): سنةُ ستينَ، وَقِيْلَ: سنةُ ثمانٍ وخمسينَ، وَقِيْلَ: سنةُ خمسينَ (٧).
قال الزبيرُ بنُ بَكَّارٍ: كان مولدُ حكيمٍ (٨) بجوفِ الكعبةِ.
قَالَ شَيْخُنا: ولا يُعرفُ ذلك لغيرِهِ.
(وفوقَ حسانَ) المذكورِ من آبائِهِ (ثلاثةٌ) متواليةٌ: ثابتٌ، والمنذرُ، وحرامُ، (كذا عاشُوا) أي: مئةً وعشرينَ سنةً (٩).
_________________
(١) في (م): «بالصرف».
(٢) انظر: تاريخ دمشق ٢٥/ ٤٨٨.
(٣) الواو ساقطة من (م).
(٤) في (ع): «قبلها».
(٥) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٤٨ - ٦٩، وأهل المئة فصاعدًا: ١١٥.
(٦) في (م) زيادة: «في».
(٧) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٤٨ - ٦٩، وأهل المئة فصاعدًا: ١١٥.
(٨) في (ع): «حكيم بن حزام».
(٩) وكذا قال الإمام الترمذي في كتاب: " تسمية أصحاب رسول الله - ﷺ - " (١٢٤).
[ ٢ / ٣١١ ]
وَقِيْلَ: عاشَ كُلٌّ منَ الأربعةِ مئةٌ وأربعُ سنينَ فقط (١).
(وَمَا لِغيرِهِمْ) أي: الأربعةِ (يُعرفُ) في العَربِ مثلُ (ذا) متواليًا، قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٢).
(قُلْتُ): لكن في الصَّحَابةِ أربعةٌ غيرُ حَسّانَ، وحكيمٍ، قُرشيونَ: (حُويطِبُ بنُ عبدِ العُزَّى) العامريُّ (٣) (مَعَ ابنِ يَربُوعٍ سعيدٍ (٤) يُعْزَى) أي: يُنْسَبُ (هَذانِ مَعْ) بالإسكان (حَمْنَن) - بفتحِ المهمَلَةِ وسكونِ الميم وفتحِ النونِ الأولى بِلا تنوينٍ للوزن - ابنِ عوفٍ، أخي عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ عوفٍ (٥) (و) معَ مَخْرمةَ (ابنُ نوفلِ) والدِ المِسوَرِ (٦)، (كُلٌّ) من هؤلاءِ الأربعةِ يُعْزَى (إلى وَصْفِ حَكِيْمٍ) وحسَّانَ، في كونِ كُلٍّ منهم صَحابيًا، وعاشَ مئةً وعشرينَ سنةً: نصفُها في الجاهليةِ، ونصفُها في الإسلامِ، وتوفِّيَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، (فاجْمِلِ) عدَدهُم يكُنْ ستةً.
(وفي الصِّحَابِ) أي: الصَّحَابةِ (ستَّةٌ) أيضًا (قَدْ عَمَّروا) هَذَا السنَّ، لكن لم يُعْلَم كون نصفه في الجاهليةِ، ونصفه في الإسلامِ، لتقدمِ وفاتِهِم على المذكورينَ، أو تأخُّرِها، أو لعدمِ معرفةِ تاريخِها، وهم:
١ - عاصمُ بنُ عديِّ بنِ الجدِّ العجلانيُّ، صاحبُ عُويمرٍ العجلانيُّ في قِصَّةِ اللعانِ (٧).
٢ - والمنتجعُ جدُّ ناجيةَ (٨).
_________________
(١) رواه البيهقي في الزهد من طريق ابن إسحاق، عن سعيد. انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٥٣، وبه قال ابن حبان في ثقاته ٣/ ٧٢.
(٢) حكاية عن الحافظ أبي نعيم الأصبهاني. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٦٦.
(٣) انظر: المستدرك ٣/ ٤٩٢، ومن عاش مئة وعشرين: ٥٨ (٣)، وأهل المئة فصاعدًا: ١١٥.
(٤) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٦٥ (٦).
(٥) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٧٦ (١٠).
(٦) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٦٢ (٥).
(٧) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٥٣ (٢).
(٨) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٧٧ (١١).
[ ٢ / ٣١٢ ]
٣ - ونافعُ أبو سليمانَ العبديُّ (١).
٤ - واللجلاجُ العامريُّ (٢).
٥ - وسعدُ بنُ جُنادةَ العَوفيُّ الأنصاريُّ (٣).
٦ - وعَدِيُّ بنُ حاتِمٍ الطائيُّ (٤).
(كذاكَ في المعمَّرِينَ ذُكِرُوا) أي: ذكرَهُم جماعةٌ.
ونظمهُم البرهانُ الحَلَبيُّ في بيتٍ، فَقَالَ:
منتجعٌ ونافعٌ مَعْ عَاصِمٍ وَسَعْدٍ اللّجلاجِ وابنِ حَاتِمِ
٩٦٧ - وَقُبِضَ الثَّوْرِيُّ عَامَ إحْدَى مِنْ بَعْدِ سِتِّيْنَ وَقَرْنٍ عُدَّا (٥)
٩٦٨ - وَبَعْدُ في تِسْعٍ تَلِي سَبْعِيْنَا وَفَاةُ (٦) مَالِكٍ، وَفي الخَمْسِيْنَا
٩٦٩ - وَمِئَةٍ أَبُو حَنِيْفَةٍ قَضَى والشَّافِعِيُّ بَعْدَ قَرْنَيْنِ مَضَى
٩٧٠ - لأَرْبَعٍ ثُمَّ قَضَى مَأمُوْنَا أحْمَدُ في إحْدَى وأَرْبَعِيْنَا
ثم بيَّنَ الناظمُ وفياتِ أصْحابِ المذاهبِ الخَمسةِ، فَقَالَ:
(وقُبِضَ) أي: مَاتَ أبو عبدِ اللهِ سُفيانُ بنُ سعيدٍ (الثوريُّ) - نسبةً إلى ثورِ بنِ عبدِ مناةٍ بنِ أدّ (٧). وَقِيْلَ: إلى ثورِ همدانَ - الكوفيُّ، كان لَهُ مُقلّدون إلى بعدِ الخمسِ مئةٍ (عامَ إحدى مِنْ بعدِ سِتِّينَ، وَقَرْنٍ) أي: إحدى وستين ومئة، في شعبان بالبَصْرةِ.
(عُدَّا) بألفِ الإطلاقِ تكملةٌ، وهو صفةٌ لستينَ وَقَرْنٍ، أي: مَعْدودانِ.
_________________
(١) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٧٨ (١٢).
(٢) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٨٠ (١٣).
(٣) انظر: من عاش مئة وعشرين من الصحابة: ٦٨ (٧).
(٤) انظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٢٢، وطبقات خليفة: ٦٩، وتاريخ خليفة ١/ ٢٦٠، ولكنه أرخ وفاته سنة (٦٦ هـ).
(٥) في (ب): «غدا»، والصواب ما أُثْبِتَ.
(٦) في (ب): " وفات "، والصواب ما أُثْبِتَ.
(٧) انظر: اللباب ١/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٣١٣ ]
ومولدُهُ: سنة سبعٍ وتسعينَ (١)، وَقِيْلَ: سنةُ خمسٍ وتسعينَ (٢).
(وبَعْدُ) أي: وَبَعدَ الثوريِّ (في) سَنةِ (تِسْعٍ) بتقديمِ التاءِ (تَلي سَبْعِينَا)
- بتقديم السين - بعدَ مئةٍ، كانت (وفاةُ) أَبي عبدِ اللهِ (مَالِكٍ) هو ابنُ أنسٍ، تُوفي بالمدينةِ وقُبِرَ بِها.
وَقِيْلَ: تُوفِّي في صَفَر، وَقِيْلَ: صبيحةُ أربعَ عشرةَ من شهرِ ربيعٍ الأولِ (٣).
ومولدُهُ: سنة ثلاثٍ، أو إحدى، أو أربعٍ، أو سبعٍ وتسعينَ، وَقِيْلَ: سنةُ تسعينَ، وَقِيْلَ: غيرُ ذلكَ (٤).
فَسِنُّهُ: سِتٌّ، أو ثمانٍ، أو خمسٌ، أو اثنتانِ، أو تِسْعٌ وثمانُونَ سَنةً، أو غيرُ ذلِكَ (٥).
(وَفي الخَمْسينا وَمئةٍ) مِنَ السِّنينِ: (أبو حَنيفةٍ) النعمانُ بنُ ثابتٍ الكوفيُّ (قَضَى) أي: مَاتَ بِبغْدادَ وَقُبرَ بِهَا.
وَقِيْلَ: سَنَةُ إحدى (٦)، وَقِيْلَ: ثَلاثٌ وخمسينَ ومئةٌ (٧).
ومولدُهُ: سَنةُ ثمانينَ. فسنُّهُ: سَبعونَ، وَقِيْلَ: إحدى، وَقِيْلَ: ثلاثٌ وسَبعونَ سَنةً (٨).
(و) إمامنا أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إدريسَ (الشَّافِعيُّ بعدَ قَرْنَينِ) أي: مئتينِ (مَضَى)، أي ماتَ (لأربعٍ) مِنَ السنينَ بَعدهُما بمصرَ آخِرُ يومٍ من شَهْرِ رَجَبٍ. وَقِيْلَ: ليلةُ الخميسِ، آخِرُ ليلةٍ مِنْهُ. وَقِيْلَ: آخِرُ شهرِ ربيعٍ الأولِ. وقبرُهُ بالقرافَةِ ظاهرٌ مشهورٌ يُزَارُ.
_________________
(١) قاله العجلي والجمهور. انظر: ثقات العجلي ١/ ٤١٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٦٧.
(٢) وبه قال ابن حبان. انظر: ثقاته ٦/ ٤٠٢.
(٣) وبه قال إسماعيل بن أبي أويس، وجزم به الذهبي. انظر: العبر١/ ٢٧٢، وشرح التبصرة ٣/ ٢٦٧.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٦٧.
(٥) انظر: ترتيب المدارك ١/ ١٠٢، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨.
(٦) هذه رواية ابن أبي خيثمة، عن ابن معين. انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٤٢٢.
(٧) وهو قول مكي بن إبراهيم البلخي. انظر: المصدر نفسه.
(٨) انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠، والجواهر المضية ١/ ٤٩ فما بعدها.
[ ٢ / ٣١٤ ]
ومولدُهُ: سَنةُ خمسينَ ومئةٍ بـ «غَزَّةَ»، وَقِيْلَ: بـ «عَسْقَلانَ»، وَقِيْلَ:
بـ «اليمَنِ». فَسِنُّهُ: أربعٌ وخمسونَ (١).
وَقِيْلَ: سِنُّهُ اثنتانِ وخَمْسُونَ سَنَةً. وَهُوَ غَريبٌ (٢)، ويلزمُ عَلَيْهِ أنَّ في وفاتِهِ، أو مولدِهِ خلافًا، ولا أعلمُهُ، بَلْ نقل النوويُّ - رحِمهُ الله تَعَالَى - في " مجموعِهِ " (٣) الإجماعَ على أنه وُلِدَ سنةَ خمسينَ ومئةٍ.
(ثم قَضَى) أي ماتَ حَالَة كونِهِ (مأمُونا) مِن فتنةِ الشيطانِ، وغيرِهِ: أبو عبدِ اللهِ (أحمدُ) بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ (في) سنةِ (إحدى وأربَعينَا) بَعْدَ المئتينِ، على المشهورِ ببغدادَ.
واخْتَلَفُوا في الشهرِ، وفي اليومِ؛ فقِيْلَ: تُوفِّي يومَ الجمعةِ ضَحْوةً، لاثنتَي عشرةَ ليلةً خَلَتْ من شهرِ ربيعٍ الآخِرِ. وَقِيْلَ: يومُ الجمعةِ، لثَلاثَ عَشْرةَ بَقَيْنَ مِنْهُ. وَقِيْلَ: يومُ الجمعةِ في شهرِ ربيعٍ الأولِ، وَقِيْلَ: غيرُ ذَلكَ.
ومولدُهُ: في شهرِ ربيعٍ الأولِ سنةُ أربعٍ وستينَ ومئةٍ.
فسِنُّه: سَبْعٌ وسَبعونَ سَنةً (٤).
ومِنْهُمْ مَنْ عَدَّ من أصحابِ المذاهبِ: الأوزاعيَّ، وإسْحَاقَ بنَ رَاهَوَيْهِ، واللَّيْثَ بنَ سَعدٍ، وسُفيانَ بنَ عُيينةَ، وداوُدَ بنَ عَلِيٍّ الظاهريَّ، ومُحَمَّدَ بنَ جَرِيْرٍ الطبريَّ.
٩٧١ - ثُمَّ البُخَارِيْ لَيْلَةَ الفِطْرِ لَدَى (٥) سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ بِخَرْتَنْكَ رَدَى
٩٧٢ - وَمُسْلِمٌ سَنَةَ إحْدَى في رَجَبْ مِنْ بَعْدِ قَرْنَيْنِ وَسِتِّيْنَ ذَهَبْ
٩٧٣ - ثُمَّ لِخَمْسٍ بَعْدَ سَبْعِيْنَ أبُو دَاوُدَ، ثُمَّ التِّرْمِذِيُّ يَعْقُبُ (٦)
٩٧٤ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَهَا وَذُو نَسَا رَابِعَ (٧) قَرْنٍ لِثَلاَثٍ رُفِسَا
_________________
(١) انظر: ثقات ابن حبان ٩/ ٣١، تاريخ بغداد ٢/ ٧٠، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٥.
(٢) تفرد بهذا القول ابن زبر. انظر: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ٢/ ٤٥٣.
(٣) ١/ ٨.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٢، وتاريخ دمشق ٥/ ٢٥٨، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٩.
(٥) في (ب): «لذا»، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٦) في (ج): «نعقب».
(٧) في (أ): (ثالث)، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
[ ٢ / ٣١٥ ]
ثم بيَّن وفياتِ أصْحَابِ الكُتُبِ الخَمْسَةِ، فَقَالَ:
(ثُمَّ) أبو عَبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ (البُخَارِيْ) - بالإسكان لما مَرَّ - (ليلةَ) عيدِ (الفِطْرِ) ليلةَ السبتِ وقتَ صلاةِ العشاءِ (لَدَى) أي: عندَ سنةِ (سِتٍّ وخمسينَ) ومئتينٍ (١) (بخرتَنْكَ) بفتحِ المعجمةِ، وَقِيْلَ: بكسرِها، وسكونِ الراءِ، وفتحِ التاءِ الفوقيةِ، ثم نونٍ ساكنةٍ، قريةٍ من قُرَى سَمَرقَنْدَ (٢) (رَدَى) - بفتحِ المهملة - أي: ذَهَبَ بِالوفَاةِ.
وَمَولدُهُ: يومُ الجمعةِ بعدَ الصلاةِ لثلاثَ عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ شَوالٍ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئةٍ.
فسِنُّهُ: اثنتانِ وستونَ سنةً إلا ثلاثةَ عشرَ يومًا (٣).
(و) أبو الحسينِ (مُسْلمٌ) هو ابنُ الحجاجِ القُشَيْرِيُّ النيسابوريُّ (سنةَ إحدى في (٤» عشيةِ يومِ الأحدِ لخمسٍ بقينَ من شهرِ (رجبْ مِنْ بعدِ قَرنينِ) أي: مئتينِ (وستِّينَ) سنةً، (ذَهَبْ) بالوفاةِ بنيسابورَ.
وسِنُّهُ: خمسٌ وخمسونَ سَنةً، وَقِيْلَ: سِتُّونَ، وَقِيْلَ: قاربَها. ويؤيِّدُهُ أنَّ (٥) المعروفَ أنَّ مولدَهُ سَنةُ أربعٍ ومئتينِ (٦).
(ثُمّ) في يوم الجمعة سادسَ عشرَ شوالٍ (لخمسٍ) من السنينِ (بَعْدَ سبعينَ) سنةً تلي مئتينِ مَاتَ بالبصرةِ (أبو داودَ) سُليمانُ بنُ الأشعثِ السِّجِسْتَانيُّ. ومولدُهُ: سَنةُ ثنتينِ ومئتينِ (٧).
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) انظر: الأنساب ٢/ ٣٩١، ومعجم البلدان ٢/ ٣٥٦.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٤، وطبقات الحنابلة ١/ ١٧١، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١.
(٤) في (م): «من».
(٥) في (م): «أنه».
(٦) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٧.
(٧) انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٥٥، وطبقات الحنابلة ١/ ١٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٣١٦ ]
(ثُمَّ) أبو عيسى مُحَمَّدُ بنُ عيسى (التِّرْمِذِيُّ يَعْقُبُ) أبا دَاوُدَ في الوفاةِ بنحوِ أربعِ سنينَ، فإنَّهُ ماتَ ليلةَ الاثنينِ لثلاثَ عشرةَ ليلةً مضَتْ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ (سنةَ تِسْعٍ) - بتقديمِ الفوقيةِ - (بعدَها)، أي: بعدَ السَّبعينَ والمئتينِ (١)، وقولُهُ: «يعقب» تكملةٌ وتأكيدٌ.
(و) أبو عبدِ الرحمانِ أحمدُ بنُ شُعيبٍ (ذو نَسَا) - بفتحِ النونِ والسينِ المهملةِ - من كُورِ نيسابورَ (٢)، أي: النَّسائيُّ - بالقصر والمد -، والقياسُ النَّسَويُّ، وقد يعبَّرُ بِهِ (رابعَ قرنٍ لثلاثٍ) من السنينَ (رُفِسَا)، وماتَ بالرفسِ سنةَ ثلاثٍ وثلاث مئةٍ في صَفَرَ يومِ الاثنينِ.
وَقِيْلَ: ليلةَ الاثنينِ لثلاثَ عشرةَ خلَتْ مِنْهُ.
والرفسُ يكونُ بالأرجُلِ (٣). وسببُ رفْسِهِ: أنَّ أهلَ دمشقَ سَأَلُوهُ عَنْ مُعاويةَ، وما رُوِيَ من فضائِلِهِ، ليرجِّحُوهُ بِها عَلَى عَلِيٍّ - ﵄ - فأجابَهُم بقوله:
«ألاَ يرضَى مُعاويةُ رأسًا برأسٍ حتى يُفَضَّلَ» فما زالوا يرفِسُونَهُ في حِضنيهِ (٤) - أي جانبَيْهِ - حتى أُخْرِجَ من المسجدِ، ثم حُمِلَ إلى مكةَ، فماتَ بِها مَقتولًا شَهيدًا.
وَقِيْلَ: كانَ ذَلِكَ بالرملةِ. ودُفِنَ ببيتِ المقدسِ، وسنُّهُ: ثمانٍ وثمانونَ سنةً (٥).
وأما أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يزيَدَ بنِ ماجه القزوينيُّ، فَلَم يذكرْهُ تَبعًا لابنِ الصَّلاحِ، وَكَانَتْ وفاتُهُ سَنةَ ثلاثٍ وَسَبعينَ ومِئتينِ يومَ الثلاثاءِ، لثمانٍ بقينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقِيْلَ: سَنَةُ خمسٍ وسبعينَ (٦).
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٣، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٠، والبداية والنهاية ١١/ ٦٦.
(٢) قال السمعاني في الأنساب ٥/ ٣٨٠: " بفتح النون والسين المهملة "، وانظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٦٩ ونصَّ على أنها بالقصر، بينما حكى ابن خلكان في وفياته ١/ ٧٨: أنها بالهمز.
(٣) في اللسان: «الرفسة: الصدمة بالرجل في الصدر ورفسهُ يرفُسه ويرفِسه رفسًا: ضربه في صدره برجله وقيل من غير أن يخص به الصدر». اللسان ٦/ ١٠٠.
(٤) في (ق): «خصيتيه». في السِّيَر ١٤/ ١٣٢: «حِضْنَيْهِ»، وفي الشذرات ٢/ ٢٤٠: «خِصْيَتَيْهِ». وانظر: وفيات الأعيان ١/ ٧٧، وتهذيب الكمال ١/ ٤٥، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٠.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٢٥، والبداية والنهاية ١١/ ١٢٣، والنجوم الزاهرة ٣/ ١٨٨.
(٦) انظر: المنتظم ٥/ ٩٠، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٧.
[ ٢ / ٣١٧ ]
٩٧٥ - ثُمَّ لِخَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ تَفِي الدَّارَقُطْنِيْ، ثُمَّتَ الحَاكِمُ فِيْ
٩٧٦ - خَامِسِ (١) قَرْنٍ عَامَ خَمْسَةٍ فَنِي وَبَعْدَهُ بِأرْبَعٍ عَبْدُ الغَنِيْ
٩٧٧ - فَفِي (٢) الثَّلاَثِيْنَ: أبُوْ نُعَيْمِ وَلِثَمَانٍ بَيْهَقِيُّ القَوْمِ
٩٧٨ - مِنْ بَعْدِ خَمْسِيْنَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ خَطِيْبُهُمْ والنَّمَرِيْ في سَنَةِ
ثُمَّ بيَّنَ وفياتِ جماعةٍ ذِي تَصانيفَ حسنةٍ، فَقَالَ:
(ثُمَّ لخمسٍ وثمانينَ) سنةً، أي: لمُضِيِّهَا من القرنِ الرابعِ (تَفِيْ) أي: تَتِمُّ، في (٣) يومِ الأربعاءِ لثمانٍ خلونَ من ذي القعدةِ ماتَ (الدارَقُطني) - بالإسكان لما مَرَّ -. ومولدُهُ: في ذي القعدةِ سَنةَ ستٍ وثلاثِ مئةٍ. فسنُّهُ: تِسعٌ وسبعونَ سنةً (٤).
(ثُمَّتَ) - لُغةٌ في ثُمَّ - أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ (الحاكِمُ) النيسابوريُّ (فيْ خَامِسِ قَرْنٍ) في صَفَرَ (عامَ خمسةٍ) مَضَتْ مِنهُ، أي: عامَ خمسٍ وأربعِ مئةٍ (فَنِيْ) أي: مَاتَ بنيسابورَ. ومولدُهُ: في شهرِ ربيعٍ الأولِ سَنَةَ إحدى وعِشرينَ، وثلاثِ مئةٍ (٥).
(وبعدَهُ) أي: الحاكمِ (بأربعٍ) من السنينَ مَاتَ أبو مُحَمَّدٍ (عبدُ الغنيْ) بنُ سعيد بنِ عليٍّ الأزديُّ المصريُّ لسبعٍ خَلَونَ من صَفرَ سَنَةَ تِسعٍ وأربعِ مئةٍ. وسنُّهُ: سبعٌ وسبعونَ سنةً (٦).
(ف) بعدَهُ (في الثلاثينَ) من السنينِ بعدَ الأربعِ مئةٍ بُكْرَةَ يومِ الاثنينِ، العشرينَ مِن الْمُحرَّمِ ماتَ (أَبو نُعَيمِ) أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأصبهانيُّ. ومولده: في شهرِ رجبٍ سنةَ ستٍ وثلاثينَ وثلاثِ مئةٍ (٧).
_________________
(١) في (أ): " رابع قرن "، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٢) في (أ) و(ب): «وفي».
(٣) ساقطة من (ق).
(٤) انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤، والبداية والنهاية ١١/ ٣١٧.
(٥) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ١٦٢.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٦٨.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٥٣، والبداية والنهاية ١٢/ ٤٥.
[ ٢ / ٣١٨ ]
(ولثمانٍ) من السنينَ - أي: لِمُضِيِّها - ماتَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسينِ الشافعيُّ (بيهقيُّ القومِ) أي: الحفاظِ والفقهاءِ (مِنْ بعدِ) مضيِّ (خَمْسينَ) وأربع مئةٍ في عاشرِ جُمادى الأولى سَنَةَ ثمانٍ وخمسينَ بنيسابورَ. ودُفِنَ بـ «بَيْهَق» كورة بنواحي نيسابورَ، عَلَى عشرينَ فرسخًا مِنْهَا. ومولدُهُ: سنةُ أربعٍ وثمانينَ وثلاثِ مئةٍ (١).
(وبعدَ) مضيِّ (خمسةِ) مِن وفاةِ البَيْهقيِّ، مات (خَطيبهُمْ) أي: القومِ، أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ ثابتٍ البغداديُّ الشافعيُّ.
(و) أبو عُمَرَ يوسفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ البَرِّ (النَّمَرِيْ) -بالإسكان لما مَرَّ-، وبفتحِ النونِ، والميمِ نسبةً إلى «نَمِر» - بكسرِ الميمِ - كلاهما (في سنة) واحدةٍ، وهيَ سَنةُ ثلاثٍ وستينَ وأربعِ مئةٍ.
فالخطيبُ في سابعِ ذي الحجةِ منها، ومولدُهُ: في جُمادى الآخرةِ سنةَ إحدى، أو اثنتينِ وتِسعينَ وثلاثِ مئةٍ (٢).
والنَّمَريُّ في سلخِ شهرِ ربيعٍ الآخِرِ مِنْها، ومولدُهُ: يومُ الجمعةِ، والإمامُ يخطبُ، لِخمسٍ بقينَ من شهرِ ربيعٍ الآخِرِ، سنةَ ثمانٍ وستينَ وثلاثِ مئةٍ. فسِنُّه: خمسٌ وتسعونَ سنةً، وخمسةُ أيامٍ (٣).
_________________
(١) انظر: الأنساب ١/ ٤٦٢، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣.
(٢) انظر: المنتظم ٨/ ٢٦٥، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٧٠.
(٣) انظر: ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٨، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ١٥٣.
[ ٢ / ٣١٩ ]
مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ والضُّعَفَاءِ (١)
٩٧٩ - وَاعْنِ بِعِلْمِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ فَإِنَّهُ المِرْقَاةُ لِلتَّفْصِيْلِ (٢)
٩٨٠ - بَيْنَ الصَّحِيْحِ وَالسَّقِيْمِ وَاحْذَرِ مِنْ غَرَضٍ، فَالجَرْحُ أَيُّ خَطَرِ
٩٨١ - وَمَعَ ذَا فَالنُّصْحُ حَقٌّ وَلَقَدْ أَحْسَنَ يَحْيَى فِي جَوَابِهِ وَسَدْ
٩٨٢ - لأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ مِنْ كَوْنِ خَصْمِي المُصْطَفَى إذْ لَمْ أَذُبْ
٩٨٣ - وَرُبَّمَا رُدَّ كَلاَمُ الجَارِحِ كَالنَّسَئِيْ فِي أَحْمَدَ بنِ صَالِحِ
٩٨٤ - فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ غَطَّى عَلَيْهِ السُّخْطُ حِيْنَ يُحْرَجُ
(واعنِ) أي: اجعلْ من عِنايتكَ اهتمامَك (بِعِلْمِ الجَرْحِ) أي: التَّجريحِ (والتَّعْدِيلِ) في الرُّواةِ، ونحوِهِم (فإنَّهُ المِرْقَاةُ) أي: مَحَلُّ الرقي (للتفصيلِ بينَ الصحيحِ، والسقيمِ) أي: الضَّعيفِ من الحديثِ.
وفي كُلٍّ مِنْهُما تصَانيفُ كَثيرةٌ.
(واحذَرِ) أيُّها المتصدِّي لذلك، (مِنْ غَرَضٍ) قبيحٍ يَحْمِلُك عَلى التَّحَامُلِ والافتراءِ، فَذلِكَ شَرُّ الأمورِ التي تَدْخلُ عَلَى المتَصدِّي لِذلِكَ.
(فَالجَرحُ) والتعديلُ كُلٌّ منهما خطرٌ؛ لأنَّ من جَرَّحَ أو عَدَّلَ بغيرِ تثبُّتٍ، كَانَ كالمثبتِ حُكمًَا لَيْسَ بثابتٍ، وَذَلِكَ في الجرحِ (أيُّ: خَطَرِ) - بفتحِ الخاءِ، والطّاءِ - مَنْ «خَاطَرَ بِنَفْسِهِ» أي: أشْرفَ عَلى هَلاكِهَا، والداخلُ فيهِ هَالِكٌ دنيا وأخرَى.
_________________
(١) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٧٠، والإرشاد ٢/ ٧٧٢ - ٧٨٦، والتقريب: ١٩٧ - ١٩٨، والمنهل الروي ١٣٧، واختصار علوم الحديث: ٢٤٢ - ٢٤٣، والشذا الفياح ٢/ ٧٣٩ - ٧٤٣، والمقنع ٢/ ٦٥٧ - ٦٦١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٧٧، وفتح المغيث ٣/ ٣١٤ - ٣٣٠، وتدريب الراوي ٢/ ٣٦٨ - ٣٧٠، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي ٢٧٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠٠ - ٥٠٢.
(٢) في (ب) و(ج) من متن الألفية و(ق) من الشرح: «للتفضيل».
(٣) في (م): «المسلم».
(٤) الاقتراح: ٣٤٤.
(٥) انظر: الرفع والتكميل: ٥٦ فما بعدها.
(٦) أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل ١/ ١٨٦، والخطيب في الكفاية (٩٠ ت، ٤٤ هـ).
(٧) الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٩)، وفيه: «ليس بثقة».
(٨) الإرشاد ١/ ٤٢٤.
(٩) الميزان ١/ ١٠٣ الترجمة (٤٠٦).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ولقد أحسنَ ابنُ دقيقِ العيد، بقولِهِ: «أعراضُ المسلمينَ (١) حفرةٌ من حُفَرِ النارِ، وقف على شفيرِها طائفتانِ مِنَ النَّاسِ: المُحَدِّثونَ، والحُكَّامُ» (٢).
(وَمَعَ ذَا) أي: كونِ الجَرْح خطرًا فلابدَّ مِنْهُ، (فَالنُّصْحُ) في الدينِ (حقٌ) واجبٌ، وذلِكَ لحفظِ الحقوقِ مِن الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ وسائرِ الحقوقِ، ولكون ذَلِكَ نصيحةً لا يعدُّ غيبَةً.
نعم: لا يجوزُ التجريحُ بشيئينِ إذا حصلَ الغرضُ بواحدٍ (٣).
(وَلَقدْ أَحْسنَ) الإمامُ (يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطانُ (في جوابِهِ)، لأبي بكرِ بنِ خَلاّدٍ حين قَالَ لهُ: أما تخشى أنْ يكونَ هؤلاءِ الذين تركْتَ حديثَهُم خصماءَ ك عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ (وَسَدْ) - بفتح أولهِ - أي: وُفِّقَ للسدادِ، وَهُوَ الصوابُ، والقصدُ من القولِ والعملِ، بقوله: (لأن يكونوا خصماءَ لي، أحبْ) إليَّ (مِن كونِ خصمِي المصطفى) - ﷺ -، (إذ لَمْ أَذُبْ) - بمعجمةٍ مضمومةٍ - أي: أمنعَ الكذبَ عَن حديثِهِ (٤).
ثُمَّ مِنَ المتَصدّينَ لِذَلِكَ، مَنْ يشدِّدُ في التجريحِ، ومِنْهم مَنْ يتسمَّحُ فيهِ، ومنهم من يعتدِلُ فيه (و) مع ذلك (رُبَّما رُدَّ كَلامُ الجارحِ) مع جلالتِهِ وأمانتِهِ لتحامُلِهِ، (كَالنَّسَئِيْ) - بالإسكان لما مر - (في) تجريحِهِ لأبي جعفرٍ (أحمدَ بنِ صالحِ) الْمِصْريِّ، بقولِهِ: «لَيْسَ بثقةٍ، ولا مأمونٍ. قال ابنُ معينٍ: إنه كذابٌ يتفَلْسَفُ» (٥).
فإنَّهُ كَمَا قَالَ أبو يَعلى الخَلِيْليُّ: «مِمَّنِ اتفقَ الحفَّاظُ على أنَّ كلامَ النَّسائيِّ فيهِ تحامُلٌ». قَالَ: «ولا يقدحُ كلامُ أمثالِهِ فيِهِ» (٦). وَقَالَ الذهبيُّ: «إنه آذى نفسَهُ بكلامِهِ فيه» (٧).
_________________
(١) في (م): «المسلم».
(٢) الاقتراح: ٣٤٤.
(٣) انظر: الرفع والتكميل: ٥٦ فما بعدها.
(٤) أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل ١/ ١٨٦، والخطيب في الكفاية (٩٠ ت، ٤٤ هـ).
(٥) الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٩)، وفيه: «ليس بثقة».
(٦) الإرشاد ١/ ٤٢٤.
(٧) الميزان ١/ ١٠٣ الترجمة (٤٠٦).
[ ٢ / ٣٢١ ]
والناسُ كُلُّهم متفقونَ على إمامتِهِ، وثقتِهِ، واحتجَّ بهِ البُخاريُّ في "صحيحهِ"، وَقَالَ: «إنَّهُ ثقةٌ صدوقٌ، مَا رأيتُ أحدًا يَتَكَلَّمُ فيه بحجةٍ. كان أحمدُ، وابنُ نُمير يُثَبِّتُونَهُ، وكان يحيى - يعني: ابنَ معين - يقول: سَلُوهُ، فإنَّهُ ثَبْتٌ» (١).
وَسببُ تجريحِ النَّسائيِّ لهُ: أنه حَضَرَ مجلسَهُ، فطرَدَهُ مِنْهُ؛ فَحَمَلَهُ ذَلِكَ على تجريحِهِ (٢).
وأما ما نقلَهُ عن ابنِ مَعينٍ، فَقَالَ ابنُ حبانٍ: «إنه اشتبَهَ عَليهِ، فإنَّ الذي جَرَّحَهُ ابنُ مَعينٍ، إنما هُو أحمدُ بنُ صالحٍ الشموميُّ الْمِصْريُّ شيخٌ بمكةَ، كَانَ يضعُ الحديثَ» (٣).
ومعَ ذَلِكَ لا يقدحُ في النسائيِّ ما قالَهُ في أحمدَ بنِ صالحٍ، (فَربَّما كَانَ لِجرْحٍ مخرجُ) أي: مَخْلَصٌ يزولُ به، ولكنْ (غَطَّى عَليهِ السُّخْطُ حينَ يُحْرَجُ) - بمهملةٍ، فراءٍ مفتوحةٍ - أي: يضيقُ صدرُهُ بسببِ مَا نَالَهُ؛ لأنَّ الفلتاتِ لا يدعى العصمةَ مِنْهَا. فَقَدْ يقعُ من أهلِ التقوى فلتاتُ لسانٍ، لا أنهم - مَعَ جلالتِهِم، ووفُورِ ديانَتِهِم - يتعمدونَ القدحَ بما يعلمون بطلانَهُ.
مَعْرِفَةُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ (٤)
مَعْرِفةُ مَنِ اختلَطَ من الثِّقاتِ، فائدتها (٥) تمييزُ المقبولِ من غَيرِهِ.
_________________
(١) انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٣٩، وهدي الساري: ٣٨٥.
(٢) في (ع) بعد هذا: «نقله ابن عدي، عن محمد بن هارون البرقي». قلنا: انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٣٠٠.
(٣) انظر: الثقات ٨/ ٢٥ - ٢٦.
(٤) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحَدِيْث: ٥٧٣، والإرشاد ٢/ ٧٨٧ - ٧٩٦، والتقريب: ١٩٨، والمنهل الروي: ١٣٧، واختصار علوم الحَدِيْث: ٢٤٤ - ٢٤٥، والشذا الفياح ٢/ ٧٤٤ - ٧٨٠، والمقنع ٢/ ٦٦٢ - ٦٦٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨٣، وفتح المغيث ٣/ ٣٣١ - ٣٥٠، وتدريب الراوي ٢/ ٣٧١ - ٣٨٠، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ٢٧٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣.
(٥) في (ع): «فائدته».
[ ٢ / ٣٢٢ ]
٩٨٥ - وَفِي الثِّقَاتِ مَنْ أخِيْرًا اخْتَلَطْ فَمَا رَوَى فِيْهِ أَوِ ابْهَمَ (١) سَقَطْ
٩٨٦ - نَحْوُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ السَّائبِ وَكَالْجُرِيْرِيِّ سَعِيْدٍ، وَأَبِي
٩٨٧ - إِسْحَاقَ، ثُمَّ ابْنِ أبِي عَرُوبَةِ (٢) ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أَبِي قِلاَبةِ
٩٨٨ - كَذَا حُصَيْنُ السُّلَمِيُّ الكُوْفِيْ وعَارِمٌ مُحَمَّدٌ والثَّقَفِي (٣)
٩٨٩ - كَذَا ابْنُ هَمَّامٍ بِصَنْعَا (٤) إذْ عَمِي وَالرَّأيُ فِيْمَا زَعَمُوا والتَّوْأمِي
٩٩٠ - وَابْنُ عُيَيْنَةَ مَعَ المَسْعُودِي وَآخِرًا حَكَوْهُ فِي الحَفِيْدِ
٩٩١ - ابنُ خُزَيْمَةَ مَعَ الغِطْرِيْفِي مَعَ القَطِيْعِي أَحْمَدَ المَعْرُوْفِ
(وَفي الثِّقَاتِ) منَ الرُّواةِ (مَنْ أخيرًا اختلَطْ) أي: منِ اختلَطَ آخرَ عُمُرِهِ، أي: فسدَ عقلُهُ بأن لم تنتظِم (٥) أقوالُهُ وأفعالُهُ.
(فَمَا رَوَى) المختلطُ (فِيهِ) أي: في حَالِ اختلاطِهِ، (أو ابْهَمَ) -بالدرجِ، والبناءِ للفاعلِ- أمرَهُ، أي: اشتبَه (٦)، فَلَمْ يُدْرَ أحَدَّثَ بالحديثِ قبلَ اختلاطِهِ أو بعدَهُ (٧)، (سَقَطْ) أي: ما رواهُ ممَّا اعتمَدَ فيهِ على حِفظِهِ، بخلافِ مَا اعتمَدَ فيهِ على كتابِهِ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ قبلَ اختلاطِهِ، وإن حَدَّثَ بِه ثانيًا، ويتميَّزُ ذَلِكَ بالراَّوي عَنْهُ، فإنَّهُ (٨) قد يكونُ سَمِعَ مِنْهُ قبلَهُ فَقَطْ، أو بعدَهُ فَقَطْ، أو فيهما مع التَّمييزِ، ومَعَ عدمِهِ، كما بيَّنَ ذَلِكَ (٩) النَّاظِمُ في شرحِهِ (١٠)، مع تمييزِ بعضِ السَّامِعينَ.
_________________
(١) بدرج الهمزة؛ لضرورة الوزن.
(٢) في (ج): «عربة»، وهو خطأ، صوابه ما أُثْبِتَ.
(٣) في (النفائس): " والسقفي "، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٤) بالقصر؛ لضرورة الوزن.
(٥) في (ص) و(م): «ينتظم».
(٦) في (ع): «استشكل».
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٧٦.
(٨) في (ق): «فإن».
(٩) في (م): «بين الناظم».
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨٤.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
والمختلطُ (نحوُ عطاءٍ، وهُو) - بضم الهاء - (ابنُ السَّائبِ) الثَّقفيُّ، الكوفيُّ التابعيُّ، أحدُ الثِّقاتِ (١).
(وكالْجُريْرِيِّ) - مُصَغَّرًا - أبو مَسعودٍ (سعيدٍ)، هو ابنُ (٢) إياسٍ البصريُّ، أحدُ الثِّقاتِ (٣).
(و) نحوُ (أبي إسحاقَ) عمرِو بنِ عبدِ اللهِ السَّبِيْعيِّ الكوفيِّ، التابعيِّ، أحد الثِّقاتِ (٤).
(ثُمَّ) نحوُ سعيدٍ (ابنِ أبي عَرُوبةِ) مِهرانَ، أحدِ (٥) الثِّقاتِ (٦)، ولما اختلَطَ، طالَتْ مدَّةُ اختلاطِهِ فوقَ العشرِ سنينَ، على خلافٍ فيهِ (٧).
(ثُمَّ) نحوُ (الرَّقاشِيِّ) - بفتح الراءِ وتخفيف القافِ، نسبةً لامرأةٍ اسمُها: رقاشُ بنتُ قيسٍ - (أبي قِلاَبَةِ) عبدِ الملكِ بنِ محمدٍ الحافظِ، أحدِ شيوخِ ابنِ خزيمةَ (٨).
_________________
(١) الاغتباط: ٨٢ (٧٧)، والكواكب النيرات: ٧٠ (٣٩). قال ابن الصلاح: «احتج أهل العلم برواية الأكابر عنه، مثل: سفيان الثوري وشعبة؛ لأن سماعهم منه كان في الصحة، وتركوا الاحتجاج برواية من سمع منه آخرًا إلا حديثين سمعهما شعبة بأخرةٍ عن زاذان، استثناهما يحيى بن سعيد القطان». انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٧٦ - ٥٧٧، والمقنع ٢/ ٦٦٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٢) في (ق): «ابن أبي».
(٣) الاغتباط: ٥٩ (٤٣)، والكواكب النيرات: ٣٩ (٢٤)، وقال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨٥: «وهو ثقة احتج به الشيخان». وانظر: هدي الساري: ٤٠٥.
(٤) الاغتباط: ٨٧ (٨٥)، والكواكب النيرات: ٧٦ (٤٢)، ويقال: إن سماع ابن عيينة منه بعدما اختلط، ذكر ذلك أبو يعلى الخليلي. انظر: الإرشاد ١/ ٣٥٥.
(٥) في (ص): «أجل».
(٦) الاغتباط: ٦٢ (٤٧)، والكواكب النيرات ٤٢ (٢٥)، وانظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٨٥ (٢٣١١)، وهدي الساري: ٤٠٥.
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٨٨.
(٨) الاغتباط: ٧٨ (٧١)، والكواكب النيرات: ٦٧ (٣٧). قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٢: «روينا عن الإمام ابن خزيمة أنه قال: «حدَّثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد». انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٢٦ مسندًا، وراجع التقييد والإيضاح: ٤٦٢ - ٤٦٣ تجد فائدة.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
و(كَذَا حُصينُ) - مُصغرًا - بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ (السُّلميُّ) - بضمِ السينِ - (الكوفيْ) أحدُ الثِّقاتِ (١)، ابنُ عمِّ مَنصورِ بنِ المعتمرِ.
قَالَ النَّاظِمُ (٢): «وقولي: «السُّلَميُّ» من زيادتِي (٣)، وفَائِدتُهُ: عدمُ الاشتباهِ؛ فإنَّ في الكوفيينَ أربعةً كُلّهم حصينُ بنُ عبدِ الرَّحْمَانِ، ليسَ فيهم بِهذا النَّسبِ إلا هذا».
(و) كذا (عَارِمٌ) - بعينٍ وراءٍ مهملتينِ - أبو النُّعمانِ (مُحَمَّدٌ)، هو ابنُ الفَضْلِ السَّدوسيُّ البصريُّ، أحدُ الثِّقاتِ (٤).
(و) كذا أبو مُحَمَّدٍ عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ (الثَّقَفيْ) نِسبةً لثقيفِ، البصريُّ، أحدُ الثِّقاتِ (٥).
و(كَذَا) عبدُ الرزاقِ (٦) (ابنُ هَمَّامٍ) أحدُ الثِّقاتِ (بِصَنْعَا) - بالقصرِ للوزنِ، مدينةٍ باليمنِ - فهو مختلطٌ، (إذ عَمِي) (٧).
قَالَ أحمدُ: «أتيناه قبلَ المئتين، وهو صحيحُ البصرِ، ومَنْ سَمِعَ منه بعدَ ذهابِ بصرهِ، فهو ضعيفُ السَّمَاع».
_________________
(١) الاغتباط: ٥٠ (٢٧)، والكواكب النيرات: ٢٥ (١٤). وللحافظ العراقي في التقييد والإيضاح: ٤٥٦ - ٤٥٨ مناقشات طويلة حول هذه الترجمة، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩١.
(٣) في (ع): «زياداتي».
(٤) الاغتباط: ٩٩ (١٠٨)، قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩١: «روى عنه البخاري في صحيحه، ومسلم بواسطة». انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٤٧٧ (٦١٣٨)، وهدي الساري: ٤٤١، والتقييد والإيضاح: ٤٦٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩٢.
(٥) الاغتباط: ٨٠ (٧٣)، والكواكب النيرات: ٦٩ (٣٨). قال الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح: ٤٥٨: «وأما الذين سمعوا منه في الصحة فجميع من سمع مِنْهُ إنما سمع منه في الصحة قبل اختلاطه. قال الذهبي في الميزان: ما ضر تغيره حديثه فإنهما حدث بحديث في زمن التغير ثم استدل على ذلك بقول أبي داود تغير جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي فحجب الناس عنهما». انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٦٨١.
(٦) الاغتباط: ٧٦ (٦٨)، والكواكب النيرات: ٥٨ (٣٤).
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَقَالَ أيضًا: كَانَ يُلَقَّنُ بعد ما عَمِي، فيتلقَّنُ.
(و)، كذا شَيخُ مَالكٍ، أحدُ الثقاتِ: رَبيعَةُ بنُ أَبي عبدِ الرحمانِ فَرُّوخ (١) (الرأيُ) وُصفَ به؛ لأنه كانَ مع معرفتِهِ بالسُّنَّةِ قائلًا بِهِ.
فهو ممَّنِ اختلطَ في آخرِ عُمُرِهِ (فيما زَعَموا)، على مَا حَكاهُ ابنُ الصَّلاحِ (٢).
وَقَالَ النَّاظمُ (٣): «لا أعلمُ أحدًا تكلم فيه بالاختلاطِ، وقد وَثَّقَهُ جماعاتٌ، إلاَّ أنَّ ابنَ سعدٍ لَمّا وَثَّقَهُ، قَالَ: كانوا يتَّقُونَهُ لموضعِ الرأي» (٤).
(و) كذا (التَّوْأمِي) - بفتح الفوقية، وسكونِ الواوِ، ثم بهمزةٍ مفتوحةٍ - وهو صالحُ بنُ نبهان التابعيُّ (٥)، أحدُ الثقاتِ، ويُعْرَفُ بمولى التوأمةِ (٦) بنتِ أميةَ بنِ خَلَفٍ الجُمحِي، صَحابيةٍ، سُمِّيت بذلك لأنها كانت هي وأختٌ لها في بطنٍ واحدٍ (٧).
(و) كذا أبو محمدٍ سفيانُ (ابنُ عُيَيْنَةَ) أحدُ الثِّقاتِ (٨)، (مَعَ) عبدِ الرحمانِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (المسعُودِي) نسبةً لجدِّهِ، أحدِ الثِّقاتِ (٩).
(وآخِرًا حَكَوهُ) أي: وفي وقتِ المتأخرينَ، حَكى المحدِّثونَ الاختلاطَ آخرَ العمرِ (في الحفيدِ ابنُ خزيمةَ)، وهو: أبو طاهرٍ مُحَمَّدُ بنُ الفضلِ بنِ الحافظِ أَبي بكرٍ مُحَمَّدِ بنِ إسحاقَ بنِ خزيمةَ (١٠).
_________________
(١) الاغتباط: ٥٧ (٣٩)، والكواكب النيرات: ٣٥ (٢٢).
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٧٩، وللحافظ العراقي اعتراض مطول على هذا راجعه في التقييد: ٤٥٥.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩٥.
(٤) طبقات ابن سعد (القسم المتمم): ٣٢٤.
(٥) الاغتباط: ٦٩ (٥٦)، والكواكب النيرات: ٥٦ (٣٣).
(٦) بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة. التقريب (٢٨٩٢).
(٧) ينظر: التقييد والإيضاح: ٤٥٦.
(٨) الاغتباط: ٦٤ (٤٨)، والكواكب النيرات: ٤٨ (٢٧). وراجع معرفة أنواع علم الحدِيْث: ٥٨٠، وَتَعَقْبِ الحافظ العراقي وبيانه لجملة من الأمور في التقييد والإيضاح: ٤٥٩.
(٩) الاغتباط: ٧٥ (٦٦)، والكواكب النيرات: ٦٢ (٣٥). وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٩٨، والتقييد: ٤٥٢ - ٤٥٤حيث أورد الحافظ العراقي اعتراضات عدة فراجعها تجد فائدة.
(١٠) الاغتباط: ١٠١ (١٠٩)، والكواكب النيرات: ٩٣ (٥٧). قال الحافظ العراقي: «اختلط قبل موته بثلاث سنين وتجنب الناس الرواية عنه، وتوفي ٣٨٧ هـ». شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٠. وقال الذهبي: «ما عرفت أحدًا سمع منه أيام عدم عقله». ميزان الاعتدال ٤/ ٩.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
(مَعَ) أحدِ الثِّقاتِ أبي أحمدَ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ الحسينِ بنِ القاسمِ بنِ الغِطْرِيْفِ الجُرْجَانِي (١)، (الغِطْرِيْفِي) - بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ - نسبةً لجَدِّ جَدِّهِ (٢).
و(مع القَطِيْعيْ) - بالإسْكانِ لما مَرّ - نسبةً لقطيعة الدقيقِ ببغدادَ أبي بكرٍ (أحمدَ) بنِ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالكٍ (٣)، (المعروفِ) بالثقةِ والأمانةِ (٤).
فجميعُ هؤلاءِ قد اختلطوا، وتركوا على خِلافٍ في بعضِهم، كَمَا بيَّنَه الناظمُ في شرحِهِ (٥)، وَعَلى مَا زَعَمَهُ جَماعةٌ في ربيعةَ الرأي، كَمَا تَقَرَّرَ.
طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ (٦)
(طبقاتُ الرواةِ) فَائِدةُ معرفتِها: الأمنُ من اتحادِ المشتبهين، كالمتفقين في اسمٍ، أو كنيةٍ، أو نحوِ ذلك، وإمكانِ الاطلاعِ على التدليس، ونحوِهِ (٧).
٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ، وَكَمْ مُصَنِّفُ
٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيْهَا، وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا فِيْهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا
_________________
(١) الاغتباط: ٩٣ (٩٦)، والكواكب النيرات: ٩٠ (٥٥).
(٢) قال العراقي: «أما الغطريفي فلم أر من ذكره فيمن اختلط غير ما حكاه المصنف - يعني ابن الصلاح - عن الحافظ أبي علي البرذعي». التقييد والإيضاح: ٤٦٣.
(٣) الاغتباط: ٣٠ (٤)، والكواكب النيرات: ١٨ (٥).
(٤) قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٣: «راوي مسند أحمد وغيره اختل في آخر عمره وحرف حتى لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه». وقد نفى العراقي ذلك في نقاش طويل مع ابن الصلاح، راجعه في التقييد والإيضاح: ٤٦٥.
(٥) أحلنا إلى صفات شرحه فيما سبق في ترجمة كل منهم.
(٦) انظر في ذلك: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٠، والإرشاد ٢/ ٧٩٧ - ٧٩٩، والتقريب: ١٩٩، والمنهل الروي ١١٥، واختصار علوم الحديث: ٢٤٥، والشذا الفياح ٢/ ٧٨١ - ٧٨٢، والمقنع ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠١، وفتح المغيث ٣/ ٣٥١ - ٣٥٤، وتدريب الراوي ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٢، فتح الباقي ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤، وظفر الأماني: ١٠٣ - ١٠٤.
(٧) فتح المغيث ٣/ ٢٩٢.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
(وللرواةِ طبقاتٌ) أي: مراتبُ، جمعُ طبقةٍ، (تُعرَفُ) لغةً: بالقومِ المتشابهينَ، واصطلاحًا: (بالسِّنِّ)، أي: باشتراكِ المتعاصرين فيهِ، ولو تقريبًا، (و) بـ (الأخْذِ) عَن المشايخِ، وَرُبَّما اكتفَوا بالاشتراكِ (١) في التَّلاقِي (٢).
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: «والناظرُ في هذا الفنِّ يحتاجُ إلى معرفَةِ المواليدِ والوفياتِ، ومن أخذوا عنه، ومَنْ أخذَ عنهم، ونحوِ ذلك» (٣).
وَرُبَّ راوٍ يَكُونُ مِن طَبقةٍ لمشابهتِهِ لها مِنْ وجهٍ، وَمِن طبقةٍ أخرى لمشابهتِهِ لها مِنْ وجهٍ آخرَ، فأنسُ بنُ مالكٍ، ونحوُهُ من صِغارِ الصَّحابةِ من طبقةِ العَشْرةِ عند مَنْ عَدَّ الصَّحابةَ كُلَّهُمْ طبقةً واحدةً - كابنِ حِبانَ - لاشتراكِهِم في الصُّحبةِ، وَمِن طبقةٍ أخرى دونَ طَبقةِ العَشْرةِ عِنْدَ مَنْ عَدَّ الصحابةَ طِباقًا، والتَّابعينَ طِباقًا، كابنِ سَعدٍ (٤). وتَقَدَّمَ في مَعرفةِ الصَّحابةِ بيانُ عدةِ طباقِهِم.
(وَكَم) مرةٍ، (مُصنّفُ) مِن الْحُفاظِ (٥) (يَغلَطُ فِيها) أي: في الطَّبقاتِ بِسَببِ اشتباهٍ في متفقينَ، فيظنُّ أحدَهما الآخرَ، أو بسببِ أنَّ الشائعَ روايتُهُ عن أهلِ طبقةٍ ربما يروي عن أقدَمَ منها، أو بغير ذلك (٦).
(وابنُ سعدٍ) محمدُ الهاشميُّ (صَنَّفَا فِيها) أيضًا ثلاثةَ تصانيفَ، والكبيرُ فيها جليلٌ، كثيرُ الفوائدِ (٧).
(و) كَان ثقةً في نفسِهِ، (لكنْ كَمْ) أي: كثيرًا ما (رَوَى) في كتابِهِ الكبيرِ (عَن) أُناسٍ (ضُعَفَا) كمُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ واقدٍ الواقديِّ، وهشامِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السائبِ،
_________________
(١) «بالاشتراك» لم ترد في (ق).
(٢) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٤.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٣ - ٥٨٤، وشرح التبصرة ٣/ ٣٠٣، وفتح المغيث ٣/ ٢٩٣.
(٥) في (ص) و(م): «الحافظ».
(٦) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٩٤.
(٧) انظر: المصدر السابق.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
ونصرِ بنِ بابٍ (١) أبي سهلٍ الْخُراسَانيِّ (٢).
المَوَالِي (٣) مِنَ العُلَمَاءِ والرُّوَاةِ (٤)
مَعْرِفتُهم مِن المُهمَّاتِ، بَل ربما وقعَ بعدمِها خللٌ في الأحكامِ الشرعيةِ، فيما يشترطُ فيه النسبُ، كالإمامةِ العُظمى، وكفاءةِ النكاحِ، والتوارثِ.
٩٩٤ - وَرُبَّمَا إلَى القَبِيْلِ يُنْسَبُ مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَهَذَا الأغْلَبُ
٩٩٥ - أَوْ لِوَلاَءِ (٥) الحِلْفِ كَالتَّيْمِيِّ مَالِكٍ اوْ (٦) لِلدِّيْنِ (٧) كَالْجُعْفِيِّ
٩٩٦ - وَرُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى المَوْلَى نَحْوُ سَعِيْدِ بنِ يَسَارٍ أَصْلاَ
_________________
(١) «باب» سقط من (ق).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٢، وفتح المغيث ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٣) الموالي: جمع مولىً، واسم المولى: يقع على معانٍ كثيرة، قال ابن الأثير: هو الرب والمالك والسّيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصّهر والعبد والمعتق والمنعم عليه. وأكثرها قد جاءت في الحديث فيضاف كلّ واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكلّ من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاه ووليّه». ثمّ ذكر صورة الاختلاف فيها واستدل لكل منها. النهاية ٥/ ٢٢٨، وانظر الصحاح ٦/ ٢٥٢٩، والمقاييس ٦/ ١٤١، واللسان ١٥/ ٤٠٩. ونقول موضحين: الولاء في اللغة القرابة، والعلاقة التي تكون بين اثنين أو أكثر والولاء بأنواعه من محاسن الإسلام، فكلما زادت الروابط والعلاقات بين الناس كان ذلك أدعى إلى المحبة والوفاق وعدم التنازع والخصام. ولابد أن نشير إلى أن الأصل في نسبة الرّاوي إلى قبيلة أن يكون منهم صليبة، كقولهم: قرشي، أي: من أولاد قريش، وإذا نسبوا إليها من ينتمي إليها بالولاء أضافوا كلمة مولى، فقالوا: مولى قريش، أو القرشي مولاهم. والولاء أنواع ثلاثة: للعتاق، والحلف، والإسلام وسيتكلم الشارح عن كل منها. وانظر: منهج النقد ١٧٥، والوسيط في علوم الحديث ٢/ ٦٨٨.
(٤) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث: ١٩٦ - ٢٠٢، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٢، والإرشاد ٢/ ٨٠٠ - ٨٠٣، والتقريب: ١٩٩ - ٢٠٠، والمنهل الروي: ١٣٥، واختصار علوم الحديث: ٢٤٦ - ٢٤٧، والشذا الفياح ٢/ ٧٨٣ - ٧٨٧، والمقنع ٢/ ٦٧٠ - ٦٧٣، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٤، وفتح المغيث ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي ٢٧٧، وتوضيح الأفكار ٢/ ٥٠٤، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٥) في (ب): «أو لواء»، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
(٦) بالدرج؛ لضرورة الوزن.
(٧) في (فتح المغيث): «للدني».
[ ٢ / ٣٢٩ ]
(وَرُبَّمَا إلَى القَبِيْلِ) أي: القبيلةِ (ينسَبُ مولى عَتَاقَةٍ)، كأَبي العاليةِ رُفيعِ الرياحيِّ، كَانَ مولى لامرأةٍ من بني رياحٍ (١)، وأَبي البُختريِّ سعيدِ بنِ فيروزَ الطائيِّ، كان مولى لمَنْ اعتقَهُ من طيٍّ، ومكحولٍ الشاميِّ الهذليِّ، كان مولى لامرأةٍ من هُذيلٍ، وغيرِهم مع إطلاق النِّسبةِ، بحيثُ يظنُّ أنَّهُم ينسبونَ نسبةً صُلبيّةً (٢)، أي: مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ (٣)، وَليْسَ مرادًا، بل المرادُ مولى العتاقةِ (٤).
(وهذا) أي: الانتسابُ للعتاقَةِ، وإنْ كان قليلًا بالنظرِ للأصلِ في الانتِسَابِ، هو (الأغْلبُ) بالنظرِ لما يأتي.
فالمرادُ بنسبةِ ولاءِ المولى (٥) المنْسُوبُ للقبيلةِ نسبةً لولاءِ العتاقةِ، كَمَا مَرَّ.
(أو لِولاَءِ الحِلْفِ) أي: العهدِ مِنَ المعاهدَةِ عَلى التَّعاضُدِ والتَّناصُرِ (٦) على نَصْرِ المظلومِ، ونحوِهِ (كالتَّيْمِيِّ) بتشديدِ آخرهِ (مَالِكٍ) هو ابنُ أنسٍ، فإنَّهُ أصبحيٌّ صُلْبِيّةً (٧) لكن لكونِ نفره أصبحَ مواليَ لتيمِ (٨) قريشٍ بالحلفِ نُسِبَ تَيْمًا (٩).
(او) - بالدرج - لولاءٍ (للدِّينِ)، والإسلامِ (كالجُعْفيِّ) - بتشديد آخرِهِ - أي: البُخاريِّ، فإنَّهُ انتسبَ كذلك؛ لأنَّ جَدَّ أبيهِ وَهُوَ المغيرةُ، كَانَ مَجوسيًّا فأسلمَ
_________________
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٦، والإرشاد ٢/ ٨٠٢، وفتح المغيث ٣/ ٢٩٦.
(٢) هكذا في النسخ الخطية و(م) وفي كتب المصطلح ومعاجم اللغة «صَلِيْبَة».
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢٩٦، والمعجم الوسيط ١/ ٥١٩.
(٤) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٥، والمقنع ٢/ ٦٧١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٥، وفتح المغيث ٣/ ٢٩٦.
(٥) في (ق): «الموالي».
(٦) فتح المغيث ٣/ ٢٩٦.
(٧) هكذا في الأصل، انظر التعليق السابق. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٥.
(٨) وهو عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. انظر: الأنساب ٣/ ١٢٣، وجمهرة أنساب العرب: ١٣٨.
(٩) في (ع) و(ق): «تيميًا».
[ ٢ / ٣٣٠ ]
على يدِ اليمانِ (١) بنِ أخنسَ الجعْفيِّ (٢).
(وَرُبَّما يُنْسَبُ) للقبيلةِ (مَوْلَى المَوْلَى، نحوُ) أبي الحُبَابِ (سعيدِ بنِ يَسارٍ أصلا) لا تبنِّيًا، الهاشميِّ، نُسِبَ لبني هاشمٍ لكونِهِ مولى رسولِ اللهِ - ﷺ -، وعلى هذا اقتصرَ ابنُ الصَّلاحِ (٣)
وَقِيْلَ: إنه مولى الحسنِ بنِ عليٍّ. وَقِيْلَ: مولى ميمونة زوجِ النبيِّ - ﷺ - وَقِيْلَ: مولى بني النجارِ. وَعليهِما، فليس مولى لبني هاشمٍ (٤)
أَوْطَانُ الرُّوَاةِ وَبُلْدَانُهُمْ (٥)
فَائدةُ معرفتِها: تمييزُ الرَّاوي المدلِّسِ، وَمَا في السَّنَدِ مِنَ الإرسالِ، وتمييزُ أحدِ المتفقينَ في الاسمِ، أو نحوِهِ من الآخرِ. وكانتِ العربُ تنتسِبُ إلى الشُّعوبِ، والقبائلِ، ونحوِهما.
٩٩٧ - وَضَاعَتِ الأَنْسَابُ في (٦) البُلْدَانِ فَنُسِبَ الأَكْثَرُ لِلأَوْطَانِ
٩٩٨ - وَإنْ يَكُنْ (٧) في بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا فَابْدَأْ بِالاوْلَى (٨) وَبِثُمَّ (٩) حَسُنَا
_________________
(١) كان والي بخارى. انظر: الأنساب ٣/ ٢٩١، واللباب ٢/ ٢٨٤.
(٢) اللباب١/ ٢٨٤. قال ابن حجر: «نسب إلى اليمان بن أخنس نسبة ولاء عملًا بمذهب من يرى أن من أسلم على يده شخص كان ولاءه له وإنما قيل له الجعفي لِذلِكَ». مقدمة الفتح: ٤٧٧.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٧.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٦.
(٥) انظر في ذلك: معرفة علوم الحديث ١٩٠ - ١٩٦، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٥٨٦، والإرشاد ٢/ ٨٠٤ - ٨١٥، والتقريب ٢٠٠ - ٢٠١، والمنهل الروي: ١٣٩، واختصار علوم الحديث ٢٤٨ - ٢٤٩، والشذا الفياح ٢/ ٧٨٨ - ٧٩٢، والمقنع ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٨، وفتح المغيث ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٢، وتدريب الراوي ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥، وتوضيح الأفكار٢/ ٥٠٤ - ٥٠٦، وظفر الأماني: ١٠٥، وتوجيه النظر ١/ ٤٥٤ - ٤٥٧.
(٦) في (ب): «بالبلدان»، وكلاهما صحيح.
(٧) في (ب): (تكن)، والصواب ما أثبت.
(٨) بالدرج؛ لضرورة الوزن.
(٩) في (النفائس) و(فتح المغيث): (أو)، والأُولى أولى.
[ ٢ / ٣٣١ ]
٩٩٩ - وَمَنْ (١) يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ يُنْسَبْ لِكُلٍّ وَإلَى النَّاحِيَةِ
(وَ) لَمّا جَاءَ الإسلامُ، وانتشرَ النَّاسُ في الأقاليمِ والمدنِ والبلدانِ والقرى، (ضَاعتِ) كثيرًا (الأنْسَابُ في البُلدانِ) المتَفَرقةِ ونحوِها، (فنُسِبَ الأكثرُ) من المتأخرينَ منهم (لِلأوطانِ) أي: محالِّهم مِن بلدةٍ أو غيرِها.
ولا حدَّ للإقامةِ المسوِّغةِ للنِّسبة بزمنٍ، وإن حدَّهُ بعضهم بأربعِ سنينَ.
(وإنْ يَكنْ في بلدتينِ سَكَنا)، كأنِ انتقلَ من دِمَشقَ إلى مِصْرَ، وأردْتَ نسبتَهُ إليهما (٢) (فابدأْ بِالاولى (٣» -بالدرج- (وَبثُمَّ) في الثانية (حَسُنَا) أي: وحَسُنَ الإتيانُ فيها بـ «ثُمَّ»، فيقالُ: الدمشقيُّ ثُمَّ المِصْريُّ، وجمْعُهُما أحسنُ مِنَ الاقْتِصارِ عَلى أحدِهما (٤).
(ومَنْ يكنْ من قريةٍ) ك «داريا» (مِن) قرى (بَلْدةِ) كَدِمَشْقَ، (يُنسَبْ) جوازًا (لكُلٍّ) مِنَ القريةِ والبلدةِ، (وإلى النَّاحيةِ) التي منها القريةُ والبلدةُ وتُسمِّي الإقليمَ كالشامِ، فيُقال فيه: الداريُّ، أو الدمشقيُّ، أو الشاميُّ. فإن جَمَعَ بينها فالأولى البداءة بالأعمِّ، فيقالُ: الشاميُّ الدمشقيُّ الداريُّ. إلا أن يكون غيرُهُ أوضحَ فالبداءةُ بِهِ أولى (٥).
١٠٠٠ - وَكَمَلَتْ بِطِيْبَةَ المَيْمُوْنَهْ فَبَرَزَتْ مِنْ خِدْرِهَا مَصُوْنَهْ
١٠٠١ - فَرَبُّنَا المَحْمُودُ وَالمَشْكُوْرُ إِلَيْهِ مِنَّا تَرْجِعُ الأُمُوْرُ
١٠٠٢ - وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى النَّبِيِّ سَيِّدِ الأَنَامِ
(وَكمَلتْ) - بتثليثِ الميمِ، والفتحُ أفصحُ - أي: المنظومةُ يومَ الخميسِ، ثالثَ جُمادى الآخرةِ سنةَ ثمانٍ وستينَ، وسبعِ مئةٍ (٦)، (بطيبةَ) أي: المدينةِ النبويةِ، وتُسمَّى طابةَ (الميمونهْ) أي: الْمُباركةِ بِدعائِهِ - ﷺ - لها بالبَركةِ.
_________________
(١) في (أ) من متن الألفية، و(ق): «وإن»، وكلاهما صحيح.
(٢) في (م): «إليها».
(٣) في (م): «بالأولى» بإثبات الهمزة.
(٤) انظر: فتح المغيث ٣/ ٣٠٠.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٩.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٣٠٩.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
(فبَرَزَتْ) أي: المنظومةُ إلى النَّاسِ بالمدينةِ الشَّريفةِ (مِنْ خِدْرِهَا) - بكسرِ الخاءِ، وإهمالِ الدالِ - أي: سِتْرِها (مصُونهْ) مِنَ الحَشْوِ بحَسَبِ الإمكانِ.
(فربُّنا) أي: مَالِكُنا (المحمودُ والمشكورُ) عَلى إنعامِهِ بذلِكَ (إليهِ مِنَّا تَرجِعُ الأمورُ)، قَالَ تعالى: ﴿وإليهِ يُرجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ (١)
(وأفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ على النبيِّ) المصطَفى (سَيِّدِ الأنامِ) أي: الخلقِ، صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (٢)، كُلَّما ذكرَهُ الذاكِرُونَ، وغَفَلَ عن ذِكْرِهِ الغَافِلُونَ (٣) (٤)
_________________
(١) هود: ١٢٣.
(٢) في (ع): «ﷺ وآله وصحبه الأبرار المخلصين السادة الأخيار»، وفي (ص): «ﷺ»، وفي (م): «صلى الله وسلم عَلَيْهِ» والمثبت من (ق).
(٣) بعد هذا في (م): «وللهِ الحمدُ، وهوَ على كل شيءٍ قديرٌ» ولم ترد في باقي النسخ.
(٤) جاء في نهاية نسخة (ع): «قال مؤلفه نفعنا الله به وكان الفراغ من تأليفه عاشر شهر رجب سنة ست وتسعين وثمان مئة. والحمد لله وحده وكان الفراغ من هذه النسخة على يد محمد عبادة يوم الثلاثاء (*) تسع خلت من شهر [ذي] (**) القعدة () الذي هو من شهور سنة ألف ومئة وسبعين، والحمد لله وحده ولا نبي بعده». وفي نهاية نسخة (ص): «قال مؤلفه «نوّر الله قبره» كان الفراغ من تأليفه عاشر شهر رجب سنة ست وتسعين وثمان مئة ووافق الفراغ من هذه النسخة المباركة يوم السبت في وقت العصر في غرة المحرم ١٢٣٧ على يد العبد الضعيف الراجي رحمة ربه اللطيف محمد صالح البنديجي الحنفي، غُفر له ولوالديه ولجميع المسلمين». جاء في نهاية نسخة (ق): «تمّ الشرح المبارك بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين آمين، بقلم الفقير إلى الله ﷿ السيد حسن البغدادي الشافعي بن السيد محمد عُفي عنهما وعن المسلمين في سنة ١٣٠٤». جاء في نهاية نسخة (م): «قال مؤلفُهُ فَسحَ اللهُ تعالى في أجلِهِ: وكان الفَراغُ مِن تأليفِهِ عاشر شهر رجبٍ سنةَ ستٍّ وتسعين وثمانِ مئةٍ. ووافق الفراغُ من هذه النسخة على يدي العبدِ الفقيرِ المعترِفِ بالذَّنبِ والتَّقصيرِ، عمر بن محمدِ بن أحمدَ بن عُبيدِ بنِ صَالحِ بنِ وليدِ بنِ عيدٍ السيعيريّ ثم المقدسيِّ الحنفيِّ؛ ثامنَ عشر رجب سنة سبع عشرةَ وتسعِ مئةٍ بالقاهرةِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيدِنا مُحَمَّدٍ، وآلهِ وَسَلَّمَ» (*) في الأصل: (الثلاث) (**) زيادة لم ترد في الأصل ويقتضيها السياق. () في الأصل: (العقدة)
[ ٢ / ٣٣٣ ]