الفصل الثالث: اختيار (مسند أبي عَوَانة)
المبحث الأول: تعريف مختصر بصحيح مسلم الذي هو أصل الكتاب
المبحث الثاني: التعريف بمسند أبي عوانة (المؤلف: نسبه وسيرته).
المبحث الثالث: منهج أبي عوَانة في مستخرجه
[ ٣١ ]
المبحث الأول: تعريفٌ مُختصر بصحيح مسلم الذي هو أصل الكتاب.
الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
هو مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ، يُنسب إلى بني قُشَير، ولد - رحمه الله تعالى - في السنة التي تُوفِّيَ فيها إمامان عظيمان: الشافعي، وأبو داود الطيالسيّ، وذلك في السنة الرابعة بعد المائتين للهجرة. ووفاته - ﵀ - بعد وفاة البخاري بنحو خمس سنين، فالبخاري تُوفِّيَ في سنة ست وخمسين ومائتين، ومسلم تُوفِّيَ في نحو سنة إحدى وستين ومائتين.
وعدد أحاديث "صحيح مسلم" نحو أربعة آلاف حديث، سوى المكرر، وبالمكرر يصل إلى اثني عشر ألف حديث تقريبًا، وقد مكث في تأليف هذا الكتاب خمس عشرة سنةً حسب ما قول تلميذه وقرينه أحمد بن سَلمة.
وقد أعجب كثيرٌ من أهل العلم بـ "صحيح مسلم" غاية الإعجاب، وذلك بسبب حُسن ترتيبه وتلخيصه لطرق الحديث بغير زيادةٍ ولا نقصان، واحترازه من التحول في الأسانيد عند اتفاقها من غير زيادة ولا نقصان، وتنبيهه على ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو إسناد ولو في حرف.
ولم يمزج حديث النبي ﷺ بغيره، كما أنه ﵀ يجمع طرق الحديث في مكانٍ واحد.
كما اعتنى بالطرق في ترتيبها، فنجد أنه يُقدم الطريق التي فيها أصحِّية، ويقدم الطريق التي فيها إجمال، ثم يردفها بالطريق المبينة لها، ويُقدّم الطريق المنسوخة ثم يأتي بعد ذلك بالطريق الناسخة (^١).
_________________
(١) "صحيح مسلم " (١/ ٣)، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٢٨٩)، (٢/ ٧١٦) و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٥٧٥)، و"توضيح الأفكار" للصنعاني (١/ ٤١، ٤٤)، (١/ ٢٠٤)، و"صيانة صحيح مسلم" ص (١٠٤)، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٥٨).
[ ٣٢ ]
المبحث الثاني: التعريف بمسند أبي عوانة (المؤلف: نسبه وسيرته).
أولًا: المؤلف:
أبو عوانة الأسْفَرايِينِيّ (^١) (صاحب المستخرج)
هو أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإمام الحافظ الكبير، أبو عوانة
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل، الأَسْفَرايِينيّ، وُلِدَ في ٢٣٠ من الهجرة.
- نسبته:
وأسفرايين بلدةٌ بنواحي نيسابور على منتصف الطريق من جُرجان، وقد أكثرَ الترحال في طلب العِلم.
- سيرته:
وقد سمع: بالحرمين، والشام، ومصر، واليمن، والثُّغور، والعراق، والجزيرة، وخراسان، وفارس، وأصبهان. سمع: يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب الطائي، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وشُعيب بن حرب الضبعي، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، وسعد بن مسعود المروزي، وسعدان بن نصر، وعمر بن شبّة، وعيسى بن أحمد البَلْخي، وعلي بن إشكاب ثور، وعبد السلام بن أبي فَرْوة النصيبي - صاحبًا لابن عُيينة ــ وعطية بن بقية بن الوليد، وأبا عمرو ابن سعد بن عمرو الشعباني - صاحبًا لابن وهب ــ ومحمد بن سليمان ابن بنت مطر، وأبا زرعة الرازي، وأبا جعفر بن المنادي، ومحمد بن عقيل النيسابوري، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي ومحمد
ابن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، وموسى بن نصر الرازي، وأبا سلمة المسلم بن محمد بن المسلم ابن عفان الصنعاني الفقيه. وسمع من الإمام مسلم صاحب الصحيح في بغداد، فقد صرَّح أبو عوانة بأنه سمع الكتابَ إملاءً من مسلم كما في "مُستخرجه" (٥٨٠٧) إذ قال: حدّثنا مسلم بن الحجاج أبو الحسين إملاءً ببغداد (^٢).
_________________
(١) أسفرايين بالفتح ثم السكون وفتح الفاء وراء وألف وياء مكسورة وياء أخرى ساكنة ونون: بُليدة حَصينة من نواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان، واسمها القديم: مهرجان، سماها بذلك بعض الملوك لخضرتها ونَضارتها، ومهرجان: قرية من أعمالها. وقال أبو القاسم البيهقي: أصلها من أسبرايين بالباء الموحدة، وأسبر بالفارسية هو الترس، وايين هو العادة، فكأنهم عرفوا قديمًا بحمل الترس فسميت مدينتهم بذلك. وقيل: بناها اسفنديار، فسمّيت به، ثم غيّر لتطاول الأيام، وتشتمل ناحيتها على أربعمائة وإحدى وخمسين قرية، والله أعلم. انظر "معجم البلدان" (١/ ١٧٧)، و"مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة" (١/ ٧٣).
(٢) وهذا يفيد أن الإمام مسلمًا روَى "صحيحه" في بغداد.
[ ٣٣ ]
حدث عنه: أحمد بن علي الرازي الحافظ، وأبو علي النيسابوري الحافظ، ويحيى بن منصور، وسليمان بن أحمد الطبراني، وأبو أحمد بن عَدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وحُسَيْنَك بن علي التميمي، وولده؛ أبو مصعب محمد بن أبي عوانة، وأبو أحمد محمد بن أحمد الغِطريفي، وجماعة، خاتمتهم: ابنُ ابنِ أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن.
وحجّ خمس مرات. وقال: كنت بالمصيصة، فكتب إلي أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فإن نحن التقينا قبل موتٍ شفينا النفس من مَضَض العِتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا فكم من عاتبٍ تحت التراب
قال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، سمعت ابنه محمدًا يقول: إنه تُوفِّيَ سنة ست عشرة وثلاث مئة. وقال ابن أخت أبي عوانة؛ المحدث الحسن بن محمد الأَسْفَرايِينيّ: توفي أبو عوانة في سلخ ذي الحجة، سنة ست عشرة وثلاث مئة. وقال غيره: بُنِيَ على قبر أبي عوانة مشهد بأسفرايين يزار، وهو في داخل المدينة، وكان - ﵀ - أول من أدخل إلى أسفرايين مذهب الشافعي وكتبه، أخذ ذلك عن الربيع المراديّ، والمزنيّ. ومن قول الحاكم في "تاريخه": أبو عوانة سمع: محمد بن يحيى، ومسلمَ بن الحجاج، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وأبا زرعة، وأبا حاتم، وابن وارة، ويعقوب بن سفيان، وسعدان، وابن عبد الحكم، والمزني، وصالح بن أحمد بن حنبل، وعمرو بن عبد الله الأودي، ومحمد بن المقرئ، وأحمد بن سنان، وأسيد بن عاصم، وهارون بن سليمان .. .، وسمى جماعة، ثم أثنى عليه.
[ ٣٤ ]
قال الذهبي عنه: الإمام الحافظ الكبير الجوال، أكثر الترحال، وبرَع في هذا الشأن، وبَذَّ (^١) الأقران.
وقال أيضًا: الحافظ الثقة الكبير، طوف الدنيا وعُني بهذا الشأن وهو ثقة جليل، وقال عنه: كان مع حفظهِ فقِيهًا شافعيًّا إمامًا (^٢).
وقال السَّمْعَاني: من مشاهير المحدثين، أحد حفاظ الدنيا، ومَن رحَل في طلب الحديث، وعُني بجمعه، وعُني بكتابته، وكان زاهدًا عفيفًا متعبِّدًا متقللًا (^٣).
وقال ابنُ خلِّكان: أحد الحفاظ الجوالين، والمحدثين المكثرين (^٤).
_________________
(١) قال في "لسان العرب" (١/ ٢٣٧) مادة (بَذَذَ): بَذِذْتَ تَبَذُّ بَذَذًا (بذاذًا) وبَذاذةً وبُذُوذَةً: رثَّتْ هيئتُك وساءت حالتُك، ورجل بَذُّ البخت سيئُه رديئه. وبَذَّ القومَ يَبُذُّهم بذًّا سبقهم وغلبهم، وكل غالب باذٌّ، والعرب تقول: بَذَّ فلان فلانًا يَبُذُّه بذًا إذا ما علاه وفاقَهُ في حُسن أَو عمل كائنًا ما كان. وبَذَّ القائلين، أَي: سبقهم وغلبهم يَبُذُّهم بَذًّا.
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٤١٧).
(٣) "الأنساب" (١/ ١٤٣).
(٤) "وفيات الأعيان" (٦/ ٣٩٣).
[ ٣٥ ]
ثانيًا: مستخرج أبي عوانة (^١).
من المعلوم أن المستخرجات على"صحيح مسلم" أكثر من المستخرجات على "البخاري"، ويرجع سبب ذلك إلى ما ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في كلامه على "صحيح مسلم"، إذ قال: ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قلّ وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحفّاظ أعجبوا به، ولم يسمعوه لنزوله، فعمَدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم عالية
بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه: "المستخرج على صحيح مسلم" (^٢).
_________________
(١) لكن هذا المستخرج يسمى صحيحًا باعتبار أنه زاد طرقًا وأسانيد على "صحيح مسلم" وقليلًا من المتون أيضًا، فكأنه أصبح كتابًا مستقلًا، وقد انتقى الذهبي من هذا الصحيح كتابًا مستقلًا يعرف بـ "منتقى الذهبي" وهو مائتان وثلاثون حديثًا.
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٥٦٨، ٥٦٩).
[ ٣٦ ]
ثالثًا: أقوال أهل العلم في "مُستخرجه".
قال السمعاني في ترجمته (^١): (صنف المسندَ الصحيح على"صحيح مسلم بن الحجاج القشيري" وأحسن).
وقال السخاوي (^٢): (واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا: أحدها ما رتب على الأبواب الفقهية ونحوها، وهي كثيرة جدًّا، ومنها ما تقيد فيه بالصحيح، كـ "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، ولابن خزيمة - ولم يوجد بتمامه -، ولأبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو وإن كان مستخرجًا على ثاني "الصحيحين" فقد أتى فيه بزيادات طرق، بل وأحاديث كثيرة).
وقال الثعالبي (^٣): (صحيح أبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو مستخرج على "صحيح مسلم"، وزاد فيه طرقًا في الإشارة وقليلًا من المتون).
وقال الدهلوي (^٤): "صحيح أبي عوانة"وهو مستخرج على"صحيح مسلم"، ويقال: المستخرج في اصطلاح المحدثين على الكتاب الذي صنّف لإثبات كتاب آخر، على ترتيبه ومتونه وطرق إسناده، ويذكر سنده بحيث يتصل بمصنف ذلك الكتاب، ثم شيخه، ثم شيخ شيخه .. وهلم جرًا،
وإذا ثبت بطرق أخرى كثُر الاعتماد عليه والوثوق به، ولكن هذا المستخرج إنما يُسمَّى صحيحًا، لإتيانه فيه بزيادة طرق وقليل من المتون، ولهذا قد يقال: إنه كتاب مستقلّ.
وقال الذهبي (^٥) في ترجمة الإمام مسلم: وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأَسْفَرايِينيّ، وزاد في كتابه متونًا معروفة بعضُها ليِّن.
_________________
(١) "الأنساب" (١/ ٢٢٣).
(٢) في مرويَّات نفسه. "الضوء اللامع" (٨/ ١٠).
(٣) قاله الثعالبي في "مقاليد الأسانيد" كما ذكر ذلك السيد الميلاني في "نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار" (٢/ ٣٥)
(٤) "بستان المحدثين" للدهلوي ص (٩٣).
(٥) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٥٧٠).
[ ٣٧ ]
رابعًا: طبعات الكتاب
توجد نسخة كاملة منه مكتوبة بخط يحيى بن نعيم الأنصاري، موجودة في الخزانة الجرمنية بألمانيا،
كما توجد نسخة كاملة أيضًا منه مكتوبة بخط الحافظ ابن حَجَر، موجودة في الخزانة الجرمنية أيضًا.
ونسخة صحيحة نفيسة منه موجودة في خزانة الكتب للعلامة أبي الطيب شمس الحق العظيم أبادي
_________________
(١) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله. وفي فهرست الكتبخانة (١/ ٤١١) ذكر أجزاء مخطوطة من "مختصر أبي عوانة" ويوجد مخطوط تحت عنوان "المُسْنَد المُخَرَّج على كتاب مُسْنَدِ ابنِ الحَجَّاج". وكذا قال فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي" ١/ ١/٣٤٣. وأول طباعة لـ "مسند أبي عوانة" كانت بدائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد في الهند، واحتوى على أربع مجلدات: الأول، وبعض الثاني، وبعض الرابع، وبعض الخامس. واشتملت هذه المجلدات على الكتب التالية: الأضاحي، الإيمان، الأحكام، الأشربة، الأطعمة، الإمارة، التيمم، الجماعة، الجمع، الجهاد، الحيض، الخمر، الذبائح، السهو، الصلاة، الصيد، الطهارة، اللباس، المساجد، الوتر. ثم طبع المجلد الثالث مفردًا، وقد كان في عِداد المفقود، طبعته مكتبة السنة بالقاهرة.
[ ٣٨ ]
وأخيرًا طبع الكتاب في (دار المعرفة) ببيروت بتحقيق أيمن بن عارف الدمشقي، واحتوت هذه الطبعة على المجلدات السابقة نفسها في الطبعة الهندية القديمة، والمجلد الثالث الذي طبع مفردًا، وأضافت جزءًا آخر كان في عداد المفقود أيضًا، احتوى على تكمِلة المجلد الثاني، وتكملة المجلد الرابع.
استدرك المجلد الثاني الكتب التالية: الزكاة، الصيام، الحج، فضائل القرآن.
واستدرك الرابع الكتب التالية: النذور، الأيمان، المماليك، الحدود، الديات.
وبالتالي فإن طبعة (دار المعرفة) هي أكملُ طبعات الكتاب إلى الآن، ولا يَنقصُها إلا جزء من آخر المجلد الخامس، لم يوفَّق السيد المحقِّق أيمن الدمشقي الحصول على نسخهِ الخطية، فقد جاء في نهاية المجلد الخامس من طبعته ما نصه: يتلوه إن شاء الله في الخامس (بيان التشديد في اتخاذ الصُّور في البيوت والأمتعة التي فيها الصور، والعلة التي لها نهي عنه). مع العلم أن محققي كتاب "إتحاف المهرة" لابن حجر قد تمكنوا من الحصول على بعض النُّسَخ الخطية التي لم تقع لأيمن بن عارف، وكانوا يُخرِّجون بعض الأحاديث التي لا يجدونها في طبعة أيمن بن عارف من تلك النسخ الخطية، وانظر على سبيل المثال حاشية المجلد (١٥) صفحة (٨)، والمجلد (١٩) صفحة (٤٧٩)، لكن تلك النسخ الخطية التي كانوا يحيلون عليها لم تغطِّ كامل الجزء المفقود من المجلد الخامس، فلا يزال هناك الكثير من الأحاديث التي ليس لها مرجعٌ إلا ما نقله ابنُ حَجَر في "إتحاف المهرة"!.
[ ٣٩ ]
وقد قام أحمد الخضري بإلحاق ما تبقى في مُلحق مع المسند، وقال في ذلك: (وبما أن مسند أبي عوانة ما هو إلا مستخرج على "صحيح مسلم"، فقد طابقنا المطبوع منه على "صحيح مسلم"، فوجدنا أنه يُشَكِّل حوَالي ثلاثة أرباع أحاديث "صحيح مسلم"، فعرفنا أن الجزءَ الذي لم يطبع من آخر المجلد الخامس يشكل حوالي ربع الكتاب، لذا قمنا باستدراك هذا النقص من "إتحاف المهرة" لابن حجر، فقد صرح في مقدمته بسماعه لعدة كتب من مستخرج أبي عوانة، هي من
القسم الذي لم يطبع، وفيما يلي أسماء هذه الكتب: الحلي، التسمية، الاستئذان، الرقى، الطب، فضائل الأنبياء، مناقب الصحابة، البر والصلة، القدر، العلم، الدعوات.
وقد أودعنا الأحاديث المستدركة في ملحق خاص في آخر الكتاب، وعددها (٢٠٦٢) حديثًا، بينما مجموع أحاديث مسند أبي عوانة المطبوع (٨٧١٨) حديثًا، فأصبح مجموع أحاديث الكتاب (١٠٧٨٠) حديثًا.
وبهذا يكون الكتاب قد اكتمل بحمد الله، ويظهر من مجموع أحاديثه أنه من الكتب الكبيرة).
وثمة رسائل وأطروحات جامعية حَقَّقَتْ أجزاء من المسند في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام بها بعض الباحثين فليرجع إليها في مكتبةِ الجامعة.
[ ٤٠ ]
المبحث الثالث: منهج أبي عوانة في مستخرجه
عمد أبو عوانة في مصنِّفه إلى أحاديث كتاب "صحيح مسلم" المرفوعة، والموقوفة، فرواها بإسنادها من غير طريق صاحب الكتاب. فزاد فيه أحاديث كثيرة زائدة على"صحيح مسلم"، وفيها الصحيح، والحسن، بل والضعيف أيضًا.
ويقع في "مستخرجه" زيادة في أحاديث، أو تتمة لمحذوف، أو نحو ذلك، فهي تعتبر صحيحة، لكن مع وجود الصفات المشترطة في الصحيح، فيمَن بين صاحب المستخرَج والراوي الذي اجتمعا فيه هو وصاحب الأصل، وقد يقف على أحاديث "صحيح مسلم" من طريق عالٍ لم يكن قد وقف عليه صاحبُ الكتاب.
وقد يُعَيِّن مبهمات، أو مهملات كانت في "صحيح مسلم"، ولكنها جاءت مسماة من طريقه (^١)
وذكر المعلمي في كتابه "التنكيل" (^٢): (أصحاب المستخرجات يَلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها، فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجًا على "صحيح مسلم" ومعنى ذلك أنه التزم أن يخرج بسند نفسه كلَّ حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديث إلا من طريق رجل ضعيف، فيتساهل في ذلك؛ لأن أصل الحديث صحيح من غير طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يَحكم هو بصحتها، وإنما سمَّى كتابه صحيحًا، لأنه مخرَّج على الصحيح، ولأن معظمَ أحاديثه صحيحة، فإخراجه لرجل لا يَستلزم توثيقه ولا تصديقه، بل صاحب "الصحيح" نفسه قد يخرِّج في المتابعات والشواهد لمن لا يُوثقه، وهذا أمر معروف عند أهل الفن).
_________________
(١) "فتح المغيث" (١/ ٣٧ - ٤٣).
(٢) "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " (٢/ ١٥٩).
[ ٤١ ]
ويقول أبو عوانة في "مستخرجه على مسلم"بعد أن ساق طرق مسلم كلها: (من هنا لمخرجه)، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمَن فوق ذلك، وربما قال: (من هنا لم يخرجاه)، ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلمًا، فالسيوطي ﵀ استقرأ صنيعه في ذلك، فوجده إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سَلمة (^١)، فإنه كان قرينَ مسلم، وصنَّف مثلَ مسلم.
وربما أسقط المستخرِج أحاديث لم يجد لها سندًا يَرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب، وهذا قليل. ولم يلتزم في مُستخرجه بموافقته لـ "صحيح مسلم" في الألفاظ، لأنه إنما يروي الحديث بالألفاظ التي وقعت له عن شيوخه، فحصَل فيها تفاوتٌ قليل في اللفظ وفي المعنى، كما ذكرنا في حُكم المستخرجات.
وقد رتَّبه على كتب الجوامع، بدأه بكتاب الإيمان، وختَمه بكتاب اللباس، ثم قسّم الكتاب الواحد إلى أبواب، وأوردَ في كل باب جملة من الأحاديث والآثار، كما هي عادة الأئمة، بلغ عددها (١٠٧٨٠) حديثًا وأثرًا.
_________________
(١) هو أحمد بن سلمة بن عبد الله، أبو الفضل، البزاز النيسابوري، أحد الحفّاظ المتقنين. قال الذهبي: له مستخرج كهيئة "صحيح مسلم" تُوفِّيَ سنة (٢٨٦) هـ. انظر "تاريخ بغداد" (٤/ ١٨٦)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦٣٧)، و"شذرات الذهب" (٢/ ١٩٢)، و"الرسالة المستطرفة"ص (٢٣).
[ ٤٢ ]