فصل
العدالة
يقال: حَكَم عَدْل، وشَاهِد عَدْل، أي لا يخشى أن يميل عن الحق، كما يقال: هو رضًا ومأمون، أي: يرضاه الناس ويأمنونه، لثقتهم بأنه لا يجور.
فالعدل في الرواية هو من يوثَق بأنه لا يكذب؛ لأنه مسلم معروف بالاستقامة في الدين، ولزوم ما يقتضيه، واجتناب ما ينافيه من الكذب وغيره.
وقال الله ﷿ في ما حكاه عن المنافقين، وردَّه عليهم: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
كان هؤلاء يؤذون النبيَّ ﵌ بألسنتهم بأشياء يقولونها، فتبلغ النبيّ ﵌ فربما ذَكَر لهم ذلك، ووعظهم، فكانوا يجحدون ذلك، ثم يقولون لمن لقوه من المؤمنين: محمد أُذُن. يعنون: يقبل ما يُبَلِّغه الناس عنّا ويصدِّقه، مع أننا لم نقله، فردَّ الله ﷿ عليهم بقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. يظهر أن الخطاب هنا عام، أي أُذُن خيرٍ لكم أيها الناس، بقرينة قوله بعد ذلك: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾.
فإن كان خطابًا للمؤذين فقط، فوَجْه كون قبوله لما يَبْلُغه عنهم خيرًا لهم أنه يبعثه ذلك على أن يَعِظَهم وينصحهم، وفي ذلك خير لهم إن أرادوا الانتفاع به.
[ ١٥ / ٧٢ ]
وقول: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ تنبيه على أن من أخبارهم التي تبلغه ما يأتيه به الوحي من عند الله، وهو مؤمن بالله، فكيف لا يصدّق ما يوحيه إليه؟
وقوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدِّقهم، كما اتفق عليه المفسرون.
فالمعنى: إن الأخبار التي تبلغه عنكم [ص ٣٢] فيصدقها، ليست إلا من أحد هذين الوجهين:
الأول: الوحي.
الثاني: إخبار المؤمنين.
إما بمعنى: الذين آمنوه وغيره من أن يكذبوا.
وإما بمعنى: المؤمنين بالله ورسوله.
وإما بالمعنى الثاني مع الإشارة إلى المعنى الأول.
ويظهر أن هذا الأخير أرجح، فالمعنى: أنه يصدِّق المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، وظهر للرسول وغيره بطول اختبارهم ما بان به صحةُ إيمانهم، وتحرّيهم ما يقتضيه الإيمان من الصدق وغيره، وتجنّبهم ما ينافيه، فبذلك جعلوا النبيّ وغيره ممن عَرَف حالَهم لا يخافون منهم أن يأتوا ما ينافي الإيمان الراسخ من الكذب وغيره، فكما آمنوا النبيَّ وغيرَه من أن يَكْذِبوا كان من الحق أن يؤمِنَهم من أن يكذِّبهم، بل كان من الحقّ أن يصدّقهم.
فحاصل المعنى أنه ﵌ إنَّما يصدق من الأخبار ما كان صدقًا، إما يقينًا وهو الوحي، وإما ظاهرًا شرعًا وعقلًا، وهو خبر من عرف إيمانه واستقامته.
[ ١٥ / ٧٣ ]