وقد تقرر في الأصول أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذِنُ بعِلّية ما منه الاشتقاق، فكأنه قيل: وإنما يصدقهم لإيمانهم، فيفهم منه أن من ليس بمؤمن لا يحقّ أن يصدَّق.
وقد تقدم أن المراد الإيمان مع الثبات على ما يقتضيه، بحيث يحصل لمن عرف صاحبه الوثوق به، والركون إليه. وعلى هذا فيخرج الكافر والفاسق، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فنصّ على أن خبر الفاسق لا يحق أن يصدَّق، بل ينبغي التبيّن فيه، فإن وُجِدت بيّنة على صدقه، وإلّا طُرِح. والكافرُ فاسقٌ وزيادة.
فصل
جاء عن الإمام الشافعي وغيره: أنه ليس من شرط العدل أن لا يعصي الله ﷿ البتة، فإن هذا يؤدّي إلى أن لا تُقْبَل شهادة ولا رواية، ولا يُقام إمام ولا قاضٍ، إلى غير ذلك، ولكن المراد من كانت الطاعات أغلب عليه من المعاصي (^١).
أقول: وفي كلام الشافعي وغيره أنه لا تُقْبَل شهادة من شرب الخمر، أو زَنَى، إلى غير ذلك، إلا (^٢) من ظهر منه شيء من ذلك ثم ظهرت توبته.
فواجبٌ حَمْل النقل الأول على هذا، أي أنّ مَن كان الغالب عليه الطاعة، وإنما تقع المعصية منه زلة، ثم يتوب منها، ثم أخرى ثم يتوب منها، فإنه يقبل، يعني عند ظهور توبته مما سبق منه من المعاصي.
_________________
(١) حكاه عنه المزني في "مختصره" (٥/ ٣١٠ ط المعرفة).
(٢) في الأصل: "إلى" سبق قلم.
[ ١٥ / ٧٤ ]
فأما من كان الغالب عليه المعصية، فإنه ما دام على ذلك لا تتحقق له توبة.
وفي كتب الفقه ما يوضّح هذا، وهو أن يشترط في قبول من ظهرت معصيته وتاب منها: أن تظهر توبته بأن تمضى مدةٌ يظهر منه فيها الندم على تلك المعصية، والامتناع عن العَوْد إليها، حتى يكون الظاهر أنه لن يعود.
أقول: والظاهر أنه يُغْتَفر لمن عُرِفت عدالته، وظهرت استقامته من الرواة ما قد يقع منه مما يكون الظاهر أنه وقع فلتة. فقد حكى وكيع قصةً لأبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي مع الأعمش، وفيها: أن أبا حصين قذف الأعمش [فحلف] ليحدّنّه، فكلّمه فيه بنو أسد. القصة (^١).
والقذف كبيرة، ولاسيَّما لمثل الأعمش، ولكن لم يجرح أحدٌ أبا حصين بهذا، بل وثقوه، وأحسنوا الثناء عليه، فكأنهم حملوا هذا على أنه فلتة جرى على لسان الرجل عند الغضب. والظاهر أنه تاب في الحال؛ لما عُرِف من فضله وصلاحه قبل ذلك وبعد.
وجاء عن أبي داود الطيالسي عن شعبة: أنه سمع أبا الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس غاضَبَه إنسانٌ، فافترى عليه. يريدُ: فَقَذَفه (^٢).
لكن عندي في صحة هذا وقفة، فقد جاء عن أبي داود الطيالسي مثل
_________________
(١) القصة في "تاريخ دمشق": (٣٨/ ٤١٣)، و"السير": (٥/ ٤١٥).
(٢) القصة في "تهذيب الكمال": (٦/ ٥٠٣) و"تهذيب التهذيب": (٩/ ٤٤٠). وانظر ما سلف (ص ٤١).
[ ١٥ / ٧٥ ]