إن كانت ظاهرة في السماع، كان المدلس كاذبا لعدم نصبه قرينة صارفة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم ــ رحمكم الله ــ في قول المحدث: "عن فلان" أو "قال فلان" أو "ذكر فلان" ونحوها من الصِّيَغ المحتملة للتدليس، أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
فإن قلتم: نعم، فيلزم من ذلك أن يكون المتكلّم بها مريدًا خلافَ ظاهرها، كاذبًا إذا لم ينصب قرينةً تصرفها عن ظاهرها؛ لما تقرَّر في موضعه (^١): أن نيّة التورية بدون قرينة لا تُخرج الكلامَ عن كونه كذبًا. وليس هذا من المواضع التي رُخِّص في الكذب مع التورية فيها ولا يشبهها؛ لأن الكذب فيها لدفع مضرَّة ولا تترتّب عليه مفسدة، وما هنا ليس كذلك؛ لأن المفسدة قائمة وهي ظنّ السامع الحديثَ صحيحًا، فيحلّ به الحرام ويحرم الحلالَ. وإذا ثبت هذا لزم أن يكون التدليس جرحًا.
فإن قلتم: إن المدلِّس إذا اشتهر بالتدليس صارت هذه الصِّيَغ غير ظاهرةٍ في السماع بالنسبة إليه، وهذه قرينةٌ كافية، لأن الكلام يكون معها محتملًا فيخرج عن الكذب حتمًا.
قيل: نعم ولكن ما حصلت هذه القرينة إلا بعد أن وقع منه التدليس مرارًا، فقد دلَّس مرارًا قبل أن تحصل القرينة بمعرفة عادته، وهذا كافٍ في الجرح.
_________________
(١) انظر رسالة "أحكام الكذب" للمؤلف ضمن مجموع رسائل أصول الفقه.
[ ١٥ / ١٢٩ ]
على أنه بعد أن عُرِفت عادتُه، كثيرًا ما يقع أن يسمع منه مَن لم يعرف عادتَه من الغرباء ونحوهم [ص ٢] وربما كان يحضر حَلْقة المحدِّث مائة ألف أو أكثر.
وإذا راجعنا تراجم المدلسين من كتب الرجال وجدنا الرجلَ منهم قد يوثِّقه جماعة ولا يذكرون التدليس، وإنما يذكره واحد أو اثنان، وذلك قاضٍ بأنه لم يكن مشهورًا بالتدليس الشهرةَ الكافية.
ولا يظهر كبيرُ فرقٍ بين من يدلس عن الضعفاء مطلقًا كبقية بن الوليد ومَن لا يدلّس إلا عن ثقة عنده، ومَن لا يدلّس إلا عن ثقة متفق عليه، كسفيان بن عُيينة.
أما الثاني فلأنّ الثقة عنده قد يكون مجروحًا عند غيره، فالمفسدة باقية وإن كانت أخفّ من الأول.
وأما الثالث فلأن الثقات يتفاوتون في الحفظ والإتقان، ويظهر أثرُ ذلك عند التعارض، فإذا روى رجلٌ مكافئ لابن عُيينة حديثًا بالسماع من عَمرو بن دينار عن ابن عمر، وروى ابنُ عيينة حديثًا يعارضه عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة.
فربما رجّح من يظن أن ابن عُيينة سمع الحديث من الزهري حديثَ الزهري، ويكون ابن عُيينة إنما سمع الحديث من عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، ولكنه دلَّسه. ولو علم المرجّح بهذا لرجّح حديث عَمرو بن دينار.
نعم، إن مثل هذا قليل ولكن أصل الكذب باقٍ ولم تُدْفَع به مضرّة كما
[ ١٥ / ١٣٠ ]
إن كانت غير ظاهرة في السماع، كيف يصح حملها على السماع في حق من لم يوصف بالتدليس ولا بعدمه؟
في الكذب على الزوجة ونحوه مما رخّص فيه، وإيهام العلوّ ليس فيه دفع مضرّة بل ولا جلب [٣] مصلحة. وقد صدق الخطيب في قوله: "وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة؛ من التواضع في طلب العلم، وترك الحميّة في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه" (^١).
هذا، ويشتدّ الأمر فيمن كان يقول: "حدثنا" ثم يسكت، ثم يقول: "فلان " يريد: قال فلان ولم يسمعه منه.
ومَن كان يقول: "حدثنا فلان وفلان" ولم يسمعه من الثاني إنما أراد: وقال فلان أو نحوه.
ومَن كان يدلّس تدليس التسوية كالوليد بن مسلم فيقول: "حدثنا الأوزاعي عن الزهري" مع أن الأوزاعي إنما رواه عن إبراهيم بن مرة عن الزهري، وإبراهيم بن مرة قد ضعَّفه الوليدُ نفسُه.
وإن قلتم: ليست الصيغة ظاهرةً في السماع، فإنه ينحلّ الإشكال المتقدّم، لكن يورد إشكال أشدّ منه، وهو أنهم صرَّحوا بأنها إذا صدرت ممن لم يوصف بالتدليس تُحْمَل على السماع، تحسينًا للظن بمن ثبتت عدالتُه.
فيقال لهم: الفَرْض أنها ليست ظاهرةً في السماع، وعليه فلا يكون إطلاقها مع عدم السماع قبيحًا ولا مكروهًا حتى يلزم من احتماله إساءة الظن بالراوي. وإذا ثبت هذا لم يبق حجة لحملها على السماع إلا في حق مَن ثبت
_________________
(١) "الكفاية" (ص ٣٥٨).
[ ١٥ / ١٣١ ]