١- بيان طبقات كتب الحديث:
قال الإمام العارف الكبير الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي قدس الله سره في كتابه: "حجة الله البالغة"١ تحت الترجمة المذكورة ما نصه: "اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي -ﷺ- بخلاف المصالح فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره إلا تلقي الروايات المنتهية إلية بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة الصحابة والتابعين بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لو النص أو الإشارة من الشارع فمثل ذلك رواية عنه دلالة، وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة.
"وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث فنقول: هي باعتبار الصحة، والشهرة على أربع طبقات، وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين
_________________
(١) ١ ص١٠٥، القاهرة، المطبعة الخيرية، ١٣٢٢هـ.
[ ٢٣٩ ]
في القرون الأولى، ومحط رجال العلماء طبقة بعد طبقة، يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر؛ أو كان قولًا مشهورًا معمولًا به في قطر عظيم مرويًّا عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين؛ ثم صح أو حسن سنده، وشهد به علماء الحديث ولم يكن قولًا متروكًا لم يذهب إليه أحد من الأمة.
"أما ما كان ضعيفًا١ موضوعًا أو منقطعًا أو مقلوبًا في سنده أو متنه، أو من رواية المجاهيل، أو مخالفًا لما أجمع عليه السلف، طبقة بعد طبقة فلا سبيل إلى القول به".
"فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح، أو حسن غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا من بيان حاله، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب".
"والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها، وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى وأوردوها في مسانيدهم، ومجاميعهم وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله وشرح غريبه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يوما هذا حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده، وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون ويعتمدون عليها ويعتنون بها ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها، وتعظيمها، وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم وثم، وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى حد التواتر وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفسد للعمل، والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية، أو الظنية وهكذا ينزل الأمر.
_________________
(١) ١ كذا في "حجة الله البالغة" ولعله "أو موضوعًا".
[ ٢٤٠ ]
فالطبقة الأولى: محصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم، قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل، ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه.
"ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهدة، ويشرحون غريبة ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية. ليس بعدها غاية وإن شئت الحق الصراح، فقس كتاب: "الموطأ" بكتاب: "الآثار" لمحمد و"الأمالي" لأبي يوسف، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين فهل سمعت أحدًا من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟
"أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد المشرقين.
وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد تصحيفها.
الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ، والتبحر في فنون الحديث ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، وتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي وهذه الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها
[ ٢٤١ ]
"رزين" في "تجريد الصحاح"، وابن الأثير في "جامع الأصول". وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم. قال: "ما ليس فيه فلا تقبلوه".
والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم: وفي زمانهم وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد بن حميد، والطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل.
والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي -ﷺ- سهوا أو عمدًا أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمدًا، وكانت جملًا شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثًا واحدا بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب: "الضعفاء" لابن حبان، وكامل بن عدي،
[ ٢٤٢ ]
وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي؛ وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفًا محتملًا وأسوؤها ما كان موضوعًا أو مقلوبا، شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب: "الموضوعات" لابن الجوزي.
"وها هنا طبقة خامسة: منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع؛ ومنها: ما دسه الماجن في دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوى لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه -ﷺ- فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة. لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات، والشواهد فتهتك الأستار ويظهر العوار.
"أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين، وحوم حماهما مرتعهم ومسرحهم، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم فالأنصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث والله أعلم".
[ ٢٤٣ ]
٢- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة الحافظ ابن حجر في التدريب:
قال ﵀ في مقدمة التقريب: "وقد اكتفيت بالرقم على اسم كل راو إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة؛ فللبخاري في: "صحيحة" "خ"، فإن كان حديثه عنده معلقا "خت"، وللبخاري في: "الأدب المفرد" "بخ"، وفي: "خلق أفعال العباد" "عخ"، وفي: "جزء القراءة" "ز"، رفع اليدين" "ي"، ولمسلم "م"، وفي مقدمة صحيحة
"مق"، ولأبي داود "د"، وفي: "المراسيل" له "مد"، وفي: "فضائل الأنصار" "صد"، وفي: "الناسخ" "خد"، وفي: "القدر" "قد"، وفي: "التفرد" "ف"، وفي: "المسائل" "ل"، وفي: "مسند مالك" "كد"، وللترمذي "ت"، وفي: "الشمائل" له "تم"، وللنسائي "س"، وفي: "مسند علي" له "عس"، وفي كتاب: "عمل يوم وليلة" "سي"، وفي: "خصائص علي" "ص"، وفي: "مسند مالك" "كس"، ولابن ماجه "ق"، فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة اكتفى برقمه ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم "ع" وأما علامة "٤" فهي لهم سوى الشيخين، ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه تمييز إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره".
[ ٢٤٤ ]
٣- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة السيوطي في الجامع الكبير والجامع الصغير:
"خ" للبخاري، "م" لمسلم، "ق" لهما. "د" لأبي داود، "ت" للترمذي، "ن" للنسائي، "هـ" لابن ماحه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا ابن ماجه، "حم" للإمام أحمد في مسنده "عم" لابنه في زوائدة "ك" للحاكم، فإن كان في المستدرك أطلقت، وإلا بينته "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "حب" لابن حبان في صحيحه، "طب" لسعيد بن منصور في سننه، "طس" له في الأوسط، "طص" له في الصغير، "ص" لسعيد بن منصور في سننه، "ش" لا بن أبي شيبة، "عب" لعبد الرزاق في الجامع، "ع" لأبي يعلى في مسنده، "قط" للدارقطني فإن كان في السنن أطلقت، وإلا بينته، "فر" للديلمي في الفردوس، "حل" لأبي نعيم في الحلية، "هب" للبيهقي في شعب الإيمان، "هق" له في السنن، "عد" لأبي عدي في الكامل، "عق" للعقيلي في الضعفاء، "خط" للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته، "ض" للضياء المقدسي في المختارة، "ط" لأبي داود الطيالسي، "كر" لابن عساكر في تاريخه "كذا في مقدمة الجامع الكبير".
[ ٢٤٤ ]
بيان ما اشتمل على الصحيح فقظ أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها
٤- بيان ما اشتمل على الصحيح فقط أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها:
قال الحافظ السيوطي في مقدمة جمع الجوامع ما نصه: "جميع ما في الكتب الخمسة: خ، م، حب، ك، ض، صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في: "المستدرك" من المتعقب، فأنبه عليه؛ وكذا ما في: "موطأ مالك" وصحيح ابن خزيمة وأبي عوانة وابن السكن والمنتقى لابن الجاورد والمستخرجات، فالعزو إليها معلم بالصحة أيضًا، وفي د ما سكت عليه فهو صالح وما بين ضعفه نقلت عنه؛ وفي ت. ن. هـ. ط. حم. عم. عب. ص. ش. ع. طب. طس. قط. حل. هب. هق. صحيح وحسن، وضعيف فأبينه غالبا؛ وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن؛ وكل ما عزى إلى عق عد خط كر أو للحكيم الترمذي في: "نوادر الأصول" أو للحاكم في تاريخه أو لابن الجارود في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه، وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار فإن كان في تفسيره أو في تاريخه بينته". ا. هـ.
وقد بسط الكلام في ذلك صاحب "الأجوبة الفاضلة" في السؤال الثاني ونصه:
هل كل ما في هذه الكتب الضخام، كالسنن الأربعة، وتصانيف البيهقي، وتصانيف الدارقطني، والحاكم، وابن أبي شيبة وغيرها من الكتب المشتهرة من الأحاديث المجموعة، صحيح لذاته أو لغيره، أو حسن لذاته أو لغيره أم لا؟
الجواب:
ليس كل ما في هذه الكتب وأمثالها صحيحًا أو حسنًا، بل هي مشتملة على الأخبار الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة؛ أما كتب السنن فذكر ابن الصلاح والعراقي وغيرهما أن فيها غير الحسن من الصحيح، والضعيف، وذكر النووي أن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ومن ها هنا اعترضوا على تسمية صاحب المصابيح أحاديث
[ ٢٤٥ ]
السنن بالحسان، بأنه اصطلاح لا يعرف عند أهل الفن؛ وذكر العراقي أنه قد تساهل من أطلق الصحيح على كتب السنن، كأبي طاهر السلفي حيث قال في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب؛ وكالحاكم حيث أطلق على جامع الترمذي "الجامع الصحيح"، وكذلك الخطيب أطلق عليه اسم الصحيح، وذكر الذهبي في "أعلام سير النبلاء" أن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت، ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب ثم يليه، ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدًا سالمًا من علة وشذوذ ثم يليه ما كان إسناده صالحًا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبًا ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة رواته فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، وذكر أيضًا قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق الجامع -أي جامع الترمذي- على أربعة أقسام قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي، وقسم أبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه فقال ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه" ١ وحديث: "جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر"٢ وذكر أيضًا قد كان ابن ماجه حافظًا صدوقًا واسع العلم وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات.
وقال ابن الصلاح في مقدمته: "كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن". وقال أيضًا: "ومن مظانه سنن أبي داود روينا عنه أنه قال ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه وروينا عنه أيضًا ما معناه إنه يذكر في كل باب أصح ما يعرفه في ذلك الباب وقال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قلت: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا
_________________
(١) ١ أخرجه الجماعة من حديث أبي هريرة وغيره. ٢ الشيخان وأصحاب السنن من حديث ابن عباس بألفاظ مختلفة.
[ ٢٤٦ ]
مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين ولا نص على صحته أحد ممن ميز بين الصحيح والحسن جزمنا بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره.
وقال أيضًا: حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده، وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال وذكر السيوطي في: "ديباجة زهر الربى على المجتبى" قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروح الأئمة كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام الأول: الصحيح المخرج في الصحيحين؛ الثاني: صحيح على شرطهما؛ وقد حكى عبد الله بن منده أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع، ولا إرسال فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أنه طريق لا يكون طريق ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما بل طريقه ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح، القسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع عنهما بصحتها، وقد أبانا عليها بما يفهمه أهل الطريق، وذكر أيضًا قال الأمام أبو عبد الله بن رشيد كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن وأحسنها ترصيفًا وكأن كتابه بين جامع البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل، وبالجملة فهو أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلًا مجروحًا ويقاربه كتاب أبي جارود وكتاب الترمذي، ومقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم، وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زر عن الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن كانت صحيحة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية. وذكر أيضًا: ذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة فقال له الأمير: أكل ما في هذا صحيح قال لا! قال: فجرد الصحيح،
[ ٢٤٧ ]
فصنف: "المجتبى" وهو بالباء الموحدة. وقال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: ويقال بالنون أيضًا. وقال السيوطي في التدريب: قال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر- مسند الدارمي ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولي من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير. وقال العراقي: اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند، لكون أحاديثه مسندة إلا أن فيه المرسل والمقطع والمقطوع كثيرًا، على أنهم ذكروا في ترجمة الدارمي أن له الجامع والمسند والتفسير وغير ذلك؛ فلعل الموجود الآن هو الجامع والمسند قد فقد.
وأما تصانيف الدارقطني فقال العيني في: "البناية شرح الهداية" في بحث قراءة الفاتحة في حقه: "من أين له تضعيف أبي حنيفة وهو مستحق التضعيف، وقد روى في مسنده أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة". ا. هـ. وقال أيضًا في بحث جهر البسملة: "الدارقطني كتابه مملوء من الأحاديث الضعيفة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره وحكى أنه لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة فصنف فيه جزءًا فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك فقال كل ما رُوي عن النبي -ﷺ- في الجهر فليس بصحيح وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف". ا. هـ.
وأما تصانيف البيهقي: فهي أيضًا مشتملة على الأحاديث الضعيفة، وكذا تصانيف الخطيب فإنه قد تجاوز عن حد التحامل واحتج بالأحاديث الموضوعة صرح به العيني في البناية في بحث البسملة.
وأما تصانيف الحاكم: فقال الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية: "قال ابن دحية في كتابه: "العلم"؛ المشهور: يجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم، فإنه كثير الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير من جاء بعده وقلده في ذلك". ا. هـ.
وقال العيني في "البناية": "قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة". ا. هـ.
[ ٢٤٨ ]
وقال السيوطي في رسالة التعقبات على ابن الجوزي: قال شيخ الإسلام ابن حجر: تساهله وتساهل الحاكم في المستدرك أعدم النفع بكتابهما إذ ما حدث فيهما إلا ويمكن أنه مما وقع فيه التساهل فلذلك وجب على الناقد الاعتناء بما ينقله منهما من غير تقليد لهما". ا. هـ.
وفي طبقات الشافعية لتقي الدين شهبة: قال الذهبي في المستدرك جملة وافرة على شرطهما، وجملة وافرة على شرط أحدهما، ومجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء معلل وما بقى مناكير وواهيات لا تصح وفي ذلك بعض الموضوعات قد أعلمت عليها لما أختصرته". ا. هـ.
وفي مقدمة ابن الصلاح: "هو -أي الحاكم- واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به. فما حكم بصحته ولم نجد ذلك لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه". ا. هـ.
وتبعه النووي حيث قال في التقريب: "فما صححه ولم نجد فيه لغيره تصحيحًا ولا تضعيفًا حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه" قال السيوطي في التدريب: "قوله فما صححه احتراز مما وجد في الكتاب ولم يصرح بتصحيحه فلا يعتمد عليه". ا. هـ. لكن تعقب ابن الصلاح البدر بن جماعة فقال في مختصره: الصواب أن يتتبع، ويحكم عليه بما يليق من الحسن أو الصحة أو الضعف وتبعه في هذا التعقب شراح الألفية العراقي والأنصاري والسخاوي، وقالوا: إنما قال ابن الصلاح ما قال بناء على رأيه، أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأعصار حديثًا وذكر ابن الصلاح أن صحيح ابن حبان يقاربه -أي مستدرك الحاكم- في التساهل لكن نقل العراقي عن الحازمي أنه قال: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. ا. هـ.
وقال السيوطي في التدريب: "قيل ما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح، غايته
[ ٢٤٩ ]
أن يسمي الحسن صحيحًا، فإن كان نسبته إلى التساهل باعتبار وجد أن الحسن في كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح، وإن كان باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل كان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة، وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذا حاله ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعله ثقة من لم يعرف حاله فلا اعتراض عليه فإنه لا مشاحة في ذلك، وهذا دون شرط الحاكم، فالحاصل أن ابن حبان وفي بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم". ا. هـ.
ومما يدل على كون ابن حبان أشد تحريًا من الحاكم ما نقله السيوطي في: "اللآلئ المصنوعة" عن تخريج أحاديث الرافعي للزركشي أن تصحيح الضياء المقدسي صاحب المختارة أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي، وابن حبان. ا. هـ. وذكر النووي في شرح المهذب اتفق الحفاظ على أن البيهقي أيضًا أشد تحريًا من الحاكم. ا. هـ. وذكر ابن الصلاح كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها، والركون إلى ما هو فيها كمسند أبي داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ومسند أحمد ومسند إسحاق بن رهويه ومسند عبد بن حميد ومسند الدارمي ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن سفيان ومسند البراز وأشباهها، فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًا به. ا. هـ. وفي التدريب: "صرح الخطيب وغيره بأن الموطأ مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد فعلى هذا هو بعد صحيح الحاكم وأما ابن حزم فقال: أولى الكتب الصحيحان ثم صحيح سعيد بن السكن والمتقى لابن الجارود وقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود وكتاب النسائي ومصنف قاسم بن أصبغ ومصنف الطحاوي ومسانيد أحمد والبزار وابني أبي شيبة أبي بكر وعثمان،
[ ٢٥٠ ]
وابن راهويه، والطيالسي، والحسن بن سفين، وابن سنجر، وعلي بن المديني، وما جرى مجراها التي أفردت بكلام رسول الله -ﷺ- ثم ما كان فيه الصحيح فهو أجل، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وبقي بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وابن المنذر، ثم مصنف حماد بن مسلمة، وسعيد بن منصور، ووكيع وموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب، ومسائل ابن حنبل، وفقه أبي ثور. انتهى ملخصًا.
ثم نقل السيوطي عنه أنه قال: في الموطأ نيف وسبعون حديثًا، وقد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة. ونقل الذهبي في سير النبلاء عن ابن حزم نحو ما مر، وقال: ما أنصف ابن حزم، بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود، لكنه تأدب وقدم المسندات النبوية الصرفة وما ذكر سن ابن ماجه، ولا جامع أبي عيسى، فإنه ما رآهما، ولا دخلا إلى الأندلس إلا بعد موته. ا. هـ.
وذكر الزرقاني في شرح الموطأ عن السيوطي أن الموطأ صحيح كله على شرط مالك.
وقال الذهبي في سير النبلاء: فيه -أي مسند أحمد- جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبيهة الموضوعة، لكنها قطرة في بحر. ا. هـ.
وقال ابن تيمية في منهاج السنة: "صنف أحمد كتابا في فضائل الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وقد روى في هذا الكتاب ما ليس في مسنده، وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده، بل يروى ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند أن لا يروى عن المعروف بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، وشرطه في المسند أمثل من شرط أبي داود في سننه. وأما في كتب الفضائل فروى ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، فإنه لم يقصد أن لا يروى في ذلك إلا ما ثبت عنده، ثم زاد ابنه عبد الله على مسند أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات. وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة، فظن ذلك الجهال أنه من رواية أحمد، رواها أحمد في المسند، وهذا خطأ قبيح. ا. هـ.
[ ٢٥١ ]
وخالفه العراقي وادعى أن في مسند أحمد موضوعات وصنف جزءا مستقلًّا وقال فيه بعد الحمد والصلاة: "قد سألتني بعض أصحابنا من مقلدي الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل في سنة خمسين وسبعمائة، أو بعدها بيسير، أن أفرد له ما وقع في مسند الإمام أحمد من الأحاديث التي قيل فيها إنها موضوعة، فذكرت له أن الذي في المسند من هذا النوع أحاديث ذوات عدد ليست بالكثيرة، ولم يتفق لي جمعها، فلما قرأت المسند سنة ستين وسبعمائة على الشيخ المسند علاء الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن صالح الدمشقي وقع في أثناء السماع كلام: هل في المسند أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ فقلت: إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة فبلغني بعد ذلك أن بعض ما ينتمي إلى مذهب أحمد أنكر هذا إنكارا شديدًا. ونقل عن الشيخ ابن تيمية الذي وقع فيه من هذا هو من زيادات القطيعي، لا من رواية أحمد، ولا من رواية ابنه، فحرضنى قول هذا القائل على أن جمعت في هذه الأوراق ما وقع في المسند من رواية أحمد، ومن رواية ابنه مما قال فيه بعض أئمة هذا الشأن إنه موضوع" انتهى ملخصًا. ثم أورد تسعة أحاديث من المسند، ونقل عن ابن الجوزي وغيره الحكم بوضعها، ورده في بعضها، ثم قام لرده الحافظ ابن حجر فصنف "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد" قال فيه بعد الحمد والصلاة: فقد رأيت أن أذكر في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم أهل الحديث أنها موضوعة وهي في مسند أحمد إلخ ونقل فيه جزء شيخه العراقي حرفًا حرفًا، وأجاب عنه حديثًا حديثًا، ثم أورد عدة أحاديث أخر من المسند حكم عليها ابن الجوزي بالوضع مما لم يذكره العراقي ونفى وضعها بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة.
وفي التدريب: "قيل: وإسحاق يورد أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي فيما ذكره أبو زرعة والرازي عنه، قال العراقي: ولا يلزم من ذلك أن يكون جميع ما فيه صحيحًا، بل هو أمثل بالنسبة لما تركه، وفيه الضعيف". ا. هـ. وفيه أيضًا: "قيل: ومسند البزار يبين فيه الصحيح من غيره. قال العراقي: ولم يفعل ذلك إلا قليلًا إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره". ا. هـ.
[ ٢٥٢ ]
وفي منهاج السنة لابن تيميه: "ما ينقله الثعلبي في تفسيره: لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة وأمثال ذلك ولهذا يقولون: هو كحاطب ليل. وهكذا الواحدي تلميذه، وأمثالهما من المفسرين، ينقلون الصحيح والضعيف ولهذا لما كان البغوي عالمًا بالحديث أعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي لم يذكر في تفسيره شيئًا من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي يذكرها الثعلبي مع أن الثعلب فيه خير ودين لكنه لا خبر له في الصحيح والسقيم من الأحاديث، وأما أهل العلم الكبار أصحاب التفسير مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وبقي بن مخلد وابن أبي حاتم وأبي بكر بن المنذر وأمثالهم فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات دع من هو أعلم منهم مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه بل ولا يذكر مثل هذا عبد بن حميد ولا عبد الرزاق مع أن عبد الرزاق كان يميل إلى التشيع ويروي كثيرًا من فضائل علي -﵁- وإن كانت ضعيفة وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الواحد من جنس الثعلب والنقاش والواحدي وأمثال هؤلاء المفسرين لكثره ما يروونه من الحديث ويكون ضعيفًا بل موضوعا". ا. هـ. وفي موضع آخر منه قد روى أبو نعيم في الحلية في أول فضائل الصحابة، وفي كتاب مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أحاديث بعضها صحيحة وبعضها ضعيفه بل منكرة، وكان رجلا عالما بالحديث لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب لأن يعرف أنه قد روى كالمفسر الذي ينقل أقوال الناس في التفسير والفقيه الذي يذكر الأقوال في الفقه، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته بل يعتقد ضعفه لأنه يقول إنما نقلت ما ذكر غيري فالعهدة على القائل لا على الناقل. ا. هـ. وفي موضع آخر منه: "إن أبا نعيم روى كثيرًا من الأحاديث التي هي ضعيفه بل موضوعة، باتفاق علماء الحديث، وأهل السنة والشيعة وهو وإن كان حافظا ثقة كثير الحديث واسع الرواية لكن روى كما هو عادة المحدثين يروون ما في الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتج من ذلك إلا ببعضه". ا. هـ.
[ ٢٥٣ ]
وفي موضع آخر منه: "الثعلبي يروي ما وجد، صحيحا كان أو سقيما، وإن كان غالب الأحاديث التي في تفسيره صحيحة، ففيه ما هو كذب موضوع". وفي موضع آخر منه: "كتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة، أجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث". ا. هـ. وفي موضع آخر: "النسائي صنف خصائص علي، وذكر فيه عدة أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف"، وفي موضع آخر منه: "من الناس من قصد رواية كل ما روي في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف كما فعله أبو نعيم وكذلك غيره ممن صنف في الفضائل مثل ما جمعه أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو علي الأهوازي وغيرهما في فضائل معاوية، وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في فضائل علي وغيره، وهذه عبارات العلماء قد أفادت وجود المنكرات والمضعفات في الكتب المدونة وأمثالها كثيرة لا تخفى على الناظر في الكتب المشتهرة، ولعل المتدبر يعلم مما نقلنا أن ما ارتكز في أذهان بعض العوام أن كل حديث في السنن محتج به غير معتد به وكذا ما ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في السنن محتج به غير معتد به. وكذا ما ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في غير الكتب الستة أو السبعة ضعيف غير محتج به". ا. هـ.
[ ٢٥٤ ]
الرجوع إلى الأصول الصحيحة
٥- الرجوع إلى الأصول الصحيحة المقابلة على أصل صحيح لمن أراد العمل بالحديث:
قال النووي في التقريب: "ومن أراد العمل بحديث من كتاب، فطريقة أن يأخذه من نسخة معتمدة قابلها هو أو ثقة بأصول صحيحة، فإن قابلها بأصل محقق معتمد أجزأه". ا. هـ.
وقال العلامة ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح عند قول صاحب: "المشكاة" -وإذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي -ﷺ: "عُلِمَ من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المعتمدة التي اشتهرت وصحت نسبها لمؤلفيها كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة، سواء في جواز من نقله مما ذكر، أكان نقله للعمل بمضمونة، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه، حملوه على الاستحباب، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل له معتمد مقابلة صحيحة لأنه حيئنذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها صحة واحتجاجًا.
"وعُلِمَ من كلام المنصف أيضًا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل أو للاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها، ومن ثم قال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحت عنه النسخة من السنن جاز العمل بها وإن لم يسمع". ا. هـ.
وفي تدريب الراوي شرح تقريب النواوي: "حكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها، وذلك شامل لكتب الحديث والفقه. وقال الطبري في تعليقه: من وجد حديثًا في كتاب صحيح، جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوز له أن يروي لأنه لم يسمعه، وهذا غلط، وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول -يعني المقتصرين على السماع، لا أئمة الحديث- وقال عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال كتبه إليه أبو محمد بن عبد الحميد، وأما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوقة، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها والاستناد إليها؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم، لحصول الثقة بها، وبعد التدليس، ومن زعم أن الناس اتفقوا على الخطأ في ذلك، فهو أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطل كثير من المصالح المتعلقة بها، قال: وكتب الحديث أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها، لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها، فمن قال: إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند فقد خرق الإجماع". ا. هـ.
[ ٢٥٥ ]
٦- إذا كان عند العالم الصحيحان:
أو أحدهما أو كتاب من السنن موثوق به هل له أن يفتي بما فيه.
قال المسند الجليل علم الدين الفلاني في: "إيقاظ الهمم": "قال الإمام ابن القيم: إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما، أو كتاب من سنن رسول الله -ﷺ- موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه فقالت طائفة من المتأخرين ليس "له" ذلك لأنه قد يكون منسوخًا أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما دل عليه، أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب، أو يكون عاما له مخصص أو مطلقا له مقيد، فلا يجوز له العمل به ولا الفتيا حتى يسأل أهل الفقه والفتيا، وقالت طائفة: بل له أن يعمل به ويفتي بل متعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله -ﷺ- وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به، من غير توقف، ولا بحث عن معارض، ولا يقول أحد منهم قط هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رأوا ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار، وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبعد الزمان، ولو كانت سنن رسول الله -ﷺ- لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قول فلان وفلان عيارًا على السنن ومزكيا لها وشرطا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسول الله -ﷺ- دون آحاد الأمة، وقد أمر النبي بتبليغ سننه ودعا لمن بلغها فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.
قالوا: والنسخ الواقع الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير في وقوع الخطأ من تقليد من يصيب ويخطئ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول ويرجع عنه ويحكي
[ ٢٥٦ ]
عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين، فلا يعرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن قلد من لا يعلم خطأه من صوابه، والصواب في هذه المسألة التفصيل: فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب له التزكية من قول فقيه وإمام، بل الحجة قول رسول الله -ﷺ- وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالة خفية لا يتبين له المراد فيها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادًا، حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه وإن كانت دلالة ظاهرة كالعام على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم فهل له العمل والفتوى يخرج على أصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث على المعارض، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره الجواز والمنع والفرق بين العام، فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث من المعارض، وهذا كله إذا كان ثَمَّ أهلية، ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية، وأما إذا لم يكن ثم أهلية ففرضه ما قال الله: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقول النبي -صلى الله عليه وسلم١: "ألا اسألوا إذا لم تعلموا، إنما شفاء العي السؤال". وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه وكلام شيخه وإن علا، فاعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله -ﷺ- أولى بالجواز وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي، فيسأل من يعرفه معناه كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ من حديث جابر عند أبي داود والدارقطني، وأخرجه غيرهما وله تتمة.
[ ٢٥٧ ]
٧- هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير توقف أم لا؟ وهل تعذر التصحيح في الأزمان المتأخرة أم لا؟:
في الأجوبة الفاضلة ما نصه:
"هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير وقفه ونظر أم لا؟ وعلى الثاني: فما وجه تمييز ما يجوز الاحتجاج به، عما لا يجوز الاحتجاج؟ ".
الجواب:
"لا يجوز الاحتجاج في الأحكام بكل ما في الكتب المذكورة وأمثالها، من غير تعمق يرشد إلى التمييز، لما مر أنها مشتملة على الصحاح والحسان والضعاف، فلا بد من التمييز بين الصحيح لذاته أو لغيره، والحسن لذاته أو لغيره، فيحتج به، وبين الضعيف بأقسامه فلا يحتج به، فيأخذ الحسن من مظانه، والصحيح من مظانه، ويرجع إلى تصريحات النقاد الذين عليهم الاعتماد، وينتقد بنفسه إن كان أهلا لذلك، فإن لم يوجد شيء من ذلك توقف فيما هنالك. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في: "فتح الباقي شرح ألفية العراقي": من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلًا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده، وأحوال رواته وإلا فإن وجد أحد من الأئمة صححه أو حسنة فله تقليده وإلا فلا يحتج به". ا. هـ.
وقال الإمام ابن تيميه في: "منهاج السنة": "المنقولات فيها كثير من الصدق، وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وبين هذا إلى أهل الحديث، كما يرجع إلى النحاة في النحو ويرجع إلى علماء اللغة في ما هو من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب، وغير ذلك فلكل علم رجال يعرفون به والعلماء بالحديث أجل هؤلاء وأعظم قدرًا وأعظمهم صدقًا وأعلاهم منزلة وأكثرهم دينًا". ا. هـ.
وقال أيضًا في موضع آخر: "لو تناظر فقيهان في مسألة من مسائل الفروع، ولم تقم
[ ٢٥٨ ]
الحجة على المناظر إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادًا تقوم به الحجة أو يصححه من يرجع إليه من ذلك، فإذا لم يعلم إسناده، ولا أثبته أئمة النقل فمن أين يعلم؟ ". ا. هـ.
وفي خلاصة الطيبي: "اعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم يجب تصديقه: وهو ما نص الأئمة على صحته، وقسم يجب تكذيبه: وهو ما نصوا على وضعه وقسم يجب التوقف فيه لاحتماله الصدق والكذب كسائر الأخبار الكثيرة فإنه لا يجوز أن يكون كله كذبًا؛ لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبًا، مع كثرة رواتها واختلافهم ولا أن تكون كلها صدقًا لأن النبي -ﷺ- قال: "سيكذب عليَّ بعدي". ا. هـ.
وفي مقدمة ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها عما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث، كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر بن خزيمة وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب أبي بكر الإسماعيلي وكتاب النسائي وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره، ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري ومسلم ككتاب أبي عوانة الإسفرايبني وكتاب أبي بكر وغيرهم". ا. هـ.
وفيه أيضًا: "إذا وجدنا فيما يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثًا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإننا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ما من إسناد إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف". ا. هـ.
[ ٢٥٩ ]
وقد اقتفى أثر ابن الصلاح في كل ما ذكره، من جاء بعده إلا في تعذر التصحيح في الأعصار المتأخرة فخالفه فيه جمع ممن لحقه، فقال العراقي في شرح ألفيته: "لما تقدم أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا إخراج الصحيح، فكأنه قيل فمن أين يعرف الصحيح الزائد على ما فيهما؟ فقال: خذه إذ ينص صحته -أي حيث ينص على صحته- إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي والخطابي في مصنفاتهم المعتمدة كذا قيده ابن الصلاح ولم أقيده، بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب، وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث فلذا لم يعتمد على صحة السند في غير تصنيف مشهور ويؤخذ الصحيح أيضًا من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي المسمى بالتقاسيم والأنواع وكتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم، وكذلك لم يوجد في المستخرجات على الصحيحين من زيادة، أو تتمة لمحذوف فهو محكوم بصحته". ا. هـ. ثم نقل بعد ذلك تعذر الحكم بالصحيح في هذه الأعصار عن ابن الصلاح. ا. هـ.
وقال ابن جماعة في مختصره بعد ما نقل عن ابن الصلاح التعذر: "قلت مع غلبة الظن إنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة؛ لشدة فحصهم واجتهادهم، فإن بلغ واحد في هذه الأعصار أهلية ذلك، والتمكن من معرفته احتمل استقلاله". ا. هـ.
وقال النووي في التقريب: "الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته". ا. هـ. وقال السيوطي: "قال العرافي: وهو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث، لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا؛ فمن المعاصرين لابن الصلاح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحب كتاب الوهم والإيهام صحح فيه حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك
[ ٢٦٠ ]
أخرجه البزار، وحديث أنس: "كان أصحاب رسول الله -ﷺ- ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة" أخرجه قاسم بن أصبغ. ومنهم الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع كتابا سماه: "المختارة" التزم فيه الصحة وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها: "وصحح الحافظ زكي الدين المنذري حديث يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهليه ذلك". ا. هـ.
ثم قال: "الحاصل أن ابن الصلاح سد باب التصحيح والتحسين والتضعيف على أهل هذه الأزمان لشفع أهليتهم، وإن لم يوافق على الأول ولا شك أن الحكم بالوضع أولى بالمنع مطلقًا إلا حيث لا تخفى كالأحاديث الطوال الركيكة، وإلا ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع، وأما الحكم للحديث بالتواتر والشهرة فلا يمتنع إذا وجدت الطرق المعتبرة". ا. هـ.
[ ٢٦١ ]
٨- الاهتمام بمطالعة كتب الحديث:
قال العارف الشعراني قدس سره في عهوده الكبرى: "أخذ عليها العهد العام من رسول الله -ﷺ- أن لا نمل من كثرة تعلمنا العلم والعمل به لكون شربنا من حوض نبينا -ﷺ- يكون بقدر تضلعنا من الشريعة، كما أن مشينا على الصراط يكون بحسب استقامتنا بالعمل بها، فالحوض علوم الشريعة والصراط أعمالها". ثم قال: "فاجتهد يا أخي في حفظ الشريعة ولا تغفل. وعليك بكتب الحديث فطالعها لتعرف منازع الأئمة وماذا استندوا إليه من الآيات والأحاديث والآثار ولا تقنع بكتب الفقه دون معرفة أدلتها". ا. هـ.
[ ٢٦١ ]
٩- ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة:
ذكر في ترجمة المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد
قرأت بحمد الله جامع مسلم بجوف دمشق السام جوف لإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جهبل بحضرة حفاظ مشاهير أعلام
وتم بتوفيق الإله وفضله قراءة ضبط في ثلاثة أيام
وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب، وهو يعارض بنسخته وفي تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النيسابوري الضرير ما نصه: "وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر" قال الذهبي: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه". ا. هـ.
وقال الحافظ السخاوي: "وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المجد اللغوي، فإنه قرأ صحيح البخاري في أريعين ساعة رملية، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات" ثم قال السخاوي: "وأسرع شيء وقع له -أي لابن حجر- أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر قال: وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو ألف حديث وخمسمائة حديث". ا. هـ.
[ ٢٦٢ ]
والعبد الضعيف، جامع هذا الكتاب، قد مَنَّ الله عليه بفضله فأسمع صحيح مسلم رواية ودراية في مجالس من أربعين يومًا آخرها في ٢٨ من شهر صفر الخير سنة "١٣١٦" وأسمع أيضًا سنن ابن ماجه كذلك في مجالس من إحدى وعشرين يومًا آخرها في ٢٢ من شهر ربيع الأول سنة "١٣١٦" وأسمع أيضًا الموطأ كذلك مجالس من تسعة عشر يومًا آخرها في ١٥ من شهر ربيع الآخر سنة "١٣١٦"، وطالعت بنفسي لنفسي: "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر مع تصحيح سهو القلم فيه وضبطه وتحشيته من نسخة مصححة جدًّا في مجالس من عشرة أيام آخرها في ١٨ من شهر ذي الحجة سنة "١٣١٥" أقول وهذه الكتب قرأتها بإثر بعضها فأجهدت نفسي وبصرى حتى رمدت بأثر ذلك شفاني الله بفضله وأشفقت من العود إلى مثل ذلك، وتبين أن الخيرة في الاعتدال نعم لا يُنكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه وهو أدري بها!
[ ٢٦٣ ]
١٠- قراءة البخاري لنازلة الوباء:
نقل القسطلاني رحمه الله تعالى، شارح البخاري، في مقدمة شرحه عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة، قال: "قال لي من العارفين، عمن لقيه من السادة المقر لهم: إن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت، ولا ركب به مركب فغرقت". ا. هـ.
وقد جرى على العمل بذلك كثير من رؤساء العلم ومقدمي الأعيان إذا ألم بالبلاد نازلة مهمة فيوزعون أجزاء الصحيح على العلماء والطلبة ويعينون للختام يومًا يفدون فيه لمثل الجامع الأموي أمام المقام اليحيوي في دمشق وفي غيرها، كما يراه مقدموها، وهذا العمل ورثه جيل عن جيل مذ انتشار ذاك القول وتحسين الظن بقائله، بل كان ينتدب بعض المقدمين إلى قراءته موزعًا ثم ختمه اجتماعًا لمرض، والي بلدة أو عظيم من عظمائها مجانًا أو بجائزة، بل قد يستأجر من يقرؤه لخلاص وجيه من سجن أو شفائه من مرض على النحو المتقدم اعتقادًا ببركة هذا الصحيح وتقليدًا لمن مضى ووقوفًا مع ما مر عليه
[ ٢٦٣ ]
قرون، وصقله العرف، وفي ذلك من تمكين الاعتقاد بصحيح البخاري والركون إليه، والحرص عليه، ما لا يخفى. ولم يكن يخطر لي أن يناقش أحد في هذا العمل، ويزيفة بمقالة رنانة تطبع وتنشر! نعم ربما يوجد من ينكر ذلك بقلبه، أو يشافه به خاصته، والله أعلم بالضمائر! ولغرابة تلك المقالة آثرت نقلها بحروفها؛ ليحيط الواقف علما بما وصلت إليه حرية الأفكار. وتلك المقالة قدمها أحد الفضلاء الأزهريين في جمادى الآخر سنة "١٣٢٠" لإحدي المجلات العلمية في مصر فنشرتها عنه، وهاكها بحروفها تحت عنوان:
بماذا دفع العلماء نازلة الوباء؟
دفعوها يوم الأحد الماضي في الجامع الأزهر، بقراءة متن البخاري موزعًا كراريس على العلماء، وكبار المرشحين للتدريس، في نحو ساعة، جريًا على عادتهم من إعداد هذا المتن أو السلاح الجبري؛ لكشف الخطوب، وتفريج الكروب فهو يقوم عندهم في الحرب مقام المدفع والصرام والأسل، وفي الحريق مقام المضخة والماء، وفي الهيضة مقام الحيطة الصحيحة وعقاقير الأطباء، وفي البيوت مقام الخفراء والشرطة وعلى كل حال هو مستنزل الرحمات، ومستقر البركات ولما كان العلماء أهل الذكر والله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ ١، فقد جئت أسألهم بلسان كثير من المسترشدين عن مأخذ هذا الدواء من كتاب الله، أو صحيح سنة رسول الله -ﷺ- أو رأي مستدل عليه لأحد المجتهدين الذين يقلدونهم، إن كانوا قد أتوا هذا العمل على أنه ديني، داخل في دائرة المأمور به. وإلا فعن أي حذاق الأطباء تلقوه ليتبين للناس منه أو من مؤلفاته عمل تلاوه متن البخاري في درء الهيضة عن الأمة، وأن هذا داخل في نواميس الفطرة أو خارج عنها خارق لها، وإذا كان هذا السر العجيب جاء من جهة أن المقروء حديث نبوي، فلم خص بهذه المزية مؤلف البخاري، ولِمَ لَمْ يجز في هذا موطأ مالك، وهو أعلى كعبًا وأعرق نسبًا وأغزر علمًا، ولا يزال مذهبه حيًّا مشهورًا، وإذا جروا على أن الأمر من وراء الأسباب فلم لا يقرؤه العلماء لدفع ألم الجوع كما يقرءونه لإزالة المغص أو
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٤٣.
[ ٢٦٤ ]
القيء أو الإسهال، حتى تذهب شحناء الجراية من صدور كثير من أهل العلم "أي من أهل جامع الأزهر" وعلى هذا القياس يقرأ لكل شيء، ما دامت العلاقة بين الشيء وسببه مفصومة فإن لم يستطيعوا عزو هذا الداء إلى نطاس الأطباء، سألت الملم منهم بالتاريخ أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة في الإسلام، وهل قرئ البخاري لدفع الوباء قبل هذه المرة، فإنا نعلم أنه قرئ للعرابيين في واقعة التل الكبير "أي في مصر" فلم يلبثوا أن فشلوا، ومزقوا شر ممزق، ونعلم أنه يقرأ في البيوت لتأمن الحريق والسرقة، ولكن بأجر ليس شيئًا مذكورًا في جانب أجر شركة التأمين المعروفة مع أن الناس يتسابقون إليها تسابقهم إلى شراء الدواء إذا نزل الداء، ويعدلون عن الوقاية التي نحن بصددها، وهي تكاد تتكون بالمجان ويجدون في نفوسهم اطمئنانا لذلك دون هذه فإن لم يجد العلماء عن هذه المسألة إجابة شافية خشيت -كما يخشى العقلاء حملة الأقلام- عليهم حملة تسقط الثقة بهم، حتى من نفس العامة وحينئذ تقع الفوضى الدينية المتوقعة من ضعف الثقة، واتهام العلماء بالتقصير وكون أعمالهم حجة على الدين، هذا وقد لهج الناس بآراء على أثر الاجتماع الهيضي الأزهري، فمن قائل: إن العلماء المتأخرين من عادتهم أن يهربوا في مثل هذه النوازل من الأخذ بالأسباب، والاصطبار على تحملها لمشقتها الشديدة، ويلجئون إلى ما وراء الأسباب من خوارق العادات لسهولته ولإيهام العامة أنهم مرتبطون بعالم أرقى من هذا العالم المعروف النظام فيكسبون الراحة والاحترام معًا فيظهرون على الأمة ظهور إجلال، ويمتكلون قلوبهم ويسيطرون على أروحهم ولهذا تمكثوا حتى فترت شرة الوباء فقرءوا تميمتهم، ليوهموا أن الخطر إنما زال ببركة تميمتهم، وطالع يمنهم ومن قائل: إنهم يخدعون أنفسهم بمثل هذه الأعمال بدليل أن من يصاب منهم لا يعالج مرضه بقراءة كراسة من ذلك الكتاب، بل يعمد إلى المجربات من النعنع والخل وماء البصل وما شابه أو يلجأ إلى الطبيب لا تلتفت نفسه إلى الكراسة التي يعالج بها الأمة فهذا يدل على أن القوم يعملون على خلاف ما في وجدانهم لهذه الأمة خادعين أنفسهم بتسليم أعمل سلفهم، ومن قائل: إن عدوا من أعداء الدين الإسلامي أراد أن يشكك المسلمين فيه فدخل عليهم من جهة تعظيمه
[ ٢٦٥ ]
فأوحى إلى قوم من متعالمية السابقين أن يعظموا من شأنه ويرفعوا من قدره حتى يجعلوه فوق ما جاءت له الأديان فيدعون كشف نوائب الأيام بتلاوة أحاديث خير الأيام ويروجون ما يقولون بأنه جرب، وأن من شك فيه فقد طعن في مقام النبوة حتى إذا رسخت هذه العقيدة في الناس وصارت ملكة دينية راسخة عند العوام وجربوها فلم تفلح وقعوا -والعياذ بالله- في الشك وأصابهم دوار الحيرة كما حصل ذلك على أثر واقعة التل الكبير من كثير من الذين لم يتذوقوا الدين من المسلمين حتى كانوا يسألون عن قوة: "البخاري" الحربية ونسبته إلى البوارج ساخرين منه ومن قارئة، ولولا وقوف أهل الفكر منهم على أن هذا العمل ليس من الدين وأن القرآن يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ١ لضلوا وأضلوا وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على الخوض في الدين الإسلامي وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول قوم: إن التقليد بلغ بالعلماء مبلغًا حرم على العقول النظر في علم السلف وإن كذبته العينان وخالف الحسن والوجدان ويقول آخرون -ممن لا خبرة لهم بهمة العلماء في مثل هذه الكوارث- أما كان ينبغي لهم أن ينبثوا في المساجد والأبدية والولائم حاثين الناس على الوقاية من العدوى معاضدين الحكومة في تسكين سورة الأهلين مفاوضين الصحة في فتح المساجد وتعهدها بالنظافة فإن هذا يرتبط بهم أكثر مما يرتبط بوفد أعيان القاهرة جزاه الله خير الجزاء، فإن أعوزهم البيان وخلب القلوب بذلاقة اللسان فلا أقل من أن يؤلفوا رسالة في فهم ما ورد متشابهًا في موضوع العدوى حتى يعلم الناس أن الوقاية من الداء مأمور بها شرعًا وعقلًا وسياسة، فيكون كل فرد عارف عضدًا للحكومة ولو طلبوا من الصحة طبع ما ألفوا وتوزيعه على المصالح والنواحي للبت ذلك شاكرة وكان لهم الأثر النافع.
"وهذا ما يقوله القوم في شأن علمائهم نرفعه إليهم ليكونوا على بينه منه؛ لأنهم لا يختلطون بالناس غالبًا إلا في الولائم والمآتم وإن اختلطوا فقلما يناقشونهم في شيء تحرزًا
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: ٦١.
[ ٢٦٦ ]
من حديثهم في المناقشة، ورميهم مناظرهم بأول وهلة بالزيغ والزندقة؛ فلذلك يجاملونهم ويوافقونهم خشية الهجر والمعاندة. أما أنا فإني لا أزال ألح في طلب الجواب الشافي عن أصل دفع الوباء بقراءة الحديث، وعن منح متن البخاري مزية لم يمنحها كتاب الله الذي نعتقد أنه متعبد بتلاوته دون الحديث؛ ولو كان هذا العمل من غير العلماء الرسميين لضربت عنهم وعن عملهم صفحًا، ولما خططت كلمة، ولكنه من علماء لهم مراكز رسمية، يزاحمون بها مراكز الأمراء، فيجب أن يؤبه لهم، وأن ينظر لعملهم بإزاء مركزهم عن الأمة التي يسألون عنها، والله ولي التوفيق".
هذا ما رأيته، أثبته بحروفه، وقد وقع منشئها بإمضاء "متنصح"، ولو عرفنا اسمه لنسبناه إليه أداء للأمانة إلى أهلها.
ثم رأيت العلامة عصام الدين الطاشكبري الحنفي ذكر في رسالة "الشفاء، لأدواء الوباء" في المطلب السادس نقلًا عن السيوطي أن الدعاء يرفع الطاعون والاجتماع له بدعة، قال: "لأنه وقع في أيام عمر بن الخطاب -﵁، والصحابة يومئذ متوافرون وأكابرهم موجودون، فلم ينقل عن أحد منهم أنه فعل شيئًا من ذلك، ولا أمر به.
وكذا في القرن الثاني، وفيه خيار التابعين وأتباعهم؛ وكذا في القرن الثالث والرابع. وإنما حدث الدعاء برفعه في الزمن الأخير، وذلك في سنة ٧٤٩".
[ ٢٦٧ ]