١- بيان أقسام ما دون في علم الحديث:
قال الإمام ولي الله الدهلوي، قدس سره في الحجة البالغة ما نصه١، "اعلم أن ما رُوي عن النبي -ﷺ- ودون في كتب الحديث على قسمين:
"أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ منه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي٢ ومنه شرائع وضبط للعبادات، والارتفاقات، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده -ﷺ- بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطإ، وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطًا من المنصوص، كما يظن، بل أكثره أن يكون علمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون التشريع والتيسير والأحكام؛ فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون. ومنه٣ حكم مرسلة ومصالح مطلقة، لم يُوقتها، ولم يبيح حدودها، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها، ومستندها غالبًا الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة وجعل فيها كلية. ومنه فضائل الأعمال، ومناقب العمال؛ وأرى أن بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها إلى الاجتهاد، وهذا القسم هو الذي نقصد شرحه وبيان معانيه.
_________________
(١) ١ ص١٠٢. ٢ أي ليس للاجتهاد فيها دخل. ا. هـ. دهلوي. ٣ أي مما سبيله تبليغ الرسالة. ا. هـ. دهلوى.
[ ٢٦٩ ]
وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم١: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أن بشر" وقوله -ﷺ- في قصة تأبير النخل١: "فإني إنما ظننت ظنًّا، ولا تُؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لم أكذب على الله". فمنه الطب ومنه باب قوله -ﷺ: "عليكم بالأدهم والأقرح" ومستنده التجربة، ومنه ما فعله النبي -ﷺ- على سبيل العادة، دون العبادة، وبحسب الاتفاق، دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكر قومه، كحديث أم زرع٢، وحديث خرافة٣، وهو قول زيد بن ثابت، حيث دخل عليه نفر، فقالوا: حدثنا رسول الله -ﷺ- قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي، بعث إليَّ فكتبته له، فكنا إذا ذكرنا الدنيا، ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وكل هذا أحدثكم عن رسول الله -ﷺ- ومه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار، وهو قول عمر -﵁: "ما لنا وللرمل، كما نتراءى به قومًا قد أهلكهم الله! " ثم خشي أن يكون له سبب آخر، وقد حمل كثير من الأحكام عليه كقوله -صلى الله عليه وسلم٤: "من قتل قتيلًا فله سلبه" ومنه حكم وقضاء خاص، وإنما كان يتبع فيه البينات والأيمان، وهو قوله -ﷺ- لعلي رضي الله عنه٥: "الشاهد يرى ما لا يراه الغائب". ا. هـ.
_________________
(١) ١ روى مسلم هذه القصة من حديث موسى بن طلحة عن أبية، ورافع بن خديج، وعائشة، وأنس "رض"، وأما قوله -ﷺ: "إنما أن بشر " فهو من تمام القصة في رواية رافع. ٢ هي من الأزواج الإحدى عشرة اللاتي اجتمعن في الجاهلية، فتعاهدن لتخبرن كل امرأة بما في زوجها ولا تكذب، والرواية في الصحيحين من حديث عائشة "رض". ٣ هو عند أحمد في مسنده من حديث عائشة "رض". ٤ أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة. ٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
[ ٢٧٠ ]
٢- بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي ﷺ:
قال ولي الله قدس سره أيضًا في الحجة البالغة١: واعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين:
أحدهما تلقي الظاهر، ولا بد أن يكون ما ينقل إما متواترًا أو غير متواتر؛ والمتواتر منه المتواتر لفظًا كالقرآن العظيم، وكنبذ يسيره من الأحاديث منها قوله -صلى الله عليه وسلم٢: "إنكم سترون ربكم"، ومنه المتواتر معنى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وغير المتواتر أعلى درجاته المستفيض وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدًا ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة، وهذا قسم كثير الوجود وعليه بناء رءوس الفقه ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنه حفاظ المحدثين وكبرائهم ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض، ولم يقبلها آخرون فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح وجب اتباعه.
وثانيهما: التلقي دلالة وهي أن يرى الصحابة رسول الله -ﷺ- يقول أو يفعل، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره، فأخبروا بذلك الحكم فقالوا: الشيء الفلاني واجب وذلك الآخر جائز ثم تلقي التابعون من الصحابة كذلك فدون الطبقة الثالثة فتاواهم وقضاياهم، وأحكموا الأمر وأكابر هذا الوجه٣ عم وعلي وابن مسعود وابن عباس -﵃، لكن كان من سيرة عمر "رض" أنه كان يشاور الصحابة، ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج فصار غالب قضاياه، وفتاواه متبعة في مشارق الأرض، ومغاربها، وهو قول إبراهيم لما مات عمر -﵁: "ذهب تسعة أعشار العلم" وقول ابن مسعود -﵁- كان عمر إذا سلك طريقا، وجدناه سهلًا وكان علي -﵁- لا يشاور
_________________
(١) ١ ص١٠٤، "ذ. س". ٢ أخرجه البخاري من حديث جرير بن عبد الله البجلي. ٣ أي التلقي دلالة. ا. هـ. دهلوى.
[ ٢٧١ ]
غالبًا، وكان أغلب قضاياه بالكوفة ولم يحملها عنه الناس وكان ابن مسعود -﵁- بالكوفة، فلم يحمل عنه غالبًا إلا أهل تلك الناحية، وكان ابن عباس -﵄- اجتهد بعد عصر الأولين، فناقضهم في كثير من الأحكام واتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة، ولم يأخذ بما تفرد به جمهورًا أهل الإسلام. وأما غير هؤلاء الأربعة فلم يكن لهم قول عند تعارض الأخبار، وتقابل الدلائل إلا قليلًا، كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت -﵃- وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة، لا سيما ابن المسيب بالمدينة، وبمكة عطاء بن بأبي رباح، وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي، وبالبصرة الحسن، وفي كل من الطريقتين خلل، إنما ينجبر بالأخرى، ولا غنى لإحداهما عن صاحبتهما أما الأولى فمن خللها ما يدخل الرواية بالمعنى، من التبديل ولا يؤمن من تغيير المغنى وونه ما كان الأمر في واقعة خاصة، فظن الرواي وجوبًا أو حرمة، وليس الأمر على ذلك، فمن كان فقيهًا وحضر الواقعة، استنبط من القرا حقيقة الحال كقول زيد -﵁- في النهي عن المزارعة، وعن بيع الثماء قبل أن يبدو صلاحها إن ذلك كان كالمشهورة، وأما الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة والتابعين، واستنباطهم من الكتاب والسنة، وليس الاجتهاد مصيبًا في جميع الأحوال، وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث، أو بلغه بوجه لا ينتهض بمثلة الحجة، فلم يعمل به، ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود -﵄- في التيمم عن الجنابة. وكثيرًا ما كان اتفاق رءوس الصحابة -﵃- على شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق وهو قوله -صلى الله عليه وسلم١: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وليس من أصول الشرع، فمن كان متبحرًا في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر له التقصي عن مزال الأقدام، ولما كان الأمر كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعًا من كلا المشربين، ومتبحرًا في كلا المذهبين، وكان أحسن شعائر الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة العلم، وتطابق فيه الطريقتان جميعًا. ا. هـ.
_________________
(١) ١ راجع تخريج هذا الحديث في ص٤٣ من هذا الكتاب.
[ ٢٧٢ ]
٣- بيان أن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها:
قال الله تعالى١: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى٢: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ . وقال تعالى٣: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال تعالى٤: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وقال تعالى٥: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . وقال تعالى٦: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . قال العلماء معناه إلى الكتاب والسنة وقال تعالى٧: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٨: وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى٩: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وقال تعالى١٠: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ..
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: ٧. ٢ سورة النجم، الآية: ٣. ٣ سورة آل عمران، الآية: ٣١. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٢١. ٥ سورة النساء، الآية: ٦٤. ٦ سورة النساء، الآية: ٥٨. ٧ سورة النساء، الآية: ٧٩. ٨ سورة الشورى، الآية: ٥٢. ٩ سورة النور، الآية: ٦٣. ١٠ سورة الأحزاب، الآية: ٣٤.
[ ٢٧٣ ]
والآيات في ذلك كثيرة، وقد ساقها مع عدة أحاديث في معناها الإمام النووي قدس الله سره في باب المر بالمحافظة على السنة وآدابها من: "رياض الصالحين" فارجع إليه١.
وقد روى البيهقي عن الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -ﷺ- فقولوا بسنة رسول الله -ﷺ- ودعوا ما قلت. فهذا مذهبه في اتباع السنة. وأخرج البيهقي أيضًا عن الشافعي قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله -ﷺ- فهو ثابت عن رسول الله -ﷺ- ولا يترك لرسول الله -ﷺ- حديث أبدًا إلا حديث وجد عن رسول الله -ﷺ- حديث يخلفه، وقال الشافعي: إذا كان الحديث عن رسول الله -ﷺ- لا مخالف له عنه، وكان يروي عمن دون رسول الله -ﷺ- حديث يوافقه لم يزده قوة، وحديث النبي مستغن بنفسه وإن كان يروي عمن دون رسول الله -ﷺ- حديث يخلفه لم يلتفت إلى ما خالفه، وحديث رسول الله -ﷺ- أولى أن يؤخذ به، ولو علم من روي عنه خلاف سنة رسول الله -ﷺ- اتبعها إن شاء الله تعالى.
وأخرج البيهقي أيضًا عن الربيع قال: قال الشافعي في أقاويل أصحاب رسول الله -ﷺ: إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة والإجماع أو كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة، ولا خلاف صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا، ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس.
وأخرج أيضًا عن الربيع قال: قال الشافعي: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعها مقطوع إلا باتباعهما فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب النبي -ﷺ- أو واحدهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان -﵃، إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف
_________________
(١) ١ ص٢٢، المطبعة الميرية، مكة ١٣١٢.
[ ٢٧٤ ]
من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي منه الدلالة لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس، ومن لزم قول الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل والنفر، وقد يأخذ بفتياه أو يدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا تعني العامة بما قالوا اعتناءهم بما قال الإمام، وقد وجدنا الأئمة يبتدئون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون أن يرجعوا لتقواهم الله، وفضلهم في حالاتهم فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله -ﷺ- في الدين في وضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم قال والعلم طبقات الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي -ﷺ- ولا يعلم له مخالف منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي -ﷺ، والخامسة: القياس على هذه الطبقات، ولا يصار إلى شيء غير الكتاب، والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم من أعلى وذكر الشافعي في كتاب الرسالة القديمة بعد ذكر الصحابة والثناء عليهم بما هم أهله قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم أو استنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله تعالى أعلم ومن أدركنا ممن أراضي أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله -ﷺ- فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا هكذا نقول إذا اجتمعوا أخذنا بإجماعهم، وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله، وإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج من أقاويلهم كلهم قال الشافعي: إذا قال الرجلان منهم في شيء قولين مختلفين نظرت فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله تعالى أو أشبه بسنه من سنن رسول الله -ﷺ- أخذت به لأن معه شيئًا يقوى بمثله ليس مع الذي يخالف مثله فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان -﵃، أرجح عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام، وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب وقال: وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي -﵃- أرجج عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب، وقال: وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي -﵃- أحب
[ ٢٧٥ ]
إلى أن أقول به، من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكام. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فإن اختلف الحكام استدللنا بالكتاب والسنة في اختلافهم، فصرنا إلى قول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة وقلما يخلو اختلافهم من دلائل كتاب أو سنة، وإن اختلف المفتون -يعني من الصحابة بعد الأئمة- بلا دلالة فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر فإن تكافأ نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله إجماعًا في شيء لا يختلفون فيه تبعناه، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه -ﷺ- ثم قول بعض الصحابة ثم إجماع الفقهاء فإذا نزلت نازلة لم يجد فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار فليس السبيل في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي.
وقال شمس الدين ابن القيم في إعلام الموقعين: "قال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان قال الشافعي: أنا أعطيك جملة تغنيك إن شاء الله تعالى: لا تدع لرسول الله -ﷺ- حديثًا أبدًا إلا أن يأتي عن رسول الله -ﷺ- حديث خلافه فتعمل بما قررت لك في الأحاديث إذا اختلف، وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة محمد رسول الله -ﷺ- خلاف قولي فإني أقول به قال أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة فيها صح الخبر عن رسول الله -ﷺ- عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي وقال حرملة بن يحيى قال الشافعي: ما قلت وكان النبي -ﷺ- قد قال بخلاف قولي فما صح من حديث النبي -ﷺ- أولى ولا تقلدوني وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي -ﷺ- كذا وكذا فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: أرأيت في وسطي زنارًا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي -ﷺ- وتقول لي: أتقول بهذا؟! أروي عن النبي -ﷺ- ولا أقول به؟
[ ٢٧٦ ]
وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدًا نسبته إلى العلم أو نسبته العامة إلى علم أو نسب نفسه إلى علم يحكي خلافًا في أن فرض الله تعالى اتباع أمر رسول الله -ﷺ- والتسليم لحكمه فإن الله تعالى لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله تعالى أو سنة رسول الله -ﷺ- وإن ما سواهما تبع لهما، وإن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا قبول الخبر عن رسول الله -ﷺ- إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى. قال الشافعي: ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله -ﷺ- تفرقا متباينًا، وتفرق منهم ممن نسبه العامة إلى الفقه فامتنع بعضهم عن التحقيق من النظر وآثروا التقليد والغفلة والاستعجال بالرئاسة، وقال الإمام أحمد: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث فقولوا لي كي أذهب إليه، وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله، قال الربيع: قال الشافعي: لا تترك الحديث عن رسول الله -ﷺ- فإنه لا يدخله القياس ولا موضع له من السنة، قال الربيع: وقد روى عن رسول الله -ﷺ- بأبي هو وأمي، أنه قضى١ في بروع بنت واشق ونُكحت بغير مهر فمات زوجها فقضى لها بمهر مثلها وقضى لها بالميراث، فإن كان لم يثبت عن النبي فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي -ﷺ- ولا في القياس ولا شيء إلا طاعة الله تعالى بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي -ﷺ- لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ولم أحفظه من وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجعي لا يسمى، قال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك في السجود قلت له: فما الحجة في ذلك قال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ- مثل قولنا قال الربيع: فقلت فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود قال
_________________
(١) ١ أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وصححه الترمذي.
[ ٢٧٧ ]
الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر، كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما قال الشافعي -وهو يعني مالكًا- يروي عن النبي أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ثم خالفتم رسول الله -ﷺ- وابن عمر فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة، وقد رويتم أنهما رفعا في الابتداء، وعند الرفع من الركوع أفيجوز لعالم أن يترك فعل النبي -ﷺ- وابن عمر لرأي نفسه أو فعل النبي -ﷺ- لرأي ابن عمر ثم القياس على قول ابن عمر ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي -ﷺ- فكيف لم ينته بعض هذا عن بعض أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي -ﷺ- أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاث أو عن ابن عمر فيه اثنتين، ويأخذ بواحدة أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به، وأخذ الذي ترك أو يجوز لغيره ما روى عن النبي -ﷺ- فقلت له: إن صاحبنا قال فما معنى الرفع قال: معناه تعظيم الله، واتباع لسنة النبي ومعنى الرفع في الأدلة معنى الرفع الذي خالقتم فيه النبي عند الركوع، وعد رفع الرأس ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي -ﷺ- وابن عمر معًا ويروي ذلك عن النبي -ﷺ- ثلاثة عشر رجلًا، ويروى عن أصحاب النبي من غير وجه، ومن تركه فقد ترك السنة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه تارك للسنة؛ ونص أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام أو بعد رمي الجمرة والحلق وقبل الإفاضة، فقال: جائز أخبه ولا أكرهه لثبوت السنة فيه عن النبي -ﷺ- ولإخبار غير واحد من الصحابة فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار، والآثار ثم قال: حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر: من رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب. قال سالم وقالت عائشة: طيبت
[ ٢٧٨ ]
رسول الله -ﷺ- لحله قبل أن يطوف بالبيت. وسنة رسول الله -ﷺ- أحق أن تتبع.
قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها، وترك ذلك الغير لرأي أنفسهم، فالعلم إذن إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم.
وقال في كتاب القديم: رواية الزعفراني في مسألة بيع المدين في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له من تبع سنة رسول الله -ﷺ- وافقته، ومن غلط فتركها خالفته صاحبي الذي لا أفارقه اللازم الثابت مع رسول الله -ﷺ- وإن بعد، والذي أفارقه من لم يقل بحديث رسول الله -ﷺ- وإن قرب. ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة الميزان: "روى الحاكم، والبيهقي عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. قال ابن حزم: أي صح عنده أو عند غيره من الأئمة. وفي رواية أخرى: إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول الله -ﷺ- فاعملوا بكلام رسول الله -ﷺ- واضربوا بكلامي عرض الحائط. وقال مرة للربيع: يا أبا إسحاق! لا تقلدني في كل ما أقول وانظر في ذلك لنفسك، فإنه دين. وكان -﵁- إذا توقف في حديث يقول: لو صح ذلك لقلنا به، وروى البيهقي عنه ذلك في باب حديث المستحاضة تغسل عنها أثر الدم وتصلي ثم تتوضأ لكل صلاة وقال: لو صح هذا الحديث لقلنا به، وكان أحب إلينا من القياس على سنة محمد في الوضوء مما خرج من قبل أو دبر. ا. هـ. وكان يقول إذا ثبت عن النبي -ﷺ- بأبي هو وأمي شيء لم يحل لنا تركه.
وقال في باب: "سهم البراذين": "لو كنا نثبت مثل هذا الحديث ما خالفناه؛ وفي رواية أخرى: لو كنا ثبت مثل هذا عن النبي -ﷺ- لأخذنا به فإنه أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله -ﷺ- وإن كثروا ولا في قياس ولا شيء إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم له. ذكره البيهقي في سننه في باب: "أحد الزوجين يموت ولم يفرض صداقًا" وروى عنه أيضًا في باب السير أنه كان يقول: إن كان هذا الحديث
[ ٢٧٩ ]
يثبت فلا حجة لأحد معه. وكان -﵁- يقول: رسول الله -ﷺ- أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به. وقال الشافعي في باب الصيد من الأم: "كل شيء خالف أمر رسول الله -ﷺ- سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله -ﷺ- فليس لأحد معه أمر، ولا نهى غير ما أمر هو به، وقال في باب: "المعلم يأكل من الصيد": وإذا ثبت الخبر عن رسول الله -ﷺ- لم يحل تركه أبدًا وقال في باب العتق من الأم: "وليس في قول أحد وإن كانوا عددًا مع النبي حجة".
قال الشعراني: "هذا ما اطلعت عليه من المواضع التي نقلت عن الإمام الشافعي في تبرئة من الرأي، وأدبه مع رسول الله -ﷺ- بل روينا عنه أنه كان يتأدب مع أقوال الصحابة والتابعين فضلًا عن كلام سيد المرسلين فنقل ابن الصلاح في علوم الحديث أن الشافعي قال في رسالته القديمة بعد أن أثنى على الصحابة بما هم أهله والصحابة -﵃- فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وفي كل أمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد وأولى من رأينا عندنا لأنفسنا". ا. هـ.
قال الشيخ الأكبر قدس الله سره في فتوحاته المكية، في فصل صلاة الكسوف: "فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي في غيبة المكسوف، فلا وزر عليه وهو مأجور وإن ظهر له النص، وتركه لرأية أو لقياسه فلا عذر له عند الله، وهو مأثور وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند علماء هذا الشأن، وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين لمن قالوا لهم لا تقلدونا، واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لكلامنا فإن الحديث مذهبنا، وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل، وما يلزمنا غير ذلك، ولكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا، وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهدين، ولهذا كان يقول مالك إذا سئل في نازلة هل وقعت فإن قيل لا يقول لا أفتي وإن قيل نعم أفتى بذلك الوقت بما أعطاه دليله فأبت المقلدة من الفقهاء أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث عن أمر إمامها، وقلدته في الحكم مع وجود المعارض، فعصت الله في قوله: "وما آتاكم الرسول فخذوه" وعصت الرسول في قوله: "فاتبعون" وعصت إمامها في قوله: "خذوا بالحديث إذا بلغكم، واضربوا بكلامي الحائط". فهؤلاء الفقهاء في كسوف دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة فيتبرأ منهم الله ورسوله، والأئمة فانظر مع من يحشر مثل هؤلاء" انتهى كلام الشيخ الأكبر قدس سره بحروفه.
[ ٢٨٠ ]
٤- العمل بالحديث بحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم:
قال علم الدين الفلاني في: "إيقاط الهمم": "قال بعض أهل التحقيق: الواجب على من له أدنى دراية بالكتاب وتفسيره، والحديث وفنونه، أن يتتبع كل التتبع، ويميز الصحيح عن الضعيف، والقوى عن غيره فيتبع ويعمل بما ثبتت صحته، وكثرت رواته، وإن كان الذي قلده على خلافه ولا يخفى أن الانتقال من مذهب إلى مذهب ما كان معلومًا في الصدر الأول، وقد انتقل كبار العلماء من مذهب إلى مذهب، وهكذا كان ما كان من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ينتقلون من قول إلى قول، والحاصل أن العمل بالحديث يحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم من المصلحة الدينية هو المذهب عند الكل وهذا الإمام الهمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان يفتي، ويقول: هذا ما قدرنا عليه في العلم فمن وجد أوضح منه فهو أولى بالصواب "كذا في تنبيه المغترين" وعنه أنه قال: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو القياس الجلي في المسألة". ا. هـ.
[ ٢٨١ ]
٥- لزوم الإفتاء بلفظ النص مهما أمكن:
قال الفلاني ﵀ في: "إيقاظ الهمم": قال ابن القيم ﵀: "ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان. وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على مناهجهم يتحرون ذلك غاية التحري" ثم قال:
"فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون، كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا" ثم قال: "قد كان أصحاب رسول الله -ﷺ- إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله تعالى كذا قال رسول الله -ﷺ- كذا وفعل كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور".
[ ٢٨٢ ]
٦- حرمة الإفتاء بضد لفظ النص:
قال العلامة الفلاني قدس الله سره في: "إيقاظ الهمم" في أواخره: "يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه، ومثاله أن يسأل عن رجل صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس فهل يتم صلاته أم لا فيقول لا يتمها ورسول الله -ﷺ- يقول: "فليتم صلاته" ١، ومثل أن يسأل عن رجل مات وعليه صيام هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليه، وصاحب الشرع يقول: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"٢ ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه هل هو أحق به؟ فيقول: ليس هو أحق به، وصاحب الشرع يقول٣: "هو أحق به" أن يسأل ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ناب: هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام؛ ورسول الله -ﷺ- يقول: "أكل كل ذي ناب من السباع حرم" ٤ ومثل أن يسأل عن رجل له شريك في أرض، أو دار أو بستان هل له أن يبيع حصته قبل إعلام الشريك بالبيع
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، وأحمد في مواضع من مسنده. ٢ أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وأحمد في مسنده. ٣ أخرجه الشيخان وأصحاب السن وأحمد في مسنده. ٤ رواه الجماعة من حديث أبي ثعلبة الخشني.
[ ٢٨٢ ]
وعرضها عليه؟ فيقول: نعم يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع، وصاحب الشرع يقول: "من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه"١، ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر فيقول نعم: "يقتل المسلم بالكافر، وصاحب الشرع يقول: "لا يقتل المسلم بالكافر" ٢، ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى فيقول ليست العصر، وصاحب الشرع يقول: "هي صلاة العصر"٣ ومثل أن يسأل عن رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه هل مشروع في الصلاة أو ليس بمشروع فيقول ليس بمشروع أو مكروه، وربما غلا بعضهم فقال: إن صلاته باطلة، وقد روى بضعه وعشرون نفسًا عن النبي -ﷺ٤ أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح والركوع والرفع منه بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، ومثل أن يسأل عن إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغمام فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يومًا، وقد قال رسول الله -ﷺ: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ٥ وأمثلته كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية وقد أنهاها ابن القيم إلى مائة وخسمين مثالًا". ا. هـ.
_________________
(١) ١ لم أر هذا الحديث. ٢ أخرجه الجماعة إلا مسلمًا من حديث أبي جحيفة. ٣ تفسير الصلاة الوسطى بصلاة العصر: هو عند مسلم وأحمد وأبي داود ولفظه: "هي صلاة العصر" في مسند أحمد. ٤ أحاديث رفع اليدين في الصلاة مشهورة في الصحيحين والسنن. ٥ الحديث مروي في الصحيحين بألفاظ مختلفة.
[ ٢٨٣ ]
٧- رد ما خالف النص أو الإجماع:
قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى في فروقه في الفرق الثامن والسبعين:
تنبيه: كل شيء أفتى فيه المجتهد فوقعت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلدة أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد نقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام، وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به، بل مثابا عليه؛ لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به، وقد قال ﵊: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران". فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، لكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا من مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح عدم المعارض لذلك، وباعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهذا أمر لازم وكذلك كان السلف رضوان الله عليه يتوقفون في الفتوى توقفًا شديدًا، وقال مالك: "لا ينبغي للعامل أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك". ا. هـ.
[ ٢٨٤ ]
٨- تشنيع المتقدمين على من يقول العمل على الفقه لا على الحديث:
قال العلامة الفلاني في "إيقاظ الهمم": "قال عبد الحق الدهلوي في شرح الصراط المستقيم إن التحقيق في قولهم: إن الصوفي لا مذهب له أنه يختار من روايات مذهبة الذي التزمه للعمل عليه ما يكون أحوط، أو يوافق حديثا صحيحا وإن لم يكن ظاهر روايات ذلك المذهب ومشهورها نقل عنه أنه قال في الشرح المذكور: "إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا، مخالفا لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه فيه اختلاف فعند المتقدمين له ذلك قالوا لأن المتبوع والمقتدى به هو النبي، ومن سواه فهو تابع له فبعد أن علم وصح قوله فالمتابعة لغيره غير معقولة، وهذه طريقة المتقدمين". ا. هـ.
وفي الظهيرية: "ومن فعل مجتهدًا أو تقلد بمجتهد فلا عار عليه ولا شناعة ولا إنكار". ا. هـ.
وأما الذي لم يكن من أهل الاجتهاد، فانتقل من قول إلى قول من غير دليل، لكن
[ ٢٨٤ ]
لما يرغب من عرض الدنيا وشهواتها فهو المذموم الآثم "كذا في الجمادى" وأما "ما" يورد على الألسنة من أن العمل على الفقه لا على الحديث، فتفوه لا معنى له، إذ من البين أن مبنى الفقه ليس إلا الكتاب والسنة، وأما الإجماع والقياس فكل واحد منهما يرجع إلى كل من الكتاب والسنة فما معنى إثبات العمل على الفقه ونفي العمل عن الحديث فإن العمل بالفقه عين العمل بالحديث كما عرفت، وغاية ما يمكن في توجيهه أن يقال إن ذلك حكم مخصوص بشخص مخصوص، وهو من ليس من أهل الخصوص بل من العوام الذين هم كالهوام لا يفهمون معنى الحديث ومراده ولا يميزون بين صحيحه وضعيفه ومقدمه ومؤخره ومجملة ومفسره وموضوعه وغير ذلك من أقسامه، بل كل ما يورد عليهم بعنوان قال رسول الله -ﷺ- فهم يعتمدون عليه، وستندون إليه من غير تمييز ومعرفة بأن قائل ذلك من نحو المحدثين أم من غيرهم، وعلى تقدير كونه من المحدثين أعدل وثقة أم لا وإن كان جيد الحفظ أو سيئه أو غير ذلك من فنونه فإن ورد على العامي حديث ويقال له إنه يعمل على الحديث فربما يكون ذلك الحديث موضوعًا ويعمل عليه لعدم التمييز، وربما يكون ذلك الحديث ضعيفًا والحديث الصحيح على خلافه فيعمل على ذلك الحديث الضعيف ويترك الحديث الصحيح، وعلى هذا القياس في كل أحواله يغلط أو يخلط فيقال لأمثاله إنه يعمل بما جاء عن الفقيه لا يعمل بمجرد سماع الحديث لعدم ضبطه إنه يعمل بما جاء من فقيه، وإن كانت الأحاديث الواردة فيه على خلاف ذلك لأن العمل على الفقه لا على الحديث هذا ثم مع هذا لا يخفى ما في هذا اللفظ من سوء الأدب والشناعة والبشاعة فإن التفوه بنفي العمل على الحديث على الإطلاق مما لا يصدر من عاقل فضلًا عن فاضل، ولو قيل بالتوجيه الذي ذكرناه أن العمل بالفقه لا على الحديث لقال قائل بعين ذلك التوجيه إن العمل على الفقه لا على الكتاب فإن العامي لا يفهم شيئًا من الكتاب، ولا يميز بين محكمة ومتشابهة وناسخه ومنسوخه ومفسره ومجملة وعامه وخاصة وغير ذلك من أقسامه، فصح أن يقال إن العمل على الفقه لا على الكتاب والحديث وفساده، أظهر من أن يظهر وشناعته
[ ٢٨٥ ]
أجلى من أن تُستر؛ بل لا يليق بحال المسلم المميز أن يصدر عنه أمثال هذه الكلمات على ما لا يخفى على ذوي الفطانة والدراية، وإذا تحققت ما تلونا عليك عرفت أنه لو لم يكن نص من الإمام على المرام لكان من المتعين على أتباعه من العلماء الكرام، فضلًا عن العوام أن يعملوا بما صح عن سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومن أنصف ولم يتعسف عرف أن سبيل أهل التدين من السلف والخلف، ومن عدل عن ذلك فهو هالك يوصف بالجاهل المعاند المكابر، ولو كان الناس من الأكابر وأنشدوا في هذا المعنى شعرًا.
أهل الحديث همو أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
أماتنا الله سبحانه على محبة المحدثين وأتباعهم من الأئمة المجتهدين، وحشرنا مع العلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه: "أقول: الواجب على كل مقلد من طريق الإنصاف أن لا يعمل برخصه قال بها إمام مذهبه، إلا إن كان من أهلها، وأنه يجب عليه العمل بالعزيمة التي قال بها غير إمامه حيث قدر عليها لأن الحكم راجع إلى كلام الشارع بالأصالة لا إلى كلام غيره لا سيما إن كان دليل الغير أقوى خلاف ما عليه بعض المقلدين حتى إنه قال لي: لو وجدت حديثًا في البخاري ومسلم لم يأخذ به إمامي لا أعمل به، وذلك جهل منه بالشريعة وأول من يتبرأ منه إمامه، وكان الواجب عليه حمل إمامه على أنه لم يظفر بذلك الحديث أو لم يصح عنده". ا. هـ.
[ ٢٨٦ ]
٩- رد الإمام السندي الحنفي ﵀ على من يقول ليس لمثلنا أن يفهم الحديث:
قال علم الدين الفلاني رحمه الله تعالى في: "إيقاظ الهمم" ناقلًا عن شيخه مسند الحرمين في عصره أبي الحسن السندي الحنفي في حواشيه على: "فتح القدير" ما نصه: "والعجب من الذي يقول: أمر الحديث عظيم وليس لمثلنا أن يفهمه فكيف يعمل به؟ وجوابه بعد أن فرضنا موافقة فهمه لفهم ذلك العالم الذي يعتد بعلمه وفهمه بالإجماع، أنه إن كان المقصود بهذا تعظيم الحديث وتوقيره، فالحديث أعظم وأجل لكن من جملة تعظيمه وتوقيره أن يعمل به ويستعمل في مواده، فإن ترك المبالاة به إهانة له نعوذ بالله منه، وقد حصل فهمه على الوجه الذي هو مناط التكليف حيث وافق فهم ذلك العالم فترك العمل بذلك الفهم لا يناسب التعظيم والإجلال فمقتضى التعظيم والإجلال الأخذ به لا بتركه، وإن كان المقصود مجرد الرد عن نفسه بعد ظهور الحق فهذا لا يليق بشأن مسلم فإن الحق أحق بالاتباع إذ لا يعلم ذلك الرجل أن الله ﷿ قد أقام برسوله الحجة على من هو أغبى منه من المشركين الذين كانوا يعبدون الأحجار، وقد قال تعالى فيهم١: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل﴾ فهل أقام عليهم الحجة من غير فهم أو فهموا كلام رسول الله -ﷺ- فإن فهم هؤلاء الأغبياء فكيف لا يفهم المؤمن مع تأييد الله تعالى له بنور الإيمان، وبعد هذا فالقول بأنه لا يفهم قريب من إنكار البديهيات، وكثير ممن يعتذر بهذا الاعتذار يحض دروس الحديث أو يدرس الحديث فلولا فهم أو أفهم، كيف قرأ أو أقرأ فهل هذا إلا من باب مخالفة القول الفعل، والاعتذار بأن ذلك الفهم ليس مناطًا للتكليف باطل إذ ليس الكتاب والسنة إلا لذلك الفهم فلا يجوز البحث عنهما بالنظر إلى المعاني التي لا يعمل بها كيف وقد أنزل الله تعالى كتابه الشريف للعمل به وتعقل معانيه ثم أمر رسوله بالبيان للناس عمومًا فقال تعالى٢: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ وقال٣: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ فكيف يقال إن كلامه الذي هو بيان للناس غير مفهوم لهم إلا لواحد منهم بل في هذا الوقت، ليس مفهومًا لأحد بناء على زعمهم أنه لا مجتهد في الدنيا منذ كم سنين، ولعل أمثال هذه الكلمات صدرت من بعض من أراد أن لا تنكشف حقيقة رأيه للعوام بأنه مخالف للكتاب والسنة فتوصل إلى ذلك بأن جعل فهم الكتاب والسنة على الوجه الذي هو مناط الأحكام مقصورًا على أهل
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٧٨. ٢ سورة يوسف، الآية: ٣. ٣ سورة النحل، الآية: ٤٣.
[ ٢٨٧ ]
الاجتهاد، ثم نفى عن الدنيا أهل الأحكام ثم شاعت هذه الكلمات بينهم". انتهى كلام السندي بحروفه، وله تتمة سابغة لتنظر في إيقاظ الهمم للفلاني
ويقرب من كلام السندي ﵀ ما جاء في حواشي تنبيه الأفهام ولفظه: "لا ندري ما هو الباعث لبعض المتفقهة على إنكار الاجتهاد وتحريمه على غير أئمة المذاهب، والمبالغة في التقليد إلى درجة حملت بعض المستشرقين الأوروبيين على الظن بأن الفقهاء إنما هم يعتقدون في الأئمة منزلة التشريع لا منزلة الضبط، والتحرير وهذا وإن يكن سوء ظن أوجبه الفقهاء أنفسهم إلا أن الحقيقة ليست كما ظنه ذلك المستشرق معاذ الله لأن الشارع، واحد والشرع كذلك والأئمة لم ينهوا أحدًا عن العمل بالدليل، والرجوع إلى الكتاب والسنة إذا تعارض القول والنص، ومن كلام الإمام الشافعي بهذا الصدر إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقال: إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي عرض الحائط، ومن كلام الإمام الأعظم لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي لهذا كان من جاء بعدهم من أصحابهم أو من يوازيهم في العلم من المرجحين يخالفون أئمتهم في كثير من الأحكام التي لم يتقيدوا بقول إمامهم فيها لما قام لهم الدليل على مخالفتها لظاهر النص، وإنما بعض الفقهاء الذين يسترون جهلهم بالتقليد ينتحلون -لدعواهم التقيد بقول الإمام دون نص الكتاب أو السنة- أعذارًا لا يسلم لهم بها أحد من ذوي العقل الراجح من أفاضل المسلمين وعلمائهم العاملين الذين هم على بصيرة من الدين".
وجاء في الحواشي المذكورة أيضًا ما نصه: "يعتذر بعضهم عن سد باب الاجتهاد بسد باب الخلاف، وجمع شتات الأفكار المتأتى عن تعدد المذاهب والحال أن الاجتهاد على طريقة السلف لا يؤدي إلى هذا المحذور كما هو مشاهد الآن عند الزيدية من أهالي جزيرة العرب -وهم الذين ينتسبون إلى زيد بن زين العابدين لا زيد بن الحسن المذكور في حواشي الدر- فإن دعوى الاجتهاد بين علمائهم شائعة مستفيضة وطريقهم فيه طريقة السلف أي أنهم يأتون بالحكم معززًا بالدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس بعد إيراد الدليل مع الحكم أدنى طريق للخلاف أو الاختلاف اللهم إلا فيما لم يوجد بإزائه نص صريح أو إجماع من الصحابة أو التابعين واحتيج فيه إلى الاستنباط من أصول الدين وليس في
[ ٢٨٨ ]
هذا من الخطر أو تشتت الأفكار، ولو جزءًا يسيرًا مما في طريقة الترجيح والتخريج عند الفقهاء الآن على أصول أي مذهب من المذاهب الأربعة ويكفي ما في هذه الطريقة من تشتت الأفكار خلاف الخرجين والمرجحين في المسألة الواحدة خلافًا لا ينتهي إلى غاية يرتاح إليها ضمير مستفيد لقذفهم بفكره في تيار تتلاطم أمواجه بين قولهم المتعمد والمعول عليه كذا والصحيح كذا والأصح كذا والمفتي به كذا إلى غير ذلك من الخلاف العظيم في كل مسألة لم ينص عليها الإمام نصًّا صريحًا، ولا يخفى ما في هذا من الافتئات على الدين مما لا يعد شيئًا في جانبه خلاف الأئمة المجتهدين، ومنشؤه التقيد بالتقليد البحت وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولو عند تعذر وجود النص، ومع هذا فإنهم يرون هذا الافتئات على الدين من الدين، ويوجبون على المؤمن العمل بأقوالهم بلا حجة تقوم لهم ولا له يوم الدين مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز١: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ الآية وفي هذا دليل على فساد التقليد، وأن لا بد في الدين من حجة ثابتة لهذا كان التقليد البحت لا يرضاه لنفسه إلا عامي أعمى، أو عالم لم يصل إلى مرتبة كبار الفضلاء المتقدمين والمتأخرين الذين لم يرضوا لأنفسهم التقليد البحت كالإمام الغزالي وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيميه والإمام السيوطي، والشوكاني وغيرهم ممن اشتهر بالاجتهاد من أئمة المذاهب" انتهى بحروفه.
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية: ١٥.
[ ٢٨٩ ]
١٠- رد الإمام السندي ﵀ أيضًا على من يقرأ كتب الحديث لا للعمل:
قال العلامة الفلاني في: "إيقاظ الهمم": "لو تتبع الإنسان من النقول لوجد أكثر مما ذكر، ودلائل العمل على الخبر أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تشهر لكن لبس إبليس على كثير من البشر فحسن لهم الأخذ بالرأي لا الأثر وأوهمهم أن هذا هو الأولى والأخير، فجعلهم بسبب ذلك محرومين عن العمل بحديث خير البشر -ﷺ- وهذه البلية من البلايا الكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن أعجب العجائب أنهم إذا بلغهم من بعض الصحابة -﵃- ما يخالف الصحيح من الخبر، ولم يجدوا له محملًا جوزوا عدم بلوغ الحديث إليه، ولم يثقل ذلك عليهم، وهذا هو الصواب وإذا بلغهم حديث يخالف قول من يقلدونه اجتهدوا في تأويله القريب والبعيد وسعوا في محامله النائية والدانية وربما حرفوا الكلم عن مواضعها، وإذا قيل لهم عند عدم وجود المحامل المعتبرة لعل من تقلدونه لم يبلغه الخبر أقاموا على القائل القيامة، وشنعوا عليه أشد الشناعة، وربما جعلوه من أهل البشاعة، وثقل ذلك عليهم فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء المساكين يجوزون عدم بلوغ الحديث في حق أبي بكر الصديق الأكبر، وأحزابه ولا يجوزون ذلك في أرباب المذاهب مع أن البون بين الفريقين كما بين السماء والأرض، وتراهم يقرءون كتب الحديث ويطالعونها ويدرسونها لا ليعملوا بها بل ليعلموا دلائل من قلدوه، وتأويل ما خالف قوله ويبالغون في المحامل البعيدة، وإذا عجزوا عن المحمل قالوا من قلدنا أعلم منا بالحديث ألا يعلمون أنهم يقيمون حجة الله تعالى عليهم بذلك، ولا يستوي العالم والجاهل في ترك العمل بالحجة وإذا مر عليهم حديث يوافق قول من قلدوه انبسطوا وإذا مر عليهم حديث يخالف قوله أو يوافق مذهب غيره ربما انقبضوا ولم يسمعوا قول الله١: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٦٤.
[ ٢٩٠ ]
١١- التحذير من التعسف في رد الأحاديث إلى المذاهب:
قال العلامة المحقق المقري في قواعده: "لا يجوز اتباع ظاهر نص الإمام مع مخالفته لأصول الشريعة عند حذاق الشيوخ. قال الباجي: لا أعلم قولًا أشد خلافًا على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكًا لا يجوز تقليد الرواة عنه عند مخالفتهم الأصول، وهم لا يعتمدون على ذلك". ا. هـ.
وقال أيضًا: قاعدة: لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها، ويذهب بالثقة بظاهرها فإن ذلك فساد لها وحط من منزلتها لا أصلح الله المذاهب لفسادها ولا رفعها يخفض درجاتها فكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا ما صح لنا عن محمد بل لا يجوز الرد مطلقا؛ لأن الواجب أن ترد المذاهب إليها كما قال الشافعي، وغيره لا أن ترد هي إلى المذاهب كما تسامح فيه بعض الحنفية خصوصًا والناس عمومًا؛ إذ ظاهرها حجة على من خالفها حتى يأتي بما يقاومها فنطلب الجمع مطلقًا ومن وجه على وجه لا يصير الحجة أجحية، ولا يخرجها عن طرق الخاطبات العامة التي انبنى عليها الشرع، ولا يخل بطرق البلاغة والفصاحة التي جرت من صاحبه مجرى الطبع فإن لم يوجد طلب التاريخ للنسخ فإن لم يكن طلب الترجيح، ولو بالأصل وإلا تساقطا في حكم المناظرة، وسلم لكل ما عنده ووجب الوقف والتخيير في حكم الانتقال، وجاز الانتقال على الأصح. ثم قال:
قاعدة: لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج، وتقريبها على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ والمرجوحية عند المجيب، كما يفعله أهل الخلاف إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة والتعليم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يُعلى وأغلب من أن يغلب، وذلك أن كل من يهتدي لنصب الأدلة، وتقرير الحجاج لا يرى الحق أبدًا في جهة رجل قطعًا ثم إنا لا نرى منصفًا في الخلاف ينتصر لغير مذهب صاحبه مع علمنا برؤية الحق في بعض آراء مخالفيه، وهذا تعظيم للمقلدين بتحقير الدين وإيثار للهوى على الهدى، ولم يتبع الحق أهواءهم، ولله در علي -﵁- أي بحر علم ضم جنباه إذ قال لكميل بن زياد لما قال له أترانا نعتقد أنك على الحق وأن طلحة والزبير على الباطل: "اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله"، وما أحسن قول أرسطو لما خالف أستاذه أفلاطون: "تخاصم الحق، وأفلاطون وكلاهما صديق لي، والحق أصدق منه" وقال الشيخ أحمد زروق في
[ ٢٩١ ]
عمدة المريد الصادق ما نصه: "قال أبو إسحاق الشاطبي كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن -يعني كالجنيد وأمثاله- لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة فهم خلفاؤه، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك، وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا أعمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، ولأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها معصوم وسائر الأمة لم تثبت لهم العصمة إلا مع إجماعهم خاصة وإذا أجمعوا تضمن إجماعهم دليلًا شرعيًّا والصوفية والمجتهدون كغيرهم ممن لم يثبت لهم العصمة، ويجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية كبيرها وصغيرها والبدعة محرمها ومكروهها، ولذا قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ ومنه متروك إلا ما كان من كلامه ﵊ قال: وقد قرر ذلك القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير فقال: فإن قيل فهل يكون الولي معصومًا قيل أما وجوبًا كما يكون للأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظًا حتى لا يصر على الذنوب، وإن حصلت منهيات أو زلات في أوقات فلا يمنع في وصفهم قال: ولقد قيل للجنيد ﵀: "العارف يزني؟ " فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وقال: فهذا كلام منصف فكما يجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغير ذلك يجوز عليهم البدع، فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء به إشكال، بل يعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه وما عملنا به إذا قام الدليل على اتباع الشارع، ولم يقم لنا الدليل على اتباع أقوال الفقهاء والصوفية، وأعمالهم إلا بعد عرضها، وبذلك رضي شيوخهم علينا وإن جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة فإن قبلاه صح وإلا لم يصح، قال ثم نقول ثانيًا إن نظرنا في رسومهم التي حددوها وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن، والتماس أحسن المخارج ولم نعرف له مخرجًا فالواجب التوقف عن الاقتداء، وإن كانوا في جنس من يقتدي بهم لا ردا له، ولا اعتراضًا عليه بل لأن لم نفهم وجه
[ ٢٩٢ ]
رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره. ثم قال بعد كلام: فوجب بحسب الجريان على آرائهم في سلوك أن لا يُعمل بما رسموه، بما فيه معارضة بأدلة الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم خلافًا لمن يعرض عن الأدلة ويجمد على تقليدهم فيه فيما لا يصح تقليدهم على مذهبهم فالأدلة الشرعية، والأنظار الفقهية، والرسوم الصوفية تذمه، وترده وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه، وهو من مكنون العلم وبالله التوفيق. ا. هـ.
وقال شمس الدين ابن القيم في كتاب: "الروح": "اعلم أنه لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فإن هذا عكس طريقة أهل العلم، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويعترض بها على خالف موجبها فتقدم على كل قول اقتضى خلافها لا أن أقوال المجتهدين تعارض بها الأدلة، وتبطل بمقتضاها وتعدم عليها". ا. هـ.
وقال ﵀ أيضًا في الكتاب المذكور: "الفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع، والحكم المؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع أن الحكم المنزل هو الذي أنزله الله ﷿ على رسوله وحكم به بين عبادة وهو الحكم الذي لا حكم له سواه، وأما الحكم المؤول فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها، ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا اجتهدنا رأنا فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: هذا رأي فمن جاءنا بخير منه قبلناه، ولو كان هو حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد مخالفتهما فيه وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في: "الموطأ" فمنعه مالك، وقال: قد تفرق أصحاب رسول الله -ﷺ- في البلاد وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين، وهكذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه، وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاوية ودونها ويقول: لا تقلدوني ولا تقلد فلانًا ولا فلانًا وخذ من حيث أخذوا ولو علموا رضي الله تعالى
[ ٢٩٣ ]
عنهم أن أقوالهم وحي يجب اتباعه لحرموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء، ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فيروي عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه، والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه، ولا يخرج عنه وأما الحكم المبدل، وهو الحكم بغير ما أنزل الله ﷿ فلا يحل تنفيذه، ولا العمل به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم". ا. هـ.
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جزء رفع اليدين قال وكيع: من طلب الحديث كما هو فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوى هواه فهو صاحب بدعة قال: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلغي رأيه لحديث النبي -ﷺ- حيث يثبت الحديث، ولا يعلل بعلل لا تصح ليقوى هواه، وقد ذكر عن النبي -ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" وقد قال معمر: "أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم" وروى البخاري رحمه الله تعالى أيضًا في جزء القراءة خلف الإمام عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: ليس أحد بعد النبي إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي. ا. هـ.
[ ٢٩٤ ]
الترهيب من عدم توقير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك
١٢- الترهيب من عدم توفير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك:
قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله تعالى في سننه: باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي -ﷺ- حديث فلم يعظمه ولم يوقره: أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني ابن عجلان عن العجلان عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال: "بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض، فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة"! فقال له فتي قد سماه وهو في حلة له يا أبا هريرة! أهكذا كان يمشي ذلك الفتي الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر فيها فقال أبو هريرة للمنخرين وللفم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ .
[ ٢٩٤ ]
أخبرنا محمد بن حميد حدثنا هارون -هو ابن المغيرة- عن عمر بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي عن خراش بن جبير، قال: رأيت في المسجد فتى يخذف١ فقال له شيخ: لا تخذف فإني سمعت رسول الله -ﷺ- نهى عن الخذف فغفل الفتي، فظن أن الشيخ لا يفطن له فخذف فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول الله -ﷺ- ينهى عن الخذف ثم تخذف، والله لا أشهد لك جنازة، ولا أعودك في مرض، ولا أكملك أبدًا، فقلت لصاحب لي يقال له مهاجر: انطلق إلى خراش فاسأله، فأتاه فسأله عنه، فحدثه.
أخبرنا سفيان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن الخذف وقال: "إنها لا تصطاد صيدًا ولا تنكي عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين" فرفع رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئا من الأرض فقال: هذه، وما تكون هذه؟ فقال سعيد: ألا أراني أحدثك عن رسول الله -ﷺ- ثم تهاون به! لا أكلمك أبدًا.
أخبرنا عبد الله بن يزيد حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريده قال: رأى عبد الله بن مغفل رجلا من أصحابه يخذف، فقال: لا تخذف! فإن رسول الله -ﷺ- كان ينهى عن الخذف، وكان يكرهه وإنه لا ينكأ به عدو ولا يصاد به صيد، ولكنه قد يفقأ العين ويكسر السن ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له: ألم أخبرك أن رسول الله -ﷺ- كان ينهى عنه ثم أراك تخذف، والله لا أكلمك أبدًا!
أخبرنا مروان بن محمد، حدثنا إسماعيل بن بشر، عن قتادة قال: حدث ابن سيرين رجلًا يحدث عن النبي -ﷺ- فقال رجل: قال فلان وفلان كذا وكذا، فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي -ﷺ- وتقول: قال فلان وفلان كذا وكذا لا أكلمك أبدًا!.
أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا أستأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". قال فلان بن عبد الله
_________________
(١) ١ الخذف: هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها "النهاية".
[ ٢٩٥ ]
إذن والله وأمنعها، فأقبل عليه ابن عمر فشتمه شتمة لم أره شتمها أحدًا قبله، ثم قال: أحدثك عن رسول الله -ﷺ- وتقول: إذن والله أمنعها؟
أخبرنا محمد بن حميد حدثنا هارون بن المغيرة، عن معروف عن أبي المخارق، قال: ذكر عبادة بن الصامت أن النبي -ﷺ- نهى عن درهمين بدرهم، قال فلان: ما أرى بهذا بأسًا يدًا بيد فقال عبادة: أقول: قال النبي -ﷺ- وتقول: لا أرى به بأسًا والله لا يظلني وإياك سقف أبدًا.
أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي حدثنا أبو عامر العقدي، عن زمعة عن سلمة بن وهرام عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: "لا تطرقوا النساء ليلًا"، قال: وأقبل رسول الله -ﷺ- قافلًا فانساق رجلان إلى أهليهما، وكلاهما وجد مع امرأته رجلًا.
أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قدم من سفر، نزل المعرش ثم قال: "لا تطرقوا النساء ليلًا" فخرج رجلان ممن سمع مقالته فطرقا أهلهما فوجد كل واحد منهما مع إمراته رجلا!
أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يخرج بعد النداء من المسجد، إلا منافق، إلا رجل أخرجته حاجة، وهو يريد الرجعة إلى المسجد" فقال: إن أصحابي بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. ا. هـ.
وروى مسلم حديث سالم عن ابن عمر المتقدم ورواه الإمام أحمد وزاد: "فما كلمه عبد الله حتى مات".
قال الطيبي ﵀ - شارح المشكاة: "عجبت ممن يتسمى بالسني، إذا سمع من سنة رسول الله -ﷺ- وله رأي رجح رأيه عليها وأي فرق بينه وبين
[ ٢٩٦ ]
المبتدع؟ أما سمع: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ١؟ وها هو ابن عمر وهو من أكابر الصحابة وفقهائها كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة كبده لتلك الهنة عبرة لأولي الألباب. ا. هـ.
وقال النووي في شرح مسلم عند الكلام على حديث عبد الله بن مغفل الذي تقدم: "فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق، وأنه يجوز هجرانهم دائمًا فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هي في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما هجر أهل البدع فيجوز على الدوام كما يدل عليه هذا مع نظائر له كحديث كعب بن مالك قال السيوطي: "وقد ألفت مؤلفًا سميته: "الزجر بالهجر" لأني كثير الملازمة لهذه السنة". ا. هـ.
وقال الشعراني قدس سره: "سمع الإمام أحمد بن أبي إسحاق السبيعي يقول إلى متى حديث: "اشتغلوا بالعلم"٢ فقال له الإمام أحمد: "قم يا كافر لا تدخل علينا أنت بعد اليوم ثم إنه التفت إلى أصحابه، وقال: ما قلت أبدًا لأحد من الناس لا تدخل داري غير هذا الفاسق". ا. هـ. فانظر يا أخي كيف وقع من الإمام هذا الزجر العظيم لمن قال إلى متى حديث: "اشتغلوا بالعلم" فكانوا -﵃- لا يتجرأ أحد منهم أن يخرج عن السنة قيد شبر بل بلغنا أن مغنيًا كان يغني للخليفة فقيل له: إن مالك بن أنس يقول بتحريم الغناء فقال المغني: وهل لمالك وأمثاله أن يحرم في دين ابن عبد المطلب والله يا أمير المؤمنين ما كان التحريم لرسول الله -ﷺ- إلا بوحي من ربه ﷿، وقد قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٣ لم يقل: "بما رأيت يا محمد" فلو كان الدين بالرأي لكان رأي رسول الله -ﷺ- لا يحتاج إلى وحي وكان الحق تعالى أمره أن يعمل به بل عاتبه الله تعالى حين حرم على نفسه ما حرم في قصة مارية وقال٤: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ الآية. ا. هـ.
_________________
(١) ١ راجع تخريج هذا الحديث في ص٥٤، من هذا الكتاب. ٢ لم نره بهذا اللفظ، وأحاديث الترغيب في طلب العلم كثيرة. ٣ سورة النساء، الآية: ١٠٤. ٤ سورة التحريم، الآية: ١.
[ ٢٩٧ ]
وقال قدس الله سره أيضًا: "كان الإمام أبو حنيفة -﵁- يقول: إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة والحديث يقرأ عنده فقال الرجل: دعونا من هذه الأحاديث! فزجره الإمام أشد الزجر وقال له: لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن ثم قال للرجل: ما تقول في لحم القرد وابن دليله من القرآن؟ فأفحم الرجل. فقال للإمام: فما تقول أنت فيه؟ فقال: ليس هو من بهيمة الأنغام. فانظر يا أخي إلى مناضلة الإمام عن السنة وزجره من عرض له بترك النظر في أحاديثها فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له ظاهر كتاب ولا سنة وكان -﵁- يقول عليكم بآثار من سلف، وإياكم ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول فإن الأمر ينجلي حين ينجلي، وأنتم على صراط مستقيم، وكان يقول: إياكم والبدع والتبدع والتنطع وعليكم بالأمر الأول العتيق، ودخل شخص الكوفة بكتاب: "دانيال" فكاد أبو حنيفة أن يقتله، وقال له أكتاب ثَمَّ غير القرآن والحديث، وقيل له مرة: ما تقول فيما أحدثه الناس من الكلام في العرض والجوهر والجسم، فقال: هذه مقالات الفلاسفة فعليكم بالآثار وطريقة السلف وإياكم وكل محدث فإنه بدعة، وقيل له مرة: قد ترك الناس العمل بالحديث، وأقبلوا على سماعه فقال -﵁: نفس سماعهم للحديث عمل به، وكان يقول: لم تزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا، وكان -﵁- يقول: قاتل الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس باب الخوض في الكلام فيما لا يعنيهم، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يقول قولًا حتى يعلم أن شريعة رسول الله -ﷺ- تقبله" انتهى ملخصًا.
[ ٢٩٨ ]
ما ينفى من قول أحد عند قول النبى ﷺ
١٣- ما يتقى من قول أحد عند قول النبي -ﷺ:
قال الإمام الدارمي رحمه الله تعالى في مسنده، في باب: "ما يتقى من تفسير حديث النبي -ﷺ- وقول غيره عند قوله -ﷺ": أخبرنا موسى بن خالد حدثنا معتمر عن أبيه قال ليتق من تفسير حديث كما تقي من تفسير القرآن. أخبرنا صدقة بن الفضل حدثنا معتمر عن أبيه قال: قال ابن عباس: أما تخافون أن تعذبوا ويخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله -ﷺ- وقال فلان. أخبرنا الحسن بن بشر حدثنا المعافي عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن لا رأي لأحد في كتاب الله، وإنما رأي الأئمة فيما لا ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله -ﷺ- ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله -ﷺ. حدثنا موسى بن خالد حدثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: "يا أيها الناس إن الله لم يبعث نبيًّا بعد نبيكم ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابًا، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ألا وأني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير منكم غير أني أثقلكم حملًا، وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله ألا هل أسمعت؟ ".
أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير قال: كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس: اتركهما قال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سلما، قال ابن عباس: فإنه قد نهى عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليها أم تؤخر؛ لأن الله يقول١: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قال سفيان تتخذ سلما يقول: يصلي بعد العصر إلى الليل حدثنا قبيصة أخبرنا سفيان عن أبي رباح شيخ من آل
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
[ ٢٩٩ ]
عمر قال: رأى سعيد بن المسيب رجلًا يصلي بعد العصر الركعتين، يكثر فقال له: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟ لا ولكن يعذبك الله بخلاف السنة. ا. هـ.
وقال الإمام الشافعي -﵁- في رسالته: "أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهاب قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي شريح الكعبي أن النبي -ﷺ- قال عام الفتح١: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين عن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود" قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري، وصاح عليَّ صياحًا كثيرًا، ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله -ﷺ- وتقول: أتأخذ به؟ نعم آخذ به، وذلك الفرض عليَّ وعلى من سمعه إن الله ﵎ اختار محمدًا من الناس فهداهم به، وعلى يديه واختار لهم ما اختار له، وعلى لسانه فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك قال: وما سكت حتى يمنيت أن يسكت". ا. هـ.
وقال العارف الشعراني في مقدمة ميزانه: "قال الإمام محمد الكوفي رأيت الإمام الشافعي -﵁- بمكة وهو يفتي الناس، ورأيت الإمام أحمد إسحاق بن راهويه حاضرين فقال الشافعي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢: "وهل ترك لنا عقيل من دار"؟ فقال إسحاق روينا عن الحسن، وإبراهيم أنهما لم يكونا يريانه، وكذلك عطاء ومجاهد فقال الشافعي لإسحاق: لو كان غيرك موضعك لفركت أذنه أقول: قال رسول الله -ﷺ- وتقول: قال عطاء ومجاهد والحسن؟ وهل لأحد مع قول رسول الله -ﷺ- حجة -بأبي هو وأمي-". ا. هـ.
وأخرج الحافظ ابن عبد البر عن بكير بن الأشج، أن رجلًا قال للقاسم بن محمد: عجبًا من عائشة كيف كانت تصلي في السفر أربعًا، ورسول الله -ﷺ- كان يصلي ركعتين ركعتين؟ فقال: يا بن أخي عليك بسنة رسول الله -ﷺ- حيث وجدتها
_________________
(١) ١ رواه الجماعة من حديث أبي هريرة. ٢ أخرجه الشيخان من حديث أسامة بن زيد.
[ ٣٠٠ ]
فإن من الناس من لا يعاب. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله -ﷺ- فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: يا تقول ما عروة؟ قال يقولون: نهي أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول قال رسول الله -ﷺ- ويقولون: قال أبو بكر وعمر قال ابن عبد البر: يعني متعة الحج، وهو فسخ الحج في عمرة١. وقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أحدثه عن رسول الله -ﷺ- ويخبرني برأيه لا أساكنك بأرض أنت فيها، وعن عبادة بن الصامت مثل ذلك، وعن عمر بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال عمر: إذا رميتم الجمرة سبع حصيات، وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء، قال سالم وقالت عائشة٢ أنا طيبت رسول الله -ﷺ- لحله قبل أن يطوف بالبيت قال سالم: فسنة رسول الله -ﷺ- أحق أن تتبع. نقله العلامة الفلاني في إيقاظ الهمم.
_________________
(١) ١ أحاديث فسخ الحج في إلى العمرة كثيرة أخرجها الشيخان وغيرهما من حديث عائشة وغيرها. ٢ أخرجه مالك في الموطأ من حديث عائشة.
[ ٣٠١ ]
١٤- ما يقوله من بلغه حديث كان يعتقد خلافه:
قال الإمام النووي في: "رياض الصالحين١" في باب: "وجوب الانقياد لحكم الله وما يقوله عن دعي إلى ذلك". "قال الله تعالى٢: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . ثم ساق شذرة من الأحاديث في ذلك.
وقال -﵁- في أذكاره٣ في باب: "ما يقوله من دعي إلى حكم الله تعالى" ما صورته: "وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه هذا الذي فعلته خلاف حديث رسول الله -ﷺ- أو نحو ذلك أن لا يقول لا ألتزمُ الحديث، أو لا أعمل بالحديث أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة. وإن كان الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك: يقول عند ذلك هذا الحديث مخصوص أو متاول، أو متروك الظاهر بالإجماع، وشبه ذلك". ا. هـ.
_________________
(١) ١ ص٢٢. ٢ سورة النساء، الآية: ٦٤. ٣ ص١٥٣ طبع مصر ١٣٠٦هـ.
[ ٣٠١ ]
ما روى عن السلف في الرجوع إلى حديث
١٥- ما رُوي عن السلف في الرجوع إلى البيت:
قال الإمام الشافعي في الرسالة أخبرنا سفيان بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -﵁- قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنضر بست قال الشافعي لما كان معروفًا والله أعلم عند عمر أن رسول الله -ﷺ- قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر قال الشافعي: فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم١ فيه أن رسول الله -ﷺ- قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه قال: ولم يقبلوا كتاب آل عمر بن حزم والله أعلم حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله -ﷺ- وفي هذا الحديث دلالتان إحداهما قبول الخبر والأخرى أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمض عمل من أحد من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا، ودلالة على أنه لو مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد عن النبي خبر يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله -ﷺ- ودلالة على أن حديث رسول الله -ﷺ- يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده قال الشافعي: ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا من المهاجرين والأنصار ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه،
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي وغيره.
[ ٣٠٢ ]
ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله -ﷺ- وترك كل عمل خالفه. ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله، كما صار إلى غيره مما بلغه عن رسول الله -ﷺ- بتقواه لله وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله -ﷺ- وعلمه بأن ليس لأحد مع رسول الله -ﷺ- أمر، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله -ﷺ. قال الشافعي: "فإن قال لي قائل: فادللني على أن عمر عمل شيئًا ثم صار إلى غيره لخبر عن رسول الله -ﷺ- قلت: فإن أوجدتكه، قال: ففي إيجادك إياي ذلك دليل على أمرين: أحدهما: أنه قد يعمل من جهة الرأي إذا لم يجد سنة والآخر: أن السنة إذا وجدت عليه ترك عمل نفسه، ووجب على الناس ترك كل عمل، وجدت السنة بخلافة، وإبطال أن السنة لا تثبت إلا بخبر تقدمها وعلم أنه لا يوهيها شيء إن خالفها قال الشافعي: "أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يقول والدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضباني من ديته فرجع إليه عمر. قال الشافعي: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، وابن طاوس عن طاوس أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي -ﷺ- في الجنين شيئًا فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي -يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينًا ميتًا فقضى فيه رسول الله -ﷺ- بغرة١ فقال عمر -﵁: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، وقال غيره: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا قال الشافعي: فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضحاك إلى أن خالف فيه حكم نفسه، وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع بهذا لقضى فيه بغيره، وقال: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا بآرائنا قال الشافعي: يخبر -والله أعلم- أن السنة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيًّا فتكون فيه مائة من الإبل، أو ميتا فلا شيء فيه فلما أخبر بقضاء رسول الله -ﷺ- فيه سلم له، ولم يجعل لنفسه إلا اتباعه فيما مضى حكمه بخلافه وفيما كان رأيا منه لم يبلغه عن رسول الله -ﷺ- فيه شيء، فلما بلغه خلاف فعله صار إلى حكم رسول الله -ﷺ- وترك حكم نفسه وكذلك كان في كل أمره، وكذلك يلزم الناس أن يكونوا. ا. هـ.
_________________
(١) ١ قصة حمل بن مالك أخرجها ابن داود والنسائي وغيرهما من حديث ابن عباس.
[ ٣٠٣ ]
١٦- حق الأدب فيما لم تدرك حقيقة من الأخبار النبوية:
نقل القسطلاني في شرح البخاري عند باب: "صفة إبليس" آخر الباب عن: "التوربشتي" في حديث: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" ١ ما نصه: "حق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي مخازن لأسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يتكلم في الحديث وإخوانه بشيء فإن الله تعالى خص رسوله -ﷺ- بغرائب المعاني وكاشفة عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكل عن إدراكه بصر العقل". ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس سره في ميزانه: "روينا عن الإمام الشافعي -﵁- أنه كان يقول التسليم نصف الإيمان قال له الربيع الجيزي بل هو الإيمان كله يا أبا عبد الله فقال وهو كذلك وكان الإمام الشافعي يقول: من كمال إيمان العبد أن لا يبحث في الأصول، ولا يقول فيها: "لم ولا كيف" فقيل له: وما هي الأصول فقال: هي الكتاب والسنة، وإجماع الأمة. ا. هـ. قال الشعراني: أي فنقول في كل ما جاءنا عن ربنا أو نبينا آمنا بذلك على علم ربنا فيه. ا. هـ.
أقول: رأيت بخط شيخنا العلامة المحقق الشيخ محمد الطندتائي الأزهري ثم الدمشقي على سؤال في فتاوي ابن حجر في الميت إذا ألحد في قبره هل يقعد ويسأل، أم يسأل هو راقد وهل تلبس الجثة الروح إلخ ما نصه: "اعلم أن السؤال عن هذه الأشياء، من باب الاشتغال بما لا يعني وقد ورد: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وإنما كان من الاشتغال بما لا يعني لأن الله تعالى لم يكلفنا بمعرفة حقائق الأشياء، وإنما كلفنا بتصديق نبيه في كل ما جاء به وبامتثال أمره واجتناب نهيه. وإنما اشتغل بالبحث عن حقائق الأشياء. هؤلاء الفلاسفة الذين سمعوا أنفسهم بالحكماء؛ لأنهم أنكروا المعاد الجسماني، وقالوا بالحشر الروحاني، وزعموا أن النعيم إنما هو بالعلم، والعذاب إنما هو بالجهل، وقد عم هذا البلاد كثيرًا من العلماء حتى اعتقدوا أن هذه الفلسفة هي الحكمة، ورأوها أفضل ما يكتسبه الإنسان، وإن ما سواها من علوم الدين وآلاتها ليس فضيلة فلا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب تصديق الشارع في كل ما ثبت عنه، وإن لم يفهم معناه فلا تضيع وقتك في الاشتغال بما لا يعنيك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، ومسلم من حديث بشر بن الحكم وغيرهما.
[ ٣٠٤ ]
١٧- بيان إمرار السلف الأحاديث على ظاهرها:
قال العارف الشعراني في ميزانه: "كان الإمام الشافعي يقول الحديث على ظاهره، لكنه إذا احتمل عدة معان، فأولاها ما وافق الظاهر". ا. هـ.
وقال قدس سره أيضًا: "وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يقدرون على القياس، ولكنهم تركوا ذلك أدبًا مع رسول الله -ﷺ- ومن هنا قال سفيان الثوري: من الأدب إجراء الأحاديث التي خرجت مخرج الزجر، والتنفير على ظاهرها من غير تأويل فإنها إذا أولت خرجت عن مراد الشارع كحديث: "من غشنا فليس منا" ١ وحديث: "ليس منا من تَطير أو تُطير له" ٢وحديث: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" ٣ فإن العالم إذا أولها بأن المراد: "ليس منا" في تلك الخصلة فقط أي وهو منا في غيرها هان على الفاسق الوقوع فيها وقال مثل المخالفة في خصلة واحدة أمر سهل فكان أدب السلف الصالح بعدم التأويل أولى بالاتباع للشارع وإن كان قواعد الشريعة قد تشهد أيضًا لذلك التأويل". ا. هـ.
وهكذا مذهب السلف في الصفات. قال الحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي الدمشقي
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة. ٢ أخرجه الطبراني من حديث عمران بن حصين ٣ متفق عليه من حديث ابن مسعود وغيره.
[ ٣٠٥ ]
رحمه الله تعالى في كتاب: "العلو": "قال الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي في شرح الموطأ: أهل السنة يجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يكيفوا شيئًا من ذلك، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود" قال الحافظ الذهبي صدق، والله فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: "مثل الجهمية كقوم قالوا في دارنا نخلة قيل: ألها سعف؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة قلت: كذلك هؤلاء النفاة قالوا: إلهنا الله تعالى، وهو لا في زمان ولا مكان، ولا يرى ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يرضى ولا يريد، ولا ولا وقالوا سبحان المنزه عن الصفات بل نقول سبحان الله تعالى العظيم السميع البصير المريد الذي كلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، ويرى في الآخرة المتصف بما وصف نفسه ووصفه به رسله المنزه عن سمات المخلوقين، وعن جحد الجاحدين ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير".
ثم قال الذهبي: "وقال عالم العراق أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء البغدادي الحنبلي في كتاب: "إبطال التأويل" له: لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات الله ﷿ لا تشبه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة، ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه يعني على زعمهم من قال إن ظاهرها تشبيه". قال الذهبي: قلت: المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولده ما علمت أحدًا سبقهم بها. قالوا: هذه
[ ٣٠٦ ]
الصفات تمر كل جاءت، ولا تؤول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. فتفرع من هذا أن الظاهر يعين به أمران:
"أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم؛ وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يُبتغى بها مضايق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم أيضًا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته".
"الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر. فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق ولكن ما لها مثل ولا نظير فمن ذا الذي عانيه ونعته لنا، ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت لنا كيف سمع كلامه؟ والله إنا لعاجزون كالون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا وكيف تعرج كل ليلة إذا توفاها بارئها وكيف يرسلها وكيف تستقل بعد الموت، وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله، وكيف حياة النبيين الآن، وكيف شاهد النبي -ﷺ- أخاه موسى يصلي في قبره قائمًا ثم رآه في السماء السادسة، وحاوره وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته، وكيف ناظر موسى أباه آدم، وحجه آدم بالقدر السابق وكذلك نعجز عن، وصف هيئتنا في الجنة ووصف الحور العين فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم، وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني فالله أعلى، وأعظم له المثل الأعلى والكمال المطلق ولا مثل له أصلًا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون". ا. هـ.
ثم قال الذهبي: "قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أما الكلام في كل لصفات: فأما ما روى منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها نفى الكيفية والتشبيه عنها. ثم قال: والمراد بظاهرها أنه لا باطن لألفاظ الكتاب السنة غير ما وضعت له كما قال مالك وغيره: "الاستواء معلوم" وكذلك القول في السمع والبصر والعلم، والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك. هذه الأشياء معلومة فلا تحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا. وقد نقل الذهبي في كتابه المذكور هذا المذهب عن مائة وخمسين إمامًا بدأ منهم بأبي حنيفة -﵃- وختم بالقرطبي فانظره.
[ ٣٠٧ ]
١٨- قاعدة الإمام الشافعي ﵀ في مختلف الحديث:
ساقها ضمن محاورة مع باحث فيما ورد في التغليس بالفجر والإسفار:
قال -﵁- في رسالته في باب: "ما يعد مختلفًا وليس عندنا بمختلف" أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله -ﷺ- قال: "أسفروا بصلاة الفجر فإن ذلك أعظم للأجر، أو أعظم لأجوركم" قال الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كنَّ من نساء المؤمنات يصلين مع النبي -ﷺ- الصبح ثم ينصرفن وهن متلفعات بمروجهن ما يعرفهن أحد من الغلس قال الشافعي، وذكر تغليس النبي بالفجر سهل بن سعد وزيد بن ثابت وغيرهما من أصحاب رسول الله -ﷺ- شبيهًا بمعنى حديث عائشة قال الشافعي: "قال لي قائل نحن نرى أن يسفر بالفجر اعتمادًا على حديث رافع، ونزعم أن الفضل في ذلك، وأنت ترى جائزًا لنا إذا اختلف الحديثان أن نأخذ بأحدهما، ونحن نعد هذا مخالفًا لحديث عائشة قال الشافعي: فقلت له إن كان مخالفًا لحديث عائشة، فكأن الذي يلزمنا وإياك أن نصير إلى حديث عائشة دونه لأن أصل ما نبني نحن، وأنتم عليه أن الأحاديث إذا اختلفت لم نذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركنا قال: وما ذلك السبب قلت: أن يكون أحد الحديثين أشبه بكتاب الله فإذا أشبه كتاب الله كانت فيه الحجة قال: هكذا نقول، قلت: فإن
[ ٣٠٨ ]
لم يكن فيه نص في كتاب الله كان أولاهما بنا الأثبت منهما، وذلك أن يكون من رواه أعرف إسنادًا، وأشهر بالعلم والحفظ له من الإملاء أو يكون روى الحديث الذي ذهبنا إليه من وجهين أو أكثر، والذي تركنا من وجه فيكون الأكثر أولى بالحفظ من الأقل، أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله -ﷺ- وأولى بما يعرف أهل العلم وأوضح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله -ﷺ. قال: وهكذا نقول ويقول أهل العلم. قلت: فحديث عائشة أشبه بكتاب الله؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فإذا حل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة. وهو أيضًا أشهر رجل بالفقه وأحفظ ومع حديث عائشة ثلاثة، كلهم يروي عن النبي -ﷺ- مثل معنى حديث عائشة: زيد بن ثابت، وسهل بن سعد؛ والعدد الأكثر أولى بالحفظ والنقل، وهذا أشبه بسنن النبي -ﷺ- من حديث رافع بن خديج قال: وأي سنن قلت: قال رسول الله -ﷺ: "أول الوقت رضوان الله وآخره عفوه" ١. وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا والعفو لا يحتمل إلا معنيين عفوًا عن تقصير، أو توسعة، والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها إذ لم يؤمر بترك ذلك لغير التي وسع في خلافها. قال: وما تريد بهذا؟ قلت: إذا لم يؤمر بترك الوقت الأول وكان جائزًا أن يصلي فيه، وفي غيره قبله فالفضل في التقديم والتأخير تقصير موسع، وقد أبان رسول الله -ﷺ- مثل ما قلنا وسئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها" ٢ وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به وهو الذي لا يجهله عالم أن تقديم الصلاة في أول وقتها أولي بالفضل لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل التي لا تجهلها العقول وهو أشبه بمعنى كتاب الله قال أين هو من الكتاب؟ قلت: قال الله جل ثناؤه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ومن قدم الصلاة في أول وقتها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخرها عن
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطني عن جرير ورمز إليه في الجامع الصغير بالضعف. ٢ أخرجه أبو داود والترمذي عن أم فروة.
[ ٣٠٩ ]
أول الوقت. وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تطوعوا به، يؤمرون بتعجيله إذا أمكن، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل التي لا تجهلها العقول، وأن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم -﵃- مثبت قال الشافعي: فقال إن أبا بكر وعمر وعثمان -﵃، دخلوا الصلاة مغلسين وخرجوا منها مسفرين، بإطاله القراءة، فقلت له قد أطالوا القراءة وأوجزوها، والوقت في الدخول لا في الخروج من الصلاة، وكلهم دخل مغلسًا، وخرج رسول الله -ﷺ- منها مغلسًا فخالفت الذي هو أولى بك أن تصير إليه مما ثبت عن رسول، وخالفتهم فقلت يدخل الداخل منها مسفرًا ويخرج مسفرًا، ويوجز القراءة فخالفتهم في الدخول وما احتججت به، من طول القراءة وفي الأحاديث عن بعضهم أنه خرج منها مغلسًا قال الشافعي: فقلت إن رسول الله -ﷺ- لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيها احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر فقال: "أسفروا بالفجر" يعني حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا، قال أفيحتمل معنى غير ذلك قال: نعم، يحتمل ما قلت؛ وما بين ما قلنا وقلت، وكل معنى يقع عليه اسم الإسفار. قال: فما جعل معناكم أولى من معنانا؟ قلت: بما وصفت لك من الدليل وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم١: قال: هما فجران: "فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئا ولا يحرمه وأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم الطعام". يعني على من أراد الصيام". ا. هـ.
وقال -﵁- قبل ذلك في باب وجه آخر من الاختلاف: "قال الشافعي: فقال لي قائل قد اختلف في التشهد فروى ابن مسعود٢ عن النبي -ﷺ- أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن فقال في مبتدئة ثلاث كلمات التحيات لله فبأي التشهد أخذت قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن
_________________
(١) ١ السرحان: الذئب، والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي عن جابر مرفوعًا. ٢ أخرجه الستة إلا مالكا من حديث ابن مسعود.
[ ٣١٠ ]
عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب١ -﵁- يقول على المنبر هو يعلم الناس التشهد -يقول قولوا: "التحيات لله الزاكيات لله الطيبات، لله الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده وروسوله" قال الشافعي: هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارًا، ثم سمعناه بإسناده وسمعنا ما يخالفه فلم نسمع إسنادًا في التشهد يخالفه، ولا يوافقه أثبت عندنا منه وإن كان غيره ثابتًا، وكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله -ﷺ- إلا ما علمهم النبي -ﷺ- فلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث نثبته عن النبي -ﷺ- صرنا إليه وكان أولى بنا قال: وما هو قلت أخبرنا الثقة وهو يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير، وطاوس عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله قال الشافعي: فإن قال قائل: فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي -ﷺ- فروى٢ ابن مسعود خلاف هذا، وأبو موسى٣ خلاف هذا وجابر٤ خلاف هذا، وكلها قد يخالف بعضها بعضًا في شيء من لفظه ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه، وكذلك تشهد عائشة -﵂- وعن أبيها وكذلك تشهد ابن عمر ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غير ما في لفظ صاحبه، وقد يزيد بعضهم الشيء على البعض قال الشافعي: فقلت له الأمر في هذا بين قال فأبنه لي قلت كل كلام
_________________
(١) ١ هو في موطأ مالك. ٢ أخرجه مسلم عن ابن عباس. ٣ رواية ابن مسعود تقدمت، وللنسائي عن أبي موسى رفعه: إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله إلى قوله لا شريك له. وله عن جابر: كان "ص" يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله التحيات لله إلخ تشهد ابن مسعود. ٤ تشهد عائشة وابن عمر يراجعان في موطأ مالك. وتركنا ذكرهما اختصارًا.
[ ٣١١ ]
أريد به تعظيم الله جل ثناؤه فعلمهموه رسول الله -ﷺ- فلعله جعل يعلمه الرجل فينسى، والآخر فيحفظه وما أخذ خفظًا فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى. فلم يكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شيء من كلامه يحيل المعنى فلا يسع إحالته، فلعل النبي -ﷺ- أجاز لكل امرئ منهم ما حفظ كما حفظ إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه، ولعل من اختلفت روايته، واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا على ما حضرهم فأجيز لهم قال أتجد شيئًا يدل على إجازة ما وصفت فقلت: نعم قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: سمعت عمر بن الخطاب -﵁- يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان النبي -ﷺ- أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول الله -ﷺ- إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال له رسول الله -ﷺ: "اقرأ" فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله -ﷺ: "هكذا أنزلت" ثم قال: "اقرأ" فقرأت فقال: "هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" ١ قال الشافعي: فإذا كان الله جل ثناؤه لرأفته بخلقه انزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ منه قد يزل ليحل لهم يعني قراءته، وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه، وقد قال بعض التابعين: رأيت أناسا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فأجمعوا لي في المعنى، واختلفوا في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحل المعنى قال الشافعي: فقال ما في التشهد إلا تعظيم الله، وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعًا، وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ما ذكرت، ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي -ﷺ. اجزأه إذ خالف الله ﷿ بينها وبين ما سواها من الصلوات قال: ولكن كيف صرت إلى اختيار حديث ابن ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره؟ قلت: لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره فأخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره مما ثبت عن رسول الله -ﷺ. ا. هـ.
_________________
(١) ١ أخرجه الشيخان وأصحاب السنن من حديث عمر.
[ ٣١٢ ]
١٩- فذلكة وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض:
اعلم أن من نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح، وترك المرجوح وطرق الترجيح كثيرة جدًّا، ومدار الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره على وجه صحيح مطابق للمسالك الشرعية فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر، والترجيح قد يكون باعتبار الإسناد وباعتبار المتن وباعتبار المدلول وباعتبار أمر خارج فهذه أربعة أنواع:
١- وجوه الترجيح باعتبار الإسناد:
١- الترجيح بكثرة الرواة: فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل، لقوة الظن به وإليه ذهب الجمهور. قال ابن دقيق العيد: هذا المرجح من أقوى المرجحات وقال الكرخي: إنهما سواء، ولو تعارضت الكثرة من جانب والعدالة من الجانب الآخر ففيه قولان ترجيح الكثرة، وترجيح العدالة فإنه رب عدل يعدل ألف رجل في الثقة كما قيل إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مائتين، وقد كان الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره.
٢- ترجح رواية الكبير على رواية الصغير لأنه أقرب إلى الضبط إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط، أو أكثر ضبطًا منه.
٣- ترجح رواية من كان فقيهًا على من لم يكن كذلك لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ.
٤- ترجح رواية الأوثق.
٥- ترجح رواية الأحفظ.
[ ٣١٣ ]
٦- أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر.
٧- أن يكون أحدهما صاحب الواقعة لأنه أعرف بالقصة.
٨- أن يكون أحدهما مباشرًا لما رواه دون الآخر.
٩- أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي -ﷺ- دون الآخر لأن كثرة الاختلاط تقتضي زيادة في الاطلاع.
١٠- أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد الظاهر.
١١- أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر.
١٢- ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من ينفرد عنهم في كثير من رواياته.
١٣- ترجح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه.
١٤- تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر لأن ذلك يمنع عن الكذب.
١٥- تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه لاحتمال أن يكون ما رواه من تقدم إسلامه منسوخًا.
١٦- تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه.
١٧- تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما.
١٨- تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها.
٢- وجوه الترجيح باعتبار المتن:
الأول- يقدم الخاص على العام.
الثاني- تقدم الحقيقة على المجاز إذا لم يغلب المجاز.
الثالث- يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
[ ٣١٤ ]
الرابع- يقدم ما كان مستغنيًا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه.
الخامس- يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًّا عليه من وجه واحد.
السادس- يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل.
السابع- يقدم المقيد على المطلق.
٣- وجوه الترجيح باعتبار المدلول:
الأول- يقدم ما كان مقررًا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلًا.
الثاني- أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح.
الثالث- يقدم المثبت على المنفي لأن مع المثبت زيادة علم.
الرابع- يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلط.
٤- وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة:
الأول- يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر.
الثاني- أن يكون أحدهما قولًا والآخر فعلًا فيقدم القول لأن له صيغة والفعل لا صيغة له.
الثالث- يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك كضرب الأمثال ونحوها فإنها ترجح العبارة على الإشارة.
الرابع- يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك لأن الأكثر أولى بإصابة الحق.
الخامس- أن يكون أحدهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر فإنه يقدم الموافق.
السادس- أن يكون أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة.
السابع- أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر فإنه يقدم.
وللأصوليين مرجحات آخر في الأقسام الأربعة منظور فيها ولا اعتداد عندي بمن نظر فيما سقناه لأن القلب السليم لا يرى فيه مغمزًا، وبالجملة: فالمرجح في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق فيقدم ما كان عنده أرجح على غيره إذا تعارضت.
[ ٣١٥ ]
٢- بحث الناسخ والمنسوخ:
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "النسخ رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه، والناسخ ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخا مجاز؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، ويعرف النسخ بأمور أصرحها ما ورد في النص كحديث بريده في صحيح مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة " ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار، أخرجه أصحاب السنن ومنها ما يعرف بالتاريخ، وهو كثير وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارضًا لمتقدم عنه لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المتقدم المذكور أو مثله فأرسله، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي فيتجه أن يكون ناسخا بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي -ﷺ- شيئا قبل إسلامه. ا. هـ.
[ ٣١٦ ]
بحث التحيل على إسقاط حكم أو قلبه
٢١- بحث التحيل على إسقاط أو قلبه:
روى أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" وفي رواية: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها" أي أذابوها قال الخطابي: "في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه".
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "وجه الدلالة ما أشار إليه الإمام أحمد أن اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها، على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله تعالى على لسان رسوله على هذا الاستحلال نظرًا إلى المقصود، وأن حكمه التحريم لا تختلف سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة فعلم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ، وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود إلى الشيء المحرم، وحقيقته لم يستحقوا اللعنة لوجهين.
أحدهما: أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحمًا، وصار ودكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا، إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك، فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: "دراهم بدراهم دخلت بينها حريرة" فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين بلا حيلة البتة لا في شرع ولا عقل ولا عرف بل المفسدة، ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ومن رسوله، ويتوعده أشد توعد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه مع قيام تلك المفسدة وزيادتها تبعث الاحتيال في مقته ومخادعة الله ورسوله هذا لا يأتي به شرع، فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب المراقي يترابى المترابيان على رأسه فيا لله العجب أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتياط والخداع، فهل صار هذا الذئب العظيم -الذي هو من أكبر الكبائر عند الله- حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال، تالله كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبث إلى الطيب، ومن المفسدة إلى المصلحة
[ ٣١٧ ]
وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له؟ وإن كان الاحتيال يبلغ هذا المبلغ، فإنه عند الله ﷿ ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين، وأوثق عراه وأجل أصوله. ويا لله العجب كيف تزول مفسدة التحليل التي أشار رسول الله -ﷺ- بلعن فاعله مرة بعد أخرى بتسليف شرطه وتقديمه على صلب العقد وإخلاء صلب العقد من لفظه، وقد وقع التواطؤ والتوافق عليه وأي غرض للشارع، وأي حكمة في تقديم الشرط وتسليفه حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خمرة هذا العقد خلًّا، وهل كان عقد التحليل مسخوطًا لله ورسوله بحقيقته ومعناه أم لعدم حقيقة مقارنة الشرط له وحصول نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول نكاح التحليل، وهكذا الحيل الربوبة فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت، وبأي لفظ عبر عنها فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له.
الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه. ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك؛ فلما لعنوا على استحلال الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة. ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ ثمنه، ويقول: لم أقرب ماله! وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه، ويقول: لم أشرب منه وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدًا فيضربه فوق ثيابه، ويقول إنما ضربت ثيابه، وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة المرضى لزاد مرضهم، ولو استعملها المريض لكان مرتكبًا لنفس ما نهاه عنه الطبيب كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض فيدقه، ويعمل منه هريسة، ويقول: لم آكل اللحم وهذا المثال مطابق العامة الحيل الباطلة في الدين، ويا لله العجب أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين صريحًا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلًا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا
[ ٣١٨ ]
لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها، ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك البتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن جدي أو عودًا من حطب، أدخلوه محللًا للربا، ولما تفطن المحتالون إلى أن هذه المسألة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها ولم يبالوا بكونها مما يتحول عادة، أو لا يتحول ولا يبالي بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا واقع من أرباب الحيل وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة، وقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل كأي يتس اتفق في باب محلل النكاح، وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له لا تسلم على صاحب بدعة فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له اذهب فاملأ هذه الجرة فذهب وملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم يقل ائتني بها، وكمن قال لوكيله بع هذه السلعة فباعها بدرهم، وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم به الموكل وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع، وكمن أعطاء رجلًا ثوبًا فقال: والله لا ألبسه لما فيه من المنة فباعه، وأعطاه ثمنه فقبله وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب فجعله عقيدًا أو ثرد فيه خبزًا وأكله، ويلزم من وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي -ﷺ- إلى أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: "لتشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف، والقينات يخسف الله بهم ويجعل منهم القردة والخنازير" رواه أحمد وأبو داود.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح والربا بالبيع" وهذا حق فإن استحلال الربا
[ ٣١٩ ]
باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع، وحقيقتها حقيقة الربا. ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه. فهب أن المرابي لم يسمه ربا، وسماه بيعًا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها، وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحل من استحل المسكر من غير عصير العنب، وقال: لا اسميه خمرًا وإنما هو نبيذ كما يستحلها طائفة إذا مزجت، ويقولون: خرجت بالمزج عن اسم الخمر كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدًا، ويقول: هذه عقيد لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا الاسم ولا الصورة، وأما استحلال السحت باسم الهدية فهو أظهر من أن يذكر كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما فإن المرتشي ملعون هو والراشي لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن اللعنة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع على الحيل أنها رشوة، وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسًا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر، وأما استحلال الزنا بالنكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له أن تقيم معه ولا أن تكون زوجته وإنما غرضه أن يقضي منها وطره ويأخذ جعلا على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم الله ورسوله والملائكة والروح والمرأة أنه محلل لا ناكح١، وأنه ليس بزوج وإنما هو تيس مستعار٢ للضراب. فيا لله العجب أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا. نعم هذا زنا بشهود من البشر، وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله -ﷺ- وقالا لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه إنما يريد أن يحلها، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له، هذا زنا قال: ليس بزنا، بل نكاح.
كما أن المرابي إذا قيل له هذا ربا، قال: بل هو بيع، ولو أوجب تبدل الأسماء والصور
_________________
(١) ١ في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي والترمذي من حديث ابن مسعود وقال: لعن رسول الله -ﷺ- المحلل والمحلل له، قال الترمذي حديث حسن صحيح. ٢ تسميته بالتيس المستعار هو في سن ابن ماجه من حديث عقبة بن مالك مرفوعًا.
[ ٣٢٠ ]
تبدل الأحكام والحقائق، لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع واضمحل الإسلام. هذا ملخص ما أفاده في هذه المسألة الإمام ابن القيم في: "إعلام الموقعين"١ وذكر ﵀ أيضًا فيه حكم الحيلة في إسقاط الزكاة إذا كان في يده نصاب بأن يبيعه، أو يهبه قبل الحول ثم يشتريه فقال: "هذه حيلة محرمة باطلة، ولا يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه، وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيعة وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة، وقد استقرت سنة الله سبحانه في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده كما حرم القاتل الميراث وورث المطلقة في مرض الموت، وكذلك الفار العبد من الزكاة لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصد الباطل فيتم مقصودة ويسقط مقصود الرب ﷾. وكذلك عامة الحيل أنى يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع، وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع قالوا لا تجب عليه الكفارة، وهذا ليس بصحيح فإن ضمه إلى إثم الجماع إثم الأكل، والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء وانقلبت كراهة الشرع له محبة، ومنعه إذنا هذا من المحال، فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع، ويا لله العجب! أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة على كل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده وتفتح للناس أبواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة المنوعة، وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم، وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه قال أبو بكر
_________________
(١) ١ ص١٠٧ ج٣.
[ ٣٢١ ]
الآجرى -وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس- لقد مسخت اليهود قردة بدون هذا، ولقد صدق إذا أكل حوت صيد يوم السبت، أهون عند الله وأقل جرمًا من أكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة، ولكن قال الحسن: عجل لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء فهذه العظائم والمصائب الفاضحات لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح فكيف بم يعلم السر وأخفى، وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت، ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح عبادة تبين له حقيقة الحال وقطع بأن الله سبحانه تنزه وتعالى أن يسوغ لعبادة نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال. ا. هـ.
وكما بسط ﵀ الكلام في ذلك في: "إعلام الموقعين" أطنب فيه أيضًا في كتابه: "إغائة اللهفان" اهتمامًا بهذا الموضوع، ومما جاء فيه قوله١ ومن مكايده -يعني الشيطان- التي كاد بها الإسلام، وأهله الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه ومضادته في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه فإن الرأي رأيان رأي يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار وهو الذي اعتبره السلف وعملوا به، ورأي يخالف النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار فهو الذي ذموه وأنكروه، وكذلك الحيل نوعان نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي فهذا النوع محمود ظالمًا والظالم مظلومًا والحق باطلًا والباطل حقًّّا فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. قال الإمام أحمد ﵀ لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم
_________________
(١) ١ ص١٨٣ طبع بمصر.
[ ٣٢٢ ]
وقال الميموني: "قلت لأبي عبد الله: من خلف على يمين ثم احتال لإبطالها فهل تجوز تلك الحيل؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز، قلت: أليس حيلتنا فيها أن تتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولًا في شيء اتبعناه قال بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم -فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرع له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها، وغرض الإمام أحمد بهذا الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت بحصول مقصود الشارع، وبين الطرق التي تسلك لإبطال مقصودة فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن في النوع الثاني" ثم جود الكلام في ذلك فأطال، وأطاب رحمه المولي الوهاب.
وكذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته في كتاب: "المقاصد في المسألة العاشرة"١، أسبغ البحث في ذلك، ولسهولة الوقوف من هذه الكتب الجليلة اكتفينا بالإحالة عليها والله الموفق.
_________________
(١) ١ ص٢٦٤ ج٢ طبع بمصر سنة ١٣٤١.
[ ٣٢٣ ]
٢٢- بيان أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع:
قال الإمام العلامة ولي الله الدهلوي في: "الحجة البالغة" تحت هذه الترجمة١ "اعلم أن رسول الله -ﷺ- لم يكن الفقه في زمانه مدونًا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء حيث يبنون بأقصى جهدهم الأركان، والشروط وآداب كل شيء ممتازًا عن الآخر بدليله، ويفرضون الصور يتكلمون على تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك من صنائعهم، أما رسول الله -ﷺ- فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرمق الناس حجة ففعلوا
_________________
(١) ١ ص١١٢.
[ ٣٢٣ ]
كما فعل فهذا كان غالب حاله -ﷺ- ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة، حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء. عن ابن عباس -﵄- قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ١، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيض﴾ ٢ قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون٣ عن أشياء ما كنا ننقر عنها، تسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمها عن عمر بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قومًا أيسر سيرة، ولا أقل تشديدًا منهم، وعن عبادة بن بسر الكندي، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال: أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم "أخرج هذه الآثار الدارمي"، وكان يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفًا فيمدحه أو منكرًا فينكر عليه وكل ما أفتى به مستفتيًا أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في الاجتماعات، وكذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون الناس عن حديث رسول الله -ﷺ- وقال أبو بكر -﵄- سمعت رسول الله -ﷺ- قال فيها شيئا -يعني الجدة- وسأل الناس فلما صلى الظهر قال: أيكم سمع رسول الله -ﷺ- قال في الجدة شيئا فقال: المغيرة بن شعبة أنا فقال: ماذا؟ قال: قال: أعطاها رسول الله -ﷺ- سدسا قال: أيعلم ذاك أحد غيرك؟ فقال محمد بن سلمة: صدق - فأعطاها أبو بكر السدس وقصة سؤال عمر الناس في الغرة
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢١٧. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٢٢. ٣ التنقير: التفتيش والاستقصاء في البحث والمبالغة فيه.
[ ٣٢٤ ]
ثم رجوعه إلى خبر مغيرة، وسؤاله إياهم في الوباء، ثم رجوعه إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره وسرور عبد الله بن مسعود بخير معقل بن يسار لما وافق رأيه، وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث وشهادة أبي سعيد له، وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن، وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة -ﷺ- فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته، فخفظها وعقلها وعرف لكل شيء وجها من قبل حفوف القرائن به فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون فانقضي عصره الكريم وهم على ذلك ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد مقتدي ناحية من النواحي فكثرت الوقائع ودارت المسائل فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبط وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبط ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار رسول الله -ﷺ- عليها الحكم في منصوصاته، فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألو جهدًا في موافقه عرضه ﵊ فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه في ذلك، وهذا على وجوه.
أحدها: أن يقع اجتهاده موافق الحديث مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ابن مسعود -﵁- سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها -أي لم يعين لها المهر- فقال: لم أر رسول الله -ﷺ- يقضي في ذلك فاختلفوا عليه شهرًا، وألحوا فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط١ وعليها العدة، ولها الميراث فقام معقل بن يسار فشهد بأنه قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام.
_________________
(١) ١ قوله: لا وكس ولا شطط: أي لا نقصان ولا زيادة. ا. هـ.
[ ٣٢٥ ]
ثانيها: أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع، مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة -﵁- كان من مذهبه أنه من أصبح جنبًا فلا صوم له حتى أخبرته بعض أزواج النبي -ﷺ- بخلاف مذهبه فرجع.
وثالثها: أن يبلغة الحديث، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن فلم يترك اجتهاده، بل طعن في الحديث مثاله: ما رواه أصحاب الأصول١ من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث فلم يجعل لها رسول الله -ﷺ- نفقة ولا سكنى فرد شهادتها، وقال: لا أترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت لها النفقة والسكني وقالت عائشة -﵂- لفاطمة ألا تتقي الله؟ يعني في قولها لا سكني ولا نفقة، ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزي للجنب الذي لا يجد ماء، فتمعك في التراب فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ: "إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه فلم يقبل عمر، ولم ينهض عنده حجة لقادح خفي رآه فيه حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة واضمحل وهم القادح فأخذوا به.
ورابعها: أن لا يصل إليه الحديث أصلًا مثاله: ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فسمعت عائشة بذلك فقالت: يا عجبًا لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رءؤسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد وما أزيد على أن أفرع على رأسي ثلاث إفراغات. مثال آخر: ما ذكره الزهري من أن هندًا لم تبلغها رخصة رسول الله -ﷺ- في المستحاضة فكان تبكي لأنها كانت لا تصلي. ومن تلك
_________________
(١) ١ راجع تخريج هذا في ص٨٨.
[ ٣٢٦ ]
الضروب أن يروا رسول الله -ﷺ- فعل فعلًا فحمله بعضهم على القربة وبعضهم على الإباحة، مثاله: ما رواه أصحاب الأصول في قضية التخصيب -أي النزول بالأبطح عند النفر- نزل رسول الله -ﷺ- به فذهب أبو هريرة، وابن عمر إلى أنه على وجه القربة فجعلوه من سنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق وليس من السنن، ومثال آخر ذهب الجمهور إلى أن الرمل في الطواف سنة، وذهب ابن عباس إلى أنه إنما فعله النبي -ﷺ- على سبيل الاتفاق لعارض عرض، وهو قول المشركين حطمتهم حمى يثرب، وليس بسنة ومنها اختلاف الوهم مثاله أن رسول الله -ﷺ- حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعًا، وبعضهم إلى أنه كان قارنًا وبعضهم إلى أنه كان مفردًا، مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله -ﷺ- حين أوجب١ فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها كانت من رسول الله -ﷺ- حجة واحدة فمن هناك اختلفوا. خرج رسول الله -ﷺ- حاجًّا فلما صلى في مسجد ذي الخليفة ركعة أوجب في مجلسه وأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله -ﷺ- حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله -ﷺ- البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء.
ومنها: اختلاف السهو والنسيان مثاله ما روي أن ابن عمر كان يقول اعتمر رسول الله -ﷺ- عمرة في رجب فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو.
_________________
(١) ١ أي أهل وأتى بما وجب من أفعال الإحرام. ا. هـ.
[ ٣٢٧ ]
ومنها: اختلاف الضبط مثاله ما روى ابن عمر١ أو عمر عنه -ﷺ- من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقضت عائشة عليه بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه مر رسول الله -ﷺ- على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: "إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها". فظن العذاب معلولًا للبكاء فظن الحكم عامًّا على كل ميت٢.
ومنها: اختلافهم في علة الحكم، مثاله: القيام للجنازة فقال قائل: لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال قائل: لهول الموت فيعمهما، وقال٢ الحسن بن علي -﵄: مر على رسول الله -ﷺ- بجنازة يهودي فقام لها كراهية أن تعلو فوق رأسه فيخص الكافر.
ومنها: اختلافهم في الجمع بين المختلفين، مثاله: رخص٣ رسول الله -ﷺ- في المتعة عام خيبر، ثم رخص فيها عام أوطاس، ثم نهى عنها، فقال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة، والحكم باق على ذلك، وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخًا لها مثال آخر٤. نهى رسول الله -ﷺ- عن استقبال القبلة في الاستنجاء فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم، وكونه غير منسوخ ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام فرد به قولهم وجمع قوم بين
_________________
(١) ١ أخرجه في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر. ٢ في الصحيحين من حديث جابر قال: مر بنا جنازة فقام لها النبي -ﷺ- وقمنا معه، قيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها"، ومن حديث سهل بن حنيف فيهما فقال: "أليست نفسًا"؟. وأما ما أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث الحسن بن علي وقوله فيه. كراهية أن يعلو رأسه، فيخص الكافر، فقد قال في نيل الأوطار: إن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، ومقتضى التعليل بقوله: "أليست نفسًا"؟، أن ذلك يستحب لكل جنازة. ا. هـ. ملخصًا. ٣ أخرجاه في الصحيحين من حديث علي. ٤ عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها". رواه أحمد ومسلم.
[ ٣٢٨ ]
الروايتين. فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم، والفعل يحتمل كونه خاصًّا بالنبي -ﷺ- فلا ينتهض ناسخًا ولا مخصصًا، وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي -ﷺ- وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله -ﷺ- ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورًا عن كبار الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب، اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن الحصين وغيرهما فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله فانتصب في بلد إمام مثل سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها، وعطاء بن أبي رباح بمكة وإبراهيم النخعي، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، وطاوس بن كيسان باليمن، ومكحول بالشام فأظمأ الله أكبادًا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوي الصحابة، وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستفتي منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم، ورفعت إليهم الأقضية وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها، وكان لهم في باب أصول تلقوها من السلف، وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوي عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قشاة المدينة فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش فما كان منها مجمعًا عليه بين علماء المدينة فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها إما بكثرة من ذهب إليه منهم، أو لموافقته بقياس قوي أو تخريج صريح من الكتاب والسنة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منه جواب المسألة خرجوا من كلامه، وتتبعوا الإيماء فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب، وكان إبراهيم
[ ٣٢٩ ]
وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقة، كما قال علقمة لمسروق: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقول أبي حنيفة -﵁- للأوزاعي: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله هو عبد الله وأصل مذهبه فتاوي عبد الله بن مسعود، وقضايا علي -﵄- وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة، وخرج كما خرجوا فلخص له مسائل الفقه في كل باب باب، وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر، ولحديث أبي هريرة وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة فإذا تكلما بشيء، ولم ينسباه إلى أحد فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحًا وإيماء، ونحو ذلك فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما، وأخذوا عنهما، وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم.
[ ٣٣٠ ]
٢٣- بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء:
قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة أيضًا تحت هذه الترجمة ما صورته١: "اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئًا من حملة العلم، إنجازًا لما وعده رسول الله -ﷺ- حيث قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" ٢، فأخذوا عمن اجتمعوا معه صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبي -ﷺ- وسمعوا قضايا قضاة البلدان، وفتاوي مفتيها وسألوا عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كله ثم صاروا كبراء قوم ووسدوا إليهم الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتصاءات فقضوا، وأفتوا ورووا وعلموا وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهًا، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله -ﷺ- والمرسل جميعًا ويستدل بأقوال
_________________
(١) ١ ص١١٥. ٢ رواه الحاكم في المستدرك وابن عساكر.
[ ٣٣٠ ]
الصحابة والتابعين، علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله -ﷺ- اختصروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم، وقد روى حديث نهى رسول الله -ﷺ- عن المحاقلة والمزابنة١ فقيل له أما تحفظ عن رسول الله -ﷺ- حديثًا غير هذا قال: بلي، ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة أحب إلي، وكما قال الشعبي، وقد سئل عن حديث وقيل إنه يرفع إلى النبي -ﷺ- قال: لا عليَّ من دون النبي -ﷺ- أحب إلينا فإن كان فيه زيادة ونقصان كان على من دون النبي -ﷺ- أو يكون استنباطًا منهم من المنصوص، أو اجتهادًا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعًا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة وأقدم زمانًا وأوعى علمًا فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله -ﷺ- يخالف قولهم مخالفة ظاهرة، وإنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله -ﷺ- في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه، وعدم القول بموجبه فإنه كإبداء علة فيه، أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك، وهو قول مالك في حديث٢: "إذا ولغ الكلب": "جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته" يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أر الفقهاء يعلمون به، وإنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة، ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبيد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة، أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي -ﷺ- في فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر، ولذلك ترى مالكًا يلازم محجتهم ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي
_________________
(١) ١ أخرجه الشيخان وأحمد وأصحاب السن من حديث أنس وغيره. ٢ "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، إحداهن بالتراب"، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وفي بعض رواياته اختلاف.
[ ٣٣١ ]
وفتاوي إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره، وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك، قال: هل أحد منكم أثبت من عبد الله؟ فقال: لا، ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا بنواجذه وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها، إما بكثرة القائلين به، أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو الذي يقول في مثله مالك: هذا أحسن ما سمعت فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء وألهموا في هذه الطبقة التدوين فدون مالك، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة وابن جريج وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة وربيع بن الصبيح بالبصرة، وكلهم مشوا على هذا المنهج الذي ذكرته، ولما حد المنصور قال لمالك قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره فقال يا أمير المؤمنين: لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به، من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لنفسهم، ويحكي نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكًا في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه فقال: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله -ﷺ- اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان وكل سنة مضت قال وفقك الله يا أبا عبد الله "حكاه السيوطي" وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله -ﷺ- وأوثقهم إسنادًا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، فلما وسد إليه الأمر حدث وأفتى وأجاد وعله انطبق قول النبي -صلى الله عليه وسلم١: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة -﵁.
[ ٣٣٢ ]
من علام المدينة" على ما قاله ابن عيينة، وعبد الرزاق وناهيك بهما، فجمع أصحابه، رواياته، ومختاراته، ولخصوها، وحرروها وشرحوها وخرجوا عليها، وتكلموا في أصولها ودلائها وتفرقوا إلى المغرب، ونواحي الأرض فنفع الله بهم كثيرًا من خلقه، وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ، تجده كما ذكرنا، وكان أبو حنيفة -﵁- ألزمها بمذهب إبراهيم، وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلًا على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد ﵀، وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرة أيضًا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة، وكان أشهر أصحابه ذكرًا أبو يوسف ﵀ فولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سببًا لظهور مذهبه، والقضاء به في أقطار العراق وخراسان، وما وراء النهر. وكان أحسنهم تصنيفًا وألزمهم درسًا محمد بن الحسن، وكان من خبره أنه تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك ثم رجع إلى نفسه فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها، وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسًا ضعيفًا أو تحزيجًا لينًا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء، أو يخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف ما يراه أرجح ما هناك، وهذان لا يزالان على محجة إبراهيم، وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة -﵁- يفعل ذلك، وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض فصنف محمد ﵀، وجمع رأي هؤلاء الثلاثة، ونفع كثيرًا من الناس، فتوجه أصحاب أبي حنيفة -﵁- إلى تلك التصانيف تلخيصًا وتقريبًا أو شرحًا أو تخريجًا، أو تأسيسًا أو استدلالًا ثم تفرقوا إلى خراسان، وما وراء النهر فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة
[ ٣٣٣ ]
"ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أمورًا كبحث عنانه عن الجريان في طريقهم، وقد ذكرها في أوائل كتاب الأم. منها: أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف مسندًا فقرر أن لا يأخذ بالمراسيل إلا عند وجود شروط وهي مذكورة في كتب الأصول، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق بذلك خلل في مجتهداتهم فوضع لها أصولًا، ودونها في كتاب وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن، وهو يطعن على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين، ويقول هذا زيادة على كتاب الله فقال الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد قال: نعم قال: فلم قلت: إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله: "ألا لا وصية لوارث" وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْت﴾ ١ الآية، وأورد عليه أشياء من هذا القبيل، فانقطع كلام محمد بن الحسن. ومنها: أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى فاجتهدوا بآرائهم، واتبعوا العمومات واقتدوا بمن مضى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة، فلم يعملوا بها ظنًّا منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم، وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها، وذلك قادح في الحديث، وعلة مسقطة له أو لم تظهر في الثالثة، وإنما ظهرت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جمع طرق الحديث، ورحلوا إلى أقطار الأرض، وبحثوا عن حملة العلم فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من الصحابة إلا رجل، أو رجلان ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان، وهلم جرا فخفي على أهل الفقه وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلًا، وسائر الأقطار في غفلة منهن فبين الشافعي أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم أنهم يطلبون الحديث في المسألة فإذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال،
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٨٠.
[ ٣٣٤ ]
ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا من احتهادهم إلى الحديث فإذا كان الأمر على ذلك، لا يكون عدم تمسكهم بالحديث قدحا فيه اللهم إلا إذا بينوا العلة القادحة مثاله حديث القلتين، فإنه حديث صحيح رُوي بطرق كثيرة معظمها يرجع إلى أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله، أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله كلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك، وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس عليهم فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب، ولا في عصر الزهري ولم يمش عليه المالكية، ولا الحنيفة فلم يعملوا به وعمل به الشافعي، وكحديث: "خيار المجلس" فإنه حديث صحيح روى بطرق كثيرة، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به، فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة قادحة في الحديث، وعمل به الشافعي.
ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى كثيرًا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم، ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم، ما لم يتفقوا وقال: هم رجال ونحن رجال!
ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدًا منها من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان، وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة الحكم، وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص، ويدار عليها الحكم فأبطل هذا النوع أتم إبطال، وقال: من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا -حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول- مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد، وهو بلوغ خمس وعشرين سنة مقامه وقالوا: إذا بلغ اليتيم هذا العمر سلم إليه ماله قالوا: هذا استحسان، والقياس أن لا يسلم إليه، وبالجملة لما رأى في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد وأفاد واجتمع عليه الفقهاء وتصرفوا اختصارًا وشرحا واستدلالا وتخريجا، ثم تفرقوا في البلدان، فكان هذا مذهبا للشافعى والله أعلم".
[ ٣٣٥ ]
٢٤- بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي:
قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره تحت هذا العنوان في الحجة البالغة ما نصه١: "اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب، وإبراهيم والزهري، وفي عصر مالك وسفيان، وبعد ذلك يكرهون الخوص بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا. وكان أكبرهم رواية حديث رسول الله -ﷺ. سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال: إني لأكره أن أحل لك شيئا حرمه الله عليك، أو أحرم ما أحله الله لك، وقال معاذ بن جبل: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فإنه لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل، وقال ابن عمر لجابر بن زيد إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت، وأهلكت، وقال أبو النصر لما قدم أبو سلمة البصرة أتيته أنا، والحسن فقال للحسن: أنت الحسن؟ ما كان أحد بالبصرة أحب إلى لقاء منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول أو كتابًا منزلا. وقال ابن المنكدر: إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عبادة، فليطلب لنفسه المخرج، وسئل الشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير، وقعت كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه: أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول. وقال الشعبي: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله -ﷺ- فخذ به وما قالوه برأيهم فألقه في الحش "أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمي".
"فوقع شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام وكتابه الصحف والنسخ،
_________________
(١) ١ ص١١٨.
[ ٣٣٦ ]
حتى قل من يكون أهل الرواية إلا كان له تدوين أو صحيفة أو نسخة من حاجتهم، لموقع عظيم، فطاف من أدرك من عظائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن وخراسان وجمعوا الكتب، وتتبعوا النسخ وأمعنوا في التفحص غريب الحديث، ونوادر الأثر فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحد قبلهم، ويتسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير حتى كان يكثر من الأحاديث عندهم مائة طريق فما فوقها فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر، وعرفوا محل كل حديث من الغرابة والاستفاضة وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد، وظهر عليهم أحاديث صحيحة كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل قال الشافعي: لأحمد أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا "حكاه ابن الهمام" وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة كنسخة بريد عن أبي بردة عن أبي موسى، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو كان الصحابي مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة قليلون فمثل هذه الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى، واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين، وكان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه، وكان من قبلهم يعتمدون في معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال، وتتبع القرائن وأمعنت هذه الطبقة في هذا الفن، وجعلوه شيئًا مستقلًّا بالتدوين والبحث، وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها فانكشف عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خافيًا من حال الاتصال والانقطاع، وكان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث كما ذكره أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة، وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث فما يقرب منها بل صح عن البخاري أنه اختصر صحيحة من
[ ٣٣٧ ]
ستة آلاف حديث. وعن أبي داود أنه اختصر سننه من خمسة آلاف حديث، وجعل أحمد مسنده ميزانًا يعرف به حديث رسول الله -ﷺ؛ فما وجد فيه ولو بطريق واحد منه! فله وإلا فلا أصل له، فكان رءوس هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسدد وهناد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن واهويه، والفضل بن دكين وعلي المديني وأقرانهم، وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين فرجع المحققون منهم بعد إحكام فن الرواية، ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه فلم يكن عندهم من الرأي أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يَرَون من الأحاديث والآثار المناقضة في كل مذهب من تلك المذاهب فأخذوا يتبعون أحاديث النبي -ﷺ- وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم وأنا أبينها في كلمات يسيرة.
"كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملًا لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله -ﷺ- سواء كان مستفيضًا دائرًا بين الفقهاء أو يكون مختصًّا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به، ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين وإذا فرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ولم يجدوا في المسألة حديثًا أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم ولا بلد دون بلد كما كان يفعل من قبلهم فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علمًا وأورعهم ورعًا أو أكثرهم ضبطًا أو ما اشتهر عنهم، فإن وجدوا شئيًا يستوي فيه قولان فهي مسألة ذات قولين فإن عجزوا عن ذلك أيضًا تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتهما واقتضاءاتهما، وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادي الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول، ولكن ما يخلص إلى الفهم ويثلج به الصدر كما أنه ليس ميزان
[ ٣٣٨ ]
التواتر عدد الرواة، ولا حالهم ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس. وكانت هذه الأصول مستخرجه عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم، وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله -ﷺ- في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله -ﷺ- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله -ﷺ- فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا؛ فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله -ﷺ- جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: "إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به. ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله -ﷺ- ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك، وعن عبد الله بن مسعود قال أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله ﷿ فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله -ﷺ- فإن جاءه ما ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول الله -ﷺ- فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إني أخاف وإني أرى١ فإن الحرام بين والحلال بين، وبين ذلك أمور مشتبهة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به
_________________
(١) ١ رواه بنحو هذا الطبراني في الأوسط عن عمر، وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن من حديث النعمان بن بشير بلفظ: الحلال بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. وله تتمة.
[ ٣٣٩ ]
وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله -ﷺ- أخبر به، وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه.
عن ابن عباس أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله -ﷺ، وقال فلان، عن قتاده قال حدث ابن سيرين رجلًا بحديث عن النبي -ﷺ- فقال الرجل: قال فلان كذا وكذا فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي -ﷺ- ويقول: قال فلان كذا وكذا عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في كتاب الله، وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب، ولم تمض فيه سنة من رسول الله -ﷺ- ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله -ﷺ- عن الأعمش قال كان إبراهيم يقول: يقوم١ عن يساره، فحدثته عن سميع الزيات عن ابن عباس٢ أن النبي -ﷺ- أقامه عن يمينه، فأخذ به. عن الشعبي: جاءه رجل يسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، قال: أخبرني أنت برأيك، فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأيي! وديني عندي آثر من ذلك! والله لأن أتغنى بأغنية٣ أحب إليَّ من أن أخبرك برأيي. "أخرج هذه الآثار كلها الدارمي".
وأخرج الترمذي عن أبي السائب، قال: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعر٤ رسول الله -ﷺ- ويقول أبو حنيفة: "هو مثله" قال الرجل: فإنه قد روى عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثله، قال: رأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا وقال أقول لك قال: رسول الله -ﷺ- وتقول: قال إبراهيم؟! ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا!! عن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس -﵃- أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله -ﷺ.
_________________
(١) ١ أي المتقدى عن يسار الإمام. ا. هـ. ٢ أخرجه الشيخان وأصحاب السنن. ٣ الأغنية: واحدة الأغاني. ا. هـ. ٤ الإشعار: أن يضرب في صفحة سنام الهدى من الجانب الأيمن بحديد حتى يتلطخ بالدم ظاهرًا. ا. هـ.
[ ٣٤٠ ]
"وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد، فلم تكن مسألة من المسائل التي تكلم فيها من قبلهم، والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثًا مرفوعًا متصلًا أو مرسلًا أو موقوفًا، صحيحًا أو حسنًا أو صالحًا للاعتبار، أو وجدوا أثرًا من آثار الشيخين، أو سائر الخلفاء وقضاءة الأمصار، وفقهاء البلدان، أو استنباطًا من عموم، أو إيماء أو اقتضاء، فيسر الله لهم العمل بالنسبة على هذا الوجه، وكان أعظمهم شأنًا وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث مرتبة، وأتمهم فقهًا أحمد بن محمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه، وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار.
"ثم أنشأ الله تعالى قرنًا آخر، فرأوا أصحابهم قد كفوا مئونة جمع الأحاديث، وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى، كتمييز الحخديث الصحيح المجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد، وإسحاق، وأضرابهم، وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه، وكالشاذة والفاذة من الأحاديث التي لم يرووها، أو طرقها التي لم يخرجوها من جهتها الأوائل، مما فيه اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ، ونحو ذلك من المطالب العلمية، وهؤلاء هم: البخاري ومسلم وأبو داود وعبد الله بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم. وكان أوسعهم علمًا عندي، وأنفعهم تصنيفًا وأشهرهم ذكرًا رجال أربعة، متقاربون في العصر:
أولهم: أبو عبد الله البخاري، وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة المتصلة من غيرها، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه الصحيح، ووفى بما شرط. وبلغنا أن رجلًا من الصالحين رأى رسول الله -ﷺ- في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت كتابي؟ قال: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيح البخاري. ولعمري! إنه نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها.
[ ٣٤١ ]
وثانيهم: مسلم النيسابوي توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة، مما يستنبط منه السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها، فرتب ترتيبًا جيدًا وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتن، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون، وجمع بين المختلفات، فلم يدع لمن له معرفة لسان العرب عذرًا في الإعراض عن السنة إلى غيرها.
وثالثهم: أبو داود السجستاني، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنف سننه، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل. قال أبو داود: "ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه" وما كان منها ضعيفًا صرح بضعفه، وما كان فيه علة بينهما بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن. وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب، ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كافٍ للمجتهد.
ورابعهم: أبو عيسى الترمذي، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر واحدًا، وأومأ إلى ما عداه، وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبين وجه الضعف، ليكون الطالب على بصيرة من أمره، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه. وذكر أنه مستفيض أو غريب. وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار، وسمى من يحتاج إلى التسمية، وكنى من يحتاج إلى الكنية، ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم؛ ولذلك يقال: إنه كاف للمجتهد، مغن للمقلد.
"وكان بازاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل، ولا يهابون الفتيا، ويقولون: على الفقه بناء الدين، فلا بد من إشاعته، ويهابون رواية حديث رسول الله -ﷺ- والرافع إليه، حتى قال الشعبي: على من دون النبي -ﷺ- أحب إلينا، فإن كان
[ ٣٤٢ ]
فيه زيادة أو نقصان، كان على من دون النبي -ﷺ. وقال إبراهيم: أقول: قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا. وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله -ﷺ- تربد١ وجهه وقال: هكذا أو نحوه. وقال عمر حين بعث رهطًا من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قومًا لهم أزيز٢ بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قد أصحاب محمد، فيأتونكم، فيسألونكم عن الحديث، فأفلوا الرواية عن رسول الله -ﷺ. قال ابن عون: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقول ويقول "أخرج هذه الآثار الدارمي".
"فوقع تدوين الحديث والفقه أو المسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر، وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقول علماء البلدان وجمعها والبحث عنها، واتهموا أنفسهم في ذلك، وكانوا اعتقدوا في أتمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق، وكان قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم، كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمة أفقه من ابن عمر؛ وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، و"كل ميسر لما خلق له" ٣ و﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون﴾ ٤ فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج، وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم بأقوال القومن وأصحهم نظرًا في الترجيح، فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء، رأي فيما يحفظه من تصريحات أصحابه، فإن وجد الجواب فيها، وإلا نظر إلى عموم كلامهم، فأجراه على هذا الصورة أو إشارة ضمنية لكلام، فاستنبط منها، وربما كان لبعض الكلام إيمان أو اقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير يحمل عليها، وربما نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر والحذف، فأداروا حكمه على غير المصرح به، وربما كان له
_________________
(١) ١ تربد: تغير. ٢ أي صوت بالبكاء. ٣ أخرجه الشيخان في الصحيحين. ٤ المؤمنون، الآية: ٥٤.
[ ٣٤٣ ]
كلامان، لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي، أنتجا جواب المسألة؛ وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال والقسمة، غير معلوم بالحد الجامع المانع، فيرجعون إلى أهل اللسان، ويتكلفون في تحصيل ذاتياته، وترتيب حد جامع مانع له، وضبط مبهمه، وتمييز مشكله، وربما كان كلامهم محتملًا بوجهين، فينظرون في ترجيح أحد المحتملين، وربما يكون تقريب الدلائل خفيًّا، فيبينون ذلك؛ وربما استدل بعض المخرجين من فعل أئمتنهم وسكوتهم ونحو ذلك، فهذا هو التخريج، ويقال له: القول المخرج لفلان كذا على مذهب فلان أو على أصل فلان، أو على قول فلان، وجواب المسألة كذا وكذا، ويقال لهؤلاء: المجتهدون في المذهب، وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال: من حفظ المبسوط كان مجتهدًا! أي: وإن لم يكن له علم برواية أصلًا، ولا بحديث واحد، فوقع التخريج في كل مذهب وكثر، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم القضاء والإفتاء، واشتهر تصانيفهم في الناس، ودروسوا درسًا ظاهرًا انتشر في أقطار الأرض. ولم يزل ينشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين". ا. هـ.
[ ٣٤٤ ]
٢٥- بيان حال الناس في الصدر الأول وبعده:
قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة: "كان الناس في الصدر الأول أعني: الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة، ثم بأقوال من بعد رسول الله -ﷺ- ما يصح بالحجة؛ فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة، ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى. وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوا مرة، وخالفوه أخرى، بحسب ما تتضح لهم الحجة، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريًّا، ولا علويًّا، بل النسبة كانت إلى رسول الله -ﷺ- فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله -ﷺ- بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت
[ ٣٤٤ ]
التقوى عن عامة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم، فصار بعضهم حنفيًّا، وبعضهم مالكيًّا، وبعضهم شافعيًّا، ينصرون الحجة بالرجال، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب، ثم كان قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز، حتى تبدلت السنن بالبدع، فضل الحق بين الهوى". ا. هـ.
وقال العلامة الدهلوي في الحجة البالغة، في باب حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة وبعدها١: "اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجتمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه. قال أبو طالب المكي في قوت القلوب: إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله، والحكاية له من كل شيء، والتفقه على مذهبه، لم يكن الناس قديمًا على ذلك في القرنين الأول والثاني". ا. هـ.
قال الدهلوي قدس سره: "وبعد القرنين، حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له، والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع، بل كان فيهم العلماء والعامة، وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع، وكانوا يتعلمون من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم، فيمشون حسب ذلك، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب، وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث، فيخلص إليهم من أحاديث النبي -ﷺ- وآثار الصحابة ما لا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض الفقهاء، ولا عذر لتارك العمل به، أو أقوال متظاهرة لجمهورة الصحابة والتابعين، مما لا يحسن مخالفتها، فإن لم يجد -أي أحدهم- في المسألة ما يطمئن به قلبه، لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح، ونحو ذلك، رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء، فإن وجد قولين اختار
_________________
(١) ١ ص١٢٢.
[ ٣٤٥ ]
أوثقهما؟ سواء كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة، وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحًا، ويجتهدون في المذهب، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أصحابهم فيقال: فلان شافعي، وفلان حنفي، وكان صاحب الحديث أيضًا قد ينسب إلى أحد المذهب لكثرة موافقته له، كالنسائي والبيهقي، ينسبان إلى الشافعي، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد، ولا يمسى الفقيه إلا مجتهد، ثم بعد هذه القرون، كان ناس آخرون ذهبوا يمينًا وشمالًا وحدث فيهم أمور، منها الجدل والخلاف في علم الفقه. وتفصيله على ما ذكره الغزالي أنه لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوهم بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، فكانوا إذا طلبوا هربوا أو أعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة عليهم، مع إعراضهم، فاشرأبوا بطلب العلم توصلًا إلى نيل العز، ودرك الجاه، فأصبح الفقهاء، بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين، أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله. وقد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام، وأكثروا القال والقيل، والإيراد والجواب، وتمهيد طرق الجدل. فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ﵀، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة ﵀ على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن، لسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدها من الأعصار، انتهى حاصله. ومنها: أنهم أطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدروهم دبيب النمل، وهم لا يشعرون. وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فإنهم لما وقعت المزاحمة في الفتوى، كان كل من أفتى
[ ٣٤٦ ]
بشيء نوقض في فتواه ورد عليهم، فلم ينقطع الكلام إلا بمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة. وأيضًا جوز القضاة، فإن القضاة لما جار أكثرهم، ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئًا قد قيل من قبل. وأيضًا جهل رءوس الناس، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهرًا في أكثر المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الهمام وغيره، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا. ومنها: أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال، ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ثم خرج من ذلك إلى التاريخ: قديمه وحديثه.
ومنهم من تفحص من نوادر الأخبار وغرائبها، وإن دخلت في حد الموضوع. ومنهم من أكثر القال والقيل في أصول الفقه، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية، فأورد فاستقصى، وأجاب وتفصى، وعرف، وقسم، فحرر، طول الكلام تارة، وتارة اختصر.
ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصورة المستبعدة التي من حقها أن لا يتعرض لها عاقل، وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم، مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل. وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق، قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك، وانتصر كل رجل لصاحبه: فكما أعقبت تلك ملكًا عضوضًا، ووقائع صماء عمياء، فكذلك أعقبت هذه جهلًا واختلاطًا وشكوكًا ووهمًا ما لها من إرجاء. فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف، لا يميزون الحق من الباطل، ولا الجدل من الاستنباط.
فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقول الفقهاء، قويها وضعيفها، من غير تمييز، وسردها بشقشقة شدقيه. والمحدث من عد الأحاديث، صحيحها وسقيمها، وهذها كهذ الأسمار بقولة لحييه. ولا أقول ذلك كليًّا مطردًا، فإن لله طائفة من عباده، لا يضرهم من خذلهم، وهم حجة الله في أرضه، وإن قلوا١.
"ولم يأت قرن بعد ذلك إلا هو أكثر فتنة، وأوفر تلقيدًا، وأشد انتزاعًا للأمانة
_________________
(١) ١ يشير إلى الحديث عند أحمد والشيخين عن معاوية مرفوعًا: "لا تزل طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".
[ ٣٤٧ ]
من صدور الرجال، حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين، وبأن يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ وإلى الله المشتكى، وهو المستعان، وبه الثقة وعليه التكلان" انتهى كلام ولي الله الدهلوي، وقد سبقه إلى كشف هذه الأسرار الشيخ الأكبر قدس سره في الفتوحات المكية حيث قال في الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية، بالأغراض النفسية -عافانا الله وإياكم من ذلك ما نصه بعد أبيات صدر بها هذا الباب:
"اعلم -وقفنا الله وإياك- أيها الولي الحميم، والصفي الكريم، أنا روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباس -﵄- أن رجلًا أصاب من عرضه، فجاء إليه يستحله من ذلك، فقال له: يابن عباس! إنني قد نلت منك، فاجعلني في حل من ذلك. فقال: أعوذ بالله أن أحل ما حرم الله! إن الله قد حرم أعراض المسلمين، فلا أحله، ولكن غفر الله لك. فانظر: ما أعجب هذا التصريف، وما أحسن العلم. ومن هذا الباب خلف الإنسان على ما أبيح له فعله أن لا يفعله، أو يفعله، ففرض الله تحلة الإيمان، وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي، إلا لمن عصمة الله بالتنبيه عليه، فما ثم شارع إلا الله تعالى، قال لنبيه -ﷺ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ ٢ ولم يقل له: "بما رأيت".
بل عاتبه ﷾، لما حرم على نفسه باليمين، في قضية عائشة وحفصة٣، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾؟ ٤ فكان هذا ما أرته نفسه. فهذا يدلك أن قوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ أنه ما يوحى به إليه، لا ما يره في رأيه. فلو كان الدين بالرأي لكان رأي النبي -ﷺ- أولى من رأي كل ذي رأي، فإذا كان هذا حال النبي -ﷺ- فيما رأته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم؟ ومن الخطأ أقرب إليه من الإصابة؟ فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول الله -ﷺ- إنما هو في طلب
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآية: ٢٢. ٢ سورة النساء الآية ١٠٤. ٣ أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي في التفسير والأيمان والنذور والأشربة وغيرها. ٤ سورة التحريم الآية: ١.
[ ٣٤٨ ]
الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة، لا في تشريع حكم في النازلة. فإن ذلك شرع لم يأذن به الله. ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأسدي الإسكندري بمكة المشرفة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: رأيت رجلًا من الصالحين بعد موته في المنام، فسألته ما رأيت؟ فذكر أشياء؛ منها: قال: ولقد رأيت كتبًا موضوعة، وكتبًا مرفوعة، فسألت ما هذه الكتب المرفوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الحديث. فقلت: وما هذه الكتاب الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الرأي، حتى يسأل عنها أصحابها. فرأيت الأمر فيه شدة.
اعلم -وفقنا الله وإياك- أن الشريعة، هي المحجة الواضحة البيضاء، محجة السعداء، وطريق السعادة، من مشي عليها نجا، ومن تركها هلك، قال١ رسول الله -ﷺ- لما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٢ خط رسول الله -ﷺ- في الأرض خطًّا، وخط خطوطًا على جانبي الخط، يمينًا وشمالًا، ثم وضع -ﷺ- إصبعه على الخط، وقال تاليًا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ وأشار إلى تلك الخط المستقيم. ولقد أخبرني بمدينة "سلا" -مدينة بالمغرب على شاطئ البحر المحيط، يقال لها: منقطع التراب، ليس وراءها أرض- رجل من الصالحين الأكابر من عامة الناس، قال: رأيت في النوم محجة بيضاء مستوية، عليها نور سهلة، ورأيت عن يمين تلك المحجة وشمالها خنادق وشعابًا وأودية، كلها شوك، لا تسلك لضيقها، وتوعر مسالكها، وكثرة شوكها، والظلمة التي فيها، ورأيت جميع الناس يخطبون فيها خبط عشواء، ويتركون المحجة البيضاء السهلة، وعلى المحجة رسول الله -ﷺ- ونفر قليل معه يسير وهو ينظر إلى من خلفه، وإذا في الجماعة متأخر عنها، لكنه عليها، الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن قرقور المحدث، كان سيدًا فاضلًا في الحديث، اجتمعت بابنه، فكان يفهم عن رسول الله -ﷺ- أنه يقول له: ناد في الناس بالرجوع إلى الطريق، فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن. ٢ سورة الأنعام: ١٥٣.
[ ٣٤٩ ]
في ندائه، ولا من داع، ولا من متداع: "هلموا إلى الطريق هلموا" قال: فلا يجيبه أحد، ولا يرجع إلى الطريق أحد.
واعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك، تركوا المحجة البيضاء وجنحوا إلى التأويلات البعيدة لينفذوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك، ويفتي به، وقد رأينا منهم جماعة على هذا من قضاتهم، وفقهائهم ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام- فنادى بمملوك وقال: جئني بالحرمدان فقلت: ما شأن الحرمدان قال: أنت تنكر على ما يجري في بلدي، ومملكتي من المنكرات والظلم وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ذلك كله منكر، ولكن والله يا سيدي ما منه منكر إلا بفتيا فقيه، وخط يده عندي بجواز ذلك فعليهم لعنة الله، ولقد أفتاني فقيه هو فلان -وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف- بأنه لا يجب عليَّ صوم شهر رمضان هذا بعينه، بل الواجب على شهر في السنة، والاختيار لي فيه أي شهر شئت من شهور السنة، قال السلطان فلعنته في باطني، ولم أظهر له ذلك -وهو فلان فسماه لي- رحم الله جمعيهم.
"فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال، وجعل له سلطانا فيها فإذا رأى أن الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه لا يرضى عند الله زين له سوء عمله بتأويل غريب، يمهد له فيه، وجها يحسنه في نظره ويقول له: إن الصدر الأول قد دانوا الله بالرأي، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياء فطردوها، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص عليه، للعلة الجامعة بينهما، والعلة من استنباطه فإذا مهد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه، وشهوته بوجه شرعي في زعمه فلا يزال هكذا فعله في كل ماله أو لسلطانه فيه هو نفس ويرد الأحاديث النبوية، ويقول لو أن هذا الحديث يكون صحيحًا وإن كان صحيحًا يقول لو لم يكن له خبر آخر يعارضه، وهو ناسخ له لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعيًّا -أو قال به أبو حنيفة- إن كان الرجل حنفيًّا وهكذا قول أتباع هؤلاء
[ ٣٥٠ ]
الأئمة كلهم، ويرون أن الحديث والأخذ به مضلة وأن الواجب تقليد هؤلاء الأئمة وأمثالهم فيما حكموا به، وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية، فالأولى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة فإن قلت لهم قد روينا عن الشافعي -﵀- أنه قال: إذا أتاكم الحديث يعارض قولي فاضربوا بقولي الحائط، وخذوا بالحديث فإن مذهبي الحديث، وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه: حرام على كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي، وما روينا شيئًا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيين، ولا عن الشافعي إلا من طريق الشافعية، وكذلك المالكية والحنابلة فإذا ضايقهم في مجال الكلام هربوا وسكنوا، وقد جرى لنا هذا معهم مرارًا بالمغرب وبالمشرق فما منهم أحد على مذهب من يزعم أنه على مذهبه فقد انتسخت الشريعة بالأهواء، وإن كانت الأخبار الصحاح موجودة مسطرة في الكتب الصحاح، وكتب التواريخ بالتجريح والتعديل موجودة والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل، ولكن إذا ترك العمل بها، واشتغل الناس بالرأي ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدمين مع معارضة الأخبار الصحاح لها فلا فرق بين عدمها ووجودها إذا لم يبق لها حكم عندهم، وأي نسخ أعظم من هذا، وإذا قلت لأحدهم في ذلك شيئًا يقول لك هذا هو المذهب، وهو والله كاذب فإن صاحب المذهب قال له إن عارض الخبر كلامي فخذ بالحديث، واترك كلامي في الحش فإن مذهبي الحديث. فلو أنصف لكان على مذهب الشافعي من ترك كلام الشافعي للحديث المعارض فالله يأخذ بيد الجميع" انتهى كلام الشيخ الأكبر قدس سره.
[ ٣٥١ ]
٢٦- فتوى الإمام تقي الدين أبي العباس فيمن تفقه على مذهب:
ثم اشتغل بالحديث فرأى في مذهبه ما يخالفه الحديث كيف يعمل؟
سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه عليه الرحمة، والرضوان عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب الأربعة، وتبصر فيه واشتغل بعده بالحديث فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخًا ولا مخصصًا ولا معارضًا؛ وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب، أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب رحمه الله تعالى: "قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله -ﷺ- حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها -ﷺ، ورضي عنه يقول: "أطيعوني ما اطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله -ﷺ- ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، إلا رسول الله -ﷺ- وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه. وذلك هو الواجب وقال أبو حنيفة: "هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه" ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضروات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ومالك ﵀ كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة". أو كلام هذا معناه. والشافعي ﵀ كان يقول: "إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. وفي قال مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد ﵀ كان يقول: "من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. قال: "لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا". وقد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال١: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " ولازم ذلك أن من لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا فيكون التفقه في الدين فرضًا. والتفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية
_________________
(١) ١ أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث معاوية وغيره.
[ ٣٥٢ ]
فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين. لكن من الناس من قد يعجز عنها، فيلزمه ما يقدر عليه. وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا وقيل يجوز مطلقًا، وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عند الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى، والاحتهاد ليس هو أمرًا لا يقبل التجزء والانقسام، بل يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة وكل فاجتهاده بحسب وسعه فمن نظر في مسألة قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين الأمرين إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره واشتغاله بمذهب إمام آخر، وإما يتبع القول الذي ترجح بنظره بالنصوص الدالة عليه فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح، وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تامًّا في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعًا للظن، وما تهوى الأنفس وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص ويقول: "أنا لا أعلمها" فهذا يقال له قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١ وقال النبي -ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ٢ والذي تستطيعه من العلم، والفقه في هذه المسألة قد دل على أن حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه بخلاف إقراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي وضحت حجته أو الانتقال عن قول إلى قول بمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم وإذا كان المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضًا عدل فمثل هذا وحده لا يكون عذرًا في ترك النص فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح،
_________________
(١) ١ سورة التغابن الآية: ١٦. ٢ أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة.
[ ٣٥٣ ]
أو راويه مجهول، ونحو ذلك ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه فقد زال عذر ذلك في حق هذا، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس أو عمل لبعض الأمصار وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس، والعمل لم يكن عذر ذلك الرجل عذرًا في حقه فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان، وخفاءها عنها أمر لا يضبط طرفاه لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدًا أنه يترك العمل به المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية، وغيرها الذين يقال إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ، أو معارض براجح وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه بل قد عمل به بعضهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص، وإذا قيل لهذا المستفتي المسترشد أنت أعلم أم الإمام الفلاني كانت هذه معارضه فاسدة لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظير من الأئمة، ولست من هذا ولا من هذا ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود -﵄- في مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري -﵁- وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان من السنة أن النبي -ﷺ- قال: "هذه وهذه سواء" وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس -﵄- في المتعة فقال له قال أبو بكر وعمر فقال ابن عباس يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله -ﷺ- وتقولون قال أبو بكر وعمر، وكذلك ابن عمر -﵄- لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوه بقول عمر فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه فألحوا عليه فقال لهم أرسول الله -ﷺ- أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس -﵃- ولو فتح هذا الباب لأوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي -ﷺ- في أمته. وهذا تبديل للدين وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ والله سبحانه أعلم". ا. هـ. كلام الإمام تقي الدين قدس سره.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٣٢.
[ ٣٥٤ ]
٢٧- بيان معرفة الحق بالدليل:
قال الإمام الرباني أبو العباس أحمد الشهير بزروق المغربي قدس الله سره في كتابه: "قواعد التصوف":
"قاعدة: العلماء مصدقون فيما ينقلون؛ لأنه موكول لأمانتهم مبحوث معهم فيما يقولون لأنه نتيجة عقولهم، والعصمة غير ثابتة لهم فلزم التبصر طلبًا للحق والتحقيق لا اعتراضًا على القائل والناقل، ثم إن أتى المتأخر بما لم يسبق إليه فهو على رتبيه، ولا يلزمه القدح في المتقدم ولا إساءة الأدب معه لأن ما ثبت من عدالة المتقدم قاض برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه". ا. هـ.
وقال الأصفهاني في: "أطباق الذهب" في المقالة الثالثة والثلاثين: "مثل المقلد بين يدي المحقق كالضرير عند البصير المحدق، ومثل الحكيم والحشوي كالميتة، والمشوي ما المقلد إلا جمل مخشوش له عمل مغشوش قصاراه لوح منقوش يقنع بظواهر الكلمات، ولا يعرف النور من الظلمات يركض خيول الخيال في ظلال الضلال شغله نقل النقل عن نخبة العقل، وأقنعه رواية الرواية عن در الدراية يروي في الدين عن شيخ هم كمن يقود الأعمى في ليل مدلهم ومن عرف الحق بالعنعت تورط في هوة العنت، والحق وراء السماع والعلم بمعزل عن الرقاع فما أسعد من هدى إلى العلم ونزل رباعه وأرى الحق حقًّا ورزق اتباعه".
[ ٣٥٥ ]
وقال أيضًا في المقالة السابعة والثلاثين: "الحق يتضح بالأدلة، والشهور تشتهر بالأهلة، وشفاء الصدور يحصل بالبلة طالب الحق ضيف الله، والدليل القاطع سيف الله به يفك العلم وينشر، وبه يبقر الحق ويقشر ومثل العلوم والبرهان كمثل المصباح والأدهان الحجة للأحكام كالعماد للخيام إعصار الظن كدر كعصارة الدن، الزم اليقين تكن من المتقين فشواظ الوهم يشوي حمامة القلب شيا، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١. ا. هـ.
وفي كتاب قاموس الشريعة: "لا يصح لامرئ إلا موافقة الحق، ولا يلزم الناس طاعة أحد لأجل أنه عالم أو إمام مذهب، وإنما يلزم الناس قبول الحق ممن جاء به على الإطلاق، ونبذ الباطل ممن جاء به بالاتفاق".
وفيه أيضًا: "كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين، ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
وفيه أيضًا: "والذي يحرم على العالم تصنييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة، والإفراد بعد القطع حديث عبادة بن الصامت٣: بايعنا رسول الله -ﷺ- على أن نقول الحق ونعمل به، وأن لا تأخذنا في الله لومة لائم في العسر، واليسر والمنشط والمكره". ا. هـ.
وقال الإمام مفتي مكة الشيخ محمد عبد العظيم بن ملا فروخ في رسالته: "القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد" في الفصل الأول: "اعلم أنه لم يكلف الله تعالى أحدًا من عبادة أن يكون حنفيًّا أو مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا، بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمد، والعمل بشريعته غير أن العمل بها متوقف على الوقوف عليها، والوقوف عليها له طرق فما كان منها مما يشترك فيه العامة، وأهل النظر، كالعلم بفريضة
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآية: ٢٨. ٢ سورة يونس، الآية: ٣٢. ٣ أخرجه الشيخان وأحمد في مسنده.
[ ٣٥٦ ]
الصلاة والزكاة والحج والصوم والوضوء إجمالًا، وكالعلم بحرمة الزنا والخمر واللواطة وقتل النفس ونحو ذلك مما علم من الدين بالضرورة، فذلك لا يتوقف فيه على اتباع مجتهد ومذهب معين، بل كل مسلم عليه اعتقاد ذلك، يجب عليه فمن كان في العصر الأول فلا يخفى وضوح ذلك في حقه، ومن كان في الأعصار المتأخرة فلوصول ذلك إلى عمله ضرورة من الإجماع والتواتر والآيات والسنن المستفيضة المصرحة بذلك في حق من وصلت إليه، وأما ما لا يتوصل إليه إلا بضرب من النظر والاستدلال فمن كان قادرًا عليه بتوفر آلته وجب عليه فعله كالأئمة المجتهدين، ومن لم يكن له قدرة عليه، وجب عليه اتباع من أرشده إلى ما كلف به من هو من أهل النظر والاحتهاد والعدالة، وسقط عن العاجز تكليفه في البحث، والنظر لعجزه لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ ٢ وهي الأصل في اعتماد التقليد كما أشار إليه المحقق الكمال بن الهمام في التحرير". ا. هـ.
وقال الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس: "اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه خلق للتأمل والتدبر وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها، ويمشي في الظلمة واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم التفحص عن أدلة إمامهم فيتبعون قوله وينبغي النظر إلى القول لا إلى القائل كما قال علي -﵁- للحارث بن عبد الله الأعور بن الحوطي وقد قال له أتظن أن طلحة، والزبير كانا على الباطل فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله". ا. هـ.
وقال ابن القيم: "فإذا جاءت هذه - أي النفس المطمئنة - بتجريد المتابعة للرسول لجاءت تلك -أي الأمارة- بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم فأتت بالشبهة المضلة بما يمنع من كمال المتابعة، وتقسم بالله ما مرادها إلا الإحسان والتوفيق والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادها إلا التفلت من سجي المتابعة إلى قضاء إرادتها وحظوظها وتريه -أي وترى
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٨٦. ٢ سورة النحل، الآية: ٤٣.
[ ٣٥٧ ]
النفس الأمارة صاحبها- تجريد المتابعة للنبي -ﷺ- وتقديم قوله على الآراء في صورة تنقص العلماء وإساءة الأدب عليهم المفضي إلى إساءة الظن به، وأنهم قد فاتهم الصواب فكيف لنا قوة برد عليهم أو نحظى بالصواب دونهم وتقاسمهم بالله إن أرادت إلا إحسانًا وتوفيقًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ١.
والفرق بين تجريد متابعة المعصوم، وإهدار أقواله، وإلغائها أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به الرسول الله -ﷺ- قول أحد، ولا رأيه كائنًا من كان بل تنظر في صحة الحديث أولًا فإذا صح نظر في معناه ثانيًا فإذا تبين له لم يعدل عنه، ولو خالفه من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على ترك ما جاء به نبينا، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به، ولو خفي عليك فلا تجعل جهلك بالقائل حجة على الله تعالى ورسوله في تركه، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا، ولكن لم يصل إليك علمه هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم -﵃- دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم منك فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النصوص أعلم فهلا وافقته إن كنت صادقًا فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف بها ما منها خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك بل مخالفتهم في ذلك أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هذا يتبين الفرق بين تقليد العالم في جميع ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب دليله من الكتاب والسنة والمستعين بأفهامهم يجعلهم بمنزلة الدليل الأول فإذا وصل استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة لم يبق لاستدلاله معنى
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٦٢.
[ ٣٥٨ ]
إذا شاهدها. قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله -ﷺ- لم يكن له أن يدعها لقول أحد، ومن هذا يتبين الفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع، والحكم المؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع بأن الأول هو الذي أنزل الله تعالى على رسوله متلوًّا، أو غير متلو إذا صح وسلم من المعارضة، وهو حكمه الذي ارتضاه لعباده، ولا حكم له سواه، وأن الثاني أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها، ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هكذا حكم الله ورسوله قطعًا، وحاشاهم عن قول ذلك، وقد صح عن رسول الله -ﷺ- النهي عنه في قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة رسوله فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن أجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، ورسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا" أخرجه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث بريدة، بل قالوا اجتهدنا رأينا فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله ولم يلزم أحد منهم بقول الأئمة قال الإمام أبو حنيفة: "هذا رأي فمن جاء بخير منه قبلته" ولو كان هو عن حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه، وكذلك قال مالك لما استشاره هارون الرشيد في أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك وقال: "قد نفر أصحاب رسول الله -ﷺ- في البلاد، وصار عند كل قوم من الأحاديث ما ليس عند الآخرين" وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه، وهذا الإمام أحمد منكر على من كتب فتاويه ودونها ويقول: لا تقلدوني ولا تقلد فلانًا وفلانًا وخذ من حيث أخذوا". ا. هـ. كلام ابن القمي نقله الفلاني في: "إيقاظ الهمم".
وقال السيد الشريف المشتهر فضله في سائر الأقطار الأمير عبد القادر الحسني الجزائري ثم الدمشقي في مقدمة كتابه: "ذكرى العاقل، وتنبيه الغافل" ما نصه: "اعلموا أنه يلزم العاقل أن ينظر في القول ولا ينظر إلى قائله، فإن كان القول حقًّا قبله سواء كان
[ ٣٥٩ ]
قائله معروفا بالحق أو الباطل، فإن الذهب يستخرج من التراب والنرجس من البصل، والترياق من الحيات ويجتني الورد من الشوك فالعاقل يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال والكلمة من الحكمة ضالة العاقل يأخذها من عند كل من وجدها عنده سواء كان حقيرًا أو جليلًا وأقل درجات العالم أن يتميز عن العامي بأمور منها أنه لا يعاف العسل إذا وجده في محجمة الحجام، ويعرف أن الدم قذر لا لكونه في المحجمة، ولكنه قذر في ذاته فإذا عدمت هذه الصفة في العسل فكونه في ظرف الدم المستقذر لا يكسبه تلك الصفة ولا يوجب نفرة عنه، وهذا وهم باطل غلب على أكثر الناس فمهما نسب كلام إلى قائل حسن اعتقادهم فيه قبلوه، وإن كان القول باطلا وإن نسب القول إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه، وإن كان حقا ودائما يعرفون الحق بالرجال، ولا يعرفون الرجال بالحق، وهذا غاية الجهل والخسران فالمحتاج إلى الترياق إذا هربت نفسه منه حيث علم أنه مستخرج من حية جاهل فيلزم تنبيهه على أن نفرته جهل محض وهو سبب حرمانه من الفائدة التي هي مطلوبة فإن العالم هو الذي يسهل عليه إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأفعال لا بأن يكون ملتبسًا عليه الحق بالباطل والكذب بالصدق والجميل بالقبيح ويصير يتبع غيره ويقلده فيما يعتقد، وفيما يقول فإن هذه ما هي إلا صفات الجهال والمتبعون من الناس على قسمين قسم عالم مسعد لنفسه ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل لا بالتقليد ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل لا بأن يقلدوه، وقسم لنفسه ومهلك لغيره وهو الذي قلد آباءه وأجداده فيما يعتقدون ويستحسنون، وترك النظر بعقله ودعا الناس لتقليده، والأعمى لا يصح أن يقود العميان وإذا كان تقليد الرجال مذموما غير مرضي في الاعتقادات فتقليد الكتب أولى وأخرى بالذم، وإن بهيمة تقاد أفضل من مقلد ينقاد، وإن أقوال العلماء والمتدينين متضادة متخالفة في الأكثر، واختيار واحد منها واتباعه بلا دليل باطل لأنه ترجيح بلا مرجح فيكون معارضًا بمثله، وكل إنسان من حيث هو إنسان فهو مستعد لإدراك الحقائق
[ ٣٦٠ ]
على ما هي عليه؛ لأن القلب الذي هو محل العلم بالإضافة إلى حقائق الأشياء كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات تظهر فيها كلها على التعاقب، لكن المرآة قد لا تنكشف فيها الصور لأسباب أحدها: نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل، والثاني: لخبثه وصدئه وإن كان تام الشكل، والثالث: لكونه غير مقابل للجهة التي فيها الصورة كما إذا كانت الصورة وراء المرآة، والرابع: لحجاب مرسل بين المرآة والصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلي فيها صور المعلومات كلها، وإن خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة أولها نقصان في ذات القلب كقلب الصبي فإنه لا تنجلي له المعلومات لنقصائه، والثاني: لكدورات الأشغال الدينوية، والخبث الذي يتراكم على وجه القلب منها فالإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء والإعراض عن الأشياء الشاغلة القاطعة هو الذي يجلو القلب ويصفيه، والثالث: أن يكون معدولًا به عن جهة الحقيقة المطلوبة، والرابع: الحجاب فإن العقل المتجرد للفكر في حقيقة من الحقائق ربما لا تنكشف له لكونه محجوبًا باعتقاد سبق إلى القلب وقت الصبا على طريق التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول بين القلب والوصول إلى الحق ويمنع أن ينكشف في القلب غير ما تلقاه بالتقليد، وهذا حجاب عظيم حجب أكثر الخلق عن الوصول إلى الحق لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية رسخت في نفوسهم وجمدت عليها قلوبهم، والخامس الجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب فإن الطالب لشيء ليس يمكنه أن يحصله إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبة حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبًا مخصوصًا يعرفه العلماء فعند ذلك يكون قد صادف جهة المطلوب فتظهر حقيقة المطلوب لقلبه فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تصاد إلا بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين يأتلفان ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على مثال حصول النتاج من ازدواج الفحل والأنثى، ثم كما أن من أراد أن يستنتج فرسًا لم يمكنه ذلك من حمار وبعير، بل من أصل مخصوص من الخيل الذكر والأنثى، وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص، فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان، وبينهما طريق مخصوص في الازدواج يحصل من ازدواجهما العلم المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج هو المانع من العلم ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها". ا. هـ. ملخصًا.
[ ٣٦١ ]
٢٨- بيان أن معرفة الشيء ببرهانه طريقة القرآن الكريم:
قال الأستاذ العلامة مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده في المقالة أثرت عنه ما صورته: "سعادة الناس في دنياهم، وأخراهم بالكسب والعمل فإن الله خلق الإنسان، وأناط جميع مصالحه ومنافعه بعمله وكسبه والذين حصلوا سعادتهم بدون عمل ولا سعى هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحدهم لا يشاركهم في هذا أحد من البشر مطلقًا، والكسب مهما تعددت وجوهه فإنها ترجع إلى كسب العلم لأن أعمال الإنسان إنما تصدر عن إرادته وإرادته تنبعث عن آرائه، وآراؤه هي نتائج علمه فالعلم مصدر الأعمال كلها دنيوية وأخروية فكمالا يسعد الناس في الدنيا إلا بأعمالهم كذلك لا يسعدون في الآخرة إلا بأعمالهم، وحيث كان للعلم هذا الشأن فلا شك أن الخطأ فيه خطأ في طريق السير إلى السعادة عائق أو مانع من الوصول إليها فلا جرم أن الناس في أشد الحاجة إلى ما يحفظ من هذا الخطأ، ويسير بالعلم في طريقة القويم حتى يصل السائر إلى الغاية".
ثم قال: "اعتنى العلماء في كل أمة بضبط اللسان، وحفظه من الخطأ في الكلام، ووضعوا لذلك علومًا كثيرة، وما كان للسان هذا الشأن إلا لأنه مجلي للفكر وترجمان له، وآله لإيصال معارفه من ذهن إلى آخر فأجدر بهم أن تكون عنايتهم بضبط الفكرأعظم كما أن اللفظ مجلي الفكر هو غطاؤه أيضًا فإن الإنسان لا يقدر على إخفاء أفكاره إلا بحجاب الكلام الكاذب حتى قال بعضهم إن اللفظ لا يوجد إلا ليخفي الفكر".
ثم كشف الأستاذ النقاب عن حقيقة الفكر الصحيح الذي ينتفع بالميزان، ويكون
[ ٣٦٢ ]
مطلقًا يجري في مجراه الذي وضعه الله تعالى عليه، إلى أن يصل إلى غايته؛ أما المقيد بالعادات، فهو الذي لا شأن له، وكأنه لا وجوده له، وقد جاء الإسلام ليعتق الأفكار من رقها، ويحلها من عقلها، فترى القرآن ناعيًا على المقلدين، ذاكرًا لهم بأسوأ ما يذكر به المجرم ولذلك بني على اليقين ثم قال:
"على طالب العلم أن يسترشد بم تقدمه، سواء كانوا أحياء أم أمواتًا، ولكن عليه أن يستعمل فكره فيما يؤثر عنهم، فإن وجده صحيحًا أخذ به وإن وجده فاسدًا تركه، وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ الآية، وإلا فهو كالحيوان، والكلام كاللحام له أو الزمام يمنع به عن كل ما يريد صاحب الكلام منعه عنه، وينقاد إلى حيث يشاء المتكلم أن ينقاد إليه من غير عقل ولا فهم".
ثم ألمع إلى الأشياء التي تجعل الفكر صحيحًا مطلقًا، فقال: "إن الكلام عنه يحتاج إلى شرح طويل، ويمكن أن نقول فيه كلمة جامعة يرجع إليها كل ما يقال وهي الشجاعة، الشجاع: هو الذي لا يخالف في الحق لومة لائم فمتى لاح له يصرح به ويجاهر بنصرته، وإن خالف في ذلك الأولين والآخرين. ومن الناس من يلوح له نور الحق فيبقى متمسكًا بما عليه الناس ويجتهد في إطفاء نور الفطرة، ولكن ضميره لا يستريح فهو يوبخه إذا خلا بنفسه ولو في فراشه لا يرجع عن الحق أو يكتم الحق لأجل الناس إلا الذي لم يأخذ إلا بما قال الناس، ولا يمكن أن يأتي هذا من موقن يعرف الحق معرفة صحيحة".
وبعد أن أفاض في الكلام على الشجاعة وبين احتياج الفكر والبصيرة في الدين إليها قال: "وهنا شيء يحسبه بعضهم شجاعة، وما هو بشجاعة وإنما هو وقاحة وذلك كالاستهزاء بالحق وعدم المبالاة بالحق فترى صاحب هذه الخلة يخوض في الأئمة، ويعرض بتنقيص أكابر العلماء غرورًا وحماقة، والسبب في ذلك أنه ليس عنده من الصبر والاحتمال
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية: ١٨.
[ ٣٦٣ ]
وقوة الفكر، ما يسبر به أغوار كلامهم، ويمحص به حججهم وبراهينهم ليقبل ما يقبل عن بينة، ويترك ما يترك عن بينه، وهذا ولا شك أجبن ممن تحمل ثقل التقليد على ما فيه، وربما تنبع في عقله خواطر ترشده إلى البصيرة أو تلمع في ذهنه بوارق من الاستدلال لو مشى في نورها لاهتدى وخرج من الحيرة، وأما المستهزئ فهو أقل احتمالًا من المقلد فإن الهوى الذي يعرض لفكرة إنما يأتيه من عدم صبره، وثباته على الأمور وعدم التأمل فيها، والحاصل أن الفكر الصحيح يوجد بالشجاعة، وهي ها هنا التي يسميها بعض الكتاب العصريين: "الشجاعة الأدبية" وهي قسمان شجاعة في رفع القيد الذي هو التقليد الأعمى، وشجاعة في وضع القيد الذي هو الميزان الذي لا ينبغي أن يقر رأي ولا فكر إلا بعد ما يوزن به ويظهر رحجانه، وبهذا يكون الإنسان عبدًا للحق وحده، وهذه الطريقة طريقة معرفة الشيء بدليله وبرهانه ما جاءتنا من علم المنطبق، وإنما هي طريقة القرآن الكريم الذي ما قرر شيئًا إلا واستدل عليه، وأرشد متبعيه إلا الاستدلال، وإنما المنطق آله لضبط الاستدلال كما أن النحو آله لضبط الألفاظ في الإعراب والبناء". ا. هـ.
[ ٣٦٤ ]
٢٩- بيان أن من المصالح هذه المذاهب المدونة وفوائد مهمة من أصل التخريج على كلام الفقهاء وغير ذلك:
قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة: "ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام، وزلت الأقدام وطغت الأقلام، منها: أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة، أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدًّا، وأشربت النفوس الهوى وأعجب كل ذي رأي برأيه١ فما ذهب إليه ابن حزم
_________________
(١) ١ ما مبتدأ، وخبره قوله فيما يأتي. إنما يتم فمن له ضرب من الاجتهاد.
[ ٣٦٤ ]
حيث قال: "التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله -ﷺ- بلا برهان لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٢ وقال مادحًا لمن لم يقلد: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ٤ فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة، وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قوله قائل لأنه غير القرآن والسنة، وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم، وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع، والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم فيأخذه كله فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد -﵃- ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة، وأيضًا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم فقد خالفهم من قلدهم، وأيضًا فما الذي جعل رجلًا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنهم- فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره". ا. هـ. إنما٥ يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٢. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٧٠. ٣ سورة الزمر، الآية: ١٧، ١٨. ٤ سورة النساء، الآية: ٥٨. ٥ إنما يتم من كلام الدهلوي وهو خبر لقوله السابق في طليعة البحث: "فما ذهب إليه ابن حزم".
[ ٣٦٥ ]
ظهر عليه ظهورًا بينًا أن النبي -ﷺ- أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث، وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد لها نسخًا، أو بأن يرى جمًّا غفيرًا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه، ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي -ﷺ- إلا نفاق خفي أو حمق جلي، وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: "ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودًا على تقليد إمامه بل بتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلدة" وقال: "لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا لهم فيما قال كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب" وقال الإمام أبو شامة: "ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة، وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة فإنها مضيعة للزمان، ولصفوه مكدرة فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره، قال صاحبه المزني في أول مختصره: "اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله لأقر به على من أراد مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهى الشافعي عن تقليده، وتقليد غيره". ا. هـ. وفيمن١ يكون عاميًّا، ويقلد رجلًا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب البتة وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده، وإن ظهر الدليل على خلافه، وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال: "سمعت رسول الله -ﷺ- يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
_________________
(١) ١ وفيمن: عطف على قوله: إنما يتم فيمن له ضرب إلخ.
[ ٣٦٦ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ قال إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه، وفيمن٢ لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلًا فقيهًا شافعيًّا وبالعكس ولا يُجوز أن يقتدى الحنفي بإمام شافعي مثلًا، فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين وليس محله٣ فيمن لا يدين إلا بقول النبي -ﷺ- ولا يعتقد حلالًا إلا ما أحله الله ورسوله ولا حرامًا إلا ما حرمه الله ورسوله، لكنه لما لم يكن له علم بما قاله النبي -ﷺ- ولا بطريق الجمع بين المختلفات من كلامه ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالمًا راشدًا على أنه مصيب فيما يقول ويفتي ظاهرًا متبع سنة رسول الله -ﷺ، فإن خالف ما يظنه أقلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار، فهذا كيف ينكره أحد مع أن الاستفتاء والإفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي -ﷺ- ولا فرق بين أن يُستفتى هذا دائمًا أو يُستفتى هذا حينًا، وذلك حينًا بعد أن يكون مجمعًا على ما ذكرناه كيف لا، ولم نؤمن بفقيه أيًّا كان أنه أوحى الله إليه الفقه، وفرض علينا طاعته وأنه معصوم فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح الكتاب والسنة أو مستنبطًا منهما بنحو من الاستنباط، أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوط بعلة كذا، وأطمان قلبه بتلك المعرفة فقاس غير المنصوص على المنصوص فكأنه يقول: ظننت أن رسول الله -ﷺ- قال: كلما وجدت هذه العلة فالحكم في طريقة ظنون، ولولا ذلك لما قلد مؤمن مجتهدًا فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه، وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين فمن أظلم منا؟ وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين؟.
"ومنها: أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل في الدين، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما، فمنهم من يقل من ذا،
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٣٢. ٢ وفيمن: عطف على ما تقدم. ٣ أي قول ابن حزم المتقدم.
[ ٣٦٧ ]
ويكثر من ذاك، ومنهم من يكثر من ذا، ويقل من ذاك فلا ينبغي أن يهمل أمر واحد منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين، وإنما الحق البحث أن يطابق أحدهما بالآخر، وأن يجبر خلل كل بالآخر، وذلك قول الحسن البصري: "سنتكم، والله الذي لا إله إلا هو بينهما" بين الغالي والجافي، فمن كان من أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره، وذهب إليه على رأي المجتهدين من التابعين، ومن كان من أهل التخريج له أن يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح الصحيح، ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو يقدر الطاقة، ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق بالقواعد التي أحكمها أصحابه وليست منا نص عليه الشارع فيرد به حديثًا أو قياسًا صحيحًا كرد ما فيه أدنى شائبة الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم رد حديث تحريم المعازف لشائبة الانقطاع في رواية البخاري على أنه في نفسه متصل صحيح فإن مثله إنما يصار إليه عند التعارض، وكقولهم فلان أحفظ لحديث فلان من غيره فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك وإن كان في الآخر ألف رجه من الرجحان، وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برءوس المعاني دون الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية فاستدلالهم بنحو الفاء والواو وتقديم كلمة وتأخيرها، ونحو ذلك من التعمق وكثيرًا ما يعبر الراوي الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر، والحق أن كل ما يأتي به الراوي فظاهره أنه كلام النبي -ﷺ- فإن ظهر حديث آخر أو دليل آخر وجب المصير إليه، ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولًا لا يفيده نفس كلام أصحابه، ولا يفهمه منه أهل العرف والعلماء باللغة ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير المسألة عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض فيه الآراء، ولو أن أصحابه مثلوا عن تلك المسألة ربما يحملون النظير على النظير لمانع، وربما ذكروا علة غير ما خرجه هو، وإنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من تقليد المجتهد ولا يتم إلا فيما يفهم من كلامه، ولا ينبغي أن يرد حديثًا أو أثر تطابق عليه القوم لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه كرد حديث المصراة١. وكإسقاط سنهم ذوي القربى٢، فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك
_________________
(١) ١ راجع ص٩٨ من هذا الكتاب. ٢ أي قربى النبي -ﷺ- من الفيء والغنيمة، والمعروف أن ذلك مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم".
[ ٣٦٨ ]
القاعدة المخرجة، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: "مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فبلغ عن رسول الله -ﷺ- خلاف ما قلت فالقول ما قاله -ﷺ".
"ومنها: أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب أعلاها أن يحصل له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكن به من جواب المستفتين في الوقائع غالبًا بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف فيه، وتخص "أي هذه المعرفة" باسم الاجتهاد، وهذا الاستعداد يحصل تارة بالإمعان في جمع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها، كما أشار إليه أحمد بن حنبل مع ما لا ينفك منه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، وصاحب العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات، وترتيب الاستدلالات ونحو ذلك، وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه من معرفة جملة صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الإجماع القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس مسائل الفقه المجمع عليها بأدلتها التفصيلية، ويحصل له غاية العلم ببعض المسائل الاجتهادية من أدلتها، وترجيح بعض الأقوال على بعض، ونقد التخريجات، ومعرفة الجيد والزيف، وإن لم يتكامل له الأدوات كما يتكامل للمجتهد المطلق فيجوز لمثله أن يلفق من المذهبين إذا عرف دليلهما، وعلم أن قوله ليس مما لا ينفذ فيه اجتهاد المجتهد، ولا يقبل فيه قضاء القاضي ولا يجري فيه فتوى المفتين، وأن يترك بعض التخريجات التي سبق الناس إليها إذا عرف عدم صحتها، ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق يصنفون ويرتبون ويخرجون ويرجحون، وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور والتخريج يتجزأ، وإنما المقصود تحصيل الظن وعليه مدار التكليف،
[ ٣٦٩ ]
فما الذي يستبعد من ذلك؟ وأما ما دون ذلك من الناس، فمذهبه فيما يرد عليه كثيرًا ما أخذه عن أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة، وفي الوقائع النادرة فتاوى مفتيه، وفي القضايا ما يحكم القاضي، وعلى هذا وجدنا محققي العلماء من كل مذهب قديمًا وحديثًا، وهو الذي أوصى به أئمة المذاهب أصحابهم".
ثم قال الدهلوي ﵀: "قال ابن الصلاح من وجد من الشافعية حديثًا يخالف مذهبه نظر: إن كملت له آله الاجتهاد مطلقًا، أو في ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل له آلة الاجتهاد وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث فلم يجد للمخالف جوابًا شافيًا عنه فله العمل به، إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرًا له في ترك مذهب إمامه ها هنا وحسنة النووي.
"ومنها: أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر فيها أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق وتكبيرات العيدين، ونكاح المحرم وتشهد ابن عباس وابن مسعود، والإخفاء بالبسملة وبآمين والإسفاع، والإيثار في الإقامة، ونحو ذلك إنما هو في ترجيح أحد القولين، وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية، وإنما كان خلافهم في أولى الأمرين ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءة، وقد عللوا كثيرًا من هذا الباب بأن الصحابة مختلفون، وأنهم جميعًا على الهدى ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية، ويسلمون قضاء القضاة ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم، ولا ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يضجعون القول ويبينون الخلاف يقول أحدهم: هذا أحوط وهذا هو المختار وهذا أحب إلي ويقول: ما بلغنا إلا ذلك، وهذا كثير في المبسوط وآثار محمد ﵀ وكلام الشافعي ﵀ ثم خلف من بعدهم خلف اختصروا كلام القوم فقووا الخلاف، وثبتوا على مختار أئمتهم، والذي يروى من السلف من تأكيد الأخذ بمذهب أصحابهم، وأن لا يخرج منها بحال فإن ذلك إما لأمر جبلي، فإن كل إنسان يحب ما هو مختار أصحابه وقومه حتى في الزي والمطاعم، أو لصوله ناشئة من ملاحظة الدليل، أو لنحو ذلك من الأسباب
[ ٣٧٠ ]
فظن البعض تعصبًا دينيًّا، حاشاهم من ذلك. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم -﵃- يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا جهرًا وصلى الرشيد إمامًا وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد، وكان أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟ ورُوي أن أبا يوسف ومحمدًا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده، وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدبًا معه، وقال أيضًا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق وقال مالك ﵀ للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقا، وفي البزازية عن الإمام الثاني، وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلًا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ١. ا. هـ.
ثم قال الدهلوي قدس سره: "ومنها: أني وجدت بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما: أهل الظاهر وأهل الرأي، وأن كل من قاس واستنبط فهو من أهل الرأي. كلا والله بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل، فإن ذلك لا ينفك من أحد من العلماء، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلًا فإنه لا ينتحله مسلم البتة، ولا القدرة على الاستنباط والقياس فإن أحمد وإسحاق بل الشافعي أيضًا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير، والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار. والظاهري من لا يقول بالقياس ولا بآثار الصحابة والتابعين كداود وابن حزم وبينهما المحقون من أهل السنة كأحمد وإسحاق". ا. هـ.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد وأصحابه السنن من حديث عبد الله بن عمر.
[ ٣٧١ ]
٣- بيان وجوب موالاة الأئمة المجتهدين وأنه إذا وجد لواحد منهم قول صح الحديث بخلافة فلا بد له من عذر في تركة وبيان العذر:
قال الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه ﵁ وأرضاه وجعل الجنة متقلبه ومثواه آمين في كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" في مقدمته بعد الخطبة ما صورته: يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
ثم قال: فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنته بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا يتعمد مخالفة رسول الله -ﷺ- في شيء من سنته دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -ﷺ- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه وجماع الأعذار ثلاثة أصناف أحدهم: عدم اعتقاد أن النبي -ﷺ- قاله، والثاني: عدم اعتقاده إراده تلك المسألة بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول:
أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن
[ ٣٧٢ ]
يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه، وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب، فقد يوافق ذلك الحديث تارة، ويخالفه أخرى وهذا السبب الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله -ﷺ- لم تكن لأحد من الأمة، وقد كان النبي يحدث أو يفتي أو يقضي أو يفعل الشيء فيسمعه أو يراه من يكون حاضرًا، ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر قد يحدث أو يفتي أو يقول شيئًا ويشهده بعض من كان غائبًا من ذلك المجلس، ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته، وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله -ﷺ- فهذا لا يمكن ادعاؤه قط واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله -ﷺ- وسنته وأحواله خصوصًا الصديق -﵁- الذي لم يكن يفارقه حضرًا ولا سفرًا، بل كان يكون معه في غالب الأوقات حتى إنه يسمر عنده بالليل في أمور المسلمين، وكذلك عمر بن الخطاب -﵁- فإنه -ﷺ- كثيرًا ما يقول: "دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" ثم مع ذلك لما سئل أبو بكر -﵁- عن ميراث الجدة قال: "مالك في كتاب الله في شيء ولكن اسأل الناس"١ فسألهم فقام المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة فشهد أن النبي أعطاها السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من الخلفاء ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التي قد اتفقت الأمة على العمل بها، وكذلك عمر بن الخطاب -﵁- لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى استشهد بالأنصار٢. وعمر أعلم ممن حدثه بهذه
_________________
(١) ١ أخرجه سعيد بن منصور في سننه وعبد الرزاق في جامعه من حديث قبيصة بن ذؤيب وله تتمة. ٢ الحديث في الصحيحين وغيرهما.
[ ٣٧٣ ]
السنة ولم يكن عمر أيضًا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى أن الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، وهو أمير الرسول على بعض البوادي يخبره أن رسول الله -ﷺ١ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فترك رأيه لذلك وقال: "لو لم نسمع بهذا لقضينا بخلافه"٢. ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٣. ولما قدم: "سرغ" وبلغه أن الطاعون بالشام استشار المهاجرين الأولين الذين معه ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح، فأشار كل عليه بما رأى، ولم يخبره أحد بسنة حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله -ﷺ- في الطاعون وأنه قال٤: "إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي يشك في صلاته، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي -ﷺ٥ أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن، وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول: من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة: "فبلغني وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى أدركته فحدثنه بما أمر به النبي عند هبوب الريح"٦. فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله، ومواضع أخر لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك مثل ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها، وقد كان عند أبي موسى وابن عباس -وهما دونه بكثير في العلم- علم بأن النبي قال: "هذه وهذه سواء" ٧ يعني الإبهام، والخنصر فبلغت هذه السنة لمعاوية في إمارته فقضى بها
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. ٢ رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي. ٣ رواه الشافعي. ٤ الحديث في الصحيحين وغيرهما. ٥ روى مسلم وأحمد وابن ماجه والترمذي أحاديث بمعناه، راجع نيل الأوطار ج٣ ص١٢٩ وما بعدها. ٦ أخرجه أبو داود وابن ماجه، وعند مسلم من حديث عائشة قالت: كان النبي -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به". ٧ رواه الجماعة إلا مسلمًا.
[ ٣٧٤ ]
ولم يجد المسلمون بدًّا من اتباع ذلك. ولم يكن عيبًا في عمر -﵁- حيث لم يبلغه الحديث. وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام، وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة هو وابنه عبد الله -﵄- وغيرهما من أهل الفضل، ولم يبلغهم حديث عائشة -﵂: "طيبت رسول الله -ﷺ- لحرمه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف"١ وكان يأمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت، واتبعه على ذلك طائفة من السلف، ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند بعض من ليس مثلهم في العلم، وقد رُوي ذلك عن النبي -ﷺ- من وجوه متعددة صحيحة٢.
وكذلك عثمان -﵁- لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الموت، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي قال لها: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" ٣ فأخذ به عثمان، وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله فهم بأكله حتى أخبره علي -﵁- أن النبي رد لحمًا أهدي له٤.
وكذلك علي -﵁- قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر" وذكر حديث٥ صلاة التوبة المشهور، وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة الله في سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبي -ﷺ- بأن عدتها وضع حملها٦ وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضه إذا مات عنها زوجها فلا مهر
_________________
(١) ١ أخرجاه في الصحيحين. ٢ أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة أن النبي -ﷺ- كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ويومًا وليلة في الحضر. والحديث متكلم فيه. راجع نيل الأوطار ج١ ص٢٠٦. ٣ رواه الخمسة وصححه الترمذي، ولم يذكر النسائي وابن ماجه إرسال عثمان. ٤ رواه أحمد وابن ماجه. والذي في الصحيحين من حديث أبي قتادة أنه أكل منه. ٥ أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن السني في عمل اليوم والليلة. ٦ راجع ص٨٩.
[ ٣٧٥ ]
لها، ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله -ﷺ: "في بروع بنت واشق"١ وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله -ﷺ- عددًا كثيرًا جدًّا، وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يمكن الإحاطة به فإنه ألوف فإن هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليه أولى فلا يحتاج إلى بيان فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة وإمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا.
ولا يقولن قائل: "إن الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفاؤها والحال هذه بعيد! " لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن، إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يُدعى انحصار حديث رسول الله -ﷺ- في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله -ﷺ- فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرًا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين، وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية. ولا يقولن قائل "من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا" لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي -ﷺ- وفعله فيما يتعلق بالأحكام فليس في الأمة مجتهد، وإنما غاية العلم أن يعلم جمهور ذلك وعظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل، ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه.
السبب الثاني:
أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيئ الحفظ، وإما أنه لم يبلغه مسندًا بل منقطعًا أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث، قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة، أو يكون قد رواه غير
_________________
(١) ١ أي فإنه قضى لها بمهر مثلها والحديث عند أحمد وأهل السنن.
[ ٣٧٦ ]
أولئك المجروحين عنده، أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة، وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها، وهذا أيضًا كثير جدًّا وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين من بعدهم أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول، فإن الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت، لكن كانت تبلغ كثيرًا من العلماء من طرق ضعيفة، وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا الوجه مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه، ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي في هذه المسألة كذا، وقد رُوي فيها حديث بكذا فإن كان صحيحًا فهو قولي.
السبب الثالث:
اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب ولذلك أسباب:
منها: أن يكون الحديث يعتقده أحدهما ضعيفًا، ويعتقده الآخر ثقة -ومعرفة الرجال علم واسع- ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح، وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح، إما لأن جنسه غير جارح أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح، وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم.
ومنها: أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه وغيره يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب معروفة ذلك.
ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب، مثل أن يختلط أو تحرق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به حال الاضطراب ضعيف، فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين. وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.
[ ٣٧٧ ]
ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث، فلم يذكره فيما بعد. أو أنكر أن يكون حدثه معتقدًا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به، والمسألة معروفة.
ومنها: أن كثيرًا من الحجازيين يرون أن لا يحتج بحديث عراقي أو شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم: "نزلوا أحاديث أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم". وقيل لآخر: "سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ " قال: إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا. وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء، وأن أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها، وبعض العراقيين يرى أن لا يحتج بحديث الشاميين، وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا فمتى كان الإسناد جيدًا كان الحديث حجة سواء كان الحديث حجازيًّا أو عراقيًّا أو شاميًّا أو غير ذلك.
وقد صنف أبو داود السجستاني كتابًا في مفاريد أهل الأمصار من السنن، يبين ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التي لا توجد مسنده عند غيرهم، مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها إلى أسباب أخر غير هذه.
السبب الرابع:
اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه.
السبب الخامس:
أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه وهذا يرد في الكتاب والسنة، مثل الحديث المشهور عن عمر -﵁- أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء. فقال: "لا يصلي حتى يجد الماء" فقال له عمار١: "يا
_________________
(١) ١ راجع ص٨٨.
[ ٣٧٨ ]
أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فاجتنبنا، فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل، فذكرت ذلك للنبي -ﷺ- فقال: "إنما يكفيك هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بها وجهه وكفيه. فقال له عمر: "اتق الله يا عمار" فقال: "إن شئت لم أحدث به" فقال: "بل نوليك من ذلك ما توليت" فهذه سنة شهدها عمر، ثم نسيها، حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار فلم يذكر، وهو لم يكذب عمارًا، بل أمره أن يحدث به. وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال: "لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي -ﷺ- وبناته إلا رددته" فقالت امرأة: "يا أمير المؤمنين! بل تحرمنا شيئًا أعطانا الله إياه؟ ثم قرأت: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ١. فرجع عمر إلى قولها، وقد كان حافظًا للآية ولكن نسيها. وكذلك ما روي عن عليًّا ذكر الزبير يوم الجمل شيئًا عهده إليهما رسول الله -ﷺ- فذكره حتى انصرف عن القتال، وهذا كثير في السلف والخلف.
السبب السادس:
عدم معرفته بدلالة الحديث، تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريبًا عنده، مثل لفظ: المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، والغرر إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها٢، وكالحديث المرفوع٣: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". فإنهم قد فسروا الإغلاق بالإكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير وتارة لكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبي -ﷺ- وهو يحمله على ما يفهمه في لغته، بناء على أن الأصل بقاء اللغة كما سمع بعضهم آثارًا في الرخصة في النبيذ فظنوه بعض أنواع المسكر لأنه لغتهم وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد فإنه جاء مفسرًا في أحاديث كثيرة صحيحة، وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة بناء على أنه كذلك في اللغة، وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل شراب مسكر وتارة لكون اللفظ
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٩. ٢ راجع معانيها في "النهاية" لابن الأثير. ٣ أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة.
[ ٣٧٩ ]
مشتركا أو مجملا أو مترددًا بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده وإن كان المراد هو الآخر كما حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل، وكما حمل آخرون قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ ١. على اليد إلى الإبط، وتارة لكون الدلالة من النص خفية، فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدًّا يتفاوت الناس في إدراكها وفهم وجوه الكلام بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه، ثم قد يعرفها الرجل من حيث العموم ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلا في ذلك العام ثم قد يتفطن له تارة ثم ينساه بعد ذلك، وهذا باب واسع جدًّا لا يحيط به إلا الله، وقد يغلط الرجل فيفهم من الكلام ما لا تحتمله اللغة العربية التي بعث الرسول بها.
السبب السابع:
اعتقاده أن لا دلالة في الحديث، والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول لم يعرف جهة الدلالة والثاني عرف جهة الدلالة، لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابًا أو خطأ مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة وأن المفهوم ليس بحجة وأن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه أو أن الأمر المجرد لا يقتضى الوجوب أو لا يقتضي الفور أو أن المعرف باللام لا عموم له، أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها، أو أن المتقضى لا عموم له فلا يدعى العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم، وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها، وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات هل هي من ذلك الجنس أم لا مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل بأن يكون مشتركًا دلالة تعين أحد معنييه أو غير ذلك.
السبب الثامن:
اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب أو الحقيقة بما
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٤٢.
[ ٣٨٠ ]
يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات. وهو باب واسع أيضًا، فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم.
السبب التاسع:
اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله إن كان قابلا للتأويل، بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية أو حديث آخر أو مثل إجماع، وهذا نوعان: "أحدهما" أن يعتقد أن هذا المعارض راجح في الجملة، فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها، وتارة يعين أحدها بأن يعتقد أنه منسوخ أو أنه مؤول ثم قد يغلط في النسخ، فيعتقد المتأخر متقدمًا، وقد يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما يحتمله لفظه أو هناك ما يدفعه، وإذا عارضه من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك المعارض دالًّا وقد لا يكون الحديث المعارض في قوة الأول إسنادًا أو متنًا وتجيء هنا الأسباب المتقدمة وغيرها في الحديث الأول، والإجماع المدعى في الغالب إنما هو عدم العلم بالمخالف، وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف مع أن ظاهر الأدلة عندهم يقتضي خلاف ذلك، لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولًا لم يعلم به قائلا -مع علمه- بأن الناس قد قالوا خلافه حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع، وإلا فالقول عندي كذا وكذا، وذلك مثل من يقول لا أعلم أحدًا أجاز شهادة العبد وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم، ويقول أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث، وتوريثه محفوظ عن علي وابن مسعود، وفيه حديث١ حسن عن النبي، ويقول آخر: لا أعلم أحدًا أوجب الصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة٢ وإيجابها محفوظ عن أبي جعفر الباقر، وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم أهل العلم الذين أدركهم في بلاده وأقوال جماعات غيرهم كما تجد كثيرًا من المتقدمين لا يعلم إلا قول المدنيين والكوفيين، وكثيرًا من المتأخرين لا
_________________
(١) ١ رواه النسائي من حديث ابن عباس بلفظ: "المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه، ويورث بقدر ما عتق منه" وهو عند أبي داود والترمذي بمعناه. ٢ لعله: في غير الصلاة.
[ ٣٨١ ]
يعلم إلا قول اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين، وما خرج عن ذلك فإنه عنده مخالف الإجماع؛ لأنه لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه، فهذا لا يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا لخوفه أن يكون هذا خلافًا للإجماع أو لاعتقاده أنه مخالف للإجماع -والإجماع أعظم الحجج- وهذا عذر كثير من الناس في كثير مما يتركونه، وبعضهم معذور فيه حقيقة وبعضهم معذور فيه، وليس في الحقيقة بمعذور وكذلك كثير من الأسباب قبله وبعده.
السبب العاشر:
معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله مما لا يعتقد غيره، أو جنسه معارض أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا، كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن، واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم، ونحوه مقدم على نص الحديث ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرًا لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة، ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين١، وإن كان غيرهم يعلم أن ليس في ظاهر القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ولو كان فيه ذلك، فالسنة هي المفسرة للقرآن عندهم، وللشافعي في هذه القاعدة كلام معروف، ولأحمد فيها رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله -ﷺ- وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، ومن ذلك دفع الخبر الذي هو تخصيص لعموم الكتاب أو تقييد لمطلقة أو فيه زيادة عليه، واعتقاد من يقول ذلك أن الزيادة على النص كتقييد المطلق نسخ، وأن تخصيص العام نسخ وكمعارضه طائفة من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة بناء على أنهم مجمعون على مخالفة الخبر، وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر، كمخالفة أحاديث خيار المجلس بناء على هذا الأصل وإن كان أكثر الناس قد يثبتون أن المدنيين قد اختلفوا في تلك المسألة، وأنهم لو أجمعوا وخالفهم غيرهم لكانت الحجة في الخبر، وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي، بناء على أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر إلى غير ذلك من أنواع المعارضات سواء كان المعارض مصيبًا أو مخطئًا.
_________________
(١) ١ عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قضى بيمين وشاهد، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيره بمعناه.
[ ٣٨٢ ]
"فهذه الأسباب العشرة ظاهرة. وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها فإن مدارك العلم، واسعة ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها وإذا أبداها قد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه سواء كانت الحجة صوابًا في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة، وإن كان أعلم إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعي فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي العالم ليس كذلك، ولو كان العمل بهذا التجويز جائزًا لما بقي في أيدينا شيء من الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورًا في تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك وقد قال سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَت﴾ .
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النبي -ﷺ- بقول أحد من الناس كما قال ابن عباس -﵄- لرجل سأله من مسألة فأجابه فيها بحديث فقال له: قال أبو بكر، وعمر فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله -ﷺ- وتقولون: قال أبو بكر، وعمر، وإذا كان الترك بكونه لبعض هذه الأسباب فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له -من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم- يعاقب لكونه حلل الحرام أو حرم الحلال أو حكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنه أو غضب أو عذاب ونحو ذلك فلا يجوز أن يقول إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافًا إلا شيئًا عن بعض معتزلة بغداد مثل المريسي وإضرابه أنهم زعموا أن المخطئ من
[ ٣٨٣ ]
المجتهدين يعاقب على خطئه، وهذا١ لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم أو بتمكنه من العلم بالتحريم. فإن من نشأ ببادية، أو كان حديث عهد بالإسلام، أو فعل شيئًا من المحرمات، غير عالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي فمن لم يبلغه الحديث المحرم، واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورًا، ولهذا كان هذا مأجورًا محمودًا لأجل اجتهاده قال الله سبحانه: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿وَعِلْمًا﴾ فاختص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ وفي الصحيحين عن النبي أنه قال لأصحابه عام الخندق: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدركهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة وقال بعضهم: لم يرد منا هذا فصلوا في الطريق فلم يعب واحدة من الطائفتين فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم فإن المقصود المبادرة إلى القوم، وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافًا مشهورًا هل يخص العموم بالقياس، ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب، وكذلك بلال -﵁- لما باع الصاعين بالصاع أمره النبي برده ولم يرتب على ذلك حكم آكل الربا من التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه كان بالتحريم، وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد﴾ معناه الحبال البيض والسود فكان أحدهم يجعل عقالين: أبيض وأسود ويأكل حتى يتبين أحدهما من
_________________
(١) ١ أي عدم جواز أن يقول إن ذلك العالم إلخ.. ا. هـ.
[ ٣٨٤ ]
الآخر، فقال النبي لعدي١: "إن وسادك إذن لعريض، إنما هو بياض النهار وسواد الليل" فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ولم يرتب على هذا الفعل ذم من أفطر في رمضان، وإن كان من أعظم الكبائر بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات فإنه قال٢: "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العِيِّ السؤال" فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا من أهل العلم وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودًا ولا دية ولا كفارة لما قتل الذي قال: "لا إله إلا الله" في غزوة الحرقات٣ فإنه كان معتقدًا جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح مع أن قتله حرام، وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية ولا كفارة وإن كان قتلهم وقتالهم محرمًا، وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر في كل خطاب لاستقرار العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل مشروط بإخلاص العمل لله، وبعدم حبوط العمل بالردة ثم إن هذا الشرط لا يذكر في كل حديث فيه وعد ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد فإن الحكم يتخلف عنه الوعيد لمانع، وموانع لحوق الوعيد متعددة؛ منها التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية للسيئات ومنها بلاء الدنيا ومصائبها ومنها شفاعة شفيع مطاع ومنها رحمة أرحم الراحمين، فإذا عدمت هذه الأسباب كلها -ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد على الله شراد البعير على أهله- فهنالك يلحق الوعيد به وذلك أن حقيقة الوعيد بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه أما أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به فهذا باطل قطعًا لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط، وزوال جميع الموانع وإيضاح هذا أن من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
"إما أن يكون تركًا جائزًا باتفاق المسلمين، كالترك في حق من لم يبلغه ولا قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم، كما ذكرناه عن الخلفاء الراشدين وغيرهم،
_________________
(١) ١ أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي. ٢ رواه أبو داود والدارقطني من حديث جابر، وله تتمة. ٣ أخرجه الشيخان وغيرهما.
[ ٣٨٥ ]
فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء.
"وإما أن يكون تركا غير جائز. فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله تعالى لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء، أن يكون الرجل قاصرا في درك تلك المسألة فيقول مع عدم أسباب القول، وإن كان له فيها نظر واجتهاد، أو يقصر في الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته مع كونه متمسكًا بحجة أو يغلب عليه عادة أو غرض بمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده، وإن كان لم يقل إلا بالاجتهاد، والاستدلال فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد قد ينضبط للمجتهد، ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة فهذه ذنوب، لكن لحوق عقوبة الذنب بصاحبه إنما تنال لمن لم يتب، وقد يمحوها الاستغفار والإحسان والبلاء والشفاعة والرحمة ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل أو من يجزم بصواب قول أو خطئة من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفيًا وإثباتًا فإن هذين في النار كما قال النبي -صلى اله عليه وسلم١: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل ورجل علم الحق وقضى بخلافه" والمفتون كذلك لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضًا له موانع كما بيناه فلو فرض وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند الأمة مع أن هذا بعيد أو غير واقع لم يعدم أحدهم هذه الأسباب، ولو وقع لم يقدح في إمامتهم على الإطلاق فإنا لا نعتقد في القوم العصمة، بل نجوز عليهم الذنوب ونرجو لهم مع ذلك أعلى الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية، وأنهم لم يكونوا مصرين على ذنب، وليسوا بأعلى درجة من الصحابة -﵃- والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا والدماء التي كانت بينهم وغير ذلك، ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لم نعلم لها معارضا يدفعها، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة ووجوب تبليغها، وهذا مما لا يختلف العلماء فيه" انتهى المقصود من هذا البحث من فتوى شيخ الإسلام، ولها تتمة بديعة فلتنظر.
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه وأبو داود ومن حديث بريدة بلفظ آخر.
[ ٣٨٦ ]