١- ماهية علم الحديث؛ رواية ودراية وموضوعه وغايته:
قال عز الدين بن جماعة: "علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن وموضوعه السند، والمتن وغايته معرفة الصحيح من غيره".
وقال ابن الأكفاني: "علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على نقل أقوال النبي -ﷺ- وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وعلم الحديث الخاص بالدراية علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها".
قال السيوطي: "فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك؛ وشروطها: تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل، من سماع أو عرض أو إجازة ونحوها، وأنواعها الاتصال والانقطاع، ونحوهما وأحكامها القبول، والرد وحال الرواة العدالة والجرح وشروطهم في التحمل وفي الأداء سيأتي نبذة منه وأصناف المرويات المصنفات من المساند والمعاجم والأجزاء وغيرهم، وما يتعلق بها: هو معرفة اصطلاح أهلها".
[ ٧٥ ]
٢- المقصود من علم الحديث:
قال الإمام النووي قدس الله سره في شرح خطبة مسلم ما نصه١: "إن المراد من علم الحديث، تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد والمعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في المتن، وتارة في الإسناد وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع، ولا الإسماع ولا الكتابة بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفي معاني المتون، والأسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة به ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه، وغيرها فيحفظها الطالب بقلبه ويفيدها بالكتابة ثم يديم مطالعة ما كتبه، ويتحرى التحقيق فيما يكتبه، ويتثبت فيه فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمدًا عليه، ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن سواء كان مثله في المرتبة أو فوقه أو تحته فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، ويتحرر ويتأكد ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكر، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة، والحفظ ساعات بل أيامًا، وليكن في مذاكرته متحريًا الإنصاف قاصدًا الاستفادة والإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبًا له بالعبارة الجميلة اللينة فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته والله أعلم".
_________________
(١) ١ ص٢٨ القاهرة، المطبعة الكستلية، ١٢٨٣هـ.
[ ٧٦ ]
٣- حد المسند والمحدث والحافظ:
كثيرًا ما يوجد في الكتب تلقيب من يعاني الآثار بأحدها، فيظن من لا وقوف له على مصطلح القوم ترادفها وجواز التلقيب بها مطلقًا، وليس كذلك.
بيانه أن المسند: "بكسر النون" هو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد روايته، وأما المحدث فهو أرفع منه بحيث عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال. وأكثر من حفظ المتون وسماع الكتب الستة والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، وأما الحافظ فهو مرادف للمحدث عند السلف.
وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: "المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع بين رواته، وأطلع على كثير من الرواة والروايا في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه واشتهر فيه ضبطه فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه، وشيوخ طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا هو الحافظ، وأما ما يُحكى عن بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسب أزمنهم! ".
وقال الإمام أبو شامة: "علوم الحديث الآن ثلاثة أشرفها: حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني حفظ أسانيدها ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، والثالث جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه".
قال الحافظ ابن حجر: "من جمع هذه الثلاث كان فقيها محدثًا كاملًا ومن انفرد باثنين منها كان دونه" كذا في التدريب.
[ ٧٧ ]