المبحث الأول: الكتابة عند العرب قيل الإسلام.
الفصل الأول: الكتابة في عهد النبي ﷺ
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام.
المبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام.
[ ٤ ]
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام
أثبتت الدراسات الحديثة للنقوش والبرديات الجاهلية أن العرب عرفوا الكتابة وكتبوا بالخط العربي الذي عرف فيما بعد بالخط الكوفي منذ مطلع القرن الرابع الميلادي أي قبل الإسلام بثلاثة قرون تقريبًا، كما عرفوا النقط والإعجام (١) .
وقد انتقلت الكتابة إلى العرب عن طريق "الأنبار" وهم تعلموها من أهل "الحيرة" التي عرفت فيما بعد "بالكوفة"؛ فقد كانت مركزًا ثقافيًا منذ زمن بعيد، واستخدمت فيها اللغة العربية في بلاط الحكام العرب.
وانتقلت الكتابة إلى الحجاز عن طريق "حرب بن أمية" وكان له صحبة مع "بشر بن عبد الملك" أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل" بسبب تجارته إلى "العراق" فتعلم منه الكتابة، ثم سافرا معًا إلى مكة فتزوج "بشر" "الصهباء" أخت "أبي سفيان"، وتعلم منه الكتابة جماعة من أهل مكة (٢) .
ويذكر أنه ممن كان يكتب في تلك الفترة:"عبد المطلب" جد النبي ﷺ وكذلك جده الأكبر "قصي" (٣) .
ومن الطبيعي أن تنتشر الكتابة في "مكة" بعد ذلك بوصفها مركزًا دينيًا وتجاريًا، ولابد أن يكون هذا الانتشار عن طريق التعليم، إذ وجدت أماكن
_________________
(١) مصادر الشعر الجاهلي، ٦١٩.
(٢) مناهل العرفان ١/٣٦٢.
(٣) تاريخ الطبري ١/١٠٨٤، طبقات ابن سعد ١/١/٣٨، عن دلائل التوثيق المبكر للسنة، د. امتياز أحمد، ١٥٦.
[ ٥ ]
للتعليم في مكة (١)، والمدينة (٢)، ودومة الجندل (٣)، وغيرها.
كما كانت تعقد في مكة مجالس للعلم تتدارس فيها الأخبار والأشعار والأنساب، وكان منها مجالس أبي بكر ﵁، قال ابن عباس ﵄: "كانت قريش تألف منزل أبي بكر لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مُجالسه" (٤) .
وقد أدرك العرب قيمة الكتابة والكاتبين فأطلقوا صفة الكمال على من أتقن أمورا ثلاثة، أحدها: الكتابة. قال ابن سعد: "كان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي" (٥) .
قال في " مختار الصحاح: "والكاتب عند العرب العالم" (٦) .
أما الموضوعات التي أثر عن عرب الجاهلية كتابتها: فهي تشمل كل شؤون حياتهم الخاصة والعامة، فكانوا يكتبون أنسابهم (٧)، وأشعارهم (٨)، ومآثرهم، وحكم بلغائهم (٩)، وأيام حروبهم (١٠)، وعهودهم ومواثيقهم،
_________________
(١) فتوح البلدان ٥٧٩.
(٢) فتوح البلدان ٥٨٣.
(٣) المحبر ٤٧٥.
(٤) البيان والتبيين ٤/٧٦.
(٥) طبقات ابن سعد ٣/٢/٩١.
(٦) مختار الصحاح ٥٦٢.
(٧) طبقات ابن سعد ٤/١/٣٢.
(٨) مصادر الشعر الجاهلي ١٠٧ - ١٢٣.
(٩) تاريخ الطبري ١/١٢٠٨، عن دلائل التوثيق المبكر للسنة ١٥٩.
(١٠) طبقات ابن سعد ٤/١/١/٣٢.
[ ٦ ]
وأحلافهم (١)، ومراسلاتهم الشخصية (٢)، وديونهم فقد جاء في كتاب رسول ﷺ إلى ثقيف: "وما كان لثقيف من دَين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم" (٣) .
على أن هذه المعرفة للقراءة والكتابة لم تكن عامة عند الجميع، فهي تختلف باختلاف البيئات والمواطن تطورًا وازدهارًا، فالقبيلة الواحدة قد يكون قسم منها ضاربًا في جوف الصحراء، وقسم تحضَّر واستقرَّ، وسكن المدن والقرى، وقسم بين هذين القسمين يبتعد في جوف الصحراء، ولكنه لا ينزل قلب المدن والقرى، وإنما يستوطن باديتها، وظاهرها، وعلى ذلك كانت قريش، والأوس، والخزرج وهذيل، وأكثر قبائل العرب (٤) .
وعن ذلك يقول "ابن فارس" -بعد أن عرض لذكر بعض الأعراب ممن كان لا يحسن الكتابة- " فأما من حكي عنه من الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر والكاف والدال فإنا لم نزعم أن العرب كلها مدرا ووبرا قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة " (٥) .
كما أن هذا لا ينافي ما وصفهم الله به في كتابه الكريم من أنهم أمة أمية وذلك في ثلاث آيات هي: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران:٢٠]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ
_________________
(١) مصادر الشعر الجاهلي ١٦٦.
(٢) صبح الأعشى ٦/٤٦٨.
(٣) الوثائق السياسية، محمد حميد الله، ١٨١، فقرة ١٠.
(٤) مصادر الشعر الجاهلي ٦١٨.
(٥) عن مصادر الشعر الجاهلي ٤٧.
[ ٧ ]
عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] . لأن الأمية بهذا المعنى كانت غالبة على كثرتهم والكتابة فيهم قليلة نادرة (١) .
وقد ادَّعى البعض أن وصف العرب بالأمية لا ينافي معرفتهم بالقراءة والكتابة، وأن المراد بالأمية هي الأمية الدينية أي الجهل بالشريعة؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وما كان محمد ﷺ أميًا إلا لأنه نبي هؤلاء الأميين لتعليمه إياهم شريعة الله (٢) .
وهو حمل لظاهر معنى النص القرآني على غير المراد منه من غير قرينة، وذلك لأنه يقتضي التفريق بين تفسير الأميين -وهم العرب- بأنهم جهلة الدين والشريعة، وبين تفسير ما وصف به الرسول ﷺ من الأمية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧] بأنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وهو الأصل المراد من ظاهر النص والذي فهمه جمهور المفسرين، وبيَّنه قول رسول الله ﷺ: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٣) .
_________________
(١) فتح الباري ٤/١٢٧.
(٢) انظر علوم الحديث صبحي الصالح ١٦، والسنة قبل التدوين ٢٩٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصوم ٤/١٢٧، بشرحه فتح الباري.
[ ٨ ]
المبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام
رأينا في المبحث السابق كيف أن الكتابة كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، لذلك نعجب لما ذكره بعض المؤرخين (١) من أسماء سبعة عشر رجلا من قريش هم فقط الذين يعرفون الكتابة عند دخول الإسلام. وقد استبعد بعض الباحثين أن تكون هذه الإحصائية دقيقة لما تتمتع به " مكة " من موقع جغرافي وتجاري وديني وخاصة أنه لم يذكر فيها بعض من اشتهر بالكتابة والعلم أمثال " أبي بكر الصديق " و" سفيان بن حرب " وغيرهم، إضافة إلى أنه ذكرت أسماء بعض النساء المسلمات الكاتبات، منهن أم المؤمنين "حفصة" ﵂ و" الشفاء بنت عبد الله القرشية " ﵂ وغيرهن (٢) .
وهذا يدل على أن ما ذكره بعض المؤرخين يفيد في قلة عدد الكاتبين حين ذاك دون حصرهم جميعًا.
وقد أحصى أحد الباحثين المعاصرين عدد المتعلمين في مكة عند ظهور الإسلام وجزم بأنه نحو سبعين متعلمًا (٣) .
أما في المدينة فلم يتجاوز عدد الذين يعرفون الكتابة على ما ذكره بعض المؤرخين أحد عشر رجلا، وما قيل في مكة يقال في المدينة.
على أن هذه الحالة وإن كانت دقيقة إلا أنها لم تدم طويلا بعد انتشار الإسلام وما نزل من القرآن في الأمر بالقراءة في أول سورة منه، والأمر
_________________
(١) انظر فتوح البلدان ٦٦٠، وابن سعد ٣/١/٤٤٨.
(٢) انظر دراسات في الحديث ٤٧، والسنة قبل التدوين ٢٩٦.
(٣) دلائل التوثيق المبكر، د. امتياز أحمد ١٧٦.
[ ٩ ]
بكتابة ما يخص المسلم من أموال ومعاملات، إلى غير ذلك من الآيات التي جعلت الكتاب حجة، والآيات التي بينت فضل العلم والعلماء، وفي حث الرسول ﷺ على طلب العلم وما قام به من أعمال من شأنها أن تأخذ بأيدي الناس نحو حب العلم والمعرفة، من ذلك أمره ﷺ بتعليم الكتابة للرجال (١) والنساء (٢)، وإرسال المعلمين في كل جهة لنشر العلم حتى كان التعليم في البيوت وفي المساجد، ومن هذه الأماكن "دار الأرقم" في "مكة" و"دار القراء" في "المدينة" (٣) وغيرهما.
كما شجع بعض الصحابة على تعلم لغات أخرى فطلب من زيد بن ثابت أن يتعلم العبرية والسريانية فتعلمهما في خمسة عشر يومًا، فكان يكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب ويقرأ له إذا كُتب إليه (٤) .
وقد أثمرت سياسة الرسول ﷺ التعليمية أينع الثمار، فأضحى بين يديه ﷺ خمسون كاتبًا يكتبون الوحي، والصدقات والمغانم وسائر العقود والمعاملات والمداينات والمعاهدات وكل ما يَهُمُّ الدولة الإسلامية في شؤونها السياسية والاجتماعية، اختصَّ كل كاتب منهم بكتابة نوع من هذه الأنواع (٥) .
_________________
(١) كما في أسرى بدر حيث جعل فداء كل أسير تعليم القراءة لعشرة من صبيان المدينة.
(٢) حيث طلب من الشفاء أن تعلم حفصة ﵂ الكتابة، كما في مسند أحمد ٦/٣٧٢، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ١٧٨) .
(٣) طبقات ابن سعد ٤/٢/١٥٠.
(٤) سنن أبي داود ٣/٣١٨.
(٥) التراتيب الإدارية ١/١١٥، وانظر كُتَّاب الوحي د. أحمد عيسى ص ٦٤ - ٧١، فقد أحصى منهم ٤٦ كاتبًا، وأحصى الأعظمي خمسين منهم في " كُتَّاب النبي ﷺ " وانظر كتابه دراسات في الحديث ٥٤.
[ ١٠ ]
وانتشرت الكتابة حتى اشتهرت بإتقانها بعض القبائل كقبيلة ثقيف في الطائف، مما دعا عمر بن الخطاب ﵁ أن يجعل كتبة المصحف من قريش وثقيف، ودعا عثمان إلى أن يقول: " اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف (١) .
وهذا يشير إلى كثرة عدد الكاتبين، الأمر الذي جعل الخليفة يتخير منهم من يراه صالحًا لهذا الأمر الجليل.
وبذلك تبين لنا أن الصحابة عرفوا الكتابة وأتقنوها، فهل قاموا بكتابة حديث رسول الله ﷺ كما كتبوا القرآن؟
لا شك أن هذا يحتاج إلى أمر وتكليف من رسول الله ﷺ كما هو الحال في أمره بكتابة القرآن.
فهل أمرهم بذلك أو نهاهم عنه؟
وهل كتب الصحابة شيئًا من الحديث في عهد الرسول ﷺ بدون أن يأمرهم بذلك؟
هذا ما ستجيب عنه الفصول التالية إن شاء الله، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما سنتحدث عنه هو كتابة الحديث لا تدوينه أو تصنيفه، وأرى أن أعَرِّف بهذه المصطلحات كما عرفها علماء اللغة حتى يتضح المراد للقارىء الكريم.
فالكتابة هي: قال في اللسان: "كَتَبَ الشيء يكتبه كَتْبًا وكِتابًا وكِتابة، وكَتَبه: خَطَّه، فكتابة الشيء: خَطُّه" (٢) .
_________________
(١) مصادر الشعر الجاهلي ٥٠.
(٢) لسان العرب، مادة كتب، ٣/٢١٦.
[ ١١ ]
والتدوين هو: قال في اللسان: "والديوان مجتمع الصحف" (١)، وقال في تاج العروس (٢): "وقد دوَّنه تدوينًا جمعه". وعليه فالتدوين هو: جمع الصحف المفرقة في ديوان ليحفظها.
أما التصنيف: فقال في اللسان (٣): "والتصنيف تمييز الأشياء بعضها من بعض، وتصنيف الشيء جعله أصنافًا".
فالتدوين هو جمع المتفرق المشتت في ديوان أو في كتاب ليحفظ من الضياع، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود، والتصنيف أدق من التدوين، فهو ترتيب ما دوِّن في فصول محددة وأبواب مميزة. والمقصود في بحثنا هو الكتابة فقط.
_________________
(١) مادة دون، ١/١٣٩.
(٢) المصدر السابق فصل الدال باب النون، ٩/٢٠٤.
(٣) مادة صنف، ٢/٤٨٣.
[ ١٢ ]