المبحث: منهج التعليل
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج التعليل.
المبحث الثاني: دفع التعارض.
[ ٢٧ ]
التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن
نستطيع أن نقول إننا أمام منهجين للتوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وهما:
١- منهج التعليل.
٢ - ومنهج دفع التعارض.
وهذا ما سنتناوله في المبحثين التاليين:
[ ٢٨ ]
المبحث الأول: منهج التعليل
وهو القول بأن أحاديث النهي عن الكتابة كانت لعلة، ومن المعلوم أن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا، فمتى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى انعدمت العلة انعدم الحكم.
والذي يدقق النظر في أحاديث النهي يجدها أشارت إلى التعليل، كما في رواية أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب الأحاديث فقال "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال: "أكتابَ غير الله تريدون؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلا أنهم اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة: فقلت: أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: "نعم، تحدَّثوا ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) .
واستنبط العلماء عللا أخرى عبروا عنها في كتبهم بما يلي:
قال الخطابي: ".. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ" (٢) .
وقال ابن القيم: " وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى " (٣) .
وذكر الصنعاني: أن النهي عن الكتابة إنما كان في أول الأمر " بسبب أنه لم يكن قد اشتد إلف الناس بالقرآن ولم يذكر حفاظه والمتقنون له، فلما ألفه
_________________
(١) تقييد العلم ٣٣.
(٢) معالم السنن مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/٢٤٦.
(٣) زاد المعاد ٣/٤٥٧.
[ ٢٩ ]
الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته فلم يخش اختلاطه بعد ذلك " (١) .
وقال ابن عبد البر: " من كره كتابة العلم إنما كرهها لوجهين: أحدهما ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتبه فلا يحفظ، فيقلَّ الحفظ " (٢) .
وذكر الخطيب البغدادي:" لئلا يضاهى بكتاب الله غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه " (٣) .
وقال ابن الصلاح: ".. ولعله أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه مخافة الأتكال عن الكتاب" (٤) .
ومن خلال أقوال العلماء هذه نستطيع أن نجمل العلل التي من أجلها نهى الرسول ﵊ عن كتابة الأحاديث فيما يلي:
أولًا: خوف انكباب الناس على كتابة غير القرآن:
فالغرض من منع كتابة الأحاديث هو الحفاظ على الاهتمام النشط من جانب الذين هداهم الله إلى القرآن، فالقرآن لا يزال في مرحلة الوحي ولم يجمع بعد، فكان ينبغي أن يُعطى مزيدًا من الاهتمام عن أحاديث الرسول ﷺ، فخوفًا من احتمال أن يصرف اهتمام المسلمين عن المصدر الأول للتشريع منع الرسول ﷺ كتابة الأحاديث.
يؤيد ذلك التعليل: أننا إذا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها نجدهم يصرحون بذلك، فهذا أبو نضرة يقول: قلنا لأبي سعيد: لو
_________________
(١) توضيح الأفكار ٢ / ٢١٨.
(٢) جامع بيان العلم ١ / ٨٢.
(٣) تقييد العلم ٥٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ٨٨.
[ ٣٠ ]
كتبتم لنا فإنَّا لا نحفظ قال: "لا نكتب ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم" (١) .
حيث فسر رواة الحديث (النهي عن الكتابة) بخشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء (٢) .
وأيضا عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب الرسول ﷺ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال: " إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا " (٣) .
وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم.
ثانيًا: الخوف من مضاهاة الحديث للقرآن الكريم:
فالنهي عن كتابة السنة حتى لا تكون مثل القرآن، فالقرآن مكتوب متداول بين الصحابة متعبد بتلاوته وقراءته، فخشي أن يكتب الحديث فيكون مصحفًا يقرأ ويتلى كما يقرأ القرآن الكريم.
يؤيد ذلك التعليل: ما ذكر عن الصحابة عموما أنّهم كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها، ولذلك قال الخطيب البغدادي: " فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يُضاهى بكتاب الله تعالى
_________________
(١) تقييد العلم ٥٧.
(٢) منهج النقد في علوم الحديث ٤٣.
(٣) تقييد العلم ٤٩.
[ ٣١ ]
غيرُه، أو يشتغل عن القرآن بسواه " (١) .
ثالثًا: المحافظة على النص القرآني خشية اختلاطه بالسنة.
إن من أسباب النهي عن كتابة الحديث النبوي: خوف اختلاط بعض أقوال النبي ﷺ بالقرآن سهوًا من غير عمد (٢)، ويؤيد ذلك التعليل ما ذكره البغدادي بقوله: ".. ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلا م وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤْمَنْ أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن" (٣) .
رابعًا: الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين:
قال ابن حجر: "النهي في حَقِّ مَنْ خشي الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن عليه ذلك" (٤) .
فالنهي عن كتابة الأحاديث، كان للحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين؛ إذ الاتكال على الكتابة يضعفها؛ ولذلك كانوا يحتفظون بمعلوماتهم في خزائن القلوب الآمنة (٥)، والمعرفة عندهم ليست ما تحتويه الكتب، ولكن ما وقر في الصدر، فكانوا يرون أن المعلومات التي تُدَوَّن تكون عرضة للنسيان والضياع، وقد منحهم الله ذاكرة حافظة قوية صقلتها كثرة محفوظاتهم واعتمادهم عليها في كل ما يودون الاحتفاظ به، يقول الخطيب: "ونهي عن
_________________
(١) تقييد العلم ٥٧.
(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: (ص ٧٦ – ٧٧)
(٣) تقييد العلم ٥٧.
(٤) فتح الباري ١/٢٠٨.
(٥) دلائل التوثيق المبكر ٢٢٠.
[ ٣٢ ]
الاتكال على الكتاب؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان" (١) .
يؤيد ذلك التعليل أن بعض الصحابة كانوا يكتبون ثم يمحون ما كتبوا (٢)، ولولم يكن النهي عن الكتابة مستقرًا عندهم لما كتبوا ابتداء.
خامسًا: الحرج في الكتابة:
لقد اهتم الصحابة بكتابة القرآن الكريم، وكانت الوسائل الكتابية بدائية وغير ميسرة منها: رقاق الحجارة والعظام وسعف النخل وجلود الحيوانات، وكانت الأحاديث النبوية أكثر من أن يحصوها؛ وذلك أن النبي ﷺ آتاه الله العلم والحكمة والنبوة فكان له في كل حادثة قول، وفي كل مسألة جواب، وفي كثير من الوحي تفسير وبيان، استمر ذلك النور النبوي ثلاثًا وعشرين سنة بين أظهر الصحابة رضوان الله عليهم. فأنى لهم الوسائل الكتابية، ومن أين لهم الوقت الكافي لتدوين حديثه كله تدوينًا كاملا، وليسوا مضطرين أن يعتمدوا على الكتابة، وقد منحهم الله ﷾ حافظة في صدورهم تعوض لهم ما فاتهم من الكتابة تدوينا وتقييدا؟ ولم يرد النبي ﷺ أن يشق عليهم فيأمرهم بكتابة السنة، وإنما اكتفى بكتابة القرآن الكريم (٣) .
_________________
(١) تقييد العلم ٥٨، وانظر المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ٣٧٧.
(٢) الإلماع ١٤٩.
(٣) معالم السنة النبوية ٧٣.
[ ٣٣ ]
المبحث الثاني: دفع التعارض
المبحث الثاني: منهج دفع التعارض بين أحاديث النهي والإذن
اختلف العلماء ولا سيما الأصوليين في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية، فذهب الجمهور إلى أن منهج دفع التعارض هو النسخ أولا، وذلك بأن يُعْلَمَ تاريخ ورود كل من الدليلين المتعارضين فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم. فإن عجزنا عن معرفة تاريخ ورود الدليلين المتعارضين لجأنا إلى الجمع، وذلك بالتأليف بينهما وإزالة الاختلاف، فإن عَجَزْنا عن الجمع بين المتعارضين لجأنا إلى الترجيح؛ وذلك بتقوية أحد الدليلين المتعارضين بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين.
وذهب الحنفية إلى أن منهج دفع التعارض بين الدليلين المتعارضين يكون بالجمع أولا ثم بالنسخ ثانيا، ثم بالترجيح ثالثا (١) .
والخلاف بين الجمهور والحنفية في تقديم الجمع على النسخ.
وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة تعارض حقيقي في الواقع ونفس الأمر بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وإنما التعارض في الذهن فقط بحسب ما يبدو لذهن المجتهد لسبب من الأسباب التي تجعل الأدلة متعارضة في نظره.
وأود أن أنوه إلى أنني سأسير وفق منهج الجمهور في دفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن.
أولًا: النسخ
والنسخ في اللغة هو الإزالة والنقل.
_________________
(١) الإحكام للآمدي ٣/١٨٢، تيسير التحرير ٣/١٦٠، شرح مختصر ابن الحاجب ٢/١٦٦.
[ ٣٤ ]
يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ أي: أزالته ويقال: نسخت الكتاب أي نقلته (١) .
وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريف النسخ بين كونه رفعا للحكم أو بيانًا له. وأشهر ما قيل في تعريف النسخ هو: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه " (٢) .
ومن خلال تعريف النسخ نستطيع أن نقول:
لا بد أن نعرف تاريخ ورود النهي عن الكتابة وتاريخ ورود الإذن بالكتابة حتى يمكننا القول بأن المتأخر ناسخ للمتقدم.
ويرى بعض العلماء أن أحاديث النهي منسوخة؛ لأنها متقدمة وأحاديث الإذن ناسخة لأنها متأخرة فهو من باب نسخ السُّنة بالسُّنة.
ومال إلى هذا الرأي كثير من العلماء كابن قتيبة (٣)، وابن حجر (٤)، والنووي (٥)، وابن الصلاح (٦) وغيرهم، والقول بالنسخ لابد أن يستند إلى
دليل محقق.
واستدل العلماء على كون النهي المتقدم هو المنسوخ بما يلي:
أن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها؛ فإن النبي ﷺ
_________________
(١) مختار الصحاح ٦٥٦، المصباح المنير ٢/٢٧١.
(٢) نهاية السول ٢٢٦، دراسات في النسخ د. نادية العمري ٢٨.
(٣) تأويل مختلف الحديث ١٩٣.
(٤) فتح الباري ١/٢٠٨.
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/١٣٠.
(٦) المحدث الفاصل ٣٨٦.
[ ٣٥ ]
قال في غزوة الفتح:"اكتبوا لأبي شاه". يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها.
وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة.
ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله.
وذكر الشيخ رشيد رضا (١): أن النهي هو المتأخر وليس هو المتقدم، وبالتالي فالإذن بالكتابة هو المنسوخ.
واستدل على ذلك بدليلين:
الأول: استدلال مَنْ رُوي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة الرسول ﷺ.
ورد على ذلك بما يلي: " لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي ﷺ فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه.
وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي ﷺ ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ولم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله موقوفًا عليه، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص.
والرواية الثانية عن أبي نضرة عن أبي سعيد في امتناعه هو، وليس فيها أن النبي ﷺ نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده، ثم عند أولاده.
_________________
(١) مجلة المنار ١٠/٧٦٧، عن السنة ومكانتها في التشريع ٦١.
[ ٣٦ ]
فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلًا واضحًا على أن الإذن هو المتأخر.
وأن عمر ﵁ عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر ولم يذكروا نهيا كان من النبي ﷺ وذلك صريح فيما أثبتناه" (١) .
فلا يمكن القول بأن حديث أبي سعيد هو المتأخر فيكون ناسخا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي ﷺ يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته ﷺ (٢) ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.
ويعلق الدكتور الأعظمي على رأي رشيد رضا هذا بقوله: " وفي الواقع هذا الرأي هو وليد نظرته إلى السنة؛ لأنه في رأيه لم يرد النبي ﷺ أن تكون أحاديثه دينا عاما كالقرآن " (٣) .
ثانيًا: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوا.
رُدَّ على ذلك بما يلي: " أما نشر الحديث فقد نشروا والحمد لله وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيُعنى به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، وأن الله ﷾ تكفَّل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة. وما تكفل بحفظه لابد أن يحفظ.
_________________
(١) الأنوار الكاشفة للمعلمي ٤٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/٢٠٨، بشرحه فتح الباري.
(٣) دراسات في الحديث النبوي ٧٩.
[ ٣٧ ]
وقد علمنا من دين الله أنَّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل حفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذلك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين" (١) .
وبعد رَدِّ دليلَيْ القائل بأن النهي هو المتأخر فهو الناسخ، والإذن بالكتابة هو المتقدم فهو المنسوخ، وأحاديث الإذن هي الناسخة، فآخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو الإذن بكتابة الحديث، ويؤيد ذلك ما يلي:
١- ما روي عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده".
فقد هَمَّ النبي ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق. فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد.
٢- رُوي من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال: " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له ". فاستئذان عبد الله بن عمرو من النبي ﷺ في كتابة الحديث يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها في أول الأمر، وقد أذن رسول الله ﷺ له بالكتابة لما استأذنه، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو، وعليه فيمكن أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يلتحق بالرفيق
_________________
(١) الأنوار الكاشفة ٤٤.
[ ٣٨ ]
الأعلى إلا وكتابة الحديث مأذون فيها (١) .
وعلق الدكتور نور الدين عتر على هذا الرأي بقوله: " إن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة،؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخًا عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث، فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله" (٢) .
ثانيًا: الجمع بين الدليلين (أحاديث النهي - أحاديث الإذن بالكتابة)
والجمع في اللغة: هو الضم والاقتران.
وفي الاصطلاح: هو إزالة الاختلاف بالتأليف والتوفيق والتأويل فلا يؤدي هذا التأويل إلى التعسف الشديد (٣) .
وبعض العلماء يرون أنه من الممكن التوفيق والتأليف بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن فيها، ويتحقق الجمع فيها بما يلي:
الطريقة الأولى:
١ - وذلك بأن تحمل أحاديث النهي على حال غير الحال التي تحمل عليها أحاديث الإذن بالكتابة، كأن تحمل أحاديث النهي في حق مَنْ وُثِقَ بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، وتحمل أحاديث الإذن في الكتابة في حَقِّ مَنْ لا يُوثق بحفظه، ويُخاف عليه النسيان (٤) .
_________________
(١) الحديث والمحدثون ١٢٥.
(٢) منهج النقد ٤٣.
(٣) أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ٣٥، ولسان العرب ١/٤٩٨، مادة جمع.
(٤) النووي على مسلم ١٦/١٣٠.
[ ٣٩ ]
وقيل: النهي في حق من خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك (١) .
وقيل: بأن النهي هو في حق من لا يوثق بحفظه والإباحة في حَقِّ مَنْ يُوثق بحفظه. وهذا القول لا يقره النظر لما روي من الإذن لعبد الله بن عمرو ومثله يوثق بحفظه كما يدل عليه حديث أبي هريرة: فإنه كان يكتب بيده
ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي، ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتاب فأَذِن له (٢) .
أو أن تحمل أحاديث النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد وأحاديث الإذن تحمل على تفريقهما (٣) .
يؤيد ذلك ما نقله الخطابي: " إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة" (٤) .
فإذا لم نقل بالنسخ فلا يكون النهي واردًا فيمن فصل بينهما فكتب القرآن في صحيفة والحديث في صحيفة أخرى (٥) .
أو أن تحمل أحاديث النهي على وقت غير الوقت الذي تحمل عليه أحاديث الإذن، كأن تحمل أحاديث النهي على وقت نزول القرآن الكريم خشية التباسه، وتحمل أحاديث الإذن على غير هذا الوقت (٦) .
_________________
(١) ابن حجر في فتح الباري ١/٨٠٢.
(٢) كتابة الحديث النبوي، د. يوسف عبد المقصود ٣١١، تقييد العلم ٨٣.
(٣) فتح الباري ١/٢٠٨.
(٤) معالم السنن ٥/٢٤٦.
(٥) كتابة الحديث النبوي ٣٠٦.
(٦) تدريب الراوي ٢/٦٧.
[ ٤٠ ]
الطريقة الثانية:
وذلك بأن تكون أحاديث النهي خاصة، وأحاديث الإذن عامة، فيحمل الخاص على العام، وذلك بأن يحمل الخاص فيما ورد فيه ويبقى العام على عمومه.
أو يكون بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن عموم وخصوص وجهي، وذلك بأن أحاديث الإذن أو التصريح به كان خاصا بعبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه اعتاد أن يكتب بالسريانية والعربية في حين أن الصحابة الآخرين باستثناء واحد أو اثنين لم يكونوا على درجة تؤهلهم للكتابة.
أو أن أحاديث النهي لم تكن دائمة ولا عامة، ومن جهة أخرى فالأحاديث المصرح بتدوينها تعطي انطباعا بأن التصريح بالكتابة منح لهؤلاء الذين شَكَوْا من ضعف ذاكرتهم، وبالتالي فالذين استطاعوا حفظ أقوال النبي في الذاكرة لم يكن مسموحا لهم بالكتابة (١) .
أو تكون أحاديث النهي عامة خص منها حديث عبد الله بن عمرو؛ لأنه كان قارئا كاتبا مأمونا عليه، فكان يقرأ الكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له (٢) .
ثالثًا: الترجيح
الترجيح في اللغة: التمييل والتغليب. يقال: رجحت الكفةُ إذا غلبت
_________________
(١) دلائل التوثيق المبكر ٢١٧.
(٢) تأويل مختلف الحديث ٢٨٦.
[ ٤١ ]
ومالت (١) .
وفي الاصطلاح: عَرَّفه الأصوليون بتعاريف كثيرة. أوضح هذه التعريفات هو: " تقوية أحد الدليلين على الآخر ليعمل به ويترك الآخر" (٢) .
ونستطيع أن ندفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن في الكتابة بترجيح أحدهما على الآخر بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين، بأن نقول: إن أحاديث النهي عن الكتابة فيها ضعف ومعظمها لم تصحَّ؛ وذلك لما يلي:
بتتبع روايات النهي عن الكتابة نجد أن ثلاثةً من صحابة رسول الله ﷺ اشتهرت عنهم أحاديث النهي عن الكتابة وهم: أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وزيد بن ثابت ﵃.
١- حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وحديثه قد رُوي من طريقين:
الأول: طريق همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسبه قال: متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٣) .
وهذه الرواية تكاد تكون أصح الروايات، ومع ذلك اختلف البخاري
_________________
(١) انظر مختار الصحاح ٢٣٤.
(٢) التمهيد في أصول الفقه ٤/٢٢٦.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨ /١٢٩.
[ ٤٢ ]
ومسلم في رفعها ووقفها.
قال ابن حجر: "ومنهم َمْن أعلَّ حديث أبي سعيد، قاله البخاري وغيره" (١)، بالإضافة إلى أن تفرد همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد.
قال الخطيب: " تفرد همام برواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعًا، وقد روي عن سفيان الثوري أيضا عن زيد، ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع إلى النبي ﷺ (٢)؛ مما يجعل أحاديث إباحة الكتابة أرجح منه لخلوها من التفرد الذي في الحديث هذا.
الثاني: طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: " استأذنَّا النبي ﷺ في الكتابة، فأبى أن يأذن لنا ".
وهذه الرواية ضعيفة وأجمعوا على ضعف راويها عبد الرحمن (٣) .
٢ - حديث أبي هريرة ﵁.
أما رواية أبي هريرة فقد رويت من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا قد كتبوا حديثه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر، من كان عنده منها شيء
_________________
(١) الفتح ١/٢٠٨.
(٢) تقييد العلم ٣٠.
(٣) الجرح والتعديل ٢/٢٣٣، ميزان الاعتدال ٢/٥٦٤.
[ ٤٣ ]
فليأت به "، فجمعناها فأخرجت. فقلنا: يا رسول الله نتحدث عنك؟ قال: "تحدثوا عني ولا حرج، ومَنْ كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١) .
وفي رواية عن ابن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أبو هريرة: فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار.
وهذا الحديث فيه الكلام السابق نفسه لأن راويه هو عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم فلا نحتاج إلى إعادته فهذه ساقطة الاعتبار.
٣-أما حديث زيد بن ثابت فله روايتان:
الرواية الأولى: عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنسانا يكتبه. فقال له زيد: "إن رسول الله ﷺ أمرنا ألاَّ نكتب شيئًا من حديثه" فمحاه (٢) .
وهذا الحديث فيه مقال أيضا ينزله عن درجة الصحيح إلى درجة الضعيف؛ ففي سنده كثير بن زيد روى ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل أن يحيى بن معين سئل عنه. فقال: "ليس بالقوي" وقال النسائي: "ضعيف" وقال أبو زرعة: "صدوق فيه لين" كما أورد له الذهبي في «الميزان» حديثًا فيه نكارة (٣) فلا يحتج به إذن.
بالإضافة إلى أن المطلب الذي روى عنه كثير هذا الحديث، لم يدرك زيد
ابن ثابت ولم يسمع منه فهو منقطع (٤) .
الرواية الثانية عن الشعبي: أن مروان أجلس لزيد بن ثابت رجلا وراء
_________________
(١) تقييد العلم ٣٤.
(٢) تقييد العلم ٣٥.
(٣) الجرح والتعديل ٧/١٥١، ميزان الاعتدال ٣/٤٠٤، تهذيب التهذيب ٨/٤١٤.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠/١٧٩، الأنوار الكاشفة ٣٥، دراسات في الحديث النبوي د. الأعظمي ٧٨.
[ ٤٤ ]
الستر، ثم دعاه فجلس يسأله ويكتبون، فنظر إليهم زيد فقال: يا مروان عذرًا إنما أقول برأيي.
فيحتمل أن ما كتب عن زيد كانت آراءه الشخصية؛ لذا كرهها زيد.
وهذا لا يدل على كراهيته لكتابة الحديث؛ لأنه ثبت أنه كتب الحديث (١) .
وعلى هذا فإن أحاديث النهي عن الكتابة لم تسلم من الضعف جميعها إلا حديث واحد تفرد به رواته - واختلف في وقفه ورفعه - أما الأحاديث الأخرى فالكل متفق على ضعفها قال المعلمي: " أما الأحاديث فإنما هي حديث مختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه " (٢) .
وبالتالي فإن أحاديث الإذن في الكتابة هي الراجحة وهي التي يحتج بها واستقر الأمر في حياته ﷺ على إباحة الكتابة.
وعلى أية حال فقد فهم الصحابة أنه لا مانع من كتابة الأحاديث وتوثيقها بها، وكتبوا قسمًا كبيرًا من الحديث في حياته ﷺ: إما احتفاظًا به لأنفسهم وإما بأمر الرسول ﷺ، وقد سبق في الفصل الثاني الإشارة إلى بعضها، ومن الأولى:
- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، كتب صحيفة سماها الصادقة.
- كتب علي بن أبي طالب صحيفة صغيرة تشتمل على العقل وعلى أحكام فكاك الأسير (٣) .
_________________
(١) دراسات، الأعظمي ١٠٨.
(٢) الأنوار الكاشفة ٣٤.
(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم ١/٢٠٤، بشرحه فتح الباري.
[ ٤٥ ]
- كتب أبو بكر لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله ﷺ (١) .
- كتب جابر بن عبد الله ﵂ صحيفة اشتهرت بصحيفة جابر (٢) .
- كتب سعد بن عبادة الأنصاري صحيفة وكان يروي منها (٣) .
- كتب ابن عباس حديث رسول الله ﷺ وكان يأتي أبا رافع الصحابي ويقول: "ما صنع النبي ﷺ يوم كذا؟ " ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (٤) .
وقد أحصى الأعظمي في دراساته أكثر من خمسين صحابيا كتبوا الحديث (٥) .
- ومن النوع الثاني: كتبه ﷺ إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، وكتبه إلى عماله ككتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن، وعقود الصلح والمعاهدات بين المسلمين واليهود والمشركين (٦) .
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب الزكاة، ٣/٣١٦.
(٢) طبقات ابن سعد ٥/٤٦٧.
[ ٤٦ ]
الرأي الراجح:
بعد أن تعرضنا لآراء العلماء في التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وقلنا: إن هناك منهجين للعلماء في التوفيق بينهما، أولهما: منهج تعليل الأحاديث الواردة في النهي والإذن، والثاني: منهج دفع التعارض: إما بالنسخ أو الجمع أو الترجيح، نستطيع أن نقول: إن الرأي الراجح هو منهج التعليل في التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وذلك لما يلي:
أولًا: أن مسألة الكتابة لا ينهى عنها لذاتها؛ لأنها ليست من القضايا التعبدية التي لا مجال للنظر فيها، ولأنها لو كانت محظورة لذاتها لما أمكن صدور الإذن بها لأحد من الناس كائنا من كان.
وعلى هذا فإنه لابد من علة يدور عليها الإذن والمنع في آن واحد.
يقول الدكتور نور الدين عتر: " والعلة التي تصلح لذلك من وجهة نظرنا هي ضعف الانكباب على درس غير القرآن وترك القرآن اعتمادا على ذلك" (١) .
فنهى الرسول ﷺ عن كتابة الحديث الشريف مع القرآن في صحيفة واحدة خوف الالتباس.
وربما يكون ذلك أول الإسلام حتى لا ينشغل المسلمون بالحديث عن القرآن الكريم، وأراد أن يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم وعلى الألواح والصحف والعظام توكيدا لحفظه، وترك الحديث للممارسة العملية والتطبيق فكانوا يرون الرسول ﷺ فيقلدونه ويسمعون منه فيتبعونه،
_________________
(١) منهج النقد، ٤٣.
[ ٤٧ ]
فكأن الحديث امتزج بأرواحهم لشدة حبهم لرسول الله ﷺ وطاعتهم له واقتدائهم بسنته.
وإلى جانب هذا سمح لمن لا يختلط عليه القرآن بالسنة أن يدون السنة كعبد الله بن عمرو ﵁، وأباح لمن يصعب عليه الحفظ أن يستعين بيده، حتى إذا حفظ المسلمون قرآنهم وميزوه عن الحديث جاء الإذن بالإباحة.
ثانيًا: إن القول بتعليل النهي والإذن لا يمنع تخصيص النهي بالسماح لبعض من لا تتحقق فيهم هذه العلة، فالنهي لم يكن عاما والإباحة لم تكن عامة، فحيثما تحققت علة النهي منعت الكتابة وحيثما زالت أبيحت الكتابة.
ثالثًا: القول بالتعليل لا يمنع القول بنسخ الإباحة لأحاديث النهي.
[ ٤٨ ]