إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد:
فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فهي تلي كتاب الله تعالى في المكانة والتشريع ولا غنى عنها لمعرفة دين الله ومقاصده في كتابه الكريم، فهي إما موافقة لما جاء فيه أو مبينة له، أو موجبة لما سكت عنه.
لذلك كانت غرضًا لأعداء الدين من عرب ومستشرقين، فتارة يدخلون عليها من باب المكانة ويحاولون الانتقاص منها، وتارة يدخلون عليها من باب التوثيق، يريدون أن يلحقوا بها الزيف والبطلان، لكن الله ﷾ لهم بالمرصاد، فقد وعد -ووعده الحق- بحفظ هذا الدين وحفظ دعائمه وهما كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فقد تكفل الله بحفظ القرآن، وهذا يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] فحفظ الله السنة قولًا وعملًا وتقريرًا في صدور الصحابة ﵃ وفي سطورهم حتى دونت وصنفت فيها المصنفات، إلا أن هناك ممن سبق ذكرهم من ادعى بأن السنة لم تكتب في حياة النبي ﷺ، ومنهم من ادعى بأنها بقيت طوال قرن أو أكثر يتناقلها العلماء حفظًا دون أن يكتب منها شيء، وحملهم على ذلك اشتهار حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ نهى عن كتابة غير القرآن.
[ ١ ]
وبعض هؤلاء اعترف بكتابة الحديث في العصر النبوي، بعد اطلاعه على ما رواه الخطيب البغدادي في كتابه (تقييد العلم) من الأدلة على ذلك، ومنها: إذن النبي ﷺ بالكتابة وأمره بها وكتابة الصحابة رضوان الله عليهم بين يديه، إلا أنه حاول أن يدس السم بالعسل، ففرض خلافا بين أهل الحديث وأهل الرأي حول كتابة الأحاديث أدى إلى وضع كل مذهب لأحاديث تناسب رأيه مما أسفر عن وجود نوعين من الأحاديث المتضاربة، منها الذي ينهى عن الكتابة، ومنها ما يأذن بها وبذلك نسب وضع الأحاديث لكلتا الطائفتين، وغيَّب الحكمة من نهي النبي ﷺ عن الكتابة وإذنه بها، وعرَّض ما كتب من الحديث للتهمة بسبب نزاع هذين الفريقين
والحقيقة أنه ليس هناك صراع بين أهل الرأي وأهل الحديث على كتابة الحديث، فمن هؤلاء من كره الكتابة ومنهم من كتب، ومن الفريق الثاني أيضا مثل ذلك وقد تصدى العلماء للرد على هذه الافتراءات ردًا مدعما بالحجة والدليل (١) .
أما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ في النهي عن كتابة الحديث والأحاديث التي وردت عنه في الإذن في ذلك فكان لي معها هذه الوقفات من خلال هذه المفصول بعد المقدمة المذكورة:
الفصل الأول: الكتابة في عهد النبي ﷺ وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام.
_________________
(١) انظر تصدير يوسف العش لكتاب " تقييد العلم "، ٢١.
[ ٢ ]
والمبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام.
الفصل الثاني: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة والإذن فيها، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي.
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الإذن.
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن. وفيه مباحثان:
المبحث الأول: منهج التعليل.
المبحث الثاني: دفع التعارض.
ثم الخاتمة، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
هذا وأسأل الله سبحانه أن أكون وفقت في تجلية غموض هذا الموضوع الذي بحث فيه العلماء قديمًا وحديثًا، فإن كان ذلك فبفضل الله، وإن كانت الأخرى فأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٣ ]