المبحث الأول: فضل الكتابة
استخلف الله جل وعلا آدم في الأرض، وتوالت عليه نعمه الجليلة، فخلقه من عدم، ورباه بالنعم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وعلمه العلم الذي يكون به جديرًا لهذا الاستخلاف، وكان من أجل نعمه أن علمه البيان ليتعامل مع غيره، ويستفيد مما خلقه الله له فإن الإنسان تتمثل له المعاني في ذهنه، فيريد التعبير عنها فجعل له وسيلتين للبيان عما في ذهنه: أولاهما: البيان اللفظي، فجعل له آلة اللسان التي يعبر بها عن تلك المعاني ويترجم عنها بها لغيره، وثانيتهما: البيان الرسمي الخطي الذي يرسم به تلك الألفاظ فيتبين للناظر معانيها كما يتبين للسامع معاني الألفاظ، وقرر فضل البيان في سياق نعمه التي امتن بها على عباده فقال: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤]، وامتن بتعليم الكتابة والقراءة خاصة في أول سورة أنزلت على النبي ﷺ فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ـ ٥] .
وكان من جلال هذه النعمة أن ربط هذه النعم باسم الرحمن مفردًا، وباسم الأكرم على صيغة أفعل الذي هو الغاية في الكرم فلا شيء ولا نقص فيه (١) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٦/٢٩٥، مفتاح دار السعادة ١/٢٧٨.
[ ٢٢ ]
وقد تواردت الآيات والأحاديث في فضل الكتابة ومنزلتها من الشرع المطهر، فالقدر الذي هو ركن الإيمان السادس لا يتم الإيمان به إلا إذا آمن المرء أن الله كتب مقادير كل شيء بالقلم الذي قدّر به مقادير الخلائق قبل خلقها في كتاب عنده لا يضل ولا ينسى كما قال ﷺ "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء" (١) . وهذا دليل على شرف الكتابة، فقد استأذن جماعة قتادة بن دعامة في الكتابة، فقالوا: نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب (٢) .
والملائكة ﵈ يكتبون، وكل له اختصاص في كتابته. وشرف الكتابة وما يتعلق به مما يطول المقام بذكره. وكفى به شرفًا أن أقسم الله بالكتابة وآلتها وهي القلم كما قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] .
قال الشمس ابن القيّم ﵀: "فأقسم الله بالكتاب وآلته وهو القلم وهو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقُيِّد به الدين، وأثبتت به الشريعة، وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأُمّنت به السبل والمسالك
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى ٣/٧ عن أحمد بن جميل وابن أبي عاصم في السنة ١/٥٠. عن يعمر بن بشر، وابن جرير في التفسير ١٤/١٦ عن نعيم بن حماد، وأبو نعيم في الحلية ٨/١٨١ عن أحمد بن يحيى الحلواني، وحبان ابن موسى خمستهم عن ابن المبارك عن رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ به، وهذا إسناد صحيح وانظر في معناه التبيان في أقسام القرآن /٢٨.
(٢) تقييد العلم / ١٠٣.
[ ٢٣ ]
وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفِي مواعظه القلوب من السقم، وطبيبًا يبرِّئ بإذنه أنواع الألم، يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد، ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد، وبالأقلام تدبر الأقاليم، وتساس الممالك، والقلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشى المرقوم، ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام للأفهام، وكما أن اللسان بريد القلب، فالقلم بريد اللسان، وتولّدُ الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم، والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت (١) ".
ولأهمية الكتابة وشرفها عُني الشرع المطهر بها فحث على تعلمها وتعليمها وظهر ذلك من رفع شأن الكتبة من أصحاب النبي ﷺ فشرَّفهم بكتابة القرآن الكريم، وتدوين سنته ﷺ، وقد جعل النبي ﷺ فداء أسرى بدر لمن لم يستطع فداء نفسه بالمال أن يعلم صبيان الأنصار الكتابة (٢)، وأذن للنساء بتعلم الكتابة وتعليمها (٣)، وكن جماعة من النساء الصحابيات رضي
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن /٢٠٦.
(٢) أخرجه أحمد ١/٢٤٧ عن علي بن عاصم، والحاكم ٢/١٤٠ عن خالد بن عبد الله الواسطي كلاهما عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءَهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة". قال الحاكم: صحيح الإسناد وهو كما قال.
(٣) جاء في حديث الشفاء بنت عبد الله ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "ألا تعلمين هذه - يعني حفصة - رقية النملة كما علمتيها الكتابة" أخرجه أبو داود في الطب باب الرقى ٤/١١ عن علي بن مسهر، والنسائي في الطب من الكبرى باب رقية النملة ٣/٣٦٦، عن محمد بن بشر، والطحاوي في معاني الآثار ٤/٣٢٦ عن أبي معاوية، والطبراني في الكبير ٢٤/٣١٣ عن أبي نعيم وعبد الله بن داود خمستهم عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن صالح بن كيسان عن أبي بكر بن سليمان بن بي حثمة عن الشفاء به، وهذا إسناد حسن، في عبد العزيز كلام من جهة حفظه لا ينزله عن درجة الحسن كما في تهذيب الكمال ١٨/١٧٣، إلا أن الحديث فيه اختلاف على صالح بن كيسان ومن تابعه وهم الزهري ومحمد بن المنكدر ورجح الدارقطني في العلل ٥/١٩٤/ب، ١٩٥ إرساله.
[ ٢٤ ]
الله عنهن ومنهن بعض أمهات المؤمنين ﵅ يكتبن (١) .
وقد جعل الشرع الكتابة سببًا في إثبات الحقوق، وسد باب التنازع فأمر بكتابة الدين وألا يسأم من كتابته صغر أم كبر حفظًا له واحتياطًا عليه وإشفاقًا من دخول الريب فيه.
وجعل الله كتابة الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم عونًا عند الجحود وتذكرة عند النسيان، وجعل عدمها عند من يدّعي على غير ما فيها أوكد الحجج ببطلان ما ادعوا فيها، كما ورد في السنة المطهرة عندما تحاكم اليهود إلى النبي ﷺ في زانيين فغيروا حكم الله، وادعوا أن في التوراة الحكم الذي ادعوه، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فكان حكم الرجم ثابتًا فيها غير مموه (٢) .
وفي مجادلة النبي ﷺ لمن اتخذ الأصنام آلهة قال لهم: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] (٣) .
_________________
(١) انظر: فتوح البلدان / ٤٥٨، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ١/١٠٩، ١١٣،١٤٠، ١٤١.
(٢) الحديث عن ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري في المناقب باب قول الله تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ رقم ٣٦٣٥ عن عبد الله بن يوسف، وفي الحدود باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام رقم (٦٨٤١) عن إسماعيل بن أبي أويس، ومسلم في الحدود باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى رقم (٤٤٣٨)، عن أيوب وابن وهب، أربعتهم عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵃، وفي الباب عن جابر وأبي هريرة والبراء ﵃.
(٣) انظر تقييد العلم /٧٣.
[ ٢٥ ]
المبحث الثاني: أثر الكتابة في حفظ العلم وقيمته:
كان للكتابة أثر كبير في الشريعة المطهرة من جهة الفوائد المترتبة عليها وظهر هذا في:
أ- تدوين القرآن الكريم وحفظه في المصاحف.
ب- تدوين السنة المطهرة وحفظها في الدواوين.
ج- تدوين العلم الشرعي بكافة تخصصاته وتشعباته العلمية.
فلولا التدوين لاندرست معالم هذا الدين، وضاعت معالمه، لأن أصحاب الصدور يفنون، وأما ما دونوه في السطور فلا يفنى.
ومما ينبغي ذكره ههنا أنه ليس بالتدوين فقط حُفِظ العلم وقامت به الحجة، فإنه لا قيمة للعلم المكتوب إلا باعتبار نقلته وكتبته إلينا، وأما وجوده في الكتب فلا قيمة له إلا إذا كان كتبته عدولًا ضابطين ومن نقل إلينا هذه الكتب كذلك، وأعني به خصيصة الأمة الإسلامية عن سائر الأمم وهي:
١- البحث في أحوال النقلة من جهة العدالة والضبط.
٢- اتصال السند من أول سلسلته إلى منتهاها.
فإذا نقل الرواة إلينا العلم محفوظًا بالصدور والسطور معًا مع الخصيصتين السالفتين فقد كان هذا هو الغاية والنهاية في المحافظة، وإن نقل إلينا بأحدهما كفى هذا في الصيانة ما دامت الخصيصتان متحققتين معًا، وأما وجوده مكتوبًا دون هاتين الخصيصتين أو إحداهما فلا قيمة للعلم الموجود، وكذلك انفراد أحدهما دون هاتين الخصيصتين أو إحداهما فلا قيمة له البتة، ولا نثق بأي شيء من المكتوب - إذا كان هذا حاله - لاحتمال تعرضه للتبديل والتحريف. فلينظر إلى التوراة والإنجيل مكتوبان نعم، ولكن وقع التحريف
[ ٢٦ ]
والتبديل فيهما لما تجرد نقلتهم من العدالة والضبط، وانقطع سندهم إليهما من عصور تالية لنزولهما، بل يستطيع المسلم أن يجزم بأنهما مخالفان لأصلهما الذين نزلا عليه كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] (١) .
فالكتابة حينئذ وسيلة من الوسائل لحفظ العلم ولا يعني أن العلم إذا كتب يكون حجة بها، وأن صيانة الحجة متوقفة عليها، ألا ترى إلى كتاب الله جل وعلا وهو حجة الله على خلقه قد نزله على نبيه ﷺ منجمًا يتنزل به الروح الأمين عليه، وهو ﵊ معصوم بعصمة الله، فقامت به الحجة، ولم يحتج أن يتنزل به على النبي ﷺ مكتوبًا ليكون أبلغ في الحجة على الأمة إذ هو نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، فأتاهم بما يعجزهم ولو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله.
وشريعة الدين العظمى وهي الصلاة لا يمكن لأحد أن يهتدي إلى كيفيتها من القرآن وحده، بل لا بد من بيان الرسول ﷺ، ولم يثبت أنه أمر بكتابة كيفيتها التي شرحها بقوله وفعله، ولو كانت الكتابة من لوازم الحجية لما جاز أن يترك النبي ﷺ هذا الأمر الخطير.
وخلاصة الأمر أن الكتابة لا تلزم بها الحجة وحدها، بل الأصل ما تقدم تقريره من حال النقل والنقلة (٢) .
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ١٧/٤٣٥.
(٢) انظر الفصول الماتعة التي سطرها العلامة د. عبد الغني عبد الخالق ﵀ في كتابة حجية السنة: ٣٩٨ - ٤٨٤.
[ ٢٧ ]
وكون المرء كاتبًا أو قارئًا لا يلزم منه أن يكون عالمًا، فإنه لا تلازم بينهما البتة، ألا ترى إلى النبي ﷺ وكثير من الصحابة الكرام كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، ومع ذلك فهم أعلم الناس، وانظر إلى كثير ممن يحسن القراءة والكتابة في هذا الزمان وله في ذلك درجات عليا في كثير من العلوم الدنيوية وهو لا يحسن قراءة القرآن، ومعرفة شرائع الدين، وتقدم ما قصَّه الله علينا من نبإ أهل الكتاب إذ هم يكتبونه ولا يعقلونه، فمن هنا يظهر أنها وسيلة من الوسائل لا تستقل بنفسها بل بما يحيط بها فبذلك تكون الحجة. وفي الأحكام العملية نرى أن الوصايا والأوقاف والطلاق ونحوها إذا كان مكتوبًا دلت الأدلة على إنفاذه، ولكن هذا الإنفاذ متوقف على صحة نسبة الخط إلى كاتبه، وحصول العلم بذلك وليس بمجرد كونها مكتوبة والخلاف الذي حصل بعد ذلك لا في أن الكتابة المقترنة بالقرائن السابقة لا تقوم بها حجة بل للتوثق وإبراء الذمة فمنهم من يشترط الشهود والبينة ونحو ذلك، وهذا لتغير أحوال الناس واجتراء بعضهم على التزوير والكذب، وهذا لا يلغي أصل الحكم بثبوت العمل بها متى تحقق صحة نسبتها إلى صاحبها (١) .
وصحت الرواية بالمكاتبة عند جمهور أهل العلم عند حصول شروط القبول في المتكاتبين ومعرفة المكتوب إليه بخط الكاتب أو إشارته أو مختومًا بخاتمه، وأمانة ناقله ونحو ذلك (٢) .
_________________
(١) أعلام الموقعين ٤/٢٦٥، الطرق الحكمية /٢٩٩.
(٢) المحدث الفاصل /٤٥٢، الكفاية /٣٣٦، المقدمة /١٥٦، اختصار علوم الحديث /١٠٢، النكت للزركشي ٣/٥٤٤، فتح الباري ١/١٥٥، فتح المغيث ٢/١٣٥.
[ ٢٨ ]
ومثل هذا في الوجادة فقد مضى جماعة من أهل العلم على النقل بها وفي الصحيح جملة كرواية أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، والشعبي عن جابر، وصحح العلماء رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ووهب بن منبه عن جابر، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، والحكم بن عتيبة عن مقسم، والحسن عن سمرة ﵃ أجمعين وغيرهم.
فمن قبلها فبناء على ثقة الناقل وصحة السند إليه، ثم حصول العلم بوجود الكتاب الذي يرويه منه، وأنه ثابت عن كاتبه أو ممليه، وهذا حاصل في الأمثلة السابقة (١) .
فلم تكن الكتابة وحدها حجة بل بما يقترن بها، وهذا أمر مهم فهمه، مخرج للإنسان من بعض الشبه التي حاول منكرو السنة أن يثيروها.
_________________
(١) انظر الكتب السابقة مع العواصم والقواصم لابن الوزير ١/٢٣١، توضيح الأفكار ٢/٢٤٣.
[ ٢٩ ]