المبحث الأول: في تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح
أولًا: الكتابة في اللغة
الفصل الأول: في تعريف الكتابة وإطلاقاتها في الشرع
المبحث الأول: تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح
أولًا: الكتابة في اللغة:
الكتابة مصدر من كتب الشيءَ يكتُبُه كَتْبًا وكِتابًا، وكتابةً أصلها من الكَتْبِ - بفتح الكاف وإسكان التاء هو ضم أديم إلى أديم بالخياطة، والكُتْبَةُ بالضم السير يخرز به، وكتب الدابة يكتبُها ويكتِبها كتبًا، وكتبَ عليها: خُزِمَ حياؤها بحلقة حديد، وجُمِعَ شفراها لئلا يُنْزى عليها.
وكتّبَ الشيء تكتيبًا هيَّأه، وأكتبتُ القربة إذا شددتها بالوكاء.
فالكتابة إذًا مأخوذة من الضم والجمع، ولذا سميت الخيل كتيبة، ويتحصل فيها جمع الحروف بعضها إلى بعض ولذا سميت كتابة (١) .
_________________
(١) انظر: مختار الصحاح / ٥٦٢، لسان العرب ٣/٢١٦، القاموس المحيط ١/١٢١.
[ ٧ ]
ثانيًا: تعريف الكتابة في الاصطلاح
تعددت تعريفات الكتابة ولعل أجمعها:
ما عرفها به ابن خلدون فقال: - بعد أن ذكرها في الصناعات - هي رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس (٢) .
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون /٤١٧.
[ ٧ ]
فهذا تعريف مانع خرج به التصوير الذي يدل على الكلمات المسموعة والمراد بالكلمات المسموعة أصل الكلام لأن اكتسابه سماعي، وهذا الكلام معبّر عما في نفس المتكلم.
وهناك تعريفات أخرى أعرضت عنها إما لغموضها (١)، أو لقصورها عن المراد (٢) .
_________________
(١) صبح الأعشى ٢/٨٢.
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/٣٧٦، التوقيف على مهمات التعاريف /٦٠٠.
[ ٨ ]
المبحث الثاني: إطلاقات الكتابة في الشرع:
قد جاءت الكتابة ومشتقاتها في القرآن الكريم والسنّة النبوية لتدل على عدة معانٍ.
فالأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ويطلق كل واحد منها على الآخر، ولذا سمى كلام الله وإن لم يكتب كتابًا، كما قال جل ذكره: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١، ٢] .
والكتاب اسم للصحيفة مع المكتوب فيه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام:٧] .
والكتابة وسيلة لمقصد في النفس، فقد تطلق الوسيلة على الشيء المراد في النفس ولذلك أطلقت الكتابة على أمور عدة وردت في الوحيين منها:
١ـ العلم كما قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧] .
٢ـ الحكم كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال:٧٥] .
٣ـ تطلق على الفرض كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] .
٤ـ تطلق على التقدير والإيجاب كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
[ ٩ ]
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] .
٥ـ تطلق على التقدير والقضاء كما قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] .
٦ـ تطلق على الحجة الثابتة من الله تعالى كما قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] .
٧ـ تطلق على اختلاق الشيء وافتعاله كما قال تعالى: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان:٥] .
٨ـ تطلق بأصلها اللغوي كما قال تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] . أي ضمنا في زمرتهم.
٩ـ وأهل الكتاب من أُنْزِل عليهم كتاب من الله كاليهود والنصارى، وورد في آيات عديدة.
١٠ـ يطلق الكتاب على الكتب السابقة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ [يونس:٣٧] .
١١ـ يطلق على القرآن الكريم: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٣] .
١٢ـ يطلق على الكتب المنزلة جميعًا كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ
[ ١٠ ]
وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] .
١٣ـ تطلق على ابتياع العبد نفسه من سيده، بما يؤديه من كسبه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] .
١٤ـ تطلق على من ضم اسمه في ديوان الغزاة كما في الحديث أن رجلًا قال للنبي ﷺ "إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا" (١) .
١٥ـ الكتيبة هي الطائفة من الجيش وتكرر ذكرها في الحديث (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان له عذر هل يؤذن له رقم (٣٠٠٦) عن قتيبة، وفي النكاح باب لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ذو محرم رقم (٥٢٣٣) عن علي بن المديني، ومسلم في الحج باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوه رقم (٣٢٧٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب أربعتهم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس ﵄ وتمامه قال ﷺ "انطلق فحج مع امرأتك".
(٢) مفردات القرآن /٦٣٨، النهاية في غريب الحديث ٤/١٤٧.
[ ١١ ]