تتلخّص الإجابة على هذا السؤال في قولين للعلماء:١
الأول: إن كان مما يتعلّق بسبب النزول أو الإخبار عن نزول آية بذلك فهو مسند مرفوع. وما سوى ذلك فهو موقوف على الصحابيّ.
الثاني: يضاف إلى سبب النزول ما كان مما لا مجال للاجتهاد فيه كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء ونحو ذلك، أو عن الأمور الآتية كالملاحم والفتن وصفة الجنّة والنار، أو الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فيكون هذا كلّه مرفوعًا، وما سواه من تفسير آية تتعلق بحكم شرعيّ
_________________
(١) ١ للمزيد يراجع: النكت لابن حجر (٢ / ٥٣٠ - ٥٣٥)، فتح المغيث لللسخاويّ (١ / ١٤٢ - ١٤٤) .
[ ٧٠ ]
يحتمل أن يكون استفاد ذلك من النبيّ ﷺ أو من القواعد الشرعيّة العامّة، أو تفسير مفرد نقله عن اللسان خاصّة، فهذا لا يجزم برفعه.
وفيما يأتي أقوال الأئمّة في هذه المسألة:
١ - قال الحافظ ابن الصّلاح:" ما قيل من إنَّ تفسيير الصحابيّ حديث مسند، فإنّما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية يخبر به الصحابيّ أو نحو ذلك، ثمّ قال: فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله ﷺ فمعدودة في الموقوفات، والله أعلم ".١
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم تقيّ الدين ابن تيميّة (ت ٧٢٨ هـ):" وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي نزلت لأجله، أو يجري
_________________
(١) ١ علوم الحديث: (ص٤٥-٤٦) .
[ ٧١ ]
مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند. فالبخاريّ يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما ذكر سببًا نزلت عقبه الآية، فإنّهم كلّهم يدخلون مثل هذا في المسند". ١
٢ - قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ):" ومن الموقوف الذي يستدلّ به على أحاديث كثيرة ما حدثناه أحمد بن كامل القاضي - ثمّ ذكر بإسناده إلى أببي هريرة ﵁ - في قول الله ﷿: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال أبو هريرة: تلقاهم جهنّم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحمًا على عظم إلا وضعت على العراقيب ".
قال:" هذا وأشباهه من الموقوفات تعدّ في تفسير الصحابيّ، فأما ما نقول في تفسير الصحابيّ مسند، فإنّما
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٣ / ٣٤٠) .
[ ٧٢ ]
نقوله في غير هذا النوع، فإنَّه كما أخبرنا أبو عبد الله الصفار - ثمّ ذكر بإسناده إلى محمَّد بن المنكدر - عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ١ الآية ".
قال الحاكم:" هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإنَّ الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنّها نزلت في كذا أو كذا فأنَّه حديث مسند - مرفوع - ". ٢
٣ - قال الخطيب أحمد بن عليّ بن ثابت البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) تعقيبًا على حديث جابر الآنف الذكر:
_________________
(١) ١ الآية (٢٢٣) من سورة البقرة، والحديث رواه الإمام مسلم في النكاح - باب جواز جماع المرأة في قبلها من قدامها ومن ورائها (٢ / ١٠٥٨ ح ١١٧) . ٢ معرفة علوم الحديث / النوع الخامس (ص: ١٩ - ٢٠) .
[ ٧٣ ]
" فهذا يتوهّم موقوفًا لأنَّه لا ذكر فيه للنبيّ ﷺ، وليس بموقوف، وإنّما هو مسند، لأنَّ الصحابيّ الذي شاهد الوحي إذا أخبر عن آية أنّها نزلت في كذا وكذا كان ذلك مسندًا - مرفوعًا - ". ١
٤ - قال الحافظ ابن حجر:" أطلق الحاكم النقل عن البخاريّ ومسلم أنَّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل حديث مسند " ٢.
_________________
(١) ١ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١ / ٢٩١ - ٢٩٢) . ٢ عزا ذلك إليهما في عدّة مواضع من مستدركه، منها: (١ / ٢٧ كتاب الإيمان) عقب حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا﴾ الحديث، قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، وتفسير الصحابيّ عندهما مسند ". وكذلك في (١ / ١٢٣ من كتاب العلم) عقب حديث جابر: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ الحديث، قال: " هذا حديث صحيح، وتفسير الصحابيّ عندهما مسند ". وكذلك في (١ / ٥٤٢) عقب حديث أبي هريرة: كان فيكم أمانان مضت إحداهما وبقيت الأخرى الحديث، قال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه، وقد اتفقا على أن تفسير الصحابيّ حديث مسند ". وغير ذلك من المواضع.
[ ٧٤ ]
ثمّ قال:" والحقّ إنَّ ضابط ما يفسّره الصحابيّ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب، فحكمه الرفع، وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنّة والنار والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع ".
ثمّ قال:" وأما إذا فسّر آية تتعلّق بحكم شرعيّ فيحتمل أن يكون ذلك مستفادًا عن النبيّ ﷺ، وعن القواعد، فلا يجزم برفعه. وهذا التحرير الذي حرّرناه هو معتمد خلق كثير من الأئمّة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعيّ، وأبي جعفر الطبريّ، وأبي جعفر الطحاويّ،
[ ٧٥ ]
وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقيّ، وابن عبد البرّ في آخرين. إلا أنَّه يستثنى من ذلك ما كان المفسّر له من الصحابة ممن عرف بالنظر في الإسرائيليّات كمسلمة أهل الكتاب مثل: عبد الله بن سلام وغيره وكعبد الله بن عمرو بن العاص فأنَّه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدّمنا ذكرها الرفع لقوّة الاحتمال، والله أعلم ". ١
اعترض الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) على شيخه ومن سبقه كابن حزم في هذا الاستثناء - مسألة الأخذ عن أهل الكتاب - واعتراضه قويّ، وهو في موضعه، وهذا هو الظنّ بأصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وقد اختارهم الله لحمل الرسالة إلى الأمَّة من بعد وفاة نبيّها عليه أفضل
_________________
(١) ١ النكت (٢ / ٥٣١ - ٥٣٣) .
[ ٧٦ ]
الصلاة وأزكى التّسليم.
فقال ﵀ بعد أن أورد كلام شيخه في هذه المسألة:" وفي ذلك نظر، فإنَّه يبعد إنَّ الصحابيّ المتّصف بالأخذ عن أهل الكتاب يسوّغ حكاية شيء من الأحكام الشرعيّة التي لا مجال للرأي فيها مستندًا لذلك من غير عزو، مع قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ﴾ ١ التي جنح البخاريّ إلى تبيين قوله ﷺ:" ليس منَّا من لم يتغنّ بالقرآن " بها. وعلمه - الصحابيّ - بما وقع فيه من التبديل والتحريف بحيث سمى ابن عمرو بن العاص صحيفته النبويّة: الصادقة احترازًا عن الصحيفة اليرموكيّة ٢، وكونه في مقام تببيّن الشريعة المحمّديّة كما قيل به في:" أمرنا ونهينا وكنّا نفعل " ونحو ذلك،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت - الآية (٥١) . ٢ نصّ الحافظ ابن سعد في الطبقات (٤ / ٢٦٢) على هذه التسمية.
[ ٧٧ ]
فحاشاهم من ذلك خصوصًا وقد منع عمر ﵁ كعبًا من الحديث بذلك قائلًا له:" لتتركنّه أو لألحقنّك بأرض القردة " ١، وأصرح منه منع ابن عباس له ولو وافق كتابنا، وقال أنَّه لا حاجة بنا إلى ذلك، وكذا نهى عن مثله ابن مسعود وغيره من الصحابة إلى أن قال: ولا ينافيه " حدّثوا عن بني إسرائيل ولاحرج " ٢، فهو خاصّ بما وقع فيهم من الحوادث والأخبار المحكيّة عنهم، لما في ذلك من العبرة والعظة، ولما فيها من الأعاجيب ". ٣ اهـ ملخّصًا.
٥ - بعد أن أورد الحافظ السخاويّ كلام من سبقه مثل الخطيب والحاكم وابن الصلاح في التفريق بين سبب
_________________
(١) ١ أخرجه أبو زرعة الدمشقيّ في تأريخه (١ / ٥٤٤)، وانظر سير أعلام النبلاء (٢ / ٦٠٠ - ٦٠١) . ٢ رواه البخاريّ في الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل (الصحيح مع الفتح ٦ / ٤٩٤ ح ٣٤٦١) . ٣ فتح المغيث للسخاويّ (١ / ١٥١ - ١٥٢) .
[ ٧٨ ]
النزول وغيره قال:" وإنّما كان كذلك لأنَّ من التّفسير ما ينشأ عن معرفة طرق البلاغة واللغة كتفسير مفرد بمفرد، أو يكون متعلّقا بحكم شرعيّ ونحو ذلك مما للرأي فيه مجال، فلا يحكم لما يكون من نحو هذا القبيل بالرفع لعدم تحتّم إضافته إلى الشارع. أما اللغة والبلاغة فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحلّ الرفيع. وأما الأحكام فلاحتمال أن يكون مستفادًا من القواعد، بل هو معدود في الموقوفات ".
ثمّ قال:" ومن المرفوع ما لا تعلّق للسان العرب به ولا مجال للرأي فيه كتفسير أمر مغيب من أمر الدنيا أو الآخرة أو الجنّة أو النّار، أو تعيّن ثواب أو عقاب ونحو ذلك من سبب نزول كقول جابر: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية ". ١
_________________
(١) ١ فتح المغيث (١ / ١٤٣)، والحديث سبق تخريجه.
[ ٧٩ ]