أولًا: يراد بما ليس للرأي فيه مجال الأمور الآتية:
أ - الإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وقصص الأنبياء ونحو ذلك.
ب - الإخبار عن الأمور الآتية كالملاحم، والفتن، والبعث، وصفة الجنّة والنار.
ج - الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص.
ثانيًا: من أمثلته:
١ - ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم في " معرفة
_________________
(١) ١ انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: ٢١ - ٢٢) النوع السادس، شرح التبصرة والتذكرة (١ / ١٣٩)، النكت لابن حجر (٢ / ٥٢٩)، فتح المغيث للسخاويّ (١ / ١٤٨) وغيرها.
[ ٥٨ ]
علوم الحديث " ١ بسنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال:" من أتى ساحرًا أو عرافًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ".
٢ - ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه كان يقول:" شرّ الطعام الوليمة، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ". ٢
_________________
(١) ١ ص: ٢٢، ورواه الطبرانيّ في الكبير (١٠ / ٩٣ ح ١٠٠٠٥) والبزار في مسنده (كشف الأستار للهيثميّ ٢ / ٤٤٣ ح ٢٠٦٧) وقال الهيثميّ في المجمع (٥ / ١١٨): " رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط والبزار، ورجال الكبير والبزار ثقات ". ٢ كتاب النكاح - باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله (الصحيح مع الفتح ٩ / ٢٤٤ ح ٥١٧٧) قال ابن حجر: " وأوّل هذا الحديث موقوف، ولكن آخره يقتضي رفعه، ذكر ذلك ابن بطال، قال: ومثله حديث أبي الشعثاء: " إنَّ أبا هريرة أبصر رجلا خارجا من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم "، قال: ومثل هذا لا يكون رأيًا، ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم ".
[ ٥٩ ]
٣ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال وقد رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ١
٤ - ما أخرجه البخاريّ معلّقًا موقوفًا عن عمار بن ياسر ﵁ قال:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ٢
_________________
(١) ١ كتاب المساجد - باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذّن المؤذّن (١ / ٤٥٣ ح ٢٥٨) . ٢ كتاب الصوم - باب قوله ﷺ: " إذا رأيتم الهلال فصوموا " (الصحيح مع الفتح ٤ / ١١٩)، وقال ابن حجر: " وقد وصله أبو داود والترمذيّ وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن عمار الحديث ".
[ ٦٠ ]
ثالثًا: حكمه:١
ذهب الجماهير من المحدّثين والفقهاء والأصوليين إلى أنَّه مرفوع، وهذه أهمّ أقوالهم في ذلك:
١ - قال أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ):
النوع السادس من معرفة علوم الحديث هو معرفة الأسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ﷺ، ثمّ ذكر أمثلة لذلك وهي:
أ - ذكر بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال:" كنّا نتمضمض من اللبن ولا نتوضّأ منه ".
ب - وبإسناده إلى أنس بن مالك قال:" كان يقال في أيام العشر بكلّ يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف "،
_________________
(١) ١ تنبيه: لم أتعرّض في هذا البحث لمسألة قول الصحابيّ فيما للرأي فيه مجال وهل هو حجّة أم لا؟ لأنَّه لا يدخل في موضوع هذا البحث الذي خصّص لما له حكم الرفع وقول الصحابيّ فيما للرأي فيه مجال بالاتفاق أنَّه موقوف غير مرفوع، والله الموفّق.
[ ٦١ ]
قال: يعني في الفضل.
ج - وبسنده أيضًا إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال:" من أتى ساحرًا أو عرافًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ".
ثمّ قال ﵀:" هذا باب كبير يطول ذكره بالأسانيد فمن ذلك ما ذكرنا وأشباه ما ذكرناه إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ١.
٢ - وبعد أن ذكر ابن عبد البرّ ﵀ حديثي أبي هريرة:
أ - " شرّ الطعام طعام الوليمة الحديث ".
ب - وحديث:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " يعني الخارج من المسجد بعد الأذان قال:" ولا يختلفون في هذا أو ذاك أنّهما مسندان مرفوعان ". ٢
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث (ص: ٢٢) . ٢ التمهيد (١ / ١٧٥) .
[ ٦٢ ]
٣ - قال أبو حفص عمر بن رسلان سراج الدين البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ):" وأما حديثه في صيام يوم الشّكّ، وحديث أبي هريرة في الخارج من المسجد بعد الأذان ونسبة كلّ منهما إلى أنَّه عصى أبا القاسم، فالأقرب أنَّه ليس بمرفوع، لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد ". ١
٤ - قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):" لم يتعرّض ابن الصلاح إلى بيان حكم ما ينسب الصحابيّ فاعله إلى الكفر أو العصيان كقول ابن مسعود:" من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ "، وكقول أبي هريرة:" ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله "، وقوله في الخارج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، وقول عمار بن ياسر:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى
_________________
(١) ١ محاسن الاصطلاح (ص: ٢٠٠) .
[ ٦٣ ]
أبا القاسم ﷺ " ١، فهذا ظاهره إنَّ له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفًا لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنَّه مسند، وبذلك جزم الحاكم في " علوم الحديث " ٢، والإمام فخر الدين الرازيّ في " المحصول " ". ٣
٥ - وقال أيضًا:" ومثال المرفوع من القول حكمًا لا تصريحًا أن يقول الصحابيّ الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية كبدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب
_________________
(١) ١ سبق تخريج هذه الروايات فيما مضى. ٢ سبقت الإشارة إلى قوليهما فيما مضى. ٣ النكت (٢ / ٥٢٩ - ٥٣٠) .
[ ٦٤ ]
مخصوص أو عقاب مخصوص، وإنّما كان له حكم الرفع لأنَّ إخباره بذلك يقتضي مخبرًا له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبيّ ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة ". ١
٦ - وقال الحافظ محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ):" وأدخل ابن عبد البرّ في كتابه " التقصّي الموضوع لما في الموطّأ من المرفوع " ٢ عدّة أحاديث ذكرها مالك في " الموطّأ " موقوفة، منها حديث
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٥٣)، طبعة المكتبة العلميّة بالمدينة. ٢ طبع باسم " تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد أو التقصّي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك ".
[ ٦٥ ]
سهل بن حثمة في صلاة الخوف ١، وصرّح في " التمهيد " بأنَّه لا يقال من جهة الرأي ٢، ثمّ قال: وقال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني (ت ٤٤٤ هـ):وقد يحكي الصحابيّ قولًا يوقفه على نفسه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع أن يكون الصحابيّ قاله إلا بتوقيف، كحديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة أنَّه قال:" نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات " ٣ فمثل هذا لا يقال بالرأي فيكون من جملة المسند ".
_________________
(١) ١ انظر تجريد التمهيد (ص: ٢١٥) . ٢ وكذلك صرّح في التجريد (ص: ٢١٥) . ٣ رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب النساء الكاسيات العاريات (٣ / ١٦٨٠ ح ١٢٥)، ورواه أحمد مرفوعًا أيضًا في المسند (٢ / ٣٥٦)، ورواه مالك موقوفًا في الموطأ - كتاب صلاة الخوف (١ / ١٨٣ ح ٢) .
[ ٦٦ ]
ثمّ قال السخاويّ:" وقال ابن العربيّ في " القبس ":إذا قال الصحابيّ قولًا لا يقتضيه القياس، فأنَّه محمول على المسند إلى النبيّ ﷺ، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنَّه كالمسند. اهـ
وهو الظّاهر من احتجاج الشافعيّ ﵀ في الجديد بقول عائشة:" فرضت الصلاة ركعتين ركعتين " ١ حيث أعطاه حكم المرفوع لكونه مما لا مجال للرأي فيه ".
ثمّ قال:" إذا علم هذا فقد ألحق ابن العربيّ بالصحابة في ذلك ما يجيء عن التابعين أيضًا مما لا مجال للاجتهاد فيه على أنَّه يكون في حكم المرفوع، وادّعى أنَّه مذهب مالك ". ٢
٧ - قال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ):" ما جاء عن صحابيّ موقوفًا
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الأمّ (١ / ١٨٠) . ٢ انظر: فتح المغيث (١ / ١٤٨ - ١٥٢) .
[ ٦٧ ]
عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي حكمه حكم المرفوع، كما قال الإمام فخر الدين في " المحصول " ١، فقال: إذا قال الصحابيّ قولًا ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسينًا للظنّ به ".
ثمّ قال:" وما قاله في " المحصول " موجود في كلام غير واحد من الأئمّة كأبي عمر ابن عبد البرّ وغيره، وقد أدخل في كتابه " التقصّي " عدّة أحاديث ذكرها مالك في الموطّأ موقوفة مع إنَّ موضوع الكتاب لما في الموطّأ من الأحاديث المرفوعة، ومنها حديث سهل بن حَثْمَة في صلاة الخوف، وقال في " التمهيد ":هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، قال: ومثله لا يقال من جهة الرأي ". ٢
٨ - قال الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطيّ ﵀ في
_________________
(١) ١ انظر: (٢ / ١ / ٦٤٣)، طبعة جامعة الإمام بالرياض. ٢ شرح التبصرة والتذكرة (١ / ١٣٩ - ١٤٠) .
[ ٦٨ ]
مسألة قول الصحابيّ الموقوف عليه:" لها حالتان: الأولى أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، الثانية: أن يكون مما له فيه مجال. فإن كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع كما تقرّر في علم الحديث، فيقدّم على القياس ويخصّ به النّصّ إن لم يعرف الصحابيّ بالأخذ عن الإسرائيليّات ". ١
_________________
(١) ١ مذكّرة أصول الفقه (ص: ١٦٥) .
[ ٦٩ ]