كلُّ من علم أنّ محمدًا ﵌ خاتم الأنبياء، وأنّ شريعتَه خاتمة الشرائع، وأنّ سعادة المعاش والمعاد والحياة الأبدية في اتّباعه= يعلم أنّ النّاس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب.
قد وقعت الروايةُ ممّن يجب قبولُ خبرِه، وممّن يجب ردُّه، وممّن يجب التوقف فيه. وهيهات أن يعرف ما هو من الحقّ الذي بلَّغه خاتمُ الأنبياء عن ربّه ﷿، وما هو من الباطل الذي يُبرَّأ عنه الله ورسوله؛ إلاّ بمعرفة أحوال الرواة.
وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدُّ؛ لغلبة التساهل في نَقْلها. على أنّ معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهمّ فروع التاريخ.
وإذ كان لا بدّ من معرفة أحوال الرواة؛ فلا بدّ من بيانها؛ بأن يخبر كلُّ مَن عَرَف حالَ راوٍ بحاله ليعْلَمَه الناسُ. وقد قامت الأمّة بهذا الفرض كما ينبغي.
أوّل من تكلّم في أحوال الرجال القرآن، ثمّ النبي ﵌، ثم أصحابه.
والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالًا، وذم المنافقين إجمالًا، ووردت آياتٌ في الثناء على أفراد مُعَيَّنين من الصحابة
_________________
(١) كما يُعلم من كتب الفضائل وآيات في التنبيه على نفاق أفراد مُعَيَّنين، وعلى جرح أفراد آخرين. وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
[ ١٥ / ٢١٩ ]
[الحجرات: ٦]. نزلت في رجل بِعَينه، كما هو معروف في موضعه (^١)، وهي مع ذلك قاعدة عامّة.
وثبتت عن النبي ﵌ أحاديثُ كثيرة في الثناء على أصحابه جملةً، وعلى أفراد منهم معينين؛ معروفة في كتب الفضائل. وأخبارٌ أُخَر في ذمّ بعض الفِرَق إجمالًا؛ كالخوارج، وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين؛ كعيينة بن حصن (^٢)، والحَكَم بن أبي العاص (^٣).
وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين، وآثار في جرح أفراد منهم.
وأمّا التابعون؛ فكلامهم في التعديل كثير، ولا يُروى عنهم من الجرح إلا القليل، وذلك لقرب العهد بالسراج المنير، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، فلم يكن أحدٌ من المسلمين يجترئ على الكذب على الله ورسوله.
وعامّة المُضَعَّفين من التابعين إنّما ضُعّفوا للمذهب؛ كالخوارج أو لسوء الحفظ، أو للجهالة.
ثمّ جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكَثُر الضعفاء والمغَفَّلون،
_________________
(١) نزلت في الوليد بن عقبة في قصة بعثه لأخذ الزكاة من الحارث بن أبي ضرار. أخرجه عنه أحمد (١٨٤٥٩) والطبراني في "الكبير" (٣٣٩٥). وأخرجه الطبري في "تفسيره": (٢١/ ٣٤٩) من حديث أم سلمة، والبيهقي في "الكبرى": (٩/ ٥٤) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) صحيح البخاري طبع المصطفائي بالهند ــ ص ٨٩٤. [المؤلف].
(٣) الإصابة ــ وفتح الباري في تفسير سورة الأحقاف. [المؤلف].
[ ١٥ / ٢٢٠ ]