ذكروا أنّ تدوين العلم في الكتب في العهد الإسلامي شُرِعَ فيه حوالي نصف القرن الثاني؛ فألّف ابنُ جُريج (٨٠ ــ ١٥٠)، وابن أبي عَرُوبة (؟ ــ ١٥٦)، والربيع بن صُبَيح (؟ ــ ١٦٠).
ويتوهّم بعض الناس أنّه قبل ذلك لم يكن عند أحدٍ من المسلمين كتابٌ ما، يتضمّن علمًا غير كتاب الله ﷿.
وهذا خطأ؛ فقد كان عند جماعةٍ من الصحابة صحائف (^١) في كلٍّ منها طائفة من الأحاديث النبوية، منها: صحيفةٌ كانت عند أمير المؤمنين عليٍّ ــ ﵇. ذكرها البخاري (^٢) وغيره، وجمع ابن حجر في "فتح الباري" (^٣) قِطَعًا منها.
وكان عند عَمرو بن حزم كتابٌ كتبه النبي ﵌ إلى أهل اليمن، فيه أحكامٌ كثيرة (^٤).
وكان عند أنس كتابٌ في أحكام الزكاة كتبه أبو بكر الصديق، قال في
_________________
(١) جمع الأستاذ أحمد الصويان كتابًا جيدًا سماه "صحائف الصحابة" طبع سنة ١٤١٠، جمع فيه نماذج منها، وتكلم على طرقها وأسانيدها ومظان وجودها.
(٢) ص ٢٥١. [المؤلف]. "صحيح البخاري" (١١١ و١٨٧٠ و٣٠٤٧ وغيرها).
(٣) (٤/ ٨٥).
(٤) "المستدرك" ج ١ ص ٢٩٥ - ٢٩٦. [المؤلف]. وأخرجه النسائي (٤٨٥٥) وفي "الكبرى" (٧٠٣١) من مرسل الزهري، وأخرجه البيهقي في الكبرى: (٤/ ٩١ و٩٢ و٩٤) من طُرق عدة.
[ ١٥ / ٢٣٤ ]
أوّله: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﵌ على المسلمين" (^١).
وفي رواية عند الحاكم وغيره: "كتب رسول الله ﵌ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عُمّاله حتّى قُبِض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتّى قُبِض " وذكر الكتاب (^٢).
وكان لسَمُرة بن جندب كتبٌ فيها ما سمعه من النبي ﵌؛ يروي عنها الحسن البصري (^٣).
وكان لجابر بن عبد الله صحيفة كذلك، يروي عنها الحسن (^٤) أيضًا وطلحة بن نافع (^٥).
وكان لعبد الله بن عمرو صحيفة كتبها بإذن النبي ﵌، يرويها عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه
_________________
(١) البخاري ص ١٩٥. [المؤلف]. أخرجه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧)، وابن ماجه (١٨٠٠).
(٢) "المستدرك" ج ١ ص ٣٩٢. [المؤلف]. وأخرجه أيضًا أبو داود (١٥٦٨) ومن طريقه البيهقي في "الكبرى": (٤/ ١٠٥) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه
(٣) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [المؤلف]. (٤/ ١٩٨ و٢٤٦)، وساق منها البزار في مسنده نحو مئة حديث.
(٤) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [المؤلف].
(٥) "تهذيب التهذيب" ترجمة طلحة. [المؤلف]. وذكر صحيفته البخاري في "التاريخ": (٦/ ٤٥١ و٧/ ١٨٦) وفي "الجرح والتعديل": (٧/ ١٣٥)، وفي "السير": (٦/ ١٩٧) وغيرها.
[ ١٥ / ٢٣٥ ]
عن جدّه (^١).
وفي "المستدرك" (^٢) عن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري قال: حدثت عن أبي هريرة بحديث؛ فأنكره، فقلت له: إنّي قد سمعته منك! قال: إن كنت سمعته منّي فإنه مكتوبٌ عندي، فأخذ بيدي إلى بيته، فأراني كتابًا من كتبه فذكر القصة.
استنكره الذهبي لما في "البخاري" (^٣) وغيره عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله ﵌ أحدٌ أكثر حديثًا عنه منّي، إلاّ ما كان من عبد الله بن عَمرو؛ فإنّه كان يكتب ولا أكتب".
لكن قال ابن عبد البر: يمكن أنّه لم يكن يكتب في العهد النبوي، ثمّ كتب بعده (^٤).
وأمّا التابعون؛ فقلّ عالمٌ منهم لم يكن عنده كتب، ولكن كانت الأحاديث تُجمع كيفما اتّفق، بلا تأليف ولا ترتيب؛ كما في "صحيفة همّام بن منبّه اليماني عن أبي هريرة"، وهي نحو من مائة وأربعين حديثًا، تجدها في "مسند أحمد" (٢/ ٣١٢ ــ ٣١٩).
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" ج ٤ قسم ٢ ص ٩. [المؤلف]. وذكرها الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٣٦٧)، والخطيب في "تقييد العلم" (ص ٨٤) وكان يسميها "الصحيفة الصادقة" وقد ساق الإمام أحمد في مسنده كثيرًا من أحاديثها بطريق عمرو بن شعيب، وجمع أحاديثها الإمام مسلم والضياء في كتابين مفردين.
(٢) ج ٣ ص ٥١١. [المؤلف].
(٣) (١١٣).
(٤) "فتح الباري" [١/ ٢٠٧] باب كتابة العلم. [المؤلف].
[ ١٥ / ٢٣٦ ]
التدوين (بالترتيب والتأليف)
وهي في "الصحيحين" وغيرهما مفرّقة (^١).
التدوين
فأمّا التدوين بالترتيب والتأليف: فقد رُويت عن زيد بن ثابت الصحابي المشهور رسالة طويلة، كتبها في أحكام المواريث حوالي سنة ٤٠ للهجرة (^٢).
وفي "سنن البيهقي" (^٣) قِطَعٌ كثيرة منها.
وذكر غير واحد أنّ الحسن بن محمد ابن الحنفية المتوفّى سنة (٩٥) وضع كتابًا في بعض العقائد.
ولكن في ترجمته من " تهذيب التهذيب" (^٤) ما يؤخذ منه أنّها رسالة صغيرة.
وفي ترجمة الحلّاج من "تاريخ الخطيب" (^٥) أنّ للحسن البصري (٢١ ــ ١١٠) كتابًا اسمه كتاب "الإخلاص" كان يُروى ويسمع في القرن الثالث.
وفي "فهرست ابن النديم" (^٦) أنّ لمكحول الشاميّ المتوفّى (سنة ١١٢) أو بعدها كتابين: "كتاب السُّنن"، و"كتاب المسائل" في الفقه.
_________________
(١) وقد طبعت مفردة بتحقيق د. رفعت فوزي في مجلد عن دار الخانجي بمصر.
(٢) "سنن البيهقي" ج ٦ ص ٢٤٨. [المؤلف].
(٣) (٦/ ٢١٣، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٩ وغيرها).
(٤) (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٥) ج ٨ ص ١٣٨. [المؤلف].
(٦) ص ٣١٨. [المؤلف].
[ ١٥ / ٢٣٧ ]
التأليف في أحوال الرجال
فأمّا ما ذكروه (^١) أنّ أوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزُّهري في سنة مائة أو نحوها، بأمر عمر بن عبد العزيز، وبعث به عمر إلى كل أرضٍ له عليها سلطان (^٢)؛ فلا أدري أمُرتَّبًا كان ذلك الكتاب أم لا؟!
فأمّا التأليف في أحوال الرجال؛ فإنّه تأخر قليلًا، وقد ذكر ابن النديم، أنّ لِلَّيث بن سعد (٩٤ ــ ١٧٥) "تاريخًا"، وأنّ لابن المبارك (١١٨ ــ ١٨١) "تاريخًا" (^٣).
وقال الذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم الدّمشقي (١١٩ ــ ١٩٥): "صنّف التصانيف والتواريخ" (^٤).
ثمّ ألّف ابن معين وابن المديني وغيرهما؛ واتّسع التأليف جدًّا.
ولكن في القرن العاشر وهَلُمّ جرًّا تقاصرت الهمم، وهُجِرَ علم الرجال، فقلَّ من بقي يعتني بقراءة كتب الرجال أو نسخها أو نشرها.
فأمّا التأليف، فأقلّ وأقلّ، الّلهم إلا أن يجمع أحدهم تراجم لبعض المجاذيب والدّراويش يملؤها بالخوارق، أو يجمع آخرُ تراجمَ لبعض
_________________
(١) "فتح المغيث" ص ٣٣٩. [المؤلف].
(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه": (٤/ ٢٤٧) ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع": (١/ ٣٣١). والذي ذكره البخاري في "صحيحه" في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء
(٣) "الفهرست" ص ٢٨١ وص ٣١٩. [المؤلف].
(٤) "تذكرة الحفاظ" ج ١ ص ٢٧٥. [المؤلف]. وهو في "السير": (٩/ ٢١١).
[ ١٥ / ٢٣٨ ]
الأدباء، ينتقي من شعرهم ما يستظرفه من الغزل ونحوه، ممّا إن لم يضرّ لم ينفع، إلاّ ما شاء الله تعالى.
حتّى أيقظ الله تعالى الأمّةَ لعلم الحديث وعلم الرجال، والفضل في ذلك
_________________
(١) بعد الله ﷿ للهند، وأعظمه لدائرة المعارف كما سيأتي. * * * *
[ ١٥ / ٢٣٩ ]