مدّة: إنّ ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاها عليه، ثمّ قابلوا الكتابَ الثاني على الكتاب الأوّل، فما غادر حرفًا (^١).
وكانوا كثيرًا ما يبالغون في الاحتياط، حتّى قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَون (^٢).
وقال جرير: رأيت سِماك بن حرب يبول قائمًا، فلم أكتب عنه (^٣).
وقيل للحكم بن عُتَيبة: لِمَ لَمْ تروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام (^٤).
وكانوا يطعنون فيمن خالط الأمراء، أو قبل عطاياهم، أو عظَّمهم، بل ربّما بالغوا في ذلك، كما وقع لمحمد بن بشر الزَّنْبَري المصري مع سعة علمه، كان يملي الحديث على أهل بلده، فاتفق أن خرج الملك غازيًا، فخرج الزَّنْبري يشيّعه، فلمّا انصرف وجلس يوم الجمعة في مجلسه، قام إليه أصحاب الحديث فنزعوه من موضعه، وسبّوه وهمُّوا به، ومزّقوا رواياتهم عنه.
ثمّ ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر" فقال: "لم يكن يشبه أهل العلم" (^٥).
_________________
(١) انظر ترجمة الزهري في "تهذيب التهذيب". [المؤلف]. وهو في "المحدّث الفاصل" (ص ٣٩٧).
(٢) "الكفاية" (ص ١١٢).
(٣) "الضّعَفاء": (٢/ ١٧٨)، و"الكامل": (٣/ ٤٦٠).
(٤) هذه الآثار من "الكفاية" وغيرها. [المؤلف]. وانظر "شرح الألفية" للعراقي (ص ١٤٦).
(٥) انظر ترجمة الزنبري في "لسان الميزان" [٧/ ١٣ - ١٤]. [المؤلف]. وانظر "تاريخ ابن يونس ــ المجموع": (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).
[ ١٥ / ٢٢٤ ]
وإنّما كانوا يتسامحون فيمن بلغ من الجلالة بحيث يُعلَم أنّه إنّما يُخالط الأمراء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويكفَّهم عن الباطل ما استطاع؛ كالزُّهري، ورجاء بن حَيْوة.
روى الشافعيّ قال: حدّثنا عمّي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان! الذي تولّى كِبْره من هو؟ يعني في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٤]. قال: عبد الله بن أُبيّ، قال: كذبت؛ هو فلانٌ! قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول. فدخل الزُّهريّ، فقال: يا ابن شهاب! من الّذي تولى كِبْره؟ قال: ابنُ أُبَيّ، قال: كذبت، هو فلان! فقال الزُّهريّ لهشام: أنا أكذب لا أبا لك؟ ! والله لو نادى منادٍ من السماء: إنّ الله أحلَّ الكذب ما كذبت! حدّثني عروة وسعيدٌ وعبيد الله وعلقمة، عن عائشة: أنّ الذي تولّى كِبْره عبد الله بن أُبيّ (^١).
وذكر تمام القصة، وفيها خضوع هشام للزُّهري واسترضاؤه له (^٢).
وقد وقعت للزُّهري قصة تشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك، وفيها: أنّ الوليد قال له: يا أبا بكر، من تولّى كِبْره، أليس فلانًا؟ قال الزهري: قلت: لا! فضرب الوليد بقضيبه على السرير: فمن؟ فمن؟ حتّى ردّد ذلك مرارًا، قال الزهري: لكن عبد الله بن أُبيّ (^٣).
_________________
(١) القصة في "سير النبلاء": (٥/ ٣٣٩).
(٢) انظر "فتح الباري" في باب حديث الإفك في المغازي، وانظر ترجمة ابن شهاب في "تهذيب الكمال". [المؤلف].
(٣) انظر "فتح الباري". [المؤلف]. وهو في "فوائد ابن أخي ميمي الدقاق" (ص ١١٣ - ت نبيل جرار).
[ ١٥ / ٢٢٥ ]
وفي جواب سليمان لهشام لطيفة، حيث لم يقل: "أمير المؤمنين أعلم" ويسكت، بل قال: "أعلم بما يقول" أي: أعْلمُ بقول نفسه، لا أعلم بحقيقة الحال، ولكنّ المقام لم يكن لتُغني فيه مثل هذه الإشارة، فلذلك قيّض الله تعالى الزُّهريّ ووفّقه فقال ما قال. وقوله لهشام ــ وهو الملك ــ: "لا أبا لك" جرأةٌ عظيمة.
وكانوا من الورع وعدم المحاباة على جانب عظيم، حتى قال زيد بن أبي أُنَيسة: أخي يحيى يكذب (^١).
وسُئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنّه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه (^٢).
وروى عليُّ بن المديني عن أبيه، ثم قال: "وفي حديث الشيخ ما فيه" (^٣)! وأشار إلى تضعيفه غير مرّة.
وقال أبو داود: ابني عبد الله كذّاب (^٤).
وكان الإمام أبو بكر الصِّبْغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق (^٥).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" [١١/ ١٨٤] ترجمة يحيى. [المؤلف].
(٢) "لسان الميزان" ترجمة أنس. [المؤلف]. وهو في "الجرح والتعديل": (٢/ ٢٨٩).
(٣) "تهذيب التهذيب" [٥/ ١٧٥] ترجمة عبد الله بن نجيح. [المؤلف].
(٤) "لسان الميزان" ترجمة عبد الله. [المؤلف]. وانظر "الكامل": (٥/ ٤٣٦).
(٥) انظر ترجمة محمد في "لسان الميزان". [المؤلف]. وهو في "الميزان": (٤/ ٣٩٨) ذكره الحاكم عنه.
[ ١٥ / ٢٢٦ ]