مدخل
الباب الثالث: المدونات الحديثية
تمهيد:
رأيت أن تكون الكتابة في هذا الموضوع عن الكتب المتعلقة بالأنواع الثمانية الآتية، وأن يكون لكل نوع منها فصل خاص به، وأن تكون على هذا الترتيب.
كتب الأحكام، كتب الترغيب والترهيب، كتب الجوامع، كتب الزوائد، كتب توضيح المبهمات، كتب أصول الحديث، كتب التخريج، كتب الرجال.
وآثرت هذه الأنواع دون غيرها -كالعقائد وأحوال الآخرة وغيرها- لأن هذه الأنواع الثمانية ألصق بالحديث من غيرها.
وبدأت من بينها بكتب الأحكام لأنها أهم ما في كتب السنة من هذه الأنواع؛ إذ كان الجانب الأهم منها راجعًا إلى تصحيح معظم الأركان التي بني عليها الإسلام، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم إلى تصحيح المعاملات التي يتعايش الناس بها في حياتهم، ويعرف كل منهم ما له وما عليه دون غبن ولا جور، دفعًا للفساد في الأرض، ومقاومة للتعدي والبغي، وعلى وفقها يكون الفصل في القضايا والخصومات بين الناس.
وقفيت على كتب الأحكام بكتب الترغيب والترهيب؛ لأنها دون كتب الأحكام في الأهمية فهي تتجه في الجملة إلى جانب ما تتحقق به كماليات الأعمال، وما يطلب به الثواب ويتحاشى به العقاب في دار الجزاء، وهي لهذا غير متجهة إلى تصحيح العبادات والمعاملات الذي هو أهم شيء في الدين وتعاليمه.
ثم كانت كتب الجوامع في هذا العصر هي الثالثة في الترتيب؛ لأن مهمتها فيه جمع السنة، ومحاولة استقصائها أو استقصاء الأهم منها، وليس المقصود منها بيان موضوعات دينية معينة كالنوعين السابقين ولهذا كان ترتيبها على الحروف لا على الأبواب تسهيلًا للمراجعة، على أنها جاءت متأخرة في الزمن عن النوعين السابقين.
ثم تجيء بعد ذلك في الترتيب كتب الزوائد، لما أنها -كاسمها- زوائد على كتب الأصول الحديثية التي اعتبرها الناس مراجع أصلية لهم على مدى الأزمان، ولأن فيها استيعابًا أيضًا ككتب الجوامع في لون آخر من ألوان الاستيعاب، ولهذا كانت ككتب الجوامع أقل تداولًا من غيرها من كتب الحديث، ولم تتجه العناية إليها إلا في عصور متأخرة.
وأما كتب توضيح المبهمات التي جاءت في الفصل الخامس، فلأن المقصود الأهم بها هو خدمة الأحاديث النبوية التي هي موضوعات الأنواع الأربعة السابقة؛ وما شابهها، بشرح ألفاظها، أو
[ ١٣٩ ]
تبيين معانيها، أو دفع توهم التضارب عنها، وهذا شيء متأخر طبعًا ووضعًا عن وجود الأحاديث ذاتها، وقد أشرت إلى أن الشروح جاءت متأخرة في التدوين عن جمع السنة في الجملة.
وبعد الانتهاء من دراسة ما يتعلق بالحديث النبوي في الأنواع السابقة رواية أنتقل إلى ما يتعلق به دراية في الأنواع التي اخترتها لبحث بعض مؤلفاتها، وهي التي سميت بكتب أصول الحديث الذي هو فن المصطلح، فبدأت به من بين هذه الأنواع؛ لأنه هو الفن الجامع لشتاتها، والمستوعب لأبوابها فهو أصل والباقي فروع عنه، فأخذت منه أهم الكتب المؤلفة فيه وتناولتها بالدراسة.
ثم قفيت على ذلك بفرع مهم من فروع المصطلح وهو تخريج الأحاديث؛ لأن له أهميته في بيان درجة الأحاديث التي تحتاج إلى التخريج، ومنزلتها من حيث القبول والرد، وهذا أهم ما يقصد من إيراد الحديث والاحتجاج به، فلذلك بدأت به من بين هذه الفروع.
ثم أتبعت ذلك بدراسة بعض كتب الرجال، ووجهت إليها عناية تناسبها تبعًا لرجال الحديث الذين أكثروا من التأليف فيها، للتعريف بالرواة وتواريخ وفياتهم وصفاتهم إلى غير ذلك، مما يلقي أضواء على أسانيد الأحاديث التي هي الأسس والدعاثم في قبول الأحاديث والاستدلال بها.
واكتفيت من بين فروع المصطلح بهذين النوعين؛ لأن الذي سمح به مقام البحث، ولأن في دراسة كتب الرجال ما يغني عن كثير من دراسة بعض الأنواع الأخرى ككتب التجريح والتعديل وكتب الوفيات ونحو ذلك.
تلك هي وجهة نظري في الترتيب الذي رتبته بين هذه الأنواع، وفي الاكتفاء بما اكتفيت به منها.
وعسى الله ﷿ أن يكون قد وفقني في وجهة النظر فيما ذهبت إليه، وأن يوفقني في الدقة العلمية في التصوير والبحث في تحليل هذه الكتب، وفي دراستها دراسة تنفعني وتنفع القراء إن شاء الله.
[ ١٤٠ ]
الفصل الأول: كتب الأحكام
مدخل
الفصل الأول: كتب أحاديث الأحكام
تمهيد:
نقصد بهذه الكتب تلك التي جمع علماء الحديث مادتها من نوع تستنبط منه أحكام الفقه وبحوثه من الأحكام الشرعية التي تدل السنة عليها، وهي تختلف عن كتب علم الفقه بعامة، فإنه كما عرفه أهل الأصول: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وواضح أن الأدلة التفصيلية تعتبر السنة قسمًا منها، فإنها المصدر الثاني من مصادر الأحكام -بعد كتاب الله- كما هو مقرر، ويلي السنة النبوية الإجماع ثم القياس ثم بقية الأدلة على الاختلاف فيها، وهي الاستحسان والمصالح المرسلة، والأصل في الأشياء الإباحة، وما إلى ذلك.
وكتب الفقه العام كثيرة ومتداولة، بدأت منذ عهد الأئمة، ومن بينها كتب الفروع الفقهية للمذاهب المختلفة، والتي تدرس في معاهد العلم المتعددة.
وأما فقه السنة، فيبدو أن أول ما ألف فيه بوجه عام كتب عرفت بين المحدثين بأنها كتب السنن.
قال العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة١: ومنها كتب تعرف بالسنن، وهي في اصطلاحهم الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة.
ثم أورد منها عددًا أضافه إلى السنن الأربعة المشهورة فبلغت خمسة وعشرين كتابًا نذكرها مرتبة بحسب سنة الوفاة لمؤلفيها على النحو التالي:
١- سنن ابن جريج، وهو أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي ثم المكي، المتوفى سنة ١٥٠هـ٢.
٢- سنن موسى بن طارق، وهو الذي يروي عن ابن جريج وموسى بن عقبة وغيرهم، وهو أبو قرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي، ذكره صاحب الرسالة المستطرفة٣. ونقل عن التقريب أنه ثقة يقرب من التاسعة ولم يذكر له وفاة:
٣- سنن الإمام الشافعي، برواية أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة ٢٠٤هـ٤.
_________________
(١) ١ الرسالة: ص٢٥. ٢ شذرات الذهب: ج١ ص٢٢٦. ٣ الرسالة المستطرفة: ص٢٧. ٤ شذرات الذهب: ج٢ ص٩.
[ ١٤٣ ]
٤- سنن سعيد بن منصور، وهو أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ، المتوفى سنة ٢٢٧هـ١.
٥- سنن الدولابي، وهو محمد بن الصباح البغدادي البزار المزني مولاهم الدوبلابي، المتوفى سنة ٢٢٧هـ٢.
٦- سنن أبي عمرو، "سهل بن سهل" زنجلة الرازي الخياط الأشتر الحافظ، المتوفى في حدود سنة ٢٤٠هـ٣.
٧- سنن الخلال، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الهزلي الخلال الحلواني -نزيل مكة- المتوفى سنة ٢٤٢هـ٤.
٨- سنن الدرامي، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي السمرقندي الحافظ الثقة المتوفى سنة ٢٥٥ هـ٥.
٩- سنن أبي بكر الأثرم، وهو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الحافظ الثبت، المتوفى سنة ٢٦١هـ٦.
١٠- سنن ابن ماجه، وهو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الكبير، المتوفى سنة ٢٧٣هـ٧.
١١- سنن أبي داود، وهو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزهري المتوفى سنة ٢٧٥هـ٨. وسنتناول هذا الكتاب بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
١٢- سنن الترمذي، وهو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى الترمذي الضرير، وهو تلميذ البخاري ومشاركه فيما يرويه، توفي سنة ٢٧٩هـ٩.
١٣- سنن أبي إسحاق، وهو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي الأزدي، المتوفى سنة ٢٨٢هـ١٠.
١٤- سنن أبي مسلم الكشي، وهو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري الحافظ، المتوفى سنة ٢٩٢هـ١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب: ج٢ ص٦٢ ٢ شذرات الذهب: ج٢ ص٦٢ ٣ الرسالة المستطرفة: ص٢٧. ٤ شذرات الذهب: ج٢ ص١٠٠. ٥ شذرات الذهب: ج٢ ص١٣٠. ٦ شذرات الذهب: ج٢ ص١٤١. ٧ شذرات الذهب: ج٢ ص١٦٤. ٨ شذرات الذهب: ج٢ ص١٦٧. ٩ شذرات الذهب: ج٢ ص١٧٤ ١٠ شذرات الذهب: ج٢ ص٧٨. ١١ الرسالة المستطرفة: ص٢٧.
[ ١٤٤ ]
١٥- سنن أبي يوسف بن يعقوب بن حماد بن زيد بن درهم القاضي الأزدي، المتوفى سنة ٢٩٧هـ١ وهو ابن عم إسماعيل القاضي الأزدي.
١٦- سنن النسائي الكبرى، وهو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي أحد الأعلام، توفي سنة ٣٠٣هـ٢.
١٧- سنن الصفار، وهو الإمام أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار أبو الحسن. حدث عنه الدارقطني وغيره، وتوفي سنة ٣٤١هـ٣.
١٨- سنن أبي بكر محمد بن يحيى الهمذاني الشافعي، المتوفى سنة ٣٤٧هـ٤.
١٩- سنن النجاد، وهو أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس البغدادي الفقيه الحافظ، المتوفى سنة ٣٤٨هـ٥.
٢٠- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الإمام الحافظ الكبير، المتوفى سنة ٣٨٥هـ٦.
٢١- سنن ابن لال، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني، المتوفى سنة ٣٩٨هـ٧.
٢٢- سنن اللالكائي، وهو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ الفقيه، المتوفى بالدينور سنة ٤١٨هـ٨.
٢٣- سنن البيهقي، وهو الإمام العلم أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الخسروجردي الشافعي الحافظ صاحب التصانيف، المتوفى سنة ٤٥٨هـ٩.
وإذا أضفنا إلى هذه الكتب ما عده صاحب الرسالة المستطرفة١٠ من بينها من رواية الإمام أبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المتوفى سنة ٣٢١هـ لسنن الإمام الشافعي، وسنن النسائي الصغرى "المجتبى" التي لخصها مؤلفها من السنن الكبرى تاركًا لما تكلم في إسناده من التعليل لتبين لنا أن عدد كتب السنن التي اعتمدها العلماء خمسة وعشرون.
وإذا تتبعنا ما ألفه المحدثون من كتب جمعت أحاديث الأحكام، ويسرت للفقهاء سبيل الأدلة وجدنا من بينها هذه المؤلفات التي ذكرها صاحب الرسالة المستطرفة وغيره من المؤلفين.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب: ج٢ ص٢٢٧. ٢ شذرات الذهب: ج٢ ص٢٣٩. ٣ شذرات الذهب: ج٢ ص٣٥٨. ٤ الرسالة المستطرفة: ص٢٨. ٥ شذرات الذهب: ج٢ ص٣٧٦ والرسالة المستطفرة ص٢٨ ونقل صاحبها عن كشف الظنون أنه توفي سنة ٣٤٣هـ. ٦ شذرات الذهب: ج٢ ص١١٦. ٧ شذرات الذهب: ج٢ ص١٥١. ٨ شذرات الذهب: ج٢ ص٢١١. ٩ شذرات الذهب: ج٢ ص٣٠٤. ١٠ ص٢٥.
[ ١٤٥ ]
قال السيد محمد جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة١:
ومنها كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أوله تعلق بها، بعضها يسمى مصنفًا وبعضها جامعًا، وغير ذلك.
ثم أورد مصنفات عديدة، وجوامع كثيرة لمؤلفين من الأعلام اعتبرها العلماء مراجع في الاستدلال في العصور المتعاقبة، كما أورد غيره كثيرًا منها.
وها نحن أولاء نشير إلى هذه المؤلفات وأسماء بعض المؤلفين، ممن اشتهرت مصنفاتهم وعول عليها العلماء في كثير من الأمصار، مرتين لها بحسب سني وفاتهم على النحو التالي:
١- جامع أبي عروة، وهو معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، المتوفى سنة ١٥٣هـ٢.
٢- موطأ ابن أبي ذئب، وهو الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة القرشي العامري المدني الفقيه، المتوفى سنة١٥٩هـ٣. وهذا الموطأ لم يطبع ولم يتداول، ولم يشتهر كموطأ مالك، ولم يعرف إلا بالحديث عن اسمه في بعض الكتب، فقد ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة فقال٤: وقد صنف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأ أكبر من موطأ مالك، حتى قيل لمالك: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: مما كان لله بقي.
٣- مصنف أبي سلمة "حماد بن سلمة" بن دينار البصري الحافظ، المتوفى سنة ١٦٧هـ٥.
٤- موطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة ١٧٩هـ٦ وسنتناوله بالدراسة إن شاء الله في هذا الفصل.
٥- كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي صاحب أبي حنيفة، والمتوفى سنة ١٨٩هـ٧.
٦- مصنف أبي سفيان، وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي، المتوفى سنة ١٩٧هـ٨.
٧- جامع أبي محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلال مولاهم الكوفي الحافظ، نزيل مكة، المتوفى سنة ١٩٨هـ٩.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطفرة: ص٣٠. ٢ شذرات الذهب: ج١ ص٢٣٥ والرسالة المستطرفة: ص٣٢. ٣ شذرات الذهب: ج١ ص٢٤٥. ٤ الرسالة المستطرفة: ص٨. ٥ شذرات الذهب: ج١ ص٢٦٢. ٦ شذرات الذهب: ج١ ص٢٨٩. ٧ الرسالة ص٣٢ وشذرات الذهب ج١ ص٣٢١. ٨ الرسالة ص٣١ والشذرات ج١ ص٣٤٩. ٩ الرسالة ص٣١ والشذرات ج١ ص٣٥٤.
[ ١٤٦ ]
٨- كتاب الأم للشافعي، الإمام محمد بن إدريس من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وهو في سبع مجلدات، والإمام الشافعي توفي سنة ٢٠٤هـ١.
٩- مصنف عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني أبو بكر، المتوفى سنة ٢١١هـ٢.
١٠- مصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي الزهراني البصري نزيل بغداد، المتوفى سنة ٢٣٤هـ٣.
١١- مصنف ابن أبي شيبة أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل الكوفي العبسي، المتوفى سنة ٢٣٥هـ٤.
١٢- الجامعان: الكبير والصغير، كلاهما للإمام البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري مولى الجعفين، المتوفى سنة ٢٥٦هـ٥.
١٣- جامع الإمام مسلم بن الحجاج بن مسليم بن ورد القشيري النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١هـ٦.
١٤- مصنف بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الحافظ أبي عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، المتوفى سنة٢٧٦ هـ٧.
١٥- تهذيب الآثار لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري بن يزيد بن خالد، المتوفى سنة ٣١٠هـ٨.
١٦- جامع أبي بكر الخلال، أحمد بن محمد الخلال الحنبلي، المتوفى سنة ٣١١هـ٩.
١٧- معاني الآثار وشرحه، للإمام الطحاوي أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١هـ١٠ وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
١٨- الشريعة في السنة، لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ١١.
١٩- معاني الأخبار، المسمى ببحر الفوائد، لأبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، المتوفى سنة ٣٨٠هـ١٢.
_________________
(١) ١ الرسالة ص٣٢ والشذرات ج٢ ص٩. ٢ الرسالة ص٣١ والشذرات ج٢ ص٢٧. ٣ الرسالة ص٣١. ٤ الرسالة ص٣١ والشذرات ج٢ ص٨٥ ٥ الرسالة ص٣٢ والشذرات ج٢ ص١٣٤. ٦ الرسالة ص٣٢ والشذرات ج٢ ص١٤٤. ٧ الرسالة ص٣١ و٥٦ والشذرات ج٢ ص١٦٩. ٨ الرسالة ص٣٣ والشذرات ج٢ ص٢٦٠. ٩ الرسالة ص٣٢ والشذرات ج٢ ص٢٦١. ١٠ الرسالة ص٣٣ والشذرات ج٢ ص٢٨٨. ١١ الرسالة ص٣٢ وشذرات الذهب ج٣ ص٣٥. ١٢ الرسالة ص٣٣.
[ ١٤٧ ]
٢٠- معرفة السنن والآثار١، لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المتوفى سنة ٣٨٨هـ٢.
٢١- شرح السنة، لركن الدين ومحيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالقراء البغوي، المتوفى سنة ٥١٦هـ٣.
٢٢- عمدة الأحكام، للإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الحنبلي، المتوفى سنة ٦٠٠هـ٤، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله.
٢٣- جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام، للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ٦٣٨هـ٥.
٢٤- المنتقى، المعروف بمنتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، لمجد الدين ابن تيمية، أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي، المتوفى سنة ٦٥٢هـ٦.
٢٥- المحرر في الحديث في شرح الإلمام من أحاديث الأحكام، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، المتوفى سنة ٧٤٤هـ٧.
٢٦- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، للحافظ العراقي، المتوفى سنة ٨٠٦هـ٨، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل بين كتب الأحكام إن شاء الله.
٢٧- بلوغ المرام من أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢هـ٩ وسنتحدث عنه في هذا الفصل بإذن الله.
٢٨- كشف الغمة عن جميع الأمة، للإمام الشعراني، المتوفى سنة ٩٧٣هـ وسنفرد له دراسة خاصة في هذا الفصل إن شاء الله.
هذه بعض الكتب التي وقفنا عليها بعد البحث، ورأينا إضافتها إلى ما سبقها من كتب السنن. باعتبار أن هذه وتلك كانت كلها مراجع للعلماء والباحثين في الفروع، وكان الكثير منها محل اهتمام المحدثين والفقهاء، فتناولوها بالشرح والتنقيح، والاختصار والتهذيب، ولا تزال حتى الآن موضع العناية من المسلمين في كافة الأقطار والأمصار، فإن موضوعها تلك الأحاديث التي
_________________
(١) ١ هكذا ورد في الرسالة المستطرفة وإن كان صاحب الشذرات قد ذكر أنه معالم السنن، كما ذكره صاحب كشف الظنون ص٦٣٨. ٢ الرسالة ص٣٣ وشذرات الذهب ج٣ ص١٢٧. ٣ الرسالة ص٣٢ والشذرات ج٤ ص٤٨. ٤ شذرات الذهب: ج٤ ص٣٤٥. ٥ الرسالة: ص٣٢، وشذرات الذهب ج٥ ص١٩٠. ٦ شذرات الذهب: ج٥ ص٢٥٧. ٧ شذرات الذهب: ج٦ ص١٤١ وهدية العارفين في أسماء المؤلفين: ج٦ ص١٥١. ٨ شذرات الذهب: ج٥ ص٢٥٧. ٩ شذرات الذهب: ج٧ ص٢٧٠.
[ ١٤٨ ]
استدل بها فقهاء الأمة الإسلامية على ما اتجه إليه كل منهم في الأحكام الفرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين، مما وصل إليه من أدلة السنة، سواء أكانت أفعال المكلفين هذه عبادات أم معاملات أو غيرها، وسواء أكانت الأحاديث تفصيلًا لمجمل الكتاب، أم تفسيرًا لما أبهم فيه، أو كانت أحاديث تستقل بالتشريع، قولية كانت أو فعلية.
وقد اتجهت عناية الأئمة إلى أحاديث الأحكام، وأفردت لها كتب خاصة بها -اعتناء بشأنها- لتوقف تصحيح كثير من الأعمال أو كمالها على معرفتها، ولتعرف إذن الشارع في بعض الأفعال أو عدم إذنه فيه، وإن كان بعض هذه الكتب قد مزج ما فيها من أحاديث الأحكام بآثار الصحابة وفتاوى بعض التابعين.
ولئن كنا قد تناولنا بعض هذه المؤلفات بالدراسة من غير تقيد بالزمان ولا بالمكان، فمرجع ذلك إلى رغبتنا في إيضاح تسلسل الربط بين الماضي والحاضر، واعتبارنا هذه الكتب هي الدعامة التي بنيت عليها مدرسة الحديث في مصر، وهي المراجع الأصلية التي تتلمذ عليها علماؤها الأعلام في هذا النوع من أحاديث الأحكام.
فلنبدأ -باسم الله وعلى بركته- في دراسة أشهر ما وقفنا عليه من هذه المؤلفات، موجزين فيما يستحق الإيجاز مما اعتبرناه منها أساس لموضوع البحث، متوسعين -بعض الشيء- فيما عدا ذلك مما هو من موضوعه الأصيل، والله المستعان.
[ ١٤٩ ]
موطأ الإمام مالك:
موطأ الإمام مالك، هو ذلك الكتاب المبارك الذي ألفه الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة رضوان الله تعالى عليه، وكان من أتابع التابعين، أورده الحافظ في التذكرة في الطبقة الخامسة من الحفاظ، ووصفه بأنه الإمام الحافظ فقيه الأمة وشيخ الإسلام وإمام دار الهجرة، وهو أحد الأئمة الأربعة المعروفين، كان ﵀ عظيم المحبة لرسول الله ﷺ، مبالغًا في تعظيمه، حتى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله ﷺ مدفون، توفي ﵁ عام تسع وسبعين ومائة للهجرة١.
وكتابه الموطأ، وصفه الحافظ السيوطي في مقدمته للشرح المسمى بتنوير الحوالك -نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي- بأنه الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب "يريد الحديث"، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي، وقد جمع فيه قبل تهذيبه -كما نقل السيوطي- عشرة آلاف حديث، ولم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة، وأورد عدة نقول تختلف بعض الاختلاف مع هذا النقل بالزيادة أو النقصان.
وينقل السيوطي في هذا المقام عن أبي بكر الأبهري في جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين أنها ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا: المسند فيها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.
وأورد نقولًا أخرى تختلف عن ذلك أيضًا، وقال: إن هذا الموطأ رواه عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القعنبي٢.
وقد أورد عن الإمام مالك في سبب تسميته بالموطأ ما قال: إنه عرض كتابه هذا على سبعين من فقهاء المدينة، فكلهم واطأه عليه، فسماه الموطأ٣.
وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه قال: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وواضح أن ذلك كان قبل ظهور كتب السنة المعتبرة التي على رأسها الصحيحان الجليلان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول -صحيحا البخاري ومسلم.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب: ج١ ص٢٨٩. ٢ تنوير الحوالك: ج١ ص٧. ٣ تنوير الحوالك: ج١ ص٥.
[ ١٥٠ ]
وفي كتب المصطلح تناوُل لهذا الكتاب، وما وجه إليه من نقد، وما دفع به عنه، ولا يتسع مجالنا الآن لإيراد ذلك، فإن المقصود بيان أن الموطأ من أهم أسس الكتب الحديثية الخاصة بالأحكام إن لم يكن هو الأساس الأول لتلك الكتب.
ولا بد أن نشير إلى أن الموطأ من الكتب العظيمة التي اتجهت إليها عناية العلماء والمحدثين بالشرح، حتى قال القاضي عياض: إنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، فقد شرحه ابن عبد البر بكتاب سماه التمهيد والاستذكار، وشرحه أبو الوليد بن الصفار بكتاب سماه "الموغب"، وشرحه أبو محمد بن السيد البطليموسي النحوي بكتاب سماه "المقتبس"، وشرحه القاضي أبو بكر بن العربي بكتاب سماه "القبس"، وشرحه أبو الوليد الباجي بثلاثة شروح: "المنتقى والأسماء والاستيفاء"، كما شرحه السيوطي بكتابه الذي سماه كشف المغطى في شرح الموطأ، وكتابه الآخر تنوير الحوالك، وقدم له بمقدمة شحنها بكثير من الفوائد، وهي التي رجعنا إليها في تصويرنا لهذا الكتاب والحديث عنه.
ومن العلماء من وجه عنايته إلى شرح غريبة فقط، منهم الأخفش، والبرقي، وأبو القاسم العثماني المصري.
ومنهم من ألف في رجاله فقط، كأبي عبد الله بن الحذاء، وأبي عبد الله بن المفزع، والبرقي، وللسيوطي كتاب في رجاله سماه: "إسعاف المبطأ برجال الموطأ".
ولا يفوتنا -قبل مغادرة الحديث عن هذا الكتاب الجليل- أن نشير إلى الناحية البارزة فيه، وهي أنه أورد بجانب الأحاديث النبوية من أقوال الصحابة والتابعين ما قدر بثمانية وتسعين وثمانمائة من الآثار: الموقوف منها ثلاثة عشر وستمائة، والمقطوع خمسة وثمانون ومائتان، وهو ما يربو على نصف الكتاب، وللإمام وجهته في ذلك، فإنه انتفع بتلك الآثار وأفاد بها فائدة جليلة فوق ما أورده من الأحاديث: مسانيدها ومرسلها.
إن من هذه الآثار ما كان يوجه إلى أحكام مستقلة لم تسعفه رواية الحديث بها، ومن ذلك الأثر الذي رواه عن سالم بن عبد الله دليلًا على منع تغطية الفم في الصلاة، من أنه كان إذا رأى من يغطي فاه بثوبه وهو يصلي جبذ الثوب جبذًا شديدًا١.
ومن ذلك ما نقله عن ابن عمر من أن في قُبلة الرجل امرأته وجسها الوضوء، ونقل مثله عن ابن مسعود بلاغًا، ومثلهما عن ابن شهاب من التابعين، ولم يذكر حديثًا في هذا الموضوع٢.
ومنها ما يشير إلى خلاف في الرأي بين بعض الصحابة وبعض، أو بين بعض الصحابة وبعض التابعين، وذلك كما أورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قدم من العراق، فدخل عليه بعض الصحابة فقرب له طعامًا قد مسته النار فتوضأ أنس، ولم يتوضأ الآخر.
_________________
(١) ١ تنوير الحوالك: ج١ ص٣٠. ٢ تنوير الحوالك ج١ ص٥٠.
[ ١٥١ ]
ونظير هذا ما نقله عن عثمان بن عفان، أنه أكل خبزًا ولحمًا ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وكذلك ما بلغ مالكًا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵄ كانا لا يتوضأان مما مسته النار١.. ونظير ذلك الحديث.
وكما نقل عن عروة بن الزبير أن أباه مسح على الخفين ولم يزد على مسح الظهور، ثم نقل عن ابن شهاب أن مالكًا سأله عن المسح على الخفين فمسحهما أمامه من تحت الخف ومن فوقه، وإن كان مالك أيد ما نقله عن ابن شهاب٢.
ومما نقل فيه الخلاف أيضًا بين الصحابي والتابعي حكم الرعاف في الصلاة، فإن ابن عباس غسل الدم ثم بنى من غير وضوء، وأما سعيد بن المسيب فإنه توضأ ثم بنى على ما صلى٣، ولم يؤيد مالك أحد الرأيين في موطئه.
ومنها كذلك ما يقع تفسيرًا لبعض غريب القرآن٤، كما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه فسر دلوك الشمس بميلها، وعن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس إذا فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته.
ويبدو أن بعض الرواة عن مالك كان يضيف زيادات مما يستقر عليه رأي مالك في بعض الأحكام كالذي نقله يحيى عن مالك أنه سئل: هل في القيء وضوء؟ قال: لا، ولكن ليتمضمض وليسغل فاه، وليس عليه وضوء٥.
وكما في رأي مالك فيمن نسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، قال راوي الكتاب: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، فقال: أرى أن يمسح برأسه، وإن كان قد صلى أن يعيد الصلاة.
على أن بعض ما عد من الآثار في هذا الكتاب ما يستحق أن يعد من الأحاديث المرفوعة؛ بناء على ما تقرر في أصول الحديث من أن قول الصحابي له حكم الرفع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولدينا في الموطأ آثار عديدة من هذا النوع.
منها ما نقله عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس٦ إلخ، ونظيره ما كتبه إلى أبي موسى: أن صل الظهر إذا زاغت الشمس إلخ، ومثله ما نقله عن أبي هريرة، أن رجلًا سأله عن الأوقات فقال: صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك.
_________________
(١) ١ تنوير الحواليك: ج١ ص٣٧ وما بعدها. ٢ تنوير الحوالك: ج١ ص٤٧. ٣ تنوير الحواليك: ج١ ص٤٧. ٤ تنوير الحوالك: ج١ ص٢٣. ٥ تنوير الحوالك: ج١ ص٣٧. ٦ تنوير الحوالك: ج١ ص١٩.
[ ١٥٢ ]
والنسخة التي بين أيدنا للموطأ بشرح تنوير الحوالك من طبع الحلبي بمصر عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهي جزءان في مجلد.
بدئ الأول منها بحديث في وقوت الصلاة١ قال: حدثني يحيى بن يحيى الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب بن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ، ثم صلى، فصلى رسول الله ﷺ ثم قال: بهذا أمرت؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أعلم ما تحدث به يا عروة، وإن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة إلخ.
وانتهى الجزء الأول بأثر عنون له بميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وهو: حدثني يحيى عن مالك، أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله ﷿ وإخوته لأمه حقوقهم، ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين، قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا.
ثم بدأ الجزء الثاني بكتاب النكاح: ما جاء في الخطبة وأورد حديثًا في أوله قال فيه: حدثني يحيى عن مالك بن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وانتهى الجزء الثاني بحديث عنون له بأسماء النبي ﷺ هو: حدثني مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: "لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
والكتاب مشحون بالأحاديث والآثار والبلاغات، موزعة على الكتب والأبواب وما يندرج تحتها من عناوين، ويحوي مادة خصبة للدارسين والباحثين، يرفع من شأنها قرب عهد مؤلفها من صدر الإسلام، ومعاصرته لكثير من أجلاء التابعين وأتباع التابعين، ممن نقلوا إلينا السنة وأخذنا عنهم الدين، ومما يصدق شهادة الإمام الشافعي لهذا الكتاب من أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم أن الأمة تلقته بالقبول، ولم يزل تعويلها عليه منذ ظهر إلى يومنا هذا، فكان العلماء والأئمة ما بين شارح له، أو مقتبس منه، أو راجع إلى ما فيه من الأحاديث والآثار الكريمة.
رحم الله الإمام مالك بن أنس، وجزاه عما قدم للأمة الإسلامية خير الجزاء.
_________________
(١) ١ تنوير الحوالك ج١ ص١١ وورد العنوان هكذ: وقوت الصلاة.
[ ١٥٣ ]
سنن أبي داود:
وأما سنن أبي داود السجستاني، فهو ذلك الكتاب العظيم، الذي ألفه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي، المولود سنة اثنتين ومائتين للهجرة، والذي تحدث عند الذهبي في تذكرته١ فقال: إنه الإمام صاحب السنن، الذي حدث عنه الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي وغيرهم ممن رووا عنه سننه، سمع أبا عمرو بن الضرير ومسلم بن إبراهيم والقعنبي و وخلقًا كثيرًا بالحجاز والشام ومصر والعراق وغيرها، وقال الذهبي: كتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث العتيرة، وأراه كتابه فاستحسنه.
ويقول الحافظ المنذري: إن الإمام ابن حنبل استجاده واستحسنه، ثم نقل عن أبي بكر بن عبد العزيز أنه سمع كتابًا كتبه أو داود لأهل مكة يقول فيه عن سننه: إن هذه الأربعة آلاف والثمانمائة حديث كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها٢، وأن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: لين لأبي داود الحديث كما لين لداود الحديد.
ونقل الذهبي عن ابن داسة أن أبا داود قال: ذكرت في كتابي الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه من وهن شديد بينته، وأورد أن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، كما نقل عن الحاكم أنه قال: أبو داود إمام أهل الحديث في زمانه بلا مدافعة، وفي بعض نقوله الأخرى ما يؤكد أنه دخل مصر٣.
ونقل المنذري عن أحمد بن محمد بن ياسين الهروي قال: كان سليمان بن الأشعث السجزي أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث، وكانت وفاته ﵀ ورضي عنه سنة خمس وسبعين ومائتين للهجرة٤.
وكتابه السنن أحد الكتب الستة المشهورة، التي عول عليها العلماء والفقهاء في جميع بقاء الأمة الإسلامية وأزمانها، ولا تجد في وصفه أصدق مما وصفه به مصنفه فيما رواه المنذري عن ابن داسة قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه٥.
ومما وصفه به أيضًا قوله: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ج٢ ص١٥٢ وما بعدها. ٢ مختصر سنن أي داود ج١ ص٥، ٦. ٣ تذكرة الحفاظ ج٢ ص١٥٤. ٤ الشذرات ج٢ ص١٦٧. ٥ مختصر سنن أبي داود ج١ ص٦ و٧.
[ ١٥٤ ]
ونقل الحافظ المنذري عن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ: أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال.
ولعله يريد بقوله: إذا صح الحديث كونه مستوفيًا لشروط القبول، وإلا فإن الصحة بالمعنى المصطلح عليه عند المحدثين ليست ملتزمة في سنن أبي داود، لاعتراف مؤلفها بقوله: جمعت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وقوله: وما كان فيه من وهن شديد يينته، من أنه أحيانًا يذكر الضعيف وينبه إلى علته.
وحكي عن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي هذا حديثًا أجمع الناس على تركه١، وأورد مثله الخطابي نقلًا عن أبي داود عند الحديث عن سننه٢.
ويقول الخطابي٣ في شرحه للسنن٤: اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد منه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض، ثم فضله على صحيحي البخاري ومسلم في حسن وصفه، وكثرة فقهه.
وذكر الخطابي في مقدمته لشرح السنن عند تقسيم الحديث: أن كتابه هذا مجمع النوعين من الصحيح والحسن، فأما السقيم من الحديث فعلى طبقات: شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول، وكتاب أبي داود خَلِي منها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامه لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته.
ومن راجع ما كتبه علماء المصطلح وجد أن لهم وجوها في الحكم على المسكوت عنه من سنن أبي داود، وقد تناولها الحافظ السخاوي وانتهى منها إلى أن التحقيق التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عنه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرها، ثم قال: ومن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه صالح -كما هي عبارته- خصوصًا وقد سلك جماعة هذا المسلك٥.
وقد وصفه الحافظ العراقي في ألفيته بأنه من مظان الحديث الحسن، وبين السخاوي أن الظن هنا بمعنى العلم، وقد بنى ذلك الوصف على ما وصفه به أبو داود نفسه من أنه ذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه.
_________________
(١) ١ مختصر سنن أبي داود ج١ ص٨. ٢ شرح الخطابي على السنن ج١ ص١١. ٣ هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي من أعلام المحدثين والفقهاء وأحد شيوخ الحاكم مؤلف غريب الحديث، ومعالم السنن وأعلام السنن وشرح البخاري توفي سنة ٣٨٨هـ. ٤ مختصر السنن ج١ ص١٠. ٥ فتح المغيث ج١ ص٧٣، ٧٦، ٧٧.
[ ١٥٥ ]
ونقل السخاوي في هذا المقام عن الغزالي: أن ما فيه من الأحاديث يكفي المجتهد في الفقه كما نقل عن النووي: أنه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء بهذا الكتاب وبمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه.
والكتاب الذي بين أيدينا طبعة المطبعة التازية بمصر ويقع في اثنتين وتسعين وسبعمائة صفحة، ومكون من جزأين: الأول منهما في تسع وثلاثين وأربعمائة صفحة مفتتح بعبارة: حدثنا أبو علي محمد بن عمرو اللؤلئى، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين: كتاب الطهارة -وذكر فيه أبوابًا- ثم كتاب الصلاة وهكذا حتى فرغ منه مرتبًا إياه على أبواب الفقه المعروفة.
ولا بد هنا من أن نشير إلى أن أبا داود بعد أن ألف كتابه السنن بعث برسالة إلى أهل مكة وغيرها جوابًا لهم، أملى فيها كلامًا كثيرًا من السنن منه قوله١:
أما بعد عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين فأحدهما أقدم إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث.
وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زيادة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعد من سمعه، إلى أن قال: وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
ثم قال: وما كان من كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض٢ وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي ﷺ إلا وهي فيه إلا أن يكون كلامًا استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن، ألزم للناس أن يتعملوا من هذا الكتاب.
إلى أن قال: والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس. ثم قال: ولعل قدر الذي في كتابي أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل.
وختم رسالته بقوله: ولم أصنف في كتب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف في كتب الزهد وفوائد الأعمال وغيرها.
هذا هو أهم ما ورد في رسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكة، وما ورد في غيرها مما
_________________
(١) ١ نقلًا عن كتاب رسالة أبي داود السجستاني وصفًا لتأليفه كتاب السنن رواية أبي الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمي عنه قدمها وعلق عليها محمد زاهد الكوثري طبع مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩هـ. ٢ أوردنا مثل هذا القول في تقديمنا لهذا الكتاب نقلًا عن الذهبي عن ابن داسة.
[ ١٥٦ ]
يستعان به على تعرف هذا الكتاب ومزيته، والقارئ في رسالة أبي داود لأهل مكة يجدها مشتملة على كثير من الركة والإبهام في الأسلوب، ولهذا اكتفينا بنقل ما ينفع ويفيد منها.
هذا: وإن الممارس لهذا الكتاب، والمتتبع لما فيه من مزايا وصفات، تتجلى له فيه ظواهر واضحة عديدة أهمها ما يأتي:
١- أنه يعنى بإيراد الروايات المتعددة للفظ الواحد في الحديث من غير أن يكرر الحديث كله -كما هو صنيع البخاري في تكرار الحديث الواحد من أجل الاختلاف في كلمة في الحديث أو عبارة فيه.
وذلك مثل قوله في حديث ابن عمر: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" قال أبو داود: وقال عبيد الله بن عمر: أتر، واختلف على أيوب فيه، وقال الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: وتر١.
ومن ذلك أيضًا قوله في حديث أنس بن مالك ﵁ كان موضع المسجد حائطًا لبني النجار فيه حرث ونخل إلخ، وحدثنا عبد الوارث بنحوه، وكان عبد الوارث يقوله: فيه خرب٢.
ومن ذلك قوله في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا" قال أبو داود: وكذا رواه عقيل ويونس وأبو أويس: "من قام رمضان" وروى عقيل: "من صام رمضان وقامه" ٣.
٢- أنه يقوي الحديث بمتابعته بغيره مع تحديد الفرق بينهما دقة في عرض السنة، ومن ذلك حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال في لغو اليمين: "إنه كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله". قال أبو داود: روى هذا الحديث داود بن الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذا رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول، وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفًا٤.
٣- أنه ينقل اختلاف العلماء في وصل بعض الأحاديث أو قطعها. وذلك كما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك؟ هل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه -يعني أيوب بن سليمان بن بلال- وقد رواه أيوب، قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك -يعني في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، قال أحمد بن محمد المرودي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ج١ ص٦٨. ٢ سنن أبي داود ج١ ص٧٥. ٣ سنن أبي داود ج١ ص٢١٦. ٤ سنن أبي داود ج٢ ص٧٥.
[ ١٥٧ ]
عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ، أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنه١.
٤- أنه ينبه على ما في الحديث من وهن إن كان ذلك فيه، كما عرف من وصف كتابه وأشرنا إلى ذلك في حديثنا عنه.
ومن ذلك قوله في حديث يحيى بن أيوب أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ الحديث قال أبو داود: رواه ابن أبي مريم المصري عن يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن أنس عن أبي بن عمارة قال فيه: حتى بلغ سبعًا قال رسول الله ﷺ: "نعم وما بدا لك" قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي٢.
ومن ذلك قوله في حديث المغيرة بن شعبة قال: "وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفله" قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء٣ وهو طعن منه في الحديث بالانقطاع وعدم القبول.
ومن ذلك قوله في حديث أبي سعيد: "أن النبي ﷺ مر بغلام وهو يسلخ شاة" الحديث، قال أبو داود: وقال عن هلال بن ميمون الرملي رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عن هلال عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا لم يذكر أبا سعيد٤.
ومن ذلك أيضًا -مع بيان السبب- قوله في حديث أبي هريرة قال: "خرج رسول الله ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون" الحديث. قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف٥، ومن ذلك أيضًا قوله في حديث على الذي رواه عنه ميمون بن أبي شبيب: "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ " الحديث، قال أبو داود: ميمون لم يدرك عليا، قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاث وثلاثين٦.
ومن ذلك قوله في حديث ابن عباس: "نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب" قال أبو داود: غندر أوقفه عن ابن عباس٧.
٥- أنه ينبه على اختلاف رواة الحديث بالزيادة أو النقص فيه.
ومن ذلك قوله في حديث عمرو بن أمية الضمري قال: "كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره إلى أن قال: ثم أمر بلالا فأذن" وفي رواية أخرى عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي في هذا الخبر قال: فأذن وهو غير عجل٨.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ج٢ ص٧٨. ٢ سنن أبي داود ج١ ص٢٥. ٣ سنن أبي داود ج١ ص٢٦. ٤ سنن أبي داود ج١ ص٢٩. ٥ سنن أبي داود ج١ ص٢١٧. ٦ سنن أبي داود ج١ ص٤٢٢. ٧ سنن أبي داود ج١ ص٦. ٨ سنن أبي داود ج١ ص٧٣.
[ ١٥٨ ]
ومن ذلك أيضًا إيراده حديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة العشاء في جماعة " الحديث، ثم إشارته إلى رواية أخرى يقول عنها: إن الراوي لم يذكر: "يسوي بينهن في القراءة والركوع والسجود"١.
ومن ذلك حديث أبي هريرة: "أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة" فذكر الحديث، ثم قال: إن الزهري رواه عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ بهذا لم يذكر القسم، زاد فيه "ولم يخبره"٢.
ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "نزل بنا أضياف لنا" وذكر الحديث ثم أورد رواية أخرى بهذا الحديث نحوه وقال: زاد عن سالم في حديثه: "ولم يبلغني كفارة"٣.
٦- أنه يحدد من وقع منه الشك من شيوخه -إن كان.
ومن ذلك حديث أبي بن كعب: "أنه وجد صرة فيها مائة دينار" قال أبو داود في آخره: "وقال: لا أدري أثلاثًا قال عرفها أو مرة واحدة؟ " ثم ذكر الحديث برواية شعبة بمعناه قال: "عرفها حولا، وقال: ثلاث مرات، وقال: لا أدري أقال له ذلك في سنة أو في ثلاث سنين؟ ٤".
٧- أنه يتحرى الدقة والأمانة في إيراد السند على حقيقته بكل وجه يصل إليه، أو الإشارة إلى ما فيه من غموض أو شك تبرئة للذمة.
ومن ذلك ما جاء في حديث يعلى بن أمية عن أبيه: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة " وذكر الحديث، ثم أورده برواية أخرى عن صفوان بن يعلى عن أبيه، ثم قال بهذه القصة قال فيه: قال النبي ﷺ: "اخلع جبتك" فخلعها من رأسه، وساق الحديث. ثم أورد سندًا آخر إلى يعلى بن منبه عن أبيه بهذا الخبر قال فيه: "فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها ويغتسل مرتين أو ثلاثًا " وساق الحديث، ثم أورده برواية رابعة: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجعرانة وقد أحرم بعمرة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه " وساق هذا الحديث٥.
وفي هذا الحديث نفسه يذكر اختلاف اللفظ في قوله: وعليه أثر خلوف، أو قال: أثر صفرة.
ومن ذلك حديث نبيه بن وهب برواية أحمد بن حنبل قال: اشتكى عمر بن عبيد الله بن معمر عينيه، فأرسل إلى أبان بن عثمان إلى أن قال: اضمدهما بالصبر، فإني سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ، ثم ذكر رواية أخرى عن نبيه بن وهب بهذا الحديث برواية عثمان بن أبي شيبة٦.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ج٢ ص٢١٢. ٢ سنن أبي داود ج٢ ص٧٦. ٣ سنن أبي داود ج٢ ص٧٦. ٤ سنن أبي داود ج١ ص٢٦٩. ٥ سنن أبي داود ج١ ص٢٨٧ وما بعدها. ٦ سنن أبي داود ج١ ص٢٩٠.
[ ١٥٩ ]
ومن ذلك حديثه عن أبي بكرة: "أن النبي ﷺ خطب في حجته" الحديث، ثم أورده برواية أخرى عن النبي ﷺ بمعناه، قال أبو داود: سماه ابن عون -أي في سند آخر- فقال: عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة في هذا الحديث، وبيان ذلك أن ابن أبي بكرة ورد في السند الأول بكنيته دون اسمه، ولكنه في السند الأخير ذكر باسمه وكنيته١.
ومن ذلك قوله في حديث كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهلي عن جده: "أنه رأى النبي ﷺ يصلي" الحديث ثم قال أبو داود: قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه أخبرنا ابن كثير عن أبيه قال: فسألته فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن عن بعض أهلي عن جدي٢.
ومن ذلك قوله في حديث عبد الرحمن بن سعيد المخزومي أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: " " وساق الحديث، قال أبو داود: لم أفهم إسناده من أبي العلاء كما أحب٣ ومعنى ذلك عدم اعتداده بهذا السند.
ومن ذلك أيضًا قوله في حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا" قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا؟ فسلوا عنه٤.
ومن ذلك تعقيبه على التماس ليلة القدر، قال أبو داود: لا أدري أخفي علي شيء منه أم لا؟ ٥.
٨- أنه يعقب على بعض الأحاديث بوصف بعض الرجال أو نسبته أو تسميته زيادة في تحقيقه وتحديده، سواء أكان الموصوف أو المنسوب أو المسمى من رجال السند أم لم يكن.
ومن ذلك قوله في حديث عبد الله بن حوالة الأزدي قال: "بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم " وساق الحديث ثم قال: عبد الله بن حوالة حمصي٦.
ومن ذلك قوله تعقيبًا على حديث عمر بن الخطاب: "لما كان يوم بدر" الحديث: اسم أبي نوح قراد، والصحيح عبد الرحمن بن غزوان٧.
ومن ذلك قوله في حديث أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح " الحديث إلى أن قال: "جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" قال أبو داود: ابن خطل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة قتله٨.
٩- وأنه يشير إلى اختلاف الرواة في فهم الحديث عند وجود هذا الاختلاف.
ومن ذلك قوله في حديث أبي موسى: أن النبي ﷺ قال:
"إني والله -إن شاء الله-
_________________
(١) ١ سنن أبي داود: ج١ ص٣٠٦. ٢ سنن أبي داود: ج١ ص٣١٥. ٣ سنن أبي داود: ج١ ص٤٢٠. ٤ سنن أبي داود: ج١ ص٦١. ٥ سنن أبي داود: ج١ ص٢١٩. ٦ سنن أبي داود: ج١ ص٣٩٧. ٧ سنن أبي داود: ج١ ص٤٢١. ٨ سنن أبي داود: ج١ ص٤٢٠.
[ ١٦٠ ]
لا أحلف على يمين " الحديق قال أبو داود: وسمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث، ونقل عن ابن سمرة أنه قال: كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، قال أبو داود: أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية الحنث قبل الكفارة، وفي بعض الرواية الكفارة قبل الحنث١.
١٠- أنه يبين رأيه في تحقيق راوي الحديث، ومن هو الأولى في الأخذ عنه.
ومن ذلك قوله في حديث صفوان بن عمرة: "أتيت النبي ﷺ قبل أن يهاجر بهذا الحديث -يريد الحديث الذي سبق- قال أبو داود: رواه قيس كما قال سفيان، والقول قول سفيان، ثم قال: حدثنا ابن أبي رزمة، سمعت أبي يقول: قال رجل لشعبة: خالفك سفيان. قال: دمغتني، وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان، وحدثنا أحمد بن حنبل ثنا وكيع عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني٢.
١١- أنه -أحيانًا- يفسر الغريب من لفظ الحديث.
ومن ذلك قوله في حديث المسجد النبوي -تفسيرًا لكلمة القصة التي وردت في الحديث- قال أبو داود: القصة الجص٣.
١٢- أنه يروي المدرج مع بيان من أدرجه.
ومن ذلك قوله في حديث بناء المساجد بعد قول النبي ﷺ: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى٤.
١٣- أنه يروي بعض الآثار الموقوفة أو المقطوعة في سننه.
ومن ذلك أنه أورد أثرًا بسنده إلى عطاء، أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ -بعد أن ذكر أحاديث الوضوء بالنبيذ- وقال: إن التيمم أعجب إلي منه، وأورد بعده كذلك أثرًا بسنده إلى أبي خلدة، قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا٥.
وهذا المسلك في رواية الآثار الموقوفة أو المقطوعة لا يقع منه إلا على ندرة، بخلاف صاحب الموطأ الذي شرحنا مسلكه فيما سبق.
١٤- أنه يكثر من عدد الأبواب مهما قلت أحاديثها إلى درجة ألا يكون في الباب إلا حديث واحد معدود الكلمات.
وذلك مثل باب النهي عن البول في الجحر، ولم يذكر في هذا الباب إلا حديث: "أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر"٦.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود: ج٢ ص٧٧. ٢ سنن أبي داود: ج٢ ص٨٤. ٣ سنن أبي داود: ج١ ص٧٤. ٤ سنن أبي داود: ج١ ص٧٤ ٥ سنن أبي داود: ج١ ص١٤. ٦ سنن أبي داود: ج١ ص٦.
[ ١٦١ ]
ومن ذلك باب كراهية الكلام عند الحاجة، حيث لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا وهو قوله ﷺ: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان" ١.
ومن ذلك: باب في الرجل يذكر الله على غير طهر، لم يذكر فيه أبو داود إلا حديثًا واحدًا لعائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه"٢.
ومن ذلك باب الخاتم يكون فيه ذكر الله، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا، على أنه حكم بأنه حديث منكر٣.
ومن ذلك أيضًا باب البول قائمًا، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا.
ومن ذلك باب الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده، لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا أقصر من عنوانه.
وباب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا٤.
وباب ما جاء في ذبيحة المتردية لم يذكر فيه إلا حديثًا واحدًا.
وكذلك باب المبالغة في الذبح٥.
وبعد هذا فإن فيما أوردناه من شهادات الحفاظ والعلماء لسنن أبي داود والتنويه بشأنها ما يدل على أنه كتاب جدير بالعناية بأمره، والاستمساك بحبله، واعتباره كنزًا من كنوز المعرفة والعلم بالسنة المحمدية، ولا سيما فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، ولهذا عده بعض العلماء والأئمة الكتاب الثالث في الرتبة بعد الصحيحين، وإن كنا نتجه إلى أنه أولها رتبة فيما يختص بجمع أحاديث الأحكام وتقريبها وتهذيبها، والأمانة في عرضها بأسانيدها ومتونها.
ولا يفوتنا أن ننوه بهذا الكتاب من زاوية أن مؤلفه ممن عاشوا في عصور الرواية التي تنتهي بنهاية المائة الثالثة للهجرة، وأنه من الأئمة ذوي الحق في التعديل والتجريح، والتصحيح والتضعيف، ولهذا اختص كتابه من بين سائر مدونات الأحكام بطابع الرواية عند إيراد كل حديث، وبيان الطرق التي أوصلته إليه في كل منها، وبيان المقبول منها والمردود، إما بالنص عليه أو بالسكوت الذي جعله علامة على صلاحية الحديث كما بينا ذلك.
وما اشتهر من أن الكتاب في أحاديث الأحكام، لا ينافي ما وقع في آخره من أحاديث يتعلق بعضها بالعقائد، وبعضها بالترغيب والترهيب والآداب، فإنه -﵀- لم يرد أن يخلي كتابه من هذه الفوائد بعد أن استفرغ وسعه في رواية أحاديث الأحكام، وإن كانت هذه الأبواب أيضًا يمكن ردها إلى الأحكام، باعتبار ما فيها من إلزام للمكلفين، أو ترغيب وترهيب للمؤمنين.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود: ج١ ص٤. ٢ سنن أبي داود: ج١ ص٤. ٣ سنن أبي داود: ج١ ص٤. ٤ سنن أبي داود: ج١ ص٦. ٥ سنن أبي داود: ج١ ص٧.
[ ١٦٢ ]
وقد اتجهت عناية الفحول من علماء الأمة إلى الاهتمام بهذا الكتاب، فقد عمل له الإمام العظيم الحافظ أبو سليمان حمد الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨هـ شرحًا ممتازًا أفرغ فيه كثيرًا مما في جعبته من المعارف الإسلامية، ولا سيما في الأحكام الشرعية، كما هذبه الحافظ المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ وحذف أسانيده وعوض عنها ذكر من خرج الحديث من أئمة الرواية غير مؤلفه، كما هذبه العلامة الحافظ ابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١هـ تهذيبًا عظيمًا، بدأه بالتنويه به وقال: إنه من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، وأثنى على تهذيب الإمام المنذري له، وبين أنه إمامه في التهذيب الذي قام به.
قال صاحب كشف الظنون: إن الإمام المنذري سمى هذا التهذيب "المجتبى" وقد ألف السيوطي عليه شرحًا سماه "زهر الربى على المجتبى"١.
وممن ذكرهم صاحب كشف الظنون من شارحي السنن؛ العلامة ابن قيم الجوزية في شرح مختصر السنن، والحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، وقال: إن له شرحًا سماه "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود" وإن لابن الملقن شرحًا لزوائده على الصحيحين في مجلدين، وولي الدين العراقي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين الرملي المتوفى سنة ٨٤٤، والشيخ قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني المتوفى سنة ٧٥٢هـ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره، وشرحها أبو زرعة أحمد عبد الرحيم العراقي سنة ٨٢٦هـ وكتب منه سبع مجلدات إلى أثناء سجود السهو، والحافظ علاء الدين مغلطاي المتوفى سنة ٧٦٢هـ ولم يكمله. وشرحها شهاب الدين أبو مخمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي من أصحاب المزي المتوفى سنة ٧٦٥هـ سماه "انتحاء السنن واقتفاء السنن". وشرح قطعة منها العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة ٨٥٥هـ٢.
ولقد تأثر الإمام الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام بمسلك أبي داود في كتابه السنن، حيث ختمه بكتاب في الأدب وما يتصل به، سماه كتاب الجامع، وسنين ذلك -بإذن الله- عند الكلام على كتاب بلوغ المرام.
وقد شرح كتاب السنن أيضًا من العلماء المعاصرين شرحًا ضافيًا فضيلة العالم العامل الشيخ محمود خطاب السبكي، غير أن الله اختاره لجواره قبل أن يتمه، فأكمله خليفته وابنه العالم الجليل الشيخ أمين خطاب مع أعوان له من فحول العلماء من رجال السنة.
رحم الله الجميع، ونفع بهم وبما قدموه للأمة الإسلامية من أثر صالح ومجهود كريم.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص١٠٠٤. ٢ كشف الظنون: ج٢ ص١٠٠٥ وما بعدها.
[ ١٦٣ ]
شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:
ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الطحاوي الفقيه، الذي انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، ومولده ومنشؤه في طحا من بلاد الصعيد، تفقه على مذهب أبي حنيفة ورحل إلى الشام سنة ٢٦٨هـ فاتصل بأحمد بن طولون وكان من خاصته١، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، ونقل الذهبي أن ولادته كانت سنة سبع وثلاثين ومائتين، صحب خاله المزني تلميذ الإمام الشافعي وتفقه عليه، ثم أدمن النظر في كتب الحنفية فتأثر بها حتى انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة.
وقد وصفه السيوطي بأنه كان ثقة ثبتًا فقيهًا لم يخلف بعده مثله، وعده بين حفاظ الحديث وقال: إنه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وإنه صاحب التصانيف البديعة، وذكر منها شرح معاني الآثار وأحكام القرآن والتاريخ الكبير وغيرها.
وأورده الذهبي في تذكرة الحفاظ فوصفه بأنه كان فقيهًا عالمًا ثقة ثبتًا لم يخلف مثله، كما ذكره الكفوي في الطبقات فقال: إنه أخذ الفقه عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران عن محمد بن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة٢.
وأورده ابن العماد في شذرات الذهب، وذكر أنه سمع هارون بن سعيد الأيلي وطائفة من أصحاب ابن عيينة وابن وهب، ومنه أحمد بن القاسم الحساب، والطبراني، وصنف التصانيف منها العقيدة السنية، وبرع في الفقه والحديث، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة٣.
وموضوع الكتاب هو شرح معاني الآثار المتعلقة بالأحكام الفقيه، والآثار كلمة تشمل الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين، ولعله لا يختلف -من هذه الناحية- عن مسلك الإمام مالك في إيراد ما يتعلق بالأحكام الفقهية مما وقع به الاستدلال للمذهب المراد تأييده من الآثار، وإن كان يختلف عنه في شرح معاني تلك الآثار، وإيراد ما ارتضاه مذهبًا لنفسه، والدفاع عنه بما لديه من الحجج والأدلة، وهو مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
وهو يتحدث عن سبب تأليفه هذا الكتاب فيقول في مقدمته: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابًا أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله ﷺ في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضًا، لقلة علمهم بناسخها من منسوخها
_________________
(١) ١ من الأعلام للرزكلي نقلًا عن طبقات الحفاظ للسيوطي والطبقات لابن النديم. ٢ مقدمة شرح معاني الآثار ج١ ص٧، وحسن المحاضرة للسيوطي ج١ ص٣٥٠، والتذكرة ج٣ ص٢٨. ٣ شذرات الذهب: ج٢ ص٢٨٨.
[ ١٦٤ ]
وما يجب العمل به منها، لما يشهد به الكتاب الناطق، والسنة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابا أذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صح عندي قوله منهم بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر في أقاويل الصحابة أو تابعيهم.
ثم يقول: وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثًا شديدًا، فاستخرجت منه أبوابا على النحو الذي سأل، وجعلت لذلك كتبًا، ذكرت في كل كتاب منها جنسًا من تلك الأجناس، فأول ما ابتدأت بذكره من ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ في الطهارة.
وهو بهذه المقدمة الموجزة قد وضح المنهج الذي سلكه في كتابه هذا، من إيراد الآثار التي وصل إليها بعد البحث والتقصي خاصة بالأحكام، ولا سيما التي وقع فيها توهم لبعض الزائغين من تناقض يريدون به أن يرفضوا الأخذ بتلك الآثار، فهو بمسلكه هذا قد دعمها، وبين طريق الاستفادة منها بقدر ما وصل إليه اجتهاده، وانتهى إليه رأيه، وأنه قسم تلك الآثار أبوابا بحسب ما يندرج تحت كل باب من نوع معين من تلك الأحكام.
وهو لا يفرق بين الباب والكتاب في عبارته في المقدمة، وإنما يريد ما يندرج تحت نوع معين من الأحكام المتماثلة، وإن كان في مسلكه يصنع ما يصنعه غيره من المؤلفين فيعبر بالكتاب وهو يريد ما يشمل أبوابًا متعددة، فهو يقول مثلًا: كتاب البيوع، ثم يقول: باب بيع الشعير بالحنطة باب بيع الرطب -باب تلقي الجلب- باب خيار الرؤية. ويقول: كتاب الهبة والصدقة ثم قال: باب الرجوع في الهبة باب هبة بعض الأولاد إلخ.
والإمام الطحاوي لا يختلف عن غيره ممن ألفوا أحاديث الأحكام، من حيث إنه يوردها مفصلة بحسب الكتب والأبواب الفقهية في الجملة، وأنه وإن كان يختلف عن أبي داود في أنه يبرز شخصيته في كل موضوع من الأحكام، ويتدخل -بعد ذكر المتن وسنده- شارحًا ومعلقًا، وموفقًا بين ما يبدو للبعض في الأحاديث من تضارب، ومنتصرًا لمذهبه الذي ارتضاه بسوق الأدلة لتأييده فإنه يشبهه في إكثاره من إيراد الأبواب كثيرة التجزئة، كما رأينا في كتاب الطهارة الذي أورد في ضمنه باب سؤل الهر، باب سؤل الكلب، باب سؤر بني آدم، باب التسمية على الوضوء، باب الوضوء للصلاة مرة مرة وثلاثا ثلاثا وهكذا، ثم يقول في كتاب الصلاة: باب الأذان كيف هو باب الإقامة كيف هي، باب قول المؤذن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، باب التأذين للفجر أي وقت هو وهكذا إلى أن يقول: باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، باب القراءة في الظهر والعصر، باب القراءة في صلاة المغرب، باب القراءة خلف الإمام.
وقد طبع الكتاب أخيرًا في القاهرة عام ثمان وثلاثمائة وألف للهجرة طبعته مطبعة الأنوار المحمدية في أربعة أجزاء مختلفة الحجم، بلغت في مجموعها خمسا وأربعين وخمسمائة وألف صفحة من القطع الكبير.
[ ١٦٥ ]
وقد بدت لنا بعض الملاحظات التي سنحت عند استعراض صفحات هذا الكتاب نورد أهمها فيما يأتي:
١- أن المؤلف يبدأ كل باب فيه بما ورد عن النبي ﷺ من أحاديث، فإن كان في المسألة التي يورد الأحاديث في شأنها خلاف بين العلماء أورد من الأحاديث ما يستشهد به كل فريق، ثم يعقب على ذلك بذكر الآثار من عمل الصحابة والتابعين وروايتهم مع الموازنة والترجيح واختيار الرأي الذي ارتضاه.
ففي باب ذكر الجنب والحائض والذي ليس على وضوء، وقراءتهم للقرآن١ نرى المؤلف قد ساق حديثين أولهما عن المهاجرين قنفذ: "أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال ﷺ: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهارة" وثانيهما عن المهاجر: "أن النبي ﷺ كان يبول -أو قال مررت به وقد بال- فسلمت عليه فلم يرد علي حتى فرغ من وضوئه ثم رد علي" ثم قال الإمام الطحاوي: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا ينبغي لأحد أن يذكر الله تعالى بشيء إلا وهو على حال يجوز له أن يصلي عليها، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من سلم عليه وهو على حال يجوز له أن يصلي عليها. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من سلم عليه وهو على حال حدث تيمم ورد ﵇ وإن كان في المصر، وقالوا فيما سوى السلام مثل قول أهل المقالة الأولى. ثم ساق الأحاديث التي احتج بها الفريق الآخر.
ومنها حديث نافع قال: انطلقت مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة لابن عمر، فقضى حاجته فكان من حديثه أنه قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد ﵇ حتى كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط فتيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فتيمم لذراعيه. قال: ثم رد ﵇ وقال: "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت لست بطاهر".
وحديث ابن عمر: "أن رجلًا سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى أتى حائطًا فتيمم".
وحديث ابن عباس: "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بير جميل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇".
ثم ذكر حديثًا آخر عن عمر مولى ابن عباس مثل الحديث السابق ثم قال: فبهذه الآثار رخصنا للذي يسلم عليه وهو غير طاهر أن يتيمم ويرد ﵇.
ثم ذكر حديثًا آخر عن عمر مولى ابن عباس مثل الحديث السابق ثم قال: فبهذه الآثار رخصنا للذي يسلم عليه وهو غير طاهر أن يتيمم ويرد ﵇، ليكون ذلك جوابًا للسلام، ثم قال: وهذا كما رخص قوم في التيمم للجنازة وللعيدين إذا خيف قوت ذلك إذا تشوغل بطلب الماء
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: ج١ ص٨٥ وما بعدها.
[ ١٦٦ ]
لوضوء الصلاة، وذكروا في ذلك أحاديث ساقها الإمام الطحاوي أيضًا منها: حديث موقوف على ابن عباس رواه عنه عطاء: في الرجل تفجؤه الجنازة وهو على غير وضوء. قال: "يتيمم ويصل عليها" ثم ساق مثله ثمانية أحاديث أخرى وانتهى منها إلى هذا القول: فلما كان قد رخص في التيمم في الأمصار خوف فوت الصلاة على الجنازة. وفي صلاة العيدين لأن ذلك إذا فات لم يقض، قالوا: فكذلك رخصنا في التيمم في الأمصار لرد السلام ليكون ذلك جوابًا للمسلم؛ لأنه إذا لم يفعل فلم يرد السلام حينئذ فات ذلك، وإن رد بعد ذلك فليس بجواب له، وأما ما سوى ذلك مما لا يخاف فوته من الذكر وقراءة القرآن فلا ينبغي أن يفعل ذلك أحد إلا على طهارة.
قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يذكر الله تعالى في الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك خلاف الجنابة والحيض فإنه لا ينبغي لصاحبها أن يقرأ القرآن.
ثم ساق ما احتجوا به من أحاديث: منها حديث رواه عن علي جاء في آخره: "كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن ذلك شيء، ليس الجنابة" وفي رواية ابن سلمة: "كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القرآن" وفي رواية أخرى عن علي: "كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حالة إلا الجنابة".
وبعد أن ساق الإمام الطحاوي عدة روايات مثل هذا الحديث، وما في معناه قال: ففيما رويناه عن رسول الله ﷺ إباحة ذكر الله تعالى على غير وضوء، وقراءة القرآن كذلك، ومنع الجنب من قراءة القرآن خاصة، ثم قال: وقد روي عن رسول الله ﷺ فيما يدل على إباحة ذكر الله تعالى على غير طهارة، وساق حديثًا عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من امرئ مسلم يبيت طاهرًا على ذكر الله فيتعار من الليل يسأل الله تعالى شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه" وحديثًا مثله عن أبي ظبية عن معاذ، وآخر عن شمر بن عطية.. ثم قال: فهذا بعد النوم، ففي ذلك إباحة ذكر الله تعالى بعد الحدث، ثم ساق أحاديث أخرى في هذا المعنى بعضها عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه"،وبعضها عن ابن عمر ومالك بن عبادة الغافقي، ثم انتهى إلى قوله: فثبت بما في هذين الحديثين مع ما في حديث علي ﵁ أنه لا بأس بذكر الله وقراءة القرآن في حال الحدث غير الجنابة والحيض، وأن قراءة القرآن خاصة مكروهة في حال الجنابة والحيض فأردنا أن ننظر أي هذه الآثار تأخر فنجعله ناسخا لما تقدم، فنظرنا في ذلك فإذا ابن داود قد حدثنا ثم ساق عدة أحاديث انتهى منها إلى القول بأن حديث علي متأخر، فهو ناسخ لما ورد قبله من "أحاديث أبي الجهم وابن عمر وابن عباس والمهاجر، وأن الحكم في حديث علي متأخر عن الحكم الذي فيه، ثم أورد عددًا من الآثار بعضها عن ابن عباس وبعضها عن ابن عمر تؤيد رأيه في أن
[ ١٦٧ ]
حديث على ناسخ لغيره من الأحاديث. وقال: فهذا ابن عباس وابن عمر ﵄ قد رويا عن النبي ﷺ أنه لم يرد السلام في حال الحدث حتى يتيمم، وهما فقد قرأا القرآن في حال الحديث، ولا يجوز ذلك عندنا إلا وقد ثبت النسخ أيضًا عندهما، ثم قال: وقد تابعهما على ما ذهبا إليه من هذا قوم. ثم أورد آثارًا أخرى تشهد لما ذهبًا إليه، بعضها من عمل الصحابة، وبعضها من رواية التابعين، كل ذلك في نحو سبع صفحات من الكتاب.
ومثل هذا ما أورده المؤلف في باب وضع إحدى الرجلين على الأخري١. فقد ذكر حديثًا رواه جابر بأسانيد متعددة: أن رسول الله ﷺ كره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وزاد في بعضها "وهو مضطجع"، كما ذكر حديثًا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: "أنه نهى أن يثني الرجل إحدى رجليه على الأخرى".
ثم قال أبو جعفر: فكره قوم وضع إحدى الرجلين على الأخرى لهذه الآثار، واحتجوا في ذلك أيضًا بما رواه الطحاوي بسنده إلى أبي وائل قال: كان الأشعث وجرير بن عبد الله وكعب قعودًا، فرفع الأشعث إحدى رجليه على الأخرى، وهو قاعد، فقال له كعب بن عجرة: ضمها فإنه لا يصلح لبشر، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بذلك بأسًا، واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ، ثم ساق حديثًا عن عباد بن تميم عن عمه قال: "رأيت النبي ﷺ مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وأورد بعده ستة أحاديث مثله ثم قال: قالوا: فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله ﷺ بإباحة ما منعت منه الآثار الأول.
قال: وأما ما ذكروه مما احتجوا به من قول كعب بن عجرة، فإنه قد روى عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ خلاف ذلك، ثم أورد عددًا من الآثار الدالة على أن كبار الصحابة كانوا يفعلون ذلك، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعثمان وأسامة بن زيد وابن عمر وأنس بن مالك، ثم قال: فقد روينا عن الجلة من أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا مما لا يتوصل إلى تبينه من طريق النظر، فنستعمل فيه ما استعملناه في غيره من أبواب هذا الكتاب، وأخذ يستعرض الأحاديث والآثار ويقارن بعضها ببعض، وانتهى إلى احتمال نسخ أحد الأمرين للآخر. ثم قال: فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃وهم الخلفاء الراشدون المهديون على قربهم من رسول الله ﷺ وعلمهم بأمره- قد فعلوا ذلك بعده بحضرة أصحابه جميعًا، وفيهم الذي حدث بالحديث الأول عن رسول الله ﷺ في الكراهة فلم ينكر ذلك أحد منهم، ثم فعله عبد الله بن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك ﵃، فلم ينكر عليهم منكر ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل العلم من هذين الخبرين المرفوعين، وبطل بذلك ما حالفه لما ذكرنا وبينا.
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار ج ص٢٧٧ وما بعدها.
[ ١٦٨ ]
وبعد هذا ساق الإمام الطحاوي بعض الآثار المؤيدة لهذا الذي انتهى إليه من نسخ كراهة هذا الفعل.
٢- يرفع التضاد الذي يبدو للدارس بين الآثار المتعارضة، وذلك إما بشرحها وتأويلها على معنى يوفق بينها وبين النصوص الأخرى، وإما باحتمال نسخ الأثرين للآخر، وهو -في غالب الأحيان- يؤيد وجهة نظره بما يروي من الآثار التي يستدل على ما اختاره.
فمن ذلك ما أورده في باب الذي يجامع ولا ينزل١ من حديث زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل قال: ليس عليه إلا الطهور، ثم قال: "سمعته من النبي ﷺ" وأن زيدًا سأل عليًّا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فكلهم قال ذلك، ثم روى آثارًا كثيرة بأسانيد متعددة، كلها تؤيد هذا المعنى وإن اختلفت صبغتها، كقوله ﷺ: "ليس في الإكسال إلا الطهور" وقوله في الجواب عن الرجل يجامع فيكسل: "يغسل ما أصابه ويتوضأ وضوءه للصلاة" وقوله: "الماء من الماء والغسل على من أنزل" وغير ذلك من الآثار.
ثم قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن من وطئ في الفرج فلم ينزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم آخرون فقالوا: عليه الغسل وإن لم ينزل:
واحتجوا في ذلك بما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا منه جميعًا" وما روي عنها أيضًا قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل" وأن سعيد بن المسيب قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وتبعته حتى أتى عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي أن أسألك، فقالت: سل فإنما أنا أمك. قال: إذا التقى الختانان أيجب الغسل؟ فقالت: "كان رسول الله ﷺ إذا التلقى الختانان اغتسل"، وما روي أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟ -وعائشة ﵂ جالسة- فقال رسول الله ﷺ: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".
قالوا: فهذه الآثار تخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، فقيل لهم: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﷺ، وقد يجوز أن يفعل ما ليس واجبًا عليه، والآثار الأول تخبر عما يجب وما لا يجب فهي أولى.
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: ج١ ص٥٣ وما بعدها.
[ ١٦٩ ]
ثم أورد حجة أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى بأن ما أوردوه من الآثار الدالة لهم إنما هي على ضربين: أحدهما: "الماء من الماء" والثاني: قول الرسول ﷺ: "لا غسل على من أكسل حتى ينزل". ثم قال: "فأما ما كان من ذلك فيه ذكر الماء من الماء". والثاني: قول الرسول ﷺ: "لا غسل على من أكسل حتى ينزل". ثم قال: "فأما ما كان من ذلك فيه ذكر الماء من الماء" فإن ابن عباس ﵁ قد روي عنه في ذلك أن مراد رسول الله ﷺ به قد كان على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، وأورد الطحاوي عن ابن عباس بسنده أن ذلك كان في الاحتلام، إذا رأى أنه إذا جامع ثم لم ينزل فلا غسل عليه، قال: فهذا ابن عباس قد أخبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى، فضاد قوله قولهم.
وأما ما روي فيما بين فيه الأمر وأخبر فيه بالقصد أنه لا غسل عليه في ذلك حتى يكون الماء فإن قد روي عن النبي ﷺ خلاف ذلك، ثم روى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد وجب الغسل" وآثارًا أخرى مثل هذا عن عائشة ﵂ وفي بعضها عبارة "ثم ألزق الختان الختان" بدلًا من "ثم اجتهد" ومن بينها أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".
قال أبو جعفر: فهذه الآثار تضاد الآثار الأول وليس في شيء منها دليل على الناسخ من ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك، فإذا علي بن شيبة قد حدثنا -وذكر سنده إلى أبي بن كعب- قال أبي بن كعب: "إنما كان الماء من الماء في أول الإسلام، فلما أحكم الله الأمر نهى عنه" وأورد بإسناد آخر أن أبي بن كعب أخبر أن رسول الله ﷺ جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك وأمر بالغسل.
وذكر الطحاوي بعد ذلك آثارًا أخرى عن بعض الصحابة تؤيد ما ورد من النسخ ثم قال فهذا أبي قد قال هذا، وقد روى عن النبي ﷺ خلاف ذلك، فلا يجوز هذا عندنا إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله ﷺ، وذكر بعد ذلك من الآثار ما يدل على اتجاه كبار الصحابة إلى هذا الرأي منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي ﷺ، وإذا كان عثمان ممن روى خلافه عن النبي ﷺ، فلا يجوز ذلك إلا وقد ثبت النسخ عنده، وكذلك أبو هريرة الذي قال -عند سؤاله عما يوجب الغسل: إذا غابت المدورة. مع أنه روى عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك قال الطحاوي فهذا أيضًا دليل على نسخ ذلك.
ثم أورد آثارًا أخرى كثيرة تؤيد النسخ وقال بعد ذلك: فقد ثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ثم قال: وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أغلظ الأحداث، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات وهو الغسل، وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات وهو الوضوء، ثم استعرض مسائل
[ ١٧٠ ]
متصلة بهذا الباب، وأخذ يبين حكمها ويقيس عليه. حتى انتهى إلى قوله: فالنظر على ذلك أن يكون الجماع بغير إنزال في حكم الأحداث أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث وهو الغسل.
وساق حججًا أخرى ينتصر بها لهذا الرأي، واستوعب أكثر من ثماني صفحات من الكتاب في بيان الحكم في هذا الباب.
٣- يستنبط الأحكام في كتابه هذا من طريقين: طريق الآثار وطريق النظر، فهو يستعرض الأحاديث والآثار الدالة في الباب، وبين دلالاتها ويوازن بينها، ثم يرجح ويختار، ويسوق كثيرًا مما يؤيد ما اختاره من طريق الآثار، ثم يعقب الاستنباط عن طريق النظر بذكر مسائل أخرى مشابهة لما هو بصدده، ويذكر حكمها ويقيس عليه، ثم ينتهي أخيرًا إلى رأي أبي حنيفة وصحبه، ويذكر بعد ذلك ما يؤيد مذهبه من الأحاديث والآثار.
فمن استعماله الطريقتين ما أورده في باب الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟ ١ فيما رواه ابن بريدة: "أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد" وأنه ﷺ: صلى يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت شيئًا -يا رسول الله- لم تكن تصنعه، فقال: "عمدًا فعلته يا عمر".
وما رواه علقمة عن سليمان عن أبيه عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، قال الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الحاضرين يجب عليهم أن يتوضئوا لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجب الوضوء إلا من حدث.
ثم أورد حديثًا آخر يؤيد وجهة نظر المخالفين، وهو ما رواه عن جابر بن عبد الله قال: "ذهب رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية٢ فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ".
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أنه ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوئه الذي كان في وقت الظهر، وقد يجوز أن يكون وضوءه لكل صلاة على ما روى ابن بريدة كان على التماس الفضل لا على الوجوب، ثم يتساءل أبو جعفر: فهل في هذا من فضل فيلتمس، ويجيب على هذا التساؤل: نعم، ويروي حديث عمر بما يفيد أنه توضأ لكل من الظهر والعصر والمغرب فسأله أبو غطيف: أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن؟ الوضوء عند كل صلاة؟ فقال عمر: وقد
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: ج١ ص٤١ وما بعدها. ٢ قوله: مصلية أي مشوية. كذا في هامش ج١ ص٤٢ معاني الآثار.
[ ١٧١ ]
فظنت لهذا مني! ليست بسنة، إن كان لكاف وضوئي لصلاة الصبح صلواتي كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات" ففي ذلك رغبت يابن أخي.
قال المؤلف: فقد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ إنما فعل ما رواه عنه ابن بريدة لإصابة هذا الفضل، لا لأن ذلك كان واجبًا عليه.
قال: وقد روي عن أنس عن مالك أيضًا ما يدل على ما ذكرنا، قال أنس: أتى رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ منه. فقال الراوي لأنس: أكان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء.
فهذا أنس قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله ﷺ ولم ير ذلك فرضًا على غيره.
وقد يجوز أيضًا أن يكون كان يفعل ذلك وهو واجب ثم نسخ، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل على هذا المعنى فإذا ابن أبي داود قد حدثنا. ثم ساق حديثًا يدل على ذلك النسخ، ثم استطرد بذكر أحكام للسواك في مناسبة وروده في الحديث الذي ساقه، وأورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة انتهى منها إلى قوله: فثبت بقوله ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أنه لم يأمرهم بذلك، وأن ذلك ليس عليهم، وأن في ارتفاع ذلك عنهم -وهو المجعول بدلًا من الوضوء لكل صلاة- دليل على أن الوضوء لكل صلاة لم يكن عليهم ولا امروا به، وأن المأمور به النبي ﷺ دونهم، وأن حكمه كان في ذلك غير حكمهم.
قال: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وقد ثبت بذلك ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة.
وأما وجه ذلك من طريق النظر، فإنا رأينا الوضوء طهارة من حدث، فأردنا أن ننظر في الطهارات من الأحداث كيف حكمها؟ وما الذي ينقضها؟، فوجدنا الطهارات التي توجبها الأحداث على ضربين: فمنها الغسل، ومنها الوضوء. وأورد وجهه نظره التي انتهى منها إلى أن النظر أن يكون حكم الطهارات من سائر الأحداث أنه لا ينقضها مرور الوقت كما لا ينقض الغسل مرور الوقت.
وبعد أن ساق حجة أخرى تؤيد هذا ومسائل قاس عليها ما هو بصدده قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، وقد قال بذلك جماعة بعد رسول الله ﷺ، ثم أورد كثيرًا من الآثار التي تؤيد مذهب أبي حنيفة وصحبه رضوان الله عليهم.
ومن استعماله طريق الآثار وحده في الاستنباط وإهداره طريق النظر ما صنعه في باب صلاة العصر هل تعجل أو تؤخر١ حيث روى فيه حديث أنس بن مالك إذا يقول: "ما كان أحد أشد
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: ج١ ص١٨٩ وما بعدها.
[ ١٧٢ ]
تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله ﷺ إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول الله ﷺ لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عيسى بن خير أحد بني حارثة: دار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصلينان مع رسول الله ﷺ العصر، ثم يأتيان قومهما وما صلوها لتبكير رسول الله ﷺ بها".
وبعد أن أورد هذا الحديث عن أنس بأسانيد متعددة وروايات مختلفة يستدل منها على التعجيل بصلاة العصر قال: وأما ما روى الزهري عن أنس ﵁ فإنه قال: "كنا نصليها مع النبي ﷺ ثم نأتي العوالي والشمس مرتفعة" فقد يجوز أن تكون مرتفعة قد اصفرت، ثم قال: فقد اضطرب حديث أنس هذا لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمرو وأبو الأبيض عن أنس ﵁، ثم روى حديثًا عن غير أنس، رواه عن أبي أروى قال: "كنت أصلي مع النبي ﷺ العصر بالمدينة ثم آتي الشجرة ذا الحليفة قبل أن تغرب الشمس، وهي على رأس فرسخين "وفي رواية أخرى عن أبي أروى أيضًا: "كنت أصلي العصر مع النبي ﷺ ثم أمشي إلى ذي الخليفة فآتبهم قبل أن تغيب الشمس".
قال: وأما قوله قبل أن تغرب الشمس فقد يجوز أن يكون ذلك وقد اصفرت الشمس ولم يبق منها إلا أقل القليل، ثم روى ما يؤيد ذلك من حديث ابن مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس".
ثم روى عن أنس مرة أخرى: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء محلقة" روى هذا الحديث عن أنس تأييدًا لتأخير رسول الله ﷺ لصلاة العصر، ثم لا يكون بين صلاته ﷺ وبين المغرب إلا بمقدار ما يسير الرجل إلى ذي الحليفة، ثم روى حديثًا آخر عن أنس أنه سئل عن مواقيت الصلاة فقال: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر ما بين صلاتيكم هاتين" واستدل منه ومما سبقه على أنه ﷺ كان يؤخرها.
ثم تساءل المؤلف كيف يتفق هذا وقد روى عن أنس ﵁ حديثًا في ذم من يؤخر العصر؟ وروى حديثه في هذا، وبين أنه في التأخير المكروه الذي لا يتمكن معه مصليها من أدائها على وجهها، ولا يستطيع فيها أن يذكر الله متمكنًا قبل أن تتغير الشمس.
ثم قال: فأما صلاة يصليها متمكنًا، ويذكر الله تعالى فيها متمكنًا قبل تغير الشمس فليس ذلك من الأول في شيء.
[ ١٧٣ ]
ثم قال: والأولى بنا في هذه الآثار لما جاءت هذا المجيء أن نحملها ونخرج وجوهها على الاتفاق لا على الخلاف والتضاد.
وبعد أن أورد حديث عائشة ﵂ بأسانيده المتعددة ورواياته التي يبدو منها تعجيل النبي ﷺ لصلاة العصر، ورده على ذلك، وبعد أن أورد حديث أبي برزة الذي يقول: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر فيرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية" وأجاب عنه بما سبق له الإجابة به قال: فلم نجد في هذه الآثار لما صححت وجمعت ما يدل إلا على تأخير العصر، ولم نجد شيئًا منها يدل على تعجيلها إلا قد عارضه غيره، فاستحيينا بذلك تأخير العصر، إلا أنها تصلى والشمس بيضاء، وفي وقت يبقى بعده من وقتها مدة قبل أن تغيب الشمس.
ثم قال: ولو خلينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روي عن رسول الله ﷺ مما تواترت به الآثار أولى.
فقد رأينا هنا كيف أعمل الآثار في استنباط الحكم وأهمل النظر، حيث استطاع أن يحمل وجوه الآثار على الاتفاق فاستقامت دليلًا على الحكم، فلا حاجة به إذًا إلى النظر والاجتهاد، فإنه لا اجتهاد مع النص.
ومثل ذلك أيضًا ما جاء في باب الرجل يتحرك سنه هل يشدها بالذهب أم لا١. فإنه بعد أن استعرض الأحاديث والآثار الواردة في الباب، وبعد أن أورد تساؤلًا قال فيه: فإن قال قائل: فقد رأينا خاتم الفضة أبيح للرجال ومنعوا من خاتم الذهب، فقد أبيح لهم من الفضة ما لم يبح لهم من الذهب قيل لهم: قد كان النظر ما حكينا، وهو إباحة خاتم الذهب للرجال كخاتم الفضة، ولكنا منعنا من ذلك، وجاء النهي عن خاتم الذهب نصًّا، فقلنا به وتركنا له النظر، ولولا ذلك لجعلنا في الإباحة كخاتم الفضة.
٤- يعنى بسرد الأحاديث والآثار بأسانيدها دون اعتناء بالكلام على درجة الحديث أو تقويم رجاله اكتفاء بذكر الإسناد الذي انتهى به إلى هذا الأثر أو ذلك الحديث.
ولا يكون الكلام منه على درجة الحديث أو رجاله إلا عند المقارنة والترجيح بين الآثار، فإنه حينئذ يتكلم على رجال الإسناد، وعلى درحة الأحاديث، انتصارًا لفريق على فريق، واختيارًا لرأي دون رأي.
ومن ذلك ما ذكره عند الكلام على الأحاديث والآثار الواردة في باب صلاة العيدين كيف التكبير فيها٢، فإنه بعد أن سرد الأحاديث الواردة في هذا الباب، والدالة على أن التكبير سبعًا في الأولى من الركعات وخمسًا في الثانية، في الأضحى وفي الفطر على السواء قال: قالوا: فهذه الآثار نقول وإليها نذهب.
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: ج٤ ص٢٥٧. ٢ شرح معاني الآثار: ج٤ ص٣٤٣ وما بعدها.
[ ١٧٤ ]
ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل التكبير في العيدين تسع تكبيرات: خمسًا في الأولى وأربعًا في الآخرة، ويوالي بين القراءتين.
قال: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من الآثار التي ذكرنا أن حديث عبد الله بن عمر إنما يدور على عبد الله بن عبد الرحمن وليس عندهم بالذي يحتج بروايته، ثم هو أيضًا من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وذلك عندهم أيضًا ليس بسماع وأما حديث ابن لهيعة فبين الاضطراب مرة يحدث عن عقيل، ومرة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب، ومرة عن خالد بن يزيد عن عقيل، ومرة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة ﵂، وأبي واقد ﵁. قال: وبعد، فمذهبهم في ابن لهيعة ما قد شرحناه في غير موضع من هذا الكتاب، وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فإنما يدور على ما رووه عن عبد الله بن عامر، وهو عندهم ضعيف.
ثم يقول بعد سطور قليلة: فلما انتفى أن يكون في هذه الآثار شيء يدل على كيفية التكبير في العيدين لما بينا من وهائها وسقوطها نظرنا في غيرها، هل فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ ثم ساق حديثًا قال في تقويمه: إنه حديث حسن الإسناد، وعن رجاله: إنهم أهل رواية، معروفون بصحة الرواية ليس كمن روينا عنه الآثار الأول، فإن كان هذا الباب من طريق صحة الإسناد يؤخذ، فإن هذا أولى أن يؤخذ به مما خالفه.
وبعد: فهذه بعض نماذج لما بدا لنا في هذا الكتاب عند الدراسة، عرضناها على القارئ الكريم تصويرًا لما في الكتاب من جهد مشكور، وعناية فائقة بعرض الأحاديث والآثار، واستنباط الأحكام منها بعد عرض الأدلة التي تساند كل فريق إن كان في المسألة خلاف. وترجيح أحد الرأيين أو الآراء في الأدلة، والانتصار في النهاية لمذهب أبي حنيفة الذي ارتضاه المؤلف، وسوق الأدلة بعد هذا تدعيمًا لهذا المذهب، وهو في هذا كله طويل النفس، قوي الحجة، غزير المادة، محيط بمذاهب العلماء في الخلافيات، يعرض أدلتهم ويدعم ما يراه منها موافقًا لمذهبه، ويفند ما عدا ذلك، مما يجعله بحق أستاذًا لتربية ملكة التفقه عند الدارسين، ورائدًا من الذين يعتز بهم رجال الفقه والحديث، حتى لقد نوه به علماء الرجال، ووصفوه بأنه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وقال عنه العلامة الكفوي في الطبقات بعد أن عده في الطبقة الثانية من أصحابنا: هو الشيخ الإمام جليل القدر مشهور في الآفاق ذكره الجميل مملوء في بطون الأوراق إلى أن قال: وكان ﵀ إمامًا في الأحاديث والأخبار، سمع الحديث من خلق كثير من الغرباء ومن المصريين. ثم قال: وكان ﵀ عالمًا بجميع مذاهب الفقهاء.
أجزل الله الأجر للإمام أبي جعفر الطحاوي، فقد أسدى الخير للمسلمين، وقدم لهم من تراث الإسلام ما يستحق الدراسة ويستأهل التقدير، جزاه الله عن أمة الإسلام خير الجزاء.
[ ١٧٥ ]
عمدة الأحكام:
للإمام المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ:
صاحب هذا الكتاب هو الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي١ الحنبلي.
أورده ابن العماد في الشذرات٢ وقال: إنه ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهاجر صغيرًا إلى دمشق بعد الخمسين، فسمع أبا المكارم بن هلال، وسمع ببغداد أبا الفتح بن البطي وغيره، وسمع بالإسكندرية، من السلفي وطبقته، وأقام عليه ثلاثة أعوام، ورحل إلى أصبهان فأكثر بها سنة نيف وسبعين، وإليه انتهى حفظ الحديث متنًا وإسنادًا ومعرفة بفنونه، مع الورع والعبادة والتمسك بالأثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن تآليفه المصباح في عيون الأحاديث الصحاح في ثمانية وأربعين جزءًا، والكمال في أسماء الرجال، ذكر فيه ما اشتملت عليه الكتب الستة من الرجال في مجلدين، وأشراط الساعة، والدرة المضية في السيرة النبوية، وعمدة الأحكام٣. والنصيحة في الأدعية الصحيحة.
وذكر الذهبي في تذكرته ما يفيد أن الإمام المقدسي كتب عن السلفي بالإسكندرية نحو ألف جزء ثم قال عنه: إنه تلقي عن ابن هبة الله الكامل بمصر، وكتب ما لا يوصف كثرة، وأسهب في ترجمته وبيان مؤلفاته، وذكر منها عمدة الأحكام، وأنه جزءان، وكتاب الأحكام ستة أجزاء، ودرر الأثر ستة أجزاء، وغير ذلك، ووصفه الضياء بأنه لم يعرفه أحد من أهل السنة إلا أحبه حبًّا شديدًا، ومدحه مدحًا كثيرًا، وأن أهل أصبهان كانوا يحبونه بحيث لو أقام بها وأراد أن يملكها لملكها من حبهم له ورغبتهم فيه، وأنه بعد وصوله إلى مصر أخيرا كان إذا خرج يوم الجمعة ما كان يستطيع المشي من شدة زحام الخلق يجتمعون حوله ويتبركون به.
وذكر ابن رجب أنه امتحن ودعي إلى القول بخلق القرآن فأبى، فمنع من التحديث وأفتى أهل التأويل بإراقة دمه، فسافر إلى مصر وأقام بها إلى أن مات، وقال الشيخ موفق الدين: كان جوادًا يؤثر بما تصل إليه يده سرًّا وعلانية، توفي بمصر في ربيع الأول سنة ستمائة للهجرة، ودفن بالقرافة.
_________________
(١) ١ نسبة إلى جماعيل قرية قرب نابلس ولد فيها ونسب إليها كما في الأعلام للزركلي ج٤ ص١٦٠ وما بعدها. ٢ ج٤ ص٣٤٥. ٣ ذكره من بين مصنفات المقدسي أيضًا صاحب كتاب هدية العارفين بأسماء المؤلفين وآثار المصنفين ج٥٦ ص٥٨٩.
[ ١٧٦ ]
وكتابه عمدة الأحكام قدم له المؤلف بوصف قال فيه: إن بعض الإخوان سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الإمامان البخاري ومسلم، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة.
وهو بهذا قد انفرد من بين المؤلفين السابقين بخصيصة لم يشترك معه غيره فيها في أحاديث الأحكام، ولعله -﵀- لو تجاوز هذا القدر من الأحاديث المتفق عليها بين الشيخين إلى ما ثبت عنده صحته من بقية أحاديث الأحكام لكان أعود بالفائدة، وأعون على الانتفاع بجملة صالحة منها، ولعل اختياره لهذا العنوان -عمدة الأحكام- في تسمية كتابه كان أثرًا ونتيجة لهذا الاختصار، وأدق تطابقًا معه، وكأن من كتبوا بعده في أحاديث الأحكام محاولين الاستيعاب أو ما يقرب منه -كصاحبي المنتقى وبلوغ المرام- أرادوا أن يستدركوا عليه باستكمال الفائدة، وإغناء المطلعين عن الرجوع إلى الأصول الأولى في أمهات كتب أحاديث الأحكام، على أنه يبدو لنا أن الرجل بمهارته الحديثية، وحذقه في التعرف على الأحاديث وآثارها التشريعية، مع حرصه على أن يكون الاستدلال في أحاديث الأحكام من أقوى ما ورد وأثبته رواية عن رسول الله ﷺ كان يعلم أنه لم يفته كثير من أدلة الأحكام الفقهية، فإن الإمامين الجليلين -البخاري ومسلمًا- كانا أشد الرواة حرصًا على استيعاب الأحاديث في جميع الأبواب في دائرة ما اتخذا من شروط ومنهج يكفل الاعتماد على ما قدما للأمة من الأحاديث التي يحتاج إليها في أمور الدين، ولعل المتتبع لهذا الكتاب تستبين له تلك الحقيقة واضحة جلية.
وقد يكون من مقاصده في الاختصار ما يقوم به بعض العلماء من وضع المختصرات تذليلًا لسبل العلم، بأن يبدءوا بالكتب المختصرة الجامعة لأهم المسائل التي تلزم طالب العلم، حتى إذا أتقنها استطاع أن يجوزها إلى ما هو أوسع منها، وهذه من طرق التربية الناجحة التي درسنا عليها أكثر العلوم في الأزهر الشريف، يضاف إلى ذلك -تدعيمًا لحسن هذا التصرف، وسلامة هذا الرأي- أنه بذلك يثبت أن المؤلف ﵀ كان ممن تجردوا من العصبية المذهبية، واتجهوا بصادق النية إلى خدمة الدين في ضوء السنة النبوية الصحيحة، التي ثبتت عن المشرع صلوات الله وسلامه عليه، فهو لا يتعصب لمذهب معين يدفعه إلى أن يتصيد من الأحاديث ما هو أقوى حجة وأشد تأييدا لمذهبه الذي ارتضاه، وإنما كان ﵀ يعول في اختياره لأحاديث الأحكام على درجة ما يرويه وقوته، فركز ذلك فيما اتفق عليه الشيخان إبراء لعهدته في تحقيق مهمته وأداء رسالته.
والكتاب جار على الطريقة التي تداولها من نقلوا السنة بعد عهد الرواية، فاكتفوا بتجريد الأحاديث من أسانيدها، واستعاضوا عن ذكر الأسانيد بتخريج الأحاديث وعزوها تقريبًا للعلم، وتحقيقًا للدقة والأمانة في نقله، فإن مهمة هذه الكتب وأمثالها -بعد استقرار السنة والاطمئنان إلى أصولها- هي عرض الأحاديث لمن يريد الانتفاع استدلالا بها، واهتداء بهديها، وأما معرفة الأسانيد والرجال لمن أرادها فحسب المؤلفين ما استعاضوا به عنه من التخريج والإحالة على مواطنها
[ ١٧٧ ]
الأصلية، وبهذا يختلف هذا الكتاب عن كتب السنة المؤلفة في الأحكام في عصر الرواية، كموطأ الإمام مالك، وسنن أبي داود، ومعاني الآثار للطحاوي.
ويبدو أن هذا الكتاب على نفاسته، وعظم قدر مؤلفه كان من الكتب المغمورة قليلة التداول، بدليل أنه لم يطبع مستقلًّا عن الشرح الذي كتبه عليه ابن دقيق العيد، وذلك لما أشرنا إليه من عدم استيعابه لأحاديث الأحكام التي تروي ظمأ طالب الأدلة للانتفاع بها في معرفة الأحكام.
وقد أعان على الاستغناء عن تداول هذا الكتاب ظهور الكتب التي حاولت الاستيعاب أو قاربته في أحاديث الأحكام، كمنتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار للعلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني المتوفى سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكبلوغ المرام من أحاديث الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني المصري المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
والكتاب فيما لمسناه منه في نحو خمسمائة حديث، منها نحو تسعة وأربعمائة حديث أصول، وباقيها متابعات وشواهد، موزعة على الأبواب الفقهية، وأولها كتاب الطهارة وفيه اثنان وأربعون حديثًا، بدأها بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" امتثالًا لقول من قال من المتقدمين: إنه ينبغي أن يبتدأ به في كل تصنيف، ولأنه كذلك متعلق بالطهارة، فطهارة الباطن قبل طهارة الظاهر، ثم كتاب الصلاة وأورد فيه سبعة ومائة حديث موزعة على أبوابه، بدأها بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" ثم كتاب الجنائز وذكر فيه أربعة عشر حديثًا، بدأها بحديث أبي هريرة: "نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعًا" ثم كتاب الزكاة وذكر فيه ثمانية أحاديث، بدأها بحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب " الحديث، ثم كتاب الصيام وذكر فيه ثلاثة وثلاثين حديثًا، بدأها بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، ثم كتاب الحج وذكر فيه واحدًا وأربعين حديثًا، بدأها بحديث ابن عباس ﵁: "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة " الحديث، ثم كتاب البيوع وأورد فيه ستة وأربعين حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخيرأحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" ثم كتاب النكاح وذكر فيه ثلاثين حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " الحديث، ثم كتاب الرضاع، وذكر فيه أربعة أحاديث بدأها بحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: "لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة" كتاب القصاص، وذكر فيه تسعة
[ ١٧٨ ]
أحاديث، بدأها بحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم " الحديث، ثم كتاب الحدود، وذكر فيه أحد عشر حديثًا بدأها بحديث أنس بن مالك قال: "قدم ناس من عكل -أو عرينة- فاجتووا المدينة" الحديث، ثم كتاب الإيمان والنذور، وذكر فيه ثمانية عشر حديثًا، بدأها بحديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة " الحديث، ثم كتاب الأطعمة وذكر فيه خمسة عشر حديثًا، بدأها بحديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: "إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن.." الحديث، ثم كتاب الأشربة وذكر فيه ثلاثة أحاديث بدأها بحديث عبد الله بن عمر أن عمر قال على منبر رسول الله ﷺ: "أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة " إلخ، ثم كتاب اللباس وأورد فيه ستة أحاديث، بدأها بحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، ثم كتاب الجهاد وذكر فيه تسعة عشر حديثًا، بدأها بحديث عبد الله بن أبي أوفى "أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم " إلخ، ثم كتاب العتق وهو آخر كتاب في عمدة الأحكام، وأورد فيه ثلاثة أحاديث، بدأها بحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد " الحديث.
وبعد، فإن الحافظ المقدسي حين جمع هذا المختصر في أحاديث الأحكام أراد أن يقرب به معرفة السنن للطالبين، فاختار لهم أصحها متنًا وأقواها إسنادًا من بين كتابين جليلين تلقتهما الأمة بالقبول، وأجمع العلماء على أنهما أصح كتب الدين بعد كتاب الله تعالى، وكان من شرطه أن يكون ما يختاره فيه مما اتفق عليه الإمامان العظيمان البخاري ومسلم، فجاء كتابه "عمدة الأحكام في معالم الحلال والحرام عن خير الأنام محمد ﵊"١ كتابًا قريبًا لطالب العلم المبتدي والمتوسط، ولا يستغني عنه المنتهي والمتبحر.
وهو بهذا الكتاب يمثل مرحلة من مراحل التأليف في السنة من حيث الاختصار بحذف السند اعتمادًا على ورد الحديث في الصحيحين، حذا حذوه فيها الحافظ العراقي في تقريب الأسانيد، فقد كان لا يعزو لأحد حديثًا ورد في الصحيحين.
شكر الله للإمام المقدسي جهده في تقريب السنة إلى الدارسين، وجزاه عما قدم من ذلك خير الجزاء.
_________________
(١) ١ بهذا الاسم الطويل أورد صاحب هدية العارفين كتاب العمدة ج٥ ص٥٨٩.
[ ١٧٩ ]
منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:
مؤلف هذا الكتاب -كما يقول شارحه العلامة الشوكاني-١ هو الشيخ الإمام علامة عصره المجتهد المطلق، أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله، ينتهي إلى علي بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية.
قال الذهبي في النبلاء: إنه ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا، وتفقه على عمه الخطيب، وقدم بغداد وهو مراهق مع ابن عمه، وسمع من أحمد بن سكينة وابن طبرزد ويوسف بن كامل وغيرهم وسمع بحران من حنبل وعبد القادر الحافظ، وتلا بالعشر على الشيخ عبد الواحد بن سلطان، وحدث عنه ولده شهاب الدين والدمياطي وعبد الغني بن منصور وغيرهم، وتفقه وبرع، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، ودرس القراءات وصنف فيها أرجوزة. وحج في سنة إحدى وخمسين على درب العراق، وابتهر علماء بغداد لذكائه وفضله، وأقام ببغداد ستة أعوام مكبًّا على الاشتغال في العلم، ثم ارتحل إليها مرة أخرى قبل العشرين وستمائة فتزيد منه، وصنف التصانيف وتوفي بحران سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وقد وصف المؤلئف "ابن تيمية" كتابه المنتقى فقال: هذا كتاب يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها، ويعتمد علماء الإسلام عليها، انتقيتها من صحيحي البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وجامع أبي عيسى الترمذي، وكتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي وكتاب السنن لأبي داود السجستاني، وكتاب السنن لابن ماجه القزويني، واستغنيت بالعزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر الأسانيد.
وذكر أن العلامة لما رواه البخاري، ومسلم "أخرجاه" ولبقيتهم "رواه الخمسة" ولهم سبعتهم "رواه الجماعة" ولأحمد مع الشيخين "متفق عليه" وفيما سوى ذلك أسمى من رواه منهم، ولم أخرج فيما غزوته عن كتبهم إلا في مواضع يسيرة، وذكرت في ضمن ذلك شيئًا يسيرًا من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ورتبت أحاديث هذا الكتاب على ترتيب فقهاء أهل زماننا لتسهل على مبتغيها وترجمت لها أبوابًا ببعض ما دلت عليه من الفوائد إلخ.
وقد علق الشوكاني على اصطلاح المؤلف فيما رواه الثلاثة بمتفق عليه بأن هذا خلاف المشهور عند الجمهور من أن المتفق عليه ما رواه الشيخان، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح، وبين أن قوله: لم أخرج فيما عزوته عن كتبهم يقصد به أنه اقتصر في كتابه هذا على العزو إلى الأئمة المذكورين، وقد
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ج١ ص١٣.
[ ١٨٠ ]
يخرج عن ذلك في مواضع يسيرة فيروي عن غيرهم كالدارقطني والبيهقي وسعيد بن منصور والأثرم وهذا شيء واضح لمن تتبع هذا الكتاب ودرسه بتأن ودقة١.
وقد نقل الشوكاني عن جماعة عن أئمة الحديث أن هذا الكتاب من أحسن الكتب المصنفة في الفن، لولا عدم تعرض مصنفه -﵀- للكلام على التصحيح والتحسين والتضعيف في الغالب ونقل عن البدر المنير أنه قال: وأحكام الحافظ مجد الدين عبد السلام بن تيمية المسمى المنتقى هو كاسمه وما أحسنه لولا إطلاقه في كثير من الأحاديث العزو إلى الأئمة دون التحسين والتضعيف، فيقول مثلًا: رواه أحمد، رواه أبو داود، ورواه الدارقطني، ويكون الحديث ضعيفًا، وأشد من ذلك كون الحديث في جامع الترمذي مبينًا ضعفه، فيعزوه إليه دون بيان ضعفه. قال: وينبغي للحافظ جمع هذه المواضع وكتبها على حواشي هذا الكتاب، أو جمعها على مصنف، يستكمل به فائدة الكتاب المذكور.
ونقول: إن هذا كان واجبًا قبل ظهور نيل الأوطار، فأما بعد ظهوره، فلم تعد تلك التنبيهات واجبة على الحافظ أو غيره، وقد بين الإمام الشوكاني منة الله عليه في ذلك فقال: وقد أعان الله وله الحمد على القيام بما أرشد إليه هذا الحافظ مع زيادات إليها تشد رحال الطلاب، وتنقيحات تنقطع بتحقيقها علائق الشك والارتياب.
وقد صدق الشوكاني في ذلك، فقد بذل جهدًا فيه، حتى إن الناظر في كتابه ليلمس أنه يبدأ في شرح الحديث ببيان درجته ومرتبته، وإن كان المصنف قد بينها فإن له فيه تفصيلًا وبحثًا، قد يطول أحيانًا، وقد يختلف به مع المؤلف في تقويمه للحديث مع البيان المقنع الشافي، فشكر الله له هذا المجهود.
ومن نظر في أول حديث أخرجه المؤلف -وهو حديث طهورية ماء البحر- تبين له ذلك بجلاء ووضوح، فإن المصنف اقتصر في تخريج الحديث وتقويمه على قوله: رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح، ولكن الشوكاني اتجه ببيان مستقل ينبئ عن شخصية علمية فذة، فإن القارئ للمتن من شأنه أن يعتمد على ما أورده المصنف من أنه رواية الخمسة، ومن حكم الترمذي عليه بالحسن والصحة، ولكن أمانة العلم وشدة الفحص دعت الإمام الشوكاني إلى أن يبين أن الحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وابن الجارود في المنتقى، والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي في سننهما، وابن أبي شيبة، وذكر حكاية عن الترمذي نقلًا عن البخاري أن الحديث صحيح، ثم أورد معركة في الحكم على هذا الحديث يطول شرحها، ولا يستبينها إلا من رجع إلى هذا الشرح، وأراد أن يعزز الحديث في النهاية بأنه مروي عن جابر عند أحمد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة، وأن له طرقًا عند الطبراني في الكبير.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ج١ ص٢٢.
[ ١٨١ ]
وأن الحافظ ابن حجر حكم على إسناده بأنه حسن، وليس فيه إلا ما يخشى من التدليس ثم تعرض لشرح هذا التدليس، وانتقل إلى أن ابن السكن قال: حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب إلى آخر ما قال.
ولا نعني بذلك أن هذا الاستيعاب في البحث عن درجة الحديث هو مسلكه في جميع الأحاديث، وإلا لخرج عما هو مقصوده من الاستدلال به على الأحكام، وبيان الأئمة في الأخذ به أو العدول عنه ووجهة نظر كل منهم، فإنه وفق في كلتا الناحيتين فأجاد وأحسن، وهذه خدمة جليلة يشكرها الله له.
والكتاب بعد هذا أكبر مؤلف في أحاديث الأحكام التي ألفت مجردة من الأسانيد بعد عهد الرواية، وهو منتقى كاسمه، فقد اختار من الأحاديث أصلحها للاستدلال من تلك الكتب التي أوردها، وبينا المراد بما فيما نقلناه عن شارحه الشوكاني.
وهو مرتب على أبواب الفقه، سالك مسلكها من إيراد العنوان العام المندرج تحته أبواب، إلا أنه تارة يذكر العنوان العام باسم كتاب، كما صنع في كتاب الطهارة وتارة يذكره باسم باب، كما صنع في أبواب الأواني، ولعل حكمته في ذلك أن هذه الأبواب تشتمل أنواعًا مختلفة في موضوع يندرج تحت الكتاب العام، ولأن خطته في عرض الأبواب أن يكثر منها بحيث يشبه أبا داود في سننه، ولعله يتأثره في التنبيه إلى الحكم بإيراده تحت عنوان باب، وما أكثر ما عنون بالباب لمجرد حديث أو حديثين، ومن صور ذلك: باب طهورية ماء البحر وغيره فليس تحته إلا حديثان، وباب بيان زوال تطهيره فليس تحته إلا حديثان، وباب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا، وليس تحته إلا حديث واحد، مع طول هذا العنوان طولًا بينًا.
ولا سبيل لنا إلى استقصاء أحاديث الكتاب فليس له فيما نحن بصدده كبير جدوى، ولكننا نكتفي في الحكم عليه بما وصفه به ذلك الإمام محمد بن علي الشوكاني الذي انبرى له من بين المحدثين، وأبرز ما فيه من أدلة، وما يتصل بكل حديث من منزلة ورتبة، فهو يقول في بيان السبب الذي دعاه إلى شرحه على ذلك الوجه العظيم: إنه لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في الأحكام مما لم ينسج على بديع منواله، ولا حرر على شكله ومثاله أحد من الأئمة الأعلام قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار١، وبلغ إلى غاية من الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار، وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة تغني دون الظفر ببعضها طوال الأعمار، وصار مرجعًا لجلة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل، لا سيما في هذه الديار٢ وهذه الأعصار، فإنه تزاحمت على مورده العذب أنظار المجتهدين، وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدام الباحثين من المحققين، وغدا ملجأ للنظار يأوون إليه، ومفزعًا للهاربين من رق التقليد يعولون عليه، وكان
_________________
(١) ١ لعله يريد بذلك ما ألف منها في أحاديث الأحكام خاليًا من الأسانيد بعد عصور الرواية. ٢ يريد بها اليمن مسقط رأسه.
[ ١٨٢ ]
كثيرًا ما يتردد الناظرون في صحة بعض دلائله حمل حسن الظن بي جماعة من حملة العلم -بعضهم من مشايخي- على أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب١.
هذا؛ وإننا لا نعلم لهذا الكتاب القيم أحدًا قام بشرحه شرحًا كاملًا سوى٢ الإمام الشوكاني الذي أفدنا من مقدمته هذه الكلم الجوامع في وصفه لهذا الكتاب، والذي يعنينا من هذا الوصف أن هذا الكتاب نسيج وحده، وأن مجموعته من أحاديث الأحكام المستوعبة مما لم يتح لغيره، وبذلك حاز شهرة جعلته بين كتب الأحكام مرجعًا وإمامًا، وأن مؤلفه -وقد زاد عن صاحب العمدة في عدد الروافد التي يستمد منها أحاديث الأحكام- قد أتيح له ما لم يتح لسلفه من إيراد الكثير من الأدلة التي تفيد الباحث وتقفه على مسائل من الدين ما كانت لتتيسر له لولا أنه توسع في الأخذ عن مظانها من كتب السنن المعتمدة غير الصحيحين.
من أجل هذا نرى أن هذا الكتاب -وإن شابه قصور من ناحية تقويم الحديث والكلام على رجاله- كان أوسع دائرة فيما ألف مختصرًا من أحاديث الأحكام بعد عصر الرواية، وكان تمهيدًا لمن جاء بعده من المؤلفين فيها، فاستكملوا ما فات صاحب المنتقى من تقويم الحديث والكلام على رجال الإسناد، وكان منهم الحافظ العراقي في طرح التثريب الذي رأينا فيه عناية بهذا الأمر تطمئن الدارس على ما ورد فيه من أحاديث الأحكام، والله المستعان.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار للشوكاني ج١ ص١١. ٢ جاء في كشف الظنون ج٢ ص١٨٥١ أن السراج عمر بن الملقن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤هـ قد شرح هذا الكتاب ولم يكمله بل كتب قطعة منه.
[ ١٨٣ ]
تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:
للحافظ العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ:
وشرح المسمى طرح التثريب في شرح التقريب؛ للحافظ العراقي وولده أبي زرعة المتوفى سنة ٨٢٦هـ:
هذا كتاب وضعه الحافظ العراقي المتوفى عام ست وثمانمائة للهجرة، وقد ذكره الإمام السيوطي في حسن المحاضرة١ وهو بصدد الكلام على من كان بمصر من حفاظ الحديث فقال:
العراقي الحافظ الإمام الكبير زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الرحمن حافظ العصر، ولد بمنشأة المهرماني بالقاهرة في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم، بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي وابن كثير وغيرهم، ونقل عنه الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر، وله مؤلفات في الفن بديعة، كالألفية التي اشتهرت في الآفاق، وشرحها، ونظم الاقتراح، وتخريج أحاديث الإحياء، وتكملة شرح الترمذي لابن سيد الناس، وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين، فأحيا الله تعالى به سنة الإملاء بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس، وقد رثاه -بعد موته- الحافظ ابن حجر بقصيدة طويلة أوردها السيوطي، ونقل ابن العماد في الشذرات٢ عن الحافظ ابن حجر في كتابه إنباه الغمر أنه ذكر في ترجمة الحافظ العراقي أنه حفظ التنبيه، واشتغل بالقراءات، ولازم المشايخ في الرواية، وسمع في غضون ذلك من الحافظ عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى البصري آخر من روى حديث السلفي عاليًا بالإجازة، ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب بن علاق، وأدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادًا، وسمع أيضًا من ابن المملوك وغيره، ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخباز، ومن أبي العباس المرداوي ونحوهما، وعني بهذا الشأن، ورحل فيه مرات إلى دمشق وحلب والحجاز، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همته من خوف الطريق، ورحل إلى الإسكندرية، ثم عزم على التوجه إلى تونس فلم يقدر له ذلك، وصنف أحاديث الإحياء، واختصره في مجلد وبيضه فكتبت منه النسخ الكثيرة، وقد ذكر أنه شرح ألفيته وعمل عليها نكتًا وصنف أشياء أخر كبارًا وصغارًا، وصار المنظور إليه في هذا الفن في زمن الشيخ جمال الدين الإسنائي ثم قال: ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، ومن أخصبهم به نور الدين الهيثمي، وولي شيخنا العراقي قضاء بالمدينة سنة ثمانين٣ فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم سكن القاهرة أنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين، ثم قال: لازمت شيخنا عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي
_________________
(١) ١ ص٣٦٠ ج١. ٢ ص٥٥ ج٧. ٣ لعلها سنة ستين وسبعمائة.
[ ١٨٤ ]
إلى الشام وغيرها، وقرأت عليه كثيرًا من المسانيد والأجزاء، وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن، وكتب لي خطه بذلك مرارًا، وسئل عند موته: من بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بي، وثنى بولده، وثلث بالشيخ نور الدين، وتوفي عام ست وثمانمائة للهجرة، وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة.
وكتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد١ وقد ألفه -كما يقول في مقدمته- لأبنه أبي زرعة الذي ترجم له في شرحه المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب" وقال: إنه أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، المولود بظاهر القاهرة في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة اثنين وستين وسبعمائة، وأنه حضر بالقاهرة على القاضي ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين أبي الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم، وعلى أبي العباس أحمد بن أبي بكر العطار العسقلاني وغيرهم، وحضر بدمشق على يعقوب بن يعقوب الحريري، والقاضي عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان بن السيرجي، وأبى عبد الله المؤذن وغيرهم، وحضر بصالحية دمشق على أحمد بن النجم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، وعلى الحسن بن أحمد بن هلال بن الهبل وغيرهم، ثم سمع بعد ذلك من خلائق، ومن مسموعاته الكتب الستة، والموطأ، ومسند الشافعي، ومسند الدارمي، ومسند الطيالسي، ومسند عبد بن حميد، وكتاب الأدب للبخاري، وكتاب الأدب للبيهقي، وصحيح ابن حبان، والمعجم للطبراني، وغير ذلك، ثم دعا له بأن يجعله الله من العلماء العاملين.
وقد وصف الحافظ العراقي كتابه التقريب بأنه مختصر في أحاديث الأحكام، متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، حتى لا يقع في نقيصة نقل العلم بدون إسناده، وبذلك يستغني عن حمل الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، وحتى يخلص به من الحرج بنقل ما ليست له به رواية، وذكر أنه أراد أن يسهل له جمع الأسانيد بأن يورد عدة أحاديث في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد.
وطريقته: أن يذكر لفظ الحديث لمن أسنده إليه من الموطأ أو مسند أحمد، وإن كان الحديث في الصحيحين لم يعزه لأحد، وكان عدم العزو علامة على أنه متفق عليه، وإن كان في أحدهما فإنه يقتصر على عزوه إليه، وإن لم يكن في واحد من الصحيحين فإنه يعزوه إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم، فإن كان عند من عزا الحديث إليه زيادة تدل على حكم ذكرها، وكذلك إذا كانت الزيادة من عند غيره.
وأورد أن الزيادة إن كانت من حديث ذلك الصحابي "الذي روى الحديث دون الزيادة" لم يذكرها، بل يقول: ولأبي داود وغيره كذا، وإن كانت من غير حديثه قال: ولفلان
_________________
(١) ١ أورده أيضًا صاحب هدية العارفين ج٥ ص٥٦٢.
[ ١٨٥ ]
من حديث فلان كذا، فإذا اجتمع حديثان فأكثر في ترجمة واحدة كقوله: عن نافع عن ابن عمر لم يذكرها في الثاني وما بعده، بل يكتفي بقوله: وعنه -ما لم يحصل اشتباه.
وذكر من منهجه أنه حيث عزا الحديث لمن خرجه فإنما يريد أصل الحديث -لا ذلك اللفظ- على قاعدة المستخرجات، فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رواه منه عزاه إليه بعد تخريجه -وإن كان قد علم أنه فيه- لئلا يلتبس ذلك بما في الصحيحين.
ثم ذكر ست عشرة ترجمة تنحصر في أسانيدها أحاديث هذا الكتاب، وذكر إسناده إلى تلك التراجم، وشيوخه إلى أربعة منها، وهذه الأربعة هي:
١- نافع عن ابن عمر.
٢- الأعرج عن أبي هريرة.
٣- أنس.
٤- عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
ثم ذكر الاثنتي عشرة ترجمة الباقية بسند آخر ينتهي به إلى أحمد بن حنبل الذي يروي الأحاديث بأسانيده إلى كل ترجمة منها، وهذه التراجم هي:
٥- الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر.
٦- الزهري عن سالم عن أبيه.
٧- عبيدة عن علي.
٨- الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
٩- معمر عن همام عن أبي هريرة.
١٠- الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.
١١- ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
١٢- سفيان عن عمرو عن جابر.
١٣- عبد الله بن بريدة عن أبيه.
١٤- أبو الخير عن عقبة بن عامر.
١٥- الزهري عن عروة عن عائشة.
١٦- عبيد الله عن القاسم عن عائشة.
فهذه التراجم الست عشرة هي التي تنحصر فيها أسانيد هذا الكتاب، باعتبار بدئها من شيوخ المصنف ونهايتها إلى الصحابي.
وإنما آثر هذه التراجم الست عشرة باعتبار أنها أصح الأسانيد مطلقًا، أو مقيدة بالصحابي أو بأهل البلد، وذلك على الخلاف الذي أورده علماء مصطلح الحديث في مقام بيان أصح الأسانيد.
وإنما آثر المصنف هذا المسلك حرصًا منه على تجديد عهد الرواية بطرق من أقوى طرق التحمل،
[ ١٨٦ ]
خلافًا لما يلجأ إليه غيره من حذف الأسانيد اكتفاء بالتخريج، واعتمادًا على أن أحاديثها، وردت في صحاح كتب السنة، وهذا الذي يسلكه غيره إنما هو نوع من الوجادة التي اشترط المحدثون في الرواية بها الإذن أو الوصية من المؤلف، وهي عندهم من أضعف أنواع التحمل، إلا أنهم كانوا مضطرين إليها بعد عصر الرواية، اعتمادًا على تحقق الثقة في الأحاديث عن طريقها، ولكن المصنف قد تحاشها، وندد بمن يعتمد في روايته عليها إذ يقول: إن هذا المختصر متصل الأسانيد بالأئمة، ويعلل هذا الاتصال الذي عول عليه في روايته لابنه بقوله: إنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وقد ادعى أن ذلك غير سائغ بإجماع أهل الدراية، ونقل ذلك عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي.
ولا يسوغ الاعتراض على هذا المسلك بأن روايته عن أحمد بن حنبل ترجع إلى التحمل بالوجادة على اعتبار أنها نقل عن مسنده، فقد صرح المؤلف في الرواية عن أحمد بأن شيخه الذي نقل عن أحمد وهو عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي أحمد بن محمد بن حنبل، فالتحمل هنا بلفظ حدثني لا بطريق الوجادة في المسند.
وقد أوضح المؤلف بأنه لم يرتب كتابه هذا على طريق التراجم التي ذكرها في المقدمة، بل على أبواب الفقه لقرب تناوله، كما صرح بأنه أتى في آخره بجملة من الأدب والاستئذان وغيره، وهذا لأنه لم يرد أن يخليه من جانب الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية.
وقد تأثر بهذا تلميذه الحافظ ابن حجر فختم كتابه "بلوغ المرام" بكتاب سماه الجامع، ذكر فيه أنواعًا من ذلك، إلا أنه لم يتأثر بشيخه في إيراده لبعض أحاديث تتعلق بالقدر وأشراط الساعة والبعث وذكر الجنة والنار لأن فيها استطرادًا يبعد به عن مقصود الكتاب، وإنما موضعها العقائد.
ومن تتبع الصحابة الذين تنتهي إليهم هذه التراجم وجدهم لا يخرجون عن عشرة من أجلائهم، هم على الترتيب الذي أورده في المقدمة: ابن عمر، أبو هريرة، أنس، عائشة، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، جابر، بريدة، عقبة بن عامر.
غير أنه عند إيراده لأول حديث في الكتاب -وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" الذي التزم إيراده في أوله جريًا على طريقة المصنفين- خرج عن هذه التراجم لكونه لم يشترك مع ترجمة أحاديث عمر التي أوردها ضمن تراجمه، بل اعتمد في هذا الحديث على رواية علقمة بن أبي وقاص عن عمر، وهي غير الترجمة التي أوردها في الرواية عن عمر والتزم بها في هذا الكتاب، فإنها رواية سالم عن أبيه عن عمر، وذلك لأنه لم يجد لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" هذه الترجمة التي التزم بها في أحاديث هذا الكتاب.
ومن الصور البارزة في هذا المؤلف أن الحافظ العراقي قد تجلت عنايته بالرواة وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في الكتاب -كما يقول- فترجم لكل منهم قبل البدء في شرح الكتاب ترجمة مصورة له تصويرًا واضحًا.
[ ١٨٧ ]
وقد أفادنا هذا المسلك إفادة قيمة، ولا سيما فيما يتعلق بشيوخه الذين أخذ عنهم ووصلوا به إلى هذه التراجم، فإنه ربما لم يرد أن يحيل القارئ إلى العناء في البحث عنهم، وربما لا يتيسر للقارئ مراجع يتعرف بها على هؤلاء الشيوخ الذين انتهوا به إلى تلك الأصول، وإن في بيان شيوخه زيادة ثقة واطمئنان إلى هذا الكتاب وما ورد فيه من أحاديث.
ومما ينبغي التنبيه له في هذا المقام أن الحافظ العراقي قد استقل في هذا الكتاب بمتن التقريب، وأنه اشترك مع ابنه أبي زرعة في وضع الشرح عليه، فكتب كل منهما بعضًا من هذا الشرح، ولم تكن كتابة كل منهما على الترتيب من حين بدأ إلى حيث انتهى كما يقع في غيره من الكتب التي يشترك فيها أكثر من مؤلف استكمالًا لما ترك شاغرًا في الكتاب، وإنما اشترك التمليذ مع والده في حياته في شرح هذا الكتاب.
ولأمر ما بدأ الوالد بالتعريف بالرجال الذين وردت أسماؤهم فيه، ثم شرح جزءا من المتن لم يكن هو كل ما تناوله من الشرح في هذا الكتاب، ثم بدأ الابن من حيث انتهى أبوه، فشرح قطعة أخرى من المتن متصلة بما وقف عندها والده، ثم عاد الوالد فبدأ من حيث انتهى ابنه. وهكذا حتى انتهى شرح الكتاب المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب".
وقد وقفنا على بيان هذه التجزئة التي لم نتبين بالتحديد الباعث عليها، وربما كان الباعث عليها هو دقة إشراف الوالد على عمل ابنه فيما اشترك معه فيه، وحفز همته إلى الكدح والاجتهاد الذي يقرب له المساواة معه في طريقة البحث، أقول: وهذا الذي وقفنا عليه من بيان هذه التجزئة هو تصريح من أبي زرعة ولد الحافظ العراقي في إجازة نقلت من خط أبي زرعة نفسه يذكر فيها: أن جميع هذا الجزء الأول من طرح التثريب من تأليف والده وتكميل أبي زرعة له؛ فمن أوله إلى أول باب مواقيت الصلاة من كلام والده ﵀، ومن أول الباب المذكور إلى أول باب التأمين من كلام أبي زرعة، ومن أول باب التأمين إلى باب الإمامة من كلام والده، ومن الإمامة إلى باب الجلوس في المصلى وانتظار الصلاة من كلام أبي زرعة، ومن ثم إلى آخر هذا المجلد من كلام والده رحمة الله عليه.
هذا ما وصل إلينا نقلًا عن الضبي ناسخ هذا الكتاب من خط مؤلفيه، ذكرته لجنة التحقيق في تصديرها للكتاب١.
وهذا القدر من البيان لم يوضح لنا إذا كان هذا المجلد الذي أشار إليه أخيرًا هو ذات الجزء الأول فقط أم أنه استوعب الكتاب كله؟ وإذا كان المجلد هو الجزء الأول فقط كما يشعر به ظاهر هذه العبارة فمن منهما الذي تولى شرح بقية الكتاب؟
غير أننا نرجح أن أبا زرعة شارك في شرح بقية الكتاب بعد أن عثرنا أثناء النظر فيه على بعض. عبارات تشعر بمشاركة أبي زرعة لوالده في شرح بقية الكتاب، منها ما ورد من إيراده لنظم نسبه
_________________
(١) ١ طرح التثريب: ص٨ ج١.
[ ١٨٨ ]
إلى والده وقال: وقد نظم ذلك والدي بقوله: "سبعة أمعاء لكل آدمي إلخ"١ وقد ورد مثل ذلك في باقي الكتاب، ومنها عبارة أخرى في شرح حديث: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" وهذه العبارة هي قوله: وقال والدي ﵀ في شرح الترمذي: إنه "يريد كون جهجاه هو صاحب الواقعة" لا يصح لأن مدار حديثه على عبدة الربذي وهو ضعيف٢.
فهذا الكلام واضح في أن أبا زرعة هو شارح هذا الحديث لأن والده الحافظ العراقي هو شارح الترمذي كما هو معروف.
ثم إنه في حديث: "أتى النبي ﷺ بلبن قد شيب بماء" ذكر تعليقًا نسبه كذلك إلى والده في شرح الترمذي بقوله: قال والدي رحمه الله٣ في شرح الترمذي.
على أن هناك من العبارات ما يشعر بأن الحافظ العراقي أيضًا له مشاركة في الشرح، فقد ورد في شرح حديث: "أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب " الحديث، تعبير للشارح يدل على أن الشرح للحافظ العراقي صاحب المتن، فهو ينقل عن شيخه فيقول٤: وزعم شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي أن مذهب الشافعي جواز قتلها "أي الكلاب" كما ورد مثل هذا التعبير في شرح حديث عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ: "كان يبايع النساء بالكلام قالت: وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة " الحديث، قال الشارح: ظاهره أنه -ﷺ- لم تمس يده يد أحد من محارمه، ثم أورد خلاف العلماء في ذلك وقال: وقد حكى شيخنا الإمام عبد الرحيم الإسنوي الإجماع على الجواز٥.
وقد أورد صاحب هدية العارفين كتاب طرح التثريب في شرح التقريب من بين مصنفات الحافظ زين الدين العراقي٦، وأورده صاحب ذيل كشف الظنون٧، من بين مصنفات ولده أبي زرعة، تأييدًا لما أورده صاحب كشف الظنون٨. أما السخاوي في كتابه الضوء اللامع٩ فإنه ذكر في ترجمة أبي زرعة: أنه أكمل شرح والده على ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد وهو كتاب حافل.
وإذن فقد دل التعميق في البحث على أن هذا الشرح من أوله إلى آخره كان مناوبة بين الأب الحافظ العراقي وابنه ولي الدين أبي زرعة.
ومهما يكن من أمر فإن هذا لن يغير من قيمة الكتاب العلمية في شرحه، ولا من الميزة الحديثية فيه، فإن جميع ما فيه متجانس، ولا يكاد بعضه مختلف عن بعض في الاستيعاب واستيفاء المذاهب وأدلتها، وظهور الشخصية العلمية المتميزة.
_________________
(١) ١ طرح التثريب: ص١٨ ج٦. ٢ طرح التثريب: ص١٩ ج٦. ٣ طرح التثريب: ص٢٥ ج٦. ٤ طرح التثريب: ص٣٣ ج٦. ٥ طرح التثريب: ص٤٥ ج٧. ٦ هدية العارفين ج٥ ص٥٦٢. ٧ ذيل كشف الظنون ج٤ ص٨٣. ٨ كشف الظنون ج١ ص٤٦٤. ٩ الضوء اللامع: ص٣٤٣ ج١.
[ ١٨٩ ]
هذا؛ وفي دراستنا لمتن الكتاب تبين لنا أن الحافظ العراقي لا يخليه من الاستنتاجات الفقهية اللطيفة يبرز فيها شخصيته في فقه السنة.
ومن ذلك قوله بعد رواية حديث أبي هريرة بترجمتين عنه في شأن الإيراد عن الصلاة أو عن الحر يقول في في التعليق عليهما: وليس في حديث أبي هريرة ذكر للظهر فيدخل في عمومه الإيراد بالجمعة١.
وقد يفسر بعض الألفاظ التي يرى أنها تحتاج إلى بيان بالسياق أو غيره كما في حديث أنس عند البخاري: "كان النبي ﷺ إذا أشتد الحر أبرد بالصلاة، وإذا اشتد البرد بكر بالصلاة" فبين الصلاة بقوله: يعني الجمعة٢.
ومن هذا النمط ما جاء من إضافته قيدًا في حديث الأعرج عن أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت" قال العراقي: يريد والإمام يخطب٣.
وللحافظ العراقي تعليقات تشعر بالدقة حتى في اختيار أصح الألفاظ في رواية الأحاديث، وقد ذكر حديث: "أبردوا بالظهر " إلخ ثم قال: وفي علل الخلال من حديث أبي سعيد "من فوح" بدل "فيح" قال أحمد: لا أعرف أحدًا قال فوح غير الأعمش٤.
ومن ذلك قوله في حديث الأعرج وهمام عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: "الملائكة يتعاقبون فيكم " فذكره ولم يقل "بهم" التي وردت في الرواية الأخرى وهي قوله: وهو أعلم بهم، وقال: "فقالوا" موضع "فيقولون" الواردة في الرواية الأخرى٥.
ومن ذلك ما ورد في حديث الجمع بين حديثي جابر في قصة معاذ وتطويله للصلاة من: أن النبي ﷺ أمره بأن يقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى وبين حديث بريدة: "من أن النبي ﷺ أمره أن يصلي بالشمس وضحاها" ونحوها من السور حيث قال الحافظ: والجمع بين حديث بريدة وجابر في قصة معاذ أنهما واقعتان٦.
ومن ذلك ما ورد في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في سهو النبي ﷺ: "أنه سلم من ركعتين في صلاة الظهر فقام رجل فقال: يا رسول أقصرت الصلاة أم نسيت " وفي رواية أخرى لأبي هريرة "أن ذلك كان في صلاة العصر" وفي رواية ثالثة لعمران بن الحصين: "أنه صلى العصر فسلم في ثلاث"، وفي رواية لأبي داود والنسائي والحاكم من حديث معاوية بن خديج: "فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة"، وذكر ابن خديج أن الرجل طلحة بن عبد الله، وقد جمع الحافظ العراقي بين هذا الاختلاف نقلًا عن المحققين: بأن لأبي هريرة قصتين، ولعمران قصة أخرى، ولمعاوية بن خديج قصة أخرى٧.
_________________
(١) ١ طرح التثريب: ص١٥١ ج٢. ٢ طرح التثريب: ص١٥٦ ج٢. ٣ طرح التثريب: ص١٩٠ ج٣. ٤ طرح التثريب: ص١٥٦ ج٢. ٥ طرح التثريب: ص٣٠٤ ج٢. ٦ طرح التثريب: ص٢٧٨ ج٢. ٧ طرح التثريب: ص٤ ج٣.
[ ١٩٠ ]
ومن غرائبه أنه يذكر الحديث أحيانًا ثم يسلط عليه أسلوب الأصوليين في الترجيح وقد سلك هذا المسلك في حديث همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إذا نودي للصلاة -صلاة الصبح- وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ". فقال: إنه إما منسوخ كما رجحه الخطابي، أو مرجوح كما قاله الشافعي ﵀ والبخاري بما في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة: "أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" فبين العراقي بهذا أن حديث همام هذا مرجوح لا يعمل به، ووجه كونه مرجوحًا أن هناك ما ينسخه على مسلك الخطابي، أو ما هو أقوى منه على مسلك الإمامين الشافعي والبخاري، وأكد ذلك بأن عائشة ذكرت بأنه ليس من خصائصه ﷺ، وأن أبا هريرة رجع عنه حين بلغه حديث عائشة١.
والكتاب متنًا وشرحًا يقع في ثمانية أجزاء: أولها خاص بالتراجم التي تعرف بكل من له ذكر في الكتاب من الشيوخ منذ عهد النبي ﷺ إلى عصر المؤلف، بعد مقدمة الحافظ العراقي لكل من متن الكتاب وشرحه، مع تضمين مقدمة الشرح ترجمة لابنه ولي الدين أبي زرعة.
ثم سار في بقية أجزاء الكتاب مرتبًا له على أبواب الفقه المعروفة، مبتدئًا بكتاب الطهارة ومنتهيًا بكتاب الشهادات ثم باب السلام والاستئذان.
ثم ذكر أبواب الأدب، وذكر الطب والرقى، والرؤيا، والأمثال، وحق الضيف، والرجاء والخوف، والقدر، وأشراط الساعة، والبعث، وذكر الجنة والنار، وبه ينتهي الكتاب بأجزائه الثمانية.
وفي كل كتاب أبواب، وتحت كل باب مسائل وردت بشأنها أحاديث، تكثر في بضع الأحيان وتقل في بعضها الآخر، وفي تخريج هذه الأحاديث، وبيان معانيها واستنباط الفوائد الكثيرة منها ما يبرز شخصية المؤلف، ويدل على غزارته العلمية وعمقه في البحث، وأصالته في التفكير.
وبعد: فإن هذا الكتاب هو أحد الكتب التي وضعت لأحاديث الأحكام، وهو لفحل من فحول هذا الشأن قلما يجود بمثله الزمان، فهو عمدة في هذا الباب، ومرجع يعول عليه العلماء والطلاب.
وطريقته التي ذكرناها في التقيد بالتراجم التي اختارها لأصح الأسانيد لم يشاركه فيها أحد فيما وصل إلينا من الكتب، فإن المتأمل يجد في هذا المسلك مجهودًا أشق من مجهود الاختيار من الصحيحين وحدهما -كما التزم بذلك الإمام المقدسي في كتابه عمدة الأحكام- وأدق من مسلك من اكتفى بأحاديث الكتب الستة وما يشبهها في التزام الصحيح من الأحاديث -كابن تيمية في كتابه منتقى الأخبار، وابن حجر في كتابه بلوغ المرام- فإن مسلكه هذا يستدعي فحص الأحاديث وتتبعها في الصحيحين وفي غيرهما لاختيار ما تتحقق فيه تلك التراجم.
_________________
(١) ١ طرح التثريب: ج٤ ص١٢٢.
[ ١٩١ ]
وإن يكن قد فاته أن يقدم للدارسين بعض الأدلة التي حال التزامه بذكر أصح الأسانيد دون إيرادها متن الكتاب فإنه ﵀ قد تدارك ما فاته بهذا الشرح العظيم الذي برهن على فحولته الفقهية، وعلى تمكنه من مختلف أبواب الدين بما أورده من الفوائد العديدة المستمدة من الأحاديث التي ينفسخ بها له -في الشرح- مجال الاستدلال ما دامت تصلح لذلك، دون تقيد بما التزمه في المتن ومن الإنصاف أن نسجل مشاركة ولده أبي زرعة له في شرح بعض أحاديث الكتاب، ولكن المنهج واحد والأسلوب لا يختلف، وما تناوله الابن بالشرح من الكتاب لا يقل مكانة عما تناوله والده استدلالا وتعمقًا وطول نفس، وقوة استنتاج.
ومما يزيد في قيمة الكتاب العلمية كون مؤلف الشرح هو مؤلف المتن، فهو أدرى بما أورده مما يحتاج إلى بسط في البحث، أو أخذ ورد في تصوير المذاهب الفقهية، وكيفية المآخذ من هذه الأدلة ونفي الشبهه العارضة عليها، ودفع ما قد يتوهم من تعارض بينها.
ومن الأمانة العلمية أن نورد هنا ما ذكره الشيخ محمد جمال الدين القاسمي المتوفى عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة في كتابه قواعد التحديث١ تحت عنوان "ذكر من صنف في أصح الأحاديث" قال ﵀: جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من أصح الأسانيد كتابًا في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه: "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وهو كتاب لطيف جمعه من تراجم ستة عشر قيل: إنها أصح الأسانيد إما مطلقًا وإما مقيدة، ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر.
ونلاحظ أن القاسمي لم يبين لنا في أي كتاب ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاستدراك على الحافظ العراقي، ولئن كان قد قال ذلك إن استدراكه لمردود؛ لأن العراقي لم يدع استيعاب أصح الأسانيد في أحاديث الأحكام، وإنما ذكر أنه يريد أن يجمع أحاديث عديده في تراجم محصورة٢ وقد وفي بما وعد.
رضي الله عن الحافظ العراقي وولده ولي الدين أبي زرعة، وأجزل أجرهما لقاء ما قدما إلى أمة الإسلام من نصح، وما أسديا إليها من معروف.
_________________
(١) ١ قواعد التحديث: ص٨٤. ٢ طرح التثريب: ج١ ص١٧ وما بعدها.
[ ١٩٢ ]
بلوغ المرام من أدلة الأحكام:
للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
وموضوع هذا الكتاب -كما يبدو من عنوانه- هو الأحاديث التي يستدل بها على الأحكام الفقهية.
ومؤلفه هو الإمام أحمد بن علي بن محمد بن علي المصري القاهري الشافعي المعروف بابن حجر وهو لقب بعض آبائه١.
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه، فحفظ القرآن صغيرًا، ثم درس الكتب المعتبرة في الفقه والحديث وأصول الفقه كالعمدة والحاوي ومختصر ابن الحاجب، وتردد على فحول عصره في مختلف الأماكن، ولزم الأبناسي مدة طويلة وتفقه عليه، ولزم العز بن جماعة في غالب العلوم، وأخذ اللغة عن المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس، ثم حبب الله إليه الحديث فأقبل عليه بكليته، وتفرغ لدراسته، ولزم الزين العراقي فتخرج به وانتفع بملازمته، وقرأ عليه ألفيته وشرحها، ونكته على ابن الصلاح دراسة وتحقيقًا، ثم تحول إلى القاهرة فسكنها وارتحل إلى البلاد الشامية، والحجازية، وأكثر جدا من السماع من الشيوخ، حتى اجتمع له من الشيوخ المشار إليهم ما لم يجتمع لأحد في عصره، وأذن له جلهم في الإفتاء والتدريس، وقد تصدى لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء، وتصنيفًا وإفتاء، حتى زادت تصانيفه -التي معظمها في فنون الحديث- على مائة وخمسين تصنيفًا، ورزق من السعد والقبول -ولا سيما في فتح الباري بشرح البخاري الذي لم يسبق نظيره- أمرًا عجيبًا.
وقد اعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شيوخه وأقرانه فمن دونهم وكتبها الأكابر.
ومن البازر في تاريخه أن السلطان المؤيد ولاه الحكم في بعض القضايا، ولزم من ذلك النيابة، ولكنه لم يتوجه إليها ولا انتدب لها حتى عرض عليه الاستقلال بالحكم، وألزم من أجابه بقبوله فقبل، وقد ندم فيما بعد على قبوله، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد هذا الأمر، ولم يلبث أن صرف ثم أعيد، وهكذا حتى صمم على الإقلاع عنه.
ومما عرف في تاريخه أنه درس في عدة أماكن لعدة فنون، فدرس التفسير بالحسينية والمنصورية، والحديث بالبيبرسية والمالية وغيرها، والفقه بالحروبية البدرية بمصر والشريفية الفخرية وغيرهما.
_________________
(١) ١ عن الضوء اللامع للسخاوي ج٢ ص٣٦ بتصرف.
[ ١٩٣ ]
ومن أعماله الخطابة بالجامع الأزهر ثم بجامع عمرو، ويقول السخاوي: إن الناس أخذوا عنه طبقة بعد أخرى، وألحق الآباء بالأبناء والأحفاد. كما يقول: إنه قرأ عليه الكثير جدًّا من تصانيفه ومروياته، وكانت وفاته ﵁ سنة ٨٥٢هـ.
وصنف المؤلف كتابه في تقديمه له بأنه مختصر على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية وذكر أنه حرره تحريرًا بالغًا، ليصير من يحفظه بين أقرانه نابغًا١ وأنه بين عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، لإرادته نصح الأمة.
وقد علق الشارح الصنعاني على هذه العبارة بقوله: في ذكر من أخرج الحديث عدة نصائح للأمة: منها بيان أن الحديث ثابت في دواوين الإسلام، ومنها أنه قد تداولته الأئمة الأعلام، ومنها أنه قد تتبع طرقه وبين ما فيها من مقال، ومن تصحيح وتحسين وإعلال، ومنها إرشاد المنتهي أن يراجع أصولها التي منها انتقى هذا المختصر٢.
واستدرك الصنعاني عليه بأنه كان يحسن أن يذكر هنا مسلكه الذي سلكه أثناء الكتاب من بيان صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه، وهو استدراك له قيمته؛ لأن ذلك من أبرز مظاهر النصح للأمة، لما فيه من إبراء نفسه، وإخلائها من عهدة التبعة فيما يشبه التدليس في الرواية.
وذكر المصنف في مقدمته بسيان مصطلحه، عند التخريج والنسبة إلى الأئمة، وأنه يريد بالسبعة -حين يوردها- أحمد البخاري ومسلمًا وأبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخاري ومسلمًا، وقد يقول الأربعة وأحمد، وأنه يريد بالأربعة أبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، كما ذكر أنه يريد بالثلاثة من عدا الثلاثة الأول وعدا الأخير؛ أي أنه يريد بها ابن ماجه وأبا داود والترمذي، ويريد بالمتفق عليه البخاري ومسلمًا، وأنه قد لا يذكر معهما غيرهما مع علمه باشتراك غيرهما معهما، اكتفاء بأن إليهما المنتهى في الوثوق بالحديث، وقال: إن ما عدا هذه المصطلحات فهو مبين، ويريد بذلك أن الحديث إذا خرجه غير هؤلاء المذكورين -سواء أكان مشتركًا معهم أو مع بعضهم- فإنه يذكر ذلك المخرج باسمه، وذلك مثل قوله في الحديث الأول: أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وأخرجه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد، وواضح أن ابن أبي شيبة وابن خزيمة ومالكًا والشافعي لم يدخلوا في مصطلحاته السابقة، فنص عليهم بأسمائهم بناء على ما أورده في هذه المقدمة، وقد سماه المصنف بلوغ المرام من أدلة الأحكام جريًا على طريقة معاصريه من المؤلفين في التزام السجع في أسماء الكتب.
_________________
(١) ١ بلوغ المرام ص٩. ٢ سبل السلام ص١٠ والصنعاني هو الإمام محمد بن إسماعيل بن صلاح الدين الكحلاني المتوفى سنة ١١٨٢هـ من أعلام من درسوا الفقه والحديث رواية ودراية، وبرعوا في مختلف العلوم، وألف في الحديث وعلومه كتبا حافلة منها سبل السلام "شرح بلوغ المرام" ومنها العدة في شرح العمدة للمقدسي، ومنها شرح التنقيح في علوم الحديث.
[ ١٩٤ ]
وإذا كان المؤلف قد بين -في تقديمه للكتاب- أنه اشتمل على أصول الأدلة الحديثية فإنه لا يريد بذلك أنه استوعب جميع الأدلة الحديثية كما يبدو واضحًا من تتبع الكتاب واستقراء أحاديثه، وموازنته بغيره من كتب أحاديث الأحكام، كمسند أبي داود، ومعاني الآثار للطحاوي، وكالمنتقى لابن تيمية الذي اشترك مع المصنف في تجريد الأحاديث من أسانيدها وفي تخريجها، كما اشترك معه أيضًا في علة عدم التنبيه على بعض ما ينبغي التنبيه عليه من بيان درجة الحديث، ولكن ابن حجر اختار نخبة من الأحاديث، واتجه في أكثر ما اختاره إلى ما بنى عليه الإمام الشافعي ﵁ مذهبه في الفقه، بمقتضى ميل المصنف، واتجاهه لمناصرة هذا المذهب، ولكن إنصافه -والحق يقال- لم يمنعه من عرض بعض الأحاديث التي تختلف مع فروع المذهب الشافعي كما سنبين ذلك عند الكلام على الظواهر العامة في الكتاب، وبناء على ذلك فمن المجازفة ما قيل: إن ابن حجر جمع في هذا الكتاب كل الأحاديث التي استنبط الفقهاء منها الأحكام الفقيهة١.
ومما ينبغي الإشارة إليه من هذا المقام أن هذا المؤلف -فوق أنه كما وصفه مؤلفه وكما تعارفه الناس عنه من الاشتمال على الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، فإنه يمتاز بأن مؤلفه الإمام الحافظ ابن حجر بغزارته، وسعة علمه، وكرم نصحه للأمة قد وضع في آخره كتابًا جامعًا لأبواب ستة، هي: الأدب، والبر والصلة، والزهد والورع، والترهيب من مساوئ الأخلاق، والترغيب في مكارم الأخلاق، والذكر والدعاء، وهو تصرف غاية في الحكمة والدقة والإحسان، فإن هذه الأبواب عيون التصرف، وضالة كل شخصية مسلمة، فالفقه في الحقيقة -ولا سيما عند الأولين من علماء المسلمين- كانت له عناية خاصة بالآداب، واتجاه إلى ما يصلح النفوس ويهذيها، ويدعوها إلى مكارم الأخلاق، كما يركز الإمام الغزالي على ذلك في كتابه الإحياء وينعى على الفقهاء أنهم أهملوا ذلك الاتجاه الإسلامي الرفيع، ويقول: إن تعلم ذلك الفقه التهذيبي فريضة على كل مسلم ومسلمة، فجزى الله المؤلف خيرًا بما لفت به نفوس المتفقهين إلى تلك النواحي الكريمة من الدين.
ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف حديث، ما عدا المتداخل، وهو المتشابه ببعض الاختلاف، وهو الذي يشير إليه بقوله: وفي رواية فلان كذا، ونحو ذلك.
ويبلغ عدد هذه الأحاديث المتداخلة، واحدًا وثلاثين ومائة حديث، وبها تصل أحاديث الكتاب إلى أربعة وخمسمائة وألف حديث.
وقد وجد اختلاف في عد أحاديث الكتاب بين بعض النسخ وبعض، تبعًا لاختلاف الطبعات، واتجاهات المصححين والمراجعين في إدخال بعض الأحاديث في بعض، أو فصل بعضها عن بعض وقد أحصاه بعض المؤلفين المعاصرين٢ بأربعمائة وألف حديث.
_________________
(١) ١ انظر صدر كتاب سبل السلام عند التعريف ببلوغ المرام وشرحه ص٣ للأستاذ محمد عبد العزيز الخولي. ٢ الحديث والمحدثون لفضيلة الدكتور أبي زهو ص٤٤٧.
[ ١٩٥ ]
وهذه الأحاديث موزعة على الأبواب الفقهية التي سلك بها مسلك الفقهاء على النحو التالي:
١- كتاب الطهارة:
وفيه باب المياه، وباب الآنية، وباب إزالة النجاسة وبيانها، وباب الوضوء، وباب المسح على الخفين، وباب نواقض الوضوء، وباب آداب قضاء الحاجة، وباب الغسل وحكم الجنب، وباب التيمم، وباب الحيض.
٢- كتاب الصلاة:
وفيه باب المواقيت، وباب الأذان، وباب شروط الصلاة، وباب سترة المصلي، وباب الحث على الخشوع في الصلاة، وباب المساجد، وباب صفة الصلاة، وباب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر، وباب صلاة التطوع، وباب صلاة الجماعة والإمامة، وباب صلاة المسافر والمريض، وباب صلاة الجمعة، وباب صلاة الخوف، وباب صلاة العيدين، وباب صلاة الكسوف، وباب صلاة الاستسقاء، وباب اللباس.
٣- كتاب الجنائز:
وليس تحته أبواب.
٤- كتاب الزكاة:
وفيه باب صدقة الفطر، وباب صدقة التطوع، وباب قسم الصدقات.
٥- كتاب الصيام:
وفيه باب صوم التطوع وما نهي عن صومه، وباب الاعتكاف وقيام رمضان.
٦- كتاب الحج:
وفيه باب فضله، وبيان من فرض عليه، وباب المواقيت، وباب وجوه الإحرام وصفته؛ وباب الإحرام وما يتعلق به، وباب صفة الحج ودخول مكة، وباب الفوات والإحصار.
٧- كتاب البيوع:
وفيه باب شروطه وما نهي عنه، وباب الخيار، وباب الربا، وباب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار، وأبواب السلم والقرض والرهن، وباب التفليس والحجر، وباب الصلح وباب الحوالة والضمان، وباب الشركة والوكاة، وباب الإقرار، وباب العارية، وباب الغضب، وباب الشفعة، وباب القراض، وباب المساقاة والإجارة، وباب إحياء الموتى، وباب الوقف، وباب الهبة والعمري والرقبي، وباب اللقطة، وباب الفرائض، وباب الوصايا وباب الوديعة.
٨- كتاب النكاح:
وفيه باب الكفاءة والخيار، وباب عشرة النساء، وباب الصداق، وباب الوليمة، وباب القسم، وباب الخلع، وباب الطلاق.
[ ١٩٦ ]
٩- كتاب الرجعة:
وفيه باب الإيلاء والظهار، والكفارة، وباب اللعان، وباب العدة والإحداد، وباب الرضاع وباب النفقات، وباب الحضانة.
١٠- كتاب الجنايات:
وفيه باب الديات، وباب دعوى الدم والقسامة، وباب قتال أهل البغي، وباب قتال الجاني وقتل المرتد.
١١- كتاب الحدود:
وفيه باب حد الزانى، وباب حد القذف، وباب حد السرقة، وباب حد الشارب وبيان المسكر، وباب التعزير وحكم الصائل.
١٢- كتاب الجهاد:
وفيه باب الجزية والهدنة، وباب السبق والرمي.
١٣- كتاب الأطعمة:
وفيه باب الصيد والذبائح، وباب الأضاحي، وباب العقيقة.
١٤- كتاب الإيمان والنذور:
وليس تحته أبواب.
١٥- كتاب القضاء:
وفيه باب الشهادات، وباب الدعاوي والبينات.
١٦- كتاب العتق:
وفيه باب المدبر والمكاتب وأم الولد.
١٧- كتاب الجامع:
وفيه باب الأدب، وباب البر والصلة، وباب الزهد والورع، وباب الترهيب من مساوئ الأخلاق، وباب الترغيب في مكارم الأخلاق، وباب الذكر والدعاء.
وختم الكتاب بما سبق أن ختم به الإمام البخاري صحيحه، ختمه بحديث: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ويا حبذا لو بدأه بما بدأ به البخاري صحيحه: "إنما الأعمال بالنيات". فإنه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام فضلًا على أن النية في العمل شرط في صحته.
وقد أوردنا محتويات الكتاب على هذه الصورة التي رأيناه عليها ليلمس القارئ فيها ظاهرة تبدو بارزة في تبويب الكتاب، وأنه لم يكن دقيقًا ولا مضبوطًا في بعض ما اندرج من الأبواب تحت
[ ١٩٧ ]
عنوان الكتاب منه، أو في وجود أحاديث كانت تستحق إيرادها تحت أبواب غير تلك التي أدرجت فيها، أو في إيراد كتب ليس تحتها أبواب، وقد كانت حرية بذلك، أو في إيراد أحاديث سائبة دون عنونة، وقد كانت جديرة بذلك، أو في إيراد أبواب كان الأولى بها أن تكون كتبًا لفقد الربط بينها وبين ما اندرجت تحته من الكتب.
فمن الأول:
باب اللباس، فقد أدرجه المصنف تحت كتابه الصلاة، وكان حقه أن يكون كتابًا مستقلًّا برأسه، وهو بذلك أولى من كتاب الجنائز الذي تبدو الصلة واضحة بينه وبين كتاب الصلاة باعتبار صلاة الجنازة وأهميتها، ومع ذلك أفرد للجنائز كتابًا مستقلًّا برأسه، ولم يفعل ذلك في اللباس الذي لا تربطه صلة بكتاب الصلاة، ولا ينبغي أن يقال: إن ستر العورة باللباس شرط من الشروط في الصلاة، فإن المصنف لم يورد في هذا الباب من الأحاديث ما يربط بينه وبين كتاب الصلاة، فضلًا عن أن ستر العورة واجب على المسلم في كل أحواله: في الصلاة وفي غير الصلاة.
ومن الثاني:
حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " ولا تبدو له مناسبة بينه وبين كتاب الإيمان والنذور الذي أورده فيه، اللهم إلا إذا قيل: إنه أورده هنا للتنبيه على عدم جواز النذر لشد الرحال لغير هذه المساجد؛ لأنه لا نذر في معصية، غير أن نص الحديث لا يساعد على هذا الربط بينه وبين الكتاب الذي ورد فيه، وقد ورد هذا الحديث بعينه في باب الاعتكاف وقيام رمضان، وقد يقال في إيراده في هذا الباب ما قيل في إيراده في كتاب الإيمان والنذور.
ومن الثالث:
ما أورده من أحاديث تحت عنوان كتاب الجنائز، وقد كان الأولى بكثير منها أن تندرج تحت أبواب تحمل عناوين متعددة، فإن طول كتاب الجنائز وتشتت موضوعاته جدير بذلك، فإن منها ما يتعلق بتجهيز الميت ومنها ما يتعلق بتكفينه، ومنها ما يتعلق بدفنه، وذكر الموت، وما إلى ذلك.
ومنها أيضًا ما أورده من أحاديث في كتاب الإيمان والنذور كان مقتضى الدقة والضبط أن تفرز في أبواب مختلفة، فإن منها ما يتعلق بالنهي عن الحلف بغير الله، ومنها ما يتعلق بكيفية اليمين، ومنها ما يتصل بالكفارة عنه، ومنها ما هو بيان ليمين النبي ﷺ، ومنها ما يبين اليمين الغموس واللغو، ومنها ما يرتبط بالنهي عن النذر، وبيان حكم النذر في الطاعة وفي المعصية وكفارة النذر، وغير ذلك.
ومن الرابع:
تلك الأحاديث التي قدمها سائبة في أوائل بعض الكتب بين يدي إيراده لأبوابها وهذه الكتب هي:
١- كتاب الزكاة:
وقد أورد في أوله خمسة وعشرين حديثًا ليست داخلة تحت باب، وكان حقها أن يعنون لكل منها بما يناسبه، فإن منها ما يتصل بفرضية الزكاة، ومنها ما يتعلق بنصابها في الزروع والثمار، وفي مال التجارة ومواقيت الأداء، وغير ذلك.
[ ١٩٨ ]
٢- كتاب الصيام:
وقد أورد في أوله ستة وعشرين حديثًا لم يذكر لها عناوين تناسب كل نوع منها، وإن منها ما يتعلق بالنهي عن سبق رمضان بصيام غير معتاد، ومنها ما يرتبط بالنهي عن صوم يوم الشك، وما هو مرتبط برؤية هلال رمضان، وما هو متصل بتبييت النية، والسحور، وما يفطر عليه، الصائم، والنهي عن الوصال، وغير ذلك.
٣- كتاب النكاح:
وقد أورد في أوله واحدًا وثلاثين حديثًا سائبة بغير تنويع، وكان أولى بها مثل هذه العناوين: الترغيب في النكاح، تخير الزوج، خُطبة النكاح، الخِطبة، الصداق، إعلان الزواج، شروط النكاح، الاختيار وعدم الإكراه، النكاح المحرم، نكاح المتعة، المحلل.
٤- كتاب الجنايات:
وأورد في أوله ستة عشر حديثًا دون تبويب، لو أنه بوبها لكان الأقرب إلى ذلك ما يأتي: القصاص، حرمة دم المسلم، أحكام الجنايات، بين القصاص والعفو، وأن يلحق بالديات ما يخصها من هذه الأحاديث.
٥- كتاب الجهاد:
وأورد في أوله ثلاثة وأربعين حديثًا لم يبوبها، ولو أنه فعل لكانت عناوينها أقرب إلى ما يأتي:
الحث على الجهاد، جهاد المرأة ومن له أبوان، الهجرة "ومن عجب أن تقحم في موضوعات الجهاد وبين أحاديثه" وصية الأمير للجيش، التورية في الجهاد، اختيار الوقت، طرق القتال، الغلول في الغنائم، جزاء الغدر، الفدية، الشفاعة للأسير، حل الأخذ من الغنائم بقدر الحاجة قبل القسمة، تطهير الجزيرة العربية من أهل الكتاب، حسن معاملة العدو، أحكام متفرقة.
٦- كتاب الأطعمة:
في أوله اثنا عشر حديثًا دون تبويب، كان يمكن إدراجها تحت باب أو بابين عن المباح والمحظور من الأطعمة.
٧- كتاب القضاء:
وأورد في أوله ثلاثة عشر حديثًا سائبة، لو أنه بوبها لكانت قريبًا مما يأتي: حث القاضي على المعرفة والعدل، الترهيب من قبول القضاء، حكم خطأ المجتهد، إرشاد القاضي، التحذير من الاحتيال لأخذ المال، قضاء المرأة، نهي القاضي عن الاحتجاب، حرمة الرشوة، المساواة بين المتخاصمين.
٨- كتاب العتق:
وفي أوله تسعة أحاديث لم تدخل تحت باب، ولو أنه بوبها لكانت كما يأتي: فضل العتق، عتق بعض العبد، أحكام عامة، الولاء.
[ ١٩٩ ]
ومن الخامس:
هذه الأبواب التي أوردها تحت كتب، وليس بينها وبين تلك الكتب أية صلة، ومن ذلك ما أورده تحت كتاب البيوع من أبواب: إحياء الموات، والوقف، والهبة، والعمري والرقبى واللقطة، والوصايا، والوديعة، وأبرز من هذا كله باب الفرائض، وقد عده من بين أبواب حكاب البيوع، وأية علاقة بينه وبينها حتى يعد بابًا منها؟
ومن الظواهر التي رأيناها عند دراستنا لهذا الكتاب أمانة ابن حجر العلمية في عرض أدلة المخالفين لمذهبه، فإنه يورد هذه الأدلة في مواجهة أدلة الشافعية لتكون أمام الدارس والمجتهد والفاحص يتعرف من خلالها طريقه، ويتبين من ثناياها مسلكه، وبذلك يبرئ ابن حجر عهدته، ويلقي على الدارس عبثه ومسئوليته، بعد أن يضع أمامه أدلة كل فريق، ومن غير تحيز ولا تعصب لمذهبه الذي ارتضاه، ومن ذلك ما فعله فيما يأتي:
١- في المسح على العمامة أورد المصنف حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين" وقد قال الصنعاني في شرحه لهذا الحديث: إن الاقتصار بالمسح على العمامة لم يقل به الجمهور.
ونقل عن ابن القيم قوله: ولم يصح عن النبي ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، لكن إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، كما في حديث المغيرة هذا١.
وقد أورد في نفس المعنى حديث ثوبان قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب؛ يعني العمائم، والنساخين؛ يعني الخفاف" قال الصنعاني في شرحه لهذه الحديث٢: ظاهر الحديث أنه يجوز المسح على العمائم كالمسح على الخفين.
إلى أن قال: وظاهره أيضا أنه لا يشترط للمسح عليها عذر، وأنه يجزئ مسحها وإن لم يمس الرأس ماء أصلًا.
٢- وفي حديث عائشة رضي الله عنها٣: "أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" قال الصنعاني٤: فالحديث دليل على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الأصل.
وذهب الشافعية إلى أن لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ فلزم الوضوء من اللمس.
وفي هذا الباب أورد حديث طلق بن علي٥ قال: قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي ﷺ: "لا، إنما هو بضعة
_________________
(١) ١ سبل السلام: ج١ ص٥١ وبلوغ المرام ص٢١. ٢ سبل السلام: ج١ ص٦٠ وبلوغ المرام ص٣٤. ٣ بلوغ المرام: ص٢٦. ٤ سبل السلام: ج١ ص٦٦. ٥ بلوغ المرام: ص٢٦.
[ ٢٠٠ ]
منك" وقال الصنعاني١ في شرحه: والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء.
كما أورد في هذا الباب حديثًا آخر يناقضه في الدلالة، وهو حديث بسرة بنت صفوان٢ أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" وقال الصنعاني عند شرحه له: وبه استدل من سمعت عن الصحابة والتابعين وأحمد والشافعي على نقض مس الذكر للوضوء والمراد مسه من غير حائل٣.
٣- وفي باب صلاة المسافر والمريض أورد حديثًا يستدل به الحنفية على أن القصر عزيمة لا رخصة، وهو حديث عائشة٤ ﵂ قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
ثم أورد بعده حديثًا لعائشة٥ رواه الدارقطني: "أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر" وهو دليل للشافعية، ولكن أمانة ابن حجر العلمية وعدم تحيزه للمذهب الذي ارتضاه دفعاه إلى بيان ما في الحديث من إعلال، فقال عنه: إنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها لا من روايتها.
٤- وفي كتاب النكاح أورد الحافظ ابن حجر حديثًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال٦: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" وفي رواية: "ليس للولي من الثيب أمر" وهو يختلف مع مذهب الشافعية من أن الولي ركن في النكاح مطلقًا دون تفرقة بين الثيب والبكر.
وبعد: فإن هذا الكتاب من تأليف الحافظ ابن حجر، وهو من عرف علماء الحديث علمه وفضله واستيعابه لأكثر السنة، وإمامته في علوم الحديث والرجال، وقد أعانه ذلك على أن يقدم الضروري من أدلة الأحكام في إيجاز يعين على حفظه واستظهاره عند الحاجة، ومن أجل ذلك لم يسلك مسلك غيره ممن توسع في تقديم كثير من الأحاديث في موضوعات الفقه المتعددة، مما يفتر بعض الهمم، ويقعد بها عن دراسة الفقه والحديث.
ويبدو لنا أن أبرز ميزة في هذا الكتاب أن مؤلفه قد توخى فيه إلى ما تدعو إليه حاجة المتفقهين والمستدلين، فإنه تناول فيه أحاديث الأحكام مراعيًا فيها ميزة القبول، بحيث تكون من بين الصحيح أو الحسن وتصلح للاحتجاج، فإن أورد حديثًا أدنى درجة من هذه فإنه يورده تابعًا أو شاهدًا، أو مشتملًا على زيادة لا تخل بدلالة غيره مما استوفى شروط القبول.
_________________
(١) ١ سبل السلام: ج١ ص٦٧. ٢ بلوغ المرام: ص٢٦. ٣ سبل السلام: ج١ ص٦٧. ٤ سبل السلام: ج١ ص٦٧. ٥ بلوغ المرام ص٩٤. ٦ نفس المرجع والصفحة.
[ ٢٠١ ]
من أجل ذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب، وتناولوه في مختلف الأعصار والأمصار بالشرح والتعليق، فقد شرحه١ الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني المتوفى سنة سبع ومائة وألف في كتابه "سبل السلام".
وشرحه القاضي شرف الدين الحسين المعروف بالمغربي قاضي صنعاء المتوفى عام تسع عشر ومائة وألف في كتابه الذي سماه "البدر التمام" وهو مخطوط.
وشرحه أيضًا مختصرًا من سبل السلام الشيخ أبو الخير نور الحسن خان وسماه "فتح العلام" وقد طبع في بولاق، كما شرحه العلامة أبو الطيب صديق حسن خان بشرح مطبوع بالهند باللغة الفارسية شرحه السيد محمد بن يوسف الأهدلي بشرح لم يطبع بعد.
وشرحه أيضًا العلامة المواولي أحمد حسن الدهلوي بشرح منتخب من فتح الباري وشروح الكتب الستة ونيل الأوطار ومختصر سنن أبي داود وتلخيص الخبير لابن حجر، وطبع في جزأين بالهند.
وشرحه كذلك الشيخ محمد عابدين أحمد الأنصاري الحنفي المتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين ألف.
"أخيرًا شرحه فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد علي أحمد أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف.
وبهذا القدر نكتفي في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب الأحكام، ونسأل الله لمؤلفه المثوبة والأجر على ما قدم لأمة الإسلام من فضل ومنة، بتأليفه لكتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام الله الموفق وهو المستعان.
_________________
(١) ١ نقلًا بتصرف عن مقدمة طبعة مصطفى البابي الحلبي لكتاب سبل السلام سنة ١٣٧٨هـ.
[ ٢٠٢ ]
كشف الغمة عن جميع الأمة:
للشعراني المتوفى سنة ٩٧٣هـ:
مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ العابد الزاهد عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي، أورده الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته فقال: هو شيخنا الإمام العابد الزاهد الفقيه المحدث الأصولي الصوفي المربي من ذرية محمد بن الحنفية ولد ببلده١ ونشأ بها، ومات أبوه وهو طفل فحفظ القرآن، وأبا شجاع والأجرومية وهو ابن سبع أو ثمان ثم انتقل إلى القاهرة سنة إحدى عشرة وتسعمائة فقطن بجامع الغمري، وجد واجتهد فحفظ عدة متون في مختلف الفنون، ثم شرع في القراءة فأخذ عن الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري، وقرأ عليه ما لا يحصى كثرة منها الكتب الستة، وقرأ على الشمس الدواخلي والنور المحلى والنور الجارحي وتلا على العجمي وعلى القسطلاني٢، والأشموني والقاضي زكريا والشهاب الرملي، وحبب إليه الحديث فلزم الاشتغال به والأخذ عن أهله، وكان مع ذلك فقيهًا صوفيًّا له دراية بأقوال السلف ومذاهب الخلف، وكان يديم الصوم ويفطر على أوقية من الخبز، واستمر كذلك حتى قويت روحانيته، ثم أخذ الطريق عن المشايخ المشهورين في عصره، ثم تصدى للتصنيف فألف كتبًا منها مختصر سنن البيهقي الكبرى، ومختصر تذكرة القرطبي، وكشف الغمة "وهو ما نحن بصدد دراسته" والمنهج المبين في أدلة المجتهدين، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير، ولوائح الخذلان على من لم يعمل بالقرآن، وحد الحسام على من أوجب العمل بالإلهام، والبرق الخاطف لبصر من عمل بالهواتف، والاقتباس في القياس، وغير ذلك من الكتب، وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع، رموه بكل عظيمة فخذلهم الله وأظهره عليهم، وكان مواظبًا على السنة مبالغًا في الورع، مؤثرًا ذوي الفاقة على نفسه، حتى في ملبوسه، وكان عظيم الهيبة وافر الجاه تأتي إلى أبوابه الأمراء، ومن كلامه: دوروا مع الشرع كيف كان لامع الكشف فإنه قد يخطئ، وكان يحث على مطالعة كتب الفقه، على عكس ما عليه بعض المتصوفة الذين كانوا يزعمون أنها حجاب تحول بينهم وبين الله٣ وفي الكواكب السائرة٤ أنه قرأ على الشيخ نور الدين الجارحي شرح ألفية العراقي، وعلى القسطلاني كل المواهب وغالب شرحه للبخاري، قال صاحب الشذرات: توفي عام ثلاث وسبعين وتسعمائة للهجرة.
_________________
(١) ١ بلده قرية أبي شعرة من قرى مصر كما أورده نجم الدين الغزي في الكواكب السائرة ص١٧٦ ج٣. ٢ هو الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني المصري صاحب المؤلفات العظيمة، منها شرحه لصحيح البخاري في عشرة أسفار، ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية توفي سنة ٩٢٣هـ. ٣ نقل بتصرف من شذرات الذهب ص٣٧٢ ج٨. ٤ ص ١٧٦، ج٣.
[ ٢٠٣ ]
وقد ذكر في سبب تأليفه لكتاب كشف الغمة١ وما كان من شكوى جماعات من المتصوفة ما يجدونه من العلماء الذين يقرأءون مذاهبهم وينصرون أقوالها، وأنهم وقعوا في حيرة شديدة من اختلاف هؤلاء العلماء، وتوجيه كل واحد منهم إلى مذهبه، وتهديد الكثير منهم ببطلان عباداتهم إذا خرجوا عن مذاهب أئمتهم، وأطال في تصوير ذلك، وفي بيان ترددهم عليه، وما كان يجيبهم به ليصرفهم عن هذا التكليف الشاق، ولكنهم ألحوا عليه في أن يجمع لهم كتابًا حاويًا لأدلة المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها من صريح السنة النبوية، وسنة الخلفاء الراشدين، وأن يجرده عن أقوال جميع المجتهدين التي لم تصرح بأحكامها الشريعة؛ ليعرفوا ما شرعه نبينا ﷺ فيقدموا العمل به؛ لأنه هو الذي يسألون عنه بين يدي الله ﷾، وطال الجدل بينهم وبينه، حتى تحقق من صدق قصدهم في اتباع سنة نبيهم، وشدة ظهور رغبتهم في ذلك، فشمر عن ساعد الجدر والاجتهاد، وشرع بعون الملك الوهاب في جمع أحاديث الشريعة وآثارها من كتب الأحاديث التي تيسرت له حال جمعه في البلاد المصرية، كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام سنيد بن داود٢ -وهو من أقران مالك يروي عن وكيع، وقد وقعت له منه نسخة بخط الإمام محمد بن عذرة، ولم يظفر بها أحد من حفاظ الحديث وكالصحيحين، ومسانيد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصحيح أبي داود، وصحيح الحاكم، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والنسائي وابن ماجه، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي -قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وكلها صحيحة- وغير ذلك من كتب حفاظ المحدثين ﵃ أجمعين، بل لم أذكر في هذا الكتاب شيئًا من أحاديث غير هذه الكتب إلا نادرًا؛ لأنها هي التي اعتمدها العلماء وتلقوها بالقبول، ولا يخرج عنها من أحكام الشريعة -فيما أعلم- إلا النادر.
والفلك المحيط لجميع هذه الكتب وغيرها من المسانيد الغريبة هو كتاب جامع الأصول لابن الأثير، وكتاب السنن الكبرى للبيهقي، وكتاب الجامع الكبير والجامع الصغير، وكتاب زيادة الصغير، كل هذه الثلاثة الأخيرة للشيخ جلال الدين السيوطي خاتمة حفاظ الحديث بمصر المحروسة.
ثم قال: وقد طالعت جميع هذه الكتب، وأخذت منها جميع ما يتعلق منها بأمر أو نهي أو مكارم أخلاق من الحديث والآثار، وتركت كل ما زاد على ذلك من السير والتفسير وغير ذلك مما هو ليس من شرط كتابنا، فصار كتابنا هذا بحمد الله حاويًا لمعظم أدلة المجتهدين.
_________________
(١) ١ ص٣ وما بعدها من كشف الغمة. ٢ واسمه حسين بن داود المصيصي لقبه العماد في الشذرات بالمحتسب الحافظ وقال: إنه اشتهر بلقب سنيد وإنه أحد أوعية العلم والآثر، وثقه ابن حبان، والخطيب البغدادي وإن تكلم فيه أحمد. توفي ٢٢٦هـ شذرات الذهب، ص٥٩ ج٢ وذكره صاحب الرسالة المستطرفة في أصحاب المسانيد وضبط المصيص بكسر الميم وتشديد الصاد، ويقال بفتح الميم وتخفيف الصاد نسبة إلى المصيصة مدينة وقال: إن سنيد كزبير، وإنه الحافظ المحتسب صاحب التفسير المسند المشهور: الرسالة المستطرفة ص٥١.
[ ٢٠٤ ]
ثم ذكر أنه لا يعلم الآن في كتب المحدثين كتابًا أجمع لأحاديث الشريعة وآثارها منه، فإنه جمع -مع صغر حجمه- أدلة المجتهدين المشهورة، وإن أردت امتحان ذلك فانظر في أي باب منه، وانظر ذلك الباب في جميع أبواب كتب المحدثين تجد جميع ما قالوه في أبواب كتبهم كلها مستوفى في باب واحد، فإن كتب المحدثين إنما طالت بذكر السند وتكرار الأحاديث فلله الحمد، ولم أعز أحاديثه إلى من خرجها من الأئمة؛ لأني ما ذكرت فيه إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون في مذاهبهم، وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهد به، وملت فيه إلى الاختصار، فلا أذكر من كل حديث إلا محل الاستدلال المطابق للترجمة، فأقول: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا أو يقول أو يأمر بكذا أو ينهى عن كذا أو يشدد في كذا ومرادي مكان وقوع ذلك من النبي ﷺ ولو مرة، ثم "قد" يكون ذلك الأمر قد تكرر وقوعه منه ﷺ وقد لا يكون تكرر، ولا أذكر القصة التي سبق فيها الحديث إلا إن اشتملت على موعظة أو اعتبار أو أدب من الآداب، ولا أكرر حديثًا في باب واحد إلا لزيادة حكم ظاهر لم يكن في الحديث الذي قبله، والذي دعاني إلى شدة هذا الاختصار مناسبة الزمان والسامعين، من غالب الفقراء والمحترفين من عامة المسلمين، وتعجيل ذكر ما هو المقصود من الحديث، ولم أمل فيه إلى تأويل حديث ولا إلى النسخ بالتاريخ -كما يفعله بعضهم- أدبًا مع رسول الله ﷺ أن يتقيد كلامه فيما فهمه عالم دون آخر، وأن ينسخ غيره كلامه؛ إذ لا ناسخ لكلامه ﷺ إلا هو كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" وقوله: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الحنتم والنقير فانتبذوا غير ألا تشربوا مسكرًا".
وقال أطال في هذا المنهج بما يؤكد أنه نقل السنة النبوية الكريمة في موضوعات الأحكام وما يتعلق بها بكل دقة وأدب وورع، وإنما هي الأمانة العلمية التي تقتضي أداءها كما هي، ونقلها بتصرف وحكمة مع تركها للقارئ يفهمها بما يفتح الله به عليه.
غير أننا نلاحظ أن له استطرادات عديدة نضحها عليه اتجاهه الصوفي، وحرصه على ربط النفوس بحب الرسول ﷺ، وحفزها على التأسي به، ودراسة الكثير من أخلاقه وشمائله، مع حرصه على الترغيب والترهيب بتصوير أنواع من الثواب والعقاب، وكل ما عمله من تصرف هو بالقدر الذي يكفل تعجيل المنفعة للقارئ والسامع، مع عدم كده في المراجعات إلا أن يكون على سبيل الامتحان للاطمئنان إلى أنه استوعب ما في بطون كتب السنة، ولم يدخر منه شيئًا نصحًا للأمة، وفي هذا منه مسايرة للزمان الذي تطور فيه أمر التأليف بما يساير ظروف المجتمعات، ولهذا نرى أن النقل يختلف في كل زمان عنه في الزمان الآخر.
فهذا الذي صنعه الإمام الشعراني لا يخرج أن يكون ثمرة لهذه التطورات، وأثرًا لانصباب دراسات الأئمة وتجاربهم في العصور المختلفة التي عهدت بها عناية الله ورعايته إلى من يصطفيه من هذه الأمة ليبلغهم رحيق الدين، وخالص ما جاء عن النبي ﷺ وتلامذته الذين ورثوه
[ ٢٠٥ ]
من بعده، وفي هذا تطبيق دقيق لقول النبي ﷺ: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وبهذا يكون الشعراني قد تأدب بأدب النبوة حيث آثر أن ينقل ما وصل إليه من علم النبوة إلى من يتلقاه عنه، ليتصرف فيه بفهمه وإدراكه، أو يسأل عنه أهل الذكر إن شاء ذلك، فهو وإن لم يكن سمع الحديث من النبي ﷺ فإن أمرنا جميعًا وأمره وأمر غيره من المحدثين أن يكون ممن يطبق هذا الحديث معنى وفقهًا لا لفظًا وحرفًا، فإن الغاية من ورائه أن يسارع العلماء إلى نقل السنة، وأن يبادروا بحملها إلى المسلمين.
وأبرز ما في هذا الإمام من الأدب أنه ترك أمرين بارزين تقحم فيهما كثير من العلماء والفقهاء هما: التأويل والحكم بالنسخ؛ لأن واحدًا منهما لا يخلو من إظهار شخصية حيال الأحاديث النبوية، فقد أدى به ورعه وأدبه مع الرسول ﷺ ألا يحمل عهدة ذلك؛ لأن المتعرض له قل أن يخلو من أن يكون عرضة للخطأ والمسئولية، وإن كان الخطأ في مثل ذلك مغفورًا، إلا أنه أخذ بالعزيمة فيه، وترك تلك الرخصة لمن عمل بها أو أراد أن يعمل بها، ولكل وجهته، وجزى الله الجميع خير الجزاء.
وأهم ما في الموضوع أن الشعراني قد استطاع أن ينقل إلينا سفرًا جليلًا في جميع ما تناوله من أبواب لا تحويها الأسفار العظيمة لولا تصرفه الذي أغنانا به عن عناء الطلب الطويل الكثير.
ونحن لا نستطيع أن نجزم -محاباة منا للمؤلف- بأن جميع أحاديث كتابه صحيحة، ولكنا نقول: إنه اجتهد في هذه الناحية وحمل مسئوليتها وحملنا معه تلك المسئولية بعرض ما نقل فيه من كتب السنة التي تروي الصحاح، وأن جميع أحاديث الكتاب أدلة فقهية للمجتهدين الذين تجل ساحتهم -وهم مسئولون عن أدلة الأحكام- أن يكون من بينها حديث ضعيف.
ومهما يكن من أمر فإننا -بعرض هذا الكتاب ودراسته وتصويره- نكون قد عرضنا لونًا من ألوان التأليف في أحاديث الأحكام، في ختام هذا العصر الذي نحن بصدد دراسته، وهو لون لا نعلم أن غيره شاركه فيه، سواء أكان مبرأ من العيوب أو لم يكن كذلك.
ثم إن مؤلفه ﵀ لم يقصره على ذكر الأبواب المعهودة في كتب الفقه خاصة، بل إنه -باتجاهه الصوفي- أخلص النصيحة للأمة، واجتهد أن يكون بهذا الكتاب الشخصية المسلمة الكاملة التي تسير على جادة الإسلام، وهديه القويم الأكرم، وبذلك يمثل المسلمون -إذا انتهجوا نهجه- سيرة السلف الصالح على بينة واتجاه سليم، وقد نص على ذلك في مقدمة كتابه فقال: أولًا١ إنه أخذ جميع ما يتعلق بأمر أو نهي أو مكارم أخلاق من الأحاديث والآثار، وعرض ثانيًا٢ لتفصيل ما أورده خارجًا عن أبواب الفقه المتعارفة وحدد مواضعه المتفرقة، فقال: إنه ختم ربع
_________________
(١) ١ ص٥ ج١ كشف الغمة. ٢ ص٧ ج١ وما بعدها من نفس المصدر.
[ ٢٠٦ ]
العبادات١ بباب جامع لفضائل الذكر بجميع أنواعه مطلقًا ومقيدًا، وما جاء في فضل الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ، وختم باب الجهاد بخاتمة لخص فيها سيرة النبي ﷺ من ولادته إلى رسالته إلى وفاته، وختم أبواب فقه الكتاب بباب جامع لجملة من أخلاقه ﷺ، ولجملة من هديه في أنواع مخصوصة -وإن كان ذلك مفرقًا في أبواب الكتاب- وأتبع هذه الأخلاق بذكر ما جاء في حقوق الوالدين وصلة الرحم وستر عورات المسلمين، وما إلى ذلك من أبواب الدين التي ذكر منها الشيء الكثير، ثم أورد أنه ذكر الموت وأحوال الموتى وعذاب البرزخ ونعيمه، وما جاء في الحشر والنشر والحساب والميزان والصراط، وغير ذلك من مواقف القيامة وعدتها خمسون موقفا كل موقف للعاصي ألف سنة.
وما جاء في صفة الجنة والنار وذبح الموت بينهما، ثم قال: وأكرم به من كتاب احتوى على مقاصد الشريعة كلها مع عذوبة لفظه وحلاوته، وكيف لا يكون ذلك وهو كلام سيد المرسلين ﷺ، ومن نظر فيه علم يقينًا أن الشريعة لا تضييق فيها، ولا حرج على أحد من المسلمين، ولزم الأدب مع الله ومع رسول الله ﷺ، وأشفق على الأمة المحمدية، ولم يأمر أحدًا بشيء لم تصرح به الشريعة المطهرة إلا إن أجمع عليه، فإن في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم من شق على أمتي فأشقق اللهم عليه"، ولا أحد أشق على الأمة من فقيه يحجر عليهم، ويحكم ببطلان عباداتهم ومعاملاتهم، وتطليق نسائهم، وسفك دمائهم، ويحكم بكفرهم بأمور ولَّدها بعقله ورأيه، ولم يأت بما صريحًا من كتاب ولا سنة، حتى تضيق الدنيا على العاصي منهم، فمن فعل ذلك معهم فقد دخل في دعائه ﷺ بأن الله يشق عليه، نسأل الله العافية.
ومؤلف هذا الكتاب -في أدب وتواضع- يقول: إنني أشكر الله ﷿ أن وفقني لعرض هذا الكتاب المختبئ، وهو كتاب جامع لكل هذه الأغراض التي قلما اجتمعت لمثله في استيعابها وإيجازها، ونبهت إليه كثرة من القراء الذين تتشوف نفوسهم إلى التضلع من الشريعة الإسلامية في أوجز وقت وأقربه، ينتفعون به في فقه الدين، ويستفيدون منه في معرفة السنة، وفي جميع أبواب السير والسلوك، مع الاطمئنان إلى ما فيه من المعلومات، والتأثر بروحه الطيب في الاستنارة بالهدي النبوي الكريم، فهو مادة جليلة لكل مسلم من الخواص والعوام، وهو بهذا جدير أن يعلم في المساجد والمدارس إن لم يكن كله فليكن بالقدر الذي يلزم المسلم في أعمال اليوم والليلة منه، والذي تدعو إليه ضرورة فوق ضرورة الطعام والشراب، والذي له أثر في إصلاح تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله.
على أنه في تناوله للأحكام الفقهية الأخرى من المعاملات -كالبيع والشراء والإجارة وغيرها- يعرضها عرضًا نديًا يحفز النفوس إلى العودة إلى ذلك الهدي النبوي الكريم، كأنها تعيش فيه، مما يكفل للأمة الإسلامية أن تحيا في تكافل يؤلف النفوس ويجمعها على الحب والخير.
_________________
(١) ١ ص٧ ج١ كشف الغمة.
[ ٢٠٧ ]
ويا حبذا لو عرف أئمة المساجد والخطباء والوعاظ هذا الكتاب الذي يملأ نفوسهم وعقولهم بالمعارف الإسلامية الصحيحة، بدل تلك التي يلجأ إليها بعضهم من كتب خاصة بمجالس الوعظ: كتذكرة القرطبي وغالية المواعظ، وغيرها من الكتب التي تجمع الصحيح والمنكر، والتي تغري بعضهم بما فيه من ترغيب أو ترهيب أن ينقلها إلى الناس نقلًا لا يليق بخواص الأمة، ومن يحملون عبء دعوة الناس إلى الدين الصحيح.
وإن من واجب أساتذة الكليات التي تدرس فيها علوم الشريعة أن يلفتوا أنظار طلابهم إلى ذلك الكتاب، لينهلوا من معينة الصافي، ولينتفعوا به في مواقفهم الإسلامية المختلفة، فإن ظروف الحياة، ووضعهم الديني والاجتماعي فيها يلجئهم إلى أن يخوضوا في أمور دينية ذات شأن عظيم، تستدعي أن يكون لديهم حصيلة نقية صافية من علوم الدين التي يسر تناولها هذا الكتاب في استيعاب وسهولة عرض، وتخير للأحاديث، واطمئنان إلى سلامتها، خروجًا من عهدة التدليس أو الكذب على رسول الله ﷺ، ونسأل الله التوفيق.
وإذا كنا قد تعودنا أن نصف كل مؤلف من الكتب التي مرت بنا، فإنه كان يسعنا أن نكتفي بما وصف به هذا الإمام كتابه -وهو أدرى به- غير أننا نرى أن نضع يد القارئ على بعض صفات سنحت لنا في هذا الكتاب، وقد يكون بعضها مما أشار إليه المؤلف إشارة عابرة في أثناء تصوير منهجه، ومن بين هذه الصفات.
١- الاستطراد:
ولسنا نعني بالاستطراد ما يدعو إليه الحديث فيدخل بعضه في بعض لمناسبة تدعو إليه، ولكننا نعني أنه يقحم بعض مسائل بعنوان معين ربما يرى أن بينه وبين ما قبله ارتباطًا يدعو لأن يتناوله بشيء من الشرح والإيضاح، وذلك كموضوع التوبة١ الذي ألحقه بكتاب الإيمان ومباحثه التي أوردها، ثم تطرق في هذا الباب إلى إيراد عدة آثار لبعض الصحابة والتابعين كعبد الله بن عمر من الصحابة وعكرمة من التابعين وقد أورد له أثرين.
ومن ذلك أنه أورد عنوانًا لبيان سنن الوضوء٢ وكان مقتضى عرضه على منهجه أن يورد الأحاديث النبوية ويترك للقارئ الاستدلال، ولكنه في هذا المقام يبدأ بذكر الحكم ثم يورد الدليل عليه فيقول: أمهات السنن المؤكدة عشر ويورد الدليل، ثم يقول: الثانية غسل اليدين ويورد الدليل، والثالثة الاستنثار والمضمضة والاستنشاق٣ ثم يورد الدليل.
ومن ذلك أنه في صفحة ٢٦٨ ج١ ذكر مع العنوان "كتاب الأطعمة" أن الأصل في الأعيان والأشياء الإباحة فأبدى رأيه في الحكم قبل أن يعرض الدليل عليه، وهي الأحاديث التي من بينها: "اتركوني ما تركتكم" وما يشبهه.
_________________
(١) ١ ص٣٠ ج١ كشف الغمة. ٢ ص٥٢ ج١ كشف الغمة. ٣ يلاحظ أنه اعتبر هذه الثلاثة سنة واحدة ولم يراع فيها الترتيب.
[ ٢٠٨ ]
ومن ذلك أنه أكثر من ذكر الآثار والأخبار عند حديثه عن تكبير العيد، وقد كان يمكن الاجتزاء بقليل مما أورده لبيان الحكم الشرعي.
ومن ذلك أيضًا أنه عند بيانه لما يحل ويحرم من اللباس١ أطال في ذكر ذلك حتى إنه ذكر أحوال آدم وحواء في اللبس، وفي نسخة وغزله للباس، وفي حلة تميم الداري التي اشتراها بألف درهم لليلة التي يرجو أنها ليلة القدر فقط.
ومن ذلك أنه ألحق بموضوع الأشربة وآداب الأكل والشرب وما يتصل به كتابًا٢ أورد فيه كثيرًا من صور الطب النبوي، والإرشادات فيه من رسول الله ﷺ، وليس في ذلك أحكام شرعية، وكتب فيه نحوا من ثماني صفحات.
ومن ذلك أنه تعجل -قبل أن يدرس موضوع النكاح والهدي النبوي فيه- بذكر ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ سواء أكان اختص به في ذاته في الدنيا، أو في شرعه وأمته في الدنيا، أو في ذاته في الآخرة، أو في أمته أيضًا في الآخرة، أو كان من الواجبات التي هي تخفيف على غيره كصلاة الضحى والوتر والتهجد ولم يكن هذا الموضوع ليحتاج إلى أكثر من خصائصه ﷺ في النكاح على ألا يكون سابقًا عليه، وقد قال في نهاية ما كتب: كما ثبت هذا من خط شيخنا خاتمة الحفاظ الشيخ جلال الدين السيوطي التي تتبعها مدة عشرين سنة.
٢- الإكثار من ذكر الآثار، وهو شيء يطول بيانه، إلا أننا نكتفي بإيراد أمثلة منه، فقد أورد عن واثلة بن الأسقع٤ أنه كان يقول: لا بأس بالحديث قدمت فيه أو أخرت إذا أصبت معناه.
ومنها ما نقله في مجاز الإيمان٥ لعمار بن ياسر أنه كان يقول: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان إلخ، وعن علي بن أبي طالب كان يقول: الإسلام ثلاث خصال، وأحيانًا كان يروي هذه الآثار باسم السلف أو الصحابة فيعطيها صورة قوية تؤكد الاستدلال بها مثل قوله٦: كان السلف لا يرون بأسًا بطهارة البصاق، ومثل قوله٧: قال عكرمة: كانت الصحابة ﵃ يغشون أزواجهم وهن مستحاضات، وقوله٨: كانت الصحابة لا يصلون لمثل الزلازل، وكقوله٩: كانت الصحابة ﵃ يستسقون لنواحي الأرض، وكقوله في معاملة العبيد١٠: كانت الصحابة ﵃ يرسلون عبيدهم في تجارتهم إلخ، ومن الطريف أنه لم يذكر تحت هذا العنوان "معاملة العبيد" إلا هذا الأثر، ولكنه أكده بحديث سبق
_________________
(١) ١ ص١٧١ كشف الغمة. ٢ ص ٢٨٥ ج١ كشف الغمة. ٣ ص٢ ج٢ إلى ص١٣ كشف الغمة. ٤ ص١٩ ج١ كشف الغمة. ٥ ص٢٥ ج١ كشف الغمة. ٦ ص٣٧ ج١ كشف الغمة. ٧ ص٧٦ ج١ كشف الغمة. ٨ ص١٧٧ج١ كشف الغمة. ٩ ص١٧٨ ج١ كشف الغمة. ١٠ ص٣٢٣ ج١ كشف الغمة
[ ٢٠٩ ]
له في البيع، وقد يكون ذلك اختلاف عبارة لا اختلاف فقه، كما جاء فيمن سأل كلا من ابن عباس وابن عمر في حكم من نذر أن ينحر نفسه إن نجاه الله١.
٣- كثيرًا ما ينقل عن شيخه بعض الأقوال ولكنه لا يعين هذا الشيخ.
ومن ذلك قوله٢: قال شيخنا: لم يبلغنا عن رسول الله ﷺ شيء في كراهية استقبال القبلة حال الجماع، ونقل عن شيخه٣ في شأن التسليم الذي كان يفعله المؤذنون بأنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين، وإنما كان في أيام الروافض بمصر تسليمًا على الخليفة ووزرائه، وأن صلاح الدين أبطل هذه البدعة، وأمر المؤذنين بالصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ بدل تلك البدعة.
ومن ذلك قوله٤: قال شيخنا: وشذ من قال بوجوب النية "في الصوم" بعد صلاة العشاء.
٤- أحيانًا يورد استنتاجًا يضيفه إلى غيره مثل قوله٥: قال العلماء: وفي الحديث دليل على طهارة بول ما أكل لحمه، تعليقًا على قول إبراهيم النخعي: كانوا يستشفون بأبوال الإبل ولا يرون به بأسًا، ولعله اعتبره حديثًا بناء على وقوعه بعد حديث عرينة الذي أمرهم النبي ﷺ فيه أن يشربوا من أبوال الإبل.
٥- أحيانًا يذكر عنوانًا دقيقًا يحتاج إلى تأمل في الربط بينه وبين الحديث، فقد عقد -في الإيمان-٦ فصلا فيمن حلف لا يهدي هدية فتصدق، وأورد حديثًا يدل على أن النبي ﷺ: كان يسأل عما يأتيه من الطعام أحيانًا فيقول: "أهدية أم صدقة؟ " فإن قيل: صدقة لم يأكل منه. وليس في هذا الحديث تعرض للحلف، وإنما يدل على أن الهدية مغايرة للصدقة.
٦- يورد أحكامًا تشتمل على بعض الغرابة ويضع لها عنوانًا مثل قوله: فصل في صلاة التوبة٧، وذكر حديثًا يدل على ذلك، كما أنه ينقل عن بعض الصحابة أحكامًا٨ فيها شيء من الغرابة كقوله: كان عمر يقول: من مس إبطه أو نقى أنفه أو مس أنثييه فليتوضأ، وكان علي إذا مس صليبًا على نصراني يذهب فيتوضأ من مسه ويقول: إنه رجس، وكثيرًا ما كان يتوضأ من مس الأبرص واليهودي، وكما يروى عن أبي هريرة قوله: من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليتوضأ، وكان أيضًا يقول: من تجشأ فملأ فمه فليعد الوضوء.
٧- يذكر من كلام الرسول ﷺ ما يدل على قاعدة أصولية٩ وهي قوله ﷺ: "كلامي لا ينسخ كلام الله " إلخ، وأحيانًا يذكر في النسخ الذي تورع
_________________
(١) ١ ص١٧٦ ج١ كشف الغمة. ٢ ص٦٣ ج١ كشف الغمة. ٣ ص٨٧ ج١ كشف الغمة. ٤ ص٢٢٠ ج١ كشف الغمة. ٥ ص٣٧ ج١ كشف الغمة. ٦ ص١٧٢ ج٢ كشف الغمة. ٧ ص١٣٣ ج١ كشف الغمة. ٨ ص٥٧ ج١ كشف الغمة. ٩ ص٢٨ ج١ كشف الغمة.
[ ٢١٠ ]
من الإقدام عليه ما روي فيه عن بعض الصحابة كما يقول١: قال جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار. وأحيانًا يضيف إلى النبي ﷺ بما يدل على النسخ صراحة كقوله٢: إن النبي ﷺ كان أحيانًا يكسوهم من الخز ثم نهى بعد ذلك عن لبسه.
٨- يكثر من العناوين الفرعية التي لا يندرج تحتها كثير من الأحاديث٣؛ لأن في ذكر العنوان تنبيهًا إلى الحكم، فيتعرف عليه السامع من السنة ويستقر في نفسه، فقد عقد فصلًا للاستمناء ولم يذكر فيه إلا أثرين عن ابن عباس٤، كما ذكر عدة عناوين أخرى ليلفت إلى موضوعاتها الأنظار مثل: إجابة الداعي، وما يصنع إذا اجتمع الداعيان، وإجابة من قال لصاحبه: ادع من لقيت، ومن دعي فاستعفى لعذر، ومن دعي فرأى منكرًا، وطعام المتباهين، والنثار في العرس، وحجة من كره النثار، وإجابة دعوة الختان، وقد رأينا مثل ذلك لأبي داود في سننه.
٩- لا يراعي الدقة في الترتيب وربط بعض الموضوعات ببعض، فقد ذكر آداب النوم والانتباه عقب التوبة التي جعلها ذيلًا للإيمان وما يتصل به٥، ولو أنه ذكر التوبة في أخريات أبواب الكتاب لكان أشبه، ولو أنه ألحق آداب النوم وأذكاره بموضوعات الذكر التي يوردها فيما بعد لكان أقرب، كما ذكر حديث الأعمال بالنيات الذي يعنى به المحدثون ويجعلونه رأسًا سابقًا على كل ما يتكلمون فيه من السنة، فجعله المصنف ذيلًا لبعض أبواب الطهارة٦، ثم ذكره في صدر باب التيمم٧، ولهذا نظائر كثيرة في الكتاب، وقد يكون ذلك أثرًا لغلبة الاستطراد التي أشرنا إليها، والاستطراد أثر لذكر الشيء بالشيء وإن لم يكن على مقتضى الترتيب الطبيعي.
١٠- يفسر بعض الألفاظ النبوية -أحيانًا- وكأنه يفعل ذلك ليبحث تفسيره، ويوفق بينه وبين التفسيرات الأخرى، ونذكر من ذلك على سبيل المثال أنه فسر البردة الواقعة في حديث، "أصل كل داء البردة" بأنها بمعنى الهواء الذي يلفح الجسد٨ ووفق بين ذلك وبين قول الأطباء: إنها إدخال الطعام على الطعام.
١١- انفرد من بين كتب الأحكام بإيراد سيرة النبي ﷺ من مولده إلى وفاته موجزة مركزة في نحو عشرين صفحة عقب كتاب الجهاد٩.
١٢- وهناك ظاهرة غريبة لم تعهد في كتب الأحكام، بل نستطيع أن نقول: إنها لم ترد فيما نعرف من كتب السنة، تلك هي التزكيات التي أوردها المؤلف من الفقهاء والمحدثين المعاصرين
_________________
(١) ١ ص٦٠ ج١ كشف الغمة. ٢ ص١٧٢ ج١ كشف الغمة. ٣ ص٣٨ ج٢ كشف الغمة وانظر ص١٧٢ ج٢ وص١٨٦ ج٢ يتجلى لك هذا الأمر. ٤ ص٤٤ ج٢ كشف الغمة. ٥ ص٣٠، ٣١ ج١ كشف الغمة. ٦ ص٤٨ ج١ كشف الغمة. ٧ ص٦٩ ج١ كشف الغمة. ٨ ص٢٨٧ ج١ كشف الغمة. ٩ ص١٤٩ ج٢ كشف الغمة.
[ ٢١١ ]
في ذيل الكتاب١ وسماها إجازات، ليزيد القارئ بها طمأنينة تدفعه إلى الانتفاع بما في هذا الكتاب من فوائد حديثية، وهذه الإجازات من كل من الأئمة شهاب الدين أحمد بن حمزة الرملي الشافعي المتوفى سنة ٩٥٧هـ، ونور الدين علي بن يس الطرابلسي الحنفي المتوفى سنة ٩٤٢هـ وأحمد بن يونس الحنفي الشهير بابن شلبي المتوفى سنة ٩٤٧هـ، ومحمد بن سالم الطبلاوي الشافعي المتوفى سنة ٩٦٦هـ، وشهاب الدين أحمد البرلسي الشافعي المتوفى سنة ٩٥٧هـ.
ونكتفي بهذا القدر في بيان المكانة العلمية والحديثة لهذا الكتاب، عسى أن تتجه إليه أنظار المسلمين من الخاصة والعامة، فإنه من أنفس ما ألف في كتاب الدين، وأغزرها فائدة، وأعجلها بتحصيل المقصود لكل عالم وطالب.
غير أنه يحتاج إلى كثير من الدقة في تحقيق ما ورد به من آثار، وتخريجها، وتمييز المقبول منها من غيره، فإن أحاديث الأحكام ينبغي أن تكون في مرتبة تجعلها صالحة للاحتجاج، ولا ينبغي أن يكون من بينها ما ليس بصالح، ونسأل الله التوفيق.
_________________
(١) ١ ص٢٥٥ ج٢ كشف الغمة.
[ ٢١٢ ]
خاتمة الفصل الأول:
والآن، وبعد أن استعرضنا نماذج من كتب أحاديث الأحكام، بدأناها بموطأ الإمام مالك، وختمناها بكشف الغمة عن جميع الأمة للإمام الشعراني، ورأينا كيف كانت محاولة الإمام مالك لجمع أحاديث الأحكام، والآثار التي وردت بشأنها، وكان لهذه المحاولة قيمتها وأثرها، باعتبار قربها من المنابع الأصيلة لتعاليم الإسلام زمانًا ومكانًا، فقد عاش صاحبها في مدينة رسول الله ﷺ، وعاصر كثيرًا من التابعين وأتباعهم، وكانت تعاليم الإسلام لا تزال غضة، وأهل العصر ما يزالون متمسكين بعهد النبي ﷺ، ومترسمين لنهجه وخطاه، ولم تكن الفرق قد نشأت بعد، ولا الأعاجم قد اختلطوا بالعرب والمسلمين ذلك الاختلاط الذي أثر فيهم، فكان الموطأ جامعًا لما تفرق من الآثار الواردة في الأحكام، يحدو مؤلفه الإخلاص للسنة، والنصح للأمة.
ثم جاء أبو داود، وأدرك عصر الرواية، وتيسر له من الرسائل ما لم يتيسر لسلفه الإمام مالك، فجمع كثيرًا من الآثار، وحشد كل نوع منها في كتاب أو باب، وأعانة على ذلك وجوده في عصر الرواية، واعتماد الناس آنذاك في أمور دينهم على الإسناد، ولم يكن أبو داود يتدخل بشرح كلمة في الحديث إلا على ندرة، وبذلك يمكن أن نعتبر أبا داود جامعًا لنصوص الأحكام، مستوعبًا لما ورد بشأنها من الحديث والأثر أو يكاد.
ولم يكد يمضي القرن الثالث الهجري حتى جاء الإمام الطحاوي، وكانت السنة قد جمعت على أيدي الأئمة الأعلام: فقد سبقه لذلك أبو داود، وسبقه إماما الحديث البخاري ومسلم، وسبقه أئمة الفقه الأعلام: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، ومن قبل هؤلاء الإمام مالك، والحركة الفكرية في الجمع والتصنيف والتدوين ما تزال على أشدها، فأعانه ذلك -بعد جمعه لأحاديث الأحكام- على إبراز شخصيته محدثًا وفقيهًا، وشارحًا للآثار، وموفقًا بين ما يبدو فيها من تضارب، ومنتصرًا لمذهبه الذي اختاره، ومرجحًا لأدلته على أدلة غيره، فجاء كتابه "شرح معاني الآثار" كتاب حديث وفقه، أو على الأصح نستطيع أن نقول: إنه قد برز للوجود أول كتاب في فقه السنة متمثلًا في كتاب الطحاوي شرح معاني الآثار.
ثم جاء من بعد الطحاوي من رأى حذف السند اختصارًا، معتمدًا على ما استقاه من الصحيحين من أحاديث الأحكام، وكان ذلك أظهر ما يكون في كتاب المقدسي عمدة الأحكام، فكان اختصارًا للأدلة، واختيارًا لأقواها درجة وأصحها إسنادًا، ومن أجل ذلك كان قاصرًا لم يستوعب كثيرًا من الأدلة، تبعًا لاقتصاره على ما أورده الشيخان من أحاديث الأحكام، ومن ثم دعت الحاجة إلى شرحه وبيان ما فيه، وتدعيمه بما تيسر من الأدلة التي عزبت عنه، فكان شرح ابن دقيق العيد المسمى بإحكام الأحكام، وكتابه الآخر الذي سماه بالإلمام.
[ ٢١٣ ]
وجاء بعد المقدسي من تدارك مسلكه، وتوسع في المراجع التي يأخذ عنها الأحاديث؛ فكان الإمام مجد الدين بن تيمية في كتابه منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، ولم يكن كسلفه المقدسي في اقتصاره على الأخذ من الصحيحين، وإنما أخذ منها كما أخذ من غيرها من كتب الأصول المعتمدة في الحديث، ومن بين هذه الكتب التي أخذ منها مسند الإمام أحمد بن حنبل، وجامع أبي عيسى الترمذي، وكتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي، وكتاب السنن لأبي داود السجستاني، وكتاب السنن لابن ماجه القزويني، فجاء كتابه المنتقى أوسع دائرة فيما ألف مختصرًا من أحاديث الأحكام بعد عصر الرواية -كما سبق أن ذكرناه- وكان لذلك من أهم المراجع، لولا انصراف مؤلفه إلى إيراد هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث عن تقويمها وبيان درجتها، مما جعل كثيرا ممن جاء بعده يعنى أكبر العناية ببيان درجة الحديث والكلام على رجاله، وعلى رأس هؤلاء الحافظ العراقي، فكان كتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد كما وصفه مؤلفه: بأنه مختصر في أسانيد الأحكام، متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، حتى لا يقع في نقيصة نقل العلم بدون إسناده.
ومن بعد هؤلاء جميعًا جاء الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام الذي عبر عنه: بأنه مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وذكر عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة؛ لإرادته نصح الأمة، وقد اختار ابن حجر نخبة من الأحاديث، واتجه في أكثر ما اختاره إلى ما بنى عليه الإمام الشافعي مذهبه، وراعى في اختيارها أن تكون من بين ما هو صحيح أو حسن، وأن تكون صالحة للاحتجاج، فإن أورد ما هو أدنى من ذلك درجة فإنما يورده كشاهد أو تابع، أو مشتمل على زيادة ليست في غيره مما استوفى شروط القبول.
وأخيرًا كان الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن جميع الأمة، وهو كما قلنا كتاب يتناول أحاديث الأحكام، ويعرضها عرضًا نديًا يحفز النفوس إلى العودة إلى هدي النبي الكريم، وهو في هذا جامع لما تفرق، مستوعب في إيجاز، يفيد من تشوفت نفسه إلى التضلع من علوم الشريعة الإسلامية في أوجز وقت وأقربه، فهو مادة جليلة لكل مسلم، ينتفع به الخاص والعام.
ونرجو أن نكون -فيما عرضناه من نماذج لكتب أحاديث الأحكام- قد وفقنا إلى إعطاء القارئ الكريم صورة صادقة لما كان عليه التأليف في السنة في تلك العصور، وما كان عليه سلفنا الصالح من بذل الجهد في سبيل تقريب السنة إلى الدارسين، وتقديمها خالصة من الوشائب، ينتفع بها من أراد الخير لنفسه ولأمته في دينه ودنياه، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل
[ ٢١٤ ]
الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب
مدخل
الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب
تمهيد:
من الأنواع التي تناولها المحدثون بالتأليف، وأفردوا لها كتبًا بعينها، أوردوا فيها من الأحاديث ما يوجد الرغبة في عمل الخير ببيان ما يترتب عليه من ثواب أو أجر، وما ينفر من عمل الشر ببيان ما يترتب عليه من عقاب أو وزر -كتب الترغيب والترهيب.
وليس معنى احتواء هذه الكتب على ما يرغب في الخير أو ينفر من الشر أنه لا يستدل بشيء من أحاديثها على الأحكام الشرعية، وإنما الهدف المقصود من جمع هذه الأحاديث في كتب بعينها أن تتربى على موائدها النفوس الكريمة، فتندفع بها إلى الخير طمعًا في ثواب الله، وتنأى عن الشر خوفًا من عقابه تعالى، على أنه قد يستفاد من بعض هذه الأحاديث الحكم على بعض أفعال المكلفين بالوجوب أو الندب أو الحرمة أو الكراهة.
فمثل حديث: "لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له" ١ المقصود به أولًا الترغيب في كل من الصلاة والوضوء والتنفير من تركهما، ولكنه مع هذا لا يمكن إخلاؤه من الدلالة على أن الصلاة فرض، وأن تركها محظور، وأن الوضوء شرط في صحتها، وكذلك مثل حديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد" ٢ فإنه ترغيب في الأمانة والصلاة، وتشديد في الحث على فعل كل منهما، والتخويف من تركهما، ولكنه -مع هذا- واضح الدلالة على وجوب الأمانة وحرمة تركها، وعلى وجوب الصلاة وحرمة تركها كذلك.
فالمقصود -كما بينا- من إيراد أمثال هذه الأحاديث في تلك الكتب إنما هو الحث على الفعل، والتحذير من الترك، وليس فيه مجرد بيان الحكم أو إقامة الدليل كما هو الشأن في الكتب الموضوعة لبيان أدلة الأحكام من السنة المطهرة.
وبعد: فإنه يتضح من هذه المقدمة الموجزة أن الترغيب والترهيب يحتلان مكانة ممتازة في التربية الإسلامية على وجهها الصحيح، بحيث يسهل بها قيادة النفوس لتحقيق الأحكام الشرعية على أكمل الوجوه، ويتم عمران الحياة بدفع كل مكلف إلى الخير وكفه عن الشر، فإذا تم ذلك أخذت الأحكام الشرعية التي تتمثل في كتب الأحكام مكانها، وطبقت على أحسن الوجوه وأكملها ومن هنا كان التصوف المستمد من هذه الأحاديث خير مصلح للنفوس، وكان الآخذون به على وجهه أقرب الناس لتطبيق أحكام الشرع وعدم تجاوزها، فمهمة كتب الترغيب والترهيب خطيرة، ومهمة الداعين بها في معالجة النفوس وتقويمها من أدق المهام وأشقها بغير جدال.
_________________
(١) ١ الترغيب والترهيب ج١ ص٣٨٠ أخرجه البزار بسنده إلى أبي هريرة. ٢ الترغيب والترهيب ج١ ص٣٨١ أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير.
[ ٢١٧ ]
من أجل هذا عني علماء السنة قديمًا وحديثًا بجمع أحاديث الترغيب والترهيب وإفرادها في مؤلفات، فمنهم من جمع بين أحاديث الترغيب والترهيب في كتاب، ومنهم من أفرد كلا منهما على حدة، ومن النوع الأول كتاب الترغيب والترهيب للمنذري -وسنتناوله بالدراسة بعون الله- ومن النوع الثاني ترغيبًا كتاب أخلاق النبي ﷺ وآدابه لأبي الشيخ، وترهيبًا كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي، وسوف نفسح لدراسته مكانًا في هذا الكتاب بإذن الله.
ومن بين من ألفوا في الترغيب والترهيب من علماء الحديث من سنذكرهم مع بيان كتبهم على ترتيب سني وفاتهم على النحو التالي:
١- كتاب الزهد، وكتاب البر والصلة لأبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي المتوفى عام واحد وثمانين ومائة١.
٢- كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين٢.
٣- كتاب الزهد لأبي السري "هناد بن السري" بن مصعب التميمي الدارمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين٣.
٤- كتاب الترغيب والترهيب، كتاب الأهوال، كتاب فضائل الأعمال، وكتاب الآداب النبوية لحميد بن زنجويه أبو أحمد النسائي الحافظ المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين للهجرة٤.
٥- كتاب الشمائل للترمذي محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين للهجرة٥.
٦- كتب ابن أبي الدنيا أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس المعروف بابن أبي الدنيا، والمتوفى سنة إحدى وثمانين ومائتين، وله في هذا النوع كتب كثيرة ذكرها صاحبا الرسالة المستطرفة وهدية العارفين٦.
٧- ذم الغيبة لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله الحربي المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين٧.
٨- نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة لأبي بكر أحمد بن مروان بن محمد الدينوري المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين، كما ذكره صاحب هدية العارفين أو سنة ثمان وتسعين ومائتين، كما ذكره صاحب الرسالة٨.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص٣٧، ٣٩ وشذرات الذهب ج١ ص٢٩٥ وهدية العارفين ج٥ ص٤٣٨. ٢ الرسالة المستطفرة ص١٤، ٣٩، شذرات الذهب ج٢ ص٩٦. ٣ الرسالة المستطرفة ص٣٩، وشذرات الذهب ج٢ ص١٠٤. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٢٤، والرسالة المستطرفة ص٤٣، وكشف الظنون ج١ ص٤٠١. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص١٧٤ وذيل كشف الظنون ج٤ ص٥٤. ٦ الرسالة المستطرفة ص٣٤ و٣٨ وهدية العارفين ص ٤٤١ ج٥. ٧ الرسالة المستطرفة ص٣٩، وهدية العارفين ج٥ ص٤ وشذرات الذهب ج٢ ص١٩٠. ٨ الرسالة المستطرفة ص٤١، وهدية العارفين ج٥ ص٥٥.
[ ٢١٨ ]
٩- كتب: الشكر، واعتلال القلوب، ومساوئ الأخلاق، ومكارم الأخلاق. كلها لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة١.
١٠- كتاب أدب النفوس لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة٢.
١١- كتاب الأخلاق للطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة٣.
١٢- كتب: أخلاق النبي ﷺ وآدابه، والأدب، وثواب الأعمال، والتوبيخ، كلها لأبي محمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ المتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة٤.
١٣- كتاب الأخلاق لأحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن فرج بن لال أبي بكر الشافعي المتوفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة٥.
١٤- كتاب الفتوة وأدب الصحبة كلاهما لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى السلمي المتوفى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة٦.
١٥- الترغيب في الفروع "وهو يتضمن فروعًا بأدلتها" للإمام أبي بكر فخر الإسلام محمد بن القفال الشاشي الشافعي المتوفى سنة سبع وخمسمائة٧.
١٦- الأنوار في شمائل النبي المختار لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ست عشرة وخمسمائة٨.
١٧- الترغيب والترهيب لقوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة٩.
١٨- الترغيب والترهيب لأبي موسى المديني محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الحافظ المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة١٠.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص٣٨ وهدية العارفين. ٢ الرسالة المستطرفة ص٣٢ و٤٠ وشذرات الذهب ج٣ ص٣٥. ٣ الرسالة المستطرفة ص٣٩، شذرات الذهب ج٣ ص٣٠. ٤ الرسالة المستطرفة ص٣٩-٤٣، وشذرات الذهب ج٣ ص٦٩. ٥ الرسالة المستطرفة ص٣٩، وهدية العارفين ج٥ ص٦٩. ٦ الرسالة المستطرفة ص٤١، وشذرات الذهب ج٣ ص١٩٦. ٧ الرسالة المستطرفة ص٤٣، وشذرات الذهب ج٤ ص١٠٥، وكشف الظنون ج١ ص٤٠٠. ٨ الرسالة المستطرفة ج٤ ص٤٨ ومقدمة وتحقيق كتاب أخلاق النبي وآدابه لأبي الشيخ ص١١. ٩ شذرات الذهب ج٤ ص١٠٥، وكشف الظنون ج١ ص٤٠٠ والرسالة ص٤٣. ١٠ كشف الظنون ج١ ص٤٠١، وشذرات الذهب ج٤ ص٢٧٣.
[ ٢١٩ ]
١٩- مشكاة الأنوار فيما روي عن الله ﷾ من الأخبار لمحيي الدين بن عربي المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة١.
٢٠- كتاب الترغيب والترهيب للحافظ الكبير الإمام شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة٢ وسنتولى بإذن الله دراسته في هذا الفصل من الكتاب.
٢١- كتاب رياض الصالحين، وكتاب الأذكار محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام النووي الدمشقي المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة٣.
٢٢- الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي المصري المتوفى سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة للهجرة٤. وله دراسة في هذا الكتاب بإذن الله.
٢٣- الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية للإمام محمد عبد الرءوف المناوي المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف للهجرة٥. وسنفرد له دراسة بإذن الله.
٢٤- كتاب الأحاديث القدسية لمؤلفه الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
هذا ما وقفنا عليه من أسماء المؤلفين في الترغيب والترهيب، وما عرفناه من أسماء مؤلفاتهم، نعرضها على القارئ الكريم لتكون الصورة واضحة فيما سبق، وفيما نحن بصدده من الدراسة زمانًا ومكانًا، ولارتباط السابق باللاحق، وبيان فضل المدرسة المصرية التي استفادت -كما يبدو- من بعض المؤلفات التي سبقتها، ثم أنتجت أول كتاب مستوعب في هذا النوع، ذلك هو كتاب الترغيب والترهيب للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، الذي جمع فيه مؤلفه من كتب السنة ما تفرق من أحاديث الترغيب والترهيب، ولشخصيته الحديثية العظيمة وفق توفيقًا كريمًا في جمع هذه الأحاديث وتبويبها بإضافة كل حديث إلى موضعه، وتخريجها في ضبط يدل على قوة استعداد وبالغ دراية، حتى نستطيع أن نقول: إنه لم يأت بعده مؤلف في هذا النوع من الحديث إلا كان دونه في الضبط والاستيعاب، ولعل جميع من كتبوا بعده كانوا عالة عليه في منهجه ودراسته وطريقة عارضه.
فلنبدأ على بركة الله في دراسة هذا الكتاب العظيم، ثم نتبعه ببعض ما ألف بعده في الترغيب والترهيب، والله الموفق، وهو الهادي لأقوم سبيل.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص١٩٠. ٢ حسن المحاضرة ج١ ص٣٥٥ والشذرات ج٥ ص٢٧٧. ٣ شذرات الذهب ج٥ ص٣٥٤. ٤ شذرات الذهب ج٨ ص٣٧٠. ٥ الرسالة المستطرفة ص١٣٨.
[ ٢٢٠ ]
كتاب الترغيب والترهيب:
للحافظ عبد العظيم المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ:
ندرس لهذا الكتاب لأنه يدخل ضمن موضوع دراستنا، فإن مؤلفه حافظ مصر عاصر الفترة التي اتخذناها زمانا لهذه الدراسة، ولأن هذا الكتاب كان مادة أساسية للكتب التي ألفت بعده في الترغيب والترهيب، من أمثال الأذكار للنووي، والمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، والزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر لنور الدين الهيثمي، والإتحافات السنية في الأحاديث القدسية للمناوي. وكذلك الإتحافات السنية للشيخ محمد المدني من علماء الحديث في القرن الثاني عشر الهجري.
وهذا الكتاب من أمثل ما ألف في الترغيب والترهيب إن لم يكن أمثلها جميعًا، ولهذا كان له ولأمثاله اعتبار بين المسلمين، وانتشار بين أوساط العلماء والمتعلمين، وكان مادة خصيبة للدعاة والموجهين.
وقد قسمه المؤلف تقسيمًا لا نرى أحدًا سبقه إليه في بابه، فقد جعله كتبًا عديدة، وأورد تحت كل كتاب أبوابًا كثيرة، اشتمل كل باب منها على عدة أحاديث.
فأفرد كتبًا لكل من العلم والطهارة والصلاة المفروضة ونوافل الصلوات والجمعة والصدقات إلى آخره، وأورد تحت كل كتاب من هذه أبوابًا، وتحت كل باب منها عدة أحاديث، وهكذا سلك في بقية الكتاب.
وبين المؤلف -في خطبة الكتاب- ما حفزه على تأليفه، وهو أنه مبني على طلب بعض ذوي الهمم العالية ممن اتصف بالزهد والإقبال على الله، وأنه أملى -بناء على ذلك- كتابه في الترغيب والترهيب مجردًا عن التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل، فجاء -كما وصفه- صغير الحجم غزير العلم، حاويًا لما تفرق في غيره من الكتب، مقتصرًا فيه على ما ورد صريحًا في الترغيب والترهيب من السنة القولية في أكثر أحاديثه، وأن طريقته أن يروي الحديث، ثم يعزوه إلى من رواه من الأئمة أصحاب الكتب المشهورة، وقد يعزوه إلى بعضها دون بعض طلبًا للاختصار -ولا سيما إذا كان في الصحيحين أو أحدهما- ثم يشير إلى صحة إسناده وحسنه أو ضعفه، إن لم يكن من عزاه إليهم ممن التزم إخراج الصحيح.
وذكر المؤلف أنه إذا كانت هناك علل دقيقة لبعض الأحاديث فإنه لا يذكرها؛ لأنها مما يختص به الجهابذة من النقاد، فاقتضى الاختصار ألا يتعرض لها، وأعانه على ذلك أن من تقدمه من العلماء أساغوا التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب.
وقد أوضح منهجه بما يدل على دقة فاحصة في التخريج وتتبع رواة الحديث، والتنبيه على مرتبة كل حديث، مع تعليل أسباب الضعف إن وجد، وذكر خلاف الأئمة في بيان المرتبة إن وجد أيضًا.
[ ٢٢١ ]
وأن المختلف فيهم من الرواة قد أورد -في آخر الكتاب- أسماءهم مرتبة على حروف المعجم، وذكر ما قيل في كل منهم من جرح وتعديل على سبيل الاختصار، وقد يكتفي بذكر أنه مختلف فيه فقط دون استقصاء سبب الاختلاف.
وأورد أنه إذا كان في الإسناد متهم بالكذب أو الوضع أو ما إلى ذلك فإنه يصدر الحديث بلفظ "رُوي" ولا يذكر الراوي ولا ما قيل فيه ألبتة.
ثم قال: إنه استوعب جميع ما كان من هذا النوع من:
١- موطأ مالك.
٢- مسند الإمام أحمد.
٣- صحيح البخاري.
٤- صحيح مسلم.
٥- سنن أبي داود.
٦- المراسيل له.
٧- جامع أبي عيسى الترمذي.
٨- سنن النسائي الكبرى.
٩- اليوم والليلة له.
١٠- سنن ابن ماجه.
١١- المعجم الكبير للطبراني.
١٢- المعجم الأوسط له.
١٣- المعجم الصغير له.
١٤- مسند أبي يعلى الموصلي.
١٥- مسند أبي بكر البزار.
١٦- صحيح ابن حبان.
١٧- المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله النيسابوري ﵃ أجمعين.
قال: ولم أترك شيئًا من هذا النوع في الأصول السبعة، إلا ما غلب على فيه ذهول أو نسيان، أو أكون قد ذكرت فيه ما يغني عنه، وقد يكون للحديث دلالتان فأكثر فأذكره في باب ثم لا أعيده، فيتوهم الناظر أني تركته وكذلك لا أترك شيئا من هذا النوع من المسانيد والمعاجم إلا ما غلب علي فيه ذهول أو نسيان، أو يكون ما ذكرت أصح إسنادًا مما تركت، أو يكون ظاهر النكارة جدًّا وقد أجمع على وضعه أو بطلانه١.
ثم بين أنه أضاف إلى ذلك جملًا من الأحاديث معزوة إلى أصولها،
١٨- كصحيح ابن خزيمة.
١٩- وكتاب ابن أبي الدنيا.
٢٠- وشعب الإيمان للبيهقي.
٢١- وكتاب الزهد الكبير له.
٢٢- وكتاب الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني.
وقال: إنه استوعب جميع ما في كتاب أبي القاسم هذا مما لم يكن في الكتب المذكورة وهو قليل، وأنه أضرب عن ذكر ما قيل فيه من الأحاديث المتحققة الوضع، وإذا كان الحديث في الأصول السبعة لا يعزوه إلى غيرها من المسانيد والمعاجم إلا نادرًا طلبًا للاختصار، وقد يعزوه إلى صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم إن لم يكن متنه في الصحيحين.
_________________
(١) ١ الترغيب والترهيب ج١ ص٣٦ وما بعدها.
[ ٢٢٢ ]
وذكر أنه ينبه على كثير مما حضره حال الإملاء، مما تساهل أبو داود ﵀ في السكوت عن تضعيفه، أو الترمذي عن تحسينه، أو ابن حبان والحاكم عن تصحيحه لا انتقادًا عليهم ﵃، بل مقياسًا لمتبصر في نظائرها من هذا الكتاب.
وقال: إن كل حديث عزاه إلى أبي داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما.
هذا هو المنهج الذي أورده المؤلف بنفسه عن كتابه، وهو منهج يطمئن كل قارئ للكتاب أو دارس له على دقة علمية، وأمانة في العرض، واحتياط في النقل إلى أقصى حد، وليس هناك بعد بيان المصادر، ثم الهيمنة عليها بنقد ما يستحق النقد منها على بينة وبصيرة.
فالحافظ المنذري من أئمة هذا الشأن، وخير من يرجع إليهم في تعرف درجات الأحاديث ومنزلة كل منها، وقد أفرغ هذا الإمام -﵀- جعبته صادقًا في العلم، خالصًا مخلصًا في نشره، هذا إلى محاولة الاستيعاب التي مكنت له أن ينقب في هذه الكتب الأصول التي زادت على العشرين، ولكل كتاب منها خطره، ولمؤلفه فحولته، وكل واحد منها يكفي ليكون مرجعًا في أخذ السنة، والارتواء من مناهلها العذبة.
فهو -إذن- كتاب غزير الفوائد، لا نبالغ إذا قلنا: إنه كفاية لكل من رجع إليه في هذا النوع من السنة، وهو الترغيب في صالح الأعمال، والترهيب من سيئها وقبيحها.
والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء، ومبوب -كما قال- على أبواب الفقه، إلا أنه في واقع الأمر قد ذكر قبل أبواب الفقه أنواعًا من الترغيب والترهيب، كالترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة، والترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئًا منه، والترغيب في اتباع الكتاب والسنة، والترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء، والترغيب في البداءة بالخير ليستن به، والترهيب من البداءة بالشر خوفًا من أن يستن به، ثم كتاب العلم وما تحته من عناوين مختلفة: كالترغيب في طلب العلم، وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين، والترغيب في الرحلة في طلب العلم، وما يتصل بذلك.
وبعد ذلك وضع كتابًا للطهارة تحته عدة عناوين، وتحت كل عنوان منها مواضيع مختلفة من الترغيب والترهيب، وفي كل موضوع أحاديث كثيرة تتناسب معه، وصنع مثل ذلك في كتاب الصلاة، ومثله في كتاب النوافل، وكذلك في كتاب الجمعة، ثم أورد كتب الصوم، والعيدين، والأضحية، والحج، والجهاد، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والبيوع، وغيرها، والنكاح وما يتعلق به، واللباس والزينة، والطعام وغيره، والقضاء وغيره، والحدود وغيرها، والبر والصلة وغيرها، والأدب وغيره، والتوبة، والزهد، والجنائز، والبعث، وأهوال يوم القيامة، وصفة الجنة والنار.
وتحت كل كتاب من هذه الكتب موضوعات جمة، وفي كل منها أحاديث تندرج تحت عنوانه.
[ ٢٢٣ ]
ثم ختم الكتاب بباب ذكر الرواة المختلف فيهم، وهم الرواة المشار إليهم في الكتاب ولم يحقق اختلاف علماء الجرح والتعديل في شأنهم، فذكرهم في آخر الكتاب مرتبين على الحروف الهجائية في كل من الأسماء والكنى، وأورد اختلاف العلماء في كل واحد منهم، وهذا أيضًا مظهر من مظاهر الحرص على الدقة في التحري في الحكم على الأحاديث، وبيان مرتبة كل منها، فإذا كان هذا مسلكه في أحاديث الترغيب والترهيب، وهي مما قد يتساهل في شأنها بعض التساهل -فكيف يكون مسلكه في أحاديث العقائد والأحكام لو أنه صنف فيها؟
إن مثل هذا الإمام لجدير أن يفاخر به من علمه ودينه، طيب الله ثراه.
والكتاب بعد هذا -موسوعة خصيبة جامعة، فيها غناء عن غيرها في موضوعاتها، ونخال أن ليس في غيرها غناء عنها، ويقرب ذلك إلى ذهن القارئ أن نبين له أن عدد أحاديث الكتاب قد بلغت في مجموعها سبعة وثمانين وسبعمائة وخمسة آلاف حديث، وأن فيها كثيرًا من المطولات، بحيث يبلغ الحديث الواحد منها صفحة أو يزيد، بل إن في بعضها ما يزيد على الصفحتين، وما أكثر المطولات في الأحاديث الواردة فيه، وهي ظاهرة يتميز بها عما سواه، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
١- في باب الترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة١ أورد حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار " ٢ وساق الحديث بطوله في نحو صفحة من الكتاب.
٢- وفي باب الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئًا منه أورد حديث عقبة بن مسلم رضي الله عنه٣ "حدث أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الثاني فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة. قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس" ثم ساق الحديث بطوله في نحو صفحة أو يزيد.
٣- وفي نفس الباب أورد حديث معاذ رضي الله عنه٤ أن رجلًا قال: "حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا يسكت ثم سكت، ثم قال " وأورد الحديث في نحو صفحتين من صفحات الكتاب.
٤- وفي باب الترهيب من ترك الصلاة تعمدًا، وإخراجها عن وقتها تهاونًا أورد حديث سمرة بن جندب٥ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ " فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وساق حديثه الذي يزيد على الصفحتين.
_________________
(١) ١ الترغيب والترهيب ج١ ص٥١. ٢ رواه البخاري ومسلم. ٣ الترغيب والترهيب ج١ ص٦٢. ٤ الترغيب والترهيب ج١ ص٧٣. ٥ الترغيب والترهيب ج١ ص٣٨٧.
[ ٢٢٤ ]
٥- وفي باب الترغيب في صيام رمضان احتسابًا وقيام ليله أورد حديث ابن عباس١ ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الجنة لتنجد وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان " ثم أورد حديثه الذي يزيد على صفحتين أيضًا.
٦- وفي فصل الحشر وغيره من فصول كتاب البعث وأهوال يوم القيامة أورد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه٢ عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم" وهو حديث يقع في نحو ثلاث صفحات.
٧- وفي فصل زيارة أهل الجنة ربهم ﵎ أورد حديث محمد بن علي بن الحسين٣ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى لو يسخر الراكب الجواد يسير في ظلها لسار فيه مائة عام " وأورد حديثه في نحو ثلاث صفحات.
٨- وأنه في باب الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب٤ أورد حديث كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وأنه لفي نحو سبع صفحات من هذا الكتاب، ولا نطيل بسرد أمثلة لهذا، فإنه في الكتاب كثير.
ومن الظواهر العامة في هذه الكتاب، ومما ينبغي أن ننبه له من مميزاته أن مؤلفه الإمام المنذري كثيرًا ما يشرح الغريب من ألفاظ الحديث الواردة فيه، أو يضبطه، أو يشرح جملة منه فيبين المراد منها، أو يتكلم عن الرواة ضبطًا لأسمائهم، ومن أمثلة ذلك ما يلي.
أ- في حديث أبي هريرة عند مسلم قال: عن محمد رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﷿: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها " الحديث، وفيه نرى المؤلف يشرح كلمة غريبة وردت في آخره فيقول٥: قوله من جراي بفتح الجيم وتشديد الراء: أي من أجلي.
ب- وفي حديث شفي الأصبحي أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا؟ قالوا: أبو هريرة الحديث، نجد المؤلف يشرح كلمتين غريبتين وردتا فيه فيقول٦: جريء هو بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد، أي شجاع، نشغ بفتح النون والشين المعجمة وبعدها عين معجمة: أي شهق حتى كاد يغشى عليه أسفًا أو شوقًا.
ج- وفي حديث معاوية ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة " الحديث
_________________
(١) ١ الترغيب والترهيب ج٢ ص٩٩. ٢ الترغيب والترهيب ج٤ ص٣٩١. ٣ الترغيب والترهيب ج٤ ص٥٤٦. ٤ الترغيب والترهيب ج٣ ص٥٨٠. ٥ الترغيب والترهيب ج١ ص٦٠ ٦ الترغيب والترهيب ج١ ص٦٤.
[ ٢٢٥ ]
يضبط المؤلف فيه كلمة غريبة فيقول: قوله١: الكلب بفتح الكاف واللام قال الخطابي: هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلب، قال: وعلامة ذلك في الكلب أن تحمر عيناه، ولا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، فإذا رأى إنسانًا ساوره.
د- وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة " الحديث يضبط المؤلف الكلمة ويشرحها فيقول٢: الشرة بكسرالشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها تاء التأنيث: هي النشاط والهمة، وشرة الشباب: أوله وحدته.
هـ- وفي حديث جرير ﵁ قال: "كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار والعبار، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتعمر وجه رسول الله ﷺ لما أرى ما بهم من الفاقة " الحديث، يتكلم المؤلف على شرح ما فيه من غريب بعد أن يضبط ألفاظه فيقول٣: قوله: مجتابي هو بالجيم الساكنة ثم تاء مثناة وبعد الألف باء موحدة "والنمار" جمع نمرة، وهي كساء من صوف مخطط: أي لابسي النمار قد خرقوها في رءوسهم، والجواب: القطع "وقوله: تمعر" هو بالعين المهملة المشددة أي تغير "وقوله: كأنه مذهبة" ضبطه بعض الحافظ بدال مهملة وهاء مضمومة ونون، وضبطه بعضهم بذال معجمة وبفتح الهاء وبعدها هاء موحدة، وهو الصحيح المشهور، ومعناه على كل التقديرين: ظهر البشر في وجهه ﷺ حتى استنار وأشرق من السرور، والمذهبة صحيفة منتقشة بالذهب أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، يصف حسنه وتلألؤه ﷺ.
ووفي حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده نجد المؤلف بعد فراغه من رواية الحديث يتعرض لضبط اسم الراوي فيقول٤: ربيح بضم الراء وفتح الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف وحاء مهملة ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى: وفي الكتاب من هذه الأمثلة شيء كثير، لو تتبعناه لخرج بنا عما نحن بصدده من دراسة الظواهر العامة للكتاب، ولكنا نكتفي بما ذكرناه من أمثلة إيثارًا للاختصار.
وقد أحصيت ما أورده المؤلف من أحاديث الترغيب والترهيب في هذا الكتاب فوجدت عددها -كما سبق أن ذكرت- بلغ سبعة وثمانين وسبعمائة وخمسة آلاف حديث، وأنها موزعة على أجزاء الكتاب الأربعة: في الجزء الأول منها أربعة وستون ومائتان وألف حديث، وفي الجزء الثاني سبعة وثمانون وخمسمائة وألف حديث، وفي الثالث تسعة وسبعمائة وألف حديث، وفي الرابع سبعة وعشرون ومائتين وألف حديث.
_________________
(١) ١ الترغيب والترهيب ج١ ص٨٤. ٢ الترغيب والترهيب ج١ ص٨٧. ٣ الترغيب والترهيب ج١ ص٩٠. ٤ الترغيب والترهيب ج١ ص٦٨.
[ ٢٢٦ ]
فإذا تصورنا هذه الكثرة الكاثرة من أحاديث الكتاب، وعلمنا أن من بينها ما يصل طول الحديث فيه إلى سبع صفحات أو تزيد، وإذا علمنا أن مؤلفه قد بوبه على نحو لا نرى أحدًا من المؤلفين يطاوله في بابه أو يدانيه، وأنه شرح غريبه وضبط كلماته ورواته، وترجم -في آخر كتابه- للمختلف فيهم من هؤلاء الرواة، وذكر آراء علماء الجرح والتعديل فيهم مرتبًا إياهم على حروف المعجم أقول إذا تصورنا هذا العمل الجليل والمجهود الضخم من الإمام المنذري -﵀- لبان لنا أن الكتاب ثروة في الترغيب والترهيب لا تعدلها ثروة، ومرجع رئيسي يعول عليها العلماء والدارسون، ويقتبس من كنوزه الخطباء والمرشدون، وينتفع بما ورد فيه الخاصة والعامة كل بما يفتح الله عليه في فهم ما ورد فيه من حديث.
رحم الله الإمام المنذري وأجزل له الثواب والجزاء.
تعقيب: رياض الصالحين
وفي هذا المجال لا يفوتنا أن ننوه بكتاب عظيم، له في باب الترغيب والترهيب قيمته وخطره قد ذاع صيته، وعم نفعه، وكثر تداوله، وتعددت طبعاته لولوع المسلمين به، وإقبالهم الكبير عليه ذلك هو كتاب "رياض الصالحين" لمؤلفه الإمام الفقيه المحدث محرر مذهب الشافعية أبي زكريا، يحيى بن شرف الدين النووي المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة ببلدته نوى من أعمال دمشق١.
وهذا الكتاب يجمع ثروة حديثية متخيرة في الترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة أعوجاجها كما يقول المؤلف عنه في خطبة الكتاب التي ذكر فيها: أنه التزم فيه ألا يذكر إلا حديثًا صحيحًا من الواضحات، وإن كنا نستدرك عليه في ذلك بأنه وصف بعض الأحاديث بالحسن، وأنه ترك التنبيه على بعضها وذلك قليل، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
١- في حديث: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم ٢ " الحديث، قال النووي، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
٢- وفي حديث: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ﷾ ٣ على رءوس الخلائق " الحديث علق المؤلف عليه بقوله: رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
٣- وعلق على حديث: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله " الحديث. بقوله٤ رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص٣٥٤. ٢ رياض الصالحين ص٣٩. ٣ رياض الصالحين ص٤٢. ٤ رياض الصالحين ص٥٧.
[ ٢٢٧ ]
وكثير من أحاديث الكتاب من هذا النوع الذي يحمل وصف الحسن، ونرجو ألا يكون ذلك مخلا بالغرض المقصود للمؤلف من تخير الأحاديث المعتبرة، والحسن يجتمع مع الصحيح في هذا القدر، ويستدل به في الأحكام فضلًا عن الترغيب والترهيب الذي أورد المؤلف أحاديثهما في هذا الكتاب.
ورياض الصالحين للإمام النووي يتفق مع الترغيب والترهيب للمنذري في قيمته العظيمة، وتحري الدقة في تحرير الأحاديث، وفي شرح غريبها، وإن كان يمتاز على الترغيب والترهيب في تصدير أكثر موضوعاته بتوضيح يصور المراد منها، وإيراد آيات من القرآن الكريم تتصل بهذه الأبواب، وإنه لم يذكر فيه حديثًا ضعيفًا، وأنه أوجزه بتخير أحاديثه إلى درجة سهلت تناوله وتداوله، ويسرت الانتفاع بما حواه من السنة وأنه أطلق نفسه من الالتزام بأبواب الفقه، ومسايرتها، كما يمتاز كتاب الترغيب والترهيب للمنذري بكثرة ما فيه من مادة غزيرة في أحاديث الترغيب والترهيب تجعله عدة ينتفع بها من أراد دراسة هذا النوع من السنة.
نفع الله بهما المسلمين.
[ ٢٢٨ ]
الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر:
للعلامة ابن العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي المتوفى سنة٩٧٣هـ:
وإنما أوردته بين كتب الحديث الخاصة بالترغيب والترهيب لأنه هو الكتاب الذي رأيناه يتمثل فيه هذا النوع من الأحاديث، ولأنه اشتمل من أحاديث الترهيب من الكبائر على ما يتعسر تحديده وتعداده لكثرته البالغة، ولما فيه من خصوبة في هذا الباب ينبغي توجيه الأنظار إليها، على أنه في الكثير من أبوابه التي يذكر أنه رتبها على أبواب الفقه الشافعي تيسيرًا على القراء كما يقول يتقدم بين يديها بإيراد كثير من الآيات القرآنية تبركًا بها، وتعزيزًا لما يورده من الأحاديث دليلًا على ما يذكره من الكبائر، ومع أنه فيما يورده من آيات يلتزم أن يفسر بعضها بالآثار من كلام الصحابة والتابعين إن احتاجت الآيات إلى التفسير ووجد إلى ذلك سبيلًا.
ولا ينبغي أن يمنعنا من إيراده هنا ما أضافه المؤلف -إلى ما أورده فيه من حديث- من تعليقات يطلق عليها اسم التنبيهات شرحًا لما ارتضاه استنتاجًا من هذه الأحاديث، وبيانًا لما وقع من خلاف في بعض دلالاتها، فإن الناحية البارزة في الكتاب ما يغمره من الأحاديث الكثيرة التي اختارها استدلالا لآرائه في تحديد نوع الكبائر، والتي تترك القارئ وهو يعتبر الكتاب من كتب الحديث ذات الشأن والبال.
والكتاب يقع في جزأين كبيرين في مجلد، وأول الجزأين في تسع وستين ومائتي صفحة، وثانيهما في أربع وستين ومائتي صفحة من القطع الكبير، تناول المؤلف فيه الكلام على اثنين وستين وأربعمائة كبيرة قسمها قسمين:
١- الكبائر الباطنة وما يتبعها مما ليس له مناسبة بخصوص أبواب الفقه، وذلك مثل كبائر الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والغضب بالباطل، والحقد والحسد، والكبر، والعجب، والخيلاء، والغش، والأمن من مكر الله، واليأس من رحمة الله، وكتم العلم، وتعلم العلم للدنيا، وما إلى ذلك مما هو أقرب غلى علوم الصوفية ومعارفهم، وما تناول الإمام الغزالي وأمثاله دراسته ترغيبًا وترهيبًا وتوجيهًا إلى التهذيب ومكارم الأخلاق، وقد أورد من هذه الكبائر ستًّا وستين كبيرة.
٢- الكبائر الظاهرة التي رتبها على ترتيب فقه الشافعية -كما دل على ذلك في مقدمة كتابه- وذلك مثل الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو الفضة، وكبيرة نسيان القرآن، وكبيرة الجدال والمراء -وذلك بمناسبة ذكر القرآن- وكبيرة التغوط في الطرق، وعدم التنزه من البول في البدن أو الثوب وترك شيء من واجبات الوضوء، وترك شيء من واجبات الغسل، وكشف العورة لغير ضرورة ووطء الحائض، وتعمد ترك الصلاة، ونحو ذلك من الكبائر المتعلقة بالعبادات.
[ ٢٢٩ ]
ومثل كبيرة التبتل أي ترك التزوج، وكبيرة نظر الأجنبية بشهوة مع خوف الفتنة، وما إلى ذلك، وكبيرة الغيبة والسكوت عليها رضًا وتقريرًا. وكذلك كبيرة المطلق بالتحليل، وطواعية المرأة المطلقة عليه، ورضا الزوج المحلل له، وكبيرة إفشاء الرجل سر زوجته، وإفشائها سره، وإتيان الزوجة أو السرية في دبرها، وأن يتزوج امرأته وفي عزمه ألا يوفيها صداقها، وكبيرة التطفل وهو الدخول على طعام الغير، ومثل كبيرة سؤال المرأة زوجها الطلاق من غير بأس، وكبيرة الدياثة والقيادة بين الرجال والنساء، وكبيرة وطء الرجعية قبل ارتجاعها، وكبيرة الظهار، وكبيرة اللعان وكبيرة سب المسلم والاستطالة في عرضه، وما إلى ذلك من الكبائر المتعلقة بالمعاملات.
ومجموع ما أورده من الكبائر الظاهرة ست وتسعون وثلاثمائة كبيرة.
ولعلنا بهذا العرض لمفردات من هذه الكبائر في هذا التصوير للنوعين من الكبائر الباطنة والظاهرة ننبه القراء إلى أن أمورًا كثيرة مما هو من صميم المعاصي قد خفيت على كثير من العامة، بل الخاصة أنفسهم، ونلفت نظر كل دارس للعلم إلى وجوب الاطلاع على مثل هذا الكتاب القيم النفيس على كل مسلم ومسلمة؛ محافظة على أنفسهم من مخاطر هذه المعاصي، والتخلص منها جهد الاستطاعة لسلامة الدين.
وقد بدأ المؤلف كتابه -قبل ذكر الكبائر- بخطبة أشار فيها إلى بيان الداعي إلى تأليفه وأنه قد ظفر بكتاب منسوب لإمام عصره الحافظ الذهبي لتعرف هذا النوع من العلوم الإسلامية فلم يشف هذا الكتاب أوامه؛ لأنه استروح فيه استرواحًا، تجل مرتبته عن مثله -يريد أنه تسامح في عرض بعض الكبائر بما قد يجرئ بعض العصاة، ولأنه أورد فيه أحاديث وحكايات لم يعز كلا منها إلى محله، مع عدم إمعان نظره في تتبع كلام الأئمة، وعدم تعويله على كلام من سبقه إلى تلك المسالك، فيقول: إن ذلك دعاه -مع ما تفاحش من ظهور الكبائر، وعدم أنفة الأكثر عنها في الباطن والظاهر- إلى الشروع في تأليف يتضمن ما قصده، ويتكفل ببيان جميع ما قدمه، ويكون في هذا الباب زاجرًا أي زجر، وواعظًا أي وعظ، ولهذا أسماه الزواجر عن اقتراف الكبائر.
ثم ذكر في خطبة الكتاب أنه رتبة على مقدمة في تعريف الكبيرة، وما وقع للناس في تعريفها وفي عددها وما يتعلق بذلك، وبابين: الأول في الباطنة، والثاني في الظاهرة -كما قلنا- ثم أورد تلك المقدمة المعرفة للكبيرة، وأردفها ببيان تلك الكبائر التي أسلفنا عددها والتمثيل لها، ثم ذكر خاتمة في آخر الكتاب أورد فيها أربعة أمور:
١- ما جاء في فضائل التوبة ومتعلقاتها.
٢- في ذكر الحشر والحساب والشفاعة وما إلى ذلك، وأورد فيه فصولًا: أحدها في الحشر وغيره، والثاني في الحساب وغيره، والثالث في الحوض والميزان والصراط، والرابع في الإذن في الشفاعة.
[ ٢٣٠ ]
٣- في ذكر النار وما يتعلق بها.
٤- في الجنة ونعيمها.
وفي الحق لقد جاء هذا الكتاب نفيسًا وافيًا، وقيمًا كافيًا، ما رأينا ولا سمعنا له بضريب في تحقيقه واستيعابه، وما فيه من صور الأمانة والدقة والإخلاص للعلم، لولا هنات يسيرة وقعت فيه، ترجع إلى تساهله -وهو أولى الناس بالتحقيق- في بيان مراتب كثير من الأحاديث التي أوردها مما يحتاج إلى ذلك، وإن كان قد نبه إلى مصادرها، والمراجع التي أخذها منها.
وإنما قلنا: يترك بيان كثير من الأحاديث لأنه أحيانًا ينبه إلى ذلك ولا يغفله، فقد جاء في التعليق على الحديث الذي أوله: "كان ﷺ بقباء وكان صائمًا١ " الحديث قوله: قال شيخ الإسلام الزين العراقي: قال الذهبي في الميزان: إنه خبر منكر، وكما جاء أيضًا في تعليقه على خبر أوله: "كان ﷺ في نفر من أصحابه في بيت يأكلون٢ " إلى أن يقول: "فما مات هذا الرجل حتى كانت به زمانة" كذا في الإحياء، قال شيخ الإسلام الزين العراقي: لم أجد له أصلًا والموجود حديث أكله ﷺ مع مجذوم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال: غريب، وكتعليقه في نفس الصفحة على حديث: "أربع لا يعطيهن الله إلا لمن يحب " بقوله رواه الطبراني والحاكم بلفظ: "أربع لا يصبن إلا بعجب" وقال الحاكم: صحيح الإسناد، واعترض بأنه فيه من قال ابن حبان في حقه: إنه يروي الموضوعات ثم روى له هذا الحديث.
وهذا مسلك واضح في بيان مرتبة الحديث عند أهل الشأن.
ونستطيع أن نسجل أن المؤلف -في كتابه هذا- لا يلتزم حالًا واحدة في تقويم الأحاديث بل نراه كثيرًا يفرط بترك التقويم، وتارة يبالغ في أمره، وأحيانًا يتوسط، ولعل مما يبرر له ترك التقويم -أحيانًا- أنه يعتمد على كثرة ما يورده في الاستدلال، وأنه يعزو بعض ما يورده إلى ما ثبتت صحته من كتب السنة، كالصحيحين أو أحدهما، وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة، ولا سيما أنه بنى الكتاب على الاختصار الدقيق، حتى إنه كثيرًا ما يحذف الراوي، وكثيرًا ما يحذف اسم النبي ﷺ اعتمادًا على أنه يروي أحاديث، وأنه يريد أن يفسح المجال لذلك الطوفان الذي قدمه للقراء من الأحاديث جهد طاقته، فجزاه الله خيرًا وتغمده برحمته ورضوانه.
_________________
(١) ١ الزواجر ج١ ص٧٧. ٢ الزواجر ج١ ص٧٨.
[ ٢٣١ ]
ولعله يكون من الخير أن نقف القارئ الكريم على أمثلة مما فعله المؤلف، ومن إسهاب في التخريج أو اقتصار فيه، ومن ذكر للتقويم أو إغفال له، ومن بيان لمن روى الحديث أو ترك لهذا البيان، فإن في ذلك تصويرًا للكتاب، وإيضاحًا لمنهجه ومسلك المؤلف فيه:
١- فمما اقتصر فيه ولم يورد إلا راويًا واحدًا وأتبعه بسيل من الأحاديث لا يدري القارئ أهو من رواية الراوي الذي ذكره، أو هو من رواية غيره، ولم يخرج منها إلا حديثًا واحدًا -على ما يبدو- وأغفل تقويمها جميعًا، ذلك الذي أورده في "خاتمة" في ذكر شيء من فضائل كظم الغيظ والعفو والصفح والحلم والرحمة والحب في الله تعالى قال: قال١ ابن مسعود: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء وقد ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعملون"، "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". ومسلم: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". قاله لأشج عبد القيس كما يأتي: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه"، "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"، "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"، "إن الله ﷿ كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"، "ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا بيده قط ولا امراة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ﷿ فينتقم لله ﷿".
٢- ومما اعتدل في تخريجه وتقويمه، ولم يذكر في بعضها رواته ما أورده في قوله: وقال صلى الله عليه وسلم٢: "يخرج من النار عقرب له أذنان تسمعان " الحديث، قال في آخره رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
وكذلك قوله:٣ وفي أخرى صحيحة أيضًا: "احذروا بيتًا يقال له الحمام" فقالوا: يا رسول الله يذهب الدرن -أي الوسغ- وينفع المريض، قال: "فمن دخله فليستتر". زاد الطبراني في أولهما: "شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات، وتكشف فيه العورات". وفي صحيحة أيضًا: إن نساء من حمص أو الشام دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي تدخلن نساءكم الحمام؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها"، وفي رواية لأحمد والبزار والطبراني: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر " الحديث، وفي أخرى في سندها ابن لهيعة: إن عائشة ﵂ سألته ﷺ عن الحمام فقال: "إنه سيكون بعدي حمامات، ولا خير في الحمامات للنساء"، فقالت: يا رسول الله إنها تدخله بإزار فقال: "لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار، وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها".
_________________
(١) ١ الزواجر ج١ ص٦٥. ٢ الزواجر ج١ ص٧٠. ٣ الزواجر ج١ ص١٢٩
[ ٢٣٢ ]
وإن من بين ما أوردناه هنا من الأمثلة ما لم يذكر له تخريجًا، ومن بينه ما لم يبين درجته اعتمادًا على وروده في الصحاح، ومن بينه ما ذكر في سنده راويا بعينه معروفًا بضعفه ليستغنى به عن ذكر درجة الحديث.
٣- ومما خرجه ولم يقومه ما ذكره في القدر من أحاديث عزاها إلى أصولها، واكتفى بذلك عن تقويمها حيث قال١: وورد في القدر أحاديث كثيرة غير ما مر، أحببت ذكر أكثرها لعظم فائدتها وعموم عائدتها.
منها: أخرج ابن عدي: "من كذب بالقدر فقد كفر بما جئت به". وأبو يعلى: "من لم يؤمن القدر خيره وشره فأنا منه بريء". وأحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع " الحديث، والطبراني في الأوسط: "من لم يرض بقضاء الله، ويؤمن بقدر الله فليلتمسن إلهًا غير الله" والحاكم: "لا يغني حذر عن قدر". والبيهقي: قال الله تعالى: "من لم يرض بقضائي وقدري فيلتمس ربًّا غيري" والحاكم وابن عدي والطبراني: "خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا". إلى آخر ما أورده من أحاديث في القدر.
وكذلك ما أورده في خاتمة في بعض أحاديث منها على أمور مهمة تتعلق بالقرآن٢، فقد ذكر الأصول التي وردت هذه الأحاديث فيها، ولم يقوّم من هذه الأحاديث رغم كثرتها إلا حديثًا واحدًا قال فيه: والبيهقي وضعفه عن أبي بن كعب.
٤- وأحيانًا نرى المؤلف يعنى بتقويم الأحاديث، فيبين درجتها، وينص على رتبتها، ومع بيان تخريجها في بعض الأحيان، وذلك كما ورد في بعض الأحاديث حيث قال٣: وابن شاهين وقال: غريب، وابن عساكر: "كان في بني إسرائيل جدي ترضعه أمه " وساق الحديث، ثم قال: والترمذي وابن سعد والحاكم وصححه لكن تعقب: "يا عائشة إذا أردت اللحوق بي فلكيفك من الدنيا كزاد الراكب " الحديث، ثم قال: والترمذي وحسنه النسائي والدارقطني عن أبي هريرة وأحمد والطبراني عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان: "إن الدين النصيحة " الحديث.
وكما أورد في الكبيرة الأربعين حين قال٤: وأخرج الترمذي وحسنه عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي " الحديث، وقال بعد ذلك: وعن أنس بسند حسن أنه ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك " الحديث، وفي الكبيرة الثالثة والأربعين٥ قوم بعض الأحاديث التي أوردها، فقال في أحدها: والترمذي وقال: حديث غريب وابن أبي الدنيا والحاكم شاهدًا والبيهقي، وقال في آخر: وابن ماجه
_________________
(١) ١ الزواجر ج١ ص ١٠٣. ٢ الزواجر ج١ ص١٢٣. ٣ الزواجر ج١ ص٨٣. ٤ الزواجر ج١ ص٨٩. ٥ الزواجر ج١ ص٩١.
[ ٢٣٣ ]
وحبان في صحيحه، والبيهقي بسند فيه من احتج به الشيخان، وغيرهما ولا التفات لمن شذ فيه، وقال في ثالث: وصح بسند فيه انقطاع، وقال في رابع: وابن ماجه بسند رواته ثقات.
٥- وإن المؤلف في بعض أحيانه، وفي ختام دراسته لبعض الكبائر وما يورده بشأنها من أحاديث يذكر خاتمة يقول عنها: إنها في سرد أحاديث صحيحة وحسنة، وذلك مثل ما فعله في ثواب المتحابين في الله تعالى١، وفي فضل الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم٢.
هذا ما سنح لنا من عرض لعمل المؤلف في الكتاب، بالنسبة لما يورده فيه من أحاديث.
وأما طريقة عرضه للزواجر والاستدلال لها، فإنه -بعد أن يذكر عنوان الكبيرة- كثيرًا ما يورد آيات من القرآن الكريم للاستدلال على أنها كبيرة، ثم يورد طائفة كثيرة من الأحاديث النبوية تدل على مبلغ إحاطته العظيمة بالسنة، ثم يورد بعدها بعض التنبيهات المتعلقة بتلك الكبيرة، فهو بعد كبيرة الشرك -مثلًا- يذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعه في الناس وعلى ألسنة العامة، ويشبعه أيضًا بأدلة من الكتاب والسنة النبوية في تنبيه، ثم يبين أن الشرك لا يغفره الله، ويدفع التعارض بين بعض الأدلة وبعض في هذا المقام في تنبيه آخر، ويذكر حكم من نطق بكلمة الردة ويزعم أنه أضمر التورية في تنبيه ثالث، ويذكر أنه لا يحصل الإسلام من كافر أصلي أو مرتد إلا بنطقه بالشهادتين في تنبيه رابع، ويذكر مذهب أهل الحق في الإيمان عند الغرغرة أو عند معاينة العذاب بالاستئصال في تنبيه آخر، ويذكر ما دلت عليه الآيات والأحاديث من أن عذاب الكفار في جهنم دائم في تنبيه آخر، فإذا انتقل إلى كبيرة الشرك الأصغر -وهو الرياء- ذكر أدلته من الكتاب والسنة التي تتجاوز أحاديثها مائة حديث، ويضيف إلى هذه الأدلة الإجماع، ثم يعقب على ذلك بتنبيهات: منها تنبيه في حقيقة الرياء وحده، وكونه تارة يكون بالفعل وتارة يكون بالقول، وتنبيه في أن الرياء حيث أطلق على لسان الشرع فالمراد به المذموم، وما يترتب عليه من بطلان العبادة، وقد يطلق الرياء على أمر مباح شرعًا نحو الجاه والتوقير كالتزين باللباس والنظافة وما إلى ذلك ويستدل عليه، وتنبيه في تحرير اختلاف العلماء في إحباط العمل كلًّا أو بعضًا، وتنبيه في تقسيم الرياء إلى درجات متفاوتة في القبح، وتنبيه إلى ما ورد في الخبر: "أن من الرياء ما هو أخفى من دبيب النمل" وما يتصل بذلك وتنبيه في طريق معالجة الرياء ومغالبته حتى يحصل الإخلاص، ثم يختم هذا الموضوع بخاتمة في الإخلاص والترغيب فيه، ويسوق ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة.
فإذا انتقل إلى الكبيرة الثالثة، وأورد ما يدل عليها من الكتاب والسنة، من الأدلة التي تبلغ العجب كثرة فإنه ينتقل إلى تنبيهات تتعلق بقوة الغضب ومحلها، والحكمة من استعمالها، ومناقشة ما يقال من أن الرياضة تزيل قوة الغضب وما يتصل بذلك.
ثم يلحق به كبيرة الحقد والحسد، ويبين مراتب كل وطريق علاجه، ويتبع ذلك بخاتمة في فضائل كظم الغيظ والعفو والصفح والحلم والرحمة، ويورد عددًا جمًّا من الأحاديث النبوية الكريمة في ذلك
_________________
(١) ١ الزواجر ج١ ص١١٠. ٢ الزواجر ج١ ص١١٦.
[ ٢٣٤ ]
هذا هو مسلكه المطرد من الكبائر الباطنة.
وإنه لا يخرج عن مسلكه هذه في الكبائر الظاهرة التي رتبها على أبواب الفقه، فهو -مثلًا- يبدأ بذكر كبيرة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ويذكر ما يدل على ذلك من السنة النبوية، ثم يتبعه بتنبيهات، أحدها بيان الاختلاف في أنه كبيرة أو صغيرة، والثاني بيان ما ألحق بالأكل والشرب من وجوه الاستعمال، والثالث بيان أنه لا فرق في تحريم ذلك بين الرجال والنساء، بالأكل والشرب من وجوه الاستعمال، والثالث بيان أنه لا فرق في تحريم ذلك بين الرجال والنساء، ثم ينتقل إلى كبائر الأحداث، فيذكر نسيان القرآن أو آية منه فيستدل على ذلك، ثم يذكر تنبيهات: منها ما يبين به الخلاف في كونه كبيرة، ومنها ما يفسر به بعض ألفاظ الحديث، فيبين المراد بالأجذم في عقاب من ينسى القرآن ومنها ما قيد به بعض الفقهاء محل اعتبار ذلك كبيرة، ومنها بيان ما يقال في حكم حفظ جميع القرآن، ثم ينتقل إلى جريمة الجدال والمراء في القرآن فيستدل لها بعدة أحاديث، ثم يذكر تنبيهًا يبين فيه أنه لم يسبق إلى عد هذا النوع كبيرة، ولكن الأدلة تدل عليه ويفصل ذلك، ثم يذكر خاتمة في بضع أحاديث تنبه إلى أمور مهمة تتعلق بالقرآن، وهذا مسلكه في أمور العبادات.
وهو أيضًا في المعاملات لا يختلف عن ذلك، فهو -مثلًا- يذكر من الكبائر إضاعة عياله كأولاده الصغار، ويستدل لها ببعض الأحاديث، ولكنه يستطرد بعد ذلك بإيراد تنبيه في أن ذكرها في الكبائر ظاهر لما يدل عليه، ولأنه من أقبح الظلم، ثم يذكر فائدة في ذكر ما ورد من الحث على الإحسان إلى الزوجة والعيال -ولا سيما البنات- ويذكر عددًا عديدًا من الأحاديث دليلًا على ذلك، ثم يذكر حقوق الوالدين أو أحدهما وإن علا فيستدل له من الكتاب والسنة بما فوق المائة الدليل، ويتبع ذلك بتنبيه في كون العقوق من الكبائر مما اتفقوا عليه، ونقول عن العلماء في ذلك، ثم يتبع هذا كله بأحاديث في بر الوالدين وصلتهما، وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما، وبر أصدقائهما من بعدهما.
ولعلنا بهذه الدراسة الموجزة، وبعد ما أوردناه من أمثلة تبين مسلك المؤلف بذكر الآيات والأحاديث والآثار، بل والإجماع -أحيانًا- فيما يذكره من الكبائر، والاستطراد -أحيانًا أخرى- بذكر ما يقابل تلك الكبائر من الفضائل ترغيبًا فيها وحثًّا عليها، مستشهدًا لذلك ومستدلًّا عليه، وما أورده من خاتمة قيمة هي جديرة أن تصلح شأن من انتفع بها، واهتدى بهدايتها لعلنا بذلك نكون قد قضينا بعض الحق بالتوجيه إلى ذلك الكتاب العظيم، والتنبيه إلى فضله وغزارة ما فيه من أحاديث، حتى لنستطيع أن نحكم بأنه كنز من كنوز العلم، وفيض من التراث الإسلامي لا نظير له في منهجه وبابه، ونسأل الله التوفيق.
[ ٢٣٥ ]
الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية:
للشيخ محمد عبد الرءوف المناوي الحدادي القاهري المتوفى سنة ١٠٣١هـ:
تمهيد:
الحديث القدسي: هو الحديث الذي يضيفه النبي ﷺ إلى الله ﷿ بقوله: قال الله ﷿، أو يقول الله تعالى، أو نحو ذلك، ولكون الحديث القدسي من رواية النبي ﷺ عن الله ﷿ فإنه يندمج في الأحاديث النبوية ويذكر بينها في جميع كتب السنة، إلا أن بعض المؤلفين خص هذا النوع بالتأليف منفردًا لعلو مرتبته من حيث إضافته إلى الله ﷿ وإن كان في درجته يخضع لقواعد التحديث وأصوله من حيث الصحة والحسن، وربما اتصف بالوضع إذا كان في رواته من يبرر الحكم عليه بذلك، أو كان مما أضيف إلى الله ﷿ من غير سند كما يقع في بعض المؤلفات من كتب الوعظ التي لا يهم أصحابها التدقيق في تخريج الأحاديث لتقويمها، بقدر ما يهمهم أن يروجوا للموضوع الذي يستشهدون له ترغيبًا أو ترهيبًا.
وإنما اهتم بعض المؤلفين بالكتابة في هذه الأحاديث على حدة لأن في نسبة النبي ﷺ هذه الأحاديث إلى الله ﷿ ما يرفع مستواها، مما يجعل النفوس المؤمنة تتقبلها بقبول حسن، ويهتز الشعور الطيب لها فيقبل على العمل بما تدعو إليه.
والأحاديث القدسية في هذا الكتيب وفي غيره تدور حول الترغيب في فضائل الأعمال والترهيب من رذائلها، ولهذا يحشد فيها كثير من الأحاديث الضعيفة والمنكرة كما لمسنا ذلك في تنبيه أحد المصنفين، وهو الشيخ محمد المدني المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، فإنه ألف كتابًا في الأحاديث القدسية، وأورد فيه عددًا من الأحاديث أكثر مما عرف فيما ألف من الكتب في هذا الباب، فإن أحاديثه القدسية بلغت أربعًا وستين وثمانمائة، وهي تربو على أضعاف ما في هذا الكتاب الذي لا تتجاوزو أحاديثه اثنين وسبعين ومائتين من الأحاديث القدسية، كما أُحصي ذلك بالأرقام في طبعة الشيخ منير الدمشقي.
وقد تناول المحدثون التفرقة بين الحديث النبوي والقرآن وبينه وبين الحديث القدسي، فأوردوا أن القرآن الكريم هو كلام الله ﷿ المنزل على سيدنا محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصر سورة منه، وهذان القيدان: التعبد بالتلاوة والتحدي، يخرج كل منهما الحديث القدسي عن دائرة القرآن، وهذا إذا اعتبرنا أن الأحاديث القدسية منزلة بلفظها على النبي ﷺ، وبه يقول بعض المحدثين، ثم يعتبرونه فرقًا بين الحديث القدسي والحديث النبوي، وأما إذا قلنا: إن المعنى في الأحاديث القدسية من عند الله ﷿ واللفظ للنبي ﷺ
[ ٢٣٦ ]
فإن الأحاديث القدسية تكون بهذا خارجة عن القرآن من أول التعريف؛ لأنها ليست من كلام الله بهذا الاعتبار.
والحق أن الأحديث القدسية معناها من الله تعالى ولفظها من النبي ﷺ، ولا تختلف بهذا الاعتبار عن الأحاديث النبوية، إلا أن النبي ﷺ حين يضيفها إلى الله ﷿ إنما يفعل ذلك في أمر يريد أن ينبه إليه النفوس ويوقظها اعتناء بشأنه، كما يتجلى ذلك في أغراض الأحاديث القدسية ومعانيها التي تدور حولها.
وقد فرق بعضهم١ بين الحديث القدسي والقرآن بفروق: منها أن نزول القرآن لا يكون إلا بواسطة الروح الأمين ويكون مقيدًا باللفظ المنزل من اللوح المحفوظ، ثم يكون نقله متواترًا قطعيًّا، ومنها عدم صحة الصلاة بالأحاديث القدسية، وعدم حرمة لمسها وقراءتها للجنب والحائض، وعدم تعلق الإعجاز بها، وعدم كفر جاحدها، ونقل عن كل من الكرماني -شارح البخاري- والطيبي وابن حجر ما يؤيد هذه الفروق.
ويرجع مبدأ التأليف في هذا النوع -فيما انتهت إليه دراستنا- إلى القرن السابع الهجري الذي نشأ فيه محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة للهجرة٢ فقد ذكر في بعض تراجمه أنه جمع في الأحاديث القدسية مائة حديث وواحدًا٣، وسماه مشكاة الأنوار فيما روي عن الله ﷾ من الأخبار، ثم تبعه الشيخ الإمام ملا علي القارئ المتوفى سنة أربع عشرة وألف للهجرة، وقد نقل الزركلي أنه ألف أربعين حديثًا مخطوطة في الأحاديث القدسية٤.
ثم جاء من بعده الشيخ عبد الرءوف المناوي٥ المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف -على ما ذكره صاحب الرسالة المستطرفة وذكر أنه الصواب في تاريخ وفاته- فألف في الأحاديث القدسية كتابًا سماه الإتحافات السنية، أورد فيه ما وقف عليه منها، مرتبًا إياه على حروف المعجم في مجلد لطيف، لكن بغير إسناد، ثم جاء من بعده الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، فجمع في الأحاديث القدسية كتابًا لم يذكر عدد أحاديثه، ولكنه يذكر في ترجمة الشيخ النابلسي دون بيان لاسم كتابه هذا أو عدد أحاديثه، ثم جاء من بعد ذلك عالم جليل هو الشيخ محمد المدني من فقهاء الحنفية المتوفى سنة مائتين وألف للهجرة، فألف كتابًا سماه باسم كتابنا هذا -الإتحافات السنية- حشد فيه أكثر ما وصل إليه علمنا من المؤلفات حيث جمع ما بلغ به أربعا وستين وثمانمائة حديث قدسي، وقال في آخره: هذا قصارى ما وجدته من الأحاديث القدسية بالتتبع، والاستقراء يقتضي أكثر من هذا، وبين أن غالبها مأخوذ من جميع الجوامع للسيوطي، ومن غيره قليلًا كما هو مبين في غزو الأحاديث إلى مآخذها.
_________________
(١) ١ الإتحافات السنية للشيخ محمد المدني ص٣٠٢ طبع مكتبة الكليات سنة ١٩٧٠م. ٢ شذرات الذهب ج٥ ص١٩٠. ٣ الرسالة المستطرفة ص٦١. ٤ من مقدمة الإتحافات السنية ص٨. ٥ الرسالة المستطرفة ص٦١ و١٣٨.
[ ٢٣٧ ]
وقد عني المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة -بما له من الأهمية والاهتمامات في عصرنا الحاضر- بهذا النوع من الأحاديث، فشكل لجنة لجمعه من مظانه المختلفة من الجوامع والمسانيد، وأبرزت منه جزأين يشتملان على مجموعة كبيرة من الأحاديث القدسية وشرحها، ويبدو أنه خير ما وقفنا عليه ترتيبًا وتنقيحًا وتهذيبًا وتخريجًا، وهي على نظام الجوامع كالبخاري ومسلم، وأحاديثها أقرب إلى القبور لتخير تلك اللجنة لها من أمهات الكتب الحديثية ومشاهيرها.
وبعد هذا يسعنا أن نتناول هذا الكتاب بالدراسة؛ إذ إنه يدخل ضمن عصور كتابنا، وتسري عليه أوصاف تلك العصور.
كتاب الإتحافات السنية للمناوي:
قضت ظروف البحث أن تدرس هذا الكتاب لأنه -كما ذكرنا- أقرب الكتب لمحدث مصري إلى عصورنا التي نتناولها بالدراسة، وعذرنا واضح في وقوع الاختيار على هذا الكتاب لأنه ليس لدينا من الكتب المؤلفة لمصريين في هذا الموضوع من الأحاديث القدسية غيره، وقد يؤيد عذرنا في ذلك أن الفوارق الدقيقة بين العصور ليست مما يظهر له أثر في اختلاف الصفات والمميزات، فإن المؤلف وقد توفي في بداية القرن الحادي عشر ليس بغريب أن يكون قد ألف كتابه هذا في أواخر القرن العاشر، وهو من عصور دراستنا، فقد نقل ناشر الكتاب الشيخ محمد منير الدمشقي أنه وجد في خطبة هذه الرسالة: لمحمد المدعو "تاج الدين المناوي"، وفي طرة الرسالة: جمع الفقير الحقير الراجي فضل ربه القدير محمد المدعو تاج الدين المناوي الحدادي، وفي فهرس دار الكتب المصرية: محمد تاج الدين محمد بن علي بن زين العابدين، وفي كشف الظنون هو الشيخ محمد المعروف بعبد الرءوف المناوي الحدادي وأوله "الحمد لله الذي نزل أهل الحديث أعلى منازل الشرف"، وقد وجد الشيخ فرصة لاختيار رأي بين هذه الخلافات فقال: والصواب على ما يظهر من ترجمة الحافظ عبد الرءوف بن تاج العارفين علي بن زين العابدين أنه لعبد الرءوف، إلا أنه لم يكمله، بل تركه مسودة، فجاء ولده تاج الدين وأكمله وبيضه ونسبه إلى نفسه؛ لأن والده عجز في آخر عمره -بسبب الأمراض- عن تكميل كثير من مؤلفاته كما جاء في كتاب خلاصة الأثر، فكان ولده محمد تاج الدين يستملي منه التآليف ويسطرها، لذلك نسب محمد تاج الدين الرسالة لنفسه في خطبتها، قال الناشر: وهذا ما اهتديت إليه بعد البحث العميق١.
والكتاب يقع في أربعة وستين صفحة من الحجم الصغير، وأحاديثه كلها دائرة حول الترغيب والترهيب، وهي مرتبة على حروف المعجم، وقد التزم المصنف أن يعزو كل حديث إلى مأخذه، فهو يأخذ من الطبراني في الأوسط، ومن الترمذي، ومن البيهقي، ومن مسلم، ومن أبي نعيم،
_________________
(١) ١ الإتحافات السنية ص٣.
[ ٢٣٨ ]
ومن أحمد، ومن أبي يعلى، ومن ابن عدي، ومن الحكيم، وينسب إلى المعاجم الثلاثة أجيانًا، ويأخذ عن البخاري وابن عوانة، وعن حميد بن زنجويه، وعن ابن عساكر، وعن القضاعي والديلمي، كما يأخذ عن النسائي وابن حبان، وتارة يعزو الحديث إلى الشيخين، ويأخذ عن ابن ماجه وابن جرير، وعن الحاكم والبزار، والشيرازي وابن النجار، والخرائطي والخطيب وابن الشيخ، كما يروى عن سمويه والبغوي وعبد بن حميد، وعن ابن أبي الدنيا وابن شاهين وعن الطبراني في الكبير، وعن ابن السني والرافعي والعقيلي، وعن تمام والخليلي وأبي نصر العجلي وعن ابن عبد البر معلقًا، وعن أبي موسى المديني والضياء، ولم يخرج في أخذه وروايته عن هؤلاء.
وكثير من هذه المراجع التي أخذ عنها الشيخ المناوي هذه المختارات الحديثية كنوز مختفية لا يظفر بمثلها المجتمع الإسلامي، لبعد العهد بها، وقلة تداولها لعدم الاهتمام بطبعها، ولكن هذا الكتاب ينقصه أن مؤلفه -﵀- لم يعن بتقويم أحاديثه وبيان مراتبها، ولا سيما ما أخذ منها من غير المشاهير وهي كتب يعز الاطلاع عليها، ومحاولة تعرف السليم من السقيم منها، وكان من شأن هذا الإمام المؤلف أن يبين ذلك، وأن يكفي القارئ مؤنة تتبعها، وبذلك يستكمل الوصف الذي رأيناه في الترغيب والترهيب للعلامة المنذري، وقد كان هو أحق بالعناية بهذه الناحية في كتابه، لا سيما وأن أحاديثه قليلة، وأنه أضاف كثيرًا منها إلى كتب نص علماء الحديث على أنها من مظان الأحاديث الضعيفة كمسند الفردوس للديملي الذي قيل فيه: إنه يروي عددًا من الموضوعات.
وقد رأينا مؤلف كتابنا هذا -عبد الرءوف المناوي- يسلك مسلكًا دقيقًا عجيبًا في شرحه للجامع الصغير -كما سنبين ذلك بإذن الله في كتب الشروح- على كثرة ما في الجامع الصغير من الأحاديث، رأيناه يناقش الإمام السيوطي بالحجة في درجات بعض الأحاديث، ويؤيد رأيه بنقول يرويها عن العلماء، فلعل إهماله في رعاية هذه الناحية في هذا الكتيب مما يؤكد القول بأنه -﵀- توفي قبل أن يبيضه فتولى أمره ولده الذي لم يبلغ مبلغ أبيه في مقدرته العلمية، ومكانته الحديثية.
[ ٢٣٩ ]
الفصل الثالث: كتب الجوامع
مدخل
الفصل الثالث: كتب الجوامع:
تمهيد:
الذي رأيناه في الاصطلاحات القديمة للمحدثين أن كلمة الجامع تطلق على نمط من كتب الحديث وهو ما يشتمل على أبواب الدين الثمانية: وهي العقائد والأحكام والرقاق والآداب والتفسير والشمائل والفتن والمناقب، ومن هذه الجوامع جامع البخاري "صحيح البخاري" وجامع الترمذي "صحيح الترمذي".
وقد ظل هذا الاصطلاح قائمًا حتى ظهرت الجوامع بمعنى ما يجمع تلك الأبواب كلها، ولكنه مرتب على الحروف الهجائية، وأول ما أدركناه من ذلك جوامع السيوطي وهي: الجامع الكبير والجامع الصغير، وزيادات الجامع الصغير.
وقد أوضح صاحب كشف الظنون بيان الجامعين للسنة وطريقة جمعهم لها فقال بعد كلام طويل عن كتب السنة وتدوينها على أيدي المتقدمين١: فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم، مثل أبي بكر أحمد بن محمد الوقاني، وأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحميدي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق ذكره، وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري، فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي ورتب على الأبواب، إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح، وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أهم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام، ومصنفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظًا، وإليهم المنتهى، وتلاهم أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة -بتهذيبه وترتيب أبوابه وتسهيل مطلبه وشرح غريبه- في جامع الأصول، فكان أجمع ما جمع فيه.
ويحسن هنا أن ننقل عن صاحب الرسالة المستطرفة٢ وهو يتحدث عن المؤلفين لكتب الجوامع ما ملخصه: إن من بين الجامعين لكتب السنة أبا عبد الله محمد بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي المتوفى في حدود سنة ست وأربعين وستمائة في كتابه أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، كما ألف بعضهم جامع الجوامع السبعة: أعني الصحيحين والسنن الأربعة وسنن الدارمي، والجمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير وربما زيد عليها من غيرها وهو للمسند الكبير الحافظ عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى سنة أربع
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٦٣٩. ٢ الرسالة المستطرفة ص١٣١ وما بعدها.
[ ٢٤٣ ]
وسبعين وسبعمائة وسماه جامع المسانيد١ والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبة على حروف المعجم، يذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها وأبي الفرج بن الجوزي أيضًا كتاب جامع المسانيد بألخص الأسانيد، جمع فيه بين الصحيحين والترمذي ومسند أحمد، ورتبه أيضًا على المسانيد في سبع مجلدات.
ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في جمع الجوامع، فكان أعظم بكثير من جامع الأصول من جهة المتون، إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة.
وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من روى الحديث من الصحابي إن كان خبرًا، وبذكر من يرويه عن الصحابي إن كان أثرًا، وذلك مع الرموز إلى المخرج؛ لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان أولًا لإثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفة الأولين وقد كفوا تلك المؤنة، فلا حاجة إلى ذكر ما فرغوا منه إلى آخر ما قال.
ومن هذا يتبين أن أول من جمع بين كتب الحديث على ترتيب الحروف الهجاية دون المسانيد هو الإمام السيوطي في كتابه الجامع الكبير أو جمع الجوامع، وأنه بعمله هذا قد جمع بين كتب يعز وجود بعضها ويندر الحصول عليه، وأنه بهذا الجهد المشكور قد قرب السنة إلى المسلمين، ويسرها لهم في كتاب واحد هو الجامع الكبير، ثم اختصره في كتاب الجامع الصغير، ثم جمع الشيخ يوسف النبهاني زيادات للجامع الصغير ضمها إليه ومزجها به في كتاب سماه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير.
فلنبدأ -بعون الله- في دراسة هذين الجامعين، والله الموفق، ومنه التأييد والمدد والعون.
_________________
(١) ١ ذكره صاحب كشف الظنون أيضًا باسم جامع المسانيد ج١ ص٥٧٣.
[ ٢٤٤ ]
الجامع الكبير أو جمع الجوامع:
للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
وهذا الكتاب قصد فيه مؤلفه جمع السنة باستيعاب، وإن لم يتسن له ذلك؛ لأن المنية اخترمته دون أن يتمه، نقل النبهاني في مقدمة كتابه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير١ عن الشيخ عبد القادر الشاذلي تلميذ المصنف في ديباجة كتابه "حلاوة المجامع": أنه سمع السيوطي ﵀ يقول: أكثر ما يوجد على وجه الأرض من الأحاديث النبوية القولية والفعلية مائتا ألف حديث ونيف، فجمع المصنف منها مائة ألف حديث في هذا الكتاب -يعني الجامع الكبير- واخترمته المنية ولم يكمله، ووقع فيه تقديم وتأخير، سببه تقليب وقع في ورق المصنف، ثم قال: فراغ في الترتيب الحرف، فما بعده يستقم لك التعقيب في كل ما تجده مخالفًا.
فهذا الكتاب إذًا سفر ضخم جليل القدر، يجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من كتب السنة، مع امتيازه بتقدير المؤلف لكل حديث، وبيان درجته بما بينه من اصطلاحات في التخريج -سنوردها- وإن أضخم عدد نقل إلينا في مؤلف حديثي من كتب السنة هو أربعون ألفًا، أو ثلاثون -بعد حذف المكرر- على اختلاف النقلين عن عدد أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل، والسيوطي -﵀- لحرصه على أن يجمع كل ما تصل إليه يده من أحاديث الرسول ﷺ قسم الأحاديث التي أوردها إلى قسمين: قسم الأقوال، وهو مرتب على حسب حروف المعجم، وقسم الأفعال، وهو مرتب على حسب مسانيد الرواة على معنى أنه في هذا القسم الأخير روى أحاديث كل راو من الصحابة لها على حدة.
وإذا كان بعض الناس طعن في هذا الكتاب بأنه لم يسلم من الأحاديث الضعيفة والمتكلم فيها، فإن ذلك المعنى لم يسلم منه كتاب من كتب السنة إلا الصحيحان والكتب التي التزم أصحابها رواية الأحاديث الصحيحة، وهي: صحيحا ابن حبان وابن خزيمة، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تساهل كبير، والمختارة للضياء المقدسي، وصحيح أبي عوانة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن السكن، وموطأ مالك، والمستخرجات.
على أن بعض هذه الكتب لم يسلم من النقد أيضًا في بعض ما رواه من الأحاديث الضعيفة وإن كان قليلًا.
وإذا كان السيوطي ﵀ لم يفته أن ينبه إلى درجة كل حديث مما أورده في كتابه بعد أن يعزوه إلى أصله الذي نقل منه هذا الحديث -حتى يتيسر للقارئ مراجعته في أصول كتب
_________________
(١) ١ ج١ ص٦ الفتح الكبير.
[ ٢٤٥ ]
السنة- فإن ذلك جدير أن يطمئن الدارسين إلى هذا الكتاب لا يقل درجة عن غيره من كتب السنة التي تبين اصطلاحاتها المختلفة درجات ما تورده من الأحاديث، وهي كتب نقلتها الأمة بالقبول، وعولت عليها في نقل السنة، والاحتجاج بها في مختلف شئون الدين.
وقد تكلم صاحب كشف الظنون عن هذا الجامع١ فقال: إنه كتاب كبير، أوله: سبحان مبدئ الكواكب اللوامع إلى آخره، وذكر فيه أنه قصد استيعاب الأحاديث النبوية، وقسمه قسمين:
الأول: ساق فيه لفظ الحديث بنصفه، يذكر فيه من خرجه ومن رواه من واحد إلى عشرة أو أكثر، ويعرف فيه حال الحديث من الصحة والحسن والضعف، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم.
والثاني: الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب ومراجعة. ونحو ذلك، مرتبًا على مسانيد الصحابة، قدم العشرة ثم بدأ بالباقي على حروف المعجم في الأسماء، ثم بالكنى كذلك، ثم بالمبهمات، ثم بالنساء، ثم بالمراسيل، وطالع لأجله كتبًا كثيرة.
وفي الرسالة المستطرفة للسيد محمد جعفر الكتاني إيراد للجوامع الثلاثة للسيوطي وبيان لأمرها يقول فيه: الجامع الصغير -على ما قيل- عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا في مجلد وسط، وذيله بزيادة الجامع وهي قريب من حجمه، والكبير وهو المسمى بجمع الجوامع، قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها، والمشاهدة تمنع ذلك، مع أنه توفي قبل إكماله، وهي مرتبة على الحروف عدا القسم الثاني منه وهو قسم الأفعال فإنه مرتب على المسانيد ذاكرًا عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، واسم الصحابي الذي خرج عنه.
وقال الشيخ محمد عبد الحي الكتاني -وهو يتحدث عن كتب السيوطي- إن من أهمها وأعظمها وهو من أكبر مننه على المسلمين كتابه الجامع الصغير، وأكبر منه وأسمع وأعظم الجامع الكبير، جمع فيه عدة آلاف من الأحاديث النبوية مرتبة على حروف المعجم.
ويلاحظ على هذه العبارة أنها تخلو من الدقة، ولو أرادها لعبر بتعبير صاحب الرسالة المستطرفة الذي حاول تحديد كل من الكتابين تحديدًا يقرب تصويره للقارئ، على أن قوله: مرتبًا على حروف المعجم غير صحيح؛ لأنه لا يشمل الأفعال الذي رتبه المؤلف على المسانيد.
ثم نقل الحافظ التيجاني عن الشيخ صالح المقبلي في كتابه العلم الشامخ -بعد أن استغرب لعدم تصدي أحد لجمع الأحاديث النبوية على الوجه المقرب- قال: لعلها مكرمة أدخرها الله لبعض المتأخرين، وإذ الله قد أكرم بذلك وأهل له من لم يكد يرى مثله في ذلك: الإمام السيوطي في كتابه الجامع الكبير.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٩٧ ونقلها الحافظ التيجاني في مقدمته لجمع الجوامع الذي تخرجه الآن لجنة السنة بجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
[ ٢٤٦ ]
ومن أراد التعرف الدقيق على هذا الكتاب ومنهجه، فإن ذلك بين من مقدمة الإمام السيوطي له؛ إذ يقول فيها بعد الديباجة١: هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين:
الأول:
أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن الحديث بذكر من خرجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة، ومن رواه من الصحابة رضوان الله عليهم واحدًا إلى عشرة أو أكثر من عشرة، سالكًا طريقه يعرف منها صحة الحديث وحسنه وضعفه، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم، مراعيا أول الكلمة فما بعده، ورمزت للبخاري "خ" ولمسلم "م" ولابن حبان "حب" وللحاكم في المستدرك "ك" وللضياء المقدسي في المختارة "ض".
ثم قال: وجميع ما في هذه الخمسة صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في المستدرك من المتعقب فأنبه عليه، وكذا ما في الموطأ، وصحيح ابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن والمنتقى لابن الجارود، والمستخرجات، فالعزو إليها معلم بالصحة أيضًا.
ورمزت لأبي داود "د" فما سكت عليه فهو صالح، وما بين ضعفه نقلته عنه، وللترمذي "ت" وأنقل كلامه على الحديث، وللنسائي "ن" ولابن ماجه "هـ" ولأبي داود الطيالسي "ط" ولأحمد "حم" ولزيادات ابنه عبد الله "عم" ولعبد الرزاق "عبد" ولسعيد بن منصور "ص" ولابن أبي شيبة "ش" ولأبي يعلى "ع" وللطبراني في الكبير "طب" وفي الأوسط "طس" وفي الصغير "طص" وللدارقطني "قط" فإن كان في المسند أطلقته، وإلا بينته، وله٢ في شعب الإيمان "هب".
ثم قال: وهذه الكتب فيها الصحيح والحسن، والضعيف فأبينه غالبًا، وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
وللعقيلي في الضعفاء "عق" ولابن عدي في الكامل "عد" وللخطيب "خط" فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر في تاريخه "كر".
وكل ما عزى لهؤلاء الأربعة، أو للحكيم الترمذي في نوادر الأصول، أو للحاكم في تاريخه أو لابن النجار في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه.
_________________
(١) ١ مقدمة الجامع الكبير ص١ وما بعدها طبعة أولى لمجمع البحوث الإسلامية. ٢ ظاهر هذا الضمير عوده على الدارقطني وهو غير صحيح، والذي استظهره أنه ذكر البيهقي هنا بعلامة "هق" في غير شعب الإيمان ثم قال: وله في شعب الإيمان "هب" كما يتبين ذلك في رموز الجامع الصغير، وكما في الفتح الكبير.
[ ٢٤٧ ]
وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار، فإن كان في تفسيره أو تاريخه بينته وحيث أطلق في هذا القسم أبو بكر فهو الصديق، أو عمر فهو ابن الخطاب، أو أنس فابن مالك أو البراءة فابن عازب، أو بلال فابن رباح، أو جابر فابن عبد الله، أو حذيفة فابن اليمان، أو معاذ فابن جبل، أو معاوية فابن أبي سفيان، أو أبو أمامة فالباهلي، أو أبو سعيد فالخدري، أو العباس فابن عبد المطلب، أو عبادة فابن الصامت، أو عمار فابن ياسر.
الثاني:
الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب أو مراجعة، أو نحو ذلك مرتبًا على مسانيد الصحابة على ما يأتي بيانه في أول القسم الثاني.
وقد قدمنا لصاحب كشف الظنون بيان منهجه في المسانيد في التمهيد لهذا الفصل.
ثم ختم السيوطي هذه المقدمة بذكر منامين مبشرين في شأن أبي زرعة وما لقيه من ثواب الله العظيم مع بيان سبب ذلك، من العناية بالسنة النبوية، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ عند كتابة الأحاديث.
ويبدو أن هذا المنهج العظيم الذي ذكره السيوطي يشتمل على كثير من الدقة، ويدل على شدة الرغبة في الاستيعاب للحديث متنًا وسندًا، حتى إنه في الصفحة التالية يقول: إنه مع ذكر التخريج ينص على الرواة من الصحابة -ولو كانوا أكثر من عشرة- وأنه راعى فيه غاية الإيجاز حتى لجأ إلى بيان الرموز فيما لا يشكل معه ذلك، وإلا فإنه يذكر المخرجين بأسمائهم دفعًا للبس، على أنه ذكر في أثناء الكتاب كثيرًا من المخرجين بأسمائهم مثل ابن سعد، والبارودي في المعرفة، والبغوي في معجمه، وعبد بن حميد، والشيرازي، وهناد، والشافعي، والسراج، ومسدد، وغيرهم كثير ، وهذا لا يضر في جوهر العمل، ولكن نرى أن مقتضى الدقة في التصوير أنه كان ينبغي له أن يشير إلى هؤلاء في كلمة جامعة في مقدمته بأن يقول مثلًا: وقد ذكرت غير هؤلاء من المخروجين بأسمائهم، وذلك حتى لا يفاجأ القارئ بذكر أسماء في الكتاب لم تسبق الإشارة إليها ولو بمثل هذه الجملة العامة.
ومما يجب التنبيه إليه ما ذكره الشيخ يوسف النبهاني١ من مراجع هذا الكتاب فيما أورده من الفوائد في مقدمة كتابه -الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير- قال: رأيت على ظهر كتاب الجامع الكبير المسمى بجمع الجوامع للحافظ السيوطي ما نصه: قال المؤلف ﵀ رحمة واسعة: هذه تذكرة مباركة بأسماء الكتب التي أنهيت مطالعتها على هذا التأليف خشية أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته، فيقيض الله تعالى من يذيل عليه، فإذا
_________________
(١) ١ الفتح الكبير ج١ ص٥ و٦ طبع الحلبي.
[ ٢٤٨ ]
عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته، ونظر ما سواه من كتب السنة، ثم ذكر أسماء هذه المراجع:
الموطأ، مسند الشافعي، مسند الطيالسي، مسند أحمد، مسند عبد بن حميد، مسند الحميدي، مسند ابن أبي عمرو العدني، معجم ابن قانع، فوائد سمويه، المختارة للضياء المقدسي، طبقات ابن سعد، تاريخ دمشق لابن عساكر، معرفة الصحابة للباوردي "ولم أقف على سوى الجزء الأول منه وانتهى إلى أثناء حرف السين"، المصاحف لابن الأنباري، الوقف والابتداء له، فضائل القرآن لابن الضريس، الزهد لابن المبارك، الزهد لهناد بن السري، المعجم الكبير للطبراني، الأوسط له، الصغير له، مسند أبي يعلى، تاريخ بغداد للخطيب، الحلية لأبي نعيم، الطب النبوي له، فضائل الصحابة له، كتاب المهدي له، تاريخ بغداد لابن النجار، الألقاب للشيرازي، الكنى لأبي أحمد الحاكم، اعتلال القلوب للخرائطي، الإبانة لأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي، الأفراد للدارقطني، عمل يوم وليلة لابن السني، الطب النبوي له، العظيمة لأبي الشيخ، الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، نوادر الأصول للحكيم الترمذي، الأمالي لأبي القاسم الحسين بن هبة الله بن صصري، ذم الغيبة لابن أبي الدنيا، ذم الغضب له، مكايد الشيطان له، كتاب الإخوان له، قضاء الحوائج له، المستدرك لأبي عبد الله الحاكم، السنن الكبرى للبيهقي، شعب الإيمان له، المعرفة له، البعث له، دلائل النبوة له، الأسماء والصفات له، مكارم الأخلاق للخرائطي، مساوئ الأخلاق له، مسند الحارث بن أبي أسامة، مسند أبي بكر بن أبي شيبة، مسند مسدد، مسند أحمد بن منيع، مسند إسحاق بن راهويه، صحيح ابن حبان، فوائد تمام، الخلعيات، الغيلانيات، المخلصات، البخلاء للخطيب، الجامع للخطيب، مسند الشهاب للقضاعي، تفسير ابن جرير، مسند الفردوس للديلمي، مصنف عبد الرزاق، مصنف ابن أبي شيبة، الترغيب في الذكر لابن شاهين.
وواضح أنه لم يذكر في هذا البيان كثيرًا من المراجع المهمة ذات الشأن مثل الكتب الستة مع أنه رجع إليها في كثير من الأحاديث، وأوردها في الرموز، فلعله اكتفى بشهرتها وتداولها عن النص عليها؛ أو أنه قد اعتبر هذا البيان للمراجع تكميلًا لبعض ما أورده في المقدمة، فاستغنى بذكر بعض المراجع فيها عن النص عليه هنا، وربما كان من روى هذا البيان عن المؤلف قد نقله بالمشافهة فسقطت منه أسماء بعض المراجع.
وقد بدئ في طبع الكتاب -لأول مرة- منذ عام إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة بتوجيه لمجمع البحوث الإسلامية من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود -طيب الله ثراه- وهي يد بيضاء أسداها للأمة الإسلامية، برغم ما قام في سبيل نشره وإبرازه من معارضات بناء على أن في الكتاب بعض المناكير التي لا يخلو منها كتاب من كتب الستة المعتبرة كما أشرنا إلى ذلك في أول حديثنا عن هذا الكتاب، ولا تزال اللجنة المختارة لمتابعة الكتاب تحقيقًا وإخراجًا ونشرًا تزاول عملها فيه وقد أبرزت منه حتى الآن أعدادًا من الكتاب.
[ ٢٤٩ ]
وكل ذلك يدل على مبلغ ما وصل إليه السيوطي فيما جمع من السنة في هذا الكتاب من مجهود ضخم جبار، وعلى أن هذه المجموعة إن تمت -ونسأل الله لها التمام- ستكون فاتحة خير عظيم للأمة الإسلامية التي هي في أشد الحاجة إلى التضلع من السنة، والإفادة بما فيها من بيان للكتاب الكريم، وتشجيع في مختلف علوم الدين.
غير أننا نرى أنه قد أصبح لزامًا على العلماء ورجال الدين -وقد وجد فيهم من درس طريقة السيرفي هذه المجموعة العظيمة- أن يعملوا ما وسعهم الجهد في متابعة هذا العمل الجليل إلى أن يتم على ما أراده مؤلفه ﵀ وأحسن جزاءه وليكن ذلك من رجال تخصصوا في دراسة السنة النبوية كهذه اللجنة التي تقوم الآن بتحقيق الكتاب ونشره، وغيرهم من علماء السنة -وهم الآن كثير بحمد الله- ومنهم أساتذة لمادة السنة بكلية أصول الدين بالأزهر يمكنهم أن يستعينوا بتلامذتهم وأن يمرنوهم عمليًّا على القيام بدراسة ما ظهر من هذا الكتاب، وما يظهر -تباعًا- منه. وتكليفهم بمعاونة اللجنة على تحمل أعباء هذا المجهود المضني في سرعة استكمال إخراجه، ثم إضافة ما يكمل هذا الجامع كما أراده المؤلف.
ولا بد من محاولة النفع بكل ما يظهر من الكتاب أولًا فأولا، وذلك بشرح ما ظهر، ومتابعة ما عساه أن يظهر منه، ودفع ما قد يكون فيه من إبهام أو تعارض، وذلك على غرار ما كتب من الشروح على الجامع الصغير من قبل، فإن في ذلك إصلاحًا لنفوس أعرضت عن السنة فاعوج سلوكها، وضعف كيانها، يعرف ذلك من زوال العمل في هذه السنة المطهرة، وذاق حلاوتها وعرف آثارها، فإن آخر أمر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها.
ولدى ملاحظات سنحت أثناء استعراضي لما أظهرته اللجنة من هذا الكتاب أوردها فيما يلي:
١- سجل السيوطي في مقدمته أنه رتب الكتاب ترتيب اللغة على حروف المعجم مراعيًا أول الكلمة فما بعده، ومعنى ذلك أنه التزم الترتيب بين الحديث والذي بعده مراعيًا الحرف أول الكلمة مع الذي بعده من الحروف، ولم يذكر أنه التزم الترتيب بالنسبة للكلمة الأولى مع الثانية، ولا ترتيب حروف الكلمة الثانية أيضًا، ونحن -بمتابعة ما ظهر من الكتاب- وجدنا أنه التزم الترتيب بالنسبة للحرف الأول من الكلمة الأولى في الحديث مع الذي بعده من حروف الكلمة نفسها، وأنه يحرص على الترتيب بالنسبة إلى الحرف الثالث -وهو الغالب على مسلكه- مثل "آتى" فإن الحرف الثالث فيها وهو التاء موحد بالنسبة للحديث وما بعده، ولم يتخلف ذلك، وكذلك مثل "آجال" فإن الحرف الثالث منها وهو الجيم موحد في جميع الأحاديث التي وقع ثالثها حرف الجيم، ثم هو مع ذلك يحرص على الترتيب في الحرف الرابع بين كل حديث وما يليه، كما يحرص على الترتيب مراعيًا للكلمة الثانية مع الأولى بنفس الطريقة التي يرتب بها بين الأحاديث في الكلمة الأولى، وإن كان ذلك غير مطرد في الكتاب، كما يحرص على الترتيب بالنسبة للكلمة الثالثة، ولكنه لا يتلزمه.
[ ٢٥٠ ]
فالحديث رقم ٦٧٧ وأوله: "أحرج اسم عند الله " كان ينبغي أن يكون تاليا لأربعة أحاديث بعده، فإنه مقحم بين أحاديث ثالث الكلمة الأولى من كل منها ذال لولا أنه لم يلتزم ذلك الترتيب بين ثوالث الكلمة الأولى.
والحديث رقم ٧٢٠ مؤخر عن موضعه بالنسبة لترتيب الحرف الثالث، وكان ينبغي ألا نطيل الوقوف عند هذه النقطة غير الجوهرية في دراسة هذه الموسوعة الكبيرة.
٢- يورد السيوطي كثيرًا من مطولات الحديث في هذا الكتاب على خلاف طريقته في الجامع الصغير الذي ادعى فيه أنه اقتصر على الأحاديث الوجيزة، وإن لم يتحر ذلك بالدقة أيضًا، حيث ورد فيه بعض مطولات عديدة نشير إليها -إن شاء الله- عند الحديث عنه.
ومن هذه المطولات في الجامع الكبير على سبيل المثال الأحاديث التي تحمل أرقام: ١٠، ١١، ١٢، ٢١، ١٢٤، ١٢٦، ٢٣٠، ٤٨٢، ٥٢٢، ٦٨٠، ٧٨٧، ٩٥٠، ١٦٣٦، ١٦٣٩، ١٦٦٣، ٢٣١٨، ٣٧٤٦.
كما يورد فيه كثيرًا من المتوسطات، ومن ذلك الأحاديث التي تحمل الأرقام: ٢٥، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٥٤، ٧٣، ٧٤، ٧٨، ١٢٣، ١٣٠، ١٣٦، ١٩٥، ٢١٦، ٢١٧ وغير ذلك كثير.
ومن أحاديث الكتاب ما هو دون ذلك، وهو أكثر عددًا من النوعين السابقين.
٣- يهتم المؤلف بالتخريج، فيتابع الحديث في مختلف المظان مهما تعددت، ومهما أدى ذلك إلى الإطالة في كثير من الأحيان، ويذكر الخلاف في تقويم السند بتعديل رجاله أو تجريحهم.
ومن أمثلة ذلك الواضحة الحديث السابع والتسعون، فإنه بعد أن ذكر متن الحديث وخرجه بين أن فيه راويا لم يجد من ترجمه، ونظيره في ذلك الحديث السادس عشر بعد المائتين، وأما الحديث الخامس بعد المائة فإنه بعد أن أورد متنه في أقل من سطر: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" خرجه بما يأتي: ش حم خ هـ عن أبي سعيد، ش حم وابن قانع. طب ك ض عن صفوان بن مخرمة، ن عن أبي موسى البغوي في معجم الصحابة عن الحجاج الباهلي، وطب عن الحجاج الباهلي عن ابن مسعود عن جابر، ق عن المغيرة، ش عن عمر موقوفًا "في إسناد حم طب القاسم بن صفوان عن أبيه وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا يعرف إلا في هذا الحديث".
وكذلك الحديث السابع بعد المائة، فإنه خرجه بتخريجين: وفي أحدهما راوٍ مجمع على ضعفه، والثاني لم يتعرض لسنده، والحديث السادس والخمسون بعد الثمانمائة، فإنه نظيره في هذا التقويم والحديث الثامن والسبعون بعد المائة، عقب عليه بما يدل على أن رجاله ثقات، ثم استدرك بأنه وجد في أحد المراجع عن الميزان أنه منكر، وكذلك الحديث الحادي والثمانون بعد المائة، فإنه بعد أن أورد الحديث نقل عن مخرجه الخطيب قوله: إنه ليس بثابت وفيه مجاهيل، ثم ذكر أن ابن الجوزي أورده
[ ٢٥١ ]
في الموضوعات، على أن هذا لا يقتضي أن الحديث في ذاته موضوع؛ لأنه عرف عن ابن الجوزي عدم الدقة، فإنه يحكم على كثير من الأحاديث المقبولة بالوضع، عى عكس الحاكم في مستدركه إذ يصحح كثيرًا من المنكرات.
ومن ذلك أيضًا الحديث الثلاثون بعد المائتين، فإنه خرجه وقوم سنده في نحو عشرة أسطر، وهو من الظواهر التي تلفت النظر، وتدل على تمام العناية بالتخريج والتقويم، والحديث الثمانون بعد الثلاثمائة والألف، ذكر في تخريجه راويا نسب إلى ابن حبان الحكم على هذا الراوي بأنه يروي الموضوعات عن الإثبات، وإنما قال السيوطي ذلك تبرئة لعهدته، وفي الحديث الرابع والستين بعد الأربعمائة والألف -وهو حديث القلتين- قال في تخريجه: إن الشافعي أورده في الأم والمسند والمختصر عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، ثم قال: إن ابن الأثير والرافعي في شرح المسند قال: إن الإسناد الذي لم يحضره على ما ذكره أهل العلم بالحديث أن ابن جريج قال: أخبرني فلان عن فلان إلى رسول الله ﷺ قال: ، ثم قال السيوطي: وقد رواه الدارقطني في سننه كما ذكراه "ابن الأثير والرافعي" ثم قال: إن ابن الأثير حكم بأنه مرسل، وقال السيوطي: قلت: إنه يعتضد بما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر "وذكر الحديث" ثم قال: وفي سنده المغيرة بن صقلاب قال ابن حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة، جزري لا بأس به. ا. هـ من تخريج أحاديث الرافعي لابن الملقن.
وهذا ولا شك مجهود يؤيد ما ذهبنا إليه من الدقة البالغة، والخبرة الفائقة في التخريج والتقويم على أن هذا الحديث يؤيد مذهب الشافعية فيما ذكروه من تقدير الماء الذي لا ينجس بملاقاة النجاسة١.
هذا وللسيوطي عبارات مختلفة في تصوير التجريح في الأحاديث الواهية.
ففي الحديث التاسع عشر: "آخر الطب الكي" حكم بأنه اشتهر وليس بحديث، وفي الحديث الخامس والأربعين جزم بأن فيه زنفلًا العوفي الكذاب، وفي الحديث الثاني بعد المائتين ذكر راويا ثم قال نقلًا عن رجال التجريح: إنهم كذبوه، وفي الحديث الرابع بعد المائتين وصف راويا فيه بأنه متروك، وغير ذلك من العبارات.
ومسلكه هذا يتصل بالدقة في تقويم الحديث، فإن الواضح أن اختلاف العبارة في تجريح الرواة مما تختلف به الأحكام، وهو ما يتصل بأقسام الجرح والتعديل التي أوردها علماء أصول الحديث.
٤- كثيرًا ما يذكر المؤلف الأسباب التي وردت من أجلها الأحاديث عن النبي ﷺ: ففي الأحاديث التي تحمل الأرقام: ٧٠، ١٠٤، ١١٨، ١٢٠، ١٥٧، ٣١٧، ٣٤٦، ٣٤٩، ٣٦٧، ٣٧٩، ٨٠٠، ٨٠٣، ٨٠٤، ٨١١، ٨١٥، ٨٢٥، ٨٢٧، ٨٢٨،
_________________
(١) ١ وقد أسهب ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير من ص١٦ إلى ص٢٠ في بيان إسناد هذا الحديث ومعناه وتحديد القلة، والسيوطي يتفق معه في بعض جهات بحثه، غير أنه انفرد ببيان ما يعتضد به هذا الحديث.
[ ٢٥٢ ]
٨٢٩، ٨٦٢، ٨٩٠، ٨٩٣، ١٥٧٦ في كل هذه الأحاديث وفي كثير غيرها ينقل السيوطي، عن الرواة أسبابًا لورود الحديث عن النبي ﷺ.
وأحيانًا يورد المناسبات التي روى فيها الصحابي الحديث، ففي الحديثين الحادي والعشرين والأربعين بعد المائة ينقل عن الراوي المناسبة التي أرود فيها الحديث عن النبي ﷺ.
٥- بين السيوطي في سرده للأحاديث -أحيانًا- بعض ما يحتاج إلى البيان، وذلك كما في الحديث السبعين، والثاني والسبعين بعد المائة، والحديث الثامن والسبعين ومائة.
٦- يختلف السيوطي في تخريجه لأحاديث وردت في كل من الجامعين الصغير والكبير، بالزيادة في الكبير، والنقص في الصغير، ولعل ذلك لأنه بنى جامعه الصغير على الاختصار وعدم الاستيعاب، فهو فيه يكتفي بذكر ما يراه مبينًا للمرتبة، على أنه قل أن يخلو حديث فيه من بيان مرتبته بالرمز الذي يدل عليه، وذلك كما في الحديث الثمانين وخمسمائة وألف الذي يتعلق بصلاة ركعتي الجمعة، فإنه خرجه في الصغير هكذا "حم ق د ن هـ" عن جابر، أما في الكبير فقد خرجه من اثني عشر كتابًا عن جابر، ثم عن ثلاثة من المخرجين يروونه عن سليك بن هدية الغطفاني.
وقد يتخلف هذا المعنى في بعض الأحاديث، فيترك التقويم في الكبير ويذكره في الصغير، كما في الحديث الحادي والثمانين والخمسمائة بعد الألف فقد اتفق الجامعان في التخريج وامتاز الصغير بذكر مرتبة الحديث بعلامة الصحة والحسن١، وقد يختلف الأمر -كما هو الأصل- فيقوم الحديث في الجامع الكبير دون الصغير، وذلك كما في الحديث الرابع عشر بعد الستمائة والألف.
٧- يورد الجامع الكبير رموزًا من شأنها أن تدل على بعض الكتب، ولكنها لا تدل القارئ على شيء؛ لأن المؤلف لم يوردها من بين رموز الكتاب في مقدمته.
ومن ذلك الرمز "ز" الذي ورد في الحديث السابع والثلاثين بعد المائتين ويقول فيه: ز عن ثوبان، والحديث الرابع والسبعين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه ز عن أبي هريرة، والحديث التاسع والثمانين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن زيد بن أرقم، والحديث الثامن والأربعين بعد التسعمائة، والألف الذي يقول فيه: ز والديلمي عن أبي هريرة، والحديث السادس والستين بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن أنس.
ومن الرموز التي يوردها في الأحاديث، وليست مما نبه عليه في رموز الكتاب الرمز "بز" وقد ورد في كثير من الأحاديث، منها الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين الذي يقول فيه: بز عن عائشة، والحديث الثالث والتسعون بعد الستمائة الذي يقول فيه بز خط عن
_________________
(١) ١ خلافًا لما نقلته اللجنة من أن الحديث مرموز له بالحسن فقط في الجامع الصغير.
[ ٢٥٣ ]
أبي هريرة والحديث، الثامن والأربعون بعد الأربعمائة والألف الذي يقول فيه: بزعق طس عن أبي هريرة، والحديث السادس والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: عب بزو ابن خزيمة إلخ، والحديث السابع والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: الشافعي وابن خزيمة بز حب عن العباس، والحديث السابع والستون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ع بزو ابن خزيمة.
تلك هي أهم الملاحظات التي سنحت لنا عند مدارسة الكتاب، وفي غالبها ما يشهد لهذا الكتاب بالدقة الفاحصة، والأمانة في العلم، والإخلاص للسنة، وغزارة الاطلاع على المراجع الحديثية وغير ذلك، مما هو جدير بالإمام السيوطي رحمة الله عليه.
[ ٢٥٤ ]
الجامع الصغير:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
نستطيع -في مستهل دراستنا لهذا الكتاب- أن نبارد فنلخص ما قاله مؤلفه عنه: إن الجامع الصغير لباب خال عن القشر، وليس فيه وضاع ولا كذاب، ولذلك فاق الكتب المؤلفة كالفائق والشهاب١، وأنه حوى من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب، وأنه في هذا النوع رتبه على حروف المعجم مراعيًا أول الحديث فما بعده تسهيلًا على الطلاب، وأنه مقتضب من الكتاب الكبير الذي قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها -وقد سبق كلامنا عليه.
ونضيف إلى ذلك ما قاله الشيخ يوسف النبهاني في كتابه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير٢: وقد وقع لكتابه هذا القبول التام، وعم النفع به سائر البلاد الإسلامية الخاص والعام.
وفي الواقع أن هذا الكتاب -لقصر أكثر الأحاديث الواردة فيه، وتخير المؤلف لها من كنوز السنة، وسهولة عباراتها- قد استطاع أن يتبوأ مكانته في نفوس محبي الحديث النبوي، والحريصين على التضلع من منهله العذب الروي، حتى سنح الانتفاع به لكل قارئ، وأمكن أن يكون سلوى لكل ناشد، يبتغي المتعة العلمية والراحة النفسية.
وقد اشتهر على الألسنة وفي بطون الكتب أن عدد أحاديث هذا الكتاب هي عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، وقد طعن النبهاني في مقدمة كتابه الفتح الكبير بأن ما ذكروه من ذلك العدد من غير تحقيق، واستظهر أن جميعهم قد قلد في ذلك شارح الشيخ المناوي -وهو لم يعده بنفسه- فذكر ما ذكره.
ثم قال: والصحيح ما ذكرته هنا؛ لأني عددته بنفسي فوجدته عشرة آلاف حديث يزيد قليلًا نحو العشرة، والفرق كبير بين ما ذكرته وما ذكروه٣.
_________________
(١) ١ مراده كتاب الفائق في اللفظ الرائق، وهو لابن غنايم "غانم" وهو جمال الدين محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن سليمان المتوفى سنة ٧٤٤هـ قال في كشف الظنون ج٢ ص١٢١٧ ما معناه: جمع فيه أحاديث من الرقائق على نحو الشهاب مجردة عن الأسانيد، مرتبة على الحروف، فهو من النوع الذي يريده السيوطي من ناحية الترتيب على الحروف وهو غير الفائق للزمخشري فإنه في غريب الحديث وهناك أيضًا الفائق في المواعظ والرقائق للشيخ صدر الدين محمد البارزي المتوفى سنة ٧٨٥هـ وكلاهما غير داخل في هذه المقارنة. ا. هـ كشف الظنون. أما الشهاب فهو شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والآداب من الأحاديث النبوية للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي الشافعي المتوفى سنة ٤٥٤ هـ نقل في كشف الظنون ج٢ ص١٠٦٧ عن مؤلف الشهاب أنه قال: جمعت في كتابي هذا ما سمعته من حديث الرسول ﷺ ألف كلمة من الحكمة في الوصايا والآداب والمواعظ، وجعلتها مسرودة مبوبة محذوفة الأسانيد، مبوبة أبوابًا على حسب تقارب الألفاظ، ثم أوردت مائتي كلمة، وختمت الكتاب بأدعية مروية عنه ﷺ، أفردت للأسانيد جميعها كتابًا يرجع في معرفتها إليه. ا. هـ. ٢ الفتح الكبير ج١ ص٣. ٣ الفتح الكبير ج١ ص٦
[ ٢٥٥ ]
ومن حاول أن يعرف ما تناوله هذا الكتاب العظيم من أبواب السنة وجده حاويًا لكل الأبواب الجامعة لأمور الدين، والتي توردها الكتب الجوامع.
ولنضرب لذلك أمثلة نراعي فيها ترتيب الكتاب:
١- فمن أحاديث العقائد: أول حديث فيه "آتي باب الجنة فأستفتح " الحديث من رواية أحمد ومسلم عن أنس، وهو حديث صحيح.
والحديث الذي يليه وهو: "آخر من يدخل الجنة رجل يقال له جهينة " وهو من رواية الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر، وهو حديث ضعيف.
وكذلك الحديث الذي يليه وهو: "آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة" وهو من رواية الترمذي عن أبي هريرة وهكذا.
٢- ومن أحاديث الآداب: "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وهو من رواية ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري، وقد أورده في حرف إن بلفظ: "إن مما أدرك الناس " لأحمد والبخاري وأبي داود وابن ماجه عن ابن مسعود، وأحمد عن حذيفة، وهو حديث صحيح.
ومنها حديث: "آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل" وهو من رواية الديلمي في مسند الفردوس.
وكذلك حديث: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" وهو من رواية الديلمي في مسند الفردوس.
٣- ومن أحاديث الأحكام: "آمروا النساء في بناتهن" وهو لأبي داود والبيهقي عن ابن عمر وهو حديث حسن.
ومنها حديث: "ايت حرثك أنى شئت، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب" من رواية أبي داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث حسن.
وكذلك حديث: "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر، وهو صحيح.
٤- ومن أحاديث الطب: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة" من رواية ابن ماجه والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، وهو صحيح.
وحديث: "أبردوا بالطعام فإن الحار لا بركة فيه"، وهو من رواية الديلمي في الفردوس عن ابن عمر، والحاكم عن جابر وعن أسماء إلخ.
وكذلك حديث: "اتقوا صاحب الجذام كما يتقى السبع، إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره" رواه ابن سعد عن عبد الله بن جعفر.
[ ٢٥٦ ]
٥- ومن أحاديث الترغيب: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي ذر، وأحمد والترمذي والبيهقي في الشعب عن معاذ، وابن عساكر عن أنس، ومنها حديث: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" رواه أبو يعلى والحاكم عن أنس.
وكذلك حديث: "اتقوا الله وصلوا أرحامكم" رواه ابن عساكر عن ابن مسعود بسند ضعيف.
٦- ومن أحاديث الترهيب: "اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر" رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة.
وحديث: "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس، حسن.
وكذلك حديث: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه أحمد والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، صحيح.
٧- ومن أحاديث بيان فضل العلم والعمل حديث: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله تعالى فلا بورك في طلوع الشمس ذلك اليوم" رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي وأبو نعيم في الحلية عن عائشة، ضعيف.
وكذلك حديث: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده" البزار عن ابن مسعود حسن.
وحديث: "إذا علم العالم فلم يعمل كان كالمصباح يضيء للناس ويحرق نفسه" رواه ابن قانع في معجمه عن سليك الغطفاني، ضعيف.
٨- ومن أحاديث بيان فضل الصحابة: "إذا أراد الله برجل من أمتي خيرًا ألقى حب أصحابي في قلبه" رواه الديلمي في الفردوس عن أنس. ضعيف.
وحديث: "أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر " الحديث رواه أبو يعلى عن ابن عمر. ضعيف.
ومنها: "استوصوا بالعباس خيرًا فإنه عمي وصنوا أبي" رواه ابن عدي عن علي، ضعيف.
٩- ومن أحاديث فضائل القرآن: "إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل يأيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وقل الله أحد تعدل ثلث القرآن" رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس بسند صحيح.
ومنها حديث: "استذكوا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم في عقلها" رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، صحيح.
[ ٢٥٧ ]
وحديث: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن في البقرة وآل عمران وطه". رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والحاكم عن أبي أمامة، صحيح.
١٠- ومن أحاديث الهدي النبوي في الدعاء: "إذا صليت الصبح فقل قبل أن تكلم أحدًا اللهم أجرني من النار سبع مرات"١ الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الحارث التيمي، صحيح.
ومنها حديث: "إذا ظنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي "٢ الحديث رواه العقيلي في الضعفاء والطبراني في الكبير ومسلم وابن عدي عن أبي رافع، ضعيف.
وحديث: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل له يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم" ٣ رواه الطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود وآخرون، صحيح.
١١- ومن أحاديث فضل الذكر: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذِّكر" ٤ رواه أحمد والترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس، صحيح.
ومنها حديث: "اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب"٥ رواه ابن عساكر عن عطاء بن أبي مسلم مرسلًا. ضعيف.
وحديث: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ٦. رواه ابن ماجه عن سمرة، صحيح.
١٢- ومن أحاديث الشمائل النبوية: "كان ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه "٧ الحديث رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن بسر، صحيح.
ومنها حديث: "كان ﷺ إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال" ٨ رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك عن عائشة، صحيح.
وحديث: "كان ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض"٩ رواه أبو داود والترمذي عن أنس وعن ابن عمر، والطبراني في الأوسط عن جابر، صحيح.
وهكذا يجد القارئ نفسه في هذا الكتاب بين روضات دمثات يستمتع بعبيرها، ويتنقل بين أزاهيرها، فلا يعتريه ملل مع كثرة ما يفيده من تلك الفيوضات النبوية الكريمة.
_________________
(١) ١ الجامع الصغير ج١ ص٣٠. ٢، ٣ الجامع الصغير ج١ ص٣١. ٤ الجامع الصغير ج١ ص٣٥. ٥ الجامع الصغير ج١ ص٣٧. ٦ الجامع الصغير ج١ ص٣٨. ٧ الجامع الصغير ج١ ص١٠٠. ٨، ٩ الجامع الصغير ج١ ص١٠١.
[ ٢٥٨ ]
وقد أردنا بهذه الشواهد التي ذكرناها مجرد ضرب المثل ليتصور القارئ بعض ما في الكتاب من غزارة علم، وصنوف أدب وحكم، وبذلك يسعى إلى اقتنائه، ثم يلتمس الإفادة مما كتب عليه العلماء من شروح لهذه الدرر النفيسة.
ونعود بعد ذلك إلى بيان طريقة الكتاب في عرضه للأحاديث النبوية وتخريجها فنرى:
١- أنه يذكر الأحاديث على ترتيب الحروف -كما قلنا- مراعيًا الحرف الأول ثم الذي يليه والكلمة الأولى ثم التي تليها غالبًا، مؤثرًا اختيار جوامع الكلم النبوي من الأحاديث القصار، لتكون أيسر تناولًا وأسهل حفظًا، فإن ذكر بعض الأحاديث المتوسطة فذلك بالنسبة إلى عدد الأحاديث القصار قليل، وربما دعاه إلى ذلك عظة تستدعي الإطناب كما في حديث: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هازم اللذات " ١، أو دعاء في ضراعة اقتضت بعض التطويل كحديث: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي " ٢، أو كان وصية في أمر ذي بال وشأن كما في حديث: "إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم مما علمني " ٣ أو كان من الأحاديث القدسية المتآخذة المعاني كحديث: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة يابن آدم مرضت فلم تعدني " ٤، أو كان من المعاني المترابطة التي تدعو الحاجة إلى عرضها كما هي كحديث: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه " ٥، أو كان تنويها ببعض أركان الإسلام كما في حديث: "أول ما فرض الله ﷿ على أمتي الصلوات الخمس " ٦ ولئن ذكر بعض الأحاديث الطوال فلأن المقام اقتضى إيرادها استكمالًا لأنواع الأحاديث وقد يكون ذلك في الخطب النبوية كما في حديث: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى " ٧ وحديث: "أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة " ٨، وقد يكون في الأدعية كحديث: "اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي " ٩.
٢- وأنه يتبع نص الحديث في أي نوع كان بمن خرجه من أئمة الحديث، والكتب التي كانت مأخذا له فيه، مبينا ذلك بالرمز الذي يبينه إن كان من الرموز التي أوردها في المقدمة، وبالاسم إن لم يكن كذلك، ثم يذكر اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي ﷺ، فإن كان موقوفًا ولو في بعض رواياته نبه على ذلك، ثم يذكر درجة الحديث بالرمز الذي عرف عنه دون أن ينبه عليه في المقدمة، ولو أنه كان قد نبه على الرموز التي تدل على درجة الحديث لكان أدق لصنعه لكنا عرفناه من تتبع التقويم لأحاديث الكتاب، وتنبيهات الشراح والناشرين، وقد وجدنا بهذا المعنى تنبيهًا في أول صفحة في الكتاب قبل خطبة المؤلف يقول: الحروف المرموز بها إلى الحديث الصحيح "صح" والحسن "ح" والضعيف "ض" وضعت في كتاب الجامع الصغير عقب رواة الحديث.
_________________
(١) ١ الجامع الصغير ج ١ ص٦٣. ٢ الجامع الصغير ج ١ ص٥٧. ٣ الجامع الصغير ج ١ ص٦٨. ٤ الجامع الصغير ج ١ ص٧٧ ٥ الجامع الصغير ج ١ ص٨٧. ٦ الجامع الصغير ج ١ ص١١٣. ٧ الجامع الصغير ج ١ ص٦٤. ٨ الجامع الصغير ج ١ ص٦٤. ٩ الجامع الصغير ج ١ ص٥٧.
[ ٢٥٩ ]
والواقع أن المؤلف لا يلتزم ذلك التزامًا مطردًا مما يجعل بعض الشارحين يضطر إلى البحث عن مرتبة الحديث، ثم ينبه عليها.
أما رموز الكتاب التي نبه المؤلف عليها في مقدمته بالنسبة لأكثر المخرجين فهي: "خ" للبخاري، "م" لمسلم، "ق" لهما، "د" لأبي داود، "ت" للترمذي، "ن" للنسائي، "٥" لابن ماجه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا بن ماجه، "حم" لأحمد في مسنده، "عم" لابنه عبد الله في زوائده، "ك" للحاكم، فإن كان في المستدرك أطلق وإلا بينه، "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "حب" لابن حبان في صحيحه، "طب" للطبراني في الكبير، "طس" له في الأوسط "طص" له في الصغير، "ص" لسعيد بن منصور في سننه، و"ش" لابن أبي شيبة، "عب" لعبد الرزاق في الجامع، "ع" لأبي يعلى في مسنده، "قط" للدارقطني فإن كان في السنن أطلق وإلا بين، "فر" للديلمي في مسند الفردوس، "حل" لأبي نعيم في الحلية، "هب" للبيهقي في شعب الإيمان، "هق" له في السنن، "عد" لابن عدي في الكامل، "عق" للعقيلي في الضعفاء، "خط" للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلق، وإلا بين.
والسيوطي يكتفي بهذه الرموز، ولا ينبه على بقية من أخذ عنهم، وقد ذكرهم بأسمائهم، في ثنايا الكتاب، ومنهم ابن عساكر في أماليه، ووكيع في الغرر، وابن مردويه في التفسير، وأبو بكر بن الأنباري في المصاحف، وأبو الشيخ في الثواب، وابن سعد، والبغوي في معجمه، والبارودي في المعرفة، والطيالسي، والضياء في المختارة، وابن أبي عاصم في السنة، والشيرازي في الألقاب، والبيهقي في الأدب، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، والحكيم في نوادر الأصول، وأبو قرة الزبيدي في سننه، وابن خزيمة، وأبو بكر بن لال، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الإشكال، والحلواني، والروياني، وأبو الشيخ في الأذان، وأبو حميد الساعدي ، وغير هؤلاء كثير.
ولو أنه -﵀- نبه على ذلك في مقدمته ولو بإشارة عابرة لأراح القارئ من الوقوف عند الأسماء، فقد لا تكون له دراية بدلالة الاكتفاء التي تدرك بالعقل دون احتياج إلى النص.
وفي الحق أن المتتبع للكتاب يلمس من النظرة الأولى -ودون تعمق في الدراسة- أن هناك جهدًا جهيدًا في استخلاص هذه المجموعة المختارة من الأحاديث، مع ما تقيد به مؤلفه من إيثاره الأحاديث الموجزة من جوامع الكلم، فإنه في الصفحة الواحدة من هذا الكتاب نرى أنه رجع في الأحاديث التي أوردها فيها إلى ما لا يقل عن خمسين كتابًا من أمهات كتب الحديث، حتى استوت له تلك المجموعة التي يطمئن إلى تقديمها للدارسين في حدود ما قيد به نفسه وهو بصدد اختياره.
يضاف إلى ذلك أن كثرة كاثرة من هذه المراجع يتيه الباحث عنها فلا يجدها، وإذا وجد فإنه لا يجد إلا القليل منها، وإذا وجد ذلك القليل فهيهات له أن يستطيع الانتقاء منه على هذا الوجه المؤسس على ملكة حديثية خارقة لما يتصوره الإنسان في أية ملكة يظفر بها دارس أو محدث
[ ٢٦٠ ]
٣- وفي هذا المقام نستطيع أن نسجل أن حرص المؤلف على الاختصار متنا وتخريجًا وتقويمًا أعانه على ضبط الكتاب وسرعة إخراجه وتقديمه إلى الدارسين أكثر تهذيبًا، وأعظم ترتيبًا، وأقرب تناولًا، وأيسر تداولًا، حتى إنه -مع ما وصف به من أنه مختصر من الجامع الكبير- كتب له الظهور قبل الجامع الكبير الذي وصف بأنه أصل لهذا الصغير، وقد أعيا على الباحثين إخراج هذا الأصل بعد أن ظل مختفيًا زهاء خمسة قرون.
٤- كما نستطيع أن نسجل أيضًا أنه يبدو لنا أن المؤلف على طريقته في توزيع المجهودات وملاحقة المؤلفات كان يشتغل بوضع الكتابين معًا في وقت واحد قبل اعتراض ما يحول دون تحقيق أمانيه: من ضعف يقعده عن العمل، أو موت مفاجئ، ولعل هذا هو السبب فيما وقع من وجود بعض أحاديث في الجامع الصغير ليس لها وجود في أصله الجامع الكبير، وقد بينت ذلك -مشكورة- لجنة تحقيق الكبير فيما أخرجته من أعداد، وأوردت بالفعل نصوص تلك الأحاديث بأرقامها من الجامع الصغير من النسخة التي طبعت مرقمة لأحاديث هذا الكتاب.
٥- كما نسجل أن هناك مشابه بين الجامعين، ولا غرابة في ذلك وقد خرجا من منبع واحد، فطريقة العرض مشتركة في الجملة: فكل منهما يبدأ بإيراد لفظ الحديث ثم يخرجه بالرموز -وإن اختلفت بعض الاختلاف الذي سنبينه- ثم يورد كل منهما راوي الحديث عن النبي ﷺ مع بيان وقفه إن كان، وأن هناك اختلافات بينهما قد يكون مردها إلى الاستيعاب في أحدهما والاختصار في الآخر، فالجامع الكبير كثيرًا ما يورد الأحاديث المطولة على عكس الجامع الصغير -كما أشرنا إلى ذلك- وفي تخريجه لأحاديث الكبير يحاول الاستيعاب حتى يصل في تخريج الحديث الواحد إلى صفحة أو يزيد، وقد يكون المتن مع ذلك سطرًا أو أقل، ولا نظير لذلك أبدًا في الجامع الصغير.
٦- على أن رموز التخريج في الجامعين مختلفة في الجملة، فمنها رموز يذكرها المؤلف في الجامع الصغير ولا يذكرها في الكبير وذلك مثل "ق" للشيخين و"٤" لمن عدا الشيخين من الستة و"٣" لهم إلا ابن ماجه، و"خد" للبخاري في الأدب، و"تخ" له في التاريخ.
كما أن منها رموزًا ذكرها في الجامع الكبير لتقويم الأحاديث فلم يستعلمها في الكبير اكتفاء بما أورده من قواعد لهذا الخضم الحافل من كتب التخريج.
٧- أنه بالنسبة للكتب التي نص على صحتها لا يقوم أحاديثها اكتفاء بهذا النص، وبالنسبة للكتب التي نص على ضعفها لا يقوم أحاديثها اكتفاء بهذا النص أيضًا، أما الكتب التي خلطت بين الصحيح والحسن والضعيف فإنه بينها غالبًا بالكلمات لا بالرموز.
[ ٢٦١ ]
وفي ختام دراستنا لكتاب الجامع الصغير نعود فنشير إلى أن خير دليل على مكانته الحديثية الرفيعة أنه رزق من الذيوع والانتشار ما قل أن يظفر بمثله كتاب من نوعه، ولهذا تناوله فحول العلماء من المحدثين وغيرهم بالشرح.
شرحه الشيخ شمس الدين محمد بن العلقمي الشافعي المتوفى سنة تسع وعشرين وتسعمائة في كتابه الذي سماه الكوكب المنير في مجلدين، لكنه قد يترك أحاديث بلا شرح لكونها غير محتاجة إليه، وشرحه الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المتبولي الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وألف في كتاب سماه بالاستدراك النضير على الجامع الصغير، ذكر فيه أن ابن العلقمي أطال فيما لا يحتاج إليه، واختصر فيما يحتاج، بل ترك أحاديث فشرحها مفصلًا، وقدم له بمقدمة في أصول الحديث في مجلد، كما شرحه الشيخ شمس الدين المدعو بعبد الرءوف المناوي الشافعي المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف في كتابه الذي سماه فيض القدير في خمسة أجزاء، وسنتناوله بالدراسة في كتب الشروح بإذن الله، ثم اختصره بعضهم وسماه التيسير، كما شرحه الشيخ علي بن أحمد بن محمد المشهور بالعزيزي البولاقي الشافعي المتوفى عام سبعين وألف للهجرة في كتاب سماه السراج المنير بشرح الجامع الصغير في أربعة أجزاء، كما أن للحفني محمد بن سالم حاشية مطبوعة بهامش شرح العزيزي على الجامع الصغير.
ويبدو أن أعظم شرح لهذا الكتاب هو كتاب فيض القدير للمناوي، فقد تحققت به الغنية في خدمة أحاديثه على مختلف أبوابها وأغراضها عن طلب شيء آخر، ويمتاز شرحه هذا بأن لمؤلفه مع السيوطي مناقشات في بعض ما أورده تقويم الأحاديث من صحة أو حسن أو ضعف، وأنه يؤيد رأيه بنقول عن العلماء تؤكد وجهة نظره فيما اختلف فيه مع السيوطي في درجة بعض الأحاديث.
رحم الله الإمام السيوطي، وجزاه عن إخلاصه للعلم والدين خير الجزاء.
[ ٢٦٢ ]
كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق:
للعلامة زين الدين عبد الرءوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١هـ:
نعود فنعتذر عن ذكر هذا الكتاب لمؤلف عاش فترة قصيرة بعد القرن العاشر المحدد نهاية للزمن في عنوان هذا الكتاب، نعتذر بأن قرب عهده بنهاية تلك العصور، بل إن زهرة حياته التي تكونت فيها ملكته العلمية أمضاها في القرن العاشر.
وإذا كنا قد اعتذرنا في الإتحافات السنية بأنه لم يرد إلينا في الأحاديث القدسية مؤلف سواه لمصري في تلك الفترة التي تناولتها دراستنا، وكان هناك أمرًا ضروريًّا، فإنا نقول هنا غير ذلك: وهو أن الكتاب صورة تستكمل بها دراسات الجوامع في تلك العصور، ونضيف إلى ذلك أنه تأثر كثيرًا بكتاب الجامع الصغير الذي مارسه شرحًا وتخريجًا وتقويمًا في كتابه فيض القدير، فأراد أن يؤلف كتابًا يقرب نهجه من نهجه في الترتيب على الحروف، وإن كان قد تصرف بإضافة بعض أحاديث إلى أحاديث الجامع الصغير استقاها من مراجع لم يذكرها الإمام السيوطي، وحذف كثيرًا مما اختاره السيوطي لأنه لا يتفق مع منهجه الذي اختاره لنفسه، وكأنه يريد بذلك أن يبرز لنفسه شخصية مستقلة.
وقد وصف كتابه في الخطبة التي قدمه بها بما يشوبه بعض المبالغة حيث قال:١ إنه كتاب عجاب، من تأمله دخلت عليه المسرة من كل باب، وأنه جمع فيه زهاء عشرة آلاف حديث، في عشرة كراريس، كل كراس ألف حديث، وفي كل ورقة مائة حديث، تقرأ بالعرض على العادة، وفي نصف العرض بالطول، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، ثم بين ذلك بقوله: كل نصف سطر مستقل بنفسه.
ومن البين أنه إذا كان في نصف سطر مستقلًّا بنفسه أمكنت القراءة بالعرض على العادة وفي نصف العرض بالطول، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى كما ذكره المؤلف.
وإليك مثالًا من الكتاب١:
أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن "فر" أعتق أم إبراهيم ولدها "ق"
أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر "حم" أصدق الحديث ما عطس عنده "ط"
أصدق الطيرة الفأل "ع" أصلح بصرك "ط"
أصلح الناس ولو تعني الكذب "ط" أصل النفاق الذي بني عليه الكذب "فر"
_________________
(١) ١ هامش الجامع الصغير ج١ ص٣.
[ ٢٦٣ ]
ففي هذه المجموعة يمكن للقارئ أن يقرأ السطر عرضًا على الطبيعة، وعرضًا على العكس، بأن يقرأ النصف الثاني للسطر قبل الأول، وفي كل من نصفي السطر حديث كامل، كما يمكنه أن يقرأ النصف الأول من السطر الأول، ثم يقرأ النصف الأول من السطر الثاني حتى نهاية الصفحة، وهكذا في الإنصاف الثانية من السطور من الجانب الثاني، ومن أراد أن يقرأه من الأسفل إلى الأعلى مراعيًا كل السطور أو أنصافها من أي جانب أمكن له ذلك.
وهذه الطريقة كان مبدأ ظهورها في أواخر العصر العباسي منذ ضعفت الملكات في العربية، فاتجهت الأذهان إلى استكمال النقص في الملكات بإظهار البراعة، والاختراع في الصناعة، وأشاع بينهم الكتابة بما يقرأ طردًا وعكسًا على ألوان مختلفة ووجوه متعدده، كما كانوا يكتبون الرسائل بحروف كلها معجمة، أو بحروف كلها مهملة إلى صور أخرى عديدة لا مجال لاستيعابها الآن ونحن في مجال الدراسة الحديثية، ومن أراد أن يتصور هذا فليرجع إلى مقامات الحريري.
وقد كان جديرًا بالمؤلف -وهو من رجال الحديث والمنتسبين إلى هذه الصناعة التي هي أشرف الصناعات- أن يعني بالحقائق تطبيقًا لهذا الاسم الذي اختاره عنوانًا لهذا الكتاب، ولتلك الصفات التي ذكرها في تقديمه له، من أنه فصوص ياقوتية أو عقود زبرجدية أو قلائد زمردية، فإن الحديث النبوي في ذاته، ولا سيما إذا صحت روايته عن السيد المعصوم ﷺ محقق لتلك المعاني دون هذه القيود والتكلفات.
ولعلنا بعد هذا التصوير نضيف إلى أعذارنا السابقة عذرًا جديدًا في دراسة هذا الكتاب، وعرض صفاته على القارئ الكريم؛ لأننا بذلك نعرض صورة لما وصلت إليه دراسة السنة النبوية من الوقوع في شباك هذه التكلفات.
ولقد ترك هذا المسلك أثرًا سيئًا في عدم ترتيب أحاديث الكتاب على الحروف والكلمات كما فعل الإمام السيوطي -رحمة الله عليه- وفي عدم التزام التخير المعنوي لأقوى الأحاديث، فإن التقيد بعدد الكلمات يلجئه إلى جمع ما يسمى حديثًا إلى جنب آخر من شكله، وإن لم تصح النسبة إلى الرسول ﷺ، فتصبح التخيرات الأصلية ضحية لما ألزم به نفسه من القراءة طردًا وعكسًا ويمينًا ويسارًا وصعودًا ونزولًا.
ولهذا وصف صاحب الرسالة المستطرفة وهو يترجم لمؤلفه بأن كتابه هذا مشحون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وذكر أن في رموزه بعض تحريف يغلب على الظن بأنه من النساخ١.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص١٣٨.
[ ٢٦٤ ]
وهذا الحكم أيضًا صحيح، فقد لمسناه في رمزه بحرف النون للقضاعي، فإنه لا يناسب المرموز له، ولا معنى لذكر حرف النون مرة ثانية بعد أن رمز به للنسائي قبل ذلك.
ونعود إلى وصف الكتاب بأنه لون من ألوان جمع السنة، وأن من مظاهر هذا اللون فيما لمسناه من الكتاب ما يأتي:
١- من الواضح أن المؤلف اختار أحاديثه قصارًا لا يتجاوز كل منها مع تخريجه نصف السطر، خلافًا لما رأيناه من طريقة الجوامع في هذا العصر من جمع الأحاديث الطوال إلى جانب المتوسطة والقصار، على التصوير الذي بيناه في كل من الجامعين الكبير والصغير.
٢- أكثر المؤلف من المراجع الحديثية وإن لم تكن ملتزمة الصحة أو الحسن، بل إن بعضها مورد للأحاديث الضعيفة والمنكرة كالديلمي وابن النجار وابن عساكر، وقد فعل ذلك تنفيذًا لما التزمه من التقيد بهذه الأحاديث القصيرة، ليمكن قراءتها بالطول وبالعرض وبنصفه، ومن أعلى إلى أسفل وعكسه كما أراد.
٣- يتفق مع كل من الجامعين الكبير والصغير في كثير مما اختاره من رموز للمراجع الحديثية، كما وضع رموزًا جديدة لمن ذكرهم السيوطي بالاسم في كل من الجامعين ويتبين ذلك فيما يأتي:
"خ" للبخاري في صحيحه، "م" لمسلم، "ق" لهما، "د" لأبي داود، "ت" للترمذي "ن" للنسائي، "هـ" لابن ماجه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا ابن ماجه، "حم" للإمام أحمد في مسنده، "ما" للإمام مالك في الموطأ، "عم" لابن الإمام احمد، "ك" للحاكم، "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "ضا" للضياء المقدسي في المختارة "ط" للطبراني، "بز" للبزار، "عب" لعبد الرزاق، "ش" لابن أبي شيبة، "ع" لأبي يعلى الموصلي، "قط" للدارقطني، "فر" للديلمي، "حل" لأبي نعيم، "هق" للبيهقي، "عد" لابن عدي، "عق" للعقيلي، "خط" للخطيب البغدادي، "كر" لابن عساكر، "قا" لابن قانع، "أبو" لأبي الشيخ ابن حبان، "ن" للقضاعي، "سع" لابن سعد في الطبقات، "خر" للخرائطي، "طيا" لأبي داود الطيالسي، "حك" للحكيم الترمذي في النوادر، "نجا" لابن النجار، "حا" للحارث في مسنده، "عبد" لعبد بن حميد، "يا" لابن أبي الدنيا القراشي، "سن" لابن السني، "شير" للشيرازي، "يه" لابن مردويه، "نيع" لابن منيع، "غز" للغزالي، "ضر" لابن ضريس.
ومن عرض هذه الرموز ترى أنه اتفق مع الجامعين في كثير منها، وأنه استقل بوضع رموز جديدة لمن كان يذكرهم السيوطي بالأسماء في جامعيه: كابن سعد والحكيم الترمذي وعبد بن حميد وتلك ضرورة ألجأته إليها رغبته في الاختصار الشديد في التخريج كما اختصر في المتون تحقيقًا لما التزم به من عدم إيراد حديث أكثر من نصف سطر متنًا وتخريجًا، كما أنه لبس بعض الرموز ببعض، فذكر النون مرة، رمزًا للنسائي وأخرى للقضاعي، وإن كان صاحب الرسالة المستطرقة يبين أن ذلك من تحريف النساخ.
[ ٢٦٥ ]
الفصل الرابع: كتب الزوائد
مدخل
الفصل الرابع: كتب الزوائد
تمهيد:
أولًا: في المقصود بالزوائد وما وضع فيها من المؤلفات
يصور لنا الإمام السيد محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف الزوائد في كتابه الرسالة المستطرفة١ ويذكر ما ألف فيها من الكتب فيقول.
إن الزوائد هي الأحاديث التي يزيد فيها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها، كزوائد ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة للشهاب البوصيري٢ سماه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه في مجلد، وفوائد المنتقى لزوائد البيهقي له أيضًا، ضمنه زوائد البيهقي في سننه الكبرى على الكتب الستة، وإتحاف السادة المهرة الخيرة، بزوائد المسانيد العشرة أي على الكتب الستة له أيضًا وقد اختصره، والمطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر، وهي مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي، ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث، قال السخاوي: وفيه أيضًا الأحاديث الزوائد من المسانيد التي لم يقف عليها مصنفه -أعني شيخنا- تامة لإسحاق بن راهويه، والحسن بن سفيان، ومحمد بن هشام السدوسي، ومحمد بن هارون الروياني، والهيثم بن كليب وغيرها. ا. هـ. وزوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة له أيضا، لخصها من مجمع الزوائد لشيخه نور الدين الهيثمي وزوائد الفردوس في مجلد له أيضًا، وغاية المقصد في زوائد المسند -أي مسند أحمد على الكتب الستة- للحافظ نور الدين أبي الحسن الهيثمي، وله أيضًا زوائد مسند البزار على الكتب الستة سماها البحر الزخار في زوائد مسند البزار٣ في مجلد ضخم، وزوائد مسند أبي يعلى الموصلي عليها في مجلد، وزوائد المعجم الكبير للطبراني عليها أيضًا، وسماه البدر المنير في زوائد المعجم الكبير في ثلاث مجلدات وزوائد المعجم الأوسط والصغير له أيضًا، وسماه مجمع البحرين في زوائد المعجمين في مجلدين.
ثم جمع الزوائد الستة في كتاب واحد محذوف الأسانيد مع الكلام عليها بالصحة والحسن والضعف وما في بعض رواتها من الجرح والتعديل، وسماه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" وهو في ست مجلدات كبار، ويوجد في ثمان مجلدان وأكثر "والذي بين أيدينا في عشر مجلدات".
_________________
(١) ١ ص١٢٧ وما بعدها من الرسالة المستطرفة. ٢ هو شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي المتوفى سنة ٨٤٠هـ من تلامذة الحافظ العراقي سمع منه الكثير، ولازم ابن حجر فكتب عنه لسان الميزان، والنكث على الكاشف والكثير من التصانيف، وله أيضًا تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب لم يبيضه "شذرات الذهب ج٧ ص٢٣٣". ٣ هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري المتوفى بالرملة سنة ٢٩٢هـ، من الشذرات ص٢٠٩ ج٢.
[ ٢٦٩ ]
قال الكتاني: وهو أنفع كتب الحديث "ولا تصح هذه العبارة إلا إذا كان يقصد ما كتب منه في الزوائد" على أنه يقول بعد ذلك: بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب.
ثم قال: وللسيوطي بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد، لكنه لم يتم.
ثم أورد بعد ذلك زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين لنور الدين الهيثمي أيضًا، وسماها موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان في مجلد، وزوائد الحارث بن محمد بن أبي أسامة له أيضًا، وسماها بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، وزوائد الحلية لأبي نعيم في مجلد ضخم، وزوائد فوائد تمام كلاهما له أيضًا، وزوائد سنن الدارقطني في مجلد لقاسم بن قطلوبغا الحنفي، وزوائد شعب الإيمان للبيهقي في مجلد، وزوائد نوارد الأصول للحكيم الترمذي كلاهما للسيوطي.
وليس فيما وقفنا عليه من كتب الزوائد أكثر مما ذكرناه هنا سوى ما عثرنا عليه في مراجعاتنا لكشف الظنون من كتاب وضعه محمد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة ٨١٧هـ في الزوائد على كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ وقد أشرنا إليه عقب الكلام على المسانيد.
ثانيًا: بيان المزيد عليه والمزيد منه وفائدة الزيادة
أ- فأما المزيد عليه فهو الكتب الستة في الجملة، وأحيانًا يضاف إليه مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المتوفى سنة ٢٤١هـ كما وقع في زوائد مسند البزار على مسند أحمد والكتب الستة.
والكتب الستة هي المراجع الأصلية للمسلمين في السنة، وأصحابها على ترتيب الوفاة هم:
١- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري حافظ الإسلام المتوفى ببخارى سنة ٢٥٦هـ.
٢- الإمام مسلم بن الحسين بن مسلم القشيري النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١هـ.
٣- الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتوفى سنة ٢٧٣هـ١.
٤- الإمام سليمان بن أشعث بن بشير بن شداد أبو داود المتوفى بالبصرة سنة ٢٧٥هـ.
٥- الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى بترمذ سنة ٢٧٩هـ٢.
٦- الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفى بمكة سنة ٣٠٣هـ.
والكتب الستة ليست على مرتبة واحدة، فإن أصحها وأكثر قبولًا ورواجًا عند المسلمين الصحيحان: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقد عرف أن جميع ما فيهما صحيح إلا ما ادعاه شذوذ من الناس من أن فيهما بعض الضعيف، وقد ردت عليه دعواه، وأما بقية الكتب الستة ومسند أحمد فإن فيها قليلًا من الضعيف مع التنبيه عليه.
_________________
(١) ١ كما في شذرات الذهب ج٢ ص١٦٤ وانظر الرسالة للمستطرفة ص١٠ وفيها خلاف في سنة وفاته. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص١٧٤.
[ ٢٧٠ ]
ومن أجل ذلك صارت هذه الكتب أهم مراجع الإسلام ومآخذه، واتجه المؤلفون في الزوائد إلى اعتبارها أصولًا يضيفون إليها ما يرون أنه صالح للإضافة من المسانيد الأخرى أو السنن، حتى يظل الناس عاكفين على الكتب الستة التي تلقتها الأمة بالقبول، ولا يشغلهم غيرهم عنها.
ب- وأما المزيد مه فنعني به غير الأصول من كتب السنة الأخرى من المعاجم والسنن والمسانيد الأخرى غير مسند أحمد، والتي أفرزت منها الزيادات واعتبرت كالتكملة لتلك الأصول المزيد عليها، وهذه الكتب التي أخذت منها الزيادات هي:
١- مسند الطيالسي، وهو الإمام أبو داود الطيالسي، واسمه سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
وقد نقل صاحب الرسالة المستطرفة عن بعضهم أن مسند الطيالسي هو أول مصنف من نوعه في هذا الباب، ونوقش بما لا ينهض دليلًا على خلاف ذلك، قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: هو أصدق الناس، قال في العبر: قلت: كتب عن ألف شيخ منهم أبو عون وطبقته، قال عمر بن شيبة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث، توفي سنة أربع ومائتين١.
٢- مسند أبي بكر الحميدي، وهو عالم أهل مكة الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي، روى عن فضيل بن عياض وطبقته، وكان إمامًا حجة، قال أحمد بن حنبل: الحميدي والشافعي وابن راهويه كان كل منهم إمامًا، أو كلاما هذا معناه، وصحب الحميدي الشافعي ووالاه بعد أن كان نافرًا عنه، وصحبه في رحلته إلى مصر، قال ابن ناصر الدين: حدث عنه البخاري وغيره من كبار الأئمة، وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين٢.
٣- مسند مسدد، وهو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد الأسدي -بسكون السين، ويقال بالتحريك- كان يحيى بن معين إذا ذكر نسب مسدد قال: هذه رقية عقرب، قال ابن الأهدل في شرحه للبخاري: نسب مسدد إذا أضيف إليه بسم الله الرحمن الرحيم كانت رقية من العقرب والخمسة الأول بصيغة المفعول والثلاثة الأخيرة أعجمية، وكان مسدد أحد الحفاظ الثقات، وهو ممن تفرد به البخاري دون مسلم، وقال في العبر: مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري سمع جويرية ابن أسماء وأبا عوانة وخلقًا، وله مسند في مجلد سمعت بعضه، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين٣.
٤- مسند أبي بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام أحد الأعلام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، صاحب التصانيف الكبار، سمع من شريك فمن بعده، قال أبو زرعة:
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص١٢. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٤٥. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٦٦.
[ ٢٧١ ]
ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة وهو أسردهم له، وابن معين وهو أجمعهم له، وابن المديني وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفًا، قال ابن ناصر الدين: كان ثقة عديم النظير، وخرج له الشيخان، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين١.
٥- مسند إسحاق بن راهويه، وهو الإمام عالم المشرق أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي النيسابوري الحافظ، صاحب التصانيف، سمع الداروردي وبقية وطبقتهما وقد سمع من ابن المبارك وهو صغير فترك الرواية عنه لصغره، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم بالعراق له نظيرًا وما عبر الجسر مثل إسحاق، وقال محمد بن أسلم: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، ولو كان سفيان حيًّا لاحتاج إلى إسحاق، وقال أحمد بن سلمة: أملى على إسحاق التفسير عن ظهر قلبه، وجاء من غير وجه أن إسحاق كان يحفظ سبعين ألف حديث، قال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، وقال ابن الأهدل: ناظر الشافعي في بيع دور مكة، فلما عرف فضله صحبه وصار من أصحابه ﵄، قال في العبر: توفي نيسابور ليلة النصف من شبعان سنة ثمان وثلاثين ومائتين٢.
٦- مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، وقد جمع زوائده على الكتب الستة. الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه غاية المقصد في زوائد المسند، توفي الإمام أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين٣.
٧- مسند ابن أبي عمر العدني، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدني الحافظ صاحب المسند، روى عن الفضيل بن عياض والداروردي وخلق، وكان عبدًا صالحًا خيرًا، وقال مسلم وغيره: هو حجة صدوق، توفي بمكة سنة ثلاث وأربعين ومائتين٤.
٨- مسند ابن منيع وهو الحافظ الكبير أبو جعفر البغوي الأصم، واسمه أحمد بن منيع صاحب المسند، سمع هشيما وطبقته، وهو جد أبي القاسم البغوي للأمه، وقد خرج له الجماعة لكن البخاري بواسطة واحد، وكان أحد الثقات المشهورين، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين٥.
٩- مسند عبد بن حميد، وهو الحافظ أبو محمد عبد بن حميد الكشي٦ صاحب المسند والتفسير، واسمه عبد الحميد فخفف، سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما، وكان ثقة ثبتًا، توفي سنة تسع وأربعين ومائتين٧.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٨٥. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٨٩. ٣ الرسالة المستطرفة ص١٢٨. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٠٤. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص١٠٥. ٦ الكشي بالشين المعجمة كما في الشذرات. وقيل: بالسين المهملة كما في هامش التذكرة ج٢ ص١٠٤ نقلًا من التقريب، وكما في الرسالة المستطرفة ص٥٠. ٧ شذرات الذهب ج٢ ص١٢٠.
[ ٢٧٢ ]
١٠- سنن ابن ماجه، الإمام السابق ذكره، وصاحب أحد الكتب الستة المشهورة وصاحب التفسير والتاريخ، ذكره صاحب الشذارت فقال: إنه أحد أعلام الإسلام، حافظ ثقة كبير، ونقل أن كتابه السنن لم يحتو على ثلاثين حديثًا في إسنادها ضعف، قاله ابن ناصر الدين، وذكر أنه سمع أبا بكر بن أبي شيبة ويزيد بن عبد الله اليماني وهذه الطبقة، وأنه ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري ليكتب الحديث، وقد شرح زوائده على الخمسة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤هـ كما ذكره صاحب كشف الظنون١.
وقد أخذت زوائد سننه على الكتب الخمسة السابقة عليها على طريقة من لا يعتبر سنن ابن ماجه من الكتب الستة المعتمدة، وقد اختلف الناس في ذلك، فإن هناك طرقًا عديدة للمحدثين في تحديد الكتب الستة المعتبرة، وأشهر هذه الطرق اعتبار سنن ابن ماجه من بين هذه الكتب، ومنهم من لا يعتبرها ويقول: إن فيها كثيرًا من الأحاديث الضعيفة ويضع مكانها موطأ الإمام مالك، ومنهم من يرى إضافة مسند الدارمي إلى الخمسة بدلًا من موطأ مالك باعتبار أنه أولى منه لقلة الضعفاء فيه ولعلو أسانيده٢، ونقل الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في كتابه٣ أن البوصيري نبه في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه على غالبية الأحاديث الضعيفة فيما انفرد به ابن ماجه عن الكتب الخمسة، توفي ابن ماجه سنة ثلاث وسبعين ومائتين٤.
١١- مسند الدارمي، وصاحبه هو الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي الحافظ صاحب المسند والتصانيف، روى عن سليمان بن حرب وطبقته، وكان قذى في أعين المبتدعة قيمًا بالسنة ثقة حجة ثبتًا، قال يعقوب بن إسحاق الفروي: ما رأينا أجمع منه، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، طاف الآفاق في طلب الحديث، وصنف المسند الكبير، توفي سنة ثمانين ومائتين للهجرة٥.
١٢- مسند الحارث، وهو الحافظ أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، سمع علي بن عاصم وعبد الوهاب بن عطاء وطبقتهما، قال الدارقطني: صدوق، وقيل: فيه لين، كان لفقره يأخذ على التحديث أجرًا، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحارث بن محمد بن أبي أسامة في كتاب سماه بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين وله ست وتسعون سنة٦.
١٣- مسند البزار، وصاحبه هو الإمام الحافظ أبو بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسندين الكبير والصغير، روى عن هدبة بن خالد وأقرانه، قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه، وقال في المغني: أحمد بن عمرو أبو بكر البزار الحافظ صاحب
_________________
(١) ١ ص١٠٠٤ ج٢. ٢ الرسالة المستطرفة ص١٢٨. ٣ المختصر ص٨٧. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٦٤. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص١٧٦. ٦ شذرات الذهب ج٢ ص١٧٨.
[ ٢٧٣ ]
المسند صدوق، قال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، توفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين١.
١٤- نوادر الأصول للحكيم الترمذي، وهو محمد بن علي بن بشر أبي عبد الله الزاهد الحافظ الصوفي، وكان ممن امتحن بسبب تصوفه وتكلم فيه، وله عدة مصنفات في المنقول والمعقول، ومن أنظفها نوادر الأصول، توفي مقتولًا ببلخ سنة خمس وتسعين ومائتين، وقيل غير ذلك٢.
١٥- سنن النسائي، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ، وقد شرح زوائده على الأربعة "الصحيحين وأبي داود والترمذي" الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة، توفي النسائي سنة ثلاث وثلاثمائة٣.
١٦- مسند أبي يعلى الموصلي، وهو أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الحافظ صاحب المسند، روى عن علي بن الجعد وغسان بن الربيع والكبار، وصنف التصانيف وكان ثقة صالحًا متقنًا، توفي سنة سبع وثلاثمائة وله من العمر تسع وتسعون سنة٤.
١٧- حلية الأولياء لأبي نعيم، وهو عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الحافظ الجوال الفقيه، قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقوال الصحابة بخراسان من أبي نعيم، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كلها، وله كتاب الضعفاء في عشرة أجزاء، وقد جمع الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد الحلية في كتاب، توفي أبو نعيم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة٥.
١٨- صحيح ابن حبان، وهو الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وقد جمع زوائده الحافظ نور الدين الهيثمي على الصحيحين في ملجد سماه موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان٦.
١٩- معاجم الطبراني الثلاثة، وصاحبها الحافظ العلم مسند العصر الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي، كان ثقة صدوقًا واسع الحفظ، بصيرًا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، وأول سماعه بطبرية المنسوب إليها سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ورحل أولًا إلى القدس، ثم إلى قيسارية فسمع من أصحاب محمد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص وجبلة ومدائن الشام، وحج ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٣٠٩. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٢٢١ وذيل كشف الظنون ج٦ ص١٦ وذكر فيه أن اسم الكتاب نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول. ٣ كشف الظنون ص١٠٠٦ ج٢. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص٢٥٠. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص٢٩٩. ٦ شذرات الذهب ج٣ ص١٦ والرسالة المستطرفة ص١٢٨.
[ ٢٧٤ ]
وفارس، روى عن أبي زرعة الدمشقي وإسحاق الديري وطبقتهما كالنسائي، وعنه من شيوخه أبو خليفة الجمحي وابن عقدة وأبو نعيم الحافظ وأبو الحسين قادشاه وغيرهم.
قال ابن خلكان: وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير وهو أشهر كتبه، وقال ابن ناصر الدين: هو مسند الآفاق ثقة، له المعاجم الثلاثة المنسوبة إليه، توفي سنة ستين وثلاثمائة وله من العمر مائة سنة وعشرة أشهر١.
٢٠- سنن الدارقطني، وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الإمام الحافظ الكبير شيخ الإسلام، كان يدعى أمير المؤمنين في الحديث، روى عن البغوي وطبقته، ويقول الخطيب فيه: كان فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته، وقال الحاكم: صار أوحد أهل دهره في الحفظ والفهم والورع، واشتهر أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة٢، وزوائد كتابه في مجلد لقاسم بن قطلوبغا الحنفي.
٢١- فوائد تمام، وهو ثلاثون جزءًا، ومؤلفه هو تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي ثم الدمشقي من مشاهير حفاظ الحديث.
قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الكتاني: لم أر أحفظ منه في حديث الشاميين، وقال أبو علي الأهوازي: ما رأيت مثله في معناه، وقال أبو بكر الحداد: ما رأينا مثل تمام في الحفظ والخير وقد جمع الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي زوائد فوائد تمام في كتاب وتوفي تمام سنة أربع عشرة وأربعمائة٣.
٢٢- سنن البيهقي، وهو الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، صنف زهاء ألف جزء منها السنن الكبرى، والسنن الصغرى، والمعارف، والأسماء والصفات، ودلائل النبوة، وفضائل الصحابة، وارتحل إلى بغداد والحجاز، توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة هـ.
والزوائد التي أخذت منه على الكتب الستة ألفها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي المتوفى سنة أربعين وثمانمائة هـ، وسماها فوائد المنتقى لزوائد البيهقي، ولشعب الإيمان للبيهقي أيضًا زوائد ألفها السيوطي في مجلد.
٢٣- مسند الفردوس، ومؤلفه هو الحافظ أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني، صاحب كتاب الفردوس وتاريخ همذان، قال ابن العماد في الشذرات نقلًا عن الذهبي: إن غيره أتقن منه، وشهد له ابن الصلاح بأنه محدث واسع الرحلة، حسن الخَلْق والخُلُق ذكي صلب في السنة، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب سنة تسع وخمسمائة٤.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٣ ص٣٠. ٢ شذرات الذهب ج٣ ص١١٦. ٣ الأعلام للزركلي ص١٦٥ وشذرات الذهب ج٣ ص٢٠٠. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص٢٣، وتذكره الحافظ ج٤ ص٥٣.
[ ٢٧٥ ]
ومن أسماء الكتب التي تشتمل على بعض الزوائد كتاب تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول في أربع مجلدات لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة تسع وعشرة وثمانمائة هـ، زاد فيه أحاديث على كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري -ذكره صاحب كشف الظنون ولم يذكر موضوع الكتاب ولا طريقته١.
وهناك عدة مسانيد لم تشتهر شهرة المسانيد المذكورة كمسند المطوعي المتوفى سنة ٢١٣هـ، ومسند أسد بن موسى المعروف بأسد السنة المتوفى سنة ٢١٢هـ، ومسند العبسي عبد الله بن موسى المتوفى سنة ٢١٣هـ، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحماني المتوفى سنة ٢٢٨هـ، ومسند أبي خيثمة زهير بن حرب الغساني البغدادي، ومسند أبي جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان المتوفى سنة ٢٩٧هـ، ومسند بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٩٦هـ، ومسند الهيثم بن كليب وغيرهما.
وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى بعضها في مقدمة كتابه المطالب العالية حين ذكر أن هناك أشباه كاملة من المسانيد هي التي جمع منها شيخه الهيثمي زوائدها، فلم ير أن يزاحمه عليها، ثم قال: إنه وقف على قطع من عدة مسانيد كمسند الحسن بن سفيان، ومحمد بن هشام السدوسي، ومحمد بن هارون الروياني، والهيثم بن كليب٢. ثم قال: إنه لم يكتب منها شيئًا لعله إذا بيض هذا التصنيف أن يرجع فيتتبع ما فيها من الزوائد ويضيف إلى ذلك الأحاديث المتفرقة التي على فوائد الشيوخ.
ج- وأما فائدة الزيادة، فإنه يبدو لنا أنها تتركز في أمر تقريب السنة وتيسير تداولها، ولا سيما على كثير ممن إنما يمارسون كتبًا محدودة، بل إن كثيرًا من الخاصة يقصرون اتجاهاتهم في كتب السنة على الكتب الستة وما يتصل بها استخراجًا أو اختصارًا أو شرحًا أو ما إلى ذلك، فأما أمثال هذه الزوائد فإنها عازبة عن كثير من الناس حتى الخاصة منهم كما قلنا، وهي مأخوذة من موسوعات عظيمة درس أكثرها في كثير من البلاد الإسلامية والمكتبات الدينية، وإذا كان قد بقي شيء منها فإنه إلى النفاد لعزته وصعوبة الحصول عليه، وأكثره من المخطوطات التي لا يتيسر لكثير من الناس الاطلاع عليها والاستفادة منها، ولعزة الفراغ الذي يمكنهم من السعي إليها في مظانها، ولضن المشرفين على المكتبات بتلك المخطوطات إلا بقيود معينة، وربما كان هناك بعض المطبوعات النادرة ولكنه قليل، كسنن البيهقي، ومسند أحمد، والحلية لأبي نعيم.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٣٧ والرسالة المستطرفة ص ١٣١. ٢ أوردت الرسالة المستطرفة مسند السدوسي وقال مؤلفها: إنه بصري مصري توفي سنة ٢٥١هـ، كما أورد مسند أبي العباس الحسن بن سفيان بن عامر الشيباني النسائي البالوزي المتوفى ببالوز سنة ٣٠٣هـ، ومسانيده ثلاثة، كما أنه ذكر مسند الروياني وقال: إن صاحبه أبو بكر محمد بن هارون الروياني نسبة إلى رويان بلد بنواحي طبرستان توفي سنة ٣٠٧هـ، وقال: إنه مسند مشهور قال فيه ابن حجر: إنه ليس دون السنن في الرتبة، وأشار أيضًا إلى مسند أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي محدث ما وراء النهر، وشاش مدينة وراء نهر سيحون من ثغور الترك، وهو مسند كبير، وتوفي الهيثم سنة ٣٣٥هـ. ا. هـ من الرسالة المستطرفة ص٥٣ وما بعدها.
[ ٢٧٦ ]
فإذا أخذت الزيادات على الكتب الأصلية المتداولة من هذه الكتب الغزيرة الحافلة قربت السنة إلى الناس، ولو أن مثل السيوطي وجه همته إلى جميع هذه الزيادات من مظانها الميسرة له، بدلًا من تفكيره في جمع السنة كلها في جامعه الكبير، الذي اخترمته المنية فحالت دون استكماله، وتركه للمسلمين أوراقًا مبعثرة تستنفد كثيرًا من جهود العلماء في تنقيحها وتصحيحها وترتيبها إذًا لهان الأمر في تقريب السنة كثيرًا على من ينشدون ذلك ويسعون في تحصيله لهم وللأمة الإسلامية قضاء لحق واجب.
ويا حبذا لو تنبه مجمع البحوث الإسلامية إلى تلك الفكرة فجمع هذه الزيادات وهذبها وحقق بها تلك البغية المنشودة للمسلمين في أقطار الأرض.
ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل تقريب السنة بجمع هذه الشوارد وإضافتها إلى كتبها المشهورة المتداولة، فإنها أحاديث من كلام النبي ﷺ وأفعاله، لها ما لتلك الأحاديث من أهمية في الاستدلال لشئون الدين، والإغناء عن كثير مما يضطر إليه أئمة المذاهب وأصحاب الفروع حين يعيهم الوصول إلى الأدلة من السنة فيلجئون إلى أدلة أخرى لا يجوز اللجوء إليها شرعًا لو تيسرت لهم الأدلة من الكتاب أو السنة، ولهذا كان كثير من رجال السنة والأثر يستغني بما آتاه الله منها -كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما- عن أخذ الفقه على تلك الأساليب التي لجأ إليها كثير من أئمة الفقه وأصحاب الفروع، وإذا كان في كتب الزوائد بعض من الأحاديث الضعيفة أو المنكرة فإنها لا تعدو في ذلك أن يكون شأنها شأن غيرها من كتب السنة المعتبرة التي تحوي بعض تلك الأحاديث ولم يقل أحد إنه يمتنع كتابة الأحاديث الضعيفة أو روايتها ما دام هناك تنبيه إليها، ولا شك أن لها فضلها كاعتبارات أو متابعات أو شواهد ترفع من شأنه وتجعله حسنًا، وترفع من شأن الحسن أحيانًا وتجعله صحيحًا لغيره -كما بين في موضعه من علوم الحديث- وأحيانًا يستدل بها على الأحكام إذا عز الحديث الصحيح، وتقدم على القياس كما عرف من أسلوب الإمام أحمد في الاستدلال.
على أن لأصحاب الزوائد التي أطلعنا عليها دقة عجيبة في تخريج الأحاديث وفحصها، والتنبيه إلى مراتبها ودرجات رجال إسنادها، حتى إنهم كثيرًا ما يقفون من بعضها مواقف سلبية لا يجزمون فيها بحكم كما سنبينه في دراسة كتب الزوائد إن شاء الله.
ولا بد أيضًا أن نشير إلى ما لكتب الزوائد من أثر عظيم في توسيع المدارك الإسلامية، وتوجيه الأذهان إلى بعض النواحي غير المطروقة، والتي ينبغي للمسلمين أن يتعرفوا عليها في إبراز الجوانب المتعددة لصاحب الرسالة ﷺ، وأسلوبه في جميع شئون حياته، مما يصلح أساسًا لبناء الشخصيات المسلمة، ويرسم لها سبل الحياة السعيدة الموفقة.
ويتصل بهذا -أيضًا- أن توسيع المدارك أمر له خطره في شرح السنة، وتوضيح غوامضها وحل مشكلاتها، فإن السنة تفسر السنة، كما أنها تفسر الكتاب، وتبين كثيرًا من الغوامض والمشكلات
[ ٢٧٧ ]
فكلما اتسعت دائرة النظر فيها أمكن الانتفاع بها في ترجيح بعض الأدلة، ورفع ما قد يبدو من تناقض بين بعضها وبعض، وبيان ناسخها ومنسوخها، وفي كتب الزوائد ما يعطي تلك الثمرات العظيمة، ويضيف سنة بعيدة عن المتناول إلى سنة قريبة متداولة، وفي اجتماع هذه بتلك بيان للدين، وكشف لحقائقه بين المسلمين.
وننتقل بعد ذلك إلى دراسة لكل من كتابي الزوائد اللذين عرفا في الأوساط العلمية بعد نشرهما وهما: مجمع الزوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المصري، المتوفى سنة سبع وثمانمائة للهجرة، والمطالب العالية للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة، فإن لكل من هذين الكتابين منهجه في اختيار الزوائد وطريقة عرضها مما يتبين من دراستنا لكل منهما فيما نعرضه على القارئ الكريم.
[ ٢٧٨ ]
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
للحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧هـ:
ومؤلفه هو الإمام الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان أبي الحسن الهيثمي القاهري١ الشافعي المعروف بالهيثمي، ولد في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ونشأ فحفظ القرآن الكريم، ثم صحب الزين العراقي ولم يفارقه سفرًا ولا حضرًا حتى مات، بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس وبعلبك وحلب وحماة وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته، ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا والتقي السبكي، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه، حتى إنه أرسله مع ولده ولي الدين أبي زرعة لما ارتحل إلى دمشق، وزوجه ابنته خديحة، ورزق منها عدة أولاد، وكتب الكثير من تصانيف الشيخ، بل قرأ عليه أكثرها، وتخرج به في الحديث، بل دربه في أفراد زوائد كتب المعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى على الكتب الستة، وقد أفرد زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين، ورتب أحاديث الحلية لأبي نعيم على الأبواب، ومات عنه مسودة، فأكمله وبيضه الحافظ ابن حجر، كما رتب أحاديث الغيلانيات والخلعيات وفوائد تمام، والأفراد للدارقطني، وتركه مسودة فأكمله الحافظ ابن حجر، ورتب كلا من ثقات ابن حبان وثقات العجلي على الحروف، وقد أعانه الزين العراقي بكتبه، ثم بالمرور عليها وتحريرها وعمل خطبها ونحو ذلك، وعادت بركة الزين عليه في ذلك وفي غيره، وكان عجبًا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة وخدمة الشيخ، والمحبة في الحديث وأهله.
نقل ابن العماد في الشذرات٢ عن ابن حجر أنه قال: قرأت عليه الكثير، ومما قرأت عليه بانفراده نحو النصف من مجمع الزوائد له وغير ذلك، توفي ﵀ بالقاهرة ليلة الثلاثاء التاسع عشر من رمضان سنة سبع وثمانمائة للهجرة، ودفن خارج باب البرقوقية.
وهذا الكتاب -كما سبق أن ذكرنا- جمع فيه مؤلفه الزوائد من المسانيد الثلاثة: مسند أحمد ومسند أبي يعلى ومسند البزار، وأضاف إليها المعاجم الثلاثة للطبراني -وقد أشرنا إليها- وهي المعجم الكبير والمعجم الأوسط والمعجم الصغير.
والمسانيد في اصطلاحهم هي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حده -صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا- ولكل من أصحاب المسانيد طريقة يختلف بها عن الآخر، فمنهم من يرتبها على حروف المعجم، ومنهم من يرتبها على القبائل، أو على السابقة إلى الإسلام أو الشرف في النسب.
_________________
(١) ١ من مقدمة محقق مجمع الزوائد ج١ ص١٢ وما بعدها نقلًا عن الضوء اللامع والشذرات وذيول التذكرة. ٢ شذرات الذهب ج٧ ص٧٠.
[ ٢٧٩ ]
ومعنى المعجم في اصطلاح المحدثين ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أيضًا، أو على ترتيب الشيوخ، أو على ترتيب البلدان، قال في الرسالة المستطرفة١: والغالب في تلك المعاجم أن تكون مرتبة على حروف الهجاء كمعجم الطبراني الكبير المؤلف في أسماء الصحابة على حروف المعجم إلخ.
ولا بد لنا من تصوير كل من هذه المسانيد الثلاثة والمعاجم الثلاثة، التي هي مصدر الزوائد الواردة في كتاب الهيثمي كل على حدة في إيجاز.
١- مسند الإمام أحمد:
وهو -كما وصفه الكتاني-٢ يشتمل على ثمانية عشر مسندًا: أولها مسند العشرة وما معه وفيه زيادات ولده عبد الله، ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد الله، وقد اشتهر عند كثير من الناس أن عدة المسند أربعون ألف حديث، وقال ابن المديني: إنه لم يزل يسمع ذلك من الناس حتى قرأه على أبي منصور بن رزيق، وقد صرح بذلك الحافظ شمس الدين محمد بن الحسين في التذكرة فقال: عدة أحاديثه أربعون ألفًا بالمكرر، وقال ابن المنادي: إنه ثلاثون ألفًا، والاعتماد على قوله، وقد انتقاه الإمام من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده٣.
وكما سبق أن أشرنا جمع الحافظ نور الدين أبو الحسن الهيثمي زوائد مسند أحمد على الكتب الستة في كتاب سماه، غاية المقصد في زوائد المسند.
٢- مسند البزار:
ذكره صاحب الرسالة المستطرفة٤ وقال: إن له مسندين صغيرًا وكبيرًا، والمسند الكبير هو المسمى بالبحر الزخار، بين فيه الصحيح من غيره، وقال العراقي: إنه لم يفعل ذلك إلا قليلًا إلا أنه يتكلم في بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه، وقد رجعنا إلى الزين العراقي في تعليقاته على مقدمة ابن الصلاح، فوجدناه ذكر ذلك جوابًا عما اعترض به على ابن الصلاح من الحكم على المسانيد بأنها أقل مرتبة من الكتب الخمسة الصحاح؛ لأن مسند البزار يبين فيه الصحيح وغيره فقال العراقي: إن ذلك قليل فيه إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواته إلخ، وقد نقلها عنه أيضا في تدريبه تمييزًا لمسند البزار عن غيره٥ سماها البحر الزخار في زوائد مسند البزار في مجلد ضخم.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص١٠١. ٢ الرسالة المستطرفة ص١٥. ٣ وانظر الحديث، والمحدثون للدكتور أبي زهو ص٣٦٩ والتدريب جزء ١ ص١٧٢. ٤ الرسالة المستطرفة ص٥١. ٥ راجع التقييد والإيضاح ص٥٦، ٥٨، والتدريب ج١ ص١٧٤.
[ ٢٨٠ ]
٣- مسند أبي يعلى:
ذكره صاحب كشف الظنون فقال -نقلًا عن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند ابن منيع، فإذا هي كالأنهار ومسند أبي يعلى كالبحر، فيكون مجمع الأنهار١ وقد ذكر الكتاني في الرسالة -كما سبق أن أشرنا- أن للحافظ الهيثمي على مسند أبي يعلى الموصلي زوائد على الكتب الستة في مجلد ضخم إلا أنه -كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه المطالب العالية- لم يستوعب مسند أبي يعلى، بل اقتصر فيه على الرواية المختصرة، فترك أشياء من هذا المسند استدركها عليه تلميذه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.
وأما المعاجم فهي معاجم الطبراني الثلاثة، وقد تحدث عنها صاحب الرسالة المستطرفة فذكرها على النحو الآتي:
١- المعجم الكبير:
وهو المعجم الذي ألفه في أسماء الصحابة على حروف المعجم -عدا مسند أبي هريرة فإنه أفرده في مصنف- ويقال إنه أورد في المعجم الكبير ستين ألف حديث في اثني عشر مجلدًا، وقال فيه ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلامهم المعجم فهو المراد، وإذا أريد غيره قيد٢.
٢- المعجم الأوسط:
وهو العجم الذي ألفه أسماء شيوخه، وهو قريب من ألفي رجل، حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذهبي٣: إنه في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بين فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول: هذا الكتاب روحي لأنه تعب عليه، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.
٣- المعجم الصغير:
وهو الذي يقول الذهبي فيه٤: إنه روى عن كل شيخ له فيه حديثًا واحدًا، وقال صاحب الرسالة المستطرفة:٥ إنه خرج فيه عن ألف شيخ يقتصر فيه غالبًا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، قيل: وهو عشرون ألف حديث، ذكره غير واحد لكن ذكر المقري في فتح المتعال نقلًا عن كتاب إرشاد المهتدين لمشايخ ابن فهد تقي الدين أن المعجم الصغير للطبراني في مجلد يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، قال: لأنه
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص٥٤ وكشف الظنون ج٢ ص١٦٧٩. ٢ الرسالة المستطرفة ص١٠١. ٣ الرسالة المستطرفة ص١٠١، وانظر التذكرة ج٣ ص١١٨ و١١٩. ٤ التذكرة ص١١٩. ٥ ص١٠١ و١٠٢ من الرسالة المستطرفة.
[ ٢٨١ ]
خرج فيه عن ألف شيخ، كل شيخ حديثًا أو حديثين، انتهى وهو التحرير والصواب وخلافة سبق قلم.
هذا ما تيسر لنا من الحديث عن المسانيد الثلاثة والمعاجم الثلاثة التي أفرز منها الحافظ نور الدين الهيثمي زوائدها على الكتب الستة، وأودعها كتابه الكبير: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
وقد تحدث المؤلف ﵀ في مقدمة كتابه عن السبب الباعث له على جمع الزوائد في هذا المؤلف فقال: وبعد، فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة رضي الله عن مؤلفيها وأرضاهم، كل واحد منها في تصنيف مستقل، ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد، فقال لي شيخي أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي ﵁: اجمع التصاينف واحذف أسانيدها لكي يجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا المؤلف.
ثم ذكر أنه رتب هذه الزوائد على كتب أوردها ليسهل الكشف منه، وهي الكتب والأبواب المعروفة في الجوامع العامة -في الجملة- ولا تختلف عنها كثيرًا، وقال: إنه سماه بتسمية شيخه: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وتكلم عما فيه من الاصطلاح فقال: إن ما تكلم عليه من الأحاديث من تصحيح أو تضعيف وكان من حديث صحابي واحد ثم ذكر له متنًا بنحوه فإنه يكتفي بالكلام عقيب الحديث الأول إلا أن يكون المتن الثاني أصح من الأول.
بقيت مهمتنا نحن مع هذا الكتاب، وهي بيان ما أضافه إلى المكتبة الحديثية من جديد، وما تركه من أثر في خدمة السنة المحمدية.
ونحن نرى أن هذا الكتاب ثروة ضخمة تركت لنا آلافًا مؤلفة مما لم يرد له ذكر في كتب السنة المتداولة، وأن ناحية بارزة ملموسة فيه، وهي أشياء من غرائب العلم مما ليس بمتداول في كتب السنة الأخرى التي بين أيدنا، حتى إن كثيرًا من الأحاديث الواردة فيه قد يكون لها أصل في كتب السنة المتداولة -وهو نفسه كثيرًا ما يشير إلى تلك الأصول- إلا أن هذه الأحاديث المكررة مع تلك الأصول تذكر في صور تبدو فيها تلك الغرائب، ولا سيما ما يراد منها مع ذكر مناسبة الحديث وسببه.
وناحية عظيمة لا يمكن إغفالها في تلك المناسبة -وهي أنه ليس مجرد تسمية هذه الأحاديث بالزوائد أنها مجرد زوائد على الكتب الستة نقلت من المسانيد إلى هذا الكتاب- وحسبنا ذلك إضافة إليها فهذه الزوائد ليست ليست مجرد نقل لتلك الأحاديث، ولا هي نقل لها على الترتيب الذي كانت قد وردت عليه في تلك المسانيد والمعاجم، ولا على الصفة التي كانت عليها الأحاديث في تلك المراجع فإنه يبدو أنها فيها غير مخرجة ولا مقومة.
وإن القارئ الفاضل يعلم مما أوردنا أن تلك المسانيد والمعاجم ترتب الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو نحو ذلك، مما أشرنا إليه في تصويرنا للمسانيد والمعاجم وطريقتها بعامة،
[ ٢٨٢ ]
وفي تصويرنا لمسانيدنا هنا ومعاجمنا بخاصة، ولو كان النقل على ذلك الترتيب الوارد هناك لهان الأمر بعض الشيء، ولكان أقل مجهودًا مما ورد عليه في هذا الوضع الجديد، فقد يكفيه أن يستعرض مسانيد الصحابة أو معاجم الشيوخ، ثم يورد هنا من أحاديثهم ما لم يرد ذكره في المزيد عليه من كتب السنة، ليكون العمل في تلك الزوائد على نسقها ومسايرًا لها، ولكن وراء ذلك مهمة شاقة لا يدركها إلا من زاول دراسة أبواب السنة في جوامعها الأولى وطريقة التبويب فيها.
والمؤلف رحمه الله تعالى قد أشار إلى جانب من ذلك المجهود الضخم في تواضع وأدب حين قال: وقد رتبته على كتب أذكرها لكي يسهل الكشف منه إلخ، على أنه ﵀ حين رتبه على الكتب لم يكتف بذكر كتب عامة، وإنما أورد ما أدرجه تحتها من أبواب -أكثر منها جدًّا- بحيث صار كثير من العنوانات يتفق في المعنى مع ما تدل عليه الأحاديث الواردة فيها، بل ربما كان العنوان بنفس لفظ الحديث الوارد، ولم يتأثر في ذلك بما سبق به من قبل إلا في طريقة البخاري وأبي داود ومن سار على نهجهما من ذكر عناوين قد تؤخذ منها الأحكام التي تدل عليها الأحاديث المندرجة تحتها، وهو مجهود قيم كبير يقتنع به كل الاقتناع من تصفح الكتاب بل إنه يدركه لأول وهلة من نظر في فهارس كتبه وأبوابه.
وواضح أن في ذلك التصرف إحياء لتلك المعاجم، وإبراز لتلك النواحي الحديثية المقصودة منها، وهي توضيح معالم الدين، وإظهار ما فيه من أغراض مختلفة عظيمة، وأما تلك المعاجم والمسانيد فهي مجرد اختزان لتلك الأحاديث وحفظ لها، إلى أن يقيض الله لها أمثال هذا الحافظ العظيم، ممن يقف على تلك الخزائن فيخرج مما فيها بأمانة، ويوزعها على من ينتفع بها في أبوابها وعناوينها المختلفة، ويصيب الناس منها ما كتب الله لهم من العلم في يسر وسهولة.
ومن هذا التقرير يتبين لنا مدى ما أسداه المؤلف وأمثاله ﵏ ممن سلك مسلكه في كتب الزوائد، حيث قدموا لنا هذه الزوائد على طريقة الكتب الجوامع التي خلدت بما فيها من التخير للأحاديث، مضافًا إليها ذلك التبويب الموضوعي الذي ينتفع به كل باحث في الدين ودارس للعلم.
ومن أبرز هذه النواحي ما نلمسه في هذا المؤلف مما جاء أثرًا لتجميع الأحاديث المتعددة المراجع في باب واحد، من ظهور كثرة كاثرة من الأحاديث أحيانًا في موضوع واحد كنتيجة لذلك التجميع الموضوعي، فإنها لا بد وأن تترك أثر كبيرًا في نفس القارئ، وتنير أمامه الطريق للانتفاع بها كأدلة ووسائل للمعارف الإسلامية، وأنها تبهر القارئ الذي لو أراد أن يكلف نفسه ويرجع إلى نظائرها في الكتب الأخرى لعرف مقدار الحاجة التي كانت قائمة إلى تجميع هذه الأحاديث، وعدم حرمان الأمة الإسلامية من الانتفاع بها على هذا الوجه العظيم، وأنه لولا هذا التجميع على هذا الوجه لظلت موضوعات كثيرة من فروع الدين وأبوابه شاغرة تتطلب توجيهات إسلامية ترفع عن بعضها كثيرًا من التضارب، كما تزيل كثيرًا من الغموض عن بعضها الآخر.
[ ٢٨٣ ]
أضف إلى ذلك أن مؤلف الكتاب كان حريصًا على استيعاب تلك الأحاديث مهما تكرر الحديث الواحد منها، علمًا منه -وهو من أئمة هذا الشأن- أن لتعدد الروايات فوائد عظيمة، منها الانتفاع باختلاف الروايات -بين بعض الألفاظ وبعض تارة، وبالزيادة والنقص تارة- في شرح لغامض، أو بيان لمجمل، أو إيضاح لمبهم، وفيه -في نفس الوقت- تقوية للأحاديث، برفع رتبة الضعيف منها إلى الحسن تارة، والحسن منها إلى الصحيح أخرى، ومن أجل ذلك، فإن المؤلف لا يمل من تكرار الأحاديث تقديرًا لأمانة العلم، وحرصًا على تقديم الفوائد المتعددة من هذا التكرار.
ونبادر هنا فنذكر على سبيل المثال أنه أورد في خطبة حجة الوداع -تحت عنوان الخطب في الحج- ثمانية عشر حديثًا مختلفة الروايات في هذا المقام١.
هذا: وإنه بهذا التصرف قد أراح نفوسًا كثيرة، وأغناها عن البحث عن تلك المعاجم والمسانيد التي نقل منها هذه الزوائد، حيث أصبحت في غير حاجة إلى طلبها والحرص على تحصيلها لأن ما زاد فيها عن الكتب الستة قد أصبح وافيًا على طرف الثمام، وهو مجمع في أبوابه، متضام كل إلف فيه إلى إلفه، بأسلوب بين غثه من سمينه، بل إنه ربما أصلح من شأن الغث بإلحاقه بالسمين بما نشأ من تلك الشواهد والاعتبارات التي كانت نتيجة لذلك التكرير.
فهذه الأصول التي استقي منها المؤلف زوائده فوق أنه يعز الحصول عليها لندرتها أو فقد بعضها الآن، فإنها إذا وجدت يعز الوصول -على الخاصة بله العامة- إلى تجميع أحاديثها تحت عناوينها التي تربط بعضها ببعض، ولئن تم ذلك فإنه يحتاج إلى بيان مرتبة كل حديث منها، وهيهات أن يتم ذلك لغير متخصص ممتاز من أمثال صاحب هذا الكتاب ﵀ وأحسن جزاءه، فقد عني بهذا الأمر عناية زادت من قيمة كتابه، ودلت على تمكنه ورجحانه على غيره ممن حاولوا تلك المحاولة، فأضحى كتابه للدارس مستغنيًا عن أن يبذل فيه مجهود آخر لنعرف ما فيه من مراتب الحديث.
ومما يؤيدنا في اعتبار تلك المسانيد -قبل فرز الزوائد منها- في درجة لا تصلح للتعويل عليها كثيرًا، ولا تصلح مصدرًا لغير المتخصصين من أئمة هذا الشأن أن الإمام العارف الشيخ أحمد شاه المعروف بشاه الدهلوي قال -وهو بصدد إيراد طبقات كتب الحديث: إن هناك طبقة ثالثة -وأورد فيها المسانيد والمصنفات التي صنفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما- جمعت بين الصحيح والحسن والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر بين العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء "يعني أحاديث الزوائد" ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي بشرح غريب، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدث
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٩٤ ص٢٦٥.
[ ٢٨٤ ]
ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، فهي باقية على استتارها واختفائها، وخمولها، كمسند أبي يعلى، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف عبد بن حميد، والطيالسي، وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل، ثم ذكر طبقة أخرى وقال: إن مصنفيها جمعوا فيها -بعد قرون متطاولة- ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجامع والمسانيد المختفية، وكانت على ألسنة من يكتب حديثه المحدثون، ثم قال: إنه من مظنة هذه الأحاديث كتب الخطيب وأبي نعيم ومسند الخوارزمي، وهذه الطبقة مادة كتب الموضوعات، ثم أورد في آخر حديثه فذلكة ذكر فيها أن الطبقة الثالثة لا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم يؤخذ منها المتابعات والشواهد، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا١.
ولعل في هذا ما يؤيد -إلى حد كبير- رأينا في تلك الزوائد قبل فرزها من مراجعها على يد مثل ذلك الجهبذ النحرير، على يد الإمام الحافظ الهيثمي طيب الله ثراه.
وأما طريقة المؤلف في عرضه لأحاديث الزوائد في هذا الكتاب، فإنه:
أولًا: وكما سبق أن أشرنا سلك فيها الإيراد تحت عنوانات أبواب متعتددة تشملها كتب عامة ضمنها كتابه.
فبدأ بكتاب الإيمان وأورد تحته أبوابًا عديدة في موضوعات منه مثل: باب فيمن شهد ألا إله إلا الله، باب فيما يحرم دم المرء وماله، حتى إذا طال الباب أورد جانبًا منه تحت عنوان: باب منه: دفعًا للسآمة، باب الإسلام يجب ما قبله، باب فيمن مات يؤمن بالله واليوم الآخر وهكذا إلى أن أورد خمسة وثمانين بابًا، كلها تندرج تحت كتاب الإيمان وتدل على فروع مختلفة فيه.
ثم انتقل إلى كتاب العلم، فأورد تحته من الأبواب ما يأتي: باب في طلب العلم، باب منه، باب فضل العالم والمتعلم، باب منه، باب الخير كثير ومن يعمل به قليل، باب حث الشباب على طلب العلم. وهكذا حتى استوعب تحت كتاب العلم عشرة ومائة باب، ثم انتقل إلى كتاب الطهارة، وذكر من أبوابه: بابه الإبعاد عند قضاء الحاجة، باب الارتياد للبول، باب ما نهي عن التخلي فيه، باب فيه وفي أدب الخلاء، باب ما يقول عند الخلاء وهكذا حتى استوعب أبوابًا لا تقل عن الباب قبله، ثم انتقل إلى كتاب الصلاة: فأورد فيه عددًا كثيرًا جدًّا من الأبواب وقع بعضها في الجزء الأول، وكثير جدًّا منها في الجزء الثاني، ثم أورد كتاب الجنائز وما يتعلق بالمرض وثوابه وعيادة المريض ونحو ذلك، ثم كتاب الزكاة، وفيه صدقة التطوع، ثم كتاب الصيام ثم كتاب الحج، ثم الأضاحي والصيد والذبائح والوليمة، والعقيقة، وما يتعلق بالمولود، ثم البيوع، ثم الإيمان والنذور، ثم الأحكام، ثم الوصايا، ثم الفرائض، ثم العتق، ثم النكاح
_________________
(١) ١ حجة الله البالغة ص١٠٥ طبع المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة ١٣٢٢، وراجع قواعد التحديث للقاسمي ص٢٣٩ وما بعدها.
[ ٢٨٥ ]
ثم الطلاق، ثم الأطعمة، ثم الأشربة، ثم الطب، ثم اللباس والزينة، ثم الجهاد، ثم المغازي والسير، ثم قتال أهل البغي وأهل الردة، ثم الحدود والديات، ثم التفسير، وفيه ما يتعلق بقراءة القرآن وثوابه، وعلى كم أنزل القرآن من حرف، ثم التعبير، ثم القدر، ثم الفتن، ثم الأدب، ثم البر والصلة، ثم ذكر الأنبياء ﵈، ثم علامات النبوة، ثم المناقب، ثم التوبة، والاستغفار، ثم الأذكار، ثم الأدعية، ثم الزهد وفيه المواعظ، ثم البعث، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة.
هذه الكتب التي ضمها مجمع الزوائد، والتي يشتمل كل كتاب منها على مجموعة كبيرة جدًّا من الأبواب، وتحت كل باب منها عدد من الأحاديث يقل أو يكثر بحسب ما ورد في الأسانيد والمعاجم متصلًا بتلك الأبواب، وهي في كثير من أمرها تزيد زيادة لا تخطر بالأذهان، حتى إن الباب الواحد قد يصل عدد الأحاديث فيه إلى قرابة أربعين حديثًا، ومن ذلك باب في الأذكار المندرج تحت كتاب الأذكار في الجزء العاشر من الكتاب١، وهو ما يصور مقدار الثروة الحديثية التي ضمها هذا الكتاب من أحاديث الزوائد، وبين أنه موسوعة إسلامية كبيرة ورائعة.
ثانيًا: التزم المؤلف تخريج كل حديث أورده، فيذكر من خرجه من أصحاب تلك المعاجم والمسانيد ويعزوه إليها، مع تجريده من السند كما أمره شيخه العراقي، ويتبعه بعد ذلك بتقويم الحديث، فيصفه بالصحة أو الحسن أو الضعف، ويتكلم في رجاله بالتوثيق أو التوهين أو الإنكار أو الكذب أو الترك، وله في ذلك دقة ملموسة عجيبة، تجعله موضع ثقة لا يلتمس قارئه التعقيب عليه إلا في بعض رجال يريد أن يبرئ ذمته من الحكم عليهم فيقول: إنه لم يسم، أو إنه لم يجد من ترجمه، أو ما يشبه ذلك، وإليك صورًا قليلة تدل على ما وراءها، وتصور للقارئ هذا الإمام في تقويم الأحاديث وبيان مرتبتها في القبول أو عدمه:
١- قال في الحديث الأول: رواه أحمد والطبراني في الأوسط باختصار، وأبو يعلى بتمامه، والبزار بنحوه، وفيه رجل لم يسم ولكن الزهري وثقه وأبهمه٢.
٢- وفي الحديث الثاني قال: رواه أبو يعلى، وفي إسناده كوثر وهو متروك٣.
٣- وفي الحديث الثالث قال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح إلا أنه أبا وائل لم يسمعه من أبي بكر٤.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ص٩٩ إلى ١٠٤. ٢ يستثنى من ذلك الحديث الأول من الكتاب فإنه ذكره بسند أحمد، واعتذر عن ذلك بقوله: وقد ذكرته بسنده حتى لا ابتدئ الكتاب بسنده منقطع ج١ ص١٤. ٣ يشير إلى قول أحمد عن الزهري: أخبرني رجل من الأنصار من أهل الثقة ج١ ص١٤ و١٥. ٤ أبو وائل في أول الحديث قبل ذكر أبي بكر ﵁، وقد ذكره في أول الحديث قبل الصحابي على غير عادته حتى يمكن أن ينبه إليه في التخريج ج١ ص١٥.
[ ٢٨٦ ]
٤- وعن الحديث الرابع قال: رواه أبو يعلى، وفي إسناده سويد بن عبد العزيز، وهو متروك.
٥- وفي الحديث الخامس، بادر المؤلف إلى ذكر الحكم على هذا الحديث في مسند ابن ماجه، وقال: إن رجاله ثقات، ثم أضافه إلى مسنده وهو مسند أحمد، ولم يذكر درجة أحمد، ولعله -وقد أطمأن إلى ثقة رجاله في مسند ابن ماجه ولم يتبين درجة الحديث في مسند أحمد- قد اكتفى بهذا القدر.
٦- وفي الحديث السادس قال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على سعيد ابن عباس متصلًا، وهذا يرجح أن روايته عن سهيل بن بيضاء غير موثوق بها.
٧- وقال في الحديث السابع: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
٨- ثم قال في الحديث الثامن: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحمد أصح، وفيه ابن لهيعة، وقد احتج به غير واحد.
وهذه الجملة الأخيرة كالاستدراك؛ لدفع ما قد يرد عليه في الحكم بصحة إسناد أحمد، لما يتردد من أن ابن لهيعة ضعيف عند المحدثين.
٩- وقال في الحديث التاسع: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا صالح لم يسمع من معاذ بن جبل.
١٠- وفي الحديث العاشر قال: رواه أحمد والبزار، وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذا منها.
ولعلك ترى في تخريج تلك الأحاديث دقة ملموسة تظهر أكثر وضوحًا لمن تتبع أحاديث الكتاب أكثر مما ذكرنا، ولكننا نكتفي بهذا القدر لننتقل إلى مثله من آخره، حتى يتبين أن مسلك المؤلف لم يختلف في آخر الكتاب عنه في أوله، وأن ذلك خلق فيه لا يتغير.
وإليك عشرة أحاديث أخرى من أواخر الكتاب:
١- جاء في كتاب التوبة١ حديث لأبي هريرة قال في تخريجه: رواه أحمد وفيه بقية، وهو ضعيف، والحديث التالي له قومه بمثل ذلك.
٢- وقال في الحديث الثالث من هذا الباب: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة.
وهنا تجلت أمانته في أن رجال سند هذا الحديث من رجال الصحيح، غير أن فيه هارون بن موسى الفروي وليس من شيوخ البخاري، وهذا لا يمنع من قبول حديثه لأن رجال التعديل حكموا بأنه ثقة.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ص١٨٨ ج١٠.
[ ٢٨٧ ]
٣- وفي الحديث الرابع من هذا الباب قال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف.
٤- وفي باب ما يحتقر من الذنوب١ خرج حديث عبد الله بن مسعود فقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان٢. وقد وثق.
٥- وفي الحديث الذي يليه قال: رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف.
٦- وفي الحديث الذي يليه، وهو من رواية ابن مسعود أيضًا قال فيه: رواه الطبراني موقوفًا بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
٧- وفي حديث سهل بن سعد الذي بعده في نفس الباب قال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم، وهو ثقة.
٨- وفي الحديث الذي بعده من رواية سعد بن جنادة، قال: رواه الطبراني، وفيه نفيع أبو داود، وهو ضعيف.
٩- وقال في حديث أبي سعيد الخدري الذي يليه في نفس الباب: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
١٠- وفي حديث عبادة بن قرض -أو قرظ-٣ التالي لما سبقه قال: رواه أحمد وقال: عبادة، والطبراني وقال: عباد، والله أعلم، وبعض أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح.
وبعد هذه التخريجات العشرين التي أوردناها من موضعين: من أول الكتاب وآخره، نترك للقارئ الحكم على أمانة الرجل ودقته التي تجعل كتابه هذا موضع اعتبار وحرص على الأخذ به والإفادة منه جهد الاستطاعة.
ولو أننا تعمقنا بذكر أمثلة تدل على تصرفات المؤلف في تخريج الأحاديث في أجزاء الكتاب المتفرقة لطال المجال في ذلك، ولكنا نورد بعضًا مما يدل على صبر الرجل في تحقيق العلم وإفادته للقراء كما انتهى إليه بحثه.
فقد ذكر في باب فضل الوضوء في تخريج حديث رواه أبو أمامة٤ أن الطبراني رواه في الكبير، وفيه لقيط أبو المساور روى عن أبي أمامة، وروى عنه الحريري وفيه قرة بن خالد،
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ص١٨٩ ج١. ٢ ورد في خلاصه تهذيب الكمال ص٢٥١ باسم عمران بن داود -بالراء- العمي أبو العوامه البصري. ٣ هذه أيضًا صورة من صور الدقة؛ لأنه لم يبت في اسم الرجل من وجه واحد، فذكر الوجهين ولعله وجد اختلافًا في اسمه. ٤ مجمع الزوائد ج١ ص٢٢٣.
[ ٢٨٨ ]
وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، ثم ذكر هذا الحديث برواية أخرى وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، والأوسط بنحوه، وقال فيه: من بات طاهرًا على ذكر الله بدلًا من $"ما من مسلم يبيت على طهر ثم يتعرى من الليل فيذكر الله" ثم قال: وإسناده حسن قلت: ويأتي حديث ابن عمر من يبيت على طهارة بعد هذا، ثم ذكر حديثًا في المعنى وقال: رواه الطبراني ورجاله موثقون، وله طريق رواها أحمد ذكرتها في الخصائص في علامات النبوة.
وفي نفس الباب ذكر في تخريج حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه١ قال: ما أدري ذكره النبي ﷺ أزواجًا أو أفرادًا. ثم قال في آخره: رواه الطبراني في الكبير ورواه بإسناد آخر فقال: عن ثعلبة بن عمارة، وقال: هكذا رواه إسحاق الديري عن عبد الرزاق ووهم في اسمه، والصواب ثعلبة بن عباد، ورجاله موثقون.
وهكذا نرى أن تحقيقاته وتعمقاته في الرجال والأسانيد -مع تجريده منها امتثالًا لأمر شيخه- قد احتلت كثيرًا من أمكنة الباب، وذلك لأنه لم يستسغ أن يترك ما هو محل الفائدة الكبرى في نظر الأئمة من المحدثين، وهو تعرف درجة الحديث، والتنبيه عليها بكل أمانة ودقة.
ثالثًا: يكثر من الأحاديث -في أغلب الأحيان- بما يبلغ العجب من القارئ، وقد أشرنا إلى ذلك في النظرة العامة للكتاب، والوصف الإجمالي له.
وقد يكون مرجع الكثرة اختلاف الصحابة الرواة، أو اختلاف لفظ من ألفاظ الحديث بما يرادفها أو يقاربها في المعنى، أو بالزيادة في أحد الحديثين ونقص في الآخر.
ومهما يكن من أمر فإن الدعامة والعمدة عنده هو أمانة النقل، والتقييد بما ورد في المعاجم والمسانيد التي يأخذ منها، فإن هذه الأحاديث قد تكررت لنفس الأسباب التي أوردناها، أو لتكرر الحديث في بعضها وحده، أو في بعضها مع البعض الآخر، مع اختلاف الراوي أو اختلاف بعض الألفاظ.
ومما يوضح ذلك أن كتاب الإيمان ورد في أول هذه الزوائد، وهو كتاب واسع -كما سبق أن أشرنا- أورد فيه خمسة وثمانين بابًا، وإذا أردنا إحصاء أحاديث الباب الأول منها وموضوعه: "من شهد ألا إله إلا الله" وجدنا عدد الأحاديث التي وردت فيه ستة وثلاثين حديثًا.
والباب الذي بعده وموضوعه: "ما يحرم دم المرء وماله"٢ نجد عدد أحاديثه بمقتضى الإحصاء عشرين حديثًا.
القدر الوارد من الأحاديث لهذين الموضوعين كثير جدًّا بالنسبة لهما، ولا يكاد يتوفر القليل منه في الصحاح الأخرى من الكتب المتداولة، وهذه ناحية جليلة من نواحي الفائدة في الكتاب.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج١ ص٢٢٤. ٢ باب ما يحرم دم المرء وماله ج١ ص٢٤.
[ ٢٨٩ ]
ومن بين أبواب كتاب الصلاة باب جامع فيما يصلي قبل الصلاة وبعدها١، كأنه أجمل فيه ما فصله في غيره من الأبواب، وقد ذكر فيه عشرة أحاديث في بعضها طول زائد، وهو عبارة عن كتاب كتبه أبو عبيدة بن عبد الله يحيى بن كثير، يخبره فيه عن عدي بن مسعود بما أخذه عن النبي ﷺ من التحيات والأدعية في بضع الصلوات، وما يدعو به بعد الفراغ منها، وما ينبغي أن يكون عليه العبد من ضراعة وإخلاص عند الدعاء، وما يتصل بذلك من صلاة الضحى وغيرها.
ثم أورد بعد ذلك بابًا في صلاة الضحى٢، ذكر فيه خمسة وثلاثين حديثًا في هذه الصلاة التي لم تخل من خلاف بين بعض الصحابة وبعض في فعلها أو تركها مطلقًا أو في أوقات معينة، والإثبات مقدم إذا صح الحديث.
وفي باب فرض الزكاة من كتاب الزكاة٣، أورد المؤلف قرابة ثلاثين حديثًا فيما عدا الأبواب الأخرى التي بلغت خمسة وسبعين بابًا من كتاب الزكاة.
وفي كتاب الأطعمة باب الحمر الأهلية٤ أورد المؤلف في هذا الباب وحده ستة عشر حديثًا وفي باب ما جاء في الخمر ومن يشربها أورد اثنين وثلاثين حديثًا فيها كثير من المطولات.
ولعل في هذا القدر ما يصور هذه الكثرة من تلك الثروة التي سبق أن أشرنا إليها في الإلمامة الإجمالية أول حديثنا عن هذا الكتاب.
رابعًا: يورد كثيرًا من غرائب العلم، ونعني بها تلك المعاني غير المتعارفة في الثقافات المستمدة من كتب السنة المتداولة، مثل كون أهل اليمامة أحذق شيء بأخلاط الطين، فيما ورد عن طلق بن علي٥ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يؤسس مسجد المدينة، فجعلت أحمل الحجارة كما يحملون، فقال النبي ﷺ: "إنكم يا أهل اليمامة أحذق شيء بأخلاط الطين، فاخلط لنا الطين " الحديث، وهو من رواية الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن جابر اليمامي، وضعفه أحمد وغيره، واختلف في الاحتجاج به.
ومثل كون صاحب القلم يكون يوم القيامة في تابوت من نار مقفل عليه٦ في حديث عطاء، قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: يا أبا عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك: فقال: إني عامل بقلمي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بصاحب القلم يوم القيامة في تابوت من نار مقفل عليه بأقفال من نار، فإن كان أجراه في طاعة الله ورضوانه فك عنه التابوت، وإن كان أجراه في معصية الله هُوِي به في التابوت سبعين خريفًا حتى بارى القلم ولايق الدواة" رواه الطبراني في الأوسط والكبير
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٢٣١. ٢ باب صلاة الضحى ج٢ ص٢٣٤. ٣ مجمع الزوائد ج٣ ص٦٢. ٤ مجمع الزوائد ج٥ ص٤٧. ٥ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٩. ٦ مجمع الزوائد ج١ ص١٣٦.
[ ٢٩٠ ]
وفيه أبو أيوب الجيزي عن إسماعيل بن عياش، والظاهر أن آفة هذا الحديث هو الجيزي؛ لأن الطبراني قال في الأوسط: تفرد به الجيزي.
ومثله كون أحب صلاة إلى الله المرأة إذا كانت في أظلم مكان في بيتها، وذلك في حديث ابن مسعود١ قال: "ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة" رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
ومثله كون المرأة كانت في بني إسرائيل تلبس القالبين في الصلاة تطول بهما لخليلها، وذلك في حديث عن عبد الله بن مسعود٢ قال: "كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة إذا كان لها خليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقى الله عليهن الحيض " الحديث. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
ومثله كون النبي ﷺ أعطى قتادة عرجونا ليضرب به الشيطان فأضاء العرجون مثل الشمعة، وذلك في حديث قتادة٣: أنه كان في ليلة شديدة الظلمة والمطر فقال: لو أني اغتنمت الليلة شهود العتمة مع النبي ﷺ: فلما انصرف النبي ﷺ أبصرني ومعه عرجون يمشي عليه إلى أن قال: فأعطاني العرجون فقال: "إن الشيطان قد خلفك في أهلك، فأذهب بهذا العرجون فأمسك به" إلى أن يقول: فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا فاستضأت به، فأتيت أهلي فوجدتهم قد رقدوا، فنظرت في الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج. رواه الطبراني في الكبير، ثم قال الهيثمي: ويأتي حديث عند أحمد أطول من هذا في الجمعة والساعة التي فيها إن شاء الله، ورجاله موثقون.
ومثله ما جاء في الخبر من أن شيخنا من طيء٤ قال: مر ابن مسعود على مسجد لنا، فتقدم رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قال: نحج بيت ربنا ونقضي الدين وهو مثل القطوات يهوين. فقال عبد الله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق.
والغريب في هذا الخبر أن رجلًا من هؤلاء القوم لا يعرف من القرآن غير الفاتحة يؤم عبد الله بن مسعود، وهو من أعلام الصحابة، ومن أقرئهم لكتاب الله كما شهد له بذلك النبي ﷺ، ثم يضع موضع الآيات التي تتلى بعد الفاتحة هذا الهراء على أنه قرآن يتلى، ويقول الهيثمي في تقويم هذا الخبر: الرجل الذي حدث عن عبد الله لا يعرفه، وبقية رجاله ثقات.
ومن الغرائب أيضًا حديث أحمد والطبراني٥ عن جابر قال: "مر رسول الله ﷺ على رجل وهو يصلي قد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها ووضع اليمنى على
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٣٥. ٢ مجمع الزوائد ج٢ ص٣٥. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص٤١. ٤ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٦. ٥ مجمع الزوائد ج٢ ص١٠٤.
[ ٢٩١ ]
اليسرى" وقد اعتبرناه من الغرائب لطرافته، ولمبادرة الرسول ﷺ بتصحيح خطأ الرجل وهو في موقفه بين يدي الله ﷿، وقد نص الحافظ على أن رجاله رجال الصحيح.
ومن ذلك أيضًا أن فتية من قريش قد حلوا أزرهم١ فجعلوها مخاريق٢ وهم عراة، وذلك في حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: "أنه مر وصاحب له على فتية من قريش قد حلوا أزرهم فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة. قال عبد الله: فلما مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون فدعوهم، ثم إن رسول الله ﷺ خرج إليهم فلما أبصروه تبددوا، فرجع رسول الله ﷺ مغضبًا حتى دخل، وكنت وراء الحجرة فسمعته يقول: "سبحان الله، لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا"، وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله، فبلأي ما استغفر لهم، وفي رواية: "فتأبي ما استغفر لهم"، رواه أحمد وأبو يعلى.
ومن ذلك هذه المفاضلة اللطيفة التي فاضل فيها النبي ﷺ بين رجل رفض شفاعته وبين الذي يبخل بالسلام، وذلك حديث جابر: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلان في خائطي عذقًا٣ وإنه قد آذاني وشق على مكان عذقه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: "بعني عذقك الذي في حائط فلان"، قال: لا، قال: "فهبه لي"، قال: لا، قال: "فبعنيه بعذق في الجنة"، قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: "ما رأيت الذي هو أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام" رواه أحمد والبزار، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح٤.
ومن ذلك أن عمرًا أتى النجاشي فوجد من عنده يدخلون مكفرين٥ من خوخة، فلما رأى الخوخة ودخولهم عليه أولاه ظهره، ودخل يمشي القهقرى، فلما دخل منها اعتدل، ففزعت الحبشة وهموا بقتله، قالوا: ما منعك أن تدخل كما دخلنا؟ قال: لا نصنع ذلك بنبينا، فهو أحق أن نصنع ذلك به، فقال النجاشي: اتركوه صدق، رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر٦.
ومن ذلك أن رجلًا دخل على النبي ﷺ وعنده عائشة، فرعم أنه ينزل له عن خير منها "يريد امرأته" وذلك في حديث جرير: أن عيينة بن حصن دخل على النبي ﷺ وعنده عائشة فقال: من هذه إلى جانبك؟ قال: "عائشة"، قال: يا رسول الله
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٨ ص٢٧. ٢ المخاريق جمع مخراق، وهو ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا. ٣ العذق -بالفتح- النخلة كما في النهاية وهو بالكسر العرجون، والحائط البستان المسور بجدار. ٤ مجمع الزوائد ج٨ ص٣١. ٥ جاء في النهاية أن التكفير أن ينحني لأي إنسان ويطأطئ رأسه قريبًا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيمه لصاحبه ومنه حديث عمرو بن أمية -وساق هذا الحديث، والخوخة باب صغير كالنافذة الكبيرة كما في هامش مجمع الزوائد. ٦ مجمع الزوائد ج٨ ص٣٩.
[ ٢٩٢ ]
أفلا أنزل لك عن خيرًا منها "يعني امرأته" فقال النبي ﷺ: "لا"، فقال له النبي ﷺ: "أخرج فاستأذن"، فقال له: إنها يمين علي ألا أستأذن على مضري، وقالت عائشة: من هذا؟ قال: "هذا أحمق متبع". رواه الطبراني عن شيخه علي بن سعيد بن بشير، وهو حافظ رحال قيل فيه: ليس بذاك، وبقية رجاله رجال الصحيح غير يحيى بن محمد بن مطيع وهو ثقة١.
ومن ذلك أن النبي ﷺ دعا يومًا إلى حلب ناقة فتقدم لها بعض الناس ولكن لم يختر إلا صاحب الاسم الحسن، عن يعيش الغفاري قال: دعا رسول الله ﷺ لحلب ناقة يومًا فقال: "من يحلبها؟ " فقال رجل: أنا، فقال له: "ما اسمك؟ " قال: مرة، قال: "اقعد"، ثم قام آخر، فقال: "ما اسمك؟ " قال: مرة قال: "اقعد"، ثم قام آخر، فقال: "ما اسمك؟ " قال: جمرة فقال: "اقعد"، ثم قام يعيش فقال: "ما اسمك؟ " قال: يعيش. قال: "احلبها". رواه الطبراني وإسناده حسن.
وله نظير فيمن يسوق إبل النبي ﷺ، فيما ورد عن حدرد أن النبي ﷺ قال: "من يسوق إبلنا هذه، أو من يبلغ إبلنا هذه؟ "، فقام رجل فقال: "ما اسمك؟ " قال: فلان: قال: "اجلس"، ثم قام آخر فقال: أنا، فقال: "ما اسمك؟ قال: ناجية. قال: أنت لها فسقها" رواه الطبراني من رواية أحمد بن بشير عن عمر، ولم أر فيها جرحًا ولا تعديلًا وبقية رجاله ثقات٢.
ومن ذلك أنه سمى مولودًا باسمه دون كنيته، ومسح على رأسه فعمر حتى شاب رأسه وما شاب موضع يد رسول الله ﷺ، حديث محمد بن فضالة "يعني الظفري" قال: قدم رسول الله ﷺ وأنا ابن أسبوعين، فأتى بي إليه فمسح على رأسي وقال: "سموه باسمي ولا تكنوه بكنيتي"، وحج بي معه حجة الوداع وأنا ابن عشر سنين، فلقد عمر محمد حتى شاب رأسه وما شاب موضع يد رسول الله ﷺ. رواه الطبراني وفيه يعقوب بن محمد الزهري وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات٣.
ومن ذلك أن رجلًا اسمه حرام سمع النبي ﷺ اسمه فغيره إلى حلال، عن رجل من جهينة قال: إن النبي ﷺ سمعه يقول: يا حرام، فقال: "يا حلال". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ونظير ذلك ما روي عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا سمع اسمًا قبيحًا غيره، فمر على قرية يقال لها: عفرة، فسماها خضرة" رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح٤.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٨ ص٤٥. ٢ مجمع الزوائد ج٨ ص٤٧. ٣ مجمع الزوائد ج٨ ص٤٨. ٤ مجمع الزوائد ج٨ ص٥١.
[ ٢٩٣ ]
ومن ذلك أنه ﷺ كان ينكر على من يلعن الدابة أو البرغوث أو نحو ذلك عن عائشة: أنها كانت١ مع رسول الله ﷺ في سفر فلعنت بعيرًا لها، فأمر النبي ﷺ أن يرد، وقال: "لا يصحبني شيء ملعون". رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو بن مالك البكري وهو ثقة.
وعنها أنها ركبت جملًا فلعنته، فقال لها النبي ﷺ: "لا تركبيه" رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات إلا أن يحيى بن وثاب لم يسمع من عائشة وإن كان تابعيًّا.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ في مسير فلعن رجل ناقة فقال: "أين صاحب الناقة؟ " فقال الرجل: أنا، فقال: "أخرها فقد أجبت فيها". رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ فلدغت رجلًا برغوث فلعنها فقال النبي ﷺ: "لا تعلنها فإنها نبهت نبيًا من الأنبياء لصلاة الصبح". رواه أبو يعلى والبزار.
وعن علي ﵁ قال: نزلنا منزلًا فآذتنا البراغيث فسببناها، فقال ﷺ: "لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر الله" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعد بن طريف وهو متروك.
ومن ذلك بعض المراجعات الطريفة مع بعض أصحابه ﷺ كما جاء عن عقبة بن عامر: أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ فقال: يا رسول الله أحدنا يذنب؟ قال: "يكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: "يغفر له ويتاب عليه". قال: فيعود فيذنب؟ قال: "فيكتب عليه"، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: "يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا". رواه الطبراني في الكبير وسنده حسن.
ونظيره عن عائشة قالت: جاء حبيب بن الحارث إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل مقراف٣ قال: "فتب إلى الله يا حبيب"، قال: يا رسول الله إني أتوب ثم أعود، قال: "فكلما أذنبت فتب" قال: يا رسول الله إذًا تكثر ذنوبي، قال: "عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب بن الحارث"٤ رواه الطبراني في الأوسط وفيه نوح ابن ذكوان وهو ضعيف.
ومن ذلك ما ورد عن عائشة وبعض أصحاب النبي ﷺ: "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٨ ص٧٧ وما بعدها. ٢ مجمع الزوائد ج١٠ ص٢٠٠. ٣ جاء في النهاية أن المقراف هو كثير المباشرة للذنوب، وأورد صدر هذا الحديث. ٤ ج١٠ ص٢٠٠.
[ ٢٩٤ ]
"بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك"، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال له رسول الله ﷺ: "ما لك؟ أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ " ١ فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئًا خيرًا لي من فراق هؤلاء، أشهدك أنهم أحرار كلهم٢. رواه أحمد وفي إسناده الصحابي الذي لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي: إن حديث عائشة وحده رواه الترمذي٣.
وقريب من هذا في الطرافة والدقة حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت٤: كان النبي ﷺ في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له -أو لها- حتى استبان الغضب في وجهه، فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة٥ فقالت: ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول الله ﷺ يدعوك قالت: والذي بعثك بالحق ما سمعتك، فقال ﷺ: "لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك"، وفي رواية "لولا القصاص لضربتك بهذا السواك"، وفي أخرى: "لولا مخافة القصاص لأوجعتك بهذا السوط" روى هذا كله أبو يعلى والطبراني بنحوه.
ومن ذلك ما يجمع إلى غرابة اللفظ غزارة المعنى، كوصف المؤمن بأنه واه راقع، وبشارة الراقع في آخر حياته بالسعادة، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن واه راقع، فسعيد من هلك على رقعته"٦، رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار، وفيه سعيد بن خالد القزاعي وهو ضعيف.
ولولا خشية الإطالة لأوردنا كثيرًا جدًّا من هذه الطرائف التي تبدو بارزة واضحة في هذه الزوائد كأنها خصيصة من خصائصها، واستيعاب ما تتطلع إليه النفوس في هذا المقام يخرج عن الغرض المقصود، وإنه لجدير بمؤلف مستقل يضم أطرافه، ويجمع ما تفرق منه.
خامسًا: غير أننا نضيف إلى ذلك ما لفت نظرنا مما ورد في هذا الكتاب من أن النبي ﷺ: "شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى المغرب
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٤٧. ٢ مجمع الزوائد ج١٠ ص٣٥٢. ٣ ج١٠ ص٣٥٣. ٤ نسبة حديث عائشة إلى الترمذي يعتبر إضافة على موضوع الزوائد، وفي الكتاب نظائر لهذا أحيانًا. ٥ البهمة بفتح الباء كما في النهاية ولد الضأن الذكر والأنثى يجمع على بهم، وجمع الجمع بهام. ٦ قال الهيثمي الواهي بمعنى المذنب والراقع بمعنى التائب المستغفر والحديث في ج١٠ ص٢٠١. وفسره في النهاية فقال واه يهي دينه بمعصيته، وراقع يرقعه بتوبته.
[ ٢٩٥ ]
ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء" رواه أبو يعلى، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو ضعيف عند أهل الحديث، إلا أن ابن عديا قال: وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
ومثله حديث لجابر ذكر فيه الأذان مع الإقامة في كل صلاة من هذه الصلوات الأربع، رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف.
وقد تتبعت مظان هذا الحديث في كتب أحاديث الاحكام، وفي كتب الفقه المقارن: في كتاب المنتقى لاين تيمية وشرحه نيل الأوطار للشوكاني، وفي بلوغ المرام لابن حجر وشرحه سبل السلام للصنعاني، وفي معاني الآثار وشرحه للطحاوي مع أن الحديث يشهد لمذهبه الحنفي من أن الأذان يكرر للفائتة إذا تعددت، كما رجعنا إلى كتاب المغني والشرح الكبير لابن قدامة، فلم نعثر على هذا الحديث في مظانه من أبواب الفقه وأحاديث الأحكام ولو على سبيل الاستدلال لمن يخالف الجمهور من الحنيفية، الذين يستدلون لمذهبهم بالقياس على الأذان لها فيقولون: يؤذن لكل صلاة ويقيم؛ لأن ما سن للصلاة في أدائها سن في قضائها كسائر المسنونات١.
فلو أن الطحاوي هدي إلى هذا الحديث لاستدل به لنصرة مذهبه، ولكان فرصة له في تدعيم هذا المذهب الذي يحرص على الانتصار له.
سادسا: يتخير المؤلف كثيرا من عناوين الأبواب فيما ينتفع به طلاب الحديث، ويوجههم إلى كثير مما يخصهم ترغيبا وترهيبا، وهي ناحية بارزة فيما يناسبها من الكتاب.
ومن ذلك العناوين الآتية٢:
باب وصية أهل العلم، باب في طالب العلم وإظهار البشر له، باب الرحلة في طلب العلم، باب أخذ كل علم من أهله، باب كتابة الصلاة على النبي ﷺ لمن ذكره أو ذكر عنده، باب سماع الحديث وتبليغه، باب أخذ الحديث من الثقات، باب الاحتراز في رواية الحديث، باب فيمن كذب على رسول الله ﷺ، باب فمن كذَّب بما صح من الحديث، باب الكلام في الرواة، باب الإمساك عن بعض الحديث، باب معرفة أهل الحديث بصحيحه وضعيفه، باب طلب الإسناد ممن أرسل، باب عرض الكتاب بعد إملائه، باب عرض الكتاب على من أمر به.
هذا وإن في اختيار أحاديث هذه الأبواب وأمثالها من المسانيد والمعاجم المرتبة على أسماء الرواة وهي مفرقة في ثنايا هذه المعاجم وتلك المسانيد لأمر عسير على غير من أوتي فطانة ودقة في هذا الفن، وتوفيقا من الله ﷾.
وقد كان معهودا للمؤلفين في الجوامع أن يوردوا موضوع العلم بصفة عامة في مثل ما أورده الحافظ الهيثمي في كتابه، لكن العجب كل العجب في تخير هذه الأحاديث، وإعطائها صبغة خاصة بما
_________________
(١) ١ المغني والشرح الكبير ج١ ص٤٣٣. ٢ مجمع الزوائد ج١ ص١٣٠ إلى ص١٥٢ في أبواب متفرقة.
[ ٢٩٦ ]
أورده من عناوين تكاد تكون من خصائص توجيه أهل الفن إلى ما يلزم اتباعه في المسالك الخاصة بدراسة الحديث وطلبه:
سابعا: يورد المؤلف عناوين متضاربة أحيانا ويورد أحيانا أخرى أحاديث متضاربة تحت عنوان واحد:
فمن الأول: قوله: باب ما يقطع الصلاة١، وهو يختلف مع عنوان آخر بعده بقليل: لا يقطع الصلاة شيء٢، وكذلك قوله: باب إمامة الفاسق٣ المشعر بعدم جوازها وقد دل على ذلك صريحا ما ورد من خبر تحت هذا العنوان، وبعده مباشرة: الصلاة خلف كل إمام٤ المشعر بجواز إمامة الفاسق، والحديث الذي أورده تحته يدل على هذا صراحة أيضا.
ومنه أيضا: باب فيمن يأمر بالمعروف ولا يفعله٥، وفيه وعيد شديد على ذلك، وبعده باب: مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وهو مختلف مع ما قبله في عنوانه وفي دلالة أحاديثه٦.
وبهذه المناسبة نورد أننا لاحظنا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٧ زيادة على ما فيه من تكرار واضح في العناوين مثل: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيمن لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو مكرر مع العنوان الاول الذي كأنه رئيسي في موضوعه ومع عنوان آخر في نفس اللفظ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٨ فإننا نلاحظ فيه تضاربا آخر بين الأبواب بعضها مع بعض، وبين الأحاديث كذلك.
ومن الثاني: ما أورده في موضوع أذان الأعمى٩: فقد ذكر حديثا يدل على كراهته، ثم ذكر بعده حديثا يدل على إباحته، والأول هو حديث ابن مسعود: "ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم" والثاني حديث زيد بن ثابت وفيه: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ومن الواضح أن ابن أم مكتوم كان أعمى.
ومن ذلك ما ورد في باب تلقين الإمام١٠: فإن فيه ما يدل على منعه، وما يدل على طلبه، والأول هو حديث ابن مسعود: "إذا تعايا الإمام فلا تردن عليه" والثاني حديث أبي بن كعب: إن النبي ﷺ صلى فأسقط بعض سورة، فذكَّره أبي بعد الصلاة فقال: "أفلا لقنتنيها؟ " وفي حديث آخر: "أن النبي ﷺ تردد في صلاة الفجر في آية، فلما قضى الصلاة سأل عن أبي بن كعب، فرأى القوم أنه إنما سأل عنه ليفتح عليه" وفي رواية: أن النبي ﷺ صلى صلاة الفجر فالتبس فيها، ثم قال لأبي بن كعب: "ما منعك أن تفتح علي" ومنه أيضا ما ورد
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٦. ٢ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٦. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٦. ٤ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٧. ٥ مجمع الزوائد ج٧ ص٢٧٦. ٦ مجمع الزوائد ج٧ ص٢٧٧. ٧ مجمع الزوائد ج٧ ص٢٦١ وما بعدها. ٨ مجمع الزوائد ج٧ ص٢٧٠. ٩ مجمع الزوائد ج٢ ص٢. ١٠ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٩.
[ ٢٩٧ ]
تحت عنوان: باب في الإمام يسيء صلاته١ فإن فيه ما يدل على ترك الصلاة خلف الإمام المسيء كما فعل أنس بن مالك مع عمر بن عبد العزيز، وكما فعل أيوب مع مروان، كما أن فيه ما يدعو إلى الصلاة خلفه، وهو حديث عقبة بن عامر الجهني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أم قومًا فإن أتم فله التمام ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم".
ولعل عذره في إيراد الأحاديث المتضاربة أنه -وشكر الله له- بصدد العناية بجمع الأحاديث ونقلها إلى الأبواب التي تناسبها من المسانيد والمعاجم، وما دام بصدد الجمع فإن عليه أن يعرض الأحاديث، وليس عليه أن يتصرف في شأنها بالتوفيق بين المختلفات، أو الجمع بين المتعارضات، فتلك مهمة الفقهاء ومهمة شراح الحديث، وليس هو -في هذا المقام- واحد منهم، ثم تكون مهمة الدارس أن يبحث ويرجع إلى المظان التي تمارس ذلك، ككتب الفقه وأدلتها، وكتب شروح الأحاديث، وكتب مختلف الأحاديث وما إلى ذلك.
ثامنًا: يحيل القارئ -في بعض الأحيان- على بعض الأحاديث التي ترتبط بالباب الذي هو بصدده ليضيفه القارئ إلى ذلك الباب وينتفع به فيه، كما صنع في باب: فيما يدرك مع الإمام وما فاته٢، فقد ذكر بعض الأحاديث في ذلك، وأحال على بعض ما يتعلق به في باب آخر سبق فقال: وقد تقدمت أحاديث منها في هذا الباب في المشي إلى الصلاة، وهو يريد حديث سعد بن أبي وقاص الذي في آخره: "فصلِّ ما أدركت واقض ما فاتك" ٣ وحديث أنس وفي آخره: "فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم" وحديث أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال للمسرعين إلى الصلاة: "لا تفعلوا، ليصلِّ أحدكم ما أدرك وليقض ما فاته".
ومن ذلك قوله في باب فضل الوضوء٤ بعد حديث: "ما من مسلم يبيت على طهر " إلخ: ويأتي حديث ابن عمر فيمن يبيت على طهارة بعد هذا، وحديث ابن عمر فيمن يبيت على طهارة ورد في باب بهذا العنوان بعده٥ وهو عن النبي ﷺ قال: "من بات طاهرًا بات في شعاره ملك " إلخ.
ومنه أيضًا قوله تحت عنوان: باب فعل الخير والإكثار منه في رمضان: قلت: وتأتي أحاديث٦ فيمن يتصدق وهو صائم، أو يعود مريضًا أو يشهد جنازة.
وفي هذا المقام ظاهرة لا تخلو من غرابة، وهي أنه أورد في كتاب الصوم: بابا في فضل الصوم٧ ولم يذكر فيه شيئًا أكثر من قوله: يأتي بعد إن شاء الله، ثم أورد في باب فضل الصوم٨ بعد العنوان مباشرة قوله: وقد تقدم فضل شهر رمضان وفيه بعض فضل الصوم، والواقع أنه
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٦٨. ٢ مجمع الزوائد ج٢ ص٧٦. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص٣١. ٤ مجمع الزوائد ج١ ص٢٢٣. ٥ مجمع الزوائد ج١ ص٢٢٦. ٦ مجمع الزوائد ج٣ ص١٥٠. ٧ مجمع الزوائد ج٣ ص١٤٥. ٨ مجمع الزوائد ج٣ ص١٧٩.
[ ٢٩٨ ]
أورد في فضل شهر رمضان١ بعض فضل الصوم -وهو ما يختص بصوم رمضان- في أحاديث تخصه، ثم أورد بعد هذا مباشرة باب فيمن صام إيمانًا واحتسابًا.
ونرى أن في هذه الإحالات المتداخلة مع تكرار الأبواب دون موجب ما لا يخلو عن إيقاع القارئ في بعض الحيرة عند متابعة موضوعات هذا الكتاب، والدوران معه في هذا التكرار وتلك الإحالات.
هذا وربما كان عذره في ذلك أنه اضطلع ﵀ بعبء ثقيل لا يطيقه إلا كثرة من الجماعين والمنظمين، فغفر له وأحسن جزاءه.
تاسعًا: في روايته للأحاديث كثير من الموقوفات على الصحابة رضوان الله عليهم:
فمن ذلك حديث نعيم بن قعنب الرياحي٢، وفي آخره أنه سأله عما فعل من وأد البنات فقال: أفي الجاهلية؟ قال الرجل: نعم. فقال أبو ذر: عفا الله عما سلف.
ومنه حديث ابن مسعود في باب أذان الأعمى٣: "ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم" وحديثه أيضًا٤ في باب الصلاة في المحراب: "أن عبد الله كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب".
ومن ذلك ما جاء في باب الصلاة في بقاع المسجد٥ عن مرة الهمذاني أنه قال: حدثت نفسي أن أصلي خلف كل سارية من مسجد الكوفة وفي آخر الحديث فقال ابن مسعود: لو يعلم أن الله جل وعز عند أدنى سارية ما جاوزها حتى يقضي صلاته.
ومنه باب كيف الجلوس في المسجد٦ عن ابن مسعود أنه رأى قومًا قد أسندوا ظهورهم إلى قبله المسجد بين أذان الفجر والإقامة فقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها، وقد قصر الهيثمي هذا الباب على هذا الخبر وحده ولم يزد عليه.
ومن ذلك باب فيمن دخل المسجد لغير صلاة٧ عن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن مسعود يعس في المسجد فلا يجد سوادًا إلا أخرجه إلا رجلًا مصليًا.
ومن ذلك ما جاء في باب كيف المشي إلى الصلاة٨ أن ابن مسعود سعى إلى الصلاة فقيل له، فقال: أو ليس أحق ما سعيتم إليه الصلاة؟ وفيه أنه خرج إلى المسجد فجعل يهرول فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهى عنه؟ قال: إنما أردت حد الصلاة التكبيرة الأولى.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٣ ص١٤٠. ٢ مجمع الزوائد ج١ ص٣١. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص٢. ٤ مجمع الزوائد ج٢ ص١٥. ٥ مجمع الزوائد ج٢ ص١٦. ٦ مجمع الزوائد ج٢ ص٢٣. ٧ مجمع الزوائد ج٢ ص٢٤. ٨ مجمع الزوائد ج٢ ص٣٢.
[ ٢٩٩ ]
ومن ذلك ما جاء في باب خروج النساء إلى المساجد١ عن ابن مسعود قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها " الحديث، وفي الباب عن ابن مسعود: "ما صلت المرأة في موضع خير لها من قعر بيتها إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد النبي ﷺ، إلا امرأة تخرج في منقليها -يعني خفيها" وعنه أيضًا: أنه كان يحلف فيبلغ في اليمن: "ما من مصلى للمرأة خير من بيتها إلا في حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة وهي في منقلبها٢. قيل ما منقلبها؟ قال: امرأة عجوز قد تقارب خطوها" ومنه قال: "ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة" وأمثال ذلك في الكتاب كثير لمن تتبعه.
على أنه ربما يورد بعض المقطوعات، كما في باب من صلى بغير أذان ولا إقامة٣، حيث أورد حديث سفيان أنه بلغه عن بعض الصحابة أنهم صلوا بغير أذان ولا إقامة، فقال: كفتهم إقامة المصر، وقد جاء بها الهيثمي في رواية أخرى عن ابن مسعود في الموضع نفسه أنه قال: إقامة المصر تكفي.
عاشرًا: أنه لا يأبى أن ينقل من تلك المسانيد والمعاجم أحاديث أو آثارًا فيها مطاعن أو مغامز، تنفيذًا لما التزمه من نقل زوائد تلك المسانيد والمعاجم على الأصول، والتنبيه إلى ما فيها من مطاعن أو مغامز، تحقيقًا لأمانة العلم، وتحذيرًا من تلك الأحاديث التي وردت في تلك المعاجم والمسانيد.
فمن ذلك حديث عبد الله بن أوفى: "كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض فكبر" رواه الطبراني في الكبير من طريق حجاج بن فروخ، وهو ضعيف جدًّا٤، وحديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ: "تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد" رواه الطبراني في الأوسط، وأصرم بن حوشب كذاب٥، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: "ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض كلها ينادي بعضها بعضًا " الحديث. رواه الطبراني في الأوسط، وصالح المزي ضعيف٦ وحديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين، وقال: إن العبد إذا سجد لله سجدة طهر الله موضع سجوده" رواه الطبراني في الأوسط، ويزيع اتهم بالوضع٧. وحديث عائشة الذي تقول فيه: "إن النبي ﷺ قال لها: أما علمت أن المؤمن تطهر سجدته موضعها" رواه الطبراني في الأوسط، وعبد الله بن صالح ضعفه الجمهور٨.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٣٤. ٢ مجمع الزوائد ج٢ ص٣. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص٥. ٤ مجمع الزوائد ج٢ ص٦. ٥ مجمع الزوائد ج٢ ص٦. ٦ مجمع الزوائد ج٢ ص٦. ٧ مجمع الزوائد ج٢ ص٧. ٨ مجمع الزوائد ج٢ ص٧.
[ ٣٠٠ ]
وفي باب بناء المساجد حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه في الجنة"١ رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطأة وهو متكلم فيه.
وفي باب تطهير المساجد حديث عبد الله بن مسعود: "جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر النبي ﷺ بمكانة فاحتفر" الحديث رواه أبو يعلى، وفيه سمعان بن مالك٢ وهو ضعيف.
وفي باب ما جاء في القبلة عن عمارة بن رويبة قال: "كنا مع النبي ﷺ في إحدى صلاتي العشاء حين صرفت القبلة، فدار النبي ﷺ" الحديث. رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الملك بن حسين النخعي، وهو ضعيف٣.
ومن هذا النوع ما يكون فيه خلائف بين علماء الجرح والتعديل فيذكره، كما في حديث واثلة بن الأسقع أنه جاء وهم يبنون مسجدًا فوقف فسلم ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا " الحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن يحيى الخشني، ضعفه الدارقطني وابن معين في رواية، ووثقه دحيم وأبو حاتم٤ وحديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ: "من بنى الله مسجدًا يراه الله بنى الله له بيتًا في الجنة" الحديث، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمران بن عبد الله، وإنما هو ابن عبيد الله ذكره البخاري في تاريخه، وقال: فيه نظر، وضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وسمي أباه عبد الله مكبرًا.
هذا وفي الكتاب كثير جدًّا من أمثال هذه الأحاديث تعرف بالتتبع، وإنما ينقلها -كما قلنا- تحقيقًا لأمانة العلم، وتحذيرًا منها إن لم تؤيدها أحادث صالحة للتأييد، وهو بهذا يصدق ما قاله النقاد من أن المعاجم والمسانيد مظنة الأحاديث الضعيفة والمنكرة، وأنها تصلح أن تكون موضعًا لالتماس الشواهد والمتابعات في غير ما اتفقت فيه مع الكتب الصحاح.
ونختم هذه الدراسة الموجزة بما تعطيه هذه الإلمامة القصيرة من تصوير هذا الكتاب القيم في صورته القوية ثروة جامعة، تضيف إلى الكتب الصحاح زيادات كان لا بد من إضافتها، وهي لا تقل عنها عددًا إن لم تزد عليها إحصاء، مع ما فيها من طرائف العلم وغرائبه، وما لا بد من معرفته ولا سيما لخواص العلماء الذين تقتضيهم مهمتهم أن يتابعوا السنة النبوية الكريمة، ويلتمسوها حيث تكون.
ولا يفوتنا وقد درسنا هذا الكتاب، وألمعنا إلى بعض النواحي البارزة فيه، بما هو مفخرة للأمة الإسلامية بهذا الحافظ العظيم، الذي استطاع أن يجمع شتات هذه الزوائد من مظانها المتعددة.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٧. ٢ مجمع الزوائد ج٢ ص١١. ٣ مجمع الزوائد ج٢ ص١٣. ٤ مجمع الزوائد ج٢ ص٧.
[ ٣٠١ ]
في محيط واحد، فيكمل ما تحتاج إليه كتب السنة الأصلية من استكمال جهد استطاعته -لا يفوتنا أن ننبه إلى أننا بعد أن تتبعنا كتب الزوائد من الرسالة المستطرفة التي هي أوسع ما كتب في تعداد كتب الحديث وإحصائها- أن الحافظ الهيثمي هو أول من رسم الطريق -فيمن علمنا- في جمع الزوائد وإضافتها إلى كتب السنة، فإنه هو الذي جمع هذا المجمع بإشارة شيخه الحافظ العراقي وهو الذي ألف زوائد مسند البزار على الكتب الستة في مجلد ضخم، وألف زوائد مسند أبي يعلى الموصلي عليها في مجلد، وألف زوائد المعجم الكبير للطبراني وسماها البدر المنير في ثلاث مجلدات، وألف زوائد المعجم الأوسط والصغير وسماها مجمع البحرين في مجلدين، ثم جمع الزوائد الستة المذكورة كلها في كتابنا هذا بعد حذف الأسانيد، وتناول كل حديث بدرجته من الصحة والحسن والضعف، وما في بعض الرواة من جرح وتعديل، وقد شهد له الحافظ الكتاني في رسالته المستطرفة بأنه أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله في كتاب، ولا صنف مثله في هذا الباب.
جزى الله الإمام الحافظ الهيثمي خير الجزاء، ونفع بتراثه الطيب وعمله الخالص، إنه سميع مجيب.
[ ٣٠٢ ]
المطالب المعالية بزوائد المسانيد الثمانية
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:
للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام الحافظ أحمد بن علي العسقلاني المصري المعروف بابن حجر المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام.
وقد تحدث عن فكرة جمعه لهذا الكتاب في مقدمته: بأنه رأى جمع جميع ما وقف عليه من الحديث النبوي في كتاب واحد ليسهل الكشف منه، ثم عدل إلى جمع الأحاديث الزائدة في كتب المسانيد على الكتب المشهورة -وقصد بالمشهورة الأصول الستة ومسند أحمد، وبالمسندات ما رتب على مسانيد الصحابة- وأنه وقع له منها ثمانية كاملة، وهي مسند أبي داود الطيالسي، ومسند الحميدي، ومسند ابن أبي عمر العدني، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة.
ثم ذكر أنه وقع له من المسانيد أشياء كاملة، كمسند البزار وأبي يعلى والطبراني، ولكنه رأى شيخه الهيثمي قد جمع ما فيها وفي مسند أحمد في كتاب مفرد محذوف الأسانيد فلم ير أن يزاحمه عليها، لكنه تتبع ما فاته من مسند أبي يعلى لكون الهيثمي اقتصر في كتابه على الرواية المختصرة.
كما ذكر أنه وقع له عدة من المسانيد غير مكملة، كمسند إسحاق بن راهويه فوقف منه على قدر النصف فتتبع ما فيه، فصار ما تتبعه من الزوائد من عشرة دواوين، وقد سبقت لنا دراسة لهذه المسانيد قبل الحديث عن مجمع الزوائد.
كما أنه أشار إلى أنه وقف على قطع من عدة مسانيد أخرى فلم يكتب منها شيئًا رجاء إضافتها عند التبييض.
وقد وجدناه أضاف إلى المسانيد الثمانية في تخريجاته عدة مراجع أخرى: كالفاكهي والبيهقي وعبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وزوائد عبد الله بن أحمد، والبزار مفردًا أو مضمومًا إلى غيره من الثمانية، وابن حبان، وابن أبي أسامة، وابن شيرويه.
فمما نقله عن مسند الفاكهي الحديث رقم ١٢٢٣ و١٢٢٤، وعن مسند البيهقي الحديث رقم ٧٤٧، وعن مسند عبد الرزاق الحديث رقم ٧٥٢، ٢٥٤٨، وعند أحمد في الزهد الحديث رقم ٢٤٩٤، ٢٤٩٥، ٢٦٧٦، وعن ابن حبان الحديث ٢٧٥، ٢٣٦٨، وعن ابن أبي أسامة الحديث رقم ٢٢٣٧، وعن مسند البزار مفردًا الحديث رقم ٣٤١٤ و٣٤٨٩ و٣٨٣٨ و٣٨٤٨ و٣٨٤٩، وعن البزار مضمومًا إلى أبي يعلى الحديث رقم ٣٤٩٦، وعن شيرويه الراوي لمسند إسحاق عنه الحديث رقم ٢٥٥٨.
[ ٣٠٣ ]
وفي هذه المناسبة نشير إلى ما قاله الأستاذ الأعظمي -مخرج الكتاب ومحققه والمعلق عليه- في بيان التطوير الذي انتهى إلى تلك المطالب العالية، حيث ذكر أنه لم تنقطع محاولات تجميع السنة على صعيد واحد في مصنفات مستوعبة، بعد أن انتهت عهود الرواية والتدوين الأساسية في جوامع ومصنفات وسنن ومسانيد، ومن ذلك ما قصده الحميدي "المتوفى سنة ٢١٩هـ" حين ألف كتابه الجمع بين الصحيحين، وغيره كثير١، إلى أن صنف ابن الأثير٢ كتابه جامع الأصول على آثار كتاب سابق لرزين العبدري، وهو يمثل الحلقة الأولى في تجميع كتب السنة على صورة تجريد الأسانيد ومقارنة الروايات٣ قال صاحب الرسالة المستطرفة: إن كتاب جامع الأصول على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، وقال عنه: إنه اختصره ابن الديبع -وهو أحسن مختصراته- كما اختصره قاضي حماه شرف الدين أبو القاسم هبة الله البرزي الجهني المتوفى سنة ٧٣٣هـ وسماه تجريد جامع الأصول.
ويقول الأستاذ الأعظمى: ثم تلا ابن الأثير الجزري الحافظ نور الدين الهيثمي في تصنيف كتابه مجمع الزوائد، وهو الذي درسناه قبل كتاب المطالب العالية.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه الفترة التي طواها الأستاذ محقق المطالب العالية لم تكن غفلًا ولا خالية من محاولة الجمع كما قد توهمه عبارة الأستاذ المحقق. فقد ظهر فيها كتاب أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح لأبي عبد الله محمد بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي المتوفى في حدود ست وأربعين وستمائة للهجرة، كما ظهر فيها كتاب جامع الجوامع السبعة عن الصحيحين والسنن الأربعة وسنن الدارمي لبعضهم، والجمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير وربما زيد عليها من غيرها، وهو المسند الكبير للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، سماه جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبه على حروف المعجم، يذكر كل صحابي له رواية ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها٤.
_________________
(١) ١ من المصنفات الجامعة المشهورة الجامع في الحديث للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة ٢١١هـ ومن المصنفات العظيمة بين هذه الجوامع كتاب جامع المسانيد للحافظ عبد الرحمن بن علي الشهير بأبي الفرج بن الجوزي في سبع مجلدات ذكره الذهبي في ترجمته ج٤ ص١٣٢ وأورده صاحب الرسالة المستطرفة في كتب الجوامع ص١٣٢ وقال: إنه سماه جامع المسانيد بألخص الأسانيد. ٢ هو مبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المتوفى سنة ٦٠٦. ٣ ثم جاء الشيخ عبد الرحمن بن علي بن محمد بن يوسف الزبيدي المشهور بالديبع المتوفى سنة ٩٤٤هـ فهذب ذلك الكتاب وجمع أبوابه على حروف المعجم وسماه تيسير الوصول إلى جامع الأصول "وهو كتاب نافع ومتداول" راجع كشف الظنون ج١ ص٥٣٧. ٤ الرسالة المستطرفة ص١٣١ وما بعدها.
[ ٣٠٤ ]
ولا يخلو الأمر -مع عناية علماء المسلمين بالسنة واهتمامهم بها- من أن تكون لهذه الكتب نظائر لمؤلفين من علماء الحديث في الأقطار الإسلامية، ولكن الأستاذ المحقق يريد الربط الإجمالي العام ليكون مدخلًا لموضوع كتاب المطالب العالية وصلته بالجوامع من كتب السنة، فهو لهذا يقول: ثم تلا ابن الأثير الحافظ نور الدين الهيثمي في تصنيف كتابه مجمع الزوائد، مبتغيًا من تأليفه إضافة حلقة أوسع أحاطت بستة كتب أخرى -وذكرها- وقد قدمنا الكلام على ذلك عند دراستنا لذلك المجمع الهيثمي بما اتسع له المقام.
ونحن نتفق مع الأستاذ المحقق في أن كتاب المطالب العالية يدخل في دائرة المحاولات لتجميع السنة النبوية في صعيد واحد، ونرى أن الحافظ ابن حجر -بنقله عن هذه المسانيد- أضاف إلى الكتب المتداولة مع زوائد شيخه الحافظ نور الدين الهيثمي ما يرى باجتهاده أنه يحقق الغرض من تلك المحاولة الكريمة، فإنه أضاف إلى كتب السنة المتداولة ما لم يضفه شيخه إليها.
وقبل أن نتناول هذا الكتاب بالدراسة ينبغي أن نتقدم بتمهيد نبين به الظروف التي أحاطت بإخراج تلك النسخة المطبوعة، والتي لا يمكن البت بأنها -على هذا الوجه- من وضع الإمام الحافظ ابن حجر، ولا يمكن الحكم بأنه صاحب ما وقع فيها من التصرفات، مع إمكان القطع بأن المتن المجرد -وحده- للإمام الحافظ ابن حجر.
وبناء على هذا، فإن دراستنا لهذا الكتاب ستكون بالنسبة لهذه النسخة التي وصلت إلينا مطبوعة دون حكم على المؤلف نفسه بما هو فيه من نقص أو تقصير.
وبيان ذلك -كما استقينا من واقع دراسات الأستاذ المحقق وجولاته بين تلك النسخة المخطوطة التي اختيرت من بينها هذه المطبوعة للنشر أن الأستاذ المحقق أفاد بما خلاصته: أنه بحث عن كتاب المطالب في مكتبات الهند والحجاز، فلم يظفر به إلا في المكتبة السعيدية بحيدر أباد عام ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، لكن هذه النسخة كانت عبارة عن النصف الأول من الكتاب إلى أن قال: إنه ظفر نسختين أخريين في المكتبة العلمية بالمدينة المنورة إحداهما المخطوطة المسندة، والثانية المخطوطة المجردة، أما المسندة فقد نسخت ستة عشر ومائة وألف للهجرة، وهي مصورة عن نسخة في إحدى مكتبات تركيا، وذكر أن تصويرها لم يكن واضحًا؛ لأنه اختير تصويرها بحجم أصغر من أصلها مع وجود تصحيفات وتحريفات فيها فجاءت غامضة صعبة القراءة والإفادة، ولكنه تجلد وتصبر حتى أفاد منها في تحقيق الكتاب، وأما المجردة فهي مصورة من إحدى مكتبات تركيا ولكنها أوضح من المسندة، وقد كتبت عام اثني عشر ومائة وألف للهجرة، وذكر المحقق أن القائم بتجريد الكتاب من أسانيده ليس في المخطوطة ما يصح معه الجزم بتعيينه، وغالب الظن أنه كاتب النسخة نفسه، وذكر أن كاتبي النسختين شخصان مختلفان، ثم وازن بين المجردة والمسندة فقال: إنه لا فرق بينهما إلا حذف أسانيد الحديث في المجردة مع الإبقاء على اسم الصحابي فقط دون كلمة "عن" أو غيرها، ولكن
[ ٣٠٥ ]
يؤخذ على مجرد النسخة أنه حذف كثيرًا من الكلام الضروري الذي عقب به المؤلف الحافظ ابن حجر على بعض الأحاديث، ويقول المحقق: "إنه استدرك ذلك في الحواشي، كما يؤخذ عليه إضافة كلمة "رفعه" مع التصريح بعبارة "قال" ونحوها وهما لا يجتمعان، وأنه كثيرًا ما يأتي بكلمة رفعه مع الموقوف، ثم بين أن اختيار المخطوطة المجردة كان بإشارة من قسم التراث الإسلامي بالكويت الذي رأى أن نشرها أولى -في هذا الزمن- من نشر المخطوطة المسندة، لا سيما مع الإفادة من خصائص النسخة المسندة، وكأنه يريد بهذه العبارة أن الخصائص المنشودة من النسخة المسندة والتي خلت منها المجردة هي بيان درجات الأحاديث، وقد حاول المحقق أن يستوعبها من مصادرها الثلاثة -وهي هذه النسخة المسندة وزوائد البوصيري وزوائد الهيثمي- على أن المحقق أيضًا ربما لم يصل إلى حكم في هذه المراجع الثلاثة فيرجع إلى رجال الأحاديث في مظانها، وما حكم به في كتب الرجال إذا نشط لذلك، وربما لم ينشط له.
وبعد هذا نستطيع أن ندون رأينا في هذه النسخة التي وصلت إلينا أول ما ظهرت مطبوعة -لأول مرة- وكما نشرها التراث الإسلامي إدارة الشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالكويت وهي الطبعة الأولى عام سبعين وتسعمائة وألف ميلادية بالمطبعة العصرية بالكويت.
والكتاب يقع في أربع مجلدات جميعها ست وسبعون وسبعمائة وألف صفحة من القطع المتوسط، فيها حديثان وسبعمائة وأربعة آلاف حديث موزعة على المجلدات الأربعة.
وقالت المجردة١ في مقدمتها: إن المصنف رتبه على أبواب الأحكام الفقهية، ثم ذكر بدء الخلق، والإيمان، والعلم، والسنة، والتفسير وأخبار الأنبياء، والمناقب والسيرة النبوية، والمغازي، والخلفاء، والآداب، والأدعية، والزهد، والرقائق، والفتن، والتعبير، والبعث والحشر.
لكن ما في الكتاب لا يتطابق مع ذلك، لا ترتيبًا ولا توصيفًا، فإن هذا الكلام يوهم أن ما عدا هذه الأبواب من الكتاب فقه، وليس كذلك، فإن فيما عداها كثيرًا مما ليس بفقه: كالطب والبر والصلة وفضائل القرآن، كما أنه يوهم أن هذه الأبواب التي ذكرها من أول بدء الخلق إلى آخرها هي أخريات ما ذكر في الكتاب، مع أن كتبًا وأبوابًا منها قد ذكرت قبل ذلك، مثل كتاب الأدب الذي ذكر بعد منتصف الجزء الثاني وقبل بدء الخلق وما بعده، ومثل كتاب الأذكار والدعوات الذي ذكر في الجزء الثالث وقبل بدء الخلق وما بعده، ومثل كتاب فضائل القرآن الذي ورد بعد بدء الخلق، ولم يرد عنه ذكر في المقدمة في غير أبواب الفقه، ومن تتبع التطبيق
_________________
(١) ١ وإنما عبر لنا بهذا التعبير لأن في تبويب الكتاب اختلافًا معيبًا بين ما في المقدمة وما ورد في الكتاب تطبيقًا عليها، وذلك ما لا يجوز إلصاقه بالمؤلف الحافظ.
[ ٣٠٦ ]
وجد اختلافًا يطول شرحه، ولهذا نرى أن نقطع النظر عما ورد في مقدمة المجردة وأن نعرض الكتب والأبواب الرئيسية التي وردت في أجزاء الكتاب:
كتاب الطهارة وتحته أبواب تتعلق بها، كتاب الغسل وتحته أبواب كذلك، كتاب الحيض وتحته أبواب، كتاب الصلاة وتحته أبواب الأذان والإقامة، ثم أبواب مواقيت الصلاة، ثم أبواب صفة الصلاة والمساجد والجماعة، كتاب النوافل وتحته أبواب تتعلق بها، ثم أبواب الجمعة، كتاب الجنائز وتحته أبواب تتعلق بها، كتاب الزكاة وتحته أبواب تتصل بالزكاة، كتاب الصيام وتحته أبواب كذلك، كتاب الحج وتحته أبواب كسوابقه، كتاب البيوع وتحته الأبواب المتصلة بالبيوع، كتاب العتق وليس تحته أبواب، باب الوصايا، كتاب المواريث وتحته أبواب تتعلق بها. وبهذا ينتهي المجلد الأول من الكتاب بناء على التقسيم الذي اختاره الناشر.
وفي أول المجلد الثاني كتاب النكاح والطلاق وتوابعهما، وتحته الأبواب المتعلقة بذلك، ثم باب الإيمان والنذور، ثم كتاب الحدود وتحته أبواب، ثم كتاب القصاص وتحته الأبواب المتعلقة به، ثم كتاب الجهاد وتحته أبواب تتصل به، ثم كتاب الخلافة والإمارة ويندرج تحته أبواب كذلك، ثم كتاب القضاء والشهادات كذلك، ثم كتاب اللباس والزينة كذلك، ثم كتاب الأضحية والعقيقة وتحته أبواب، ثم كتاب الصيد وتحته أبواب، ثم كتاب الأطعمة والأشربة وتحته أبواب، ثم كتاب الأدب وتحته أبواب، ثم كتاب البر والصلة وتحته أبواب ينتهي عند بعضها المجلد الثاني من هذا الكتاب.
ثم يبدأ المجلد الثالث ببقية أبواب البر والصلة، ثم يأتي كتاب تعبير الرؤيا وليس تحته أبواب ثم كتاب الإيمان والتوحيد وتحته أبواب، ثم كتاب العلم وتحته أبواب تتعلق به، ثم كتاب الرقائق والزهد وتحته أبواب كذلك، ثم كتاب الأذكار والدعوات كذلك، ثم كتاب بدء الخلق وما تحته من أبواب، ثم كتاب فضائل القرآن وما تحته من أبواب، ثم كتاب التفسير كذلك، وبه ينتهي المجلد الثالث من الكتاب.
ثم يبدأ المجلد الرابع بكتاب المناقب المتضمن لشمائل النبي ﷺ ومناقب الصحابة وغيرهم، وفضائل البلدان وتحته أبواب عديدة تتصل بهذه الموضوعات، ثم كتاب السيرة والمغازي وتحت كل منهما أبواب تتصل به، ثم كتاب الفتن وما تحته من أبواب فصل بين بعضها والبعض الآخر بكتاب الفتوح، ثم ينتهي الكتاب بكتاب البعث والحشر وما يتعلق به من أبواب.
هذه هي الموضوعات التي شملها ذلك الكتاب، ذكرناها على وجه الإجمال، لنتبين مدى الاختلاف بين ما وقع في مقدمة المخطوطة المجردة وما في هذه النسخة المطبوعة في التقسيم والترتيب.
[ ٣٠٧ ]
وأما أبرز ما ظهر لنا من صفات في عرض الأحاديث والآثار في هذه النسخة، فأول ما يلفت النظر ما نسب إلى الإمام المؤلف من قوله: وشرطي فيه ذكر كل حديث ورد عن صحابي ولم يخرجه الأصول السبعة من حديثه ولو أخرجوه أو بعضهم من حديث غيره، مع التنبيه عليه أحيانًا.
والواقع أن هذا الشرط يخرج كثيرًا مما في هذه النسخة من النوعين الآتيين، وكل منهما كثير في هذا الكتاب:
فأما النوع الأول فهو تلك الأحاديث المرسلة التي لا ذكر فيها للصحابي.
وأما النوع الثاني فهو الآثار المقطوعة التي أضيفت إلى التابعين.
فمن النوع الأول الحديث رقم ١٥٣٣ وهو قول مجاهد قال رسول الله ﷺ: "غطي عنا قنازعك ١ يا أم أيمن" والحديث رقم ١٥٣٦ وهو قول سعيد بن المسيب: آمت حفصة من زوجها، وآم عثمان من رقية إلى آخر ما ذكره من تزوج رسول الله ﷺ من حفصة. والحديث رقم ٢٧٩٣ وهو قول الشعبي: إنه ﷺ مر على أصحاب الدركلة٢ والحديث رقم ٢٧٩٥ وهو قول نصر بن شفي عن النبي ﷺ: "من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدًا فقد جهل" والحديث رقم ٣٠٩٩ وهو قول عروة: توفيت امرأة وكان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون منها فقال بلال: ويحها قد استراحت الحديث، وهذا النوع كثير في الكتاب لمن تتبعه.
ومن النوع الثاني الأثر رقم ١٧٤ وهو عن عكرمة أنه لا يرى بأسًا أن يغتسل الرجل من الجنابة ثم يستدفئ بامرأته، والخبر رقم ٢٣٠٤ وهو أن الحسن كان يقول عند الذبائح: بسم الله والله أكبر اللهم لك ومنك. الخبر والأثر رقم ٢٤٧٧ وهو خبر السرى بن يحيى أنه سمع محمد بن سيرين يقول لغلام أراد أن يحتجم في أول الشهر: لا تحتجم في أول الشهر الخبر، والخبر رقم ٢٦٣٤ عن إبراهيم قال: إذا كانت لك إليه "الكافر" حاجة فابدأه بالسلام، وقال مجاهد: إذا كتبت فاكتب: السلام على من اتبع الهدى، والخبر رقم ٤٢٠١ وهو عن الأعمش: ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم، وتكملته رقم ٤٢٠٢، والخبر ٤٢٣٨ وهو عن سعيد بن المسيب يقول: وج واد مقدس، وهذا أيضًا كثير في الكتاب لمن تتبعه.
على أنه بعض الأحاديث لا يقتصر على ذكر الصحابي وحده، بل كثيرًا ما يذكر من روى عنه كما في الحديث ٤٦٢١ لمحمد بن المنكدر أن جابر بن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ القنازع: خصل الشعر. ٢ الدركلة: ضرب من لعب الصبيان.
[ ٣٠٨ ]
قال الحديث، بل إنه أحيانًا يذكر من روى عمن روى عن الصحابي كما في الحديث رقم ٤٦٢٣ وهو حديث أن هارون العطاردي حدثه١ أن أبا الأشعث حدثه أن ابن عباس حدثه أن الروح الأمين حدثه، ومثل ذلك في حديث ٤١٦٤، وواضح أن هذا خروج على المألوف فيما نسب إلى المؤلف في المقدمة.
ثانيًا: أكثرت هذه النسخة من إيراد كلمة رفعه "وصفًا للصحابي" مع التصريح بالسماع أو بكلمة قال رسول الله ﷺ ونحوها مثل أن النبي ﷺ قال، وعن النبي ﷺ قال، وهذا أسلوب مستدرك؛ لأنه لا معنى للجمع بين رفعه وما بعدها على هذا الوجه، وقد نبه إلى ذلك الأستاذ المحقق في تقديمه للكتاب، غير أنه يرد التعبير أحيانًا بأسلوب صحيح ليس فيه هذا الجمع.
ومن ذلك الحديث رقم ١٠١٤ أبو سعيد رفعه: "صيام يوم عرفة بمنزلة سنتين" وواضح أن هذا التعبير يدل على أن هذا الكلام من قول رسول الله ﷺ دون حاجة إلى التصريح بقال أو نحوها، وهو تعبير دارج متعارف بين المحدثين.
وأيضًا الحديث رقم ١١٤٦ وهو حديث عبد الله بن عمر رفعه: "لولا ما مسه "الحجر الأسود" من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي" ومنه الحديث رقم ٢٢٢٩ وهو حديث عائشة رفعته: دخل عليَّ النبي ﷺ يومًا فقال: "إني صنعت اليوم شيئًا " الحديث، ومن ذلك الحديث رقم ٢٢٣١ وهو حديث أم ولد شيبة رفعته: "رأيت رسول الله ﷺ " إلخ، وإن كان الاختصار في مثل هذا الحديث والذي قبله لا يظهر لأن كلمة "قالت" تغني عن كلمة "رفعته" وتؤدي مؤداها بالأصالة، ومن ذلك الحديث رقم ٢٩٣٨ وعبارة: أنس رفعه: "مجوس هذه الأمة وإن صاموا وصلوا" يعني القدرية.
وهذا النوع الذي نسب إلى الصحابي أنه صرح فيه بالرفع قلما يرد التعبير فيه سليمًا في هذا الكتاب.
ثالثًا: قلما تذكر النسخة المجردة تقويمًا للحديث وبيانًا لدرجته الحديثية، ونحن ننزه الإمام الحافظ شيخ الإسلام أن يكون هذا التصرف منه، ولكنه اختصار من المجردة، وهو اختصار طغى على تقدير الحديث، ونحن نعلم أن تقدير الحديث أمر له أهميته وخطره في هذا الفن بين رجال الحديث، ولا سيما في كتب الزوائد التي تكثر فيها -تبعًا لأصولها المأخوذة منها- الأحاديث الضعيفة، ويتخللها بعض الأحاديث الموضوعة، فكان لا بد من التنبيه على ذلك.
_________________
(١) ١ الضمير في حدثه الأولى هذه لا مرجع له، وأما التي بعدها فله مرجع.
[ ٣٠٩ ]
ونحن نشكر الأستاذ محقق الكتاب فقد بذل جهد استطاعته في تقدير الأحاديث ونسبتها إلى مصادرها التي نبهت إلى ذلك، وهي في الأعم الأغلب: إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة للحافظ البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠هـ، ومجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧هـ، والنسخة المسندة التي هي الأصل الذي أخذت منه هذه المجردة المبتورة الناقصة.
ومهما يكن فإننا بترديد النظر في هذه المجردة قد وجدنا بها عدة تقريرات للأحاديث يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال ما يأتي:
- الحديث رقم ٤٨٦ وهو حديث أبي الدرداء رفعه: "من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور يوم القيامة" فيه انقطاع بين مكحول والصحابي، والحديث في المسندة ورد بالسند الذي ذكر فيه مكحول راويا عن الصحابي، وفيه يتجلى الانقطاع.
- الحديث رقم ٤٨٧ وهو حديث أبي هريرة وابن عباس قالا: جاءنا رسول الله ﷺ وذكرا حديثًا طويلًاِإلى أن قال ﷺ: "ومن مشى إلى مسجد من المساجد فله بكل خطوة يخطوها عشر حسنات " الحديث، ثم ورد تقديره في المجردة هكذا: موضوع، ولم يذكر لذلك علة.
- الحديث رقم ٤٨٩ وهو حديث أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا فقال: "إنما فعلت هذا ليكثر عدد خطاي في طلب الصلاة" والتقدير لهذا الحديث: قلت: الضحاك ضعيف الحفظ، والمحفوظ في هذا موقوف على زيد بن ثابت، وقوله المحفوظ يدل على أن الحديث روي من وجه غير محفوظ وهو ما يسمى شاذًّا، والمحدثون يختلفون في قبول الشاذ.
- الحديث رقم ٤٩٠ وهو حديث أنس قال: خرجت وأنا أريد المسجد فإذا أنا بزيد بن ثابت الحديث، وفي تقديره قالت المجردة: فيه ضعيف، وهذا الوصف أوضحه المعلق بقوله: فيه داود بن المحير وهو ضعيف.
- الحديث رقم ٨٠٥ وهو حديث جميلة بنت سعد بن الربيع قالت: قتل أبي وعمي يوم أحد فدفنا في قبر واحد الحديث، فقد عقبت المجردة عليه بعبارة: قلت: جابر ضعيف.
على أن الحكم على جابر وهو لم يذكر أمام القارئ قليل الجدوى، إلا أنه على وجه العموم يشعر بضعف الحديث لضعف بعض رجال المسند، لكن العبارة غير محددة.
- الحديث ٨١٥ وهو للقاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق كان إذا أعطى الرجال عطاءه قال له: هل لك مال؟ فإن قال: نعم. قال: أو زكاته الحديث، وتصويره التقدير هنا:
[ ٣١٠ ]
قلت: إسناده صحيح إلا أنه منقطع بين القاسم وجده الصديق.
وهذا التقدير يبدو غريبًا في مصطلح الحديث؛ لأنه إذا حكم بالانقطاع فلا تتحقق صحة الحديث.
- الحديث رقم ٨٢٧ وهو حديث طلحة: "أن رسول الله ﷺ كان يعجل صدقة العباس بن عبد المطلب سنتين" والتقدير الوارد في المجردة: قلت: يوسف تالف، لكنه توبع، وقال البزار بعد أن أخرجه من وجه آخر عن الحسن البجلي عن الحكم: الحسن البجلي هذا هو ابن عمارة لا نعلم رواه غيره.
- الحديث رقم ١٠١٨ وهو حديث ابن عباس: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة" خالفه الحافظ، "وتمامه في الأصل".
وهنا تعليقه تقول قلت: وهو مع ما قبله خالفه الحافظ عن حوشب، وقالوا: عن مهدي عن عكرمة عن أبي هريرة، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ولا نتبين إذا كانت كلمة "قلت" من كلام المحقق، أو هو نقل لما في الأصل تفصيلًا لما أجمل بعبارة "وتمامه في الأصل".
- الحديث رقم ١٥١٥ وهو حديث أبي هريرة وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله ﷺ" فذكرا الحديث، وفيه: "ومن ظلم امرأة مهرها فهو عند الله زان " الحديث، وتقويمه في المجردة: موضوع، ولم يذكر لذلك سببًا.
- الحديث رقم ١٥٨٥ وما قبله، وهما من حديث جابر وأبي هريرة في الحث على الزواج، ذكرهما ثم قال: هذان حديثان منكران وخالد متهم بالكذب.
- الحديث رقم ١٦٠٤ وهو حديث ابن رومان: "سئل عمر بن الخطاب عن طعام العرس" الحديث، وتقويمه: هذا إسناد مظلم، ولم يذكر سبب إظلامه، وقد أورد المحقق السبب نقلًا عن البوصيري في التعليق على ذلك.
- الحديث رقم ٢٩٥٨ وهو حديث أبي بكر الصديق قال رسول الله ﷺ: "لا يدخلون الجنة القدرية والمرجئة" وتقويمه الوارد: فيه انقطاع، وبين المحقق أصل الحديث نقلًا عن الإتحاف، فقال: "صنفان من أمتي لا يدخلون " إلى آخره.
- الحديث رقم ٢٩٩٤ وهو حديث سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله ﷺ قال: "دون الله سبعون ألف حجاب من نور " الحديث، وتقويمه: فيه ضعف.
[ ٣١١ ]
- الحديث رقم ٤١٥٥ وهو حديث رزينة: "أن رسول الله ﷺ سبى صفية يوم قريظة والنضير " الحديث، وتقويمه في المجردة هكذا: قلت: حديث منكر عن نسوة مجهولات، والذي في الصحيح عن أنس أنه جعل عتقها صداقها.
ونحن نحمد للمجردة هذا التصحيح لأنه مقاومة لخطأ علمي.
- الحديث رقم ٤١٨٤ وهو حديث أسد بن حضير رفعه: "خير دور الأنصار" الحديث، وتقويمه: هذا حديث صحيح.
وهذه الأمثلة التي ذكرناها تبين ما وقع على قلة من تقويم الأحاديث في هذه المجردة، وقد سبق لنا أن عدم التقويم ليس من الحافظ ولا ينبغي أن يكون منه، ولا ندري لماذا كان هذا القدر القليل من الأحاديث هو الذي ورد تقويمه دون غيره في هذه المجردة؟
رابعًا: يهمل بيان كثير من الأسماء التي يشترك فيها الصحابة بعضهم مع بعض، أو التابعون كذلك، فلا يدري القارئ أيهما المراد، وأحيانًا يبخل بذكر اسم الأب مما يوقع في اللبس في معرفة الرواة، ولو أن في مقدمة الكتاب اصطلاحًا يبين مثل هذه الأشياء المهمة لما وقع ذلك اللبس، والبيان واجب في عرض العلم، ولا سيما في السنة التي كان من موضوعاتها في علم الدراية بيان المشتبه والمتفق والمختلف وما إلى ذلك، مما يجعل القارئ على بينة من أمره، ولو أن محقق الكتاب فعل ذلك لأدى خدمة جليلة كان لا بد من أدائها.
ونذكر من ذلك على سبيل المثال الحديث رقم ١٨٩٧ الذي تقول فيه المجردة بشر قال: "أتى رجل إلى النبي ﷺ فجثا على ركبتيه" الحديث، وبشر كثير فأيهم هو الراوي؟
- وكذلك الحديث رقم ٢١٧٣ الذي تقول فيه المجردة: سعيد "اشترى علي بن أبي طالب قميصين" الحديث، فمن هو سعيد؟.
- وكذلك الحديث رقم ٢٣٠٧ المروي عن الصلت رفعه: "ذبيحة المسلم حلال " الحديث، والصلت كثير في الصحابة وغيرهم، فمن هو الصلت؟
- وكذلك الحديث رقم ٤٦٨٩ الذي تقول المجردة فيه: كعب: "نهر النيل نهر العسل في الجنة" الحديث، فمن هو كعب؟
وإن إهمال مثل هذا عجيب، ولا يمكن الاعتذار عنه؛ لأن لكل حديث مظانه التي يمكن الرجوع إليه فيها، وللأسماء المشتبهة كذلك.
خامسًا: في المجردة أحاديث غريبة المعاني، وهي متفاوتة، فمنها ما هو طريف يبدو في شيء من الجدة لأنه غير متعارف ولا متداول.
[ ٣١٢ ]
ومن ذلك الحديث رقم ٩٧ وهو حديث أبي الجنوب: أنه رأى عليًّا يستقي ماء لوضوئه، فبادره يستقي له، فقال: مه يا أبو الجنوب فإني رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له، فقال: مه يا أبا الحسن فإني رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له، فقال: "مه يا عمر فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد".
والحديث رقم ١٧٢ وهو عن حذيفة قال: "قمت مع رسول الله ﷺ ليلة من رمضان فقام يغتسل وسترته، ففضلت منه فضالة في الإناء، فقال: "إن شئت فأرقه، وإن شئت فصب عليه"، فقلت: يا رسول الله هذه الفضلة أحب إلي مما أصب عليه، قال: فاغتسلت به وسترني، فقلت: أتسترني؟، فقال: "بلى لأسترنك كما سترتني".
ويبدو أن الحديث مروي بالمعنى، فإن بلى لا تستعمل عربية إلا في النفي.
ومن ذلك أيضًا الحديث رقم ٧٦٠ عن المطلب قال: "قام ابن عباس يصلي على جنازة فكبر، ثم افتتح أم القرآن رافعًا بها صوته، ثم صلى على النبي ﷺ فكبر، فأخلص للميت الدعاء، ثم كبر فدعا للمؤمنين والمؤمنات، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، والله ما رفعت صوتي بالقرآن إلا لتعلموا أنها سنة".
والحديث رقم ٢٣١٠ وهو حديث أبي سعيد قال: "رأى النبي ﷺ حمارًا موسومًا بين عينيه فكره ذلك، وقال فيه قولًا شديدًا" ولفظ ابن مسهر زاد: ونهى عن أن يضرب الوجه أو يوسم.
والحديث رقم ٢٣١٠ وهو عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "كم في بيتك من بركة؟ يعني الشاة".
والحديث رقم ٢٤٢٥ وهو عن أبي عثمان قال: دخل على النبي ﷺ أعرابي جسيم ذو جثمان عظيم، فقال له النبي ﷺ: "متى عهدك بالحمى؟ " قال: لا أعرفها قال: "فالصداع؟ " قال: لا أدري ما هو، قال: "فأصبت في مالك؟ " قال: لا. قال: "فرزئت بولدك؟ " قال: لا، فقال النبي ﷺ: "إن الله يبغض العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاف في ماله".
والحديث رقم ٢٤٧٠ وهو حديث العلاء بن زياد: أن امرأة النبي أتت النبي ﷺ بابن لها وقد سقى١ بطنه، فقالت: يا رسول الله إن ابني لمصاب فما ترى؟ أفأكويه؟ قال: "لا تكويه" فأجمعت ألا تكويه، فضربه بعير فخبطه، ففقأ بطنه فبرأ، فرجعت إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سق بطنه حصل فيه الماء الأصفر.
[ ٣١٣ ]
فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله استأذنتك في ابني أن أكويه فنهيتني، فمر به بعير فخبطه أو لبطه١ ففقأ بطنه وبرأ، فقال: "أما لو أذنت لك لزعمت أن النار هي التي شفته".
ومن ذلك الحديث رقم ٢٧٠٤ وهو حديث أبي إسحاق عن بعض أصحابه قال: لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان عدو الله -وابنه يسير مع رسول الله ﷺ- فقال له٢: بل لعن الله أبا قحافة، فوالله ما كان يقرئ الضيف ولا يقاتل العدو، فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".
والحديث رقم ٢٧٩٤ وهو حديث محمد بن عمرو بن حزم: "أن عمر بن الخطاب جمع كل غلام اسمه اسم نبي وأراد أن يغير أسماءهم فشهد آباؤهم أن رسول الله ﷺ سماهم، وكان محمد بن عمرو بن حزم فيهم".
والحديث رقم ٤١٢٧ وهو عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا، فركبت لوحًا منها فطرحني في أجمة، فلم يرعني إلا به "أي الأسد" فقلت: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "فضربني بمنكبه وطأطأ رأسه، وجعل يغمزني بمنكبه ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق، ثم ضربني بيده وهمهم ساعة فرأيت أنه يودعني".
ومن ذلك الحديث رقم ٤١٣٤ وهو حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: "ما يبكيك؟ " قلت: سبتني فاطمة، قال: "يا فاطمة سببت عائشة؟ " قالت: نعم يا رسول الله، قال: "ألست تحبين من أحب وتبغضين من أبغض؟ " قالت: بلى، قال: "فإني أحب عائشة فأحبيها"، قالت فاطمة: لا نقول لعائشة شيئًا يؤذيها أبدًا".
والحديث رقم ٤١٤٨ وهو حديث الزبير بن العوام قال: "لما خلف رسول الله ﷺ نساءه يوم أحد بالمدينة خلفهن في فارع٣، وتخلف فيهن حسان بن ثابت، فأقبل رجل من المشركين ليدخل عليهن، فقالت صفية لحسان: دونك الرجل، فجبن حسان وأبى عليها، فتناولت صفية السيف فضربت به المشرك حتى قتلته، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ، فضرب لصفية بسهم كما يضرب للرجال".
والحديث ٤١٥٧ وهو حديث صفية بنت حيي قالت: أردفني رسول الله ﷺ على عجز ناقته، قالت: فجعلت أنعس فيمسني رسول الله ﷺ بيده: ويقول: "يا هذه، يا بنت حيي، وجعل يقول: يا صفية إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك، إنهم قالوا: كذا وكذا وكذا".
_________________
(١) ١ خبطه: ضربه بشدة، ولبطه: ضربه بقوائمه. ٢ القائل هنا هو ابن الرجل الذي لعنه أبو بكر، والضمير في له راجع لأبي بكر. ٣ والقارع أطم كان بباب الرحمة.
[ ٣١٤ ]
والحديث ٤١٥٩ وهو حديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن الحديث، فقام عمر في الناس فقال: إن أم ورقة غمها غلامها وجاريتها فقتلاها، وإنهما هربا، فأتيا بهما فصليا، فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا نزور الشهيدة".
ومن ذلك الحديث رقم ٤١٦٤ وهو حديث يحيى بن جعدة عن رجل عن أم مالك الأنصارية قال: "جاءت أم مالك بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ، فأمر بلالًا فعصرها، ثم دفعها إليها فرجعت فإذا هي مملوءة سمنًا، قالت: فأتيت فقلت: نزل في شيء يا رسول الله؟ قال: "وما ذاك يا أم مالك؟ " قالت: رددت على هديتي. قال: فدعا بلالًا فسأله، فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت، فقال رسول الله ﷺ: "هنيئًا لك يا أم مالك، هذه بركة قد عجل الله لك ثوابها".
والحديث رقم ٤٢٠٦ وهو حديث الغفاري أنه سمع أبا هريرة بالمدينة يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كيف بكم إذا شبعتم من الخبز والزيت؟ فسبحوا وكبروا ساعة" ثم قالوا: متى يا رسول الله؟ قال: "إذا فتحت الأمصار"، ثم قال رسول الله ﷺ: "كيف بكم إذا اختلفت عليكم الألوان، وغدوتم بثياب ورحتم بأخرى؟ " قالوا: متى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا فتحت الأمصار وفتحت فارس والروم"، قالوا: فهم خير منا يا رسول الله يدركون الفتوح؟ قال: "بل أنتم خير منهم، وأبناؤكم خير من أبنائهم، وأبناء أبنائكم خير من أبناء أبنائهم، لم يأخذوا بشكر "ثلاثًا" ".
والحديث رقم ٤٢٩٢ وهو حديث عائشة: أنه جاء رجل من المشركين حتى استقبل رسول الله ﷺ بعورته يبول، فقال أبو بكر: يا رسول الله أليس الرجل يرانا؟ قال: "لو رآنا لم يستقبلنا بعورته -يعني وهما في الغار- ".
ومن ذلك الحديث رقم ٤٣٩٦ وهو عن عامر الشعبي قال: قال المغيرة بن شعبة: إني لآخر الناس عهدًا بالنبي ﷺ، إنا حفرنا له ولحدنا فلما دفنوه وخرجوا ألقيت الفأس في القبر فقلت: الفأس، الفأس فدخلت فأخذته ومسحت يدي على النبي ﷺ.
والحديث رقم ٤٦٤٧ وهو حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي قال: "انطلقت في وفد ثقيف، فأتينا رسول الله ﷺ، فأقمنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا وفي الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول الله ألا تسأل ربك ملكًا كملك سليمان بن داود؟ فضحك وقال: "لعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيًّا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطي بها، ومنهم من دعا بها على قوم إذا عصوه فأهلكوا بها، وإن الله قد أعطاني دعوة، فاختبأتها لأمتي يوم القيامة".
[ ٣١٥ ]
والحديث رقم ٤٦٥٥ وهو حديث أنس: بينما رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: "رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله ﷿: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء، قال الله تعالى للظالم: كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: فليحمل عني أوزاري" قال: ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: أرفع بصرك فانظر إلى الجنة، فرفع بصره فقال: أي رب، أرى مدائن من فضة، وقصورا من ذهب مكللة بالؤلؤ، فيقول: لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا يارب، قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب إني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة"، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيام" ١.
وقد تكون الغرابة بعرض أمر غير مألوف، ولا متمش مع قواعد الشريعة أو لغة العرب، ولا ما ورد من السنة، وذلك كحديث شريح أنه سأل عائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير، فإني سمعت في كتاب الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ٢؟
ففي هذا الحديث اتجاه بالحصير إلى غير معناه المتداول في لغة العرب من أن معناه في مصل هذا "المحبس" كما صرح به علماء التفسر واللغة، وقد أورد الأزهري في تفسير الآية في مادة حصر، فقال: وقال الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قال أبو الحسن الأخفش حصيرا أي محبسا ومحصرا، ولذلك يقال للملك حصير لأنه محجوب، ثم قال بعد ذلك: ونقل مثله عن أبي الهيثم، ثم قال: والحصير البساط الصغير من النبات.
وهذا الحديث -وإن نص الهيثمي على أن رجاله موثقون- لا يتفق مع الدين، وأن موضع الصلاة إذا كان طاهرًا لا تمتنع الصلاة عليه، وسياق المناقشة بين الراوي وبين عائشة يوهم أن رسول الله ﷺ امتنع من الصلاة على الحصير لهذه الآية حتى يبتعد عن صفات جهنم، مع أنه قد ورد أنه ﷺ كان يصلي على الحصير، جاء في حديث المغيرة: "أنه ﷺ كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة" أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح كما في الجامع الصغير٣، وجاء في كشف الغمة للإمام الشعراني٤ وهو كتاب قد التزم
_________________
(١) ١ المطالب العالية ج١ ص٩٤. ٢ سورة الإسراء آية رقم ٧. ٣ الجامع الصغير ج٢ ص١١٨. ٤ كشف الغمة ج١ ص٩٧.
[ ٣١٦ ]
صاحبه تصحيح أحاديثه: "كان النبي ﷺ يصلي على البساط وعلى الحصير وعلى الفروة المدبوغة، وعلى الخمرة من الخوص وغيره، وربما كانوا ينضحون له الحصير بالماء إذا أسود من طول المكث فيصلي عليه، ورأى عمر ﵁ رجلًا يصلي على الحصير فقال: الحصبان أعفر".
سادسًا: في الكتاب كثير من الأحاديث الموقوفة والمقطوعة، فأما المقطوعة فقد تقدم تصويرها بإيراد جانب منها عند مناقشة الشرط الذي ورد في المجردة من التزام المؤلف بذكر كل حديث ورد عن الصحابي إلى آخره، وأما الموقوفات فمنها:
الحديث رقم ١٧٣ وهو عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال: "بينما عمر يغتسل إلى بعير وهو محرم وأنا أستر عليه بثوب إذ قال: يا يعلى أصب على رأسي الماء؟ " قلت: أمير المؤمنين أعلم. قال: والله ما أرى الماء يزيد الشعر إلا شعثًا، ثم قال: بسم الله وأفاض على رأسه".
ومن ذلك الحديث رقم ٣٣٤ وهو حديث محمد بن الحنفية: "أن عليًّا كان لا يرى بأسًا أن يصلى الرجل في الثوب الواحد، وكان يصلي في الثوب الواحد قد خالف بين طرفيه".
وكذلك الحديث رقم ٥٣٣ وهو حديث ابن عباس قال: "استقبل عمر الناس من القيام فقال: ما بقي من الليل أفضل مما مضى منه".
والحديث رقم ٥٤٤ وهو حديث الحسن أن عمر قال: "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم عليه القرآن فلينم".
والحديث رقم ٥٤٥ وهو عن أبي يحيى قال: قال لي ابن عباس: "يا أبا يحيى. ألم ترني نمت الليلة عن الوتر، أتاني ابن مخرمة وآخر معه، فشغلاني عن الوتر، فنمت حتى أصبحت فأيقظتني الجارية، فقلت لها: هل طلعت الشمس؟ فقالت: لا، فركعت ركعتي الفجر ثم قلت: انظري هل تطلعت الشمس؟ قالت: لا، فصليت الفجر.
والحديث ٥٥٥ وهو حديث حذيفة بن أسيد قال: "رأيت علي بن أبي طالب إذا زالت الشمس صلى أربعًا طوالًا، فسألته فقال: إن أبواب السماء تفتح إذا زالت الشمس، فلا ترتج حتى يصلى الظهر، فأحب أن يرفع لي إلى الله عمل".
والحديث ٥٥٧ وهو حديث عبد الله بن أبي الهذيل قال: "دعوت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ إلى منزلي، فلما أذن مؤذن المغرب قام فصلى، فسألته عن ذلك فقال: كان أبي بن كعب يصليهما".
[ ٣١٧ ]
والحديث ٥٦٠ وهو عن إبراهيم: "أن عبد الرحمن بن عوف كان يصلي في بيته بعد المغرب ركعتين".
ومن ذلك أيضًا الحديث ٥٦٨ وهو حديث إبراهيم قال عمر بن الخطاب: "إن الأكياس الذين يؤثرون أول الليل، والأقوياء الذين يؤثرون آخر الليل".
وكذلك الحديث ٢٠٨١ وهو حديث مجمع: "أن عليًّا كان يكنس بيت المال ثم يصلي فيه رجلان يشهدان له: لم يحبس فيه المال للمسلمين" قال المحقق: والأظهر عن المسلمين، وفي المسندة: على المسلمين.
سابعًا: يبدر في هذه المجردة إحالة كثير من الأحاديث إلى مواضع غير مواضعها التي ترد فيها لأول المناسبة، كما في كتاب الحج، فقد عقد بابًا لغرض الحج والعمرة قال فيه: حديث مخول البهزي يأتي في الإيمان وفيه وحج واعتمر، ثم باب فساد حج الأقلف، وهذا العنوان بعده جملة يأتي في كتاب الأدب، وهذان العنوانان بين رقم ١٠٥٣ و١٠٥٤ بالجزء الأول.
وفي باب عرض المرأة على الرجل الصالح بعد حديث رقم ١٥٦٤ حديثان محولان على موضعين أحدهما يأتي، والآخر مضى، أما الأول فهو حديث أنس أن امرأة أتت فقالت: يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا فذكرت من حسنها وجمالها فقال: "فقد قبلتها " الحديث سيأتي في كتاب كفارات المرض، وأما الثاني، فهو حديث الفضل بن عباس: "أن أعرابيًّا كان معه ابنة حسناء فجعل يعرضها على النبي ﷺ رجاء أن يتزوجها" الحديث تقدم في أحكام النظر.
وفي باب من قصر في ضرب الحد وزاد فيه بعد حديث رقم ١٨٠٥ بعد هذا العنوان يقول: حديث حذيفة في باب الإمام العادل وهو يقصد الحاكم رقم ٢١٠٢ الذي ورد في باب فضل الإمام العادل.
وفي باب درء الحد بالشبهة حديث رقم ١٨٠٦ وبعده: وسيأتي حديث علي في السرقة.
وفي باب الترغيب في الستر بعد الرقم السابق ورد قوله: فيه حديث عمر في باب الأولياء في أوائل النكاح.
وفي باب الملح بعد الحديث رقم ٢٣٦٧ لم يذكر تحت هذا العنوان إلا جملة تقدم في آداب الأكل.
وفي باب الزجر عن النظر في النجوم بعد حديث رقم ٢٤٦٣ هذه العبارة: حديث علي بن أبي طالب يأتي في العبث١ في قصة أهل النهروان من الخوارج.
_________________
(١) ١ قال محقق الكتاب تعليقًا: لعل الصواب في الفتن.
[ ٣١٨ ]
وفي باب فضل قريش صدره بقوله: تقدم في أول كتاب الخلافة والإمارة أحاديث من هذا ثم أورد بعد ذلك الحديث ٤١٦٥.
هذا: وإننا -مع تنويهنا بالمجهود القيم الذي بذل في إخراج هذه المجردة- نرجو أن يعاد النظر في إخراج هذا الكتاب مرة أخرى مع تجريد أدق، لتسلم النسخة من هذه العيوب التي أشرنا إليها، وذلك بالرجوع إلى النسخة المسندة، ومحاولة العثور على ما عسى أن يكون منها من نسخ كاملة أو غير كاملة، ليستعان بها على مقابلتها بهذه المسندة، التي أشار إليها المحقق، وينبغي أن يكون من يتولى تجريد المسندة من أهل هذا الشأن والدراية فيه، بحيث يحافظ كل المحافظة على تخريجات شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، فإن له دقة وبعد نظر نستبعد معهما أن يكون قد أهمل شيئًا من هذه التخريجات، وهو من المبرزين في فن التخريج، وله فيه كتب سارت بذكرها الركبان، ورشف منها كل ظمآن.
وبعد هذه الدراسة للكتابين في أحاديث الزوائد نستطيع أن نعترف بما لكل منهما من فضل في تجميع الأحاديث، بإضافة هذه الزوائد إلى الكتب المتداولة، ليتجه الناس إليها بالدرس، ويتضاعف الانتفاع بالسنة النبوية، وإن كان مجمع الزوائد للهيثمي أحفل بالأحاديث، وأكثر استيعابًا لها، وأجمل عرضًا وأدق تبويبًا، وأسلم من العيوب العديدة التي وقعت في هذه المجردة من البتر والنقص وعدم الوفاء بالشرط.
فمن البارز -كما أشرنا في بيان مسلك هذه المجردة- أنها تبدأ بإيراد الرواة للأحاديث والآثار بأسماء ناقصة لا يتبين المقصود منها، مما يشق على القارئ، ويجعله يقع في لبس شديد لا يدري معه المقصود بهذه الأسماء، ثم إنها لا تبذل العناية اللائقة بتخريج الأحاديث وتعرف مراتبها وهذه ناحية مهمة لطالب الحديث، أما مجمع الزوائد فإنه قد سلم من هذه العيوب، وبذل جهدًا كبيرًا في تعرف الرواة، والتعريف بشأنها، ووقف عند موضع الشك، وترك البحث لمن عسى أن يلهمه الله التوفيق في أمثال هذه المواقف التي يعوزها البحث والتقصي مع توفيق الله ورعايته.
[ ٣١٩ ]
الفصل الخامس: كتب توضيح المبهمات
مدخل
الفصل الخامس: كتب توضيح المبهمات
تمهيد:
نستطيع أن نقسم هذا المفهوم إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم يرجع إلى متن اللغة "الألفاظ المفردة"، وقد اختص بهذا النوع كتب غريب الحديث.
٢- وقسم يرجع إلى أسلوب الحديث وما تضمن من تراكيب تحتاج إلى إيضاحها وبيان المراد منها، وهذا النوع لا يتم المقصود به إلا بشرح غرائب المفردات، لينتقل من شرحها إلى بيان معاني التراكيب المتضمنة لها، فوجود الشرح للغريب ضمن هذا القسم ليس على أنه مقصود فيه، بل على أنه وسيلة للمقصود من شرح التراكيب وبيان المراد منها، وهذا النوع اختصت به كتب الشروح الحديثية.
٣- وقسم ثالث يرجع إلى رفع ما قد يبدو من تضارب ظاهري بين بعض الأحاديث وبعض، وبين بعض الأحاديث وما تفيده النصوص القرآنية أو ما علم من الدين بالضوررة، وقد اختص بهذا النوع كتب معينة، سميت باسم تأويل مختلف الحديث، أو بيان مشكل الآثار، أو مشكل الحديث، أو غير ذلك من الأسماء التي ترجع في جملتها إلى هذا المعنى.
ولا يفوتنا أن ننوه هنا بأن كتب النوع الثاني لم تغفل النوعين الأول والثالث: ذلك أن فهم التراكيب -كما قلنا- يتوقف على فهم المفردات، فلا بد لشرح التراكيب من بيان مفرداتها، وهو ما تكفلت به كتب النوع الأول، وكذلك لا بد في شرح التراكيب وإيصالها إلى الدارسين خالصة من كل شائبة تحول دون الانتفاع بها وتطبيقها أن يكشف عنها ما قد يعلق بمعانيها من شبه ناشئة من ذلك التضارب الظاهري مع غيرها من النصوص، وذلك ما تكلفت به كتب النوع الثالث.
ومن ذلك نرى أن كتب النوع الثاني إذا استوفت مقوماتها والثمرة المقصودة منها تجمع الأنواع الثلاثة.
[ ٣٢٣ ]
غريب الحديث:
تمهيد:
أما القسم الأول من كتب توضيح المبهمات وهو غريب الحديث فقد وضعت فيه كتب عديدة، لا نستطيع أن نصور مراحلها وبيان أطوالها بأكثر مما صوره الإمام الدارس الباحث المتخصص مجد الدين ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ست وستمائة للهجرة إذ يقول في خطبة كتابه النهاية في غريب الحديث والأثر -وهو بصدد بيان الباعث له على تأليف هذا الكتاب وإبراز قيمته بين ما ألف من كتب الغريب- ما نلخصه فيما يأتي:
قيل إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا وألف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي "التيمي"١ فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراق معدودات٢ وأطال في الدفاع عن صغر حجم الكتاب ثم قال: ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني٣ بعده كتابًا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي٤ -وكان في عصر أبي عبيدة وتأخر عنه- كتابًا أحسن فيه الصنع وأجاد، ونيف على كتابه وزاد، وكذلك محمد بن المستنير المعروف٥ بقطرب وغيره أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذات عدد، واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والأثر، الذي صار -وإن كان أخيرًا- أولًا لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة، فإنه أفنى فيه عمره، فقد جمعه في أربعين سنة، وكان خلاصة عمره كما حدث
_________________
(١) ١ هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي العلامة الأخباري المتوفى سنة ٢١٠هـ وليس هو التميمي كما ورد في النسخة المطبوعة من النهاية ونقلها عنه صاحب كشف الظنون مما يدل على أنه ليس تخريفًا مطبعيًّا، فإن صحته التيمي كما ورد في شذرات الذهب ص٢٤ ج٢. ٢ النهاية ج١ ص٥. ٣ هو النضر بن شميل بن خرشة المازني تزيل مرو وعالمها، كان إمامًا حافظًا جليل الشأن، وهو أول من أظهر السنة بمرو، وكانت وفاته سنة ثلاث ومائتين. ا. هـ الشذرات في ص٧ ج٢. ٤ هو العلامة أبو سعيد عبد الملك بن قميص الباهلي البصري الأصمعي اللغوي الأخباري، وتوفي سنة ست عشرة ومائتين، شذرات الذهب ج٢ ص٣٦. ٥ قطرب النحوي صاحب سيبويه، وهو الذي سماه قطربًا لأنه كان يبكر إليه في المجيء فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، توفي سنة ست ومائتين. ا. هـ الشذرات ج٢ ص١٥.
[ ٣٢٤ ]
عن نفسه١ وأطال ابن الأثير في إطراء كتاب أبي عبيد والثناء عليه، ثم قال: إنه بقي في أيدي الناس يرجعون إليه إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري٢، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار، حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه الحاجة فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه، وذكر ابن الأثير طرفًا من مقدمة كتاب ابن قتيبة٣ ثم قال: إن الناس بعد ذلك صنفوا غير ما ذكرنا في هذا الفن تصانيف كثيرة، مثل شمر بن حمدويه، وأبي العباس أحمد بن يحيى اللغوي المعروف بثعلب٤، وأبي العباس محمد بن يزيد الثمالي المعروف بالمبرد٥، وأبي بكر محمد بن قاسم الأنباري٦ وأحمد بن الحسن السكندري. وغيرهم من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث، ولم يخل زمان وعصر ممن جمع في هذا الفن شيئًا، وانفرد فيه بتأليف، واستمرت الحال إلى عهد الإمام أبي سليمان أحمد٧ بن محمد بن سليمان بن أحمد الخطابي٨ البستي، فألف كتابه المشهور في غريب الحديث، سلك فيه نهج أبي عبيد وابن قتيبة واقتفى أثرهم وذكر ابن الأثير جملة من مقدمة كتاب الخطابي مشتملة على بيان طائفة من كتب الغريب ومزاياها ثم قال: إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدمه، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنفة قبله إلى أن قال: وفي عهد الإمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري٩ ﵀ صنف كتابه المشهور في غريب الحديث، وسماه الفائق
_________________
(١) ١ كان إمامًا في القراءات حافظًا للحديث صنف كتابه في غريب الحديث وقال عنه ابن الأهدل، إن أول من صنف غريب الحديث ووقف على كتابه عبد الله بن طاهر فاستحسنه معاشًا شهريًّا كبيرًا ذكره ابن العماد في الشذرات في وفيات سنة أربع وعشرين ومائتين. ا. هـ. ص٥٥ ج٢ شذرات الذهب. ٢ هو الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الإمام النحوي اللغوي صاحب كتاب المعارف وأدب الكاتب وغريب القرآن ومشكل الحديث توفي سنة ست وسبعين ومائتين. ا. هـ. شذرات الذهب ص١٦٩ ج٢. ٣ ذكره صاحب كشف الظنون ص١٢٠٥ ج٢. كما ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة ص١١٦ وقال: إنه توفي سنة ست وخمسين ومائتين. ٤ ذكره العماد في الشذرات في وفيات سنة إحدى وتسعين ومائتين ص٢٠٧ ج٢. ٥ المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين. ا. هـ. شذرات الذهب ص١٩٠ ج٢. ٦ ذكره في الشذرات في وفيات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ص٣١٥ ج٢. ٧ الصواب أن اسمه حمد "دون ألف" قال العماد في الشذرات ص١٢٧ ج٣: أنه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة توفي أبو سليمان أحد أوعية العلم في زمانه وقال ابن الأهدل: إنه أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي الشافعي صاحب التصانيف النافعة الجامعة منها غريب الحديث وإصلاح غلط المحدثين. ا. هـ. ويذكره بعض المحدثين باسم أحمد وهو خطأ. ٨ راجع كشف الظنون ص١٢٠٤ ج٢ وما بعدها. ٩ هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي المفسر المعتزلي صاحب الكشاف والمفصل توفي سنة ٥٣٨، شذرات الذهب ص١١٨ ج٤.
[ ٣٢٥ ]
وأطنب في الثناء على هذا الكتاب، ولكنه ذكر أنه صعب على من يراجعه لإيراده الكثير من الكلمات في غير مظانها، فإذا تطلبها الإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب الهروي أقرب متناولًا، وأسهل مأخذًا.
فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني١ -وكان إمامًا في عصره، حافظًا متقنًا تشد إليه الرحال- صنف كتابًا جمع فيه ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث، وسلك في وضعه مسلكه، ورتبه كما رتبه، وقد فاته من الغريب شيء كثير٢.
ثم قال ابن الأثير: وكان في زماننا معاصر أبي موسى الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي رحمه الله٣ فألف كتابًا في غريب الحديث خاصًّا، نهج فيه طريق الهروي، وقال في خطبته: فرأيت أن أبذل الوسع في جمع غريب حديث رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعه، وأرجو ألا يشذ عني مهم من ذلك.
ثم قال ابن الأثير: ولقد تتبعت كتابه فرأيته مختصرًا من كتاب الهروي، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذة واللفظة الفاذة، ولقد قايست ما زاد في كتابه فلم يكن إلا جزءًا يسيرًا من أجزاء كثيرة، وأما موسى الأصبهاني ﵀، فإنه لم يذكر في كتابه مما ذكره الهروي إلا كلمة اضطر إلى ذكرها، إما لخلل فيها، أو زيادة في شرحها، أو وجه آخر في معناها.
ثم قال: ولما وقفت على كتابه الذي جعله مكملًا لكتاب الهروي -وهو في غاية الحسن والكمال- وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه وإلا طلبها من الكتاب الآخر، ولإخفاء في ذلك من الكلفة، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلًا لكلف الطالب.
ثم قال: ولما يسر الله الأمر وسهله أمعنت النظر وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما فوجدتهما قد فاتهما الكثير الوافر؛ لأني في بادئ الأمر مر بذكري كلمات غريبة من غرائب أحاديث الكتب الصحاح -كالبخاري ومسلم- لم يرد شيء منها في هذين الكتابين، فتتبعت كتب الحديث المدونة في أول الزمان وأوسطه وآخره، وكتب اللغة على اختلافها، فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين كثيرًا وما أحسن ما قال الخطابي وأبو موسى في مقدمتي كتابيهما، وأنا أقول مقتديًا بهما: كم يكون قد فاتني من الكلمات الغريبة التي تشتمل عليها أحاديث رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم؟
_________________
(١) ١ هو محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الحافظ، كان بارعًا في الحفظ والرجال، صاحب ورع وعبادة وتقي، ذكره صاحب الشذرات في وفيات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ا. هـ. ص٢٧٣ شذرات الذهب ج٤. ٢ وقد أورد صاحب الرسالة المستطرفة اسم الكتاب في صفحة ١١٧ فقال إنه كتاب المغيث وإنه في مجلد. ٣ ذكره صاحب الشذرات في وفيات سنة سبع وتسعين وخمسمائة ص٣٢٩ شذرات الذهب ج٤.
[ ٣٢٦ ]
ولقد صدق القائل الثاني: كم ترك الأول للآخر، فحيث حقق الله سبحانه النية في ذلك سلكت طريق الكتابين في الترتيب والوضع الذي حوياه من التقفية على حروف المعجم بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة، وأتبعتها بالحرف الثالث منها على سياق الحروف. ورأيت أن أثبت ما فيه حروف مزيدة في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصليًّا، ونبهت عند ذكره على زيادته دفعًا لشبهة الجهل عني.
هذا هو ما جاء في مقدمة كتاب النهاية لابن الأثير، وإن كنا قد تعرضنا للإطالة في النقل عنه فلأنه كفانا عناء الرجوع إلى غيره في عرض الأطوار التي ينشدها طالب هذا النوع من علوم الحديث فكان لا بد لنا من هذا المسلك في بيان المراحل التي مر بها التأليف في غريب الحديث.
ويبدو لنا أن هذا المؤلف كان غاية ما انتهت إليه الهمم في هذا الباب، وإن كان قد ألف في موضوعه شيء بعده فمبلغ علمنًا أنه لا يعدو أن يكون اختصارًا لهذا الكتاب، ونستطيع أن نقرر أن المرحلة التي نحن بصدد دراسة الحديث فيها زمانًا ومكانًا لم تثمر من الكتب شيئًا يستحق الذكر في هذا النوع الذي أغنى فيه ذلك الإمام العظيم من جاء بعده عن الاستدراك عليه، أو زيادة الترتيب أو التهذيب كما هو الشأن في المعارف الأخرى من علوم الحديث وغيرها، وإن كان صاحب لسان العرب١ -وقد أفرغ نهاية ابن الأثير في كتابه- قد أغضى عما اعتذر به ابن الأثير لنفسه ونقلناه عنه فيما أخذناه من مقدمته، حيث قال ابن منظور في خطبة لسان العرب: رأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها، فوضعت كلا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه. ا. هـ.
وإذا كنا قد آثرنا ما ذكره ابن الأثير في تقديمه للنهاية من غير تصرف بإقحام ما وقع لنا من التعرف على بعض المؤلفات الأخرى لغريب الحديث في مراجع أخرى غير هذه المقدمة فإن ذلك قد جرى منا إبقاء على تسلسل هذا النقل وعرضه ملخصًا في تنسيقه وأسلوب مؤلفه، على أن نعود فنشير إلى هذا الذي وقع لنا في العهود التي تناولها ابن الأثير منذ ظهور هذا الفن إلى زمنه ولم يذكرها ضمن ما ذكره من الكتب المؤلفة، إما لأنه لم يطلع عليها، أو اطلع عليها ولم يرد إيرادها اختصارًا في الأسلوب، أو إغضاء عن تلك الكتب، كما نشير إلى ما وقع لنا بعد عهد ابن الأثير واقتضت دراستنا التنبيه إليه استيفاء للبحث على النهج الذي انتهجناه في كل تمهيد نضعه بين يدي الكتب التي اخترنا دراستها في هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الإفريقي ثم المصري الشهير بابن منظور صاحب المختصرات الكثيرة في علوم الأدب واللغة والتواريخ، والذي اشتهر بكتابه لسان العرب توفي سنة ٧١١هـ إحدى عشرة وسبعمائة. ا. هـ. من مقدمة لسان العرب نقلًا عن الدرر الكامنة.
[ ٣٢٧ ]
وهذا بيان بالمؤلفين الآخرين الذين لم يذكرهم ابن الأثير في النهاية، والذين أسهموا بنصيب في كتب الغريب، مرتبًا على تواريخ وفاتهم ممن أوردهم صاحب كشف الظنون، وصاحب الرسالة المستطرفة، وابن العماد في شذرات الذهب وغيرهم على النحو التالي:
١- أحمد بن خالد الضرير الذهبي الحمصي، المتوفى سنة أربع عشرة ومائتين١.
٢- أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم البغدادي، المتوفى سنة ثلاثين ومائتين٢.
٣- أبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين٣.
٤- محمد بن حبيب البغدادي النحوي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين٤.
٥- أبو جعفر محمد بن عبد الله بن قدام الكوفي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين٥.
٦- إبراهيم بن إسحاق الحربي الحافظ، المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين، وكتابه في خمس مجلدات٦.
٧- ابن كيسان محمد بن أحمد النحوي، المتوفى سنة تسع وتسعين ومائتين٧.
٨- أبو محمد "قاسم" بن ثابت بن حزم بن طرف السرقسطي، المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة٨، واسم كتابه "الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث" ولم يكمله.
٩- قاسم بن محمد الأنباري، المتوفى سنة أربع وثلاثمائة٩.
١٠- أبو القاسم ثابت بن حزم بن مطرف السرقسطي الذي أكمل كتاب ولده أبي محمد قاسم، والمسمى بكتاب الدلائل، توفي في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة١٠.
١١- أبو الحسين عمرو بن محمد القاضي المالكي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة١١.
١٢- القاضي نور الدين أبو الثناء محمود بن أحمد بن محمد الفيومي الأصل، المعروف بابن خطيب١٢ الدهشة، المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكتابه مسمى بالتقريب في علم الغريب.
١٣- أبو عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب، والمتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة١٣.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ص٣٣ ج٢ وكشف الظنون ص١٢٠٤. ٢ ذيل كشف الظنون ج٤ ص١٤٦. ٣ كشف الظنون ج٢ ص١٤٦. ٤ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٥ ذيل كشف الظنون ج٤ ص١٤٦. ٦ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٤. ٧ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٨ الرسالة المستطرفة ص١١٦. ٩ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ١٠ الرسالة المستطرفة ص١١٦. ١١ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ١٢ الرسالة المستطرفة ص١١٨.
(٢) كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥.
[ ٣٢٨ ]
١٤- ابن درستويه عبد الله بن جعفر النحوي، المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة١.
١٥- ابن بابويه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بايويه القمي الشيعي، المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة٢.
١٦- أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة٣.
١٧- أبو الحسن محمد بن أحمد التجياني، المتوفى سنة أربعين وخمسمائة، وكتابه شرح غريب البخاري٤.
١٨- إسماعيل عبد الغافر راوي صحيح مسلم، المتوفى سنة خمس وأربعين وأربعمائة، واسم كتابه مجمع الغرائب٥.
١٩- القاضي عياض، المتوفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة، واسم كتابه مشارق الأنوار على صحاح الآثار٦.
٢٠- الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الوهراني الحمزي، المعروف بابن قرقول "كعصفور" وهو تلميذ القاضي عياض، والمتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة، واسم كتابه مطالع الأنوار على صحاح الآثار٧.
٢١- أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان البغدادي، المتوفى سنة تسعين وخمسمائة. ويقع كتابه في نحو ستة عشر مجلدًا٨.
٢٢- مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ست وستمائة في كتابه النهاية٩.
٢٣- موفق الدين عبد اللطيف البغدادي، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة١٠.
٢٤- الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة في غريب صحيح البخاري، الفصل الخامس من مقدمته لفتح الباري المسماة هدي الساري١١.
٢٥- الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في كتابه الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير.
ومن هذا البيان الذي أوردناه لكتب الغريب نرى أن الفترة التي اخترناها للدراسة كادت تخلو في مصر من التأليف في الغريب، اكتفاء بما يرد في كتب الشروح الحديثية ومؤلفوها كثيرون
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٢ ذيل كشف الظنون ج٤ ص١٤٦ وج٣ ص١٢٣. ٣ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٤ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٥ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٦ الرسالة المستطرفة ص١١٨. ٧ الرسالة المستطرفة ص١١٨. ٨ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٥. ٩ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٤. ١٠ كشف الظنون ج٢ ص١٢٠٤. ١١ هدي الساري ص٧١ وما بعدها.
[ ٣٢٩ ]
من علماء السنة المصريين الذين عاشوا في تلك الفترة، وكانت شروحهم للحديث حافلة ببيان غريبه، زاخرة بتوضيح ما استغلق من ألفاظه، وإن ما ذكروه في ثنايا شروحهم هذه من بيان للغريب وحل للمشكلات كاف كل الكفاية في تحقيق الهدف المقصود من كلا النوعين.
وإذا كنا بصدد دراسة حصيلة ما بين القرنين السادس والعاشر في مصر في علوم الحديث عامة، وفي علم الغريب هنا بوجه خاص فلا بد أن ننوه بجهد الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي بما بذله في كتابه الدر النثير في تلخيص النهاية لابن الأثير، حيث لخصه ببيان ما تشتد إليه الحاجة وهو شرح المفردات الغريبة فقط دون إيراد ما يشتمل على هذه المفردات من الأحاديث والآثار اتجاهًا إلى أن تدارس غريب الحديث إنما يريد شرح الغريب الوارد فيه فقط، ومن شأنه ألا تكون به حاجة إلى بيان مواضع الكلمات من السنة النبوية، على أنه مع اختصاره لكتاب النهاية لابن الأثير قد زاد على هذا التلخيص بإيراد معان لبعض الألفاظ النبوية الغريبة التي لم يوردها ابن الأثير في كتابه النهاية.
فلا بد إذا من أن نورد دراسة موجزة لكتاب السيوطي هذا، بما يصور الاختصار ويبين الزيادة ويصف أهم ما لاحظناه من تصرف مؤلفه في تلخيصه لكتاب النهاية في غريب الحديث والأثر.
[ ٣٣٠ ]
الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير
الدرر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
هذا الكتاب -كما قلنا وكما دلت عليه تسميته وعنوانه- تلخيص لكتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير.
ومؤلفه هو الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الذي سبقت ترجمته عند دراستنا لكتب الجوامع.
وأهم ما نستطيع أن نتجه به إلى القارئ الكريم في تصوير هذا الكتاب ووصف النواحي البارزة فيه ما يأتي:
أولًا: قدم له بخطبة موجزة جدًّا لم يشرح فيها منهجه في تأليفه، ولا فائدة في بابه، على خلاف ما عودنا في سائر كتبه، ولعل وصف التلخيص للكتاب قد طغى على تلك الخطبة فحال بين المؤلف وبيان ما كنا في حاجة إلى بيانه، لإخراج القارئ من ورطة الإبهام فيما يحتاج إلى بيان من تصرفه في هذا التلخيص، ولا سيما أنه -كما يبدو- لم ينجز ما وعد به في تلك الخطبة على وجهه، فقد ذكر فيها أنه لم يغادر شيئًا مما أورده ابن الأثير في نهايته، وقد وجدناه غادر فيه أشياء عديدة، ربما يكون في تركه إياها إخلال بالمقصود من التلخيص، بتفويت ما يحتاج إليه المراجع في شرح بعض الكلمات في الحديث، وقد أوردها صاحب الأصل.
على أنه وصف هذا الملخص -بعد هذا- بأنه لم يلتزم فيه اليسير، ويا ليت شعري ما هو هذا اليسير الذي لم يلتزمه؟ إن لم يكن هناك تصرف من النساخ أو المطابع في نقل هذه العبارة التي قد يكون للسجع نفسه دخل في إيرادها على هذا الوجه المغلق.
ولعل خير ما وفى به من وعد في هذه الخطبة أنه ضم إليه قدرًا كثيرًا -أي غير قليل في ذاته وإن كان قليلًا في نسبته- من الغريب.
ولم تتناول خطبته ﵀ أكثر من هذا القدر بعد البسملة مع حمد الله والصلاة على رسوله في أولها، والاعتصام بالله سبحانه في آخرها.
ثانيًا: الزيادات التي أشار إليها في المقدمة بقوله: وضممت إليه مما فاته الشيء الكثير ظاهرة بارزة في تلخيصه، يقع عليها المتصفح في كثير من مواد الكتاب، ومن ذلك:
١- ما أورده في كلمة "الأبد" تعليقًا على قول ابن الأثير: لأبد الأبد أي لآخر الدهر، قوله: قلت: ومثله أبد الآيدين، قاله في الصحاح١.
_________________
(١) ١ الدر النثير ج١ ص٩.
[ ٣٣١ ]
٢- وقوله -عند كلمة "درهرهة" بعد التفسير الذي أورده ابن الأثير- قلت: قال ابن الأنباري: هي التي تسمى المنجل١.
٣- وما أورده في كلمة "الدعادع" بعد ذكر المعنى الوارد في النهاية، قلت: ويدعدع ماله بيده يفرقه٢.
٤- وما أورده في مادة "سقط" بعد ما شرح كلمة أسقطوا لهابه يعني الجارية: أي سبوها وقالوا لها من سقط الكلام وهو رديئه، قلت: وقال ابن الجوزي: أي صرحوا بذلك٣.
٥- ومن ذلك قوله في نفس المادة بعد قوله تبعًا لابن الأثير: وشرب أبو هريرة من السقيط وفسره بالفخار إلخ، قلت: سقط في يده أي ندم، قاله في الصحاح٤.
٦- ومنه ما أورده في مادة "الشمم" بقوله قلت: والمشامة الدنو من العدو حتى يترأى الفريقان٥ قاله في الصحاح.
ثالثًا: لاحظنا أنه يبرز بعض المعلومات على أنه زيادة على ما أورده المؤلف، وهو في حقيقته ليس بزيادة، وإنما هو اختلاف مع ما أورده المؤلف بالتقديم والتأخير فقط، مما يعتبره الناظر في الكتاب سهوًا بينًا من المؤلف إن أحسن الظن به، أو غفلة ظاهرة إن أساء الظن فيه.
ومن ذلك ما ورد في مادة "الدرء"٦ التي يقول صاحب الأصل فيها تعليقًا على حديث الشعبي في المختلعة: "إذا كان الدرء من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها" أي الخلاف والنشوز، فذكر السيوطي بعد قوله: قلت -وهي الكلمة التي اعتاد أن يستعملها عند إيراد زيادة منه على ما أورده المؤلف- قال ابن الجوزي في المختلعة: إذا كان الدرء من قبلها -يعني النشور والخلاف- وختمها بكلمة انتهى التي اعتاد أن يذكرها في نهاية زيادته.
وواضح أنه ليس هناك زيادة في المعنى على ما أورده بن الأثير بأكثر من التقديم والتأخير بين كلمتي الخلاف والنشوز، ولا زيادة في هذا إلا أن تكون هي نسبة ما أورده ابن الأثير نقلًا عن الهروي، فأورده السيوطي نقلًا عن ابن الجوزي، وهذا مما يزيد في الحجم ولا يفيد في العلم.
رابعًا: أورد من الزيادات ما لا يخلو من فائدة في هذا المقام، لإضافتها جديدًا إلى ما أورده ابن الأثير في شرح غريب الحديث، وذلك كقوله بعد تفسير الدرهرهة بما نقله عن ابن الأنباري من أنها التي تسمى بالمنجل، فإن هذه الزيادة تضيف إيضاحًا إلى ما أورده ابن الأثير في تفسير الكلمة،
_________________
(١) ١ الدر النثير ج٢ ص٢١. ٢ الدر النثير ج٢ ص٢٣. ٣ الدر النثير ج٢ ص١٦٨. ٤ الدر النثير ج٢ ص١٦٩. ٥ الدر النثير ج٢ ص٢٣٧. ٦ الدر النثير بهامش النهاية ج٢ ص١٨.
[ ٣٣٢ ]
وكقوله في مادة سقط -بعد تفسير ابن الأثير لكلمة أسقطوا لها به يعني الجارية- قلت: قال ابن الجوزي: أي صرحوا لها بذلك، فإنه ذكر لوجه آخر في تفسير كلمة شرحها ابن الأثير، فهذه الزيادات وما أشبهها تضيف جديدًا في نفس الكلمات التي أوردها ابن الأثير.
كما أنه أورد زيادات لا تفيد في غريب الحديث، ولا سيما أنه في مقام الاختصار، فلو أنه استغنى عن هذه الزيادات بإيراد بعض ما تركه مما شرحه ابن الأثير في غريب الحديث لكان أحق من إيراد هذه الزيادات.
ومن ذلك شرحه لجملة سقط في يده التي يذكرها ابن الأثير في غريب الحديث، وكذلك شرحه لكلمة المشامة بأنها الدنو من العدو، والمشامة لم ترد في الحديث وليست من غريبه، فلم يكن هناك داع للتعرض لها في هذا المختصر.
خامسًا: ليس من رأيه -في هذا الملخص- إيراد الآثار التي وقعت فيها الكلمات الغريبة كما فعل ابن الأثير من إيراده الأثر أولًا، ثم شرحه للكلمة الغريبة التي وردت فيه، لكنه أحيانًا يرى أن يورد الأثر لتوقف الشرح عن إيراده، مع أنه لا يذكر القائل اختصارًا، ومن ذلك:
١- قوله: وإذا تدارأتم في الطريق١. أي تدافعتم واختلفتم، وقد أورد ابن الأثير هذه الكلمة في أثر قال عنه: إنه حديث.
٢- وكذلك قوله: وكان يساقط في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ أي يرويه عنه في خلال كلامه كأنه يمزج حديثه بحديثه، وهذا أثر ذكره ابن الأثير في حديث سعد نقلًا عن الهروي.
٣- وقوله: وتطأطأت لكم تطأطؤ الدلاة٣. أي خفضت لكم نفسي، والتطأطؤ كلمة وردت في حديث عثمان كما ذكره ابن الأثير، فإن شرح التطأطؤ دون ذكر الأثر قد لا يدل على المقصود.
٤- وقوله: اللهم إني أستقدرك بقدرتك٤: أي أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة، وكلمة أستقدرك وردت في حديث الاستخارة كما ذكر ابن الأثير.
سادسًا: يقع في اختصاره ما هو إخلال أو شبيه بالإخلال في تصوير المعنى المقصود، ومن ذلك قوله في شرح كلمة قاذر: إنه اسم ابن إسماعيل٥، وهو في هذا الاختصار قد أخل بالمعنى المقصود من شرح الكلمة الغريبة، ويتبين ذلك من قول ابن الأثير: وفي حديث كعب قال الله لرومية: إني أقسم بعزتي لأهين سبيك لبني قاذر أي بني إسماعيل بن إبراهيم، يريد العرب، وقاذر اسم ابن إسماعيل.
_________________
(١) ١ الدر النثير ج٢ ص١٨. ٢ الدر النثير ج٢ ص١٦٩. ٣ الدر النثير ج٢ ص٣٠. ٤ الدر النثير ج٢ ص٢٣٣. ٥ الدر النثير ج٢ ص٢٣٦.
[ ٣٣٣ ]
وبه يتبين أن السيوطي لم يذكر إلا شرح الاسم فقط دون توضيح ما دل عليه الأسلوب من أن المراد به العرب، ولو أنه ذكر إبراهيم والد إسماعيل لاتضح المقام بعض الشيء، ولقد كان حريًّا في هذا المقام أن يذكر الأثر ليتضح به معنى الكلام، وهو أولى من ذكره للأثر في مقامات أخرى قد يستغنى فيها عن ذكره.
ومما يدخل في هذا الباب أنه يترك كلمة من غريب الأثر دون تفسير، اعتمادًا على ورودها في مقام آخر مع طول الفصل بينهما دون أن يشير إلى ذلك، وكان لا بد من هذه الإشارة؛ لأن الكلمة أولًا من غريب الحديث، وثانيًا لأن أصله أوردها ضمن الأثر وشرحها، وذلك مثل كلمتي: الفجر والبجر، اللتين وردتا في خبر أبي عبيدة عن أبي بكر وقد دخل عليه في مرضه الذي مات فيه، فقال له كلامًا كان من بينه "إنما هو والله الفجر أو البجر"١. وقد أورد ابن الأثير الكلام الذي وردت فيه هاتان الكلمتان، وهو قوله في حديث أبي بكر ﵁: "لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه "في غير حد"٢ خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو "والله" الفجر أو البجر" وقد شرحهما ابن الأثير بقوله: إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر أبصرت قصدك، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجما بك على المكروه، ومع ذلك فقد أشار ابن الأثير إلى سبق ورود الأثر في مادة أخرى في كلمة بجر بالجيم٣.
وقد ضرب السيوطي صفحًا عن هذا كله، ولو أنه أشار إشارة موجزة إلى ما أشار إليه أصله لاستطاع الدارس أن يرجع إلى معنى الكلمتين في المادة السابقة وهي بحر فإنه ليس من شأن المراجع للكتاب بحثا عن معنى أثر غريب أن يرجع إلى مادة ما هو محتمل في الرواية إلى موضع الاحتمال الآخر دون تنبيه إلى ذلك.
ويتصل بذلك أنه يترك شرح بعض ألفاظ أوردها ابن الأثير وشرحها، وهي بما تختلف وجهة النظر في بيان المراد بها بين الحقيقة والمجاز أو الكناية، مثل "كف الرحمن"٤ التي وردت في حديث الصدقة، قال ابن الأثير في حديث الصدقة: "كأنما يضعها في كف الرحمن" هو كناية عن محل قبول الصدقة، فكأن المتصدق قد وصع صدقته في محل القبول، ثم نفى ما يقوله المشبهون، وأورد حديث عمر: "إن الله إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحدة" وذكر عدة أحاديث وقال فيها: وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث، وكلها تمثيل من غير تشبيه.
والسيوطي قد أعرض عن هذا كله، ولم يسمح بذكره ولو في رأي آخر، مع أن الكلمة من الغريب، بل هي من أغرب الغريب في الحديث، فإذا كان منهجه ترك ذلك فهلا أشار إلى هذا المنهج -ولو في الخطبة- ليستبين القارئ طريقه في هذا الكتاب؟
_________________
(١) ١ الدر النثير ج٣ ص١٨٤. ٢ ما بين القوسين ليس موجودًا في النسخة التي بين أيدينا من النهاية وإنما هو مما أثبته المبرد في أوائل كتابه "الكامل". ٣ وردت في الدر النثير ص٦٠ ج١. ٤ الدر النثير ص٢٨ ج٤.
[ ٣٣٤ ]
سابعًا: تتجلى ظاهرة الاختصار في الكتاب أن ابن الأثير يذكر أحيانًا خلافًا في تفسير الكلمة، فيقتصر السيوطي على ما يترجح عنده في المعنى، كما في كلمة "كأس" التي تكرر ذكرها في الحديث كما قال ابن الأثير١، وقد شرحها بأنها الإناء فيه شراب، ولا يقال لها كأس إلا إذا كان فيها شارب، وقيل: هي اسم لهما على الانفراد والاجتماع، ولكن السيوطي اقتصر على قوله الكأس الإناء فيه شراب، ولا يقال لها فارغة كأس.
كما أنها تتجلى أيضا في أنه يشرح الكلمة مفردة وإن وردت في الحديث مجموعة، أو وردت في صيغة أخرى غير التي ذكرها، وقد يصل في هذا إلى ما يقرب من الإخلال الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة، وذلك كما فعل في كلمة "الكبل"٢ فقد شرحها ابن الأثير في عدة صور مما وردت فيه، وهي كبل الحديث في خبر: "ضحكت من قوم يؤتى بهم إلى الجنة في كبل الحديد" وشرح الكبل بالقيد الضخم، وأتى بالفعل كبله وكبله مخففًا ومثقلًا، وشرحها كذلك في حديث أبي مرثد: "ففككت عنه أكبله"، وقال: إن الأكبل جمع قلة في الكبل وهو القيد، وفي بيت كعب بن زهير: متيم إثرها لم يفد مكبول فقال: إن المكبول المقيد، وشرحها في حديث عثمان: "إذا وقعت السهمان فلا مكابة" بقوله: أي إذا حدت الحدود فلا يحبس أحد عن حقه، من الكبل وهو القيد، وشرحها في حديث ابن عبد العزيز: "أنه كان يلبس الفرو والكبل" بأن الكبل هو الفرو الكبير.
وقد اقتصر السيوطي من هذا كله على قوله: الكبل قيد ضخم ج٣ أكبل، والمكبول المقيد والكبل فرو كبير.
وما كان أحوج هذا المختصر إلى شرح كلمة المكابلة التي وقعت في حديث عثمان إذا أعرض المؤلف عن ذكر غيره مما وردت فيه هذه الكلمة، وما كان أغناه عن ذكر كلمة المكبول التي كان يمكن فهمها من السياق مع فهم الكبل.
ومهما يكن من شيء فإن لهذا الكتاب قيمته التي لا تنكر، ويكفيه أنه حفظ لنا تلك الثروة الضخمة من تراث الغريب التي تركزت في كتاب النهاية، فبقيت تراثًا كريمًا وأثرًا خالدًا لهذا الإمام الحافظ مهما كانت وجهات نظره في الاختصار، وحسب السيوطي أنه الإمام الوحيد من بين المصريين الذي تحمل هذا العبء الضخم بعد الإمام ابن الأثير الذي كان من قبل جامعًا لما تفرق من الغريب في كتب السنة، فجاء السيوطي ضاغطًا لهذا الجامع، ومقربًا له إلى طلاب الغريب في الحديث النبوي الكريم.
﵀ وأجزل ثوابه.
_________________
(١) ١ الدر النثير ص٢ ج٤. ٢ الدر النثير ص٦ ج٤. ٣ مراده بالحرف "ج": جمع.
[ ٣٣٥ ]
الشروح الحديثية:
تمهيد:
نوه العلماء والمؤرخون بالقرن الثالث الهجري وما كان فيه من نهضة علمية حديثية، أبرزها الله على يد جهابذة الحديث وصيارفته وأئمته، الذين شمروا عن ساعد الجد، فميزوا صحيح الحديث وسليمه من عليله وسقيمه، ونخلوا منه -بحكم الأمانة والدقة في التمييز- ما كان عمدة الدين، فجمعوه بأسانيده ورواياته، وقدموا للأجيال فيما خلفوا من تراث -جوامع ومسانيد وسننا وغير ذلك- مما اختلفت أنواعه، وتعددت تسمياته، يحدوهم في ذلك إخلاص لله ورسوله، ورغبة في الحافظ على سنة النبي ﷺ، فإنها في الحقيقة -بعد القرآن- جامع الإسلام وبيان الدين.
وقد صدق العلماء والمؤرخون في التنويه بشأنهم، والإشادة بذكرهم، فإن ما لدينا من نتاج ذلك العصر من مؤلفات جمعت الكثير من فنون الحديث وأنواعه المختلفة -تغايرت أسماؤها، واختلفت مراتبها، ولكنها اتحدت في غايتها وثمراتها- خير شاهد على أن ذلك العصر كان بحق العصر الذهبي لمتن السنة، وحفظها لمن يعيها، ويتولى الانتفاع بها لنفسه وللمسلمين.
وقد كان أصحاب الكتب الستة -التي رزقت قبولًا من المسلمين- أصحاب القدح المعلى في هذا المضمار، حتى شهد العلماء بصحة كتبهم، وما نقلوه فيها بالإسناد إلى النبي ﷺ وصحابته، وكانوا -ومن سار على دربهم وسلك طريقهم من الجامعين للسنة- كواكب هذا العصر اللامعة، وشموسه الساطعة، نذكر هنا أشهرهم مرتبين على سني وفاتهم على النحو التالي:
١- الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين، في كتابه صحيح البخاري.
٢- الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين، في كتابه صحيح مسلم.
٣- الإمام محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه، المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين، في كتابه سنن ابن ماجه.
٤- الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي، المتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين، في كتابه سنن أبي داود.
٥- الإمام محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين، في كتابه سنن الترمذي.
٦- الإمام أحمد بن شعيب بن علي بن سنان النسائي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة في كتابه سنن النسائي.
[ ٣٣٦ ]
هذه كتب الأصول الستة في الحديث، وقد عول عليها جمهرة المسلمين، لالتزام أصحابها شروطًا في نقل السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ، واعتبروها بعد القرآن أهم مراجع الدين الحنيف.
ومع هذه الأصول كانت هناك كتب في أحاديث الأحكام، جمع فيها الأئمة الأربعة -في القرنين الثاني والثالث- ما كان أدلة لما ذهب إليه كل منهم في الفقه على النحو التالي:
١- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي الكوفي، المتوفى سنة خمسين ومائة، في كتابه مسند أبي حنيفة.
٢- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، في كتابه الموطأ.
٣- الإمام محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان "الشافعي" المتوفى سنة أربع ومائتين، في كتابه مسند الشافعي.
٤- الإمام أحمد بن حنبل الشيباني المروزي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين، في كتابه مسند أحمد.
وبإضافة هذه الكتب الأربعة لأئمة الفقه إلى ما سلف ذكره من الكتب الأصول الستة لأئمة الحديث تكمل الكتب العشرة التي هي أصول الإسلام، وعليها مدار الدين١.
وهؤلاء قد مهدوا السبيل لمن خلفهم وعشا إلى ضوئهم من أئمة أجلة من رجال الحديث، ممن عاصرهم أو جاء بعدهم، من أصحاب كتب السنن والمستدركات والزوائد.
وهؤلاء وأولئك تركوا هذا التراث العظيم لمن جاء بعدهم، فقلبوا صفحاته، وقربوا جناه وثمراته، فأخذوه بقوة، وأبرزوه بقوة، وأوضحوا معالمه، ويسروا مآخذه، وأزالوا مبهماته، وكشفوا خفياته، وقدموا كل ذلك في كتب الشروح الحديثية التي كثرت كثرة تفوق العد والحصر، وبقي لنا منها الشيء النافع الكثير.
وكان لعلماء الحديث المصريين في ذلك المضمار أكبر قسط وأوفر نصيب، فقد كانت مصر ملجأ وملاذًا لمن هاجر إليها من علماء المسلمين فرارًا من ظلم الظالمين، فوق عليها من الشرق والغرب -بعد نكبتي بغداد والأندلس- من كانوا أساطين العلم، وفحول الدراية والبحث
_________________
(١) ١ نقلًا بتصرف عن الرسالة المستطرفة ص٩ وما بعدها، وشذرات الذهب ج١ وج٢ في تحقيق الوفاة لهؤلاء الأعلام.
[ ٣٣٧ ]
في مختلف علوم الإسلام، ولا سيما أولئك المبرزون في علوم السنة، الذين أحبوها وتعلقوا بها أملا في أن يكونوا ممن نوه بهم رسول الله ﷺ: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع".
ولقد تمثل وعي هؤلاء حقًّا للسنة النبوية الكريمة بما ظهر في شروحهم لها، وتحليلاتهم لما جاء فيها، واهتمامهم بكل ما اتصل بها متنًا وإسنادًا.
فمنذ سقطت بغداد -عاصمة الخلافة العباسية- على أيدي التتار، أخذت العلوم والمعارف تنحسر عنها وترحل إلى أقطار أخرى، وكان للديار المصرية من ذلك النصيف الأوفى، فذخرت بالعلم والعلوم طيلة القرون الثلاثة الأولى لهذا الدور، وازدهرت المدرسة المصرية في علوم الدين وما يتصل به بعامة، وفي علوم السنة وما يتعلق بها بوجه خاص.
وفي هذه الفترة من الزمان كانت مصر محكومة لدولتي المماليك البحرية والبرجية، وكان أمراء ذلك العصر يشجعون علوم الدين وعلوم السنة، حتى كان منهم من يحفظ الحديث ويرويه وكان منهم من بلغ مبلغ الإمامة فيه، حتى روى عنهم بعض أئمة الحديث وحفاظه، فهذا الحافظ ابن حجر -وهو من علمنا مكانته في علوم السنة- يسمع من السلطان المؤيد، ويترجم له في عداد مشايخه في المعجم المفهرس.
وهذه طائفة من كتب الشروح الحديثية ومؤلفيها، نوردها مرتبة على التاريخ الزمني لوفاتهم، فإذا أنعمنا فيها النظر وجدنا المؤلفات الضخمة والأسفار الكبيرة منها متمثلًا في هذا النطاق الذي نتناوله بالدراسة زمانًا ومكانًا.
أولًا: شروح البخاري
فمما عرفناه من شروح للجامع الصحيح للبخاري ما أروده صاحب كشف الظنون١ وغيره، مما نرتبه ترتيبًا زمنيًّا على النحو التالي:
١- أعلام السنن للإمام أبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة٢.
٢- شرح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، المتوفى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة٣.
٣- شرح الإمام أبي الحسن علي بن خلف، الشهير بابن بطال، المتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة٤.
٤- الأجوبة المرعبة على المسائل المستغربة من البخاري لابن عبد البر أو عمر بن عبد البر يوسف بن عبد الله بن محمد، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة٥.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٤٥ وما بعدها. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص١٢٧. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٢٥٥. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص٢٨٣. ٥ شذرات الذهب ج٣ ص٣١٤.
[ ٣٣٨ ]
٥- شرح الإمام علي بن محمد بن عبد الكريم البزدوي، المتوفى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
٦- مختصر شرح المهلب بن أبي صفرة، وزاد عليه فوائد لتلميذ المهلب، وهو أبو عبيد الله محمد بن خلف بن المرابط الأندلسي الصدفي، المتوفى سنة خمسين وثمانين وأربعمائة١.
٧- شرح الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني الحافظ، المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة٢.
٨- النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح لأبي عمرو عمر بن محمد بن أحمد النسقي الحنفي، المتوفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة٣.
٩- شرح العلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي الحافظ، المتوفى سنة ست وأربعين وخمسمائة٤.
١٠- شرح الجامع الصحيح للإمام الصغاني رضي الدين حسن بن محمد الصغاني، المتوفى سنة خمسين وستمائة٥.
١١- شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، للعلامة جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك النحوي الطائي الجياني، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة٦.
١٢- شرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة٧.
١٣- ترجمان التراجم، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري، المتوفى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة٨.
١٤- شرح الإمام قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور "ابن مسير" الحلي الحنفي، المتوفى سنة خمسين وثلاثين وسبعمائة٩.
١٥- التلويح شرح الجامع الصحيح، للإمام الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج التركي الحنفي المصري، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة١٠.
١٦- شرح الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة أربع وسبعبن وسبعمائة١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٣ ص٣٧٥ ٢ شذرات الذهب ج٤ ص١٠٥ ٣ شذرات الذهب ج٤ ص١١٥ وهدية العارفين ج٦ ص٧٨٣. ٤ شذرات الذهب ج٤ ص١٤١ وكشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ٥ هدية العارفين ج٥ ص٢٨١ وكشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ٦ شذرات الذهب ج٥ ص٣٣٩. ٧ شذرات الذهب ج٥ ص٣٥٤. ٨ شذرات الذهب ج٦ ص٥٦. ٩ شذرات الذهب ج٦ ص١١٠. ١٠ شذرات الذهب ج٦ ص١٩٧. ١١ شذرات الذهب ج٦ ص٣٣١.
[ ٣٣٩ ]
١٧- شرح الشيخ ركن الدين أحمد بن محمد بن عبد المؤمن القرمي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة١.
١٨- الكواكب الدراري شرح البخاري لشمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني، المتوفى سنة ست وثمانين وسبعمائة كما في الشذرات٢، وذكره صاحب الكشف في وفيات ٧٩٦هـ.
١٩- التنقيح، وهو شرح الشيخ بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي، المتوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة٣.
٢٠- التوضيح شرح الجامع الصحيح، للإمام سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة٤، وهو في نحو عشرين مجلدًا ٢١- الفيض الجاري، لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة٥، وهو في نحو عشرين كراسة وصل فيه إلى كتاب الإيمان.
٢٢- شرح القاضي مجد الدين بن إسماعيل بن إبراهيم البلبيسي الشافعي، المتوفى سنة عشر وثمانمائة٦.
٢٣- منح الباري بالسيح الفسيح الجاري، للعلامة مجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي المتوفى سنة سبع عشر وثمانمائة٧، وكمل منه ربع العبادات في عشرين مجلدًا.
٢٤- مصابيح الجامع، لبدر الدين بن محمد بن أبي بكر الدماميني، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة٨.
٢٥- اللامع الصبيح شرح الجامع الصحيح، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الدايم بن موسى البرماوي الشافعي، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة٩.
٢٦- مجمع البحرين وجوهر الحبرين وهو في ثمانية أجزاء، للعلامة تقي الدين يحيى بن محمد الكرماني -ولد محمد بن يوسف الكرماني- المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة١٠.
٢٧- التلقيح لفهم قارئ الصحيح، لبرهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي، المعروف بسبط بن العجمي المتوفى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٦ ص٢٧٩. ٢ شذرات الذهب ج٧ ص٥١. ٣ كشف الظنون ج١ ص٥٥٦. ٤ كشف الظنون ج٧ ص١٢٦. ٥ كشف الظنون ج١ ص٥٤١. ٦ شذرات الذهب ج٧ ص١٥٧. ٧ شذرات الذهب ج٧ ص٢٠٦. ٨ كشف الظنون ج١ ص٥٤٩. ٩ شذرات الذهب ج٧ ص١٩٧. ١٠ شذرات الذهب ج٧ ص٢٠٦. ١١ شذرات الذهب ج٧ ص٢٣٧.
[ ٣٤٠ ]
٢٨- المتجر الربيح والمسعى الرجيح، للعلامة محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة١، ولم يكمله.
٢٩- شرح الشيخ شهاب أحمد بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة٢.
٣٠- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحفاظ أحمد بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة٣.
٣١- عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، للعلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة٤.
٣٢- شرح القاضي زين الدين عبد الرحيم بن الركن أحمد، المتوفى سنة أربع وستين وثمانمائة٥.
٣٣- شرح الإمام أبي الفضل محمد الكمال بن محمد بن أحمد النويري خطيب مكة، المتوفى سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة٦.
٣٤- التوضيح للأوهام الواقعة في الصحيح، لأبي ذر أحمد بن إبراهيم بن السبط الحلبي، المتوفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة٧.
٢٥- الكوثر الجاري على رياض البخاري، للمولى أحمد بن إسماعيل بن محمد الكوراني، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة٨.
٣٦- شرح الإمام زين الدين أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر بن العيني الحنفي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة٩.
٣٧- التوشيح على الجامع الصحيح، للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة١٠.
٣٨- شرح القسطلاني شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة١١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٥٠. ٢ ذكره صاحب الشذرات باسم أحمد بن حسين بن أرسلان المقدسي الشافعي ج٧ ص٢٧٠. ٣ شذرات الذهب ج٧ ص٢٧٠. ٤ شذرات الذهب ج٧ ص٢٨٦. ٥ كشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ٦ كشف الظنون ج١ ص٥٥٠. ٧ كشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ٨ كشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ٩ كشف الظنون ج١ ص٥٥٣. ١٠ شذرات الذهب ج٨ ص٥١ وكشف الظنون ج١ ص٥٤٩. ١١ شذرات الذهب ج٨ ص١٢١ وكشف الظنون ج١ ص٥٥٢.
[ ٣٤١ ]
٣٩- شرح الشيخ شمس الدين محمد بن الدلجي الشافعي، المتوفى سنة خمسين وتسعمائة، وهو شرح لقطعة منه١.
٤٠- شرح العلامة زين الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسي الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وستين وتسعمائة٢، ورتبه على ترتيب عجيب وأسلوب غريب، قرظه كثير من العلماء.
٤١- فتح الباري لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، المتوفى سنة خمس وتسعين وتسعمائة٣.
٤٢- شرح جامع الصحيح للبخاري لنور الحق بن عبد الحق الدهلوي الهندي الحنفي، المتوفى سنة ثلاث وسبعين وألف٤.
٤٣- حاشية على الجامع الصحيح للبخاري لمحمد بن مصطفى بن حميد الكفوي القاضي الحنفي المعروف بالأفكرماني، المتوفى سنة أربع وسبعين ومائة وألف٥.
ثانيًا: شروح مسلم:
ومما عرفناه من شروح للجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج ما أورده صاحب كشف الظنون٦ وغيره، وما نورده مرتبا فيما يلي:
١- شرح الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني الحافظ، المتوفى سنة خمسين وثلاثين وخمسمائة٧.
٢- المعلم في شرح مسلم، لأبي عبيد الله محمد بن علي المازري المتوفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة٨، ولم يكمله.
٣- الإكمال في شرح مسلم، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي، المتوفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة٩، كمل به كتاب المعلم للمازري.
٤- شرح عماد الدين عبد الرحمن بن عبد العلي المصري، المتوفى سنة أربع وعشرين وستمائة١٠.
٥- شرح العلامة شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزاوغلي سبط ابن الجوزي، المتوفى سنة أربع وخمسين وستمائة١١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٥١. ٢ شذرات الذهب ج٨ ص٣٣٥ وكشف الظنون ج١ ص٥٥١. ٣ كشف الظنون ج١ ص٥٥٠. ٤ ذيل كشف الظنون ج٣ ص٣٥٤. ٥ هدية العارفين ج٦ ص٣٣٢. ٦ كشف الظنون ج١ ص٥٥٧ وما بعدها. ٧ شذرات الذهب ج٤ ص١٠٥. ٨ شذرات الذهب ج٤ ص١١٤. ٩ شذرات الذهب ج٤ ص١٣٨. ١٠ شذرات الذهب ج٥ ص١١٤. ١١ شذرات الذهب ج٥ ص٢٦٦.
[ ٣٤٢ ]
٦- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي المتوفى سنة ست وستمائة١.
٧- المنهاج في شرح مسلم بن الحجاج، للإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة٢.
٨- شرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزواوي، المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة٣.
٩- شرح زوايد مسلم على البخاري، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٤.
١٠- إكمال إكمال المعلم للإمام أبي عبد الله بن محمد بن خليفة الوشتاني الأبي المالكي، المتوفى سنة سبع وعشرين وثمانمائة٥.
١١- شرح الشيخ تقي الدين أبي بكر بن محمد الحصني الدمشقي الشافعي، المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة٦.
١٢- شرح العلامة شمس الدين محمد بن عطاء الله بن محمد الرازي الهروي الحنفي، المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة٧.
١٣- الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٨.
١٤- منهاج الابتهاج بشرح مسلم بن الحجاج، للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة٩.
١٥- شرح القاضي زين الدين زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي، المتوفى سنة ست وعشرين، وقيل: خمس وعشرين وتسعمائة١٠، قال عنه الشعراني: إن غالب مسوداته بخطه "الشعراني".
١٦- شرح مولانا علي القاري الهروي نزيل مكة، المتوفى سنة ست عشرة وألف١١.
١٧- شرح جامع الصحيح لمسلم، لنور الحق بن عبد الحق الدهلوي الهندي الحنفي القاضي بأكبر آباد، المتوفى سنة ثلاث وسبعين وألف١٢.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص٢٧٣. ٢ شذرات الذهب ج٥ ص٣٥٤. ٣ كشف الظنون ج١ ص٥٥٨. ٤ شذرات الذهب ج٧ ص٤٤. ٥ كشف الظنون ج١ ص٥٥٧. ٦ شذرات الذهب ج٧ ص١٨٨. ٧ شذرات الذهب ج٨ ص١٥. ٨ شذرات الذهب ج٨ ص١٢١. ٩ ذكره صاحب الشذرات ج٨ ص١٣٤ في وفيات سنة ٩٢٥. ١٠ كشف الظنون ج١ ص٥٥٨. ١١ كشف الظنون ج١ ص٥٥٨. ١٢ هذا الشرح مذكور في ذيل كشف الظنون ج٣ ص٣٥٤.
[ ٣٤٣ ]
ثالثًا: شروح سنن الترمذي
ومما عرفناه من شروح لسنن الترمذي ما أورده صاحب كشف الظنون وغيره١ وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، للعلامة الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي "المعروف بابن العربي المالكي" المتوفى سنة ست وأربعين وخمسمائة٢.
٢- شرح الحافظ أبي الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس "اليعمري" الشافعي، المتوفى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة٣، بلغ فيه إلى دون ثلثيه في نحو عشر مجلدات.
٣- شرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، المتوفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة٤.
٤- شرح زوائد الترمذي على الصحيحين وأبي داود، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٥.
٥- العرف الشذي على جامع الترمذي، لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة٦ كتب منه قطعه ولم يكمله.
٦- تكميل شرح ابن سيد الناس لسنن الترمذي، للإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة ست وثمانمائة٧.
٧- قوت المغتذي على جامع الترمذي، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٨.
رابعًا: شروح سنن أبي داود
ومما عرفناه من شروح لسنن أبي داود ما أورده صاحب كشف الظنون٨ وغيره، وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- معالم السنن لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة٩.
٢- شرح قطب الدين أبي بكر بن أحمد بن رعين اليمني الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، في أربع مجلدات كبار، ومات عنه وهو مسودة١٠.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٥٩. ٢ شذرات الذهب ج٤ ص١٤١. ٣ شذرات الذهب ج٦ ص١٠٨. ٤ شذرات الذهب ج٧ ص ٤٤. ٥ شذرات الذهب ج٧ ص٥١. ٦ شذرات الذهب ج٧ ص٥٥. ٧ شذرات الذهب ج٨ ص٥١. ٨ كشف الظنون ج٢ ص١٠٠٤. ٩ شذرات الذهب ج٣ ص١٢٧. ١٠ شذرات الذهب ج٦ ص١٧١.
[ ٣٤٤ ]
٣- شرح الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة١.
٤- انتحاء السنن واقتفاء السنن، لشهاب الدين أبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي، المتوفى بالمقدس سنة خمس وستين وسبعمائة٢.
٥- شرح زوائدها على الصحيحين في مجلدين، للشيخ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٣.
٦- شرح الشيخ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي، المتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة٤، في شرح أطال فيه، وكتب إلى سجود السهو منه في سبع مجلدات.
٧- شرح الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسن الرملي المقدسي الشافعي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة٥.
٨- شرح العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وهو شرح لقطعة منها٦.
٩- مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٧.
خامسًا: شروح سنن ابن ماجه
ومما عرفناه من شروح السنن ابن ماجه ما أورده صاحب كشف الظنون٨ وغيره، وما نورده مرتبًا فيما يلي:
١- شرح العلامة أبي الحسن علي بن عبد الله بن نعمة الأنصاري الأندلسي المحدث الفقيه المالكي، المتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة٩.
٢- شرح العلامة سعد الدين أبي محمد مسعود بن أحمد العراقي الحارثي المصري، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة١٠.
٣- شرح قطعة من سنن ابن ماجه للحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة١١،
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٦ ص١٩٧. ٢ كشف الظنون ج٢ ص١٠٠٦. ٣ شذرات الذهب ج٧ ص٤٤. ٤ شذرات الذهب ج٧ ص١٧٣. ٥ شذرات الذهب ج٧ ص٢٤٨. ٦ شذرات الذهب ج٧ ص٢٨٦. ٧ شذرات الذهب ج٨ ص ٥١. ٨ كشف الظنون ج٢ ص١٠٠٤. ٩ ذكره العماد في الشذرات ج٤ ص٢٢٣ وقال إنه شرح سنن النسائي. ١٠ شذرات الذهب ج٦ ص٢٨ وهذا الشرح والذي قبله مذكوران أيضًا في ذيل كشف الظنون ج٤ ص٢٨. ١١ شذرات الذهب ج٦ ص١٩٧.
[ ٣٤٥ ]
٤- شرح زوائده على الخمسة "الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي" في ثمان مجلدات، واسمه ما تمس إليه الحاجة من سنن ابن ماجه، للعلامة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة١.
٥- الديباجة شرح سنن ابن ماجه، للشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدمري الشافعي، المتوفى سنة ثمان وثمانمائة، في نحو خمس مجلدات٢، مات قبل تحريره وتبيضه.
٦- شرح العلامة الحافظ برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي سبط بن العجمي، المتوفى سنة إحدى واربعين وثمانمائة٣.
٧- مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٤.
سادسًا: شروح سنن النسائي
ومما عرفناه من شروح النسائي هذان الشرحان:
١- شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة أربع وثمانمائة٥، وهو شرح لزوائدها على الصحيحين.
٢- شرح الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة٦، وهو عبارة عن تعليقه عليها كتعليقته على البخاري.
سابعًا: شروح مسند الإمام أبي حنيفة
ومما عرفناه من شرح لمسند الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان٧ ما يأتي:
١- شرح المستند على المعتمد من المسند، وكلاهما لجمال الدين محمود بن أحمد القونوي، المتوفى سنة سبعين وسبعمائة٨.
٢- الأمالي على المسند، للشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة٩.
٣- التعليقة المنيفة على مسند أبي حنيفة، وهي شرح كتعليقته على البخاري ومسلم، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة١٠.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٧ ص٤٤. ٢ شذرات الذهب ج٧ ص٧٩. ٣ شذرات الذهب ج٧ ص٢٣٧. ٤ شذرات الذهب ج٨ ص٥١. ٥ شذرات الذهب ج٧ ص٤٤. ٦ شذرات الذهب ج٨ ص٥١. ٧، ٨ كشف الظنون ج٢ ص١٦٨. ٩ شذرات الذهب ج٧ ص٣٢٦. ١٠ شذرات الذهب ج٨ ص٥١.
[ ٣٤٦ ]
ثامنًا: شروح موطأ مالك
ومما عرفناه من شروح لموطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ما أورده صاحب كشف الظنون١ وغيره، وما نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- شرح أبي مروان عبد الملك بن حبيب المالكي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين٢.
٢- شرح العلامة إبراهيم بن محمد الأسلمي، المتوفى سنة أربع وثمانين ومائتين.
٣- شرح ابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة٣.
٤- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر بن عبد البر يوسف بن عبد البر القرطبي، المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة٤.
٥- الاستيفاء في شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة٥، وله كتاب آخر سماه المنتقى.
٦- شرح أبي محمد عبد الله بن محمد النحوي البطليموس، المتوفى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة٦.
٧- القبس في شرح الموطأ، للقاضي الحافظ أبي بكر محمد بن العربي المغربي الإشبيلي، المتوفى سنة ست وأربعين وخمسمائة٧.
٨- كشف المغطى في شرح الموطا، وتنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك، كلاهما للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وله أيضًا إسعاف المبطأ برجال الموطأ٨.
٩- شرح الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي، المتوفى سنة ست وثلاثين وتسعمائة٩.
١٠- شرح خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المصري المالكي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف للهجرة١٠.
تاسعًا: شروح مسند الإمام الشافعي
ومما عرفناه من شرح لمسند الإمام الشافعي ما أورده صاحب كشف الظنون١١ وما نورده مرتبًا فيما يأتي:
١- شافي العي في شرح مسند الشافعي، لأبي السعادات المبارك بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ست وستمائة١٢.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج٢ ص١٩٠٧ وما بعدها. ٢ ذكره ابن العماد في الشذرات في وفيات سنة ثمان وثلاثين ومائتين ج٢ ص٩٠. ٣ شذرات الذهب ج٣ ص٢٩٧. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص٣١٤. ٥ شذرات الذهب ج٣ ص٣٤٤. ٦ شذرات الذهب ج٤ ص٦٤. ٧ شذرات الذهب ج٤ ص١٤١. ٨ شذرات الذهب ج٨ ص٥١. ٩ شذرات الذهب ج٨ ص٢١٨. ١٠ كشف الظنون ج٢ ص١٩٠٨. ١١ كشف الظنون ج٢ ص١٦٨٣. ١٢ شذرات الذهب ج٥ ص٢٢.
[ ٣٤٧ ]
٢- شرح الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة١.
٣- شافي العي في شرح مسند الشافعي، للحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
عاشرًا: شروح مسند الإمام أحمد
ومما عرفناه من شروح لمسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني٢ ما نورده فيما يلي:
١- المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد، وهو شرح للعلامة شمس الدين محمد بن محمد ابن علي بن يوسف الجزري، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة٣.
٢- شرح أبي الحسن بن عبد الهادي السندي نزيل المدينة المنورة، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة وألف٤.
٣- شرح الشيخ أحمد محمد شاكر من علماء القرن الرابع عشر الهجري، وهو مطبوع طبعته دار المعارف بمصر عام سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، وطبع منه خمسة عشر جزءًا.
٤- بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني شرح مسند أحمد بن حنبل الشيباني، للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي أحد علماء القرن الرابع عشر الهجري، انتهى ﵀ من تبييضه وأخرج أكثره.
وهذا أهم ما عثرنا عليه من شروح لكتب الأصول الحديثية، وهي لأئمة أجلة زخرت بهم -وبأمثالهم في العلوم الأخرى- عصور الأمة الإسلامية، أوردناها مرتبة على أصولها ليسهل تناولها للدارسين في شروح السنة، ومنه يتبين أن نصيب المدرسة المصرية في هذه الكتب كان كبيرًا بالنسبة إلى البلدان الأخرى في الفترة التي اخترناها للدراسة.
وفيما يلي دراسة لبعض كتب الشروح المهمة التي ألفها علماء الحديث المصريون، نشير بها إلى جهودهم في خدمة السنة، وقيامهم على حمايتها والدفاع عنها، ونبدأ من ذلك بكتاب عمدة القارئ شرح صحيح البخاري.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص١٠٨. ٢ من كشف الظنون ج٢ ص١٦٨٠. ٣ ذيل كشف الظنون ج٤ ص٤٨١. ٤ ذكره صاحب كشف الظنون ج٢ ص١٦٨٠.
[ ٣٤٨ ]
عمدة القاري شرح صحيح البخاري
عمدة القارئ شرح صحيح البخاري:
لبدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥هـ:
ومؤلفه هو المحدث الكبير بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد العينتابي المولد، ثم القاهري الحنفي.
نشأ في عينتاب من أعمال حلب، ولازم الشيوخ فأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية، وتولى كثيرًا من المناصب في الديار المصرية، وحدث وأفتى ودرس، وأخذ عنه الأئمة من كل مذهب طبقة بعد طبقة.
قال السخاوي في ترجمته للعيني: كنت ممن قرأ عليه أشياء، بل علق شيخنا "يريد ابن حجر" من فوائده، بل سمع عليه ثلاثة أحاديث مع ما بينهما مما يكون عادة بين المتعاصرين. وكذلك كان هو يستفيد من شيخه خصوصًا حين تصنيفه رجال الطحاوي قال: وترجمه شيخنا في رفع الإصر، وفي معجمه باختصار، وذكره ابن خطيب الناصرية في تاريخه فقال: هو إمام عالم فاضل مشارك في علوم، وعنده مروءة وحشمة وعصبية وديانة، ثم قال السخاوي: ولم يزل ملازمًا للجمع والتصنيف حتى مات، خصوصًا بعد صرفه عن نظر الأحباس، وصار يبيع من أملاكه وكتبه سوى ما وقفه على مدرسته منها، وهو شيء كثير.
وقد ذكر السخاوي من تصانيفه العدد الكبير ذكر في أولها شرحه "عمدة القارئ لصحيح البخاري"، وقال: إنه استمد فيه من شرح ابن حجر بحيث كان ينقل منه الورقة بكمالها، وكان يعترض عليه أحيانًا، ولكن الشيخ ابن حجر تعقبه في مجلد حافل، ثم ذكر ما لكل من الشرحين العيني وابن حجر من المزايا، ثم أورد ما له من الشروح للكتب في الحديث وغيره، وذكر منها معاني الآثار للطحاوي شرحه في عشر مجلدات، وقطعة من سنن أبي داود في مجلدين، وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام، وجمع الكلم الطيب لابن تيمية، وشرح الكنز في كتاب سماه رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق، وغيرها من الكتب الكثيرة، وله بعض المختصرات، مثل مختصر الفتاوى الظاهرية، والمحيط في الفقه الحنفي، وحواش على شرح الألفية لابن المصنف، وعلى التوضيح، وعلى شرح الجاربري في التصريف، وعمل سيرة الأنبياء، وتاريخًا كبيرًا في تسعة عشر مجلدًا، وله طبقات الشعراء، وطبقات الحنفية، ورجال الطحاوي، ومعجم شيوخه، واختصر تاريخ ابن خلكان، وله تحفة الملوك في المواعظ والرقائق.
وفي مقدمة شرحه للبخاري بيان بشيوخه وتلامذته جاء فيه: أن من شيوخه زين الدين عبد الرحيم العراقي، سمع عليه صحيح البخاري، والإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد، ومنهم
[ ٣٤٩ ]
سراج الدين البلقيني، سمع عليه محاسن الاصطلاع، ومقدمة ابن الصلاح، ومنهم المحدث الكبير تقي الدين محمد بن محمد الدجوي، سمع عليه جميع الأصول الستة بأسرها وكثيرًا من المسانيد، ومنهم الحافظ نور الدين الهيثمي، سمع عليه جملة كتب، ومنهم قطب الدين عبد الكريم الحلبي، قرأ عليه المعاجم الثلاثة، ومنهم الشيخ المسند شرف الدين محمد بن محمد بن الكويك، سمع عليه الشفاء للقاضي عياض ومسند أبي حنيفة، وذكر كثيرًا جدًّا من الشيوخ الذين أخذ عنهم وسمع منهم.
وذكر من تلامذته -الذين قال: إنهم كثير جدًّا -الإمام شيخ الإسلام ابن حجر الذي أخذ عنه بعض الفوائد والأحاديث كما ذكر السخاوي، ومنهم كمال الدين بن الهمام، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، وشمس الدين السخاوي، والحافظ محمد بن أبي بكر الصالحي المعروف بابن زريق محدث الديار الشامية، ومنهم الشيخ كمال الدين الشمني، والبدر البغدادي، وقطب الدين الحيضري، والبرهان ابن خضر، والقاضي نور الدين علي بن داود الخطيب، وكثير غيرهم.
وهذا الكتاب -عمدة القاري- يعد من الشروح المبسوطة للبخاري، وهو أحد الكتابين العظيمين الذين سارت بذكرهما الركبان، وانتفع بها طلاب الحديث أيما انتفاع، حتى كأنهم يستغنون بهما عما عداهما في هذا الباب، والكتاب الآخر هو فتح الباري للإمام العلامة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، وإن كانت شهرة فتح الباري في عصرهما كانت أكثر، والإقبال عليه أعظم، ولعل ذلك كان لمكانة ابن حجر من السنة، ورسوخ قدمه فيها حتى إنه اختص من بينهما بلقب الحافظ، ولا سيما أن عمدة القاري ظهر بعد انتشار فتح الباري، الذي ظهر والناس متعطشون لكتاب حافل يشرح صحيح البخاري، يجلي عرائسه، ويكشف جناه ونفائسه.
وإذا كنت قد ضمنت هذه الرسالة بحوثًا عديدة، وتناولت فيها دراسة كتب كثيرة، من بينهما هذا السفر الكريم والخضم العظيم، فإنني لا أستطيع أن أوفيه حقه، ولا أن أتناول كثيرًا من جوانبه التي تصوره للقارئ الكريم، ذلك أنه يحتاج إلى أزمنة متطاولة، ودراسات حافلة لا يتسع لها نطاق البحث في حدود المنهج المرسوم، وهذا بعينه هو السبب في إيثاري لهذا الكتاب بالدراسة دون فتح الباري؛ لأن عناوينه الضابطة تحدد مباحثه، وتجعل الناظر فيه على بصيرة أكثر من إبراز صفاته ووصف مزاياه، يضاف إلى ذلك أن الإمام العيني من أعلام هذه الحقبة التي جعلناها مادة لدراستنا في السنة، فإنه ممن يتوسطون في هذه المدرسة زمانًا ومكانًا، وهو من أعلامها الفحول البارزين ورجالها المبرزين، ولم تسبق دراستنا لشيء من مؤلفاته كما درسنا لابن حجر، الذي ظفرت مؤلفاته من دراستنا بنصيب كبير: في كتب الأحكام وكتب الزوائد وكتب الرجال وكتب التخريج وكتب المصطلح.
فمن أجل ذلك آثرنا عمدة القارئ على فتح الباري بالدراسة في كتب الشروح.
[ ٣٥٠ ]
وفي مجال وصف المؤلفين لهذا الكتاب يقول صاحب كشف الظنون عند بيانه لكتب شروح الجامع الصحيح١ ما ملخصه:
ومن الشروح المشهورة شرح العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة ٨٥٥هـ وهو شرح كبير في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه عمدة القاري، وأورد في خطبته أنه لما رحل إلى البلاد الشمالية قبل الثمانمائة مستصحبًا فيها هذا الكتاب "الجامع الصحيح" ظفر هناك من بعض مشايخه بغرائب النوادر المتعلقة به، ثم لما عاد إلى مصر شرحه -وهو بخطه في واحد وعشرين مجلدًا- بمدرسته التي أنشأها بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر رجب سنة ٨٢١هـ وفرع منه في أوائل جمادى الأولى سنة ٨٤٧هـ، واستمد فيه من فتح الباري، بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وكان يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مصنفه له، وتعقبه في مواضع، وطوله بما تعمد الحافظ ابن حجر حذفه من سياق الحديث بتمامه، وأفرد كل مراتب الرواة بالكلام، وبيان الأنساب واللغات والإعراب، والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الأحاديث، والأسئلة والأجوبة.
وحكى أن بعض الفضلاء ذكر لابن حجر ترجيح شرح العيني بما اشتمل عليه من البديع وغيره فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين، وقد كنت وقفت عليه قبله، ولكني تركت النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة وخشيت من تعبي بعد فراغها من الاسترسال، ولذا لم يتكلم العيني -بعد تلك القطعة- بشيء من ذلك. ا. هـ. وبالجملة فإن شرحه حافل كامل في معناه، ولكنه لم ينتشر كانتشار فتح الباري في حياة مؤلفه.
هذا ما ذكره صاحب كشف الظنون من حكم على هذا الشرح ووصف له.
وقد أورد المرحوم الشيخ محمد منير الدمشقي مخرج الكتاب وناشره في بداية الكتاب ترجمة مسهبة للمؤلف تناول فيها مؤلفات العيني، فأورد من بينها هذا الكتاب "عمدة القارئ" وذكر أنه وقع في إحدى وعشرين مجلدة على تجزئه المصنف، ووصفه بأنه أوسع شروح البخاري نقلًا وتحقيقًا، وأجمعها للفوائد بحثًا وتمحيصًا، ينتهج منهج إتمام سياق الحديث حيث اختصر البخاري، ويسلك مسلك تعيين مواضع تخريجه من الكتاب إذا تعددت طرقه وتكرر تخريجه في الأبواب، ويذكر اختلاف رواة الكتاب إذا كان هناك اختلاف، ويوفي حق الكلام في الرجال، وضبط الأسماء والأنساب، بحيث يغني عن تطلب ذلك في الكتب المؤلفة في هذا الباب، ويبين اللغة والإعراب أتم بيان، ويتعرض بأسلوب بديع لوجوه المعاني والبيان، ثم وصفه بأنه يتوسع في طرائق استنباط الأحكام من الحديث، ويذكر لطائف الإسناد من علو ونزول، ومدني وشامي
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٥٤٨ وما بعدها.
[ ٣٥١ ]
ونحوها، ويبسط في المسائل الخلافية تخريج الأحاديث المتعلقة بها بسطًا وافيًا، ويقارن بين الأدلة ويحاكم بينها، ويسرد تحت عنوان الأسئلة والأجوبة مواضع الأخذ والرد من فقه الحديث، وينتقي من شروح المتقدمين، مواطن العلم والفوائد مع تمام الاستقصاء، ثم تطرق من ذلك إلى الوصف بأنه يشرح الأحاديث من جميع مناحيها، وأن الكتاب بغية المتعلق بالمنقول وطالب المعقول، وأنه سهل الكشف عن المطالب في مظانها، بوضع العناوين الدالة عليها، ولم يحشد إلى كتابه ما هو أجدر بكتب المصطلح مما له كبير مساس بكتب الحديث، ولا يطيل بتخريج طرق الحديث عن كتب المستخرجات والأطراف المختصة بذلك، إلا ما يحتاج إليه في شرح الكتاب، أو ما يفيد ترجيح لفظ على لفظ في الروايات، ولا يفوته موضع الفائدة من ذلك، وقلما يحيل المطالع إلى مواضع قد يتيه في تطلبها، بخلاف صاحبه الشهاب فإنه كثير الإحالة، وقد لا توجد الفائدة حيث أحال، كما أنه خال عما سبق من مزايا شرح البدر، ثم نقل ناحية بين أنها تزيد شرح العيني مزية، وهي أنه كان يطلع على شرح الشهاب ابن حجر جزءًا بواسطة البرهان بن خضر أحد أصحاب الشهاب، وينتقده في مواطن انتقاده مع التوافق بين الشرحين في النقول في بعض المواضع لتوافق مراجعهما، وتناول الكاتب شبهة أن الثاني أخذ من الأول، وبين أنها نظرة من لا دراية له، وأنه يظهر عند الكشف عن مواطن اتفاقهما في مراجعهما، وأورد أيضا أن كتاب العيني ظهر بعد فراغ ابن حجر من شرحه بخمس سنوات، فدهش ابن حجر وأصحابه من ظهور شرح البدر بهذا المظهر، وابتدأ أصحابه يذيعون أعذارًا لشيخهم مولدة، وأورد أن الشهاب بدأ يرد انتقاد العيني عليه، فكتب الاعتراضات وترك ما تحتها بياضًا ليجيب عليها، فاخترمته المنية ولم يجب على كثير منها. ثم اعترف بأن كليهما شرح حافل، وأن العلامة ابن خلدون الذي قال في مقدمته:١ إن شرح البخاري دين على الأمة لو عاش إلى زمن ظهور هذين الشرحين لحكم لهما بقضاء هذا الدين، ثم عاد يفضل شرح العيني بأن من خاض بحار شرحه الفياض يرى نفسه في ملتقى سيل العلوم من جميع النواحي: لغة وإعرابًا وبلاغة واستنباطًا وكشفًا عن تراجم الرجال وكشف كناهم وألقابهم وأسمائهم وأنسابهم وبيانًا لفوائد حديثية، ولطائف إسنادية، وانتهى من ذلك إلى أن المنصف يحكم للعيني بقضاء هذا الدين بلا ارتياب.
وهذه الكلمة المسهبة وإن بدا فيها روح التعصب للمؤلف وكتابه إلا أنها أغنتنا في وصف الكتاب عن بعض ما كنا سنتناوله من وصف، ونحن نرى أنها قد ذكرت كثيرًا مما للعيني من مزايا، وأغفلت بعض ما فيه مما رآه الكاتب نقصًا في شرح الشهاب، فإن الإحالات في كتاب العيني كثيرة ولا سيما في آخره، بل إنه منذ أول الكتاب يحيل في بيان تراجم الرجال عند ذكر أسمائهم، فمن تقدم ذكره
_________________
(١) ١ انظر مقدمة ابن خلدون ص٣٥١ مطبعة التقدم وفيها يقول: ولقد سمعت كثيرًا من شيوخنا ﵏ يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوفر له ما يجب من الشرح بهذا الاعتبار.
[ ٣٥٢ ]
في موضع ترك الكلام عليه وأحال على ما تقدم، دون ذكر الموضع الذي ورد فيه فيما تقدم، على أنه قط غمط العيني بعض مزاياه حين ذكر أنه يعين بعض مواضع تخريج الحديث من الكتاب إذا تعددت طرقه وتكرر تخريجه، فإن العيني لا يقتصر على هذا القدر من الإشارة إلى ذكر الحديث في مواضع من الجامع نفسه، بل إنه يذكر من أخرجه من المحدثين غيره، كمسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، وهذه ناحية ملموسة واضحة، بل إنها ترد في بعض عناوينه الخاصة بهذا المعنى إذ يقول: ذكر تعدد مواضعه ومن أخرجه غيره، ويفي بذلك تحت هذا العنوان.
ونحن بدورنا نشير إلى ما سنح لنا من الصفات البارزة في هذا الكتاب، عند دراستنا لأجزاء من أوائله وأخرى من أواخره، إيثارًا للإيجاز الذي يتناسب مع منهجنا وخطتنا في البحث.
١- الكتاب في جملته مبسوط بحيث إنه يتناول كثيرًا مما لا يحتاج إليه طالب الحديث ولا سيما فيما يتعلق بالفوائد اللغوية والنحوية والبلاغية والصرفية والبيانية، وإن كان عظيم الفائدة غزير المادة في النواحي الحديثية، وفي شرح ما يحتاج إليه القارئ في استنباط الأحكام، وعرض الأسئلة والأجوبة التي تمكن المعاني في ذهن دارس الحديث، وبيان اختلاف الأئمة والعلماء من المتكلمين في العقائد والمتفقهين في الأحكام، وتفصيل مذاهب كل أولئك، وبيان وجهات كل منهم، وأدلته على ما ذهب إليه، وكثيرًا ما يرجح بعض المذاهب على بعض من وجهة نظره التي يبرزها بدليله وحجته.
٢- الواقع أن وصف الكتاب بالبسط والإطناب يتجلى في الأجزاء الأولى منه، فهو يتناول الأحاديث في تلك الأجزاء بما لا يخلو أكثره مما يأتي:
بيان مناسبة الحديث للباب الذي أورده البخاري، بيان رجاله، بيان لطائف إسناده، بيان مفردات اللغة، بيان الإعراب، بيان الصرف، بيان المعاني، بيان البيان، بيان استنباط الأحكام، الأسئلة والأجوبة، وإذا تطلب الحديث أكثر من ذلك كبيان الأسماء الخارجة عن السند وهي واردة في متن الحديث فإنه يتناولها كذلك بعنوان آخر، وكذلك إذا تطلب الحديث بيان الأنساب أو الأماكن أو غير ذلك فإنه يضع عنوانًا مناسبًا لما يتطلبه الحديث من بيان، ومن ذلك ما جاء في حديث هرقل حيث وضع فيه بيانًا بالأسماء الواقعة فيه١ وبيانًا بأسماء الأماكن فيه٢، وقد يذكر في بعض الأحاديث بيانًا بضبط الرجال، وفوائد تتعلق بهم، كما أنه يذكر بيان نوع الحديث من كونه متواترًا أو غير متواتر، غريبًا أو عزيزًا أو ما أشبه ذلك، وقد يذكر بيان سبب الحديث ومورده، وذلك كما في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" ٣.
٣- وطريقة تناوله لتلك النواحي التي أوردنا أنه لا يكاد يغفلها في مناسباتها أنه يغلب عليه التطويل المسهب، وإن كانت هذه النواحي لا تفيد الفائدة المنشودة في بيان الحديث.
_________________
(١) ١ عمدة القارئ ج١ ص٧٩. ٢ عمدة القارئ ج١ ص٨٢. ٣ عمدة القارئ ج١ ص٢٨.
[ ٣٥٣ ]
فهو مثلًا في بيان اللغة تحت العنوان الأول. كيف كان بدء الوحي وما تضمنه من الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ يتكلم على كلمة باب، فيذكر أصله وجمعه ومؤنثه، ويذكر في "كيف" أنها من أي أنواع الكلمة، وما دليل ذلك، وكيف استعملها العرب، وفي كلمة "بدء الوحي" يتكلم على البدء ووزنه، وما أورده صاحب العباب في شأنه، ويتكلم في كلمة الوحي يذكر أصل معناها، وجمعها، وبعض ما وقعت فيه من أشعار العرب، ومن آيات القرآن الكريم والرسول، وبماذا يعرف، وما الفرق بينه وبين النبي، وغير ذلك، ما يشغل القارئ ويجعله يمل قبل أن يصل إلى مقصوده من الحديث.
ثم ينتقل إلى بيان الصرف، فيذكر أنه "كيف" لا يتصرف لأنه جامد، وأن "الوحي" مصدر أوحى، وأن الرسول صفة مشبهة، ويطيل في ذلك أيضًا.
ثم ينتقل إلى الإعراب فيذكر أن "باب" بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز فيه التنوين وتركه للإضافة، وما ذكره بعضهم من أنه يجوز فيه الوقف، ويناقش ذلك، وما وقع في بعض الروايات من حذفه، وما إلى ذلك.
ثم ينتقل إلى المعاني فيبين أن "كيف" تتضمن معنى همزة الاستفهام، وأنه للإنكار، وأن هذا الأسلوب من أي الأنواع.
ثم ينتقل إلى: "إنا أوحينا" فيبين من أي ضروب الخبر هو، وما هي أضرب الخبر عند علماء المعاني ويستشهد من كلام عبد القاهر على ما يقول.
ثم ينتقل إلى البيان، فيذكر أن الكاف في كما أوحينا للتشبيه، ويفسر ذلك.
ثم ينتقل إلى التفسير، فيبين موضع الآية من القرآن الكريم، وسبب نزولها.
ثم ينتقل إلى سر تصدير الباب بالآية المذكورة، وما جرت به عادة البخاري من ضمه إلى الحديث ما يناسبه من القرآن أو غيره.
وهذا الأخير هو أنفع ما ينتفع به طالب الحديث ويعني بشأنه، وليس له حاجة بما قدمه من قبله.
هذا هو صنيع الإمام العيني في شرح كل حديث يورده البخاري، وليس ذلك قاصرًا على أول الباب الأول، ولكنه مطرد في الأجزاء الأولى من الكتاب -كما قلنا.
ولنضرب لك مثلًا آخر من الجزء الثاني من الكتاب:
في الحديث الثالث والثلاثين من باب الغضب في الموعظة والتعليم١، وهو قول ابن خالد الجهني أن النبي ﷺ سأله رجل عن اللقطة فقال: "اعرف وكاءها -أو قال:
_________________
(١) ١ عمدة القارئ ج٢ ص١٠٧.
[ ٣٥٤ ]
وعاءها وعفاصها- ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه"، قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه -أو قال: احمر وجهه- فقال: "ومالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها"، قال: فضالة الغنم، قال: "لك أو لأخيك أو للذئب". ا. هـ. تناول المؤلف فيه ما يأتي:
مطابقته للترجمة، وهي باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، فذكر أن المطابقة في قوله: فغضب، ثم بيان رجاله وهم ستة، فترجم لهم عدا من سبق ذكره، ثم لطائف إسناده: وهي التحديث والعنعنة إلى آخره، ثم بيان تعدد مواضعه ومن أخرجه غير البخاري، وذكر في ذلك كلامًا كثيرًا يتجاوز نصف صفحة من القطع الكبير، ثم بيان اللغات، فضبط اللقطة، وذكر الخلاف في ضبطها، ونصوص رجال اللغة فيها وأطال في ذلك بإيراد نقول كثيرة، ثم تناول كلمة اعرف، وبين أنها من المعرفة لا من الإعراف، ثم تناول كلمة الوعاء فضبطها، وبين معناها والخلاف فيه، ثم تناول كلمة الوكاء وفعله وتعديه، وما قيل في ذلك، وأورد شاهدًا من كلام العرب على معنى أوعيت الزاد، ثم ضبط كلمة العفاص، وما ذكر من أنه يقال فيه العقاص وأورد عبارات اللغة في ذلك، واستطرد إلى عقاص القارورة كالصمام والسداد، وأورد للأخير شاهدًا من كلام العرب، وشرح كلمة ربها وما يستعمل فيه، ثم كلمة الضالة وما تستعمل فيه، وهل يصح حذف التاء فيه، ثم شرح كلمة الوجنة، ثم كلمة السقاء، وما يجمع عليه، ثم كلمة الحذاء ومعناه في البعير ومقابله في الفرس، ثم كلمة ذرها وبين أن ماضيه ميت غير مستعمل، وكلمة الغنم فبين أنه مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث. وأطال في ذلك.
وبعد هذا ذكر بيان الإعراب، فبين أن رجلًا فاعل سأله، وأن وكاءها مفعول اعرف، وأن عرفها معطوف على اعرف، وأن سنة منصوب بنزع الخافض، وأورد أن استمتع معطوف على عرفها وبين أن "فأدها" جواب الشرط فذلك دخلته الفاء، وأن قول السائل: فضالة الإبل كلام إضافي مبتدأ وخبره محذوف، وأن الفاء في قوله فغضب للسببية مثلها "فوكزه موسى فقضى عليه" وأن حتى للغاية بمعنى إلى، وأن وجنتاه فاعل احمرت، وعلامة الرفع الألف، وأن قوله: مالك ولها يروى بالواو وبغير الواو، وأن كلمة ما استفهامية ومعناه ما تصنع بها، أي لم تأخذها وأن جملة ترد الماء يجوز أن تكون بيانًا لما قبلها لا محل لها وأن يكون محلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أي هي ترد الماء وترعى الشجر، وقوله: فذرها جملة من فعل فاعل، والفاء فيها جواب شرط محذوف "هكذا" وقوله: فضالة الغنم كلام إضافي مبتدأ، خبره ما حكمها قوله: لك أو لأخيك أو للذئب فيه حذف تقديره: ليست ضالة الغنم مثل ضالة الإبل، هي لك إن أخذتها أو هي لأخيك إلى آخر ما أطال به مما لا يكاد يكون دقيقًا إذا طبق على قواعد النحو.
[ ٣٥٥ ]
وفي بيان المعاني ذكر المراد بالرجل السائل، وبين في كلمة أو قال إنها شك من الراوي وما في ذلك من خلاف، وفي اعرف عفاصها ووكاءها أنها وردت في بعض الطرق من غير شك، ثم ذكر العلة في أمر النبي ﷺ له بمعرفة العفاص والوكاء، وفي قوله: ثم عرفها بين أن فيه حذفًا أي للناس، وبم يكون التعريف، وما عدته وأطال في ذلك، ثم ذكر السر في الإتيان بثم في قوله: "ثم استمتع" وبين في قوله: "فغضب" وأطال فيه.
ثم انتقل إلى بيان البيان، وذكر أن فيه التشبيه للإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر، وانتقل بعد ذلك إلى البديع، وبين أن فيه جناسًا ناقصًا في اعرف وعرف، وهل يستوي الحرف المشدد مع الحرف المخفف.
وبعد ذلك انتقل إلى استنباط الأحكام، فذكر وجوهًا كثيرة جدًّا. وأطال فيها، وكان استنباط الأحكام من هذا الحديث فيما يقرب من ثلاث صفحات من القطع الكبير.
وواضح أن استنباط الأحكام هذا هو أهم ناحية في عرض السنة وشرحها للناس، أما تلك النواحي الأخرى التي بلغت نحوًا من ثلاث صفحات أخرى فقد كان يمكن الاقتصار فيها على أقل القليل حتى يصل طالب المعنى إلى بغيته من أقرب طريق.
ولعل فيما عرضناه من طريقته في الموضوعين اللذين أوردناهما ما يلقي ضوءًا مسفرًا على ما وصفنا به الكتاب من البسط في أوائله.
وأما أواخره، فإنها لم تكن على هذا الوجه من البسط ولا ما يقرب منه، فليس فيها تلك العناوين الكثيرة، وإن كان فيها بعض ما يندرج تحت هذه العناونين دون ذكرها، ولكن مع الإيجاز والاختصار البين، ولو أنه سلك هذا المسلك من أول الكتاب لكان أنفع لطالب الحديث، وأعون على تعجيل المنفعة وتيسيرها للراغب في السنة الذي يريد أن يستغني بأقل القليل مما أطال به المؤلف في غير جوهر الحديث ونواحيه الدينية الأصلية، وإليك مثالين من صنعه في آخر الكتاب:
في حديث أن النبي ﷺ قال١: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة"، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال: "بلى". قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي ﷺ فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالأم ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زئادة كبدها سبعون ألفًا.
_________________
(١) ١ عمدة القارئ ج٢٣ ص١٠٢.
[ ٣٥٦ ]
وبدر الدين العيني في هذا الحديث يذكر مطابقته للترجمة، وهي باب "يقبض الله الأرض يوم القيامة" ويبين من أخرجه غيره دون ترجمة، ويشرح الألفاظ دون ترجمة، فيشرح الخبزة بإيجاز، ويشرح التكفؤ كذلك، ويبين الشبه في قوله: كما يكفؤ أحدكم خبزته، ويذكر كلام الخطابي في ذلك، ثم يشرح كلمة النزل ويبين المراد بها، ثم يروي عن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جدًّا، لا من جهة إنكار صنع الله وقدرته، بل لعدم التوقف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول، ويزيل البيضاوي الإشكال في ذلك فيما ينقله العيني عنه ثم يذكر وجوهًا للمحدثين في إزالة هذه الإشكال، ثم ينتقل إلى بيان السبب في ضحك النبي ﷺ، ويفسر قوله: بدت نواجذه، ثم يقسم الأضراس في هذه المناسبة، ثم يتكلم عن البالام بما ينقله عن الكرماني من بيان إعرابها، والأقوال فيها، والصحيح من ذلك، وهي أنها عبرانية معناها الثور، ويذكر تعليل الخطابي ذكر اليهودي لهذه الكلمة، ثم يذكر تفسير ابن الأثير لهذه الكلمة، ومناقشته لتفسير غيره، ثم ينتقل إلى بيان أن "من" في قوله: من زائدة كبدها زائدة، ويفسر الزائدة بأنها القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد، ويذكر أنها أطيبها، ولذلك خص بأكلها سبعون ألفًا، ويذكر خلاف المحدثين في هؤلاء السبعين، ثم يذكر أثرًا عن ابن المبارك عن كعب: "أن الله يقول لأهل الجنة: إن لكل ضيف جزورًا، وإني أجزركم اليوم حوتًا وثورًا" كما يذكر أثرًا عن مسلم من حديث ثوبان: "أن تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون" وينتهي من هذا الشرح بلا جزم بقول، ولا اختيار لرأي، ومهما يكن فإنه لا يحرم القارئ من فائدة يفيدها مع إيجازه.
وأنت ترى أنه قد أتى على المقصود من شرح هذا الحديث مع طول متنه بما لا يطيل به على القارئ، وما يمكن أن يجتزئ به مع وجازة، من غير إفاضة في اللغات ووجوه الإعراب والمعاني والبيان وما إلى ذلك، فإنه وقع في نحو صفحة ونصف، ولو أنه التزم في مثل هذا الحديث ما ألزم به نفسه في أول الكتاب لقرأنا في شرحه ما يزيد على عشر صفحات.
وفي "باب النذر فيما لا يملك وفي معصية" حديث أبي إسرائيل قال ابن عباس١: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".
فيبين العيني في هذا الحديث مطابقته للترجمة، وبعض الأسماء التي وردت فيه باختصار، ومن أخرجه غير البخاري، ومواضع ذكره فيها، وما قيد به قوله يخطب في بعض الروايات،
_________________
(١) ١ عمدة القارئ ج٢٣ ص٢١٢.
[ ٣٥٧ ]
وأن قوله يخطب قيد في بعض الروايات بيوم الجمعة، وأنه ورد في بعض الروايات أنه ﷺ التفت، وبين أن قوله قائم صفة لرجل، وأنه مقيد في بعض الروايات بأنه قائم في الشمس، وفي بضعها بأنه قائم يصلي، وذكر في أبي إسرائيل رواية أبي داود "هو أبو إسرائيل وما زاده كل من الخطيب والكرماني في وصفه، وما أورده ابن الأثير في وصفه أيضًا وما ترجمه به ابن عبد البر.
ثم انتقل إلى بيان المراد بكلمة مره، ومرجع الضمير في مره، ثم إلى تعليل قوله ﷺ: "ليتم صومه" ثم إلى ما يستفاد من الحديث من كونه يدل على أن السكوت عن المباح ليس بطاعة، وكذلك الجلوس في الشمس وكل ما يتأذى به الإنسان، وإنما الطاعة ما أمر الله به ورسوله.
وكل هذا الشروح في نصف صفحة من هذا الكتاب.
ولعلك ترى أنه اقتصر في هذا الحديث على قدر الضرورة أو ما هو أقل من ذلك، وكان بوسعه فيه أن يورد من التفصيلات ما يروي ظمأ القارئ فيما يجب الوفاء به وما لا يجب من النذر، ولعله اكتفى بذكر شرحه لأحاديث أخرى في هذا المعنى قبل هذا الحديث، قد يستفيد بها القارئ لو ضم بعضها إلى بعض متونًا وشروحًا، غير أننا أردنا أن نعرض بعض ما وقع لنا في أواخر الكتاب كما عرضنا بعض ما وقع لنا في أوله.
وأرجو ألا يكون ما وصفنا به صاحب عمدة القارئ من الإطالة والبسط في أول الكتاب والاختصار والإيجاز في آخره مما قد يبدو لوثه في تأليفه، أو عيبًا في تصنيفه، ولعله يكون أقرب إلى النصح للأمة، والإخلاص للقارئ منه إلى غير ذلك، فإن الإطناب في أوائل الكتب أمر يتقدم به المؤلفون لشحذ الملكات واستنهاض الهمم، لمجاراة الإثراء من الثقافة، والتضلع من مختلف المواد والفنون، وقد رأينا الكثرة الكاثرة من المؤلفين في التفسير وشروح السنة يتنهجون هذا المنهج، فإذا كان قد بسط في أول الكتاب فإن ذلك لمزيد التزويد من الثقافة، وإذا كان قد أوجز في آخره فإن ذلك للاكتفاء بما سبقت دراسته في أوله، ولعلنا قد رأينا أن في اختصاره في آخر الكتاب ما لا يخل بالمطلوب من الشرح، وبيان أهم النواحي المنشودة فيه.
ومهما يكن فإننا نسأل الله للإمام العيني بما نصح به لهذه الأمة، وقدم لطلاب الحديث من إحسان ومنه، أن يجزيه أحسن الجزاء، وأن ينفع به وبسائر مؤلفاته، إنه سميع قريب.
[ ٣٥٨ ]
ارشادات الساري لشرح صحيح البخاري
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:
للحافظ القسطلاني المتوفى سنة ٩٢٣هـ:
وهذا كتاب من الكتب النافعة في الشروح الحديثية، ومؤلفه الحافظ١ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك، العلامة الحجة الفقيه الرحالة المقرئ المسند. قال السخاوي: مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، ونشأ بها وحفظ القرآن، ومن شيوخه الشيخ خالد الزهري النحوي، والفخر المقسمي، والجلال البكري كما أخذ بمكة عن جماعة منهم النجم بن فهد ولم يكن له نظير في الوعظ، وله تصانيف عديدة في علوم القراءات وعلوم الحديث التي من بينها شرحه المسمى إرشاد الساري الذي نورده للدراسة، وتوفي ﵀ ليلة الجمعة سابع المحرم بالقاهرة عام ثلاث وعشرين وتسعمائة، دفن بالمدرسة العينية جوار منزله.
وكتابه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، قدم له بمقدمة بين فيها منهجه، وتعرض فيها لفوائد حديثية، نورد هنا تلخيصًا لما ورد فيها على النحو التالي:
بعد أن تكلم عن السنة وأنها أعظم العلوم قدرًا، وأرقاها شرفًا وفخرًا، وتكلم على كتاب البخاري الجامع، وأنه قد أظهر من كنوز مطالب السنة العالية إبريز البلاغة، وحاز قصب السبق في ميدان البراعة، وأتى من صحيح الحديث وفقهه بما لم يسبق إليه، ولا عرج أحد عليه، وأفاض في مدحه والثناء عليه قال: ولطالما خطر لي في الخاطر المخاطر أن أعلق عليه شرحًا أمزجه فيه مزجًا، وأدرجه ضمنه درجًا، أميز فيه الأصل من الشرح بالحمرة والمداد، واختلاف الروايات بغيرها ليدرك الناظر سريعًا المراد، فيكون باديا بالصفحة، مدركًا باللمحة، كاشفًا بعض أسراره لطالبيه رافعًا النقاب عن وجوه معانيه لمعانيه، موضحًا مشكله، فاتحًا مقفله، مقيدًا مهملة، وافيًا بتغليق تعليقه، كافيًا في إرشاد الساري لطريق تحقيقه، محررًا لرواياته، معربًا عن غرائبه وخفياته.
ثم بين أنه كثيرًا ما أحجم عن الإقدام على هذا العمل؛ لأنه كما قال عن هذا المنزل بمعزل لا سيما وقد قيل: إن أحدًا لم يستصبح سراجه، ولا استوضح منهاجه، ولا اقتعد صهوته، ولا افترع ذروته. ثم قال: ولم أزل على ذلك مدة من الزمان، حتى مضى عصر الشباب وبان فانبعث الباعث إلى ذلك راغبًا، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا إلى أن قال: وأطلقت لسان الحكم بعبارة صريحة واضحة وإشارة قريبة لائحة، لخصتها من كلام الكبراء الذين رقت في معارج علوما لشأن أفكارهم، وإشارات الألباء الذين أنفقوا على اقتناص شوارده أعمارهم، وبذلت الجهد في تفهم أقاوئل الفقهماء المشار إليهم بالبنان، وممارسة الدواوين
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٨ ص١٢٢.
[ ٣٥٩ ]
المؤلفة في هذا الشأن، ومراجعة الشيوخ الذين حازوا قصب السبق في مضماره، ومباحثه الحذاق الذين غاصوا على جواهر الفرائد في بحاره، ولم أتحاش عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن، قصدًا لنفع الخاص والعام، راجيًا ثواب ذي الطول والإنعام، فدونك شرحًا قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللامع وصدع خطيبه على منبره السامي بالحجج القواطع، أضاءت مهجته فاختفت منه كواكب الداري وكيف لا وقد فاض عليه النور من فتح الباري.
وبالجملة فإنما أنا من لوامع أنوارهم مقتبس، ومن فواضل فضائلهم ملتمس وسميته إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري.
ثم أورد مقدمة تشتمل على وسائل المقاصد، فإنها جامعة لفصول خمسة ذكر أنها الأصول لقواعد هذا الشرح، وبيان محتوى هذه الفصول ما يأتي:
الفصل الأول:
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث، ذكر فيه حديث النبي ﷺ: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" أورده برواياته المختلفة، وأسانيده المتعددة، وتكلم عنه وأفاض فيه، وأضاف إليه كثيرًا من الأحاديث والآثار تأكيدًا لفضل أهل الحديث وشرفهم، وأنهم -إن شاء الله- الفرقة الناجية.
الفصل الثاني:
في ذكر أول من دون الحديث والسنن ومن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السنن، بين فيه اعتماد الأولين من الصحابة والتابعين وأتباعهم على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر، غير ملتفتين إلى ما يكتبون، ولا معولين على ما يسطرونه، وذلك لسرعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، فلما انتشر الإسلام، وتفرقت الصحابة، وكثرت الفتوحات فمات معظمهم، وتفرق تبعًا لذلك أتباعهم وقل الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، وكان أول من أمر بذلك عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه خوف اندراسه، فإنه -كما ورد في الموطأ- كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر إلى ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فأجمعوه، وأورد أن ابن حجر قال في مقدمة كتابه الفتح: أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، فصنف الإمام مالك بن أنس موطأه بالمدينة وصنف كل من الثوري والأوزاعي وعبد الملك بن جريج وحماد بن سلمة بن دينار تصنيفًا وتلاهم كثير من الأئمة، كل بما سنح له، وانتهى علمه إليه.
[ ٣٦٠ ]
يسوغ فيه الإفراد نحو أكلت رأس شاتين، والجمع أجود نحو "فقد صغت قلوبكما" وإن كان غير جزئه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو سل الزيدان سيفهما، وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما في قوله في قبورهما، وقد تجتمع التثنية والجمع في نحو: ظهراهما مثل ظهور الترسين، قاله ابن مالك، ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون ﵊ لم يسمهما قصدًا للستر عليهما، وخوفًا من الافتضاح على عادة ستره وشفقته على أمته ﷺ، أو سماهما ليحترز غيرهما عن مباشرة ما باشره، وأبهمهما الراوي عمدًا لما مر فقال النبي ﷺ: "يعذبان" أي صاحبا القبرين "وما يعذبان في كبير" تركه عليهما "ثم قال" ﷺ "بلى" إنه كبير من جهة المعصية، ويحتمل أنه ﵊ ظن أن ذلك غير كبير فأوحي إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك، وقال البغوي ورجحه ابن دقيق العيد وغيره: إنه ليس بكبير في مشقة الاحتراز أي كان لا يشق عليها الاحتراز عن ذلك، والكبيرة هي الموجبة للحد أو ما فيه وعيد شديد، وعند ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: يعذبان عذابا شديدًا في ذنب هين "كان أحدهما لا يستتر من بوله" بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة من الاستتار، أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة، أي لا يتحفظ منه، وهي بمعنى رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء من التنزه وهو الإبعاد، ولا يقال إن معنى لا يستتر يكشف عورته لأنه يلزم منه أن مجرد كشف العورة سبب للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتب العذاب على مجرد الكشف وليس كذلك، بل الأقرب حمله على المجاز، ويكون المراد بالاستتار التنزه عن البول والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنما رجح المجاز وإن كان الأصل الحقيقة؛ لأن الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضًا فإن لفظة من لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازا تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حمل على كشف العورة زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: لا يستبرئ، بموحدة ساكنة من الاستبراء، أي لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو يدل على وجوب الاستنجاء؛ لأنه لما عذب على استخفافه بغسله وعدم التحرز منه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه حقيق بالعذاب "وكان الآخر يمشي بالنميمة" فعيلة من نم الحديث ينمه إذا نقله عن المتكلم به إلى غيره، وهي حرام بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرتين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان للصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة من السعي بالفساد وهو من أقبح
[ ٣٦٥ ]
القبائح، ويجاب عن استشكال كونه النميمة من الصغائر بأن الإصرار عليها المفهوم هنا من التعبير بكان المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، ولا سيما على تفسيرها بما فيه وعيد شديد، ووقعت في حديثي أبي بكرة عند الإمام أحمد والطبراني بإسناد صحيح: "يعذبان وما يعذبان في كبير، وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول" بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام المسلمين فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف، وبذلك جزم العلاء بن العطار وقال: لا يجوز أن يقال إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب عنهما ولا ترجاه لهما.
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة بعذاب القبر، وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه نموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله ﷿ الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما "ثم دعا" ﷺ "بجريدة" من جريد النخل التي ليس عليها ورق فأتي بها "فكسرها كسرتين" بكسر الكاف تثنية كسرة، وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش الآتية إن شاء الله تعالى أنها كانت نصفين، وفي رواية جرير عنه باثنتين "فوضع" النبي ﷺ "على كل قبر منهما كسرة" وفي الرواية الآتية فغرز، وهي تستلزم الوضع دون العكس "فقيل له يا رسول الله" ولابن عساكر فقيل: يا رسول الله "لم فعلت هذا" لم يعين السائل من الصحابة "قال" ﷺ "لعله أن يُخَفَف" بضم أوله وفتح الفاء أي العذاب، وهاء لعله ضمير الشأن وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة، لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ويحتمل أن تكون زائدة مع كونها ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارة، قاله ابن مالك، ويقوي الاحتمال الثاني حذف إن في الرواية الآتية حيث قال: "لعله يخفف عنهما" أي المعذبين "ما لم تيبس" بالمثناة الفوقية بالتأنيث باعتبار عود الضمير فيه إلى الكسرتين، وفتح الموحدة من باب علم يعلم، وقد تكسر وهي لغة شاذة، وفي رواية الكشميهي إلا أن تيبس بحرف الاستثناء، وللمستملي إلى أن ييبس بإلى التي للغاية، والمثناة التحتية بالتذكير باعتبار عود الضمير إلى العودين؛ لأن الكسرتين هما العودان، وما مصدرية زمنية إلى مدة دوامها إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي كما قاله المازري، لكن تعقبه القرطبي بأنه لو كان بالوحي لما أتى بحرف الترجي، وأجيب بأن لعل هنا للتعليل، أو أنه يشفع لهما في التخفيف هذه المدة كما صرح به في حديث جابر، على أن القصة واحدة كما رجحه النووي، وفيه نظر، لما في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطبراني أنه الذي أتى بالجريدة إلى النبي ﷺ، وأنه الذي قطع الغصنين، فدل ذلك على المغايرة، ويؤيد
[ ٣٦٦ ]
ذلك أن قصة الباب كانت بالمدينة، وكان معه ﵊ جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده، فظهر التغاير بين حديث ابن عباس وحديث جابر، بل في حديث أبي هريرة ﵁ المروي في صحيح ابن حبان ما يدل على الثالثة، ولفظة أنه ﷺ مر بقبر فوقف فقال: "ائتوني بجريدتين"، فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، يأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب وضع الجريدة على القبر في الجنائز.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي وداري ومكي وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف هنا عن جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، وفي الآتية عن الأعمش كمسلم عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، فأسقط المؤلف طاوسًا الثابت في الثانية من الأولى فانتقد عليه الدارقطني ذلك كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلف الحديث أيضًا في الطهارة في موضعين، وفي الجنائز والأدب والحج، ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الطهارة، وكذا النسائي فيها أيضًا وفي التفسير والجنائز.
وأورد القسطلاني في كتابه ما يأتي كذلك.
"باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه" لإشعاره بالإعراض عن العبادة. وبالسند قال: "حدثنا عباس بن الحسين" بالموحدة والمهملة، والحسين مصغرًا البغدادي القنطري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجهاد قال: "حدثنا مبشر" بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد المعجمة عند المنذر الحلبي، ولأبي ذر والأصيلي مبشر بن إسماعيل "عن الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمر قال المؤلف "ح وحدثني" بالإفراد "محمد بن مقاتل أبو الحسن" المروزي "قال أخبرنا عبد الله" بن المبارك "قال أخبرنا الأوزاعي قال حدثني" بالإفراد، ولأبي ذر حدثنا، وللأصيلي أخبرنا "يحيى بن أبي كثير قال حدثني" بالإفراد "أبو سلمة بن عبد الرحمن" بن عوف "قال حدثني" بالإفراد "عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان" لم يسم "كان يقوم الليل" أي بعضه، ولأبي الوقت في نسخة، ولأبي ذر من الليل أي فيه كإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي فيها "فترك قيام الليل" وقال هشام: هو ابن عمار الدمشقي مما وصله الإسماعيلي وغيره "حدثنا ابن أبي العشرين" بكسر العين والراء بينهما معجمة ساكنة عبد الحميد بن حبيب الدمشقي البيروني كاتب الأوزاعي تكلم فيه "قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني" بالإفراد، وللأصيلي وأبي ذر حدثنا "يحيى" بن أبي كثير "عن عمر" بضم العين وفتح الميم "بن الحكم" بفتح الكاف "بن ثوبان" بفتح المثلثة "قال حدثني" بالإفراد "أبو سلمة" بن عبد الرحمن "مثله" ولأبوي ذر والوقت بهذا مثله، وفائدة ذكر المؤلف لذلك التنبيه على أن زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بن يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث "وتابعه" بواو
[ ٣٦٧ ]
العطف، ولأبي ذر تابعه بإسقاطها أي تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم "عمرو بن أبي سلمة" بفتح اللام أبو حفص الشامي "عن الأوزاعي" وقد وصل هذه المتابعة مسلم.
هذان مثالان مما كتبه القسطلاني شرحًا على البخاري، أوردناهما على صورة ما وردا عليه في كتابه وأولهما استدعت ضرورة البيان والشرح أن يطيل فيه، وثانيهما اقتصر فيه من الشرح على ما دعت إليه الحاجة، ومن مجموعها تتجلى طريقة المؤلف فيما عالج به أصله البخاري من شرح لما جاء فيه.
ونرى أن هذا الشرح من هذا الإمام العظيم يلي حاجة طالب العلم في شرح كتاب البخاري سواء في ذلك ما ورد فيه من تراجم، وما جاء فيه من متون الحديث بأسانيدها ورجالها، وكما أنه يفيد طالب البيان في غريب الحديث ومشكلاته، وينير الطريق أمام الدارس لمسائل الخلاف في الفروع بين المذاهب الفقهية، وإن فيه لخيرًا كثيرًا لدارسي السنة والمنتفعين بها في دينهم ودنياهم ونسأل الله التوفيق.
[ ٣٦٨ ]
فيض القدير بشرح الجامع الصغير:
للعلامة محمد عبد الرءوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١هـ:
ومؤلفه سبق أن ترجمنا له بما تيسر عند الكلام على الإتحافات السنية من بين كتب الجوامع.
وهذا الكتاب تناول فيه شرح الأحاديث التي أوردها الحافظ السيوطي في جامعه الصغير من أحاديث البشير النذير.
وقال في مقدمته لهذا الشرح: فهذا ما اشتدت إليه حاجة المتفهم، بل وكل مدرس ومعلم، من شرح على الجامع الصغير للحافظ الكبير، الإمام الجلال الشهير، ينشر جواهره، ويبرز ضمائره ويفصح عن لغاته، ويكشف القناع عن إشاراته إلى آخر ما قال. وأوضح أنه بتأليفه هذا لم يدخل في عداد الناسخين، بلى أتى بالفوائد الشاردة من قاموس فكره وعباب قريحته، وأنه لم يعرب من ألفاظه إلا ما كان خفيًّا لأن الشأن هو معرفة قصده ﷺ وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار، بيانًا تعضده أصول الشريعة، وتشهد بصحته العقول السليمة، وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء.
وقال: ولم أكثر من نقل الأقاويل والخلافات؛ لأن ذلك من أعظم الآفات على طالب الحديث فإنه يدهش عقله ويحير ذهنه، كما قال حجة الإسلام.
ثم قال: إنه سمى كتابه هذا فيض القدير بشرح الجامع الصغير، ويحسن أن يترجم بمصابيح التنوير على الجامع الصغير، ويليق أن يدعى بالبدر المنير في شرح الجامع الصغير، ويناسب أن يوسم بالروض النضير في شرح الجامع الصغير.
ثم بين اصطلاحه في هذا الكتاب، فأورد أنه حيث يقول القاضي فالمراد به البيضاوي، أو العراقي فجدنا من قبيل الأمهات الحافظ زين الدين العراقي، أو جدي فقاضي القضاة يحيى المناوي أو ابن حجر فخاتمة الحفاظ أبو الفضل العسقلاني١.
وبدراستنا لهذا الكتاب، وتتبعنا لبعض ما ورد فيه، وجدنا من الظواهر ما نسجله فيما يأتي:
١- يشرح المتن شرحًا كافيًا بعبارة طلية، ويستشهد في ذلك بكثير من الآيات والأحاديث المناسبة، ويؤيد ما يراه بالنقل عن السابقين من العلماء، وربما يذكر بعد إفاضته في شرح الحديث أنه موضوع، وأنه كان الأولى للمصنف تركه.
_________________
(١) ١ من مقدمة فيض القدير: ج١ ص٣ بتصرف.
[ ٣٦٩ ]
ففي شرحه لحديث "ابن آدم ١ عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع. ابن آدم، إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سربك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء" "عدهب" عن ابن عمر "صح"، أورد المؤلف معنى "ما يكفيك" بأنه ما يسد حاجتك، ومعنى "وأنت تطلب ما يطغيك" أي تحاول أخذ ما يحملك على الظلم ومجاوزة الحدود الشرعية، ثم استشهد بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ ثم قال: فإذا كان عندك ما يكفيك حالا فأشكر نعمة ربك ولا تطلب زيادة تطغيك "ابن آدم لا بقليل تقنع" أي ترضى لفقر نفسك إلى الزيادة، والقناعة: الرضا بما قسم، وتطلق على الاكتفاء بقدر الضرورة، وهو معنى قولهم الرضا باليسير، ولعل المراد هنا بقوله: "تقنع" لا بقيد القلة وإلا لكفى أن يقول لا تقنع، ونكتة قصر القناعة على الرضا والنص على لفظ القلة معه رعاية الطباق بين القلة والكثرة المذكورة بقوله: "ولا من كثير تشبع" وهو من أنواع البديع المستحسنة، والباء في "بقليل" للمصاحبة، ومن في "من كثير" بمعنى الباء، ثم لما نعى عليه حاله، وذم إليه خصاله حثه على الزهادة، وبين له أن الكفاف مع الصحة والأمن محصل للغرض وزيادة، فقال له: "ابن آدم، إذا أصبحت" أي دخلت في الصباح "معافى" أي سالمًا من الأسقام والآثام، ومن قصره على الأول فقد قصر، والعافية والسلامة ودفع البلاء والمكروه "في جسدك" بدنك. قال الراغب: والجسد كالجسم لكنه أخص فلا يقال الجسد لغير الإنسان، أو الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء "آمنًا" بالمد وكسر الميم "في سربك" -بكسر فسكون- نفسك، أو -بفتح وسكون- مذهبك ومسلكك، أو -بفتحتين- بيتك "عندك قوت يومك" ما يقوم بكفايتك في يومك وليلتك، وخص اليوم لأنه يستتبعها، أو لأن الليل غير محل للاقتياب. قال في الصحاح: القوت ما يقوم به البدن، وفي المفردات ما يمسك الرمق. "فعلى الدنيا العفاء" بفتح المهملة والفاء كسماء الهلاك والدروس وذهاب الأثر. قال الزمخشري ومنه قولهم: عليه العفاء إذا دعا عليه ليعفو أثره، والمعنى إذا كنت كذلك فقد جمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا، فدع عنك ما عداه، واشتغل بما يقربك إلى الله. قال الغزالي: ومهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنه وبال عليهم، ولا يشكرون نعمة الله فيها. ومر سليمان ﵇ على بلبل بشجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم: قال: يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاخيه فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وقال صالح بن جناح لابنه: إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك ومالك وبدنك وعيالك، فأكثر الشكر لله، فكم من مسلوب دينه، ومنزوع ملكه، ومهتوك ستره في ذلك اليوم وأنت في عافية، ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وميز القريب من البعيد، والشقي من السعيد، والسادة من العبيد، وهذا هو المهيع.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج١ ص٨٦.
[ ٣٧٠ ]
الذي قبض بسطة وجوه القلوب، فلم يبق للعاقل خطر فيما زاد على كسرة تكسر شهوته، وسترة تواري عورته، وما زاد متجر إن أتفقه ريحه، وإن ادخره خسره، وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى. وقد أفاد مطلع الحديث أن الصحة نعمة عظيم وقعها، جزيل نفعها، بل هي أجل النعم على الإطلاق، وفي إشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له ألا يغفل عن وعظ الناس، إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لا بد له من ترغيب يشده، وترهيب يرده، ومواعظ ترققه، وأعمال تصدقه، وإخلاص يحققه، لترتفع أستار الغيبة عن عيون القلوب، وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصداء عن مرائي النفوس، ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم وبلاغة تناسبه، وبداعة ربطه، وبراعة تلاحمه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١.
ثم شرح التخريج فقال: "عدهب" وكذا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار "عن ابن عمر" بن الخطاب، ونقله عن ابن عدي، وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه، والأمر بخلافه، بل قال أبو بكر الداهري: أحد رجاله كذاب متروك. وقال الذهبي: متهم بالوضع وهكذا هو في مسند البيهقي، وذكر نحو الحافظ ابن حجر، فكان ينبغي حذفه.
وبعد، فإن التزام المؤلف بشرح ما ورد في الجامع الصغير يدعوه إلى الوفاء بما التزم، فهو يشرح النص الوارد فيه بما يفتح الله به عليه، ويعزز شرحه بما يورده من آيات وأحاديث، وما يذكره من نقول عن العلماء في ذلك، وإن أمانته العلمية لتحتم عليه أن يذكر رأيه في إسناد النص الذي شرحه، ويذكر كذلك رأي علماء الحديث فيه، حتى ولو كانت نتيجة هذه الآراء الحكم بأنه موضوع، وأنه كان ينبغي حذفه كما فعل في هذا الحديث.
هذا هو مسلك المؤلف في شرحه للأحاديث الواردة في الجامع الصغير، وهو -كما يبدو- وافٍ بالغرض مؤدٍ للمقصود، وإن كان لنا من ملاحظة عليه في هذا المسلك فإنما هي في أنه -في الأعم الأغلب- حينما ينقل عن العلماء والسابقين لا يعزز نقله بإسناد، ولا يذكر كتابًا رجع إليه في روايته لهذه النقول.
٢- يورد المؤلف أثناء الشرح فوائد وتنبيهات وتتمات يروي فيها بعض الآثار، أو يذكر فيها نقولًا عن العلماء، أو يحكي قصة أو رؤيا أو غير ذلك.
ومثل هذا ورد في شرحه لحديث: "ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين" حيث أورد فائدة٢ قال فيها: أخرج أبو الشيخ من مسند عبيدة بن مرزوق: كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت، فلم يعلم المصطفى ﷺ بها، فمر على قبرها فقال: "ما هذا؟ " قالوا: أم محجن. قال: "التي كانت تقم المسجد؟ " قالوا: نعم، فصل الناس فصلى عليها ثم قال: "أي العمل وجدتِ أفضل؟ " قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ فقال: "ما أنت بأسمع منها": ثم ذكر أنها أجابته: "قم المسجد".
_________________
(١) ١ من سورة الحجر، آية: ٣٧. ٢ فيض القدير: ج١ ص٨٤.
[ ٣٧١ ]
وما ورد في نهاية شرحه لحديث: "أتدرون ما العضه؟ نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم" فقد أورد تتمة١ قال فيها: تتبع رجل حكيمًا سبعمائة فرسخ لأجل سبع كلمات قال: أخبرني عن السماء وما أثقل منها، وعن الأرض وما أوسع منها، وعن الحجر وما أقسى منه وعن النار وما أحر منها، وعن الزمهرير وما أبرد منه، وعن البحر وما أغنى منه، وعن اليتم وما أذل منه؟ فقال: البهتان على البريء أثقل من السماء، والحق أوسع من الأرض، والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أخر من النار، والحاجة إلى الغير إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر، والنمام إذا بأن للناس أمره أذل من اليتيم.
وبعد شرح لحديث: "اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة" أورد فائدة٢ قال فيها: رأى بعض العارفين عليًّا كرم الله وجهه في النوم فقال له: ما أحسن الأعمال؟ قال: عطف الأغنياء على الفقراء، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى.
وأورد المؤلف تنبيهًا وتتمة بعد شرحه لحديث: "اتق الله يا أبا الوليد لا تأتي يوم القيامة ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثؤاج". فأما التنبيه٣ فقال فيه: قال حجة الإسلام هذا الحمل حقيقي، فيأتي به حاملًا له، معذبًا بحمله وثقله، يعدل الجبل العظيم، مرعوبًا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد، والملائكة تنادي: "هذا ما أغله فلان بن فلانة رغبة فيه وشحا". وأما التتمة٤ فقال فيها: أجمعوا على أن الغال: يجب عليه إعادة ما غل قبل القسمة، وكذا بعدها عند الشافعي رحمه الله تعالى، فيحظفه الإمام كالمال الضائع، وقول مالك: يدفع الإمام خمسة ويتصدق بالباقي، فيه أنه لم يملكه فكيف يتصدق بمال غيره.
وفي ختام شرحه لحديث: "أد ما اقترض الله تعالى عليك تكن من أعبد الناس، واجتنب ما حرم الله عليك تكن من أورع الناس، وارض بما قسمه الله لك تكن من أغنى الناس" أورد تتمة قال فيها٥: قال الغزالي: للشرع حكمان: حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط، فالجائز يقال له حكم الشرع، والأفضل الأحوط يقال له حكم الورع فافهم، وبه يخرج الجواب على من قال: الورع موضوع على التشديد، والشرع موضوع على اليسر والسماحة.
كما أورد فائدة بعد شرحه لحديث: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين والصدق، وجعل قلبه واعيًا لما سلك فيه، وجعل قلبه سليمًا، ولسانه صادقًا، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة، وعينه بصيرة"، وقال في هذه الفائدة٦: قال الشبلي: استنار قلبي يومًا فشهدت ملكوت السموات والأرض، فوقعت مني هفوة فحجبت عن شهود ذلك، فعجبت كيف حجبني هذا الأمر الصغير عن هذا الأمر الكبير؛ فقيل لي: البصيرة كالبصر أدنى شيء فيه يعطل النظر.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج١ ص١١٤. ٢ فيض القدير: ج١ ص١١٣. ٣ فيض القدير: ج١ ص١٢٣. ٤ فيض القدير: ج١ ص١٢٤. ٥ فيض القدير: ج١ ص٢٢٤. ٦ فيض القدير: ج١ ص٢٦٠.
[ ٣٧٢ ]
مثل هذا ما أورده من تنبيه وفائدة إثر شرحه لحديث: "أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي، حسن خلقك ولو مع الكافر تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله في عرشي، وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري".
فقال في التنبيه١: قال الراغب: التخلق والتشبه بالأفاضل ضربان. محمود، وهو ما كان على سبيل الارتياض والتدريب على الوجه الذي ينبغي، وبالمقدر الذي ينبغي، ومذموم؛ وهو ما كان رياء وتصنعًا، ويتحراه فاعله ليذكر به، ويسمى تصنعًا وتشيعًا، ولا ينفك صاحبه من اضطراب يدل على تشيعه.
وقال في الفائدة٢: قال العارف ابن عربي: ينبغي لطالب مقام الخلة أن يحسن خلقه لجميع الخلق: مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم، وأن يقوم في العالم مقام الحق فيهم، فإن المرء على دين خليله من شمول الرحمة، وعموم اللطف من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه، فمن عامل الخلق بهذه الطريقة صحت له الخلة، وإذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فيدعو لهم بينه وبين ربه، وهكذا حال الخليل فهو رحمة كله.
ومثل هذا في الكتاب كثير، ولكن المؤلف ﵀ لم يكن -فيما يبدو- يتحرى الدقة في كل ما ينقله، ولا يهتم بصحة المنقول في بعض ما يرويه، فقد نرى من بين هذه النقول ما يبدو أنه ملفق، ومتكلف أو مصنوع، بما يحس معه القارئ بأنه ليس بصدد كتاب حديث، وإنما يقرأ كتاب وعظ قد يشبع العاطفة ولكنه لا يرضي العلم، يعتمد في نقوله على ما هو أدخل في باب الترغيب والترهيب.
ومن ذلك ما أورده المؤلف بعد شرحه لحديث: "اتخذوا الغنم فإنها بركة": فقد أورد فائدة٣ قال فيها: حُكي في الوحيد أنه ورد في بعض الآثاء أن الخليل ﷺ كان له أربعة آلاف كلب في غنمه، في عنق كل كلب طوق من الذهب الأحمر زنته ألف مثقال، فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ذلك لأن الدنيا جيفة وطلابها كلاب، فدفعتها لطلابها.
٣- يستدرك على المصنف ما فاته من متن الحديث فينبه إليه، ويصحح روايته: ففي حديث: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر"٤ أورد تنبيهًا ذكر فيه أن تصرف المصنف بإيراد الحديث على هذا النحو يوهم أن سياق الحديث هكذا فحسب، وقال: إن الأمر بخلافة بل سقط من قلمه بعضه، ولفظه عند مخرجه الذي عزاه إليه "عم عن ابن عباس" "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا له ذلك كله، فلو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا"، ثم قال: "سدوا كل خوخة في المسجد، غير خوخة أبي بكر".
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج٣ ص٧١. ٢ نفس المرجع والصفحة. ٣ فيض القدير: ج١ ص١١٢. ٤ فيض القدير: ج١ ص٩٠.
[ ٣٧٣ ]
وكذلك حديث: "أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل يوضع في إخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه" ذكر فيه المؤلف١ أن المصنف أورده عن مسلم عن النعمان بن بشير الأنصاري ولكن رواية مسلم لفظها من حديث النعمان: "إن أهون أهل النار" وإنما قال: "أهون" في حديث ابن عباس الآتي، فهذا مما لم يحرر فيه المؤلف التخريج.
٤- يزيل ما يبدو بين بعض الأحاديث من تعارض، ويعمل على اتساقها والتوفيق بين بعضها وبعض، أو بينها وبين ما هو معلوم من الدين بنصوص القرآن الكريم.
ومن ذلك ما أورده في حديث: "ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم" حيث قال: هذا الحديث وما على منواله: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" قد وقع التعارض ظاهرًا بينه وبين خبر مسلم: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، وعند التأمل لا تدافع؛ إذ المراد بمدح القوة؛ القوة في ذات الله وشدة العزيمة، وبمدح الضعف لين الجانب، ورقة القلب، والانكسار بمشاهدة جلال الجبار، أو المراد بذم القوة التجبر والاستكبار، وبذم الضعيف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار، على أنه لم يقل هنا إنهم ينصرون بقوة الضعفاء، وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم أو نحو ذلك.
- ومن ذلك أيضًا ما نقله عن ابن الجوزي في حديث: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار" حيث قال٢: وقد أورد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات بتوهمه معارضته لحديث أبي بكر مع أنه قد أجمع جمع منهم البزار والكلاباذي والطحاوي بأن سد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى باب علي؛ لأن بابه كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلما امروا بسدها سدوها، وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول للمسجد منها، فأمروا بعد بسدها غير خوخة أبي بكر.
وفي حديث: "اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد" وفق المؤلف بينه وبين خبر: "لا عدوى ولا طيرة" حيث قال:٣ ولا يناقضه خبر: "لا عدوى ولا طيرة" لأنه نفي لاعتقاد الجاهلية نسبة الفعل لغير الله، فوقوعه بفعله تقدس، أو لأن الطاعون ينزل ببلد فيخرج منها خوف العدوى، وأما المجذوم ومثله المسلول فلم يرد به في هذا الخبر وما أشبهه إلا التحرز عن تعدي الرائحة، فإنها تستقم من أطال اشتمامها باتفاق حذاق الأطباء، وأكل المصطفى ﷺ معه تارة، وتارة لم يصافحه لبيان الجواز، وصحة الأمر على سالك طريق الفرار وسالك طريق التوكل، ففعل الأمرين ليأخذ من قويت ثقته بريه بطريق التوكل، ومن ضعف بطريق التحفظ، ثم قال: والحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر قد أباحت الحكم الربانية التحرز عنها، فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها، وأما أهل الصدق واليقين فبالخيار، وعلى ذلك ينزل ما تعارض من الأخبار.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج٣ ص٣٨. ٢ فيض القدير: ج٣ ص٩١. ٣ فيض القدير ج١ ص١٣٧.
[ ٣٧٤ ]
ومثل ذلك ما أورده في حديث: "أدنى ما تقطع فيه يد السارق ثمن المجن" حيث قال:١ وعورض هذا الحديث بأحاديث: منها خير الشيخين عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" وخبر البيهقي عن عمر: "قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار" قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث في الباب، قال ابن حجر: ويجمع بأنه قال أولًا: لا قطع فيما دون العشرة، ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها، فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر، وأما سائر الروايات فليس فيها إلا الإخبار عن فعل وقع في عهده ﷺ وليس فيه تحديد النصاب، فلا ينافي رواية ابن عمر أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وهو مع كونه حكاية فعل لا يخالف حديث عائشة أن قيمته ربع دينار، فإن ربع الدينار صرف ثلاثة دراهم، وليس المراد به مجنًا بعينه، بل الجنس وأن القطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن فيكون نصابًا، ولا يقطع فيما دونه إلى آخر ما ذكره ونقله من توفيق العلماء بين الأحاديث التي يظهر فيها التعارض.
٥- يشرح تخريج الحديث وتقويمه، ويتحدث عن رجاله، ويضيف إلى التخريج جديدًا في بعض الأحيان، وذلك مثل ما صنعه في تخريج حديث: "آخر ما تكلم به إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل" فإنه قال٢: "خط" في ترجمة محمد بن يزداد "عن أبي هريرة" الدوسي "وقال" أي الخطيب حديث "غريب" أي تفرد به حافظ ولم يذكره غيره، ورواه عنه أيضًا الديلمي هكذا "والمحفوظ" عند المحدثين "عن" أبي العباس عبد الله "ابن عباس" ترجمان القرآن الذي قال فيه علي كرم الله وجهه: كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، وأخرج ابن عساكر أنه كان يسمي حكيم المعضلات، ولم يرد عن أحد من الصحابة في الفتوى أكثر منه، وعمي آخر عمره كأبيه وجده "موقوف" عليه غير مرفوع، لكن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكمه، وهذا الموقوف صحيح، فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل" وفي رواية له عنه أيضًا: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم".
ومثل ذلك حديث: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة" الحديث شرح تخريجه كما يأتي٣:
"حم والضياء" المقدسي في المختارة وأبو نعيم وابن أبي شيبة وغيرهم "عن سعيد بن زيد" عن عمرو بن نفيل "ت" وكذلك أحمد ولعله أغفله سهوًا وأبو نعيم في المعرفة كلهم من حديث عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه "عن" جده "عبد الرحمن بن عوف" الزهري وعبد الرحمن هذا تابعي ثقة إمام، وأبوه حميد أحد سادات التابعين ومشاهيرهم، خرج له الجماعة، قال ابن حجر: يكفي من مناقبه هذا الحديث الحسن وحده، فكيف مع كثرتها.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج١ ص٢٣١. ٢ فيض القدير: ج١ ص٤٤. ٣ فيض القدير: ج١ ص٩٢.
[ ٣٧٥ ]
وفي شرحه لتخريج حديث: "أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت " الحديث١ "الشيرازي" في كتاب معرفة "الألقاب والكنى" عن إسماعيل عن زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد "ك" في الرقاق من طريق عيسى بن صبح عن زافر "هب" من طريق محمد بن حميد عن عيسى بن صبح عن زافر عن ابن عيينة عن أبي حازم "عن سهل بن سعد" ابن مالك الخزرجي الساعدي، قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي في التلخيص مع أن زافرًا أورده هو وغيره في الضعفاء، ولهذا جزم الحافظ العراقي في المغني يضعف الحديث، قال: وجعله بعضهم من كلام سهل ومراده القضاعي "هب" من طريق أبي داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير "عن جابر" بن عبد الله "حل" عن محمد بن عمر عن محمد بن الحسن وعلي بن الوليد قالا: حدثنا علي بن حفص بن عمر عن الحسن بن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن الحسن "عن علي" أمير المؤمنين وزاد في هذه الرواية: فقال ﷺ: "لقد أوجز لي جبريل في الخطبة" قال ابن حجر في أماليه: أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن صبح عن زافر، وصححه البيهقي من طريق ابن حميد عن زافر، قال أعني ابن حجر: تفرد بهذا الإسناد زافر وما له طريق غيره، وهو صدوق كثير الوهم، والراوي عنه فيه مقال لكن تويع، قال: وقد اختلف فيه نظر حافظين فسلكا طريقين متناقضين، فصححه الحاكم ووهاه ابن الجوزي، والصواب أنه لا يحكم عليه بصحة ولا وضع، ولو توبع زافر لكان حسنًا، لكن جزم العراقي في الرد على الضغاني والمنذري في ترغيبه بحسنه.
وكذلك في تخريج حديث: "أهل الشام سوط الله تعالى في الأرض" الحديث قال في شرحه: "حم ع طب والضياء" المقدسي "عن خريم" بضم الخاء المعجمة وفتح الراء "ابن فاتك" بفتح الفاء وكسر المثناة التحتية الأسدي الصحابي قال ابن أبي حاتم: بدري له صحبة، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني موقوفًا على خريم ورجالهما ثقات.
٦- يعقب -أحيانًا- على السيوطي في التخريج والتقويم:
ففي حديث: "أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن صلى عليه" شرح تخريجه وتقويمه، وعقب على ذلك بقوله:٢ "الحكيم" الترمذي "عن أنس" من حديث معبد بن سرق العبدي عن الحكم بن سنان بن عون عن النميري، والحكم بن سنان قال الذهبي: ضعفوه، وزياد النميري أورده في الضعفاء وقال: صالح الحديث ابتلي برواة ضعفاء، ورواه الخطيب عن جابر والديلمي عن أبي هريرة، وفيه عنده عبد الرحمن بن قيس رمي بالكذب، ولأجله حكم الحاكم على الحديث بالوضع وعده ابن الجدوزي من الموضوعات.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج١ ص١٠٢. ٢ فيض القدير: ج٣ ص٨٤.
[ ٣٧٦ ]
وفي حديث "أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر " الحديث تكلم عن التخريج بما يلي١: "حم ت" وكذا الطبراني في الأوسط "عن أبي سعيد" الخدري وكذا ابن مسعود، قال الترمذي: حسن صحيح "قال الهيثمي": إسناد ابن مسعود صحيح، وفي إسناد أبي سعيد عطية والأكثر على ضعفه، ثم عقب المؤلف على ذلك بقوله: ثم إن صنيع المصنف يوهم أن ذا لم يتعرض أحد من الشيخين لتخريجه وهو ذهول، فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "أول زمرة تدخل الجنة وجوهم على مثل القمر ليلة البدر، والثانية على مثل أضواء كوكب في السماء، لكل رجل منهم زوجتان يرى مخ ساقيهما من وراء الثياب وما في الجنة عزب". ا. هـ. ثم رأيته كذلك في كتاب الأنبياء وخلق آدم ﵇، وفي مسلم في صفة الجنة عدة أحاديث بنحوه، وليس في حديث الترمذي الذي آثره المصنف إلا زيادة عدد الحلل، وفي رواية البخاري زيادة عدد الحلل، وفي رواية البخاري زيادة نفي وجود الأعزب فيها.
وفي الحديث الذي بعده: "أول سابق إلى الجنة عبد أطاع الله وأطاع مواليه" عقب على التخريج بما نقله الهيثمي وغيره بما يخالف تقويم المصنف لهذا الحديث قال: قال الهيثمي: فيه بشر بن ميمون أبو صيفي وهو متروك، وقال غيره: وفيه بشر بن ميمون أبو صيفي قال في الميزان عن البخاري يتهم بالوضع، وعن الدارقطني متروك الحديث، وعن ابن معين أجمعوا على طرح حديثه، ثم أورد له مما أنكر عليه هذا الخبر.
وفي حديث: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" وبعد أن أورد تخريج المصنف له قال: وظاهره أنه لا يجد مخرجًا لأحد من السنة، وإلا لما أبعد النجعة، وهو ذهول عجيب، فقد خرجه النسائي في الكبرى وابن ماجه، وكذا الإمام أحمد والحاكم من حديث أنس، قال الحافظ العراقي: بإسناد حسن، والعجيب أ، ن المصنف نفسه عزاه لابن ماجه وأحمد في الدرر عن أنس المذكور.
ولكن المؤلف كثيرًا ما يعزز تقويم السيوطي للحديث، ويؤكد ما ذهب إليه فيه:
ففي حديث: "أتاني جبريل بالحمى والطاعون " الحديث، وبعد أن ذكر تخريج المصنف له بما يدل على صحته قال٢: قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، ولذلك رمز المؤلف "السيوطي" لصحته.
٧- يبين المؤلف لطائف إسناد الحديث ومثال ذلك:
حديث: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة " الحديث قال فيه٣: ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده حيث بين أنه من رواية عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه "حميد" عن جده "عبد الرحمن بن عوف".
_________________
(١) ١ فيض القدير ج٣ ص٨٥، ٨٦. ٢ فيض القدير: ج١ ص٩٤. ٣ فيض القدير: ج١ ص٩٢.
[ ٣٧٧ ]
٨- يذكر أسماء الضعفاء من رواة الحديث للتدليل على ضعفه:
ففي حديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله" قال المناوي١: سكت المؤلف عليه فلم يشر إليه بعلامة الضعف، وكأنه ذهل عن قول الذهبي في التنقيح: في سنده كذاب. وعن قول ابن عبد الهادي عن معين: فيه الحسين بن حميد كذاب ابن كذاب، وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: لا يصح، وقال ابن حجر: في سنده من لا يعرف، وقال: في الباب ابن عمر وابن عباس وعلي وأنس وأبو محذورة وأبو هريرة، فحديث ابن عمر رواه الترمذي والدارقطني، وفيه يعقوب بن الوليد المدني كان من كبار الكذابين، وحديث ابن عباس رواه البيهقي في الخلافيات وفيه نافع أبو هرمز متروك، وحديث علي رواه البيهقي عن أهل البيت وقال: أظن سنده أصح ما في هذا الباب قال -أعني ابن حجر: ومع ذلك فهو معلول، ولهذا قال الحاكم: لا أحفظ الحديث من وجه يصح، وحديث أنس خرجه ابن عدي والبيهقي، وقد تفرد به بقية عن مجهول مثله، وحديث أبي محذورة رواه الدارقطني وفيه إبراهيم بن زكريا متهم، وحديث أبي هريرة ذكره البيهقي وقال: هو معلول.
وبعد: فلعل المناوي ﵀ قد غفل عن أن المؤلف لم يسكت عن ذكر علامة الضعف في هذا الحديث، فقد رجعنا إلى الجامع الصغير فوجدناه في تخريجه لهذا الحديث نبه إلى ضعفه بذكر العلامة الدالة على الضعف "ض" في آخره٢ بل إن متن الحديث في شرح المؤلف قد ختم تخريجه بهذه العلامة أيضًا، وعلى ذلك فإن السيوطي ﵀ لم يغب عنه التنبيه على ضعف هذا الحديث كما ذكر المناوي فيه.
ومثل هذا -أيضًا- حديث: "أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ". الحديث فقد نبه المؤلف على رجال إسناده الذين كانوا سببًا في ضعف هذا الحديث فقال: وفيه عبد الرحمن بن علي عجلان القرشي قال في الميزان عن العقيلي: فيه جهالة وحديثه غير محفوظ ثم ساق له هذا الخبر وفيه أيضًا من لا يعرف.
٩- يخالف المناوي المصنف في تقويم الحديث -أحيانًا- فيقول بالضعف على ما يراه المصنف حسنًا، ويقول بالوضع على ما خرجه المصنف بما يوهم غير ذلك.
ومن ذلك حديث: "أو خصمين يوم القيامة جاران" الذي رمز المصنف له بعلامة الحسن، نقل المناوي٣ عن الحافظ العراقي أن سنده ضعيف، وعن الحافظ المنذري أنه رواه أحمد والطبراني بإسنادين أحدهما جيد، وعن الهيثمي: أن أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي نساقة وهو ثقة، وأعاده بمحل آخر وقال: إسناده حسن.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج٣ ص٨٢. ٢ فيض القدير: ج١ ص١١٢. ٣ فيض القدير: ج٣ ص٨٥.
[ ٣٧٨ ]
ولعل خلافه مع المصنف في تقويم هذا الحديث يرجع إلى أن سنده ضعيف في ذاته، وأنه لم يرتفع إلى درجة الحسن إلا بوجود تابع أو شاهد.
وفي حديث: "أول سابق إلى الجنة عبد أطاع الله وأطاع مواليه" رمز المصنف له بعلامة الصحة، ولكن المؤلف عقب في شرحه بما يفيد ضعف الحديث، فقال نقلًا عن الهيثمي وغيره: وفيه بشر بن ميمون أو صيفي وهو متروك، وعن البخاري: يتهم بالوضع، وعن الدارقطني: متروك الحديث، وعن ابن معين: أجمعوا على طرح حديثه، ثم أورد له مما أنكر عليه هذا الخبر.
وفي حديث: "أول تحفة المؤمن أن يُغفر لمن صلى عليه" لم يبين لنا المصنف درجة هذا الحديث، فقد رجعنا إلى الجامع الصغير١ فوجدناه أغفل تقويمه، ولكن المناوي ينبري له في التخريج فيذكر٢ أنه من حديث معبد بن سرور العبدي عن الحكم بن سنان بن عون الذي قال الذهبي فيه: إنهم ضعفوه، وأن زياد النميري أورده في الضعفاء وقال: صالح الحديث ابتلي برواة ضعفاء، ورواه الخطيب عن جابر، والديلمي عن أبي هريرة وفيه عنده عبد الرحمن بن قيس رمي بالكذب، ولأجله حكم الحاكم على الحديث بالوضع، وعده ابن الجوزي من الموضوعات.
١٠- يضيف المؤلف إلى مراجع تخريج السيوطي مراجع أخرى خرجت الحديث غير تلك التي أوردها.
من ذلك ما أورده في حديث: "أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس الأمر كله ".
حيث أضاف المؤلف في نهاية تخريجه قوله: ورواه عنه أيضًا ابن لال والديلمي في مسند الفردوس.
وفي حديث: "أولياء الله تعالى الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى" قال في ختام الحديث عن تخريجه:٣ وظاهر صنيع المصنف أنه لا يوجد مخرج لأشهر من الحكيم ولا أعلى، وهو عجب، فقد رواه البزار عن ابن عباس: رواه عن شيخه علي بن حرب الرازي، قال الهيثمي: لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا. ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن أبي وقاص.
وفي حديث: "أول زمرة تدخل الجنة " قال في نهاية الكلام عنه:٤ ثم إن صنيع المصنف يوهم أن ذا لم يتعرض أحد من الشيخين لتخريجه، وهو ذهول، فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "أول زمرة تدخل الجنة وجوهم على مثل القمر ليلة البدر " إلى آخر الحديث قال: ثم رأيته في كتاب الأنبياء وخلق آدم ﵇، وفي مسلم صفة الجنة عدة أحاديث بنحوه.
_________________
(١) ١ الجامع الصغير ج١ ص١١٢. ٢ فيض القدير ج٣ ص٨٤ ٣ فيض القدير ج٣ ص٨١. ٤ فيض القدير ج٣ ص٨٥.
[ ٣٧٩ ]
ومثل ذلك حديث: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة " الحديث قال -بعد أن أورد تخريج المصنف له:١ وظاهر صنيع المصنف أن ذا مما لم يخرجه أحد من الستة، وإلا لما عدل عنه على القانون المعروف عندهم، وهو ذهول، فقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مع تغيير يسير، ثم روى لفظ الترمذي.
وبعد: فإن الإمام المناوي بما قدم من جهد في شرح أحاديث الجامع الصغير هو -على ما نعلم- مما لم يقم بمثله أحد في هذا المضمار، فقد خدم الأحاديث الواردة فيه شرحًا وتخريجًا وتقويمًا بما نقله عن العلماء، وما أضافه إلى ذلك من رأيه، حتى أضحى كتابه "فيض القدير" خير ما رأيناه شرحًا لأحاديث الجامع الصغير.
_________________
(١) ١ فيض القدير: ج٣ ص٨٧.
[ ٣٨٠ ]
كتب مشكل الآثار أو تأول مختلف الحديث
كتب مشكل الآثار أو تأويل مختلف الحديث:
وفي الفرق بين التأويل والتفسير قال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى، وقال الراغب: إن التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والتأويل توجيه لفظ يتجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.
هذا بعض ما نقله صاحب كشف الظنون١ خلاصة لما أورده أبو الخير في مقدمة علم التفسير.
ثم قال: وقد ذكر في فروع علم الحديث علم تأويل أقوال النبي ﷺ وقال: هذا علم معلوم موضوعه، وبين نفعه، وظاهر غايته وغرضه، ثم ذكر عددًا من المؤلفين في هذا العلم.
وأورد صاحب الرسالة المستطرفة عددًا٢ من هذه الكتب وأسماء المؤلفين في هذا العلم الذي سماه اختلاف الحديث، أو مشكل الحديث، أو تأويل مختلف الحديث، أو مناقضة الأحاديث وبيان محامل صحيحها.
وهذا النوع من علوم الحديث ضروري لكل عالم بالسنة، فبمعرفته يندفع ما يبدو من تناقض بين الأحاديث النبوية، ويطمئن المكلف إلى ما يرد فيها من أمور الدين.
وأشهر المؤلفين في هذا النوع من السنة فيما أورده صاحب الرسالة المستطرفة وما أورده صاحب كشف الظنون وكتاب إيضاح المكنون ما ذكرناه هنا مرتبًا بحسب سني الوفاة للمؤلفين، وما عرفناه من أسماء كتبهم على النحو التالي:
١- اختلاف الحديث للإمام الشافعي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي المتوفى سنة أربع ومائتين٣ وهو من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وهو مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
٢- مشكل الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدنيوري، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين٤ وذكر صاحب كشف الظنون كتابه باسم تأويل مختلف الحديث٥.
٣- كتاب أبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري الحافظ، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة٦.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص٣٣٤. ٢ الرسالة المستطرفة ص١١٨. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٩ ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٦٩. ٥ كشف الظنون ج١ ص٣٣٥. ٦ شذرات الذهب ج٢ ص٢٥٠.
[ ٣٨١ ]
٤- كتاب محمد بن جرير الطبري أبو جعفر، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة١.
٥- مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة٢.
٦- تأويل الأحاديث المشكلات الواردة في الصفات، لأبي الحسن علي بن مهدي الكسروي الأصفهاني ثم البغدادي الشافعي، المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة٣.
٧- تأويلات أهل السنة، لأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي الحنفي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
٨- مشكل الآثار، لأبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الواعظ المتكلم، المتوفى سنة ست وأربعمائة٤.
٩- تأويل متشابه الأخبار، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، المتوفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
١٠- التحقيق في أحاديث الخلاف، لأبي الفرج بن الجوزي، المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسائة٥.
هذا أهم ما عرفناه من كتب تأويل مختلف الحديث ومؤلفيها، وقد أورد الدكتور أبو زهو في كتابه٦ قوله: وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة٧ من أحسن الناس كلامًا في هذا النوع من فنون الحديث حتى روي عنه أنه قال: لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتي به أؤلف بينهما.
ولم نجد بين علماء الحديث في مصر في الفترة التي اخترناها للدراسة من ألف في هذا النوع من السنة تاليفًا خاصًّا به لكي نقدم للقارئ دراسة له.
ولكنا نعود فنقول -ما سبق أن ذكرناه في تقديمنا لهذا الفصل- إن كتب الشروح الحديثية -وأغلبها لمصريين- قد حفلت بالكثير من هذه الدراسة التي يعمد إليها المؤلفون أثناء شرحهم للأحاديث المشكلة، توفيقًا بينها وبين ما يبدو في غيرها من تعارض، وأنهم ليفيضون في هذا كثيرًا، كما نلمسه في فتح الباري وعمدة القارئ وغيرهما من كتب الشروح، كما يفيضون في شرح مفرداتها وبيان غريبها، حتى تصل السنة إلى الدارسين واضحة الألفاظ، مستقيمة المعاني، لا تعلق بها شبهة، ولا تشوبها شائبة تحول دون الانتفاع بها ما استقامت النية، وصلحت الطوية.
ولعل ذلك كان السبب في أن المحدثين في مصر لم يهتموا بالتأليف استقلالًا في الغريب ومشكل الحديث، بقدر ما كانوا يهتمون بالتأليف في الشروح الحديثية، فقد أعطوها من العناية ما جعلها تجمع إلى ما تناولته من شرح الحديث وتخريجه وغير ذلك -توضيحًا للغريب وحلًّا للمشكلات- وفي جمع هذا بذاك إبراز لمعالم الصورة، وإيضاح للمراد من السنة النبوية المطهرة.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٢٦٠. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٢٨٨. ٣ إيضاح المكنون ج٣ ص٢٢٠. ٤ إيضاح المكنون ج٤ ص٤٨٩. ٥ شذرات الذهب ج٤ ص٣٢٩. ٦ الحديث والمحدثون ص٤٧٢. ٧ المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
[ ٣٨٢ ]
الفصل السادس: كتب أصول الحديث
مدخل
الفصل السادس: كتب أصول الحديث
تمهيد:
علم أصول الحديث هو العلم الذي يعرف به صفات الحديث من قبول ورد وصحة وضعف وما إلى ذلك، ويسمى علوم الحديث -أي العلوم والمعارف التي يمكن الحكم بها على صفة الحديث كما بيننا- كما أنه يسمى علم مصطلح الحديث -أي العلم الذي تعرف به الاصطلاحات التي تبين كل نوع من أنواع الحديث، من صحة وحسن وضعف، وغرابة وعزة وشهرة، وشذوذ ونكارة وما إلى ذلك، وما تتميز به أنواع الحديث بعضها على بعض.
وقد توسع علماء الحديث في هذا العلم حتى نقل عن ابن الملقن أن أنواعه تزيد على المائتين وبلغ ابن حاتم في تقسيم الضعيف منه خمسين قسما إلا واحدا١.
وقد تناوله القاسمي في كتابه قواعد التحديث٢ فقال: اعلم أن الأئمة المصطلح سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن تقريبه، وجملة ما ذكره النووي والسيوطي في التدريب خمسة وستون نوعًا، وقال: ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى.
وقد رجعنا إلى السيوطي في مقدمة كتابه التدريب٣، فوجدناه يذكر في الفائدة الرابعة أن علوم الحديث كثيرة لا تعد، قال الحازمي في كتاب العجالة: علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل، لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته وقد ذكر ابن الصلاح منها -وتبعه المصنف- "يريد النووي في التقريب" خمسة وستين، قال: وليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى.
قال الحازمي: أحوال رواة الحديث وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر فإذا هي نوع على حياله.
قال شيخ الإسلام "ابن حجر" وقد أخل بأنواع مستعملة عند أهل الحديث، منها القوي والجيد والمعروف والمحفوظ والثابت والصالح، ومنها في صفات الرواة أشياء كثيرة، كمن اتفق اسم شيخه والراوي عنه، وكمن اتفق اسمه واسم شيخه وشيخ شيخه، أو اسمه واسم أبيه وجده إلى آخر ما نقله السيوطي في هذا المقام مما ليس في جوهر موضوعنا.
_________________
(١) ١ بتصرف عن مقدمة كتاب التدريب للأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف ج١ ص٥. ٢ قواعد التحديث ص٧٩. ٣ تدريب الراوي ج١ ص٥١.
[ ٣٨٥ ]
ومقصودنا بالدراسة في هذا التمهيد بيان أن علم الحديث -منذ دون من عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ثم اطرد التدوين فيه في جميع البقاع الإسلامية- لم يقتصر المدونون على إيراد الأحاديث مجردة من غمز ما يستحق الغمز منها، وتناول علل بعضها، ونقد بعض رواتها.
وقد وجد في بعض هذه المدونات دراسات طويلة تتعلق بالإسناد ونقد الرواة وبيان الضعفاء كما في صحيح مسلم، فقد تقدم مؤلفه فيه بين يدي روايته للحديث بمقدمة طويلة تتعلق بتقسيم الأخبار النبوية، وبيان أحوال بعض الرواة، وتوجيه الاتهام إلى عدد منهم، مع بيان تفاوتهم في الضعف والنكارة، كما تناول موضوع اللقى والمعاصرة، ومناقشة من يشترطهما في اعتبار الحديث متصلًا، وما إلى ذلك من مسائل المصطلح.
وكذلك صنع الترمذي في جامعه، فقد وضع في آخره بحثًا واسعًا في بيان علل الحديث، وكثير من كتب الجوامع والسنن والمسانيد عرضت لتناول بعض الرواة، وأعلت ببعضهم بعض الأحاديث وكان من ذلك مادة لما وضع بعد من علوم المصطلح.
قال الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته للتدريب وهو يتحدث عما جمع من السنة النبوية في مختلف البلدان بكيفيات وصور مختلفة١.
ووجد في بعض هذه المصنفات حكم على بعض الأحاديث، وقول في علل المعلول "المعل"٢ ونقد لبعض الرواة، وجمع في تلك المصنفات أقوال العلماء في الإسناد، كما جمع ما بها من اصطلاحات المتقدمين فيما يتعلق بالأسانيد والمتون، ولما ظهر من الرواة صفات وأحوال لها مدخل في التعديل والتجريح اتسع النظر فيها وتتابعت الأفكار، وانتحى العلماء الفرز والاختيار، فتعمق البحث، وامتاز الصحيح من السقيم في الحديث، وألفت في أنواع علومه مؤلفات، بعضها في أحوال الإسناد، وبعضها في الرجال، وهو كتب التاريخ، والطبقات والوفيات، ومعرفة الوحدان، وما إلى ذلك.
وابتدأ ذلك التدوين في أبواب وبعض أنواع منه أثناء المائة الثالثة، فلما كانت المائة الرابعة واستقرت الاصطلاحات ألف القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي من علماء أهل السنة، المتوفى عام ستين وثلاثمائة للهجرة، فجمع في ذلك العلم الكثير.
وهنا نستطيع أن نرجع إلى نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وشرحها للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة للهجرة إذ يقول في صدر كتابه٣:
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ج١ ص٤. ٢ المعل أصح هنا من المعلل والمعول لما سيجيء في الاعتراض الثالث تحت عنوان التقييد والإيضاح. ٣ شرح النخبة ص٢.
[ ٣٨٦ ]
أما بعد، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت في القديم والحديث، فمن أول من ألف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهزمزي في كتابه: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، المتوفى عام خمس وأربعمائة، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم١ الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجًا٢ وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر٣ البغددي فصنف في قوانين الرواية كتابًا سماه الكفاية، وفي آدابها كتابًا سماه: الجامع لآداب الشيخ والسامع، وقل فن من فنونه إلا وصنف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه، ثم جاء من بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض٤ كتابًا لطيفًا سماه الإلماع، وأبو حمض الميانجي٥ جزءًا سماه ما لا يسع المحدث جهله.
ثم جاء من بعد هؤلاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح٦ عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فهذب فنونه، وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر. ا. هـ.
وهذا الكتاب "مقدمة ابن الصلاح" هو الذي نقل السيوطي أنه جمع فيه خمسة وستين نوعًا ثم اختصره النووي في كتابيه: التيسير والتقريب.
وقد ذكر الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته للتدريب ما يبين هذا الإنجاز الوارد في عبارة ابن حجر٧ فقال: إن للزين العراقي المتوفى عام ست وثمانمائة، والبدر الزركشي المتوفى عام أربع وتسعين وسبعمائة، والحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة عليه نكتًا جيدة، ونكت العراقي تسمى التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، ونكت العسقلاني تسمى الإيضاح عن نكت ابن الصلاح.
_________________
(١) ١ هو إمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد الصوفي الأحول الشافعي المتوفى سنة ٤٣٠هـ. ٢ مستخرجًا -بكسر الراء- بمعنى مستدرك. ٣ هو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ. ٤ هو الإمام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي صاحب الشفاء المتوفى سنة ٥٤٤هـ. ٥ هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي المتوفى سنة ٥٨٠هـ. ٦ هو الإمام تقي الدين بن الصلاح الحافظ شيخ الإسلام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي المتوفى سنة ٦٤٣هـ. ٧ ص٧ ج١ تدريب الراوي.
[ ٣٨٧ ]
وقد اختصره مع التهذيب والزيادات الحافظ البلقيني المتوفى عام خمس وثمانمائة، وسماه: محاسن الاصطلاح، واختصره النووي في كتابه الإرشاد، ثم اختصره في: التقريب، وهو الذي شرحه السيوطي في كتابنا هذا: تدريب الراوي، كما شرحه الزين العراقي والسخاوي، وشرحه برهان الدين القباقبي الحلبي، ثم المقدسي المتوفى عام واحد وخمسين وثمانمائة.
ثم أورد الدكتور عبد الوهاب أسماء بعض الناظمين والشارحين فقال: إن للزين العراقي منظومة لمقدمة ابن الصلاح، وقد زاد عليه في ألفيته نظم الدرر في علوم الأثر، وشرحها شرحين مطول ومختصر، والمختصر هو المطبوع باسم فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، وعلى هذا الشرح حاشية لبرهان الدين مر بن إبراهيم البقاعي المتوفى عام خمس وثمانين وثمانمائة بلغ بها نصفه وتسمى: النكت الوفية بما في شرح الألفية، وحاشية لقاسم بن قطلوبغا المتوفى عام تسع وسبعين وثمانمائة، وشرحها السخاوي المتوفى عام اثنين وتسعمائة في فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، والشيخ زكريا الأنصاري المتوفى لعام ثمان وعشرين وتسعمائة في: فتح الباقي في شرح ألفية العراقي، وعلى هذا الشرح حاشية لعلي بن أحمد العدوي.
ثم ذكر كتبًا عديدة شرحت ألفية العراقي، وأورد من الكتب المؤلفة في هذا الفن مختصرًا لتقي الدين محمد بن علي بن دقيق العيد المتوفى عام اثنين وسبعمائة يسمى "الاقتراح"، و"الخلاصة في أصول الحديث" لشرف الدين حسن بن محمد الطيبي المتوفى سنة ست عشرة وثمانمائة، والمختصر المنسوب إلى الشريف الجرجاني، وعليه شرح جيد لمحمد بن عبد الحي اللكنوي المتوفى عام أربع وثلاثائة وألف يسمى: ظفر الأماني، ومن ذلك: خلاصة الفكر في شرح المختصر كلاهما لعبد الله بن محمد الشنشورى الفرضي المتوفى عام تسع وتسعين وتسعمائة.
ومن أنفع الكتب المختصرة نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للحافظ ابن حجر، وقد شرحها في نزهة النظر، وعلى شرحها حاشية للقاني، ثم أورد لهذا الكتاب شروحًا كثيرة وبعض منظومات عليه، ثم ذكر أن من هذه المؤلفات "القصيدة الغرامية" لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن فرح الإشبيلي المتوفى عام تسع وتسعين وستمائة، وشرحها ابن قطلوبغا والبدر بن جماعة في: زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح، ومن ذلك: المنظومة البيقونية لعمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدمشقي، وذكر لها عدة شروح، ثم قال: إن لجمال الدين القاسمي المتوفى عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة والف كتاب: قواعد التحديث، جمع فيه فوائد١، ومن ذلك "التذكرة" لسراج الدين بن الملقن المتوفى عام ثلاث وتسعين وثمانمائة، والروض المكلل والورد المعلل للسيوطي، ومن الكتب الجامعة المحررة كتاب: تنقيح الأنظار لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير الزيدي
_________________
(١) ١ يبدو أن هذا الكتاب لم يكن في دراسته يجري على منهج علماء المصطلح وأكثره فوائد حديثية غير متداولة في هذه الكتب استفادها من مطالعته في كتب فحول العلماء ولذلك لم توصف بأكثر من أنها "فوائد".
[ ٣٨٨ ]
المتوفى عام أربعين وثمانمائة، وشرحه لمحمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني، صاحب سبل السلام، المتوفى عام اثنين وثمانين ومائة وألف، والمسمى: توضيح الأفكار، ذكر فيه مسائل أصولية ومسائل استطرادية.
ولا يزال العلماء يتابعون المؤلفات والتأليف في هذا الفن اعتناء بشأنه وتقديرًا لمكانته، وقد كان لقسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر إسهام كريم بين، بما يؤلفه المتخصصون في مسائل مهمة منه ببحوثهم ورسائلهم التي يتقدمون بها لنيل الدرجات العلمية، وفيها صورة واضحة لما تربى لديهم من ملكة حديثية قوية، استطاعوا بها أن يوغلوا في التحقيق والبحث، وأن يظهروا شخصيات قوية تعتز بها السنة، ويفاخر بها الأزهر بأنه قام بدوره، وأدى ما عليه حيال السنة النبوية، فمنها ما هو بيان للحديث والمحدثين، ومنها ما هو دفاع عن السنة وتطهير لها من أرجاف المرجفين، ومنها ما هو رد على المستشرقين وأذنابهم أولئك الذين يريدون تقويض الدين من أساسه بهدم نقلته عن النبي ﷺ من الصحابة وذلك مثل كتاب "أبي هريرة في الميزان" و"دفاع عن السنة" ومنها ما هو في أصحاب الكتب الستة، ومنها ما هو تصوير لواحد من أصحابها مثل "البخاري محدثًا وفقيهًا" وكتاب "أصول الحديث النبوي".
ولا غرو فقد تخرج هؤلاء على يد أساتذة فحول في العلم، وردوا مناهلهم العذبة فأدوا بما استمعوا من تحقيقاتهم وتوجيهاتهم، وانتفعوا بما دونوا لهم في مؤلفاتهم مثل كتاب: "المختصر في الرواة وعلوم الأثر" وكتاب "المنهج الحديث" بقسميه في الرواية والرواة، وكتاب "غيث المستغيث" في علم مصطلح الحديث، وذلك عدا ما يقوم به هؤلاء الأساتذة من إخراج الكتب الحديثية العظيمة، والسهر على تحريرها وتنقيتها وتحقيقها، جزاهم الله عن السنة والإسلام خيرًا، وأدام النفع بهم مطردًا، إنه سميع مجيب.
[ ٣٨٩ ]
التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح:
للحافظ زين الدين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ:
تمهيد:
مقدمة ابن الصلاح هو الكتاب المبارك الذي تدور حوله مجموعة الكتب التي بقيت في هذا الفن، وصرنا نتدارسها ونأخذ عنها معارف علوم الحديث.
ومؤلفه هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو وعثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي المعروف بابن الصلاح، ذكره ابن العماد في شذراته١ فقال: إنه برع في مذهب الشافعي وأصوله، وفي الحديث وعلومه، ونقل عن ابن خلكان أنه كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث واللغة، وذكر أنه سافر إلى خراسان وأقام بها زمنًا، وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام وتولى المدرسة النظامية بالقدس الشريف، ثم انتقل إلى دمشق وبقي بها حتى بنى الأشرف دار الحديث، ففوض تدريسها إليه، وكان من العلم والدين على قدم عظيم، ولم يزل جاريًا على السداد والصلاح حتى توفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة للهجرة.
وذكر من تصانيفه مشكل الوسيط، وكتاب الفتاوى، وعلوم الحديث "وهو هذا الكتاب" وغيرها من الكتب.
مقدمة ابن الصلاح:
وكتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح يعتبر هو الأصل والمرجع لمن جاء بعده، وقد نسق فيه أنواع علوم الحديث وجمعها في خمسة وستين نوعًا أشرنا إليها في غير هذا الموضع.
وقد وضع فهرسًا بهذه الأنواع في مقدمة الكتاب، وقال: إنه ليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى؛ إذ لا تحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم، ولا أحوال متون الحديث وصفاتها.
وهو يذكر في خطبته الباعث له على التأليف فيقول ما خلاصته؛ إن علوم الحديث في عصره انقرضت حتى اكتفى الناس بكتابة الحديث عطلًا، وطرحوا علومه التي بها جل قدره، فحين كان الباحث عن مشكلة لا يلقى له كاشفًا، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا مَنَّ الله سبحانه
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص٢٢١.
[ ٣٩٠ ]
يجمع كتاب تعرف به أنواع علم الحديث، وأنه أوضح أصوله، وشرح وقواعده، وجمع شتاته، وقنص شوارده.
وقد وصف شيخ الإسلام ابن حجر هذا الكتاب في نخبته١ بأنه جاء بعد التآليف العديدة والمصنفات الكثيرة في هذا الفن، فهذب فنونه، وأملاه شيئًا فشيئًا، فلم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، وأنه اعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره إلخ.
وهذا وصف إمام درس ونقب، وأحاط معرفة بكنه ما يقول، وإن كان الشيخ ابن الصلاح لم يسمح لنا بهذا التصريح المريح، المفيد فائدة كبرى لمتتبع الفن الذي يحاول معرفة تطوره وكيف كان التأليف فيه.
ومهما يكن فقد فهرس ابن الصلاح أنواعه الخمسة والستين بما نذكره في غير هذا الموضع عند الحديث. عن التقريب الذي اختصره النووي فيه مختصرة الإرشاد.
التقييد والإيضاح:
وجاء الإمام العراقي، وهو الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين الذي تقدمت ترجمته عند دراسة كتابه تقريب الأسانيد وشرحه المسمى بطرح التثريب من بين كتب الأحكام في الحديث.
وهو إمام ضليع في علوم الحديث ضلاعة يعرفها كل من زاول هذا الشان وعرف رجاله، فأراد أن يضع على مقدمة ابن الصلاح نكتًا لم تكن شرحًا كسائر الشروح التي يفرغ فيها المؤلف كل ما في جعبته، ويطرح بها كل ما في حقيبته، وإنما هي مجرد نكت في أمور رأي وجوب التنبيه عليها، وذلك حتى لا يشغل القارئ عن فحص هذا الكتاب القيم، والعكوف على دراسة ما فيه من معارف جليلة.
وقد أورد في مقدمة هذه النكت ما يدل على عظيم تقديره لذلك الكتاب، وعن منهجه اللطيف القيم فيما أسماء تعليقًا عيه إذ يقول: إن أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعًا.
وهذه شهادة إمام جليل في الفن تزيد من قيمة الكتاب، وتعلن برفعة المؤلف فوق ما عرف له من مكانة.
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص٢.
[ ٣٩١ ]
ثم قال في سبب تأليفه: إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتًا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست صحيحة، فأردت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ وترجيحه لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مزجي البضاعات ما لا يصلح للسوم١.
ثم ذكر أن الشيخ الإمام علاء الدين مغلطاي أوقفه على شيء جمعه عليه سماه إصلاح ابن الصلاح، وقرأ من لفظه موضعًا منه، وأنه لم ير الكتاب المذكور بعد ذلك، وفي ذلك من اعتداد المؤلف بنفسه ما يشعر بأنه لم يعتمد في شيء مما كتب على غيره، ولهذا يقول بعد ذلك: إن هناك جماعة قد اختصروا هذا الكتاب وتعقبوه عليه في مواضع منه، ثم أشعرنا بقوة شخصيته فقال أيضًا. فحيث كان الاعتراض غير صحيح ولا مقبول، ذكرته بصيغة اعتراض على البناء للمفعول.
ثم ذكر -بعد ذلك- إجازته لكتاب ابن الصلاح.
وبعد: فإن هذه الكلمات المحدودة من الإمام الحافظ العراقي أفادت أن نكته تدور في الأعم الأغلب -على ناحيتين:
الناحية الأولى -ويبدو أنها المهمة- بيان ما خولف فيه الشيخ، وما اعترض به عليه، مع تحقيق ما يراه الإمام العراقي حقًّا، سواء أكان للشيخ أو عليه.
الناحية الثانية -إيضاح ما عسى أن يكون في المقدمة من إبهام أو غموض، أو تفصيل بعض ما يحتاج إلى بسط وتفصيل، وإن ذكر غير ذلك فإنما يذكره لا على أنه الباعث الرئيسي له لشرح هذا الكتاب، بل ليسوق فيه فوائد استطرادية تفيد دارس السنة، وتبرهن على قوة اضطلاعه بمختلف العلوم.
ولنذكر على سبيل المثال بعض ما أورده من اعتراض وما دفعه به:
١- قال ابن الصلاح: أعلم -علمك الله وإياي- أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف٢، فقال العراقي: اعترض عليه بأمرين: أحدهما أن في الترمذي مرفوعًا: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه" فكان الأولى أن يقول علمنا الله وإياك، وأجاب عن هذا الاعتراض بأن الحديث ليس هكذا، وهو حديث أبي بن كعب: "أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه" أخرجه الترمذي وقال حسن غريب صحيح ورواه أبو داود بلفظ: كان إذا دعا بدأ بنفسه وقال: "رحمة الله علينا وعلى موسى" الحديث، ورواه النسائي
_________________
(١) ١ ص ١١ و١٢ من كتاب التقييد والإيضاح. ٢ التقييد والإيضاح ص١٨.
[ ٣٩٢ ]
في سنته الكبرى، وهو عند مسلم وليس فيه ما ذكره المعترض من أن كل داع يبدأ بنفسه، وإنما هو من فعله ﷺ لا من قوله، وإذا كان كذلك فهو مقيد بذكره ﷺ نبيًّا من الأنبياء كما ثبت في صحيح مسلم في حديث أبي الطويل، وفيه قال: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه: "رحمة الله علينا وعلى أخي" فأما دعاؤه لغير الأنبياء فلم ينقل أنه كان يبدأ بنفسه، وذكر حديث ابن عباس: "يرحم الله أم إسماعيل " إلخ وحديث الصحيحين أنه سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل فقال "يرحمه الله" وشاهدًا آخر، ثم قال: فظهر أن بدءه بنفسه في الدعاء كان فيما إذا ذكر نبيًّا من الأنبياء، على أنه أحيانًا كان لا يذكر نفسه كقوله: "يرحم الله لوطًا" وقوله: "يرحم الله موسى".
وإلى هذا الحد سكت العراقي ولم يذكر النتيجة، وواضح أنها تصويب لابن الصلاح في مسلكه وأنه لم يخالف السنة.
والاعتراض الثاني: ما نقله من كون الحديث ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة ليس بجيد، فإن بعضهم يقسمه إلى قسمين فقط: صحيح وضعيف، وسيأتي للمصنف النص على أن من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، وهو الظاهر من كلام الحاكم، فكان ينبغي الاحتراز عن هذا الخلاف هنا، والجواب:١ أن ما نقله المصنف عن أهل الحديث قد نقله عنهم الخطابي صراحة في خطبة معالم السنن -وساق عبارة الخطابي- ثم قال: ولم أر من سبق الخطابي إلى هذا التقسيم، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن، ولكن الخطابي نقل التقسيم عن أهل الحديث وهو إمام ثقة، فتبعه المصنف على ذلك هنا، ثم حكى الخلاف في الموضوع الذي ذكره فلم يهمل حكاية الخلاف.
٢- ذكر ابن الصلاح في المرسل صورة قال: إنه لا خلاف فيها بين العلماء، وهي حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة إلخ، ومثل لهذا التابعي بعبيد الله بن عدي بن الخيار، فاعترض عليه بأن عبيد الله بن عدي ذكر في جملة الصحابة فليس من التابعين٢.
ورد ذلك الحافظ العراقي بأن الاعتراض ليس بصحيح، وبرهن على ذلك بأنهم إنما ذكروه جريًا على قاعدتهم في ذكر من عاصر النبي ﷺ؛ لأن عبيد الله ولد في حياة النبي ﷺ، ولم ينقل أنه رأى النبي ﷺ، وضرب لذلك بعض الأمثلة ثم قال: إن عبيد الله بن عدي روى عن عمر وعثمان وعلي في آخرين.
٣- قال ابن الصلاح في الحديث المعلل: ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء، في قولهم في باب القياس: العلة والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة٣.
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص١٩. ٢ التقييد والإيضاح ص٧٠ وما بعدها. ٣ التقييد والإيضاح ص١١٥ وما بعدها.
[ ٣٩٣ ]
فقال العراقي: تبعه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي فقال في مختصره: إنه لحن، واعترض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم قطرب فيما حكاه الخليلي والجوهري في الصحاح والمطرزي في المغرب. ا. هـ. والجواب عن المصنف: إنه لا شك في أنه ضعيف وإن حكاه بعض من صنف في الأفعال كابن القوطية، وقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيدة والحريري، ثم ذكر عبارة المحكم التي تدل على أن ابن سيدة ليس على ثقة من قولهم: المعلول، وأن المعروف: معل ثم قال: أنكره الحريري أيضًا في درة الغواص، واستحسن أخيرًا أن يقال: معل بلام واحدة لا معلل، فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به من تعليل الصبي بالطعام، وأطال في ذلك ثم قال: إن التعبير بالمعلول موجود في كلام كثير من أهل الحديث وساق لذلك أمثلة.
٤- قال ابن الصلاح في المعضل: وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي بلغني نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته " الحديث، وقال السجزي: أصحاب الحديث يسمونه المعضل،١ فقال العراقي: وقد استشكل كون هذا الحديث معضلًا لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدًا، فقد سمع مالك عن جماعة من أصحاب أبي هريرة، كسعيد المقبري، ونعيم المحمر ومحمد بن المنكدر، فلم جعله معضلًا.
وأجاب العراقي بأن مالكًا قد وصل هذا الحديث خارج الموطأ، فرواه عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، فقد عرفنا سقوط اثنين منه، فلهذا سموه معضلًا.
٥- قال ابن الصلاح في الشاذ: إن ما حكم عليه الشافعي بالشذوذ -يريد ابن الصلاح النقل عن الشافعي أن الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف به غيره؟ - فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره "أي من أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد إلخ" فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: "إنما الأعمال بالنيات " إلخ٢.
وقال العراقي: وقد اعترض عليه بأمرين: أحدهما: أن الخليلي والحاكم إنما ذكرا تفرد الثقة فلا يرد عليهما تفرد الحافظ لما بينهما من الفرقان، الثاني: أن حديث النية لم ينفرد به عمر بل رواه أبو سعيد الخدري وغيره كما ذكره الدارقطني وغيره.
قال العراقي: والجواب عن الأول أن الحاكم ذكر تفرد مطلق الثقة، والخليلي إنما ذكر مطلق الراوي، فيرد على إطلاقهما تفرد العدل الحافظ، وأطال في ذلك، ثم ذكر ما يفيد
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص٨٢ وما بعدها. ٢ التقييد والإيضاح ص١٠٠ وما بعدها.
[ ٣٩٤ ]
الجواب عن الثاني، وهو أن حديث عمر وإن كان قد ورد في المستخرج من أحاديث الناس لعبد الرحمن بن منده أنه رواه سبعة عشر من الصحابة، وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محمد بن إبراهيم. فإن الصحيح ما قاله الحافظ أبو بكر البزار في مسنده بعد تخريجه: لا يصح عن النبي ﷺ إلا من حديث عمر، ولا عن عمر إلا من حديث علقمة، ولا عن علقمة إلا من حديث محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد إبراهيم إلا من حديث يحيى بن سعيد.
وبهذا يثبت أنه شاذ بالمعنى الثاني، ويصح الاعتراض به على من اعتبر الشذوذ منافيًا للصحة بالمعنى الثاني.
ونذكر على سبيل المثال بعض ما رده الحافظ العراقي على ابن الصلاح وخطأه فيه:
١- أن ابن الصلاح ذكر في المرسل من الصور المختلف فيها إذا انقطع الإسناد قبل الوصول إلى التابعي فكان فيه رواية راو لم يسمع من المذكور فوقه، فالذي قطع به الحاكم الحافظ أبو عبد الله وغيره من أهل الحديث أن ذلك لا يسمى مرسلًا١.
فقال الحافظ العراقي: إنه قوله قبل الوصول إلى التابعي ليس بجيد، بل الصواب قبل الوصول إلى الصحابي، فإنه لو سقط التابعي أيضًا كان منقطعًا لا مرسلًا عند هؤلاء، ولكن هكذا وقع في عبارة الحاكم فتبعه المصنف.
٢- قال ابن الصلاح: إنه من المختلف فيه في المرسل قول الزهري وابن حازم ويحيى بن سعيد وأتباعهم من صغار التابعين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ويقول العراقي: إن ما ذكر في حق من سمى من صغار التابعين أنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين ليس بصحيح بالنسبة إلى الزهري، فقد لقي من الصحابة ثلاثة عشر فأكثر وهم عبد الله بن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وساق البقية، ثم ذكر بعض مناقشات في بعض من سمع منهم من الصحابة.
٣- قال ابن الصلاح: إذا قيل في الإسناد: عن رجل أو عن شيخ عن فلان فالذي ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث أنه لا يسمى مرسلًا بل يسمى منقطعًا، وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من المرسل٣.
فقال العراقي: اقتصر ابن الصلاح من الخلاف على هذين القولين، وكل منهما خلاف ما عليه الأكثرون، فإن الأكثرين ذهبوا إلى أن هذا متصل في إسناده مجهول، وقد حكاه عن الأكثرين الحافظ رشيد الدين العطار في الغرر المجموعة، واختاره شيخنا الحافظ العلائي في جامع التحصيل.
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص٧١. ٢ التقييد والإيضاح ص٧٢. ٣ التقييد والإيضاح ص٧٣.
[ ٣٩٥ ]
ثم قال -استكمالا للبحث: إن ما ذكره عن بعض المصنفات المعتبرة لم يسمه، فالظاهر أنه أراد به البرهان لإمام الحرمين، فإنه قال فيه إلخ:
٤- قال ابن الصلاح: وفي صدر صحيح مسلم المرسل في أصول قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة١.
فقال العراقي: الحق أن هذا ليس قول مسلم، وإنما ذكره حاكيًا على لسان خصمه الذي نازعه في اشتراط اللقي، وساق العبارة الدالة على ذلك، وهي تبين أنها سيقت في مناقشة وقعت بين مسلم وخصمه الذي اشترط اللقي في الإسناد المعنعن.
٥- ذكر ابن الصلاح في مرسل الصحابي أنه ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن الرسول ﷺ ولم يسمعوه منه، وعلل قوله بأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة٢.
فقال العراقي: إن فيه أمرين: أحدهما أن قوله: لأن روايتهم عن الصحابة ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين، وذكره ابن الصلاح نفسه في موضعه، ثم ذكر العراقي لذلك أمثلة، واستطرد با يرد به على منكري ذلك من بعض أهل العلم، فأورد ثمانية عشر مثالًا تفيد رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين مع تخريج تلك الأحاديث.
٦- قال ابن الصلاح في المعنعن: والصحيح الذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل ثم قال: وكاد أبو عمرو بن عبد البر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك٣.
فقال العراقي: لا حاجة إلى قوله: كاد، فقد إدعاه فقال في مقدمة التمهيد: أعلم وفقك الله أتى تأملت أقاويل أئمة الحديث إلى أن قال: فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة -وساقها- ثم قال: وهو قول مالك وعامة أهل العلم.
٧- نقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أنه يفرق بين "عن فلان" و"أن فلانًا"، ومثله عن يعقوب بن شيبة٤.
فقال الحافظ العراقي: وما حكاه المصنف عن أحمد بن حنبل وعن يعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين عن وأن ليس الأمر فيه على ما فهمه من كلامهما، ولم يفرق أحمد ويعقوب بين
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص٧٥. ٢ التقييد والإيضاح ص٧٥. ٣ التقييد والإيضاح ص٨٣. ٤ التقييد والإيضاح ص٨٥.
[ ٣٩٦ ]
عن وأن لصيغة أن، ولكن لمعنى آخر أذكره وساق الحديث الذي يدل على ذلك المعنى ولا يدل على التفرقة بين عن وأن كما فهم ابن الصلاح.
٨- قال ابن الصلاح في معرفة الأكابر من الرواة من الأصاغر: وقد صح عن عائشة أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم١.
فقال العراقي: جزم المصنف بصحة حديث عائشة، وفيه نظر، فإن مسلمًا ﵀ ذكره في مقدمة الصحيح بغير إسناد وبصيغة التمريض فقال: ذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت وذكر الحديث، وقد رواه أبو داود في سننه ثم قال: ميمون بن أبي شبيب "الراوي عن عائشة" لم يدرك عائشة، فلم يسكت عليه أبو داود بل أعله بالانقطاع، ثم قال: ولكن المصنف تبع في تصحيحه الحاكم، وليس فيه حجة للمصنف، فإن المصنف لا يرى ما انفرد الحاكم بتصحيحه صحيحًا.
وطعن فيه أيضًا بأن البزار قال في مسنده بعد أن خرجه: لا يعلم عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. وأورد عدة مناقشات في هذا المقام ثم قال: ولكن المؤلف لما رأى مسلمًا روى في مقدمة صحيحه حديثه عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" حمله على الاتصال اكتفاء بمذهب مسلم، ومسلم إنما رواه استشهادًا، بعد أن رواه من حديث ابن أبي ليلى عن سمرة، وحكم عليه مسلم بأنه مشهور، والشهرة لا تلازم الصحة، فقد يكون المشهور صحيحًا وقد يكون ضعيفًا. وانتهى إلى أن هذا الحديث لا يصح إسناده تخطئة لابن الصلاح في دعواه.
٩- قال ابن الصلاح في المدبج: اعلم أن رواية القرين عن القرين تنقسم: فمنها المدبج، وهو أن يروي القرينان كل واحد منها عن الآخر، مثاله في الصحابة عائشة وأبو هريرة روى كل منهما عن الآخر٢.
فقال العراقي: إن تقييد المصنف للمدبج بالقرينين إذا روى كل منهما عن الآخر تبع فيه الحاكم في علوم الحديث، ثم قال: إن الأمر ليس على ما ذكراه، إنما المدبج أن يروي كل من الراويين عن الآخر سواء أكانا قرينين أو أحدهما أكبر من الآخر، فتكون رواية أحدهما عن الآخر من رواية الأكبار عن الأصاغر.
ثم ذكر أن صاحب التسمية الأولى للمدبج -وهو الدارقطني- لم يتقيد بكونهما قرينين، بدليل أنه ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي ﷺ، ورواية النبي ﷺ عن أبي بكر، ورواية عمر عن النبي ﷺ، ورواية النبي ﷺ عنه
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص٣٢٨. ٢ التقييد والإيضاح ص٣٣٣.
[ ٣٩٧ ]
وذكر مثل ذلك في سعد بن عبادة، وذكر أيضًا رواية الصحابة عن التابعين وبالعكس. وأطال في هذا جدًّا، ثم قال: فهذا يدل على أن المدبج لا يختص بكون الراويين الذين روى كل منهما عن الاخر قرينين، بل الحكم أعم من ذلك.
١٠- قال ابن الصلاح في رواية الآباء عن الأبناء: وآخر ما رويناه من هذا النوع وأقربه عهدًا ما حدثنيه أبو المظفر عبد الرحيم إلى أن قال: فذكر بإسناده عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطان مع التسمية ". ا. هـ١.
قال العراقي: وقد أبهم المصنف ذكر إسناده، والسمعاني رواه في الذيل من رواية العلاء بن مسلمة الراوسي عن إسماعيل بن مغر الكرماني عن ابن عياش -وهو إسماعيل- عن بردة عن مكحول عن أبي أمامة، وهو حديث موضوع، فأبهم المصنف موقع العلة وسكت عليه، وقد ذكر المصنف في النوع الحادي والعشرين أنه لا يحل رواية الحديث الموضوع لأحد علم حاله في أي معنى إلا مقرونًا ببيان وضعه، وهذا الحديث ذكر غير واحد من الحفاظ أنه موضوع. ثم ساق على ذلك أدلة، ثم ترفق بالمصنف فقال: إنه قد يجاب عن المصنف بأنه لا يرى أنه موضوع وإن كان في إسناده وضاع، فكأنه ما اعترف بوضعه.
وبعد: فهذه أمثلة تدل على مبلغ دقة هذا الإمام الحافظ، فإنه يبدو أنه أنصف ابن الصلاح إنصافًا كريمًا بذكره ما له وما عليه في مواضع المناقشة، فما كتبه على وجازته التي تبدو في متابعة تعليقاته يعتبر من أنفس ما كتب في هذا الفن، كما يبدو أن صاحب التقييد ﵀ رأى أن كتاب ابن الصلاح كفاية لمن أراد التزود من علوم الحديث، من غير تزيد في متابعة الفضول والمناقشات التي هي مشغلة عن العلم، ومضيعة للكثير من الوقت.
على أن للإمام العراقي استطرادات جمة الفوائد، من بينها ما أشرنا إليه إجمالًا من ذكر الصحابة الذين يروي عنهم الزهري٢، فقد عد فيمن روى عنهم الزهري، عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر، وربيعة بن عِبَاد "بكسر العين وتخفيف الموحدة"٣ وسنين أبو جميلة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر إلخ، ثم ذكر بعض الصحابة الذين اختلف في رواية الزهري عنهم.
ومن ذلك الاستطراد أيضًا ذكره لرواية بعض الصحابة عن بعض التابعين عن بعض الصحابة عن النبي ﷺ ومهد له بقوله: بلغني عن بعض أهل العلم أنه أنكر أن يكون قد وجد شيء من رواية الصحابة عن التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ، فرأيت أن أذكر من ذلك ما وقع لي، فذكر عشرين حديثًا مع بيان رواتها وتخريجها.
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص٣٤٥ وما بعدها. ٢ التقييد والإيضاح ص٧٢. ٣ ولهذا الضبط للأعلام فائدة استطرادية جميلة، وهي نصيحة طيبة.
[ ٣٩٨ ]
ومن هذه الأحاديث: حديث سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أملى عليه: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين " فجاء ابن أم مكتوم. الحديث رواه البخاري والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومن ذلك: حديث السائب بن يزيد عن عبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فذكره، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
ومن ذلك: حديث جابر بن عبد الله عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق عن عائشة ﵂: "أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع ثم يكسل " الحديث. وهكذا.
وعلى أنه لا يخلو من فوائد أخرى يوردها، فقد كتب١ -مع هذه الوجازة الملموسة في كتابه- مناقشة طريفة تدل على قوة يقظته وشدة وعيه، عند قول ابن الصلاح: فالله أسأل أن يجعله مليًا بذلك وأملى، وفيا بكل ذلك وأوفى، يقول: استعمل المصنف هنا مليًا وأملى من غير همز على التخفيف، وكتبه بالياء لمناسبة قوله وفيا وأوفى، وإلا فالأول مهموز من قولهم ملأ الرجل -بضم اللام وبالهمز- أي صار مليئًا أي ثقة، وهو مليء بين الملاء والملاءة ممدودان.
ومن ذلك ما أورده العراقي عند قول ابن الصلاح في دراسة المعضل٢ تعليقًا عليه، قال ابن الصلاح: وأصحاب الحديث يقولون أعضله فهو معضل بفتح الضاد، وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، وبحثت فوجدت له قولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، ولا التفات في ذلك إلى معضل بكسر الضاد وإن كان مثل عضيل في المعنى.
فقال العراقي: أراد المصنف بذلك تخريج قول أهل الحديث معضل بفتح الضاد على مقتضى اللغة، ثم زاده المصنف إيضاحًا فيما أملاه حين قراءة الكتاب عليه فقال: إن فعيلًا يدل على الثلاثي، قال: فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرًا، وأعضل متعديًا وقاصرًا، كما قالوا ظلم الليل وأظلم الليل والليل.
ثم قال: اعترض عليه بأن فعيلًا لا يكون من الثلاثي القاصر، والجواب أنه إنما يكون من الثلاثي القاصر إذا كان فعيل بمعنى مفعول، فأما إذا كان بمعنى فاعل فيجيء من الثلاثي القاصر كقولهم حريص من حرص وأطال في ذلك.
وقد كان يمكن أن تضاف هذه الأمثلة إلى ما ذكرناه في الاعتراضات والإجابة عنها، ولكنا ذكرناها هنا للدلالة على توسعة في اللغة أيضًا.
وبعد فلعلنا بهذه الدراسة الموجزة لكتابي مقدمة ابن الصلاح وشرحها المسمى بالتقييد والإيضاح للحافظ العراقي نكون قد ألقينا ضوءًا مشرقًا ينبه إلى مكانة هذين الكتابين، وأنهما يستحقان مزيد عناية ممن يعنون بدراسة هذه العلوم، للانتفاع بهما فيما هم بصدده من هذه الدراسة.
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح ص١٣. ٢ التقييد والإيضاح ص٨١ وما بعدها.
[ ٣٩٩ ]
ألفية الحديث:
للعراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ وشرحها المسمى فتح المغيث شرح ألفية الحديث؛ للسخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ:
أما الألفية فإن ناظمها هو الحافظ زين الدين العراقي، المتوفى عام ست وثمانمائة، وقد أوردنا ترجمته عند دراسة كتابه طرح التثريب وأصله في كتب الأحكام.
وقد وصف هذه المنظومة بأنها مقاصد مهمة، توضح من علم مصطلح الحديث رسمه، أي أثره الذي تبنى عليه أصوله، وأنه نظمها تبصرة للمبتدئ وتذكرة للمنتهي، وأنه لخص فيها مقاصد كتاب ابن الصلاح -يريد مقدمته المشهورة- وزاد عليه فوائد أخرى، وشرح فيها بعض اصطلاحاته التي يوردها في أثناء النظم، من أنه إذا جاء بالفعل والضمير لواحد مثل كلمة "قال" أو أطلق لفظ "الشيخ" فإنه يريد بذلك ابن الصلاح، وإن ذكر الفعل مع ضمير التثنية نحو "التزما" أو "ذهبا" فإنه يريد البخاري ومسلمًا.
ثم إنه تناول في هذه المنظومة أقسام الحديث بتعريف كل منها، ثم تناول الخلاف في أصح الأسانيد، وأتبعه بيان الخلاف في أصح كتب الحديث، وأن الصحيحين لم يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة، وعدد ما في البخاري من الأحاديث، ثم تكلم عن الصحيح الزائد على الصحيحين ونطاقه من كتب السنة، ثم انتقل إلى الكلام عن المستخرجات بتصويرها والإشارة إلى بعض ما ألف فيها، وأتبع ذلك ببيان مراتب الأحاديث الصحيحة وترتيبها بحسب الكتب، ثم الكلام في أن الحديث الصحيح المسند يفيد القطع أو الظن على الخلاف في ذلك، وأما غير المسند وهو ما يسمى معلقًا فإنه تارة يفيد القطع وتارة لا يفيده، ثم انتقل إلى بيان الطريقة في نقل الحديث من الكتب المعتمدة، وتناول بعد ذلك قسم الحسن من الحديث، وأورد الخلاف فيه وتقسيمه وما يتصل بذلك من مظانه وأقسامه، ثم تناول الحديث الضعيف تعريفًا له وإحصاء لأنواعه، وأورد بعد ذلك تقسيمًا للحديث من زاوية الاتصال وعدمه، فذكر كلا من المرفوع والمسند والمتصل والموقوف والمقطوع والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب والمدرج والموضوع والمقلوب، يتخلل هذه التصويرات بعض فروع تتصل بها، مثل قول الصحابي أمرنا بكذا أو كنا نرى كذا وما أشبه ذلك، أو تنبيهات على أمور ترتبط أيضًا ببعض هذه الأقسام وفي أثناء ذلك تناول الحديث عن الاعتبارات والمتابعات والشواهد والفروق بينها، وأثرها في تقوية الحديث.
ثم تناول كلا من مراتب التعديل ومراتب التجريج، والألفاظ التي تستعمل في كل مرتبة منها.
[ ٤٠٠ ]
وانتقل بعد ذلك إلى موضوع تحمل الحديث، والوقت الذي يصح فيه التحمل، وأقسام التحمل العديدة، وما يصح منها وما لا يصح.
وتناول بعد ذلك كتابة الحديث وضبطه، والمقابلة في المكتوب، وما يتصل بذلك كالكشط والمحو والضرب، وبين طريقة العمل في الجمع بين اختلاف الروايات.
وأورد -بعد ذلك- شيئًا يسمى كتابه التسميع، وتناول بعده طريقة الرواية من الأصل، ثم أورد حكم الاقتصار في الرواية على بعض الحديث، وما في ذلك من التفصيل، واختلاف عبارات الأئمة في ذلك، وبين طريقة التسميع من الشيخ، والحث على الأخذ من أفواه الشيوخ، ثم عقد فصلًا لإصلاح اللحن والخطأ، وكيف يروى ما فيه لحن أو خطأ، وفصلًا لاختلاف ألفاظ الشيوخ، وفصلًا للزيادة على الرواية في نسبة الشيخ، وفصلا آخر للرواية من أثناء النسخ التي إسنادها واحد، وآخر لحكم تقديم المتن على السند، وفصلًا لما قال الشيخ مثله أو نحوه، وفصلًا لإبدال الرسول بالنبي وعكس ذلك، وفصلًا أورد فيه مسألتين: السماع على نوع من الوهن، أو بإسناد قرنت فيه الرواية عن رجلين.
ثم تناول الحديث عن آداب الشيخ المحدث، وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات، والكلام على آداب طالب الحديث.
ثم أورد تقسيم كل من السند العالي والنازل، وانتقل إلى تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة، ثم غريب ألفاظ الحديث، ثم المسلسل والناسخ والمنسوخ والتصحيف ومختلف الحديث، وخفي الإرسال والمزيد في متصل الإسناد، ومعرفة الصحابة ومعرفة التابعين، والأكابر الذين يروون عن الأصاغر، ورواية الأقران والإخوة والأخوات، ورواية الآباء عن الأبناء وعكسه، والسابق واللاحق، ومن لم يرو عنه من الصحابة أو التابعين فمن بعدهم إلا راو واحد، ومن ذكر من الرواة بنعوت متعددة وأفرد العلم، والأسماء والكنى والألقاب، والمؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق والمتشابه، والمقلوب، ومن نسب إلى غير أبيه، والمنسوبون إلى خلاف الظاهر، والمبهمات وتواريخ الرواة والوفيات، ومعرفة الثقات والضعفاء، ومعرفة من اختلط من الثقات، وطبقات الرواة، والموالي من العلماء والرواة، وأوطان الرواة وبلدانهم، كل هذا على الترتيب الذي أوردناه.
غير أننا في هذا المقام ينبغي أن نصور للقارئ طريقة صاحب الألفية مع صاحب التقريب، وتصرف كل منهما مع الأصل الذي هو مقدمة ابن الصلاح فنقول:
وقد وصف كل منهم كتابه في مقدمته بما يصور منهجه في القدر البارز في مؤلفه.
_________________
(١) ١ ص١٣ التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح.
[ ٤٠١ ]
فأما ابن الصلاح١: فقد ذكر أن علم الحديث لم يزل في اندراس، وصار أهله شرذمة قليلة لا تحقيق عندها، فمن الله عليه بأن يجمع في كتابه معرفة أنواع علم الحديث الذي أحكم معاقده، وقعد قواعده، وفصل أقسامه، وأوضح أصوله، وجمع شتات علومه، وقنص شوارد نكته. ثم فهرس أنواع الحديث الخمسة والستين التي تعرض لها وقال: إنها قابلة للتنويع إلا ما لا يحصى.
هو بهذا لم يزد على أنه تدارك علوم الحديث بجمع شتاتها، وأورد المنهج الإجمالي ببيان أقسامها.
وأما النووي في التقريب: فإنه وصف كتابه بأنه اختصار لكتاب الإرشاد الذي صنفه اختصارًا لعلوم الحديث لابن الصلاح، كما وصفه بأنه بالغ في الاختصار من غير إخلال بالمقصود مع الحرص على إيضاح العبارة.
وأما العراقي: فإنه وصف كتابه بأنه تلخيص لعلوم الحديث لابن الصلاح مع زيادة بعض الفوائد.
ويمكننا أن نصور منهج كل منهم في إيجاز ببيان النواحي البارزة في تصرف كل منهم في النوع الأول وهو الصحيح، فنجد أن ابن الصلاح قد عرف الصحيح بالتعريف الذي أورده بعده كل من النووي والعراقي، وذكر قيوده الخمسة -اتصال السند والعدالة والضبط وعدم الشذوذ وعدم العلة- ثم قال على سبيل الإجمال: إنها احتراز عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في روايته نوع جرح.
أما صاحبا التقريب والألفية، فلم يعرض واحد منهما لشيء من المحترزات.
وعند الكلام على أفضلية صحيح البخاري على صحيح مسلم كان النووي أشد اختصارًا من العراقي، فاقتصر على مجرد ذكر القولين في أفضلية البخاري أو مسلم دون ذكر من قال بهما، وإن كان النووي قد زاد على كل منهما في هذا المقام أن مسلمًا اختص بجمع طرق الحديث، وأما العراقي فقد ذكر أن القول بأفضلية مسلم هو قول بعض المغاربة مع أبي علي النيسابوري تبعًا لابن الصلاح، الذي نقل عبارة النيسابوري في تصحيح مسلم وناقشها.
وعند ذكر عدم استيعاب الصحيحين صرح ابن الصلاح بهذا الحكم، وذكر له دليلين من كلام الشيخين البخاري ومسلم، واشترك كل من النووي والعراقي في نقل القول بأنه لم يفت الصحيحين إلا القليل، وإن كان العراقي قد ذكر اسم القائل بذلك -وهو ابن الأخرم- تبعًا لابن الصلاح، ولم يذكر النووي اسم القائل، وفي هذا المقام أدعى النووي -زيادة على ابن الصلاح- أنه لم يفت الخمسة من الصحيح إلا اليسير، وأورد أسماء الخمسة، وقد نقل ذلك العراقي عنه ورده بما روي عن البخاري، مما يفيد أن البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ثم أول عبارة البخاري بأنه أراد ما يشمل المكرر والموقوف، وذلك لما فيها من المبالغة، ثم اشترك معه -تبعًا لابن الصلاح- في بيان عدد ما في صحيح البخاري مكررًا وغير مكرر، ولكن ابن الصلاح
[ ٤٠٢ ]
أورد استداركًا في هذا المقام فقال: إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين وربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين.
وقد زاد النووي على كل من ابن الصلاح والعراقي بيان أن ما في مسلم بإسقاط المكرر نحو أربعة آلاف حديث، ونرى أن النووي قد أحسن في إثبات هذه الزيادة، ولعل عنايته بشرح صحيح مسلم هي التي دفعته إلى إيرادها.
لم يفصل العراقي فيما زاد على الصحيحين ببيان الكتب التي يلزم لاعتبار الحديث صحيحًا أن تنص على صحته، وقد بين هذه الكتب كل من ابن الصلاح والنووي، على أن العراقي اشترك معهما في بيان أن الكتب الملتزمة بإيراد الصحيح لا يشترط فيها نص على الصحة -اكتفاء بالحكم الكلي على ما في كل منها- وقد اشترك الثلاثة في أن الحاكم يدخل في هذه الكتب إلا أنه متساهل، غير أن كلا من ابن الصلاح والنووي قال: إن ما انفرد به الحاكم ولم يوجد الحكم عليه في الكتب الأخرى وليس به علة توجب ضعفه يعتبر حسنًا، وقد نقل العراقي ذلك عن ابن الصلاح، ثم رد عليه بأن الحق أن يحكم على كل حديث منها بما يليق به بحسب إسناده.
انفرد العراقي عن ابن الصلاح والنووي في اعتراضه على الحميدي بأنه لم يميز بعض الأحاديث التي وصفها بأن البخاري اختصرها، فلم يذكر اللفظ الذي اختصر به مما أوجب اللبس على السامع وتمني لو أن الحميدي كان قد استوعب بيان القدر الذي اختصر عليه البخاري.
وفي بيان مراتب الصحيح لم يبين العراقي المعنى الاصطلاحي لكلمة "متفق عليه" وقد ذكرها كل من ابن الصلاح والنووي.
وفي بيان ما علق من الحديث في الصحيحين بدون جزم اتفقت عبارات الثلاثة على أنه، ليس بواه، إلا أن ابن الصلاح نص على أن إيراده في الصحيح يشعر بصحة أصله، ولم يتعرض المختصران لهذه الجزئية.
ومن المفارقات هنا أن كلا من ابن الصلاح والعراقي عرف المعلق في هذا المقام، ولم يذكر النووي تعريفه اكتفاء بالمعنى، ولأن له موضعًا يذكر فيه باسمه من أقسام الحديث.
وقد انفرد العراقي ببيان حكم من أسند لشيخه حديثًا يقال أو زاد أو نحوهما كما في حديث البخاري: "قال هشام بن عمار: حدثنا إلخ" وهو عند العراقي في حكم الحديث المعنعن لا يكون متصلًا إلا بالشرطين المعروفين: عدم التدليس واللقي أو المعاصرة، ولم يذكر هذه الجزئية ابن الصلاح ولا النووي.
ومن هذه الدراسة يتبين أن الأصل -وهو مقدمة ابن الصلاح- أكثر بسطًا في الجملة -شأن صناعة التأليف- من هذين المختصرين: التقريب والألفية، وقد يزيد أحدهما على الآخر، وقد يزيد كلاهما أو أحدهما على الأصل في بعض المواضع.
[ ٤٠٣ ]
ولولا خشية الإطالة لأوردنا كثيرًا من الأمثلة، ولكن موضوع دارستنا لا يتسع لذلك.
وهذه نماذج لما ورد في ألفية العراقي في مواضع متفرقة من علوم الحديث، نوردها فيما يلي:
١- في الغريب والعزيز والمشهور قال العراقي في الألفية١:
وما به مطلقًا الراوي انفرد فهو الغريب وابن منده فحد
بلا انفراد عن إمام يجمع حديثه فإن عليه يتبع
من واحد واثنين فالعزيز أو فوق فمشهور وكل قد رأوه
منه الصحيح والضعيف ثم قد يغرب أو مطلقًا أو إسناد فقد
كذلك المشهور أيضًا قسموا بشهرة مطلقة كالمسلم
من مسلم الحديث والمقصور على المحدثين من مشهور
قنوته بعد الرجوع شهرًا ومنه ذو تواتر مستقرا
في طبقاته كمتن من كذب ففوق ستين رووه والعجب
بأن من رواته للعشرة وخص بالأمرين فيما ذكره
الشيخ عن بعضهم قلب تلى مسح الخفاف وابن منده إلى
عشرتهم رفع اليدين نسبًا وينفوا عن مائة من كذبا
٢- وفي خفي الإرسال والمزيد في متصل الأسانيد قال٢:
وعدم السماع واللقاء يبدو به الإرسال ذو الخفاء
كذا زيادة اسم راو في السند إن كان حذفه بعد فيه ورد
وإن بتحديث أتى فالحكم له مع احتمال كونه قد حمله
عن كل إلا حيث ما زيد وقع وهما في ذين الخطيب قد جمع
٣- وفي رواية الأقران قال٣:
والقرنا من استووا في السند والسن غالبًا وقسمين اعدد
ودبجا وهو إذا كل أخذ عن آخر وغيره انفراد فذ
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج٣ ص٢٧. ٢ فتح المغيث ج٣ ص٧٩. ٣ فتح المغيث ج٣ ص١٦٠.
[ ٤٠٤ ]
٤- وفيمن لم يرو عنه من الصحابة أو التابعين فمن بعدهم إلا راو واحد قال١:
ومسلم صنف في الوحدان من عنه راو واحد لا ثاني
كعامر بن شهر أو كوهب هو ابن خنبش وعنه الشعبي
وغلط الحاكم حيث زعما بأن هذا النوع ليس فيهما
ففي الصحيحين أخرجا المسيبا وأخرج الجعفر لابن تغلبا
٥- وفي الأسماء والكنى قال٢:
وأعن الأسماء والكنى وقد قسـ تم الشيخ ذا التسع أو عشر قسم
من اسمه كنيته انفرادًا نحو أبي بلال أوقد زادا
نحو أبي بكر بن حزم قد كنى أبا محمد بخلف فافطن
والثاني قد يكنى ولا اسما ندري نحو أبي شيبة وهو الخدري
ثم كنى الألقاب والتعدد نحو أبي الشيخ أبي محمد
وابن جريج بأبي الوليد وخالد كنى للتعديد
ثم ذوو الخلف كنى وعلما أسماؤهم وعكسه وفيهما
وعكسه وذو اشتهار بسم وعكسه أبو الضحى لمسلم
٦- وفي تلخيص المتشابه قال٣:
ولهم قسم من النوعين مركب متفق اللفظين
في الاسم لكن أباه اختلفا أو عكسه ونحوه وصنفا
فيه الخطيب نحو موسى بن علي وابن علي وحنان الأسدي
هذه أمثلة لما جاء في ألفية العراقي، أوردناها تصويرًا لبعض ما جاء فيها، وفيما بعد نتبين منهج الإمام السخاوي في توضيح ما احتوته أبياتها من نفائس علوم الحديث.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج٣ ص١٨٧. ٢ فتح المغيث ج٣ ص١٩٩. ٣ فتح المغيث ج٣ ص٢٥٩.
[ ٤٠٥ ]
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث:
أما فتح المغيث، فهو ذلك الكتاب الذي ألفه الإمام الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة اثنتين وتسعمائة شرحًا لألفية العراقي في الحديث.
ويبدو من كلام صاحب كشف الظنون أن الإمام السخاوي ليس أول شارح لألفية العراقي، فقد شرحها قبله مؤلفها الإمام العراقي بشرحه الذي سماه فتح المغيث١ بشرح ألفية الحديث وفرغ منه في حياته، كما شرحها الشيخ أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة الكتاني، المتوفى سنة إحدى وستين وثمانمائة، وشرحها الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، وشرحها الشيخ برهان الدين بن عمر البقاعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة، وسماه النكت الوفية بما في شرح الألفية، واستأنس فيه بآراء شيخه ابن حجر العسقلاني ﵀، وشرحها كذلك الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العيني، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، كما شرحها الشيخ قطب الدين محمد بن الخيضري الدمشقي، المتوفى سنة أربع وتسعين وثمانمائة، وسمى شرحه صعود المراقي، وشرحها بعد السخاوي الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، والقاضي زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، في شرحه الذي سماه فتح الباقي، والشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى سنة خمس وخمسين وتسعمائة٢.
قال المؤلف في مقدمة كتابه بيانًا لمنهجه فيه:
وبعد: فهذا تنقيح لطيف، وتلقيح للفهم منيف، شرحت فيه ألفية الحديث، وأوضحت فيه ما اشتملت عليه من القديم والحديث، ففتح من كنوزها المحصنة الأقفال كل مرتج، وطرح عن رموزها الإشكال ما بين الحجج، سابكًا لها فيه بحيث لا تتخلص منه إلا بالتمييز؛ لأنه أبلغ في إظهار المعنى، تاركًا لمن لم ير حسن ذلك في خصوص النظم والترجيز، لكونه إن لم يكن متعنتًا لم يذق الذي هو أهنى، مراعيًا فيه الاعتناء بالناظم رجاء بركته، ساعيًا في إفادة ما لا غنى عنه لأئمة الشأن وطلبته، غير طويل ممل، ولا قصير مخل، استغناء عن تطويله بتصنيفي المبسوط له المقرر المضبوط، الذي جعلته كالنكت عليها وعلى شرحها للمؤلف، وعلمًا بنقص همم أماثل الوقت فضلًا عن المتعرف، إجابة لمن سألني فيه من الأئمة ذوي الوجاهة والتوجيه، ممن خاض معي في الشرح وأصله، وارتاض فكره بما يرتقي به عن أقرانه وأهله٣.
_________________
(١) ١ نقل ذلك صاحب كشف الظنون وقد خطأه في ذلك صاحب كتاب النور السافر في أخبار القرن العاشر حيث ذكر أنه اسم كتاب السخاوي شرحًا للألفية، ونقله مخرج هذا الكتاب ج٣ ص٣٦٥ في الفائدة الثانية من فوائد خاتمة الطبع، ويترجح عندي خطأ صاحب الكشف، لاستبعاد أن يستعير السخاوي اسمًا لشرح وضعه صاحب الأصل، واستبعاد أن يكون قد خفي عليه هذا الشرح، ثم يتوافقا في التسمية على هذا النحو. ٢ نقلًا عن كشف الظنون وتقديم التحقيق لفتح المغيث "فتح المغيث ص٤" وبيان هذه المؤلفات وبعض أسمائها وأراد في كشف الظنون ج١ ص١٥٦. ٣ فتح المغيث ج١ ص٧ و٨.
[ ٤٠٦ ]
بهذه المقدمة الأنيقية افتتح المؤلف كتابه مبينًا طريقته في تأليفه، وأنه شرح ما اشتملت عليه الألفية من قديم علم المصطلح وحديثه، ومزج بينهما بحيث لا تتخلص منه إلا بالتمييز؛ لأن في ذلك إبرازًا للمعاني وتوضيحًا لها، وتخلصًا من قيود النظم وتكلفاته، وأنه اهتم بناظمها في هذا الشرح أملًا في إدراك بركته، وقدم الضروري من هذا العلم في غير طول يمله الدارس، ولا قصر يخل بأداء الغرض المقصود من هذا الكتاب.
وفي دراستنا لهذا الكتاب وجدنا من الظواهر العامة ما نبرزه فيما يأتي:
١- يورد المؤلف في أثناء شرحه للألفية أقوال العلماء الذين يخالفهم في الرأي ويرد عليهم: ومن ذلك ما أروده في باب الصحيح الزائد على الصحيحين، عندما ذكر العراقي أن مستدرك الحاكم من بين الكتب التي يرد فيه الصحيح١ قال السخاوي: وقول أبي سعد الماليني إنه طالعه بتمامه فلم ير فيه حديثًا على شرطهما غير مرض، نعم هو معروف عند أهل العلم بالتساهل في التصحيح والمشاهدة تدل عليه.
وفي شرحه للأبيات التي تبين أن قول الصحابي: من السنة كذا أو أمرنا بكذا من المسند، وأن حكمه الرفع نقل نص الشافعي٢ على ذلك في الأم، وجزم البيهقي بنفي الخلاف عن أهل النقل فيه، وكذلك نقل أن ممن حكى الاتفاق على ذلك ابن عبد البر لكن في السنة، ثم بين وجه الحق في المسألة، وأن الخلاف ثابت فيها، وأن ابن دقيق العيد قيد محل الخلاف بما إذا كان المأمور به يحتمل التردد بين شيئين، أما إذا كان مما لا مجال للاجتهاد فيه كحديث: "أمر بلال أن يشفع الأذان" فهو محمول على الرفع قطعًا، وبعد أن أورد السخاوي كل هذا قال: وممن ذهب إلى خلاف ما حكيناه فيهما من الشافعية أبو بكر الصيرفي صاحب الدلائل، ومن الحنفية أبو الحسن الكرخي، وفي السنة فقط الشافعي في أحد قوليه من الجديد، ومن الحنفية أبو بكر الرازي، وابن حزم من الظاهرية وبالغ في إنكار الرفع وأورد دليله على ذلك، وتعليل الكرخي لأمرنا، وأنه متردد بين كونه مضافًا إلى النبي ﷺ، أو إلى أمر القرآن، أو الأمة، أو بعض الأئمة، أو القياس أو الاستنباط، ثم فند أدلة الآراء المخالفة ورد عليها، وأيد رأيه بما رواه البخاري في صحيحه عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله يعني ابن عمر ﵄: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال ابن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة.
قال الزهري: فقلت لسالم: أفعله رسول الله ﷺ؟ فقال: وهي يتبعون في ذلك إلا سنته٣.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج١ ص٣٦. ٢ فتح المغيث ج١ ص ١٠٨. ٣ فتح المغيث ج١ ص١١١.
[ ٤٠٧ ]
٢- كثيرًا ما ينقل عن العلماء ما يدعم رأيه، ففي باب الصحيح الزائد على الصحيحين؟؟؟ سبق أن ذكرناه، وفي أن ابن حبان يقارب الحاكم في التساهل في شروط الصحيح؟؟؟ اصطلاحه١، وأنه لا مشاحة في الاصطلاح، وبين أنه أكثر تمكنًا من الحاكم في رواية الصحيح وأيد رأيه هذا بقوله: قلت ويتأيد بقول الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وكما قال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة، وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتونًا، وعلى كل حال فلا بد من النظر للتمييز، وكم في كتاب ابن خزيمة من حديث محكوم منه بصحته وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من جملة، مع أنه ممن يفرق بين الصحيح والحسن.
وفي قول الصحابي: كنا نرى النبي ﷺ يفعل كذا أو نحوه أنه من قبل المرفوع٢ ذكر السخاوي أن الرفع ثابت له بصريح الإضافة، وبما نقل عن العلماء وجمهور المحدثين وغيرهم، وقطع به الخطيب، ومن قبله الحاكم، ومن الأصوليين الإمام فخر الدين وأتباع قال ابن الصلاح: وهو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن النبي ﷺ اطلع عليه وقررهم، وتقريره كقوله وفعله، قال الخطيب: ولو علم الصحابي إنكارًا منه ﷺ في ذلك لبينه، قال شيخنا: ويدل له احتجاج أبي سعيد الخدري على جواز العزل بفعلها له في زمن نزول الوحي فقال: كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن وهو استدلال واضح؛ لأن الزمان زمن تشريع.
وظل السخاوي -في هذا الموضع- يورد من أقوال العلماء ما يؤيد به ما رآه تبعًا لصاحب الألفية فأورد بذلك قول الحاكم، والإمام فخر الدين الرازي، وابن الصلاح، والنووي في شرح المهذب وغيرهم من علماء السنة.
٣- يضيف إلى الألفية معلومات جديدة يستكمل بها البحث، وذلك يكون منه في أثناء شرحه لأبياتها، أو على هيئة تتمات يوردها في نهاية الشرح يزيد بها -على ما في الألفية- الجدية في العلم:
فمن الأول:
ما ذكره أن من مظان الصحيح المختارة٣ مما ليس في الصحيحين أو أحدهما للضياء المقدسي الحافظ قال: وتقع أيضًا في صحيح أبي عوانة الذي عمله مستخرجا على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله، وفيها الصحيح والحسن، بل والضعيف أيضًا، فينبغي التحرز في الحكم -عليها أيضًا.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج١ ص٣٧. ٢ فتح المغيث ج١ ص١١٣. ٣ فتح المغيث ج١ ص٣٨.
[ ٤٠٨ ]
ومن الثاني:
ما أورده ختامًا لبيان الفرع الأول من "فروع" سبعة أوردها العراقي في الألفية، فقد قال السخاوي بعد ذلك، تتمة: قول الصحابي: إني لأشبهكم صلاة بالنبي ﷺ، وما أشبه كلأقربن لكم صلاة النبي ﷺ كله مرفوع، وهو يلتحق التابعي بذلك بالصحابي في "من السنة، أو أمرنا بكذا" سيأتي في خامس الفروع، وقول النبي ﷺ: "أمرت بكذا" هو كقوله: أمرني الله، لأنه لا آمر له إلا الله، كما سيأتي نظيره في يرفعه ويرويه، وأمثلته كثيرة.
ومنه أيضًا ما ذكره -بعد الفرع الرافع من "فروع" ذكرها صاحب الألفية حيث قال: تتمة١ وقع في بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي ﷺ برفعه وهو في حكم قوله عن الله ﷿، وأمثلته كثيرة: منها حديث حسن: "أن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" وهذا من الأحاديث الإلهية، وقد جمع منها الحافظ ابن المفضل طائفة وأفردها غيره.
٤- يفيض في الشرح بما يجلي المعنى ويوضح المراد:
ومن ذلك ما أورده من شرح في مراتب الصحيح عند الكلام على تصحيح الحديث: هل هو ممكن في عصورنا أو غير ممكن؟ ٢، فقد نقل -تبعًا للأصل- رأي ابن الصلاح، وأنه غير ممكن في عصرنا بالنسبة لما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها من التغيير والتحريف ونقل السخاوي عنه أن ذلك رأيه أيضًا في التحسين، وأن ابن الصلاح يحتج في ذلك بأنه ما من إسناد إلا وفي رواية من اعتمد كتابه عريًا عن الضبط والإتقان.
ثم قال السخاوي: وظاهر كلامه -كما قال شيخنا- القول بذلك في التضعيف أيضًا، ولكن لم يوافق ابن الصلاح على ذلك كله حكمًا ودليلًا.
أما الحكم في تصحيح جماعة من المعاصرين له كأبي الحسن بن القطان مصنف الوهم والإيهام، والضياء المقدسي صاحب المختارة، ومن توفي بعد كالزكي المنذري والدمياطي، وطبقة إلى شيخنا ومن شاء الله بعده، قال الشيخ النووي ﵀: الأظهر عندي جوازه، وهو ممكن لمن تمكن وقويت معرفته لتيسر طرقه.
وأما الدليل فالخلل الواقع في الأسانيد المتأخرة إنما هو في بعض الرواة، لعدم الضبط والمعرفة بهاذ العلم، وهو في الضبط منجبر، بالاعتماد على المقيد عنهم، كما أنهم اكتفوا بقول بعض الحافظ فيما عنعنه المدلس: هذا الحديث سمعه هذا المدلس من شيخه.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج١ ص١٢٠. ٢ فتح المغيث ج١ ص٤٤.
[ ٤٠٩ ]
ثم ذكر المؤلف أن وراء هذا أن الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه -ككتاب النسائي مثلًا- لا يحتاج في صحة نسبته إلى النسائي إلى اعتبار حال الإسناد منا إليه إذا روى مصنفه فيه حديثًا ولم يعله، وجمع إسناده شروط الصحة، ولم يطلع المحدث فيه على علة، فما المانع من الحكم بصحته ولو لم ينص على ذلك أحد المتقدمين، لا سيما وأكثر ما يوجد من ذلك ما رواته رواة الصحيح، وفيهم الضابطون المتقنون الحفاظ، هذا لا ينازع فيه من له ذوق في هذا الفن، أفاده شيخنا ومن قبله ابن الناظر في ديباجه شرحه لأبي داود. ثم قال: ولعل ابن الصلاح اختار حسم المادة لئلا يتطرق إليه بعض المتشبهين، ممن يزاحم في الوثوب على الكتب التي لا يهتدي للكشف منها، والوظائف التي لا تبرأ ذمته بمباشرتها.
وللحديث رجال يعرفون به وللدواوين كتاب وحساب
ولذلك قال بعض أئمة الحديث في هذا المحل للذي يطلق عليه اسم المحدث في عرف المحدثين أن يكون كتب وقرأ وسمع ووعى، ورحل إلى المدائن والقرى، وحصل أصولًا، وعلق فروعًا من كتب المسانيد والعلل، والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف، فإذا كان كذلك فلا ينكر عليه ذلك، وأما إذا كان على رأسه طيلسان وفي رجليه نعلان، وصحب أميرًا من أمراء الزمان، أو من تحلى بلؤلؤ ومرجان، أو بثياب ذات ألوان، فحصل تدريس حديث بالإفك والبهتان، وجعل نفسه لعبة للصبيان، لا يفهم ما يقرأ عليه من جزء ولا ديوان، فهذا لا يطلق عليه اسم محدث بل ولا إنسان، وأنه مع الجهالة آكل حرام، فإن استحله خرج من دين الإسلام.
قال: والظاهر أنها نفثة مصدور، ورمية معذور، وبها يتسلى القائم في هذا الزمان بتحقيق هذا الشان مع قلة الأعوان، وكثرة الحسد والخذلان، والله المستعان، وعليه التكلان.
هذه الصورة لبعض ما أورده المؤلف في هذا الموضع أردت أن أنقله بنصه ليكون أمام القارئ محددًا معالم الصورة لبعض ما تعرض المؤلف له في شرح ألفية العراقي، مخالفًا ما وعد به في المقدمة من الاختصار في هذا الشرح، وقد كان ﵀ في غنى عن التقيد بتكلفات السجع وقيوده، فكثيرًا ما تكون المعاني ضحية تلك التكلفات، وإن في بيانه الذي أورده بعد هذا، وأضاف به إلى ما سبق تأكيدات لما اختاره، وبما نقله عن العلماء في نحو خمس صفحات من هذا الكتاب أقول: إن في هذا لكفاية تغني الدارس في هذا المقام عن طلب المزيد مما هو إلى علوم الأدب والبيان أقرب منه إلى علوم الحديث.
٥- يورد المؤلف في أثناء الشرح تراجم قصيرة لبعض من ورد ذكرهم في الألفية ومن ينقل عنهم من العلماء، تعريفًا بهم، وتوثيقًا لما نقله عنهم.
ومن ذلك ما ذكره ترجمة للإمام فخر الدين١ فقد ذكر أنه الرازي نسبة: بإلحاق الزاي للري المدينة المشهورة من بلاد الديلم بين قومس والخيال، صاحب التفسير والمحصول ومناقب الشافعي
_________________
(١) ١ فتح المغيث ج١ ص١١٤.
[ ٤١٠ ]
وشرح الوجيز للغزالي وغيرها، وأحد الأئمة، وهو أبو عبد الله وأبو الفضائل محمد بن الخطيب بالري، تلميذ محيي السنة الإمام ضياء الدين عمر بن الحسين بن الحسن، وهكذا إلى أن ذكر سنة وفاته.
هذا بعض ما لاحظناه من ظواهر عند الدراسة لهذا الكتاب في موضوعه من شرح ألفية الزين العراقي في علوم الحديث.
وهناك -أيضًا- ما ينبغي التنبيه إليه، فإن ناشر الكتاب١ لم يعطه من العناية في التصحيح والإخراج ما هو جدير به، فإن فيه أخطاء في الطبع كثيرة، لا يستقيم مع وجودها فهم الكتاب، وإن فيه لسقطات في أبيات الأصل ذاته، لم تذكر في موضعها عند إيراد الأصل، وذكرت في ثنايا الشرح لأبيات الألفية.
ومن ذلك ما سقط من "فروع"٢ من أبيات الأصل أوردها الشرح في أثنائه٣ نوردها مفروزة منه كما يأتي:
لكن حديث كان باب المصطفى يقرع بالأظفار مما وقفا
حكما لدى الحاكم والخطيب والرفع عند الشيخ ذو تصويب
وأما عد ما فسره الصحابي رفعا فمفصول على الأسباب
وقولهم يرفعه يبلغ به رواية ينميه رفع فاثبت
وإن يقل عن تابع فمرسل عنه نقلوا تصحيح وقفه
ويلاحظ أنه لم يورد هذه الأبيات صحيحة كما ينبغي، فإنها وما جاء في أثناء الشرح بعدها من أبيات كثيرة لم تدرج ضمن أبيات الأصل قد مسخت وشوهت في الشرح، ولا يستطيع الدارس أن يتبين منها المعاني إلا بعد عناء كبير يراجع معه كثيرًا من الكتب التي تناولت الموضوع، مما يجعلنا نرجو أن يعاد طبع هذا الكتاب على صورة تليق بجلاله ما ورد فيه من علوم، وأن يعنى بتصحيح عبارته وكلماته وتبيين أصله من شرحه.
وبعد: فإن هذا الكتاب الجليل فتح المغيث شرح ألفية الحديث أعظم كتاب علمناه شرحًا لألفية العراقي، فهو أجلها فائدة وأغزرها مادة، وليس هذا بعجيب، فمؤلفه الإمام السخاوي أحد الأئمة الأفذاذ في علوم الحديث.
رحم الله الإمامين الحافظين العراقي والسخاوي، وأجزل لهما من الأجر كفاء ما قدما للأمة الإسلامية من بر، وما أسديا إليها من معروف.
_________________
(١) ١ في طبعته الثانية بمطبعة العاصمة بالقاهرة، عام ١٣٨٨هـ. ٢ فتح المغيث ج١ ص١٠٧. ٣ فتح المغيث ج١ ص١١٦ وما بعدها.
[ ٤١١ ]
وهكذا سار بهذا المسلك المنطق الدقيق المنضبط الجامع الحاصر لأهم ما يلزم معرفته في هذا العلم.
وتطرق في دراسته إلى بيان حقيقة الصحابي، والفرق بين المرفوع، والموقوف والمقطوع، ثم إلى مباحث أخرى كاتفاق الرواة في الأسماء والأوصاف أو اختلافهم، وما يتصل بذلك، ثم إلى بيان مراتب كل من الجرح والتعديل.
وختم هذا الكتيب ببيان معرفة الكنى -كنى المسمين- وأسماء المكنين، ومن اسمه كنيته، ومن اختلفت كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته، ومن وافقت كنيته اسم أبيه أو بالعكس. وما إلى ذلك مما وضع فيه كثير من المؤلفات، حتى لا يبالغ من قال: إن من حفظ هذا الكتاب واحتفظ بما فيه من المعلومات يمكن أن يستغني به عما وراءه من كتب هذا الفن.
وأما شرحه -وهو للمؤلف نفسه كما قلنا- فقد ذكر في سبب تأليفه أن من سأله تلخيص المهم من فن المصطلح رغب إليه ثانيًا أن يضع عليه شرحًا يحل رموزه، ويفتح كنوزه١، ويوضح ما خفي على المبتدء من ذلك، فشرحه شرحًا بالغ فيه في الإيضاح والتوجيه. ونبه على خفايا زواياه. لأن صاحب البيت أدرى بما فيه، وقال: إنه ظهر له أن إيراده على صورة البسط أليق، ودمجها ضمن توضيحه أفوق، فسلك هذه الطريقة القليلة المسالك.
وهو يريد بذلك أنه قد بسط المتن بالشرح بسطًا يلقي عليه الضوء لإيضاح معلوماته، وهو في الوقت نفسه أدمجه معه فصارا كتابًا واحدًا بفنه التأليفي المتين.
ولقد صدق في أنه بسط الكتاب فهو -مثلًا- عند تقسيم الخبر إلى متواتر وغيره٢ أدمج في شرحه تصوير الخبر، والخلاف في أنه مرادف للحديث أو مخالف، وما يترتب على ذلك، وما قيل من أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، وعند ذكر أن الطرق في المتواتر بلا عدد معين صور أن ذلك يكون بأن تكون العادة أحالت تواطؤهم على الكذب، وحينئذ لا يكون هناك معنى لتعيين العدد، ثم أورد الخلاف في ذلك بأن بعضهم يعين العدد في الأربعة، وقيل: في الخمسة، وقيل: السبعة، وقيل: العشرة، وغيرها إلى السبعين وقيل غير ذلك، وقال: إن كل قارئ تمسك بدليل جاء فيه ذكر العدد فأفاد العلم، ثم استوفى بقية شروط التواتر في إيجاز لطيف.
وإذا انتقلنا إلى حديثه عن المشهور٣ نرى أنه على وجازته يبين مرتبته من أقسام الآحاد، وأنه أولها، وأنه محصور بأكثر من اثنين، وأن جماعة من أئمة الفقهاء سموه المستفيض لانتشاره، من فاض يفيض فيضًا، وأن منهم من غاير بين المستفيض والمشهور بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، ثم قال: ومنهم من غابر كيفية أخرى وليس من مباحث
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص٣. ٢ نخبة الفكر ص٣. ٣ نخبة الفكر ص٥.
[ ٤١٢ ]
نخبة الفكر وشرحها:
لشيخ الإسلام ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
الكتابان للإمام الحافظ شيخ الإسلام أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة للهجرة، وقد سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام من بين كتب الأحكام.
والمتن كما وصفه المؤلف في أول كتابه وشرحه إذ يقول: إن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت في القديم والحديث، فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فلخصته في أوراق لطيفة سميتها نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته. مع ما ضممته إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد، فأجبته إلى سؤاله، رجال الاندراج في تلك المسالك.
وإنما كان الكتاب على ترتيبه المبتكر؛ لأنه لم يسرد الأنواع سردًا قد يتدخل فيه بعضها مع بعض، ولكنه قسمها تقسيمًا حاضرًا مباينًا دقيقًا كما يصنع المنطقيون بالترديد بين النفي والإثبات، أو بين القسم ومقابله، فإنه بدأ فقال: إن الخبر إما أن يكون له طرق بلا حصر معين، أو مع حصر بما فوق الاثنين، أو بهما، أو بواحد، فالأول: المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه، والثاني: المشهور وهو المستفيض على رأي جماعة، والثالث: العزيز، والرابع: الغريب، وكلها سوى الأول آحاد، وفيها المقبول والمردود، لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول، وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، ثم قسم الغرابة بأنها إما أن تكون في أصل السند أولًا، وذكر اسم كل منهما، ثم انتقل إلى تقسيم خبر الآحاد إلى صحيح وحسن وضعيف، مع بيان وجه الحصر، وبين أن الصحيح تتفاوت مراتبه بتفاوت أوصافه، وربط بهذا ترتيب الكتب الصحاح في الأفضلية، ثم تطرق إلى بيان الحسن بحذف قيد من قيود الصحيح، وأورد أن كثرة الطرق فيه تجعله صحيحًا لغيره، وتطرق إلى بيان حكم ما إذا اجتمع الوصف بالصحة والحسن.
ثم أورد صور التخالف مبينًا الرواية بأقسامها الأربعة التي تشمل المحفوظ والشاذ والمعروف والمنكر، وانتقل إلى بيان ما إذا وجدت موافقة بين حديثين، وما تناوله مما يشمل التابع والشاهد والاعتبار، وانتقل إلى بيان تقسيم في المقبول يتناول السلامة من المعارضة، فأدمج في ذلك المحكم ومختلف الحديث، والناسخ والمنسوخ، وانتقل بعد ذلك إلى تقسيم المردود بحسب موجب الرد، وأورد تحت ذلك ما يسمى المعلق والمرسل والمنقطع والمدلس والمعنعن والموضوع والمتروك والمنكر. وما إلى ذلك.
[ ٤١٣ ]
هذا الفن، وذكر لطيفة، وهي أن المشهور يطلق على ما حرر هنا وعلى ما اشتهر على الألسنة فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدًا، بل ما ليس له إسناد أصلًا.
وإذا انتقلنا إلى العزيز١ وجدناه يوضح قوله في المتن "وليس شرطًا للصحيح خلافًا لمن زعمه" فيقول: إن ذلك الزاعم هو أبو علي الجبائي من المعتزلة، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال: الصحيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة، بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة، وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه على البخاري بأن ذلك شرط البخاري، وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر، ثم ذكر ما قيل في حديث: "الأعمال بالنيات"، وجواب القاضي الضعيف عن انفراد رواته، ثم نقل عن ابن رشيد قوله: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادعى أنه شرط البخاري أول حديث مذكور فيه، ثم قال: وادعى ابن حبان نقيض دعوى القاضي فقال: إن رواية اثنين عن اثنين إلى النهاية لا توجد أصلًا، ورد ذلك ردًّا مفحمًا، وأورد مثاله من الصحيحين، وهو حديث أنس: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه " الحديث، وهذه من نفائس الفن.
وهكذا نجده سلك ذلك المسلك الذي يشحن الأفئدة بالمعارف المتتابعة، ولولا أنه فني بارع لما استطاع أن ينفع قراءه بهذه النفائس القيمة.
ولا بد أن نذكر -على سبيل المثال- ما أورده في المرسل الخفي٢ إذا صدر عن معاصر لم يلق من حدث عنه، بل بينه وبينه واسطة، فقد ذكر الفرق بين المدلس والمرسل الخفي فقال: إنه دقيق حصل تحريره بما ذكر هنا، وهو أن التدليس يختص بمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لقي لزمه دخول المرسل في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما، ثم برهن على ذلك، وأطال في برهانه عليه.
ونذكر -على سبيل المثال أيضًا- أنه ذكر الموضوع٣ وهو المطعون فيه بكذب راويه في الحديث، فاستطرد بقوله: إن الحكم بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع، إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تامًّا وذهنه ثاقبًا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة، وقد لا يعرف الوضع بإقرار واضعه، قال ابن دقيق العيد: لكن لا يقطع بذلك لجواز أن يكون كذب في ذلك الإقرار ا. هـ. وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلًا، وليس ذلك
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص٥. ٢ نخبة الفكر ص١٨. ٣ نخبة الفكر ص١٩.
[ ٤١٤ ]
مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكونا كاذبين.
ثم تطرق إلى بيان القرائن التي يعرف بها الوضع١ فأطال وأفاد، ونذكر على سبيل المثال أنه قال في المتن٢: ولا يجوز تعمد تغيير المتن "متن الحديث" مطلقًا، ولا الاختصار منه بالنقض، ولا إبدال اللفظ المرادف باللفظ المرادف إلا لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني، وقال في الشرح: إن ذلك هو الصحيح في المسألتين -وذكر الخلاف في اختصار الحديث، ووجهة نظر الجمهور في جوازه بما يؤيد مذهبهم- وأما الرواية بالمعنى فقال: إن الخلاف فيها شهير، والأكثر على جوازه، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى، ثم أفاض في ذكر الخلاف في ذلك.
ثم ذكر على سبيل المثال أنه تناول الحديث المرفوع في تقسيمه، وبين أنه ما انتهى إلى النبي ﷺ تصريحًا أو حكمًا من قوله أو فعله أو تقريره، وفي الشرح أورد مثالًا لكل فقال: إن المرفوع من القول تصريحًا أن يقول الصحابي: سمعت النبي ﷺ يقول كذا، أو حدثنا رسول الله ﷺ بكذا، أو يقول هو أو غيره: قال رسول الله ﷺ كذا، أو عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا أو نحو ذلك، وهذا الترديد يفهمه العارفون لفن المصطلح بأنه يشمل المتصل والمرسل والمعلق والمعنعن والمنقطع والمعضل، وغير ذلك.
ثم قال: ومثال المرفوع من الفعل تصريحًا أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله ﷺ فعل كذا، أو يقول هو أو غيره: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا، وهذا يتناول جميع الأقسام التي أشرنا إليها عند تمثيله للمرفوع من القول تصريحًا، ثم قال: ومثال المرفوع من التقرير تصريحًا أن يقول الصحابي: فعلت بحضرة رسول الله ﷺ كذا، أو يقول هو أو غيره: فعل فلان بحضرة رسول الله ﷺ كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك، ومثال المرفوع من القول حكمًا لا تصريحًا أن يقول الصحابي -الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات- ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، ثم بين لم كان ذلك في حكم المرفوع.
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص٢٠. ٢ نخبة الفكر ص٢٢، ٢٣.
[ ٤١٥ ]
وقال بعد ذلك: ومثال المرفوع من الفعل حكمًا أن يفعل الصحابي ما لا مجال لاجتهاد فيه. فيدل على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ، كما قال الشافعي ﵁ في صلاة علي في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين.
وهكذا ظل يذكر الأمثلة التي تفتق الأذهان على ألوان من هذا الفن العظيم ثم قال: ويلتحق بقولي حكمًا ما ورد بصيغة الكتابة في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ﷺ، كقول التابعي عن الصحابي يرفع الحديث أو يرويه أو ينميه أو يبلغ به أو رواية أو رواه، وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل ويريدون به النبي ﷺ، كقول ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: "تقاتلون قومًا " الحديث، وفي كلام الخطيب أنه اصطلاح خاص بأهل البصرة، ثم قال: ومن الصيغ المحتملة قول الصحابي: من السنة كذا وأطال في هذا كثيرًا، وسرد أنواعًا من الصيغ المختلفة، وما فيها من كلام العلماء أو اختلافهم، ووجهات نظرهم، مما يدل على أنه يطنب بعلمه في مواضع الإطناب بما تعظيم فائدته وتحلو ثمرته، ويوجز بحكمته في مواضع الإيجاز بما تعجل فائدته، فلله دره.
[ ٤١٦ ]
تدريب الراوي في شرح تقريب النواني
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
وبعد: فقد كان كتاب الإمام السيوطي "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" من بين تلك الكتب العظيمة النافعة التي أبرزت شخصية السيوطي الجليلة بما له من تحقيق وسعة أفق، وعمق بحث وكثرة اطلاع، جعلت كتابه هذا مرجعًا لطلاب علوم الحديث، ومن يعشون إلى ضوء السنة النبوية في دراية علومها، والأخذ بأكبر نصيب منها، عدا ما له من الكتب القيمة في هذا الفن مما سبقت الإشارة إليه في التمهيد لهذا البحث، وفي الترجمة لمؤلفه الإمام السيوطي على الجوامع.
وقد أورد الإمام السيوطي الباعث على تأليفه لهذا الكتاب مع بيان قيمته في تقدمته له فقال: طالما قيدت في هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب، فرأيت كاب التقريب والتيسير لشيخ الإسلام الحافظ ولي الله أبي زكريا النواوي، ثم أطنب في وصف الكتاب ومؤلفه إلى أن قال:" فقوي العزم على كتابة شرح عليه، كافل بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه ومبانيه، مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص أو إيراد أو اعتراض، مع الجواب عليه إن كان. مضافًا إليه زوائد عملية، وفوائد جلية.
ثم قال: إنه جعله شرحًا لهذا الكتاب خصوصًا، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عمومًا ثم أورد بعد ذلك عدة فوائد:
الأولى: في حد علم الحديث وما يتبعه، ثم ذكر الحد بعبارات مختلفة، وتناول الكلام على كل من السند والمتن، وعلى معنى الحديث.
والثانية: خصصها لحد كل من الحافظ والمحدث والمسند، واستطرد فيها إلى عدة بحوث ونقول مختلفة على عادته المعروفة في الاستطراد.
والثالثة: في بيان من ألف في المصطلح ابتداء من القاضي أبي محمد الرامهرمزي إلى مقدمة ابن الصلاح، وساير في ذلك تصوير شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، ولم يزد عليه أكثر من قوله وقد تبعه "يريد ابن الصلاح" على ترتيبه جماعة منهم المصنف "النووي" وابن كثير والعراقي والبلقيني، وغيره جماعة كابن جماعة والتبريزي والطيبي والزركشي.
والرابعة: في أنواع علوم الحديث، وبيان عددها على النحو الذي بيناه في صدر هذا التمهيد.
[ ٤١٧ ]
وطريقته الأساسية في شرح هذا الكتاب أنه يلتزم متابعة الإمام النووي فيما أورده في كتاب التقريب. وجعل مقصوده الأول أن يشرح عباراته، ويبين المراد بها، ويوضح الغامض منها -إن كان- ثم يتبع ذلك بذكر تنبيهات أو فوائد مما وصل إليه بالتنقيب والبحث، مما يقيم أكبر البرهان على أنه استوعب هذا العلم، ووصل فيه إلى أعلى الدرجات، وكثيرًا ما ينص على ما يخالف فيه المختصر "التقريب" أصله "مقدمة ابن الصلاح ولنبين هذه الطريقة في مثال واحد:
بدأ مصنف التقريب بتعريف الصحيح بأنه: ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. فكان تعليق السيوطي على هذا التعريف في اثنتي عشرة صفحة من كتابه التدريب، وتناول فيها ما يأتي:
أولًا: لم عدل المصنف عن عبارة أصله: المسند الذي تيصل إسناده؟
ثانيًا: ولماذا جمع العدل الضابط بالعدول الضابطين مع أن ابن الصلاح عبر بالمفرد؟
ثالثًا: ما الذي يخرج بالقيد الأول؟ وما الذي يخرج بالقيد الثاني؟ وما الذي يخرج بالقيد الثالث؟ وكذلك الرابع والخامس؟
رابعًا: أورد تنبيهات:
أ- كيف حد الخطابي الصحيح؟ وما وجه الاختلاف بينه وبين المصنف؟
وما رأي شيخ الإسلام في الأرجح منها؟ وما مسلك العراقي في هذا المقام؟
ب- لماذا ترك المصنف قيد نفي الإنكار في الحديث؟
ج- لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا مع أنه مختلف، بعضه ينافي الصحة وبعضه لا ينافيها، وما موقف شيخ الإسلام ابن حجر في ذلك؟
د- لماذا لم يقيد العلة بكونها قادحة؟ وإن اشترك في ذلك مع أصله مقدمة ابن الصلاح.
هـ- ورد على التعريف أنه لا يشمل الصحيح لغيره، وكان ينبغي إدخاله.
وورد على التعريف المتواتر فإنه لا يشترط فيه هذه الشروط مع كونه صحيحًا، وما رأي شيخ الإسلام في ذلك؟
ز- اعترض ابن حجر على المصنف وابن الصلاح معًا؛ لأنهما جعلا الحسن قسمين: لذاته ولغيره، وهذا التقسيم يجري في الصحيح.
ثم ينتقل إلى ذكر فائدتين:
الأولى: أن كلام ابن الصلاح في شرحه لمسلم يدل على أنه أخذ تعريف الصحيح هنا من كلام مسلم، ولكن شيخ الإسلام اعترض بأن مسلمًا لم يذكر انتفاء الشذوذ.
[ ٤١٨ ]
الثانية: أنه بقيت شروط أخرى -مختلف فيها- لم يذكرها، منها كون الراوي مشهور بالطلب، والخلاف في ذلك، واختيار شيخ الإسلام، ومنها اشتراط ثبوت السماع لكل راو من شيخه، ومنها اشتراط العدد في الرواية كالشهادة وما قيل في ذلك.
وبهذه البحوث، وبذكر وجهات النظر المختلفة فيها -سواء أكانت في التنبيهات أو الفوائد- ينتهي تعليقه على تعريف الإمام النووي للحديث الصحيح.
أما ذلك المسلك الذي سلكه الإمام النووي في عرض تلخيصه لمقدمة ابن الصلاح وسايره السيوطي بالشرح على الوجه الذي أوردناه، فإنه ابتدأ كتابه بخطبة بين فيها فضل علم الحديث إجمالًا، وأنه اختصر كتابه هذا من كتابه الإرشاد، الذي اختصره من كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، وأنه بالغ في الاختصار من غير إخلال بالمقصود، وحرص على إيضاح العبارة، ثم قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف١ وعرف الصحيح بما أوردناه عند بيان طريقة السيوطي في التدريب، ثم بين المراد بقوله "حديث صحيح"٢ ثم بين المختار من أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقًا ثم بين أول مصنف في الصحيح المجرد، والخلاف في الأفضل من الصحيحين٣، وكيف أن الصحيحين لم يستوعبا ولم يلتزما ذلك، وبيان الأصول الستة وما فاتها من الأحاديث الصحيحة، وجملة ما في البخاري بالمكرر وبحذفه، ومسلم كذلك، وبم تعرف الزيادة على الصحيحين من الأحاديث الصحيحة٤ وما فائدة مستدرك الحاكم، وما قيمته الحديثية، والمفاضلة بينه وبين صحيح ابن حبان، ثم صور الكتب المخرجة على الصحيحين مع بيان منزلتها وقيمتها، والفرق بينها وبين المختصرات٥ منها، ثم بيان الحديث المعلق على الصحيحين، وتقسيمه باعتبار الصحة وعدمها، ثم بيان أعلى أقسام الصحيح وما يليه وإذا قالوا: صحيح متفق عليه أو على صحته فما معنى ذلك؟ وهل رواية الشيخين أو أحدهما تفيد القطع بالصحة والخلاف في ذلك، ثم بين حكم من رأى في هذه الأزمان حديثًا صحيح الإسناد في كتب لم ينص على صحته والخلاف في ذلك، ثم بين كيف يسلك من أراد العمل بحديث من كتاب.
وبعد هذا انتقل إلى تعريف الحديث الحسن، وإلى بيان تقسيم ابن الصلاح له، مع تعريف كل قسم، وحكم الحديث الحسن في الاحتجاج به، والفرق بين قولهم: حسن الإسناد أو صحيحة وقولهم: صحيح فقط، أو حسن فقط، ثم معنى قول الترمذي حسن صحيح، ثم اصطلاح البغوي في تقسيم الأحاديث إلى صحاح وحسان، ثم أورد فروعًا في الحديث الحسن:
الأول: يتعلق ببيان مظان الحديث الحسن من كتب السنة.
الثاني: أن الحديث الحسن يرتفع إلى درجة الصحيح أحيانًا.
الثالث: أن الحديث الضعيف يرتفع إلى درجة الحسن أحيانًا.
_________________
(١) ١ ص٦٢ ج١ وما بعدها بأعلى كتاب تدريب الراوي. ٢ ص٧٥ ج١ نفس المصدر. ٣ ص٧٦ ج١ نفس المصدر. ٤ ص١٠٤ ج١ نفس المصدر. ٥ ص١١٢ ج١ نفس المصدر.
[ ٤١٩ ]
ثم انتقل إلى بيان النوع الثالث وهو الضعيف، فعرفه، وبين وجهات تفاوته وما يدخل فيه من الأقسام. ثم انتقل إلى النوع الرابع، وهو المسند، وذكر الاختلاف في تعريفه، ثم إلى النوع الخامس، وهو المتصل فعرفه، ثم إلى النوع السادس، وهو المرفوع فعرفه، وذكر الخلاف فيه، ثم إلى النوع السابع وهو الموقوف فعرفه أيضًا، ثم أورد فروعًا تتعلق بكل من المرفوع والموقوف مثل قول الصحابي: "كنا نقول كذا" وغير ذلك من عبارات الصحابة أو من الرواة عنهم مثل يرفعه أو ينميه، ثم انتقل إلى الثامن، وهو المقطوع فعرفه، وتكلم في الاحتجاج به، وأنه ضعيف أو غير ضعيف.
ثم انتقل إلى النوع التاسع، وهو المرسل، فبين إطلاقه على المنقطع والمعضل، وتكلم في حجيته، واحتجاج الشافعي به، ووجود المراسيل في مسلم، وعذره في ذلك.
ثم انتقل إلى النوع العاشر، وهو المنقطع، وبين الخلاف في تعريفه، ثم إلى النوع الحادي عشر، وهو المعضل، وذكر صورًا منه، ثم أورد بعد ذلك فروعًا يتعلق بعضها بالإسناد المعنعن والخلاف فيه، وبعضها يتعلق بالإسناد المؤنن والخلاف فيه أيضًا، وبعضها يختص بالتعليق، وما يكون منه في حكم الصحيح وما ليس كذلك، وبعضها يتعلق بما إذا اختلفت رواية الحديث بين الإرسال والاتصال، والوقف والرفع وما إلى ذلك، ثم انتقل إلى الثاني عشر وهو التدليس، وتقسيمه ومذاهب العلماء فيه، ثم إلى الثالث عشر وهو الشاذ مع بيان أقسامه، واختلاف وجهات النظر فيه، وانتقل بعد ذلك إلى النوع الرابع عشر وهو المنكر، وذكر في النوع الخامس عشر معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد والفرق بينها، وفي النوع السادس عشر تكلم على زيادة الثقة، وحكمها وتقسيمها والخلاف فيها، وفي السابع عشر، وهو معرفة الأفراد، وتقسيم الفرد وحكم كل، ثم أورد النوع الثامن عشر وهو المعلل فعرف العلة، وبين الطريق إلى معرفتها واختلاف إطلاقها، ثم انتقل إلى التاسع عشر. وهو المضطرب، وبيان تفصيله وحكمه، ثم تكلم في النوع العشرين عن المدرج وأقسامه وحكمها، وفي الحادي والعشرين تكلم عن الموضوع، ومفهومه، وحكمه شرعًا، وما ألف فيه من الكتب وأقسام الواضعين، والرد على من أجاز الوضع، وفي الثاني والعشرين أورد المقلوب، وما وقع للبخاري من الامتحان فيه، ثم أورد فرعًا يتعلق بالحديث الضعيف وما يوصف به: أهو السند أم المتن.
وفي النوع الثالث والعشرين تكلم على من تقبل روايته، وأورد فيه مسائل: إحداها في شروط قبول الرواية، والثانية فيما يثبت العدالة والثالثة فيما يعرف به الضعف، والرابعة في حكم التعديل من غير سبب وبسبب، والخامسة فيما يثبت به كل من الجرح والتعديل، والسادسة حكم رواية مجهول العدالة، ثم ذكر فرعًا في تعديل العبد والمرأة، والسابعة في حكم رواية من كفر ببدعة ومن لم يكفر بها، والثامنة في رواية التائب من الفسق، والتاسعة فيمن روى حديثًا ثم نفاه، والعاشرة في رواية من أخذ أجرًا على التحديث والحادية عشرة في قبول رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، والثانية عشرة في إعراض الناس عن هذه الشروط، والثالثة عشرة في ألفاظ التجريح والتعديل ومراتبها. هذا ما يتصل بما ورد من المتن في الجزء الأول من كتاب التدريب.
[ ٤٢٠ ]
وقد تناول السيوطي دراسة الجزء الثاني منه على غرار دراسته للجزء الأول، على ضوء ما بيناه في مسلكه فيه.
واشتمل الجزء الثاني من الكتاب على ما يأتي من بقية الأنواع، وهي: كبقية سماع الحديث وتحمله وضبطه، وكتابة الحديث، وضبطه وصفته، وصفة رواية الحديث، وحجية المروي من الحفظ والكتاب، ومعرفة آداب المحدث، ومعرفة آداب طالب الحديث وما يتعلق بذلك، ومعرفة الإسناد العالي والنازل وما يتعلق بذلك، ومعرفة الحديث المشهور ثم المتواتر، ومعرفة الغريب والعزيز، وغريب ألفاظ الحديث والمؤلف فيه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة المصحف وما يتعلق به، ومعرفة مختلف الحديث، ومعرفة المزيد في متصل الأسانيد، والمراسيل الخفية والصحابة وما صنف فيه، والتابعين ورواية الأكابر عن الأصاغر، والمدبج وما يتعلق به، ومعرفة الإخوة والمصنفات فيه، ورواية الآباء عن الأبناء وعكس ذلك، ومن اشترك في الرواية عنه اثنان تباعد ما بين وفاتيهما، ومن لم يرو عنه إلا واحد، ومن ذكر بأسماء أو صفات مختلفة ومعرفة المفردات من الأسماء والألقاب، ومعرفة الأسماء والكنى، ومعرفة كنى المعروفين بالأسماء، ومعرفة ألقاب المحدثين والرواة، والمؤتلف والمختلف من ذلك كله، والمتفق والمفترق والمتشابه والمشتبه والمقلوب، والمنسوبين إلى غير آبائهم، والنسب التي على خلاف ظاهرها، والمبهمات، وتاريخ المواليد والوفيات، وما يتعلق بذلك، ومعرفة الثقات والضعفاء، ومعرفة من خلط من الثقات، وطبقات العلماء والرواة، ومعرفة الموالي والمنسوبين إلى القبائل، ومعرفة أوطان الرواة وبلدانهم.
هذه هي الأنواع التي ذكرها صاحب التقريب وتناولها السيوطي بالشرح المسهب والمواد الغزيرة، التي تتفق مع ما بينه في خطبة الكتاب، من أنه كان يريد أن يضع كتابًا مستقلا جامعًا محشودًا بالفوائد والزوائد، ولكنه وجد كتاب التقريب كتابًا جليل النفع عالي القدر، كثير الفوائد غزير الموائد، ولم يجد من تصدى لشرحه على الوجه الذي يمكن أن تقيد فيه تلك الفوائد العظيمة، فجاء هذا الشرح على ما أوضحنا من وصفه، مما دل على أنه كأنه جمع فيه كل ما تسنى له من الكتب المؤلفة في هذا الفن، فأخذ زبدتها، وجمع شتى مسائلها، وإنه في الأمانة العلمية بحيث لم يدخر أن يدل القارئ على مراجع كل مسألة يوردها.
غير أنه بعدما ساير به المصنف في الترتيب والتنظيم، وشرحه على ذلك الوجه العظيم، أورد أنواعًا أخرى: وهي معرفة المعلق والمعنعن ومعرفة المتواتر والعزيز، ومعرفة المستفيض والمحفوظ والمعروف والمتروك والمحرف، ومعرفة أتباع التابعين، ورواية الصحابة بعضهم عن بعض والتابعين كذلك، وما رواه الصحابة عن التابعين، ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه وعكسه، ومعرفة من وافقت كنيته كنية زوجه، ومعرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه، ومن اتفق اسمه واسم أبيه
[ ٤٢١ ]
ومن اتفق اسم شيخه وشيخ شيخه، ومعرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه، ومعرفة من وافق اسمه نسبه، والأسماء التي يشترك فيها الرجال والنساء، وأسباب الحديث، وتواريخ المتون، ومعرفة من لم يرو إلا حديثًا واحدًا، ومعرفة من أسند عنه من الصحابة الذين ماتوا في حياة الرسول ﷺ، ومعرفة الحفاظ.
وهذه الأنواع تنقسم قسمين: قسمًا لم يسبق أن تناوله التقريب، وهو يبتدئ من معرفة أتباع التابعين إلى نهاية ما أوردناه على أنه من زيادته على متن التقريب، وقسمًا سبق إيراده ضمن الأنواع الخمسة والستين الماضية التي ذكرها صاحب التقريب تبعًا لابن الصلاح، ولكنه أوردها لا على أنها أنواع رئيسية، بل على أنها تدخل في البحث ضمن الأنواع الرئيسية، وهي المذكورة قبل ذلك من الأنواع الزائدة.
فالمعلق والمعنعن ورد ذكرهما في قسم المعضل١؛ لأنه يصدق على كل منهما، ويدخلان في مفهومه في بعض صوره، والمتواتر تقدم ذكره في قسم المشهور٢، لأن المتواتر مشهور وزيادة، والعزيز تقدم ذكره في قسم الغريب٣ على أنه مرادف له أو منفرد عنه على تفصيل في ذلك، وهذه الأنواع الأربعة وردت في متن التقريب نفسه ضمن الأنواع الرئيسية فيه، والمستفيض٤ ورد ذكره في التدريب على أنه مرادف للمشهور أو قسم منه على الخلاف في ذلك، والمحفوظ والمعروف٥ ورد ذكرهما في التدريب تصويرًا لتقسيم ورد في النخبة لابن حجر٦ فيما وقعت فيه مخالفة الراوي لغيره، والمتروك ورد ذكره في تقسيم أورده ابن حجر في شرح النخبة في قسم المردود، ونقل السيوطي عنه ذلك في التدريب في تنبيه من تنبيهات المنكر٧، والمعروف ورد ذكره في التدريب٨ عند كلام المصنف في التقريب على معرفة المصحف، أورده السيوطي نقلًا عن شيخ الإسلام في تقسيم له يقول فيه: إن ما غير فيه النقط فهو المصحف، وما غير الشكل مع بقاء الحرف فهو المحرف.
وبالجملة فإن الحافظ السيوطي يجمع في كتاب التدريب -على ما قال الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف-٩ ملخصات لكثير من المؤلفات في علم المصطلح، ومنها شرح العراقي على ألفيته ومقدمة ابن الصلاح، وحاشية الزركشي، ونكت العراقي وابن حجر عليها، ومحاسن الاصطلاح والمشتبه للذهبي، وكتب الخطيب المفردة في أنواع علوم الحديث وغيرها، وقد لا ينسب القول لقائله، وقد ينسبه ويتصرف في العبارة، وامتاز كتابه بانفراد في بسط بعض الموضوعات والإسهاب فيها، خصوصًا عن رجال الحديث وتخريج بعضها، وببحوث دينية لم تذكر في غير هذا الكتاب نفع الله بكتاب السيوطي، وجزاه عن تأليفه خير الجزاء.
_________________
(١) ١ ص٢١٤ ج١ التدريب. ٢ ص١٧٦ ج٢ التدريب. ٣ ص١٨٠ ج٢ التدريب. ٤ ص ١٧٣ ج٢ التدريب. ٥ ص ٢٤١ ج١ التدريب. ٦ ص١٣ شرح النخبة وما بعدها. ٧ ص٢٤١ ج١ تدريب، وراجع النخبة وشرحها ص٢١. ٨ ص١٩٥ ج٢ تدريب، ولعل السيوطي رآه في بعض كتب الحافظ ابن حجر غير النخبة وشرحها. ٩ تدريب الراوي ج١ ص٣٤.
[ ٤٢٢ ]
الفصل السابع: كتب التخريج
مدخل
الفصل السابع: كتب التخريج
تمهيد:
يفهم من استعمال كلمة التخريج في عرف المحدثين واصطلاحهم أنهم يريدون -في شأن الأحاديث التي وردت في غير كتب الحديث، أو في كتب الحديث، ولم تبين درجتها ولا وصفها من القبول وعدمه- أن يبينوا للناس مراتب هذه الأحاديث، ودرجاتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، بعد الرجوع إلى مواطن الأحاديث وأصولها الأولى من كتب الرواية، كالجوامع والمسانيد والمعاجم والسنن، تلك التي كتبت بأسانيدها في العصور الأولى.
وإنما يفعلون ذلك ذبًّا عن السنة، ونصحًا للأمة، حتى لا يتورط مسلم في قبول حديث غير معتبر، أو اتخاذه دليلا وهو لا يصلح لذلك، وحتى لا يسيء الظن في بعض الأحاديث التي ثبت روايتها عن النبي ﷺ، وهي على خلاف ما يتوهمه أو يفهمه في بعض شئون الدين.
وهذه المهمة لا يحسن القيام بها إلا فحول هذا الشأن المبرزون من رجاله، فهم الذين يفهمون حق الفهم مراجع السنة ومظانها، وإن بعض هؤلاء الأئمة قد يعوزهم الوصول إلى بعض المرويات، فيعترف بأنه لم يقف عليه أو لم يجده هكذا، أو ما أشبه ذلك، كما فعل الزين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، وقد يستدرك بعض المتأخرين ببيان ما وصلوا إليه مما فات بعض المتقدمين، كما فعل قاسم بن قطلوبغا على الحافظ العراقي ببيان ما فات العراقي في تخريج الإحياء، في كتابه الذي سماه تحفة الأحياء بما فات من تخاريج الإحياء.
ويبدو أن فكرة التخريج نجمت بعد أن ظهرت عدة كتب في الفقه والتصوف والعقائد، ولا سيما تلك التي يؤلفها أصحاب النحل، أو الذين يقحمون الأحاديث في كتب التفسير، فكان لا بد من بيان تلك الأحاديث، والرجوع بها إلى مصادرها الأصلية، وبحث أسانيدها للوصول من ذلك إلى تعرف مراتبها من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع.
وقد ألف في التخريج علماء كثيرون، منهم من أطال، ومنهم من اختصر، ومنهم من سلك مسلكًا وسطًا بين ذلك، ثم تكون النتيجة من دراسات الجميع أن يصلوا بالدرس إلى تعرف درجات تلك الأحاديث التي خرجوها، ليكون على بينة من أمره في الانتفاع بها، أو إهمالها، أو رفضها على قدر درجة الحديث ومنزلته.
والذي عرفناه من كتب التخريج هو ما نورده هنا على ترتيب الزمن مع بيان المؤلفين والكتب التي خرجوا أحاديثها بعد مراجعاتنا لما تيسر لنا من المراجع لذلك، ككتاب كشف الظنون وذيله
[ ٤٢٥ ]
وهدية العارفين، وكتب التراجم الأخرى، والرسالة المستطرفة١ التي استوعبت أكثر ما بين من كتب التخريج في المراجع الأخرى.
ومن هذه الكتب:
١- تخريج أحاديث المهذب في الفقه، لأبي بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم المعروف بالحازمي الهمذاني، غلب عليه علم الحديث، وصنف فيه تصانيفه المشهورة، منها الناسخ والمنسوخ في الحديث لم يصف في فنه مثله، وكتاب المشتبه، وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد عن الشافعي، توفي ﵀ عام أربع وثمانين وخمسمائة٢.
٢- تخريج المختصر الكبير لابن الحاجب، لمحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل الحافظ الناقد النحوي المتفنن، أخذ عن ابن تيمية وأبي الحجاج المزي والذهبي وغيرهم، وصنف تصانيف كثيرة عدها ابن رجب في سبعين مصنفًا، وتوفي ﵀ عام أربع وأربعين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون٣.
٣- تخريج أحاديث الهداية، لعلاء الدين علي بن عثمان بن مصطفى المارديني التركماني الحنفي، تفقه وتمرس، وأفتى ودرس، وصنف التصانيف الحافلة، له غريب القرآن ومختصر ابن الصلاح، والكفاية في مختصر الهداية، والجوهر النقي، ومختصر المحصل في الفلسفة، وتوفي ﵀ عام خمسين وسبعمائة٤.
٤- تخريج أحاديث الكشاف.
٥- تخريج أحاديث الخلاصة في الفقه الحنفي.
٦- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية.
وهذه الكتب الثلاثة ألفها الحافظ عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي الحنفي، المتوفى عام اثنين وستين وسبعمائة٥.
٧- كاشف الغمة عن شافعية الأمة، أو أمنية الألمعي في أحاديث الرافعي، لشمس الدين أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى بن عبد الرحيم المغربي الأصل المصري المعروف بابن النقاش، المتوفى عام ثلاث وستين وسبعمائة٦.
_________________
(١) ١ ص١٣٩ وما بعدها. ٢ شذرات الذهب ص٢٨٢ ج٤. ٣ شذرات الذهب ج٦ ص١٤١. ٤ ج٣ ص١٥٧ الدرر الكامنة. ٥ البدر الطالع ج١ ص٤٠٢، حسن المحاضرة ج١ ص٣٥٩. ٦ شذرات الذهب ص١٨٩ ج٦، البدر الطالع ص٢١١ ج٢.
[ ٤٢٦ ]
٨- تخريج أحاديث الرافعي، لعبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى عام سبع وستين وسبعمائة١.
٩- رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
١٠- تخريج أحاديث منهاج البيضاوي في الأصول.
والكتابان لتاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشافعي القاهري، المتوفى عام سبعين وسبعمائة٢.
١١- العناية في تخريج أحاديث الكفاية، وهو تلخيص لكتاب الهداية في فقه الحنفية.
١٢- الطرق والوسائل في تخريج أحاديث خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل.
والكتابان لعبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم الحنفي القرشي، سمع من ابن الصواف ومن الرشيد بن العلم ومن حسين الكردي ومن خلائق، وشرح معاني الآثار، توفي بعد أن أضر في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة٣.
١٣- تخريج أحاديث الرافعي، لأبي عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي، الشافعي المصنف المحرر، المولود سنة خمس وأربعين وسبعمائة٤ أخذ عن جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني، ورجل إلى حلب إلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، قال البرماوي: كان منقطعًا إلى الاشتغال لا ينشغل عنه بشيء، ومن تصانيفه إعلام الساجد بأحكام المساجد، والبرهان في علوم القرآن، وتجلي الأفراح تلخيص المفتاح، وتكملة شرح المنهاج للإسنوي، والروضة، وهو كتاب كبير فيه فوائد جليلة، والنكت على البخاري، وشرح جمع الجوامع للسبكي٥، توفي بمصر في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى.
١٤- المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح، لمحمد بن إبراهيم بن إسحاق٦ بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المناوي القاهري الشافعي، المتوفى عام ثلاث وثمانمائة.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ص٢٠٨ ج٦ والبدر الطالع ٣٥٩ ج١. ٢ شذرات الذهب ص٢٢١ ج٦ والبدر الطالع ص٤٦٧ ج١. ٣ شذرات الذهب ص٢٣٨ ج٦. ٤، ٥ شذرات الذهب ص٣٣٥ ج٦، هدية العارفين ص١٧٤ ج٦. ٦ شذرات الذهب ج٧ ص٣٤، ليس هو محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المتوفى سنة ٧٤٦ كما توهم ذلك صاحب هدية العارفين فنسب إليه تخريج أحاديث المصابيح نقلًا من السيوطي، والسيوطي لم يذكر ذلك.
[ ٤٢٧ ]
١٥- تخريج أحاديث المختصر الكبير لابن الحاجب "عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المصري".
١٦- تذكرة الأحبار بما في الوسيط من الأخبار.
١٧- المحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب.
١٨- تحفة المحتاج إلى أحاديث المنهاج، أي منهاج البيضاوي في الأصول.
١٩- البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وهو في سبع مجلدات.
٢٠- خلاصة البدر المنير في مجلدين.
٢١- منتقى خلاصة البدر المنير في مجلد.
وهذه الكتب لابن الملقن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج، الأندلسي ثم المصري، المتوفى عام أربع وثمانمائة١.
٢٢- تخريج أحاديث منهاج البيضاوي.
٢٣- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، الذي اخترناه للدراسة من بين كتب التخريج.
والكتابان لأبي الفضل زين الدين عبد الرحمن العراقي المصري، المتوفى سنة ست وثمانمائة للهجرة٢.
٢٤- تخريج أحاديث الرافعي لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال، قاضي القضاة الدمشقي المعروف بابن الحسباني، تفقه على أبيه وغيره، وسمع على أصحاب الفخر وطلب بنفسه فأكثر جدًّا بدمشق والقاهرة، وكتب تفسيرًا أجاد فيه ولم يكمل، وعلق على الحاوي في الفقه، وتوفي سنة خمس عشرة وثمانمائة٣.
٢٥- تخريج أحاديث الرافعي للإمام عز الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر بن عز الدين عبد العزيز بن بدر الدين محمد بن برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي، المتوفى عام ثماني عشر وثمانمائة٤.
٢٦- الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف.
٢٧- تخريج أحاديث الأذكار للنووي.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ص٤٤ ج٧، والبدر الطالع ج١ ص٥٠٨. ٢ شذرات الذهب ص٥٥٤ ج٧ والبدر الطالع ج١ ص٥٠٨. ٣ شذرات الذهب ص١٠٨ ج٧ وكشف الظنون ص٢٠٠٣. ٤ شذرات الذهب ص١٣٩ ج٧.
[ ٤٢٨ ]
٢٨- تخريج أحاديث الأربعين للنووي.
٢٩- هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة.
٣٠- الدراية في تخريج أحاديث الهداية.
٣١- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وقد اخترناه للدراسة مع غيره من كتب التخريج.
وهذه الكتب الستة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة.
٣٢- تخريج أحاديث تفسير أبي الليث السمرقندي.
٣٣- تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض.
٣٤- تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار في الفقه الحنفي، لمؤلفه مجد الدين عبد الله بن محمود المتوفى سنة ثلاثة وستين وثمانمائة.
٣٥- تحفة الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء.
٣٦- تخريج أحاديث عوارف المعارف للسهروردي.
٣٧- تخريج أحاديث البزدوي في الأصول.
٣٨- تخريج أحاديث الأربعين في أصول الدين للغزالي.
٣٩- تخريج أحاديث جواهر القرآن للغزالي.
٤٠- تخريج أحايدث بداية الهداية للغزالي.
٤١- تخريج أحاديث منهاج العابدين للغزالي.
٤٢- منية الألمعي بما فات الزيلعي.
٤٣- تخريج أحاديث شرح القدوري للأقطع.
٤٤- بغية الرائد في تخريج أحاديث شرح العقائد.
٤٥- نزهة الرايض في تخريج أدلة الفرائض.
وهذه الكتب جميعها للشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله المصري، المتوفى عام تسع وسبعين وثمانمائة.
٤٦- مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا، وهو من بين الكتب التي وقع اختيارنا عليها للدراسة ضمن كتب التخريج.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ص٣٢٦ ج٧، والبدر الطالع ص٤٥ ج٢، كشف الظنون ص١٦٣٤.
[ ٤٢٩ ]
٤٧- نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير.
٤٨- فلق الإصباح في تخريج أحاديث الصحاح.
وهذه الكتب الثلاثة للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى عام أحد عشر وتسعمائة.
٤٩- تخريج أحاديث البحر الزخار في فقه الزيدية للشيخ محمد بن يحيى بن محمد الصعدي اليمني المعروف ببهران الزيدي، وهو أحد علماء اليمن المشهورين، بدأ حياته مشتغلًا بالتجارة ورحل بسببها كثيرًا إلى بلاد اليمن، ودخل الحبشة، وهو في كل ذلك يطلب العلم في كل مجلس يذهب إليه، ومن مشاهير مشايخه السيد المرتضى بن قاسم، وبرع في جميع الفنون، وفاق أقرانه، وصنف التصانيف الحافلة منها في الفقه "شرح الأثمار" في أربع مجلدات، وفي العربية "التحفة" وفي الأصول "الكافل" و"الشافي" في العروض والقوافي، و"المعتمد" في الحديث جمع فيه الأمهات الست، ورتبه على أبواب الفقه، توفي ﵀ عام سبع وخمسين وتسعمائة١.
٥٠- فرائد القلائد في تخريج أحاديث شرح العقائد، أي العقائد النسفية لعلي قارئ ولد بمهراة، ورحل إلى مكة واستقر بها وأخذ عن جماعة المحققين كابن حجر الهيثمي، قال العصامي في وصفه: الجامع للعوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، وله مصنفات منها شروحه لكل من المشكاة والشمايل والوترية والجزرية والشاطبية والنخبة والشفاء، والثمار الجنية في أسماء الحنفية، ولخص القاموس وسماه الناموس، توفي ﵀ عام أربع عشرة وألف للهجرة٢.
٥١- الفتح السماوي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي، للشيخ عبد الرءوف المناوي، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وألف للهجرة.
٥٢- تخريج أحاديث البيضاوي للشيخ محمد همات زادة المتوفى سنة ١١٧٥هـ.
٥٣- موارد أهل السداد والوفا في تكميل مناهل الصفا.
٥٤- تخريج أحاديث الشهاب للقضاعي.
الكتابان لأبي العلاء إدريس بن محمد الحسيني العراقي المتوفى عام أربع وثلاثين ومائتين وألف٣.
٥٥- تخريج أحاديث الشهاب للقضاعي للإمام محمد بن جعفر الكتاني صاحب الرسالة المستطرفة المتوفى بعد العام الثلاثين والثلاثمائة والألف.
وبعد: فهذا هو ما استطعنا أن نصل إلى معرفته عن هذه الثروة الكريمة النافعة، بما تتركه من أثر طيب في خدمة السنة، وتمييز صحيحها من سقيمها، وإن كان ذلك في دائرة معينة
_________________
(١) ١ ذيل كشف الظنون ج٣ ص٢٦٩ وكما جاء في البدر الطالع ج٢ ص٢٧٨. ٢ البدر الطالع ج١ ص٤٤٥. ٣ الرسالة المستطرفة ص١٠٩.
[ ٤٣٠ ]
هي دائرة الأحاديث الواردة في كتب المؤلفين، على أن لرجال الحديث جهدًا مشكورًا في جانب آخر، وهو تخريج ما يدور على ألسنة الناس من الحديث لتمييز صحيحه من سقيمه.
وإننا لنحمد الله ﷿ أن وجدنا المحهود الأكبر في هذه الكتب لفحول أئمة من الحافظ والمحدثين من أهل مصر، إذا كان لهم أكثر من أربعين كتابًا من بين هذه الكتب التي وردت هنا لمؤلفين معروفين، وهي خمسة وخمسون، وذلك ما يعتز به أهل مصر ويفاخرون، ولعل فيه ما يحفزهم على وصل حاضرهم بماضيهم في تنقية السنة، وتمييزها عن غيرها.
وإننا -كذلك- لنسأله تعالى أن يوجه أنظار المسلمين في سائر بقاع الأرض إلى السنة النبوية المطهرة، نشرًا لها وعملًا بها ودفاعًا عنها، وأن يجدوا هذا المجهود الطيب الكريم، واضعين نصب أعينهم أنه يكفي الناس الآن -وقد كثرت شواغلهم- أن يصلوا إلى معرفة درجة الحديث، وهل يصلح للعمل به أو لا يصلح، وهو أمر أصبح يسيرًا بعد أن خدمت السنة وعبدت مشارعها على يد الأولين، وإنه لما يؤسف له أن بعض من ينتسبون إلى العلم يحفظون أحاديث من الكتب المختلفة -سواء من الفقه أو من العقائد أو الوعظ- ثم يلقنونها للناس وهم أحوج ما يكونون إلى أن يعرفوا مقبولها من مردودها، ولكنهم لا يحاولون ذلك لا في أنفسهم، ولا مع من يأخذون عنهم، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.
[ ٤٣١ ]
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار:
للحافظ ابن الفضل زين الدين بعد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ:
وهذا الكتاب ثروة ضخمة، وثمرات طيبة، أماطت اللثام عن كثير من الأحاديث التي أوردها حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وفيها كثير من الغث الذي يجب التنبيه إليه، والتوجيه إلى منزلته، وهو كتاب يحوي آلافًا مؤلفة من الأحاديث النبوية الكريمة التي استشهد بها حجة الإسلام الإمام الغزالي على ما أورده في هذا الكتاب الضخم عظيم الفائدة جليل المنافع في التصوف وعلومه المختلفة، فلولا هذا التخريج من هذا الإمام العليم بالسنة، الخبير بالأحاديث خبرة فائقة لضل كثير من الناس عن سبيل الحق في تعرف الأحاديث، ومعرفة درجتها ورتبتها الصحيحة.
وقد تناول العراقي رحمه الله تعالى في مقدمة تخريجه لأحاديث كتاب الإحياء بيان السبب الباعث على تأليفه، فذكر أنه لما وفقه الله تعالى لإكمال الكلام على أحاديث علوم الدين سنة إحدى وخمسين وسبعمائة تعذر الوقوف على بعض الأحاديث، فأخر تبييضه إلى سنة ستين وسبعمائة وهو يريد بذلك ﵀ أن يتحدث عن التخريج المطول الذي قد تعورف في الأوساط الحديثية ولكنه لم يصل إلينا، وكأنه يريد بإكماله أنه فرغ من تخريج ما انتهت إليه معرفته من الأحاديث الواردة فيه من أوله إلى آخره، بدليل أنه أكمله -كما يقول- ثم قال: إنه منذ سنة ستين ظفر بكثير مما عزب عنه علمه، ثم شرع في تبييضه في مصنف متوسط الحجم، وهو مع ذلك متباطئ في إكماله حتى ظفر بأكثر ما كان لم يقف عليه، ثم تكرر السؤال من جماعة في إكماله، فأجاب إلى ذلك وبادر إليه، ولكنه سلك مسلك الاختصار الشديد، ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار.
فعبارة الحافظ التي تقول: إنه ظفر بأكثر ما كان لم يقف عليه تدل على أنه لم يستوعب جميع الأحاديث بالتخريج، بل ترك منها بقية للمتعقب، وقد تحقق هذا التعقب للإمام الحافظ قاسم بن قطلوبغا المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة، فظفر بما فات الإمام العراقي، ووضع كتابًا سماه تحفة الأحياء بما فات من تخريج الإحياء -كما أشرنا إلى ذلك في موضعه- ولعله استوعب فيه جميع ما فاته، وعسى الله أن يوفق من يعنون بأمر السنة الكريمة إلى إخراج هذا المستدرك ونشره كما نشر أصله.
[ ٤٣٢ ]
كما تفيد عبارته بتمامها أنه ﵀ أخرج الكتاب في ثلاثة أطوار: مطولا ثم متوسطًا ثم مختصرًا١ غاية الاختصار، وقد فسر هذا الاختصار الشديد، بأنه اقتصر فيه على ذكر طرف الحديث وصحابيه ومخرجه، وبيان صحته أو حسنة وضعف مخرجه، فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة، وعند كثير من المحدثين عند المذاكرة والمناظرة، ثم قال: وأبين ما ليس له أصل في الكتب الأصول.
ثم يذكر منهجه في بيان التخريج فيقول: إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه، وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الكتب الستة "إن وجد"، وحيث كان في أحد الكتب الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح، بأن يكون٢ في كتاب التزم مخرجه الصحة، أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء، وحيث كرر المصنف ذكر الحديث فإن كان في باب واحد منه اكتفيت بذكره أول مرة، وربما ذكرته فيه ثانيًا وثالثًا لغرض، أو لذهول عن كونه تقدم وإن كرره في باب آخر ذكرته ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه لذهول عنه وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد بذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات، وحيث لم أجد ذلك الحديث ذكرت ما يغني عنه غالبًا، وربما لم أذكره.
وإننا في هذه المناسبة نستطيع أن نتجه ببعض النقد المهذب إلى الإمام الحافظ، في أن يكون الاختصار حافزًا له على إهمال التنبيه على الحديث المكرر بإحالته على ما تقدم، فإن الكتاب موسوعة علمية كبيرة، وربما اقتصر القارئ له على دراسة موضوعات معينة تعرض فيها أحاديث، وبها ذلك التحويل في التخريج، فيحار في أمر الرجوع إليه في الموضع السابق، وربما حرم نفسه من معرفة درجة الحديث نتيجة لذلك الاختصار الزائد في عرض هذه التخريجات، وقد كان يكفي القارئ في الحديث المكرر أن يعرف درجته التي تبين أنه مقبول أو غير مقبول، وكأنه ﵀ كان يتمثل همته الكريمة في همم القارئين والمطلعين.
وإننا لنشكر لمن أخرجوا ذلك الكتاب القيم ممن ألحقوا تخريج أحاديث كل موضوع معه وبيان كل حديث في هامشه، من تخريج الحافظ العراقي للإحياء، حتى كأن القارئ للكتابين قارئ لكتاب واحد، لا يتكلف عناء ولا مشقة في تعرف درجات ما يقرأ، ولا سيما بعد أن اتجه المؤلف ﵀ إلى الاكتفاء بذكر طرف الحديث، فإن طرف الحديث إذا كان في كتاب مستقل لا يغني القارئ في معرفة الحديث، إلا إذا كان من المتضلعين الذين بلغوا في هذا الفن شأوا
_________________
(١) ١ هذا ما تفيده عبارة الحافظ التي أوردناها من مقدمة كتابه وهو خلاف ما تفيده عبارة في المستطرفة ص١٤٢ من أن له كتابين أحدهما كبير والآخر صغير تأثرًا في ذلك بما ورد في كشف الظنون ج١ ص٢٣ من أن له تخريجين كبيرًا وصغيرًا فإن هناك تبييضًا في مؤلف متوسط الحجم وضعه قبل المختصر. ٢ لعل العبارة: كأن يكون.
[ ٤٣٣ ]
بعيدًا، ولكن إلحاق تخريج أحاديث الإحياء به على هذا الوجه الذي طبع به الكتاب أصبح مغنيًا للقارئ عن استكمال الحديث في كتاب التخريج، فإن الحديث بتمامه مذكور في الأصل الذي خرجت أحاديثه وفي نفس الصحيفة.
أما بيان منهج المصنف في هذا الكتاب فقد أغنانا عنه بما أورده في هذه المقدمة ونقلناه إلى القارئ الكريم.
غير أننا في محاولة تتبعنا لهذا الكتاب سنحت لنا ملاحظات نكتفي بالإشارة إلى أهمها وهي ما يأتي:
أولًا: لم يعن العراقي بتخريج الآثار الواردة عن الصحابة وغيرهم، وإن كان عنوان كتابه يسمح بذلك، فإنه خاص بتخريج ما في الإحياء من الأخبار -سواء قلنا إن الخبر مرادف للحديث، أو قلنا إنه أعم من الحديث وغيره، على ما ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة- ولكنه لم يتجه إلى تخريج الموقوفات خشية الإطالة الزائدة، ولم ير ما يدعو إلى تلك الإطالة لأن عناية المحدثين بالأحاديث النبوية أكثر، فتخريجها أيسر، ولأن الركن الأعظم في الاستدلال هو السنة. فضلًا عن أن كتاب الإحياء ليس المقصود فيه الاستدلال الذي يدعو إلى تحري جميع الأخبار، وإنما هو كتاب توجيهي يشحن النفوس بطاقات روحية هائلة، تندفع بها إلى مستويات رفيعة من التهذيب الخلقي والكمال النفسي، وهو قدر يتحقق بما في تلك الآثار التي تأثر أصحابها بما في الدين الإسلامي من معان سامية فأبرزها توجيهات صالحة وهدايات راشدة، وهذا القدر لا يحتاج إلى تحر وتفتيش للتعرف، فإنها لا تخرج عن أن تكون من الحكم التي هي ضالة المؤمن كما ورد في الحديث الشريف١، فلهذا لم تتجه عناية المؤلف إلى تخريجها مع الأحاديث، حتى لا تزاحمها على ذلك المجهود الجبار في تخريج الأحاديث النبوية.
وقد رأينا أن الحافظ العراقي صرح في مناسبة تخريج أثر موقوف بأن الآثار ليست من شرط كتابه، ولكن الأثر: "إن من مكفرات الذنب أن تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلي ركعتين" الذي أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي بكر الصديق ﵁ لما كان هذا الأثر في نظر الغزالي يحتمل أنه حديث موقوف ذكره العراقي في التخريج احتياطًا لهذا الاحتمال٢، وقد سلك العراقي مسلك الاحتياط في محل آخر قد يكون مقابلًا لهذا المجال، فإن الغزالي أورد رواية ضمن استدلال بأحاديث قبله وبعده، ثم أورد بعد ذلك الآثار مما يدل على أنه يقصد بقوله يروي الخبر بمعنى الحديث، ويؤكد ذلك أنه قال قبل ذكر الآثار: والأخبار في هذا لا تحصى، ولكن الحافظ العراقي -لشدة تورعه ومبالغته في الاحتياط- اعتبر هذا التخريج احتياطًا لقصد الغزالي لأنه لم يعزه إلى النبي ﷺ، ويحتمل أنه يقصد به شيئًا آخر غير الحديث، وهو تصرف من العراقي
_________________
(١) ١ "الحكمة ضالة المؤمن" حديث أخرجه الدارقطني كما في كنوز الحقائق بهامش الجامع الصغير ج١ ص١٢١. ٢ المغني ج٤ ص٤٧.
[ ٤٣٤ ]
لا يخلو من غرابة؛ لأنه خرجه -فعلًا- على أنه حديث، ولم يذكر أنه ورد أثرًا ولو في بعض الروايات، فكيف يمكن الجمع بين تخريج الخبر على أنه حديث، ثم اعتبار ذلك التخريج احتياطًا.
وهذه الرواية التي أشرنا إليها هي: "إن الله ﷿ لما لعن إبليس سأله النظيرة، فأنظره إلى يوم القيامة " الخبر١.
ثانيًا: أنه يلتزم في تخريجه الدقة البالغة مع الأدب فيما عسى أن يكون قد صدر من الإمام الغزالي من تهاون في بعض الأحاديث زيادة أو نقصًا، أو روايته لما هو ظاهر الوضع، فهو ينص على عدة من الأحاديث بأنه لم يجدها، وفاء بما التزم به في مقدمته لهذا الكتاب، وتفصيلًا لما أجمله فيها، وهذا مما يدل على أنه -بعرضه في صور تتناسب مع ما يخرجه من الأخبار- لم يستوعب التخريج.
ومن مظاهر هذه الدقة أنه يلون التخريج بألوان متعددة.
فمن ذلك ما يقول في تخريجه: إنه لم يجده، أو لم يجد له أصلًا، ومنه ما جاء من خبر: "لا يدخل أحدكم الصلاة وهو مقطب "٢، وخبر: "إذا قام العبد في الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبين عبده"٣ وما ورد في الخبر: "إن المسجد لينزوي من النخامة "٤ وخبر: "إن حبشيا قال: يا رسول الله إني كنت أعمل الفواحش فهل لي من توبة "٥ وخبر: "إن الله تعالى يبغض الشاب الفاجر "٦، وخبر: "إن البقعة التي يجتمع فيها الناس تلعنهم أو تستغفر لهم إذا تفرقوا "٧.
كل هذه الأخبار وأمثالها قال في تخريج كل منها: إنه لم يجده، أو لم يجد له أصلًا.
ومن الأخبار ما يقول في تخريجها: إنه لم يجد لها إسنادًا، وذلك مثل الخبر: "نعم العون على الدين المرأة الصالحة"٨ لكنه ذكر حديثًا صحيحًا يدل على معناه وهو حديث مسلم.
ومنها ما يقول في تخريجه: وفي إسناده نظر، وذلك مثل الخبر: "لما نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ قال: "يا جبريل وما الصفح الجميل؟ " ٩.
وأحيانًا يقول: لم أجده مرسلًا تعليقًا على ما يفيد الإرسال في كلام الغزالي، وذلك مثل الخبر: "من أتاه رزق من غير وسيلة فرده فإنما يرد على الله"١٠.
_________________
(١) ١ المغني ج٤ ص١٤. ٢ المغني ج٤ ص١٥٧. ٣ المغني ج٤ ص١٧٠. ٤ المغني ج٤ ص١٠٢. ٥ المغني ج٤ ص١٤. ٦ المغني ج٤ ص٧٥. ٨ المغني ج٤ ص١٠٤. ٩ المغني ص١٥٢ ج٤. ١٠ المغني ج٤ ص٢٠٧.
[ ٤٣٥ ]
وتارة يقول: لم أجده مرفوعًا، وذلك مثل خبر: "ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها"١.
وخير: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" ثم قال: إنه منسوب إلى علي كرم الله وجهه٢، وخبر: "جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة"٣ وقال: إنه قول عون بن عبد الله.
وأخرى يقول: لم أجده مرفوعًا بهذا اللفظ، وذلك مثل خبر: "الدنيا مزرعة الآخرة"٤ ثم ساق حديثًا آخر بمعناه وقال: إن إسناده ضعيف.
وأحيانًا يقول: لم أجد له أصلًا وكأنه من الإسرائيليات، وذلك كالخبرين: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، وقوله: "إن الله أوحى إلى عبده داود ﵇ أحبني وأحب من يحبني"٥.
وتارة يقول: لم أجده بهذا اللفظ، وأحيانًا يضيف إليها قوله: وهو صحيح المعنى أو يقول: لا يعرف بهذا اللفظ فضلًا عن صحته.
فمن الأول خبر: "نهى رسول الله ﷺ عن صلاة الحاقب"٦ وهو ضمن عدة منهيات، ومثل خبر: "أن النبي ﷺ لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له أما ترضى؟ "٧.
ومن الثاني الخبر الذي أورده الغزالي "سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون "٨ قال فيه الحافظ العراقي: لم أجده بهذا اللفظ إلا أنه يؤخذ من حديث ابن مسعود، فذكره.
ومن الثالث الخبر: "المؤمن يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم"٩ قال العراقي في تخريج: ادعى الغزالي صحته، ولا يعرف بهذا اللفظ فضلًا عن صحته.
وأحيانًا ينقل ما يعزز به اتجاهه في التخريج كما في الخبر: "أما إني لا أنسى، ولكني أُنسى لأشرع "١٠ فقد نقل عن أبي طاهر الأنماطي في هذا الخبر قوله: وقد طال بحثي عن هذا الخبر وسؤالي عنه للأئمة والحافظ فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به. قال: وادعى بعض طلبه الحديث أنه وقع له مسندًا.
وهذا العرض في تخريج الأحاديث يمثل الأمانة الرفيعة، والدقة البالغة، والاحتياط الواجب.
وإن العراقي -في بعض الأحيان- ليخالف بعض المؤلفين، فقد خالف رزينًا في نسبة بعض الأحاديث إلى بعض الرواة، وذلك كما في خبر: "نهى رسول الله ﷺ عن المواصلة
_________________
(١) ١ المغني ج١ ص١٥٩. ٢ المغني ج٤ ص٢٣. ٣ المغني ج٤ ص٣٤. ٤ المغني ج٤ ص١٩. ٥ المغني ج٤ ص١٤٥. ٦ المغني ج١ ص١٥٦. ٧ المغني ج٤ ص١٤٧. ٨ المغني ج٤ ص٩٩. ٩ المغني ج٦ ص١١٦. ١٠ المغني ج٣ ص٤٣.
[ ٤٣٦ ]
في الصلاة "١. قال العراقي: عزاه رزين إلى الترمذي ولم أجده عنده، وكذلك خبر: "نهى النبي ﷺ عن صلاة الحازق"٢ عزاه رزين إلى الترمذي ولم أجده عنده، والذي ذكره أصحاب الغريب حديث: "لا رأي لحازق".
بل إنه أحيانا بعض أصحاب الرواية كالحاكم، وذلك كما في الخبر: "يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل "٣ الخبر، قال الحاكم: ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن قايد، فقال العراقي: قلت: بل فيه عبد المنعم الديباجي منكر الحديث، كما قاله البخاري وغيره.
ونراه يسجل على الإمام الغزالي التغيير في بعض الأحاديث٤ بزيادة شيء لم يكن مذكورًا، أو ترك شيء مذكور، وذلك في حديث سؤال النبي ﷺ عن الإيمان، وهو وارد في قصة وفد عبد القيس في الصحيحين، لكن ليس فيه ذكر الحج الذي أورده، وفي البخاري: "وأن تؤدوا خمسًا من المغنم" زيادة على ما أورده الغزالي.
كما نجده يسجل عليه إيراده لتعليل غير مطابق، لمخالفته ما هو منقول في نفس الحديث الذي أورده، وذلك في خبر: "شرب النبي ﷺ قائمًا" قال الغزالي: ولعله كان لعذر، فقال العراقي: إن الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس، وأنه كان في ماء زمزم٥.
وتارة يسجل عليه أنه يروي بعض الموقوفات والمقطوعات وينسبها إلى النبي ﷺ، ومن ذلك خبر النهي عن المغالاة في المهر، أورده الغزالي بين الأحاديث بصيغة: "وقد نهى عن المغالاة في المهر" ورد العراقي عليه ذلك، ولكنه لم يكن صريحًا، بل ذكر ما يدل عليه إذ قال: حديث النهي عن المغالاة في المهر. ورد العراقي عليه ذلك، ولكنه لم يكن صريحًا، بل ذكر ما يدل عليه إذ قال: حديث النهي عن المغالاة في المهر رواه أصحاب السنن الأربعة موقوفًا على عمر، وصححه الترمذي٦، ومن ذلك خبر: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله " قال العراقي: إنه لم يجده مرفوعًا، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في الصمت من قول الحسن، وهنا ينصف العراقي الغزالي فيقول: إنه ذكره على الصواب في آفات اللسان،٧ وكذلك خبر: "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة" قال العراقي: ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة كما رواه ابن الجوزي في صفة الصفوة٨.
وأحيانًا يسجل على الغزالي زيادة على ما في الحديث، وذلك مثل حديث: "تذكر النبي ﷺ الجنابة في صلاته فاستخلف واغتسل ثم رجع"٩ قال العراقي: هذا الحديث أخرجه
_________________
(١) ١ المغني ج١ ص١٥٦. ٢ المغني ج١ ص١٥٦ والحازق هو صاحب الخف الضيق. ٣ المغني ج١ ص١٧٥. ٤ المغني ج١ ص١١٦. ٥ المغني ج٢ ص٦. ٦ المغني ج٢ ص٤٠. ٧ المغني ج٢ ص٨٧. ٨ المغني ج٢ ص٢٣١. ٩ المغني ج١ ص١٧٥.
[ ٤٣٧ ]
أبو داود بسند صحيح، وليس فيه ذكر الاستخلاف، وإنما قال الراوي: ثم أومأ إليهم أن مكانكم، وبين العراقي أن الاستخلاف وقع من عمر وعلي، وعند البخاري استخلاف عمر في قصة طعنه.
بل إننا نراه -تحقيقًا لأمانة العلم وإيثارًا لها على الأشخاص- يسجل على حجة الإسلام روايته لأحاديث يصفها العراقي -تارة- بأنها منكرة جدًّا، وتارة بأنها موضوعة أو نحو ذلك فمن ذلك خبر جابر: "من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة" قال العراقي: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم، وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل كذب.
ولعله يسعنا في هذا المقام أن نسجل على الإمام الغزالي -وهو الفيلسوف المسلم الحكيم، والفقيه العليم- الخطأ البين في رواية هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات، فإنها تجرئ الناس -في ظل هذه الترغيبات البراقة، التي تكثر فيها المكافآت الخارجة عن العقل والنقل- على عمل التافه من الأمور، والذي قد يكون بمقتضى عمومه غير مشروع، فيتمسك به العصاة والمستهترون، ويحتجون به على من يحاولون توجيههم إلى الخير بردهم عن العصيان والاستهتار.
وقد نرى الإمام العراقي متجاوبًا مع الغزالي في مقام يورد فيه كلمة الأخبار مجملة فيفصلها العراقي بذكر هذه الأخبار مع تخريج كل منها، وذلك كما أورد الغزالي -نقلًا عن أبي طالب المكي- إن الكبائر سبع عشرة نقلها من جملة الأخبار، فقال العراقي في تخريجه: وسأذكر ما ورد منها مرفوعًا، وقال على طريقته: وقد تقدم أربعة منها في حديث عبد الله بن عمرو، ثم ساق بقية الأحاديث الواردة وخرجها حديثًا حديثًا بما فيها من الموقوفات، ثم اعتذر عن ذلك فقال: وإنما ذكرت الموقوفات حتى يعلم ما ورد من المرفوع وما ورد من الموقوف١.
ونظير ذلك أن الغزالي قال: إن الأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بكذا وكذا أكثر من أن تحصى فعلق عليه العراقي بقوله: الأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بالسموات والأرضين وأجزاء النبات ثم ساق عدة أخبار في هؤلاء الملائكة٢.
ومما يتصل بهذا أنه يذكر للخبر عدة روايات ثم يعقب عليه بأنها كلها ضعيفة، أو لا يصح منها شيء، وذلك كما في خبر: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم" قال الغزالي: وفي رواية "ينفي الفقر قبل الطعام وبعده" فذكر العراقي عدة روايات في هذا الخبر، من بينها ما هو لأبي داود والترمذي، ثم قال: كلها ضعيفة٣، وكما في خبر: "الإنسان عيناه هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان " قال العراقي: أخرجه أبو نعيم في الطب، والطبراني في مسند الشاميين، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة نحوه، ولأحمد من حديث أبي ذر:
_________________
(١) ١ المغني ج٤ ص١٧ وما بعدها. ٢ المغني ج٤ ص١٢١. ٣ المغني ج٢ ص٣.
[ ٤٣٨ ]
وأما الأذن فقمع، وأما العين فمقرة لما يوعى القلب " ثم قال العراقي: ولا يصح منها شيء.
ثالثًا: ربما ترك العراقي بعض الأخبار دون تخريج، وقد وقع لنا من ذلك أثناء المراجعة خبر: "طلب العلم فريضة على كل مسلم " ١ الذي ذكره أكثر من مرة، فقد رأيناه في كتاب العلم، كما رأيناه في فضيلة الحلال ومذمة الحرام محالا على كتاب العلم، ولم يخرج العراقي هذا الحديث في المرة الأولى ولا في الثانية، وربما كان عذره أنه خرج حديث: "اطلبوا العلم ولو بالصين" الغزالي منفصلًا عن "طلب العلم فريضة" وهما حديث واحد في كتب الحديث، ولكن العراقي لم يشر إلى ذلك.
وكذلك خبر: "جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك" فإن الحافظ العراقي لم يتعرض له بنفي ولا إثبات، ولم يخرجه مع أنه في أول باب فوائد الجوع.
رابعًا: ومن الظواهر العامة في الكتاب أنه يسيطر على مؤلفه الاستطراد العلمي بما يخرج عن مهمة المخرج، فإنه -أحيانًا- لا يكتفي برد الحديث إلى مرجعه وبيان مرتبته، وإنما يتجاوز ذلك إلى ترجيح بعض الروايات على بعض.
ومما وقع من ذلك تعليقه على قول الغزالي: وفي الصحيح أيضًا أخبار صحيحة في إباحة العزل عن المرأة٢، فإن الحافظ العراقي علق على ذلك بإيراد أحاديث تدل على تلك الإباحة، ثم نقل عن البيهقي أن رواة الإباحة أكثر وأحفظ.
خامسًا: ومن الظواهر البينة التي يلمسها متصفح الكتاب دون حاجة إلى بحث وتنقيب ما يراه فيه من كثرة المراجع التي يستعين بها في تخريج الأحاديث، وكثير من هذه المراجع عازب وبعيد، ولا يتيسر الحصول عليه ولا التوصل إليه، من أمثال أبي العباس الذهبي في العلم، وابن المجبر في العقل، والبغوي في معجم الصحابة، وأبي الشيخ في الثواب وكتاب العظمة، وابن قانع، وابن أبي الدنيا وما أكثر ما ينقل عن كتبه المتعددة، وأبي سعيد الماليني في مسند الصوفية، وغير هؤلاء كثير.
وهذا مما يدل على تمكن الحافظ العراقي من العلم، وصبره على البحث والتحري، ودأبه في السعي وراء الحقيقة ينشدها في مظانها من كتب الحديث.
وبعد: فإننا -بهذه الدراسة التي لمس منها القارئ جوانب كثيرة في هذا الكتاب- نستطيع أن نقرر أنه موسوعة علمية حديثية كريمة وقيمة، وهو فوق أنه في ذاته تحفة علمية في بابه، فإنه بضميمته إلى كتاب الإحياء يكونان مجموعة خطيرة في علوم الإسلام ومعارفه التي هيمن فيها
_________________
(١) ١ المغني ج١ ص٩ وج٢ ص٨٩. ٢ المغني ج٢ ص٥٢.
[ ٤٣٩ ]
الحافظ العراقي على أهم ناحية يعوزها البحث والتفتيش، فيما هو دعامة يستند إليها حجة الإسلام الغزالي في تحقيق علومه الدينية ومعارفه الإسلامية.
وإذا كان كتاب الإحياء من أعظم منن الله على أمة الإسلام؛ إذ جمع زبد علوم الدين، وأحسن الدعاية لها، والهداية إلى مشاعل الحق والإصلاح في ظلالها فإن تخريج العراقي لأحاديث هذا الكتاب من أعظم منن الله على حجة الإسلام بخاصة، وعلى دارسي هذا الكتاب بعامة، فقد ميز الخبيث من الطيب في تلك الناحية التي لا يتصدى لها إلا الفحول من علماء الدين، وحفاظ الحديث المبرزين.
ولا بد أن نشير هنا إلى أنه إن كان قد فات الحافظ العراقي تخريج بعض الأحاديث فقد تجلت منة الله على هذا الكتاب وعلى قرائه المنتفعين به، وقيض الله له من استكمل ما فات الحافظ العراقي من أحاديثه، وذلك هو الشيخ قاسم بن قطلوبغا إمام المحدثين في عصره في كتابه المسمى: تحفة الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء.
جزى الله الجميع عن جهادهم في تمييز السنة خير الجزاء، ووفقنا للسير على منوالهم، والاستنارة بأنوار مشاعلهم، حتى نستطيع الاحتفاظ بهذا التراث العظيم بعيدًا عن الشبه، جليلًا على المطاعن، يتسلمه من الأجيال القادمة من هو أهل لحمله من هذه الأمة الكريمة إنه سميع مجيب.
[ ٤٤٠ ]
تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:
للحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
هذا الاسم هو الموجود عنوانًا للكتاب المطبوع، ويبدو أنه محرف من "التلخيص الحبير" الذي أورده صاحب الرسالة المستطرفة اسمًا لهذا الكتاب١، والذي هو الأقرب في استعمال اللغة لأن الحبير في اللغة -كما استخلصنا من دراسة المادة-٢ هو ذو الجمال والهيئة، وكون الحبير وصفًا للكتاب هو الأليق؛ لأن كون الكتاب جميلًا على هيئة حسنة سائغ مقبول، وأما استعماله بالإضافة فإنه يجعل الحبير وصفًا للمؤلف، وهو غير لائق في هذا المقام.
ومؤلف هذا الكتاب هو الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة، وقد سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام من بين كتب الأحكام.
وقد ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال:٣ إنه وقف على تخريج أحاديث شرح الوجيز للإمام أبي القاسم الرافعي -شكر الله سعيه- لجماعة من المتأخرين منهم القاضي عز الدين بن جماعة والإمام أبو أمامة بن النقاش، والعلامة سراج الدين عمر بن علي الأنصاري، والمفتي بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر من الفوائد والزوائد، وأوسعها عبارة وأخلصها إشارة كتاب شيخه سراج الدين، إلا أنه أطاله بالتكرار فجاء في سبع مجلدات، ثم رأيته لخصه في مجلدة لطيفة أخل فيها بكثير من مقاصد المطول وتنبيهاته، ثم قال: إنني رأيت تلخيصه في قدر ثلث حجمه مع الالتزام بتحصيل مقاصده، فمن الله بذلك، ثم تتبعت عليه الفوائد الزوائد من تخاريج المذكورين معه، ومن تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية للإمام جمال الدين الزيلعي؛ لأنه ينبه فيه على ما يحتج به مخالفوه، وأرجو الله إن تم هذا التتبع أن يكون حاويا لحل ما يستدل به الفقهاء في مصنفاتهم في الفروع.
هذا هو ما قدم به الحافظ ابن حجر كتابه "التلخيص الحبير" وهو يدل على أنه ليس كتاب تخريج فقط، وإنما هو كتاب تخريج وترجيح وفوائد يوردها بعنوان فوائد تارة، وبعنوان تنبيهات أخرى.
ومن تصفح الكتاب ونظر فيه وجد أنه ينطبق عليه ما أفادته هذه المقدمة، من أن هذا الكتاب ليس كتاب تخريج بالمعنى الذي نفهمه، مما تعارفه علماء الحديث في معنى التخريج، وكما سنبينه في أوصاف الكتاب ومظاهره من أنه لا يقتصر على مجرد التخريج ببيان مراجع الحديث ودرجته من القبول وعدمه، وكان مقتضى ذلك التجاوز عن مهمة المخرج إلى طريقة الفقيه أن يسمى هذا الكتاب
_________________
(١) ١ الرسالة ص١٤٢. ٢ تهذيب اللغة للأزهري ج٥ ص٣٢. ٣ تلخيص الحبير ص٩ ج١.
[ ٤٤١ ]
بما يطابق موضوعه، فأما أن يسمى الكتاب تخريجًا ثم يجد القارئ فيه أضعافًا مضاعفة ما زاد على مهمة التخريج فذلك أمر لا يخلو من نقد، وإذا صح هذا النقد فإننا لا نتجه به إلى المؤلف وحده، وإنما نوجهه أيضًا إلى من سايرهم المؤلف من العلماء الذين ذكرهم في صدر كلامه، وبين أنه وقف على تخريجاتهم وبخاصة شيخه سراج الدين عمر بن علي الأنصاري المعروف بابن الملقن، الذي كان كتابه أصلًا لهذا الكتاب.
وإذا أردنا أن نتناول أهم مظاهر الكتاب الواضحة وصفاته البارزة فإننا نسجل في ذلك ما يأتي مع التيسير بإيراد أرقام الأحاديث التي تبينا من خلالها هذه الصفات:
أولًا: كثيرًا ما يتطرق شيخ الإسلام ابن حجر في هذا التلخيص إلى إعطاء الأحاديث صبغة الأدلة الفقهية، متناولًا إياها من هذه الزواية فوق تناوله إياها من الزاوية الأساسية التي هي تخريج الحديث ومن ذلك:
١- الأحاديث الأربعة١ الأولى في الكتاب أسرف المؤلف في دراستها بعد التخريج بإيراد الأقوال الفقهية، واختلاف الاستنباط باختلاف هذه الأدلة، واختلاف الروايات التي يمكن أن يقع من خلالها بعض ذلك الاختلاف، فهو يذكر رأي ابن عبد البر في حديث البحر: "وهو الطهور ماؤه الحل مينته" بأنه غير صحيح، وأنه لو صح أن البخاري صححه لأخرجه في صحيحه، ويرد عليه بذكر عدة روايات تقتضي صحته، ويطيل في ذلك إلى أن ينتهي إلى قول الشافعي: إن هذا الحديث نصف علم الطهارة، وهذا المسلك هو الذي سلكه أيضًا في حديث بئر بضاعة، وهي بئر كانت تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، ثم ينقل الحديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" ويتناول المناقشة في عموم هذا لحديث أو خصوصه بالنسبة لإطلاق لفظ الشيء، أو تقييده بما إذا لم يغير طعمه أو لونه أو ريحه وهذا التقييد هو ما صرح به في الحديث الثالث: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه" ثم يتكلم في صحة ورود هذا الاستثناء أو عدم وروده، وما يرتبط بذلك من الحكم الفقهي وصحة الاستدلال به لبعض المذاهب، وهل هناك متابعات أو شواهد تؤيده فيصح الاستدلال به -مثلًا- ثم يورد تلك المتابعات والشواهد التي ينتصر بها لمذاهبه في فقه الحديث، ثم يذكر الخلاف في القلتين في الحديث الرابع: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ويبين هل هو مضطرب فلا يستدل به كما يقول بعض الفقهاء؟ أو هو غير مضطرب؟، وعلى فرض اضطرابه فهل ترجحت بعض الطرق فيعمل بها كما هو شأن النظر في الحديث المضطرب؟ ويطيل في هذه الدراسات وما يتصل بها.
وعلى وجه الإجمال فقد تناول هذه الأحاديث الأربعة بالدراسة التي وصفناها في أكثر من عشر صفحات، ولو أنه اقتصر على مهمة التخريج لأوردها جميعًا بتخريجاتها الوافية في أقل من صفحة.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير ج١ ص٩ إلى ٢٠.
[ ٤٤٢ ]
٢- وفي الحديث الستين بعد المائتين: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" يخرج هذا الحديث ويذكر اختلاف رواياته، والخلاف في صحته، ثم يذكر ما يعارضه، ومن استدل بما يعارضه ويحاول أن ينتهي بنتيجة تؤيد مذهبه الفقهي.
٣- وفي الحديث الخمسمائة بعد الألف: "أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة" خرجه بالنسبة إلى الشيخين، وانتهى من تقويمه بهذه النسبة، ولكنه تطرق بعد ذلك إلى بيان أن نكاح المتعة كان جائزًا في صدر الإسلام ثم نسخ، وأورد عبارات من قال ذلك من الصحابة مثل علي وعمر بن الخطاب وابن عمر، ونقل عبارة عن الشافعي تفيد أنه الشيء الوحيد الذي أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم، وقول بعضهم: إنه نسخ ثلاث مرات، وقيل أكثر، واعتذر عمن قال بجوازه لأنه لم يبلغه النهي، وأورد في هذا المقام عبارات كثيرة جدًّا ليست من تخريج الحديث الذي أورده الرافعي.
٤- وفي الحديث السادس بعد الخمسمائة والألف أورد حديث ابن عباس: "أنه كان يجوز نكاح المتعة ثم رجع عنه" فخرجه وقال: إن الترمذي عقد بابًا مفردًا، ثم ذكر اختلاف الأقوال فيما نقل عن عبد الله بن عباس في هذا المقام، وأورد أن كلام الرافعي يوهم أن ابن عباس انفرد عن غيره من الصحابة بتجويز المتعة، لقول الرافعي: إن صح رجوعه وجب الحد بالإجماع وأطال كثيرًا في هذا المقام، مبينًا أن ابن عباس لم ينفرد بهذا القول، بل هو منقول عن جماعة من الصحابة، وأورد كثيرًا من العبارات الدالة على ذلك.
٥- وفي الحديث الثاني والأربعين بعد الخمسمائة والألف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ملعون من أتى امرأته في دبرها" خرج الحديث، وذكر اختلاف الروايات فيه، واختلاف العلماء في صحته، وأورد عددًا من متابعاته وشواهده، وكثيرًا مما يؤيده من الآثار ثم أورد نقلًا عن الشافعي أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال، ثم نقل عن محمد بن الحكم كلامًا وقع ين الشافعي ومحمد بن الحسن في صحة قوله بحله، وانتصار الشافعي على محمد بن الحسن في ذلك، ومناقشة في أن هذه الرواية هل تصح عن الشافعي مع محمد بن الحسن أو لا تصح؟ وهل هو مذهب قديم رجع عنه أو لا يرجع؟ ثم ذكر مذهب مالك والعراقيين، واختلاف الأدلة في هذا المقام، وأطال النقول وأكثر منها ثم انتهى إلى ما يفيد التحريم في بعض المذاهب، والكراهة في بعضها الآخر وقد بلغ ما كتبه في هذا الموضوع ثماني صفحات.
ثانيًا: يكثر المؤلف من الاستطراد، وله عنده ألوان متعددة، فمنه ما يكون بعنوان فائدة، ومنه ما يكون بعنوان تنبيه، وتارة يورده بعنوان تتمة، وأخرى يورده بعنوان ذكر أحاديث في موضوع بعينه، وأحيانًا يكون الاستطراد بلا عنوان.
[ ٤٤٣ ]
فمن الفوائد: ما جاء في الحديث الواحد بعد المائة: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" حيث قال بعد تخريجه: فائدة ذكر فيها حديثًا عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، ثم أورد اختلافًا بين الرواة في رفعه أو وقفه وأيها أقرب إلى الصحة، والحديث الذي أورد هذا الاختلاف فيه هو: "لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار"، وليس في هذه الفائدة أكثر من تعزيز حث الشارع على تخليل الأصابع، بالنهي عن تركه والتحذير من هذا الترك.
وكذلك ما جاء في الحديث الثالث بعد المائة: "أن رجلًا توضأ وترك لمعة في عقبه، فأمره النبي ﷺ بغسلها" فخرجه ثم ذكر فائدة بإيراد حديث: أن النبي ﷺ أمر بإعادة الوضوء في مثل ذلك وخرج هذا الحديث أيضًا بما يفيد أنه أقوى سندًا من الحديث الأول، ولم يخرج من ذلك بنتيجة فقهية صريحة.
ومن ذلك أيضًا ما جاء في الحديث السابع والعشرين بعد الخمسمائة والألف وهو: أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: "اختر أربعًا وفارق سائرهن"، فإنه بعد تخريجه ذكر فائدة نقل فيها عن النسائي بسنده كله إلى رسول الله ﷺ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة الحديث، وفيه: "فأسلم وأسلمن معه" وفيه "فلما كان زمن عمر طلقهن فقال له عمر: راجعهن"، ثم أخذ يخرج هذا الحديث ويتكلم على رجاله، ويذكر الخلاف في رفع الحديث ووقفه، وفي ذكره لهذه الفائدة إضافة زيادة فيما يتعلق بغيلان ونسوته، وتدخل عمر فيما بينه وبينهن.
ومن ذلك ما جاء في الحديث الثلاثين بعد الخمسمائة والألف وهو حديث: "لعن الله المحلل والمحلل له" فقد خرجه وأطال -كعادته- في تخريجه، ثم ذكر فائدة قال فيها: إنه يستدل بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو شرط أن يطلقها أو نحو ذلك، وقد أيد هذا الاستدلال وأطال في تأييده.
وما جاء في الحديث الرابع والستين بعد الخمسمائة والألف، وهو حديث أبي هريرة في شأن جبريل، وعدم دخوله بيت النبي ﷺ لوجود الشمائل في ستر في البيت، فإنه -بعد أن خرجه- أورد فائدة ذكر فيها أن ابن حبان ادعى أن عدم دخول الملائكة مختص ببيت يوحى فيه إلى النبي ﷺ، وذكر وجهته في هذه الدعوى، وذكر حديثًا يؤيد ذلك ولم يناقشه فيه.
وكذلك ما جاء في الحديث السادس والثلاثين بعد السبعمائة والألف، وهو: أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "ما حكم من بغى من أمتي؟ " قال: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ: "لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم" فقد خرج شيخ الإسلام هذا الحديث، والحق به أن أبا بكر قائل ما نعى الزكاة، وأن عليًّا قاتل أصحاب
[ ٤٤٤ ]
الجمل، ثم ذكر فائدة قال فيها: كانت واقعة الجمل في سنة ست وثلاثين، وكانت واقعة صفين في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين واستمرت ثلاثة أشهر إلخ.
ومن التنبيهات: ما جاء بعد الحديث الخمسين وهو عن جرير بن حازم: "أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من فضة" فإنه خرج هذا الحديث ثم ذكر تنبيهًا فسر فيه القبيعة بأنها ما تكون على رأس السيف وطرف مقبضه من فضة أو حديد، وقيل: ما تحت شاربي السيف وغير ذلك من الأقوال، وهذا التنبيه من تفسير الغريب في الحديث المخرج.
وما جاء بعد الحديث السابع والستين وهو حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك" فقد أورد -بعد تخريجه- تنبيهًا نقل فيه عن النووي في شرح المهذب قوله: وأما الحديث المذكور في النهاية والوسيط: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل". فهو بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف، وخطأ إمام الحرمين في القول بصحته، وأطال في الرد عليه وعلى ابن الصلاح إذ سبقه بذلك.
ومن ذلك ما جاء بعد الحديث الثالث والتسعين بعد المائة، وهو: "أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل والحيض " فقد خرجه، ثم أورد تنبيهًا فسر فيه الفرصة في قوله ﷺ: "خذي فرصة من مسك " فقال: إن الفرصة القطعة من كل شيء -وهي بكسر الفاء وإسكان الراء- ونسب ذلك إلى ثعلب، ثم نقل عن ابن سيده ما يؤيده، وفسر المسك بأنه الطيب المعروف، وأطال في ذلك.
ومنه ما جاء بعد الحديث الثمانين بعد الأربعمائة والألف، وهو أنه ﷺ قال لجابر: "هلا تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك" فقد ذكر -بعد تخريجه للحديث- تنبيهًا أورد فيه أن عياضًا علق على الرواية الأخرى "ما لك وللعذارى ولعابها" بقوله: إن الرواية ولعابها -بكسر اللام لا غير- وهو من اللعب، ثم رد على عياض بما ثبت لبعض رواة البخاري بضم اللام أي ريقها، وأطال في ذلك.
وشبيه به ما أورده بعد الحديث السادس والثلاثين بعد السبعمائة والألف، وهو أن النبي ﷺ قال في البغاة: "لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم " إلخ فقد أتبعه بعدة استطرادات وأخبار في المفاضلة بين الصحابة جاء من بينها: "أن وفد بزاخة جاءوا إلى أبي بكر يسألونه الصلح" وأورد -تعليقًا على هذا- تنبيهًا يقول فيه: إن بزاخة بضم الباء الموحدة ثم زاي وبعد الألف خاء معجمة هو موضع قيل: بالبحرين وقيل: ماء لبني أسد.
وكذلك ما جاء بعد الحديث الحادي والثمانين بعد الأربعمائة والألف وهو حديث: "إياكم وخضراء الدمن" فقد خرج الحديث، ثم أورد بعده تنبيهًا قال فيه: إن الدمن البعر نجمعه
[ ٤٤٥ ]
الريح ثم يركبه السافي، فإذا أصابه المطر ينبت نبتًا ناعمًا، وتطرق إلى شرح الحديث، ثم أورد بعده تنبيهًا آخر قال فيه: إن الرافعي احتج به على استحباب النسيبة، وأولى منه ما أخرجه ابن ماجه وغيره: "تخيروا لنطفكم" الحديث.
وأيضا ما جاء بعد الحديث الثامن والتسعين بعد الخمسمائة والألف، وهو حديث: "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض " الحديث، فإنه بعد أن خرجه أورد تنبيهًا قال فيه: إن اسم امرأته آمنة بنت غفار، وذكر عدة مراجع لذلك، كما ذكر استطرادًا بما وقع فيه من التصحيف والخلاف.
وهذا نظير ما وقع في الحديث الحادي والعشرين بعد الأربعمائة والألف، وهو: أنه ﷺ بعث عاملًا فقال لأبي رافع: "اصحبني كيما تصيب من الصدقة" الحديث فقد أورد -بعد التخريج- تنبيهًا بين فيه اسم الرجل الذي استتبع أبا رافع، وأنه الأرقم بن أبي الأرقم، ونسب ذلك إلى النسائي والطبراني.
والحافظ ابن حجر معروف بالبحث عن أسماء المجاهيل من رواة الأحاديث:
ومن ذلك ما وقع بعد الحديث الثامن والستين بعد الستمائة والألف، وهو حديث عبد الله بن عمرو: "أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء " إلخ، فقد أورد تنبيهًا قال فيه: إنه في الأصل ابن عمر، وهو وهم، وإنما هو ابن عمرو بن العاص.
وكذلك الحديث التاسع والستين بعد الستمائة والألف، وهو حديث: "أنه ﷺ خير غلامًا بين أبيه المسلم وأمه المشركة، فمال إلى الأم " الحديث، فإنه -بعد أن خرجه- أورد تنبيهين: الأول: ذكر فيه ما وقع عند الدارقطني من أن البنت المخيرة اسمها عميرة، وأن ابن الجوزي قال: رواية من روى أنه كان غلامًا أصح وأطال في ذلك وذكر في التنبيه الثاني أن الاصطخري احتج به على أنه يثبت به للأم حق الحضانة، وذكر عدة ردود عليه في ذلك.
ومن ذلك ما جاء بعد الحديث الأربعين بعد السبعمائة والألف، وهو حديث جابر: "أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت " الحديث، فقد أورد -بعد تخريجه- تنبيهًا قال فيه: وقع في الأصل "أم رومان" وهو تحريف، والصواب أم مروان.
وفي الحديث الثالث والأربعين بعد السبعمائة والألف، وهو ما روي: "أنه ﷺ استتاب رجلًا أربع مرات" فإنه -بعد التخريج- أورد تنبيهًا قال فيه: جاء في السير أن النبي ﷺ قتل أم قرفة يوم قريظة، وهي غير تلك، وبين ذلك، ثم ذكر في هذا الحديث تنبيهًا آخر تعلقًا على قول عمر لبعض الناس: هل من مغربة خبر؟ قال في هذا
[ ٤٤٦ ]
التنبيه: إن قوله: من مغربة -يقال بكسر الراء وفتحها مع الإضافة فيهما- معناه هل من خبر جديد جاء من بلاد بعيدة، وقال الرافعي: شيوخ الموطأ فتحوا العين وكسروا الراء وشددوها.
ومن التتمات: ما وجدناه بعنوان "تتمة" أورده المؤلف تعقيبًا على الرافعي بإيراد بعض خصائص للنبي ﷺ لم يذكرها الرافعي١، فأورد الحافظ ابن حجر خصائص عديدة منها: وجوب الدفع بالتي هي أحسن، وأنه كان يغان على قلبه فيستغفر الله في اليوم سبعين مرة، وأنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحي، وما إلى ذلك.
ومما أورده إلحاقًا لبعض موضوعات تناول أحاديثها بالتخريج ما جاء بعد موضوع السواك، وهو قوله: فصل فيما يستاك به وما لا يستاك به، نقل فيه عددًا من الأحاديث وخاض في تخريجها وأطال في ذلك بما يعد إضافة جديدة إلى أحاديث الأصل الذي يتناوله بالتخريج.
وكذلك ما أورده في كتاب الصيام بعد تخريج حديث: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع٢" فإنه -بعد أن انتهى من ذلك- أورد هذا العنوان "ذكر الإشارة إلى طرق حديث أفطر الحاجم والمججوم باختصار" ذكر تحته من روى في ذلك من الصحابة وهم كثرة: منهم ثوبان وشداد بن أوس ورافع بن خديج، وأبو موسى ومعقل وغيرهم، ثم ذكر من أخرج لكل واحد من هؤلاء، فمثلًا حديث ثوبان وشداد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وأطال في ذلك، ثم انتقل قائلًا: وأما حديث رافع بن خديج فراوه الترمذي، وذكر طريقه وحكمه على الحديث، وما يتعلق بذلك، ثم قال: وأما حديث أبي موسى فرواه النسائي والحاكم، وذكر طريق كل منهما، ورأيه في الحديث من جهة رفعه أو وقفه أو تصحيحه أو عدمه كل ذلك في حديث واحد: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وشبيه بهذا ما أورده قبل نهاية كتاب الطلاق من قوله: ذكر الآثار التي في كتاب الطلاق، وإن كان هذا محتملًا لأن يكون من كلام الرافعي عنوانًا لبعض الموضوعات، مثل قوله: كتاب الخلع كتاب الطلاق، فلعله ذكر عنوانًا للآثار الواردة في كتاب الطلاق فاتجه شيخ الإسلام ابن حجر إلى تخريجها كعادته، ويرجع هذا أنه ذكر بعد العنوان مباشرة حديث: "أن رجلًا على عهد عمر قال لامرأته " إلخ مما يدل على أن العنوان للرافعي وأن التخريج لابن حجر.
ومما يورده استطرادًا دون عنوان ما يذكره أثناء دراسته للتخريج مثل قوله في حديث: "إذا بلغ الماء قلتين" إن فيه مباحث تعليقًا على قول الشافعي بعد أن روى حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين" فإن الشافعي قال بعد هذا: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ يقول: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا" فقال ابن حجر -تعليقًا على هذا: وفيه مباحث: الأول: في تبيين الإسناد الذي لم يحضر الشافعي
_________________
(١) ١ التلخيص ج١ ص١٢١. ٢ التلخيص ج٢ ص١٩٣.
[ ٤٤٧ ]
ذكره، والثاني: في كونه متصلًا أم لا، والثالث: في كون التقييد بقلال هجر في المرفوع، والرابع: في ثبوت كون القربة كبيرة لا صغيرة، والخامس: في ثبوت التقدير للقلة بالزيادة على القربتين، وأخذ يفصل كل بحث من هذه المباحث الخمسة بما يخرج به كثيرًا على موضوع الكتاب.
ومن ذلك ما يفيض فيه من إيراد الشواهد والمتابعات للحديث المخرج في كثرة غامرة من أحاديث الكتاب، وهي واضحة للمتصفح، فمن ذلك ما يعقب به شرحًا لكلام الرافعي مثل أن يقول: قوله: وسؤره نجس يعني الكلب لورود الأمر بالإراقة ١ إلخ" ومنه ما قال فيه٢: قوله: يستحب للواطئ في الحيض التصدق بدينار إن جامع في إقبال الدم، وبنصفه إن جامع في إدباره لورود الخبر في ذلك، ثم علق بعد ذلك بكلام طويل، وإن كان فيه لا يعدو أن يكون تعزيزًا بالأحاديث والآثار لما قاله المصنف -وهو كثير جدًّا- ولكنه خروج على مهمة المخرج.
على أن ما وصفناه به من وضوح ظاهرة الاستطراد في تخريجه يزيد عليه أنه لا يكتفي بذكر طرف الحديث المخرج على عادة المخرجين من علماء الحديث، ولكنه يستكمل متن الأحاديث التي يريد تخريجها، وهذا هو الغالب على الكتاب، ولكنه لا يلتزم ذلك؛ فأحيانًا يكتفي بذكر طرف الحديث عن إيراده كله، وأحيانًا يذكر الطرفين الأول والأخير إذا كان الطرف الأخير موضع استشهاد.
فمما أورد طرفه الأول فقط الحديث السابع والستون بعد المائتين: "يا علي. لا تؤخر أربعًا: الجنازة إذا حضرت " ٣ الحديث، وكذلك الحديث العشرون بعد المائتين والألف: "من باع عبدًا وله مال " ٤ الحديث، وكذلك الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين والألف: أن رجلا ذكر للنبي ﷺ جائحة أصابته فسأله أن يعطيه من الصدقة، فقال: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه " ٥.
وكذلك الحديث الذي أورده مخرج الكتاب بعد هذا الحديث ولم يذكر له رقما، وهو: "أن عمر خطب الناس وقال: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج "٦، وكذلك الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ " ٧ والحديث أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون عند شروطهم " ٨.
ومما أورد طرفيه: الأول والأخير ما ذكره من حديث ابن عباس في أوقات الصلاة وهو: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس " الحديث وفي آخره "ثم التفت وقال: يا محمد. هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين" ٩.
_________________
(١) ١ التلخيص ج١ ص٢٣. ٢ التلخيص ج١ ص١٦٤. ٣ التلخيص ج١ ص١٨٦. ٤ التلخيص ج٣ ص٣٠. ٥ التلخيص ج٣ ص٤٠. ٦ التلخيص ج٣ ص٤٠. ٧ التلخيص ج٣ ص٤٢. ٨ التلخيص ج٣ ص٤٤. ٩ التلخيص ج١ ص١٧٣.
[ ٤٤٨ ]
فإنه لم يكتف بذكر الطرف الأول للحديث ليدل به عليه، وإنما ذكر طرفه الأخير أيضًا لأنه محل الشاهد من الإيراد.
على أن كل هذا مهما كثر في الكتاب فإنه قليل جدًّا بالنسبة لما ورد من أحاديث كاملة غير منقوصة، حتى ليبدو أن ذلك شيء التزمه المؤلف فلا يتركه إلا لداع يستوجب ذلك.
ثالثًا: واستثناء مما ذكرناه من صفة الاستطراد الغالبة على المؤلف عند التخريج، فإن من واجب التحقيق العلمي أن نسجل هنا أنه لا يلتزم ذلك التزامًا كليًّا في جميع تخريجاته، وإنما يتجه أحيانًا إلى الاكتفاء بما يبين به مرجع الحديث ودرجته بل إنه أحيانًا يترك بيان الدرجة.
فما أورد مرجعه مع بيان درجته الحديث الثالث بعد الخمسمائة، وهو: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا" ١ قال في تخريجه: "أبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وكذا شيخه ابن خزيمة من حديث ابن عمر، وفيه محمد بن مهران وفيه مقال: لكن وثقه ابن حبان وابن عدي.
وكذلك الحديث السادس بعد الخمسمائة، وهو: "صلوا قبل المغرب ركعتين، قال في الثالثة ٢: لمن شاء" خرجه بقوله: البخاري وأبو داود وأحمد وابن حبان واتفقا عليه بلفظ: "بين كل أذانين صلاة" وفي رواية ضعيفة للبيهقي بين كل أذانين صلاة ما خلا المغرب.
وكذلك الحديث الثامن بعد الخمسمائة، وهو: "الوتر حق وليس بواجب" ٣ قال: رواه ابن المنذر فيما حكاه مجد الدين بن تيمية، وفي الدارقطني عن أيوب: "الوتر حق واجب فمن شاء فليوتر بثلاث" ورجاله ثقات، وهو عند أبي داود أيضًا، قال البيهقي: والأصح وقفه على أبي أيوب، وأعله ابن الجوزي بمحمد بن حسان فضعفه، وأخطأ ابن الجوزي فإنه ثقة، وفي صحيح الحاكم عن عبادة بن الصامت: "الوتر حسن جميل عمل به النبي ﷺ ومن بعده وليس بواجب" ورواته ثقات، قال البيهقي.
ومثل هذا الإيراد للروايات المتعددة للحديث لا يعتبر استطرادًا بالمعنى الذي سبق لنا الكلام عنه، وإنما هو تخريج فيه دقة وأمانة ببيان درجة الحديث وما يتصل بمعناه، وليس خروجًا عنه إلى شيء آخر من دلالات الحديث الفقهية والمناقشات حولها، وإيراد أدلة المعارض وردها، إلى غير ذلك مما يعد استطرادًا بمعنى الخروج عن دائرة التخريج ومهمة المخرج.
_________________
(١) ١ التلخيص ج٢ ص٤٢. ٢ المراد أنه ذكرها مرتين ثم قال في الثالثة: لمن شاء، والحديث وارد في التلخيص ج٢ ص١٣.. ٣ التلخيص ج٢ ص١٣.
[ ٤٤٩ ]
ومما جاء من هذا النوع أيضًا الحديث الحادي عشر بعد الخمسمائة وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع أو بإحدى عشرة" ١ خرجه بقوله: الدارقطني وابن حبان والحاكم بزيادة: "لا توتروا بثلاث، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" ورجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقف من أوقفه.
ومن النوع الثاني مما أورده مخرجًا ببيان المرجع دون ذكر الدرجة الحديث السابع والتسعين بعد الأربعمائة، وهو حديث: "أنه كان لا يسجد في ص"٢ خرجه فقال: الشافعي والبيهقي من حديثه.
وكذلك الحديث التاسع والتسعين بعد الأربعمائة، وهو حديث ابن عباس أنه قال: "إنما السجدة لمن جلس لها" خرجه فقال: البيهقي من حديثه، وابن شيبة من طريق ابن جريج عن عطاء عنه: "إنما السجدة على من جلس لها".
على أن الغالب فيما كان من هذا النوع أن المؤلف يكتفي ببيان المرجع الذي عرفت صحته كالبخاري ومسلم أو الصحيحين:
ومن ذلك قوله في الحديث الخمسين بعد الألف وهو: "أنه ﷺ وقف بعد الزوال"٣ قال في تخريجه: مسلم من حديث جابر الطويل، وقوله في الحديث السابع والأربعين بعد الألف: "عرفة كلها موقف" ٤ مسلم من حديث جابر الطويل، والحديث الثالث والأربعين بعد الألف: وهو: "أنه ﷺ كان يسير حين دفع من حجة الوداع العنق، فإذا وجد فجوة نص"٥ قال فيه: متفق عليه من حديث أسامة بن زيد، وكذلك الحديث الرابع والأربعون بعد الألف، وهو: "أنه ﷺ أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء"٦ خرجه فقال: متفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر وأبي أيوب وابن عباس وأسامة بن زيد، فقال: متفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر وأبي أيوب وابن عباس وأسامة بن زيد، ولمسلم عن جابر، وكذلك الحديث الثاني والأربعون بعد التسعمائة وهو: "تحروا ليلة القدر من العشر الأواخر من رمضان" ٧ خرجه فقال: متفق عليه من حديث عائشة، وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم، وعن ابن عمر متفق عليه، وعن أبي سعيد كما سيأتي.
رابعًا: يعني المؤلف بتخريج الآثار التي أوردها الرافعي عنايته بتخريج الأحاديث، ومن تتبع الكتاب وجد ذلك بارزًا فيه، على عكس ما فعل الحافظ العراقي من تركه لتخريج الآثار في كتابه
_________________
(١) ١ التلخيص ج٢ ص١١. ٢ التلخيص ج٢ ص ١١٢. ٣ التلخيص ج٢ ص١٢. ٤ التلخيص ج٢ ص٥٦. ٥ التلخيص ج٢ ص٣٥٥. ٦ العتق والنص نوعان من السير السريع، والحديث في التخصيص ج٢ ص٢٥٤. ٧ التلخيص ج٢ ص٢٥٤. ٨ التلخيص ج٢ ص٢١٧.
[ ٤٥٠ ]
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، الذي أسلفنا الكلام عليه، وذلك التصرف من ابن حجر تقديم لما هو المهم في هذا الكتاب.
فمن تخريجه للآثار ما جاء في كتاب الوضوء في الحديث الخامس عشر بعد المائة١ من قول علي رضوان الله عليه: "ما أبالي بيميني بدأت أم بشمالي إذا أكملت الوضوء" فقد قال ابن حجر: إنه من رواية الدارقطني عن علي بهذا، ورواه عنه بلفظ آخر، وعن ابن مسعود كالأول.
وكذلك الخبر السابع والتسعون بعد الخمسمائة، وهو حديث عائشة: "أنها أمت نساء فقامت وسطهن"٢ فقد خرجه بأنه رواية عبد الرزاق، ومن طريق الدارقطني والبيهقي وغيرهم، وكذلك الحديث التاسع والتسعون بعد الخمسمائة، وهو حديث عائشة: "كان يؤمها عبد لها لم يعتق يكنى أبا عمرو"٣ قال عنه: إنه رواية الشافعي عن عبد المجيد عن ابن جريج، وأيضًا الحديث الستمائة، وهو حديث: "أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف "٤ فقد خرجه بأنه رواية البخاري.
والحديث الواحد بعد الستمائة أيضًا وهو: "أن أبا هريرة صلى على ظهر المسجد"٥ خرجه بأنه رواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد إلخ.
هذه بعض الآثار التي تناولها الحافظ ابن حجر بالتخريج في كتابه التلخيص الحبير، ومن تتبع الكتاب وجد فيه كثيرًا من الآثار التي خرجها، وهي ما ذكره منها مما يتصل بالأحاديث الواردة في الشرح الكبير.
خامسًا: في الكتاب من الاستطراد ما هو مفيد، وذلك كشرح المؤلف لبعض الألفاظ اللغوية التي ترد في بعض الأحاديث، ومنه قوله في الحديث الرابع والستين٦ شرحًا لكلمة الخلوف الواردة في قوله ﷺ: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" الخلوف بضم المعجمة هو التغير في الفم، قال عياض: قيدناه عن المتقنين بالضم وأكثر المحدثين يفتحون خاءه وهو خطأ، وعده الخطابي في غلطات المحدثين، وكذلك قوله في الحديث الثالث والتسعين بعد المائة، وهو حديث: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسك" الفرصة القطعة من كل شيء إلى آخر ما نقلنا عنه في استطراده بالتنبيهات.
_________________
(١) ١ التلخيص ج٢ ص٤٢. ٢ التلخيص ج٢ ص٤٢. ٣ التلخيص ج٢ ص٤٣. ٤ التلخيص ج١ ص٣٣. ٥ التلخيص ج٢ ص٦١. ٦ التلخيص ج٣ ص١٧٩.
[ ٤٥١ ]
ومن ذلك ما جاء في الحديث الحادي والأربعين بعد الخمسمائة والألف وهو ما روي أنه: سئل رسول الله ﷺ عن إتيان المرأة في الدبر فقال: "في أي الخربتين " ١ الحديث، فقد أورد تنبيهًا قال فيه: إن الخربتين تثنيه خربة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وأن الخرزتين تثنية خرزة بوزن الأولى لكن بزاي بدل الموحدة، وإن الخصفتين تثنية خصفة بفتحات والخاء معجمة والصاد بعدها فاء، وقال الخطابي: كل ثقب مستدير خربة، والجمع خرب -بضم ثم فتح- وقال الأزهري: أراد بالخربتين المسلكين وأطال في ذلك كعادته في عرض المعلومات.
ومنه أيضًا قوله في حديث أورده أثناء تخريجه للحديث الرابع والثمانين بعد الستمائة والألف وهو حديث أبي رافع قال: ولدت فاطمة حسنًا فقالت: يا رسول الله ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: "ولا ولكن احلقي شعره وتصدقي بوزنه من الورق على الأوفاض". يعني أهل الصفة، ثم قال: فائدة الأوفاض بالفاء ومعجمة المتفرقون، وأصله من وفضت الإبل إذا تفرقت، وكأن الحافظ يريد بذلك أن تفسيرها بأهل الصفة ليس هو المعنى الأصلي، ولكنه يندرج تحت المعنى الأصلي.
سادسًا: الحافظ ابن حجر لا يتحفظ عن التصريح بتخطئة العلماء، وهو أمر بارز في هذا الكتاب.
فمن ذلك ما ذكره في تنبيه علق به على الحديث السابع والستين٢ فقد نقل عن النووي في شرح المهذب أنه قال في حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" أنه قال: هو بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف، وخطأ إمام الحرمين في الحكم بصحته وقال: إن إمام الحرمين تبع في ذلك ابن الصلاح، ثم قال الحافظ: وهذا يتعجب فيه من ابن الصلاح أكثر من النووي، فإنهما وإن اشتركا في قلة النقل من مستدرك الحاكم، فإن ابن الصلاح كثير النقل من سنن البيهقي، والحديث فيه أخرجه عن الحاكم، وفيه: "إلى نصف الليل" بالجزم.
وهذا صريح في أن النووي مخطئ في القول بأن هذا الحديث منكر، وفي تخطئة من حكم بصحته.
ومن ذلك ما جاء في الحديث الحادي والعشرين بعد التسعمائة وهو ما روي أن النبي ﷺ قال للأعرابي الذي جاءه، وقد واقع: "صم شهرين"، فقال: وهل أتيت إلا من قبل الصوم؟ ٣.
_________________
(١) ١ التلخيص ج٣ ص١٧٩ ويلاحظ أن المفردات الغريبة التي أوردها وشرحها جاءت في عدة روايات أوردها الحافظ في هذا الحديث. ٢ التلخيص ج١ ص٦٤. ٣ التلخيص ج٢ ص٢٠٧.
[ ٤٥٢ ]
ثم قال: إن ابن الصلاح أنكر وروده بهذا اللفظ وقال: إن الذي وقع في الروايات أنه لا يستطيع ذلك، ثم قال: إن هذه غفلة عما أخرجه البزار، وساق حديث البزار الذي فيه أن الأعرابي قال: هل لقيت ما لقيت إلا من الصيام، وفي رواية لأبي داود: "وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام" إلخ.
بل إن الحافظ ابن حجر لا يتحفظ أن يخطئ جماعة بأسرهم من المحدثين والفقهاء في حديث واحد.
ومن ذلك ما جاء فيما روي من أنه ﷺ قال: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه" ١، فقد أورد من هذا الاستثناء بحثًا طويلًا قال بعده نقلًا عن الرافعي: وحمل الشافعي الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها كثيرًا، وهذا مصير منه إلى هذا الحديث ورد في بئر بضاعة وليس كذلك، ثم صدر الحديث -كما قدمنا- دون قوله: خلق الله هو في حديث بئر بضاعة، وأما الاستثناء الذي هو موضع الحجة منه فلم يثبت، قال ابن حجر: والرافعي كأنه تتبع الغزالي في هذه المقالة، فإنه قال في المستصفى: لأنه ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة قال: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" وكلامه متعقب لما ذكرناه، وقد تبعه ابن الحاجب في المختصر في الكلام على العام وهو خطأ، ثم قال ابن حجر: تنبيه -وقع لابن الرفعة أشد من هذا الوهم، فإنه عزا هذا الاستثناء إلى رواية أبي داود فقال: ورواية أبي داود: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه" ووهم في ذلك، فليس هذا في سنن أبي داود أصلًا، ثم قال: فائدة -أهمل الرافعي الاستدلال على أن الماء لا تسلب طهوريته بالتغير اليسير بنحو الزعفران والدقيق. ونحو ذلك.
ولعل القارئ يلمس من إيرادنا لهذه المثل ولوعه بالاستطراد فيما يتصل بمهمته من قريب أو بعيد.
ولعل مما يؤكد حكمنا عليه بهذا الولوع إلى درجة توقع في العجب والغرابة أنه ذكر فائدة عن القشيري٢ قال: إنه أوردها بلا إسناد عن أبي الدرداء أنه قال: عليكم بالسواك فلا تغفلوه، فإن فيه أربعًا وعشرين خصلة، ذكر الحافظ منها إحدى عشرة خصلة أوردها واحدة واحدة ثم أشار إلى بقيتها بقوله: وذكر القشيري بقيتها، ثم قال بعد كل هذا: ولا أصل له لا من طريق صحيح ولا ضعيف.
وهذا أهم ما سنح لنا من ملاحظات عامة مشفوعة بالمثل التي تؤيدها في دراستنا لهذا الكتاب، على أننا -بعد هذا- لا نستطيع أن نغمط شيخ الإسلام في هذا المجهود القيم، الذي حشد فيه كثيرًا
_________________
(١) ١ التلخيص ج١ ص١٤ وما بعدها. ٢ التلخيص ج١ ص٧١.
[ ٤٥٣ ]
من الفوائد العظيمة، والتي تفتق الأذهان، وتعين على دراسة الفقه والحديث معًا، إلى حد أننا نرى أن الدارس لمثل هذا الكتاب يستطيع أن يحصل به ملكة في هاتين الناحيتين، مع ما يحصده من الفوائد العلمية القيمة التي حفل بها الكتاب، وهي كثيرة جدًّا ونافعة.
ولعل ذلك هو الذي استهوى مخرج الكتاب فقرظه في تقديمه له بقوله: مما لا ريب فيه أن ذلك الكتاب جمع من السنة المطهرة ما لم يجمع في أي كتاب آخر من الكتب التي ألفت في الأحكام وأنه كاد أن يصل إلى غاية من الإحاطة بأحاديثها. ثم قال: ومن ثم جعلته وافيًا للعلماء الأجلاء على اختلاف مذاهبهم عند الحاجة إلى طلب الدليل.
وبعد أن أطال في ذلك قال: لقد نقل الحافظ ابن حجر في تأليفه هذا جملة وافرة من الأحاديث الموجودة في الكتب القيمة التي لم تر النور حتى الآن، والتي أضاعتها يد الحدثان، ولا أثر لها في كتب الحديث وطبقات الرجال، كصحاح ابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن حبان، وابن السكن ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، ومجموعة كبيرة من المسانيد والسنن والمعاجم، ككتاب الأستذكار والتمهيد لابن عبد البر وكتاب المعرفة والخلافيات للبيهقي، وغيرها من الكتب النافعة في الحديث والفقه المقارن وأسماء الرجال، والجرح والتعديل، وبهذا أصبح ذلك الكتاب القيم دائرة معارف كبرى لأدلة فقهاء الأمصار.
هذا وإننا نؤيد المخرج في هذه الشهادة، فقد لمسنا الكثير مما ذكره عنه في هذه الموسوعة القيمة "التلخيص الحبير".
ولولا خشية الإطالة لأيدنا ذلك بإيراد أماكن المراجع التي أشار إليها، وتحرير مواضعها من صفحات الكتاب، ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، والله المستعان.
[ ٤٥٤ ]
مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ١:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
وموضوع هذا الكتاب هو تخريج أحاديث الشفا بالتعريف٢ بحقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، وصفه صاحب الشذرات٣ فقال: إنه الحافظ أحد أعلام الإسلام، وأنه ولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة، وله المصنفات البديعة ومن مصنفاته الشفا الذي لم يسبق إلى مثله، ومنها مشارق الأنوار في غريبي الصحيحين والموطأ وكان إمام وقته في علوم شتى، مفرطًا في الذكاء، توفي عام أربع وأربعين وخمسمائة.
أما مؤلف "مناهل الصفا" فهو الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي سبقت ترجمته عند دراسة الجوامع.
وقد وصف المؤلف كتابه في خطبته بأنه كتاب نفيس، أخرج به أحاديث الشفا للقاضي عياض تخريجًا محررًا، سالكًا فيه طريقًا موجزًا مختصرًا، وأنه لم يستمد فيه من شيء من الكتب المؤلفة عليه، بل اعتمد فيه على حفظه ونظره، وراجع الأصول المعتمدة والجوامع.
ومن الحق علينا أن نشير إلى أن السيوطي في تخريجه لأحاديث الشفا مسبوق بتخريج شيخه الإمام الحافظ قاسم بن قطلوبغا في كتابه الذي سماه تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض، وقد نبهنا إلى ذلك في موضعه عند ذكر كتب التخريج، كما أنه مستدرك عليه ببيان ما فاته في كتاب اسمه موارد أهل السداد والوفا في تكميل مناهل الصفا لإدريس بن محمد الحسيني العراقي، ولعله قد سد تلك الثغرات التي عثرنا عليها أثناء دراستنا لهذا الكتاب، وسنشير إلى بعضها في عرض أهم ملاحظاتنا عليه.
وقد سلك المؤلف مسلكًا في التخريج أورد به من الأحاديث ما يتعلق بكل موضوع من موضوعات الكتاب، فخرج ما جاء في الخطبة من أحاديث، ثم ما جاء في القسم الأول في أبوابه المختلفة، ثم ما جاء في القسم الثاني كذلك، وهكذا.
_________________
(١) ١ ورد في ترجمة السيوطي لنفسه في كتاب حسن المحاضرة ج١ ص٢٤١ باسم مناهج الصفا بالجسم، ذكره من بين مؤلفاته في هذه الترجمة، ولعله خطأ مطبعي فإن اسمه المتداول بين المؤلفين هو كما ذكرناه "مناهل الصفا". ٢ أورد صاحب الرسالة المستطرفة ص٧٩ اسم كتاب الشفا كما أوردناه، أما صاحب كشف الظنون فقد أورده في ج٢ ص١٠٥٢ باسم "كتاب الشفا في تعريف حقوق المصطفى، أو بتعريف حقوق المصطفى". ٣ الشذرات ج٤ ص١٣٨.
[ ٤٥٥ ]
والكتاب مركز مضغوط، قليل الألفاظ كثير المعاني، اقتصر فيه مؤلفه من التخريج على قدر الضرورة -وربما أخل بهذا الاقتصار في بعض المواضع كما سنشير إلى ذلك- حتى استوعب أحاديث الشفاء -التي تناهز الألف- بالتخريج والتقويم في ست وثمانين صفحة، إلا أنه ربما أخل أيضًا بموضوع التقويم واكتفى بذكر المرجع، بل إنه أحيانًا يغفل ذكر المرجع أيضًا.
والسيوطي مع جلالة قدره ورسوخ قدمه -ولا سيما في علوم الحديث- أكبر الظن أنه لا يعجزه تقويم الحديث، ولا تخريجه ولو في الكثرة الكاثرة مما أورده، ولكنه لم يفعل ذلك، ولعله كان لظروف أعجلته عنه، وربما كان تأليف الكتاب بعد أن تقدمت به السن، أو أنه كان يريد أن يستكمل النقص الواقع في كتابه عند سنوح الفرصة فلم يتم له ذلك، ومما يؤيد رجحان هذا الرأي وجود بياض في الأصل في نهاية عدد من الأحاديث أو أثنائها مما وجدناه في صفحات الكتاب المطبوع، غير مستوف لشرطه في المقدمة على النحو التالي:
١- حديث: "أنه رفع له بيت المقدس حتى وصفه لقريش"١ لم يذكر بعده تخريجًا ولا تقويمًا، وبالهامش كلمة "بياض بأصله".
٢- حديث أم معبد لم يذكر متنه ولا طرقه ولا تخريجه ولا تقويمه٢.
٣- حديث: "أنه أتته دنانير فقسمها٣" خرجه ولم يقومه.
٤- حديث قيلة ﵂: "أنه جلس القرفصاء"٤. خرجه ولم يقومه.
٥- حديث: "أنه سار في غزوة الطائف ليلًا وهو وسن"٥ لم يخرجه ولم يقومه. مع وجود بياض نبه عليه في الهامش أنه موجود بالأصل.
٦- حديث الجمل٦ فيه بياض ورد في أثناء ذكر المراجع، ونبه عليه بالهامش على وجود بياض بأصله.
٧- حديث تسخير الأسد لسفينة إذ وجهه إلى معاذ٧ فيه بياض نبه عليه بالهامش على أنه موجود بالأصل.
٨- حديث شاة ابن مسعود رضي الله عنه٨، فيه بياض قبل كلمة "والبيهقي" مما يدل على أن هناك مرجعًا متروكًا، وليس فيه تقويم.
_________________
(١) ١ المناهل ص٩. ٢ المناهل ص١٢. ٣ المناهل ص١٤. ٤ المناهل ص٣٤. ٥ المناهل ص٤٠. ٦ المناهل ص٤٢. ٧ المناهل ص٤٢. ٨ المناهل ص٤٨.
[ ٤٥٦ ]
٩- حديث أبي هريرة رضي الله عنه١ فيه بياض قبل اسم "ومالك بن أوس" مما يدل على أن هناك مرجعًا آخر متروكًا، ولا تقويم فيه.
١٠- حديث فاطمة: "إذا دخلت المسجد" الحديث فيه بياض بالأصل منه عليه بالهامش لا تخريج فيه ولا تقويم٢.
١١- رواية: "حمد الله وصلى"٣ لا تخريج فيها ولا تقويم.
١٢- حديث: "أن رجلًا كذب عليه ﷺ فبعث عليًّا " الحديث ذكر فيه وجوهًا لروايته، وخرجها ثم قال: وسمى الرجل الذي كذب جديد الجند عن ولم يتم الكلام، وفي الهامش: أن هنا بياضًا بالأصل.
وبعد: فإنا نورد أهم الظواهر التي سنحت لنا عند قراءة هذا الكتيب فيما يأتي:
أولًا: أكثر السيوطي من ذكر المراجع التي استقى منها تخريجاته للكتاب، والتي أربت على الخمسين مؤلفًا من أمهات كتب الحديث، نذكر منها -عدا الكتب المشهورة- ما يأتي موزعًا على بعض صفحات الكتاب على ما وراءها مما لم يذكره: الخطابي صفحة ١٠، وابن السمعاني في التاريخ صفحة ١٢ وابن زنجويه صفحة ١٧، وأبو نعيم في الدلائل صفحات ٢، ٣، ٤، ٥، ٩، ١٠، ١١، وأبو نعيم في الحلية صفحة ٥، والطبراني ٣، ٤، ٦، ٩، ١٠، ١٢، وابن أبي عمر العدني صفحة٣، وابن سعد صفحة ٣، ٩، والبزار صفحات ٣، ٧، ٨، ٩، والحارث بن أبي أسامة صفحة ٣، والبيهقي في الدلائل في صفحات ٣، ٤، ٦، ٧، ٨ ، وابن جرير في صفحات ٣، ٤، ٥، وابن أبي حاتم ٣، ٤، ٥، ٦، وأبو يعلى في مسنده صفحات ٣، ٤، ٧، ٨ وابن مردويه صفحات ٣، ٥، وابن المنذر صفحات ٣، ٥، ٩، والنسائي في اليوم والليلة صفحة ٣، ١١ وابن أبي شيبة في المصنف صفحة ٣، وسعيد بن منصور صفحة ١٦، وابن أبي خيثمة في التاريخ صفحة ٦، والدارمي صفحات ٤، ٦، ٧، وابن عدي صفحات ٥ و٩، والضياء في المختارة صفحة ٩، وابن أبي الدنيا في كتاب العزة صفحة ٤، وابن مردويه في التفسير صفحة ٤، وابن عساكر في تاريخه صفحات ٧، ١٠، والدارقطني في الأفراد صفحات ٧، ٨، والديلمي في مسند الفردوس صفحات ٥، ١٠، والخرائطي في مكارم الأخلاق صفحة ٢١، وابن لال في صفحات ٥ و١١، وعبد الرزاق في صفحات ٨، ٩، وأبو الشيخ في صفحات ٦، ١١، والخطيب صفحة ٩، وابن راهويه في مسنده صفحة ٦ وغير ذلك كثير.
_________________
(١) ١ المناهل ص٦٩. ٢ المناهل ص٧٢. ٣ المناهل ص٧٢.
[ ٤٥٧ ]
ثانيًا: يذكر السيوطي -بأضيق عبارة- طرق الحديث الذي يريد تخريجه وربما أخل في هذه الناحية فذكر الحديث بعنوان راويه من الصحابة فقط، مثل قوله: حديث أنس، حديث علي، حديث جابر، اعتمادًا على وروده في الأصل، وعلى متابعة القارئ له مقابلًا على الأصل المخرج عليه، ودون ذكر للباب الذي ورد فيه الحديث، مما يجعل التخريج مظلمًا لا يتبين فيه طالب الحديث سبيله إلى التعرف على الحديث المطلوب تخريجه، وهذا -ولا شك- عيب في التأليف بقدر ما فيه من فقدان الفائدة المرجوة منه، على أن السيوطي في أكثر تخريجاته يتحاشى هذا العيب فيذكر في طرف الحديث الدال عليه مرجعه ودرجته.
وهذه صور تفصل بعض ما صورناه إجمالا في هذه الفقرة من ناحيتي الاختصار والاعتدال: فمما ورد مختصرًا مع الإخلال ما يأتي:
١- في الصفحة الثالثة من الكتاب حديث: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم" الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث بكر بن عبد الله المزني، والبزار من حديث ابن مسعود، ذكر المرجع وترك تقويم الحديث.
٢- وفي الصفحة الخامسة حديث عمر ﵁ أنه قال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء" الحديث، لم يذكر المرجع ولا التقويم.
٣- وفي نفس الصفحة حديث: "لم يبعث الله نبيًّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد" الحديث، ولم يذكر له مرجعًا ولا تخريجًا.
٤- وفي الصفحة السابعة: "أنه كان يضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها" ذكره دون مرجع ولا تقويم.
٥- وفي الصفحة الثامنة والثلاثين حديث ابن مسعود ﵁ نحوه الحاكم، وحديث أنس ﵁ الشيخان، وحديث ابن عباس ﵄ الشيخان، وحديث ابن عمر ﵁ عند مسلم والترمذي، وحديث حذيفة ﵁ ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، وحديث علي ﵁، وحديث جبير ﵁ أحمد والبيهقي، وكل هذه الأحاديث لم يذكر طرفها ولم يقوم بعضها، واكتفى في بعضها الآخر بنسبته إلى مرجع صحيح مع الاختصار الواضح.
٦- وفي الصفحة الأربعين حديث بريدة البزار، وحديث جابر ﵁ مسلم، وحديث علي ﵁ نحوه.
وربما كان عذره في عدم ذكر طرف هذه الأحاديث أنه ذكرها تحت عنوان انقياد الشجر، وإن لم يكن له عذر في ترك التقويم، فضلًا عن هذا الضغط الشديد في التعبير.
[ ٤٥٨ ]
ومما ورد مختصرًا مع الاعتدال ما يأتي:
١- في الصفحة السابعة حديث: "أنه كان إذا اراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه، وسطعت لذلك رائحة طيبة" البيهقي عن عائشة ﵂ وقال: موضوع.
٢- وفي نفس الصفحة أخرج الترمذي في نوادر الأصول من طريق عبد الرحمن بن قيس -وهو وضاع كذاب- عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد -وهو مجهول- عن ذكوان: "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر، ولا أثر قضاء الحاجة".
٣- وفي الصفحة الثامنة حديث أبي بكر ﵁: "أنه قبل النبي ﷺ بعد موته وقال: طبت حيًّا وميتًا" البزار عن ابن عمر ﵄ بسند صحيح.
وأيضًا حديث: "شرب مالك بن سنان دمه يوم أحد ومصه إياه وقوله: لن تمسه النار" الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أباه الحديث، وليس في سنده من أجمع على ضعفه، وأخرج البيهقي من وجه عن عمر بن السائب أنه بلغه من وجه آخر فذكره.
٤- وفي الصفحة التاسعة حديث: "أنه ﷺ إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه" ابن المنذر والبيهقي عن مجاهد مرسلًا بهذا اللفظ، وقد ذكر المصنف رواية الصحيحين معزوة إليها
٥- وفي الصفحة الحادية عشرة حديث: "لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له" ابن عدي في الكامل عن أنس ﵄ بسند ضعيف.
وغير ذلك من الأمثلة كثير، بل هو أكثر مما اختصر فيه وأخل بسبب الاختصار.
ثالثًا: إذا نسب الحافظ السيوطي في الحديث إلى مرجع من المراجع المعروفة بصحة الرواية فإنه يكتفي بذلك عن بيان درجة الحديث.
ومن ذلك ما يأتي:
١- في الصفحة الحادية عشرة حديث: "المرء مع من أحب" الشيخان من حديث أنس ﵁، وفيها حديث: "الناس معادن" الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وفيها حديث: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين" الشيخان في قصة كتابه ﷺ.
٢- وفي الصفحة الثانية عشرة حديث: "نهيه عن قيل وقال" الحديث الشيخان عن المغيرة ابن شعبة ﵁، وفيها حديث: "الظلم ظلمات يوم القيامة" الشيخان عن ابن عمر ﵄، وفيها حديث: "لا يلدع المؤمن من جحر مرتين" البخاري عن ابن عمر.
[ ٤٥٩ ]
٣- وفي الصفحة الثالثة عشرة حديث بريرة، الشيخان عن عائشة ﵂ وفيها حديث: "أنه كان يأكل مقعيًا" مسلم عن أنس ﵄.
٤- وفي الصفحة السادسة عشرة حديث: "أعدل فإن هذه قسمة" الحديث مسلم عن جابر، والشيخان عن أبي سعيد، وفي الصحيحين نحوه عن ابن مسعود، وأخرجه البيهقي عن ابن عمر ﵁.
٥- وفي الصفحة السابعة عشرة حديث: "عفوه عن اليهودية التي سمته" الشيخان عن أنس ﵁، وفيها حديث: "لا يتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه" الشيخان، وفيها حديث أنس: "كنت مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي " الحديث الشيخان إلى قوله: من مال الله الذي عندك قال: فضحك وأمر له بعطاء. وهذا أيضًا في الكتاب كثير.
وكان آخر أحاديث الكتاب تخريجًا هو حديث: "أن عمر أتى بأعرابي يهجو الأنصار فقال: لولا أن له صحبة لكفيتكموه" أخرجه محمد بن قدامة المروزي في كتاب الخوارج عن ابن سعيد الخدري ﵁ بسند رجاله ثقات.
رحم الله الحافظ السيوطي، فقد أنار الطريق أمام الدارس لكتاب الشفاء، وخرج أحاديثه بما قد يكون كافيا في الدلالة على المقصود من غير إطالة يملها قارئ الكتاب ولكن في اختصار لا يفوت عليه تحصيل المنفعة في بيان مخرج الأحاديث ودرجتها فيه.
[ ٤٦٠ ]
الفصل الثامن: كتب الرجال
مدخل
الفصل الثامن: كتب الرجال
تمهيد:
نعني بكتب الرجال تلك التي عني بوضعها المحدثون للتعريف بأحوال رواة الحديث تعديلًا أو تجريحًا، أو بيانًا لسني ولادتهم، أو وفاتهم إلى غير ذلك، لما لهذه التعريفات من صلة بقبول الحديث أو رده، وقوته أو ضعفه.
وفي هذا المقام يبين الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف أن هناك علمًا يسمى علم رجال الحديث، ويعرفه بأنه العلم بأحوال رواة الحديث من حيث القبول أو الرد، ويبين لنا أن من تلك الأحوال معرفة تاريخ المواليد والوفيات، ومعرفة الأسماء والكنى والألقاب والأنساب، ومعرفة الأوطان والرحلات، ومعرفة الشيوخ والتلاميذ، ومعرفة الجرح والتعديل، ومعرفة المتفق والمفترق من الأسماء، ومعرفة المؤتلف والمختلف والمتشابه، ومعرفة الثقات والضعفاء، ونحو ذلك.
فهذه أهم أنواعه التي يعرف بها مقبول الرواية ومردودها وأهمها علم الجرح والتعديل١.
ثم يقول: إنه فائدة هذا العلم إجمالًا معرفة من يقبل ومن يرد من الرواة، وأما تفصيلًا فالعلم بكل حال من أحوال الرواة له فائدة خاصة به، ومن ذلك ما يأتي:
١- معرفة الأسماء والكنى والألقاب، ومعرفة المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف والمتشابه، يعرف بها شخص الراوي وتعين ذاته، ويؤمن بها اللبس والخلط بين الرواة بظن الاثنين واحدًا، وقد يكون أحدهما ضعيفًا والآخر موثقًا فيضعف الجاهل بهذه الأحوال الموثق، ويوثق الضعيف.
٢- معرفة المواليد والوفيات والأوطان والرحلات والطبقات يعرف بها الإرسال والانقطاع والإرسال الظاهر والخفي، فمعرفة أن الراوي من التابعين وليس من الصحابة يعرف بها أن الحديث مرسل، ومعرفة أن الراويين ليسا متعاصرين، أو متعاصران وليس بينهما لقاء يعرف به أن الحديث منقطع، فإن أوهم الراوي المعاصر اللقاء ولا لقاء عرف أنه مدلس أو يكذب إلخ.
٣- إمكان الحكم بصحة الحديث أو ضعفه إذا لم ينص أحد من المتقدمين على ذلك وعلمنا بصفات رجاله من كتب الجرح والتعديل كما قال النووي٢، وقد صحح جماعة من الحفاظ كثيرًا من الأحاديث التي لم ينص على تصحيحها أحد من المتقدمين كالقطان والمقدسي والدمياطي والمنذري ولا عبرة بما ذهب إليه ابن الصلاح٣.
_________________
(١) ١ المختصر في علم رجال الأثر ص٨ فما بعدها. ٢ يشير بذلك إلى ما أورده النووي في التقريب في المسألة السادسة من مسائل الصحيح من أن من رأى في هذه الأزمان حديثًا صحيح الإسناد في كتاب لم ينص على صحته حافظ معتمد أن الأظهر عنده جواز الحكم بصحته أو ضعفه لم تمكن وقويت معرفته، تدريب الراوي ص١٤٣ ج١ التقريب خلافا لابن الصلاح. ٣ المختصر ص١١، ١٢.
[ ٤٦٣ ]
وقد اشتدت عناية المحدثين بهذا النمط من علوم الحديث، فأكثروا فيه من التأليف على ما فيه من صعوبة البحث والاستقصاء والمتابعات الزمنية؛ إخلاصًا للعلم وتمحيصًا للنصح، ولم يقتصر همهم على مجرد ذكر أسماء الرجال وأحوالهم السانحة المعرضة، بل أوغلوا في الدراسة والتقصي، حتى إن منهم من عني بدراسة أنواع معينة مما هو خاص بالوفيات فقط، أو التعديل فقط، أو بالتخريج، أو بالكنى، أو بالألقاب، أو بالمتشابه، أو بالمتفق والمفترق، بل إن بعض المؤلفين قد أفرد بالتأليف ما يختص برجال بعض كتب الحديث: كرجال صحيح البخاري، وكرجال صحيح مسلم، ورجال الصحيحين، ورجال السنن، ورجال الموطأ، وغير ذلك مما يبين من عرضنا لأسماء الكتب المؤلفة في رجال الحديث على مدى الأعصار.
وإنه لمما يلفت النظر تلك العناية البالغة بالتأليف في الرجال من علماء الحديث في القرن الثالث وما بعده بقليل في عصر تدوين السنة، حيث تشتد الحاجة إلى معرفة النقلة من رجال الحديث، وحيث يكون التحري والاستقصاء عنهم مطلوبًا، رعاية للسنة وحماية لها من الدخيل، وقد عرفنا من أسماء المؤلفين في هذه الفترة القليلة من الزمن من يعدون بالعشرات، كما عرفنا من بعدها عددًا ليس بالقليل من الأعلام الذين خاضوا غمار هذا الميدان، وكان إنتاجهم فيه من الغزارة بمكان.
وبين يدي دراستنا لكتب الرجال نورد هنا أهم ما عرفناه من أسماء المؤلفين في هذا العلم، وما تيسر من أسماء مؤلفاتهم أو موضوعاتها، على الترتيب الزمني لوفاة المؤلفين، أخذًا من الرسالة المستطرفة، وكشف الظنون في أسماء الكتب والفنون وذيوله وشذرات الذهب والأعلام للزركلي وطبقات الحفاظ للسيوطي وغيرها من المراجع على النحو التالي:
- الطبقات الكبرى: لأبي عبد الله محمد بن سعد الحافظ المتوفى سنة ٢٣٠هـ١.
- الجرح والتعديل، التاريخ والعلل، معرفة الرجال، هذه الكتب لأبي زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد الغطفاني البغدادي الحافظ المتوفى سنة ٢٣٣هـ٢.
- الجرح والتعديل: مؤلفه أبو خيثمة زهيربن حرب المتوفى سنة ٢٣٤هـ٣.
- الصحابة -وهو في خمسة أجزاء- ذكر فيه من نزل من الصحابة في سائر البلدان، الكنى والعلل وهذه الكتب لعلي بن المديني، المتوفى سنة ٢٣٤هـ٤.
- العلل والرجال، ومؤلفه محمد بن عبد الله بن نمير، المتوفى سنة ٢٣٤هـ٥.
- العلل والرجال في المسند، الذي ألفه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة، المتوفى سنة ٢٣٥هـ٦.
- العلل والرجال، وقد كتب فيها الحافظ عبد الله بن عمرو القواريري، المتوفى سنة ٢٣٥هـ٧.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٦٩ والرسالة المستطرفة ص٩٧. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٧٩ والرسالة المستطرفة ص٩٦ وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان ص١٦٢. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٨٠ وطبقات الحافظ ص١٩١. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص٨١ والرسالة ص٩٠. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص٨١ وطبقات الحافظ ص١٩٢. ٦ شذرات الذهب ج٢ ص٨٥ وطبقات الحافظ ص١٨٩. ٧ شذرات الذهب ج٢ ص٨٥.
[ ٤٦٤ ]
- الكلام في الرجال، لإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة ٢٣٨هـ١.
- الأسماء والكنى، والجرح والتعديل، للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة ٢٤١هـ٢.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الإمام أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، المتوفى سنة ٢٤٢هـ٣.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه أبو موسى البزار الحافط هارون بن عبد الله الحمال، المتوفى سنة ٢٤٣هـ٤.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح حافظ مصر المتوفى سنة ٢٤٨هـ٥.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد بن البرقي الزهري مولاهم، المتوفى سنة ٢٤٩هـ٦.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الحافظ إسحاق الكوسج المتوفى سنة ٢٥١هـ٧.
- الجرح والتعديل، للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي، المتوفى سنة ٢٥٥هـ٨.
- تواريخ البخاري الثلاثة: الصغير والأوسط الكبير، الكنى، الضعفاء.
وهذه المؤلفات النافعة للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ٢٥٦هـ٩.
- الجرح والتعديل، الضعفاء.
وهذان الكتابان لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الحافظ، المتوفى سنة ٢٥٩هـ١٠.
- الجرح والتعديل، أولاد الصحابة، الأسماء والكنى، من ليس له إلا راو واحد، المخضرمون طبقات التابعين.
وهذه الكتب للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١هـ١١.
- الرجال، وقد ألف فيه عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي الرازي المعروف بأبي زرعة الحافظ، المتوفى سنة ٢٦٤هـ١٢.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٨٩. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٩٦ والرسالة المستطرفة ص٩٠، ومفتاح السنة ص١٤٨. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص١٠١ ومفتاح السنة ص١٤٨. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٠٤، وطبقات الحافظ ص٢٠٧. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص١١٧ وطبقات الحافظ ص٢١٦. ٦ الرسالة المستطرفة ص١٠٨. ٧ شذرات الذهب ج٢ ص١٢٣. ٨ شذرات الذهب ج٢ ص١٣٤ وطبقات الحافظ ص٢٣٥. ٩ شذرات الذهب ج٢ ص١٣٩ والرسالة ص٩٠- ١٠٨. ١٠ الرسالة المستطرفة ص١١٠ وطبقات الحفاظ ص٢٤٤. ١١ شذرات الذهب ج٢ ص١٤٤ وطبقات الحفاظ ص٢٦٠. ١٢ شذرات الذهب ج٢ ص١٤٨ وطبقات الحفاظ ص٢٤٩.
[ ٤٦٥ ]
- در السحابة في وفيات الصحابة، للحجة الحافظ محمد بن إسحاق أبي بكر الصاغاني المتوفى سنة ٢٧٠هـ١.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه سليمان بن الأشعث بن إسحاق الإمام أبي داود السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥هـ٢.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الحافظ الإمام أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد، المتوفى سنة ٢٧٦هـ٣.
- الجرح والتعديل، وقد ألف فيه الحافظ محمد بن إدريس الحنظلي أبو حاتم، المتوفى سنة ٢٧٧هـ٤.
- الجرح والتعديل، وألف فيه الإمام عبد الرحمن بن عمرو النصري أبو زرعة الدمشقي، المتوفى سنة ٢٨١هـ٥.
- الجرح والتعديل، للحافظ أبي محمد عبد الرحمن يوسف بن خراش البغدادي، المتوفى سنة ٢٨٣هـ٦.
- المغازي، والجرح والتعديل، للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، المتوفى سنة ٢٨٥هـ٧.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الإمام أبو عبد الله محمد بن وضاح الأندلسي حافظ قرطبة، المتوفى سنة ٢٨٦هـ٨.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، المتوفى سنة ٢٨٧هـ٩.
- الرجال، وألف فيه الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة ٢٩٠هـ١٠.
- الجرح والتعديل، وقد كتب فيه الإمام أبو بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، المتوفى سنة ٢٩٢هـ١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص١٦٠ وطبقات الحفاظ ص٢٥٦. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص١٦٧. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص١٦٩. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص١٧١ وطبقات الحفاظ ص٢٥٥. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص١٧٧ وطبقات الحفاظ ص٢٦٦. ٦ شذرات الذهب ج٢ ص١٨٤. ٧ شذرات الذهب ج٢ ص١٩٠ وطبقات الحافظ ٣٥٩ وهدية العارفين ج٥ ص٤. ٨ شذرات الذهب ج٢ ص١٩٤ وطبقات الحفاظ ص٢٨٣. ٩ شذرات الذهب ج٢ ص١٩٤ وطبقات الحفاظ ص٢٨٠. ١٠ شذرات الذهب ج٢ ص٢٠٣ وطبقات الحفاظ ص٢٨٨. ١١ شذرات الذهب ج٢ ص٢٠٨ وطبقات الحفاظ ص٢٨٥.
[ ٤٦٦ ]
- الرجال، وألف فيه الحافظ الكبير أبو علي صالح بن محمد بن عمرو الأسدي، المعروف بصالح جزرة، المتوفى سنة ٢٩٤هـ١.
- الجرح والتعديل، ومؤلفه الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، المتوفى سنة ٢٩٤هـ٢.
- الجرح والتعديل، وقد كتب فيه الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، المتوفى سنة ٢٩٧هـ٣.
- الرجال، وقد ألف فيها جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض التركي أبو بكر القريابي، المتوفى سنة٣٠١هـ٤.
- الأسماء المفردة من رجال الحديث، ومؤلفه أحمد بن هارون بن روح أبو بكر البرذعي، المتوفى سنة ٣٠١هـ٥.
- الضعفاء والمتروكون، الكنى، والكتابان لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي الإمام صاحب السنن، المتوفى سنة ٣٠٧هـ٦.
- معجم الصحابة -في مجلدين- مطبوع بالهند، لمؤلفه الحافظ أحمد بن علي بن المثنى الإمام أبو يعلى البوصلي، المتوفى سنة ٣٠٧هـ٧.
- الكنى والأسماء، الضعفاء، والكتابان لأبي بشر محمد بن أحمد الدولابي، المتوفى سنة ٣١٠هـ٨.
- تاريخ الإسلام، ومؤلفه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠هـ٩.
- الرجال، للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، المتوفى سنة ٣١١هـ١٠.
- تاريخ الجزيرتين، ومؤلفه الحافظ الحسين بن أبي معشر محمد بن مودود أبو عروبة الجراني، المتوفى سنة ٣١٨هـ١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٢ ص٢١٦ وطبقات الحفاظ ص٢٨١. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٢١٦ وطبقات الحفاظ ص٢٨٤. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٢٦٦ وطبقات الحافظ ص٢٨٧. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص٢٣٥ وطبقات الحافظ ص٣٠١. ٥ شذرات الذهب ج٢ ص٣٣٤ هدية العارفين ج٥ ص٥٦. ٦ شذرات الذهب ج٢ ص٢٣٩ والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٠٨. ٧ شذرات الذهب ج٢ ص٢٥٠ وطبقات الحفاظ ص٣٠٦ وهدية العارفين ج٥ ص٥٧. ٨ شذرات الذهب ج٢ ص٢٦٠١ والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٠٨. ٩ شذرات الذهب ج٢ ص٢٦٠ وطبقات الحفاظ ص٣٠٧. ١٠ شذرات الذهب ج٢ ص٢٦٢ وطبقات الحفاظ ص٣١٠. ١١ شذرات الذهب ج٢ ص٢٧٩ وطبقات الحفاظ ص٣٢٥ وهدية العارفين ج٥ ص٣٢٥.
[ ٤٦٧ ]
- الضعفاء، لمحمد بن عمر بن موسى بن حماد وهو أبو جعفر العقيلي، المتوفى سنة ٣٢٢هـ١.
- الجرح والتعديل، وقد ألف فيه الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي شيخ الدارقطني، المتوفى سنة ٣٢٣هـ١.
- الضعفاء، لأبي نعيم عبد الملك بن محمد الجرجاني الحافظ الجوال الفقيه، المتوفى سنة ٣٢٣هـ٣.
- الكنى -الجرح والتعديل- وهو في ست مجلدات، والكتابان لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٧هـ٤.
- تاريخ المحدثين، لأحمد بن سعيد بن حزم بن يونس الصوفي القرطبي، المتوفى سنة ٣٥٠هـ٥.
- الوفيات لعبد الباقي بن قانع، المتوفى سنة ٣٥١هـ٦.
- الثقات -الضعفاء- الجرح والتعديل، الصحابة، كنى المعروفين بالأسماء "وهو في ثلاث مجلدات" أسماء من يعرفون بالكنى، وجميع هذه الكتب للإمام أبي حاتم بن حبان البستي، المتوفى سنة ٣٥٤هـ٧.
- معرفة الصحابة، للإمام أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، المتوفى سنة ٣٦٠هـ٨.
- الكامل في الرجال "ستون جزءًا في اثني عشر مجلدًا"، ومؤلفه أبو أحمد عبد الله بن عدي بن محمد بن المبارك الجرجاني الحافط، المتوفى سنة ٣٦٥هـ٩.
- تراجم المحدثين وتاريخ حياتهم، لأبي الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة، المتوفى سنة ٣٦٦هـ١٠.
- الضعفاء، لأبي الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي، المتوفى سنة ٣٧٤هـ١١.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٣ ص٢٩٥ والرسالة المستطرفة ص١٠٨. ٢ شذرات الذهب ج٢ ص٢٩٨ وطبقات الحفاظ ص٣٤٦. ٣ شذرات الذهب ج٢ ص٢٩٩ والرسالة المستطرفة ص١٠٨. ٤ شذرات الذهب ج٢ ص٣٠٨ والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١١٠. ٥ هدية العارفين ج٥ ص٦٣ ٦ شذرات الذهب ج٣ ص٧، والرسالة المستطرفة ص١٥٨. ٧ شذرات الذهب ج٣ ص١٦، والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٠٨ و١٠٩ و١١٠. ٨ شذرات الذهب ج٢ ص٣٠، وطبقات الحفاظ ص٣٧٢. ٩ شذرات الذهب ج٣ ص٥١، والرسالة المستطرفة ص١٠٨. ١٠ شذرات الذهب ج٣ ص٥٧. ١١ الرسالة المستطرفة ص١٠٨.
[ ٤٦٨ ]
- المقتنى في سرد الكنى، لشيخ الحاكم أبي أحمد النيسابوري محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق، المتوفى سنة ٣٧٨هـ١.
- الوفيات، لابن ربيعة الربعي الدمشقي "ابن زَبر" محمد بن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن ربيعة المتوفى سنة ٣٧٩هـ٢.
- الضعفاء، المختلف والمؤتلف، وهذان الكتابان للدارقطني أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد ابن مهدي بن مسعود الإمام الحافظ المتوفى سنة ٣٨٥هـ٣.
- المتفق والمفترق، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الجوزقي الشيباني الحافظ، المتوفى سنة ٣٨٨هـ٤.
- الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، وهو لأحمد بن محمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن رستم الكلاباذي، المتوفى سنة ٣٩٨هـ٥.
- مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب، المؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة، وهذان الكتابان لأبي الوليد الفرضي عبد الله بن محمد بن يوسف القرطبي، المتوفى سنة ٤٠٣هـ٦.
- أسماء الرجال، لأحمد بن علي بن عمرو السليماني البيكندي البخاري، المتوفى سنة ٤٠٤هـ٧.
- الكنى والألقاب، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحافظ الإمام، المتوفى سنة ٤٠٥هـ٨.
- المؤتلف والمختلف، لعبد الغني بن سعد بن علي بن سعيد بن بشر الحافظ الإمام الأزدي المصري، المتوفى سنة ٤٠٩هـ٩.
- الألقاب والكنى، لأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الفارسي الشيرازي، المتوفى سنة ٤١١هـ١٠.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٣ ص٩٣ والرسالة المستطرفة ص٩١. ٢ شذرات الذهب ج٣ ص٩٥ والرسالة ص١٥٨ وطبقات الحفاظ ص٣٩٥. ٣ شذرات الذهب ج٣ ص١١٦ والرسالة المستطرفة ص٨٦. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص١٢٩ وطبقات الحفاظ ص٤٠١. ٥ شذرات الذهب ج٣ ص١٥١ والرسالة المستطرفة ص١٥٤. ٦ شذرات الذهب ج٣ ص١٦٨ والرسالة المستطرفة ص٨٨ و٩٠. ٧ هدية العارفين ج٥ ص٧١. ٨ شذرات الذهب ج٣ ص١٧٦ والرسالة المستطرفة ص٩٠. ٩ طبقات الحفاظ ص٤١١. ١٠ الرسالة المستطرفة ص٩٠، وهدية ج٦ ص٦٣ وأرخ وفاته سنة ٤٧٦هـ.
[ ٤٦٩ ]
- الأسباب والأنساب، المؤتلف والمختلف، وهذان الكتابان لأحمد بن محمد بن أحمد "أبي سعيد الماليني"، المتوفى سنة ٤١٢هـ١.
- التعريف برجال الموطأ "وهو في أربعة أسفار" لأبي عبد الله محمد بن يحيى بن محمد الحذاء التميمي، المتوفى سنة٤١٦هـ٢.
- رجال الصحيحين لأبي القاسم هبة الله الطبري اللالكائي، المتوفى سنة ٤١٨هـ٣.
- الطبقات، المنتهى في الكمال في معرفة الرجال، وهذان الكتابان لأبي الفضل علي بن الحسين الهمداني الفلكي، المتوفى سنة ٤٢٧هـ٤.
- رجال مسلم، لأبي بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني المعروف بابن منجويه، المتوفى سنة ٤٢٨هـ٥.
- الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافط الصوفي، المتوفى سنة٤٣٠هـ٦.
- التاريخ، الأنساب، المتفق والمفترق، تلخيص المتشابه، مقلوب الأسماء، أسماء المدلسين، من وافقت كنيته اسم أبيه، وهذه الكتب لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ، المتوفى سنة ٤٦٣هـ٧.
- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، الأنساب، وهذان الكتابان لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ٨.
- ذيل علي وفيات ابن ربيعة الربعي، لعبد العزي بن أحمد بن محمد الكناني الدمشقي الحافظ، المتوفى سنة ٤٦٦هـ٩.
- الصحابة، لأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى المعروف بابن منده، المتوفى سنة ٤٧٠هـ١٠.
_________________
(١) ١ هدية العارفين ج٥ ص٧٢. ٢ شذرات الذهب ج٣ ص٢٠٦ وهدية العارفين ج٦ ص٦٣. ٣ شذرات الذهب ج٣ ص٢١١، والرسالة المستطرفة ص١٥٥ وكشف الظنون ج٢ ص١٠٤٠. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص٢٣١، والرسالة المستطرفة ص٩٠ وطبقات الحفاظ ص٤٣١. ٥ شذرات الذهب ج٣ ص٢٣٣ والرسالة المستطرفة ص١٥٤. ٦ شذرات الذهب ج٣ ص٢٤٥ وطبقات الحفاظ ص٤٢٣. ٧ هدية العارفين ج٥ ص٧٩ وطبقات الحفاظ ص٤٣٤. ٨ شذرات الذهب ج٣ ص٣١٤ والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٥٢ وطبقات الحفاظ ص٤٣٣. ٩ شذرات الذهب ج٣ ص٣٢٥ والرسالة المستطرفة ص١٥٨. ١٠ شذرات الذهب ج٣ ص٣٣٧ والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٥٨.
[ ٤٧٠ ]
- التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في الصحيح، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، المتوفى سنة ٤٧٤هـ١.
- الإكمال في الرجال، للحافظ الكبير أبي نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر المعروف بابن ماكولا، المتوفى سنة٤٨٧هـ٢.
- أسماء رجال سنن أبي داود، لأبي علي الحسين بن محمد الجياني الحافظ الغساني، المتوفى سنة ٤٩٨هـ٣.
- الجمع بين رجال الصحيحين "جمع فيه مؤلفه بين كتابي الكلاباذي وابن منجويه" وهو لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة ٥٠٧هـ٤.
- جامع الوفيات "وهو ذيل على ذيل وفيات الكتاني الدمشقي الحافظ" وهو لهبة الله بن أحمد الأنصاري الأكفاني، المتوفى سنة ٥٢٤هـ٥.
- الأنساب، أوهام المؤتلف، والكتابان للحفاظ الرشاطي عبد الله بن علي بن عبد الله، المتوفى سنة ٥٤٢هـ٦.
- الارتجال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج محمد بن يوسف بن مقلد الجماهري التنوخي، المتوفى سنة ٥٥٨هـ٧.
- تاريخ الوفاة للمتأخرين من الرواة، الأنساب، معجم الشيوخ، وهذه الكتب لأبي سعد عبد الركريم بن محمد بن أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التيمي السمعاني، المتوفى سنة ٥٦٢هـ٨.
- ذيل على كتاب ابن منده في الصحابة، لمحمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الحافظ المعروف بأبي موسى المديني، المتوفى سنة ٥٨١هـ٩.
- الفيصل في مشتبه النسبة، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى سنة ٥٨٤هـ١٠.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٣ ص٣٤٤ والرسالة المستطرفة ص١٥٤. ٢ شذرات الذهب ج٣ ص٣٨١ وطبقات الحفاظ ص٤٤٤. ٣ شذرات الذهب ج٣ ص٤٠٨، والرسالة ص١٥٥. ٤ شذرات الذهب ج٣ ص٤٠٨، والرسالة ص١١٥. ٥ شذرات الذهب ج٤ ص١٨، والرسالة المستطرفة ص١١٥. ٦ طبقات الحفاظ ص٤٦٩. ٧ الرسالة المستطرفة ص١٥٢ن وكشف الظنون ج١ ص٦١. ٨ شذرات الذهب ج٣ ص٢٠٥، والرسالة ص١٥٧، وطبقات الحفاظ ص٤٧١. ٩ شذرات الذهب ج٣ ص٢٧٣، وطبقات الحفاظ ص٤٧٥. ١٠ الرسالة المستطرفة ص٨٩.
[ ٤٧١ ]
- كشف النقاب عن الأسماء والألقاب، كتاب الضعفاء والمتروكين، والكتبان لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، المتوفى سنة ٥٩٧هـ١.
- الكمال في أسمال الرجال "في أربع مجلدات" للحفاظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المتوفى سنة ٦٠٠هـ٢.
- ذيل على ذيل وفيات الأكفاني، لشرف الدين علي بن المفضل المقدشي ثم الإسكندري الحافظ، المتوفى سنة ٦١١هـ٣.
- معجم البلدان، لياقوت شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، المتوفى سنة ٦٢٦هـ٤.
- الأنساب، التاريخ، أسد الغابة "جمع فيه مؤلفه بين كتب أربعة لابن منده والمديني وأبي نعيم وابن عبد البر" اللباب في تهذيب الأنساب، وهذه الكتب الثلاثة لعز الدين علي بن محمد بن محمد بن الأثير، المتوفى سنة ٦٣٠هـ٥.
- الحافل "وهو تكملة الكامل لابن عدي الجرجاني وتذييل عليه" الأنساب، وهذان الكتابان لأحمد بن محمد مفرج الأموي الإشبيلي المعروف بابن الرومية، المتوفى سنة ٦٣٧هـ٦.
- المتفق والمفترق، الأنساب، المؤتلف، الكمال في معرفة الرجال "جمع فيه مؤلفه بين رجال الكتب الستة" وهذه الكتب للحافظ الكبير محب الدين أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن وهبة بن محاسن البغدادي المعروف بابن النجار البغدادي، المتوفى سنة ٦٤٣هـ٧.
- التكملة لوفيات النقلة "وهو في ثلاث مجلدات ذيل على وفيات ابن المفضل" للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة أبو محمد المنذري، المتوفى سنة ٦٥٦هـ٨.
- كتاب في الرجال، للقاضي منهاج الدين أبي عمر عثمان بن سراج الدين عمر الجوزجاني المؤرخ، المتوفى سنة ٦٦٠هـ٩.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٤ ص٣٢٩، والرسالة المستطرفة ص٩٠ و١٥٧. ٢ شذرات الذهب ج٤ ص٣٤٥، والرسالة المستطرفة ص١٥٥. ٣ شذرات الذهب ج٥ ص٤٧، والرسالة المستطرفة ص١٥٩. ٤ شذرات الذهب ج٥ ص١٢١، والرسالة المستطرفة ص١٥٣. ٥ شذرات الذهب ج٥ ص١٣٧، والرسالة المستطرفة ص١٥٢، وطبقات الحافظ ص٤٩٢. ٦ هدية العارفين ج٥ ص٩٣، والرسالة ص١٠٩، طبقات الحافظ ص٢٩٨. ٧ شذرات الذهب ج٥ ص٢٢٦، وطبقات الحافظ ص٤٩٩. ٨ شذرات الذهب ج٤ ص٢٧٧، والرسالة المستطرفة ص١٥٧، ١٥٩. ٩ هدية العارفين ج٦ ص٦٥٥.
[ ٤٧٢ ]
- مختصر أسد الغابة، تهذيب الأسماء واللغات، وهذان الكتابان لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الإمام المتوفى سنة ٦٧٦هـ١.
- وفيات الأعيان، لابن خلكان شمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، المتوفى سنة ٦٨١هـ٢.
- ذيل التكملة لوفيات النقلة، وهو لتلميذ المنذري الحافظ عز الدين أحمد بن محمد الشريف الحسيني الحلبي المصري، المتوفى سنة ٦٩٥هـ٣.
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال "ويقع في اثني عشر مجلدًا ويقال: إن مؤلفه لم يكمله" وهو للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبي الحجاج المزي، المتوفى سنة ٧٤٢هـ٤.
- تذكرة الحفاظ وذيله "في ثلاث مجلدات كبار طبعت أخيرا في بيروت" المقتنى في سرد الكنى، ميزان الاعتدال في نقد الرجال "في مجلدين مطبوعين" مشبه الأسماء والنسبة "وهو مختصر جامع من مؤلفات عبد الغني وابن نقطة وابن ماكولا وأبي الوليد الفرضي".
- ديون الضعفاء، ولعله مختصر من كتاب الضعفاء لابن الجوزي وذيله.
- معرفة الرجال المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد، المغني في الضعفاء وبعض الثقات "وهو في مجلد يحكم فيه على الرجل بكلمة واحدة وهو نفيس جدًّا" تهذيب التهذيب.
- تاريخ الإسلام "في اثني عشر مجلدًا" الكاشف في أسماء الرحال "وهو مختصر للتذهيب"٥.
- سير أعلام النبلاء "في عشرين مجلدًا" وفي مختصر من كتابه تاريخ الإسلام مع زيادات.
- المقتضب من تهذيب الكمال للمزي، الإعلام بوفيات الأعلام، التاريخ الصغير.
- التجريد في أسماء الصحابة "وهو مختصر أسد الغابة في معرفة الصحابة" المختصر في محدثي العصر، المعجم المختص في المحدثين، المجرد في رجال الكتب الستة، مختصر معجم الشيوخ التاريخ الأوسط.
ومؤلف هذه الكتب النافعة هو الإمام محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨هـ٦.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٥ ص٢٥٤، والرسالة ص١٥٤. ٢ شذرات الذهب ج٥ ص٣٧١. ٣ شذرات الذهب ج٥ ص٤٣٠ والرسالة ١٥٩. ٤ شذرات الذهب ج٦ ص١٣٦، والرسالة ص١٥٥ وطبقات الحفاظ ص٥١٧، ص١٥٥ وطبقات الحفاظ ص٥١٧. ٥ ورد في تحقيق الأستاذ عزت على عبيد عطية لهذه المسألة أن الكاشف إنما هو اختصار لتهذيب الكمال نفسه، وليس اختصارًا لتذهيب التهذيب خلافًا لما أورده التاج السبكي ومن تابعه وهذا من مقدمة الأستاذ عزت لكتاب الكاشف المطبوع عام ١٩٧١ ص٣٤٣. ٦ شذرات الذهب ج٦ ص١٥٣ والرسالة صفحات ١٩، ٩٠، ١٠٩، ١٥٣، ١٥٦، ١٥٧ وطبقات الحفاظ ص٥١٧.
[ ٤٧٣ ]
- الطالع السعيد في أسماء نجباء الصعيد، لأبي الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب الأدقوي، المتوفى سنة ٧٤٨هـ١.
- ذيل على وفيات ابن زَبر، لشهاب الدين أبي الحسن أحمد بن أيبك الحسامي الدمياطي، المتوفى سنة ٧٤٩هـ٢.
- أسماء رجال مشكاة المصابيح، لمؤلف المشكاة أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، المتوفى سنة ٧٤٩هـ٣.
- إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ذيل لكتاب الضعفاء لابن الجوزي، والكتابان للحفاظ علاء الدين مغلطاي بن قليح بن عبد الله الحنفي، المتوفى سنة ٧٦٢هـ٤.
- رجال السنن الأربعة "النسائي وأبي داود والترمذي وابن ماجه".
- الجمع بين رجال الصحيحين. والكتابان لشهاب الدين أحمد بن أحمد بن أبي الحسين الكردي الأصل الهكاري، المتوفى سنة ٧٦٣هـ٥.
- التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل "جمع فيه مؤلفه بين تهذيب المزي وميزان الذهبي، وهو أنفع شيء للمحدث والفقيه" ومؤلفه الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير، المتوفى سنة ٧٧٤هـ٦.
- إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لسراج الدين عمر بن الملقن، المتوفى سنة ٨٠٤هـ٧.
- الجمع بين رجال الصحيحين، لسراج الدين أبي حفص عمر بن نصير بن صالح البلقيني، المتوفى سنة ٨٠٥هـ٨.
- ذيل على ذيل ابن أيبك الدمياطي، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الإمام، المتوفى سنة ٨٠٦هـ٩.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٦ ص١٥٣. ٢ الرسالة المستطرفة ص١٥٨، ١٥٩ وطبقات الحفاظ ص٥٢٣. ٣ شذرات المستطرفة ص١٥٧ وهدية العارفين ج٦ ص١٥٦. ٤ شذرات الذهب ج٦ ص١٩٧ والرسالة ص١٥٦ وطبقات الحفاظ ص٥٣٤. ٥ الرسالة المستطرفة ص١٥٥. ٦ شذرات الذهب ج٦ ص٢٣١، والرسالة ص١٥٧ وطبقات الحفاظ ص٥٢٩. ٧ الرسالة المستطرفة ص١٥٦ وطبقات الحفاظ ص٥٣٧. ٨ شذرات الذهب ج٧ ص٥١ والرسالة المستطرفة ص١٥٥. ٩ شذرات الذهب ج٧ ص٥٥ والرسالة المسترطفة ص١٠٩-١٥٨.
[ ٤٧٤ ]
- ترتيب ثقات ابن حبان وثقات العجلي على الحروف، للحافظ نور الدين الهيثمي، المتوفى سنة ٨٠٧هـ١.
- ذيل علي ذيل العراقي لولده الحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي المتوفى سنة ٨٢٦هـ٢.
- نهاية السول في رواية الستة الأصول، الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث.
- التبيين لأسماء المدلسين، الاغتباط بمن رمي بالاختلاط، نثل الهميان في معيار الميزان.
وهذه الكتب لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الإمام الحافظ الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، المتوفى سنة ٨٤١هـ٣.
- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة "ترجم فيه ابن حجر لمن خرج له في كتاب من كتب الأئمة الأربعة: موطأ مالك، مسند الشافعي، مسند أحمد، مسند أبي حنيفة دون أحد الكتب الستة".
- تهذيب الكمال للمزي "في ست مجلدات".
- تقريب التهذيب "وهو مختصر كتابه تهذيب التهذيب في مجلد ضخم".
- الإصابة في تمييز الصحابة "خمس مجلدات وهو مطبوع أخيرًا في بيروت في أربع مجلدات".
- لسان الميزان "ثلاث مجلدات".
- تحرير الميزان.
- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه "مجلد ضخم" وهو مختصر لمختصر الذهبي في مشتبه الاسم والنسبة مع زيادات وضبط بالحروف.
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة "في خمس مجلدات، مطبوعة في مصر أخيرًا".
- رفع الأصر عن قضاة مصر "في مجلدين مطبوعين".
- إنباه الغمر بأنباء العمر.
- فوائد الاحتفال في أحوال الرجال "وهو في أحوال رجال البخاري زيادة على تهذيب الكمال في مجلد" ولعله الكتاب الذي ذكره صاحب كشف الظنون باسم الإعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام ص "٥٥٢/ ١".
- الثقات ممن ليس في التهذيب "ولم يكمل".
- نزهة الألباب في الأسماء والألقاب.
- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٧ ص٧٠ والرسالة ص١١٠ وطبقات الحفاظ ص٥٤١. ٢ شذرات الذهب ج٧ ص١٧٣ والرسالة ص١٥٩. ٣ شذرات الذهب ج٧ ص٢٣٧ والرسالة ص١٠٩-١٥٥ وطبقات الحفاظ ص٥٤٥.
[ ٤٧٥ ]
وهذه الكتب الكثيرة النافعة للإمام الحافظ شيخ الإسلام شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الشهير بابن حجر العسقلاني المصري، المتوفى سنة ٨٥٢هـ١.
- مغاني الأخبار في رجال معاني الآثار، معجم شيوخ العيني، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان "في عشرين مجلدًا واختصره في ثلاث مجلدات" تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر.
وهذه المؤلفات لبدر الدين أبي الثناء وأبي محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الأصل المصري الدار والوفاة المعروف ببدر الدين العيني، المتوفى سنة ٨٥٥هـ٢.
- الاهتمام الكلي بإصلاح ثقات العجلي، الإيثار برجال معاني الآثار، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة. وهذه الكتب للشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة ٨٧٩هـ٣.
- الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة، للإمام المحدث عماد الدين أبي زكريا يحيى بن أبي بكر العامري اليمني، المتوفى سنة ٨٩٣ هـ٤.
- الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، زيادة نزهة الألباب لابن حجر، السيف القاطع في التاريخ، الشافي من الألم في وفيات الأمم، طبقات المالكية، عمدة الأصحاب في معرفة الألقاب.
- ذيل رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر وهذه الكتب للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي، المتوفى سنة ٩٠٢هـ٥.
- ذيل الإنباه عن قبائل الرواه لابن حجر، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة "في مجلدين مطبوعين" زوايد الرجال على تهذيب الكمال، إسعاف المبطأ برجال الموطأ.
- اللمع في أسماء من وضع، الزوائد على المال في معرفة الرجال، وشد الرحال في ضبط الرجال، الملتقط من الدرر الكامنة، نظم العقيان في أعيان الأعيان، المنى في الكنى، كشف النقاب عن الألقاب، نثر الهميان في وفيات الأعيان، ورقات في الوفيات، تذييل على كتاب المغني في الضعفاء وبعض الثقات للذهبي، طبقات الحافظ "في مجلد مطبوع"، در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة، طبقات التابعين، لب الألباب في تحريح الأنساب، رسالة في أسماء المدلسين، عين الإصابة في مختصر أسد الغابة.
وهذه الكتب للحفاظ جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين بن محمد بن أبي بكر بن محمد السيوطي، المتوفى سنة ٩١١هـ٦.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٧ ص٢٧٠ والرسالة المستطرفة ص٩٠، ١٠٩، ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧ وطبقات الحفاظ ص٥٤٧. ٢ شذرات الذهب ج٧ ص٢٨٦ والرسالة المستطرفة ص١٥٦. ٣ شذرات الذهب ج٧ ص٣٢٦ والرسالة المستطرفة ص١١٠ و١٥٦. ٤ الرسالة المستطرفة ص١٥٥، ١٥٦، ١٥٧. ٥ شذرات الذهب ج٨ ص١٥ والرسالة ص٩٠ و١١٠. ٦ شذرات الذهب ج٨ ص٥١ والرسالة المستطرفة ص٩١ و١٥٦ و١٥٧.
[ ٤٧٦ ]
- غاية المرام في رجال الصحيح البخاري إلى سيد الأنام، لأبي عبد الله محمد بن داود البازلي الكردي المتوفى سنة ٩٥٢هـ١.
- المغني في ضبط أسماء الرجال وأنسابهم، قانون الموضوعات في ذكر أسماء الضعفاء والوضاعين. وهذان الكتابان للسيد محمد طاهر الصديق الفتني رئيس محدثي الهند المتوفى سنة ٩٨٦هـ٢.
- بهجة المحافل وأجمل الوسائل في التعريف برواة الشمائل.
- نشر المآثر فيمن أدركتهم من علماء القرن العاشر.
وهذان الكتابان للعلامة إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المالكي، المتوفى سنة ١٠٤١هـ٣.
- قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين. لعبد الغني بن صفي الدين أحمد بن محمد بن علي البحراني الشافعي، المتوفى سنة ١٢٣٤هـ٤.
- مختصر لسان الميزان، لأبي زيد عبد الرحمن بن أبي العلاء إدريس بن محمد العراقي الحسيني الفارسي، المتوفى سنة ١٢٣٤هـ٥.
هؤلاء من أهم من عرفنا من المؤلفين في هذه الحقبة من الزمن، وما تيسرت معرفته من أسماء مؤلفاتهم أو موضوعاتها في علم الرجال بأنواعه المختلفة، على أن هناك كتبا عديدة في تاريخ الرجال لا يقتصر مؤلفوها على ذكر ترجمة رجال الحديث، وقد يكون لرجال الحديث فيها قسط وفير، ولا سيما إذا كان مؤلفها من رجال الحديث أنفسهم، وذلك مثل كتاب الدرر الكامنة الذي وضعه مؤلفه الحافظ ابن حجر لأعيان المائة الثامنة، وذكر أنه جمع فيه تراجم من كان في تلك المائة ابتداء من سنة إحدى وسبعمائة إلى آخر سنة ثماني مائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء والكتاب والوزراء والأدباء والشعراء، وأنه عني برواة الحديث النبوي، فذكر من أطلع على حاله، وأشار إلى بعض مروياته، ومثل كتاب الضوء اللامع للحافظ السخاوي المتوفى سنة ٩٠٦هـ وألفه لأعيان القرن التاسع، وقال في مقدمته: إنه جمع فيه من علمه من أهل هذا القرن من سائر العلماء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء والشعراء، والخلفاء والملوك والأمراء، والمباشرين والوزراء، مصريًّا كان أو شاميًّا، أو حجازيًّا أو يمنيًّا، أو روميًّا أو هنديًّا، وسنتناوله بالدراسة في هذا الفصل إن شاء الله، ومثل كتاب وفيات الأعيان في أبناء الزمان للقاضي شمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١هـ والذي قال في مقدمته: إنه لم يذكر فيه أحدًا من الصحابة والتابعين إلا جماعة يسيرة اكتفاء بالمصنفات الكثيرة، وإنه لم يقتصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء والملوك، بل ذكر من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه مع الإيجاز وإثبات الوفاة والمولد إلا قدر عليه، وفيه من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وقد أشرنا إلى أسماء هذه الكتب عند عرضنا لما ألف في الرجال.
وهذه دراسة موجزة لبعض الكتب التي آثرنا دراستها هنا لاتصالها بما نحن بصدده من هذا البحث زمانًا ومكانًا.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٨ ص١٣٨. ٢ شذرات الذهب ج٨ ص٤١٠ والرسالة المستطرفة ص١٥٤. ٣ الرسالة المستطرفة ص١٥٧. ٤ الرسالة المستطرفة ص١٥٣. ٥ الرسالة المستطرفة ص١٠٩.
[ ٤٧٧ ]
الإصابة في تمييز الصحابة:
للحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ:
ومؤلف هذا الكتب هو الإمام شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني المصري، المتوفى سنة ٨٥٢هـ والذي سبقت ترجمته عند دراسة كتابه بلوغ المرام من بين كتب الأحكام.
وأما طريقته ومنهجه والباعث على تأليفه فإننا ندع المؤلف يتحدث عن ذلك في خطبة كتابه بما ملخصه.
إن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي، ومن أجل معارفه تمييز أصحاب رسول الله ﷺ ممن خلف بعدهم، وإن أول من عرفه صنف في ذلك أبو عبد الله البخاري الذي أفرد في ذلك تصنيفًا، فنقل منه أبو القاسم البغوي وغيره، وجمع أسماء الصحابة مضمومة إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه ومن قرانائه، وصنف في ذلك جمع بعدهم كأبي بكر بن أبي داود وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كأبي علي بن السكن وغيره، ثم كأبي عبد الله بن منده وأبي نعيم، ثم كأبي عمرو بن عبد البر الذي سمى كتابه الاستيعاب مع أنه لم يستوعب، فذيل عليه أبو بكر فتحون ذيلًا حافلًا إلى أن قال: وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء التي لم يسبق ذكرها، فجمعت كتابًا كبيرًا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا جميعًا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي، من أنه ﷺ توفي ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان، ثم أيد كلام أبي زرعة بما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة تبوك: والناس كثير لا يحصيهم ديوان، وبما ثبت عن الثوري: أن من قدم عليًّا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفًا مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وكان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ باثني عشر عامًا، بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الفتوح وغيرها، وفي خلافة عمر في الفتوح، وفي الطاعون وغيرها من لا يحصى كثرة.
ثم بين أنه استخار الله تعالى في ذلك، ورتبه على أربعة أقسام:
القسم الأول:
من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
[ ٤٧٨ ]
القسم الثاني:
فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال، ممن مات ﷺ وهم في سن دون سن التمييز، وقد ذكروا في الصحابة لغلبة الظن على أنه ﷺ رآهم، لتوافر دواعي أصحابه على إحضارهم بين يديه.
القسم الثالث:
فيمن ذكر في الكتب المؤلفة للصحابة من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه. ثم قال: وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث، وإن كان بعض المؤلفين قد ذكر بعض هؤلاء في كتب معرفة الصحابة، فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا لمقاربتهم تلك الطبقة لا أنهم من أهلها، ومن هؤلاء النجاشي.
القسم الرابع:
فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط، وبيان ذلك بيانًا ظاهرًا يعول عليه على طريقة أهل الحديث.
ثم ذكر أنه يورد فصولًا يتقدم بها أمام ذكر أسماء الصحابة، وأورد في الفصل الأول منها تعريف الصحابي، وما فيه من خلاف بين العلماء، وفي الثاني الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيًّا، وفي الثالث بيان حال الصحابة من العدالة، ثم ابتدأ بذكر أسماء الرجال من الصحابة مرتبين على الحروف الهجائية، فبدأ يحرف الألف، وذكر فيه الأقسام الأربعة مرتبة بحسب الحرف الثاني في كل كلمة، فبدأ بالهمزة التي بعدها ألف، ثم بالهمزة التي بعدها باء موحدة وهكذا.
وقد انتهى من أسماء الرجال بنهاية الجزء الثالث من أجزاء الكتاب الثلاثة التي يقع الجزء الأول منها في تسع وثمانين وخمسمائة صفحة من القطع الكبير أولها اسم آبي اللحم وآخرها زيد بن وهب الجهني، ويقع الجزء الثاني منها في أربع وأربعين وخمسمائة صفحة تبتدئ باسم سابط بن أبي حميضة وتنتهي باسم عمرو بن طلق بن زيد، ويقع الجزء الثالث في ست وثمانين وستمائة صفحة تبتدئ باسم عمرو بن العاص، وتنتهي باسم يونس الأنصاري الظفري، وأما الرابع من أجزاء الكتاب فإن بعضه خاص بكنى الرجال تبتدئ من الصفحة الثانية منه وتنتهي بالصفحة الثالثة والعشرين ومائتين، وأول هذه الكنى أبو أمية الفزاري وآخرها أبو يزيد بن أبي مريم، والبعض الآخر خاص بالنساء أسماء وكنى، يبدأ بذكر أسمائهن من صفحة أربع وعشرين ومائتين وينتهي بصفحة تسع وعشرين وأربعمائة، وأول هذه الأسماء آسية بنت الحارث -أخت النبي ﷺ من الرضاعة-
[ ٤٧٩ ]
وآخرها يسيرة أم ياسر الأنصارية، وأما كناهن فتبتدئ من صفحة تسع وعشرين وأربعمائة إلى نهاية الكتاب صفحة ست وخمسمائة، وأولى هذه الكنى أم أبان، وآخرها أم يحيى.
وهذه هي أقسام الكتاب: وعدد أجزائه وصفحات كل جزء، وبيان إجمالي لما ورد فيه.
وأما طريقة العرض بسطًا واختصارًا فيبدو أنها ترجع في الجملة إلى مكانة الصحابي أو الصحابية، ودرجته في الأقسام الأربعة، ومقدار ما عرف المؤلف عنه، أو رأى الحاجة ماسة إلى بيانه في مقام ما ينشده الدارس لهذا الفن.
فنراه حين تناول ترجمة أبي بكر الصديق ﵁أورده في القسم الأول في اسم عبد الله، وقال: إنه عبد الله بن عثمان بن عامر. حتى انتهى إلى نسبته القرشي التيمي، ووصفه بأنه خليفة رسول الله، وذكر اسم أمه وعام ولادته، وصحبته للرسول الله ﷺ، وبعض مواقفه معه: كموقف الهجرة وأطال فيه، وذكر ما لقب به في الإسلام، وموقفه من زواج النبي ﷺ بخديجة، وبعض مزاياه في الجاهلية، ثم تناول ما كان من إجارة ابن الدغنة له، ثم رد جواره عليه ثم أشار إلى ما أطنب به أبو القاسم بن عساكر في ترجمته لأبي بكر حتى بلغت عنده مجلدًا، ثم أورد عدد سني خلافته، وسنة وفاته، وتناول ذلك في ثلاث صفحات من الجزء الثاني١ من الكتاب.
وحين تكلم عن علي بن أبي طالب ﵁ نراه قد تناوله أيضًا في قريب من هذا القدر من الصفحات، فذكر نسبه، وأنه أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، وأنه شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، وأن النبي ﷺ حين آخى بين أصحابه قال له: أنت أخي، وأن مناقبه كثيرة حتى قال أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال: إن النسائي تتبع ما خص منه من دون الصحابة، فجمع منه أشياء بأسانيد أكثرها جياد، ثم أورد ما اشتهر به من الفروسية والشجاعة والإقدام، وذكر ما مدح به من الشعر في ذلك، ثم تناول كثيرًا من مواقفه وخصائصه التي منها اختصاصه يدفع الراية إليه في خيبر بعد أن قال ﷺ: "لأدفعن الراية غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله".
وفي نهاية الترجمة ذكر مدة خلافته، وبعض وقائعه مع عائشة ومعاوية ﵃ أجمعين٢.
وفي ترجمته لسارية بن زنيم أورد ما يشعر بأن له صحبة، ومن ذكر أن له صحبة من المؤرخين، وما أنشده سارية من شعر يعتذر به إلى النبي ﷺ، وكان قد بلغه أنه هجاه
_________________
(١) ١ الإصابة ص٣٤١ ج٢ وما بعدها. ٢ الإصابة ص٥٠٧ وما بعدها.
[ ٤٨٠ ]
-قبل إسلامه- فتوعده، فاعتذر إليه بأبيات عد منها عشرة، وأن عمر ولاه ناحية فارس وأنه هو الذي قال له يا سارية الجبل، وذكر القصة في ذلك نقلًا عن الواقدي وعن البيهقي في الدلائل، بما استوعب صفحة واحدة، ولم يزد على ذلك١.
وفي ترجمته للسائب بن عمير القاري قال: إن له ذكرًا في حديث أخرجه ابن منده، وذكر الحديث، ثم قال: إنه أخرجه الفاكهي من طريق أخرى، وترجم له في أربعة أسطر لم يزد عليها شيئًا٢.
وبعد:
فقد رأينا في عرض هذه التراجم أنه أطال بعض الشيء في عرض ترجمة الصديق وابن أبي طالب، وأنه توسط في عرض ترجمة سارية، وأوجز في عرض ترجمة السائب بن عمير، وذلك راجع إلى ما سبق أن أوردناه من منزلة الصحابي المترجم له، ومقدار ما عرفه المؤلف عنه، وما يلزم عرضه من كل ذلك.
ولا يخفى ما للإمام ابن حجر من مكانة علمية وسعة أفق، ودراية حديثية تجعلنا نطمئن إلى حسن عرضه، والثقة بما يورده في كتابه، وما يقدمه إلى الدارسين من معارف.
_________________
(١) ١ الإصابة ص٢ و٣ ج٢. ٢ الإصابة ص١١ ج٢.
[ ٤٨١ ]
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:
للحافظ شمس الدين محمد بن الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ:
وهذا الكتاب من تلك التي أشرنا إليها في التمهيد لهذا الفصل، والتي تعنى بالتأريخ لمن اشتهروا بفن أو علم، أو قيادة أو سياسة، أو صلاح وتقوى، أو غير ذلك مما يظهر أثره ويشتهر به صحابه، وهي لذلك ليست خاصة بنوع من هذه الأنواع، فإذا أوردنا أحدها في هذا الفصل فلأنه ترجم من بين ما احتواه لمن يهمنا أمرهم ويعنينا ذكرهم، وهم رجال الحديث: علماؤه ورواته والمؤلفون فيه.
فإنه إذا كان المؤلف لكتب التاريخ هذه من المحدثين فإنه ولا شك لا بد أن يعنى بشيوخه، ومن زاملوهم في طلب العلم، وعاصروهم أو أخذوا عنهم، فيوفي الترجمة بما يشمل المهم لطالب هذا العلم والدارس فيه.
وإذا كان الكتاب لمؤلف من المحدثين الناقدين الذين يعنون بالجرح والتعديل، ويبدون اهتمامًا خاصًّا بالرواة وأحوالهم، من أمثال شيخ الإسلام ابن حجر، والحافظين السخاوي والسيوطي فإن ما يترجمون به لهؤلاء الرواة من أهم ما يعنينا في البحث في الرجال وأحوالهم، ومن نقلوا عنهم وتتلمذ عليهم، وما صنفوه من مدونات لها أثرها في دراسة علم الحديث بفروعه المختلفة، وفنونه المتعددة، ومن هنا كان اختيارنا لهذا الكتاب.
فإن مؤلفه الحافظ شمس الدين السخاوي من فحول هذا الشأن والمبرزين فيه، نوه به ابن العماد في الشذرات فقال في ترجمته له: وانتهى إليه علم الجرح والتعديل حتى قيل: لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه، ونقل عن ابن حجر قوله عنه: إنه أمثل جماعتي، كما نقل أنه اجتمع له من الروايات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وذكر من بين مؤلفاته هذا الكتاب.
وقد أبرز المؤلف عنايته بترجمة رجال الحديث، وبيان ضعفائهم وثقاتهم وما دونوه من مصنفات، بما أورده من بيان منهجه في مقدمة الكتاب بما ملخصه: إن علماء هذا القرن ومن بعدهم يشاركون في مسمى العلم وحفظه ونسخه، وإنهم فضلاء متفاوتون في الفهم والديانة، وإن الشرع قد ورد بإنزال كل منزلته، وبيان المزلزلين من الأثبات، والضعفاء من العدول الثقات، وأهل السنة من فاسدي العقيدة، ليكون المرء على بصيرة فيما يصل إليه منهم، وعلى بينة فيما بين يديه من مصنفاتهم، وأن ذلك من أوكد المهمات لما فيه من المصالح العامة المتعلقة بأمور الدين.
والكتاب يقع في اثني عشر جزءًا، مجموع صفحاتها أربع وأربعون وتسعمائة وثلاثة آلاف، بما في ذلك الفهارس.
[ ٤٨٢ ]
ولندع الحافظ السخاوي يحدثنا عن محتوى الكتاب، ويبين لنا منهجه وطريقته ومراجعه التي استمد منها مادته، واصطلاحه عند إطلاق بعد الألفاظ، فإن ذلك مما يبرز معالم الصورة، وينير الطريق أمام الدارس الباحث عن تراجم الأعلام.
قال المؤلف في مقدمة كتابه١: هذا كتاب من أهم ما به يعتني، جمعت فيه من علمته من أهل هذا القرن الذي أوله سنة إحدى وثمانمائة من سائر العلماء والقضاة والصلحاء، والرواة والأدباء والشعراء، أو الخلفاء والملوك والأمراء، والمباشرين والورزاء، مصريًّا كان أو شاميًّا، حجازيًّا أو يمنيًّا، روميًّا أو هنديًّا، مشرقيًّا أو مغربيًّا، بل وذكرت فيه بعض المذكورين بفضل ونحوه من أهل الذمة اكتفاء في أكثرهم بمن أضفتهم إليه في عزوه؛ لأنه اجتمع لي منه الجم الغفير، وارتفع على اللبس في جمهورهم إلا اليسير، مستوفيًا من كان منهم في معجم شيخنا وإنبائه، وتاريخي العيني والمقريزي، سيما في عقوده التي رتبها النجم بن فهد، وإن لم ينهضا لاسيتفائه، إلى غيرها من التواريخ، كالذيل لحلب لابن خطيب الناصرية، ولمكة للنجم بن فهد مع أصله للقاسمي، والطبقات والوفيات المدونة والتراجم لشيوخ ابن فهد التقي وولده وغيرها من المعاجم، وما علقته من مجامع مفيدنا الزين رضوان، أو رأيته في استدعاءات ابن شيخنا ونحوه من الأعيان، وسائر من ضبطته ممن أخذ عن شيخنا، أو عني أو أخذت عنه ولم يكن له كبير اعتنا، وربما أثبت من لا يذكر لبعض الأغراض التي لا يحسن معها الاعتراض، وألحقت في أثنائه كثيرًا من الموجودين رجاء انتفاع من لعله يسأل عنهم من المستفيدين، مع غلبة الظن الغني عن التوجيه، ببقاء من شاء الله منهم إلى القرن الذي يليه، مرتبًا له لتسهيل الكشف على حروف المعجم الترتيب المعهود في الأسماء والآباء والأنساب والجدود، مبتدئًا من الرجال بالأسماء ثم بالكنى ثم بالأنساب والألقاب، وكذا المبهمات بعد الأبناء، مراعيا في الترتيب لذلك كله حروف الكلمة المقصودة، بحيث أبدأ في الألف مثلًا بالهمزة الممدودة، ثم بالهمزة التي بعدها موحدة وألف، ثم بالتي بعدها راء على ما ألف، مردفًا ذلك بالنساء كذلك وكل ما أطلقت فيه شيخنا فمرادي به ابن حجر أستاذنا، وكنت أردت إيراد شيء مما لعله يكون عندي من حديث من شاء الله من المترجمين، فخشيت التطويل "لا" سيما إن حصل إيضاحه بالتبيين، ولذا اقتصرت على الرضي والزكي والسراج العضد والمحيى ممن يلقب رضي الدين أو زكي الدين أو سراج الدين أو محيي الدين ممن المصنف عليه محتوى، وأعرضت لذلك عن الإفصاح بالمعطوف عليه للعلم به، فأقتصر على قولي: مات سنة ثلاث مثلًا دون وثمانمائة، وثوقا بأنه ليس يشتبه. ولم آل في التحري جهدًا، ولا عدلت عن الاعتدال فيما أرجو قصدًا وسميته "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" وهو مع كتاب شيخنا وما استدركته عليه في القرن الثامن من تفويت أحد من أعيان القرنين فيما أرجو "نفعه" نفعني الله به والمسلمين.
_________________
(١) ١ الضوء اللامع ج١ ص٥.
[ ٤٨٣ ]
هذا بعض ما قدم به المؤلف كتابه، ونرى من خلال مقدمته ومن دلالة الاسم الذي وضعه عنوانًا له أنه غير مختص بالتأريخ لرجال الحديث من الرواة والحفاظ والمؤلفين -وإن كان قد ذكر الكثير منهم وترجم لهم- ولكنه يؤرخ لكل من علمه في القرن التاسع من سائر العلماء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء والشعراء وغيرهم، في كل قطر ومصر، في الشرق وفي الغرب، بل إنه ذكر فيه من عرف بالفضل ونحوه من أهل الذمة، فلم يخص به نوعًا من الرجال دون نوع، ولا أفرد به قطرًا دون قطر، وإنما سار فيه على نهج من سبقه ممن كتب التاريخ العام للرجال، مرتبًا مادته على الحروف، تسهيلًا للكشف منه.
غير أننا في دراستنا لهذا الكتاب، واستعراضنا لبعض ما ورد فيه من تراجم، لمسنا عنايته الفائقة برجال الحديث ومن كانت له صلة منهم بفنونه المختلفة وأنواعه المتعددة، ورأيناه يبرز فيمن ترجم له منهم أهم النواحي المقصودة للدارس المتخصص في الحديث وعلومه، ويستوعب ما يعلمه من خصائصه بما لا يتوفر عند كثير من المؤلفين من غير رجال الحديث.
إنه يذكر اسم العَلَم، واسم أبيه وجده الأول، ومن عرفه من أجداده الآخرين، ويذكر لقبه وكنيته ومذهبه، والاسم الذي اشتهر به، ومحل ولادته وتاريخها، ويذكر دار إقامته، ويتتبعه في طفولته وصباه ونشأته، ويذكر شيوخه الذين تفتحت عليهم عيناه، ثم من تتلمذ عليه وأخذ عنه، ثم يذكر ما حفظه من متون العلم إبان صغره، وينوه ببحوثه وقراءته، ويورد شيوخه في هذه القراءات وتلك البحوث، والأماكن التي درس بها كل نوع من العلوم، وعلى من تلقاها من الشيوخ، ومن كان منهم أكثر ملازمة له من غيره، ويحدد الأبواب أو الأجزاء التي قرأها عليه، ومدى استفادته من ذلك، ثم يبين اتجاهه إلى الحديث وحبه له، ويؤرخ لبدء اشتغاله به، وتفرغه للبحث فيه، ومن كان من الشيوخ أستاذًا له في علوم الحديث، وما قرأه عليه من كتب، وما حمله عنه من أمالي، ثم يذكر رحلاته إلى البلاد الإسلامية طلبا للعلم، وما أفاده في هذه الرحلات من معارف، ومن لقيه فيها من الشيوخ، وما تلقاه من كل منهم من أنواع العلم، ويتصدى لبيان فضل هؤلاء الشيوخ، والعلوم التي برزوا فيها، ومن أذن له منهم في نقل الحديث وتدوينه، ثم يبين جهوده في نقل السنة رواية أو تدوينًا، ومن شهد له بالعلم من كبار الشيوخ، ويذكر تلاميذه ومدى انتفاعهم به، ويورد ما صنفه في العلوم المختلفة عامة، وما ألفه في الحديث وعلومه بوجه خاص، ويبين عددها وينوه بما يستحق التنويه به منها، ثم يؤخر وفاته ومكانها والقبور التي دفن فيها إلى غير ذلك مما يهتم به الدارسون للسنة والمتخصصون فيها.
[ ٤٨٤ ]
إنه يعني بالعلم من المحدثين أكثر مما يعني بغيره، ويذكر من هذه العناصر التي بينتها ما تتوفر له الإحاطة بمعرفته في دقة تامة، وأمانة بالغة، جعلت كتابه هذا من أهم كتب التراجم لرجال الحديث -إن لم يكن أهمها- في القرن التاسع الهجري، ولولا خشية الإطالة لأوردنا نماذج من تراجمه للمحدثين، وتراجم لغيرهم من الأعيان والوزراء والملوك والرؤساء، فإن إيراد هذه النماذج ومقارنة بعضها ببعض يستدعي أن نفرد له صفحات كثيرة يضيق عنها المقام، وحسبنا ما ذكرناه في التعريف بهذا الكتاب الجليل.
رحم الله الإمام السخاوي، وبارك جهوده في خدمة السنة والتعريف برجالها الأفاضل، وعلمائها المبرزين.
[ ٤٨٥ ]
طبقات الحفاظ:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
وهذا كتاب من كتب التاريخ الخاص برجال الحديث، وهو -كما يبدو من اسمه- مختص بالحفاظ منهم، ألفه الإمام السيوطي على ترتيب الطبقات، وأورد فيه أربعًا وعشرين طبقة، أولها: طبقة الصحابة رضوان الله عليهم، وفيها ثلاثة وعشرون صحابيًّا وبدأها بأبي بكر الصديق، ولم يترجم لواحد منهم، وثانيها: طبقة كبار التابعين، وأورد فيها أربعين تابعيًّا كبيرًا وترجم لهم، وثالثهما: الطبقة الوسطى من التابعين، وفيها ثلاثون منهم وترجم لهم، ورابعها: طبقة صغار التابعين وذكر منهم خمسة وخمسين وترجم لهم أيضًا، ثم سار في عد الطبقات واحدة تلو الأخرى مترجمًا لرجالها حتى انتهى من الطبقة الرابعة والعشرين التي ختمها بالحافظ ابن حجر المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
ولم يحدثنا السيوطي في مقدمة كتابه عنه أكثر مما جاء بهذه المقدمة -بعد حمد الله وذكرالشهادتين والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ- حيث قال:
أما بعد: فهذا كتاب "طبقات الحافظ" ومعدلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتجريح، والتضعيف والتصحيح لخصتها من "طبقات" إمام الحفاظ أبي عبد الله الذهبي، وذيلت عليه من جاء بعده.
والله أسأل الإعانة، وبه العصمة والاستعانة.
بهذه الكلمات القصار قدم لنا السيوطي كتابه: طبقات الحفاظ، لم يبين فيها منهجه وطريقته ولم يزد على أن كتابه هذا تلخيص لكتاب الذهبي، وتذييل عليه بذكر من جاء بعد الذهبي من الحفاظ إلى ابن حجر العسقلاني كما رأينا في الكتاب.
فإذا رجعنا إلى كتاب الذهبي المسمى "تذكرة الحفاظ" وجدناه يقدم كتابه التذكرة أيضًا بكلمات قصار تقرب منها كلمات السيوطي في الألفاظ، وتشبهًا في المعاني، فهو يقول بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ.
هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف، وبالله أعتصم، وعليه أعتمد، وإليه أنيب.
غير أنه بمقارنة الكتابين فيما احتويا من مادة، وفي تقسيم هذه المادة وتنويعها لاحظنا على كتاب: "طبقات الحفاظ" ما نورد أهمه فيما يأتي:
١- إن السيوطي في إيراده للطبقة الأولى في الكتاب قد نبع أصله للذهبي في عددها وأعيانها وترتيب أعلامها إلا في وضع سعد بن أبي وقاص، فقد جعله في ترتيب الأسماء خامسها بعد
[ ٤٨٦ ]
أن كان ترتيبه في التذكرة تاسعها، ولكنه خالف أصله بذكر أسماء الصحابة مجردين دون ترجمة أصلًا، بل إنه لم يكلف نفسه عناء تجاوز اسم الشهرة للصحابي إلى ما هو قريب منه يذكر الجد والنسبة، أما الأصل فقد ذكر اسم كل صحابي في هذه الطبقة، كما ذكر اسم أبيه وجده ونسبته، ثم وصفه وأورد شهادات النبي ﷺ وبعض الصحابة له، وبعض ما رواه من حديث، وصورة من أخلاقه، وأرخ وفاته، وذكر عمره عند الوفاة، ثم أردف أسماء هذه الطبقة الأولى بطائفة من رجال الصحابة عنون لها بقوله: ومن نبلاء الصحابة الذين حديثهم في الصحاح، وأورد أسماء تسعة وستين صحابيا، ثم ذكر عنوانًا آخر قال فيه: ومن النساء، ذكر تحته تسع عشرة صحابية من بينهن أربعة من أمهات المؤمنين. رضوان الله عليهن كما أن من بينهن السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ.
وقد أغفل السيوطي كل هذا، كما أغفل تلخيص الترجمة لكل واحد من هؤلاء الذين ذكرهم، واكتفى بسرد أسماء الشهرة فقط لأعلام الصحابة الثلاث والعشرين، وكأنما لم يكن تلخيصه لهذه الطبقة اختصارًا كما هو المعهود في المختصرات، وإنما كان تلخيصه لها اختزالًا، بل حذفًا لما ورد فيها من مادة علمية جديرة بالتنويه.
٢- وفي الطبقة الثانية أورد -تبعًا للأصل- أسماء من ذكروا فيها على ترتيبه، غير أنه أغفل منها كعب الأحبار، وهو العلم الثالث والثلاثون، والربيع بن خيثم وهو العلم الحادي والأربعون، وترجم لكل من أعلامها بما يقتصر على ذكر الاسم والأب والجد والنسبة إلى القبيلة وإلى الموطن، وشهادات الحفاظ له -إن وجدت- وزمن مولده ووفاته.
٣- وفي الطبقة الثالثة لخص الأصل فيما ورد فيه من أعلام ذكرها على ترتيب أصله إلا في اليسير في ختام هذه الطبقة، حيث قدم ذكر عبد الله بن بريدة بن الحصيب عن موضعه في ترتيب الأصل، وأورده قبل وهب بن منبه وعبد الله بن أبي مليكة، وهو في الأصل مذكور بعدهما.
٤- وفي الطبقة الرابعة أغفل ذكر أعلام ثمانية وردت في الأصل وهي ما يأتي: سعيد بن أبي سعيد، والعلاء بن عبد الرحمن، وسعد بن إبراهيم الزهري، ويزيد بن الهاد، وعوف الأعرابي، وسهيل بن أبي صالح، وأشعث الحمراني، وعبد الملك بن أبي سليمان العزرمي الكوفي.
وأضاف أعلامًا خمسة لم ترد في الأصل وهي:
حماد بن أبي سليمان، وعطاء بن السائب بن مالك الثقفي، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ويزيد بن أبي زياد الهاشمي، وعبد الله بن أبي سليمان الأموي.
وخالف ترتيب أعلام الأصل في مواضع.
٥- وفي الطبقة الخامسة أغفل من الأصل هذه الأعلام السبعة:
حبيب بن الشهيد الأزدي، يحيى بن سعد الحمصي، حنظلة بن أبي سفيان، روح بن القاسم الحافظ، هشام بن سعد، جبيرة بن أسماء، جعفر بن سليمان.
وخالف ترتيب الأصل في مواضع أيضًا.
[ ٤٨٧ ]
٦- وفي الطبقة السادسة أغفل ذكر حميد بن عبد الرحمن بن حميد الحافظ الكوفي، وأضاف إلى الأصل جعفر بن سليمان الضبعي.
ولم يلتزم ترتيب الأصل في بعض الأعلام.
ثم سار في بقية الكتاب على هذا النسق يترك أعلامًا من الأصل، ويضيف أخرى إليه، مما جعل مخرج الكتاب يقول في مقدمته١:
على أنني بعد أن قارنت ما في طبقات الحفاظ للسيوطي بما في طبقات الحفاظ٢ للذهبي رأيت أن السيوطي لم يتقيد تمامًا بما ذكره الذهبي في طبقاته، فقد وجدت عند السيوطي من الآراء والنقول ما ليس مذكورًا عند الذهبي، وهذا الأمر يدل على أن السيوطي كان يختار ويؤلف، ولا يلخص فقط، ومن هنا يمكن أن نستنتج أنه لا غنى للباحثين عن كل من الكتابين، وأن لكل منهما سماته ومزاياه.
وثمة مظهر آخر في طبقات السيوطي، هو أنه ذيل فيها على طبقات الذهبي بالحفاظ الذي تلوا عصر الذهبي إلى طبقة الحافظ ابن حجر.
وفي الكتاب اثنان وتسعون ومائة وألف علم من أعلام الحافظ، حشدهم السيوطي في هذا المؤلف، ورتبهم على طبقات أجيالهم، وترجم لهم بما سنح له من أحواله فيما عدا الطبقة الأولى من الصحابة.
ويقع الكتاب في ثمان وأربعين وخمسمائة صفحة تستوعب مادته، وسبعين ومائة صفحة تستوعب فهارسه ومراجع تحقيقه، كل ذلك في مجلد واحد مطبوع في القاهرة سنة ١٣٩٣هـ.
_________________
(١) ١ طبقات الحفاظ ص٨. ٢ وهو المعروف بتذكرة الحفاظ للذهبي.
[ ٤٨٨ ]
إسعاف المبطأ برجال الموطأ:
للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ:
ومؤلف هذا الكتاب أيضًا هو الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
وكتابه إسعاف المبطأ برجال الموطأ كتاب قيم موجز، تناول فيه الرواة الذين وردت أسماؤهم في الموطأ من شيوخ الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه إلى نهاية السند.
وهذا الإيجاز في كتب السيوطي فن غالب عليه في تأليفها، يتمثل فيه مقالة العربي: "يضع الهناء مواضع النقب" فهو حكيم يضع كل كلمة في موضعها بميزان، ولا يكتبها إلا إذا دلت على معنى لا يستفاد بغير ذكرها، ويترك ما لا يحتاج إليه، في غير ترادف -عند الذكر- في مفرد أو جملة.
قدم السيوطي لكتابه بمقدمة نوه فيها بالإمام مالك رضي الله تعالى عنه، وأنه لا يأخذ إلا عمن يصلحون للأخذ عنهم، لا من زاوية العدالة فقط، بل لا بد أن يتحقق مع العدالة معنى الضبط واليقظة، حتى إن مالكًا سئل عن ثلاثة من الرجال فأطرق ثم رفع رأسه وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله -وكان كثيرا ما يقولها- ثم قال للسائل أدركت هذه المسجد وفيه سبعون شيخًا ممن أدرك أصحاب النبي ﷺ وروى عن التابعين، ولم نحمل العلم إلا عن أهله١.
ثم ذكر صورًا كثيرة تدل على هذا المعنى في مالك ﵁، وكان في آخر ما نقله عنه أن وهبًا سمع مالكًا يقول: لقد رأيت بالمدينة أقوامًا أو استسقي بهم القطر لسقوا، وقد سمعوا من الحديث والعلم شيئًا كثيرًا، وما أخذت عن واحد منهم، وذلك أنهم كانوا قد ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن -يعني الحديث والفتيا- يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم، ويعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليها غدًا في القيامة، فأما زهد بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، وليس هو بحجة، ولا يحمل عنهم٢ لعلم، وقال معن بن عيسى: سمعت مالكًا يقول: كما من أخ لي بالمدينة أرجو دعوته ولا أجيز شهادته.
وتخير السيوطي لهذه المقدمة بما فيها من بيان منهجه على جهة الإطناب، والتي قد تكون طويلة بالنسبة لحجم الكتاب نفسه ربما يكون قد استغنى بها عن شيء كثير جدًّا مما يورده في أوصاف الرجال الذين أرخ لهم في كتابه، فإن فيها تزكية عامة لشيوخ مالك رضوان الله عليه.
_________________
(١) ١ إسعاف المبطأ ص٢. ٢ إسعاف المبطأ ص٤.
[ ٤٨٩ ]
والظواهر المائلة في هذا الكتاب تتجلى فيما يأتي:
١- رتبه على حروف المعجم، والتزم الحرف الأول من اسم الراوي ثم الذي يليه، وهكذا، ولا يعنيه الترتيب الزمني، حيث التزم الترتيب على أوائل حروف الهجاء، فإذا انتهى حرف الهمزة بدأ بما يليه وهو الباء من غير تقيد بزمن، وهذا يستلزم أن يجيء اسم الصحابي مثلًا بعد تابعي ثم يجيء بعده تابعي آخر لأنه التزم الحرف دون الزمان، ولهذا نرى أن أسامة بن زيد وهو صحابي وقع اسمه -على مقتضى هذا الترتيب- بعد اسم إبراهيم بن عقبة التابعي؛ لأن الهمزة والسين بعد الهمزة والياء، ثم جاء بعد أسامة بن يزيد إسحاق بن عبد الله المدني التابعي١؛ لأن الهمزة مع السين والحاء بعد الهمزة مع السين والألف وكذلك وقع اسم أيوب بن أبي تميمة السختياني التابعي بعد أنس من الصحابة٢.
٢- يقتصر من تاريخ الرجل على الهدف المنشود للمحدث من دراسة الرجال، فيذكر شيوخه وتلاميذه، وما حكم به عليه أئمة الجرح والتعديل، كابن سعد وابن معين وأحمد ويحيى والنسائي وابن حبان وأبي زرعة وابن حاتم.
٣- إذا تناول أحدًا من الصحابة بالتأريخ ذكر أهم نواحيه التي تبرز مكانته، فهو يقول في أسامة: إن النبي ﷺ أمره على جيش فيهم أبو بكر وعمر ثم قال ﷺ: "وايم الله إن كان لحليقًا بالإمارة". ثم ذكر فيه أن والده وجده وابنه من الصحابة، فهم أربعة متوالدون صحابة٣ وكقوله في أنس: إنه خدم النبي ﷺ عشر سنين، وأنه كان يطيل القيام في الصلاة حتى تقطر قدماه دمًا.
ويبدو أن وجهة نظره في ذلك أن الصحابي ليس من شأنه أن يتناول من زاوية الجرح والتعديل ولا الشيوخ، فإذا حكم عليه بالتاريخ الموجز الذي التزمه فقد أبرز أهم النواحي فيه.
٤- يذكر الخلاف بين علماء التجريح في الحكم على الراوي، فهو مثلًا يقول في داود بن الحصين الأموي:٤ وثقه ابن معين وضعفه أبو حاتم وقال: لولا أن مالكًا روى عنه لترك حديثه، وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وقال ابن حبان: من أهل الحفظ والإتقان.
وقد يبدو كأن في هذه الأحكام إطنابًا لا يتناسب مع وجازة الكتاب، ولكن إذا لوحظ أنه يخرج المؤلف من ورطة الكتمان، ويحقق له صفة الأمانة والدقة ذهبت تلك الشبهة.
_________________
(١) ١ إسعاق المطبأ ص٥. ٢ إسعاق المطبأ ص٦. ٣ إسعاق المطبأ ص٥. ٤ إسعاق المطبأ ص٩.
[ ٤٩٠ ]
٥- ومن مظاهر دقته في التحري -مما قد يتوهم أنه إطناب أيضًا- أن ينقل عبارات في الحكم على الراوي كأنها مترادفة دون تصرف فيها، ومن ذلك ما جاء في حكمه على ذكوان السمان المدني١ أنه كان ثقة من أجل الناس وأوثقهم، وقال ابن المديني: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كثير الحديث، وأنه أيضًا يذكر ما عرفه من زمن السنة التي توفي الراوي فيها، كقوله في رافع ابن إسحاق الأنصاري٢: إنه مات في أول سنة أربع وتسعين، كما أنه أيضًا يذكر مكان الوفاة كقوله في ذكوان السمان السابق٣: إنه مات بالمدينة سنة إحدى ومائة، وقوله في ربيعة بن عبد الرحمن٤: إنه مات بالأنبار سنة ست وثلاثين ومائة.
٦- من لطائفه في هذا الكتاب أنه يذكر شيوخ الصحابي، فيورد فيهم النبي ﷺ ومن كان شيخًا للصحابي من الصحابة، ومن ذلك قوله في أسامة٥: إنه روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وبلال وأم سلمة، وقال في أنس٦: إنه روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان في آخرين، وربما ترك في بعض الصحابة ذكر الشيوخ والتلاميذ كما فعل في بلال، وعذره ما ذكرنا من أن الصحابي لا يحتاج في ناحيته الحديثية إلى ذلك.
هذه أهم النواحي التي سنحت لنا في دراسة هذه الكتاب النفيس القيم، وكان يحق إسعافًا للطالبين وهو وإن كان قد سماه إسعاف المبطأ فإنما هو استجابة لداعي السجع الذي التزمه هو ومعاصروه من المؤلفين.
_________________
(١) ١ إسعاق المطبأ ص٩. ٢ نفس المرجع والصفحة. ٣ نفس المرجع والصفحة. ٤ نفس المرجع ص١٠. ٥ نفس المرجع ص٥. ٦ نفس المرجع ص٦.
[ ٤٩١ ]