الفصل الأول: قبل سقوط بغداد
الدول الأول: عصر الرواية المثبتة ومنهجهم فيه
الباب الثاني: مناهج المحدثين في مصر
الفصل الأول: قبل سقوط بغداد
نقصد بالمنهج في هذا المقام طريقة عرض السنة على طلابها في نواحيها المختلفة بأنواع علومها المتعددة، مسندة أو غير مسندة، مستوعبة لأبوابها أو مقتصرة على بعض هذه الأبواب، مقرونة ببيان قيمة الأحاديث كلا أو بعضًا أو غير مقرونة.
وقد مرت السنة بأدوار متعددة في طريقها إلينا، وكان عصر الصحابة في حياة النبي ﷺ وبعده وعصر كبار التابعين أول هذه الأدوار، ثم تلاهم من نقل السنة عن طريق الرواية أو التدوين جمعًا أو ترتيبًا وتهذيبًا، أو اختصارًا وتقريبًا على النحو التالي:
الدور الأول: عصر الرواية المتثبتة ومنهجهم فيه ١
لم تكن السنة في القرن الأول مدونة في كتب، ولا مسطورة في أوراق، وإنما كانت مسجلة على صفحات القلوب، وكانت صدور الصحابة وكبار التابعين هي مهد التشريع ومصدر الفتيا، ومبعث الحكم والأخلاق، فقد عرف الصحابة والتابعون نهي الرسول ﷺ عن كتابة شيء غير القرآن فيما رواه أبو سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه مسلم.
كان القرآن ينزل، وكان كتاب الوحي يكتبونه، وكان الرسول ﷺ يتلو على أصحابه كتاب الله، ويحدثهم بالبيان عنه والتفسير لما جاء فيه، ولو أنه صرح لهم بالكتابة لكتبوا عنه ما يقول، وفيما يقوله قرآن وغير قرآن، فيختلط بالقرآن غيره، ويصعب التمييز بينهما في عهد النبي ﷺ إلا على حفاظ كتاب الله، ولا يؤمن بعد ذلك العهد أن بختلط القرآن بالسنة ويلتبس بها، وتكون فتنة كبرى لا يعلم مداها إلا الله.
فهم الصحابة هذا المعنى الذي أشرت إليه، والذي رجحه كثير من العلماء، فكان امتناعهم عن تدوين السنة واعتمادهم على حفظها في الصدور، وحين كتب الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ فإنه لم يكتب إلا بإذن منه، وكان من بين ما كتبه صحيفته "الصادقة" التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه وهي عنده من أصح الأحاديث وعدها بعض أئمة الحديث في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر، واحتج بها الأئمة الأربعة
_________________
(١) ١ تلخيص بتصرف عن مفتاح السنة ص١٥ وما بعدها.
[ ٩٥ ]
أقول: إن عبد الله بن عمرو حين كتب عن النبي ﷺ هذه الصحيفة وغيرها مما رواه قد أمن على نفسه وعلى ما يكتب من تحقق علة النهي فيما فهمه الصحابة من الحديث الشريف.
لقد أذن النبي ﷺ للصحابة قبيل مرضه الذي مات فيه أن يكتبوا، وذلك بعد أن كاد يتم نزول القرآن، وأمن عليه من اللبس بالحديث، وكان إذنه ﷺ خاصًّا ببعض الصحابة، ولكنهم رضوان الله عليهم وجهوا اهتمامهم إلى ما كتب من القرآن بعد وفاة الرسول ﷺ فبادروا إلى جمعه في موضع واحد، وسموا ذلك المصحف واقتصروا عليه، ولم يفعلوا بالحديث مثل ما فعلوا بالقرآن، بل صرفوا همهم إلى نشره بالرواية؛ إما بنفس الألفاظ التي سمعوها من النبي ﷺ إن كانت لا تزال باقية في أذهانهم، أو بما يؤدي معناها إن غابت عنهم مع التنبيه إليه أحيانًا، فإن المقصود بالحديث هو المعنى غالبًا، أما القرآن فمقصود معناه ومبناه، لتعلق الإعجاز بألفاظه، ولذلك استحق أن يسجل بالكتابة خشية أن تنسى الألفاظ مع بعد العهد وطول الزمان، وتقييد السنة مباح ما أمن الاختلاط.
إن القرآن وإن كان بدعًا في أسلوبه، فريدًا في نظمه، يمتاز على غيره بالإعجاز، إلا أن المسلمين في بداية عهدهم لم يكونوا قد مرنوا عليه، وقد كان النازل منه يسيرًا، ولم تكن ملكة التفرقة بينه وبين غيره قد تربت لديهم، فكان من الممكن أن يشتبه عندهم بغيره، ويختلط وحي يتلى بوحي لا يتلى، فكان لا بد من تمييز الوحي المتلو بالكتابة، حتى إذ مرن المسلمون على أسلوب القرآن، وطال عهدهم بسماعه وتلاوته في الصلاة وفي غير الصلاة أذن لبعضهم في كتابة الحديث لأمن اللبس.
ولعل من دواعي النهي عن كتابة الحديث ثم الإذن فيها ما كان من قلة العارفين بالكتابة حينئذاك، فاقتضت الحكمة قصرهم على كتابة القرآن، فلما توافر عددهم أذن صلوات الله وسلامه عليه في كتابة الحديث.
لكل هذه الدواعي أو لبعضها لم يتجه الصحابة إلى كتابة الحديث -كما سبق أن ذكرت- بل جعلوا أفئدتهم أوعية له، وألسنتهم أدوات لنقله وروايته، وكان علم الصحابة وكبار التابعين في الصدر الأول بحديث رسول الله ﷺ، وائتمارهم بأمره وانتهاؤهم بنهيه أكبر من أن يسمح لمجموعهم بالنسيان بعد الحفظ، أو أن يندس بين المسلمين من يتقول على الرسول الكريم، وقد علموا ما أوعد الله به كاتم العلم، وما هدد به الرسول ﷺ من تقول عليه بما لم يقل، فبادروا إلى تبليغ ما عرفوه من حديثه ابتغاء للرحمة وخروجًا من التبعة، وسرعان ما كان ينتشر بين الجماهير ما بلغوه، فإن نسي بعضهم بعضًا منه فرب مبلغ أوعى من سامع،
[ ٩٦ ]
وما دام العهد قريبًا، وصوت النبي ﷺ ما يزال صداه يرن في آذانهم، وصورته الكريمة ماثلة أمامهم، فإن من البعيد في ذلك الوقت أن يضيع شيء من السنة أو يخفى على جمهرة المسلمين.
كان الصحابة يتثبتون في رواية الحديث، فقد علموا أن من الحديث ما يحلل وما يحرم، وما يخطئ وما يصوب، وأن سبيل ذلك هو اليقين أو غلبة الظن، وكانت لهم نظرة فاحصة في الراوي والمروي وكان بعضهم لا يقبل من الحديث إلا ما عليه شاهد معضد، أو يمين حاسمة تميط لثام الشك عن وجه اليقين.
كان الخليفة الأول أبو بكر الصديق أو المتثبتين في رواية الحديث، وكان أول من سن للمحدثين التثبت في النقل، روى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أو تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: كان رسول الله ﷺ يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بذلك، فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
وتبعه على التثبت في النقل عمر بن الخطاب، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، روى الجربزي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثًا فلم يجب فليرجع ١ " قال: لتأتيني على ذلك ببينه أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعًا لونه ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلًا متهم حتى أتى عمر فأخبره.
وهذا علي ﵁ يقول: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته، وأن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر.
ومن هنا كان أصحاب رسول الله ﷺ يقلون من الرواية عنه خشية أن يدخلوا في الحديث ما ليس منه -سهوًا أو خطأ- فيتعرضوا لشيء من وعيد الكذب على رسول الله ﷺ، ومن أولئك الزبير وأبو عبيدة والعباس بن عبد المطلب، وكانوا ينكرون على من يكثر من الرواية، فالإكثار مظنة الخطأ، والخطأ في الدين عظيم الخطر، وقد التزم الصحابة وكبار التابعين بهذا المنهج في كل مكان نزلوه، وفي كل قطر حلوا فيه، وكانت خطتهم في مصر هي نفس ما ألزموا أنفسهم به في المدينة ومكة وسائر بلاد الإسلام: رواية قليلة متثبتة لحديث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب السلام.
[ ٩٧ ]
ولما أنكروا على أبي هريرة ﵁ إكثاره من الرواية اضطر لتبرئة ساحته أن يبين السبب الذي حمله على الإكثار فقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيتان ١٥٩، ١٦٠، والحديث في صحيح البخاري.
[ ٩٨ ]
الدورالثاني: عصر تدوين الحديث مختلطًا بغيره ومنهجهم فيه
ثم انتشر الإسلام وتفرقت الصحابة في الأمصار، ومات كثير منهم، وقل الضبط وكثر الابتداع، فاشتدت الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، وكتب عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين على رأس المائة إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عامله وقاضيه على المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر، كما كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية يأمرهم بجمع الحديث، ومن أبرز من كتب إليهم، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام.
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي الزهري، فكان أول من جمعه ابن جريج بمكة، وابن إسحاق ومالك بالمدينة، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بخراسان، وكل هؤلاء من أهل القرن الثاني.
ومن أشهر الكتب المؤلفة في القرن الثاني موطأ مالك، ومسند الإمام الشافعي، ومختلف الحديث له، ومسند عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ومصنف شعبة بن الحجاج، ومصنف سفيان بن عيينة، ومصنف الليث بن سعد، ومجموعات من عاصرهم من الحفاظ كالأوزاعي والحميدي وغيرهم ممن سأذكر مؤلفاتهم في الباب الثالث موزعة على فصوله بإذن الله.
وقد اتسم طابع التدوين في القرن الثاني بجمع الحديث مختلطًا بغيره من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
[ ٩٨ ]
الدور الثالث: عصر تدوين الحديث مفروزا ومنهجهم فيه
ثم كان القرن الثالث فاختلفت فيه طريقة الجمع عنها في القرن الثاني، وبدأ رواة الحديث وأئمته يفردونه بالجمع والتدوين عن أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وكان من هؤلاء الأئمة من جمع كل ما روي عن رسول الله ﷺ من حديث من غير تمييز بين صحيح وسقيم، ومنهم من أفرد الصحيح وخصه بالجمع دون سواه ليخلص طالب الحديث من عناء البحث ومشقة السؤال، وكان أول من راد هذا الطريق الصعب هو شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري، فجمع في كتابه الجامع الصحيح ما ثبتت لديه صحته من الأحاديث، واقتفى أثره الإمام مسلم بن الحجاج القشيري -وكان من الآخذين عنه- ثم تبعهما على خطتهما كثير من الأئمة والحفاظ، ويمتاز البخاري بأنه كان ربما أورد بعض الآثار قبل إيراد الحديث، تعزيزًا لما يرمي إليه في تراجمه التي يذكرها قبلها دالة على فقهه فيما يذكر بعدها من أحاديث.
لهذا كان القرن الثالث أجل عصور الحديث وأسعدها بخدمة السنة، فقد ظهر فيه كبار المحدثين وجهابذة المؤلفين وحذاق الناقدين، وأشرقت على أمة الإسلام شموس الكتب الستة التي كادت تستوعب الحديث الصحيح، والتي يعتمد عليها الناس في السنة منذ ذلك الحين إلى عصرنا الحاضر.
ويمكن أن يقال: إن بانتهاء هذا القرن كاد ينتهي جمع الحديث وتدوينه، ويمتاز الجمع في هذا القرن وما قبله بأوليته وعدم تعويل العلماء على سابق لهم فيه، ويبدأ بعد ذلك عهد ترتيبه وتهذيبه، وتيسيره للدارسين والعاملين، ومن أشهر الكتب المؤرفة في القرن الثالث صحيح البخاري المتوفى سنة ٢٥١هـ، وصحيح مسلم المتوفى سنة ٢٦١هـ، وسنن أبي داود المتوفى سنة ٢٧٥هـ، وسنن النسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ وجامع الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩هـ، وسنن ابن ماجه المتوفى سنة ٢٧٣هـ، ومسند الإمام أحمد المتوفى سنة ٢٤١هـ، والمنتقى في الأحكام لابن الجارود المتوفى سنة ٣٠٧هـ، ومصنف ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥هـ، وتهذيب الآثار للطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ، وقطعة من مسند ابن عباس لبقي بن مخلد القرطبي المتوفى سنة ٢٣٧هـ، ومسند عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩هـ، وسنن الدرامي المتوفى سنة ٢٠٥هـ، ومسند أبي يعلى الموصلي المتوفى سنة ٣٠٧هـ، ومسند ابن أبي أسامة الحارث التميمي المتوفى سنة ٢٨٢هـ، ومسند ابن أبي عاصم المتوفى سنة ٢٨٧هـ، وفيه نحو خمسين ألف حديث، ومسند ابن أبي عمرو محمد بن يحيى العدني المتوفى سنة ٢٤٣هـ، ومسند أبي هريرة لإبراهيم بن العسكري المتوفى سنة ٢٨٢هـ، ومسند الإمام النسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ، ومسند العنبري إبراهيم بن إسماعيل الطوسي المتوفى سنة ٢٨٠هـ والمسند الكبير للبخارى، ومسند مسدد بن مسرهد المتوفى سنة ٢٢٨هـ، ومسند محمد بن مهدي المتوفى سنة ٢٧٢هـ،
[ ٩٩ ]
ومسند الحميدي المتوفى سنة ٢١٩هـ، ومسند إبراهيم بن معقل النسقي المتوفى سنة ٢٩٥هـ، ومسند إبراهيم بن يوسف الهنجابي المتوفى سنة ٣٠١هـ، ومسند مالك للنسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ، والمسند الكبير للحسن بن سفيان المتوفى سنة ٣٠٣هـ، والمسند المعلل لأبي بكر البزار المتوفى سنة ٢٩٢هـ، ومسند ابن سنجر المتوفى سنة ٢٥٨هـ، والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة المتوفى سنة ٢٦٢هـ، ولم يؤلف أحسن منه لكنه لم يتم، ومسند علي بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤هـ، ومسند ابن أبي عزرة أحمد بن حازم المتوفى سنة ٢٧٦هـ، ومسند عثمان بن أبي شيبة، وغيرها كثير.
ورتبة كتب المسانيد دون كتب السنن، فقد جرت عادة مصنفيها أن يجمعوا في مسند كل صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحًا كان أو سقيمًا، ولذلك لا يسوغ الاحتجاج بما فيها إلا ما تثبت صحته، وقد استثنى بعض المحدثين منها مسند الإمام أحمد بن حنبل.
[ ١٠٠ ]
الدور الرابع: عصرا لترتيب والتهذيب ومنهجهم فيه
ثم يأتي القرن الرابع وقد جمعت السنة ودونت، فكان عمل أهل هذا القرن هو ترتيب هذه المادة المجموعة من الحديث وتهذيبها وتصنيفها، وأكثر من دونوا الحديث فيه كانوا عالة على المتقدمين: ولكنهم امتازوا عليهم بالترتيب والتهذيب، والتصنيف والتبويب.
ومن أشهر الكتب المؤلفة في القرن الرابع المعاجم الثلاثة: الكبير والصغير والأوسط؛ للإمام سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠هـ، وسنن الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥هـ، وصحيح ابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤، وصحيح أبي عوانة يعقوب بن إسحاق المتوفى سنة ٣١٦هـ، وصحيح ابن خزيمة محمد بن إسحاق المتوفى سنة ٣١١هـ، وصحيح المنتقى لابن السكن سعيد بن عثمان البغدادي المتوفى سنة ٣٥٣هـ، والمنتقى لقاسم بن أصبغ المتوفى سنة ٣٤٠هـ، ومصنف الطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ، ومسند ابن جميع محمد بن أحمد المتوفى سنة ٤٠٢هـ، ومسند ابن إسحاق المتوفى سنة ٣١٣هـ، ومسند الخوارزمي المتوفى سنة ٤٣٥هـ، ومسند أبي إسحاق بن نصر المروزي المتوفى سنة ٣٨٥هـ.
[ ١٠٠ ]
الدور الخامس: عصر التقليد والاختصار والتقريب ومنهجهم فيه
وبعد القرن الرابع الهجري كاد ينتهى عصر الاجتهاد في جمع السنن من أفواه الرواة، والنظر في رجال الأسانيد، وإنزال كل منهم منزلته، وبيان صحيح الحديث وسليمه من عليله وسقيمه، وركن الناس إلى التقليد، ولهذا نجد أكثر الكتب المؤلفة بعد هذا القرن سلكت مسلك التهذيب والترتيب، أو جمع الشتيت وبيان الغريب، أو لجأت إلى الاختصار والتقريب، وأغلب من تكلموا على الأسانيد بعد المائة الرابعة كانوا عيالًا على ما دونه أئمة الحديث فيما سبقهم من القرون.
وإلى جانب العناية بمتن الحديث كانت العناية موجهة غلى تاريخ الحديث وعلومه الأخرى، كان التأليف في الغريب، والناسخ والمنسوخ، وإظهار حال الرجال، والكشف عن علوم الحديث ومصطلحاته، وغير ذلك من الأغراض الجليلة والأقسام المتنوعة.
كان العلماء في ذلك العهد يرتبون ما جمع من الحديث على غير نظام المسانيد، ألفوا الجوامع في الأطراف والزوائد، وضحوا المبهمات في كتب الشروح والغريب ومشكل الحديث والأثر، وألفوا في أصول الحديث، وكتبوا في التخريج، وفي علم الرجال بفنونه وأنواعه -وسوف نذكر بيانًا لذلك ونماذج منه فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله فلا نطيل هنا بذكره- وظل علماء السنة في سائر بلاد العالم الإسلامي في الحجاز والعراق والشام ومصر يلتزمون هذا المنهج، يطوفون حول ما جمع السابقون من حديث، وما ألفوا من علومه بالترتيب والتهذيب، والاختصار والتبويب، والشرح والتقريب، واستنباط الفوائد، واقتناص الشوارد، ومحاولة إضافة الجديد إلى علوم الأولين، والانتفاع بذلك كله في الدراسة والتعليم، وإفادة الأمة به في شئون الدنيا والدين.
ومن الطبيعي ألا يكون علماء مصر في ذلك الحين، بمعزل عن الحياة العلمية في البلدان الأخرى فإن رحلتهم في طلب العلم إلى تلك البلاد، ورحلة علماء تلك البلاد إليهم جعلت هناك تقاربًا في المناهج بين المحدثين، سواء في ذلك الرواية أو الدراية أو التدوين أو التأليف، ولذلك نستطيع أن نقرر أن مناهج المحدثين في مصر قبل سقوط بغداد لم تختلف من غيرها في البلاد الأخرى، وأنها قد مرت أيضًا بهذه الأدوار الخمسة، واختلفت مناهج المحدثين فيها على النحو التالي:
١- الرواية المتثبتة.
٢- تدوين الحديث مختلطًا بغيره.
٣- تدوين الحديث مفروزًا.
٤- الترتيب والتهذيب.
٥- التقليد والاختصار والتقريب.
وقد التزم كل من العلماء منهجًا عامًّا باختياره نوعًا معينًا من علوم الحديث يتناوله بالدراسة والعرض في كتابه، ومنهجًا خاصًّا يلتزم به في عرضه لهذا الكتاب، وقد أكثر العلماء من التأليف في تلك العلوم المتعددة، فمنهم من كتب في نوع من هذه العلوم، ومنهم من كتب في أكثر من نوع منها.
وقد استوعب صاحب الرسالة المستطرفة ما يتعلق بما نحن بصدده من مناهج المحدثين، ولذلك رأينا أن نعتمد عليها في تناول تلك المناهج، وأن نقتبس منها ما نرى ضرورة اقتباسه في هذا المقام، ولا سيما في سرد بعض الكتب وأسماء مؤلفيها وتعداد أنواعها ملخصًا ومرتبًا على النحو التالي:
نقل عن ابن حجر في أول مقدمة فتح الباري ما يفيد أن آثار النبي ﷺ لم تكن
[ ١٠١ ]
في عصر التابعين مدونة ولا مرتبة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين أن دونت الآثار وبوبت الأخبار، عندما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأول من جمع في ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثانية في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام، فصنف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأ، وصنف الإمام مالك موطأه بالمدينة كذلك، متوخيًا فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم، كما صنف ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ومعمر بن راشد وخالد بن جميل باليمن، وجميل بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بخراسان، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسخ على منوالهم في جمع الأحاديث مختلطة بغيرها من الآثار والفتاوى.
ثم رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث رسول الله ﷺ خاصة، وكان ذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة أثر هؤلاء السابقين في التصنيف على المسانيد، فكان مسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عثمان بن أبي شيبة وغيرهم.
ومن العلماء من صنف على المسانيد والأبواب معا كأبي بكر بن أبي شيبة، ومنهم من رتب على العلل بأن جمع في متن كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلًا، أو وقف ما يكون مرفوعًا أو غير ذلك، ومنهم من رتب على الأبواب الفقهية وغيرها ونوعه أنواعًا، وجمع ما ورد في كل نوع وفي كل حكم إثباتًا أو نفيًا في كل باب، بحيث تتميز أحكام الصوم عن أحكام الصلاة، ومن أهل هذه الطريقة من التزم الصحيح كالشيخين، ومنهم من لم يتقيد به كباقي الكتب الستة، ومنهم من اقتصر على الأحاديث المتضمنة للترغيب والترهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن كالبغوي في مصابيحه، واللؤلئى في مشكاته.
وأول من صنف في الصحيح المجرد محمد بن إسماعيل البخاري، وهو أصح كتاب عندنا بعد كتاب الله ﷿، ثم صحيح مسلم بن الحجاج، ثم مسند أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وهذه هي الكتب الستة الأصول وأشهر أمهات كتب الحديث.
ومن الكتب ما التزم مؤلفوها الصحة غير ما تقدم كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان وصحيح الحاكم، وصحيح الحافظ، النيسابوري -وهو من تلاميذ مسلم- وكتاب الأحاديث الجياد
[ ١٠٢ ]
المختارة مما ليس في الصحيحين للضياء المقدسي من المتأخرين١ وقد التزم فيه الصحة، وذكر أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، وسلمت له إلا اليسير مما تعقب عليه، وكذلك كتاب المنتقى لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، والصحيح المنتقى لابن السكن البغدادي المصري.
ومنهم من خرج كتبا على الصحيحين أو أحدهما وهي كثيرة، كمستخرجات الحافظ الجرجاني والغطريفي وابن أبي ذهل وابن مردويه، وهي مستخرجات على البخاري، ومستخرجات الحافظ أبي عوانة وقاسم بن أصبغ والحافظ أبي جعفر أحمد بن سنان الحيري، والحافظ أبو بكر محمد بن رجاء النيسابوري الإسفراييني والجوزقي والشاركي وأبي نعيم الأصفهاني والخلال وأبي ذر الهروي وابن منجويه، وغير هؤلاء كثير.
ومنها كتب الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة: مالك بن أنس في الموطأ، وأبي حنيفة النعمان، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيباني في مسانيدهم.
ومنهم من جمع السنن، وهي في اصطلاحهم الكتب التي رتبت على أبواب الفقه من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها، وليس فيها شيء من الموقوف؛ لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثًا، وأولها سنن ابن جريج المكي أول المؤلفين في الإسلام، ومنها -زيادة على ما تقدم من السنن- الأربعة الأصول، سنن الإمام الشافعي وسنن النسائي الكبرى وهي التي لخص منها الصغرى التي تعد من كتب الأصول -وهي التي يسميها المحدثون المجتبى- وسنن الدرامي وسنن البيهقي، وسنن سعيد بن منصور بن شعبة المروزي، وسنن أبي مسلم الكشي، وسنن الدارقطني وسنن أبي جعفر الدولابي، وسنن موسى بن طارق، وسنن أبي بكر أحمد بن محمد الأثرم، وسنن الخلال، وسنن أبي عمرو "زنجلة"، وسنن الصفار، وسنن أبي بكر الهمداني، وسنن أبي بكر بن لال، وسننن أبي بكر أحمد بن النجاد، وسنن أبي إسحاق إسماعيل القاضي الأزدي، وسنن أبي محمد يوسف بن يعقوب القاضي الأزدي، وسنن أبي القاسم بن هبة الله اللالكائي.
ومنهم من جمع كتب السنة، وهي الكتب التي تحث على اتباع السنة وترك البدعة، منها كتاب السنة للإمام أحمد، ولأبي داود، ولأبي بكر بن الأثرم، ولعبد الله بن أحمند، ولأبي القاسم اللالكائي ولحنبل بن إسحاق بن حنبل -ابن عم الإمام أحمد وتلميذه- ولأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المعروف بالخلال، ولأبي القاسم الطبراني، ولابن منده، والدارمي، وابن أبي حاتم، وأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، ومنها كتاب الإبانة عن أصول الديانة لأبي نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجزي.
_________________
(١) ١ الضياء المقدسي هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المهدي المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣هـ وكتابه المختارة مرتب على المسانيد لا على الأبواب في ستة وثمانين جزءًا ولم يكمل.
[ ١٠٣ ]
ومنهم من رتب الكتب على أبواب الفقه مشتملة على السنن وما هو في حيزها أوله تعلق بها، وسمى بعضها مصنفًا وبعضها جامعًا، منها مصنفات وكيع بن الجراحن وحماد بن سلمة بن دينار، وأبي الربيع سليمان بن داود، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الرزاق؛ وبقي بن مخلد، وجوامع سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبي عروة معمر بن راشد، وأبي بكر الخلال، والجامعين، الكبير والصغير، كلاهما للبخاري، وجامع مسلم، وكتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، وشرح السنة للبغوي، وكتاب الشريعة في السنة لأبي بكر الآجري، وغيرها كثير.
ومنهم من ألف كتبًا مفردة في أبواب مخصوصة، كالآجرى في كتابه التصديق بالنظر لله، وأبي نعيم الأصبهاني في كتابه تثبيت الرؤيا لله، وأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبدي بن سفيان بن قيس المعروف بابن أبي الدنيا في كتابه الإخلاص، وكذلك صنف في الإخلاص أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن المعروف بابن الجوزي، وكأبي بكر بن خزيمة في كتابه التوحيد وإثبات الصفات، والبيهقي في كتابه الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، وغير ذلك من الكتب المؤلفة في نواح من العقائد، وهناك كتب في بعض أبواب الفقه كالطهور لأبي عبيد القاسم بن سلام، ولأبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني كتاب في الطهور كذلك، ولمسلم بن الحجاج مؤلف في الانتفاع بجلود السباع، ولأبي نعيم الأصفهاني كتاب في فضل السواك، وقد ساق صاحب الرسالة المستطرفة كثيرًا من الكتب المفردة في الأبواب المخصوصة نكتفي بالإشارة إليها١.
وهناك كتب ليست على الأبواب ولكنها على المسانيد، وهي الكتب التي موضعها جعل أحاديث كل صحابي على حده صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة كما فعله غير واحد -وهو أسهل تناولًا- أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو شرف النسبة، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة جمعها وصف واحد كمسند المقلين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك؛ والمسانيد كثيرة جدًّا: منها مسند أحمد -وهو أعلاها- وهو المراد عند الإطلاق، ومنها مسند البخاري الكبير، والمسند الكبير على الرجال لمسلم بن حجاج، ومسند أبي داود بن الجارود الطيالسي، ومسند أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد المصري المعروف بأسد السنة، ومسند أبي الحسن مسدد بن مسرهد الأسدي البصري وهو في مجلد لطيف، وله آخر قدره ثلاث مرات وفيه كثير من الموقوف والمقطوع.
وأطال صاحب الرسالة كثيرًا في سرد المسانيد بما لا يحتمله هذا المقام٢، ثم ذكر أن من المصنفات الحديثية كتبًا في التفسير ذكرت فيها أحاديث وآثار بأسانيدها كتفسير عبد الرحمن
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ٣٤-٤٦. ٢ الرسالة المستطرفة ٤٦-٥٧.
[ ١٠٤ ]
بن أبي حاتم -وهو في أربع مجلدات- عامته آثار مسنده، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأخيه عثمان بن أبي شيبة، وأبي عبد الله بن ماجه القزويني، وعبد بن حميد، وعبد الرزاق الصنعاني، ومحمد بن يوسف الفريابي وأبي الشيخ بن حيان، وأبي حفص بن شاهين -وهو في ألف جزء- ووجد بواسط في نحو ثلاثين مجلدًا، وبقي بن مخلد، وقد قال ابن حزم: ما صنف في الإسلام مثل تفسيره أصلًا، لا تفسير محمد بن جرير ولا غيره، والإمام سنيد، وابن جرير الطبري، الذي قال النووي فيه: أجمعت الأمة على أنه لم ينصف مثل تفسيره، وقال السيوطي: هو أجل التفاسير وأعظمها، وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر أحد إلى الصين في تحصيله لم يكن كثيرًا، وأبي بكر بن مردويه، وأبي القاسم الأصبهاني وله التفسير الكبير في ثلاثين مجلدا، وتفاسير أخر، ثم أورد عدة كتب في التفسير بالأحاديث والأسانيد١.
كما أورد عدة كتب معينة في المصاحف والقراءات، فيها أيضًا أحاديث وآثار بأسانيد، ككتاب المصاحف لأبي داود، وكتاب المصاحف لأبي بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، وكالمعجم في القراءات لأبي بكر النقاش، وكتاب الوقف والابتداء لأبي بكر بن الأنباري إلى أن قال: ومنها كتب في الناسخ، والمنسوخ من القرآن أو الحديث بإسناد أيضًا: فمن الأول وهو ما يتعلق بالقرآن كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام، ولأبي بكر بن الأنباري، ولأبي جعفر بن النحاس، ومن الثاني وهو المتعلق بالحديث كتاب الناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل، ولأبي داود.
ومنهم من ألف في الأحاديث القدسية الربانية، وهي المسندة إلى الله تعالى، بأن أضيفت إليه ﷿ ولم يقصد منها الإعجاز، كالأربعين الإلهية لأبي الحسن بن المفضل المقدسي، وكتاب مشكاة الأنوار لابن عربي.
ومنهم من ألف في الأحاديث المسلسلة، وهي التي تتابع رجال إسنادها على صفة أو حالة، كالمسلسل بالأولية لأبي طاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة، وللحافظ الذهبي كتاب يسمى بالعذب السلسل في الحديث المسلسل، ومن هذا النوع كتاب لتقي الدين السبكي، وكذلك أحمد بن إبراهيم البزار، وأبو نعيم الأصفهاني، وابن الطيلسان محمد بن أحمد بن سليمان، وعلم الدين السخاوي المفسر اللغوي.
وهناك مؤلفات في المراسيل، ككتاب المراسيل لأبي داود صاحب السنن في جزء لطيف مرتب على الأبواب فيها كذلك، ومن بين ما ذكره في هذه الأبواب باب ما ذكر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها حجة.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ٥٨، ٥٩.
[ ١٠٥ ]
وهناك أجزاء حديثية: ومصطلح الجزء عندهم يرجع إلى تأليف الأحاديث المروية عند رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم، ومنها جزء الحسن بن أبي سفيان الشيباني النسائي صاحب المسند، وكتاب الوحدان -والمراد بها من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة أو التابعين فمن بعدهم- وقد صنف في ذلك الإمام مسلم وغيره، ومنها جزء أبي عاصم الضحاك بن مخلد، وجزء أبي علي الحسن بن عرفة، وجزء أبي مسعود أحمد بن الفرات، وغيرها كثير جدًّا.
ومنها كتب ألفت في الفوائد: كفوائد تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، وفوائد أبي بشر، وفوائد أبي عمرو عبد الوهاب بن محمد المعروف بابن منده، وفوائد أبي بكر بن المقري، وفوائد ابن بشكوال وغيرها.
وهناك كتب وضعت في الشمائل النبوية والمغازي: فمن كتب الشمائل كتاب الشمائل للترمذي والشمائل لأبي بكر المقري الحافظ، وكتاب الأنوار في شمائل النبي المختار، رتبه على واحد ومائة باب على طريقة المحدثين بالأسانيد، ومثلها دلائل النبوة لأبي نعيم الحافظ، وكذلك أبو بكر للبيهقي الذي يقول الذهبي فيه: عليك به فإنه هدى ونور، ومثله لأبي بكر الفريابي ولأبي حفص بن شاهين، وأعلام النبوة لأبي داود السجستاني، ودلائل الرسالة لأبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس وهو في عشرة أسفار، ودلائل الإعجاز لأبي عوانة، وكتاب الوفا في فضائل المصطفى زادت أبوابه على خمسمائة في مجلدين، وكتاب الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض، وهو الذي خرج السيوطي أحاديثه في مناهل الصفا وتناولناه بالحديث في مناسبته من هذا الكتاب، وفي كتاب الشفا أحاديث ضعيفة، وأخرى قيل إنها موضوعة، مما يدل على أنه لم يلتزم في منهجه تصحيح الحديث، وقد أفرد بعضهم الأحاديث المسندة فيه وهي ستون حديثًا في جزء.
ومن كتب السير والمغازي كتب السيرة لأبي بكر الزهري التابعي، والسيرة لابن إسحاق، وهي أكبر مراجع السيرة، وقد هذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام المصري وصارت تنسب إليه، وكتاب السيرة لأبي عمرو الواقدي، والسيرة لأبي حفص الموصلي وكتاب شرف المصطفى لأبي سعيد النيسابوري في ثمان مجلدات، والمغازي لمحمد بن إسحاق، ولأبي أيوب يحيى بن سعيد الأموي ولموسى بن عقبة وغيرهم.
ومن الكتب ما ألف في أحاديث شيوخ مخصوصين من المكثرين، كأحاديث سليمان بن مهران الملقب بالأعمش، ومؤلفه أبو بكر الإسماعيلي، وأحاديث الفضيل بن عياض التميمي للنسائي، وأحاديث الزهري لأبي عبد الله الذهلي -وهي المسماة بالزهريات- في مجلدين، وقد جمع عدد من المحدثين أحاديث الزهري في مؤلف.
ومن المؤلفات الحديثية كتب تجمع طرق بعض الأحاديث، كطرق حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" لأبي نعيم الأصفهاني، وطرق حديث الحوض للمقدسي، وطرق حديث قبض العلم للطوسي، إلى غير ذلك.
[ ١٠٦ ]
ومنها كتب في رواة بعض الأئمة المشهورين أو في غرائب أحاديثهم، ككتاب تراجم رواة مالك للخطيب البغدادي، ذكر فيه من روى عن مالك فبلغ بهم ألفًا إلا سبعة، ومثل كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر بن عبد البر، فإنه ترجم فيه لرواة مالك في الموطأ على حروف المعجم مع الكلام على متونها، وإخراج الأحاديث المتعلقة بها بأسانيده، وهو كتاب كبير الجرم في سبعين جزءًا غزير العلم لم يتقدمه أحد إلى مثله، وكذلك كتاب غرائب مالك للدارقطني، ومثله لقاسم بن أصبغ البياني، وللطبراني، ولأبي القاسم بن عساكر وهو في عشرة أجزاء إلى غير ذلك.
ومنها كتب في الأحاديث الأفراد -جمع فرد- وهو قسمان: فرد مطلق، وهو ما تفرد به راويه عن كل أحد من الثقات وغيرهم بأن لم يروه أحد من الرواة مطلقًا إلا هو، وفرد نسبي، وهو ما تفرد به ثقة بأن لم يروه أحد من الثقات إلا هو، أو تفرد به أهل بلد بأن لم يروه إلا أهل بلدة كذا كأهل البصرة، أو تفرد به راويه عن راو مخصوص بأن لم يروه عن فلان إلا فلان وإن كان مرويًّا من وجوه عن غيره، ومن الكتب المصنفة فيها كتاب الأفراد للدارقطني، وهو كتاب حافل في مائة جزء حديثية، وعمل أطرافه أو الفضل بن طاهر، وكتاب الأفراد لأبي حفص بن شاهين، والأفراد المخرجة من أصول أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق البغدادي نزيل مصر، وصنف أبو داود السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة، كحديث طلق بن علي في مس الذكر، وقال: إنه تفرد به أهل اليمامة، وكحديث عائشة في صلاته ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد، فإن الحاكم قال: تفرد أهل المدينة بهذه السنة.
ومنها كتب في المتفق لفظًا وخطًّا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها وهو مفترق معنى، وفي المؤتلف أي المتفق خطأ منها وهو مختلف لفظًا، وفي المتشابه المركب من النوعين وهو المتفق لفظًا وخطًّا من اسمين أو نحوهما مع اختلاف اسم أبينهما لفظًا لا خطًّا أو العكس، فمن الأول كتاب الخطيب البغدادي المتفق والمفترق وهو كتاب نفيس في مجلد كبير، والمتفق والمفترق أيضًا لأبي عبد الله محمد بن النجاد البغدادي، وكذلك لأبي بكر الجوزقي وهو مشهور، وله آخر أبسط منه في نحو ثلاثمائة جزء، ومن النوع الثاني كتاب المختلف والمؤتلف للدارقطني، ولأبي محمد عبد الله بن علي الرشاطي كتاب الأعلام بما في المؤتلف والمختلف للدارقطني من الإبهام، وكتاب المؤتلف والمختلف لأبي سعد الماليني، والمختلف والمؤتلف لعلاء الدين المارديني وغير ذلك كثير.
ومنهم من ألف في معرفة الأسماء والكنى والألقاب، أي أسماء من اشتهر بكنيته وكنى من اشتهر باسمه، وألقاب المحدثين ونحو ذلك، ككتاب الأسماء والكنى للإمام أحمد بن حنبل، ومثله لأبي بشر الدولابي، والأسماء والألقاب لأبي الفرج بن الجوزي، وهو المسمى كشف النقاب عن الأسماء والألقاب، ومجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب لأبي الوليد بن الفرضى، والكنى والألقاب لأبي عبد الله الحاكم، والألقاب والكنى لأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، ومنتهى الكمال في معرفة ألقاب الرجال لأبي الفضل علي بن الحسين الفلكي.
[ ١٠٧ ]
ومنهم من ألف في مبهم الأسانيد أو المتون من الرجال أو النساء، ككتاب عبد الغني بن سعيد المصري في ذلك، وهو المسمى بكتاب الغوامض والمبهمات، وكذلك الغوامض والمبهمات للخطيب البغدادي، وإن كان تحصيل الفائدة منه عسير لترتيبه أسماء المبهمات على حروف المعجم، فإن من عرف المبهم لا يحتاج إلى الكشف عنه، ومن جهله لا يعرف موضعه، والغوامض والمبهمات لابن بشكوال جمعها دون ترتيب، وكذلك صنف في الغوامض والمبهمات شمس الدين محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني، وقد جمع فيه نفائس إلا أنه توسع بذكر ما ليس من شرط المبهمات.
ومنهم من ألف في الأنساب، ككتاب الأنساب لأبي سعد السمعاني وهو كتاب عظيم في هذا الفن لم يصنف فيه مثله، واختصره عز الدين بن الأثير محمد بن محمد بن عبد الكريم، وزاد فيه أشياء أهملها واستدرك على ما فاته وسماه اللباب، وهو كتاب مفيد في ثلاث مجلدات، وكتاب أنساب المحدثين لمحب الدين محمد بن النجار البغدادي، ولأبي فضل محمد بن طاهر المقدسي مثله، وذيل عليه تلميذه أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني، وكتاب العجالة لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، وكتاب الأنساب لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن خلف الرشاطي المسمى باقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار.
ومنهم من ألف كتبًا في معرفة الصحابة مرتبًا إياهم على الحروف أو على القبائل أو غير ذلك. ككتاب معرفة الصحابة لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري وهو مرتب على القبائل، ولأبي محمد عبد الله بن محمد بن عيسى، وكتاب المعرفة في مائة جزء، ولأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري كتاب أيضًا، ولأبي الحسن علي بن المديني الحافظ الثقة كتاب سماه كتاب معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان في خمسة أجزاء لطيفة، ولأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني كتاب كبير جليل قال ابن عساكر، وله فيه أوهام، وكتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني في ثلاث مجلدات، وقد ألف في الصحابة كذلك أبو القاسم البغوي، وأبو حفص بن شاهين، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، وأبو بكر أحمد بن عبد الله بن البرقي، وأبو منصور محمد بن سعد الباوردي -وهو من شيوخ ابن منده- وغير هؤلاء كثير.
وإن منهم من ألف في تواريخ الرجال وأحوالهم، كتاريخ البخاري الكبير، وتاريخ ابن معين وتاريخ صاحبه محمد بن حاتم الهاشمي مولاهم الدوري، وتاريخ العجلي، وتاريخ ابن أبي شيبة، وتاريخ أبي عمرو خليفة بن خياط، وتاريخ محمد بن سعد كاتب الواقدي، وتاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة، وتاريخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن الجارود، وتاريخ حنبل بن إسحاق، وتاريخ أبي العباس محمد بن إسحاق السراج، وتاريخ ابن حبان، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، وتاريخ أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني، وتاريخ مصر لأبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد صاحب الشافعي يونس بن عبد الأعلى الصدفي، ألف لمصر تاريخين أحدهما وهو الأكبر يختص بالمصريين، والثاني يختص بالغرباء.
[ ١٠٨ ]
ومنهم من ألف المعاجم، وهي كتب تجمع فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، ويغلب ترتيبها على حروف الهجاء، وذلك كمعجم الطبراني الكبير رتبه على حروف المعجم فيما عدا مسند أبي هريرة فقد أفرده في مصنف، ومعجمه الأوسط في أسماء شيوخه وهم كثير، وأكثر فيه من غرائب حديثهم، وهو في ست مجلدات كبار، ومعجمه الصغير وهو في مجلد، خرج فيه عن ألف شيخ يقتصر فيه على حديث واحد -غالبًا- عن كل واحد من شيوخه، وكتاب معجم الصحابة لأحمد بن علي بن لال، ومثله لأبي الحسين بن قانع، وأبي منصور البارودي، وأبي القاسم البغوي، وأبي القاسم بن عساكر الدمشقي الذي ألف أيضًا معجم البلدان ومعجم النسوان، ومن المعاجم معجم أبي يعلى الموصلي، ومعجم أبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، ومعجم الشيوخ للإسماعيلي أبي بكر، ولأبي نعيم الأصبهاني ولأبي عبد الله الحاكم الضبي. وغيرها.
ومنهم من كتب في الطبقات، وهي الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة، وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف، ومنها كتاب الطبقات لمسلم بن الحجاج، ومثله للنسائي، والطبقات الكبرى لابن سعد كاتب الواقدي في نحو من خمسة عشر مجلدًا، وله طبقات أخرى صغرى ثانية وثالثة، وطبقات التابعين لأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي من أقران البخاري ومسلم، ومثله لابن منده ولغيره، وطبقات النساك لأبي سعيد بن الأعرابي، وطبقات الرواة لأبي عمرو خليفة بن خياط، وطبقات الهمدانيين لأبي الفضل صالح بن أحمد الهمداني، وطبقات القراء لأبي عمرو عثمان بن سعيد الأموي مولاهم القرطبي الداني، وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي، وكتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني في عشر مجلدات ضخام وفيها الصحيح والحسن والضعيف وبعض الموضوع.
ومنهم من ألف في المشيخات، وهي كتب تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم، كمشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلي، ومشيخة أبي يوسف ابن جوان، ومشيخة أبي الحسن بن المهدي، وغيرها كثير.
ومن العلماء من ألف في علوم الحديث "أي مصطلح الحديث أو أصول الحديث" وذكروا فيها أحاديث بأسانيد، ككتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للقاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهزي، وهو أول كتاب جامع ألف في هذا النوع، ثم كتاب علوم الحديث لأبي عبد الله الحاكم، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء لمن يتعقبه، ثم جاء بعد هؤلاء الخطيب أبو بكر البغدادي فصنف كتابًا سماه الكفاية جمع فيه أصول الرواية وقوانينها، وكتابًا سماه الجامع لآداب الشيخ والسامع، وكل منهما بلغ الغاية في بابه، وجاء القاضي عياض فصنف كتاب الإلماع إلى معرفة أصول الروايات وتقييد السماع، وكتاب ما لا يسع المحدث جهله للحافظ أبي حفص الميانجي وإيضاح ما لا يسع المحدث جهله للحافظ أبي جعفر عمر بن عبد المجيد المقدسي. إلى غير ذلك من المؤلفات.
[ ١٠٩ ]
ومنهم من ألف كتبًا في الضعفاء والمجروحين من الرواة، أو في الثقات منهم، أو فيهما معًا، ككتاب الضعفاء لكل من البخاري والنسائي وأبي حاتم بن حبان وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم البرقي، وأبي بشر الدولابي، وكذلك لأبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي، ولأبي نعيم الجرجاني، ولأبي الفتح محمد بن الحسين بن النعمان الأزدي، ولابن عدي الجرجاني في كتابه الكامل الذي ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين، وذكر في ترجمة كل واحد حديثًا فأكثر مما رواه من الغرائب والمناكير في نحو ستين جزءًا، وهو أكمل كتب الجرح وعليه الاعتماد فيها إلى غير ذلك من المؤلفات.
ومن العلماء من ألف في العلل "وهي عبارة عن الأسباب الخفية الغامضة التي تقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر سلامته منها"، ككتاب العلل للبخاري، ومثله لمسلم وللترمذي، وممن ألفوا في العلل أيضًا الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني وأبو بكر الأثرم، وأبو علي النيسابوري وابن أبي حاتم، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو بكر أحمد بن هارون البغدادي الخلال، وزكريا بن يحيى الضبي الساجي، والدارقطني وكتابه أجمع كتاب في العلل مرتب على المسانيد في اثني عشر مجلدًا، جمعه له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني، وابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية وغير ذلك.
ومنهم من ألف في الموضوعات كأبي عبد الله الجوزقي في كتابه الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، وابن الجوزي في الموضوعات الكبرى، وأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتابه تذكرة الموضوعات.
ومن المؤلفين من كتب في غريب الحديث، ككتاب غريب الحديث والآثار لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي الذي يقال: إنه أول من ألف في غريب الحديث على سبيل الاستقصاء، وإلا فإن أول من ألف فيه على الصحيح هو النضر بن شميل المازني، وذيل عليه أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وذيل على ابن قتيبة أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي في كتابه الذي سماه: الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث، ومات عنه ولم يكمله، فأتمه أبوه أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي الحافظ المشهور، وكتاب غريب الحديث أيضًا لأبي سليمان حمد الخطابي البستي، وهذه هي أمهات كتب الغريب المتداولة في الحديث، وهناك كتب أخرى في الغريب نشير إلى بعضها في موضعها فيما يأتي بإذن الله.
ومن العلماء من ألف في اختلاف الحديث أو في تأويل مختلف الحديث، كالإمام الشافعي في كتابه اختلاف الحديث، وأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتابه مشكل الآثار.
[ ١١٠ ]
ومن المؤلفات كتب الأمالي، وقد كان الإملاء من وظائف الحافظ من المحدثين في القديم، كان الحافظ يخصص لتلاميذه يومًا من أيام الأسبوع: الثلاثاء أو الجمعة غالبًا، يلتقي بهم في المسجد، وبدون المستملي عن شيخه ما يمليه عليه في المجلس، ويبدأ تدوينه ببيان عن زمان المجلس ومكانه وشيخه فيه، بأن يقول: هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بأسانيده إلى الشيوخ أحاديث أو آثارًا يفسر غريبها، ويورد من الفوائد المتعلقة بها بإسناد أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، وقد كان الإملاء شائعًا في الصدر الأول، ثم قل الإملاء يموت الحفاظ، وأحياه بعض الأعلام المتأخرين في مصر، كالعراقي وابن حجر والسيوطي، ومن كتب الإملاء الكثيرة كتاب الأمالي لأبي القاسم بن عساكر، ولولده أبي محمد قاسم، ولأبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده ولجده أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، ولأبي بكر الخطيب، ولأبي طاهر المخلص، ولأبي محمد الحسن الخلال، ولأبي عبد الله الحاكم، ولعبد الغافر الفارسي ولأبي حفص بن شاهين ولكثير جدًّا غير هؤلاء.
ومنهم من ألف في رواية الأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء وعكسه، وهي أنواع مهمة ولها فوائد، والأصل في النوع الأول رواية النبي ﷺ عن تميم الداري خبر الجساسة، ومنها كتاب ما رواه الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء للحافظ أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي نزيل مصر، وكتاب رواية الصحابة عن التابعين، وكتاب رواية الآباء عن الأبناء كلاهما للخطيب البغدادي، وكتاب رواية الأبناء عن آبائهم لأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي، وكتاب من روى عن أبيه من الصحابة والتابعين لأبي حفص بن شاهين، وجزء من روى عن أبيه عن جده لابن أبي خيثمة، وغيرها من المؤلفات.
ومنها كتب في آداب الرواية وقوانينها، منها كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، وكتاب الكفاية في معرفة أحوال علم الرواية له أيضًا، وكتاب أدب إملاء الحديث لأبي سعد بن السمعاني، وكتاب سنن التحديث للحافظ الثقة صالح بن أحمد الهمداني.
ومنها كتب في عوالي بعض المحدثين، وهي كثيرة، منها كتاب عوالي الأعمش لأبي الحجاج يوسف بن خليل، وعوالي عبد الرزاق للضياء المقدسي في ستة أجزاء، وعوالي سفيان بن عيينة لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، وعوالي مالك لأبي عبد الله الحاكم، وعوالي مالك أيضًا لأبي الفتح سليم بن أيوب. وغير ذلك كثير.
ومنها كتب في التصوف وطريق القوم، وذكرت فيها أحاديث بأسانيد، ككتاب أدب النفوس لأبي بكر الآجري، وكتاب المجالسة لأبي بكر الدينوري، وكتاب الأولياء لابن أبي الدنيا، وكرامات الأولياء، لأبي محمد الحسن الخلال البغدادي، وكتاب الجليس والأنيس لأبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، ورياضة النفس للحكيم الترمذي، والرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشري، وعوارف المعارف للسهروردي، والفتوحات المكية لابن عربي، وغير ذلك.
[ ١١١ ]
ومنها كتب الأطراف، وهي التي يقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده، إما على سبيل الاستيعاب، أو على جهة التقييد بكتب مخصوصة كأطراف الصحيحين لأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، ومثله لأبي محمد خلف بن محمد بن حمدون الواسطي، ولأبي نعيم الأصبهاني، وأطراف الكتب الخمسة -البخاري ومسلم وأبو داود الترمذي والنسائي- لأبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي، وأطراف الستة -وهي الخمسة المتقدمة مضافًا إليها مسند ابن ماجه- لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، وأطرافها كذلك لجمال الدين يوسف بن عبد الرحمن الحلبي، وكتاب الكشاف في معرفة الأطراف وهو للحافظ شمس الدين أبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي، وأطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي وأطراف الفردوس له أيضًا، وأطراف الغرائب والأفراد للدارقطني لأبي الفضل بن طاهر.
ومنها كتب الزوائد وهي الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث على بعض آخر منها وسوف نشير إلى عديد منها بإذن الله في الفصل الخاص بها في هذا الكتاب.
ومنها كتب في الجمع بين بعض الكتب الحديثية، كالجمع بين الصحيحين للصاغاني، وهو المسمى مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية، والجمع بين الأصول الستة -البخاري ومسلم والموطأ والسنن الثلاثة لأبي داود والترمذي والنسائي- لأبي الحسن رزين العبدري، وهو المسمى بالتجريد للصحاح والسنن، وجامع الأصول لأبي السعادات المبارك ابن الأثير الجزري، وغير ذلك.
ومنها كتب مجردة أو منتقاة من كتب الأحاديث المسندة خصوصًا أو عمومًا، كمصابيح السنة للبغوي، وقسمها إلى صحاح وحسان، وأراد بالصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي أو بعضهم، وهو منهجه واصطلاحه، ومن منهجه أنه لا يعين من أخرج كل حديث على انفراده، ولا الصحابي الذي رواه، وكتاب الأحكام الشرعية الكبرى لابن الخراط في ست مجلدات انتقاها من كتب الاحاديث.
ومنها كتب في أسماء الصحابة من غير ما مضى، كذيول الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر بن عبد البر ومختصراته، ومنها كتاب أسد الغابة ومختصراته.
ومنها كتب في بيان حال الرواة غير ما تقدم، وضبط أسمائهم وأسماء بلدانهم، ككتاب أبي نصر الكلاباذي في رجال البخاري سماه الهداية والإرشاد، وكتاب التعديل والتخريج لمن روى عنه البخاري في الصحيح لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وكتاب معجم البلدان لياقوت الحموي. وغيرهما مما سنذكره في موضعه بإذن الله.
هذه أشهر العلوم الحديثة التي تناولها الأقدمون بالتدوين خدمة للسنة، وفي كل منها مؤلفات كثيرة وضخمة وضعت في دقة وأمانة تشهد لأصحابها بعلو الهمة وصدق العزم، وتؤكد أن ما بذلوه من جهاد شاق وكفاح مضن لم يكن إلا ابتغاء رضوان الله تعالى ورسوله ﷺ، ورغبة في رعاية السنة وحمايتها من الدخيل.
[ ١١٢ ]
الفصل الثاني: بعد سقوط بغداد
تمهيد:
يبدو أنه كان نصيب هذا العصر من تلك النواحي أن يجول فيما سُبق به من تجريد السنة من الأسانيد مع عزو الأحاديث إلى كتبها التي أخذت منها، وتقويمها أو تركها بلا تقويم اعتمادًا على هذا العزو، كما يتبين هذا فيما سوف نعرضه من دراسة في المدونات الحديثية بأنواعها بإذن الله.
المناهج:
ويمكن بيان المناهج إجمالًا في طرق عرض السنة ونقلها بما يأتي:
فمنها ما وضع في أحاديث الأحكام، وهي تلك التي تبين أدلة الأحكام الشرعية فيما استنبطه الأئمة في فروع الفقه، مثل كتاب المنتقى لابن تيمية، وتقريب الأسانيد للعراقي، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر.
ومنها ما وضع في الأحاديث الداعية إلى أبواب الخير ببيان ما تعد به فاعله من الثواب والأجر حثًّا على فعله والإقبال عليه، والأحاديث الناهية عن أنواع الشر ببيان ما تهدد به فاعله من العقوبة والوزر تنفيرًا منه وزجرًا عنه، ومن ذلك كتب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي، والإتحافات السنية في الأحاديث القدسية للمناوي.
ومنها ما وضع قصدًا إلى جميع السنة النبوية كلها، أو جمع بعضها من جوامع الكلم مما يقرب أبواب السنة بأنواعها لطالبيها، كما في جمع الجوامع والجامع الصغير كلاهما للسيوطي وكنوز الحقائق في أحاديث خير الخلائق للمناوي.
وما قصد فيه إلى جمع ما زاد على الكتب الستة الأصول، أو عليها وعلى مسند أحمد بن حنبل من المؤلفات الحديثية الأخرى ليتكون من مجموع هذه الكتب ما يعطي صورة مستوعبة أو شبهًا للسنة النبوية المطهرة، وذلك ما يعرف بين المحدثين بكتب الزوائد، ومنها مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، كما أن منها المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر.
ومنها ما وضع قصدًا إلى توضيح أحاديث كتب الأصول الستة أو غيرها بيانًا للغريب من الأحاديث أو شرحًا لها، أو دفعًا للتضارب الذي يظهر بينها، ومن هذه الكتب الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير، وفتح الباري وعمدة القاري وإرشاد الساري وفيض القدير.
ومن المؤلفات من وضع لبيان اصطلاحات المحدثين مما يعرف باسم كتب أصول الحديث أو علوم الحديث، مثل كتاب التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، ونخبة الفكر وشرحها، وفتح المغيث شرح ألفية الحديث، وتدريب الراوي شرح تقريب النواوي.
[ ١١٥ ]
ومنها ما وضع لتخريج الأحاديث الواردة في بعض الكتب، وغزوها إلى المصادر الأصلية التي وردت فيها وتقويمها ببيان درجتها، رغبة في فرز السنة لاختيار مقبولها ونفي ما عداه، ومن ذلك كتاب المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، وكتاب التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ومناهل الصفا لتخريج أحاديث الشفا.
ومن المؤلفات ما وضع بيانًا لرواة الحديث ونقلته، والتأريخ لولادتهم ووفاتهم، وتمييز العدول من المجروحين، حرصًا على تنقية السنة ونفي الدخيل عنها، وتنزيهًا لساحتها من رواية الضعفاء والمجاهيل وكذب الوضاعين، وهذا النوع يسمى بكتب الرجال، ومنه كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، وطبقات الحافظ، وإسعاف المبطأ برجال الموطأ.
في كل هذه الأنواع من المؤلفات وفي غيرها مما سبق لنا إيراده في الفصل الأول من هذا الباب كتب علماء الحديث في مصر، ودونوا من المؤلفات ما يعول عليه الدارسون للسنة، ولكل منهم فيما كتب منهجه الذي سلكه وتميز به، ولنضرب أمثلة لذلك لمناهجهم في تناول أحاديث الأحكام ليستدل بها على طريقتهم فيما سواها.
كان منهم من يحذف الإسناد اختصارًا، ويستعيض عنه بعزو الأحاديث وتخريجها وتقويمها، وعرضها لمن يريد الانتفاع بها، بعد أن يختارها من أقوى الأحاديث متنًا وأصحها إسنادًا مما اتفق عليه الشيخان، وذلك كما فعل الإمام المقدسي في كتابه عمدة الأحكام.
وكان منهم من توسع فيما رجع إليه من المادة الحديثية، واستقاها من كتب الأصول الستة ومن مسند أحمد، واستغنى بالغزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر الأسانيد، وأغفل تقويم الأحاديث اعتمادًا على استمدادها من كتب الأصول التي تلقتها الأمة بالقبول، وذلك كما فعل ابن تيمية في كتابه المنتقى.
وكان منهم من التزم الرواية من أسانيد بعينها لا يعدوها إلى غيرها، واختار أعلاها وأقواها، وركز البيان عن رجالها والكشف عن أحوالهم، ثم أورد رواياتهم في كتب السنة دون أن يعزو من هذه المرويات ما كان متفقًا عليه في الصحيحين، أما ما كان في أحدهما أو في غيرهما من كتب السنة -كالموطأ ومسند أحمد- فإنه يعزوه إلى أصله، وكان من منهجه عند العزو أنه يريد أصل الحديث لا ذلك اللفظ، وذلك كما فعل الحافظ العراقي في كتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد.
ومنهم من اختصر في كتابه على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وبيان مخرج الحديث بعد ذكره نصحًا للأمة، وقدم الضروري من الأدلة في إيجاز يعين على الحفظ والفهم دون توسع، ورمز للتخريج برموز بَيَّنها في مقدمة كتابه، وجرد الأحاديث من أسانيدها، واختار نخبة من الأحاديث متجهًا في أكثر ما اختاره منها إلى ما بنى عليه أحد الأئمة مذهبه في الفقه بمقتضى الميل
[ ١١٦ ]
والمناضرة، ولم يمنعه ذلك من إيراد أدلة المذاهب الأخرى تحقيقًا لأمانة العلم، ودفعًا؟؟؟ المذهبي، وتقريبًا لأدلة الأحكام إلى الدارسين، وذلك كما في كتاب بلوغ المرام أدلة الاحكام.
ومنهم من حشد في كتابه جميع ما استدل به الأئمة الأربعة أصحاب المذهب المشهورة وغيرها من صريح السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، وجرده من أقوال جميع المجتهدين التي لم تصرح بها الشريعة -على حد قول مؤلفه- فجمع من كتب الحديث التي تيسرت له عند تأليف كتابه أحاديث الشريعة وآثارها، وتوسع في الأخذ عن كثير من هذه الكتب كموطأ مالك، ومسند الإمام سنيد بن داود -وهو من أقران مالك يروي عن وكيع- وكالصحيحين، ومسانيد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وصحيح أبي داود، وصحيح الحاكم، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والمختارة للضياء المقدسي، فأخذ من كل هذه الكتب مادة حديثية خصبة قربها إلى الدارسين، ليأخذ كل بما يفتح الله به عليه منها، ولم يعز أحاديث الكتاب إلى من أخرجها من الأئمة استنادًا إلى أنه لا يروي إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون في مذاهبهم، واقتصر من الحديث على إيراد محل الاستدلال المطابق للترجمة، ولا يكرر حديثًا في باب إلا إذا اشتمل على زيادة حكم ظاهر لا يوجد في الحديث الذي قبله، وقدم لطلاب أدلة الأحكام مادة حديثية مجردة، وترك أمرين بارزين تقحم فيهما كثير من العلماء والفقهاء: هما التأويل والحكم بالنسخ؛ لأن كلا منها لا يخلو من إظهار شخصية حيال الحديث النبوي الكريم، وذلك كما فعل الإمام الشعراني في كتابه كشف الغمة عن جميع الأمة.
ومثل هذا التعدد في مناهج المحدثين في كتب أحاديث الأحكام كان اختلاف المناهج في غيرها من أنواع العلوم الحديثية الأخرى، ففي كتب الترغيب والترهيب، وفي كتب الجوامع العامة، وفي كتب الزوائد، وفي توضيح المبهمات، وفي كتب أصول الحديث، وفي كتب التخريج وكتب الرجال، في كل ذلك وفي غيره من أنواع علوم السنة الأخرى تعددت المناهج، واختلفت الطرائق فإن في بعضها بسطًا، وفي الآخر اختصارًا، وفي بعضها التزامًا برواية الصحيح أو المقبول، وفي الآخر عدم التزام به مع التنبيه، ولكنها جميعًا كانت تدور في فلك واحد هو خدمة السنة، وتهدف إلى غاية واحدة كانت مقصدا لمناهج المحدثين في دورها الأخير فيما قبل سقوط بغداد، هي تقريب السنة إلى طلابها وعرض النافع منها والتنبيه على ما عداه، وبذلك يمكن أن نعتبر مناهج المحدثين فيما بعد سقوط بغداد امتداد للدور الأخير من مناهجهم قبل ذلك في مرحلة التقليد والاختصار والتقريب، ثم محاولة جمع الشتيت من علوم السنة ومادتها، وإضافة الجديد إلى كل من هذه العلوم: من شرح لغامض، أو بيان لمبهم، أو تفصيل لمجمل، أو توفيق بين النصوص الحديثية حين يظهر بينها التعارض والاختلاف.
[ ١١٧ ]
وهذه أمثلة أخرى لما تصرف بها المتأخرون في بعض كتب الأولين، تستبين منها مناهجهم في اختيار بعض العلوم الحديثية وإفرادها بالتأليف.
ففي الكتب المخرجة على الصحاح من كتب الحديث أملى الحافظ العراقي مستخرجًا على مستدرك الحاكم ولكنه لم يكمل، والمستخرج عندهم أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديث بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو فيمن فوقه -ولو في الصحابي- مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده، وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علو أو زيادة مهمة، وربما لم يجد المخرج سندًا يرتضيه للحديث فيسقطه، أو يذكره من طريق صاحب الكتاب.
وفي كتب السنن التي اصطلح العلماء على أنها المرتبة على الأبواب الفقهية كتب الشيخ علاء الدين بن التركماني حاشية على كتاب السنن الكبير للبيهقي، سماها الجوهر النفي في الرد على البيهقي، في سفر كبير أكثرها اعتراضت عليه ومناقشات له ومباحثات معه، وقد لخصها قاسم بن قطلوبغا الحنفي في كتاب سماه ترجيع الجوهر النقي، ورتبه على ترتيب حروف المعجم ولم يكمله، ووصل منه إلى حرف الميم.
وفي مجال الكتب المرتبة على أبواب الفقه مما اشتملت على السنن أو ما هو في حيزها كتب بدر الدين العيني شرحًا على معاني الآثار للطحاوي سماه مباني الأخبار في شرح معاني الآثار.
وفي كتب الأحاديث المسلسلة وهي التي تتابع رجال إسنادها على صفة أو حالة ألف أبو زرعة العراقي كتابًا في الأحاديث المسلسلة، كما ألف الحافظ شمس الدين السخاوي كتابًا جمع فيه مائة مسلسل مبينًا شأنها، وكذلك الحافظ السيوطي الذي ألف المسلسلات الكبرى وهي خمسة وثمانون حديثًا، كما ألف جياد المسلسلات.
وفي مجال كتب الشمائل والسير اختصر عز الدين بن جماعة كتاب الروض الأنف في شرح غريب السير لأبي القاسم السهيلي في كتاب سماه نور الروض، وكتب حاشية عليه شرف الدين يحيى بن محمد المناوي، جردها سبطه عبد الرءوف المناوي، وقد ألف أبو الفتح بن سيد الناس كتابًا في السيرة سماه عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير.
وفي كتب المتفق والمفترق اختصر الحافظ ابن حجر مختصر الحافظ الذهبي الذي جمعه في مشتبه الأسماء والنسبة ملخصًا من عبد الغني المقدسي وابن ماكولا وابن نقطة وأبي الوليد القرضي، وقد سمى مختصره هذه تبصير المنتبه وتحرير المشتبه في مجلد زاد فيه على أصله كثيرًا، واختصر القاضي علاء الدين بن التركماني كتاب الخطيب البغدادي المسمى تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل
[ ١١٨ ]
منه عن بوادر التصحيف والوهم، كما اختصره السيوطي أيضًا في كتاب سماه تحفة النابة بتلخيص المتشابه، وللحافظ ابن حجر مؤلف بديع في الألقاب سماه نزهة الألباب، جمع فيه مع التلخيص ما لغيره وزيادة، وللسيوطي كشف النقاب عن الألقاب، وكتاب المنى في الكنى.
وفي كتب مبهم الأسانيد أو المتون من الرجال والنساء اختصر كتاب ابن بشكوال المسمى بالغوامض والمبهمات أبو الحسن علي بن الحافظ عمر بن الملقن، وأتى فيه بزيادات، وألف الحافظ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد القسطلاني المصري المتوفى سنة ست وثمانين وستمائة كتابًا سماه الإفصاح عن المعجم من الغامض والمبهم رتبة على الحروف، كما صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي كتابًا سماه المستفاد من مبهمات المتن والإسناد رتبه على أبواب الفقه ليسهل الكشف منه، واعتنى الحافظ ابن حجر بتحرير المبهمات بالنسبة للبخاري خاصة.
وفي كتب الأنساب لخص الحافظ السيوطي كتاب اللباب لعز الدين محمد بن محمد بن الأثير الجزري في كتاب سماه لب اللباب في تحرير الأنساب وزاد فيه على أصله أشياء، وهو في مجلد لطيف، كما لخص أنساب السمعاني القاضي قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن خضير، وضم إليها ما عند ابن الأثير والرشاطي وغيرهما من الزيادات وسماه الاكتساب في تلخيص كتاب الأنساب.
وفي كتب تواريخ الرجال وأحوالهم رتب الحافظ قاسم بن قطلوبغا من تلاميذ الحافظ ابن حجر كتاب الإرشاد في علماء البلاد لأبي يعلى الخليلي القزويني.
وفي كتب المعاجم ألف شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي كتابًا ضمنه شيوخه وهم ألف وثلاثمائة، كما ألف كل من أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد التنوخي المصري، وتقي الدين السبكي معجمًا كذلك.
وفي مجال كتب الطبقات المشتملة على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواتهم -طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف- رتب الحافظ نور الدين الهيثمي كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم في كتاب سماه تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية، وكتب في طبقات الشافعية الشيخ تقي الدين السبكي.
وفي كتب الضعفاء والمخرجين من الرواة ذيل الحافظ العراقي على ميزان الاعتدال للذهبي بذكر جماعة فاتهم وهو في مجلد، كما عمل شيخ الإسلام ابن حجر لسان الميزان ضمنه الميزان وزوائده في مجلدين، كما رتب الحافظ نور الدين الهيثمي كتاب الثقات لابن حبان بإشارة شيخه العراقي وولده أبي زرعة، وللشيخ قاسم بن قطلوبغا كتاب الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة في أربع مجلدات.
[ ١١٩ ]
وفي كتب علل الأحاديث ألف الحافظ ابن حجر كتاب الزهر المطول في الخبر المعلول.
وفي كتب الموضوعات اختصر الحافظ السيوطي كتاب الموضوعات الكبرى لأبي الفرج بن الجوزي في كتابه الذي سماه اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، كما ذيل عليه بكتاب سماه ذيل اللآلئ، وله كذلك تعقبات على ابن الجوزي سماه النكت البديعات على الموضوعات، ثم اختصره في كتاب سماه التعقبات على الموضوعات، وقد ألف خاتمة المحدثين أبو عبد الله محمد بن يوسف علي الشامي المصري المتوفى سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة كتاب الفوائد المجموعة في بيان الأحاديث الموضوعة.
وفي الأمالي أملى الحافظ زين الدين العراقي نحو أربعمائة مجلس، وأملى السخاوي شمس الدين نحو ستمائة مجلس في مكة وفي غيرها، وأملى السيوطي ثمانين مجلسًا، كما أملى الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة للغزالي.
وفي كتب رواية الأكابر عن الأصاغر والآباء عن الأبناء وعكسه لخص الحافظ ابن حجر كتاب الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، لصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، وزاد عليه تراجم كثيرة.
وفي الأطراف كتب الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضًا في أطراف الكتب العشرة كتابًا سماه إتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات "والعشرة التي ذكر أطرافها هي: الموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند الدارمي وصحيح ابن خزيمة، ومنتقى ابن الجارود وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومستخرج ابن عوانة وشرح معاني الآثار وسنن الدارقطني"، وزاد العدد واحدًا لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه نحو ربعه، كما جمع الحافظ العراقي أطراف صحيح ابن حبان، وجمع أبو العباس أحمد بن أبي بكر محمد بن إسماعيل البوصيري المتوفى بالقاهرة سنة أربعين وثمانمائة أطراف المسانيد العشرة "مسند أبي داود الطيالسي ومسند مسدد ومسند الحميدي ومسند ابن أبي عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة ومسند أحمد بن منيع ومسند عبد بن حميد ومسند الحارث ومسند أبي يعلى الموصلي".
وفي كتب الزوائد ألف العلماء المصريون كثيرًا من الكتب، نوردها بأسمائها وأسماء مؤلفيها في الفصل الذي نعقده لدراسة الزوائد بإذن الله.
وفي الجمع بين بعض الكتب الحديثية شرح الحافظ قاسم بن قطلوبغا كتاب جامع المسانيد الخمسة عشر المنسوبة لأبي حنيفة من تخاريج الأئمة من أصحابه الأربعة فمن بعدهم، وألف السيوطي جامع المسانيد، وجمع الحافظ نور الدين الهيثمي أحاديث الغيلانيات والخلعيات وأفراد الدارقطني وفوائد تمام مع ترتيبها على الأبواب في مجلدين.
[ ١٢٠ ]
وفي مجال كتب التخريج -وهو من العلوم المستحدثة بعد حذف الأسانيد في مرحلة اختصار السنة وتقريبها- خرج الحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي المصري أحاديث الكشاف استوعب ما فيه من الأحاديث المرفوعة، فأكثر من تبيين طرقها وتسمية مخارجها، ولم يتعرض غالبًا للآثار، وخرج الحافظ العراقي أحاديث الإحياء، وخرج الحافظ ابن حجر أحادبث الكشاف في كتابه العافي الشاف ملخصا من تخريج الزيلعي، وخرج الشيخ عبد الرءوف المناوي أحاديث تفسير البيضاوي، وخرج السخاوي والسيوطي وابن الملقن والتاج السبكي وابن التركماني أحاديث كتب كثيرة، نشير إلى الكثير منها في الفصل الذي عقدناه لكتب التخريج بإذن الله.
وفي مجال الكتب المؤلفة في الأحاديث المشهورة على الألسنة ألف الحافظ شمس الدين السخاوي كتابه المقاصد الحسنة في بيان الأحاديث المشهورة على الألسنة، كما ألف الحافظ السيوطي كتاب الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ملخصًا إياه من تذكره الزركشي مع زيادة عليه، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير في نحو من ألفين وثلاثمائة، للشيخ عبد الوهاب الشعراني المصري انتخبها من جوامع السيوطي مع المقاصد الحسنة.
وفي كتب الفتاوى الحديثية فتاوى شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والأجوية المرضية عما سئلت عنه من الأحاديث النبوية، للحافظ السخاوي، وفتاوي جلال الدين السيوطي ومنها كتاب الحاوي للفتاوى، وفتاوى شهاب الدين أحمد بن حجر السعدي الهيثمي المصري.
وفي الكتب المفردة في جمع أحاديث بعض أنواع الحديث جمع السيوطي كتابه الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة، ومختصره المسمى بالأزهار المتناثرة له أيضًا، ولخص أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري كتاب اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة، لشمس الدين محمد بن طولون مسند الشام، وسماه لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة.
وفي كتب التفاسير والشروح الحديثية ألف العلماء عددًا كبيرًا من الكتب نشير إلى بعضها فيما خصصناه لهذا النوع بإذن الله.
وفي كتب السيرة النبوية والخصائص المحمدية سيرة أبي الفتح بن سيد الناس الصغرى، وهي المسماة بنور العيون في تلخيص سير الأمين المأمون، والزهر الباسم في سيرة المصطفى أبي القاسم للحافظ علاء الدين مغلطاي، واختصرها في كتاب سماه الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا والسيرة الكبرى لعز الدين بن جماعة والصغرى له أيضًا، والسيرة لشرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، والسيرة لقطب الدين الحافظ عبد الكريم بن عبد النور المصري، المعروف بابن أخت الشيخ نصر، والسيرة للحافظ ابن حجر، ومن خير من كتب في السيرة خاتمة المحدثين محمد بن يوسف بن علي الشامي نزيل القاهرة، ألف كتابًا في نحو من أربع مجلدات ضخام، سماه سبل الهدى والرشاد
[ ١٢١ ]
في سيرة خير العباد، ذكر فيه فضائله وأعلام نبوته وأحواله وأفعاله في البدء والمعاد، وانتخبه من أكثر من ثلاثمائة من كتب المتقدمين وتحرى فيه الصواب، وقد زادت أبوابه على سبعمائة، ختم كلا منها ببيان المشكل من غريب اللفظ، وكتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لأبي العباس أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري، وحاشيتها لأبي الضياء الشيراملسي المصري، وغير ذلك من كتب السيرة الكثيرة.
وفي كتب بيان حال الرواة وضبط أسمائهم وأسماء بلدانهم اختصر السيوطي معجم ياقوت الحموي، وسماه بهذا الاسم ولم يكمله، ولابن حجر ولغيره من أعلام مصر مؤلفات نشير إليها في موضعها بإذن الله.
وفي كتب الوفيات ألف الحافظ عبد العظيم المنذري كتاب التكملة لوفيات النقلة، كما ألف غيره من الأعلام كتبًا نذكرها في كتب الرجال.
وفي كتب المصطلح ألفوا كذلك كتبًا نعقد لدراستها فصلًا نشير في مقدمته إلى بيان هذا الكتب وأسماء مؤلفيها إن شاء الله.
هذه أهم أنواع العلوم الحديثية التي تناولها الأعلام من المحدثين في مصر بعد سقوط بغداد، واختيار أحد هذه العلوم للتأليف يعد منهجًا لمن يؤلف فيه، ولكل مؤلف في كتابه منهج خاص بهذا الكتاب، وباستعراض هذه الأنواع من العلوم ومناهج بعض الكتب المؤلفة فيها يتبين أنها تدور حول اختصار السنة وجمعها وترتيبها وتقريبها إلى الدارسين بالشرح والتهذيب، والبيان والتبويب، وقد كان من مظاهر الاختصار حذف الأسانيد، والاكتفاء بتخريج الأحاديث بعزوها إلى الكتب التي استمدت منها، وتقويم هذه الأحاديث ببيان درجتها غالبًا، والتنبيه إلى الضعيف منها والموضوع ثم محاولة إضافة الجديد إلى علوم الأولين ومؤلفاتهم بما يخدم السنة، ويجعلها دانية لمن أراد الانتفاع بها في دينه ودنياه.
على أنه لا بد لنا -قبل الانتهاء من هذه الدراسة- أن ننبه إلى أنه لم يكن في منهج المتأخرين في جمع السنة أخذها عن طريق المشافهة أو الرواية بالأسانيد، ضرورة أن عهد الرواية قد انتهى بانتهاء القرن الثالث، وإن كان قليل منهم قد حاول ذلك في بعض كتبه، كما سيتبين ذلك فيما يأتي في دراسة المدونات الحديثية إن شاء الله.
[ ١٢٢ ]
الفصل الثالث: مقارنة وموازنة
تمهيد:
بعد أن عرضنا ما تيسر لنا من مناهج كل من العهدين قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها، فإننا نستطيع على ضوئه وبإضافة ما سنح لنا بعد النظر في هذا الخضم الحافل من الكتب المختلفة، وما بينها من جهات التشابه ونواحي الاختلاف أن نذكر أهم ما ينبغي إيراده من ذلك، بعد أن نشير إلى أنه من العسير إيجاد الحدود الدقيقة الفاصلة بين عهد وعهد، يتميز فيه أحدهما عن الآخر تميزًا تامًّا، فإن ذلك شيء تأباه طبائع الأشياء، وإننا مهما حاولنا إيجاد حد فاصل بين عهد وعهد فسوف نجد التداخل بين تلك العهود، والترابط بين الخلف وسلفه يأبى إلا أن يقتحم على تلك المحاولة بما ينقضها، كما أنه من العسير إيجاد ذلك بين قطر وقطر، فإن الرحلات بين العلماء في مختلف الأقطار تستلزم أن يأخذ بعضهم عن الآخر معارفه ومناهجه، ويستفيد بذلك فيما ينقله إلى وطنه عند عودته إليه، وسيتجلى ذلك فيما نورده من عرض هذه المقارنات في ألوانها المختلفة وصنوفها المتعددة.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننوه بقدر مشترك بين هذه العهود سابقها ولاحقها، في أن جهودًا عظيمة لم يخل منها عصر من عصور الإسلام وجهتها عناية ربانية كريمة للحفاظ على هذا الدين إلى الإسهام المشكور في خدمة هذه السنة النبوية المطهرة، التي هي أول ما يجرع إليه في هذا الدين بعد كتاب الله ﷿، فقد أسهم الجميع بجهود صادقة في حدود ما ترتبط به ثقافة عصورهم في تحمل هذه السنة النبوية الكريمة وأدائها إلى المسلمين.
المقارنة والموازنة:
أما الذي يدل عليه النظر في هذه الكتب التي بين أيدينا من مؤلفات لعلماء الحديث في القديم والحديث فإننا نلخصه فيما يأتي:
أولًا- تشترك هذه المؤلفات في مختلف هذه العهود إجمالًا فيما يلي.
١- جمع السنة، ونعني به أن كلا من السلف والخلف من أهل الحديث قد عني بجمع الأحاديث النبوية ونقلها إلى الأمة مصطبغًا في هذا الجمع بما يناسب عصره مما أشرنا إليه في أدوار نقل السنة.
٢- ترتيب الأحاديث على الأبواب الفقهية، وقد بدأ هذا الأمر مبكرا لشدة عناية رجال الدين به قاطبة -وعلى رأسهم أئمة الحديث- وإن كان هناك اختلاف يسير بين بعض الكتب وبعض في ذلك الترتيب بحسب ظروف التأليف والعصر، وهذه ظاهرة تبدو بارزة في كثير من المؤلفات على اختلاف العصور، وكان أول ما ظهر من ذلك في عصر تدوين السنة موطأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأول ما ظهر من ذلك العهود المتأخرة عمدة الأحكام للمقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ والذي ألفه قبيل سقوط بغداد، على أن صاحبه قد جرد أحاديثه من الأسانيد اختصارًا، واعتمادًا على ما انتهجه لنفسه من قصره على ما في الصحيحين البخاري ومسلم من أحاديث الأحكام الفقيهة.
[ ١٢٥ ]
٣- كتب الترغيب والترهيب، والكناية في هذا الموضوع قدر مشترك بين العهدين، وإن كانت التسمية بهذا الاسم مما اختص به العهد الذي سبق سقوط بغداد، وأما ما ظهر بعد ذلك فللمؤلفات فيه أسماء أخرى، كالمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، والزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي، ورياض الصالحين وبستان العارفين للنووي.
٤- كتب التفسير بالمأثور، ومن أبرز ما ظهر في كتب المتقدمين تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم وتفسير بقي بن مخلد. وغيرها، كما أن من أبرز ما عرف للمتأخرين تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور في التفسير بالمأثور.
٥- كتب الشمائل والسير، ومن أبرز ما عرف من السيرة للمتقدمين سيرة محمد بن إسحاق وهي موردة بالأسانيد، جردها ابن هشام ونسبت إليه، وقد وردت السيرة النبوية في قدر كبير من طبقات ابن سعد، وكذلك سيرة موسى بن عقبة.
ومن أبرز كتب الشمائل للمتقدمين شمائل الترمذي، ويتصل بذلك دلائل النبوة لأبي نعيم، وللبيهقي، ولأبي بكر الفريابي، ومن أظهر ما عرف للمتأخرين سيرة أبي الفتح بن سيد الناس اليعمري وسيرة الحافظ الدمياطي، وهذه السير مجردة من الأسانيد على طريقة العصر.
٦- كتب الأمالي الحديثية، وقد سبق تصويرها في منهج المتقدمين، ومما عرف من هذه الكتب للأوائل الأمالي للحافظ ابن عساكر، وأمالي يحيى بن منده، وأمالي أبي بكر الخطيب، وأمالي الخلال، وهذا النوع قل وجوده في المتأخرين، فإن منهم من حاول إحياء سنته كالحافظ العراقي وتلميذه ابن حجر والسخاوي والسيوطي، غير أنهم لم يبلغوا في ذلك مبلغ المتقدمين.
٧- كتب الأحاديث المسلسلة، والحديث المسلسل هو الذي يذكر فيه حالة معينة عند الرواية ومما للأولين في ذلك مسلسلات أبي بكر بن شاذان، والمسلسل بالأولية لأبي طاهر السلفي المتوفى بالإسكندرية سنة ست وسبعين وخمسمائة، ولم يظهر هذا النوع مبكرًا بين المتقدمين، ولهذا كان المتأخرون أكثر حظًّا منهم في تاليفه، ومما عرف للمتأخرين من ذلك كتاب العذب السلسل في الحديث المسلسل للذهبي، ومثله لتقي الدين السبكي، وكذلك لولي الدين أبي زرعة، وشمس الدين السخاوي، وجلال الدين السيوطي، وغيرهم كثير.
٨- كتب الأربعينات، والمراد بها كل كتاب يشتمل على أربعين حديثًا -وإن اختلفت مناهج التأليف فيها- فإن منها ما كان في موضوعات مختلفة كالأربعين النووية، ومنها ما كان خاصًّا بموضوع معين مثل الجهاد أو الفروع أو الزهد أو الآداب أو نحو ذلك كما نص عليه النووي في خطبة كتابه الأربعين، وقد كثرت الأربعينات كثرة تلفت نظر الباحث في السنة وعلومها، وكان الحافظ على هذه الكثرة ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر
[ ١٢٦ ]
دينها بعثه الله تعالى في زمرة الفقهاء والعلماء" وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف فقد روي من عدة طرق بروايات متنوعة، وقال النووي: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال١.
ويقول ﵀ في هذا المقام: وقد صنف العلماء في هذا الباب. ما لا يحصى من المصنفات وأول من علمته صنفه فيه عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي، ثم الحسن بن سفيان النسائي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني والحاكم، وأبو نعيم وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين.
وفيما أورده النووي في هذا المقام ما فيه غنية لنا في عرض هذه الناحية، غير أنه لا بد أن نضيف إلى ذلك أسماء بعض من عرفنا من المتأخرين تحقيقًا لبيان اشتراكهم مع المتقدمين في هذا النوع.
فمن ذلك كتب الأربعين في أذكار المساء والصباح لمحمد بن البطال، والأربعين لابن الجزري من علماء القرن التاسع، والأربعبن لابن حجر العسقلاني.
٩- كتب مفردة في أبواب مخصوصة من الدين، كتثبيت رؤية الله والإخلاص لابن أبي الدنيا، ولأبي الفرج الجوزي أيضًا، والإيمان لابن أبي شيبة، وذم الكلام للإمام الهروي، وفضل السواك لأبي نعيم الأصفهاني، وللحاكم أيضًا، والصلاة لأبي نعيم، والقراءة خلف الإمام للبخاري، والبسملة لابن عبد البر، وعشرة النساء لأبي القاسم الطبراني، وكان حظ الأولين من هذا النوع كثيرًا جدًّا، وكان للمتأخرين منه نصيب قليل ظهر في أوائل عهدهم، مثل أشراط الساعة لعبد الغني المقدسي، والبعث والنشور للضياء المقدسي، والدرة الثمينة في فضائل المدينة لابن النجار وغير ذلك.
١٠- كتب المعاجم، وهي في اصطلاحهم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو القبائل أو البلدان أو نحو ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعاجم الطبراني الثلاثة الصغير والأوسط والكبير، وكمعجم الصحابة لأحمد بن علي بن لال المتوفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكمعجم الشيوخ لأبي بكر الإسماعيلي، وهذه الأمثلة لصنع المتقدمين في المعاجم، وبالتتبع يظهر أن حظهم فيه أوفر من نصيب المتأخرين فيه، وممن ألف في المعاجم من المتأخرين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ست وسبعمائة، وأبو إسحاق التنوخي المتوفى سنة ثمانمائة، وتقي الدين السبكي، والشمس محمد بن أحمد الذهبي إلى غير ذلك.
١١- كتب الطبقات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف، وهي بهذا المعنى مما حاز الأولون فيه قصب السبق، وظفروا منه بأكبر نصيب، وأقدم ما عرفناه لهم من تلك الكتب طبقات ابن سعد، وهي الآن متداولة
_________________
(١) ١ من الأربعين ص٩ تعليق الشيخ الشحات.
[ ١٢٧ ]
مشهورة، تناول فيها تراجم الصحابة والتابعين ومروياتهم إلى العصر الذي كان يعيش فيه، وطبقات مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وطبقات النسائي صاحب السنن، ومن ذلك حلية الأولياء لأبي نعيم، وغيرها مما ألفه المتقدمون في هذا الباب، وللمتأخرين من هذا النوع مؤلفات منها كتاب نور الدين الهيثمي: تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية، ومما ألف من هذا النوع خاصًّا بتراجم الرواة غالبًا كتاب طبقات الشافعية لتقي الدين السبكي، وطبقات الحفاظ للذهبي.
١٢- كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه، وإن لم يلقهم، كمشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلي، ومشيخة أبي يوسف يعقوب بن سفيان من المتقدمين، وكمشيخة تاج الدين علي بن أنجب بن الساعي البغدادي، ومشيخة أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن البخاري المقدسي من المتأخرين.
١٣- كتب علوم الحديث -أي مصطلحه- ذكرت فيها أخبار بأسانيد، ككتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو أول ما عرف من المصنفات مستقلًّا في هذا العلم وإن كان لم يستوعب، ثم تلاه أبو عبد الله الحاكم، ثم أبو نعيم وغيرهم مما نورده مفصلًا في موضعه بإذن الله.
١٤- كتب الشروح الحديثة -وهي كثيرة جدًّا- ولكن حظ المتأخرين منها كان أكثر ممن سبقهم شأن تطور التأليف، ومن بين ما عرف للمتقدمين في هذا النوع شرحًا للبخاري كتاب أعلام السنن للإمام الخطابي، وشرح المهلب بن أبي صفرة له أيضًا، وشرح ابن بطال كذلك مما بلغ نحو عشرة شروح للبخاري في هذا العهد، ومما عرف لهم في شروح مسلم شرح الإمام إسماعيل الأصفهاني وشرح المازري ولم يكمله ثم الإكمال في شرح مسلم للقاضي عياض وغيرها مما بلغ نحو ستة شروح لمسلم في هذا العهد، ومن أبرز ما عرف للمتأخرين من شروح البخاري كتاب النووي الذي شرح به قطعة من البخاري، ولم يكمله، وكتاب التلويح لابن مغلطاي، ثم فتح الباري وعمدة القاري وهما أبرز هذه المؤلفات وأكثرها تداولًا بين العلماء، ولشرح مسلم كتاب المنهاج في شرح مسلم بن الحجاج للإمام النووي، وشرح زوائده على البخاري لابن الملقن، وشرح تقي الدين أبي بكر الحصني، ثم الديباج للسيوطي، ومنهاج الابتهاج للخطيب القسطلاني، وغيرها من الشروح العديدة للصحاج وغيرها من كتب السنة.
في هذه الأنواع التي ذكرنا من علوم الحديث وفي غيرها مثل معرفة الأسماء والكنى والألقاب وتواريخ الرجال وأحوالهم والمتفق والمفترق لفظًا وخطًّا، والضعفاء والعلل والموضوعات وكتب الأطراف والوفيات وكتب جمع طرق بعض الأحاديث ونحوها تضافرت جهود المتقدمين والمتأخرين على الكتابة فيه بما وسعته طاقتهم، وفي حدود مناهجهم وثقافاتهم، وما منحتهم العناية الإلهية من توفيق وتيسير.
[ ١٢٨ ]
ثانيًا- ما اختص المتقدمون بالتأليف فيه نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- المجموعات الحديثية الأولى، كمدونات ابن جريج وابن إسحاق والربيع بن صبيح وسفيان الثوري وموطأ مالك ومسانيد الأئمة الأربعة فيما عدا مالكًا وغيرها مما سبق إيراده.
٢- الأصول الحديثية التي جمع فيها أئمة الحديث البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأحاديث المعتبرة التي عول عليها من جاء بعدهم في الاحتجاج والاستدلال، وكانت مادة لهم في الترتيب والتبويب والتقريب على مناهجهم المختلفة وطرائقهم المتعددة، وقد سبق بيان هذه الكتب تفصيلًا حديثًا عن منهج المتقدمين في القرن الثالث.
٣- الكتب المنتقاة من صحاح الآثار والسنن، كمنتقى ابن الجارود، ومنتقى قاسم بن أصبغ والصحيح المنتقى لابن السكن، غير أن الأخير مجرد من الأسانيد في اختياره لأحاديث الأحكام التي قصر عليها كتابه، وقد نهج نهجه في الاقتصار على أحاديث الأحكام وتجريدها من الإسناد العلامة مجد الدين بن تيمية في أواخر هذا العهد في كتابه الذي سماه المنتقى، وشرحه الشوكاني في كتابه المشهور نيل الأوطار.
٤- كتب المسانيد، التي جمعها أئمة الحديث المتقدمون على اختلاف مناهجهم كمسند أحمد، ومسند مسدد، ومسند إسحاق بن راهويه، وغيرها مما سبق إيراده.
٥- كتب سميت بكتب الصحاح، واقتصر مؤلفوها على إيراد ما صح عندهم من الأحاديث والآثار مدعمة بأسانيدها، ومن ذلك صحيح أبي عوانة، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان.
٦- كتب المستخرجات على الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما، وهي كثيرة منها مستخرج الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، ومستخرج الحافظ الغطريفي، ومستخرج الحافظ أبي عبد الله المعروف بابن أبي ذهل الضبي، ومستخرج الحافظ ابن مردويه وهذه الأربعة على صحيح البخاري، ومستخرج الحافظ أبي عوانة الإسفراييني، والحافظ قاسم بن أصبغ القرطبي، والحافظ محمد بن رجاء الإسفراييني، والحافظ الجوزقي، والحافظ أبي محمد أحمد الشاركي، ومستخرجات هؤلاء على صحيح مسلم، وهناك مستخرجات أخرى على غير هذه من كتب السنة، ولم يشاركهم المتأخرون في هذا النوع من التأليف إلا ما ذكر عن الحافظ العراقي من أنه أملى على المستدرك للحاكم مستخرجا لم يكمل.
٧- المستدرك على الصحيح، ولم نعرف من هذا النوع إلا كتابًا ألفه أبو عبد الله الحاكم على صحيحي البخاري ومسلم، أورد فيه الأحاديث التي تركا إيرادها في الصحيحين وهي مستوفية لشروطهما في الرواية، على ما فيه من مغامز وردت في كتب المصطلح.
[ ١٢٩ ]
٨- كتب الناسخ والمنسوخ من القرآن والحديث، وقد كان تأليفها في أول هذا العهد بأسانيدها، ومما ألف في الناسخ والمنسوخ من القرآن كتاب لأبي عبيد القاسم بن سلام، وآخر لأبي بكر بن الأنباري، وثالث لأبي جعفر بن النحاس، ومما ألف في الناسخ والمنسوخ من الحديث كتاب الناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل، ومثله لأبي داود، ومثلهما لأبي بكر الأثرم، وممن كتب في الناسخ والمنسوخ مجردًا أبو الفرج الجوزي، ولا يعرف للمتأخرين مشاركة في هذا النوع من علوم الحديث.
٩- كتب اختلاف الحديث وهي كتب وضعت لدفع ما يتوهم من تضارب بين بعض الأحاديث وبعض، أو بينهما وبين ما هو معروف من أمور الدين، ومن هذه الكتب اختلاف الحديث للشافعي، وهو من رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه، وكتاب لابن قتيبة سماه تأويل مختلف الحديث وهو معروف متناول، ومن ذلك مؤلف لابن جرير الطبري، وآخر للإمام الطحاوي سماه مشكل الآثار وهو مطبوع ومتداول أيضًا. ولا يعرف للمتأخرين كتابة مستقلة في هذا النوع إلا ما يقع منها في شروح الأحاديث على ما سنبينه بإذن الله في الحديث عن كتب الشروح الحديثية.
١٠- كتب المراسيل: وقد اختص المتقدمون بهذا النوع، وذلك مثل كتاب المراسيل لأبي داود في جزء لطيف مرتب على الأبواب، ومثله لابن أبي حاتم أيضًا وهو مرتب على الأبواب وأما ما عرف من صلاح الدين العلائي في كتابه جامع التحصيل في أحكام المراسيل فواضح أنه خارج عن هذا النهج، فإن موضوعه حكم الاستدلال بهذا النوع من الحديث.
١١- كتب الفوائد الحديثية، وهي كثيرة من بينها فوائد تمام بن محمد الرازي وهي في ثلاثين جزءًا، وفوائد سيبويه في ثمانية أجزاء، وفوائد ابن منده، وفوائد ابن المقري وغيرها كثير ولا يعرف من هذا النوع شيء لأحد من المتأخرين.
١٢- كتب غريب الحديث، وهي كتب موضوعة لشرح الألفاظ الغريبة في السنة، وقد ألف المتقدمون فيه كتبًا عديدة، منها كتاب غريب الحديث والآثار لأبي عبيد القاسم بن سلام ويقال إنه أول من ألف في غريب الحديث، وقد ذيله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ومنها كتاب الدلائل في شرح ما أغفله أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث، ومنها كتاب غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، وقد انتهت هذه المؤلفات وغيرها إلى كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري الذي لا يعرف بعده مؤلف غيره في هذا الباب، إلا ما كان من اختصار السيوطي له في كتابه الدر النثير على ما سنبين ذلك في موضعه من الباب الثالث.
[ ١٣٠ ]
١٣- كتب الأنساب، وهي كتب عديدة أشهرها كتاب الأنساب للسمعاني، وقد اختصره ابن الأثير الجزري في نهاية هذا العصر، واستدرك عليه ما فاته ونبه على أغلاطه في كتابه اللباب ولا يعرف للمتأخرين في هذا النوع إلا تلخيص السيوطي لكتاب اللباب لابن الأثير.
١٤- جمع أحاديث شيوخ مخصوصين من المكثرين، كأحاديث سليمان بن مهران الأسدي لأبي بكر الإسماعيلي، وأحاديث الفضيل بن عياض للنسائي، وأحاديث الزهري لابن يحيى الذهلي وهي المسماة بالزهريات، ومثله للإسماعيلي، والمؤلفات عديدة في جمع أحاديث الزهري، وليس لدينا من ألف في هذا النوع من المتأخرين.
١٥- كتب في رواة بعض الأئمة المشهورين أو في غرائب أحاديثهم، ككتاب تراجم رواة مالك للخطيب البغدادي، وكتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر -وهو كتاب كبير في سبعين جزءًا- وغير ذلك مما لم نعرف للمتأخرين شيئًا من التأليف فيه.
١٦- كتب أحاديث الأفراد، وهي الأحاديث التي تفرد بها واحد مطلقًا أو بالنسبة إلى غيره من الثقات، أو تفرد بها أهل بلد، ومن الكتب المصنفة في ذلك كتاب الأفراد للدارقطني، وكتاب الأفراد لأبي حفص بن شاهين، وكتاب أبي داود فيما تفرد به من السنن أهل بلدة كأهل اليمامة، ولا يعرف للمتأخرين شيء في هذا النوع.
١٧- كتب العوالي، وهي التي جمعت أحاديث قربت أسانيدها من النبي ﷺ وهي كثيرة، منها كتاب عوالي الأعمش ليوسف بن خليل الدمشقي، وعوالي عبد الرزاق للضياء المقدسي في نهاية ذلك العهد، وعوالي سفيان بن عيينة لابن منده، وعوالي مالك للحاكم.. إلى غير ذلك مما لم يعرف نظيره للمتأخرين.
١٨- كتب الأسانيد، وهي كثيرة جدًّا عند المتقدمين، ومن أكبرها وأجمعها بحر الأسانيد لأبي محمد الحسن بن أحمد السمرقندي، وهو كتاب لم يؤلف مثله في ثمانمائة جزء.
ولا يفوتنا في خاتمة هذه الخواص أن نورد عن ذلك العصر، أنه الذي ذهب بشرف هذه الناحية العظيمة من الدين، من بذل الطاقات والجهود الجبارة في نقل السنة، تمهيدًا وانتقاء وجمعًا، واختيارًا وتصنيفًا وتبويبًا، ولا سيما العصر الذهبي منه وهو القرن الثالث، الذي ظهرت فيه صحاح السنة بأسانيدها التي تدفع عنها غائلة التقحم من المفسدين والمدلسين والمزورين، وكان ذلك على أيدي الأئمة الفحول البارزين، الذين هيئوا السنة لكل من أتى بعدهم، ليتسنى لخلفهم أن يعملوا فيها مجهوداتهم من التنسيق والترتيب والتبويب، ثم الشرح والتعقيب.
[ ١٣١ ]
ثالثًا- ما اختص المتأخرون بالتأليف فيه نورده مرتبًا على النحو التالي:
١- جمع السنة من كافة مظانها الصحيحة في مؤلف واحد رغبة في تقريبها وجعلها في المتناول، وإذا كان الأقدمون قد بذلوا أقصى الجهد في تجميع السنة في موضوعات حديثية مختلفة تناولت سائر أمور الدين فإن المتأخرين قد استفادوا من عمل أولئك الذين سبقوهم، وجمعوا كثيرًا من نتاج هذه المجهودات في كتب أعدوها وقربوا بها السنة للناس، حتى لا يكلفوهم عناء الرجوع إلى مصادرها المتعددة، وقد بدأت هذه المحاولات في نهاية العهد الأول عندما ألف أبو الحسن رزين العبدري السرقسطي في الصحاح والسنن كتابًا جمع فيه بين الأصول الستة: البخاري ومسلم والموطأ والسنن الثلاثة لأبي داود والترمذي والنسائي، ثم جاء بعده أبو السعادات المبارك ابن الأثير الجزري فألف كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول، زاد فيه كثيرًا على كتاب رزين في عشرة أجزاء، واختصره ابن الديبع الشيباني الزبيدي اليمني في كتابه تيسير الوصول إلى جامع الأصول في مجلدين، وألف عبد الله بن عتيق التجيبي المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة كتابه أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، كما جمع بين الأصول الستة ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير -وربما زيد عليها من غيرها- المسند الكبير الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة في كتابه المسمى جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن، رتبه على حروف المعجم يذكر كل صحابي له رواية ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب وما تيسر من غيرها.
ولم تزل محاولات العلماء لجمع السنة في إطار واحد مستمرة رغبة في استيعابها، فجمع الحافظ نور الدين الهيثمي أحاديث الغيلانيات والخلعيات وفوائد تمام وأفراد الدارقطني مع ترتيبها على الأبواب في مجلدين، وألف الحافظ السيوطي كتابه جامع المسانيد وجمع الجوامع والجامع الصغير وألف الشيخ الحافظ محمد بن سليمان المغربي الروداني صاحب كتاب صلة الخلف بموصول السلف المتوفى سنة أربع وتسعين وألف كتابه جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلى ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.
٢- كتب التخريج، وهي مؤلفات ظهرت بعد تجريد السنة من الأسانيد، وبعد ظهور كتب عديدة في الفقه والتصوف والعقائد والتفسير كان أصحابها يقحمون الأحاديث في كثير من أبوابها، فكان لا بد من تخريج هذه الأحاديث بعزوها إلى أصولها، وبيان قيمتها ورتبتها، ليكون القارئ على بينة من أمره فيها، فكانت تلك المؤلفات في التخريج، وكان منها تخريج المختصر الكبير لابن الحاجب لمحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومنها المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي، ومنها التلخيص
[ ١٣٢ ]
الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر، وكثير غيرها مما ألفه المتأخرون في التخريج وما سنذكره في موضعه مفصلًا بإذن الله.
٣- كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، جمعها العلماء المتأخرون في مؤلفات، رغبة في فرز السنة لتمييز المقبول من المردود مما اشتهر على ألسنة الناس من الحديث، ومنها المقاصد الحسنة في بيان كثير مما اشتهر من الحديث على الألسنة لشمس الدين السخاوي، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير للإمام عبد الوهاب الشعراوي، وغير ذلك.
٤- كتب الزوائد، وهي مما اختص العصر الأخير بالتأليف فيه، رغبة في جمع السنة وتقريبها أيضًا، وموضوعها الأحاديث الزائدة في بعض كتب الحديث عن البعض الآخر، وقد كان من فرسان هذا الميدان الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد وغيره من الكتب، والحافظ ابن حجر في كتابه المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، والشهاب البوصيري في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وفوائد المنتقى بزوائد البيهقي، وسيأتي للزوائد مزيد بيان تفصيل في موضعه بإذن الله.
٥- كتب الفتاوى الحديثية، وموضوعها إجابات علماء الحديث على أسئلة من يستفتونهم فيما يتعلق بالأحاديث، ومن أشهر هؤلاء العلماء العلامة تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني في فتاويه، وشيخ الإسلام ابن حجر في فتاويه، والحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الأجوبة المرضية عما سئلت عنه من الأحاديث النبوية، والحافظ جلال الدين السيوطي في فتاويه وفي الحاوي للفتاوى في بعض موضوعاته.
٦- كتب مفردة في جمع بعض أنواع الحديث، وذلك ككتب الأحاديث المتواترة وقد ألف الحافظ السيوطي فيها الفوائد المتكاثرة واللآلئ المتناثرة، كل منهما في الأحاديث المتواترة كما ألف فيها الحافظ شمس الدين محمد بن طولون مسند الشام المتوفى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة كتابًا أيضًا سماه اللآلئ المتناثرة، ومنها لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري لخص فيه اللآلئ لابن طولون، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد محمد جعفر الكتاني مؤلف الرسالة المستطرفة.
٧- ومن مفاخر هذا العصر منهجه في شروح كتب السنة، وقد سبق لنا بيان أن كتب الشروح قدر مشترك بين العهدين، إلا أننا نريد أن نبرز هنا امتياز العصر الأخير في كثرة الشروح الحديثية ووفرتها مع كبرها وضخامتها، ومن أراد دليلًا على هذا فليراجع الأثبات التي وردت بأسماء الشروح في كل من العهدين، وسوف لا يجد للبخاري مثلًا إلا شروحًا قليلة في العصر الأول،
[ ١٣٣ ]
ويبدو أن أكثرها هزيل لم يستطع أن يقوم بالعبء الكافي لخدمة هذا الكتاب الخدمة اللائقة به، حتى إن ابن خلدون وهو من أكثر المؤلفين خبرة بشئون الكتب والمؤلفات من علماء القرن الثامن يقول وهو يتحدث عن شروح البخاري: ومن شرحه من المتقدمين لم يستوف الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم، ولقد سمعت كثيرًا من شيوخنا ﵏ يقولون: شرح البخاري دين على الأمة، يعنون أن أحدًا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار١. ا. هـ.
فإذا جاء المتأخرون من علماء الحديث وفيهم مثل الحافظ ابن حجر والإمام العيني بسفريهما العظيمين فتح الباري وعمدة القاري اللذين هما مفخرتان خالدتان لعلماء الحديث في خدمة هذا الكتاب وحده، فكيف إذا انضم إليهما ما سبق لنا إيراد بعضه من شروح البخاري وغيره من كتب السنة من الأسفار الضخمة المتكثرة، إذن لتجلت مفاخر هذا العصر في خدمة السنة بهذه الشروح العظيمة التي لا يزاحم فيها بأي حال.
٨- ومن سمات هذا العصر ظهور التجريد في كتب السنة خصوصًا أو عمومًا، وإن كان بعض هذه المجردات قد ظهر في نهاية العصر السابق، كمصابيح السنة لأبي محمد البغوي، الذي جرد فيه الأحاديث من أسانيدها، وقسمها إلى صحاح وحسان، وأراد بالصحاح ما أخرج الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي، وهو منهجه واصطلاحه وكتاب الجمع بين الصحيحين لعبد الحق محمد بن عبد الرحمن الإشبيلي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، والأحكام الشرعية له أيضًا.
ومن الكتب التي ألفت مجردة في العصر الأخير: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح لشهاب الدين أبي العباس الشهير بالزبيدي الحنفي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ومنها الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، كما أن منها جمع الجوامع، والجامع الصغير، وغيرها من كتب السنة المجردة.
٩- كتب الذيول تذييلها، وهي كتب يؤلفها؛ العلماء استيفاء لما فات المؤلف السابق، أو إضافة إليه ببعض ما عرف بعده مما لم يدركه في عصره، وهي أبرز ما تكون في كتب التراجم، ويتصل بذلك ما يسمى في كتبهم بالتكميل أو الإكمال، ومن أمثلة ذلك ما فعله العلماء في كتاب الوفيات لابن زَبر، وقد سبق إلى التذييل على هذا الكتاب الحافظ الكتاني المتوفى سنة ست وستين وأربعمائة، ثم تتابع المحدثون بالتذييلات عليه في هذا العصر، بذكر من لم يدركه من قبله إلى عصره،
_________________
(١) ١ مقدمة ابن خلدون ص٣٥١.
[ ١٣٤ ]
ومن هؤلاء الحافظ المنذري، ثم الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني، ثم المحدث أحمد بن أبيك الدمياطي، ثم الحافظ أبو الفضل العراقي، وكلها ذيول على كتاب واحد هو الوفيات لابن زَبر، ومن ذلك أيضًا كتاب زوائد الرجال على تهذيب الكمال، وللحافظ ابن حجر كتاب سماه فوائد الاحتفال في أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة على تهذيب الكمال، ولسراج الدين عمر بن الملقن كتاب سماه إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الرجال، ومن المؤلفات أيضًا كتاب التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير جمع فيه بين تهذيب المزي وميزان الذهبي مع زيادات، ومنها أيضًا ذيل الحافظ السيوطي على كتاب الذهبي المسمى بالمغني في الضعفاء وبعض الثقات، كما ذيل الحافظ العراقي على كتاب ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي، وعمل شيخ الإسلام ابن حجر لسان الميزان، ضمنه الميزان وزوائد عليه في مجلدين أو ثلاثة، وأشباه ذلك كثير.
١٠- التهذيب والاختصار، وقد تجلى هذا واضحًا في كتب الرجال، ومن ذلك كتاب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المقدسي المتوفى سنة ستمائة، فقد هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي وسماه تهذيب الكمال في أسماء الرجال في اثني عشر مجلدًا، وله مختصرات منها للذهبي كتاب تذهيب التهذيب، ثم اختصر التذهيب وسماه الكاشف١. وقد اختصر الخزرجي صفي الدين أحمد بن عبد الله كتاب التذهيب وسماه خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال، كما اختصر التهذيب الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب، ثم لخصه في تصنيف لطيف سماه تقريب التهذيب، وقد اختصر السيوطي معجم ياقوت الحموي إلا أنه لم يكمله، وعمل الحافظ برهان الدين الحلبي مختصرًا لميزان الاعتدال للحافظ الذهبي سماه نثل الهميان في معيار الميزان، وغير ذلك.
هذا ما سنح لنا من عرض جهات الشبه وجهات الاختلاف بين مناهج المحدثين في مؤلفاتهم قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها، وإذا كان قد نوهنا بجهود السابقين في جمع السنة المبكر، وعرضها بصورتها المشرقة فإن جديرًا بنا أن ننوه بجهود المتأخرين في استقبال ما وفد عليهم من نتاج الأئمة السابقين، فأخذوا -في الجملة- يتولونه بالتهذيب تارة، وبالشرح تارة، وإضافة ما دعت إليه ظروفهم العلمية، وثقافات العصر ومتطلباته، فأما جهود مصر ومحدثيها فإنها وإن كانت مندمجة في جهود هؤلاء الأئمة بما قضى به حكم التداخل الذي أشرنا إليه في كل من الزمان والمكان فإنها بدت فيما أوردناه في الفصل الأخير من الباب الأول خاصًّا بما عرف من إنتاج أعلام المحدثين في مصر، وسوف تبدو واضحة كذلك، متميزة كل التمييز بما تفرده في الحديث عن المؤلفات الخاصة بهم بإذن الله، والله ولي التوفيق.
_________________
(١) ١ من المحققين من يخالف هذا، وسنعرض لذلك عند الكلام على كتب الرجال.
[ ١٣٥ ]