﷽
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،
فهذا مجموع يضمّ ثلاثة كتب نفيسة في علم الرواية والإسناد والنقد الحديثي للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، أتحف به عامة القراء، وأهل الحديث على وجه الخصوص، لما فيها جميعها من فوائد علمية وفرائد حديثية ونفائس في التحقيق ودرر في التدقيق والتعليق، على عادة هذا الإمام الجهبذ الحافظ الكبير أحمد بن الصديق، الذي لم ير مثل نفسه خصوصا في علم الحديث وعلله …
[ ٥ ]
الكتاب الأول مسند الجن
من خصائص العلوم الإسلامية أنها مسندة، حتى صار الإسناد في أغلبها شرطا من شروط القبول وإلا رُدت وهجرت، اقتداءً منها بعلوم الحديث النبوي حيث حرص العلماء منذ فجر الإسلام على ضبط الروايات والحكم عليها بناء على أحوال الرواة وتواريخهم، وإلا فهي مرسلات مردودات وتعليقات منكرات.
قال ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد مثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري. وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي سلاح يقاتل. وقال يزيد بن زريع: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد. وعن محمد بن حاتم بن المظفر قال: إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها بالإسناد وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هي صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات. وقال الحافظ ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبيّ ﷺ شيءٌ خُص به المسلمون دون جميع الملل والنحل، أما مع الإرسال والإعضال فيوجد في اليهود لكن لا يقربون به من موسى قربنا من نبينا، بل يقفون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نفسا، وإنما يبلغون إلى نوح وشمعون، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق، وهذه الأمة الشريفة زادها الله شرفا بنبيها إنما تنقل الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى
[ ٦ ]
أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأطول فالأطول مجالسة لمن فوقه، فمن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا. وفي «سراج المريدين» للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري ما نصه: «والله أكرم هذه الأمة بالإسناد، لم يُعطَهُ أحد غيرها، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى فتحدثوا بغير إسناد فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم، مطرقين للتهمة إليكم، وخافضين لمنزلتكم، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم، وراكبين لسنتهم». (^١)
• ولذلك اعتنى الأوائل والأواخر بالإسناد حفظا وتأليفا، فكثرت المؤلفات فيه، حتى انسلخ من علوم الحديث علم مستقل عرف بعلم الأثبات أو المشيخات أو الفهارس أو البرامج أو المعاجم، وهي التي يدوّن فيها المؤلف أسماء شيوخه ومَن أخذوا عنهم إلى رسول الله ﷺ أو إلى كتاب من كتب الحديث أو غيره، أو غير ذلك من فنون التصنيف في علوم الإسناد وأغراضها العجيبة اللطيفة.
• وكان اهتمام المتأخرين بكتب الفهارس أو المشيخات أوسع وأوعب من المتقدمين، وذلك للحاجة الماسة بعد تفرع الطرق وكثرة المشايخ والآخذين عنهم ومنهم، فانصرف العلماء لجمع وترتيب مرويات كل شيخ وتهذيبها، في الأزمنة المتأخرة، حفاظا على الطرق من التداخل والروايات من الزيادة والنقصان، وزيادةً في ضبط تراجم الأئمة الأعلام ونقد بعض ما يلصق بهم من مكذوب المرويات، ومقارنة مروياتهم بمرويات غيرهم سبرا وتقسيما، لتحري الصواب في الروايات والمشايخ والتواريخ وغير ذلك من الأغراض الجليلة.
وأما المغاربة فاهتموا بالأثبات والفهارس اهتماما فريدا واهتبلوا به على قدر اهتبالهم بعلوم الشريعة عموما وبالحديث النبوي على وجه الخصوص، ولذلك كثرت مؤلفاتهم فيه، خاصة أن كثيرا منهم رحلوا في طلب الروايات وعالي الأسانيد لدرجة
_________________
(١) انظر «فهرس الفهارس والأثبات» للعلامة عبد الحي الكتاني ١/ ٨٠.
[ ٧ ]
المبالغة أحيانا، بل لدرجة أن بعضهم اختلق رواةً لا وجود لهم وادعى لهم التعمير ليحفل بالرواية عنهم ويُغرب عن أهل عصره بالتفرد فيهم وعلو سندهم دونهم … وتفننوا في صناعة الفهارس والأثبات واختلفت موضوعاتهم مع وحدة أغراضهم بالكتابة فيه:
• فقد ألف شيخ الجماعة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي المكناسي المغربي (٩٥١ هـ): «التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد».
• وألف العلامة محمد بن قاسم القصار المغربي المالكي (١٠١٢ هـ): (فهرسة شيوخه).
• وألف العلامة محمد بن أحمد ميارة الفاسي (١٠٧٢ هـ): «الفهرست».
• وألف أبو سالم العياشي (١٠٩١ هـ): فهرست عبد القادر الفاسي وتسمى: «الإجازة الكبرى»، ومعها: إجازة عبد القادر الفاسي وتسمى: «الإجازة الصغرى».
• وله أيضا «إتحاف الأخلاء بإجازات المشايخ الأجلاء».
• وله أيضا «اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر».
• وألف العلامة أبو الوليد عبد الملك بن محمد التجموعتي المغربي المالكي (١١١٨ هـ): «الفهرست».
• وألف العلامة أحمد بن العربي بن الحاج الفاسي بناني المغربي المالكي (١١٦٣ هـ): «الفهرست».
• وألف الحافظ أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني (١١٨٤ هـ): «فهرسته».
• وألف أبو القاسم أحمد بن علي بن إبراهيم الزياني المغربي (١٢٤٩ هـ): «جمهرة التيجان وفهرسة الياقوت واللؤلؤ والمرجان في ذكر الملوك وأشياخ السلطان المولى سليمان».
[ ٨ ]
• وألف العلامة أبو الحسن علي بن سليمان الدمنتي البجمعوي (١٣٠٦ هـ): «أجلى مسانيد على الرحمن في أعلى أسانيد علي بن سليمان».
• وألف العلامة جعفر بن إدريس الكتاني (١٣٢٣ هـ): «إعلام الأئمة الأعلام وأساتيذها بما لنا من المرويات وأسانيدها».
• وألف العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد الحجوجي المغربي (١٣٧٠ هـ): «كنز اليواقيت الغالية في الأسانيد العالية».
• وألف محمد بن الحسن الحجوي (١٣٧٦ هـ) فهرسة المسماة: «مختصر العروة الوثقى في مشيخة أهل العلم والتقى».
• وألف الحافظ أحمد بن الصديق (١٣٨٠ هـ): «البحر العميق بمرويات ابن الصديق».
• وألف العلامة عبد الحي الكتاني (١٣٨٢ هـ): «فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات»، وهو أوسع مما ذكر ويذكر وأوعبها.
• وألف العلامة عبد الحفيظ الفاسي الفهري (١٣٨٣ هـ): «الإسعاد بالإسناد».
• وألف العلامة محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني الحسني (١٣٨٤ هـ): «غنية المستفيد في مهم الأسانيد».
• وألف العلامة المؤرخ محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي (١٤٢١ هـ): «إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ».
ولو حاولنا تتبع واستقصاء عناوين كل ما كُتب من الأثبات والفهارس المغربية ما أسعفنا مجلد بل ولا مجلدان، لكثرتها مطبوعا، وكثرتها من المخطوط، ومثله من المطموس المركون، مما لا يصلح له إلا دراسة متأنية وتتبع استقصائي دقيق.
• ومما تنافس فيه الإسناديون وتسابقوا في ميدانه طلب علو الإسناد في الروايات، واقتحموا فيه كل صعب وذلول، فكثروا الشيوخ، وأطالوا الرحلات، وبحثوا عن
[ ٩ ]
المسندين المعمرين، ونقلوا مروياتهم وأسندوا عنهم، وفرحوا بها أيما فرح، وقد أشار الحافظ السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» (^١) إلى أن لكل من الحافظين الذهبي وابن حجر كراسةً في المعمرين في الإسلام، ولكن يظهر أنهما جردا أسماء الذين عمروا التعمير العادي. لكن دُسَ على أهل الإسناد وطالبي أعلاه فأعلاه دسائس مثل أكاذيب بعض من ادعى أو ادعي له التعمير لحد خارج عن الاعتدال وبعيد عن المألوف المعتاد.
قال شيخُنا العلامة إبراهيم بن الصديق الغماري ﵀: «فقد كان أحدهم - وهو إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفاسي - سائلا يسأل الناس على قارعة الطريق ويُدعى إلى الأعراس ببغداد للرقص وتسلية الناس، فلما كبُر وشاخ حدثهم عن أنس بن مالك ﵁، وهو في مائة الثالثة - فتهافتوا عليه. وهكذا وجد من ادعى الصحبة وهو في المائة الخامسة، ومن ادعى أنه تابعي رأى عددا من الصحابة، وقال إنه عمر مائتي سنة وثلاثمائة سنة … الخ، وقد قال الحافظ الذهبي في «الميزان» (^٢): وما يُعنى برواية هذا الضرب ويفرح بعلوها إلى الجهلة. وقال في موضع آخر (^٣): متى رأيت المحدث يفرح بعوالي أبي هدبة إبراهيم بن هدبة وخراش ودينار ..». الخ فاعلم أنه عامي. اهـ
ويمكن القول بكل صراحة ووضوح إنه وقع في القرون المتأخرة شبه انفصال بين دراسة علوم الحديث رواية ودراية الدراسة الحقة المعروفة لدى الجميع، وبين التعاطي المجرد للبحث عن الأسانيد العالية، فالمحدثون الذين يعتبر البحث في الإسناد من أولى مهماتهم، قصدهم من ذلك أن يتعرفوا على رجال السند ويُقوّموهم تعديلا وجرحا لتوثيق السنة النبوية وإزالة الشوائب عن روايتها، ولذلك تطلبوا الإسناد العالي، فالسند عندهم وسيلة لا غاية.
_________________
(١) «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي ص ٢٣٣.
(٢) «ميزان الاعتدال» ٤/ ٥٢٢.
(٣) نقله عنه السيوطي في «تدريب الراوي» ٢/ ٦٠٧.
[ ١٠ ]
أما هؤلاء فالسند عندهم غاية في حد ذاته، ولذلك ففنهم لا علاقة له بالحديث وعلومه إلا من جهة استعارة بعض الألفاظ الاصطلاحية لفنهم كالعلو والنزول والمصافحة والمساواة … الخ، ولذلك كان فنهم ينحصر في إسناد الكتب والدفاتر والقصائد والأوراد والأدعية والأذكار إلى أصحابها بأقصر طريق، وهو عمل جيد في مجال توثيق تلك الكتب والدفاتر والحفاظ على السند الذي خص الله به هذه الأمة، ولكن للاستفادة من ذلك المروي وهو عمل العلماء الجادين، أما الباحث في مجرد الإسناد، فقد أصبح ذلك عنده هواية أكثر منه علما، ولذلك تعاطى - في الغالب - هذه الهواية وجهاء المنتسبين إلى العلم وأغنيائهم، لأنها تتطلب رحلات وأسفارا وكتابات وبحثا مضنيا عن أصحاب الإسناد العالي مما لا يتهيأ - غالبا - لمطلق العلماء، وكل هذا أدى - كما تقدم - إلى تشجيع من يريد الحظوة عند هؤلاء أن يدعى علو الإسناد وبلوغ السن المعينة لذلك، ولأدى الأمر إلى تجاوز السن المعتادة، ومن لم تساعده هيأته على ادعاء كبر السن ادعى انفراده عن مسنين». انتهى (^١)
• ومن صور طلب علو الإسناد والاهتبال به عند المتأخرين، رواية كثير منهم عن الجن، خصوصا وأن الجن يعمر أكثر من الإنس، وفيهم من سمع القرآن من النبي ﷺ وسمع منه أحاديث كثيرة، فأداها لغيره من الإنس، حسبما وردت به بعض الروايات التي تناقلها أصحاب الأسانيد والأثبات وفرحوا بها وتسلسلوا بالرواية عنهم بشروط معلومة وفي كتبهم مذكورة، فرووا عن مثل شمهروش القاضي ومهنية وعبد الله وعبد الوهاب وميمون وعبد المؤمن وغنام، وروى عنهم بعض الأفاضل - وهو من سقطاتهم - مثل النور عليّ الأجهوري، والنور الحلبي - صاحب «السيرة» -، وسلطان المزاحي، والعارف عبد الوهاب العفيفي المصري، وأبي العباس بن ناصر، ومحمد بن عبد الرسول المكي، وعبد الغني النابلسي، وأحمد
_________________
(١) مجلة «دعوة الحق» العدد ٣٤٨ رمضان ١٤٢٠ هـ/ دجنبر ١٩٩٩ م، مقالة: «المعمر المغربي أبو الدنيا الأشج وحقيقة ادعاء بعض الرواة للتعمير الكثير» للدكتور إبراهيم بن الصديق.
[ ١١ ]
الحبيب السجلماسي، وعلي الزعتري، وعارف فتني، وجماعة سيأتي ذكرهم في مؤلف الحافظ أحمد بن الصديق الذي نحققه.
فملئت كتب الأثبات من المتأخرين بالرواية عنهم، وأكثر أهل العلم لا يقبلونها ولا يرتضونها، ولا يعتدون بها.
• وقد جمع العلامة أبو الفيض محمد مرتضى الزبيدي كتابا في الباب سماه «مسند الجن»، ذكره المؤلف في الفائدة الثامنة من هذا الكتاب وقال: «ولم نقف عليه». وذكر المؤلف أيضا في كتابه «المثنوني والبتار» «مسند الجن» لأبي العباس المنصوري، وأنا أظن أن أبا العباس المنصوري هو أحمد بن الصديق نفسه وإنما أبهمه هنا تدليسا على عادة المحدثين في الإغراب أو لغرض آخر، والله أعلم.
وللعلامة المحدث عبد الحي الكتاني كتابان في رواية الإنس عن الجن وخاصة روايتهم عن شمهروش، الأول: «مواهب الرحمن في صحبة القاضي أبي محمد عبد الرحمن» يعني شمهروش، والثاني: «المحاسن الفاشية عن الآثار الشمهروشية». وكلاهما مخطوط، اطلعت على الأول فإذا هو مليء بالفوائد الحسان. مع أنه ﵀ في (فهرس الفهارس) كان يستغرب رواية الإنس عن الجن كما في ترجمة بصري المكناسي (^١) وفي غيرها، فهو إذن معدود من الذين لا يحفلون بالرواية عن الجن وإن أطال في ذكر مروياته من طرقهم للتبرك وربما الإغراب كما يأتي بيانه والله أعلم.
• وممن أنكر هذا النوع من الإسناد المؤلفُ نفسه جامع مسند الجن، فقال في كتابه هذا: «فلا شك أنّ في من ادعى التعمير من الجن من هو كذاب مثلهم، بل الجن أولى بذلك لعدم التحقق من عدالتهم والتمييز بينهم وبين الشياطين الكذابين المضلّين. فلهذا لا يُعتمد على روايته من روى عنهم في العصور المتأخرة من بعد القرن التاسع إلى أواخر القرن الثالث عشر». اهـ.
_________________
(١) (فهرس الفهارس) للكتاني ١/ ٢٣٢.
[ ١٢ ]
وقال في «المعجم الوجيز للمستجيز» (^١) خلال ترجمة شيخه ابن الخياط الزكاري: «صافحني ﵀ أواخر عمره، وأملى علي مسند المصافحة من طريق شمهروش، وذلك عندنا باطل لا أصل له.» اهـ
وقال في «مجمع فضلاء البشر» (^٢) خلال ترجمته لصالح الفلاني: «شمهروش شيطان يكذب على الناس».
وقال في «المعجم الأصغر» المطبوع في هذا المجموع خلال ترجمة شعيب الجليلي قاضي تلمسان وروايته عن مصطفى بن أحمد الحرار الجزائري، عن محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الرسول، عن القاضي شمهروش، عن أصحاب الكتب الستة، قال: وهذا من طرائف الخرافات. اهـ
وكذلك أبطل الرواية عن الجن في كتابه «العتب الإعلاني» وتبرأ من كل مروياته السابقة عنهم فيه.
فإن قيل: فما الغرض من جمع مسند الجن، إن كان الجامع له ينكر الرواية عنهم، قلت: أجاب عن ذلك الحافظ أحمد بن الصديق في مؤلفه هذا بقوله في الفائدة الرابعة من مقدمة كتابه «مسند الجن»: «الفائدة الرابعة»: قال ابن حجر الهيثمي في «فهرسته»، عقب الحديث المسلسل بالمشابكة: واعلم أن شيخنا العارف بالله تعالى الشمس بن أبي الحمائل كان يذكر أنه اجتمع بجني تابعي من أصحاب بعض الجن الصحابة الذين اجتمعوا بالنبي ﷺ وأقرأهم بعض القرآن. وكان شيخنا يقول لمن يعني به من أصحابه: أجَزْتُك بما أجازني به شيخي فلان الجني التابعي، مما أجازه به شيخه فلان الجني الصحابي، وكذا تلقيناه عنه. وهذا وإن لم يثبت به حكم عند المحدثين، لكنه يُتبرك به من مثل هذا العارف الذي لا يتطرق إليه عند من سابر أحواله وعلم طريقته ونزاهته وكراماته الباهرة التي شاهدناها نحن وغيرنا منه،
_________________
(١) «المعجم الوجيز للمستجيز» ص ٨
(٢) مخطوط.
[ ١٣ ]
كالشمس، فالظن بل العلم منا قاض بصدق الشيخ في ذلك، فاستفد ذلك فإنه مما ينبغي أن يُحرص على استفادته. اهـ
قلتُ: ثم ذكر عن غيره مثل مقالة ابن حجر فلترجع إليها في محلها من هذا المؤلف العجيب، وحاصله أنه يروي عنهم تبركا، أو تقييدا لمروياته من غير اعتبار لصحتها أو ضعفها أو بطلانها، كحال أصحاب الكتب المسندة الذين جمعوا فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع وما لا أصل له، كالطبراني في معاجمه الثلاثة، والبغدادي في تاريخه وابن عساكر في تاريخه والديلمي في فردوسه والحكيم الترمذي في نوادره وغيرهم.
• قدّم الحافظ أحمد بن الصديق في كتابه «مسند الجن» بمقدمة تضمنت فوائد جليلة ونقولات عزيزةً نفيسة، مرتبطة بعلاقة الإنس بالجن وإمكانية الاجتماع بهم والسماع منهم ورؤيتهم متطورين في أشخاص أخرى غير صورهم وذكر من روى عنهم أو ادعى ذلك أو ادعِيَ له، وغير ذلك مما لا تجده في غير هذا التأليف العجيب.
وعلى عادة الحافظ أحمد بن الصديق في كل كتبه، فإنه لم يُخْل كتابه من نقد لبعض المرويات والنقولات وتصحيح لبعض الأوهام واستئثار ببعض الآراء ولو خالفت ما عليه السابق واللاحق، وهذا مستفاد قراءة كتب أهل الاجتهاد، حيث إنه لا تخلو تأليفهم من جديد وابتكار، ومثال ذلك استدراكه على الإمام السهيلي في «روض الأنف» الذي حاول أن يرجح رواية على أخرى فقال يتعقبه: «قلت: إنما تعضّده لو اختلف المخرج وروى كل واحد لفظة في قصة غير قصة الآخر، أما مع اتحاد المخرج والقصة فأحد اللفظين وهم ولا بد.» اهـ
ومنها أيضا تغليطه لبعض الرواة في بعض ألفاظ الحديث كما في قوله: «قلت: قوله: «حتى بلغنا أعلى مكة» غلط من بعض رواته، وقد يكون ذلك من يحيى بن يعلى الأسلمي، فقد ضُعف ووصف حديثه بالاضطراب». اه الخ ما في الكتاب من
[ ١٤ ]
حس نقدي يدل على سعة اطلاع وعدم الركون إلى التقليد.
• ثم ذكر الحافظ الغُماري أسانيده لسور وآيات قرآنية وأحاديث نبوية ومسلسلات بشروطها وأعمالها من رواية الجن، فيها من نفائس الروايات وذكر لشيوخ ومسندين مما حفل بهم هذا المؤلف العجيب الذي أقدمه بين يدي القارئ الكريم للفائدة والانتفاع.
• وأما النسخة التي اعتمدتها لإخراج هذا الكتاب فهي بخط المؤلف الواضح البين المعروف الممزوج بين المغربي والمشرقي، من دفائن «دار الكتب والوثائق القومية» في صنف الهدايا، رقم ٣٣٠ باسم أحمد الصديق، فيلم ١٠٣٣. وعددها أربع وخمسون لوحة في كل لوحة صفحتان وفي كل صفحة قرابة عشرين سطرا بخطه المتوسط؛ وتتضمن تشطيبات كثيرة ولحوقا عديدة.
[ ١٥ ]
الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق في سطور (^١)
تنازع الناس في الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ نزاعا شديدا، واختلفت مقالات أهل العلم والتاريخ فيه اختلافا كبيرا، وتضاربت الآراء في نقد مشروعه العلمي والإصلاحي تضاربا لافتا، بين معتقد غارق ومنتقد حانق، وتوسّطت طائفة فاعتدلت (^٢)، فعرفت للرجل قدره وشكرت جهده وعذرت خطأه وتجاوزت زلله.
ومهما يكن من خلاف فيه، فإنهم لم يختلفوا في كونه أحد أفراد الزمان في علوم الدين وعلوم الحديث على وجه الخصوص (^٣)، وإنما اختلفوا في اختياراته العقدية ومنهجه في نقد الرجال متقدميهم ومتأخريهم، وعباراته في الجرح والتعديل، ومواقفه جهة المقلدة من جهة ولزعماء الأحزاب السياسية في زمانه من جهة أخرى.
ولا يخفى أن هذه الأمور أسباب كافية لتحريض الناس عليه واجتماعهم على النيل
_________________
(١) ترجم له عدد من العلماء منهم: أحمد بن الصديق نفسه في «البحر العميق في مرويات ابن الصديق». وفي «سبحة العقيق في ترجمة سيدي محمد بن الصديق». وشقيقه عبد الله بن الصديق في «سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق» ص ٥٥. وعبد السلام بن سودة في «سل النصال للنضال بذكر الشيوخ وأرباب الكمال» ص ١٨١. وفي «إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع» ص ٥٧٤. وابن الحاج السلمي في «إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين» ص ٣٤. وعبد الله التليدي في «حياة الشيخ أحمد بن الصديق». وفي «تحفة القاري في بعض مبشرات وكرامات أحمد بن الصديق الغماري». ومحمود سعيد ممدوح في «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ص ٧١. وفي «تزيين الألفاظ بتميم ذيول تذكرة الحفاظ» ص ١٠١. وفي «مسامرة الصديق ببعض أحوال أحمد بن الصديق». وفي «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ١/ ٢٧٠. وعدنان بن عبد الله زهار - كاتبه - في «نهج السداد والتوفيق في الذب عن الحافظ أحمد بن الصديق»، وغيرهم.
(٢) وأنا منهم.
(٣) وما ينتحيه اليوم بعض المغمورين من توهين مقامه العلمي فيما يسمونه تحقيقا أو دراسة لا يلتفت إليه ولا يعبأ به، لأن طعن المجاهيل في الأعلام طعن في أنفسهم، وتجريح الضعفاء للموثقين زيادة في ضعفهم، كما تقرر في علوم الجرح والتعديل.
[ ٢١ ]
منه وطعنهم فيه، لأنه بما هو مودع في قلبه من الإخلاص في الدفاع عن الحق الذي يراه حقا - بادأهم بالخصومة وعاجلهم بالانتقاد، فلم يظفر برضاهم ولا حفل بتعديلهم وثناء كثير منهم، ولا زال مُقلدوا خصومه وأتباع بعض منتقديه يحتفلون يوما بعد يوم بالطعن فيه ويفرحون بالوقوف على زلة له ولو كانت متوهمة أو متخيلة أو مكذوبة، والمكذوب عليه المتوهم له أكثر بكثير مما ينتقد عليه حقيقة وواقعا … بل إن من خصومه من أتى بأغرب غرائب الدنيا في علم الرواية والإسناد حيث حكم بكفره الصراح مرات ودوّنه في كتب ومخاطبات، ومع ذلك يجيز المستجيزين من طريق هذا الكافر؛ وكذلك يفعل أهل الأهواء الذين حكموا على الأشاعرة بالضلال ثم يجيزون كتب السنة والرواية من طريق جماعة منهم وضللوا الصوفية وخلصوا إلى الحكم بزندقتهم ثم يروون الأحاديث بأسانيدهم التي تفردوا بها. ولهذه الظواهر الغريبة والاضطرابات الفكرية العجيبة تفسيرات وتأويلات عديدة أجبنا عنها في كتب ومقالات أخرى فارجع إليها.
وليس لشدة الخصوم على الحافظ أحمد بن الصديق تفسير إلا أنه رجل مؤثر بعلمه ونصاع حجته وعميق فهمه ودقيق تحقيقه وبراعة أسلوبه وتحقق صدقه في مكتوباته، ولأنه صاحب حجة ودليل، وناقض للتقليد ناقد للمقلدين، جاهر بالحق الذي يرتضيه غير مداهن في دينه ولا دنياه، ومثل هذا لا بد أن ينال به حظه من الطعن والعداء …
ولراقم هذه السطور كتاب حافل في بيان مذهبه والجواب عن آرائه، طبع قديما تحت عنوان «دفاعا عن سليل الأشراف الإمام الحافظ أحمد بن الصديق الغماري»، ذكرت فيه أقواله المنتقدة عليه وأجبت عنها بما أظنه دليلًا له فيها، من غير أن أعتقد كثيرا منها ولا أتبنى مقولاته فيها، كطعنه في بعض الأصحاب ﵁، وفي السادة الأشاعرة، وفي المذهبية، وفي مثل شيخنا أبي العباس أحمد التجاني رض الله عَنْهُ وعنا به آمين، فليس من شيم أهل العلم ولا من خلق الصادقين غمط الحق وإنكار الجميل ولو من أهل الهفوات وأصحاب الزلات … فمعرفة قيمة الرجال والاعتراف بها لا يعني
[ ٢٢ ]
تبني مذاهبهم مطلقا، كما أن مخالفتهم في آرائهم ومناهجهم لا يجوز الطعن فيهم مطلقا، وهذه طريقة المحرومين، وأما أمثل الطرق وأولاها بالاعتبار فهي الاعتدال في الرجال والأخذ من علومهم وعذر زلاتهم …
وهذا مختصر لترجمته ﵀:
هو أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق ينتهي نسبه إلى سيدنا عبد الله الكامل ابن سيدنا الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ.
ولد بطنجة عام ١٣٢٠ هـ ونشأ بها، وبها حفظ القران الكريم والمتون المتداولة وأخذ مبادئ العلوم، وفي سنة/ ١٣٣٩ سافر إلى القاهرة حيث قرأ كتب النحو المتداولة في الأزهر وشرح الباجوري على السلم، وشرح التحرير في الفقه الشافعي ومسند الشافعي، والأدب المفرد للبخاري، على الشيخ محمد إمام بن إبراهيم السقا.
وقرأ على الشيخ محمد بن سالم الشرقاوي - الشهير بالنجدي شيخ الشافعية - «مشكاة المصابيح» و«الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، وقرأ على الشيخ أحمد نصر العدوى المالكي «شرح النووي على مسلم»، وبعض من «سنن أبي داود».
وحضر على الشيخ محمد السملوطي «تفسير البيضاوي» و«موطأ الإمام مالك» وقرأ مختصر الشيخ خليل على الشيخ عبد المقصود عبد الخالق، وقرأ «صحيح البخاري» بكامله، و«الأذكار» للنووي، و«عقود الجمان» في البلاغة، وبعض من «المستدرك» للحاكم، و«المعجم الصغير» للطبراني، وأكثر مسلسلات ابن عقيلة، و«أوائل العجلوني» وغيرها على الشيخ عمر بن حمدان المحرسي وقت وجوده بالقاهرة.
وحضر على شيخ علماء مصر، الشيخ محمد بخيت المطيعي الإسنوي على «المنهاج الأصولي»، وبعضا من «صحيح البخاري» و«شرح الهداية» للمرغناني، كما لازم دروسه في التفسير بالرواق العباسي بالأزهر.
[ ٢٣ ]
وله مشايخ آخرون جاوزوا المائة، ذكرهم مع مقروءاته عليهم في «المعجم الوجيز للمستجيز» و«البحر العميق في مرويات ابن الصديق».
وبعد أن تضلع في العلوم انقطع في منزله واشتغل بالحديث، وشرع في تخريج أحاديث «مسند الشهاب» الذي أسماه «فتح الوهاب بتخريج أحاديث مسند الشهاب».
جهد هذا الحافظ الغماري في هذا الشأن واجتهد، وحرر الرجال وانتقى وانتقد، وكتب بخط يده الشيء الكثير فكان في عادته إذا وقف على جزء ينسخه، وإن لم يستطع وكان جزءا أو كتابا كبيرا، علق لنفسه أحاديثه المسندة كما فعل في كتابه «المؤانسة بالمرفوع من حديث المجالسة» للدينوري، ولم يكن له هم سوى التصنيف والإفادة، وتوغل في ذلك حتى صار حافظا ناقدا.
ومما عرف به الشيخ ﵀ نبذه للتقليد المذموم والتعصب الممقوت، ولذلك وقع في المقلدة وقعة شديدة، ورأى أن الواجب عليه هو الاجتهاد، فقال في أحد مصنفاته: «فلما نظرنا في كتب الخلاف العالية وكشف لنا عن حقائق تلك المذاهب، وأفل تحقيقها في نظرنا صرنا لا نقلد أحدا من خلق الله تعالى لا الشافعي ولا غيره، وإنما ننظر في كتبهم على سبيل النظر في أقوالهم ومعرفة دلائلهم والتفقه منها والتبصر بها، والاهتداء بعلمهم والسير على طريقهم لا على سبيل تقليدهم».
قال شيخنا محمد سعيد ممدوح في «تزيين الألفاظ» (^١): «وهو مستحق للوصف بالحفظ، وقد وصفه بذلك جمع من أعيان شهوده من ذوي الخبرة بالحديث وعلومه، فقد اشتهر بالطلب والأخذ من أفواه الرجال، وكان على معرفة بالجرح والتعديل، وبطبقات الرواة، مع تمييزه لصحيح الحديث من ضعيفه، وكان حفظه للحديث قويا وزاد على ما سبق أمرين:
_________________
(١) ص ١٠٤
[ ٢٤ ]
أولهما: أماليه الحديثية، قال الحافظ الذهبي في «الموقظة» (^١): «وكان الحفاظ يعقدون مجالس الإملاء، وهذا عدم اليوم.» اهـ
وثانيهما: كتابته المستخرجات، فاستخرج على «مسند الشهاب» للقضاعي، وجاء المستخرج في مجلدين ضخمين، ولم يكتف بالاستخراج على المسند فقط، بل يأتي بما في الباب بشرط إيراده مسندا ليكون الكتاب كله على منوال واحد. ووضع مستخرجا على «شمائل الترمذي» فصارت في مجلد ضخم بعد أن كانت في جزء، كما استخرج على ما أسنده السهروردي في «عوارف المعارف». انتهى المنقول من «التزيين».
وكان الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ يدرس «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» بالجامع الكبير بطنجة، فكان يملي ثمانين حديثا بأسانيدها من حفظه بلا تلعثم ولا توقف، ثم إذا فرغ منها يرجع فيبتدئ بالحديث الأول فيتكلم على تخريجه، وذلك بأن يذكر من وافق المصنف على تخريج ذلك الحديث من أصحاب الأمهات والأصول المسندة، ثم يذكرها بألفاظها وطرقها ورواتها معزوة إلى مخرجيها. وهو في ذلك كله يصحح ويحسن ويضعف، ثم ينتقل لرجال الحديث فيتكلم عن تراجمهم واحدا إثر الآخر، فيذكر مواليدهم ونشأتهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم وأحوالهم وسيرهم ووفياتهم، وكانت تراجم هؤلاء جميعا نصب عينيه كأنه عاصر الجميع.
ومصنفات الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ كثيرة حتى وصف بكونه سيوطي عصره، لسيلان قلمه وكثرة مؤلفاته نذكر في هذه العجالة بعضا منها:
فقد كتب ﵀ «إتحاف الحفاظ المهرة بأسانيد الأصول العشرة»، «الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة»، «إرشاد المربعين إلى طرق حديث الأربعين»،
_________________
(١) ص ٦٧.
[ ٢٥ ]
«الاستعاضة بحديث وضوء المستحاضة»، «الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة»، «بيان الحكم المشروع في أن الركعة لا تدرك بالركوع»، «بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين»، «البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل»، «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، «التعريف بما أتى به حامد الفقي في تصحيح الطبقتين خاصة من التصحيف»، «توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار»، «جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار»، «الحسبة على من جوز صلاة الجمعة بلا خطبة»، «حصول التفريج بأصول العزو والتخريج»، «درء الضعف عن حديث من عشق فعف»، «الزواجر المقلقة لمنكري التداوي بالصدقة»، «شوارق الأنوار المنيفة بظهور النواجذ الشريفة»، «صلة الوعاة بالمرويات والرواة»، «طباق الحال الحاضرة بما أخبر به سيد الدنيا والآخرة»، «الطرق المفصلة لحديث أنس في قراءة البسملة»، «عواطف اللطائف بتخريج أحاديث عوارف المعارف»، «العتب الإعلاني لمن وثق صالح الفلاني»، «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي»، «فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب»، «كتاب ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ»، «مجمع فضلاء البشر من أهل القرن الثالث عشر»، «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة»، «مفتاح الترتيب لأحاديث الخطيب»، «المداوى لعلل المناوي»، «المسهم بطرق حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم»، «مغنى النبيه عن المحدث والفقيه»، «المثنوني والبتار»، «هداية الرشد بتخريج أحاديث بداية ابن رشد»، «وشي الإهاب في المستخرج على مسند الشهاب» … وغيرها من المصنفات والمؤلفات النافعة والتي سارت بها الركبان وأفاد منها الخاص والعام.
ومن شهادات العلماء في الشيخ أحمد بن الصديق:
- ما قاله الشيخ تقي الدين الهلالي رَحِمَهُ اللاه تعالى: «ما رأيت مثله حفظا واستظهارا واستدلالا، فقد دخلت مصر والشام والعراق والحجاز والهند والمغرب، فما رأيت مما يشابهه، إلا عالما بالهند يشابهه في الجملة».
[ ٢٦ ]
وكان الهلالي أيضا يرجع في المسائل الحديثية إلى الشيخ ﵀ رغم ما كان بين الرجلين من خصومة بسبب اختلاف المذاهب والآراء، فقد جاء في جريدة الأخبار عدد ١٧٣ بتاريخ ٢٦ شوال ١٣٦٢ هـ هذا السؤال: «سيدي الشريف العلامة إمام المحدثين» الشيخ أحمد بن الصديق، السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته، أما بعد، فبما أنه نشر في جريدة «الأخبار» الغراء جواب الدكتور تقي الدين الهلالي عن حديث المستكرهة على الزنا، بعد إثباته للحديث اعتمادا على تحسين الإمام الترمذي وموافقة ابن قيم له. وتصدى لمناقشته الحساب صاحبا الفضيلة العلامة السيد محمد الزمزمي والعلامة السيد الناصر الكتاني، وأدليا بأن الحديث آنف الذكر ساقط لا يثبت به إشكال، مما يحتاج إلى الجواب، فكتب الدكتور الهلالي بعد ذلك مصرا على تحسين الحديث وثبوته فرارا من تخطئة الترمذي ومن وافقه من أهل الحديث. ومن كلا الجانبين رأينا أن الكل يعترف لكم بالقدم الراسخ، ويحبذ إلقاء حبل الإشكال على جدار مكانتكم السامية في ذلك المضمار، ويرضى بأن تكون حكما فاصلا، رأينا من الأليق أن نرفع لعلو مقامكم الحديثي هذا السؤال، طالبين منكم فصل المقال في المسألة بالأدلة والبراهين، والقواعد الحديثية على طريقتكم المعروفة. ثم إذا كان الحديث ضعيفا فما علته ووجه ضعفه؟ وما الجواب عن تحسين الترمذي له؟ وإن كان ثابتا كما يقوله الترمذي، فما الجواب عن الإشكالات الواقعة في الحديث؟ أفيدونا مأجورين، دام لنا وجودكم لحل المشكلات وفك المعضلات، والسلام عليكم ورحمة الله. اه فأنت ترى هنا بالتصريح اعتماد هؤلاء الأعلام المذكورين، ورجوعهم إلى الحافظ الغماري في حل الإشكالات وفك المعضلات ومنهم الشيخ تقي الدين الهلالي.
وقال في ترجمته الأستاذ ابن الحاج السلمى كما في «إسعاف الطلاب الراغبين» (^١): «فقيه علامة، صاحب مشاركة في كثير من فنون المعارف الإسلامية، وضروب الثقافة العربية الرصينة الأصيلة، إلا أن له تخصصا وتبريزا وتفوقا في حلبة
_________________
(١) ص ٣٨
[ ٢٧ ]
علوم الحديث على طريق الحفاظ الأقدمين، متنا وسندا، ومعرفة تراجم الرواة وطرق الجرح والتعديل، وقد كوّن فيه نفسه بنفسه دون أن يتتلمذ فيه لأحد، وفي مضمار التفسير والأصول والتاريخ العام والخاص». اهـ
وكان الشيخ السقا يتعجب من ذكائه وسرعة فهمه وشدة حرصه على العلم، ويقول له: لابد أن يكون والدك رجلا صالحا للغاية، وهذه بركته، فإن الطلبة لا يصلون إلى حضور الأشموني بحاشية الصبان إلا بعد طلب النحو ست سنين، وقراءة «الآجرومية» و«قطر الندى» وغيرهما، وأنت ارتقيت إليه في مدة ثلاثة أشهر، وكان يذيع هذا بين العلماء.
وقال العلامة السيد محمود سعيد ممدوح في «الشذا الفواح في أخبار سيدي الشيخ عبد الفتاح» (^١)، وهو يتكلم عن جزء «هدية الصغراء» للمترجم له: «وهذا الجزء فيه تحرير جيد، وتبيان مفيد لبعض قواعد الحديث، وشيخنا المترجم رَحِمَهُ اللهُ تعالى - أبو غدة - مع اعترافه بمكانة السيد أحمد بن الصديق العلمية، وكان لا يحلي أحدا من شيوخه بالحفظ إلا السيد أحمد وشقيقه عبد الله فقط، ومع ذلك فالنقول عن السيد أحمد بن الصديق والاستفادة من معرفته وفوائده قليلة - نسبيا - رغم أنه ينقل عن غيره كل خالجة نطق بها أو سطرها في طروسه». اهـ
وقال شقيق الحافظ الغماري العلامة السيد عبد الله في «سبيل التوفيق» (^٢): «أخي أبو الفيض السيد أحمد بن الصديق العلامة الحافظ كان يعرف الحديث معرفة جيدة، وصنف فيه التصانيف العديدة، وانقطع له، فأخرج لنا مصنفات ذكرتنا بالحفاظ المتقدمين، ك «المداوى لعلل الجامع وشرحي المناوي» في ستة مجلدات ضخام، و«هداية الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد» في مجلدين، واستخرج على «مسند الشهاب» وعلى «الشمائل المحمدية»، وكتب أكثر من خمسين جزء حديثيا لا
_________________
(١) ص ٩٠
(٢) ص ٦٢
[ ٢٨ ]
يعرف أن يكتبها أحد في عصرنا، خاصة «فتح الملك العلي بتصحيح باب مدينة العلم علي» و«درء الضعف عن حديث من عشق فعف» وله غير ذلك من المصنفات. اهـ
هذا، وإن سرد أقوال الخصوم والأصدقاء في شهاداتهم وثنائهم على الشيخ ﵀ تحتاج إلى جزء مستقل، لكثرتها وغزارتها، نختمها بهذه الكلمة الصادقة من العلامة الشيخ عبد الرحمان بن محمد الباقر الكتاني، وهو يصف السيد أحمد بن الصديق، قال ﵀ في كتاب «من أعلام المغرب العربي في القرن الرابع عشر» (^١): «لقد أصيب المسلمون عموما والمغاربة خصوصا من ليلة يوم الاثنين ثاني جمادى الثانية عام ١٣٨٠ هـ، بمصيبة عظمى، وكارثة كبرى، انهد لها صرح عظيم من صروح الإسلام، هي فقد شيخنا وشيخ الإسلام والمسلمين، وإمام الحفاظ المجتهدين، والمدافع عن شريعة سيد المرسلين وبقية السلف الصالح المهديين، بطل الوطنية الإسلامية والمدافع عن حقوق الأمة المغربية، أبي الفضل مولانا أحمد بن الصديق الغماري الحسني عليه رضوان الله.
أتعلمون أيها المسلمون من هو الشيخ أحمد بن الصديق؟ إنه شخصية بارزة، اجتمع فيها ما افترق في غيرها من الشخصيات فهو في علم الفقه كالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة النعمان وغيرهم -رضي الله عليهم-.
وفي علم الحديث كالأئمة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحافظ الزيلعي والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وغيرهم.
وفي علم التاريخ كالإمام علي بن المدني والإمام يحيى بن معين الغطفاني والإمام أبي بكر الخطيب البغدادي والإمام أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي والإمام ابن جرير وغيرهم.
_________________
(١) ص ٦٩.
[ ٢٩ ]
وفي علم التصوف كالشيخ الجنيد والشيخ البكري والشيخ الدرقاوي.
وفي علم اللغة والأدب كابن الأثير وابن قتيبة وابن ثابت العوفي وابن عبد ربه.
وفي الوطنية الإسلامية كصلاح الدين الأيوبي والأمير عبد القادر الجزائري وغيرهما. ومن قدّر له أن يقف على مؤلفاته المطبوعة التي دافع فيها عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، يعلم حقيقة ما قلناه، ك «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة لابن أبي زيد القيرواني»، و«المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار»، و«مطالع البدور في بر الوالدين»، و«توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار»، و«إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»، رد فيه على ابن خلدون الذي ينكر أحاديث الإمام المهدي المنتظر، و«إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحظر»، و«تحقيق الآمال في تخريج زكاة الفطر بالمال»، و«مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية» …» وغيرها.
وأما مؤلفاته المخطوطة فهي تدهش كل من وقف عليها، وسأقتصر هنا على ذكر بعضها: «الإسهاب في الاستخراج على مسند الشهاب»، و«الأربعون المتتالية في الأسانيد العالية»، و«الإلمام بطرق المتواتر من حديثه ﵇»، و«البحر العميق في مرويات ابن الصديق». اهـ
[ ٣٠ ]
منهج التحقيق
سرتُ في خدمة هذه الكتب الثلاثة على الطريقة التي ارتضيتها لنفسي ورجحتُ أنها أسلم الطرق لخدمة التراث وأكثرها نجاعة، ولم أتقيد بالمناهج الأكاديمية التي هي محل اجتهاد عند الباحثين وفي كثير منها خلاف شديد كطريقة تخريج الأحاديث، وترجمة كل من ذكر له اسم في الوثيقة المحققة، والتشديد في تخريج الآيات، والتطويل في الحواشي بلا طائل، ولذلك نحوت في إخراج هذا الكتاب على:
- نسخ متنها لتسهيل قراءتها، وفرقت بين كلماتها وعباراتها وفقراتها بعلامات التنقيط المعتبرة، حسب ما ترجح لدي أصحيته.
- وثقتُ الأحاديث النبوية التي خرجها المؤلف فيها.
- خرجت الأحاديث التي علقها المؤلف ولم يذكر مصادرها.
- عرفت ببعض من رأيت ترجمته لازمة تعريفا مختصرا، وأحلت على ما بين يدي من مصادر ترجمته.
- شرحتُ بعض الكلمات التي أرى لزوم تبيين مدلولاتها.
- عزوتُ النقولات التي يوردها المؤلف إلى مظانها مع توثيقها وتصحيح بعضها.
- من لم أقف على ترجمته وما لم أقف على مصدره بينته بقولي «لم أقف عليه» أو «لم أجده» أو «لم أجد له ترجمة»، وشبه ذلك، وهو مؤذن بأن هذا النفي حسب ما توفر لدي ومنتهى ما بلغه جهدي، من غير جزم به، إذ لعل غيري يقف عليه فيما بعد.
- بينت أحيانا مراد المؤلف في بعض كلامه لا شرحا له ولكن لأجل دفع وهم قد يلحقه.
[ ٣١ ]
- شكلت من الكلمات ما يمكن أن يُشكل على القراء حسبما رأيته الأرجح.
- صنعت فهرسا مفصلا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمصادر والمراجع والموضوعات التفصيلية، مما يساعد الباحث على التقاط درره.
- هذا، وأحب أن أشكر الأخ الكريم الباحث الأستاذ محمد سفيان تغليسية الباتني الجزائري الذي تكرم علي بنُسخ هذه الكتب الثلاثة المحققة في هذا المجموع، وقد كنت يئست منها ردحا من الزمن بسبب ضن بعضهم بها وإقبارهم إياها في بيوتهم ومنع الطلاب والعلماء من فرائدها ونفائسها بلا مسوغ، بل كنت أظن أن «مسند الجن» من قبيل المفقود حتى اكتحلت عيني برؤيته بعد سخاء به من هذا الأخ الكريم صاحب القلب السليم، فجزاه الله خيرا على ما تفضل به علي وعلى القراء بهذه الكتب، وقد أكرمني بغيرها من كتب مولانا الحافظ أحمد بن الصديق، مما شمرنا عن ساعد الجد لإخراجه للناس ليستفيدوا منه وليُجزى به مؤلفه ومحققه خير جزاء، فيكتب له ولنا به الصدقة الجارية، فإن إقبار الكتب منع الجريان الصدقة على أصحابها، ويلحق المانع من الإثم بسببها ما لا يخفى.
وأرجو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ورافعا به الدرجات وأن يرحم به المؤلف والمعتني، وأن يستر عوراتنا ويغفر زلاتنا، والحمد لله أولا وأخيرا.
الدكتور: عدنان بن عبد الله زُهار
[ ٣٢ ]