﷽
وصلى الله على سيدنا محمد وآله،
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى،
أما بعد، فقد دلّ الكتاب والسنة والإجماعُ على أن النبيّ ﷺ مُرسَلٌ إلى الجن وأنهم مخاطبون بشريعته مكلفون بأحكامها مثابون ومعاقبون، كما نطق به القرآنُ ونطق بانصرافهم إلى النبي ﷺ وسماعهم القرآن منه، وجاءت السنة باجتماعهم به ﷺ وتلقيهم الأحاديثَ عنه.
وقد رُويت من طريقهم أحاديثُ في القديم والحديث، منها ما رواه المتقدمون ومنها ما رواه المتأخرون من أهل القرن العاشر فما بعده إلى أواخر القرن الثالث عشر، وقد روينا كثيرا من تلك الأحاديث بأسانيدها المتصلة إليهم عن النبي ﷺ، رأينا أن نُفرد لها هذا المسند لا على سبيل الاحتجاج والاعتماد، ولكن على سبيل الرواية والإخبار على طريقة أهل الحديث في نقل كلّ ما رووه بإسناده صحيحا كان أو باطلا، لأنّ مَن نقل الحديث بإسناده فقد بريء من عهدته، مع أن تلك الأحاديث جلها في كتب السنة إلا حديثين أو ثلاثةً فإني لا أعرفها إلا من طريقهم، وقد قدمت قبل المقصود مقدمةً في فوائد تتعلق بالموضوع كالتمهيد والمدخل إليه، فقلت:
مقدمة، فيها فوائد:
الأولى: صحبةُ الجن للنبي ﷺ واجتماعهم به وتلقيهم عنه ثابتة بالسنة الصحيحة
بل وظاهر قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فلما قضي ولوا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾ الآية [سورة الأحقاف، الآية: ٢٩].
[ ٤١ ]
وإن رُوي (^١) عن ابن عباس أنهم استمعوا إلى القرآن منه ﷺ ولم يرهم، لكنّ الأحاديث الكثيرة في اجتماعهم به وأخذهم عنه مشافهةً ورؤيته إياهم تردّ ما قاله ابن عباس ﵁، فقد ورد ذلك من حديث جماعة من الصحابة، منهم: بلال بن الحارث وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن مسعود والزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة وعمر، ومن التابعين مرسلا عن سعيد بن جبير وأبي عبيدة بن مسعود وأبي جعفر الباقر، وغيرهم.
أما حديث بلال بن الحارث، فقال أبو الشيخ بن حيان في كتاب «العظمة» (^٢): حدثنا محمد بن أحمد بن معدان، حدثنا إبراهيم الجوهري، حدثنا عبد الله بن كثير، ثنا كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يُبعد، فأتيته بإدارة من ماء فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا لم أسمع مثليهما، فجاء فقلت: يا رسول الله، قد سمعت عندك خصومة رجال ولغطا ما سمعت أحد من ألسنتهم ولا أرى أشخاصهم؟ فقال: «اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين الجلس، وأسكنت الجن المشركين الغَوْر».؛ قال عبد الله بن كثير: قلتُ لكثير: ما الجَلْسُ وما الغَور؟ قال: الجلسُ القرى والجبال، والغَور ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها الجنوب. قال كثير: وما رأيت أحدا أصيب بالجلس إلا سلم، ولا أصيب بالغور إلا لم يكد يسلم. ورواه أبو نعيم في «دلائل النبوة»، (^٣) قال: حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني،
_________________
(١) روى مسلم في «صحيحه» عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم.
(٢) «العظمة» لأبي الشيخ ٥/ ١٦٨٣.
(٣) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٥٩٧، لكن الذي وجدته في المطبوع من «دلائل النبوة» هو قول أبي نعيم: حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن معدان، ثنا إبراهيم بن سعد الجوهري، به. والذي أورده المؤلف: حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا خالد بن النضر، ثنا إبراهيم بن سعيد به. وأظنه سبق قلم من المؤلف ﵀، لأنه لم يُعرف لخالد بن النضر أبي يزيد القرشي رواية عن إبراهيم بن سعيد الجوهري.
[ ٤٢ ]
حدثنا خالد بن النضر، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا عبد الله بن كثير بن جعفر بن كثير الأنصاري الزرقي، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يُبعد فأتيته بإدارة من ماء، فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا لم أسمع مثلها، فجاء فقال: «بلال؟» فقلت: بلال، قال: «أمَعَك ماء؟» قلت: نعم، قال: «أصبتَ»، وأخذه مني فتوضأ، فقلت: يا رسول الله، سمعت عندك خصومة رجال ولغطا ما سمعت أحد من ألسنتهم، فذكر مثله.
ورواه ابن ماجه (^١) - مختصرا - فاقتصر منه على حديث: «كان إذا ذهب لحاجته أبعد».
وكثير بن عبد الله بن عمرو المزني ضعفوه (^٢)، وقال ابن حبان (^٣): له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.
لكن روى له الترمذي (^٤) حديثَ: «الصلحُ جائز بين المسلمين» ثم صححه، قال الذهبي (^٥): ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. قلتُ: اعتمد على كلام البخاري فيما يظهر، فقد قال في كتاب «العلل» (^٦): قلت لمحمد: حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده في «الساعة التي ترجى في يوم الجمعة» كيف هو؟ قال: حديث حسن، إلا أن أحمد كان يحمل على كثير يُضعفه، وقد روى يحي بن سعيد الأنصاري عنه. اه
_________________
(١) «سنن ابن ماجه» ح ٣٣٦.
(٢) انظر «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي ٧/ ١٨٧، و«ميزان الاعتدال» للذهبي ٣/ ٤٠٧.
(٣) كتاب «المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين» لابن حبان ٢/ ٢٢١.
(٤) في «سننه» ح ١٣٥٢ عن عمرو بن عوف.
(٥) «ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٤٠٧.
(٦) حسبما نقله عنه المزّي في تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٣٩.
[ ٤٣ ]
فلما حسّن البخاري حديثه وحكى أن يحيى بن سعيد الأنصاري روى عنه وقد كان ينتقى الرجال - صحح له الترمذي. لكنّ أهل الحديث مجمعون على ضعفه، وصرح جماعة منهم بكذبه، بل قال الإمام الشافعي (^١): إنه أحد أركان الكذب؛ وكذا قال أبو داود (^٢)، مع أنه روى له في «سننه» (^٣)، وكذلك روى له البخاري في كتاب «القراءة خلف الإمام» (^٤)، ولو كان بهذه المثابة لما خرجوا له في كتب الأحكام التي اتفقوا على أنه لا يجوز إخراج الكذابين فيها، فلا يخلو أن يكون في هذا نوع مبالغة، والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة، ففي «صحيح» (^٥) البخاري عنه، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إدارة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها قال: «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة. قال: «أبغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة»، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيتُ فقلت: ما بال الروث والعظم؟ قال: «هما طعام الجن، وإنه حين أتاني جن نصيبين (^٦) - ونعم الجنّ - فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما».
وأما حديث جابر بن عبد الله، فرواه ابن العربي المعافري بإسناده عنه، قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ نمشي، إذ جاءت حيةً فأَدْنَتْ فاها من أذنه وكأنها تناجيه أو نحو هذا، فقال النبي ﷺ: «نعم»، فانصرفت؛ قال جابر: فسألته، فأخبرني «أنه رجل من الجن وأنه قال: مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة فإن الله جعل لنا في ذلك رزقا».
_________________
(١) كما في «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٢٢٢.
(٢) كما في «تهذيب الكمال» للمزي ٢٤/ ١٣٨.
(٣) حديث ٣٠٦٢ «أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها».
(٤) القراءة خلف الإمام» للبخاري ص ٥٨، حديث «إنكم ما اختلفتم في شيء فحكمه إلى الله وإلى محمد».
(٥) «صحيح البخاري» ح ٣٨٦٠.
(٦) قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٥/ ٢٨٨: «مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام وفيها وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان». اهـ
[ ٤٤ ]
ولجابر حديث آخر في الباب يدل على المقصود أيضا، فروى الترمذي (^١) والحاكم وصححه (^٢) والبيهقي (^٣) من حديثه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن، قرأها من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: «مالي أراكم سكوتا، لقد قرأتُها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فبأي آلآء ربكما تكذبان﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد».
وفي الباب عن ابن عمر نحوه، أخرجه البزار (^٤) في «مسنده» وابن جرير (^٥) وابن مردويه (^٦) في «تفسيريهما».
فصل: وأما ابن مسعود، فله في الباب أحاديثُ لأنه حضر ذلك مع النبي ﷺ عدة مرات في أماكن متعددة، كما أنه روى ذلك عن النبي ﷺ في مرة لم
يكن حاضرا معه:
الحديث الأول: من رواية علقمة عنه، رواه أحمد (^٧) ومسلم (^٨) والترمذي (^٩) من حديث علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبيّ ﷺ ليلة الجن أحدٌ منكم؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذاتَ ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استُطير أو اغتيل (^١٠)، فبتنا بشر ليلة بات بها
_________________
(١) «سنن الترمذي» ح ٣٢٩١.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٥١٥.
(٣) «دلائل النبوة» ٢/ ٢٣٢.
(٤) «مسند البزار» ١٢/ ١٩٠.
(٥) «تفسير ابن جرير» ٢٢/ ٢٣.
(٦) عزاه إليه السيوطي في «الدر المنثور بالتفسير بالمأثور» ٧/ ٦٩٠.
(٧) «المسند» ٧/ ٢١٥.
(٨) «صحيح مسلم» ح ٤٥٠.
(٩) «سنن الترمذي» ح ٣٢٥٨.
(١٠) قال القاضي عياض في «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٣٦٢: «أي طارت به الجن. والغيلة بكسر الغين القتل غيلة وفي خفية». اه
[ ٤٥ ]
قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. قال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، فسألوه الزاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه»، ولفظ الترمذي: «لم يذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم»، قال النبي ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن»، زاد أحمد (^١): وكانوا جنّ الجزيرة.
ورواه أبو داود (^٢) عنه مختصرا قال: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد، إنه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة … الحديث.
قلت: والاختلاف الواقع بين رواية مسلم ورواية الترمذي جمعوا بينه بأن رواية مسلم في حق الجن المؤمنين ورواية الترمذي في حق غيرهم.
قال السهيلي (^٣): وهذا قول صحيح تُعضّده الأحاديث.
قلت: إنما تعضده لو اختلف المخرج وروى كلّ واحد لفظة في قصة غير قصة الآخر، أما مع اتحاد المخرج والقصة فأحد اللفظين وهم ولابد.
الحديث الثاني: من رواية أبي عثمان بن سلمة الخزاعي عنه، قال البيهقي في «دلائل النبوة» (^٤): حدثنا أبو عبد الله الحافظ - يعني الحاكم -، ثنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد البلخي ببغداد من أصل كتابه، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني أبو عثمان بن سلمة (^٥) الخزاعي وكان رجلا من أهل الشام، أنه سمع
_________________
(١) «المسند» ٧/ ٢١٥.
(٢) «سنن أبي داود» ح ٣٩.
(٣) «الروض الأنف» للسهيلي ٤/ ٣١.
(٤) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣٠.
(٥) هكذا في أصل المؤلف وبخطه: (سلمة) وهو سبق قلم، إذ الصواب («سنة»)، وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي الكعبي الدمشقي، روى عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب روى عنه الزهري. كما في «تهذيب
[ ٤٦ ]
عبد الله بن مسعود يقول: إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: «مَن أحبّ منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل، فلم يحضر أحد منهم غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشِيَتْهُ أسودَةٌ كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا فطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، وانطلق فبرز»، ثم أتاني فقال: ما فعل الرهط؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما وروثا فأعطاهم زادا ثم «نهى أن يستطيب أحدٌ بعظم أو روث»، وأخرجه أيضا الحاكم في (المستدرك) (^١) وصححه وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (^٢).
الحديث الثالث: من رواية أبي المعلى، عن ابن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط خطا فقال: «لا تحدثني شيئا حتى آتيك»، ثم قال: لا يُروّعنك ولا يُهولنك شيء تراه، فتقدم شيئا ثم جلس، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط (^٣)، وكانوا كما قال لهم الله تعالى: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ [سورة الجن، الآية: ١٠]، ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون: يا رسول الله إن شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزوّدنا، قال: «لكم الرجيع (^٤)، وما أتيتم عليه من عظم فلكم عليه لحم، وما أتيتم عليه من الروث فهو لكم تمر»، فلما ولوا قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: «هؤلاء جن نصيبين»، أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (^٥).
_________________
(١) التهذيب» لابن حجر ١٢/ ١٦٢، وضبط اسم «سَنّة» في «التقريب» ص ٦٥٧ فقال: «أبو عثمان ابن سنة بفتح المهملة وتشديد النون الخزاعي الدمشقي مقبول من الثانية.» اه.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٥٤٧.
(٣) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٦٦.
(٤) قال الخليل في كتاب «العين» ٧/ ٣٤٧: «الزّط: جيل من السودان». اه
(٥) قال الأنباري في «الزاهر في معاني كلمات الناس ٢/ ٢١٢: الرجيع: يقع على الروث وحَدَثِ الناس كليهما.» اهـ
(٦) لم أجده في النسخة المطبوعة من دلائل النبوة لأبي نعيم، وهو في «المعجم الكبير» للطبراني ١٠/ ٦٦، وإلى أبي نعيم عزاه السيوطي في «الخصائص الكبرى» ١/ ٢٣١.
[ ٤٧ ]
الحديث الرابع: من رواية أبي عبد الله الجدلي، قال أبو نعيم في «دلائل النبوة»: (^١) حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا علي بن الحسين ابن أبي بردة البجلي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن حرب بن صبيح، حدثنا سعيد بن مسلم، عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبد الله بن مسعود قال: «استتبعني رسول الله ﷺ ليلة الجن فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة، فخط علي خطةً وقال: «لا تبرح»، ثم انصاع في الجبال فرأيت الرجال يتحدّرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطت السيف وقلت لأضربن حتى أستنقذ رسول الله ﷺ، ثم ذكرت قوله: «لا تبرح حتى آتيك»، قال: فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجرُ، فجاء النبي ﷺ وأنا قائم فقال: «ما زلت على حالك؟» فقلت: لو مكثت شهرا ما برحت حتى تأتيني، ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: «لو خرجت ما التقيتُ أنا وأنت إلى يوم القيامة»، ثم شبك أصابعه في أصابعي وقال: «إني وُعِدت أن تؤمن بي الجن والإنس، فأما الإنس فقد آمنت، وأما الجن فقد رأيت، وما أظن أجلي إلا قد اقترب»، قلت: يا رسول الله، ألا تستخلفُ أبا بكر؟ فأعرض عني، فرأيت أنه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله، ألا تستخلفُ عمر فأعرض عني، فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف عليا؟ قال: ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلَكُم الجنة أكتعين».
قلت: قوله: «حتى بلغنا أعلى مكة» غلط من بعض رواته، وقد يكون ذلك من يحيى ابن يعلى الأسلمي (^٢)، فقد ضُعف ووُصف حديثه بالاضطراب. فإن قوله
_________________
(١) لم أقف عليه في النسخة المطبوعة من «دلائل النبوة»، لكن هو في «المعجم الكبير» للطبراني ١٠/ ٦٧، وعزاه لأبي نعيم بهذا الإسناد تقي الدين الشبلي في «آكام المرجان في أحكام الجان» ص ٨٣، وابن كثير في «التفسير» ٧/ ٢٩٥، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» ١/ ٢٣١.
(٢) قال الحافظ المزي في «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» ٢٣/ ٢٥ عن يحيى بن يعلى: «قال عَبدِ الله بْن أَحْمَدَ بن الدورقي، عن يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال البُخارِيّ: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. وَقَال أبو أحمد بن عدي: كوفي من شيعتهم» اهـ
[ ٤٨ ]
ﷺ: «وما أظن أجلي إلا قد اقترب»، وقوله: «فأما الإنس فقد آمنت بي» يدل على أن ذلك كان في آخر عمره ﷺ وذلك بالمدينة المنورة، لأنه بمكة لم يكن أسلم من الناس إلا القليل. وأيضا فإن قول ابن مسعود: «ألا تستخلف عليا؟» يدل على ذلك، فإن عليا كان أيام وجوده ﷺ بمكة لا يزال صغيرا.
ويدل على وجود غلط من الراوي في هذه الرواية ورود الحديث نفسه من طريق أخرى ليس فيه ذكر مكة؛ قال أحمد في «مسنده» (^١): حدثنا عبد الرزاق، ثنا أبي، عن ميناء، عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة وفد الجن فتنفس فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود»، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: أبو بكر … الحديث، فلم يذكر فيه مكة. والراوي عن ابن مسعود ميناء (^٢) ضعفوه وبالغوا فيه على عادتهم في المتشيّعة، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٣)، بل قال الحاكم (^٤): إن له صحبة ورؤية.
الحديث الخامس: من رواية عُلي بن رباح عنه، قال البيهقي: في «دلائل النبوة» (^٥): حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة، قالا: أنا محمد بن (^٦) يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، ثنا روح بن صلاح، ثنا موسى بن علي ابن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني رسول الله
_________________
(١) «المسند» ٧/ ٣٢٢.
(٢) ميناء بن أبى ميناء القرشي الزهرى الخراز، مولى عبد الرحمن بن عوف، قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٣٩٧: «قال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة، وكذا قال النسائي، وقال الجوزجاني: أنكر الأئمة حديثه لسوء مذهبه، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: منكر الحديث روى أحاديث مناكير في الصحابة لا يعبأ بحديثه كان يكذب، وقال الترمذي: روى مناكير، وقال العقيلي: روى عنه همام بن ناقع أحاديث مناكير لا يتابع منها على شيء، وقال ابن عدي: وتبين على أحاديثه أنه يغلو في التشيع.» اه
(٣) «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٥٥.
(٤) قال الحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٧٤: «وميناء مولى عبد الرحمن بن عوف قد أدرك النبي ﷺ وسمع منه، والله أعلم»، واستغربه الحافظ ابن حجر في «التهذيب» ١٠/ ٣٩٧.
(٥) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣١.
(٦) هكذا بخط المؤلف، وأظنه سبقُ قلم، وإنما هو أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، كما هو في النسخة المحققة من «دلائل النبوة» للبيهقي، وكذلك هو في «تفسير ابن كثير» ٧/ ٢٩٣،
[ ٤٩ ]
ﷺ فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر بني أخوة وبني عم يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن»، فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطا وأجلسني فقال: «لا تخرج من هذا»، فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحُمَمَةٌ (^١)، فقال: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء»، قال: فلما أصبحتُ قلت: لأَعلَمنّ عِلمي حيث كان رسول الله ﷺ؛ قال: فذهبتُ فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا؛ وأخرجه أيضا أبو نعيم في «دلائل النبوة» (^٢).
الحديث السادس: من رواية أبي الجوزاء عنه، قال عباس الدوري: حدثنا عثمان بن عمر، عن مُستمّر بن الرّيان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن مسعود قال: انطلقت مع النبي ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون (^٣) فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد لهم - يقال له وردان -: إني أنا أرتلهم عنك، فقال: «إني لن يُجيرني من الله أحد» وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (^٤).
الحديث السابع: من رواية عمرو بن غيلان الثقفيعنه، قال أبو نعيم في «الدلائل» (^٥): حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبدة المصيصي، ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا معاوية ابن سلام، عن زيد بن سلام، عن زيد بن أسلم (^٦)، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني
_________________
(١) قال الخليل في كتاب (العين) ٣/ ٣٤: «والحمم أيضًا: الفَحْم البارد، الواحدة حُمَمة». اه
(٢) ليس في النسخة المطبوعة منه.
(٣) قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٢/ ٢٢٥: «جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها، وقال السكري: مكان من البيت على ميل ونصف.» اه
(٤) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣١.
(٥) لم أجده في النسخة المحققة من «دلائل النبوة» لأبي نعيم، وذكره بسنده الشبلي في «آكام المرجان» ص ٧٧.
(٦) كذا بخط المؤلف- ﵀، وفي النفس منه شيء لأسباب: الأول: أن زيد بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي من الطبقة السادسة يروي مباشرة عن جده أبي سلام الثاني: أنه لا يعرف لزيد بن سلام رواية عن زيد بن أسلم، الثالث: أنه لا يمكن أن يروي زيد بن سلام عن زيد بن أسلم سواء القرشي العدوي من الطبقة الثالثة، فضلا عن زيد بن أسلم العمري مولاهم الرابع: أنه غير مذكور في الطبعة المحققة من «آكام المرجان» ص ٧٧. فأظنه سبق قلم من المؤلف -رحمة الله-.
[ ٥٠ ]
من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيتُ عبد الله بن مسعود فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ فقال: أجل، فقلت: حدثني كيف كان شأنه، فقال: إن أهل الصفة أخذ كلّ رجل منهم رجلا يُعشّيه وتركت فلم يأخذني أحد، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا ابن مسعود، فقال: «ما أخذك أحد يعشيك؟»، فقلت: لا، قال: «فانطلق لعلي أجد لك شيئا»، قال: فانطلقنا حتى أتى حجرة أم سلمة، فتركني رسول الله ﷺ قائما ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية، فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك، فرجعت إلى المسجد فجمعت حصا المسجد فتوسدته والتفتُ بثوبي، فلم ألبث قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: عبد الله بن مسعود، أجب رسول الله ﷺ، فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب من نخل فرض (^١) به على صدري فقال: «أتنطلق معي حيث انطلقت؟» قلت: ما شاء الله، فأعادها علي ثلاث مرات كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط بعصاه خطة ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك»، فانطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثلَيْ العجاجة السوداء ففرقتُ فقلت: أَلْحَقُ برسول الله ﷺ فإني أظن هؤلاء هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعُهم بعصاه ويقول: «اجلسوا» فجلسوا، حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: «أَنِمْت بعدي؟» قلتُ: لا والله، ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيتُ أن آتي البيوت فأستغيث حيث سمعت تقرعهم بعصاك، وكنت أظن هوازن مكروا برسول الله
_________________
(١) قال الخليل في «العين» ٨/ ٧: «الرضُ: دقك الشيء». اهـ
[ ٥١ ]
ﷺ ليقتلوه، قال: «لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنتُ عليك أن يخطفك بعضهم، فهل رأيتَ من شيء؟» قلت: رأيت رجالا سودا مستدفرين عليهم ثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك وفد جن نصيبين …» الحديث، وأخرجه أيضا ابن جرير (^١).
الحديث الثامن: من رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث، قال أحمد: حدثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبو عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ بمكة وهو في نفر من أصحابه إذ قال: ليَقُم منكم معي رجلان، ولا يقُومن معي رجل في قلبه من الغش مثقال ذرة، قال: فقمت معه وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء، فخرجت مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودَةً مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله ﷺ خطا ثم قال: «قم هنا حتى آتيك»، قال: فقمت ومضى رسول الله ﷺ فرأيتهم يثورون إليه، قال: فسمر معهم رسول الله ﷺ ليلا طويلا حتى جاءني مع الفجر فقال: «مازلت قائما يا ابن مسعود؟»، قال: قلت: يا رسول الله، أو لم تقُل قُم حتى آتيك؟ قال: ثم قال لي: «هل معك من وضوء؟»، قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ، فقال رسول الله ﷺ: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: ثم توضأ منها، فلما قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول الله إنا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، قال: فصفهما رسول الله ﷺ خلفَه، ثم صلى بنا، فلما انصرف، قلت له: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: «هؤلاء جن نصيبين، جاءوا يختصمون إلي في أمور كانت بينهم» … الحديث
_________________
(١) «تفسير ابن جرير» ١٦٧/ ٢١.
[ ٥٢ ]
قلت: ذكرُ النبيذ فيه منكرٌ عند الحفاظ لضعف أبي زيد (^١) وجهالته، قال ابن عبد البر (^٢): اتفقوا على أن أبا زيد مجهول وحديثه منكَرٌ، وقال البخاري (^٣): لا يصح حديثه، وقال أبو داود (^٤): كان أبو زيد نباذا بالكوفة.
قال ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (^٥): ورُوّيناه من حديث الثوري وإسرائيل وشريك والجراح بن مليح وأبي عميس، كلهم عن أبي فزارة، وغير طريق أبي فزارة عن أبي زيد لهذا الحديث أقوى منها للجهالة الواقعة في أبي زيد، ولكن أصل الحديث مشهور عن ابن مسعود من طرق حسان متظافرة، ثم يشهد بعضها لبعض ويشد بعضها بعضا، ولم يتفرد طريق أبي زيد إلا بما فيها من التوضؤ بنبيذ الثمر. اهـ.
قلت: وقد رُوي هذا الحديث عن ابن مسعود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود وغيرهما.
فصل: وأما حديث الزبير، فقال الطبراني (^٦): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبي، ثنا بقية بن الوليد، حدثنا نمير بن يزيد القيني، حدثنا أبي، ثنا قحافة بن ربيعة، قال: حدثنا الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ صَلاةَ الصبح في مسجد النبي ﷺ فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة»، فأسكت القومُ فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فمرّ بي يمشي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى غُيبت عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز، فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستدفرين ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم
_________________
(١) أبو زيد القرشى المخزومي الكوفي، وقيل أبو زائد، وقيل أبو زايد أو أبو زيد (بالشك)، مولى عمرو بن حريث، انظر «ميزان الاعتدال» ٤/ ٥٢٦.
(٢) في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ٦٠، وعزاه إليه الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» خلال ترجمة أبي زيد ١٢/ ١٠٣.
(٣) كما في «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي ٩/ ١٩٠.
(٤) كما في «تهذيب الكمال» للمزي ٣٣/ ٣٣٢.
(٥) «عيون الأثر» لابن سيد الناس ١/ ١٥٩.
(٦) «المعجم الكبير» للطبراني ١/ ١٢٥.
[ ٥٣ ]
غَشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكنى رجلاي من الفَرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض خطا، وقال لي: «أقعد في وسطه»، فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم، فتلا قرآنا وبقوا حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى قرب فقال لي: «الْحَقّ»، فجعلتُ أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: «التفت وانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد»، فقلت: يا رسول الله أرى سوادا كثيرا، فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظم عظما بروثة ثم رمى بها إليهم … الحديث.
قلتُ: كذا قال عبد الوهاب بن نجدة: عن بقية، ورواه محمد بن وهب بن عطية الدمشقي، عن بقية فقال: عن نمير، عن قحافة، عن أبيه، عن الزبير؛ وقحافة ذكره الذهبي في (الميزان) وقال (^١): لا يُعرف، تفرد عنه نمير القيني. اهلكن ذكره الحافظ في «التهذيب» (^٢) وقال: ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٣) والراوي عنه نمير ذكره الذهبي فيه أيضا (^٤)، ونقل عن الأزدي أنه ليس بشيء، قال الذهبي (^٥): تفرد عنه بقية. قلتُ: كذا قال، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٦) وقال: روى عنه بقية وأهل الشام.
وأما حديث حاطب بن أبي بلتعة، فقال ابن أبي الدنيا في كتاب «الهواتف» (^٧): حدثنا محمد بن عباد، حدثني محمد بن زياد، حدثني أبو مصلح (^٨) الأسدي، حدثني يحيى بن صالح، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن حذيفة بن غانم العدوي، قال خرج حاطب بن أبي بلتعة من حائط يقال له قران، يريد النبي ﷺ حتى
_________________
(١) (ميزان الاعتدال) للذهبي ٣/ ٣٨٥.
(٢) (تهذيب التهذيب) للحافظ ٨/ ٣٦٣.
(٣) (الثقات) لابن حبان ٥/ ٥٢٣.
(٤) (ميزان الاعتدال) ٤/ ٢٧٣.
(٥) (ميزان الاعتدال) ٤/ ٢٧٣.
(٦) (الثقات) لابن حبان ٥/ ٥٢٣.
(٧) (الهواتف) لابن أبي الدنيا ص ٧١.
(٨) في النسخة المحققة من كتاب (الهواتف): أبو مصبح بالباء.
[ ٥٤ ]
إذا كان بالسحاء التفت عليه عجاجتان ثم انجلتا عن حيته لين الجوارن - يعني الجلد - فنزل ففحص له بسية قوسه ثم واراه، فلما كان الليل إذا هاتف يهتف به:
يَا أيها الراكب المرقي مطيته … أَرْبِعْ عَلَيْكَ سَلَامُ الْوَاحِدِ الصمد
وَارَيْتَ عَمْرًا وَقَدْ أَلْقَى كَلَاكِلَهُ … دُونَ الْعَشِيرَةِ كالضر غامة الْأَسَدِ
وَأَشْجَعٌ خَادِرٌ فِي الْخِيسِ مَنْزِلُهُ … وَفِي الحياء مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي الْخُرُدِ
فأتى النبيّ ﷺ فأخبره فقال: «ذاك عمرو بن الحومانة وافد نصيبين الشامية، لقيه محصنُ بن جَوشن النصراني فقتله … الحديث».
وأما حديث عمر، فهو في قصة قدوم هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس على رسول الله ﷺ في بعض جبال تهامة وإيمانه به، أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (^١) وأبو نعيم (^٢) والبيهقي (^٣) في «الدلائل» وغيرهم. وقال الحفاظ: إنه منكر موضوع (^٤)؛ لكن قال الحافظ السيوطي في «لقط المرجان» (^٥): إن قصته وردت أيضا من حديث أنس عند عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والعقيلي (^٦) والشيرازي في «الألقاب» وأبي نعيم وابن مردويه؛ ومن حديث ابن عباس عند الفاكهي في كتاب «مكة» (^٧)، وله عدة طرق يبلغ بها درجة الحسن. قال: وأخرج أبو علي بن الأشعث في كتاب «السنن»، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن هامة بن هيم بن لاقيس في الجنة».
قلت: بعيد أن يكون حديث هامة حسنا، ولعلنا نعود إلى الكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ١/ ٩٨.
(٢) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٧٠.
(٣) «دلائل النبوة» للبيهقي ٥/ ٤١٨.
(٤) ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٤٩٨ وقال: «رَوَاهُ الْعُقَيْلِيّ عَن ابْن عمر مرفوعًا، وهو موضوع، وفي إسناده: إسحاق ابن بشر الكاهلي: وضاع بالاتفاق. وقال العقيلي: ليس للحديث أصل. وقال في الميزان: هو باطل.» اه
(٥) «لقط المرجان في أحكام الجان» للسيوطي ص ٥٧.
(٦) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ٤/ ٩٦.
(٧) «أخبار مكة» للفاكهي ٣/ ٣٨٧.
[ ٥٥ ]
مسند الجن وأما مرسل سعيد بن جبير، فرواه سفيان الثوري في «تفسيره»، عن إسماعيل البجلي، عنه، في قوله تعالى ﴿وَأَنّ المساجد لله فَلَا تَدْعُوا مَعَ الله أحدا﴾، قال: قالت الجن للنبي ﷺ: كيف لنا بمسجدك أن نشهد الصلاة معك ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت.
وأما مرسل أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، فروى البيهقي (^١) عن أبي المليح الهذلي، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود يسأله: أين قرأ رسول الله ﷺ على الجن؟ فكتب إليه: أنه قرأ عليهم بشعب يقال له الحَجُون.
وروى ابن عبد البر (^٢) من طريق أبي داود، حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي عبيدة بن عبد الله، قال: لما كانت ليلة الجن أَتَيَت النبيّ ﷺ سَمُرَةٌ (^٣) فَآذنته بهم فخرج إليهم.
وقال أبو داود أيضا (^٤): حدثنا هارون بن معروف، ثنا سفيان، عن مسعر، عن عمرو ابن مرة، عن أبي عبيدة، أن مسروقا قال له: أبوك أخبرنا أن شجرة أنذرت النبي ﷺ بالجن. قلت: وأصل هذا في «صحيح» (^٥) البخاري.
وأما مرسل أبي جعفر، فأخرجه الواقدي (^٦) وأبو نعيم في «الدلائل» (^٧) عنه، قال قَدِم على النبي ﷺ الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة.
وفي الباب آثار أخرى أعرضنا عن ذكرها اختصارا.
فهذه أحاديثُ مُصرّحةٌ باجتماعهم بالنبي ﷺ ورؤيته إياهم، وأن منهم صحابة، ولهم سماع من النبي ﷺ خلاف ما نُقل عن ابن عباس، وقد ورد
_________________
(١) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣٣.
(٢) «الدرر في اختصار المغازي والسير» لابن عبد البر ص ٦١.
(٣) قال الخليل في «العين» ٧/ ٢٥٥: «والسمر: ضرب من شجر الطلح، الواحدة سمرة» اه
(٤) كما في «الدرر» لابن عبد البر ص ٦١.
(٥) «صحيح البخاري» ح ٣٨٥٩.
(٦) كما أسنده من طريقه «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٤٦.
(٧) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٤٦.
[ ٥٦ ]
في آثار كثيرة إخبارهم عن بعضهم بأنه من الصحابة كما سيأتي بعض ذلك مما فيه روايته.
وقال ابن أبي الدنيا في «الهواتف»: (^١) حدثنا محمد بن عباد بن موسى العُكلي، ثنا مطلب ابن زياد الثقفي، ثنا أبو إسحاق أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ كانوا في سفر لهم وأن حيتين اقتتلتا، فقتلت إحداهما الأخرى، فعجبوا من طيب ريحها وحسنها، فقام بعضُهم فلفّها في خِرقةٍ ثم دفنها، فإذا قوم يقولون: السلام عليكم [السلام عليكم] (^٢) - لا يرونهم - إنكم دفنتُم عمرا، إن مسلمينا وكفارنا اقتتلوا فقُتل المسلم الذي دفنتُم وهو من الرهط الذين أسلموا مع النبي ﷺ.
ورواه ابن سلام (^٣) من طريق أبي إسحاق السبيعي أيضا، فقال: عن أشياخه، عن ابن مسعود، أنه كان في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يمشون فرفع لهم إعصار - أي ريح ترتفع بتراب -، ثم جاء إعصار أعظم منه ثم انقشع فإذا حية قتيلة، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها؛ فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان أيكم دفن عمرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر، فقالتا: إن كنتم ابتغيتُم الأجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو وهو الحية التي رأيتم، وهو من الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين.
وقال ابن أبي الدنيا: (^٤) حدثنا الحسن بن جهور، (^٥) حدثني ابن أبي إلياس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن معاذ بن عبد الله بن معمر، قال: كنت
_________________
(١) «الهواتف» لابن أبي الدنيا ص ٤٦.
(٢) هكذا كرّرت بخط المؤلف وليس كذلك في النسخة المحققة من «الهواتف». لذا وضعتها بين معقوفتين.
(٣) عزاه لابن سلام كل من القرطبي في «تفسيره» ١٦/ ٢١٤، والشبلي في «آكام المرجان» ص ٧٢، وأسنده ابن زمنين من طريق يحيى بن سلام، عن الصلت بن دينار، عن حبيب بن أبي فضالة، عن عوف بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود به.
(٤) «الهواتف» ص ١٢٧.
(٥) وفي بعض النسخ «الحسن بن جمهور».
[ ٥٧ ]
جالسا عند عثمان بن عفان، فجاء رجل فقال: ألا أخبرك يا أمير المؤمنين عجبا، بينا أنا بفلاة كذا وكذا إذا إعصاران قد أقبلا، أحدهما من هاهنا والآخر من هاهنا، فالتقيا فتعاركا ثم تفرقا، وإذا أحدهما أكبر من الآخر فجئت معتركهما، فإذا من الحيات شيء ما رأت عيناي مثله قط كثرةً، وإذا ريح المسك من بعضها، وإذا حية رقيقة صفراء ميتة، فقمت فقلبت الحيات كيما أنظر من أيّها هو، فإذا ذلك من حية صفراء دقيقة فظننت أن ذلك لخير فيها، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينما أنا أمشي فناداني منادٍ ولا أراه، فقال: يا عبد الله، ما هذا الذي صنعت؟ فأخبرته بالذي رأيت ووجدت، فقال: إنك قد هديت ذانك حيان من الجن بنو الشيطان وبنو قيس، التقوا فاقتتلوا، فكان بينهم من القتلى ما قد رأيتَ واستُشهد الذي دفنت، وكان أحد الذين سمعوا الوحي من النبي ﷺ.
ورواه أبو نعيم (^١) من طريق الليث بن سعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به مثله.
وقال ابن أبي الدنيا (^٢) أيضا: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا بشر بن الوليد الكندي، ثنا كثير بن عبد الله أبو هاشم الناجي، قال: دخلنا على أبي رجاء العطاردي، فسألناه: هل عندك علم من الجن ممن بايع النبي ﷺ؟ فتبسم وقال: أخبركم بالذي رأيت وبالذي سمعت كنا في سفر حتى إذا نزلنا على الماء وضربنا أخبيتنا وذهبتُ أقيل، فإذا أنا بحية دخلت الخباء وهي تضطرب، فعمدت إلى إداوتي فنضحتُ عليها من الماء فسكنتْ، حتى أذن مؤذن بالرحيل، فقلت لأصحابي: انتظروني أعلم حال هذه الحية إلى ما تصير، فلما صلينا العصر ماتت، فعمدت إلى عيبتي، فأخرجت منها خرقة بيضاء فلففتها وحفرت لها ودفنتها، وسرنا بقية يومنا وليلتنا، حتى إذا أصبحنا
_________________
(١) كذا قال الشبلي في «آكام المرجان» ص ٧٣: الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، والذي في النسخة المحققة من «دلائل النبوة» لأبي نعيم، عبد الله بن صالح عنه.
(٢) «الهواتف» ص ٢٧
[ ٥٨ ]
ونزلنا على الماء وضربنا أخبيتنا وذهبتُ أقيل، وإذا أنا بصوت: سلام عليكم - مرتين - لا واحد ولا عشرة ولا مائة ولا ألف أكثر من ذلك، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن الجن بارك الله عليك فيما اصطنعت إلينا، ما نستطيع أن نجازيك؛ قلت: ما اصطنعت إليكم؟ قالوا: إن الحية التي ماتت عندك كان ذلك آخر من بقي ممن بايع النبي ﷺ من الجن.
ورواه أبو نعيم (^١) عن أبي الشيخ قال: أنبأنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار، ثنا بشر ابن الوليد الكندي به.
فصل:
الفائدة الثانية: قال الحافظ العراقي (^٢) في نكته على ابن الصلاح في تعريف الصحابي:
وأما كون رؤيته ﷺ في عالم الشهادة فالظاهر اشتراطه أيضا، حتى لا يُطلق اسم الصحبة على من رآه من الملائكة والنبيئين في السماوات ليلة الإسراء. أما الملائكة فلم يذكرهم أحد في الصحابة، وقد استشكل ابن الأثير في كتاب «أسد الغابة» (^٣) ذكر من ذكر منهم بعض الجن الذين آمنوا بالنبي ﷺ، وذُكرت أسماؤهم، فإن جبريل وغيره ممن رآه من الملائكة أولى بالذكر من هؤلاء؛ وليس كما زعم، لأن الجن من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة والبعثة، فكان ذكر من عُرف اسمه ممن رآه حسنا بخلاف الملائكة، والله أعلم.
وقال الحافظ السخاوي في «فتح المغيث» (^٤): وكذا يدخل فيهم من رآه وآمن به من الجن، لأنه ﷺ بُعث إليهم قطعا وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون،
_________________
(١) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٦٠.
(٢) «التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح» للعراقي ص ٢٩٥.
(٣) «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير ٣/ ٧٠٦، خلال ترجمة عمرو الجني، وعبارته: «وقَالَ عثمان بن صالح المصْرِيّ: رَأَيْت عَمْرو بن طارق الجني، فقلت: هَلْ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَالَ: نعم، وبايعته، وأسلمت وصليت خلفه الصبح، وقرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين. أخرجه أبو موسى، فاقتدينا به، وتركه أولى، ومن العجب أنهم يذكرون الجن في الصحابة، ولا يصح باسم أحد منهم نقل، ولا يذكرون جبريل وميكائيل وغيرهما من الملائكة، الذين وردت أسماؤهم، ولا شبهة فيهم». اه
(٤) «فتح المغيث شرح ألفية الحديث» للسخاوي ٤/ ٨١.
[ ٥٩ ]
ولذا قال ابن حزم في «الأقضية» من «المحلى» (^١): قد أَعلمنا الله أن نفرًا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ﷺ فيهم صحابة فضلاء. وحينئذ يتعين ذكرُ من عُرف منهم في الصحابة، ولا التفات لإنكار ابن الأثير على أبي موسى المديني تخريجه في الصحابة لبعض من عرفه منهم، فإنه لم يستند فيه إلى حجة. اه
وقال اللكنوي في «ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» (^٢): الثامنة: بإطلاق، مسلم، يدخل في التعريف الجني الذي أسلم، فإنه ﷺ بُعث إلى الجن أيضا، وهم مكلفون بأحكام الشريعة كالإنس، كما شهدت به آيات القرآن والأخبار النبوية، وحينئذ يتعين ذكرُ من عُرف منهم في الصحابة كما فعله الحافظ ابن حجر وغيره. ولا التفات إلى إنكار ابن الأثير على أبي موسى المديني تخريجه في كتاب الصحابة لبعض من عُرف من الجن فإنه لم يستند فيه إلى حجة، كذا قال ابن حزم. اهـ
قلتُ: هذا وهَمٌ غريب من اللكنوي ﵀ تعالى، فإن ابن حزم كان قبل ابنِ الأثير ومات قبل ولادته بنحو قرن تقريبا (^٣). والصواب أن ذلك من كلام السخاوي كما تقدم.
وقد تعرض قوم لبيان عددهم وأسمائهم، فقال ابن إسحاق (^٤): كانوا سبعة، ولعل مستنده في ذلك قولُ مجاهد، فإن ابن أبي حاتم (^٥) نقل عنه أنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل حزان، وأربعة من أهل نصيبين.
وروى الثوري، عن عاصم، عن زر (^٦)، أنهم كانوا تسعة، بتقديم التاء.
_________________
(١) «المحلى بالآثار» لابن حزم ٨/ ٤٣٢.
(٢) «ظفر الأماني في شرح مختصر الشريف الجرجاني» للكنوي ص ٥٣١.
(٣) توفي ابن حزم عام ٤٥٦ هـ، وولد ابن الأثير عام ٥٤٤ هـ، أي بين ولادته ووفاة ابن حزم ثمان وثمانون سنة (٨٨).
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» ٢/ ٤٩.
(٥) «تفسير ابن أبي حاتم» ١٠/ ٣٢٩٧.
(٦) عزاه ابن كثير في «تفسيره» ٧/ ٢٩٠/ لأبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة،
[ ٦٠ ]
وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا (^١)، وهذا في الذين ذكر الله تعالى أنهم انصرفوا إلى النبي ﷺ للسماع منه.
قال السهيلي: (^٢) وقد ذُكروا بأسمائهم في التفاسير والمسندات وهم: شاصر وماصر ومنشئ وماشي والأحْقَب، وهؤلاء الخمسة ذكرهم ابن دريد.
ثم أسند السهيلي (^٣) الحديث الذي فيه ذكر اسم واحد منهم ب «سرق».
وسيأتي في الأحاديث المروية في فضل عمر بن العزيز، وتقدم ذكر عمرو بن جابر وعمرو بن الجومانة - بالجيم - أو الحومانة - بالحاء المهملة ..
وروى أبو نعيم، (^٤) عن ابن إسحاق قال: وأسماؤهم فيما ذُكر لي: حسا ومسا وشاصر وماصر وابنا الأزب وأبين وأخصم.
وروى البيهقي، (^٥) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان بن (^٦) عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: هَبَطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوا قالوا: أنصتوا، قالوا: صه؛ وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة.
قلتُ: هذا في بطن نخلة ثم وقع اجتماع كثيرين منهم مراتٍ أخرى كما سبق.
فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قال: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله عزوجل: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فلما قضي ولوا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾ إِلَى: ﴿ضَلَالٍ مبين﴾.
_________________
(١) رواه عنه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ١٠/ ٣٢٩٦.
(٢) «الروض الأنف» للسهيلي ٢/ ١٩٧.
(٣) «الروض الأنف» للسهيلي ٢/ ١٩٧.
(٤) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٣٦٣.
(٥) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٢٨.
(٦) هكذا بخط المؤلف ﵀، وهو سبق وفلتة قلم، والصواب: حدثنا سفيان وهو الثوري، كما بينه المؤلف نفسه قبل فقرتين، عن عاصم، عن زِرّ، به. وهو هكذا في «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٢٨.
[ ٦١ ]
وقد روى أبو نعيم (^١) والبيهقي (^٢) عن ابن مسعود نفسه قال: استتبعني رسولُ الله -صلى الله عليه- وسلم فقال: إن نفرا من الجن، خمسة عشر بني أخوة وبني عم يأتوني الليلة
فأقرأ عليهم القرآن … الحديث، وقد سبق.
وروى البيهقي (^٣) عن ابن مسعود أيضا قال: انطلقتُ مع النبي ﷺ ليلةَ الجن، حتى أتى الْحَجونَ فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان … الحديث، وقد سبق، فهذا اسم آخر.
وسبق أيضا حديثُ (^٤) هامة بن هيم بن لاقيس.
وروى الطبراني (^٥) وابن عساكر (^٦) وغيرهما من حديث خُريم بن فانك قال: خرجت في طلب إبل لي، وكنا إذا نزلنا بوادٍ قلنا: نعوذ بعزيز هذا الوادي، فتوسدت ناقلة، أعوذ بعزيز هذا الوادي، فإذا هاتف يهتف ويقول:
ويحك عذ بالله ذي الجلال … منزل الحرام والحلال
ووحد الله ولا تبالي … ما كيد ذي الجن من الأهوال
إذ تذكر الله على الأميال … وفي سهول الأرض والجبال
وصار كيد الجن في سفال … إلا التقى وصالح الأعمال
فقلت له:
يا أيها القائلُ ما تقول … أرشد عندك أم تضليل
فقال:
هذا رسول الله ذو الخيرات … جاء بياسين وحاميمات
_________________
(١) لم أجده في النسخة المطبوعة من «دلائل النبوة» للبيهقي.
(٢) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣١.
(٣) «دلائل النبوة» للبيهقي ٢/ ٢٣١.
(٤) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ١/ ٩٨.
(٥) «المعجم الكبير» للطبراني ٤/ ٢١٠ - ٢١١.
(٦) «تاريخ دمشق» لابن عساكر ١٦/ ٣٥٠.
[ ٦٢ ]
وسور بعد مفصلات … محرمات ومحللات
يأمر بالصلاة والزكاة … ويزجر الأقوام عن هنات
قد كن في الأنام منكرات
قلت له: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن مالك الجني، بعثني رسول الله ﷺ على جن نجد. قلت: أما لو كان لي من يَردّ إبلي هذه إلى أهلي، لأتيتُه حتى أُسلم. قال: فأنا أوديها إلى أهلك سالمةً فركبت بعيرا منها، ثم قدمت المدينة، فإذا النبي ﷺ على المنبر، فلما رآني قال: «ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يرد إبلك إلى أهلك سالمة؟ أما إنه قد أداها إلى أهلك سالمة». فهذا أيضا اسم آخر.
وقد ذكر الحافظ في «الإصابة» جماعةً منهم لا أستحضر الآن أسماءهم (^١).
أما أسماء الجنّ الذين روى عنهم المتأخرونَ حسبما بلغنا، فشمهروش ونقدر اسمه عبد الرحمن، ومنهم عبد المؤمن، وميمون، وعبد الله، وعبد الوهاب الجزري، والقاضي مهنية، وغنام، كما سيأتي. وكثير منهم يروي عنهم بدون تعيين أسمائهم.
فصل:
الفائدة الثالثة: في إثبات رؤية الإنس لهم والاجتماع بهم والأخذ عنهم
فقد أنكر المعتزلة ذلك لغير الأنبياء أو في غير زمانهم، ونُقل عن الإمام الشافعي ذلك أيضا، وقال به كثير من مُقلّديه، قال ابن عساكر في كتاب «سبب الزهادة في الشهادة» (^١): وممن تُردّ شهادته ولا تُسلم له عدالته من يزعم أنه يرى الجن عيانا ويدعي أن له منهم سماعا، كتب إلي أبو علي الحسن بن أحمد الحداد- من أصبهان-، قال: أخبرني أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن التسترى، ثنا يحي بن أيوب العلاف، سمعت بعض أصحابنا- قال التستري: أظنه حرملة-: سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقول الله تعالى في كتابه
_________________
(١) عزاه إليه الشبلي في «آكام المرجان» ص ٤٢.
[ ٦٣ ]
الكريم ﴿إنه يراكم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا ترونهم﴾، وأنبأني محمد بن الفضل الفقيه، عن أحمد بن الحسين الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا الحسن ابن رشيق - إجازة - قال: أنا عبد الرحمن بن أحمد الهروي، سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجنّ أبطلت شهادته، لأن الله تعالى يقول ﴿إنه يراكم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا ترونهم﴾، إلا أن يكون نبيا. وهكذا هو عند البيهقي في كتب فقه الشافعية (^١).
وهو غريب جدا ولاسيما من الإمام الشافعي ﵁، فإنه مخالف للثابت في السنة ومصادِمٌ للمحسوس (^٢)، بل هو من قبيل إنكار البديهيات (^٣)، فإن رؤية الإنس للجن بديهي الثبوت ضروري العلم لا يختلف فيه اثنان، إذ الوقائع بذلك تخرج عن دائرة إمكان الحصر، بل لو ادعى مدع أن ثلث العالم أو ربعه في كل زمان يقع له ذلك لما أبعد. والآية خارجة مخرج الإخبار عن الأصل والطبيعة التي خلقهم الله عليها كما هو الواقع، وذلك لا ينافي ظهورهم في بعض الأحيان لبعض الناس وعلى سبيل الندرة لهم أيضا، فإن كثيرا ممن يراهم قد يقع له ذلك مرة واحدة في عمره أو مرتين، وقليل من يكثر رؤيته إياهم.
وقد يكون المراد من الآية: لا ترونهم على أصل خلقتهم التي خُلقوا عليها، وهم لا يُرون على خلقتهم، وإنما يُرون بعد تشكلهم وتطورهم، إما في صورة إنسان أو في صورة حيوان كالكلب والثعبان والهرة ونحوها.
_________________
(١) ذكره ابن حجر المكي في «تحفة المحتاج في شرح المنهاج» ٧/ ٢٩٧، واستغربه مُحشيها أبو القاسم العبادي فقال ٧/ ٢٩٧ منها: «إن أريد به قوله تعالى ﴿إنه يراكم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا ترونهم﴾، فهو مشكل لأن غاية ما في الآية إثبات حالة مخصوصة وهي تمكنهم من رؤيتنا في حالة لا نراهم فيها، وليس فيها عموم ولا حصر، وذلك لا ينافي أن لنا حالةً أخرى نراهم فيها، خصوصا وقد وردت الأدلة برؤيتهم فليتأمل.» اه وأقره عبد الحميد الشرواني في حاشيته على «التحفة» أيضا ٧/ ٢٩٧.
(٢) قال الغزالي في «معيار العلم في فن المنطق» ص ٩٠: فالمحسوسات هي المدركات بالحواس الخمس كالألوان، ويتبعها معرفة الأشكال والمقادير وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بالسمع … الخ
(٣) قال ابن عرفة في «المختصر في المنطق» ص ٢٨: «البديهيات: القضايا التي تصور طرفيها كاف في إيقاع نسبتها، كالواحد نصف الاثنين.» اه
[ ٦٤ ]
وقد شاهدناهم وأخبرنا كثير ممن شاهدهم ووقع له معهم الوقائع المتعددة.
وفي السنة الصحيحة ما يغني عن ذكر ذلك، فقد تقدم في الأحاديث السابقة رؤية جابر وابن مسعود لهم مرارا، وكذلك الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة وعمر في قصة هامة إن صح الخبر، وقد ادعى الحافظ السيوطي أنه يبلغ رتبة الحسن (^١) كما قدمناه.
وفي «صحيح» (^٢) البخاري من حديث أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحتو من الطعام فأخذتُه، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ. قال: إني محتاج وعلي دين ولي عيال وحاجة شديدة. فخليت عنه فأصبحت فقال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُكَ البارحة؟» قلتُ: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعياءً فرحمته فخليت سبيله فقال: «أما إنه قد كذبك وسيعود»، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود، فرصدتُه، فجاء يحتو من الطعام، فذكر الحديث، إلى أن قال في المرة الثالثة: فأخذتُه فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هنّ؟ قال: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إلا هو الحي القيوم﴾ حتى تختمها، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله فأصبحتُ فقال لي رسول الله ﷺ: «ما فعل أسيرُكَ البارحة؟»، قلتُ: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: «ما هي؟»، قلتُ: قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية، ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إلا هو الحي القيوم﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح؛ وكانوا أحرص شيء على
_________________
(١) «لقط المرجان في أحكام الجان» للسيوطي ص ٥٧.
(٢) «(صحيح البخاري)» ح ٢٣١١.
[ ٦٥ ]
الخير. فقال النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا، قال: «ذاك الشيطان». ورواه أيضا النسائي في «الكبرى» (^١) وابن خزيمة في «الصحيح» (^٢).
وقد وقع مثل هذا لأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل ﵁.
فحديث أبي بن كعب، قال الطبراني (^٣): ثنا إسماعيل (^٤) بن الفضل الأسفاطي،، ثنا موسى ابنُ إسماعيل، ثنا أبان بن يزيد عن يحي بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي (^٥) كعب، عن جده أبي بن كعب، أنه أخبره أنه كان له جرين (^٦) فيه تمر فكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: ما أنتَ، جني أم إنسي؟ قال: جنيّ، قلت: ناولني يدك؛ فناولني يده فإذا يد كلب وشعر كلب. قال: فقلتُ: هكذا خلقة الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم ما هو أشد مني. فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك. فقلت: ما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إلا هو الحي القيوم﴾ من قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح. فلما أصبح أتى النبي ﷺ
_________________
(١) «السنن الكبرى» للنسائي ٩/ ٣٥١.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١١٦٣.
(٣) «المعجم الكبير» للطبراني ١/ ٢٠١.
(٤) هكذا بخط المؤلف وإنما هو «العباس بن الفضل الأسفاطي» شيخ الطبراني المتوفى عام ٢٨٣ هـ، ترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي ٦/ ٧٦١، وذكره أبو الطيب نايف بن صلاح بن علي المنصوري في «إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني» ص ٥١٦.
(٥) هكذا عند المؤلف، والذي في الطبراني من النسخة المحققة: عن محمد بن أبي بن كعب، عن أبيه. قلتُ ورواه غير الطبراني كابن حبان وأبي الشيخ وأبي نعيم والبيهقي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن أبي بن كعب، بدون واسطة الحضرمي بن لاحق. إلا أبا يعلى الموصلي جعل بين الحضرمي ومحمد بن أبي بن كعب: عبدة بن لبابة.
(٦) قال أبو موسى المديني في «المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث» ١/ ٣٢٣: «الجرن: جمع جرين وهو البيدر، وهذا للبر كالمسطح للتمر، ويجمع أيضا على جرنة وأجرنة وجرائن وجرن، ولعل اشتقاقه من جرين الرحى، وهو ما دقته وطحنته». ا هـ
[ ٦٦ ]
فأخبره، فقال النبي ﷺ: «صدق الخبيث»، هذا حديث جيد الإسناد، وقد صححه ابن حبان (^١)، وأخرجه أيضا أبو يعلى (^٢) وأبو الشيخ في «العظمة» (^٣) وأبو نعيم (^٤) واليبهقي (^٥) كلاهما في «دلائل النبوة».
وحديث أبي أيوب، أخرجه ابن أبي شيبة (^٦) وأحمد (^٧) والترمذي وحسنه (^٨) وابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» (^٩) وأبو الشيخ في «العظمة» (^١٠) والحاكم (^١١) وأبو نعيم في «الدلائل» (^١٢)، من حديثه، أنه كانت له سَهوَةٌ (^١٣) فيها تمرّ، فكانت تجيء الغول فتأخذ منه، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: «اذهب فإذا رأيتها فقُل: بسم الله أجيبي رسول الله ﷺ»، فأخذها، فحلفت ألا تعود، فأرسلها … الحديث في فضل آية الكرسي، وفيه: فقال النبي ﷺ: «صدقت وهي كذوب».
وحديث معاذ، قال ابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» (^١٤): حدثنا أبو سعيد أحمد ابن محمد بن يحي بن سعيد القطان، ثنا زيد بن الحباب العكلي، حدثني عبد المؤمن ابن خالد الحنفي من أهل مرو، أنبأنا عبد الله بن بريدة الأسلمي، عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قلت لمعاذ بن جبل: أخبرني عن قصة الشيطان حين أخذته، قال:
_________________
(١) «صحيح ابن حبان» ٦٣/ ٣.
(٢) عزاه إليه الهيثمي في «غاية المقصد في زوائد المسند» ٢٦٣/ ٤.
(٣) «العظمة» لأبي الشيخ ١٦٥٠/ ٥.
(٤) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٥٩٩.
(٥) «دلائل النبوة» للبيهقي ١٠٨/ ٧.
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٩٤/ ٦.
(٧) «مسند أحمد» ٥٦٣/ ٣٨.
(٨) «سنن الترمذي» ح ٢٨٨٠.
(٩) «مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا ص ٣٨.
(١٠) «العظمة» لأبي الشيخ ١٦٤٨/ ٥.
(١١) «المستدرك» للحاكم ٥١٩/ ٣.
(١٢) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٥٩٩.
(١٣) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» ٢٢٩/ ٢: «الشهوة الكوة بين الدارين». اهـ
(١٤) «مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا ص ٣٣.
[ ٦٧ ]
جعلني رسول الله ﷺ على صدقة المسلمين، فجعلتُ التمر في غرفة، قال: فوجدتُ فيه نقصانا، فأخبرت رسولَ الله ﷺ بذلك فقال: «هذا الشيطان يأخذه»، فدخلت الغرفة وأغلقت الباب، فجاءت ظلمة عظيمة فغشِيَتِ الباب، ثم تُصور في صورة، ثم تُصور في صورة أخرى فدخل من شق الباب، فشددت إزاري عليّ، فجعل يأكل من التمر، فوثبت عليه فضبطته فالتفت يداي عليه، فقلت: يا عدو الله، فقال: خل عني، فإني كبير ذو عيال وأنا فقير وأنا من جن نصيبين، وكانت لنا هذه القرية قبل أن يُبعث صاحبكم، فلما بعث أُخرجنا منها، فخلّ عني فلن أعود عليك. فخليته. وجاء جبريل ﵇ فأخبر رسول الله ﷺ بما كان … الحديث، وفيه: أنه عاد مرة أخرى يعمل معه مثل ذلك فقال: لن أعود، وآية ذلك أنه لا يقرأ أحد منكم خاتمة البقرة فيدخل أحد منا بيته تلك الليلة.
ورواه أيضا الطبراني (^١) والحاكم (^٢) وأبو نعيم (^٣) والبيهقي (^٤) في «الدلائل».
قلتُ: وقد وقع لي ما هو قريب من هذا، وذلك أني وضعت ليلة قطعة فضة بعشرة فرنكات على مكتب صغير أضع عليه الكتب عند المطالعة، وهو موضوع أمام فراش نومي، ثم أطفأت النور الكهربائي، ووضعت رأسي على المخدة للنوم، وكان وقت المصيف فتركت شباكا بوسط الدار مفتوحا، فلم تمض هنيهة حتى رأيتُ شبحا داخلا من الشباك المذكور، وقصد نحوي فقمت فزعا وأوقدتُ النور فوجدت الزوجة مرعوبةً وقد رأت هي مثل ما رأيتُ، وصرنا نتعجب، ثم رميت بصري إلى الموضع الذي وضعت فيه القطعة المذكورة، فلم أجدها فصرت أبحث عنها ولم يمض على وضعها في الموضع المذكور إلا برهة من الزمان، فلم أجد لها أثرا.
_________________
(١) «المعجم الكبير» للطبراني ٢٠/ ٥١.
(٢) «المستدرك» للحاكم ٧٥١/ ١.
(٣) «دلائل النبوة» لأبي نعيم ص ٦٠٠.
(٤) «دلائل النبوة» للبيهقي ٧/ ١٠٩.
[ ٦٨ ]
فصل: وقد قاتل كل من عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر ﵄ الشيطان:
أما عمر فقال ابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» (^١): حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرني عكرمة بن عمار، عن عاصم، قال حدثني زر، قال: سمعت عبد الله - يعني ابن مسعود - يقول: خرج رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فلقي الشيطان فاتخذا فاصطرعا فصرعه الذي من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال الشيطان: أرسلني أحدثك حديثا عجيبا يعجبك. قال: فأرسله، قال: فحدثني، قال: لا، قال: فاتخذا الثانية فاصطرعا فصرعه الذي من أصحاب رسول الله ﷺ فأرسله، فقال: حدثني، فقال: لا، فاتخذا الثالثة فصرعه الذي من أصحاب رسول الله ﷺ ثم جلس على صدره وأخذ بإبهامه يلوكها، فقال: أرْسِلني، فقال: لا أرسلك حتى تحدثني، قال: سورة البقرة، فإنه ليس منها آية تقرأ في وسط شياطين إلا تفرقوا، ولا تُقرأ في بيت فيدخل ذلك البيت شيطان. قالوا: يا أبا عبد الرحمن من ذلك الرجل؟ قال: فمن ترونه إلا عمر بن الخطاب ﵁.
قلت هذا سند على شرط مسلم، وله سند آخر على شرط البخاري، أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» (^٢) من طريق عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم به نحوه.
وأما عمار، فقال ابن أبي الدنيا (^٣): حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، عن الحسن عن عمار بن ياسر قال: قاتلتُ مع رسول الله ﷺ الجن والإنس. قيل: وكيف قاتلت الجن والإنس؟ قال: كُنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلا فأخذت قربتي ودلوي لأستسقي، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه»، فلما كنتُ
_________________
(١) «مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا ص ٨٣.
(٢) «دلائل النبوة» ص ٣٦٩.
(٣) «مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا ص ٨٦.
[ ٦٩ ]
على رأس البئر إذا رجل أسود كأنه مرسٌ (^١) فقال: والله لا تستسقي منها اليوم ذنوبا واحدا، فأخذني وأخذتُه فصرعته، ثم أخذت حجرا فكسرت به وجهه وأنفه، ثم ملأت قربتي فأتيتُ رسول الله ﷺ فقال: هل أتاك على الماء من أحد؟ فقلت: نعم، فقصصت عليه القصة، قال: «أتدري من هو؟» قلت: لا، قال: «ذاك الشيطان». وأخرجه أيضا ابن سعد في «الطبقات» (^٢) وابن راهويه في «مسنده» (^٣)، وسنده صحيح.
وقال أبو نعيم في «الدلائل» (^٤): حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر هو أبو الشيخ بن حيان، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الحسين، عن حميد بن هلال، عن الأحنف بن قيس قال: قال علي بن أبي طالب: والله لقد قاتل عمار بن ياسر الجن والإنس على عهد رسول الله ﷺ. فقلنا: هذا الإنس قد قاتل، فكيف الجن؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال لعمار: «انطلق فاستقِ لنا من الماء»، فانطلق فعرض له الشيطان في صورة عبد أسود، فحال بينه وبين الماء، فأخذه فصرعه عمار، فقال له: دعني وأُخلي بينك وبين الماء ففعل ثم أتى فأخذه عمار الثانية فصرعه فقال: دعني وأُخلي بينك وبين الماء فتركه، فأتى فصرعه فقال له مثل ذلك، فتركه فوفى له. فقال رسول الله ﷺ: «إِن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود، وإن الله أظهر عمارا به»، قال علي: فلقينا عمارا فقلت: ظهرَتْ يداك يا أبا اليقظان، فإن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا، فقال: أما والله لو شعرت أنه شيطان لقتلته، ولكني هممت أن أعض بأنفه لولا نتن ريحه.
_________________
(١) قال الخليل بن أحمد في كتاب «العين» ٧/ ٢٥٣: «ورجل مَرِس: شديد الممارسة ذو جلد وقوة.» اه
(٢) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٣/ ١٩٠.
(٣) «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» للحافظ ابن حجر ١٦/ ٢٩١.
(٤) لم أجده في النسخة المحققة من «دلائل النبوة»، وعزاه إلى أبي نعيم وأطلق الشبلي في «آكام المرجان» ص ١٧١.
[ ٧٠ ]
فصل: وقتل خالد بن الوليد ﵁ شيطانة العزى بأمر رسول الله ﷺ، ففي «سيرة ابن إسحاق» (^١) و«طبقات ابن سعد» (^٢) وغيرها، أن النبي ﷺ أرسل خالد بن الوليد إلى العُزّى في شهر رمضان سنة ثمانٍ ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهوا إليها، فهدمها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «هل رأيت شيئا؟» قال: لا، قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها»، فرجع خالد وهو متيقظ فجرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء، ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد، فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: «نعم، تلك العُزّى، وقد أيست من بلادكم أبدا».
وقد أَمرَتْ عائشة ﵂ بقتل جني أيضا، قال أبو الشيخ (^٣): حدثنا أبو الطيب أحمد بن رَوْح، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد مولى قريش، حدثنا عثمان بن عمر، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة، أن جانا كان لا يزال يطلع على عائشة ﵂، فأمرتْ به فقُتل، فأتيت في المنام فقيل: قتلت عبد الله المسلم؟ فقالت: لو كان مسلما لم يطلع على أزواج النبي ﷺ. فقيل لها: ما كان يطلعُ حتى تجمعي عليك ثيابك، وما كان يجيء إلا ليستمع القرآن. فلما أصبحت أمرت باثني عشر ألف درهم، ففُرّقت في المساكين.
ورواه أيضا ابن أبي شيبة في «المصنف» (^٤): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن جابر ابن أبي صغير، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بنت صالحة (^٥)، عن عائشة ﵂ نحوَه.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» ٢/ ٤٣٧.
(٢) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ١١١.
(٣) «العظمة» لأبي الشيخ ٥/ ١٦٥٤
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ١٨٢.
(٥) هكذا بخط المؤلف، وهو سبق قلم، والصواب: عَائِشَةُ بنت طلحة، وهي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله التيمية، بِنْتُ أُخْتِ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ؛ أمّ كلثوم؛ ابنتي الصديق. توفيت بعد عام مائة (١٠٠ هـ)، ترجمتها في «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٣٦٩.
[ ٧١ ]
فصل
فصل: ورآه عبد الله بن عمر في جماعة من الصحابة بمحضر النبي ﷺ، فروى البيهقي في «دلائل النبوة» (^١)، عن عبد الله بن عمر، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ، فجاء رجل من أقبح الناس وجها وأقبحه ثيابا وأنتنه ريحا، جافٍ (^٢)، يتخطى رقاب الناس حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: من خلقك؟ قال: «الله»، قال: من خلق السماء؟ قال: «الله»، قال: من خلق الأرض؟ قال: «الله»، قال: من خلق الله؟ قال: «سبحان الله»، وأمسك بجبهته وطأطأ رأسه، وقام الرجل وذهب، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فقال: «عليّ بالرجل»، فطلبناه فكأن لم يكن، فقال: «هذا إبليس جاء يشككم في دينكم».
فصل: وقد نهى النبي ﷺ عن نكاح الجن، كما قال حرب الكرماني في «مسائله» (^٣): حدثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا بشر بن عمر، ثنا ابن لهيعة، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الجن». فلو كانت رؤيتهم متعذرة لما نهى ﷺ عن نكاحهم. وقد جاء عن السلف حكايات متعددة في نكاحهم يطول ذكرُها شاهدها الثقاتُ الأثبات الأئمة الأعلام كالأعمش وغيره.
فصل: وفي «معجم» الطبراني «الأوسط» (^٤) من حديث أبي هريرة، و«عمل اليوم والليلة» (^٥) لابن السني، من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا تغوّلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص» (^٦)، ومعنى تغولت لكم: ظهرت لكم.
_________________
(١) («دلائل النبوة» للبيهقي ٧/ ١٢٥).
(٢) في نسخة «دلائل النبوة» المحققة: «جلق جاف».
(٣) («مسائل حرب الكرماني» ١/ ٤٠٢).
(٤) («المعجم الأوسط» ٧/ ٢٥٦).
(٥) («عمل اليوم والليلة» لابن السني ص ٤٦٨).
(٦) قال أبو عبيد القاسم بن سلام في («غريب الحديث» ١٨١/ ٤: «قَالَ الْأَصْمَعِي: الْحُصاص: شدة الْعَدو وسرعته»). اهـ.
[ ٧٢ ]
الفائدة الرابعة: هل تصح الرواية عن الجن
فصل: وروى أبو الشيخ في «العظمة» (^١) عن ابن عباس قال: أيما رجل منكم تخيل له الشيطان حتى يراه فلا يصدن عنه وليمض قُدما، فإنهم منكم أشد فرقا منكم منهم، فإنه إن صد عنه ركبه وإن مضى هرب منه. قال مجاهد: فأنا ابتليت به حتى رأيته، فذكرتُ قول ابن عباس، فمضيت قدما فهرب مني.
قلت: وحدثني بعضُ أهل العلم عن رجل مُسنّ من أقاربنا حافظ للقرآن، كان يذهب إلي بستانه فيبيت به وحده لحراسة العنب، فبينما هو ذاتَ ليلة مضطجع في بستانه، إذ مرّ به موكب من الجن حاملين أنوارا ومعهم طبول ومزامير، ومعهم هودج فيه عروس على هيأة أفراح الإنس. قال: فمروا كلهم ولم يؤذني منهم أحد، إلا واحدا قصدني وجلس على صدري، فصرت أقرأ آية الكرسي وهو قاعد لا يتحرك، قال: فلما ثقُل أمره علي مددت يدي إليه لأحس على جسمه، فجاء أصبعي في أسته، فهرب ولحق بموكبه. قال: فلم أعد بعد ذلك للبيات وحدي بالبستان. وهذا مصداق قول ابن عباس، فإن الرجل لو فعل معه هذا من أول مرة لما أطال الجلوس عليه.
والمقصود من كل هذا إثباتُ رؤيتهم، وأن مقال الإمام الشافعي ﵁ غير مطابق للواقع ولا موافق للدليل.
فصل:
الفائدة الرابعة: قال ابن حجر الهيثمي في «فهرسته» (^٢)، عقب الحديث المسلسل بالمشابكة: واعلم أن شيخنا العارف بالله تعالى الشمس بن أبي الحمائل كان يذكر أنه اجتمع بجنيّ تابعي [مِن أصحاب] (^٣) بعض الجن الصحابة الذين اجتمعوا بالنبي ﷺ وأقرأهم بعض القرآن. وكان شيخُنا يقول لمن يعتني به من أصحابه: أجَزْتُك بما أجازني به شيخي فلانٌ الجني التابعي، مما أجازه به شيخه فلان الجني الصحابي، وكذا تلقيناه عنه.
_________________
(١) «العظمة» لأبي الشيخ ٥/ ١٦٨٦.
(٢) «معجم شيوخ ابن حجر الهيتمي» اللوحة ٢٤ (مخطوط).
(٣) ساقطة من أصل المؤلف وإثباتها من أصل «معجم شيوخ ابن حجر» اللوحة ٢٤، (مخطوط).
[ ٧٣ ]
وهذا وإن لم يثبت به حكم عند المحدثين، لكنه يُتبرك به من مثل هذا العارف الذي لا يتطرق إليه عند من سابر أحواله وعلم طريقته ونزاهته وكراماته الباهرة التي شاهدناها نحن وغيرنا منه، كالشمس، فالظن بل العلم منا قاض بصدق الشيخ في ذلك، فاستفد ذلك فإنه مما ينبغي أن يُحرص على استفادته. اهـ
وقال أيضا بعد رواية المسلسل بالمصافحة (^١)، من طريق المعمر (^٢) ما نصه: الرابعة: سبق لنا عن شيخنا الإمام العالم المسلّك الصوفي، الجامع بين العلوم الظاهرة والمعارف الباطنة، وبين الشريعة والحقيقة ذي الكرامات الظاهرة والأحوال الباهرة، طريقة أقرب من طريقة الخوّافي (^٣) المذكورة، ولا يلزم عليها مخالفة القواعد الشرعية بوجه أصلا، وهي ما كان يذكره ﵁ لأخصاء أصحابه ويتحفهم به، من أن الجن كانت تجتمع به وتأخذ عنه ويأخذ عن بعضهم، وأنه كان من جملة هؤلاء شخص يذكر له أنه تابعي، لأنه من أصحاب بعض الجن الذين اجتمعوا بالنبي ﷺ وآمنوا به وأقرأهم القرآن وأمرهم أن يبلغوه منه لمن وراءهم، وأنه أخذ عن هذا التابعي في زعمه وأنه أجازه بما أجازه به شيخه الجني الصحابي، وأن شيخنا أجاز لنا ولبقية أخصاء أصحابه ما أجازه له ذلك الجني. وهذا كله وإن لم يفد شيئا على طريقة المحدثين وعلماء الظاهر، لكنه يفيد عند أرباب الباطن الذين أُلهموا صدق ذلك الجني فيما أخبر به، ويفيد أتباع هؤلاء الملهمين التبرك والانتظام في سلك هذا السند [الذي] (^٤) بفرض صحته، فيه من الفوائد والمراتب العلية والإمدادات العرفانية ما لا يحيط به إلا أهل الله وخاصة من خلقه. اهـ
_________________
(١) «معجم شيوخ ابن حجر الهيتمي» اللوحة ٢٤ (مخطوط).
(٢) قال ابن حجر في «لسان الميزان» ٨/ ١١٨: وقد وقع نحو هذا في المغرب فحدث شيخ يقال له: أبو عبد الله محمد الصقلي قال: «صافحني شيخي أبو عبد الله معمر، وذكر أنه صافح النبي ﷺ وأنه دعا له فقال له: عمرك الله يا مُعمر، فعاش أربع مئة سنة.» اهـ وقال ابن حجر أيضا في «الإصابة» ٦/ ٢٩٠: معمر: بضم أوله، شخص اختلق اسمه بعضُ الكذابين من المغاربة، أخبرنا الكمال أبو البركات بن أبي زيد المكناسي إجازة مكاتبة، قال: صافحني والدي … ثم ذكره.
(٣) محمد بن محمد بن محمد الزين الخوافي، المتوفى عام ثمان وثلاثين وثمانمائة (٨٣٨ هـ).
(٤) ساقطة من أصل المؤلف.
[ ٧٤ ]
وقال أبو سالم العياشي في «مسالك الهداية» (^١)، في شيخه الخامس من المشارقة (^٢) بعد أن روى عنه، عن يس المحلي، عن شمهروش، عن النبي ﷺ جَميعَ ما أُسند في الكتب الستة ما نصه: وهذا من الأسانيد الغريبة، وإن كان بعض أئمة الحديث يُنكر مثل هذا من المرويات، لكن جرت عادتهم برواية ما كان مثل هذا مع إنكاره، كأحاديث المعمر والخضر، وحيث كان القصد التبرك لا الاحتجاج، فلا بأس بمثل ذلك. اهـ
قال محمد بن أحمد عقيلة المكي في «مسلسلاته» (^٣) عقب الحديث المسلسل بالفاتحة من طريق شمهروس، ما نصه: ولما كان هذا الحديث ليس فيه شيء من الأحكام، بل هو أمرٌ يُتبرك به، قبله الأعلام بهذا السند، ولو كان من الأحكام الشرعية والاستنباطات الفرعية لما قبل هذا السند وفيه ما فيه. اهـ
وقال مرتضى الزبيدي في «الفوائد الجليلة بتغليق مسلسلات عقيلة» (^٤) عقب المسلسل المذكور ما نصه: وما رأيت لأحد من الحفاظ المتقدمين كلاما في القاضي شمهروش، ولا نبه على لقيّه به ﷺ، ولكن الجن كانت تجتمع به ﷺ وتأخذ عنه، وهذا كله وإن لم يُفد شيئا على طريقة المحدثين وعلماء الظاهر، لكنه يفيد عند أرباب الباطن الذين الهموا صدق ذلك الجني فيما أخبر به، ويفيد هؤلاء الملهمين التبرك والانتظام في سلك هذا السند. اهـ وهو كلام ابن حجر السابق.
وقال أيضا في «ألفية السند» (^٥) له:
ومثله إن لم يكن معتبرا … لكنه يُذكر حتى يُنظرا
تبركا بالسند الغريب … وليس في السياق بالمعيب
_________________
(١) مطبوع باسم «اقْتِفَاءِ الأَثَرِ بَعْدَ ذَهَابِ أهْلِ الأَثَر» لأبي سالم العياشي ص ١٣٠.
(٢) وهو عبد الجواد بن إبراهيم الطريني المتوفى عام ١٠٧٣ هـ، كما في «هدية العارفين» ١/ ٥٠١.
(٣) «الفوائد الجليلة في مسلسلات ابن عقيلة» ص ٨٥.
(٤) المسماة «التعليقة الجليلة بتغليق مسلسلات ابن عقيلة» للزبيدي اللوحة ١٢ (مخطوط).
(٥) «ألفية السند» للزبيدي ص ٩٠ - ٩١.
[ ٧٥ ]
وذكر الحافظ السيوطي في «لقط المرجان» (^١) حديث عثمان بن صالح، عن عمرو بن طلق الجني؛ ثم قال: قال الحافظ ابن حجر: في «إصابته» (^٢): عثمان بن صالح مات سنة تسع عشرة ومائتين، فإن كان الجني الذي حدثه بذلك صدق، فيُحمل الحديث الذي في الصحيح الدال على أن على رأس مائة سنة من العام انتقل فيه النبي ﷺ لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن كان عليها حين المقالة المذكورة على الإنس دون الجن، وقد ألغزت في ذلك فقلت:
قولوا لحفاظ الحديث ومن هم … نجم الهداية عمدة الإسلام
هل تعرفون من الصحابة من روى … خبرا جليا عُدّ في الأحكام
وحياته جازت على المائة التي … فيها انقراضُ الصحب والأعلام
ذكر اسمه وأبوه في مرويه … أكرم به من صاحب ضرغام
وروى لدا المائتين ما قدمته … فرواه أي مخرج علام
كلا ولم يُنكره خَبر حافظ … كلا ولا ساموه قدح علام
مع قدحهم في كل ذاكر صحبة … من بعد قرن أول الإسلام
وبهذا التقدير يقع في الأحاديث السالفة ما هو عُشاري لنا، ووقع لنا ما هو ثلاثي، بيننا وبين النبي ﷺ فيه ثلاثة.
ثم قال: (^٣) وقول الحافظ ابن حجر في حديث عثمان بن صالح: فإن كان الجني الذي حدثه بذلك صدق … يدل على أنه يتوقف في رواية الجن، لأن شرط الراوي العدالة والضبط، وكذا مدعى الصحبة شرطه العدالة، والجن لا تُعلم عدالتهم؛ مع أنه ورد الإنذار بخروج شياطين يُحدثون الناس.
_________________
(١) «لقط المرجان» للسيوطي ص ٧٣ - ٧٤.
(٢) «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر ٤/ ٥٠٤.
(٣) «لقط المرجان» للسيوطي ص ٧٥.
[ ٧٦ ]
فأخرج ابنُ عدي (^١) والبيهقي (^٢) عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يطوف إبليس بالأسواق ويقول: حدثني فلان بن فلان بكذا وكذا».
وأخرج الطبراني (^٣) عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن يظهر فيكم شياطين كان سليمان بن داود أوْثَقَها في البحر، يُصلّون معكم في مساجدكم ويقرؤون معكم القرآن ويجادلونكم في الدين، وإنهم لشياطين في صور الإنسان».
وأخرج الشيرازي في «الألقاب» عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «إن سليمان بن داود وثق شياطين في البحر، فإذا كان سنة خمس وثلاثين ومائة خرجوا في صور الناس وأبشارهم، فجالسوهم في المجالس والمساجد ونازعوهم في القرآن والحديث».
وأخرج العقيلي (^٤) وابنُ عدي (^٥) عن أبي سعيد الخدري، قال: رسول الله ﷺ: «إذا كان سنة خمس وثلاثين ومائة خرجت شياطين كان حبسهم سليمان بن داود في جزائر البحر، فذهب منهم تسعة أعشارهم إلى العراق يجادلونهم بالقرآن، وعشر بالشام». اهـ
قلتُ: هذان الحديثان الأخيران باطلان موضوعان لا ينبغي الاحتجاج بهما، فهما من وضع الشياطين أيضا.
ثم ذكر الحافظ السيوطي آثارا في الباب وحكاياتٍ تُنظر فيه.
_________________
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» ١/ ١١٥.
(٢) «دلائل النبوة» ٦/ ٥٥١.
(٣) «المعجم الكبير» للطبراني ١٣/ ٤٨٤.
(٤) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ٢/ ٢١٣.
(٥) «الكامل» لابن عدي ٥/ ١٣٣.
[ ٧٧ ]
الفائدة الخامسة: تعمير الجن
والعمدة في الباب كونُ ادعاء الصحبة والرواية شرطها العدالة، والجن لا تُعرف عدالتهم.
فصل:
الفائدة الخامسة: قد روى جماعة من أهل القرن الثالث عشر عن جماعة من الجن ادعوا أنهم صحابة، وهذا يدلّ على أنهم مُنظَرون.
وقد اختلف في ذلك، فقال الحسن: إنهم منظرون مع إبليس، وقال ابن عباس وعبد الله بن الحارث وقتادة وجماعة: إنهم يموتون غير إبليس، واحتج قتادة بقوله تعالى ﴿أولئك الذين حَقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ﴾.
قلتُ: قد سبق أنهم يموتون في أحاديث كثيرة، وأنهم يتحاربون ويتقاتلون، ويأتي ذكر موتهم في أحاديث أخرى. وسبق ذكرُ حديث اجتماع النبي ﷺ بهامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فإن ثبت دلّ على أنهم يُعمّرون أكثر مما يُعمرُ الإِنسُ، وبعضهم يعمر أكثر من بعض.
وقد روى أبو سعد النيسابوري في «شرف المصطفى» (^١) عن الجعد بن قيس، وكان قد بلغ مائة سنة، قال: خرجنا - أربعة نفر - نريد الحج في الجاهلية، فمررنا بوادٍ من أودية اليمن، فلمّا أقبل الليلُ استعدنا بعظيم الوادي، وعقلنا رواحلنا، فلما هدأ الليل ونام أصحابي، إذا هاتف من بعض أرجاء الوادي يقول:
ألا أيها الركب المعرس بلغوا … إذا ما وقفتم بالحطيم وزمزما
محمدًا المبعث فينا تحيةً … تُشيّعه من حيث سار ويما
وقولوا له إنا لدينك شيعةٌ بذلك أوصانا المسيح ابن مريما
وروى أبو الشيخ في كتاب «النوادر والنتف» (^٢)، وهو عندي في عشرة أجزاء حديثية، قال: حدثنا عبد الرحمن بن داود، ثنا أحمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبو
_________________
(١) «شرف المصطفى» للنيسابوري ١/ ٢٥٢.
(٢) عزاه إليه الشبلي في «آكام المرجان» ص ٢٠٧.
[ ٧٨ ]
الفائدة السادسة: كذب من ادعى التعمير من الإنس فضلا عن الجن
المغيرة، حدثنا أبو معشر، حدثنا عيسى بن أبي عيسى، قال: بلغ الحجاج بن يوسف أن بأرض العين مكانا إذا أخطئوا فيه الأرض سمعوا صوتا يقول: هلموا الطريق، ولا يرون أحدا. فبعث ناسا وأمرهم أن يتخاطؤوا الطريق عمدا، فإذا قالوا لكم: هلموا الطريق فاحملوا عليهم، فانظروا ما هم؟ ففعلوا ذلك، قال: فدعوهم فقالوا: هلموا الطريق، فحملوا عليهم، فقالوا: إنكم لن ترونا، فقالوا: منذ كم أنتم هنا؟ قالوا: ما نُحصِي السنينَ غير أن الصين خُرّبت ثمان مرار، وعُمّرت ثمان مرار، ونحن هاهنا.
وسيأتي في حديث من اشتكى ضرورته قولُ بعض الجن: إنهم يعمرون أكثر من الإنس وأنهم يعيشون الأربعمائة والستمائة، وأن الرجل يبلغ منهم في ستين سنة.
فصل:
الفائدة السادسة: قد ادعى التعمير والصحبة والتابعية جماعة من الإنس من أهل القرن الرابع والسادس والثامن أو السابع كرتَنِ الهندي (^١)، وأبي الدنيا الأشج (^٢) الطنجي أو اليمني، وأبي سعيد الحبشي (^٣)، وأضرابهم (^٤)، ممن لا شك في كذبهم؛ فلا
_________________
(١) قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٤٥: «رَتَن الهندي، وما أدراك مارتن، شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة، فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون، وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءا، وقد قيل: إنه مات سنة ٦٣٢ هـ، ومع كونه كذابا فقد كذبوا عليه جملة كبيرة من أسمج الكذب والمحال». انتهى.
(٢) قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ١٩/ ٣١٧: «أبو الدنيا الأشج: عثمان بن خطاب بن عبد الله بن عوام أبو عمرو البلوي المغربي الأشج، المعروف بأبي الدنيا، الذي ادعى أنه سمع من علي بن أبي طالب وأنه معمر وحدث عنه ببغداد. ليس ثقة ولا صدوق، وعلى قوله يكون قد عاش ثلاث مائة سنة وأكثر. وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاث مائة». اه
(٣) قال العلامة عبد الحفيظ الفاسي في كتابه «الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات» ١/ ١٩٩: «وأبو سعيد الحبشي هذا لا يُعرف في الصحابة، ولا ذكر لهم في الكتب المؤلفة فيهم، ولم يُعرف اسمه إلا في المئين المتأخرة، واحتمال وجوده عقلا وتعميره أو عدم مخالطته للناس أو سكناه في محل بعيد فلم يشتهر، إلى أن عُرف أخيرا: لا يفيد مع ورود الشرع بنفيه». اهـ
(٤) كالربيع بن محمد المارديني الذي ادعى الصحبة والتعمير في سنة ٥٩٩ هـ، ومات سنة ٦٥٢ هـ؛ وكرجل أسود من ناحية السودان دخل إلى الأندلس سنة ٣٢٩ هـ قال: إنه منصور بن خزامة مولى رسول الله ﷺ، وأنه أدرك عثمان بن عفان إذ كان مراهقا في أيامه، وكان مع عائشة يوم الجمل وشهد صفين وخرج عن الأندلس إلى المغرب في سنة ٣٣٠ هـ؛ وكعبد الله بن محمود بن محمد، ظهر بعد الستمائة وقال: إنه لقي بعض التابعين؛ وكدينار أبو مكيس الحبشي حدث سنة ٢٤٠ هـ عن أنس بن مالك بأحاديث موضوعة بلغت نحو ٢٥٠ حديث؛ وقال إنه خادمه. وكيغنم بن سالم بن قنبر حدث في زمان الإمام مالك عن أنس أيضا، وقال إنه مولى علي بن أبي
[ ٧٩ ]
شك أنّ في من ادعى التعمير من الجن من هو كذاب مثلهم، بل الجن أولى بذلك لعدم التحقق من عدالتهم والتمييز بينهم وبين الشياطين الكذابين المضلين.
فلهذا لا يُعتمد على روايته من روى عنهم في العصور المتأخرة من بعد القرن التاسع إلى أواخر القرن الثالث عشر المنصرم، كمهنية (^١) وعبد الله (^٢) وعبد الوهاب (^٣) وميمون (^٤) وعبد المؤمن (^٥) وغنام وشمهروش (^٦)، ولاسيما هذا الأخير، فإنه كذاب
_________________
(١) طالب، وكلهم لهم تراجم وذكر في «ميزان الاعتدال» للذهبي و«لسان الميزان» لابن حجر. وقد نظم بعضهم الحافظ السلفي فقال: حديث ابن نبسطور ويسر ويغنم … وإفك أشج الغرب ثم خراش ونسخة دينار ونسخة تربة … أبي هدبة القيسي شبه فراش وذيلهما محمد بن جار الوادياشي بقوله: حديث ابن نبسطور ويسر ويغنم … وإفك أشج الغرب ثم خراش رتن ثامن والمارديني تاسع … ربيع بن محمود وذلك فاش
(٢) قال العلامة عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» ١/ ١٨١ خلال ترجمة العلامة المسند محمد عبد الباقي الزرقاني: ومن غرائبه روايته الأربعين حديثًا عن محمد عبد الرزاق اللكنوي عن القاضي مهنية الصحابي الجني فيما ذكر عن رسول الله ﷺ. اهـ
(٣) ذكره أيضا العلامة عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» ٢/ ٢٧٤ خلال ترجمة عبد الرزاق فرنكي، وذكر له إسنادا إلى عبد الله الجني هذا وقال: «عن الشيخ عبد الله الجني المعمر، قال: عن عبد الله المعمر صاحب علم النبي ﷺ عن النبي ﷺ. اه
(٤) ذكره العلامة أحمد ولي الله شاه في كتابه «إتحاف النبيه بما يحتاجه المحدث والفقيه» ص ٢١٨: في باب نوادر الأحاديث، وساق له خبرا فقال: أخبرني مولوي عزيز الله بن مولوي مراد الله المحدث، قال: أخبرني أبي مولوي مراد الله، حدثني الشيخ محمود المغربي المكي، قال: حدثني الشيخ عبد الوهاب الجني الجزري، عن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن بلغه عني حديث فردّه فأنا خصمه يوم القيامة».
(٥) ذكره الشيخ عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» ٢/ ٦٧٤ خلال ترجمة النوري الصفاقسي وقال: ويروي المترجم أيضًا عن علي الخياط الرشيدي، عن الشيخ علي الهروي، عن الشيخ عمر الشواف، عن ميمون العفريت الجني، عن النبي ﷺ. اهـ
(٦) قال في «فهرس الفهارس» ١/ ٤٣١ خلال ترجمة الرضوي: وروى المسلسل بالفاتحة عن صالح جمل الليل، عن عبد المحسن العلوي، عن إبراهيم أسعد المدني، عن ابن الطيب المغربي، عن أبي العباس ابن ناصر، عن عبد المؤمن الجني، عن النبي ﷺ.
(٧) ألف في أخباره والتعريف به العلامة عبد الحي الكتاني كتابين، الأول: مواهب الرحمن في صحبة القاضي أبي محمد عبد الرحمن يعني شمهروش، والثاني: المحاسن الفاشية عن الآثار الشمهروشية»، وكذا ألف ابن عبد السلام الفاسي كتابا في ثبوت صحبته، وهو أشهر الجن الذين اهتبل أهل الرواية من المتأخرين بالإسناد من طريقه، بحيث لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الأثبات والمشيخات والأسانيد.
[ ٨٠ ]
الفائدة السابعة: أسماء بعض من ادعى الرواية عن الجن مباشرة
جزما، إما من بعض المدعين الرواية عنه، وإما من نفس الشيطان أو الجن الذي يُدعى أنه شمهروش، لأدلة قاطعة على ذلك منها:
اختلاف أزمان وفاته، فقد ادعى موته والصلاة عليه من أهل القرن الحادي عشر ثم الثاني عشر ثم الثالث عشر ثم هو حي بعد ذلك لحله كما ستعرفه.
ومن الطريف ادعاء بعض بني العارف الشرقاوي (^١) الراوي عنه أيضا، أن الأسد أكل شمهروش المذكور، وأن الأسد يحب أكل لحم الجن. ثم بعد أكل الأسد له في دعوى هذا المدعي، ادعى جماعة أيضا الرواية عنه.
وقد أراد بعضُهم أن يلفّق بين هذه الاختلافات بأن لفظ شمهروش اسم لكلّ من تولى منصب قضاء الجن، ككسرى والمقوقس وقيصر بالنسبة لملوك الإنس، وهذا يحتاج إلى نص من قواميس لغة الجن أو دليل من السنة ولا وجود لذلك، فهي من قبيل دعوى الرواية عنه بعد موته مرارا متعددة.
فصل:
الفائدة السابعة: ممن ادعى الرواية عن الجن، أو ادعيت له غلطا أو قصدا: النور علي الأجهوري (^٢)، والنور الحلبي (^٣) - صاحب (السيرة) -، وسلطانُ المزاحي (^٤)، والعارفُ عبد الوهاب العفيفي المصري (^٥)، وأبو العباس بن ناصر (^٦)، ومحمد بن عبد
_________________
(١) أبو حفص عمر بن المكي الشرقاوي، ذكره الكتاني في «فهرس الفهارس» ٢/ ١١٥٤.
(٢) أبو الإرشاد نور الدين علي بن زين العابدين بن محمد بن زين العابدين ابن الشيخ عبد الرحمن الأجهوري: شيخ المالكية في عصره توفي عام ست وستين وألف (١٠٦٦ هـ). ترجمته في «خلاصة الأثر» لمحمد أمين الدمشقي ٣/ ١٩٣.
(٣) علي بن ابراهيم بن أحمد بن على بن عمر الملقب نور الدين بن برهان الدين الحلبي القاهري الشافعي صاحب السيرة النبوية الامام الكبير، مات عام أربع وأربعين وألف (١٠٤٤ هـ). ترجمته في «خلاصة الأثر» ٣/ ١٢٢.
(٤) الشيخ سلطان بن أحمد سلامة بن إسماعيل أبو العزائم المزاحي المصري الأزهري الشافعي، إمام الأئمة وبحر العلوم وسيد الفقهاء وخاتمة الحفاظ والقراء، مات عام خمس وسبعين وألف (١٠٧٥ هـ)، ترجمته في «خلاصة الأثر» ٢/ ٢١٠.
(٥) عبد الوهاب بن عبد السلام بن أحمد بن حجازي بن عبد القادر بن أبي العباس ابن مدين ابن أبي العباس بن عبد القادر بن مدين بن محمد بن عمر المرزوقي المصري الشافعي الشهير بالعفيفي الشيخ القطب الكامل الولي الصوفي المحقق المتوفى عام اثنين وسبعين ومائة وألف (١١٧٢ هـ)، ترجمته في «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» للحسيني ٣/ ١٤٣.
(٦) أبو العباس أحمد بن الشيخ أبي عبد الله محمد بن ناصر الدرعي التمكروتي، ولد سنة ١٠٥٧ وتوفي في ١٨ ربيع الثاني عام تسع وعشرين ومائة وألف (١١٢٩ هـ). ترجمه الكتاني في «فهرس الفهارس» ٢/ ٦٧٧.
[ ٨١ ]
الفائدة الثامنة: أسماء بعض من ألف في مسانيد الجن
الرسول المكي (^١)، وعبد الغني النابلسي (^٢)، وأحمد الحبيب السلجماسي (^٣)، وعلي الزعتري (^٤)، وعارف فتني، وجماعة سيأتي ذكرهم.
فإذا ثبتت الصحبة لهؤلاء الجان، وثبت أنهم رووا عنهم، وشاهدوهم فهم إذًا من التابعين.
ولما روى الشهاب أحمد بن علي المقيتي، عن أخيه عبد الرحمن، عن والدهما، عن شمهروش، قال ما نصه: ويصح أن يُعدّ الوالد من التابعين، لاجتماعه بصحابي من الجن. اهـ
قال جلال الدين محمد مقصود عالم الشاهي في رسالته «القول الصواب في تعريف الأصحاب»، ما نصه: ترددوا في اسم الصحابي، أمختص هو ببني آدم أو شامل للمَلَك والجن أيضا؛ والراجح أنه شامل للجن لأن النبي ﷺ كان مبعوثا إليهم أيضا، وهم من أهل التكليف وفيهم مطيع وعاص، وكلّ مَن صَحِب منهم النبي ﷺ وآمن به فهو من الصحابة.
قال: فبهذا الاعتبار يكون سيد الأقطاب مخدوم جهانيان تابعيا لأنه تلمذ على جني، وهو كان صحابيا وكان يروي الأحاديث عن رسول الله ﷺ، ويروي عنه سيد الأقطاب مخدوم جهانيان. اهـ
فصل:
الفائدة الثامنة: رأيتُ في ترجمة أبي الفيض محمد مرتضى الزبيدي (^٥) من جملة مؤلفاته «مسند الجن»، ولم نقف عليه.
_________________
(١) محمد البرزنجي، ابن عبد الرسول بن عبد السيد بن عبد الرسول بن قلندر بن عبد السيد المتصل النسب بسيدنا الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵁ الشافعي البرزنجي الأصل والمولد المحقق المدقق، توفي عام ثلاث ومائة وألف (١١٠٣ هـ)، كما في «سلك الدرر» ٤/ ٦٥.
(٢) عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، ولد ونشأ في دمشق، ورحل إلى بغداد، وعاد إلى سورية، فتنقل في فلسطين ولبنان، وسافر إلى مصر والحجاز، واستقر في دمشق، مات عام ثلاث وأربعين ومائة وألف (١١٤٣ هـ). ترجمته في «سلك الدرر» ٣/ ٣٠.
(٣) أبو العباس أحمد الحبيب بن محمد اللمطي الصديقي السلجماسي، توفي عام خمس وستين ومائة وألف (١١٦٥ هـ)، ذكره الكتاني في «فهرس الفهارس» مرارا، منها ١/ ٢٧٢.
(٤) يُذكر كثيرا في كتب الأسانيد والمشيخات ك (فهرس الفهارس) ولم أقف له على ترجمة مفصلة.
(٥) مرتضى الزبيدي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عبد الغفار، العلامة الفقيه المحدث اللغوي النحوي الأصولي، الناظم الناثر، مات عام خمس ومائتين وألف (١٢٠٥ هـ)، ترجمته في «حلية البشر» للبيطار ١٤٩٢.
[ ٨٢ ]
الفائدة التاسعة: رواية الشاه الدهلوي القرآن عن الجن
وللشاه أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (^١) ("النوادر من حديث سيد الأوائل والأواخر")، ذكر فيه سبعة أحاديث من رواية الجن، وأحاديث من رواية الخضر والمعمرين، كرتن الهندي وأبي الدنيا الأشجّ، وهو جزء في كراسته مطبوع بالهند مع مسلسلاته و(الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين)، وهي أربعون حديثا منامية رآها هو أو غيره.
ورأيتُ في أسماء مؤلفات الشيخ عبد الحي الكتاني أن له رسالة في أحاديث شمهروش (^٢). وذكر في ترجمة محمد بن عبد السلام الفاسي من (فهرس الفهارس) (^٣) أن عنده رسالةً في إثبات صحبة شمهروش للفاسي المذكور.
وروى شيخ بعض شيوخنا الهنود، وهو محمد بن عبد الرزاق الفرنكي (^٤) أربعين حديثا عن القاضي مهنية الجني، عن النبي ﷺ، فإن أفردَها بتأليف خاص وما أجدرها بذلك، فتكون من طرائف الأربعينات التي ألف فيها سلف الأمة وخلفها؛ فهو تأليف أيضا في أحاديث الجان.
ونحن نروي عن عبد الباقي اللكنوي، عن محمد عبد الرزاق المذكور، فهو سند ثلاثي لنا.
فصل:
الفائدة التاسعة: افتتح الشاه الدهلوي رسالته «النوادر» بقوله: لنا حديث من مسند الجن رويناه عن النبي ﷺ، عن الله ﵎، عن الجن عن النبي ﷺ وهو مدلول قوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يَهْدِي إِلَى الرشد﴾، يعني سمعناه من النبي ﷺ، كما يُفسره الحديث الصحيح في مثله، أنه ثبت عندنا بالسند الصحيح أن النبي
_________________
(١) قال العلامة عبد الحي الكتاني ﵀ في (فهرس الفهارس) ١/ ١٧٨: «ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الهندي ﵀، المتوفى بدهلي سنة ١١٧٦. كان هذا الرجل من أفراد المتأخرين علمًا وعملًا وشهرة». اهـ.
(٢) سبقت الإشارة إليها من قبل.
(٣) (فهرس الفهارس) للشيخ عبد الحي الكتاني ٢/ ٨٤٨.
(٤) ترجمه العلامة الكتاني في (فهرس الفهارس) ٢/ ٧٤٣ واستغرب أيضا روايته نيفا وأربعين حديثا عن مهنية الجني.
[ ٨٣ ]
ﷺ بلّغ عن ربنا ﵎ أنه أخبر عن الجن أنهم قالوا: سمعنا القرآن من النبي ﷺ؛ انتهى.
فصل: ولنشرع الآن في إيراد ما اتصل إلينا بالأسانيد من طريق الجن فنقول: