أن لا يقرأ شيئًا ولا يرويه إلا بإسنادٍ متصلٍ إلى راوي ذلك الحديث، أو مؤلف ذلك الكتاب، للراوي والمؤلف معًا، كيلا تنقطع سلسلة الإسناد،
[ ١ / ٨٥ ]
الذي هو مما اختص الله تعالى به هذه الأمة دون سائر الأمم، وبين نقص غيرهم على لسان نبيه ﷺ في إسقاط عدالتهم، وعدم جواز الرواية بالعنعنة عنهم بقوله: «بينوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .
قال العلماء: أي ولا حرج في إسقاط الرواية عنهم، حيث لم يكونوا أهلًا للضبط والعدالة، وقد صح عن عبد الله بن المبارك الإمام أنه قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وقال أحمد بن حنبلٍ الإمام: طلب الإسناد العالي سنةٌ عمن سلف.
وقيل ليحيى بن معينٍ الإمام في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيتٌ خالٍ، وإسنادٌ عالٍ.
وقال محمد بن أسلم الطوسي الإمام الزاهد: قرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى.
ولذلك كان السلف الصالح رحمة الله عليهم ينهون عن إسقاط الإسناد غاية النهي، حتى أنهم لم يرووا حكايةً ولا شعرًا إلا بالإسناد إلى المروي عنه، حتى لا يدعي أحدٌ كلام غيره أو شعر غيره، فقد فعله كثيرٌ ممن فضحه الله ببركة الإسناد وجهابذته، فما ظنك بالحديث والتفسير والفقه الذي هو علم الشريعة خاصةً من بين سائر العلوم، حتى لو أوصي لأهل العلم أو لعلماء الشرع لم يصرف إلا إلى علماء التفسير والحديث والفقه، وناهيك بهم شرفًا.
ولا اغترار بكثرة عدد من ترك الإسناد في علومه في أقطار البلاد، بل ربما أنكره مستغنيًا عنه بسواد بياض منقطع الإسناد، محتملٍ للزيادة
[ ١ / ٨٦ ]
والنقصان والتبديل والتحريف، يفتون بموجبه، ويروون عن مشاهدة خطه، فلو قيل لهم: من أين لكم أن هذا الكتاب تأليف فلانٍ، أو هذا الكلام للإمام الشافعي، أو أبي حنيفة -رحمة الله عليهما- لاشتغلوا بتأويلات يسوغون بها باطلهم، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فهذا الزمان الذي أخبر بمعناه ﷺ في كثيرٍ من أحاديثه الصحيحة، هذا مع أنهم يقرؤون في كتب الأصول حكاية اختلاف العلماء قديمًا وحديثًا في قبول رواية المراسيل التي يرويها التابعي المشهور عن رسول الله ﷺ بمجرد إسقاط ذكر الصحابي المروي عنه، فإن الشافعي وجمهور المحدثين لم يقبلوها، وإن قبل الشافعي مراسيل سعيدٍ بن المسيب، فإنه إنما قبلها لكونه تتبعها فوجدها عنده مسانيد.
فإذا كان مثل سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم من سادات التابعين، إذا أطلقوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأسقطوا ذكر الصحابي لم يقبل ذلك احتجاجًا، به، فكيف [بغيرهم] ممن بعد سبعمائة ونيفٍ وعشرين سنةٍ؟!
يقولون في مثل كتاب (المصابيح)، و(المشارق)، و(الشهاب)، وغيرها: قال رسول لله ﷺ؟! متأولين ثبوت أسانيدها عند أهلها، ويا له من خطأ ظاهرٍ عند أهله، فالواجب أن يذكر إسناد الكتاب المقروء أولًا، ويقول: أخبرنا فلان بن فلان بن فلان إجازةً أو قراءةً عليه، أو سماعًا، على ما تقتضيه روايته عن شيخه، قال: أخبرنا فلانٌ هكذا إلى مؤلفه، ثم يقول:
[ ١ / ٨٧ ]
قال رحمة الله عليه كذا وكذا، وفي كل مجلسٍ يعيد ذلك الإسناد إلى مؤلفه، أو يقول بالإسناد المذكور إلى مؤلف هذا الكتاب: فلانٌ قال رحمة الله عليه كذا وكذا، ولا يهمل ذلك، فلا يجوز غيره، إذ ما من كتابٍ مصنفٍ في نوعٍ من أنواع العلوم إلا ولهذه الطائفة المنصورة على مؤلفه إسنادٌ معروفٌ عندهم يعرفه الباحث من جنسه، إما بطريقٍ عالٍ أو نازلٍ، سماعًا أو إجازةً.