ومنها: أن لا يروي شيئًا من العلوم من صحيفةٍ لم تقرأ، بل لا بد أن يكون ذلك الكتاب والحديث بخط المؤلف الراوي له أو مقروءٍ عليه، أو على من قرأ عليه وهلم جرا إلى أن يصل إلى أحد شيوخ نفسه ممن يروي هو عنه، وإن لم يكن كذلك فأقل مراتبه أن يكون مقابلًا بأصل، هذا شأنه، فإن قول القائل عن كتاب لم يقرأه ولم يقابل المقروء: أخبرنا فلانٌ بجميع هذا الكتاب إلى أن يسنده إلى مؤلفه -مع علمه باختلاف النسخ وزيادتها ونقصانها- يكون كذبًا في الزيادة قطعًا، ورأس هذا الأمر وعموده الصدق والاحتياط.
وقد عد الحاكم أبو عبد الله الحافظ البيع في طبقات المجروحين من كان هذا شأنه، وقال: وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون، حتى أن عبد الله بن لهيعة الإمام المصري ترك الاحتجاج بروايته مع جلالته لتساهله بأمر الكتب.
[ ١ / ٨٨ ]
واعلم أن رواية مثل هذا الكتاب بالسماع أعظم كذبًا من روايته بالإجازة، ولا اغترار بفعل أكثر بلاد العجم روايتهم كتاب (المصابيح) من أي نسخةٍ وقعت بأيديهم، خصوصًا إن قرئت على رجلٍ فاضلٍ أديبٍ جعلوا تلك النسخة معتمد النسخ، ولم يعلموا أنهم ربما زادوا سقمًا بتصرف ذلك الفاضل في الألفاظ النبوية التي ضبطت من ألفاظ العلماء خلفًا عن سلفٍ آحادًا، كما ضبطت ألفاظ القرآن تواترًا.
فالحمد لله الذي لم يجعل للفضلاء في ألفاظ القرآن نصيبًا، بل حفظه بقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، فجزى الله أهل البلاد الشامية أفضل الجزاء، فإن هذا الأمر عندهم مضبوطٌ.